1439 / ربیع‌الاول / 5  |  2017 / 11 / 24         الزيارات : 483684         صلاة الصبح |         صلاة الظهر والعصر |         صلاة المغرب والعشاء |

لاهوتية الموقف في فاجعة الطف

{ د. طالب حسين }
لاهوتية الموقف في فاجعة الطف

مقدّمة[1]

من طبيعة الأحداث الكبرى في التاريخ أنّها تكون مكتنزة الدلالات؛ مما يجعلها تملك طاقة تأويلية تتيح للباحثين تقديم عديد قراءات لها، حسب المرتكزات الفكرية والإيديولوجية التي ينطلق منها الباحث، وواقعة يوم الطف وفاجعتها واحدة من هذه الأحداث التي زيادة على اكتنازها الألم والحسرة الروحية، فإنّها تقبل عديد قراءات، لا سيما أنّ القائم بها شخصية تمثِّل الكمال الديني والبشري؛ مما يؤهلها الاتصاف بصفات الكمال، ومن ثمّة إمكانية قراءتها حسب ما يعكس ذلك الكمال من الأبعاد العقائدية والاجتماعية والسياسية.

غير أنّ هذه القابلية لا تعني أنّها في أصل وجودها انطلقت من هذه الأبعاد كلّها، إذ وإن احتملت ذلك، إلّا أنّ من الممكن بوضوح أن تكون قد انطلقت من واحد من هذه الأبعاد هو الذي كان مقصوداً بها، وبقية الأبعاد تمثِّل دلالات يستوحيها الباحث من هذا البُعد.

كما أنّ تحديد البُعد الذي انطلق منه الإمام عليه السلام، ليس أمراً يقتضيه البحث الموضوعي البعيد عن الأدلجة والتوظيف الخاص فحسب، بل إنّه أمر تقتضيه العقيدة الدينية، لا سيما عند الاثني عشرية؛ إذ إنّه لا يجوز نسبة حكم أو موقف له بُعد ديني إلى المعصوم من دون أُسس فنيّة علمية، ولهذا تمّ تأسيس عديد علوم في تاريخ المسلمين من العربية إلى أُصول الفقه التي من خلال أداوتها الفنّية يتمّ تحديد الموقف الديني بحيث تكون له شرعية النسبة.

ومن هنا كان اختيار هذا البحث؛ إذ إنّ حركة الإمام الحسين عليه السلام نظر إليها بعضٌ أنّها ثورة سياسية، بل نجد أنّها في الثقافة التي تتبنّاها حركات الإسلام السياسي أصبحت أداة تعبئة وتجييش للأتباع، إلى درجة أصبحت المجالس الحسينية مجالس سياسية، وهو أمر يهدّد الهدف الذي يرى الباحث أنّ الإمام عليه السلام قد انطلق منه، وهو أنّ الإمام (صلوات الله عليه) كان في حركته منفِّذاً لأمر إلهي غيبي من أجل أن لا تضيع جهود النبي صلى الله عليه وآله والإمام علي عليه السلام سدىً، بعد الانحراف الذي حصل في الإسلام نتيجة الممارسة السياسية التي أعقبت وفاة النبي صلى الله عليه وآله. وهذا ما مثّل فرضية البحث التي عبّر عنها العنوان بـ (لاهوتية الموقف في فاجعة الطف)، فإنّه يتبنّى أنّ حركة الإمام الحسين عليه السلام هي حركة دينيّة لها خصوصية لاهوتيّة، أي لها بُعد غيبي مأخوذ من خصوصية شخصية الإمام الحسين عليه السلام، فهي موقف ديني خاص بالإمام عليه السلام.

وهنا أُشير إلى سبب استعمال تعبير (فاجعة الطف) في العنوان مع أنّه ذو حمولة نفسية تراجيدية، الأنسب ابتعاد اللغة العلمية عنها. فنقول: إنّ سبب اختياره يرجع إلى أمر يرتبط بمنهجية البحث، فإنّ البحث يقوم على منهجية قراءة نصوص الإمام الحسين عليه السلام وفق آليات التحليل التراثي والمعاصر للخطاب لتكاملهما ووجوب التزامها بحدود القراءة، حتى لا تنفلت لتقع في التأويل المضاعف الذي لا يخضع للقيود، وأحد هذه القيود هو: أنّ على القراءة التي يطرحها القارئ أن لا تتحرر من قراءة جماعة الخبرة التي تمثِّل معياراً مناسباً للمراقبة والتحكّم في ما يُطرح خارج قراءة هذه الجماعة، من دون أن يعني سدّ الباب أمام تقديم الجديد، وإنّما يعني عند تعدد الاحتمالات ستكون قراءة جماعة الخبرة المعيار في تحديد المناسب من هذه الاحتمالات، وهي معياريّة ناتجة عن تجربة هذه الجماعة التي تمّ بناؤها في ظل تراكم معرفي، وإذا قارنّا هذا الطرح مع مجال بحثنا نجده ينطبق على فهم فقهائنا من السَلَف الصالح وامتدادهم في الوقت الحاضر لأقوال وسلوك المعصوم عليه السلام، وهو ما يُعبّر عنه بالشهرة الفتوائية في المصطلح الأُصولي ولا سيما الشهرة القدمائية.

وحيث إنّ القراءة الدينية هي القراءة التي يتبنّاها البحث مقابل القراءة السياسية، فإنّنا أمام قراءتين محتملتين نظرياً، وهنا يأتي دور جماعة الخبرة، فقد صدر في عام (2008م) كتاب للمرجع الكبير السيّد محمد سعيد الحكيم بعنوان (فاجعة الطف)، يُثبت القراءة الدينيّة وينفي القراءة السياسية، وهي قراءة يمكن القول: إنّها تمثِّل قراءة السلف الصالح من علماء المذهب الاثني عشري؛ إذ إنّ السيّد الحكيم يمثِّل الامتداد لخطّهم المعرفي و منهجهم في التحليل.

ومن ثمّة فإنّ العنوان يشير إلى أنّ دينيّة الموقف هي ما يُستخلص من (فاجعة الطف) بما هي عنوان لحدث تاريخي، وبما هي عنوان لكتاب، وهذا لا يمثِّل غلطاً في الاستعمال؛ لجواز استعمال اللفظ المشترك في معانيه المختلفة في استعمال واحد، كما هو عند العلماء كالسيّد الخوئي قدس سره، كما أنّ السيّد الحكيم نفسه له موقف في هذا الموضوع، أرى أنه يفتح الباب أمام صحة هذا الاستعمال.

وفيما يتعلّق بهيكلية البحث، فإنّه سيتكوّن من ثلاثة مباحث وخاتمة:

الأول: بحث في تنقيح ماهوي لمقولتي اللاهوتي والسياسي، لتكون المعيار في قبول القراءة السياسية أو اللاهوتية لحركة الإمام الحسين عليه السلام.

الثاني: بيان أنّ هذه الحركة تهدف إلى ما هو ديني لا سياسي.

الثالث: بيان أنّها كانت بتخطيط إلهي تمّ إبلاغ الإمام به نصّاً وبطرق الإلهام اللاهوتية، وهي التنبؤ والرؤية.

وخاتمة: تتمثّل بأهمّ نتائج البحث وما يترتّب عليها من تحديد طبيعة الإصلاح الذي سندعو له.

فحسب القراءة اللاهوتية سيترتب علينا الدعوة إلى الوقوف أمام كلّ المحاولات التي أخذت تحول الدين إلى سياسة، بحيث أصبح ما هو ديني تابع لما هو سياسي، فنجد بحجة الدفاع عن الحاكمية السياسية للدين تنتهك المقدّسات من نفوس وأموال ومستقبل أجيال، فإذا تصبح فاجعة الطف من موقف إصلاحي إلى أداة سياسية ويصبح السياسي معيار الديني، كما نجده الآن ممّن يحمل اسم الإسلام السياسي.

إذن؛ تكمن أهمّية نتيجة البحث في كونه يمثِّل البُنية التحتية الفكرية للإصلاح الذي يُطرح باسم موقف الإمام الحسين عليه السلام.

المبحث الأول: اللاهوتي والسياسي

تعد العلاقة بين ما هو سياسي وما هو ديني من العلاقات الإشكالية في الفكر الإسلامي المعاصر؛ الأمر الذي جعل التمييز بينهما على قدر من الصعوبة، فأصبحت بعض الممارسات الدينية تندرج فيما هو السياسي عند بعض، في حين أنّها تبقى في إطارها الديني عند آخر، ويبدو أنّ سبب هذا التداخل والإشكالية هو كون السياسة من الناحية النظرية لها جهتان، فهي «من جهة أُولى صراع ومعركة بين الأفراد والجماعات من أجل الوصول إلى السلطة التي يستخدمها المنتصرون لمصلحتهم وعلى حساب المهزومين، ومن جهة ثانية وفي نفس الوقت هي جهد لتحقيق نظام مفيد للجميع»[2]، ومن هذه الجهة تتولّد الإشكالية؛ إذ إنّ هناك اتجاهاً ـ وقد يكون هو السائد في الثقافة الإسلامية العامة ـ يرى أنّ الإسلام قد نزل لتحقيق دولة الرفاهية والنظام السياسي الأمثل، فيلتقي مع السياسة والملك ـ بتعبير ابن خلدون ـ الذي هدفهما تحقيق المدينة الفاضلة[3].

ومن هنا، وقبل البحث في حقيقة حركة الإمام الحسين عليه السلام من حيث اندراجها في أحدهما أو كليهما، لا بدّ أن نتوقّف عند حقيقة ما هو لاهوتي وما هو سياسي؛ ليكون عندنا المعيار العلمي في الحكم؛ إذ هو ضرورة منطقية، لأنّ التصديق ولازمه الحكم مسبوق بالتصور، والمتقدم طبعاً متقدِّم وضعاً، كما إنّه ضرورة من حيث الحكم الديني، لأنّ الألفاظ ليست مجرّد ألفاظ يمكننا التصرّف في مفاهيمها ونسبتها إلى ما هو ديني بلا محذور، فـ«إنّما يُحِلّ الكلام ويُحَرِّم الكلام» كما قال الإمام الصادق عليه السلام[4].

أولاً: اللاهوتي والبُعد الغيبي

ابتداءً قد ينظر إلى استعمال تعبير اللاهوتي في مجال البحث الإسلامي نظرة تحفّظ إن لم تكن رفض، لكون هذا التعبير يكاد يكون في الثقافة المعاصرة مختصاً بعلم في مجال العقيدة المسيحية، فهو المصطلح الذي يستعمله الباحثون والكتّاب المسيحيون العرب مقابلاً لـ(Theology) الذي يناظر علم الكلام عند المسلمين، غير أنّ هذا الموقف يمكن التراجع عنه إذا علمنا أنّه لفظ إسلامي أصيل استعمله علماء كبار، وفي دلالة ذات بُعد عرفاني ـ كما سيتضح بعد قليل ـ هذا من جهة، ومن جهة أُخرى إنّ كثرة استعماله في مجال العقيدة المسيحية لا يسلبه الدلالة الإسلامية؛ إذ إنّ الانصراف إلى الدلالة إلى المجال المسيحي هو «انصراف غير ناشئ من اللفظ، بل كان من سبب خارجي [وهو] تعارف الممارسة الخارجية له»[5]، فهو «انصراف بدوي يزول عند التأمل»[6].

فكلمة لاهوت مصاغة على وزن (فاعول)، وهي إحدى صيغ المبالغة عند النحاة[7]، وحيث إنّ هذه المادّة تدلّ في معناها المركزي على (التعبد)[8]، فإنّ معنى الكلمة ستكون ما هو منسوب إلى العبودية لله عز وجل في «دلالة على الكثرة والمبالغة في الحدث»[9]، الذي هو الانقياد والعبودية لله عز وجل، والتاء فيه محل نظر عند بعض اللغويين[10]، دون أن يضرّ في انتمائها إلى اللغة العربية وتداولها في التراث الإسلامي، فهي تُقال لـ«لله كما يقال ناسوت للإنسان»[11]، كما أنّها تُطلق على معنى «الخالق و... ربما على الروح... والعالم العلوي»[12] وغيرها.

وهذه الدلالة على العبودية والانقياد لله عز وجل تفسّر لنا استعمالها في التراث الإسلامي واستعمالها الاصطلاحي في كتابات العقيدة المسيحيّة، ففي التراث الإسلامي استعملها بعض علماء الكلام الاثني عشرية في عناوين بعض مؤلفاتهم، فنجد أنّ السيد عميد الدين الحسيني العبيدلي يصنِّف كتاباً نقدياً على شرح خاله العلّامة الحلي لكتاب الياقوت في علم الكلام، وكان عنوانه ـ حسب ما وصل إلينا ـ
(إشراق اللاهوت في نقد شرح الياقوت)[13]، وصنّف المحقق الكركي رسالة في الجدل المذهبي سمّاها (نفحات اللاهوت في لعن الجبت والطاغوت)[14].

والعنوان بوصفه علامة وأحد مكوّنات النص الموازي[15] «لا يأتي مجانياً أو اعتباطياً؛ لأنّ المُبدع يعطي لعنوانه ما يعطيه للعمل من عناية واهتمام»[16]، وهي عناية يقتضيها كون العنوان أوّل مكونات النصّ والعتبة الرئيسة التي تحدد «أين ينتهي العالم الموضوعي؟ وأين يبدأ النص؟»[17]، فهو «الرسالة الأُولى والعلامة الأُولى التي تصلنا»[18] من المؤلف الذي نتيجة إدراكه لأهمّية هذه الرسالة وسيميائيتها «يعطيه الكثير من جهود الفكر والوقت ليختاره بشكل ينسجم مع النص»[19]، بحيث يرتبط بالأبعاد الدلالية للنصّ في كليته، وليس مجرّد اسم على وجوده المادي، فيتم وضعه من قِبَل المؤلِّف بعد أن «يتأوّل عمله، فيتعرّف منه على مقاصده، وعلى ضوء هذه المقاصد يضع عنواناً»[20].

وفي ضوء ذلك وعندما نقف عند العنوان الأوّل نجده بدأ بمركب إضافي وهو (إشراق اللاهوت)، ومفهوم الإشراق يرتبط بنظرية المعرفة في الفلسفة الإشراقية، فحسب نظرية الفيض فإنّ المعرفة لدى الإنسان إنّما تتحقق نتيجة فيض من عقل مفارق هو العقل الفعّال بعد أن تكون النفس مستعدّة لهذا الفيض[21]؛ لذا نجد السهروردي يأخذ في تعريف الإشراق (الله) سبحانه وتعالى لأنه الموجد لهذا العقل في سلسلة الفيض في العالم العلوي، فالإشراق هو «النور الفائض من لدنه»[22]، لذلك؛ فإنّ «الإشراقي يروم التجوهر بنور الأنوار المعبّر عنه بالحق، والاتصال به إمّا بواسطة من الحق أو من غير واسطة»[23]، ومن ثمّة عندما نستنطق دلالة هذا المركب وبالتالي العنوان، فإنّنا نصل إلى نتيجة أنّ المؤلِّف يريد أن يوصل رسالة لنا بأنّ ما سيطرحه من نقد إنّما فيض إلهي، وليس مجرّد تعلم كسبي؛ مما يعني أنّ معنى اللاهوت تضمن معنى إشراقي، وهو المستفاد من النسبة التقييدية في المُركّب الإضافي؛ إذ حسب قاعدة تعدد الدال والمدلول التي هي إحدى تقنيات استنطاق النص، فإنّ كلاً من مكونات التركيب في النص يأخذ حصة خاصة من دلالته الوضعية، وهي الحصة المرتبطة بحصة الدوالّ الأُخرى في النص، فيكون عندنا معنى التعبّد الذي هو المعنى الموضوع لكلمة اللاهوت قد تحصص بحصة التعبّد الناتج من الإشراق من العالم العلوي.

ويكاد الأمر يتكرر في العنوان الثاني، فإنّ التركيب الإضافي (نفحات اللاهوت) قد تضمّن مفردة تنتمي إلى عالم العرفان، وهي مفردة (نفحات)، فهي تعني في الخطاب الصوفي «نسمات وهبات من عالم الغيب تعرض على القلب فيعيش الإنسان بشكل فجائي حالة من الإقبال على الله تعالى بشكل لم يكن معهوداً من قبل»[24]، وهذا المعنى مأخوذ من المعنى اللغوي والاستعمال في السنّة الشريفة فـ «النفحة: دفعة الريح... ونفحتْ الريح: هبّت، وفي الحديث: إنّ لربكم في أيام دهركم نفحات، ألا فتعرّضوا لها. وفي حديث آخر: تعرّضوا لنفحات رحمة الله»[25]، وهي تستعمل في الخير وقد تستعار في الشر[26].

إنّ الوصول إلى تلك النفحات يعدّها الصوفي حالة فتح عرفاني، فلكون الفتح يمثّل «ما يُكرم به الله سبحانه العارفين من نفحات إلهية»[27]، أصبحت هذه النفحات مساوقة للفيض الإلهي؛ إذ إنّ الفتوحات في لغة «أهل التصوف بشكل خاص... يقصد بها ما يفيض الله به على عباده المخلصين من عطاءات الإحسان وثمار المجاهدة»[28]، وزيادة على هذا المعنى، فإنّ للنفحات معنىً خاصّاً مأخوذاً منه يرتبط بعلم الإنسان بالمغيبات في المنام كما تطرحه الفلسفة الإشراقية، وهي حالة إدراك الإنسان ما لا يدركه غيره من الكليات الخاصة بالمشمومات، فهي تسمى بالنفحات الربانيّة[29].

ولهذا البعد الغيبي والاتصال بالعالم العلوي الذي يتضمّنه معنى النفحات، نجد أنّ كثيراً من المصنّفات العرفانية يحرص مؤلّفوها على البدء به في عناوينها، فنجد العناوين مثل: النفحات الإلهية لصدر الدين القونوي، والنفحات القدسية لبهاء الدين البيطار، ونفحات الأنس في حضرات القدس لعبد الرحمن الجامي، ونفحات الأنس في الأنفاس العلية لفاطمة اليشرطية، وهي عناوين ترسل رسالة إلى قارئها بأنّ ما سيطرحه المصنِّف إنما هو هبات من العالم العلوي، إمّا مباشرة أو من خلال عالم أنسي مرتبط به.

ويبدو أنّ المحقق الكركي وهو يكتب في إطار الجدل الكلامي المرتبط بالخلاف حول خلافة الرسول صلى الله عليه وآله أراد إرسال مثل هذه الرسالة في موقفه من هذا الخلاف، فتكون دلالة ما هو لاهوتي محدّد بكونه ناتج من نفحات، وليس مأخوذاً بالكسب التقليدي من العلوم، بالتحليل المتقدِّم في تعبير إشراق اللاهوت.

إذن؛ مقولة اللاهوت تتمحور في المجال المعرفي الذي تكون فيه العلاقة مع الله علاقة غير تقليدية تأخذ بعداً غيبياً لا يكون فيها الفهم وفق الموازين التي تستند على ما هو ظاهري وما هو السائد من قيم معيارية للسلوك في المجتمع قادراً على تقديم تفسير لها، وهو ما سنلاحظه في موقف بعض مَن حاول منع الإمام الحسين عليه السلام من القيام بحركته.

ومن هنا يظهر وجه المناسبة في نقل هذه المفردة من المجال الإسلامي إلى المجال المسيحي، وجعلها مقابلاً للعلم المناظر لعلم الكلام عند المسلمين، «فهذا العلم [المناظر] يتكلّم فيه بالأصالة على الله... فالله... موضوعه»[30]، وهذا الكلام يكون من حيث إنّ الله مصدر العقيدة وما يرتبط بها من سلوك، علم اللاهوت يُعرف بأنّه «علم الديانة»[31]، والبحث في الديانة لا يكون من حيث كونها ظاهرة بشرية «تنطوي تحت علم الإنثروبولوجيا»[32]، بل من حيث «صورتها الموضوعية المبينة في النواميس الإلهية الملزمة للإنسان لأنّها صادرة من الله»[33]، ولذلك فإنّ علم اللاهوت «لا بدّ أن يبتني على إعلان ما فوق طبيعي»[34]، وهو الوحي المقدّس.

ثانياً: السياسي والثوري

في إطار توصيف حركة الإمام الحسين عليه السلام في اللغة السائدة في الخطابة والإعلام، صار وصف الثورة من التوصيفات اللازمة والغالبة الأمر الذي يجعله يكاد أن يكون الوصف المنحصر.

وهذا الوصف إذا أخذناه بمعناه الحقيقي الذي هو مقتضى الأصالة في الاستعمال ورفض سلبه عنها عند مستعمله، فإنّه يستبطن القراءة السياسية لهذه الحركة، ممّا يقتضي التوقّف في حقيقة ما هو سياسي وما هو ثوري قبل تحديد الموقف من هذه القراءة:

1ـ السياسة: إنّ تحديد مفهوم ما هو سياسي، ينبغي أن ينطلق من المجال المعرفي الذي يتناول الممارسة السياسية بالبحث والتحليل، وهو علم السياسة، لا سيما وأنّ الممارسة السياسية يختلط معها ما هو غير سياسي؛ الأمر الذي انعكس على الموقف من تحديد المقوم الوجودي لما هو سياسي، ونعني به الموضوع؛ إذ ظهر اتجاه أُطلِق عليه الاتجاه السلبي الذي مثلته «المحاولات التي تميل إلى إنكار تمتّع علم السياسة بوقائع اجتماعية خاصة به»[35]، الذي يرجع عند مَن يتبنّاه إلى شمول الظاهرة السياسية وقائع اجتماعية تنتمي إلى علوم أُخرى مثل (التاريخ والاقتصاد والجغرافية والفلسفة والقانون)[36]، ولكن في المقابل هناك اتجاهاً إيجابياً في تحديد موضوع السياسة يختص به علمها، غير أنّه انقسم على موقفين: أحدهما يرى أنّه الدولة، والآخر يرى أنّه السلطة، وهذا الأخير «يحظى... بتأييد العدد الأكبر من علماء السياسة»[37]، وهو خلاف ليس بذات أهمّية كبيرة، فظهر اتّجاه يرى فيه أنّه خلاف على المستوى النظري فقط، وإلّا فالواقع واحد «ذلك أنّ الذين يعرّفون السياسة بأنّها: علم السلطة العامّة يعترفون هم أنفسهم بأنّ السلطة تبلغ في الدولة أكمل صورها وأتمّ تنظيم، وإنّ من الواجب أن تُدرس في هذا الإطار خاصّة»[38]، فالخلاف إنّما بين الشيء ومظهره، لأنّه بالنتيجة إنّ «علم السياسة موضوعه الدولة ومظهرها هو السلطة»[39].

إذن؛ ما هو سياسي لا يخرج عن موضوعه الدولة والسلطة، إلّا أنّه ـ وحذراً من الخلط مع المجالات التي تحيط بالظاهرة السياسية ـ يجب التأكّد أنّ الظاهرة لكي تكون سياسية لا بدّ أن تكون الدولة والسلطة قيداً فيها، بحيث القيد والتقييد داخل، وإلّا لو كان القيد خارجاً كما لوكان ظرفاً للظاهرة، فإنّها لا تكون سياسية لاستلزامه أن يكون كلّ ما هو اجتماعي سياسي؛ لأنّه لا وجود للسياسة مفهوماً ووجوداً خارج المجتمع؛ لذا كان مصدر الخلاف في التحديد الإيجابي لموضوع السياسة هو أنّ الفعل الاجتماعي يمكن أن يندرج في أكثر من مجال بتعدد جهات الظاهرة الاجتماعية، فالسلطة لها اعتبارات بعضها يجعلها سياسية والآخر ليس كذلك، فعدم التقييد سيعني الرجوع إلى الاتجاه السلبي المرجوح علمياً في موضوع السياسة.

2ـ الثـورة: (غربية المفهوم)، مفردة الثورة في مفهومها السياسي الحديث تختلف بالكامل عن مفهومها في التاريخ العربي الإسلامي، فمادة (ث.و.ر) في معناها المركزي تدل على «انبعاث الشيء»[40]، وهذا ما نجده حاضراً ضمناً في استعمالاتها في عصر النصّ كالحديث «صلّوا العشاء إذا سقط ثور الشفق، أي: انتشاره. وثوران حمرته: من ثار الشيء يثور إذا انتشر وارتفع»[41]، كما أنّ صيغة الفعل (ثار) التي هي مستعملة في اللغة السياسية الحديثة لم تكن لها دلالة سياسية، ففي «الخبر ثارت قريش بالنبي صلى الله عليه وآله، فخرج هارباً، أي: هيّجوه من مكانه»[42]، ولهذا المعنى اللغوي ـ أي: الهيجان ـ
سمّى العرب الحيوان المعروف باسم الثور بهذا الاسم لأنّه «يثير الأرض»[43]ويهيج ترابها، وكذلك نجد اسم الفاعل من هذه المادة، أي (الثائر) لم يكن له دلالة سياسية، بل كان تعبيراً عن حالة نفسية وهي الغضب، إذ «الثائر الغضبان، ويقال للغضبان: أهيج ما يكون قد ثار ثائره»[44].

إنّ المتتبّع لصيغ هذه المادة في لغة عصر النصّ ـ وهو عصر المعصوم ـ يجدها تكاد تكون خالية من الصيغة (ثورة)؛ إذ لا نجد هذه الصياغة إلّا في بيت من الشعر مروي بروايتين، أحدهما بهذه الصيغة، والأُخرى برواية (ثروة) بدل (ثورة)؛ مما يحتمل قوياً وجود تصحيف، ومع قطع النظر عنه، فإنّه على الروايتين المعنى المراد هو الكثرة[45].

إذن؛ لا يوجد لمفردة (الثورة) استعمال شائع حتى على المستوى اللغوي، ممّا يجعل عملية حمل كلمة (ثورة) على حركة الإمام الحسين عليه السلام حملاً حقيقياً بالدلالة السياسية استعمالاً تأويلياً لا يجد مصححاً له على مستوى الاستعمال، وهو ما قد يفسِّر لنا حقيقة أنّنا لم نجدها مستعملة في مجموع أحاديث الأئمة الاثني عشر المروية في كتب بحار الأنوار ووسائل الشيعة ومستدركه، ولا في كتاب نهج البلاغة، فلا نجد رواية واحدة تصف حركة الإمام بكلمة (ثورة)[46]، وكذلك لا نجد استعمال كلمة (ثورة) في كتب الآداب السلطانية التي تمثِّل في التراث الإسلامي «الكتابات السياسية... الواجب على الحاكم اتباعها»[47]، وتمثِّل مصدر «الثقافة السياسية الفلسفية والثقافة السياسية الشرعية»[48] للمسلمين؛ إذ تشمل النصوص السياسية منذ عصر الرسول صلى الله عليه وآله وتنتهي في القرن العاشر الهجري[49].

وعند الانتقال إلى الثقافة السياسية الحديثة نجد كلمة (الثورة) أصبحت مصطلحاً لمفهوم الـ(Revolution) الذي تعرّفه القواميس الإنكليزية[50]:

An attempt، by large number of people، to change the government of country، especially by violent action[51].

An overthrow or repudiation and the thorough replacement at an established government or political system by the people

governed[52].

من خلال هذين التعريفين يمكن القول: إنّ الثورة السياسية متقوِّمة بأمرين:

الأول: من ناحية الفاعل، وهو قيام أعداد كبيرة من الجماهير بهدف تغيير جذري راديكالي لنظام الحكم القائم، وليس من قبل مجموعة من رجال الجيش كما في الانقلاب العسكري.

الثاني: من ناحية الهدف، وهو استلام السلطة وإنشاء نظام سياسي جديد، وليس مجرّد تغيير أشخاص السلطة كما هو في الانقلاب.

بالنتيجة، فإنّ ما هو سياسي وثوري يكون المنظور فيه والعلّة الغائية له سلطة جديدة، ومن دون هذين المقومين لن يكون نسبة السياسي والثوري لحركةٍ ما إلّا من باب المجاز في الإسناد؛ فيصح نفيها عنها.

المبحث الثاني: الطف (تصحيح ديني)

إنّ أوّل المواقف التي اقترنت بمواجهة مسلحة في تاريخ الأئمة الاثني عشر تجاه السلطة كان موقف الإمام الحسين عليه السلام، وقد قُرِئ هذا الموقف في ثقافة المسلمين عامّة والشيعة خاصّة على أنّه ثورة سياسية قام بها الإمام الحسين عليه السلام من أجل إسقاط السلطة الأُمويّة، إلّا أنّنا عند الرجوع إلى المراحل التوليدية لهذا الموقف ونصوص الإمام عليه السلام التي أنتجها في مراحل هذا الموقف سوف تنتج لنا قراءة أُخرى بعيدة عن الدلالة الثورية المسلحة.

لقد كان الموقف الأساس في حركة الإمام الحسين عليه السلام، هو عدم مبايعة السلطة[53]، «متأبياً عن بيعة يزيد، آنفاً من الانخراط في زمرة رعيته»[54]، وهو موقف يعود إلى عدم شرعية خلافة يزيد، إذ زيادة على عدم اتّصافه بالصفات الأساسية ليكون خليفة للمسلمين بعد ارتكابه الكبائر والفواحش كشـرب الخمر[55]، فإنّ أخذ البيعة بولاية العهد كان بطريقة مسرحية متجاوزة لإرادة النخبة وإجبار مَن كان حاضراً منهم وتحت تهديد السيف[56]. والإمام الحسين عليه السلام لم يتجاوز هذا الموقف إلى موقف تصعيدي آخر بوجه سلطة يزيد، بل إنّه عندما أدرك أنّ السلطة سوف تجبره على البيعة قرّر ترك المدينة إلى مكّة، وهو يتلو الآية الكريمة: (فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)[57]، وعندما دخل مكة قال: (وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَىٰ رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ)[58] [59]، وهو نصّ قرآني يعبِّر عن الحالة النفسية لموسى عليه السلام عندما خرج من المدينة بسبب قتله القبطي وهو يتوقع اللحاق به وقتله[60]، فكان خائفاً من القتل، يسعى في خروجه من مصر لأنْ ينقذ نفسه من خلال عون إلهي بتوجيه إلى مخرج وسطي للنجاة، لأنّ الأخذ يميناً وشمالاً يباعد عن طريق الصواب[61]، ممّا يعني أنّنا أمام نصّ ذي فعل إنجازي تعبيري ينتج وظيفة اتصالية تعبِّر عن الحالة النفسية للإمام عليه السلام وموقف السلطة تجاهه، وهي حالة تكشف عن عدم وجود قرار لمواجهة السلطة عسكرياً، وأنّ الموقف الوسطي الذي اتّخذه هو تحاشي الصدام معها، لا سيما وأنّ سورة القصص تضمّنت في عتبتها نصوصاً (آيات) لها علاقة تجاور مكاني مع النص الذي استشهد به عليه السلام، دلالتها الإنجازية على وعد إلهي بنصر المستضعفين وتمكينهم في الأرض كقوله تعالى: (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ)[62]، وهي دلالة تنطبق على الإمام عليه السلام الذي هو امتداد لأخيه الحسن عليه السلام الذي استُضعف بسبب الخيانات الكبيرة في جيشه[63]، الذي دفعه للصلح بدلاً من القتل، هو وبعض أتباعه المخلصين[64]، ممّا يجعل لها بُعد تعبوي واستثآري عندما يخاطب بها الجمهور.

وقد كان الإمام عليه السلام صريحاً في أكثر من نصٍّ على أنّه مطارد من السلطة وأنّها حسمت قرارها في تصفيته الجسدية عندما يصرّ على موقفه على عدم الاعتراف بشرعيتها، ففي حوار مع عبد الله بن عمر الذي بَيَّن للإمام عليه السلام أنّ البيت الأُموي بعداوته وظلمه للبيت الهاشمي، سوف يستغل هذه الفرصة لقتله، ودعاه إلى الصبر على يزيد كما صبر على معاوية، فأجابه الإمام عليه السلام بفعل قولي استفهامي إنجازه الرفض الشديد لمحتواه، إذ قال: «أنا أبايع يزيد وأدخل في صلحه؟!»[65]، وهو «رجل فاسق، شارب خمر، قاتل النفس المحرمة، مُعلن بالفسق، ومثلي لا يبايع مثله»[66].

ومع قراره النهائي بعدم مبايعة يزيد، ويقينه المطلق بأنّه مقتول لا محالة، إلّا أنّه رفض الاستفادة من الزمان والمكان في تعبئة الجمهور ضد السلطة، فهو لم يستثمر حالة الرفض التي كان يحملها المسلمون ليزيد وسلطته، ولم يوظف المسجد والبيت الحرام بما له من بُعد معنويّ في إثارة العاطفة الدينيّة للمسلمين، فعندما عرض عليه ابن الزبير البقاء في مكّة بعد وصول رسائل أهل الكوفة بمبايعته على الثورة وتسليمه السلطة، طالباً منه عدم السفر إلى العراق، قال له الإمام عليه السلام: «والله، لأن أُقتل خارجاً منها بشبر أحبّ إليّ من أن أُقتل داخلاً منها بشبر»[67]؛ لأنّ للمسجد حرمة «لا نستحلّها ولا تُستَحل بنا، ولأن أُقتل في تل أعفر أحبّ إليّ من أن أُقتل بها»[68]و«لأن أُدفن بشاطئ الفرات أحبّ إليّ من أن أدفن بفناء الكعبة»[69].

إذن؛ يمكن القول: إنّ استقراء نصوص الإمام في مكّة ينتج أنّه عليه السلام قد هيّأ نفسه إلى نتائج موقفه بعدم مبايعة يزيد، ولم يكن هناك نصوص طرح فيها الإمام نفسه كمنقذ وثائر يريد قلب السلطة[70]، إلّا بعد أن جاءته رسائل أهل الكوفة التي كان أصحابها «رجالاً بارزين من القبائل، ومن اليمانية على وجه الخصوص... أكبر القبائل عدداً وأهمّيةً»[71]، وكانت نصوصها ذات صيغ أدائية في التعبير عن تعهّد بمبايعته وتسليمه السلطة، منتجة ببسط حجاجي للموضوع؛ إذ كان رفضهم سلطة يزيد بسبب أنّها كانت عن طريق «تآمر على هذه الأُمّة، بلا مشورة ولا إجماع ولا علم من الأخبار»[72]، ولذا اتّخذوا القرار في دعوته إلى قيادتهم، فأرسلوا له خطاباً بأنّ «الناس منتظرون لا رأي لهم في غيرك، فالعجل العجل يا بن بنت رسول الله، قد اخضـّرت الجنات وأينعت الثمار وأعشبت الأرض وأورقت الأشجار»[73]، «فأقبل... فرحاً مسروراً مأموناً مباركاً سديداً وسيداً وأميراً مطاعاً، إماماً وخليفة علينا مهدياً»[74].

ومع هذه النصوص الأدائية التعبير عن موقفها، بحيث لا تترك للمتلقّي لها شكوك في دلالتها إلّا أنّ الإمام عليه السلام مع موافقته على العرض، ويقينه السياسي والغيبي أنّه سيُصفّى جسدياً ـ كما سيتبيَّن في المطلب الآتي ـ فإنّه بعث رسوله مسلم بن عقيل ليتأكّد من وصول الجماهير الكوفية إلى مرحلة أداء التزامها بالوقوف معه ضد سلطة يزيد، قائلاً له: «امضِ على بركة الله حتى تدخل الكوفة... فإن رأيت الناس مجتمعين على بيعتي، فعجّل لي بالخبر حتى أعمل على حسب ذلك إن شاء الله تعالى»[75].

إذن؛ انتقال الإمام عليه السلام من مرحلة الموقف الشخصي غير المسلّح إلى الموقف الجماهيري الثوري كان بسبب العرض الكوفي ـ النخبوي والجماهيري ـ الذي يقترب كثيراً من موقف أبيه الإمام علي عليه السلام بعد مقتل عثمان، فيكون دافع موافقة الإمام عليه السلام الدافع نفسه عند أبيه، وهو قيام الحجّة، وتحول الموقف من موقف فردي اختياري إلى موقف ديني إلزامي، ولذا عندما حصل تغيّر في الموقف بعد أن تمّ اعتقال قسم من النخبة، وتغيّر موقف القسم الآخر[76]؛ ما أدّى إلى سيطرة والي الكوفة على الجمهور وتعبئته ضد الإمام عليه السلام، فعاد الإمام عليه السلام إلى موقفه الفردي من خلال خطابه لأهل الكوفة قائلاً: «أيّها الناس، إنّها معذرة لله عز وجل، إنّي لم آتكم حتى أتتني كتبكم وقدمت عليّ رسلكم: أن أقدم علينا، فإنّه ليس لنا إمام، لعل الله يجمعنا بك على هدىً، فإن كنتم على ذلك فقد جئتكم، فإن تعطوني ما أطمئن إليه من عهودكم ومواثيقكم؛ أقدم مصركم، وإن لم تفعلوا وكنتم لمقدمي كارهين؛ انصرفت عنكم إلى المكان الذي أقبلت منه إليكم»[77].

فهذا النصّ بدأ في عتبته بوظيفة إخبارية، إن المواقف التي اتّخذها الإمام عليه السلام مستندها الواجب الشـرعي بعد أن منحته الجماهير عهداً بالبيعة والالتزام بمضمونها، وهو ما مثّل نواة موضوع النص، فلكي يتحقق انسجام النصّ والاتّساق الموضوعي له، لا بدّ أن تكون العلاقة بين عتبة النص والمحتوى القضوي في تعليق مجيئه على دعوتهم هو السبب للموقفين الذي اقترحهما الإمام عليه السلام عليهم، اللذين بدورهما يستندان إلى موقف الجماهير وإرادتهم، وليس لإرادة فوقية تجسدها إرادة الإمام عليه السلام، مع أنّ إرادته متطابقة مع الإرادة الإلهية في رفض السلطة الظالمة اللاشرعية.

وقد كان الإمام عليه السلام في مجموع نصوصه يؤكِّد على تبعية موقفه الثوري لموقف الجماهير التي طلبت منه قيادتها؛ لذا عندما علم إن أهل الكوفة قد تراجعوا عن موقفهم قرر الرجوع إلى مكّة، غير أنّ عبيد الله بن زياد رفض ذلك، واشترط عليه أن يبايع يزيد؛ الأمر الذي رفضه الإمام عليه السلام، راضياً بالموت ثمناً لهذا الرفض[78]، وهو عليه السلام لم يلمح بالثورة على السلطة، بل جعل موقفه غير محدّد مسبقاً، وإنّما يتحدّد في ضوء ما يكون عليه موقف الجماهير من سلطة يزيد[79].

وكما كان عليه السلام يؤكّد على تبعية إرادته الثورية المسلحة إلى إرادة الجماهير، فهو لم يمارس عليهم ضغطاً دينياً أو سياسياً أو أخلاقياً للالتحاق به والبقاء معه، ففي طريقه إلى الكوفة خاطب بعض المجموعة التي كانت معه بأنّي: «لا أُكرِهُكم، مَن أحبّ أن يمضي معنا إلى العراق أوفينا كراءه وأحسَنّا صحبته، ومَن أحبّ أن يفارقنا من مكاننا هذا أعطيناه من الكراء على قدر ما قطع من الأرض»[80]، وهو موقف لم يرتبط بظروفه وموقف أهل الكوفة؛ لذا كرره على مَن بقي معه بعد علمه بأنّ أهل الكوفة تراجعوا عن موقفهم، وقُتِل مسلم بن عقيل، إذ خاطبهم «قد خذلتنا شيعتنا، فمَن أحبّ منكم الانصراف فلينصـرف، ليس عليه منّا ذِمام»[81]؛ الأمر الذي أدّى إلى تفرّق معظم مَن كان معه، ولم يبقَ معه إلّا مَن جاء معه من المدينة.

إنّ هذين المبدئين اللذين سار عليهما الإمام عليه السلام في خطابه مع أتباعه، وهما: إنّ موقفه الثوري تابع لإرادة الجمهور، وأنّ أتباعه يملكون الحرّية الكاملة في تغيير موقفهم، وكان الإمام عليه السلام يبادر إلى الطلب إليهم بتركه عندما يجد أنّ المواجهة قد اقتربت مع السلطة، قد حافظ عليها الإمام إلى آخر لحظة، ففي ليلة عاشوراء خاطب أتباعه قائلاً: «إنّي لا أحسب القوم إلّا مقاتلوكم غداً، وقد أذنت لكم جميعاً، فأنتم في حلٍّ منّي، وهذا الليل قد غشيكم، فمَن كانت له قوّة، فليضم رجلاً من أهل بيتي إليه وتفرقوا في سوادكم»[82]، «فأنتم في حلّ وسعة من بيعتي وعهدي الذي عاهدتموني»[83]، وخاطب أهل الكوفة والجيش الذي يواجهه في صبيحة يوم عاشوراء «أيّها الناس، إذ كرهتموني؛ فدعوني أنصـرف عنكم إلى مأمني من الأرض»[84].

إذن؛ خطاب الإمام الحسين عليه السلام منذ مواجهته الأُولى مع والي المدينة إلى يوم عاشوراء لم يكن خطاباً تعبوياً ثورياً لتغيير السلطة، وإنّما اقتصر على مستوى موقفه في رفض البيعة، وقراره بقبول عرض أهل الكوفة الذي تراجع عنه بعد تراجعهم عنه، إلّا أنّ السلطة الأُمويّة لم تمنحه إلّا أحد الخيارين: إمّا القتل أو الاستسلام والبيعة، فكان الإمام عليه السلام ليس أمامه غير خيار القتل، وهو قرار لم يكن لأجل محاولة تغيير السلطة، بل لأنّه الموقف الإنساني والديني والشَرَفي الذي ينسجم مع شخصيته، وهو ما قدّمه الإمام عليه السلام من خلال النص الآتي في يوم عاشوراء: «هيهات منّي الذلة، أبى الله ذلك ورسوله والمؤمنون، وجدود طهرت، وحجور طابت، أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام»[85]. فهو نص بدا بتقرير وظيفته الكلية الإعلامية، وهي الرفض لخيار الاستسلام والبيعة، مقدم هذه الوظيفة باستراتيجية إقناعية تقوم على عرض سطح النص بتقنية الموازاة لزيادة الإعلامية وإحداث استقرار محتوى موقفه لجعل عالم النص محدداً لدى القارئ ما أمكن.

إذن؛ التعبير عن الموقف النهائي للإمام الحسين عليه السلام بأنّه ثورة مسلحة لإسقاط السلطة، تعبير إيديولوجي تأويلي لا ينسجم مع نص الإمام عليه السلام، الذي لم يتجاوز فعله الإنجازي، الموقف الأساس تجاه السلطة في عدم المبايعة وعدم إعطائها الشـرعية بعد الانحراف الكامل في مركز السلطة في المجتمع الإسلامي، أي منصب الخلافة عن النبي صلى الله عليه وآله الذي بدأ يتحول إلى مَلَكيّة أُمويّة منذ تسلّم عثمان الخلافة، وهو تحوّل تدريجي بلغ قمّته في ملك معاوية[86]؛ الأمر الذي دفع أتباع الإمام الحسين عليه السلام بأن يطلبوا منه الثورة بعد اغتيال معاوية لأخيه الحسن عليه السلام، إلّا أنّ الإمام عليه السلام لم يتفق معهم، وطلب منهم السكوت والصمت الكامل تجاه سلطة معاوية، وأمرهم في نص مركّز: «أمّا أنا، فليس رأيي اليوم ذلك، فالصقوا رحمكم الله بالأرض، وأكمنوا في البيوت، واحترسوا من الظنّة ما دام معاوية حيّاً»[87]، وهو الموقف نفسه الذي اتخذه مع أخيه الحسن عليه السلام قبل اغتياله[88].

إنّ المنهج السلمي في معارضة السلطة من قِبَل الإمام الحسين عليه السلام حافظ عليه حتى في أكثر الفرص المتاحة لمباغتة السلطة وتحقيق نصرٍ أوَّليّ عليها؛ إذ بعد استشهاد مسلم بن عقيل ومحاصرة الحرّ الرياحي للإمام عليه السلام، وإلزامه بالذهاب معه إلى الكوفة وابن زياد، قال له زهير بن القين: «يا بن رسول الله، إنّ قتال هؤلاء القوم الساعة أهون علينا من قتال مَن يأتينا من بعدهم... فقال الحسين عليه السلام: ما كنت لأبدأهم بالقتال»[89]. وهو موقف حافظ عليه حتى في يوم عاشوراء؛ إذ لم يأذن لأتباعه بالقتال إلّا بعد أن أعلن عمر بن سعد الحرب برمي الحسين عليه السلام وأصحابه بسهم، فقال لأتباعه: «قوموا رحمكم الله إلى الموت الذي لا بدّ منه، فإنّ هذه السهام رسل القوم إليكم»[90].

إذن؛ إذا كان الإمام عليه السلام قد تبنّى موقفاً سلمياً يرى أنّه مسؤوليته وحده، ولم يعمل على تعبئة وإلزام الجماهير، فإنّنا سنكون أمام عناصر سياقية تحدد دلالة الموقف على وفق مبدأ التأويل المحلي، بأنّ الموقف أراد إنتاج رسالة غير سياسية، بل رسالة تصحيحية لواقع بلغ من الانحراف يهدد المحدد الفوقي الذي يحكم الموقف السياسي تجاه السلطة، وهو الحفاظ على المعالم والخطوط العامة للإسلام في المجتمع؛ ممّا جعل أمام الإمام عليه السلام واجباً تجاه المجتمع والتاريخ في بيان أنّ المرحلة بلغت ذروة الانحراف، فكان منهجه في ذلك «الامتناع عن البيعة ليحول دون تمتّع يزيد بصفة المرجعية الدينيّة عند عامّة المسلمين، وليحتفظ بالقدرة على تصحيح وتقويم الانحراف على المستوى العقيدي والتشريعي، ولما واجه الخيار بين البيعة والقتل آثر الثورة [الشخصية] الانتحارية ليسجِّل هذا الموقف المبدئي»[91]، واختياره القتل لم يكن خياراً، بل كان واجباً؛ لأنّه الطريق الذي سيحقق «الفصل التام في وعي الأُمّة بين منصب الخلافة وبين المرجعية الدينية للأُمّة»[92]، بعد أن أخذ الوصل التام بينهما يستقر في المجتمع بوصفه امتداداً لمرحلة قيادة النبي صلى الله عليه وآله والخلافة الراشدة، وهو فصل إذا تمّت المحافظة عليه والإيمان به في المرحلة الأُمويّة، ستكون له مرجعيته الشرعية في النصّ السلوكي للأئمّة بعد الإمام الحسن عليه السلام الذي أعطاه شرعية شكلية بالصلح مع معاوية.

هذه القراءة الدينيّة الإصلاحية لحركة الإمام الحسين عليه السلام نجدها في قراءة المرجع الكبير السيد محمد سعيد الحكيم الذي تقدّم كونه يمثِّل جماعة الخبرة التي تكون قراءتهم مُرجِّحاً في حالة تقاطع القراءات لنصٍّ أو موقف ما.

ترى هذه القراءة أنّ «المنظور الأوّل للإمام» الحسين عليه السلام يتجسّد في «ما جناه الدين من ثمرات»[93]، وبهذا المنظور أخذ الإمام الحسين عليه السلام خصوصيته التاريخية الفريدة في تاريخ المصلحين؛ إذ «هو الذي يرتفع به إلى منزلة القديسين، وبه صار ثأر الله عزّ وجلّ»[94].

إن هذا المنظور هو نتيجة الحكمة الإلهية من وجود الأئمة الاثني عشـر وخلافتهم المعرفية للرسول الكريم محمد صلى الله عليه وآله، التي أناطت بهم وظيفة دينيّة وهي «رعاية الدين والجهاد في سبيل صلاحه وحمايته»[95]، فكان الإمام الحسين عليه السلام في موقفه من البيعة للسلطة الأُمويّة محكوماً بهذه الوظيفة، إذ بعد أن وجد أنّ الإسلام ونتيجة تحكُّم اللعبة السياسية الأُمويّة به «قد تعرّض بسبب انحراف السلطة لخطر التحريف والتشويه بحيث تضيع معالمه، ولا يتيسّر الوصول والتعرّف إليه لمن يريد ذلك، كما حصل في الأديان السابقة»[96]، وجد نفسه الشريفة أمام واجب أداء الوظيفة الإلهية بوصفه أحد الأئمّة الاثني عشر القيِّمين على حفظ رسالة الإسلام، فكان في موقفه «صاحب رسالة قد حمّله الله سبحانه إياها وائتمنه عليها»[97].

لقد كان الإمام الحسين عليه السلام يدرك أنّ الظروف السياسية والاجتماعية «التي أحاطت بنهضته المباركة... لا تناسب انتصاره عسكرياً»[98]، ومع ذلك لم يتراجع صلوات الله عليه عن موقفه قيد أُنملة من حيث هدفه الديني، وهو إسقاط شرعية السلطة في بُعدها الشـرعي وحيثيتها الدينية التي كانت تقتضيها ثقافة المسلمين السياسية، ولا سيما بعد أحداث سقيفة بني ساعدة، والتي تماهي بين السلطة وإسلامية أفعالها وأقوالها، ومن ثمّة تكون السلطة مرجعاً لتحيد ما هو إسلامي؛ لذلك حرص الإمام عليه السلام على أن يعلم المسلمين «انحصار المرجع في الدين بالكتاب والسنّة»[99]؛ الأمر الذي نتج عنه «المكسب المهم للدين في فصله عن السلطة غير المعصومة وتحريره من أن تتحكّم به»[100]، فكان صلوات الله عليه مُصـرِّاً أشدّ الإصرار في الاستمرار في موقفه ورسالته الدينية، فيجد «الناظر في تفاصيل واقعة الطف بموضوعية وإنصاف... أنّ الإمام صلوات الله عليه منذ امتنع عن بيعة يزيد في أواخر شهر رجب... صمم على المضي في مشروعه وتحقيق هدفه، عالماً أنّ ذلك ينتهي بقتله وقتل أهل بيته... مع ما يترتّب على ذلك من... انتهاك حرمته وسبي عياله والتشهير بهم»[101]، وهذا الإصرار لا يكون مقبولاً إلّا إذا كان الهدف دينياً؛ إذ من الناحية السياسية والاجتماعية لم يترتّب أيّ إصلاح على هذا الموقف وهذا الإصرار، فـ«إنّ النهضة الشريفة لم تخفف من غلواء السلطات المتعاقبة باسم الإسلام في الظلم والطغيان والإثرة والتعدّي، وانتهاك الحرمات العظام، والخروج عن أحكام الله عز وجل في مختلف المجالات»[102]، كما أنّها لم تمسّ آلية استلام السلطة وانتقالها، فهي «لم تمنع من استمرار العمل على نظام ولاية العهد في الخلافة من دون رعاية أهلية المعهود له»[103]، بل لم يكن لها أثر اجتماعي من الناحية الدينيّة والأخلاقية، فهذه «النهضة لم تقف حاجزاً دون تدهور المجتمع دينياً وخُلقياً بشـرب الخمر وظهور الفجور واستعمال الملاهي وأكل الحرام والجرأة على الدماء... إلى غير ذلك»[104].

إذن؛ لا يمكن أن يكون الجانب السياسي هدفاً للإمام عليه السلام، بل إنّ جعله هدفاً هو طعن بحكمة الإمام عليه السلام، فضلاً عن عصمته بعد عدم تأثّر الواقع السياسي بنهضته، بل نجد أنّ أركان الدولة الأُمويّة تمت بعدها واستمرت ويقارب ثمانين سنة، وهو ضمن العمر الطبيعي للدول في بعض نظريات فلسفة التاريخ، وعندما سقطت فإنّها سقطت بما يناظر الانقلاب العسكري في الوقت الحاضر، أي: إنّ روحها بقيت وإنّما تغيّر الأشخاص.

المبحث الثالث: الموقف والنفحة الغيبية

بالرغم من كون البُعد الغيبي يُمثّل بُعداً صوفياً في السلوك، ولا يُمثّل مؤشّراً منطقياً لتفسير الأحداث، إلّا أنّ إنتاجه بتقنية التكرار في الموقف، يدفع المتلقّي لخطاب هذا الموقف إلى عدم التجاهل الكامل له في محاولة قراءته تقنيّاً، لكون فاعله بتكراره إنتاج هذا البُعد وإصراره على عرضه بعبارة موازية، يكون قد أنتج دالاً في رسالته، لا بدّ أن يدخلها المتلقي في المعالجة، لأنّ تجاهلها هو تجاهل لأحد عناصر بنية النص في كلّيته حسب ما يطرحه المنتج؛ ممّا يعني إحداث خلل في الترابط الداخلي والتماسك الدلالي للنص، على مستوى السطح وعلى مستوى العمق، وتجاهل لأحد العناصر السياقية والذي يترك أثره السلبي على إنجازية النص ووظيفته للعلاقة التوليدية بين التماسك الداخلي للنص ووظيفته.

وعند مراجعةٍ ثانية للنصوص التي أنتجها الإمام الحسين عليه السلام، وخصوصاً في المرحلة المكّية وقبل تطوّر الأحداث وبروز موقف السلطة منه، نجده عليه السلام في حواره مع الرافضين لقراره في عدم مبايعة يزيد وقبول عرض أهل الكوفة، يؤكِّد على أنّ موقفه ونتائجه قد حُدِّدت له مسبقاً وغيبياً من قِبَل الرسول صلى الله عليه وآله.

وفيما يأتي نماذج لنصوص هذا البعد الغيبي:

في حواره عليه السلام في المدينة مع أخيه عمر الذي ألمح له بأنّ أخاه الحسن عليه السلام نقل عن أبيه بأنه سيُقتل، فأجابه الإمام عليه السلام: «حدّثني أبي أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله أخبره بقتله وقتلي، وأن تُربتي تكون بقرب تربته، فتظنّ أنّك علمت ما لم أعلمه!»[105].

في حواره عليه السلام مع أُمّ سلمة في المدينة: «يا أُماه، والله إنّي مقتول، وإنّي لا أفرّ من القدر المقدور والقضاء المحتوم، والأمر الواجب من الله تعالى... يا أُمّه، إن لم أذهب اليوم ذهبت غداً، وإن لم أذهب غداً لذهبت بعد غد، وما من الموت
ـ والله يا أُمّه ـ بُدّ»[106].

عندما خرج الإمام عليه السلام إلى مكة، كتب الرسالة الآتية: «بسم الله الرحم الرحيم، من الحسين بن علي إلى بني هاشم، أمّا بعد، فإنّه مَن لحق بي منكم استُشهد، ومَن تخلّف لم يبلغ الفتح، والسلام»[107].

بعد خروجه من المدينة إلى مكّة طلب منه ابن عمر أن يبايع، فأجابه الإمام عليه السلام أن أحد أسباب عدم مبايعته أنّ الرسول تنبّأ له بقتل يزيد له، وهو ما أكّده ابن عباس إذ قال: «صدقت أبا عبد الله، قال النبي صلى الله عليه وآله في حياته: ما لي وليزيد، لا بارك الله في يزيد، وإنّه يقتل ولدي وولد ابنتي الحسين»[108].

في خطابه مع ابن عباس الذي حذّره من قتله في الطف، قال: «أنا أعرفُ بمصرعي منك، وما وكدي من الدنيا إلّا فراقها»[109].

في خطابه مع رُسل أهل الكوفة: «إنّي رأيت جدّي رسول الله صلى الله عليه وآله في منامي، وقد أمرني بأمر وأنا ماضٍ لأمره»[110].

في جوابه لابن عباس عندما أراد منعه من الخروج من مكّة: «يا بن عباس، أما علمت أنّ منيتي هناك، وأن مصارع أصحابي هناك؟!»[111].

عندما أخبره بعض الناصحين له بأنّ أهل الكوفة ضعاف، وأنّ قلوبهم معه وسيوفهم عليه، قال: «أعلم يقيناً أنّ هناك مصرعي ومصارع أصحابي»[112].

بعد أن طلب منه ابن الزبير البقاء معه في مكّة وعدم الخروج للعراق، أجابه عليه السلام: «وايمُ الله، لو كنتُ في جحر هامة من هذه الهوام لاستخرجوني حتى يقضوا فيَّ حاجتهم، والله، ليعتدن عليّ كما اعتدت اليهود في السبت»[113].

بعد ما حذّره أخوه محمد بن الحنفية من غدر أهل الكوفة به، وسأله: لماذا هو في عجلةٍ من أمره في الخروج من مكّة إلى العراق؟ أجابه عليه السلام: «أتاني رسول الله صلى الله عليه وآله... فقال: يا حسين، اُخرج، فإنّ الله شاء أن يراك قتيلاً»[114]. وبعد إصرار ابن الحنفية عليه بالبقاء؛ قال له: «والله يا أخي، لو كنت في جحر هامة من هوام الأرض لاستخرجوني منه حتى يقتلوني»[115].

في طريقه إلى الكوفة، وضع الحسين عليه السلام رأسه فغفا، ثمّ انتبه باكياً، فسأله ابنه علي بن الحسين عليهما السلام عن سبب البكاء، فقال له عليه السلام: «يا بُني، إنّي خفقت خفقة فعن لي فارسٌ على فرس وهو يقول: القوم يسيرون، والمنايا تسير إليهم، فعلمت أنّها أنفسنا نُعيت إلينا»[116].

وفي صباح اليوم التالي أتاه، يسأله عن سبب تركه حرم الله وحرم جدّه صلى الله عليه وآله، فقال له: «... إنّ بني أُميّة أخذوا مالي فصبرت، وشتموا عرضي فصبرت، وطلبوا دمي فهربت، وايمُ الله، لتقتلني الفئة الباغية»[117].

في طريقه إلى الكوفة أيضاً في العقبة، رجاه أحد الشيوخ الرجوع؛ لأنّه عند تقدّمه لن يواجه إلّا السيوف والأسنّة، وأنّ أهل الكوفة لو كانوا صادقين لهيأوا لك الأمر بطرد واليها. فقال له عليه السلام: «يا عبد الله، ليس يخفى عليَّ الرأي، وإنّ الله تعالى لا يُغلب على أمره... والله، لا يدعوني حتى يستخرجوا هذه العلقة في جوفي»[118].

هذه أهم النصوص ذي المرجعية الإخبارية الغيبية التي أنتجت في سياق النصوص التي أكّدت السبب في موقف الإمام عليه السلام في رفض سلطة يزيد، ونجد فيها نصوصاً كان مصدر مصداقية مضمونها الرؤية التي كانت في ثقافة المسلمين تمثِّل أحد مصادر المعرفة؛ إذ إنّ القرآن الكريم قدّم أُنموذجاً لهذا المصدر، كقوله تعالى يخاطب النبي صلى الله عليه وآله: (وَمَن لَّمْ يُؤْمِن بِاللَّـهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا)[119]، وكان سبب نزول هذه السورة هو أمر الله للرسول صلى الله عليه وآله في المنام أن يدخل المسجد الحرام. وكقوله تعالى: (وَمَن لَّمْ يُؤْمِن بِاللَّـهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا)[120] [121].

وزيادة على هذا التداول القرآني للرؤية، فإنّ النصوص المؤسسة المنتَجة من قِبَل الأئمّة قد أعطت لهذا المصدر مصداقيّة عالية، فجعلت رؤية المسلم الصالح جزءاً من سبعين جزءٍ من النبوّة[122]، وهو ما جعل تحليل الرؤية في الثقافة العربية مكانة متقدمة، الذي كان يربط النص بصاحبه على جميع المستويات حتى إن صحّته لا تكتمل إلّا بحضور جميع العناصر جنباً إلى جنب[123].

وبهذا ستكون لهذه النصوص ذي المصدر الغيبي (الرؤيا) دلالة إخبارية حاسمة عند المتلقّي الذي كان ممّن يؤمن بالمصداقية الكاملة لنصِّ الإمام؛ لذا كان الإمام عليه السلام يستند عليه في عَرضه الحجاجي لموقفه الحاسم في عدم مبايعة يزيد.

غير أنّ هذا الحسم في الموقف ونتيجته المأساوية، تمثِّل عنصراً طارداً للجماهير، وهو ما تحقّق بالفعل عندما وجد الإمام عليه السلام نفسه في قلّة من أهل بيته وأتباعه الذين انطلقوا معه من مكّة، ممّا يؤكّد الانطلاقة الشخصية لحركة الإمام عليه السلام وعدم ارتباطها في دوافعها التأسيسية بالمنطلق الاجتماعي السياسي، وإنّما متولدة من وظيفته الدينية المعرفية في بيان الانحراف في مبادئ الإسلام.

إذن؛ عندما نقرأ نصوص الإمام عليه السلام الغيبية والحضورية التفسيرية، سنكون أمام موقف أحد عناصر تكوينه هو العنصر الغيبي، وهو ما يترك دوراً تأويلياً لهذا الموقف في صالح التأويل التقني الموجّه بعناصر السياق في إطار المعرفة المحليّة للمتلقِّي في كونه موقفاً تصحيحياً من خلاله «تمّ إنقاذ الإسلام من أن تكون السلطة السياسية هي القيِّمة عليه»[124]؛ لأنّ وجود هذا العنصر الغيبي المنسجم مع موقف الإمام عليه السلام الذي كان يطرحه انطلاقاً من الواقع الحضوري للسلطة وعدم شرعيتها، سيرسل رسالة لمتلقّي هذا الخطاب الغيبي: إنّ موقف الإمام عليه السلام لا يمثِّل اجتهاداً شخصياً، بل هو يمثِّل موقف السماء، الذي سيمنع من التعامل معه ـ لبعده الغيبي ـ على كونه موقفاً سياسياً، بل هو موقف تصحيحي خاصّ، ولا يمثِّل موقفاً قياسياً يمكن تكراره، وهذا ما أكّده سلوك بقية الأئمّة الاثني عشر عندما اتّخذوا سلوك الانعزال عن الأحداث السياسية التي عاصرتهم، بالرغم من كلّ الاضطهاد الذي واجهوه.

وعندما ننتقل إلى قراءة السيِّد الحكيم في فاجعة الطف نجده يرى أنّ غيبيّة الموقف في حركة الإمام الحسين عليه السلام أمرٌ تقتضيه العقيدة الدينية وحقائق التاريخ، فمن حيث العقيدة، فإنّ مجريات الأحداث في أصل اتّخاذ الموقف إلى تطوراته المأساوية التي لا تجد لها تفسيراً مقبولاً في مقاييس التخطيط البشـري، فيبقى تفسير التخطيط الإلهي «هو التفسير المقبول، ولا سيما في المذهب الاثني عشري... حيث نؤمن بعصمة الإمام»[125]؛ إذ كما تقدّم في المبحث الثاني أنّه لم ينتج هذا الموقف أيّ أثر إصلاحي سياسي أو اجتماعي، وهو ما يتناقض مع حقيقة العصمة التي تقتضي كمال السلوك زيادة على صحته، فأيّ كمال أو صحة في هذا الموقف، لا سيما مع الخسائر الكارثية التي ترتّبت عليه؟!

إذن؛ لا بدّ من الالتزام بأنّ نهضة الإمام الحسين عليه السلام «كانت بعهد من الله سبحانه وتعالى... لمصالح هو أعلم بها»[126]، وهو عهد وصل للإمام عليه السلام «عن طريق النبي صلى الله عليه وآله»[127]؛ ومن هنا يرى السيد الحكيم أنّه «لا ينبغي إطالة الكلام في تقييم خصوصيات النهضة الشريفة[128]، مثل توقيتها... ومثل حمل العائلة الكريمة، واختيار العراق دون غيره من المناطق التي يشيع فيها الولاء لأهل البيت صلوات الله عليهم، وغير ذلك»[129]، وهو التزام لا توجبه العلاقة المنطقية بين عقيدة العصمة للإمام عليه السلام ومجريات الأحداث، بل تقتضيه حقائق التاريخ التي تتمثل بالآتي:

نصوص النبي صلى الله عليه وآله ونصوص أمير المؤمنين عليه السلام بالواقعة وبعض تفاصيلها.

قناعة المسلمين بوقوع الفاجعة قبل حدوثها.

علم الإمام الحسين عليه السلام بأنّ عاقبة نهضته القتل.

النصوص من قِبَل النبي صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين عليه السلام التي تأمر الإمام الحسين عليه السلام بالقيام بنهضته.

إخبار الإمام الحسين عليه السلام مَن اعترضوا على خروجه إلى العراق بأنّ النبي صلى الله عليه وآله قد أمره بالخروج.

إلى غيرها من الحقائق[130]، وهي بمجموعها تمثّل «الشواهد المؤكّدة لكون التخطيط للفاجعة إلهياً»[131]، بل نجد أنّ السيد الحكيم يرى أنّ إغفال هذه الشواهد وقراءة نهضة الإمام الحسين عليه السلام قراءة بشـرية سياسية «ظلم لسيد الشهداء (صلوات الله عليه) واستهوان بنهضته المقدسة»[132].

الخاتمة

 ونحن ننتهي من قراءة فاجعة الطف من حيث اندراجها فيما هو سياسي أو فيما هو ديني يمكن أن نطرح الآتي بوصفها نتائج لهذه القراءة:

 إنّها كانت موقفاً دينياً وليس موقفاً سياسياً.

 إنّ الإمام الحسين عليه السلام كان فيها ممتثلاً لأمر إلهي بعد أن اختاره الله عز وجل لخصوصيته الشخصية والدينية.

 إنّها كانت ذات أبعاد لاهوتيّة غيبية.

لبعدها الغيبي لا يجوز أخذها أساساً لشـرعية تكرارها بخصوصياتها من أشخاص آخرين.

كانت موقفاً دينياً بحتاً يتعلّق بوضع معيار لمصدر الدين وليست ثورة سياسية.

إنّ إطلاق وصف الثورة هو إطلاق مجازي نحتاج لمؤونة تأويلية لتصحيحه؛ لغياب ما هو سياسي وثوري عن منظور الإمام عليه السلام، والأمر نفسه يصدق في إطلاق وصف الإصلاح الاجتماعي.

 ولهذه النتائج يطرح الباحث مقترحاً هي توصيات في عرض الموقف الحسيني الذي انتهى بفاجعة الطف، وهو أن يتمّ التخلّي عن عرض الموقف على أنّه ثورة سياسية، ومن ثمّة عدم ربطه بالسياسة، وأن يتمّ التأكيد على أنّه موقف خاص بالإمام الحسين عليه السلام، وأنّ محاولة تكراره لا تحصل على شرعيتها منه؛ إذ كان ضرورة في زمانها ومكانها، لذا؛ لا نجد من بقية أئمّة أهل البيت محاولة تكراره مع أنّ الظرف السياسي والاجتماعي يكاد يكون واحداً، بل تحفّظهم الشديد ـ إن لم يكن رفضاً ـ على تكراره، وإن كان بأقل صورة منه؛ كمواقف الأئمّة المعاصرين لبعض حركات مَن هم من داخل البيت النبويّ، كثورة زيد بن علي عمّ الإمام الصادق عليه السلام.

وإنّما يجب عرضها في سياقها ومنظور الإمام عليه السلام، وهي إلزامية العمل على الحفاظ على الإسلام في صورته الواقعية، كما مارسها أئمّة أهل البيت عليهم السلام، وكما وصّوا به، وفي مقدمة ذلك الاحتياط الشديد، وعدم الاقتراب مما يبيح الأنفس والأموال، وعدم تسليط إنسان على إنسان آخر، إلّا بحجّة قاطعة موافقة للاحتياط، وهي كلّها ممّا استخفّ به مَن تدخّل في السياسة من بعض رجال الدين أو غيرهم كما يشهده الواقع الفعلي.

كما يجب رفض كلّ مَن يقدم نفسه حامياً للدين؛ لأنّه بعد موقف الإمام الحسين عليه السلام وجهود أئمّة أهل البيت عليهم السلام في القول والفعل تمت الحجة البالغة على كل مسلم في الوصول إلى الإسلام الحقيقي، الذي لا يقبل التزييف عند عرضه على هذا الموقف، وهذه الجهود بصورة موضوعية بعيدة عن الأدلجة والتأويل.

 

----------------------------------------------------------------------------

فهرست المصادر

        * القرآن الكريم.

  1. الأخبار الطوال: أحمد بن داود الدينوري، ط1، منشورات الشريف الرضي، النجف، د ت.
  2. الآداب السلطانية: عز الدين علام، ط1، المجلس الوطني للثقافة والفنون، الكويت 2006م.
  3. الأُسس النظرية لعلم الاجتماع السياسي، محمد فايز عبد أسعيد، ط1، دار الطليعة، بيروت 1983م.
  4. أُصول الفقه: محمد رضا المظفر، ط4، تحقيق: الشيخ علي الزارعي، مؤسسة بوستان، قم 1427هـ.
  5. بحار الأنوار: محمد باقر المجلسي، ط2، مؤسسة الوفاء، بيروت1403هـ.
  6. البداية والنهاية: إسماعيل بن عمر، المعروف بابن كثير، ط1، دار إحياء التراث العربي، بيروت 1988م.
  7. ـ بصائر الدرجات: محمد بن حسن الصفار، ط1، مكتبة المرعشي، قم 1404هـ.
  8. تاج العروس في جواهر القاموس: محمد بن مرتضى الزبيدي، ط1، سلسلة التراث العربي، الكويت 1969م.
  9. تاريخ الإسلام: محمد بن أحمد الذهبي، ط1، دار الكتاب العربي، بيروت 1987م.
  10. تاريخ الأُمم والملوك، محمد بن جرير الطبري، ط1، دار الأمير، بيروت 2005م.
  11. التبيان في تفسير القرآن: محمد بن حسن الطوسي، ط بلا، مكتبة الأمين، النجف 1963م.
  12. جوامع الجامع: الفضل بن الحسن الطبرسي، ط2، مؤسسة النشر الإسلامي، قم 1423هـ.
  13. حياة الإمام الحسين عليه السلام: باقر شريف القرشي، ط4، المدرسة العلمية، قم 1992م.
  14. الخلاصة اللاهوتية: توما الأكويني، ط1، ترجمة: الخوري بولس عواد، المطبعة الأدبية، بيروت1881م.
  15. الخوارج والشيعة: فلهاوزن، ط5، ترجمة: عبد الرحمن بدوي، دار الجيل، القاهرة 1958م.
  16. دلائل الإمامة: محمد بن جرير الطبري، ط1، المطبعة الحيدرية، النجف الأشرف 1383هـ.
  17. دليل الناقد الأدبي: ميجان الرويلي، د. سعد الزغبي، ط3، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء2002م.
  18. روضة التعريف بالحب الشريف: محمد بن عبد الله السلماني، ط1، تحقيق: عبد القادر أحمد، دار الفكر العربي، القاهرة 1966م.
  19. سيمياء العنوان في شعر هدى ميقاتي: عامر رضا، مجلة الواحات للبحوث والدراسات، مج7، عدد2، 2014م.
  20. سيرة الأئمّة الاثني عشر: هاشم معروف الحسني، ط1، دار الكوخ، طهران 2006م.
  21. شذا العرف في فنّ الصرف: أحمد بن محمد الحملاوي، دون بيانات.
  22. شرح المنظومة في المنطق والحكمة: هادي السبزواري، ط1، منشورات بيدار، قم 1428هـ.
  23. شعرية العنوان في الشعر الجزائري المعاصر: مسكين حسنية، أطروحة دكتوراه، جامعة وهران ـ كلية الآداب، قسم اللغو العربية، الجزائر 2013 ـ 2014م.
  24. صلح الحسن: مرتضى آل ياسين، ط4، دار منشورات ناصر خسرو، بيروت 1979م.
  25. عتبات النص (مقاربة سيميائية): بخولة بن الدين، مجلة سمات، مجلد1، عدد1، مايو 2013م.
  26. علم اللاهوت الكتابي: جرهاردوس ثوس، ط1، دار الثقافة، القاهرة 1982م.
  27. العنوان وسيميوطيقا العنوان الأدبي: محمد فكري الجزار، ط1، الهيئة المصرية للكتاب، القاهرة 1998م.
  28. فاجعة الطف: محمد سعيد الحكيم، ط1، مؤسسة الحكمة للثقافة الإسلامية، النجف الأشرف 2008م.
  29. الفتوح: أحمد بن أعثم الكوفي، ط1، دار الرسالة، بيروت 1991م.
  30. الفخري في الآداب السلطانية، ابن الطقطقا، ط بلا، دار صادر، بيروت، د ت.
  31. فقه العنف المسلح في الإسلام: محمد مهدي شمس الدين، ط1، مركز دراسات فلسفة الدين، بغداد 2004م.
  32. القراءة وتوليد الدلالة: حميد الحمداني، ط1، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء 2003م.
  33. الكامل في التاريخ: علي بن أبي الكرم، المعروف بابن الأثير، ط2، دار الكتاب العربي، بيروت 1967م.
  34. الكليات: أبو البقاء العكبري، ط1، منشورات ذوي القربى، قم 1433هـ.
  35. لسان العرب: محمد بن مكرم، المشهور بابن منظور، ط1، مؤسسة الأعلمي، بيروت 2005م.
  36. اللهوف على قتلى الطفوف: علي بن موسى، المعروف بابن طاووس، ط1، المكتبة الحيدرية، النجف، 1385هـ.
  37. مجمع البحرين: فخر الدين الطريحي، ط1، دار الأميرة، بيروت 2010م.
  38. مجموعة رسائل: المحقق الكركي، ط1، تحقيق: الشيخ محمد الحسون، منشورات الاحتجاج، قم 1423هـ.
  39. مدخل إلى علم السياسة: موريس دوفرجيه، ط1، ترجمة سامي الدروبي، د. جمال الأتاسي، دار دمشق، د ت.
  40. المدخل في علم السياسة: بطرس بطرس غالي، د. محمود خيري، ط1، مكتبة الأجلو المصرية، القاهرة 1959م.
  41. مدينة المعاجز: هاشم البحراني، ط2، مؤسسة المعارف الإسلامية، قم 1414هـ.
  42. معالم المدرستين: مرتضى العسكري، ط6، المجمع العلمي الإسلامي، قم 1996م.
  43. معاني الأبنية في العربية: فاضل صالح السامرائي، ط1، جامعة الكويت، كلية الآداب، الكويت 1981م.
  44. شرح المنظومة في المنطق والحكمة: هادي السبزواري، ط1، منشورات بيدار، قم 1428هـ.
  45. معجم مفردات ألفاظ القرآن الكريم: الحسين بن محمد، المشهور بالراغب الإصفهاني، ط2، دار مرتضوي، إيران، د ت.
  46. المعجم المفهرس لألفاظ أحاديث بحار الأنوار، ط1، وزارة الثقافة والإرشاد، طهران 1415هـ.
  47. معجم مقاييس اللغة: أحمد بن فارس، ط1، دار إحياء التراث العربي، بيروت 2001م.
  48. موسوعة الحضارة الإسلامية: قصي الحسين، ط1، دار الهلال، بيروت 2005م.
  49. موسوعة كلمات الإمام الحسين، ط1، لجنة الحديث في معهد باقر العلوم، دار المعروف، قم1423هـ.
  50. موسوعة مصطلحات العلوم الاجتماعية والسياسية في الفكر العربي الإسلامي، ط1، إعداد: د. سميح دغيم، مكتبة لبنان ناشرون، بيروت 2000م.
  51. نظرية النص من بنية المعنى إلى سيميائية الدلالة: حسين خمري، ط1، منشورات الاختلاف، الجزائر 2007م.
  52. النهاية في غريب الحديث والأثر: المبارك بن محمد الجزري المعروف بابن الأثير، ط1، دار التفسير، قم1426هـ.
  53. نهاية الحكمة: محمد حسين الطباطبائي، ط17، تحقيق: الشيخ علي الزارعي، مؤسسة النشر الإسلامي، قم 1434هـ.
  54. هياكل النور: شهاب الدين السهروردي، ط بلا، تحقيق وتعليق: د. محمد علي أبو الريان، دار النهضة المصرية، الإسكندرية 1956م.
  55. وسائل الشيعة: محمد بن الحسن العاملي، ط2، مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، بيروت 2003م.
  56.  Oxford dictionary، oxford university press، p1096.
  57. http://sites.google.com/site/saidoboshaland.
  58.  http:/www.alser.net/s/txt/pages.txt.64.htm.
  59.  www.dictionary.com.

 


[1]* ديوان الوقف الشيعي/ كلية الإمام الكاظم عليه السلام.

[2] عبد أسعيد، د. محمد فايز، الأُسس النظرية لعلم الاجتماع السياسي: ص44.

[3] اُنظر: الطحان، د. عبد الرضا، والأسود، د. صادق، مدخل إلى علم السياسة: ص285.

[4] العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة: ج18، ص50، واُنظر: ج19، ص41-43.

[5] المظفر، محمد رضا، أُصول الفقه: ص200.

[6] المصدر السابق: ص201.

[7] اُنظر: السامرائي، د. فاضل صالح، معاني الأبنية في العربية: ص116.

[8] اُنظر: ابن فارس، أحمد، معجم مقاييس اللغة: ص69.

[9] الحملاوي، أحمد بن محمد، شذا العرف في فن الصرف: ص78.

[10] اُنظر: الزبيدي، محمد بن مرتضى، تاج العروس في جواهر القاموس: ج5، ص82.

[11] المصدر السابق.

[12] العكبري، أبو البقاء، الكليات: ص673.

[13] طُبِع بتحقيق علي أكبر ضيائي، منشورات ميراثـمكتب طهران، ويلاحظ أن المؤلف لم يذكر العنوان، ولم يبين المحقق كيف وضع العنوان، إلّا أنّ ذلك لا يضر؛ لأنه يبقى منتجاً في اللغة العربية.

[14] اُنظر: المحقق الكركي، علي بن الحسين، مجموعة رسائل: ج5، ص345.

[15] النص الموازي: هو كلّ ما يتضمنه الكتاب أو الرسالة مما هو خارج المتن، كالعنوان والإهداء والهوامش... إلخ.

[16] مسكين حسنية، شعرية العنوان في الشعر الجزائري المعاصر (أطروحة دكتوراه، جامعة وهران، كلية الآداب، قسم اللغة العربية، الجزائر 2013-2014م): ص38.

[17] خمري، د. حسين، نظرية النص من بنية المعنى إلى سيميائية الدلالة: ص115.

[18] عامر رضا، سيمياء العنوان في شعر هدى ميقاتي، مجلة الواحات للبحوث والدراسات، ج7، عدد2، 2014م: ص90.

[19] بخولة بن الدين، عتبات النص مقاربة سيميائية، مجلة سمات، ج1، عدد1، مايو 2013م: ص105.

[20] الجزار، د. محمد فكري، العنوان وسيميوطيقا العنوان الأدبي: ص19.

[21] اُنظر: الطباطبائي، محمد حسين، نهاية الحكمة: ص301ـ307.

[22] السهروردي، شهاب الدين، هياكل النور: ص70.

[23] السلماني، محمد بن عبد الله، روضة التعريف بالحب الشريف: ص621.

[24] http:/www.alser.net/s/txt/pages.txt.64.htm.

[25] ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب: ج2، ص3975.

[26] اُنظر: الراغب الإصفهاني، الحسين بن محمد، معجم مفردات ألفاظ القرآن الكريم: ص521.

[27] http://sites.google.com/site/saidoboshaland.

[28] المصدر السابق.

[29] اُنظر: السبزواري، الحاج هادي، شرح المنظومة في المنطق والحكمة: ج2، ص843.

[30] توما الأكويني، الخلاصة اللاهوتية: ج1، ص16.

[31] جرهاردوس ثوس، علم اللاهوت الكتابي: ص11.

[32] المصدر السابق.

[33] المصدر السابق.

[34] المصدر السابق.

[35] الطعان، د. عبد الرضا، والأسود، د. صادق، مدخل إلى علم السياسة: ص12.

[36] المصدر السابق: ص19.

[37] عبد أسعيد، د. محمد فايز، الأُسس النظرية لعلم الاجتماع السياسي: ص30.

[38] موريس دوفرجيه، مدخل إلى علم السياسة: ص7.

[39] د. بطرس بطرس غالي، د. محمود خيري، المدخل في علم السياسة: ص8.

[40] ابن فارس، أحمد، معجم مقاييس اللغة: ص174.

[41] ابن الأثير الجزري، المبارك بن محمد، النهاية في غريب الحديث والأثر: ج1، ص229.

[42] الطريحي، فخر الدين، مجمع البحرين: ج2، ص161.

[43] المصدر السابق: ج2، ص162.

[44] ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب: ج1، ص509.

[45] اُنظر: المصدر السابق: ج1، ص509ـ511.

[46] اُنظر: المعجم المفهرس لألفاظ أحاديث بحار الأنوار: ج6، ص3594- 3597. المعجم المفهرس لألفاظ أحاديث وسائل الشيعة: ج2، ص712. المعجم المفهرس لألفاظ أحاديث مستدرك الوسائل: ج1، ص620. المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة: ص78.

[47] علام، د. عز الدين، الآداب السلطانية: ص8.

[48] المصدر السابق: ص9.

[49] اُنظر: موسوعة مصطلحات العلوم الاجتماعية والسياسية في الفكر العربي الإسلامي: ص1289-1320.

[50] نقلت النص كما هو حرصاً على بيان أصل الدلالة في اللغة الأُم، ودفعاً لإشكال الترجمة المتهمة بخيانة النص وتشويه الأصل. اُنظر: د. ميجان الرويلي، د. سعد الزغبي، دليل الناقد الأدبي: ص161-166.

[51] Oxford dictionary، oxford university press، p1096.

[52] www.dictionary.com.

[53] اُنظر: العسكري، مرتضى، معالم المدرستين: ج3، ص17.

[54] ابن الطقطقا، محمد بن علي، الفخري في الآداب السلطانية: ص114.

[55] اُنظر: ابن كثير، إسماعيل بن عمر، البداية والنهاية: ج8، ص254.

[56] اُنظر: ابن الأثير، علي بن أبي الكرم، الكامل في التاريخ: ج4، ص507-511. آل ياسين، مرتضى، صلح الحسن: ص312.

[57] القصص: آية21.

[58] القصص: آية22.

[59] اُنظر: أبو مخنف، لوط بن يحيى، كتاب مقتل الحسين عليه السلام: ص11.

[60] اُنظر: الطبرسي، محمد بن الفضل، جوامع الجامع: ج2، ص736.

[61] اُنظر: الطوسي، محمد بن الحسن، التبيان في تفسير القرآن: ج8، ص140-141.

[62] القصص: آية5ـ6.

[63] اُنظر: القرشي، باقر شريف، حياة الإمام الحسين عليه السلام: ج2، ص113.

[64] اُنظر: الحسني، هاشم معروف، سيرة الأئمة الاثني عشر: ج1، ص521ـ522.

[65] ابن أعثم الكوفي، أحمد، الفتوح: ج5، ص26.

[66] الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج3، ص443. المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج44، ص325.

[67] الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج4، ص289.

[68] المصدر السابق: ج10، ص415.

[69] المصدر السابق: ج10، ص415.

[70] اُنظر: لجنة الحديث في معهد باقر العلوم عليه السلام، موسوعة كلمات الإمام الحسين عليه السلام: ص371ـ400.

[71] فلهاوزن، الخوارج والشيعة: ص105.

[72] ابن أعثم، أحمد، الفتوح: ج5، ص28.

[73] المصدر السابق: ص29.

[74] المصدر السابق: ص28.

[75] المفيد، محمد بن محمد، الإرشاد: ص204.

[76] اُنظر: أبو مخنف، لوط بن يحيى، مقتل الحسين عليه السلام: ص43ـ45.

[77] المفيد، محمد بن محمد، الإرشاد: ص235.

[78] الدينوري، أحمد بن داود، الأخبار الطوال: ص153.

[79] اُنظر: الطبري، تاريخ الأُمم والملوك: ج3، ص459.

[80] المصدر السابق: ج3، ص444.

[81] المفيد، محمد بن محمد، الإرشاد: ص223.

[82] الذهبي، محمد بن أحمد، تاريخ الإسلام: ج5، ص11.

[83] البحراني، هاشم، مدينة المعاجز: ج4، ص214.

[84] الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج3، ص465.

[85] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج45، ص83.

[86] اُنظر: الحسين، د. قصي، موسوعة الحضارة العربية: ص17ـ 22.

[87] الدينوري، أحمد بن داود، الأخبار الطوال: ص222.

[88] المصدر السابق: ص221.

[89] المفيد، محمد بن محمد، الإرشاد: ص222.

[90] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج10، ص378.

[91] شمس الدين، محمد مهدي، فقه العنف المسلح في الإسلام: ص130.

[92] المصدر السابق: ص130.

[93] الحكيم، محمد سعيد، فاجعة الطف: ص135.

[94] المصدر السابق.

[95] المصدر السابق: ص10.

[96] المصدر السابق: ص141.

[97] المصدر السابق: ص136.

[98] المصدر السابق: ص36ـ37.

[99] المصدر السابق: ص9.

[100] المصدر السابق.

[101] المصدر السابق: ص49.

[102] المصدر السابق: ص138.

[103] المصدر السابق: ص137.

[104] المصدر السابق: ص139.

[105] ابن طاووس، علي بن موسى، اللهوف على قتلى الطفوف: ص20.

[106] ابن حمزة، محمد بن علي، الثاقب في المناقب: ص331.

[107] الصفار، محمد بن الحسن، بصائر الدرجات: ص481.

[108] ابن أعثم الكوفي، أحمد، الفتوح: ج5، ص26.

[109] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج72، ص362.

[110] ابن أعثم، أحمد، الفتوح: ج5، ص13.

[111] الطبري، محمد بن جرير، دلائل الإمامة: ص181.

[112] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج44، ص364.

[113] الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج3، ص443.

[114] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج44، ص364.

[115] المصدر السابق: ج45، ص99.

[116] المفيد، محمد بن محمد، الإرشاد: ج2، ص82.

[117] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج44، ص368.

[118] المفيد، محمد بن محمد، الإرشاد: ج2، ص76.

[119] الفتح: آية13.

[120] الإسراء: آية60.

[121] اُنظر: النوري الطبرسي، حسين، دار السلام: ج1، ص71ـ72.

[122] اُنظر: المصدر السابق: ج1، ص18. ابن سيرين، تفسير الأحلام: ص21.

[123] اُنظر: الحمداني، د.حميد، القراءة وتوليد الدلالة: ص142.

[124] شمس الدين، محمد مهدي، فقه العنف المسلح في الإسلام: ص130.

[125] الحكيم، محمد سعيد، فاجعة الطف: ص15.

[126] المصدر السابق: ص47.

[127] المصدر السابق: ص14.

[128] لا يُمثّل هذا تنافياً مع أصل كتاب فاجعة الطف، فهو نفى إطالة الكلام في تقييم التفاصيل، وليس في أصلها وفق المقاييس البشرية، ولأنّ الكتاب جاء ردّاً على مَن يرى سياسية الموقف وبشريته.

[129] المصدر السابق: ص14.

[130] اُنظر: المصدر السابق: ص16ـ 42.

[131] المصدر السابق: ص 16.

[132] المصدر السابق.

 

 
 
البرمجة والتصميم بواسطة : MWD