1439 / ربیع‌الاول / 5  |  2017 / 11 / 24         الزيارات : 483660         صلاة الصبح |         صلاة الظهر والعصر |         صلاة المغرب والعشاء |

المقاييس الفلسفية في تقويم ثورة الإمام الحسين عليه السلام من منظور نظرية علم النقطة

{ أ. م. د. تومان غازي الخفاجي/ أ. م. د. خالد حميدي }
المقاييس الفلسفية في تقويم ثورة الإمام الحسين عليه السلام من منظور نظرية علم النقطة

مقدّمة[1]

إنَّ استشهاد الإمام الحسين عليه السلام ومجموعة من ذويه وأصحابه الذين لم يتجاوز مجموعهم الاثنين والسبعين شخصاً، شكَّل قضية اختلف في الحكم عليها الدارسون قديماً وحديثاً، ولمّا كان عُمْر هذه الواقعة تجاوز الألف والثلاثمائة عام، فإنّنا نتوقّع استمرار الخلاف إلى يوم القيامة، ما لم يتصدَّ بحثٌ فكري هدفه الرئيس هو الكشف عن التصوّرات المغلوطة، التي سبّبت كثرة الجدل العقيم، الذي أوضح الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام بأنّه يدلُّ على الجهل، بقوله: «العلمُ نقطةٌ كثّرها الجاهلون»[2].

من هنا جاء النظر إلى هذا الموضوع تحت اسم (علم النقطة)، كمنهجية مقترحة لحلّ مشكلة كثرة الجدل حول القضية الواحدة، وقوام هذه المنهجية أنّها تفترض عمل ملكات الإدراك الثلاث: (العقل، والحس، والقلب) معاً؛ لتكوين مثلث سمّيناه مثلث الإدراك السليم، الذي يحصـر الحقيقة بنقطة وسط هذا الحيّز، والذي يقلّل الجدل إلى أدنى حدّ؛ نظراً لحصـر الحقيقة في حيّز ضيّق، بحسب ما يتّضح في المخطّط الآتي[3]:

وعلى وفق هذا الأُنموذج المعرفي يصبح للحقيقة ثلاثة وجوه: (وجه عقلي) صوري مجرّد من المادة (مفهوم)، وآخر حسّي مملوء بالمادة القابلة للرصد والتجريب الذي تتملّك الحواس تفصيلاته، ووجه ثالث قلبي يمثّل أخلاق البحث الموضوعي يحدّ من مبدأ الحرية الذي يعمل بموجبه القلب بوصفه ملكة تعقّل وجداني عاطفي تُهذِّب أهواءه منظومة القيم العليا التي يدين لها الإنسان بالولاء، وهي قيم: (الحق، والخير، والجمال)؛ وبهذا يكون القلب ملكة تعقّل تنطق بالحق، وليست ملكة أهواء متقلّبة كما كان يُظنّ.

لقد أُقيم هذا الأُنموذج المعرفي، الذي اتّخذناه منهج بحث لحلّ مشكلة الجدل العقيم، على قوله تعالى على لسان إبراهيم عليه السلام في معرفة كيفية (إحياء الموتى)، وهي قضية غيبية: (. . . رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَـٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ . . .)[4]، ما يدلّ على أنّ طمأنة القلب لا تقوم على أساس عقلي نظري مجرّد منفصم عن الواقع المحسوس، ما لم تُشفع بتجريب حسـيّ مكرّر بأكثر من صيغة الجمع العربية وهي (ثلاثة)، والأكثر منها هو (أربعة)، كاستقراء (مرة  قدس سره 3 مرات)، ثمّ نفترض اطّراد طبيعة الظاهرة المُستقرأة.

وقد اقتضت طبيعة البحث أن يُقسّم على مقدّمة ومبحثين، تليهما خاتمة للنتائج، فقائمة بمصادر البحث ومراجعه، وأمّا المبحثان فهما:

المبحث الأوّل: مفهوم المقياس في نظرية علم النقطة.

المبحث الثاني: مقياس شهادة الإمام الحسين عليه السلام.

نأمل من الله تعالى أن يوفّقنا في حلِّ المشكلات المعرفية المحتدمة في المجتمع العربي الإسلامي، بتطوير منهج يحسم الجدل العقيم الطويل، الذي أهدر جهوداً فكرية ومادّية ومعنوية كبيرة، ولم يلُح في الأُفق القريب بأنّها سترسي على برِّ أمان؛ لأنَّ المتجادلين إنّما ينطلق فريقٌ منهم من حقيقة عقلية مجرّدة، في حين ينطلق الفريق الثاني من حقيقة حسّية تجريبية، وفريقٌ ثالث ينطلق من حقيقة قلبية أخلاقية إيمانية، وكلّ المنطلقات واضحة المعالم لها أدلّتها الخاصة، وكلّ فريقٍ كأنّه يرتدي نظّارات مختلفاً ألوانُها، فيرى كلٌّ منهم لوناً للحقيقة مختلفاً عن اللون الذي يراه الآخر؛ لذلك يعتقد البحث أنَّ النقطة في حلِّ الخلاف تكمن في تبادل النظّارات أو خلعها جميعاً، وارتداء نظّارة مثلثِ الإدراك في علم النقطة، التي تُريك ثلاثة وجوه للحقيقة في وقتٍ واحد، لا أفضلية لأحدها على الآخر.

المبحث الأوّل: مفهوم المقياس في نظرية علم النقطة

المقياس مقولة فلسفية منطقية[5]، ونظراً لشمولها يُطلق عليها اسم (قانون)، يصطنعها العقل بتركيب مقولتين متلازمتين، نحو (الكم  عليه السلام الكيف)، (السبب عليه السلام النتيجة)، (الخالق  عليه السلام المخلوق)، إلى غير ذلك، مما يَجمعها مقياس أشمل يُسمّى قانون العقل الثالث، الذي يكشف عن أنّ العقل يعمل عمل الحاسوب بلغة (صفر، واحد)، ويعني الصفر أنّ تياراً كهربائياً لا يمرّ، أمّا الواحد فهو يمرّ؛ لذلك تسمّى هذه الدائرة المنطقية لكهربائية المخ بدائرة (إمّا/أو، ولا ثالث بينهما).

يفيد هذا القانون في إنشاء شبكة لُغوية فكرية تقسّم الوجود على كيفيتين متنافرتين تُستعملان لقياس مدلولات الحقيقة قياساً صورياً مجرّداً من المادة، كما يقاس مدلول (مَفْعِل) بأنّه يعني تشكيلاً صورياً ظرفياً مجرّداً، أو (معنىً ظرفياً) مستلاً من كثرة متلبّسة بمادتها، نحو: (منطق، ومنزل، ومورد، و...)، وهذا هو المقصود بالصورية التي تعني التجريد العالي الذي يُتيح للعقل أن يُقيم تجاربه بمعزل عن الواقع الحسّي المستلّ منه بوساطة الصور المتشكّلة في حيز التصوّر المدرك بتخيّل صورة مكانية ثابتة بمعزل عن عبث الصيرورة الزمانية، ما يدلّ على أنّ معرفة الحقائق لها سبيلان[6]:

أوّلهما: معرفة حدسية مباشرة بوساطة الحقائق نفسها، ويُطلق عليها معرفة عقلية فطرية، أي ممنوحة للمخلوق من الخالق.

ثانيهما: معرفة حقيقة بوساطة حقيقة أُخرى عن طريق اكتشاف علاقة بين الاثنين، علاقة تضاد، أو علاقة حدٍّ يسمّى الحدّ الأوسط.

ومثال ذلك حين يُسأل الإنسان: القتلُ خيرٌ أم شر؟ فيقول: شرّ. وهذه معرفة قبلية؛ لأنّها تُشِعر بالألم، ومنها نستنتج أنّ السلم خير، وعليه يكون مقياس (إمّا/أو) ولا ثالث بينهما مقياس يكشف لنا عن علاقة بين شيئين متضادين تجعلنا إذا عرفنا أحدهما نعرف الآخر بالضرورة، وكلّ ذلك يحصل بطريقة صورية لا تُطمئِن القلب ما لم تستند إلى أساس حسّـي واقعي تجريبي، على الأقلّ لأحد طرفي المقياس الذي نحكم به على الحقائق: (إمّا حق  عليه السلام أو باطل)، أو (صحّ  عليه السلام خطأ)، أو (يقين  عليه السلام شك)، أو (صادقة  عليه السلام كاذبة)، ولا ثالث بينهما.

وفائدة هذا المقياس أنّه يختصر نصف الجهد في الاستدلال، أمّا رسوّ مماثلِهِ على الواقع المحسوس، فيعتقد البحث أنّه يستند إلى الغريزة التي أودعها الله في مخلوقاته، التي تحسّ بهيئة: (لذّة  عليه السلام ألم)، إذ تعمل الحواس على إدخال إشارات يفسّرها المخ بأنّها غذاء، أو رزق، وعليه تتقدّم نحوها المخلوقات الحساسة بدافع (اللذة)، وما يُفسّر على أنّه غير غذاء، ويسبّب ضرراً للحياة، فإنّها تنفر منه بدافع (الألم)، وما يُفسّر على أنّه غير غذاء ويُسبب ضرراً للحياة فإنّها تنفر منه بدافع الألم، كذلك حال التناسل فيه لذّة تُفيد في تجديد حياة النوع الهالك بمرور الزمن عليه لا محالة، وترك التناسل يُسبّب ألمًا؛ لأنّه يؤدّي إلى موت النوع، ولو استجابت المخلوقات بعكس أوامر هذا القانون الإلهي فإنّها ستهلك وتنقرض سريعاً وتضمحلّ الحياة.

إنَّ تصوّر منطق (اللذّة  عليه السلام الألم)، ذي الكيفيتين المتنافرتين، تصوّرٌ قريب إلى التجريد، والواقع أنّ هذا المنطق حين يمارس فعاليته في الحياة يكون له مقياس آخر هو المقياس الكمّي كالذي نستعمله في قياس درجة الطلاب، مقسّمٌ على وحدات تبدأ من (الصفر) وتنتهي بـ(100)، من دون إهمال المقياس ذي الكيفيتين المتنافرتين، الذي يظهر في (0 ـ 49/50 ـ 100)، ويتخذّهما العقل مقياساً يظهر بلغة الحاسوب: (إمّا راسب = صفر لا يمرّ تيار، أو ناجح=  قدس سره1 يمرّ تيار) ولا ثالث بينهما، بإهمال كلّ الكيفيات الكمية التي تقول بوجود ثالث ورابع وخامس كتدريجات فئوية: (راسب، مقبول، متوسّط، جيّد، جيّد جداً، امتياز) إلى غير ذلك، ثمّ تُدرج الكيفيات الفئوية إلى درجات كمّية كالآتي:

 

وخلاصة القول: إنَّ مقياس العقل، مقياس مجرّد مثالي ذو الكيفيتين المتنافرتين ولا ثالث بينهما الذي يزوّدنا بمعرفة حدسية تختزل الجهد إلى النصف؛ لأنّ معرفة كيفية واحدة نستدلّ منها على الأُخرى استدلالاً منطقياً برياضيات العقل المجرّد، وهذا وحده لا يُطمئن القلب ما لم نعرف تفصيلات واقعية أُخرى يتكفّل في معرفتها مقياس رياضيات الحسّ، التي تُبيّن التفصيلات التي تأخذ بالحسبان حركة الزمن، التي تُغيّر الأشياء أو الوقائع تغييراً حتمياً، وهنا ينتج نظام دقيق من تعاضد أدلّة العقل والحس، فيطمئنّ القلب كملكة حُكم عقلية تحكم باليقين العلمي النسبي؛ نظراً لأخذها بالحسبان التغيّر المستمرّ عبر الزمن، الذي يمكن أن يحدث في المستقبل للظاهرة الواحدة.

نلحظ أنّ القلب منقادٌ لنظام مثلّث الإدراك، الذي يعمل كنظام مستقرّ تسير عليه الطبيعة المستقرّة على دستور عقلي غريزي ثابت لا يعبأ بحركة الزمن، تعاضده قوانين تأخذ بالحسبان حركة الزمن، حتى يحصل التوازن في التغيرات بعلاقة (الكم بالكيف)، أي التغيرات الكمّية تؤدّي إلى تغيرات كيفية، ولا يموت النوع إلّا ويكون تناسلَ عنه مثلُه وأكثر من الأوّل، ومن ثمّ يصبح الميت رزقاً لكائن آخر يحلّله ويعيده إلى ما بدأ منه.

لمثل هذا النظام يخضع الحسّيون، ويُؤازرهم العقل، الذي يُثبت ببرود بأنّ الإنسان ميّت لا محالة من استقراء تاريخ الإنسان الذي حوّل شخصياته العظيمة وغير العظيمة إلى كلمات مجرّدة، ويلحظ الآن أنّ الزمن يجري ويحوّل الحاضر إلى تاريخ.

يُمثّل هؤلاء النظرة الواقعية المتطرّفة، التي تحكم على ثورة الإنسان على وفق هذه النظرة العبثية بأنّها تُمثل جنوناً يُخرّب النظام الاجتماعي المستقرّ بدوافع غريزية، التي تهمل مقياس القلب الذي يعمل مبدأ الحرية، برفض آلية الطبيعة التي يراها التعقّل القلبي أنّها آلية رياضية دقيقة، تكشف عن وجهين قويين للحقيقة: (عقلي وحسيّ)، ولكن ثمّة وجهاً قلبياً ثالثاً، من دونه يرى الإنسان وجوده مثيراً للريبة في نهاية المطاف، ومن ثمّ ينقسم بإزائها موقف الإنسان على قسمين:

القسم الأول: قسمٌ له طموحٌ نبيل، يسعى إلى معرفة كلّ شيء، وهنا تكمن الحقيقة التي تميّز الفكر النيّر من الغريزة العمياء، أي يُميّز الإنسان الحر من الحيوان، الذي يعمل شيئاً واحداً بشكلٍ يُثير الإعجاب، ولكنّه يعجز عن ابتكار شيءٍ آخر يخرق حدود الغريزة[7] ومنطقها الرياضي، الذي يعمل بلغة حاسوب العقل: (إما /أو، ولا ثالث بينهما).

صحيحٌ أنّ المتميّزين قليلون، ولكنّهم أفرادٌ يعدلون الجميع، ما يؤدّي إلى قلب المنطق الرياضي، إذ يصبح الجزء أكبر من الكلّ، يقول أفلاطون (Platon)
(427 ـ 347ق.م): «إنّ الشعب لا يمكن أن يكون قويّاً ما لم يؤمن بالله، وهو إلهٌ حيّ يستطيع أن يحرّك الخوف في القلوب التي استولت عليها الأثرة والأنانية الفردية، ويحملها على الاعتدال في نهمها وشرهها وبعض السيطرة على عواطفها، وفوق ذلك إذا أُضيف على الإيمان بالله الإيمان بوجود حياة أبدية في الآخرة؛ لأنّ الإيمان بالحياة الأُخرى يمدّنا بالشجاعة في مواجهة الموت، على فرض استحالة إثبات هذا الإيمان»[8].

يقول السيد المسيح عليه السلام: «مكتوب ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكلّ كلمة تخرج من فم الله»[9]، في حين يقول المادّيون عكس ذلك: «بالخبز وحده يحيا الإنسان»، وكلّ قولٍ يمثّل وجهاً للحقيقة التي لا تكتمل إلّا بجمع ثلاثة وجوه: (عقلي وحسّـي وقلبي).

والقلبي الذي يستعمل كلمة الربّ: (كن فيكون)، وهو الذي يُنقذ العقل المجرّد من البحث عن أرض صلبة يستند إليها بناؤه الفكري المجرد من المادة؛ إذ يعجز العقل عن التراجع إلى ما لا نهاية له من أسباب، ما يجعل كلّ استنباط جديدٍ خالياً من المعنى، فإذا كان العقل يستند إلى استقراء الواقع ويستخلص منه بديهياته التي لا تحتاج إلى برهان، فإلى أيّ شيءٍ يستند الواقع؟!

هذا العجز في التراجع السببي إلى ما لا نهاية يجعل العقل إمّا أنْ ينقض مبادئه التي بنى عليها أفكاره، أي ينقض نفسه بنفسه، ما يحطّم الضـرورة المنطقية في رياضياته، التي لا تحتمل هذا النقض في بحثه عن اليقين المطلق. أو الوقوف عند نقطة تعسّفية كما نجدها عند ديكارت الذي لو تابع «شكوكه وتجريداته إلى أبعد مدى ممكن بدلاً من إيقافها عند نقطة معيّنة اختارها بشكلٍ تعسّفي؛ لتبيّن له كيف يتوجّب عليه بالمثل أن يشكّ في ملكاته وفي مقدرته على التفكير، وأخيراً في مقدرته على الشك»[10].

وبدلاً من التعسّف العقل يُنقذ العقل ينقض نفسه بنفسه، تأتي مَلَكة القلب التي تستعمل (الكلمة) وسيطاً لتقول: إنّ العالم المحسوس المتحرّك عبر الزمن حرّكه «المحرّك الأوّل الذي لا يتحرّك هو واحد وواحد فقط»[11] بكلمة (كن فيكون)، ولا تناقض هناك؛ لأنّ تصوّر المؤمن بالله يسمح أن تجتمع النقائض فيه (مُحرِّك لا يتحرّك)، فإذا قيل: لكلّ مخلوقٍ خالق فمَن خلق الخالق؟ يقول القلب: هو خلق نفسَه بنفسه.

قال الحكيم الصيني (لاوتسي) مصوراً منطق القلب أو قانونه أو (مقياسه):

الإنسانُ يتَّخذ الأرضَ قانوناً له.

والأرضُ تتَّخذ السماءَ قانوناً لها.

والسماءُ تتَّخذ الطريقَ (الله) قانوناً لها.

والطريقُ يتَّخذُ قانونَه من نفسهِ [12].

وباستعمال المقياس القلبي سنحكم على صحّة ثورات الشهداء ومنهم الإمام الحسين عليه السلام، الذي واجه بإيمانه أعتى إمبراطوريات الظلم التي صادرت حريّة الإنسان، وأهانت كرامته باستعبادها إيّاه، فلم يقِف بوجهها، إلّا اثنان: الحسين بن علي بالتعقّل القلبي، وعبد الله بن الزبير بالتعقّل القلبي المشوب بالعاطفة. والأوّل أشمل يستوعب الثاني ويتجاوزه، بحسبان العاطفة وسيلة تُعيق الحرية، ولا يصحّ العكس حتى تثبت العاطفة سُمُوها إلى مستوى التعقّل القلبي.

القسم الثاني: قسمٌ من الناس مادّي ليس طَموحاً في معرفة كلّ شيء، وإنّما يكتفي بما تدركه حواسّه وعقله من دون قلبه، بأنّه أفضل من الحيوان؛ لذلك من حقّه أن يسخّر الحيوانات لمصالحه. وهؤلاء هم الكثرة الذين يُهيمنون على المجتمع كقوّة عددية، ويُمثّلون وجهين للحقيقة (العقلية والحسّية) من دون حراك قلبي أخلاقي، وهم ينظّمون الحياة بالصناعة والفنون والعمران؛ إلّا أنّهم لا يتطاولون على الأقوياء؛ ليُشعروهم بأنّهم متساوون معهم كعبيد لإله واحد؛ لذلك ينساقون لحياة الدعة والجاه وكلّ مصادر القوّة (السلطة والمال والسلاح)، وهي حياة لا فكرَ حرّاً فيها؛ لأنّ الناس لا تتجه إلى التفكير حتى تكتنفها الصعاب، وتواجهها العقبات في أُمور لا مناص للخروج منها، وكذلك هي حياة التجار والعبيد فإنّهم يكتفون بإشباع أساسهم الحيواني الغريزي، وقد وصفهم الإمام علي عليه السلام بوصفٍ نفاه عن نفسه بقوله: «فَمَا خُلِقْتُ لِيَشْغَلَنِي أَكْلُ الطَّيِّبَاتِ كَالْبَهِيمَةِ الْمـَرْبُوطَةِ هَمُّهَا عَلَفُهَا، أَوِ الْمـُرْسَلَةِ شُغُلُهَا تَقَمُّمُهَا، تَكْتَرِشُ مِنْ أَعْلافِهَا، وتَلْهُو عَمَّا يُرَادُ بِهَا»[13].

يُنشئ هؤلاء حكوماتٍ ودولاً قوية مستقرّة ولكنّها من دون أخلاق سامية، ويسنّون القوانين التي تخدم مصالحهم أوّلاً، ومن ثَمّ تخدم رعاياهم، ولا بأس عندهم في الفتك بأيّ معارضة لسياستهم، والناس تؤيّدهم؛ لأنّها تحبّ الاستقرار الاجتماعي وتُعجب بالقوي الجبّار؛ لذلك هم يُمثّلون حقائق اجتماعية ونفسية، ولكنّهم عاجزون عن مطاولة المُثُل الأخلاقية العليا، التي يتغاضى عن ذكرها كثيرٌ من المؤرّخين وعلماء الاجتماع قديماً وحديثاً، فيصدرون أحكاماً يدَّعون أنّها تُمثّل حقائق كلّية مطلقة، ومنهم ابن خلدون (ت808هـ) الذي يُسوِّغ بنظرية العصبية عودة النظام الاجتماعي والسياسي الجاهلي، الذي لا ننكر أنّه يُمثّل الحقيقة التي أثبتت سطوتها بعد الخلافة الراشدة، ولكنّها حقيقة ناقصة ما لم تُقوَّم بمقياس الأخلاق الإسلامية، وإلّا حدث جدلٌ طويلٌ عقيم، ينمّ على الجهل الناتج من انفتاح مثلث الإدراك الذي يحصر نقطة الحقيقة في حيّزٍ ضيّق، يلزمنا أن لا نصدر حُكماً ما لم نكتشف ثلاثة وجوه للحقيقة: (الوجه العقلي، والحسي، والقلبي الأخلاقي)، فنكون موضوعيين لا نميل إلى الماديين فَنُتَّهم بالواقعية المتطرِّفة، ولا نميل إلى المثاليين فنُتَّهم بالانفصام عن الواقع، ونكلّف الناس بما لا يطيقون حين نُكرههم على السلوك ضدّ طبائعهم؛ لذلك يُصبح حُكم المثالية الأخلاقية، التي تجسّدت في الشخصيات كمُثُل واقعية، مفيداً لمعرفة نسبة سلوك معظم الناس بالقياس إلى أعلى درجة يمكن أن يُحقّقها الإنسان 99%، لنعرف الدرجة الناجحة من الراسبة؛ لنحثّهم على تحسين حالهم من دون تعنيفهم؛ لأنَّ العنف يجعلهم منافقين يقولون ما لا يفعلون.

بهذا تُفنِّد مقاييس نظرية علم النقطة مزاعم المدارس والمذاهب والاتجاهات المتنافسة التي تدّعي اليقين المطلق في المعرفة، سواء المادية منها أم المثالية، وتحفظ في الوقت نفسه لكلّ مدرسة حقوقها المعرفية النسبية في النظر إلى الحقيقة، التي تتجلّى فيها أحد الوجوه الثلاثة، بمعنى أنّ نظرية علم النقطة تعلو فوق المشاحنات[14] ؛ لأنّها تجتهد في التأليف بين معارف الملكات الثلاث: (العقل، والحس، والقلب) لمقاربة الحقيقة وحصرها في حيّزٍ ضيق يقلّل الجدل العقيم حولها، الذي يدلّ على الجهل، مختاراً من كلّ مدرسة ما أتت بهِ من نتائج إيجابية، متجاهلةً منها ما كان صدوداً عقيماً عن الاتجاهات الأُخرى؛ لأنّ الصدود ينمّ على عدم فَهم الآخرين، بل قد ينمّ أحياناً على عدم فهم المدرسة لآرائها نفسها، ولو فهمت المدرسة الواحدة آراءها لما خاضت في جدلٍ عقيم طويل لا نهاية له، فمثل هؤلاء يسمّون مثابرين، ولا يسمّون أحراراً يصلح عليهم قول الشاعر: [15]

 

كناطحٍ صخـرةً يومـاً ليوهنهــا

 

فلم يضرُّها وأوهى قرَنه الوعلُ(2)

 

أو يسمّون جهلة؛ لكثرة ما خاضوا من جدلٍ طويل في القضية الواحدة، على وفق مقياس الإمام علي عليه السلام: «العلمُ نقطة كثّرها الجاهلون». المذكور سابقاً.

المبحث الثاني: مقياس شهادة الإمام الحسين عليه السلام

1ـ اتّساع مجال القيم في مقياس الحسين عليه السلام

إنّ المقياس الذي يتّخذه الثائر أو الشهيد مقياساً قلبياً، يربط مبدأ الحرية القلبية باعتقاد فكري راسخ، يرى صاحبه أنّه يُرضي الله، ويُثبت تلك الفكرة الاعتقادية بتجربة حسّية ملموسة بالسلوك منزّهة عن الميول العاطفية والشخصية الضيقة التي تحكم معظم قلوب الناس، وبهذا يُصبح القلب ملكة تعقّل، ترفض تقريرات العقل ومنطقه الرياضي الثنائي: (خير عليه السلام شرّ، ولا ثالث بينهما) إذا استبدّ العقل بمفرده بالحُكم.

وتُفكِّر ملكة القلب على طريقتها غير المألوفة، التي تجعل معظم الناس يَتّهمون صاحبها بالجنون، كما اتُّهم النبي صلى الله عليه وآله بذلك، قال تعالى: (أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ ۚ بَلْ جَاءَهُم بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ)[16]، وهذا يُجبر العقل على الإقرار بصدق الفكرة الأخلاقية القلبية التي تعزّزها الشواهد والتضحية التجريبية، فيقترح العقل فرضية أو نظرية تفسّـر اتساق السلوك بنسق منطقي، فينغلق مثلث الإدراك على مقاربة الحقيقة.

والنسق البرهاني المُعزَّز بالشواهد التاريخية الحسّية هو الذي يكشف عن وجه الحقيقة العقلي المنطقي عن طريق النظام الاستدلالي المنضبط، الذي يكشف بدوره عن تناقض بعض النصوص التاريخية المزيفة في العصر العباسي، المُبغض للثوار العلويين أكثر من بغض بني أُمية لهم؛ لأنّ العباسيين ثاروا باسم العلويين، ثمّ انقلبوا عليهم فواجهوهم بقلوبٍ لا تختلف عن قلوب جميع الثوار بوعيهم الثوري الاستشهادي، الذي يُفكِّر بمنهجٍ غير مألوف، يلائم ظروفاً غير مألوفة لقيم الإسلام، فسلكت منطقاً يُخالف منطق العقل المبني على غريزة: (لذة  عليه السلام ألم).

ومثال التفكير غير المألوف في الظروف غير المألوفة: تصـرّف أُنثى الدب، التي لا تجد طعاماً لها ولِدَيسميها، فتعمد إلى أكل أحدهما؛ للحفاظ على حياتها وحياة دَيسمها الآخر.

وكذلك يخالف الإنسان المنطق المألوف ولكنّ بحكم تمايز أخلاق الإنسان من الحيوان، فإنّه يبتكر منهج التضحية بنفسه من أجل حياة الآخرين. وقد يسلك معظم بني البشر طريقاً أخسّ من طرائق الحيوان مُسخّرين عقولهم للشر؛ إذ يسـرقون ويفتكون ويغدرون بإخوانهم الذين يمرّون بالظروف الصعبة نفسها، إلّا أنّ قلّة من بني البشر تكتشف في مثل هذه الظروف وجود إمكانات في قوانين العالم المعروف وفي الطبيعة، وفي مناهج المعرفة لم تُكتَشف من قبل، فتزوِّد العقل بأنواع من الخيارات التي تعدّ صادقة كإمكانات للحقيقة، يداعبها الخيال بطلاقة على الرغم من أنّها كانت من قبل مستحيلة وغير معقولة، فالخيال هو الوساطة التي تمكّن العقل الإنساني من التحرّر من تحكّم العادات، وهو لا يعترف بالمستحيل، وإنّما يعترف بالقدرة المرنة على الإبداع الذي يستهوي الإرادة، ليصبح الإبداع متاحاً للاختيار الحرّ الذي يُطلق عنان العاطفة من محبسها الأناني الضيّق، لتشمل الآخرين بعلاقة تُسمّى(التعاطف)[17]؛ لذلك قيل: (مَن يشعر بآلامه فهو حيّ، ومَن يشعر بآلام الآخرين فهو إنسان).

هكذا تعاطفَ الحسينُ عليه السلام مع أهل الكوفة حين دعاه بعضهم لحربٍ يعلم أنّها خاسرة مسبقاً، لعلمه بأخلاق معظم أهل الكوفة، بأنّها غير مهيّأة لثقافة شهادة الأحرار، وقد حذّر ابنُ عباس الحسينَ[18] ـ وغيره كثيرون ـ من غدر أهل الكوفة[19]، ووضعوا بين يديه بدائل كثيرة، ولكنّها لا تطابق المقياس الشهيد القلبي؛ لأنّها تحكِّم رياضيات العقل والحسّ التجريبي الواقعي فحسب، وتهمل منطق القلب. وقد عرف هو وابن الزبير أنّهما مقتولان لا محالة[20] ؛ لأنّهما الوحيدان اللذان رفضا تحويل الخلافة الإسلامية إلى ملكية وراثية تورّث للصبيان الفاسقين، وأبرز الأفكار التي عُرضت على الحسين كتدابير تؤمّن حياته ورفضها جميعاً، وهي:

أ) قال ابنُ عباس: «وإنْ أبيت إلّا محاربة هذا الجبار وكرهت المقام بمكّة فاشخص إلى اليمن، فإنّها في عزلة»[21].

 لقد رأى الحسينُ في هذا المقترح معوّقاً للحرّية؛ لأنّ العزلة تجعل الإنسان مشغولاً بذاتيّته وبنفسه، فيعيش في «عالم إقليمي صغير، وقد اعتنق جزءاً ضئيلاً جداً من قيم العالم الأكبر. إنّ العلاج الوحيد لهذا التعامي هو التعاطف، أي: قوّة الشعور التي تتغلغل إلى أعماق الآخرين وتشارك في اتجاه حياتهم العاطفية»[22]. وهم أهل الكوفة الذين دعوه للشهادة، ولم يدعُه أهلُ اليمن ليشاركهم هذا الشعور، فضلاً عن علمه أنّه مستهدف في أي مكان: «وأيم الله، لو كنت في حجر هامّة من هذه الهوامّ لاستخرجوني... ليعتدُنّ عليَّ كما اعتدتْ اليهود في السبت»[23]. فلا حاجة بعد ذلك إلى البحث عن العزلة وطلب الأمان، ما دام قرّر أنْ لا يبايع فاسقاً، وقرّر الفاسق أنْ يقتله أينما كان.

ب) قال ابن عباس: «فإن عصيتني وأبيت إلّا الخروج إلى الكوفة، فلا تُخرجنّ نساءك وولدك معك، فوالله إنّي لخائف أن تُقتل كما قُتل عثمان ونساؤه ووُلده ينظرون إليه»[24].

لقد التفت ابن عباس إلى إحدى الوسائل التي تضيّق مجال القيم، وهي ميل الوسائل إلى أن تكون معوّقة للأهداف، لكن هل اصطحب الحسين النساء والأطفال والصبيان لغرض استدرار عطف الناس لينصروه أو يخفّفوا عنه وطأة الموت؟! الجواب: كلا؛ لأنّه أبلغ أهل بيته وذويه بمصيره وخيَّرهم، فاختاروا أن يشاركوا برحلة الوعي الحرّ بعالم القيم، ولم يُكره أحداً من إخوته وغيرهم على اختيار عالم القيم، ويدلُّ على ذلك نصيحة مَن صاحبوه في أوّل خطوة خطاها من المدينة إلى مكة بقولهم: «لو تنكّبت الطريق الأعظم كما فعل ابن الزبير... قال: لا والله، لا أُفارقه حتى يقضي الله ما هو أحبّ إليه»[25]. ما يدلّ على علمهم بمصيره الذي جعله رهناً بيد القدر كخيار حرّ اختاره بنفسه. وفي هذا الردّ علَّمَ مَنْ معه معنى الحريّة كوعي عملي ضروري مُلزم مشحون بالإرادة الحرّة، وليس فكرة نظرية تحتمل الضرورة والإمكان.

ج) حين أُشير عليه أن اكتب: «إلى أهل الكوفة وأنصارك بالعراق فيخرجوا أميرهم [الأُموي]، فإنْ قووا على ذلك ونفوه عنها، ولم يكن بها أحد يعاديك أتيتهم...»[26].

رفض هذه الفكرة؛ لأنّها تعيق رحابة مجال القيم بالفتور[27]، فيسبقه غيره ممَّن كتبوا إليه، فينالوا السبق في شرف الشهادة[28]، ويصبح هو وأهل بيته تالين متهمّين بفتور الإرادة. ويظهر ذلك في ردّه على اعتذار رسوله إلى الكوفة، وهو مسلم بن عقيل الذي كتب إليه أن يعفيه لتشائمه من ضلال الدليلين للطريق، فماتا ونجا مسلم بحشاشة نفس، فكتب إليه الحسين عليه السلام: «أمّا بعدُ، فقد خشيتُ أنْ لا يكون حَملك على الكتاب إليَّ إلّا الجبن، فامضِ لوجهكَ والسلام»[29].

وحين رقَّ قلب أُخته زينب سلام الله عليها لحاله وبكت في ليلة مقتله، بيّن لها أنّ موقف الشهادة موقف فخرٍ وعزٍّ، وليس موقف ضعفٍ وفتورٍ بالإرادة؛ لذلك قال لها: «اتقي الله، فإنّ الموت نازلٌ لا محالة... إنيّ أُقسمُ عليك فأبرّي قسمي: لا تشقِّي عليَّ جيباً، ولا تخمشي عليَّ وجهاً، ولا تدعي عليّ بالويل والثبور»[30].

د) حين أشار عليه فريقٌ من الناصحين غير الأحرار أنْ يستدرّ عطف الناس بإقامته بمكة، ومنهم ابن الزبير الذي قال له: «فأقِم إنْ شئت وتولّيني أنا الأمرَ فتُطاع ولا تعصـى. قال: لا أُريد هذا أيضاً»[31] ؛ لأنَّ استدرار عاطفة الناس بثأر أو بالدفاع عن انتهاك مقدّسات، أو تأميلهم بالفوز والعطاء ونحو ذلك، إنّما يُعدُّ من معوّقات توسيع حقل القيم، التي تشغل الذات الثائرة بالتفكير في الوسائل التي تؤدّي إلى غاية ضيّـقة، قد تتحكّم قسراً بالإنسان من دون أن تكون قد اختيرت عن سابق قصد، وبعدها يصبح كلّ اختيارٍ مرهوناً بالوسائل التي تؤدّي إليها.

إنَّ ممارسة الاختيار الخالص تتطلّب ذوقاً مميزاً تبعد الحرّ عن لجاجة الشهوات، والحماسة الطائفية، وعن سَوْرَة الغوغاء، وأيّة قوّة أُخرى تُميت القلب وتَحُول دون توسيع مجال مملكة القيم[32].

هـ) إنَّ المُثُل الواقعية العليا التي يجسّدها الشهيد تمثِّل تصوّراً واسعاً وعميقاً [33] يتّسع للجميع، ولا ينقصه شيءٌ حين يخرج منه جميع مَن انضمّوا إليه باستثناء صانعه الأوّل، وتظهر تلك السعة والعمق فيما يأتي:

أوّلاً: أشار عددٌ من المصادر التاريخية إلى أنّ الحسين عليه السلام حين سمع بمقتل مسلم بن عقيل «همَّ أن يرجع ومعه خمسة من بني عقيل، فقالوا له: أترجع وقد قُتل أخونا؟!»[34].

ومصادرنا التاريخية التي ينقل بعضها من بعض لا تُفرِح كثرتُها، وكثرة ما تناقلته من قصص تعكس وعي المؤرِّخ الساذج، الذي تصوّر الحسين كأنّه شخصية خائفة متردّدة لا يمكنها إلّا أن تستسلم للبيعة من أوّل تهديد، ولا تزجّ بنفسها بهذا الموقف الذي تصوّره المؤرِّخون؛ لذلك نرجّح رواية ابن الجوزي (ت597هـ) بأنَّ الإمام الحسين عليه السلام قال: «يا بني عقيل، حسبكم من الفتك بمسلم، اذهبوا فقد أذنتُ لكم. فقالوا: لا والله، بل نفديك بأنفسنا وأهلينا»[35].

وبهذا الاختبار ضَمنَ الحسين حرية اختيار أبناء عمِّه بعد مقتل أخيهم، بأنْ منحهم خيارين وسمح لهم أن يتّخذوا قراراً جديداً نابعاً عن سابق قصد وتصميم في الظروف الجديدة، إلى جانب التفكير بالنتائج التي جعلتهم يتبنّون موقفاً معيناً، ويستثنون البدائل الأُخرى المسموح لهم بها[36].

ثانياً: حين قدِمَ الحسين عليه السلام الكوفة ظنَّت الناس التي مرَّ بها أنّه قادمٌ على مغنم، فلحقوا بركبه فخاطبهم ليكتشفوا إمكانات حرّيتهم في الموازنة بين خياري الطمع والشهادة، قال: «قد خذلتنا شيعتنا، فمَن أحبَّ أن ينصرفَ فلينصرف، ليس عليه مِنَّا ذِمام. فتفرّقوا يميناً وشمالاً، حتى بقي في أصحابه الذين جاءوا معه من مكة»[37].

ثالثاً: خيّر الحسين عليه السلام جميع مَن بقي معه في آخر ليلة من حياته بقوله: «ليأخذ كلُّ رجلٌ منكم بيد صاحبه، أو رجل من إخوتي، وتفرّقوا في سواد هذا الليل، وذروني وهؤلاءِ القوم، فإنّهم لا يطلبون غيري، ولو أصابوني وقدروا على قتلي لما طلبوكم... قالوا: يا بن بنت رسول الله، وماذا يقول الناس، وماذا نقول لهم إذا تركنا شيخنا وسيّدنا وابن بنت نبينا محمد صلى الله عليه وآله، لم نرمِ معه بسهم، ولا نطعن عنه برمح، ولا نضرب معه بسيف؟! لا والله... لا نفارقك أبداً، ولكنّنا نفديك بأنفسنا، ونُقتل بين يديك، ونَرِدُ موردك، فقبّح الله العيش بعدك»[38].

المشكلة في حرّية الاختيار ليست فيما يقول الناس، وإنّما في (ماذا نقول لهم؟) لو سألونا عن أسباب ترككم مَن جئتم معه وأنتم تعلمون الموت مصير صحبتكم له؟! عند ذاك يكون أمامنا خياران لإجابتهم، هما: (الجبن، أو هو أذِن لنا). وهذان الخياران يمثّلان قيوداً للحرية؛ لأنّهما محدودان بضيق الأُفق؛ لوجود خيار مثالي واسع جداً هو الفداء بالنفس عمَّن يريد أن يفدينا بنفسه.

هذه الصورة من ابتكارات الخيال الملائمة للفكر الحرّ، التي أراد الحسين عليه السلام أن يملأها بمضمونها الحسّي وحده، فكان الردّ: أنّ صورة الشهادة لا تكتمل بمعاناتك التي يفرضها العدو عليك كقيد خارجي، وإنّما بمعانتك وأنت ترى الأحباب يموتون دونك.

و)يفسّر بعضهم أنّ الخيارات التي عرضها الحسين في أشدِّ المواجهات احتداماً في طريق الحرية، أنّها تمثّل ضعفاً، والصحيح عكس ذلك، ومثال ذلك ما فاوض عليه عمر بن سعد بثلاثة خيارات كتبها لابن زياد بقوله: «هذا حسين قد أعطاني أن يرجع إلى المكان الذي منه أتى، أو أن نسيرّه إلى أيّ ثغرٍ من ثغور المسلمين شئنا، فيكون رجلاً من المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم، أو أن يأتي يزيد أمير المؤمنين فيضع يده في يده»[39].

هذه الخيارات الثلاثة تمثّل شروط الحرية التي اختارها الحسين بنفسه، ولا تلبّي شرط السلطة المقيّدة لحرّيته، وهو الإكراه على بيعة يزيد، وهو المطلوب، وقد كتبه ابن زياد إلى عمر بن سعد: «أن يعرض على الحسين بيعة يزيد»[40]. ما يجعل عبارة: (يضع يده بيد يزيد) فهي لا تعني البيعة التي تُعدّ وثيقة قانونية يحقّ لمَن يملكها القضاء على الناكث بالعقوبة أو السقوط في أعين الناس، وإنّما تعني توسيع شروط الحرية التي أصبحت بها ثلاثة خيارات؛ لذلك يمكن تأويل العبارة بأنّها وسيلة لنقل المناجزة من كربلاء إلى الشام، ليتسع أُفق المعارضة إعلامياً من دون نزع السلاح، وهو ما أدّته النساء والأطفال، حين تسأل الناس مَن هؤلاء السبايا؟! فيظهر تناقض يأباه منطق الناس المبني على الغرائز، إذ يأتيهم جوابان متنافران:

الأوّل: هؤلاء شرّ الأشرار.

 والثاني: هؤلاء خير الأخيار.

 فيشتغل مقياس العقل الذي يقول: (إمّا أشرار عليه السلام أو أخيار) ولا ثالث بينهما، وحين يسألون عن نَسَبِ هؤلاء يجدونهم من خيار الناس قاطبةً في عصرهم.

ز) لقد كُتِبَ تاريخ هذه الواقعة وغيرها بطريقة الرواية المسموعة، لا بطريقة المشاهدة التي اشتُهر بها (هيروديت Herodotus)[41] (484 ـ 465 ق.م) الذي استحقّ بسبب هذا المنهج اسم (أبو التاريخ)، وقد دُوِّن أكثر تاريخنا العربي الإسلامي في العصر العباسي الذي عادى العلويين أكثر من معاداة الأُمويين لهم؛ لذلك تواجهنا قصص تقلّل من أخلاق شهداء معركة الطف بأنّها تنمّ على الجبن والضعف في التخطيط، ولا سيما التي تدور حول سفير الحسين إلى الكوفة، وهو مسلم بن عقيل، الذي يروي التاريخ له أنّه لم يُنفذّ اغتيال ابن زياد والي يزيد على الكوفة، بعد أن وافق عليه في بيت هانئ بن عروة، بحجّة أنّ الاغتيال يتعارض مع القيم الأخلاقية الدينية[42] لقول النبي صلى الله عليه وآله: «الإيمان قيد الفتك، لا يفتك مؤمن»[43]، وكراهية هانئ أن يُقتل في منزله، في الوقت الذي يقول فيه هانئ له: «لو قتلته لقتلت فاسقاً فاجراً كافراً غادراً»[44]

تُكرَّر هذه القصّة مرّتين، وفي كلتيهما يوافق مسلم على الاغتيال مرّة في بيت هانئ وأُخرى في بيت شريك بن الأعور[45]، ثمّ يتراجع عن التنفيذ تحت نفس الأسباب ما يجعل القصّة مصطنعة بهدف إثبات جبن مسلم بن عقيل.

والصحيح أنّها قصّة واحدة كما وردت في تاريخ الطبري[46]، بأنّ شريك بن الأعور الذي وفد من البصرة مع ابن زياد وهو من الشيعة قد مرض في الطريق أو تمارض؛ لتأخير ابن زياد حتى يسبقه الحسين، فتركه ابن زياد مع جماعة، وحين وصل شريك الكوفة بعدَ ابن زياد نزل دار هانئ، وتداول مع مسلم على اغتيال ابن زياد الذي عزم على زيارة ابن الأعور في بيت هانئ للاطمئنان على صحّته، فرفض مسلم فكرة الاغتيال، مُحتجّاً بالحديث النبوي كقيمة دينية، وعزّز هانئ الرفض محتجّاً بقيمة أخلاقية اجتماعية، فاجتمعت لدى مسلم حجّتان، أدلى بهما حين عاتبه ابن الأعور على عدم اغتنام الفرصة، ما يدلّ على أنّ هانئاً ومسلماً كانا من الأحرار مع اختلاف الوسائل التي تلتقي بمنهج واحد هو منهج الحسين، وهو أن لا يبدأ القوم بقتال[47]؛ فيكون مطلوباً بثأر، بل كان يريد العكس، الذي يسلب أي شرط يقيّد حرّيته ويجعله سلاحاً منطقياً أخلاقياً بيد الأعداء، ويظهر ذلك في قوله: «أتطالبوني بقتيلٍ منكم قتلته؟! أو مالٍ لكم أخذته؟! فلم يكلّموه»[48].

هكذا تطابق شرف وسائل الحرية مع غاياتها؛ لأنَّ الوسيلة القبيحة لا تسوِّغ الغاية الشريفة في أخلاق الشهيد، وعلى هذا الأساس أخطأ ابن الأعور في إدراك أخلاق الشهادة التي أدركها مسلم بن عقيل خيرَ إدراك، حتى أنّه لم يستنفر مَن بايعه ـ الذين قدّرتهم كتب التاريخ [49] بأكثر من 30 ألف مقاتل ـ في منع ابن زياد من دخول الكوفة حتى يسبقه الحسين، علماً أنّ ابن زياد قدِم إلى الكوفة بثلّة من النساء والأطفال والعبيد، وحين أراد مسلم الانتصار بهذا الجيش الجرار لهانئ بن عروة الذي ضُربَ وحُبسَ، تصرّف هذا الجيش تصرّفاً حيوانياً يقوم على مبدأ: (اللذة  عليه السلام الألم) الغريزي، فتفرَّق عنه فبقي وحيداً، فضاقت به بيوت الكوفة بما رحبت، فآوته امرأة فاطّلع ابنها على مكانه، فسلَّمه ليقُتلَ ويُرمى من أعلى قصر الإمارة، وتُجرّ جثّته وجثّة هانئ في الأسواق.

وخلاصة القول: إنّ مبادئ أو قوانين التعقّل القلبي تُبنى على نماذج فردية تثبت أنَّ (الجزء أكبر من الكلّ)، وهي تخالف رياضيات العقل وحسابات الحسّ القائمة على (مساواة الكل للأجزاء)؛ لذلك تكون هذه النماذج قليلة في التاريخ، ولكنّها موجودة ومثيرة للتنبّه، فلا يعاب عليها قلَّتها؛ لأنَّ القلّة خصيصة جوهرية فيها، كذلك قال الشاعر:[50]

 

تعيرّنا أنّا قليلٌ عديدُنـا

 

فقلت لها إنَّ الكرامَ قليل(2)

 

بمعنى أنّ أخلاق القلب الطامح لتحقيق واقعية المُثُل مبنية على نظرية الإنسان الفرد، الذي يثور وهو مؤمن بمبادئ كلّية تنتصر على الجميع، وتعرِّي أخلاقهم الحيوانية المبنية على غريزة: (اللذة  عليه السلام الألم)، وقد أعادت نظرية الفرد تصحيح تعريف الإنسان العقلي النظري بالجنس (حيوان)، والنوع (عاقل)، إلى تعريفه تعريفاً قلبياً عملياً بالجنس (حيوان)، والنوع (أخلاقي)، إذ ظهر في مجتمع أهل الكوفة من الذين لم يبايعوا الحسين فرداً واحداً جسَّد هذا التعريف منتصـراً على المبدأ الغريزي، اسمه (الحر) ـ الذي أصبح هذا الاسم الاعتباطي سمةً له، وليس دلالة عليه، أي أنّ الألفاظ التي نبرهن على صدقها تمثل حقائق ـ إذ «أقبل يدنو نحو الحسين قليلاً قليلاً، وأخذته رعدة، فقال له رجل من قومه ـ يُقال له: المهاجر بن أوس ـ: والله، إنّ أمرك لمريب... ولو قِيل: مَنْ أشجع أهل الكوفة؟ لما عدوتُك. فقال له: إنّي والله أخيّرُ نفسي بين الجَنّة والنار... ثمّ ضرب فرسه فلحق بالحسين، فقال له: جعلني الله فداك يا بن رسول الله، أنا صاحِبُك الذي حبستُك عن الرجوع، وسايرتُك في الطريق، وجعجعت بك في هذا المكان، ووالله، ما ظننتُ أنّ القوم يردُّون عليك ما عرضت عليهم أبداً...»[51] ـ من شروط تمثّل حقوق الإنسان في الحرية.

 ثمّ عرّى علي بن الحسين عليهما السلام ـ الشخص الناجي الوحيد من بين الشهداء[52] بسبب مرضه ـ نساءَ أهل الكوفة بما أنجبن من رجال لا أخلاق ولا إنسانية لهم، حين حُمِلتِ السبايا إلى ابن زياد «فخرجت نساء الكوفة يصرخنَ ويبكينَ، فقال علي بن الحسين: هؤلاء يبكون علينا فمَن قتلنا؟!»[53].

2ـ ضيق مجال القيم في مقاييس الدارسين

حين أثبتنا صحّة نظرية الفرد الثائر المُطالِب بالحقوق التي تحفظ كرامة الإنسان، كشخص يجسّد أو يحقّق المُثُل النظرية الصعبة المنال، بما أسميناه بـ(المُثُل الواقعية) القلبية في نظرية علم النقطة، فإنّنا يجب أنْ نحذّر من استعمال مقياس المُثُل غير القابلة للتجسيد ذي الكيفيتين المتنافرتين (أسود × أبيض) ولا ثالث بينهما، فنحكم حكماً مطلقاً (دوغمائياً) بأنَّ كلّ مَن لم يُقتل إلى جانب الشهيد المثالي بأنّه كافر وفي النار، وندين 99% من المسلمين في ذلك العصر، متّهمين مَن لو كنّا مكانهم لكنّا مثلهم، علماً أننّا لم نعِش في عصر ذهبي يصون حرّياتنا ويحفظ كرامتنا، فالظلم موجود الآن، والشهداء الرافضون لهم موجودون أيضاً نحبّهم بقلوبنا، ولكنّنا نُسهم في قتلهم بعدم نصرتنا لهم، ومن ثَمّ نبكيهم بعد مقتلهم. فمثل هذا الحُكم غير العلمي يدينه الشاعر بقوله:[54]

 

لا تنهَ عن خُلُقٍ وتأتيَ مثلَه

 

 عارٌ عليك إذا فعلت عظيمُ

 

 

إنّنا بهذا الحُكم الفاسد نطالب الناس أن يغادروا طبيعتهم التي جبلهم الله عليها، ويرتقوا بطرفة عين إلى ملائكة، غير منتبهين إلى أنّ الفرد نفسه يتغيّر وعيُه من حينٍ إلى آخر؛ لذلك يكون مقياس العقل الصارم (إمّا/أو) ولا ثالث بينهما، مضلِّلاً يضرب عرض الحائط مسألة التوبة الإلهية التي لا يمكنها أن تساوي بين مثال الشر الذي نال درجة (99%) بغيره ممَّن اعتزل القتال؛ لأنّ الأوّل مندفع إلى أقصى حدّ بمنطق غرائزه الحيوانية، ومثاله مَن حزَّ رأس الحسين وجاء بهِ مرتجزاً طالباً الثمن:[55]

 

أوقر ركابي فضةً وَذَهَبا

 

 فقد قتلتُ المَلِكَ المُحجّبا

قتلت خيرَ الناس أُمّاً وأبا

 

 وخيرَهم إذ يُنسبون نسَباً(2)

 
 

فهذا لا يتساوى مع مَن ندم وبكى وتاب واستغفر وعمل صالحاً، لقوله تعالى: ( قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّـهِ)[56] ؛ لأنّ تنوِّع أخلاق الناس بين ما جُبلوا عليه غريزياً من جهة، والمستوى الأخلاقي المثالي الواقعي من جهةٍ أُخرى، يجعل أخلاقهم كسائر الظواهر الحسّية المتغيّرة عبر مرور الزمن، متنوِّعة تنوعاً لا نهائياً، لا يصحّ قياسها إلّا بالقياس الحسّـي العملي، الذي يضم كيفيتي (إمّا/أو) ولا ثالث، فضلاً عن كيفيات ثوالث وروابع وخوامس تُسهِّل تقسيم الواقع إلى فئات واضحة، ومثال ذلك مقياس رسول الله صلى الله عليه وآله الثلاثي العملي: «مَن رأى منكم منكراً فليغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإنْ لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان»[57].

هذه الكيفيات العملية الحسّية يمكن تقسيمها على مقياس تدرُّجي مئوي أدق (100 ،… ،2 ،1 ،0)، وهو يضمّ المقياس العقلي (إمّا/أو) ولا ثالث بينهما عند درجة (50%)، حين نستعمل الميزان ذي الكفّتين كما سيأتي ذلك لاحقاً.

إنَّ التقسيم التدريجي الرقمي يمثِّل منطق الحسّ الرياضي، الذي يجعل مفردات اللغة الاعتيادية الغامضة واضحة، يمكنها أن تحمل كمّية الحقيقة المطلوب قياسها؛ لنعرف درجة نجاحنا ودرجة فشلنا في مكافحة المنكر في قول الرسول صلى الله عليه وآله كالآتي:

وهنا تتّضح أهمّية تعليق الرسول صلى الله عليه وآله على رفض القلب وحده للمنكر، بأنّه «أضعف الإيمان»؛ لأنّه يمثّل درجة فاشلة لا تتجاوز (33%)؛ ولكنّها على أيّة حال تمثّل بعضاً من الحق والخير الذي يفيد فرداً واحداً يبعدها عن (الصفر) الفاصل بين الخير (السلوك الإيجابي) باتجاه اليمين، والشـرّ (السلوك السلبي) باتجاه الشمال، الذي يمكن تقسيمه بمقابل السلوك الإيجابي بثلاثة تقسيمات سلبية: (رضًا قلبيّ للمنكر، ورضًا قلبيّ لسانيّ، ورضًا قلبيّ لسانيّ ويدوي)، ونعطي للتقسيمات الكيفية الثلاثة درجات رقمية مئوية كالسابقة، ولكنّها سالبة تدلّ على الشرّ.

وبهذا الأُسلوب المنطقي يمكننا أنْ نلحظ بأنّ التقسيمات الحسية اللُّغوية والرياضية الرقمية لا تلغي المقياس العقلي ذي الكيفيتين المتنافرتين (إمّا/أو) ولا ثالث بينهما؛ إذ نلحظه ظاهراً في درجة (50%) في حقل الخير في جهة اليمين، أو حقل الشر في الشمال، فصاحب اللسان الناطق بالحقّ قد يكون فاشلاً حين يستعمله فقط بينه وبين صديقٍ يثِق به، وقد يكون ناجحاً في الخطابة على جمهور علنيّ مباشرةً على الهواء، وأعلى درجة يأخذها صاحب اللسان هي 66% حين ينطق بالحقّ في حضرة سلطان جائرٍ مطمئناً للموت.

والمهم هنا أنّ درجة (50%) في حقل الخير تحدّد أنَّ ما فوقها ناجح، وما دونها فاشل، أمّا هي بالذات فتمثّل (ناجح/فاشل) في وقتٍ واحد، كأن يلقي المرء خطبة حقّ ويفرّ؛ لأنّه غير مستعد للمواجهة اليدوية أبداً، فلا يحرّك جمهوره باتجاه الخير. ومثل هذا الخطيب والجمهور إنّما يمثّلان تصوراً (تشكيلاً مكانياً يُقيمهُ العقل)، بمعنى أنّ المقياس الكيفي إذا كان صورياً أو رياضياً مجرّداً يمنع وجود الثالث بين كفّتي الميزان، المتصوَّر أنّه يشير إلى الصفر المنطقي عندما تتوازن كفّتاه بحسبان مثقال الذرات.

أمّا إذا كان الميزان غير صوري، أي: تطبيقي، فإنّه يجيز وجود الثالث الذي يسمّى بالمصطلح القرآني درجة (أصحاب الأعراف) [58]، المستعارة من عُرف الفرس والديك للسُور المضروب بين الجنة والنار، الذي يحجب من المسلمين آخرهم دخولاً في الجنة؛ نظراً لمساواة حسناتهم لسيئاتهم، في الميزان الذي لا تميل إحدى كفّتيه إلى جهة الخير ولا إلى جهة الشر.

وعلى هذا الأساس لا ينكر منطق نظرية علم النقطة منطق أو مقياس الحسّ الذي يقيس الحقيقة من منظور واقعي، ولكنّه ينكر الأحكام التي تدّعي اليقين المطلق، والتي وقع بها كثيرٌ من المؤرِّخين وعلماء الاجتماع القدماء منهم والمحدثون؛ وسنأخذ مثالين على ذلك:

أـ نظرية ابن خلدون الحسّية التجريبية التي سمّاها نظرية (عصبية قريش) الذي يرى فيها أنَّ الحقّ من غير سلطة تسانده لا خير فيه ولا جمال، والواجب على صاحب الحقّ أنْ ينظر في قوّته وعصبيته، فإذا وجدها كافية نهض بها، وبخلاف ذلك فالسكوت واجبٌ عليه [59].

إنَّ منطق ابن خلدون الذي ينطلق من أهمية الاستقرار الاجتماعي، الذي هو مطلب معظم أفراد المجتمع المستند إلى أساس نفسـي: (لذة  عليه السلام ألم) منطقٌ صحيح؛ إذ يميل هذا الأساس إلى مقاومة أيّ تغيير للقديم، ويناهض حقّ العوامل الجديدة التي تزعزع استقرار الكائن الحي [60].

وحسابات هذا المنطق تتعاضد فيها الأدلّة العقلية والحسّية في نظرية علم النقطة، ما يطمئِن القلب لهذا التعاضد في الظروف الطبيعية المستقرّة، ولكنّ منطق ابن خلدون يُهمل أحد مبادئ القلب المهمّة التي لا تجعله يسلِّم أمره لملكتيّ: (العقل والحس)، اللتين تصحّ أحكامهما في الظروف الطبيعية المستقرّة، وإنّما يفرض منطقه الخاصّ في الظروف غير الطبيعية، اعتماداً على المبدأ النفسي المسمَّى (ما وراء مبدأ اللذة)، الذي وصفه بعض علماء النفس[61] بأنّه أكثر تغلغلاً وقِدَماً في النفس، ويفرض تكرار الخبرات والمواقف القديمة من دون النظر إلى نفعها (لذّتها)، ومن دون إلغاء منطق العقل (إمّا، أو، ولا ثالث بينهما)، المبني على مبدأ (لذة  عليه السلام ألم)؛ لذلك يجمع منطق القلب بين (اللذة والألم) في وقتٍ واحد؛ أي يجمع المتناقضات كثالث عملي يُزاد على مبدأ العقل، لكنّ الذين لا يعرفون هذا الثالث يحكمون على مَن يُجسّدونه بمُثُل واقعية تقف بوجه إمبراطوريات ظالمة بأنّهم مجانين، كما حكم جبروت قريش الجاهلي على رسول الله صلى الله عليه وآله بأنّه مجنون، كذلك حكم ابن خلدون على الإمام الحسين عليه السلام أنّه من المجانين الذين «لا يحسبون ما ينالهم من التهلكة، فيُسرع إليهم القتل بما يُحدثونه من الفتنة وسوء عاقبة مكرهم»[62].

إنَّ حكم ابن خلدون معقول في نظره إلى طبيعة بَداوة العرب، ويكشف عن تعاضد أدلّة العقل والحس في نظرية علم النقطة؛ ما يؤدّي إلى طمأنة القلب طمأنةً عقليةً وعلمية حسّية تجريبية في الظروف الاعتيادية، ولكنّه يهمل حكم مَلَكَةِ القلب الأخلاقية في الظروف الظالمة غير الاعتيادية، التي يفرضها الإنسان على أخيه الإنسان بإرادته، وإذا أخذنا هذا الحكم بالحسبان ينغلق مثلث الإدراك على نقطة الحقيقة التي تنحصر في حيّزٍ ضيّق يقلّ حولها الجدل، ومن دون أخذ مقياس ملكة القلب الأخلاقية ينفتح مثلث الإدراك وتضيع نقطة الحقيقة في الفضاء اللامتناهي، ما يكثر حولها الجدل العقيم الذي يدلّ على الجهل؛ لأنَّ الحكم على الأنبياء والشهداء بالجنون المطلق لا يسلِّم له المثاليون، فيردّون على الحكم (الدوغمائي) المطلق بحكم مضاد (دوغمائي) مطلق مثله، بحسب بديهية: (الفعل يساوي ردّ الفعل بالمقدار ويعاكسه بالاتجاه)، ما يؤدّي إلى كثرة الجدل العقيم بين الطرفين الذي لا ينتهي إلى يوم القيامة، وهذا حال الجدل الذي لا يرسي على برِّ أمان الدالّ على الجهل، وهو مغزى قول الإمام علي عليه السلام: «العلم نقطة كثّرها الجاهلون»، المذكور آنفاً.

وعلى هذا الأساس يكون حكم ابن خلدون صحيحاً، ولكنّ تعميمه هو الخطأ؛ لأنَّ التعميم والقول باليقين المطلق على كلّ معرفة بشرية محدودة بمدركات بسيطة، إنّما يُدعى علم الله.

وفي قضية شهادة الحسين ساوى ابن خلدون الأخيار ومنهم (الحسين)، بالأشرار ومنهم (يزيد)، الذي يؤكّد ابن خلدون فسقه، وعليه يضرب ابن خلدون قيم الإسلام عرض الحائط، والإقرار بأحقّية عودة العصبية الجاهلية التي ناضل الإسلام من أجل دحرها ـ أو تهذيبها على الأقلّ ـ بالأخلاق المثالية (ما ينبغي أن يكون)، فما ينبغي أن تكون عليه الأخلاق المثالية المتجسّدة بالفعل بشخصية الشهداء لا يصحّ ضربها بما هو كائن أو موجود بالفعل؛ لأنّ المثال الواقعي المتحضّر موجود بالفعل أيضاً وهو يثير الإعجاب، وذلك قول ابن خلدون: «رأى الحسين أنّ الخروج على يزيد متعيّن من أجل فسقه، لاسيما مَن له القدرة على ذلك، وظنّها بأهليته وشوكته، فأمّا الأهلية فكانت كما يُظَنّ وزيادة، وأمّا الشوكة فغلط ـ يرحمه الله فيها ـ؛ لأنَّ عصبية مُضـر كانت في قريش، وعصبية عبد مناف إنّما كانت في بني أُميّة... وإنّما نُسِـيَ ذلك أوّل الإسلام، لمّا شُغِلَ الناسُ من الذهول بالخوارق وأمر الوحي، وتردّد الملائكة لنصـرة المسلمين... حتى إذا انقطع أمر النبوّة والخوارق المهولة تراجع الحكم بعض الشيء للعوائد، فعادت العصبية...»[63].

والسؤال: هل من الحقّ أنْ يستسلم المسلمون كلّهم لعودة العصبية الجاهلية، ولا ينهض منهم واحدٌ على الأقلّ يقول بإصلاح هذا الانحراف؟! يجيب الدكتور علي الوردي[64] بأنّ ابن خلدون قد تطرّف بـ(الواقعية الحسّية) التي تابعه عليها كثيرون إلى اليوم، وهذه النظرة الحسّية لا يستسيغها أصحاب المُثُل العليا، فالثوار يثورون ولو رأوا السيف مسلّطاً على رقابهم، وهم نادرون في تاريخ العالم، ولكنّهم على أيّة حال موجودون، لا يمكن غضّ الطرف عن حقيقتهم التي يواجهون بها أعتى السلاطين وجلاوزتهم الغلاظ وجيوشهم الجرّارة، وهم يعلمون مسبقاً أنّهم يُقتلون لا محالة، لكن لو اتّبع الناسُ كلٌّهم نظرية ابن خلدون لما استطاع أحد أن يثورَ ويعترض على سلطانٍ جائر، ولبقي الطغاة يعيثون في الأرض فَساداً من دون رادع؛ لأنّ منطق الثوار مختلفٌ عن منطق الواقع المحسوس الذي يؤيّده العقل، ولكن ينقصه الجانب الأخلاقي القائم على منطق القلب الإيماني، الذي يميّز الإنسان الحرّ المبدع من الإنسان المبرمج المطيع لطبيعته الغريزية.

3ـ نظرية النكوص الغريزي

تدغدغُ هذهِ النظرية منطق النكوص الغريزي للحيوانات التي لا تشعر بالأمان إلّا في ضمن قطيعٍ كبير، بسبب شعورها بالضعف، كذلك يشعر الإنسان المستكين لاستقرار النظام الاجتماعي، ويطأطئ رأسه لأيّ قائد قويّ بغضّ النظر عن قيم الحقّ والخير والجمال، لذلك لا تمانع هذه النظرية الثورة على الأنظمة المستقرّة، شريطة أن تكون حسابات الثائر دقيقة كحسابات التاجر الذي يخطّط للنجاح بكلِّ الوسائل النزيهة أو الخسيسة.

وعلى هذا الأساس، تتّهِم هذه النظرية الشهداء بأنّهم ضعفاء وليس لديهم خبرة في التخطيط، وهو ما يفسّر انقلاب أهل الكوفة على الحسين بعد أنْ دعوه وبايعوا رسوله، ثمّ انقلبوا عليه حال وصول ابن زياد إلى الكوفة قبل الحسين بقليل، الذي هدَّدهم وطمَّعهم، فمالوا على الحسين وقتلوه تحت تهمة زعزعة الاستقرار الاجتماعي القائم، ولم يأتِ ببديل أفضل.

وهذه التهمة هي نفسها التي أدان بها ابن زياد مسلم بن عقيل بقوله: «أتيتَ الناس وأمرهم جميع وكلمتهم واحدة لتشتّتهم... قال: كلا، لست أتيتُ، ولكنّ أهل المصر زعموا أنّ أباك قتل خيارَهم، وسفك دماءهم، وعَمِلَ فيهم أعمال كسرى وقيصر، فأتيناهم لنأمر بالعدل»[65].

إنّنا لا نُنكر أنّ غريزة القطيع تكشف عن وجهٍ من وجوه الحقيقة الاجتماعية لأخلاق الشعوب، لكنّ تعميمها واتّهام مَن يخالفها يمثّل خطأً كبيراً، لقد شجب ابن كثير (ت774هـ) هذه النظرية ونسبها إلى جهلة أهل الكوفة، وذلك بقوله: «وقد تأوّل عليه مَن قتله أنّه جاء ليفرّق كلمة المسلمين بعد اجتماعها، وليخلع مَن بايعه من الناس واجتمعوا عليه... وبتقدير أن تكون طائفة من الجهلة قد تأوّلوا عليه وقتلوه، ولم يكن لهم قتْله، بل كان يجب عليهم إجابته إلى ما سأل من تلك الخصال الثلاث المتقدّم ذكرها»[66]، أي التي تمثّل شروط حرّية الشهيد.

ومن أخطاء نظرية النكوص الغريزي أنّها تحمّل الشهداء مسؤولية الاضطراب الاجتماعي، وتبرّئ الظالم لأنّه قويّ، فتجعل الضحية والجلاد في ميزانٍ واحد، والمفروض أنْ يسأل أصحاب هذه النظرية عن أسباب الثورات التي أجمع العالم كلّه على أنّها نتيجة للظلم والصراع الطبقي الكبير، الذي يخضع لقوانين المنطق الجدلي، الذي يرى أنّ الأشياء ـ ومنها الدول ـ تخضع للصيرورة والتحوّل عبر الزمن كالكائن الحيّ، تولد وتشبّ وتشيخ وتموت، ولا سيما الدول التسلّطية القمعية منها، التي تتابعت عليها الثورات الداخلية؛ لذلك لا يستغرب الدكتور علي الوردي من رجلٍ «يشجب الثورات عاش في القرون الوسطى، وإنّما الغريب كلّ الغرابة، يشجبها رجلٌ يعيش في القرن العشـرين!»[67]، وهو موقف الشيخ محمد الخضري الذي يقول: «فإنَّ الحسين أخطأ خطأً عظيماً في خروجه هذا الذي جرَّ على الأُمّة وبال الفرقة والاختلاف، وزعزع عوامل أُلْفَتها إلى يومنا هذا»[68].

وكان من المفروض أن يسأل الخضري عن سبب استمرار هذه الفرقة والاختلاف أكثر من ألف وثلاثمائة عام، ليدين مناهج المختلفين في قضية واحدة كلَّ هذه المدّة، ولا يدين موضوع القضية نفسها، التي يجب أن يدرسها بموضوعية ليعرف خلل نظرية المعرفة العربية الإسلامية، والمناهج المستعملة التي ولَّدت هذا الجدل العقيم، الذي عزا الإمام علي عليه السلام كثرته إلى الجهل الذي يدفع الإنسان إلى إصدار أحكام يدّعي أنّ يقينها مطلق من دون تروٍّ.

وقد أطلق الغربيون على جماعة اليقين المطلق مصطلح (الدوغمائية)، ووصفوها بأنّها تمثّل طفولة العقل [69]، والتي ما زلنا نمارسها، لكن العقل البشري الحديث تجاوزها بخطوتين:

أولاهما: المرحلة الشكّية التي تشهد بفطنة ملكة الحُكم التي حنَّكتها التجارب، وقد لحظت أنّ مَا تلقته من آبائها ظهر أنّ أكثره مجرّد أوهام وخرافات، أي أسماء سمّيناها نحن وآباؤنا ما أنزل الله بهِا من سلطان، فهي تمثّل موضوعاً للجدل العقيم، وقد حذّرنا الله تعالى ممّا تنقله اللغة الاعتيادية إلينا من دون عرضه على محكّ التجريب، وذلك قوله: (أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا نَزَّلَ اللَّـهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ)[70].

ثانيتهما: المرحلة النقدية التي تقضي بأنّ لملكات العقل البشري حدوداً، لذلك تكون معرفتها نسبية، بسبب تغيّر الظواهر المستمرّ عبر الزمن، ومنها ظاهرة الإدراك نفسه وملكاته التي تتطوّر وتتّسع مدركاتها بتراكم المعرفة وتقدّم العلم التجريبي المتسارع.

لهذا لم تقل نظرية علم النقطة بأنّها قادرة على إدراك الحقائق في ذاتها، وإنّما تحصـرها في مثلث يقلّل الجدل حولها، ذلك أنّ مثلث الإدراك يقتضي أنْ يُرصد للحقيقة ثلاثة وجوه: (وجه عقلي مجرّد رياضي، ووجه حسّي تجريبي، ووجه قلبي أخلاقي)، وهي ما اجتمعت في تقويم ثورة الحسين عليه السلام التي بيّنت طبيعة الشهيد.

الخاتمة

توصّل البحث إلى جملة من النتائج، أهمّها:

1ـ كان للإمام الحسين عليه السلام منطق خاصّ يختلف عن المنطق المألوف، وهو منطق أخلاق القلب الثائر بالحق، الذي يظهر حين تتدخّل إرادة الشرّ لتغيّر وجهة التطلّع بالقيم العليا، بأنّ ما ضحّى من أجله الإسلام لا يمكن السماح له بالعودة إلى الوراء مُسوَّغاً بالعصبية الجاهلية، وهي نظرية ابن خلدون وغيره، الذين تعاملوا مع قضية الشهادة على وفق منطق طبيعة البدو، فكانت للشهيد حساباته الأخلاقية الخاصّة، التي لا تنظر إلى الربح والخسارة واللذة والألم كتعقّل حسّـي واقعي، إنّها تمثّل الحقيقة بوجوهها الثلاثة: (العقل، والحس التجريبي، والقلب الأخلاقي) الثائر في الظروف غير الطبيعية بمنطق غير طبيعي يلائم تلك الظروف، وقد تبيّن في أخلاق شهادة الحسين العملية المثالية مع ذويه وهم (72 رجلاً) أنّ ذلك قضّ مضاجع الطغاة، فكان لهذه الواقعة آثارٌ كبيرة في سقوط دولة بني أُميّة في شقّها السفياني، وقد قدّمنا فرضية مبرهنةً برهاناً نسقياً يدعمه التجريب، الذي يطمئن القلب بتعاضد الأدلّة العقلية والتجريبية الحسّية، وهذا هو منطق علم النقطة الذي يغلق مثلث الإدراك على الحقيقة فيقلّ الجدل العقيم حولها؛ لحصرها الحقيقة في حيّز هذا المثلث.

2ـ إنَّ اختلاف المؤرّخين من القدماء والمحدثين في تقويم ثورة الإمام الحسين عليه السلام بين مؤيدٍ لها وآخر رافض سببه اختلاف المنهج المتبع في النظر؛ لذلك انقسموا متطرّفين إلى: متّهِمٍ للحسين وثورته بالخطأ الجسيم، وآخر محبّ مبالغ يصوِّر لك الأشياء مفسَّرة بأسباب غيبية غير علمية. والصحيح ما قدّمته نظرية علم النقطة، بعد أن قاربت حقيقة الشهيد وثورته في حيّز مثلث الإدراك (العقل، والقلب، والحس)؛ لأنّها ترى أنّ اعتماد أحد المدركات أو مدركين فحسب يضيع الحقيقة ويثير الجدل الطويل الذي يكثّر نقطة الحقيقة بما يدلّ على الجهل، اعتماداً على مقولة الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام: «العلم نقطة كثّرها الجاهلون».

3ـ نهى الإمام الحسين عليه السلام عن اعتبار الموقف العاطفي ممثّلاً للحقيقة، وعليه فهو لا يليق بمبدأ مُثُل الشهادة الأخلاقي، الذي جسَّده بالارتقاء بالقلب ابتداءً مِنْ وصفه ملكة عاطفية متقلّبة تتقاذفها الأهواء وتهيمن على عقول البسطاء، إلى ملكة تعقّلٍ أخلاقي اتّخذها أساساً للشهادة، وقد اتّخذ ابن الزبير وغيره العاطفة سلاحاً يستدرّ بهِ عواطف الناس تجاه مقدّساتهم فلاذَ بالكعبة، ولم يعِ وعي الحسين بأنّ الطغاة لا يتورّعون عن انتهاك كلّ مقدس في سبيل البقاء على رأس السلطة؛ لأنّها تضمن لهم مبدأ (اللذة) الحيواني، ولقد عدَّ الحسين عليه السلام ومَن وعى وعيه أنّ مبدأ العاطفة إنّما هو من مقيّدات الحرّية وليس العكس، وأثبت لنا ذلك بانقلاب مَن دعوه إلى الكوفة وبلغ عددهم أكثر من ثلاثين ألفاً عليه وهم الذين قتلوه.

 

---------------------------------------------------------------------------

فهرست المصادر

        * القرآن الكريم.

  1. الكتاب المقدّس، العهد القديم، دار المشرق، 1986م، بيروت ـ لبنان.
  2. أرسطو، ألفرد إدوارد تايلور، ترجمة: د.عزت قريتي، دار الطليعة، ط1، 1992م، بيروت.
  3. الأعلام (قاموس تراجم لأشهر الرجال والنساء من العرب والمستعربين والمستشـرقين)، خير الدين الزركلي ت(1396هـ)، دار العلم للملايين، ط5، 2002م، بيروت ـ لبنان.
  4. الأغاني، أبو الفرج الإصفهاني (ت356هـ)، شرحه وكتب هوامشه: الأُستاذ عبد أ. علي مهنا، الأستاذ سمير جابر، دار الكتب العلمية، ط4، 1422هـ/2002م، بيروت ـ لبنان.
  5. الإمامة والسياسة، أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري (ت276هـ)، تحقيق: د. طه محمد الزيني، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت ـ لبنان.
  6. إمانويل كنت، د. عبد الرحمن بدوي، وكالة المطبوعات، ط1، 1977م، الكويت.
  7. إنسانية الإنسان، رالف بارتون بري، ترجمة: سلمى الخضراء الجيوسي، منشورات مكتبة المعارف في بيروت بالاشتراك مع مؤسّسة فرانكلين للطباعة والنشر، 1961م، بيروت/نيويورك.
  8. البداية والنهاية، أبو الفداء الحافظ بن كثير الدمشقي (ت774هـ)، تحقيق: د. أحمد أبو محلم وآخرين، دار الكتب العلمية، بيروت ـ لبنان.
  9. تاريخ الأُمم والملوك، أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (ت310هـ)، منشورات الأعلمي للمطبوعات، ط5، 1409هـ/1989م، بيروت ـ لبنان.
  10. تاريخ اليعقوبي، أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر بن وهب اليعقوبي (ت بعد 292هـ)، المكتبة المرتضوية في النجف، مطبعة الغري، 1358هـ/1939م.
  11. دراسات فلسفية (العلم في الفلسفة)، د. حمادي بن جاء بالله، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، العراق، الدار التونسية للنشر.
  12. دراسات في الفلسفة الغربية الحديثة، صادق جلال العظم، جداول للنشر والتوزيع، ط1، 2012م، بيروت ـ لبنان.
  13. ديوانا عروة بن الورد والسموأل، دار بيروت للطباعة والنشر، 1402هـ/1982م.
  14. سيميائيات التأويل (الإنتاج ومنطق الدلائل)، طائع الحداوي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 2006م، المغرب/بيروت ـ لبنان.
  15. شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك، بهاء الدين عبد الله بن عقيل العقيلي الهمداني المصري، ومعه كتاب منحة الجليل بتحقيق ابن عقيل، تأليف محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الغدير للطباعة والنشر والتجليد، ط1، 1429هـ، قم.
  16. صحيح مسلم، للإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري (ت261هـ)، حقّق نصوصه وصحّحه ورقمه وعدّ كتبه وأبوابه وأحاديثه وعلّق عليه: محمد فؤاد عبد الباقي، دار الحديث، القاهرة.
  17. الطريق والفضيلة، للحكيم الصيني لاوتسي، ترجمة: عبد الغفار مكاوي، دار المعارف، 1945م، القاهرة.
  18. الفتوح، أبو محمد أحمد بن أعثم الكوفي (ت314هـ)، طبع بمطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية بحيدر آبادي، الهند، دار الندوة الجديدة، بيروت ـ لبنان.
  19. قصة الفلسفة، وِل ديورانت، ترجمة: فتح الله محمد المشعشع، مكتبة المعارف، ط1، 1970م، بيروت.
  20. الكامل في التاريخ، أبو الحسن علي بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني المعروف بابن الأثير الجزري (ت630هـ)، تحقيق: أبي عبد الله القاضي، دار الكتب العلمية، 1407هـ/1987م، بيروت ـ لبنان.
  21. الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل، لأبي القاسم محمود بن عمر الزمخشـري الخوارزمي (ت538هـ)، حققها على نسخة خطية: عبد الرزاق المهدي، دار إحياء التراث العربي، مؤسّسة التاريخ العربي، 1421هـ/2001م، بيروت ـ لبنان.
  22. ما فوق مبدأ اللذة، سيجموند فرويد، ترجمة: أسحاق رمزي، دار المعارف، مصر.
  23. مبادئ علم الجمال، شارل لالو، ترجمة: مصطفى ماهر، ميراث للترجمة، 2010م، القاهرة.
  24. مجمع الزوائد، الهيثمي (ت807هـ)، دار الكتب العلمية، 1408هـ/1988م، بيروت ـ لبنان.
  25. محاضرات تاريخ الأُمم الإسلامية، الشيخ محمد الخضري بك، مطبعة الاستقامة بالقاهرة، ط7، 1376هـ.
  26. مروج الذهب ومعادن الجوهر، أبو الحسن علي بن الحسين المسعودي (ت346هـ)، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، مطبعة السعادة، ط2، 1964م، مصر.
  27. مستدرك نهج البلاغة، جمع هادي كاشف الغطاء، منشورات مكتبة الأندلس.
  28. معجم البلدان، شهاب الدين بن عبد الله الحموي (ت626هـ)، دار صادر، 1977م، بيروت.
  29. المقدمة، عبد الرحمن بن محمد بن خلدون (ت808هـ)، ضبط وشرح وتقديم:
  30. د. محمد الإسكندراني، دار الكتاب العربي، ط1، 1417هـ/1996م، بيروت.
  31. المنتظم في تاريخ الملوك والأُمم، جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي (ت597هـ)، حقّقه وقدّم له: د. سهيل زكار، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، 1415هـ/1995م، بيروت ـ لبنان.
  32. الموسوعة الفلسفية، وضع لجنة من العلماء والأكادميين السوفاتيين، بأشراف م. روزنتال، وي. يودين، ترجمة سمير كرم، دار الطليعة، ط5، 1985م، بيروت.
  33. نظرية علم النقطة، مفاهيم أساسية، د. تومان غازي الخفاجي، د. خالد كاظم حميدي، بحث منشور في مجلّة كلّية الشيخ الطوسي الجامعة، السنة الأُولى، العدد الثاني، 2016م.
  34. نهج البلاغة، ضبط نصّه وابتكر فهارسه العلمية: د. صبحي الصالح، مطبعة رسول، ط1، 1426هـ، قم ـ إيران.
  35. هيروديت، بحث متاح على الموقع الموسوعة الحرّة: .www.wikipedia.org
  36. وعّاظ السلاطين، د. علي الوردي، دار ومكتبة دجلة والفرات، ط1، 1430هـ/ 2009م، بيروت ـ لبنان.

 


[1] الجامعة الإسلامية الجامعة/النجف الأشرف/ قسم الدارسات القرآنية واللغوية.

كلية الشيخ الطوسي/النجف الأشرف/ قسم علوم القرآن.

[2] كاشف الغطاء، الهادي، مستدرك نهج البلاغة: ص163.

[3] اُنظر: الخفاجي، تومان غازي، وحميدي، خالد كاظم، نظرية علم النقطة في تجديد الفكر العربي (مفاهيم أساسية)، بحث مشترك: ص30.

[4] البقرة: آية260.

[5] اُنظر: لجنة من العلماء والأكاديميين السوفياتيين، الموسوعة الفلسفية: ص491، (مقياس).

[6] اُنظر: الحداوي، طائع، سيميائيات التأويل الإنتاج ومنطق الدلائل: ص158.

[7] اُنظر: بري، رالف بارتون، إنسانية الإنسان: ص41ـ42.

[8] ديورانت، وِل، قصّة الفلسفة: ص38.

[9] إنجيل متّى: إصحاح4، آية4.

[10] اُنظر: العظم، صادق جلال، دراسات في الفلسفة الغربية الحديثة: ص78.

[11] اُنظر: تايلور، إلفرد إدوارد، أرسطو: ص73.

[12] لاوتسي، الطريق والفضيلة: ص58.

[13] نهج البلاغة، ضبطه صبحي الصالح: ص575.

[14] اُنظر: لالو، شارل، مبادئ علم الجمال: ص2.

[15] البيت للأعشى ميمون بن قيس، من لاميّته المشهورة، وهو من شواهد ابن عقيل رقم (257): ج3، ص90، وشواهد الأشموني برقم (698).

[16] المؤمنون: آية70.

[17] اُنظر: بري، رالف بارتون، إنسانية الإنسان: ص44ـ45.

[18] عبد الله بن عباس بن عبد المطلب القرشي الهاشمي، صحابيّ جليل، وُلد بمكة ولازم الرسولصلى الله عليه وآله وروى عنه الأحاديث الصحيحة، وشهد مع علي عليه السلام معركة الجمل وصفّين، توفّي في الطائف سنة (68هـ). اُنظر: الزركلي، خير الدين، الأعلام: ج4، ص95.

[19] قال ابن خلدون: «ولقد عذله ابن عباس وابن الزبير، وابن عمر، وابن الحنفية أخوه وغيره في مسيره إلى الكوفة». ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمد، المقدّمة: ص217.

[20] قال مروان بن الحكم لوالي المدينة الذي ورده كتاب فيه نعي معاوية وتولية ابنه يزيد بشأن الحسين وابن الزبير: «إنّهما والله إنْ خرجا لم ترَهما، فخذهما بأن يبايعا وإلّا فاضرب أعناقهما». اليعقوبي، أحمد بن أبي يعقوب، تاريخ اليعقوبي: ج1، ص228.

[21] المسعودي، علي بن الحسين، مروج الذهب: ج3، ص64. اُنظر: ابن الأثير، علي بن أبي الكرم، الكامل في التاريخ: ج3، ص400.

[22] بري، رالف بارتون، إنسانية الإنسان: ص46.

[23] ابن الأثير، علي بن أبي الكرم، الكامل في التاريخ: ج3، ص400.

[24] المسعودي، علي بن الحسين، مروج الذهب: ج3، ص65. اُنظر: ابن الأثير، علي بن أبي الكرم، الكامل في التاريخ: ج3، ص400.

[25] الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج4، ص260.

[26] المسعودي، علي بن الحسين، مروج الذهب: ج3، ص64. اُنظر: ابن الأثير، علي بن أبي الكرم، الكامل في التاريخ: ج3، ص404.

[27] اُنظر: بري، رالف بارتون، إنسانية الإنسان: ص46.

[28] اُنظر: جاء بالله، حمادي، دراسات فلسفية (العلم في الفلسفة): ص118.

[29] ابن الأثير، علي بن أبي الكرم، الكامل في التاريخ: ج3، ص386.

[30] اليعقوبي، أحمد بن أبي يعقوب، تاريخ اليعقوبي: ج2، ص230.

[31] ابن الأثير، علي بن أبي الكرم، الكامل في التاريخ: ج3، ص400.

[32] اُنظر: بري، رالف بارتون، إنسانية الإنسان: ص46ـ47.

[33] اُنظر: العظم، صادق جلال، دراسات في الفلسفة الغربية الحديثة: ص177.

[34] ابن قتيبة الدينوري، عبد الله بن مسلم، الإمامة والسياسة: ج2، ص5.

[35] ابن الجوزي، عبد الرحمن بن علي، المنتظم في تاريخ الملوك والأُمم: ج4، ص154.

[36] اُنظر: بري، رالف بارتون، إنسانية الإنسان: ص142ـ143.

[37] ابن الأثير، علي بن أبي الكرم، الكامل في التاريخ: ج3، ص404.

[38] ابن أعثم، أحمد، الفتوح: ج5، ص169ـ170.

[39] الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج4، ص275.

[40] ابن الأثير، علي بن أبي الكرم، الكامل في التاريخ: ج3، ص412.

[41] اُنظر: هيروديت، بحث متاح على موقع الموسوعة الحرّة: www.wikipedia.org.

[42] اُنظر: ابن الأثير، علي بن أبي الكرم، الكامل في التاريخ: ج3، ص390.

[43] الهيثمي، علي بن أبي بكر، مجمع الزوائد: ج1، ص96.

[44] المصدر السابق: ج3، ص390.

[45] اُنظر: ابن كثير، إسماعيل بن عمر، البداية والنهاية: ج8، ص155.

[46] اُنظر: الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج4، ص271.

[47] اُنظر: المصدر السابق: ج4، ص309. ابن الجوزي، عبد الرحمن بن علي، المنتظم في تاريخ الملوك والأُمم: ج4، ص155.

[48] ابن الجوزي، عبد الرحمن بن علي، المنتظم في تاريخ الملوك والأُمم: ج4، ص155.

[49] اُنظر: اليعقوبي، أحمد بن أبي يعقوب، تاريخ اليعقوبي: ج1، ص4. الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج4، ص258. ابن قتيبة الدينوري، عبد الله بن مسلم، الإمامة والسياسة: ج2، ص4، ابن كثير، إسماعيل بن عمر، البداية والنهاية: ج8، ص154.

[50] ديوانا عروة بن الورد والسموأل: ص90.

[51] اُنظر: ابن الأثير، علي بن أبي الكـرم، الكامل في التاريخ: ج3، ص421. ابن الجوزي، عبد الرحمن بن علي، المنتظم في تاريخ الملوك والأُمم: ج4، ص155.

[52] اُنظر: اليعقوبي، أحمد بن أبي يعقوب، تاريخ اليعقوبي: ج2، ص230.

[53] ابن قتيبة الدينوري، عبد الله بن مسلم، الإمامة والسياسة: ج2، ص5. اُنظر: ابن الأثير، علي بن أبي الكرم، الكامل في التاريخ: ج3، ص403. المسعودي، علي بن الحسين، مروج الذهب: ج3، ص71.

[54] البيت لأبي الأسود الدؤلي، شرح ابن عقيل: ج4، ص13، ونسبه ياقوت الحموي في معجم البلدان: ج7، ص384، وأبو الفرج الإصفهاني في الأغاني: ج11، ص39، للمتوكّل الكناني.

[55] ابن كثير، إسماعيل بن عمر، البداية والنهاية: ج 8، ص199.

[56] الزمر: آية53.

[57] النيسابوري، مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم: ج8، ص50.

[58] اُنظر: الزمخشري، محمود بن عمر، الكشاف: ج2، ص102.

[59] اُنظر: ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمد، المقّدمة: ص214.

[60] اُنظر: فرويد، سيجموند، ما فوق مبدأ اللذة: ص15.

[61] اُنظر: المصدر السابق.

[62] ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمد، المقّدمة: ص215. اُنظر: الوردي، علي، وعّاظ السلاطين: ص226.

[63] ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمد، المقّدمة: ص216.

[64] اُنظر: الوردي، علي، وعّاظ السلاطين: ص226.

[65] الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج4، ص282.

[66] ابن كثير، إسماعيل بن عمر، البداية والنهاية: ج8، ص204.

[67] اُنظر: الوردي، علي، وعّاظ السلاطين: ص228.

[68] الخضري، محمد، محاضرات تاريخ الأُمم الإسلامية: ج2، ص121ـ130.

[69] اُنظر: بدوي، عبد الرحمن، إمانويل كنت: ص356ـ357.

[70] الأعراف: آية71.

 
 
البرمجة والتصميم بواسطة : MWD