1439 / جمادی‌الاولى / 1  |  2018 / 01 / 18         الزيارات : 528879         صلاة الصبح |         صلاة الظهر والعصر |         صلاة المغرب والعشاء |

تسلية المجالس وزينة المجالس ج1

{ السيد الأديب محمد بن أبي طالب الحسيني الموسوي الحائري الكَرَكي }
تسلية المجالس وزينة المجالس ج1

كلمة الناشر

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد وعلى آله الأطياب الأخيار .

وبعد :

ففي عام 11 للهجرة أفل النور المقدّس من الأرض ، ذلك النور الذي بعثه الله بشيراً ونذيراً للعالمين ، وقبل أن يوارى جثمانه الثرى بدأ خطّ الانحراف عن الرسالة التي جاء بها الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلم ، فكانت وفاته صلى الله عليه وآله وسلم حدّاً فاصلاً بين عهدين يختلفان كلّ الاختلاف ، فذاك عهد اتّسم بالايمان والصدق والرحمة ، وهذا عهد الانقلاب على الأعقاب ، وكأنّ القوم أبوا الا أن يطبقوا الوعد الإلهي «أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى‏ أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنْقَلِبْ عَلَى‏ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرّ اللّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللّهُ الشّاكِرِينَ»(1) .

وكان من نتائج هذا الانحراف هو انقسام الامة إلى قسمين :

أحدهما : محب لأهل البيت عليهم السلام موالٍ لهم ، وملتزم بنهجهم الذي وضعوه ، منكر لخطّ الانحراف ولمبدأ السقيفة في الحكم .

والثاني : خطّ أصحاب المصالح والهمج الرعاع ، والذي شمل إضافة إلى أتباع الشيخين ، الحزب الأمويّ والخوارج الذين أردوا أمير المؤمنين عليه السلام شهيداً في محرابه ، واستولى على الحكم معاوية بعد أن اُرغم الامام الحسن عليه السلام على الصلح معه لأسباب معروفة .

ومات معاوية وهو يوصي ابنه يزيد بأن يبادر إلى أخذ البيعة من جماعة ، وخصّ بالذكر الإمام الحسين عليه السلام .

واستلم يزيد الخلافة بعد أبيه ، وهو ليس أهلاً للحكومة فضلاً عن خلافة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، فإنّ بعض التأمّل في شخصيّة هذا الرجل وفي بعض ذاتياته وممارساته من خلال ما أوردته كتب التاريخ والسير عن فترة حكمه القصيرة ، يظهر

(1) سورة ال عمران:144

( 7 )

لكلّ ذي عقل بأنّه كان فاشلاً وخاسراً في جميع الامور وبالأخصّ في الخطّين الرئيسيين اللذين يجب أن يتّصف بهما الحاكم المسلم ؛ ألا وهي خطّي السياسة ، والالتزام الديني .

وكان أبناء الُمّة آنذاك قد تلبّد إحساسهم وأخلدوا إلى سبات عميق ، فهم همج رعاع ينعقون مع كلّ ناعق ، يميلون مع كلّ ريح ، كما وصفهم أمير المؤمنين عليه السلام ، ولولا دم الحسين عليه السلام لما تغيّر هذا الحال .

فالحسين الرمز ، هو ذلك الانسان الذي عرف طريقه ، فلم تلوه عنها نصائح المحبّين ـ كابن عبّاس ـ ، ولا تحذيرات المنافسين ـ كالحرّ بن يزيد الرياحي ـ ، ولكن الحسين مضى ، لأنّه مُضاءٌ ببرقٍ داخليّ ، يعرفه هو ، لينفّذ ما في الكتب ، كما يقول السيد المسيح ...

رفض عروض الوليد بن عقبة والي يزيد على المدينة ، وخرج إلى مكّة لليلتين بقيتا من شهر رجب سنة 60 للهجرة .

وخرج عليه السلام إلى العراق في الثامن من ذي الحجة ، وقُتل رسوله إلى العراق مسلم بن عقيل بعد ذلك بيوم واحد .

وبلغ عليه السلام مشارف الكوفة ، وكان والي يزيد عليها عبيد الله بن زياد ، فأرسل ألف فارس بقيادة الحرّ بن يزيد لاصطياد الحسين ومن معه ... والتقى الركبان ... ودار بين الامام الحسين وبين الحرّ بن يزيد حوار طويل غير انّه لم يثنِ الحسين بن عن غايته ، لذلك انجذب إليه قائد الجيش الأمويّ «الحرّ» وجاهد ما استطاع دونه ودون آل بيته من النساء والأطفال حتى ضُرّج بدمه .

وهكذا سائر أصحاب الامام وأنصاره ـ مسلم بن عوسجة ، وبرير ، وزهير ، وحبيب ، و ... ـ تابعوه في مسيرة الشهادة ، والمواقف الصامدة والبطولية التي وقفوها أمام الموت المحقّق ، فصمدوا واستشهدوا ، وضربوا أروع الأمثلة في التضحية والفداء في سبيل نصرة إمام زمانهم الحسين عليه السلام .

وتشابكت الأحداث وتعقّدت ، ثم مرّت بسرعة ، وإذا بالحسين مخضّب بدمه ،

 ( 8 )

في كربلاء ، لم يحد عن صراطه السويّ ، فلم يُهادن الظالمين ، ولم يستسلم للباطل ، ولم يبايع ، وإنّما خرج ثائراً على كلّ ذلك ، فإصلاح اُمّة جدّه ، وليجدّد إسلام الاُمّة التي انقلبت على أعقابها ، فيجعلها خير اُمّة اُخرجت للناس .

فكان عاشوراء اختضاب الأرض بالدم الحسيني مرّة ، ولكنّه سيظلّ زينة السماء الداعية إلى الحرية الحمراء ، قبل كلّ شروق ، وبعد كلّ غروب ...

ومع استشهاد الامام الحسين عليه السلام تيقّظت ضمائر أبناء الاُمّة ، وانتشر حبّ آل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلّم في صفوفهم ، وتحرّك الأئمّة عليهم السلام واحداً تلو الآخر في سبيل نشر المبادئ التي ثار من أجلها الحسين عليه السلام ، وتوالت الثورات الشيعية التي تطالب بالثأر من قتلة الحسين ... فكانت ثورة المختار رحمه الله ، وثورة التوّابين ، وعشرات الثورات الاُخرى ، وأخذ العلماء والخطباء وأهل السير بالحديث عن الثورة والمآسي التي رافقتها .

وأضحى يوم عاشوراء رمزاً لكل المحرومين والثائرين ضدّ الظلم والطغيان في كلّ مكان وزمان ، واُلّفت مئات الكتب التي تحدّثت عن وقائع ثورة الحسين «ع» .

ومن هذه الكتب القيّمة هذا الكتاب الذي بين يديك ـ عزيزي القاريء ـ وهو «تسلية المُجالس وزينة المَجالس» المسمّى بـ «مقتل الحسين عليه السلام» للسيد العالم الأديب محمد بن أبي طالب الحسيني الكركي الحائري رحمه الله ، وقد حوى على مقدّمة ومجالس عشرة ، تطرّق المؤلّف في مقدّمته لبعض فضائل أهل البيت عليهم السلام ، وردّ بعض الأحاديث التي وضعها الأمويّون ، وبالأخص في حكم معاوية ، والتي حاولت الرفع من منزلة الصحابة ، والحطّ من شخصيّة الإمام علي عليه السلام وأئمّة أهل البيت عليهم السلام .

وقد تصدّى الفاضل فارس حسّون كريم لتحقيق هذا السفر القيّم ، ليخرجه لمحبّي أهل البيت من زوايا المكتبات ، بعد أن تحمّل جهوداً مُضنية في الحصول على نسخة الكتاب النفيسة ، واستنساخها ، ومراجعة عشرات المصادر من أجل تثبيت الخبر الصحيح ، فجزاه الله خير جزاء المحسنين .

مؤسسة المعارف الاسلامية ـ قم

( 9 )

الاهداء

سيديّ أبا الأحرار .

يا من كان اسمه نغمة حلوة في فم أبي الزهراء ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، يستعذبها ولا يملّ من ترديدها ، ففيك وفي أخيك كان يجد اُنسه وسلوته عمّا فقد من الأبناء ، وما يؤذيك كان يؤذيه ، حتى انّه سمع بكاءك ذات مرّة فقال للزهراء ـ عليها السلام ـ :

أما علمت أنّ بكاءه يؤذيني ؟

فما عساه أن يقول لو قد رأى اُمّة الضلال قد تكالبت على انتهاك حرمتك ؟!

فقد بارزتك بسيوف الدهر ، ورمتك بسهامه ، غير أنّها جعلت منك قبلة للشفاعة نترنّم فيها طرباً .

فكان عملي هذا عنوان تذكار الولاء ، عساه أن يحظى بالقبول ، فأبلغ غاية المأمول .

فارس

( 10 )

( 11 )

ترجمة المؤلّف

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الحكيم الوهّاب ، ربّ الأرباب ، والهادي إلى سبيل الهدى والصواب .

والصلاة والسلام على خير خلقه المؤيّد بفصل الخطاب ، خاتم أنبيائه محمد أشرف الأحباب .

وعلى آله ، النور المبين والصراط المستقيم ومنهاج الصواب ، اُولي العلم المحسودين على ما آتاهم الله من فضله واُولي الأمر كما جاء به الكتاب ، ترفع بهم درجات شيعتهم وتخفض درجات اعدائهم النصّاب .

وبعد :

فكثر هم الأعاظم الذين لم ينصفهم التاريخ ، وهذا السيد الذي نحن بصدد الحديث عن حياهت واحد من اولئك الأكابر .

فالسيد رحمه الله رقم ناصع في جبين الدهر ، وهو عالم كبير ، فاضل خبير ، كامل قدير ، أديب جدير ، شاعر ناثر ، ناظم ماهر ، يشهد له كتابه هذا بعلوّ كعبه ، وشدّة إيمانه ، ومع كلّ هذا لم نعثر له على ذكر شاف يفي بحقّ هذا السيد الجليل .

 ( 12 )

والذي وجدناه عبارات موجزة مقتضبة جدّاً لا تسمن ولا تغني من جوع ، فلم تتطرّق لجانب بسيط من عمره الشريف ، كنسبه ، اُسرته ، مدينته ، محلّ وتاريخ ولادته ، وما أعقبها من مراحل حياته ، كدراسته وشيوخه وتلامذته ، .... وأخيراً تاريخ وفاته .

وكأنّه رحمه الله على يقين بما تخبّئ له غِيَر الزمان من تجاهل وإهمال ، ففي موضع من كتابه هذا أورد اسمه ونسبه ولقبه كاملاً(1) ، وفي موضع آخر بيّن محلّ ولادته وسبب تركه ذلك المحلّ واستيطانه الحائر(2) ، وفي موضع ذكر أنّه رأى كتاب «روضة الشهداء» للكاشفي(3) فصنّف «تسلية المجالس وزينة المجالس» على منواله(4) ، وفي موضع ذكر أنّه بعث ابنه طاهر ليأتيه بكتاب «تذكرة الفقهاء» للعلّامة الحلّي(5)(6) ، وفي موضع آخر من هذا الكتاب أشاد

(1) في ج 1 / 53 .

(2) في ج 1 / 54 .

(3) «روضة الشهداء» فارسي ، للحسين بن علي الكاشفي البيهقي ، المتوفّى في حدود سنة 910 هـ ، مرتّب على عشرة أبواب وخاتمة فيها ذكر أولاد السبطين وجملة من السادات ، واحتمل بعض أنّه أوّل مقتل فارسي شاعت قراءته بين الفرس حتى عرف قاريه بـ«روضة خوان» ، ثمّ توسّع في هذا العنوان إلى هذا الزمان حتى يقال لكلّ قارئ «روضة خوان»...«الذريعة : 11 / 294 رقم 1775» .

(4) في ج 1 / 69 .

(5) «تذكرة الفقهاء» في الفقه الاستدلالي من تصنيف العلّامة جمال الدين أبي منصور الحسن بن يوسف الحلّي ، المتوفّى سنة 726 هـ ، وقد طبع في مجلّدين ضخمين في إيران «الذريعة : 4 / 43 رقم 169» .

وقد طبع مؤخّراً في قم بتحقيق ونشر مؤسّسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث .

(6) في أواخر الجزء الثاني .

( 13 )

بالسلطان الشاه إسماعيل أبو المظفّر الصفوي(1)(2) ، وفي موضع ذكر غزو التتار وما فعلوا(3)،.... .

اسمه ونسبه الشريف

السيد محمد بن أبي طالب بن أحمد بن محمد المشهور بن طاهر بن يحيى ابن ناصر بن أبي العزّ(4) الحسيني الموسوي الحائري الكركي .

(1) الشاه إسماعيل الأوّل بن السلطان حيدر الحسيني الموسوي الصفوي ، ينتهي نسبه إلى حمزة بن الإمام موسى الكاظم عليه السلام ، ولد في 25 رجب سنة 892 هـ ، وتوفّي في تبريز 19 رجب سن 930 هـ أو 931 هـ ، ودفن بمقبرة جدّه صفي الدين في أردبيل ، ابتدأت سلطنته سنة 906 هـ ومدّة ملكه 24 سنة ، وهو أوّل الملوك الصفويّة وموطّد دولتهم : «أعيان الشيعة : 3 / 321» .

(2) في ج 1 / 63 .

(3) في أواخر الجزء الثاني .

(4) الظاهر أنّ «ابن أبي العزّ» هذا هو العالم الفاضل المعروف ، وهو الذي ذهب مع والد العلامة الحلي والسيد مجد الدين بن طاووس لطلب الأمان لأهل الحلّة ، والقصّة كما يلي :

قال العلامة الحلّي ـ المتوفّى سنة 726 هـ ـ في كشف اليقين : 101 ح 93 : لمّا وصل السلطان هولاكو إلى بغداد قبل أن يفتحها هرب أكثر أهل الحلّة إلى البطائح الا القليل ، وكان من جملة القليل والدي رحمه الله والسيد مجد الدين بن طاووس والفقيه ابن أبي العزّ ، فأجمع رأيهم على مكاتبة السلطان بأنّهم مطيعون داخلون تحت الإيليّة ، وأنفذوا به شخصاً أعجميّاً .

فأنفذ السلطان إليهم فرماناً [الفرمان : الأمير الملوكي] مع شخصين ؛ أحدهما يقال له تُكلم ، والآخر يقال له علاء الدين ، وقال لهما : إن كانت قلوبهم كما وردت به كتبهم فيحضرون إلينا ، فجاء الأميران فخافوا لعدم معرفتهم بما ينتهي الحال إليه ، فقال والدي رحمه الله : إن جئت وحدي كفى ، فقالا : نعم ، فاصعد معهما .

فلمّا حضر بين يديه ، وكان ذلك قبل فتح بغداد وقبل قتل الخليفة ، قال له : كيف أقدمتم على مكاتبتي والحضور عندي قبل أن تعلموا ما ينتهي إليه أمري وأمر صاحبكم ؟ وكيف تأمنون إن صالحني ورحلت نقمته ؟

( 14 )

محلّ ولادته وهجرته إلى الحائر

حدّد المؤلّف رحمه الله مكان مولده قائلاً :

إنّي لمّا هجرت مهاجر أبي واُمّي وعمومتي وبني عمّي ومسقط رأسي ومولدي ، ومصدري في الأمور وموردي ، وهي البلدة المشهورة بين أرباب الطريقة بالأرض المقدّسة ، وهي في الحقيقة على تقوى الله مؤسّسة ... أعني البلدة المشهورة بـ «دمشق» معدن الفجور والغرور والفسق ...(1) .

فحثثت ركابي عن ديارهم ، وأبعدت قراري من قرارهم ... وحططت رحلي ببلاد الوصيّين ، وألقيت كلّي على إمام المتّقين ، وجعلت مشهد قرّة

 فقال له والدي : إنّما أقدمنا على ذلك ، لأنّا روينا عن إمامنا عليّ بن أبي طالب عليه السلام أنّه قال في بعض خطبه : الزوراء وما أدراك ما الزوراء ؟ أرض ذات أثلٍ يشيّد فيها البنيان ، ويكثر فيها السكّان ، ويكون فيها مهارم وخزّان ، يتّخذها ولد العبّاس موطناً ، ولزخرفهم مسكناً ، تكون لهم دار لهو ولعب ، يكون بها الجور الجائر ، والحيف المحيف ، والأئمّة الفجرة ، والقرّاء الفسقة ، والوزراء الخونة ، تخدمهم أبناء فارس والروم .

لا يأتمرون بينهم بمعروفٍ إذا عرفوه ، ولا ينتهون عن منكرٍ إذا أنكروه ، تكتفي الرجال منهم بالرجال ، والنساء بالنساء ، فعند ذلك الغمّ العميم ، والكباء الطويل ، والويل والعويل لأهل الزوراء من سطوات الترك ، وما هم الترك ، قوم صغار الحدق ، وجوههم كالمجان المطرقة ، لباسهم الحديد ، جردٌ مردٌ ، يقدمهم ملك يأتي من حيث بدا ، ملكهم جهوري الصوت ، قويّ الصولة ، عالي الهمّة ، لا يمرّ بمدينة الا فتحها ، ولا ترفع له راية الا نكسها ، الويل الويل لمن ناواه ، فلا يزال كذلك حتى يظفر .

فلمّا وصف لنا ذلك ، ووجدنا الصفات فيكم ، رجوناكم فقصدناك ، فطيّب قلوبهم ، وكتب لهم فرماناً باسم والدي رحمه الله يطيّب فيه قلوب أهل الحلّة وأعمالها . انتهى .

ورواه العلّامة أيضاً في نهج الحقّ وكشف الصدق : 243 ـ 244 ، وعبد الله أفندي الأصفهاني في رياض العلماء : 6 / 9 (إشارة) ، والشيخ عبّاس القمّي في الكنى والألقاب : 1 / 189 ، وسفينة البحار : 3 / 533 ، والسيّد محسن الأمين في أعيان الشيعة : 2 / 258 ، والمدرّس في ريحان الأدب : 5 / 233 رقم 430 .

(1) انظر ج 1 / 54 .

( 15 )

عينه أبي عبد الله موطني ، وحضرته الشريفة في حياتي ومماتي مسكني ومدفني(1) .

ما قيل في الاطراء عليه

كتب على ظهر النسخة ما هذا نصّه : كتاب «تسلية المجالس وزينة المجالس» تأليف السيد الحسيب النسيب ، العالم الفاضل الكامل ، خلاصة البلغاء ، زبدة الخطباء النصحاء الألبّاء ، اُنموذج سلفه الطاهرين ، وصفوة الفضلاء البارعين ، فخر الملّة والشريعة والدين ، محمد بن أبي طالب ... أدام الله أوصاله(2) .

وقال المجلسي رحمه الله : السيد النجيب العالم محمد بن أبي طالب(3) .

وقال في موضع آخر : وكتاب «تسلية المجالس» مؤلّفه من سادة الأفاضل المتأخّرين(4) .

وقال السيد إعجاز النيسابوري الكنتوري : السيد النجيب العالم محمد بن أبي طالب(5) .

وقال الميرزا الخوانساري ـ ضمن كلامه عن الفقيه محمد بن أبي طالب الاسترابادي ـ : ثمّ ليعلم أنّ هذا الرجل غير محمد بن أي طالب الحسيني الحائري الذي كان هو أيضاً كما في رجال النيسابوري(6) من جملة

(1) انظر ج 1 / 62 .

(2) ستعرف أنّ النسخة كتبت في عصر المؤلّف رحمه الله .

(3 و4) بحار الأنوار : 1 / 21 و 40 .

(5) كشف الحجب والأستار : 121 رقم 579 .

(6) وهو الميرزا محمد الاخباري المقتول . «الذريعة : 10 / 157 رقم 283» .

( 16 )

المشايخ(1) .

وقال السيد الأمين : في رسالة «نزهة أهل الحرمين»(2) وصفه بالعالم الجليل والسيد الجليل(3) .

ولده

صرّح المؤلّف رحمه الله أنّه أرسل ولده «طاهر» ليأتيه بكتاب «تذكرة الفقهاء» للعلّامة الحلّي . ولا نعلم كم له من الأولاد ، وكم كان عمر ناصر حينذاك ؟(4)

فترة عمره الشريف :

بما أنّا لم نتعرّف على تاريخ ولادة المؤلّف ولا تاريخ وفاته رحمه الله ،

(1) روضات الجنّات : 7 / 35 .

واحتمل الشيخ آقا بزرگ الگهراني في گبقات آعلام الشيعة «إحياء الداثر من مآثر أهل القرن العاشر: 214 أن يكون المؤلّف هو نفسه محمد بن أبي طالب الموسوي الحسيني الاسترابادي ، تلميذ المحقّق الكركي ، وشارح الجعفريّة ، وسمّى الشرح «المطالب المظفّرية» ، حيث قال :

ولعلّه الاسترابادي المذكور ...فإنّه في آخر المجلس الخامس في أحوال مسلم بن عقيل أظهر الشكوى من أهل زمانه وغدرهم به كما غدر أهل الكوفة بمسلم . قال : ولمّا نجّاه الله منهم هاجر إلى كربلاء واتّخذها موطناً ومستقرّاً ...فيظهر أنّه لم يكن حائريّ الأصل . انتهى .

أقول : يبدو أنّ الحقّ مع الميرزا الخوانساري ، حيث إنّ المؤلّف رحمه الله صحيح لم يكن حائريّ الأصل لكنّه كركيّ ، كما هو صرّح في كتابه ، وكما بيّناه فيما سبق .

(2) «نزهة أهل الحرمين في تاريخ تعميرات المشهدين» في النجف وكربلاء ، لسيّدنا الحسن بن هادي صدر الدين العاملي الأصفهاني الكاظمي «1272 ـ 1354» صاحب «تأسيس الشيعة الكرام لفنون الاسلام» . الذريعة : 24 / 114 رقم 592» .

(3) أعيان الشيعة : 9 / 62 .

(4) انظر أواخر الجزء الثاني .

( 17 )

فلذا من الصعب تحديد الفترة التي عاشها ، الا أنّ هناك دلالات نعرف من خلالها العصر الذي عاش فيه هذا السيد البارع ، وكما يلي :

1 ـ انّه رحمه الله عثر على كتاب «روضة الشهداء» للمولى الحسين الواعظ الكاشفي ، المتوفّى سنة «910» هـ ، وتاريخ تأليف الروضة هو سنة «847» هـ ، وألّف كتابه هذا على منوال الروضة .

2 ـ أشاد رحمه الله في كتابه هذا بالسلطان شاه إسماعيل الصفوي ، المولود سنة «892» هـ ، وتسلّم السلطة سنة «906» هـ ، وقاتل شيك خان الاوزبك سنة «916» هـ ، وتوفّي سنة «930» هـ .

3 ـ لقد زار المؤلّف مرقد أمير المؤمنين عليه السلام في سنة «921» هـ(1) .

4 ـ كتب بعض قصائده وصرّح بأن عمره كان «70» سنة(2) .

5 ـ ألّف السجع النفيس عام 955 هـ .

6 ـ صرّح بأنّه حصل على كتاب «تذكرة الفقهاء» للعلّامة الحلّي سنة «900» هـ .

ونستنتج من هذا انّه رحمه الله ولد في القرن التاسع وعاش إلى أواسط القرن العاشر .

(1) انظر ج 1 / 230 .

(2) انظر ج 2 / 74 و 130 .

( 18 )

حول الكتاب

سفر كبير ثمين جلّه في مقتل الإمام الحسين بن علي عليهما السلام ، وثواب إظهار الجزع لمصابه ومصاب أهل بيته ، والبكاء لرزيّتهم والجلوس لعزيّتهم ، وحمل سبايا رسول الله صلى الله عليه وآله وبناته وأحفاده إلى الشام .

وقد قال مؤلّفه : إنّي بعد أن منّ الله عليّ بمجاورة سبط نبيّه ... أطلق لساني بمدح رسوله المصطفى ، ووليّه المرتضى ، وأهل بيتهما الأئمة النجباء ... فصرتُ اُحلّي بذكرهم المنابر ، واُزيّن بشكرهم المحاضر ... فقلّ أن يمضي يوم من الأيام التي حباهم الله فيها بتفضيله ، ونوّه بذكرهم في محكم تنزيله ، إلا وقد وضعتُ خطبة في فضل ذلك اليوم الشريف ... كخطبة مولد البشير النذير ، وخطبة يوم الغدير وذيّلتها بأحاديث رائقة ... وخطبة يوم السادس من شهر ذي الحجّة الذي كان فيه تزويج البتول من صنو الرسول ، ويوم نزول سوة «هل أتى» وما في فضلهم أتى ، والمجلس المشهور بـ «تحفة الزوّار ومنحة الأبرار» وهو مجلس ذكرت فيه ثواب زيارة سيّد الشهداء وفضل كربلاء ، وكالتعزية الموسومة بـ «مجرية العبرة ومحزنة العترة» وهي خطبة يوم التاسع من المحرّم ، وكالمجلس المشهور بـ «قاطع أسباب النفاق وقامع أرباب الشقاق» وهو مجلس قلته بإذن الله في اليوم السادس والعشرين من ذي الحجّة .. وكالرسالة الموسومة بـ «السجع النفيس في محاورة الدلام وإبليس» وغير ذلك من رسائل وخطب وأشعار تحث على اقتناء الفضائل ...

وكان ذلك يشتمل على مائتي ورقة وأكثر ، أبهى من عقود اللآلئ وأبهر ...

( 19 )

ثم إنّي بعد ذلك عثرت على كتاب لبعض فصحاء اللغة الفارسيّة ، وفرسان البلاغة الأعجميّة(1) ... قد رتّبه على عشرة مجالس لقيام المآتم لمصاب الغرّ الميامين من بني هاشم شهداء كربلاء ... وجعلها خاصّة بالعشر الاُول من شهر محرّم الحرام ... وجعل لكلّ يومٍ من أيّامه مجلساً لقواعد الحزن والتعزية ...

فاستخرت الله سبحانه أن أنسخ على منواله في التصنيف والترتيب ، وأقتدي بأفعاله في التأليف والتهذيب ، واُزيّن مجالس أهل الايمان بمناقب سادتههم ومواليهم ، واُهيّج أحزان قلوب أهل العرفان من شيعتهم ومواليهم ، واُحلّي أجياد اللسان العربي بدرر نظمي ونثري ، واُجدّد معاهد الأشجان بنواضح بدائع فكري ، ورتّبته كترتيبه ، وبوّبته كتبويبه ، لكن لم أقصد ترجمة كلامه ، ولا سلكت مسلكه في نثاره ونظامه ، وجعلته عشرة مجالس ... ولم اُورد فيه من الأحاديث الا ما صحّحه علماؤنا ، ورجّحه أعلامنا ، ودوّنوه في كتبهم ، ونقلوه عن أئمّتهم(2) .

نسخة الكتاب:

هي النسخة النفيسة المخطوطة في مكتبة مدرسة النمازي في مدين «خوي» ـ من توابع محافظة تبريز ـ برقم 459 مكتوبة بخطّ نسخ متوسّط ، وأخطاؤها ليست قليلة ، تقع في «585» صفحة ، احتوت كلّ صفحة «22» سطراً قياس الصفحة 17 + 70 / 11 سم ، سقط من وسطها سفحة واحدة أكلمناها من مقتل الإمام الحسين عليه السلام للخوارزمي ـ وأشرنا له في

(1) مراده «روضة الشهداء» للمولى الكاشفي .

(2) انظر ج 1 / 67 ـ 70 .

( 20 )

محلّه ـ ، ومن آخرها أيضاً صفحة أو أكثر وهي من نثر المؤلّف ، فلذا توقّفنا في آخر الكتاب كما في النسخة . كتبت على النسخة بعض الحواشي بالفارسية وبالعربية .

وقد كتب على ظهر النسخة ـ وبنفس خطّ كاتب النسخة ـ ما هذا نصّه : كتاب «تسلية المجالس وزينة المجالس» تأليف السيد الحسيب النسيب .... الحسيني الموسوي الحائري أدام الله أوصاله .

فيفهم من هذا انّ النسخة مكتوبة في عصر المؤلّف ولعلّ كاتبها تلميذ المؤلّف أو شخص آخر(1) .

تسمية الكتاب:

اُطلق على الكتاب عدّة تسميات ، وكما يلي :

1 ـ تسلية المُجالس .(2)

2 ـ تسلية المُجالس وزينة المَجالس .(3)

3 ـ زينة المَجالس .(4)

4 ـ مقتل الإمام الحسين عليه السلام(5) .

وجميعها غير بعيد عن الصحيح ، وثانيها هو الأصح والأكمل ، وهو الذي

(1) قال الشيخ آغا بزرگ الطهراني : نسخة ـ أي من هذا الكتاب ـ عند الشيخ محمد رضا فرج الله . «الذريعة : 22 / 27» .

(2) بحار الأنوار : 1 / 40 ، الذريعة : 4 / 179 رقم 885 .

(3) بحار الأنوار : 1 / 21 ، كشف الحجب والأستار : 121 رقم 579 ، أعيان الشيعة 9 / 62 ، طبقات أعلام الشيعة (القرن العاشر) : 214 .

(4) الذريعة : 12 / 94 .

(5) بحار الأنوار : 1 / 21 ، الذريعة : 22 / 27 .

( 21 )

صرّح به المؤلّف في مقدّمة للكتاب ، وكان اختيارنا عليه .

اشتباهان حول الكتاب :

1 ـ قال الخوانساري رحمه الله ـ نقلاً عن رجال النيسابوري ، وعند ذكره للمؤلّف ـ : وله كتاب «تسلية المُجالس» و«زينة المَجالس» كلاهما في مقتل مولانا الحسين عليه السلام(1) . انتهى .

والحال ـ كما عرفت ـ انّه كتاب واحد .

2 ـ قال الاستاذ عبد الجبّار الرفاعي حفظه الله في «معجم ما كتب عن الرسول وأهل البيت صلوات الله عليهم» ج 7 / 153 : «تسلية المُجالس» للسيد محمد الحسيني الحائري . يأتي بعنوان «زينة المَجالس» . انتهى .

الا انّه قال في ص 325 رقم 18677 :

«زينة المَجالس» (مقتل فارسي) للسيّد مجد الدين محمد بن أبي طالب الحسيني الحائري ، فرغ منه سنة 1004 هـ .... انتهى .

وقال ثالثة في ج 8 / 69 :

«مقتل أبي عبد الله الحسين عليه السلام» للسيّد محمد الحائري ، تقدّم بعنوان : «زينة المَجالس» . انتهى .

ويمكن تصحيح هذا الاشتباه بالنقاط التالية :

أ : حصل خلط بين «تسلية المُجالس زينة المَجالس» ـ كتابنا هذا ـ وبين «زينة المَجالس» للسيد مجد الدين محمد بن أبي طالب الحائري ، وذلك

(1) روضات الجنّات : 7 / 35 .

( 22 )

نتيجة اشتراك اسم الكتاب واسم المؤلّف في الاثنين .

ب : إنّ «زينة المَجالس» هو في التواريخ وليس في مقتل الإمام الحسين عليه السلام .

وقد قال الشيخ آقا بزرگ الطهراني رحمه الله : «زينة المَجالس» في التواريخ ، للأمير مجد الدين محمد الحسيني المتخلص «مجدي» ألّفه سنة «1004» هـ باسم الشاه طهماسب ، مرتّباً على تسعة أجزاء ، وكلّ جزء على عشرة فصول ، إلا الجزء الأخير فإنّه لم يخرج منه الا ثمانية فصول في النسخة المخطوطة ، لكنّه اُلحق بالكتاب فصلان في الطبع ؛ أحدهما في تواريخ المغول ، والآخر في الصفويّة ، وينقل عنه في «مطلع الشمس» ، وهو فارسيّ ... إلى آخر كلامه(1) .

ج : إنّ مؤلّف «تسلية المُجالس وزينة المَجالس» أهدى كتابه للشاه إسماعيل الصفوي الذي كانت السلطة بيده في عام «906 ـ 930» هـ ، وهذا يعني أنّ تاريخ الكتاب يقع في هذه الفترة ، ومؤلّف هذا كتاب من البعيد أن يقلّ عمره عن «20» أو «25» سنة ، فعلى غالب الظنّ أنّ ميلاده كان قبل سنة «900» هـ .

وأمّا مؤلّف كتاب «زينة المَجالس» فقد ألّف كتابه سنة «1004» هـ ، ومن المعلوم أنّه توفّي بعد هذا التاريخ .

وبالنتيجة فمن البعيد جدّاً أن يكون مؤلّف «تسلية المُجالس وزينة المَجالس» المولود قبل سنة «900» هـ قد عمّر لما بعد سنة «1004» هـ .

(1) الذريعة : 12 / 94 رقم 618 .

( 23 )

ومن الجدير بالذكر انّ العلّامة المجلسي رحمه الله قد نقل في بحار الأنوار عن «تسلية المُجالس وزينة المَجالس» في المجلّد العاشر من الطبع القديم (الحجري) ، أي المجلّد 44 ص 310 و354 وغيرها والمجلّد 45 من الطبع الجديد .

منهجيّة التحقيق

كان أوّل عملي هو استنساخ النسخة الخطيّة ، ومن ثمّ إرجاع الأحاديث إلى مصادرها الأصليّة ـ وإن لم يصرّح المؤلّف بمصادرها على الأغلب ـ حيث طابقت الأحاديث مع مصادرها ، وبعد ذلك ضبطت النصّ ضبطاً متقناً ـ على قدر الوسع والإمكان ، ولم أدّع الكمال في ذلك ـ وكما يلي :

1 ـ طابقت الآيات القرآنيّة الشريفة مع القرآن الكريم وأثبتّها كما هي في القرآن .

2 ـ ما أضفته من المصادر جعلته بين [ ] وأشرت لذلك في محلّه .

3 ـ اقتصرت في الإشارة لموارد الاختلافات ـ بين النسخة والمصادر ـ المهمّة منها فقط .

4 ـ قمت باتّحاد الأحاديث الواردة في الكتاب مع المصادر الحديثيّة المعتبرة .

 ( 24 )

تقدير وعرفان

لقد كان الأمل يحدوني بأن يُكتب لهذا السفر القيّم بالظهور قبل مدّة من الزمان ، أي في حياة اُستاذنا العلّامة الراحل والمحقّق الخبير السيد عبد العزيز ابن السيد جواد الطباطبائي اليزدي النجفي قدّس سرّه ، سيّما وانّه قد هيّأ لي النسخة التي اعتمدتها في التحقيق من مدرسة النمازي في مدينة «خوي» ، وانّه أيضاً كان يرغب في أن يرى صدور هذا الكتاب ، الا انّ اُموراً عديدة حالت دون إتمام تحقيق الكتاب في ذلك الوقت ، وشاءت الإرادة الإلهية غير ما شئنا برحيل السيد عنّا ، فجزاه الله خير جزاء المحسنين ، وأسكنه فسيح جناه وأوفرها .

واُسجّل وافر شكري لكلّ من مدّ لي يد العون في عملي هذا ، وأخصّ بالذكر منهم : الاستاذ الفاضل محمود البدري : وأشقّائي : علي وعبد الكريم وصادق وفّقهم الله جميعاً .

وأشكر أيضاً اُمّ ولدي «حيدر» التي شاركتني في مختلف مراحل تحقيق الكتاب ، من استنساخ واستخراج ومقابلة فجزاها الله خيراً .

والحمد لله رب العالمين .

فارس حسّون كريم

قم المقدّسة

ذكرى مولد سيّد الشهداء عليه السلام

3 شعبان 1417 ه

( 25 )

صورة الصحفة الاُولى من النسخة الخطّية «الأصل» .

( 26 )

صورة الصحفة الاُولى من النسخة الخطّية «الأصل» .

( 27 )

مقدّمة المؤلّف

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي جعل مصائب دار الغرور مصروفة إلى وجوه أوليائه ، ونوائب بطشها المشهور موقوفة على جهة أصفيائه ، ووعدهم على الصبر الجميل بالثواب الجزيل في دار جزائه ، وأراهم فضل درجة الشهادة في منازل دار السعادة الباقية ببقائه ، فبذلوا أرواحهم لينالوا الزلفى من رحمته ، وباعوا أنفسهم من الله بنعيم جنّته ، وتلّوا حدود الصّفاح(1) بشرائف وجوههم ، وقابلوا رؤوس صدور الرماح بكرائم صدورهم ، فكوّرتهم وقد أظلم ليل نقع(2) الحرب ، وبلغت القلوب الحناجر لوقع الطعن والضرب ، وكفر القتام(3) شمس النهار بركامه ، وغمر الظلام فجاج الأقطار بغمامه ، وخشعت الأصوات لوقع الصرام على هامات الرجال ، وأشرقت الأرض بما سال عليها من شآبيب الجريال(4) ، فلم تر الا رؤوساً تقطف ، ونفوساً تختطف ، وأبطالاً قد صبغت

(1) هي السيوف العريضة .
(2) النقع : رفع الصوت .
(3) الكَفرُ : التغطية والقَتام : الغبار .
(4) الجِريال : صبغ أحمر ، وجِريال الذهب : حمرته . «لسان العرب : 11 / 109 ـ جرل ـ» .

( 28 )

جيوبها بدم الحتوف ، وفرساناً وجبت جنوبها بغروب السيوف(1) ، لرأيت منهم وجوهاً كالبدور في ظثلَم النقع مشرقة ، واُسداً في غاب(2) الرماح مطرقة ، يرون الموت في طاعة ربهم راحة أرواحهم ، وبذلوا الوسع في إعلاء كلمة خالقهم مجلية أفراحهم .

ليوث إذا ضربت الحرب جمرها ، غيوث إذا السماء منعت درّها ، رهبان إذا الليل أرخى ستوره ، أعلام إذا النهار أشاع نوره ، مصابيح الظلام إذا الغسق غَمّت سُدفُته ، مجاديح(3) الانعام إذا الزمان عمّت أزمّته ، سادة الاُمّة ، وقادة الأئمّة ، ومعدة الحكمة ، ومنبع العصمة ، وبحار العلم ، وبحار الحلم ، إن سئلوا أوضحوا ، وإن نطقوا أفصحوا ، وإن استسمحوا جادوا ، وإن استرفدوا عادوا ، أصلهم معرق ، وفرعهم معذق ، وحوضهم مورود ، ومجدهم محسود ، وفخرهم ....(4) ، النبوة اصلهم ، والامامة نسلهم ، لا شرف الا وهم أصله ، ...(5)

واُمروا بالجهاد في سبيل الله فأتمروا ، لبسوا القلوب على الدروع عند مكافحة الكفاح ، وتلقّوا بالخدود والصدور حدود الصفاح ورؤوس الرماح ، يرون طعم الموت في طاعة ربهم أحلى من العسل المشار(6) ، وارتكاب

(1) أي سَقَطَت جُنوبها غلى الأرض بحدود السيوف .
(2) الغابة من الرماح : ما طال منها ، وكان لها أطراف تُرى كأطراف الأجمَة ؛ وقيل : هي المضطربة من الرماح في الريح ؛ وقيل : هي الرماح إذا اجتمعت . «لسان العرب : 1 / 656 ـ غيب ـ » .
(3) مِجدّحٌ : نجم من النجوم كانت العرب تزعم أنها تُمطَرُ به ، وهو المُجدَحُ أيضاً : وقيل : هو الدبَران لأنه يطلع آخراً ويسمّى حاديَ النجوم . «لسان العرب : 2 / 421 ـ جدح ـ » .
(4 و5) كانت هناك آثار ترميم على الصفحة الاولى من الأل ، ومن جرّاء ذلك فقد هنا مقدار 3 سطور .
(6) يقال : رجلٌ مِشرٌ : شديد الحُمرة . «القاموس المحيط : 2 / 134 ـ مشر ـ » .
وقال في حياة الحيوان الكبرى : 2 / 350 : وأجوده ـ أي العسل ـ الخريفي الصادق

( 29 )

الأخطار في إعلاء كلمة خالقهم أولى من ركوب العار .

جدّهم أكرم مبعوث ، وخير مرسل ، وأشرف مبعوث بالمجد الأعبل(1) ، والشرف الأطول ، لم يضرب فيه فاجر ، ولم يسهم فيه عاهر ، نقله الله من الأصلاب الفاخرة إلى الأرحام الطاهرة ، واختصّه بالكرامات الباهرة ، والمعجزات الظاهرة ، ونسخ الشرائع بشريعته ، وفسخ المذاهب بملّته ، أقام به الاسلام وشدّ أزره(2) ، وأوضح به الايمان وأعلا أمره ، وجعله مصباحاً لظلم الضلال ، ومفتاحاً لما استعلن من الأحكام ، وأحيا به السنّة والفرض ، وجعله شفيع يوم الحشر والعرض ، وأسرى به إلى حضيرة قدسه ، وشرّفه ليلة الاسراء بخطاب نفسه ، فهو أشرف الموجودات ، وخلاصة الكائنات ، أقسم ربّنا بحياته ، وجعله أفضل أهل أرضه وسماواته ، وأزلفه بقربه ، واختصّه بحبّه ، فهو سيّد المرسلين ، وإمام المتّقين ، وخاتم النبيين ، النبيّ المهذّب ، والمصطفى المقرّب ، الحبيب المجيب ، والأمين الأنجب .

صاحب الحوض والكوثر ، والتاج والمغفر ، والخطبة والمنبر ، والركن والمشعر ، والوجه الأنور ، والجبين الأزهر ، والدين الأظهر ، والحسب الأطهر ، والنسب الأشهر ، محمد سيد البشر ، المختار للرسالة ، الموضح للدلالة ، المصطفى للوحي والنبوّة ، المرتضى للعلم والفتوّة .

صاحب الفضل والسخاء ، والجود والعطاء ، والمذاكرة والبكاء ،

 الحلاوة والكثير الربيعي المائل إلى الحمرة .
وفي هامش الأصل : المشار : النشاط .
(1) العَبلُ : الضخم من كلّ شيء . وأعبلُ : غَلُظ وابيَضّ : «لسان العرب : 11 / 420 ـ عبل ـ » .
(2) في هامش الأصل : الأزر : الظهر .

( 30 )

والخشوع والدعاء ، والانابة والصفاء .

صاحب الملّة الحنيفيّة ، والشريعة المرضيّة ، والامّة المهديّة ، والعترة الحسنيّة والحسينيّة .

صاحب الفضل الجليّ ، والنور المضيّ ، والكتاب البهيّ ، الرسول النبيّ الاُميّ .

هذا الذي زيّنت بمدحه طروسي(1) ، ورصفت بوصفه بديعي وتجنيسي ، وقابلت بدرّ كماله تربيعي وتسديسي ، وجعلت ذكره في خلواتي أليفي وأنيسي ، وحليت المجامع بملاقي(2) ، وشققت المسامع بمعالي مرابته .

هو الذي رفع الله به قواعد الصدق بعد اندراسها ، وأطلع أنوار الحقّ بعد انطماسها ، وأقام حدود السنّة بجواهر لفظه ، وحلّى أجياد الشريعة بزواجر وعظه ، وأطلع شمس الملّة الحنيفيّة في فلك نبوّته ، وأظهر بدر الشريعة المصطفويّة من مطالع رسالته ، فتح به وختم ، وفرض طاعته وحتم ، ونسخ الشرائع بشريعته ، ونسخ الملّة بملّته .

لم يخلق خلقاً أقرب منه إليه ، ولم ينشئ نشأً أكرم منه عليه ، شرفه من فلق الصبح أشهر ، ودينه من نور الشمس أظهر ، ونسبه من كلّ نسب أطهر ، وحسبه من كل حسب أفخر ، لما أخلص لله بوفاء حقّه ، وسلك إلى الله بقدم صدقه ، ورفض الدنيا رفضاً ، وقرضها قرضاً ، لعلمه بسوء موقع فتكها ، وحذراً من مصارع هلكها ، أطلعه الله على أسرار ملكوته ، وشرّفه بخطاب حضرة

(1) الطرسُ : الصحيفة . ويقال : هي التي محيت ثم كتبت . «لسان العرب : 6 / 121 ـ طرس ـ » .
(2) المَلاقي : أشراف نواحي أعلى الجبل لا يزال يَمثُل عليها الوعل يعتصم بها من الصيّاد . «لسان العرب : 15 / 255 ـ لقا ـ » .

( 31 )

جبروته ، وأرسله صادعاً بحكمه ، وجعله خازناً لعلمه ، فقام صلى الله عليه وآله بأعباء الرسالة جاهداً ، وباع من الله روحه مجاهداً ، وقطع من قربت قربته ، ووصل من بعدت لحمته ، وهجر في الله الأذنين ، ووصل الأبعدين ، سل عنه اُحداً وبدراً كم خسف الله به فيهما للشرك بدراً ، وهتك للشرك ستراً ، وقصم للظلم ظهراً ، جاهد في الله حقّ جهاده ، وصبر على الأذى في الله من جهاد عباده حتى كسرت في اُحد رباعيته ، وشجّت لمناوشته(1) القتال جبهته ، وثفنت من دمه لمّته(2) ، وقتلت عترته واُسرته .

كم نصبوا له غوائلهم(3) ؟ وكم وجّهوا نحوه عواملهم ؟ وكم جرّدوا عليه مناصلهم(4) ؟ وكم فوقوا إليه معابلهم(5) ؟ وأبى الله الا تأييده بنصره ، وتمجيده بذكره .

روي أن النبي صلى الله عليه وآله كتب إلى كسرى بن هرمز :

أمّا بعد :

فأسلم تسلم ، والا فأذن بحربٍ من الله ورسوله ، والسلام على من اتّبع الهدى .

قال : فلمّا وصل إليه الكتاب مزّقه واستخفّ به ، وقال : من هذا الذي يدعوني إلى دينه ، ويبدأ باسمه قبل اسمي ؟ وبعث إلى رسول الله صلى الله عليه

(1) في هامش الأصل : المناوشة : الاسراع في النهوض .
(2) اللَمّة : شعر الرأس .
(3) الغوائل : الدواهي .
(4) النصلُ : حديدة السهم والرمح .
(5) المِعبَلة : نصلٌ طويل عريض ، والجمع مَعابل ... ومنه حديث علي عليه السلام : تكَنّفتكم غَوائلُه واقصَدَتكم معابِلُه . «لسان العرب : 11 / 422 ـ عبل ـ » .

( 32 )

وآله بتراب ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : مزّق الله ملكه كما مزّق كتابي ، أما إنّكم ستمزّقون ملكه ، وبعث إليّ بتراب أما إنّكم ستمزّقون(1) أرضه ، فكان كما قال صلى الله عليه وآله .

ثم كتب كسرى في الوقت إلى عامله على اليمن ، وكان اسمه باذام(2) ، ويكنّى أبا مهران ، أن امض إلى يثرب واحمل هذا الذي يزعم أنّه نبيّ ، وبدأ باسمه قبل اسمي ، ودعاني إلى غير ديني ، فبعث باذام الى النبي صلى الله عليه وآله فيروز الديلمي في جمع ، وأرسل معه كتاباً يذكر فيه ما كتب إليه كسرى ، فأتاه فيروز بمن معه ، وقال : إنّ كسرى أمرني أن أحملك إليه ، فاستنظره صلّى الله عليه وآله ليلته إلى الصباح .

فلمّا كان في(3) الغد حضر فيروز مستحثّاً لرسول الله صلى الله عليه وآله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : أخبرني ربّي انّه قتل صاحبك البارحة ، سلّط الله عليه ابنه شِيرَوَيه على سبع ساعات من الليل ، فأمسك حتى يأتيك الخبر ، فراع ذلك فيروز وهاله ، ورجع إلى باذام فأخبره .

فقال له باذام : كيف وجدت نفسك حين دخلت عليه ؟

فقال : والله ما هبت أحداً كهيبة هذا الرجل ، فوصل الخبر إليه كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله فأسلما ، وظهر في زمانهما العنسي(4) المتنبّئ

(1) في المناقب : ستملكون .
(2) في المناقب ومصادر اُخرى : باذان .
انظر في قصّة إسلامه الاُنف للسهيلي : 1 / 307 .
(3) في المناقب : من .
(4) في الأصل : العبسي .
وهو عَيهلة بن كعب بن عوف العنسي ، مشعوذ من أهل اليمن ، كان بطّاشاً جبّاراً ، أسلم لمّا أسلمت اليمن ، وارتدّ في أيّام النبي صلى الله عليه وآله ، فكان أوّل مرتدّ في الاسلام ،

( 33 )

باليمن وما افتراه من الكذب ، فأرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وآله فيروز الديلمي ، وقال : اقتله قتله الله ، [فقتله](1) .(2)

وروت(3) العامّة عن جعفر بن محمد عليه السلام أنّهما لمّا نزلت سورة

 وادّعى النبوّة . «الكامل في التاريخ : 2 / 336 ، الأعلام : 5 / 111» .
(1) من المناقب .
(2) روي كتابه صلى الله عليه وآله إلى ملك الفرس كسرى بن هرمز بألفاظ متفاوتة ، انظر : مسند أحمد بن حنبل : 1 / 243 و ج 3 / 133 . صحيح البخاري : 6 / 10 ، تاريخ اليعقوبي : 2 / 77 ، تاريخ الطبري : 2 / 654 ، مشكل الآثار للطحاوي : 1 / 215 . الأموال لأبي عبيد : 23 ، دلائل النبوة لأبي نعيم : 2 / 348 ح 241 . السنن الكبرى للبيهقي : 9 / 177 ، تاريخ بغداد : 1 / 132 ، الشفا للقاضي عياض : 1 / 460 ، مناقب ابن شهراشوب : 1 / 79 ، الكامل في التاريخ : 2 / 213 ، البداية والنهاية 4 / 268 وص 269 ، صبح الأعشى : 6 / 363 ، المواهب اللدنية للقسطاني : 2 / 139 ، السيرة الحلبيّة : 3 / 277 ، بحار الأنوار : 20 / 381 ح 7 وص 389 ، جمهرة رسائل العرب : 1 / 40 رقم 4 ، السيرة النبويّة لأحمد زيني دحلان المطبوع بهامش السيرة الحلبيّة : 3 / 65 ، أعيان الشيعة : 1 / 244 .
(3) في هامش الأصل : وروى العيّاشي بإسناده عن خيثمة (خثيمة) قال : سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول : من حدّث عنّا بحديثٍ فنحن سائلوه عنه يوماً ، فإن صدق علينا فإنّما يصدق على الله وعلى رسوله ، وإن كذب علينا فإنّما يكذب على الله وعلى رسوله ، وإن كذب علينا فإنّما يكذب على الله وعلى رسوله لأنّا إذا حدّثنا لا نقول : قال فلان وقال فلان ، وإنّما نقول : قال الله وقال رسوله ، ثمّ تلا هذه الآية : «وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللّهِ وُجُوهُهُم مُسْوَدّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبّرِينَ» [سورة الزمر : 60] ، ثمّ أشار خيثمة إلىاُذنيه فقال : صمّتا إن لم أكن سمعته .
قال الراوي [سودة بن كليب] : سألت أبا جعفر عليه السلام عن هذه الآية ، فقال : كلّ إمام انتحل إمامة ليست له من الله .
قلت : وإن كان علويّاً ؟
قال : وإن كان علويّاً .
فقلت : وإن كان فطميّاً ؟
قال : وإن كان فاطميّاً . «مجمع البيان : 4 / 505» .

( 34 )

«والنجم إذا هوى» أخبر قبذلك عتبة(1) بن أبي لهب ، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وىله وتفل في وجهه وطلّق ابنته ، وقال : كفرت بالنجم وبربّ النجم ، فدعا عليه رسول الله وقال : اللهم سلّط عليه كلباً من كلابك ، فخرج إلى الشام ، فنزل في بعض الطريق ، وألقى الله عليه الرعب ، فقال لأصحابه ليلاً : نيّموني بينكم ، ففعلوا : فجاء أسد فافترسه من بين الناس ، ففي ذلك يقول حسّان بن ثابت :

سائِل بني الأشعر(2) إن جئتَهم      مـا كـان أنباءُ أبي(3) واسِع
لا  وسّــع الله لــه قـبره      بـل  ضـيّق الله على القاطِع
رمـى  رسـول الله من بينهم      دون  قـريش رَمـية الـقادع
واسـتَوجَبَ  الـدعوةَ منه بما      بـيّـن  لـلـناظر والـسامِع
فـسـلّـط الله بــه كـلـبَه      يـمشي الـهوينا مشيةَ الخادع
حـتى  أتـاه وسـط أصحابه      وقـد  عَـلَتهُم سنةُ الهاجع(4)
فـالـتَقَمَ الــرَأسَ بـيافوخِه      والـنحر  مـنه فـغرة الجائِع
مَـن يـرجع الـعام إلى أهله      فـما  أكـيل الـسّبع بالراجِع

(1) لعلّه عتيبة كما ذكرت بعض المصادر ، لأنّ عتبة وأخوه معتب أسلما في عهد النبي صلى الله عليه وآله . انظر الاصابة : 2 / 455 رقم 5413 وج 3 / 443 رقم 8120 .
(2) كذا في ديوان حسّان وغيره ، وفي الأصل : بني الأصفر .
وبني الأصفر تطلق على الروم لأنّ أباهم الأوّل كان أصفر اللون . انظر «لسان العرب : 4 / 465 ـ صفر ـ » .
(3) كذا في بعض المصادر ، وفي الأصل : بني واسع .
وكان عتيبة بن أيب لهب بن عبد المطّلب يكنّى أبا واسع .
(4) هذا البيت لم يورده في مجمع البيان .

( 35 )

قد كان هذا لكم عبرة     للسيّد المتبوعِ والتابع(1)

وبعد :

فيقول العبد الفقير ، الذليل الحقير ، المعترف بذنبه ، المنيب إلى ربّه ، الذي لم يكتب له الكرام الكاتبون عملاً صالحاً ، ولم تشهد له الملائكة المقرّبون يقيناً ناصحاً ، الا ما يتقرّب به في كلّ آن من توحيد مالكه وربّه ، والانابة اليه بقالبه وقلبه ، وجعل ذكره أنيس خلوته ، وتلاوة كتابه جليس وحدته ، بالتوسّل إليه بأوليائه الطاهرين من أهل بيت نبيّه ، المتوكّل عليه بمجاورة الأكرمين من ذرّيّة وليّه ، وتشريف المنابر بذكر مناقبهم ، وتزيين المحاضر بنشر مراتبهم ، وإيضاح ادليل على سلوك سبيلهم ، وشفاء الغليل بتشريفهم وتفضيلهم ، وقمع رؤوس من عاداهم بمقامع نظمه ونثره ، وغيّض نفوس من ناواهم بتواضع خطبه وشعره ، محمد بن أبي طالب بن أحمد بن محمد المشهور بن طاهر بن يحيى بن ناصر بن أبي العزّ الحسيني الموسوي الحائري اُمّاً وأباً ، الامامي ملّة ومذهباً ، الحسيني نسباً ومحتداً(2) ، الكركي(3) منشأً ومولداً :

(1) روي الحديث والأبيات بتفاوتٍ . انظر :
تفسير القرآن لعبد الرزّاق الصنعاني : 2 / 2 / 250 ، تفسر الطبري : 27 / 24 ، تفسير الكشف والبيان للثعلبي : 297 (مخطوط) ، دلائل النبوّة لأبي نعيم : 454 ح 380 وص 455 ح 381 وص 457 ح 383 ، دلائل النبوة للبيهقي : 2 / 338 ، الشفا للقاضي عياض : 1 / 460 ، مجمع البيان : 5 / 172 ، الدر المنثور : 6 / 121 ـ 122 ، ديوان حسّان بن ثابت : 153 .
(2) حَدا الشيء يَحدوه حَدواً واحتَداه : تبعه . «لسان العرب : 14 / 168 ـ حدا ـ » .
وقد تكون بالذال المعجمة ؛ حَذا حذوَة : فَعَل فعله ، يقال : فلان يحتَذي على مثال فلان إذا اقتدى به في أمره ، ويقال : حاذيت موضعاً إذا صرت بِحِذائه . «لسان العرب : 14 / 170 ـ حذا ـ » .
(3) الكَرَك : قلعة حصينة جدّاً في طرف الشام ، من نواحي البلقاء في جبالها : «مراصد

( 36 )

إنّي لمّا هجرت مهاجر أبي واُمّي وعمومتي وبني عمّي ومسقط رأسي ومولدي ، ومصدري في الأمور وموردي ، وهي البلدة المشهورة بين أرباب الطريقة بالأرض المقدسة ، وهي في الحقيقة على غير تقوى الله مؤسّسة ، كم سبّ أمير المؤمنين على منابرها ، واُظهرت كلمة الكفر في منائرها ، وعصي ربّ العالمين في بواطنها وظواهرها ، وحملت رؤوس بني النبي إلى يزيدها وفاجرها ؟ فهي دار الفاسقين ، وقرار المنافقين ، ومغرس العصابة الناصبة ، ومجمع الطائفة الكاذبة ، أعني البلدة المشهورة بدمشق ، معدن الفجور والغرور والفسق ، ولمّا منّ الله بتوفيق الخروج منها ، وتسهيل الطريق بالبعد عنها ، وفارقتها غير آسف على حضرتها ونصرتها ، ولا نادم على مفارقة جهتها وربوتها ، أرى كلّ وارد من موارد يزيدها ثوراً ، وكلّ ملازم لباب يزديدها من المعدلين آثماً أو كفوراً ، وكلّ عاكف بأموتها من أعلام علمائها عتّلاً(1) فخوراً ، وكلّ زبرج(2) اُجري على صفحات عروشها وجدرانها حرفاً وغروراً .

علماؤها ذئاب بل ذباب ، واُمراؤها سباع بل كلاب ، ونساؤها أبغى من هند البغيّة ، ومخدّراتها أزنى من اُمّ زياد سميّة ، الاُبنة في علمائها فاشية ، والدياثة من زعمائها ناشية ، إن لامهم لائم على سوء فعلهم قالوا : «هذا تقدير ربّنا» بكفرهم وجهلهم ، أو أنّبهم مؤنّب بفجور نسائهم قالوا : «هذا ما كتب الله على جباههنّ» بكفرهم وضلالهم ، فجدعاً(3) لهم وكبّاً ، وبؤساً وغبّاً .

 الاطّلاع : 3 / 1159» .
(1) العُتُلّ : الشديد الجافي والفظّ الغليظ من الناس ؛ وقيل : هو الشديد الخصومة . «لسان العرب : 11 / 423 ـ عتل ـ » .
(2) الزبرِجُ : الوَشيُ ، الذهَب . «لسان العرب : 2 / 285 ـ زبرج ـ » .
(3) الجَدع : القطع .

(  37 )

وما عسى أن أقول في وصف قوم حنيت جوانحهم على بغض الوصيّ وعترته ، وبنيت جوارحهم على إنزال الأذى بمواليه وشيعته : يسلقون المؤمنين بألسنة حداد ، ويقصدون الصالحين بالبغي في كلّ ناد ، ويتشادقون(1) بغيبتهم في محاضرهم ومجامعهم ، ويعلنون بسبّهم عقيب جمعهم في جوامعهم ، يعدّون يوم عاشوراء من أعظم أعيادهم وزينتهم ، ويسمّونه فجوراً رأس سنتهم ، ويعتقدون طبخ الحبوب تلك الليلة من أعظم سنتهم ، والمصافحة بالأكفّ المخضوبة في ذلك اليوم من أفضل طريقهم وسنتهم ، ويتهادون بالتحف والهدايا في المنازل ، ويتباركون بإذخار الأدوية والأشربة من ذلك اليوم إلى قابل ، ويقصدون بالأذى من بكى فيه على آل الرسول ، ويتجسّسون على من جلس لتعزية الطاهرة البتول .

وليس ذلك بعجيب من نفاقهم ، ولا بغريب من شقاقهم ، فقد ارتضعوا بغض الامام الوصيّ من أخلاف(2) اخلافهم ، واُشربوا هجر ىل النبي من آبائهم وأسلافهم ، أغصان الشجرة الملعونة في القرآن ، وأفنان(3) دوحة البغي والعدوان ، الذين أعلنوا بسبّ الله ورسوله على منابرهم ، ودلّ قبح ظاهرهم على خبث سرائرهم ، كم أظهروا الفساد في البلاد وأشهروا العناد في العباد ؟ وزيّن الشيطان للناس اتّباعهم ، وصيّر علماءهم أشياعهم وأتباعهم ، فبذلوا لهم

(1) المتَشَدّقون : المتوسّعون في الكلام من غير احتياط واحتراز ، وقيل : المتشدّق : المستهزئ بالناس يلوي شِدقه بهم وعليهم . «لسان العرب : 10 / 173 ـ شدق ـ » .
(2) الأخلاف : جمع خِلف ـ بالكسر ـ وهو الضرع لكلّ ذات خُفّ وظِلفٍ . «لسان العرب : 9 / 92 ـ خلف ـ » .
ومراده أنّهم ارتضعوا بغض الامام من آبائهم الماضين .
(3) الفَنَنُ : الغُصنُ ، وقيل : الغُصنُ القضيب يعني المقضوب ، والفَنَنُ : ما تشعّب منه ، والجمع أفنان : «لسان العربب : 13 / 327 ـ فنن ـ » .
والدّوحة : الشجرة العظيمة المتّسعة .

( 38 )

الأموال ، وولّوهم الأعمال ، فغرّتهم الحياة الدنيا بزينتها ، وفتنتهم بزهرتها ، فبدّلوا كلام الله بآرائهم ، وحرّفوا كتاب الله ثمناً قليلاً ، وأنكروا فضل الوصيذ وما اُنزل فيه من الآيات ، وجحدوا النصّ الجليّ وما ورد في إمامته من الدلالات ، تقرّباً إلى أئمّة ضلالهم ، وحرّفوا مقال النبيّ طمعاً في نوالهم .

ألا ترى إلى أزكاهم البخاري قد ألغى حديث الخاتم وقصّة الغدير وخبر الطائر(1) وآية التطهير ؟

وإن أنصفهم مسلم قد أنكر حديث الكهف والإخاء ، وطعن في حديث «أنا مدينة العلم» وحديث اللوح .

وإنّ أشهرهم الطبري توقّف عن حديث الوصيّة(2) ، وتأويل «يُوفُونَ بِالنّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرّهُ مُسْتَطِيراً»(3) ، ومن أعلام مبشّريهم وضلّال مفتريهم من ور الآيات والأخبار المجمع عليها نحو «إِنّمَا وَلِيّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالّذِينَ آمَنُوا الّذِينَ يُقِيمُونَ الصّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ»(4) ، ونحو

(1) انظر الغدير : 3 / 218 وما بعدها .
(2) تفسير الطبري : 19 / 75 .
(3) سورة الانسان : 7 .
(4) سورة المائدة : 55 .
وقد اتّفق المفسّرون والمحدّثون وعلماء الأثر على نزول هذه الآية الشريفة في أمير المؤمنين علي عليه السلام ، ورووه بأسانيد وطرق كثيرة تنتهي إلى جماعة من كبار الصحابة والمفسّرن .
قال السيد ابن طاووس في سعد السعود : 96 : انّ محمّد بن العبّاس بن الماهيار المعروف بابن الحجّام قد رواه في كتابه «ما نزل من القرآن في عليّ عليه السلام» من تسعين طريقاً بأسانيد متّصلة ، كلّها أو جلّها من رجال المخالفين لأهل البيت عليهم السلام ، وذكر منهم : عمر بن الخطّاب ، عثمان بن عفّان ، الزبير بن العوّام ، عبد الرحمان بن عوف ، سعد بن أبي وقّاص ، طلحة بن عبد الله ، عبد الله بن عبّاس ، أبو رافع ، جابر بن عبد الله الأنصاري ، أبو ذرّ ، الخليل بن مرّة ، علي بن الحسين عليه السلام ، أبو جعفر محمد بن

( 39 )

أنت منّي بمنزلة هارون من موسى ، وإنّي تارك فيكم الثقلين ، وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلوّاً ، وجماعة من كبّار أنصابهم ، وفجّار نصّابهم ، جعلوا مقابل كلّ حقّ باطلاً ، وبإزاء كلّ قائل قائلاً ، مثل «الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة»(1) فوضعوا بإزائه «أبو بكر وعمر سيّدا كهول أهل الجنّة»(2) ، و

 علي عليه السلام ، جعفر بن محمد عليه السلام ، أبو هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفيّة ، مجاهد المكّي ، محمد بن السري ، عطاء بن السائب ، عبد الرزاق ، انتهى
يضاف إلى هؤلاء من مصادر اُخرى : علي عليه السلام ، عمار بن ياسر ، سَلَمة بن كهيل ، أنس بن مالك ، عبد الله بن سلام ، المقداد بن الأسود الكندي ، عبد الملك بن جريح .
ورواه البلاذري في أنساب الأشراف : 1 / 150 ح 151 ، الحاكم النيشابوري في معرفة علوم الحديث : 102 ، الحبري في ما نزل من القرآن في علي عليه السلام : 258 ـ 261 ح 21 ـ 23 ، الشجري في أماليه : 1 / 137 و138 بعدّة طرق ، الواحدي في أسباب النزول : 113 ، الحافظ أبو نعيم الأصفهاني في ما نزل من القرآن في عليّ عليه السلام ـ على ما في النور المشتعل ـ : 61 ـ 85 ح 5 ـ 15 ، ابن عساكر في ترجمة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام من تاريخ دمشق : 2 / 409 ح 915 و916 ، الجويني في فرائد السمطين : 1 / 187 ـ 195 ح 149 ـ 153 ، ابن المغازلي في المناقب : 311 ـ 314 ح 354 ـ 358 ، الگنجي في كفاية الطالب : 228 و249 ، الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل : 1 / 161 ـ 184 ح 216 ـ 340 بأكثر من أربعة وعشرين طريقاً ، السيوطي في لباب النقول : 93 ، الجصّاص في احكام القرآن : 4 / 102 ، الخوارزمي في المناقب : 186 و187.
وأخرجه الشوكاني في فتح القدير : 2 / 53 عن الخطيب في المتّفق والمفترق عن ابن عبّاس ، وعن عبد الرزّاق وعبد بن حميد وأبي الشيخ وابن مردويه عن ابن عبّاس ، وعن أبي الشيخ وابن مردويه وابن عساكر عن علي ، وعن ابن مردويه والطبراني في الأوسط عن عمّار .
(1) صحيح الترمذي : 2 / 306 ، سنن ابن ماجة : 1 / 44 ، مسند أحمد : 5 / 392 ، موارد الظمآن : 551 ، خصائص أمير المؤمنين عليه السلام للنسائي : 36 ، تاريخ بغداد : 9 / 231 ، حلية الأولياء : 4 / 190 ، الاصابة : 1 / 266 ، اُسد الغابة : 5 / 574 ، مناقب أمير المؤمنين عليه السلام لمحمد بن سليمان الكوفي : 2 / 238 ح 703 ، المستدرك على الصحيحين : 3 / 381 .
(2) صحيح الترمذي : 5 / 570 ، سنن ابن ماجة : 1 / 36 ، و38 ، مسند أحمد : 1 / 80 ،

( 40 )

«كان أحبّ الرجال إلى النبيّ عليّ ، ومن النساء فاطمة»(1) فوضعوا الحديث في أبي بكر وعائشة(2) ، وغرّوا الجاهل بمقالات الباطل ليدحضوا به الحقّ ، ولو أردت لأوردت من أكاذيبهم وأغاليطهم ، وزلفت من أباطيلهم ومخاليطهم ، ما يعجز اللسان عن وصفه ، ويكلّ البنان من رصفه ، فأعرضت عن رقم ذلك في الدفاتر ، وإن كان حاكي الكفر ليس بكافر .

شعر :

إذا ما روى الراوون ألف فضيلة      لأصـحاب مـولانا النبي محمد
يقولون هذا في الصحيحين مثبتٌ      بـخطّ الامامين الحديث يشيّد(3)
ومـهما رويـنا في عليّ فضيلة      يقولون هذا من أحاديث مُلحِد(4)

آخر :

إذا في مجلسٍ ذكـروا عليّاً     وسبطيه وفاطـمة الزكيّة

يقول الحاضرون ذروا فهذا     سقيم من حديث الرافضيّة(5)

 تاريخ بغداد : 5 / 307 ، وج 7 / 118 ـ 119 ، كنز العمّال : 11 / 561 ح 32652 وص 562 ح 32654 وص 563 ح 32664 ، وج 12 / 700 ح 36084 .
(1) ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من تاريخ دمشق لابن عساكر : 2 / 163 ح 641 وص 165 ح 646 . سنن الترمذي : 5 / 655 ح 3868 ، المستدرك للحاكم : 3 / 155 ، سير أعلام النبلاء : 2 / 131 .
(2) الرياض النضرة : 1 / 135 ، كنز العمّال : 12 / 133 ح 34350 .
(3) في المناقب : فَسَدّد ، وفي بعض نسخه : مسدّد .
(4) مناقب ابن شهراشوب : 1 / 3 .
(5) الأبيات للشافعي ، انظر ديوانه ص 90 ، مقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي : 2 / 129 ، مناقب ابن شهراشوب : 1 / 30 .
وروى الجويني في فرائد السمطين : 1 / 135 ح 98 بإسناده الى أبي عبد الله محمد

( 41 )

فبدّل الذين ظلموا قولاً غير الذي قيل لهم ، وزلّة العالِم كانكسار السفينة تغرق ويغرق معها غيرها ، بل إذا زلّ العالِم زلّ العالَم ، وجماعة من الفسّاق حملهم النفاق إلى أن قالوا : كان أبو بكر أشجع من عليّ(1) ، وإنّ مرحباً قتله محمد بن مَسلمة(2) ، وإنّ ذا الثديّة قتل بمصر(3) ، وإنّ في أداء سورة براءة كان الأمير أبا بكر على عليّ(4) ، وربّما قالوا : قرأها أنس بن مالك ، وإنّ

 ابن الفضل الرافعي بالبصرة ، قال : سمعت الربيع بن سلمان يقول : قلت للشافعي : إنّ هاهنا قوماً لا يصيرون على سماع فضيلة لأهل البيت ، فإذا أراد أحد أن يذكرها يقولون : هذا رافضي !!
قال : فأنشأ الشافعي يقول :
إذا  فـي مجلس ذكروا عليّاً      وسـبطيه  وفـاطمة الزكيّة
فأجرى بعضهم ذكرى سواهم      فـأيقن أنّـه ابـن سـلقلقيّة
إذا ذكـروا عـليّاً أو بـنيه      تـشاغل  بـالروايات العليّة
وقـال تـجاوزوا يا قوم هذا      فـهذا مـن حديث الرافضيّة
بَرئت إلى المهيمن من اُناس      يرون  الرفض حبّ الفاطميّة
على آل الرسول صلاة ربّي      ولـعـنته لـتلك الـجاهليّة
(1) الرياض النضرة : 1 / 138 ، تاريخ الخلفاء للسيوطي : 36 ، مجمع الزوائد : 9 / 46 .
ولقد أجاد الأميني رحمه الله في الغدير : 7 / 200 ـ 215 في تفنيد هذا الزعم ، فراجعه .
(2) الكامل في التاريخ : 2 / 219 .
(3) قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة : 2 / 268 : وفي كتاب صفّين أيضاً للمدائني ، عن مسروق ، أنّ عائشة قالت له لمّا عرفت أنّ عليّاً عليه السلام قتل ذا الثُديّة : لعن الله عمرو بن العاص ، فإنّه كتب إليّ يخبرني أنّه قتله بالاسكندريّة ، ألا إنّه ليس يمنعني ما في نفسي أن أقول ما سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : يقتله خير اُمّتي من بعدي ، عنه البحار : 33 / 340 ، وج 38 / 15 ح 24 .
(4) انظر : السيرة النبويّة لابن هشام : 4 / 188 ـ 190 ، تاريخ خليفة بن خيّاط : 93 ، كتاب العثمانية للجاحظ : 129 ، سنن النسائي : 5 / 247 ، خصائص أمير المؤمنين عليه السلام للنسائي (نشر مكتبة المعلا في الكويت) : 93 ح 78 ، السنن الكبرى للبيهقي : 5 / 111 ، الرياض النضرة : 3 / 132 ـ 136 وفيه تأويلات خبيثة ، البداية والنهاية : 7 / 357 ،

( 42 )

محسناً ولد في حياة النبيّ صلى الله عليه وآله سقطاً(1) ، وإنّ النبي صلى الله عليه وآله قال : إنّ بني المغيرة استأذنوني أن ينكحوا ابنتهم من عليّ فلا آذن ، ثمّ لا آذن الا أن يطلّق عليّ ابنتي وينكح ابنتهم(2) ، وأسندوا إليه صلى الله عليه وآله وسلم انّه قال : إنّ آل أبي طالب(3) ليسوا لي بأولياء ، إنّما وليّي الله وصالح المؤمنين(4) ، وقالوا : إنّ صدقة النبي كانت بيد العبّاس فغلب عليّ العباس عليها ، ومن ركب الباطل زلّت قدمه ، وكقول الجاحظ(5) : ليس إيمان علي إيماناً لأنّه آمن وهو صبيّ(6) ، ولا شجاعته بشجاعة لأن النبي صلى الله

 تفسر القرآن العظيم لابن كثير : 10 / 344 وما بعدها (أوائل سورة التوبة) أورد عدّة روايات بهذا المعنى .
(1) انظر : تاريخ الطبري : 5 / 153 ، الكامل في التاريخ : 3 / 397 وفيهما بلفظ : توفّي صغيراً ، تهذيب الكامل : 20 / 479 بلفظ : دَرَج سِقطاً ، البداية والنهاية : 7 / 331 بلفظ : فلمّا ولد الثالث ـ أي لعلي عليه السلام ـ جاء النبي صلى الله عليه وآله فقال : أروني ابني ما سمّيتموه ؟ فقلت : حرباً . فقال : بل هو محسن . وفي موضع آخر بلفظ : ومات وهو صغير .
(2) انظر : صحيح مسلم : 4 / 1902 ح 2449 ، صحيح الترمذي : 5 / 698 ح 3867 ، عارضة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي : 13 / 246 ، اُسد الغابة : 7 / 222 وفيها جميعاً : هشام بن المغيرة .
(3) في بعض المصادر : آل أبي فلان ، وفي بعضها : آل فلان ، وفي بعضها : آل أبي .
(4) مسند أحمد : 4 / 203 ، صحيح مسلم : 1 / 197 رقم 366 ، صحيح البخاري : 8 / 7 ، مسند أبي عوانة : 1 / 96 ، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي : 16 / 346 ، مشكاة المصابيح للتبريزي : 3 / 1376 ح 4914 ، جامع الأحاديث للسيوطي : 2 / 209 ح 4856 ، الدرّ المنثور : 3 / 183 ، كنز العمّال : 3 / 358 ح 6922 ، شرح نهج البلاغة : 4 / 64 .
(5) راجع كتابه «العثمانيّة» فقد نفث فيه ما يكون عليه وبالاً إن شاء الله .
(6) انظر في هذا المعنى البداية والنهاية : 7 / 222 فقد قال : وكان سبب إسلام علي صغيراً أنّه كان في كفالة رسول الله صلى الله عليه وآله لأنّه كان قد أصابهم سنة مجاعة ، فأخذه من أبيه ، فكان عنده ، فلمّا بعثه الله بالحقّ آمنت خديجة وأهل البيت ومن جملتهم علي ، وكان الايمان النافع المتعدي نفعه إلى الناس إيمان الصدّيق !!!

( 43 )

عليه وآله أخبره انّ ابن ملجم يقتله ، ونسبة جماعة انّ حروبه كانت خطأ(1) ، وانّه قتل المسلمين عمداً ، وقول واحد من علمائهم : إنّ الحسن قتل ابن ملجم ، وكان لعلي أولاد صغار ولم يتربّص به ، وقول القتيبي : أوّل خارج في الاسلام الحسين(2) .

فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله ، ولعمري انّ هذا الأمر عظيم ، وخطب في الاسلام جسيم ، بل هو كما قال الله : «إِنّ هذَا لَهُوَ الْبَلاَءُ الْمُبِينُ»(3) ، فصارت الغوغاء تزعق(4) على المحدّثين والذاكرين لأمير المؤمنين .

شعر :

إذا ما ذكرنا من عليّ فضيلة     رمينا بزنديق وبعض أبي بكر

(1) انظر الغدير : 3 / 188 وص 249 .
(2) وهكذا دواليك إلى ما شاء الله أن يدوّنوا ممّا ارتضته أنفسهم وأزاغهم الشيطان به ، ولقد تصدّت لهذه المتاهات أقلام منصفة سجّلت القول الحقّ تارة في مؤلّفات خاصّة ، وتارة في فصول أو أبواب ضمن تأليفاتهم ، وتارة بالاشارة إلى ما وضعه الوضّاعون تقرّباً لسلطان ، أو حبّاً في جاهٍ أو مالٍ .
وممّن تناول هذا الموضوع بالتأليف أو بالاشارة : ابن أبي الحديد المعتزلي في شرح نهج البلاغة : 3 / 17 ، وج 11 / 45 و46 ، والشهيد القاضي التستري في الصوارم المهرقة في جواب الصواعق المحرقة ، والمير حامد حسين النيشابوري اللكنهوي المتوفّى سنة 1306 هـ في كتابيه «شوارق النصوص في تكذيب فضائل اللصوص» و«عبقات الأنوار» ، والعلامة الأميني في موسوعة «الغدير» ، والأستاذ صائب عبد الحميد في منهج في الانتماء المذهبي : 191 وما بعدها ، والسيد علي الميلاني في مقالات نشرت في مجلة تراثنا «الاعداد 20 ـ 31» تحت عنوان : من الأحاديث الموضوعة .
(3) سورة الصافات : 106 .
(4) أصل الغوغاء الجراد حين يخف للطيران ، ثمّ استغير للسفلة من الناس والمتسرّعين إلى الشر ، ويجوز أن يكون من الغوغاء الصوت والجلبة لكثرة لغطهم وصياحهم .
والزعق : الصياح .

( 44 )

وقال آخر :

وإن قلت عيناً من عليّ تغامزوا     عليّ وقالوا قد سببتَ معاوية(1)

«أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتّخَذَ إِلهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلّهُ اللّهُ عَلَى‏ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى‏ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى‏ بَصَرِهِ غِشَاوَةً »(2) ، وبقيت علماء الشيعة في أمورهم متحيّرين ، وعلى أنفسهم خائفين ، وفي الزوايا متحجّرين ، بل حالهم كحال الأنبياء والمرسلين ، كما حكى سبحانه على الكافرين : «قَالُوا لَئِن لّمْ تَنتَهِ يَانُوحُ لَتَكُونَنّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ»(3) ، «لَئِن لَمْ تَنتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ»(4) ، «لَنُخْرِجَنّكَ يَاشُعَيْبُ وَالّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنّ فِي مِلّتِنَا»(5) فقلتُ : «اهْدِنَا الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ«6» صِرَاطَ الّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضّآلّينَ»(6) .

فحثثت ركابي عن ديارهم ، وأبعدت قراري من قرارهم ، واستحليت البعد عن مزنهم ، واستعذبت البروز(7) عن برزتهم ، وحططت رحلي ببلاد سيد الوصيّين ، وألقيت كلّي(8) على إمام المتّقين ، وجعلت مشهد قرّة عينه أبي عبد الله موطني ، وحضرته الشريفة في حياتي ومماتي مسكني ومدفني ، لا اريد منها

(1) مناقب ابن شهراشوب : 1 / 5 .
(2) سورة الجاثية : 23 .
(3) سورة الشعراء : 167 .
(4) سورة الشعراء : 116 .
(5) سورة الأعراف : 88 .
(6) سورة الفاتحة : 6 و7 .
(7) البروز : الخروج .
(8) الكَلّ : الذي هو عيال وثقل على صاحبه ، قال الله تعالى : «هُوَ كَلّ عَلَى‏ مَوْلاَهُ» أي عِيال . «لسان العرب : 11 / 594 ـ كلل ـ » .

( 45 )

بدلاً ، ولا أبغي عنها حولاً ، اُزيّن منابرها ببديع نظامي ، واُسرّ محاضرها بمعاني كلامي ، واُقلّد أجياد مدائحه بدرر لفظي ، واُزيّن خرائد محامده بملابس وعظي ، ملازماً على الدعاء آناء ليلي وأطراف نهاري ، وعقيب تهجّدي وتلاوتي في أسحاري ، بدوام دولة من أعلى كلمة الاسلام بعد رفضها ، ورفع درجة الايمان بعد خفضها ، وقطع عصب النفاق بقاطع غضبه ، وقمع أرباب الشقاق بسطوة حربه ، وأقرّ عين جدّه المصطفى ، وأبيه المرتضى ، وأسخن عيون اُولي الضلالة والشقاء ، وجعل الدين الحنيف يميس(1) في حلل المهابة والبهاء ، والحقّ يرفل في ميادين القوّة والعلاء .

فرع النبوة ، وشجرة الفتوّة ، الناطق بالصدق ، والداعي إلى الحقّ ، قامع كلّ ظالم ، لا تأخذه في الله لومة لائم ، عماد الدين ، وعميد المؤمنين ، علم الشريعة النبويّة ، ومؤيّد الشيعة الاماميّة .

شعر :

علويّ النجار(2) من آل موسى     أبحر العلم والجبال الرواسي

هاشـميّ لا من بني عبد شمس     فاطميّ لا من بـني العبّـاس

صاحب الأصل الراسخ ، والفرع الشامخ ، والمجد الأطول ، والشرف الأعبل ، قاتل الكفرة ، وخاذل الفجرة ، وطاهر الاُسرة ، وجمال العترة ، السيّد الأفخر ، والعنصر الأطهر ، والليث الغضنفر ، زينة ولد جدّه أمير المؤمنين حيدر ، وعمدة ذرّيّة السيد الشهيد السعيد شاه حيدر ، مولانا وسيّدنا السلطان الجليل شاه إسماعيل أبو المظفّر ، الذي أيّد الله الاسلام بعزيز نصره ، وقطع دابر البهتان

(1) العَيس : التبختُر .
(2) النجرُ والنجّار والنُجار : الأصل والحسب . «لسان العرب : 5 / 193 ـ نجر ـ » .

( 46 )

بغالب أمره ، وأظهر بدر الحقّ بعد خفائه ، وأنار نور الصدق بعد انطفائه ، وأنطق لساني بمدح سادتي وأئمّتي ، وأطلق جناني بسبّ حسدتي وأعداء ملّتي .

أقطع بحدّي غراسهم ، وأقلع بجدّي أساسهم ، معتقداً ذلك من أفضل أعمالي ، وأكمل أفعالي ، الذي أتّصل به إلى منازل السعادة الباقية ، والجنّة العالية ، جعل الله أركان دولته في صعيد السعادة الثابتة ، ودوحة سلطنته في ربوة السيادة نابتة ، وأعلام النصر منصوبة على هامة رفعته ، وكلل المجد مضروبة على عظمة سدته ، وآيات الايمان بدوام أيّامه متلوّة ، ورايات الاسلام بسديد آرائه مجلوّة ، وشمس شرفه في أفلاك التأييد سائرة ، وأنجم عظمته في منازل التأييد دائرة ، والعكوس إلى قضايا عدوّه موجّهة ، والنحوس بذكر مساوئ ضدّه منوّهة .

اللهم اجعل أعداءه في قبضة أسرة مأسورين ، وبصارم سطوته مقهورين ، وبعد الامرة مأمورين ، وبعد الرفعة مدحورين ، واجعل لهم بأنفسهم شغلاً شاغلاً ، ومن أعدائهم بلاءً نازلاً ، واشف صدورنا بغيظهم ، وأظللنا بظلّك من فيضهم ، فإنّهم قد ألحدوا في آياتك ، ولدّنوا(1) ببيّناتك ، وأهانوا أولياءك ، وأعزّوا أعداءك ، وراموا إطفاء أنوار الايمان ، وإخفاء اعلام القرآن ، وقتل ذرّيّة نبيّك سيد المرسلين ، وهضم عترة وليّك أفضل الوصيّين ، ونصبوا نصاب الشرك ، وأظهروا كلمة الكفر ، وقصدوا المؤمنين في أنفسهم وأموالهم ، وأجلبوا عليهم بخيلهم ورجالهم ، وغزوهم في ديارهم ، وراموا قلع آثارهم ، وقطع أدبارهم ، واستئصال شأفتهم ، واستحلال حرمتهم ، وأسر ذراريهم ونسائهم ، وقهر علمائهم وأعلامهم ، وشنّوا عليهم الغارات ، وأظهروا فيهم الترّات ،

(1) يقال : تلدّن عليه إذا تلكّأ عليه . «لسان العرب : 13 / 383 ـ لدن ـ » .

( 47 )

وشرّدوهم عن بلادهم ، وقطعوهم عن موادّهم ، وجعلوا الجزع شعارهم ، والهلع دثارهم ، وتركوهم عماله يتكفكفون ، وحاملين لا يعرفون ، عباديد(1) في الأقطار ، ومتفرّقين في الأمصار ، قد اُخرجوا من ديارهم بغير حقّ الا أن يقولوا ربّنا الله(2) ، واوذوا لاعتقادهم العصمة والصدق في أولياء الله لا ذنب لهم إلا حب أهل بيت نبيهم الأطهار ، وبغض أعدائهم الظلمة الفجّار ، الذين خالفوا نبيك ، وهضموا وليّك ، واستحلّوا حقّه ، وأكذبوا صدقه ، وجحدوا نصّ النبي عليه ، ووجّهوا وجهة ظلمهم إليه ، ومنعوا الزهراء نحلتها ، واستصفوا بلغتها ، وخالفوا والدها ، وكذّبوا شاهدها ، وقتلوا ذرّيّتها بعدها .

اللهم فطوّقهم أطواق لعنتك ، واقرعهم بقوارع نقمتك ، وصبّ عليهم سوط عذابك ، وصخّ(3) أسماعهم بصوت عقابك ، وارفع لنا عندك درجة ببغضهم ، وَهَيّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداًً(4) ـ بغضهم ـ لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ ، وَنَجّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ(5) .

اللهمه الحظ سلطاننا بعين عنايتك ، ونوّر نصره واحففه بملائكتك ، وافرغ عليه منك واقية باقية ، وثبّت له قدم صدق في معارج التوفيق راقية ، واجعل له من لدنك سلطاناً نصيراً ، واقسم له من مغانم ألطافك فضلاً كبيراً ، وردّ أعداءه بغيظهم لن ينالوا خيراً «رَبّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيِنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً»(6)

(1) عباديد وعباييد : أي متفرّقين . «لسان العرب : 3 / 276 ـ عبد ـ » .
(2) إشارة إلى الآية : 40 من صورة الحجّ .
(3) الصاخّة : صيحة تصخّ الأذن أي تطعنها فتصمّها لشدّتها ، ومنه سمّيت القيامة الصاخّة . «لسان العرب : 3 / 33 ـ صخخ ـ » .
(4) إشارة إلى الآية : 10 من سورة الكهف .
(5) إشارة إلى الآيتين : 85 و86 من سورة يونس .
(6) سورة الأحزاب : 68 .

( 48 )

فإنّه والى أولياءك ، وعادى أعداءك ، وقطع فيك الأقربين ، ووصل الأبعدين .

ولمّا استقرّت لي الدار في حضرة سيّد الشهداء ، وطاب لي القرار في مقام خامس أصحاب الكساء ، أردت أن أسم حبيبي بميسم العبوديّة لشريف حضرته ، وأرقم اسمي في دفاتر أرقّاء خدمته ، واُعطّر المَجالس بنشر مناقبه ، واُسرّ المُجالس بذكر مراثيه ، فجمعت هذا الكتاب مع قلّة بضاعتي ، وركود قريحتي ، فكنتُ بإهدائه إلى عزيز جنابه كناقل التمر إلى هجر(1) ، ومهدي الحصى إلى الدرر ، وقد روى لساني عن قلبي ، ورقم بناني عن لبّي :

فـارَقتُ قـوماً ديـنهُم      نَـصبٌ وإلـحاد وكُفرُ
بذوي  الفسوق بأرضهم      سـوق  ولـلفجّار فجر
لـقَضائهم في هتك دين      الـمصطفى نابٌ وظفرُ
إن قـلت عيناً من عليّ      أظهروا حِقداً وهرّوا(2)
شـبه الكلاب إذا عوت      فـالشر  مـنهم مستمرّ
عـلماؤهم  علماء سوء      طـبعهم غـدر ومـكر
ورجـالـهم بـقـر إذا      ذُكِر الوصيّ عتوا ومكر
ونـساؤهم  بـالغنج كم      مـن زاهد فتنوا وغرّوا
هــذا  وكـم مـنزلة      بـعد الـغنى منهنّ فقر
كـم  لـيلة من هجرهم      أمـسى فؤادي فيه جمر
فـهجرت  منصرفي إذ      لـي  لِسَمع الهجر وقر
وحثثت  رحلي نحو مَن      هـو  للنبيّ أخٌ وصهر

(1) أورد هذا المثل الميداني في مجمع الأمثال : 2 / 152 رقم 3080 بهذا اللفظ : كَمُستَبضع التمر إلى هَجَرَ .
(2) الهرّ : الاسم من قولك هررته هرّاً أي كرهته . «لسان العرب : 5 / 260 ـ هرر ـ » .

( 49 )

مولىً اُزيحُ بِقصده      عن ساحتي ضرّ وعَسِرُ

وتلوت : «الْحَمْدُ للّهِ‏ِ الّذِي نَجّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ«28» وَقُل رَبّ أَنزِلْنِي مُنزَلاً مّبَارَكاً وَأَنتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ»(1) .

ثمّ إنّي بعد أن منّ الله عليّ بمجاورة سبط نبيّه ، وأهّلني للاقامة في حضرة وليّه وابن وليّه ، أطلق لساني بمدح رسوله المصطفى ، ووليّه المرتضى ، وأهل بيتهما الأئمّة النجباء سادة أهل الدنيا والاخرى ، الذين جعل الله أجر الرسالة مودّتهم ، وألزم الكافّة طاعتهم ، فصرت اُحلّي بذكرهم المنابر ، واُزيّن بشكرهم المحاضر ، واُشنّف بمدحهم المسامع ، واُشرّف بوصفهم الجوامع ، واقمع هامات من ناواهم بمقامع نظمي ونثري ، وارغم معاطس(2) من عاداهم بأكفّ خطبي وشعري .

فقلّ أن يمضي يوم من الأيّام التي حباهم الله فيها بتفضيله ، ونوّه بذكرهم في محكم تنزيله ، الا وقد وضعتُ خطبة في فضل ذلك اليوم الشريف ، وأوردت كلمة في عمل ذلك الوقت المنيف ، كخطبة «مولد البشير النذير» ، وخطبة «يوم الغدير» وذيّلتها بأحاديث رائقة ، ونكت شائقة ، يطرب لها المؤمن التقي ، ويهجرها سمع المنافق الشقيّ ، وخطبة «يوم السادس من شهر ذي الحجّة» الذي كان فيه تزويج البتول من صنو الرسول ، ويوم نزول سورة «هل أتى» ، وما في فضلهم أتى ، والمجلس المشهور بـ «تحفة الزوّار ومنحة الأبرار» وهو مجلس ذكرت فيه ثواب زيارة سيد الشهداء وفضل كربلاء ، وكالتعزية الموسومة بـ «مجرية العبرة ومحزنة العترة» وهي خطبة يوم التاسع من المحرّم ، وكالمجلس

(1) سورة المؤمنون : 28 و29 .
(2) المَعطِس والمَعطَس : الأنف لأنّ العُطاس منه يخرج . «لسان العرب : 6 / 142 ـ عطس ـ » .

( 50 )

المشهور بـ «قاطع أسباب النفاق ، وقامع أرباب الشقاق» وهو مجلس قلته بإذن الله في اليوم السادس والعشرين من ذي الحجّة ، وخطبت به على صهوة(1) المنبر ، وأوردت فيه مآثم على عدوّ الله إبليس الأكبر ، وكالرسالة الموسومة بـ «السجع النفيس في محاورة الدلام وإبليس» .

وغير ذلك من رسالات وخطب وأشعار تحثّ على اقتناء الفضائل ، وتنهى عن اقتراف الرذائل ، وتوضح من أدلّة التوحيد ما فيه تلال الطالب ، وبلاغ الراغب ، بأدلّة قاطعة ، وحجج ساطعة ، والتحذير من الدار الفانية ، والترغيب في الحياة الباقية ، وكان ذلك يشتمل على مائتي ورقة وأكثر ، أبهى من عقود اللآلئ وأبهر ، قد فاز من البلاغة بالسهم المعلّى ، وحاز من الفصاحة السهم الأعلى ، تمجّ فقراته مسمع الحاسد البغيض ، وتسمر(2) حلاوة ترصّعاته فم المعاند المريض ، كما وصفت في راتق(3) نظمي من رام بصعر خدّه هظمي :

كــم شـامـخ بـأنفه تـكبراً      وبــاذخ  بـخـدّه تـصـعرا
ومـضمر  لـحسن لفظي حسداً      ووجـهه  يـظهر ما قد أضمرا
تـرجف  مـنه وحـشاه حـنقاً      يـكـاد  يـزلـقني بـما يـرا
يـنأى  وينهى عن مقامي جاهداً      يـريد  أن يـشنأني بين الورى
كــانّ  لـفظي أسـهم بـقلبه      حــدّ  يـبالي لـمعاينها بـرا
في مدح صنو المصطفى اسنادها      بـالصدق  مـا كان حديثاً مفترا
يـمـجّها  مـسمع ذي وقـاحة      أعـسى  النفاق سمعه والمبصرا
يـعرض  عنّي معرضاّ بعارضٍ      فـداً  لـه كـم فيه من لوم جرا

(1) صَهوَةُ كل شيء : أعلاه . «لسان العرب : 14 / 471 ـ صها ـ » .
(2) السمرُ : شَدّك شيئاً بالمسمار . «لسان العرب : 4 / 378 ـ سمر ـ » .
(3) الراتق : الملتئم .

( 51 )

كذا مريض القلب في لهاته     يرى الزلال العذب صابا ممقرا

لا زال في أحشائه وقـلبه     من سقط زند مقولي نار الـشرا

ثمّ إنّي بعد ذلك عثرت على كتاب لبعض فصحاء اللغة الفارسيّة(1) ، وفرسان البلاغة الأعجميّة ، أصحاب المجد القديم ، والدين القويم ، الذين قال الله سبحانه فيهم : «وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ»(2) تزيّن بتحقيقهم وتدقيقهم المجامع والمجالس ، وكيف لا يكون ذلك كذلك وقدقال سيد المرسلين : لو كان العلم معلّقاً بالثريّا لناله رجال من فارس(3) ؟

(1) مراده كتاب «روضة الشهداء» ، للمولى الواعظ الحسين بن علي الكاشفي البيهقي ، المتوفّى في حدود سنة 910 هـ ، مرتّب على عشرة أبواب وخاتمة ، وهو أوّل مقتل فارسي شاعت قراءته بين الفرس حتى عرف قاريه بـ «روضة خوان» ، «الذريعة : 11 / 294 رقم 1775» .
(2) سورة الجمعة : 3 .
(3) روي هذا الحديث بألفاظ مختلفة ، ففي بعضها : لو كان الدين ، وفي بعضها : لو كان الإيمان . وإليك جملة من مصادره :
مصنّف عبد الرزّاق : 11 / 66 ح 19923 ، مصنّف ابن أبي شيبة : 12 / 206 ح 12561 وص 207 ح 12562 ، مسند أحمد : 2 / 296 ـ 297 وص 308 ـ 209 وص 417 وص 420 وص 422 وص 469 ، صحيح البخاري : 6 / 188 ، صحيح مسلم : 4 : 1972 ب 59 ح 2546 ، سنن الترمذي : 5 / 384 ب 48 ح 3261 وص 413 ب 63 ح 3310 وص 725 ب 71 ح 3933 ، شعب الايمان : 4 / 342 ح 5330 ، مسند أبي يعلى : 3 / 23 ح 1433 وص 27 ح 1438 ، تفسير الطبري : 26 / 42 وج 28 / 62 ، المطالب العالية : 4 / 158 ح 4228 ، المعجم الكبير للطبراني : 10 / 251 ح 10470 ، حلية الأولياء : 6 / 64 ، دلائل النبوّة : 6 / 333 و 334 ، فردوس الأخبار : 4 / 367 ح 7060 ، تفسير البغوي : 4 / 187 وص 339 ، البداية والنهاية : 6 / 197 ، تفسير الكشّاف : 4 / 530 ، زاد المسير : 7 / 415 ، كنز العمّال : 12 / 92 ح 34134 ، جامع الأصول : 16 / 258 وج 18 / 93 ، مدارك التنزيل : 4 / 143 ، لباب التأويل : 4 / 143 وص 264 ، البحر المحيط : 8 / 86 ، تفسير ابن كثير : 4 / 196 ، وص 388 ، مجمع الزوائد : 10 / 64 وص 65 ، كشف الهيثمي : 3 / 316 ح 2835 ، تفسير أبي

( 52 )

ووجدته رضي الله عنه قد رتّبه على عشرة مجالس لقيام المآتم ، لمصاب الغرّ الميامين من بني هاشم ، شهداء كربلاء وأهل «قُل لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلّا الْمَوَدّةَ فِي الْقُرْبَى»(1) وجعلها خاصّة بالعشر الاول من شهر محرّم الحرام الذي فيه هتكت حرمة الاسلام ، وقتلت ذرّيّة سيد الأنام ، وجعل لكلّ يومٍ من أيّامه مجلساً لقواعد الحزن والتعزية مؤسّساً .

أثابه الله ثواب الصدّيقين ، وحشره في زمرة أوليائه الطاهرين .

فاستخرت الله سبحانه أن أنسخ على منواله في التصنيف والترتيب ، وأقتدي بأفعاله في التأليف والتهذيب ، واُزيّن مجالس أهل الإيمان بمناقب سادتهم ومواليهم ، واُهيّج أحزان قلوب أهل العرفان من شيعتهم ومواليهم ، واُحلّي أجياد اللسان العربي بدرر نظمي ونثري ، واُجدّد معاهد الأشجان بنواضح بدائع فكري ، ورتّبته كترتيبه ، وبوّبته كتبويبه ، لكن لم أقصد ترجمة كلامه ، ولا سلكت مسلكه في نثاره ونظامه ، وجعلته عشرة مجالس ، وسمّيته بـ «تسلية المُجالس وزينة المَجالس» ، ولم اورد فيه من الأحاديث الا ما صحّحه علماؤنا ، ورجّحه أعلامنا ، ودوّنوه في كتبهم ، ونقلوه عن أئمّتهم .

اللهم اجعلنا من السالكين بقدم الصدق إلى ما أوردوا ، والمؤيّدين من السنّة النبويّة لما أيّدوا ، إنّك على كل شيء قدير .

 السعود : 8 / 103 ، الجامع الصغير : 2 / 434 ح 7459 و7464 ، الدر المنثور : 6 / 76 وص 215 ، الفتوحات الإلهيّة : 4 / 155 ، روح المعاني : 26 / 75 وج 28 / 83 ، قرب الاسناد : 52 ، مجمع البيان : 5 / 108 وص 284 ، تفسير أبي الفتوح الرازي : 10 / 198 وج 11 / 143 ، منهج الصادقين : 8 / 357 وج 9 / 274 ، تفسير الصافي : 5 / 32 وص 173 ، نور الثقلين : 5 / 46 ح 39 وص 323 ح 22 .
(1) سورة الشورى : 23 .

( 53 )

المجلس الأوّل

في ذكر امور تتعلّق بظلامة أبي عبد الله الحسين عليه السلام وما في معناها ، وطرق في ذكر ثواب من أظهر الجزع لمصابه ومصاب أهل بيته ، وثواب من بكى لرزيّتهم ، وجلس لعزيّتهم

الحمد لله الذي زيّن قلوب أوليائه بملابس عنايته ، وحلّى نفوس أصفيائه بنفائس كرامته ، وشرى منهم أنفسهم وأموالهم بنعيم جنّته ، وأطلعهم على أسرار ملكوته ، فعزفت(1) أنفسهم عن الدنيا الدنيّة إلى جوار حضرته لما جذب أنفسهم بزمام عنايته إلى جنابه الأقدس ، وأجلسهم على بساط اُنسه في ظلّجواره المقدّس ، وناداهم في سرائرهم في ذلك المقام المشرّف ، وخاطبهم في ضمائرهم بخطابه الجليل الأشرف ، وسقاهم من شراب جنّته بالكأس الرويّة ، وأطلعهم على ما أعدّ للمجاهدين في سبيله من المقامات السنيّة والدرجات العليّة .

بذلوا أنفسهم فنالوا فضلها ، وكانوا أحقّ بها وأهلها ، وصلوا بقدوم صدقهم إلى تلك المعاهد والمعالم ، واستظلّوا بظلال تلك العواطف والمراحم ، يجاهدون

(1) العَزف ـ بفتح العين المهملة وسكون الزاي المعجمة ـ : الزهد . «ح» .

 ( 54 )

في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ، قرعت أسماعهم(1) رنّة آيات الذكر الحكيم «إِنّ اللّهَ اشْتَرَى‏ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنّ لَهُمُ الْجَنّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى‏ بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ»(2) فهاموا بلذيذ نعمتها طرباً ، وقضوا بامتثال أوامرها من السعادة الأبديّة إرباً ، لمّا رؤا انّ الجهاد في سبيل ربّهم من أفضل الطاعات ، وبذل الوسع في إعلاء كلمة خالقهم من أعظم القربات ، تلقّوا حدود الصفاح بوجوههم الشريفة ، وصبروا على ألم الجراح شوقاً إلى تلك المنازل المنيفة .

وكان أفضل من فاز بالمعلّى من سهامها ، وتلقّى بشريف طلعته مواقع نصالها وسهامها ، سبط سيّد المرسلين ، وقرّة عين إمام المتّقين ، صفوة المصطفين ، أبا عبد الله الحسين ، الذي هُدِم ركن الايمان بوفاته ، وقُصِم حبل الاسلام بفواته ، واهتزّ العرش لمصيبته ، وبكت الأفلاك لرزيّته ، وأمطرت السماء دماً وتراباً ، وحيّرت من اولي العرفان أفكاراً وألباباً .

يا لها من مصيبة لا ترقى عبرتها ، ولا تخبو(3) زفرتها ، ولا نتسى واقعتها ، ولا توشى جراحتها ، تضرم نيران الأحزان في قلوب خالصي الايمان ، وتشيّد قواعد الأشجان في نفوس أرباب أهل العرفان ، فهي التي كست السماء شفقاً من دماء شهدائها ، وأذكت في القلوب حرقاً بشدّة بلائها ، لم تَحدُث في الخلق مصيبة مثلها منذ قامت السماوات والأرض ، ولم يغضب الجليل غضبها إلى يوم الحساب والعرض ، زفرت جهنّم حين حدوثها زفرة

(1) أي ضربت بشدّة الاعتماد .
(2) سورة التوبة : 111 .
(3) أي ولا تسكن .

( 55 )

لولا أنّ الحقّ منعها إلى أجل مسمّى لأحرقت الأرض بزفرتها ، وشهقت شهقة لولا الأمر الذي كتب الله لعباده لأهلتك الخلق بفضيع شهقتها ، شردت على خزّانها فخوطبت : قرّي فلأجعلنّك لقتلته سجناً مؤبّداً ، ولأكتبنّ على أغلالهم وأصفادهم دواماً مخلّداً ، ولأجعلنّ فراعنة الأنبياء وأعداء الدين تستعيذ من عذابهم ، ولأُصيّرنّ الكفرة والفجرة من أهل سجّين يعجبوا من عقابهم ، يشرف عليهم إبليس فيلعنهم ، ويطلع عليهم عبدة الأوثان فتوبّخهم ، ولأجعلنّ وليّي وابن أوليائي ، وصفيّي ونجل أصفيائي ، صاحب هذه المصيبة العظمى ، والواقعة الكبرى ، المجاهد بنفسه وولده ، والموفي بعقده وعهده ، الذي لم يجاهد جهاده نبيّ من أنبيائي ، ولا صبر صبره مخلص من اُمنائي ، سيد الشهداء في الدنيا والآخرة ، ولاُقيمنّ حججي على عبادي من ذرّيّته الطاهرة .

فيا إخواني ، أفي غفلة أنتم من هذا الشهر الذي أظلّكم ؟ أم في رقدة من هذا العشر الذي نزل بكم ؟ أتعلمون أيّ رحم فيه للرسول قطعت ؟ وأيّ مصيبة على بني البتول وقعت ؟ وأيّ سادة منهم على الصعيد صرعت ؟ وأيّ قادة بكؤوس الحمام جرعت ؟ وأيّ كبد لسيّد الأنبياء فريت ؟ وأيّ مهجة منه بسهام الأعداء رميت ؟

فيا له من شهر لا يحسن الجزع الا في أيّامه ولياليه ، وياله من عشر لا يليق الهلع الا في أعجازه وبواديه ، سقيت فيه بنو الرسول كؤوس الحتوف بعد الظماء ، واُسلبت أرواحهم بغروب(1) السيوف والظباء ، وصارت أجسادهم على الرمضاء بلا وطاء ، منعوا فيه من شرب المباح ، وصدروا من دم الجراح،

(1) الغَربُ : الحدّة ، غَربُ السيف ، أي كانت تُدارَى حّدّتُه وتُتّقى . «لسان العرب : 1 / 641 ـ غرب ـ » .

( 56 )

فيا ليت نفيس كانت لأنفسهم فداء ، ووجهي لأوجههم وقاء ، فلو أنّ عين الرسول عاينت سبطه وقد تحوّطت عليه بقيّة الأحزاب ، وأحاطت به كتائب كفرة الكتاب ، وهو يذكّرهم بآياتالله ، ويحذّرهم من سخط الله ، ويورد عليهم الحجّة ، ويوضح بهم المحجّة ، ولا يزدادون من عظته الا نفوراً ، ولا من تذكِرَته الا غروراً ، وراموا منه خطّة لا تليق بمثله ، وطلبوا منه خصلة لا تحسن بفرعه وأصله .

فأبى أبو الاُسد الهاصرة(1) ، أو الليوث الحاسرة(2) ، وقدّم بينه وبين الله أفراطاً بين يديه ، فصدقوا ما عاهدوا الله عليه ، وبذلوا الوسع في طاعة ربّهم ووليّهم ، واستشعروا الصبر في نصرة ابن نبيّهم ، يرون القتل في العزّ حياة ، والحياة في العزّ القتل ، كشف الله عن بصائرهم ، وتجلّى لهم في سرائرهم ، فرأوا ما أعدّ لهم من السعادة الباقية «فِي جَنّةٍ عَالِيَةٍ«22» قُطُوفُهَا دَانِيَةٌـ وقيل لهم : ـ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفُتُمْ فِي الْأَيّامِ الْخَالِيَةِ»(3) فتلقّوا رماح الأعداء بصدور بنيت على الاخلاص قواعدها ، وبقلوب بنيت على الايمان عقائدها ، وقابلوا صفاح الأشقياء بوجوه طالما أحيت ليلها بسجودها وركوعها ، وارضت ربّها بتهجّدها وخشوعها ، محامية عن ابن إمامها ورسولها ، تابعة أمر هاديها ودليلها ، كلّ منهم قد أرضى بتصمّم عزيمة إلهه وربّه قائلاً : اليوم

(1) أسدٌ هَصورٌ وهصّارٌ وهَيصرٌ وهَيصارٌ ... : يَكسِرُ ويُميلُ . «لسان العرب : 5 / 264 ـ هصر ـ » .
(2) في الحديث : يخرج في آخر الزمان رجلٌ يسمّى أمير العُصَب ، وقال بعضهم : يسمّى أمير الغَضَب ، أصحابه مُحشّرون مُحقّرون مُقصَون عن أبواب السلطان ومجالس الملوك ، يأتونه من كل أوبٍ كأنّهم قَزَع الخريف ، يُورّثهم الله مشارق الأرض ومغاربها ، محسّرون محقّرون أي مؤذون محمولون على الحسرة أو مطرودون متعبون من حَسَرَ الدابّة إذا أتعبها . «لسان العرب : 4 / 190 ـ حسر ـ » .
(3) سورة الحاقّة : 22 ـ 24 .

( 57 )

نلقى الأحبّة ، محمد وحزبه ، حتى إذا فازوا من السعادة بالدرجة العليّة ، وحازوا أعظم سهم من السعادة الأبدية ، وأصبحت أجسادهم بسيوف الأعداء مبضّعة ، وأطرافهم بصفاح الأشقياء مقطّعة ، ورؤوسهم عن الأجساد منتزعة ، وعلى الرماح مرفعة ، قد سقوا من كؤوس الحتوف بالكأس المترعة ، وتلقّوا حدود السيوف بوجوه كانت إلى ربّها مسرعة ، وعمّا نهى عنه ورعة ، قد أشرق صعيد كربلاء بدمائهم ، وشرف طفّ نينوى باسلابهم ، وصار مختلف أرواحالأنبياء والمرسلين ، ومهبط ملائكة الله المقرّبين ، فهم التائبون العابدون الحامدون الراكعون الساجدون(1) يحسبهم الجاهل أمواتاً وهم أحياء عند ربّهم يرزقون(2) ويظنّهم رفاتاً وهم في الغرفات آمنون(3) «لاَ يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ هذَا يَوْمُكُمُ الّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ»(4) «فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِن خَلْفِهِمْ أَلاّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ»(5) .

ولمّا شاهد فوزهم بالشهادة العظمى ، ونيلهم السعادة الكبرى ، وصار وحيداً من أهله واُسرته ، فقيداً لإخوانه وصَحَبَتِه ، وقد أحدقت به الأعداء من كلّ جانب ، وضاقت به المسالك والمذاهب ، وفوّقت(6) الأعداء نحوه سهامها ومعابلها ، وجرّدت عليه مناصلها وعواملها ، وبنات المصطفى يلذن به صارخات ، ويتوسّلن

(1) إشارة إلى الآية : 112 من سورة التوبة .
(2) إشارة إلى الآية : 169 من سورة آل عمران .
(3) إشارة إلى الآية : 37 من سورة سبأ .
(4) سورة الأنبياء : 103 .
(5) سورة آل عمران : 170 .
(6) الفوق من السهم : موضع الوتر ... ومَشَقّ رأس السهم حيث يقع الوتر .
وفَوّقتُه تفويقا : عملت له فُوقاً . وفَوّقَ نبله تَفويقاً إذا فرضها وجعل لها أفواقاً . «لسان العرب : 10 / 319 و320 ـ فوق ـ » .

( 58 )

ضارعات ، وهو يدافع عنهنّ ، ويمانع دونهنّ ، ويتلقّى السيوف بشريف طلعته ، ويفرّق الصفوف بشدّة عزمته ، قد قتلت رجاله ، وذبحت أطفاله ، وانتهكت حرمة الرسول بانتهاك حرمته ، وعظمت مصيبة البتول لعظيم رزيّته .

فما ظنّكم بسيّد المرسلين لو رآه في تلك الحال عديم الأعوان ، فقيد الاخوان ، ممنوعاً من شرب المباح ، مخضوباً بدم الجراح ، قد أجمعت أئمّة السوء على قتله ، واجتمعت عصابة البغي لخذله ؟ هل كان يتلقّى عنه السيوف بيديه وساعديه ؟ أم يدفع عنه الحتوف بجنبيه وعينيه ؟

بل لو رآه أمير المؤمنين ، وسيد الوصيين ، وهو يستغيث ولا يغاث ، ويستسقى فلا يسقى ، قد أثخنه الجراح ، وأثقله السلاح ، وجعلته عصبة الضلال طعمة لمناصلها ، ومَورداً لعواملها ، وهو يحمل كَحَمَلات أبيه في احد وبدر ، ويتلقّى سيوف أهل البغي والغدر ، لا يزيده قلّة الأنصار الا بصيرة من أمره ، ولا يكسبه تظافر الأشرار الا إخلاصاً في علانيته وسرّه ، أهل كان يليق الصبر بجلال كماله ؟ أم يتلقّى عنه السيوف بأعضائه وأوصاله ؟

بل لو رأته سيّدة النساء وهو يتلظّى ظمأً ، ويتلهّف عطشاً ، وعاينت بناتها اُسارى على الأقتاب ، حيارى بغير نقابٍ ولا جلباب ، يطاف بهنّ في البلاد ، ويتشرّفهنّ الحاضر والباد ، وشاهدت تلك الوجوه التي طالما قبّلها الرسول المجتبى ، وأكرمها الوصي المرتضى ، أصحاب سورة هل أتى ، وأرباب «قُل لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلّا الْمَوَدّةَ فِي الْقُرْبَى»(1) ، يسار بها على رماح الأعداء مخضباً شيبها بالدماء ، أكانت تهنأ لها الحياة بعدها أم تتمنّى

(1) سورة الشورى : 23 .

( 59 )

الممات عندها ؟(1)

روي من طريق أهل البيت عليهم السلام عن النبي صلى الله عليه وىله قال : تقبل فاطمة يوم القيامة على ناقة من نوق الجنّة ، خطامها من لؤلؤ رطب ، وقوائمها من الزمرّد الأخضر ، وذنبها من المسك الأذفر(2) ، وعيناها ياقوتتان حمراوان ، عليها قبّة من النور ، يرى باطنها من ظاهرها ، وظاهرها من باطنها ، داخلها عفو الله ، وخارجها رحمة الله(3) ، وعلى رأسها تاج من نور ، للتاج سبعون [ركناً ، كلّ ركن مرصّع بالدر والياقوت يضيء كما يضيء الكوكب الدرّي في اُفق السماء ، وعن يمينها سبعون ألف ملك ، وعن شمالها سبعون](4) ألف ملك وجبرائيل آخذ بخطام الناقة ينادي بأعلى صوته : غضّوا أبصاركم حتى تجوز فاطمة ، فتسير حتى تحاذي عرش ربّها وتزّج بنفسها عن الناقة وتقول : إلهي وسيّدي احكم بيني وبين من ظلمني ، اللهم احكم بيني وبين من قتل ولدي ، فإذا النداء من قبل الله : يا حبيبتي وابنة حبيبي ، سلي تعطي ، واشفعي تشفّعي ، فوعزّتي وجلالي لا يفوتني في هذا اليوم ظلم ظالم .

(1) وردت في «ح» عدّة أبيات :
وآل رسـول الله تـسبى نساؤهم      ومن  حولهنّ الستر يهتك والخدر
سـبايا  بـأكوار المطايا حواسراً      يلاحظهنّ  العبدُ في الناس والحرّ
ورمـلة في ظلّ القصور مصانة      يـناط  على أقراطها التبر والدرّ
فـويل  يـزيد مـن عذاب جهنّم      إذا أقبلت في الحشر فاطمة الطهر
مـلابسها  ... مـن الـسمّ سود      وآخـر  قـان من دم السبط يخرّ
تـنادي  وأبصار الأنام شواخص      وفـي  كلّ قلب من مهابتها ذعر
(2) أي طيّب الريح .
(3) كنابة عن أنّها مشمولة بعفو الله ورحمته ، وتجيء إلى القيامة شفيعة للعباد معها رحمة الله وعفوه لهم .
(4) من أمالي الصدوق .

( 60 )

فتقول : إلهي ذرّيّتي وشيعتي وشيعة ذرّيّتي ومحبّي [ومحبّي](1) ذرّيّتي ، فإذا النداء من قبل الله : أين ذرّيّة فاطمة وشيعتها ومحبّوها ومحبّوا ذرّيّتها ؟ فيقومون وقد أحاطت بهم ملائكة الرحمة فتقدّمهم فاطمة كلّهم حتى تدخلهم الجنّة .(2)

وفي حديث آخر : قال صلى الله عليه وآله : تحشر فاطمة وتخلع عليها الحلل وهي آخذة بقميص الحسين ملطّخ بالدماء وقد تعلّقت بقائمة العرش تقول : يا ربّ احكم بيني وبين قاتل ولدي ، فيؤخذ لها بحقّها .(3)

(1) من أمالي الصدوق .
(2) أمالي الصدوق : 25 ح 4 ، عنه غاية المرام : 594 ح 45 ، والبحار : 43 / 219 ح 1 ، وعوالم العلوم : 11 / 564 ح 4 .
وأورده في مناقب ابن شهراشوب : 3 / 326 ، وروضة الواعظين : 148 ، والفضائل لشاذان : 11 .
وفي «ح» عدّة أبيات أخرى :
إذا  عـلى الـدنيا الـدنية ظـفرت      أيــدي بـغـاة طـغاتها بـهداتها
فـهـناك  يـنصفها الإلـه بـعدله      وتـسـوق  شـيعها إلـى جـنّاتها
يـومـاً بـه تـأتي بـتولة أحـمد      تـتمرّغ  الأمـلاك فـي خـطواتها
وخـديجة الـكبرى وحـوّا حـولها      مـع  مـريم يـبكيان مـن كرباتها
وبـكـفّها ثـوب الـشهيد مـضمّخ      ودمـوعها  تـجري عـلى وجناتها
تـبـدي  شـكايتها لـجبّار الـسما      ولـها  الـخلائق هـوّدت أصواتها
يـا مـصرخ المستصرخين وناصر      الـمـستضعفين مـنتهى دعـواتها
هــل  امـة فـعلت بـآل نـبيّهم      كـفـعال اُمـيـة مــع سـاداتها
غصبت نصيبي من أبي واستضعفت      بَـعلي  مـزيل الـكرب في شدّاتها
وغـدت  إلـى ولـدي تسنّ سيوفها      وسـقته  كـأس الموت في حملاتها
وسـبت  بـناتي جهرة ومضت بها      نـحـو الـشـام هـديّـة لـبغاتها
(3) عيون أخبار الرضا عليه السلام : 2 / 8 ح 21 وص 26 ح 6 ، مناقب ابن شهراشوب : 3 / 327 .
وروي في صحيفة الامام الرضا عليه السلام : 89 ح 21 ، وفيه تخريجات اُخرى ، فراجع .

( 61 )

وفي حديث آخر : انّها تقبل يوما لقيامة ومعها ألف نبيّ وألف صدّيق وألف شهيد ، ومن الكرّوبيّين ألف ألف يسعدونها على البكاء ، وانّها لتشهق شهقة فلا يبقى في السماء ملك الا بكى رحمة لها ، وما تسكن حتى يأتيها أبوها ، فيقول : يا بنيّة ، قد أبكيت أهل السماوات وشغلتيهم عن التسبيح ، فكفّي حتى يقدّسوا ، فإنّ الله بالغ أمره .(1)

سـوف تأتي الزهراء تلتمس الحك      مَ إذا حــان مـحـشر الـتعديل
وأبــوهـا وبـعـلها وبـنـوها      حـولها  والـخصام غـير قـليل
وتُـنـادي  يــا ربّ ذُبـح أولا      دي لـماذا وأنـت خـير مديل(2)
فـيـنادى  بـمـالكٍ ألـهب الـنا      رَ  وأجّـج وخُـذ بـأهل الـغلول
ويُـجازى كـل بـما كـان مـنه      من عقاب ال تخليد(3) والتنكيل(4)

فيا إخواني ، أظهروا في هذا الشهر شعار الأحزان ، وأفيضوا الدموع المقرحة للأجفان ، فإنّ البكاء في هذا الشهر لمصاب آل الرسول من أفضل الطاعات ، وإظهار الجزع لما نال عترة الوصيّ من أكمل القربات .

روى الشيخ الجليل الفقيه جعفر بن محمد [بن قولويه بإسناده إلى الامام

(1) كامل الزيارات : 87 ذح 16 ، عن البحار : 45 / 225 ذح 17 ، وعوالم العلوم : 17 / 11 ، ح 2 .
(2) كذا في ديوان الصاحب ، وفي الأصل : يا ربّ تذبح .... وأنت أنت مزيل .
(3) كذا في ديوان الصاحب ، وفي الأصل : عذاب التجليد .
(4) الأبيات للصاحب بن عبّاد ، المولود سنة «326 هـ» ، والمتوفّى سنة «385 هـ» ، انظر ديوانه ص 263 ، ومقتل الخوارزمي : 2 / 150 ، ومناقب ابن شهراشوب : 3 / 328 ، والبحار : 45 / 292 ، وعوالم العلوم : 17 / 589 .

( 62 )

أبي جعفر محمد](1) بن علي الباقر عليه السلام قال : كان أبي علي الحسين صلوات الله عليه يقول : أيّما مؤمن دمعت عيناه لقتل الحسين عليه السلام دمعة حتى تسيل على خدّه بوّأه الله بها في الجنة [غرفاً يسكنها](2) أحقاباً ، وأيّما مؤمن دمعت عيناه حتى تسيل على خدّه لأذى مسّنا من عدوّنا في الدنيا بوّأه [الله بها](3) في الجنة مبوّأ صدق ، وأيّما مؤمن مسّه أذىً فينا فدمعت عيناه حتى تسيل على خدّه من مضاضة ما اوذي فينا صرف الله عن وجهه الأذى وآمنه يوم القيامة من سخطه والنار(4) .(5)

ورى بإسناده متّصل إلى الامام أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال : كان يقول : إنّ الجزع والبكاء مكروه للعبد في كلّ ما جزع ما خلا البكاء على الحسين عليه السلام فإنّه فيه مأجور .(6)

وروى رضي الله عنه بإسناده متّصل بالامام أبي عبد الله عليه السلام قال : من ذكر عنده الحسين عليه السلام فخرج من عينه [من الدموع](7) مقدار جناح

(1) أثبتناه لما يتطلّبه السياق .
(2) من الكامل .
(3) من الكامل .
(4) كذا في الكامل ، وفي الأصل : سخط النار .
(5) تفسير القمّي : 2 / 291 ، كامل الزيارات : 100 ح 1 ، ثواب الأعمال : 108 ح 1 ، الملهوف : في مقدمة المؤلف ، عنها البحار : 44 / 281 ح 13 ، وعوالم العلوم : 17 / 526 ح 4 .
وأخرجه في مدينة المعاجز : 4 / 152 ح 217 ، وعوالم العلوم : 17 / 532 ح 1 عن القمّي .
(6) كامل الزيارات : 100 ح 2 ، عنه البحار : 44 / 291 ح 32 ، وعوالم العلوم : 17 / 533 ح 5 .
(7) من الكامل .

( 63 )

ذباب كان ثوابه على الله عز وجل ولم يرض له بدون الجنّة .(1)

وروى رضي الله عنه عن مسمع بن عبد الملك البصري قال : قال لي أبو عبد الله الصادق عليه السلام : يا مسمع ، أنت من أهل العراق ؟

قلت : نعم . قال : أما تأتي قبر الحسين عليه السلام ؟

قلت : يا مولاي ، أنا رجل مشهور عند أهل البصرة ، وعندنا من يتبع هوى هذا الخليفة وأعداؤنا كثير من القبائل(2) من النصّاب وغيرهم ، ولست آمنهم أن يرفعوا خبري عند ولد سليمان فيمثّلون بي . قال : أما تذكر ما صنع به ؟ قلت : بلى والله . قال : فتجزع ؟ قلت : نعم والله وأستعبر لذلك حتى يرى أهلي ذلك(3) ، فأمتنع من الطعام الشراب حتى يستبين ذلك في وجهي .

قال : رحم الله دمعتك ، أما إنّك من الذين يعدّون في أهل الجزع لنا ، والذين يفرحون لفرحنا ، ويحزنون لحزننا ، ويخافون لخوفنا ، ويأمنون إذا أمنّا ، أما إنّك سترى عند موتك حضور آبائي لك ووصيّتهم ملك الموت بك ، وما

(1) كامل الزيارات : 100 ح 3 ، عنه البحار : 44 / 291 ح 33 ، وعوالم العلوم : 17 / 533 ح 4 .
(2) في الكامل : من أهل القبائل .
(3) في الكامل : أثر ذلك .

( 64 )

يلقونك به من البشارة أفضل لك(1) ، ثم استعبر واستعبرت معه ، فقال : الحمد لله الذي فضّلنا على خلقه بالرحمة ، وخصّنا أهل البيت بالرحمة .

يا مسمع ، إنّ السماوات والأرض لتبكي منذ قتل أمير المؤمنين رحمة لنا ، ومن يبكي لنا من الملائكة أكثر منكم ، وما رقأت دموع الملائكة منذ قتلنا ، وما بكى أحد رحمة لنا ولما لقينا إلا رحمه الله قبل أن تخرج الدمعة من عينه ، فإذا سالت دمعته(2) على خدّه فلو أنّ قطرة من دموعه سقطت في جهنّم لأطفأت حرّها ، حتى لا يوجد لها حرارة ، وإن الموجع قلبه لنا ليفرح يوم يرانا عند موته فرحة لا تزال تلك الفرحة في قلبه حتى يرد علينا لاحوض ، وإنّ الكوثر ليفرح بمحبّينا إذا وردوا عليه(3) .

يا مسمع ، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبداً ، ولم يستق بعدها أبداً ، وهو في برد الكافور ، وريح المسك ، وطعم الزنجبيل ، أحلى من العسل ، وألين من الزبد ، وأصفى من الدمع ، وأذكى من العنبر ، يخرج من تسنيم ، ويمرّ في أنهار الجنان ، يجري على رضراض(4) الدر والياقوت ، فيه من القدحان أكثر من عدد نجوم السماء ، يوجد ريحه من مسيرة ألف عام ، قد حانه من الذهب والفضّة وألوان الجواهر ، وما عين(5) بكت لنا الا نعمت بالنظر إلى الكوثر وسقيت منه(6) ،

(1) زاد في الكامل : ولملك الموت أرقّ عليك وأشدّ رحمة لك من الامّ الشفيقة على ولدها ، قال .
(2) في الكامل : دموعه .
(3) في الكامل : وإنّ الكوثر ليفرح بمحبّنا إذا ورد عليه حتى انّه ليذيقه من ضروب الطعام ما لا يشتهي أن يصدر عنه .
(4) الرضراض : الحصى أو صغارها .
(5) في الكامل : وما من عين .
(6) زاد في الكامل : من أحبّنا ، وإنّ الشارب منه ليُعطى من اللذّة والطعم والشهوة له أكثر ممّا يعطاه من هو دونه في حبّنا .

( 65 )

وإنّ على الكوثر أمير المؤمنين عليه السلام وفي يده عصا من عوسج يحطّم بها أعداءنا ، فيقول الرجل منهم : إنّي أشهد الشهادتين ، فيقول له : انطلق إلى إمامك فلان فاسأله أن يشفع لك إذ كان عندك خير الخلق فإنّ خير الخلق لا تردّ شفاعته ، فيقول : يا مولاي ، اهلكت من العطش(1) ، فيقول : زادك الله ظمأً وزادك عطشاً .

قال مسمع : فقلت : يا مولاي ، كيف يقدر على الدنوّ من الحوض ولم يقدر على غيره ؟

قال : إنّه ورع عن أشياء قبيحة ، وكفّ ن شتمنا إذا ذكرنا ، وترك أشياء اجترى عليها غيره ، وليس ذلك لحبّنا ، ولا لهوىً منه لنا ، ولكن ذلك لشدّة اجتهاده في عبادته ، ولما(2) شغل به نفسه عن ذكر الناس ، فأمّا قلبه فمنافق ، ودينه النصب(3) ، وولاية الماضين ، وتقدّمه لهم على كلّ أحد .(4)

وعن عبد الله بن بكير ، قال : حججت مع أبي عبد الله عليه السلام ، فقلت له يوماً : يا ابن رسول الله ، لو نبش قبر الحسين عليه السلام هل كان يصاب في قبره شيء ؟

فقال : يا ابن بكير ، ما أعظم مسألتك(5) ؟ إن الحسين بن علي عليه السلام

(1) في الكامل : فاسلأله أن يشفع لك ، فيقول : تبرّأ منّي إمامي الذي تذكره ، فيقول : ارجع إلى ورائك فقل للّذي كنت تتولّاه وتقدّمه على الخلق فاسأله إذا كان خير الخلق عندك أن يشفع لك ، فإنّ خير الخلق من يشفع ، فيقول : إنّي أهلك عطشاً .
(2) في الكامل : ولما قد .
(3) في الكامل : ودينه النصب ، واتباعه أهل النصب .
(4) كامل الزيارات : 101 ح 6 ، عنه البحار : 44 / 289 ح 31 ، وعوالم العلوم : 17 / 529 ح 13 .
(5) في الكامل : مسائلك .

( 66 )

مع أبيه واُمّه وأخيه في منزل رسول الله صلى الله عليه وآله ومعه يرزقون ويحبرون ، وإنّه لعن يمين العرش متعلّق به يقول : يا ربّ ، انجز لي ما وعدتني ، وإنّه لينظر إلى زوّاره لهو أعرف بأسمائهم(1) وأسماء آبائهم وما في رحالهم من أحدهم بولده ، وإنّه لينظر إلى من يبكيه فيستغفر له، ويسأل أباه الاستغفار له ، ويقول : أيّها الباكي ، لو علمت ما أعدّ الله لك لفرحت أكثر ممّا حزنت ، وإنّه ليستغفر له من كلّ ذنب وخطيئة .(2)

وعن ابن أبي عمير بإسناد متّصل إلى أبي عبد الله ، قال : من ذكرنا عنده ففاض من عينيه مثل جناح الذباب غفر الله له ذنوبه ، ولو كانت مثل زبد البحر .(3)

وروىالشيخ الجليل علي بن الحسين بن بابويه القمّي رضي الله عنه بإسناد متّصل إلى الإمام أبي الحسن الرضا عليه السلام قال : إنّ أبي كان إذا أهلّ شهر المحرّم لا يرى ضاحكاً، وكانت الكآبة والحزن غالبين عليه ، فإذا كان يوم عاشوراء كان يوم جزعه ومصيبته ، ويقول : في مثل هذا اليوم قتل جدّي الحسين صلوات الله عليه .(4)

وروى ابن فضّال ، عن أبيه ، عن الرضا علي بن موسى عليه السلام قال :

(1) في الكامل : وإنّه أعرف بهم وبأسمائهم .
(2) كامل الزيارات : 103 ح 7 ، عنه البحار : 44 / 292 ح 35 و36 ، وعوالم العلوم : 17 / 533 ح 8 .
(3) المحاسن للبرقي : 1 / 63 ح 110 ، عنه البحار : 44 / 289 ح 30 ، وعوالم العلوم ، 17 / 527 ح 6 .
ورواه بهذا الاسناد ايضاً في كامل الزيارات : 103 ح 8 ، عنه البحار : 44 / 284 ح 20 ، وعوالم العلوم : 17 / 528 ح 10 .
(4) أمالي الصدوق : 111 ح 2 ، عنه البحار : 44 / 283 ح 17 ، وعوالم العلوم : 17 / 538 ح 1 .

( 67 )

من ترك السعي في حوائجه يوم عاشوراء قضى الله له حوائج الدنيا والآخرة ، ومن كان يوم عاشوراء يوم جزعه وبكائه جعل الله يومالقيامة يوم فرحه وسروره ، وقرّت بنا في الجنان عينه ، ومن سمّى يوم عاشوراء يوم بركة أو ادّخر لمنزله فيه شيئاً لم يبارك له فيه ، وحشره الله في زمرة يزيد وعبيد الله بن زياد وعمر بن سعد لعنهم الله في أسفل درك من النار .(1)

وروى الشيخ الفقيه جعفر بن محمد بن قولويه القمّي رضي الله عنه قال : بكى علي بن الحسين بن علي عليه السلام على أبيه صلوات الله عليه عشرين سنة أو أربعين سنة ، وما وضع بين يديه طعام الا بكى حتى قال له مولاه ، جعلت فداك ، يابن رسول الله ، إنّي أخاف عليك أن تكون من الهالكين(2) ، فقال : إنّما أشكو بثّي وحزني إلى الله وأعلم من الله مالا تعلمون ، إنّي لم أذكر مصرع بني(3) فاطمة الا خنقتني العبرة لذلك .(4)

وروى رضي الله عنه قال : أشرف مولى لعلي بن الحسين عليه السلام وهو في سقيفة له ساجد يبكي ، فقال له : يا مولاي ، أما آن لحزنك أن ينقضي ؟

فرفع رأسه إليه ، فقال : يا ويلك ثكلتك اُمّك ، والله لقد شكى يعقوب إلى ربّه

(1) أمالي الصدوق : 112 ح 4 ، علل الشرائع : 227 ح 2 ، عيون أخبار الرضا عليه السلام : 1 / 298 ح 57 ، عنها البحار : 101 / 102 ح 1 و2 .
وأخرجه في البحار : 44 / 284 ح 18 ، وعوالم العلوم : 17 / 539 ح 3 عن الأمالي .
(2) كذا في الكمال ، وفي الأصل : الجاهلين .
(3) كذا في الكمال ، وفي الأصل ابن .
(4) كامل الزيارات : 107 ح 1 ، عنه البحار : 46 / 109 ح 3 ، وعوالم العلوم : 38 / 157 ح 2 .
ورواه الصدوق في الخصال : 272 ح 15 ، والأمالي : 121 ح 5 ، عنهما البحار ، 46 / 109 ح 2 ، وعوالم العلوم : 18 / 156 ح 1 .

( 68 )

في أقلّ ممّا رأيت(1) حين قال : يا أسفي على يوسف ، إنّه فقد ابناً واحداً ، وأنا رأيت أبي وجماعة أهل بيتي يذبّحون حولي .

قا ل: وكان علي بن الحسين عليه السلام يميل إلى ولد عقيل ، فقيل له : لما تميل إلى ابن عمّك هؤلاء دون أولاد جعفر(2) ؟

قال : إنّي أذكر يومهم مع أبي عبد الله عليه السلام فأرقّ لهم .(3)

وروى أيضاً رضي الله عنه عن أبي عبد الله عليه السلام قال : قال الحسين عليه السلام : أنا قتيل العبرة(4) ، قتلت مكروباً ، وحقيق عليّ أن لا يأتيني مكروب الا ردّه الله وقلبه إلى أهله مسروراً .(5)

فيا أصحاب القلوب السليمة ، والعقول المستقيمة ، لا يظنّ ظانّ منكم بجهله ، أو يلبس الشيطان على عقله ، أنّ ما حلّ بالسبط الشهيد من البلاء العتيد لهوانه على ربّه ، أو لنقص في زلفته وقربه ، ولكن الحقّ سبحانه يبتلي عباده الصالحين بالتكاليف الشاقّة في أنفسهم وأجسادهم ، ويختبر أولياءه المخلصين بالمحن المتتابعة في أموالهم وأولادهم ، ويحثّهم على جهاد أعدائه بأقوالهم وأفعالهم ، ويوفّقهم لامتثال أوامره ونواهيه في جميع أحوالهم ، قال سبحانه : «وَلَوْ يَشَاءُ اللّهُ لاَنتَصَرَ مِنْهُمْ وَلكِن لِيَبْلُوَا بَعْضَكُم بِبَعْضٍ وَالّذِينَ قُتِلُوا فِي

(1) كذا في الكمال ، وفي الأصل : ترى .
(2) في الكمال : دون آل جعفر .
(3) كامل الزيارات : 107 ح 2 ، عنه البحار : 46 / 110 ح 4 ، وعوالم العلوم : 18 / 158 ح 4 .
(4) قال المجلسي رحمه الله : أي قتيل منسوب إلى العبرة والبكاء ، وسبب لها ، أو اُقتل مع العبرة والحزن وشدّة الحال ، والأوّل أظهر .
(5) كامل الزيارات : 109 ح 7 ، عنه البحار : 44 / 279 ح 6 ، وعوالم العلوم : 17 / 536 ح 3 .

( 69 )

سَبِيلِ اللّهِ فَلَن يُضِلّ أَعْمَالَهُمْ»(1)، وقال سبحانه : «أَنّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُم مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى‏ بَعْضُكُم مِن بَعْضٍ فَالّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفّرَنّ عَنْهُم سَيّآتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنّهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَاباً مِنْ عِندِ اللّهِ وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثّوَابِ»(2) ، وقال سبحانه : «أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنّةَ وَلَمّا يَعْلَمِ اللّهُ الّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ»(3) «وَلَمْ يَتّخِذُوا مِن دُونِ اللّهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً»(4) .

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله : البلاء(5) موكل بالأنبياء ، ثمّ بالأولياء ، ثمّ بالأمثل فالأمثل(6) .(7)

(1) سورة محمد صلى الله عليه وآله : 4 .
(2) سورة آل عمران : 195 .
(3) سورة آل عمران : 142 .
(4) سورة التوبة : 16 .
(5) قال المجلسي رضي الله عنه في البحار : 67 / 200 : البلاء : ما يختبر ويمتحن به من خير أو شرّ ، وأكثر ما يأتي مطلقاً الشرّ ، وما اُريد به الخير يأتي مقيّداًكما قال تعالى : «بَلاَءً حَسَناً ً» ـ سورة الأنفال : 17 ـ ، وأصله : المحنة .
والله تعالى يبتلي عبده بالصنع الجميل ليمتحن شكره ، وبما يكره ليمتحن صبره ، يقال : بلاه الله بخير أو شرّ يبلوه بلواً .... بمعنى امتحنه ، والاسم : البلاء مثل سلام .
(6) قال ابن الأثير في النهاية : 4 / 296 : الأمثل فالأمثل : أي الأشرف فالأشرف ، والأعلى فالأعلى في الرتبة والمنزلة ، ثمّ يقال : هذا أمثل من هذا أي أفضل وأدنى إلى الخير ، وأماثل الناس : خيارهم .
(7) روي هذا الحديث بألفاظ متفاوته ، انظر :
مسند أحمد بن حنبل : 6 / 369 ، مستدرك الحاكم : 4 / 404 ، كنز العمّال : 3 / 326 ح 6778 و6780 ـ 6784 .
وروي عن الامام علي بن أبي طالب والامام الباقر والامام الصادق عليهم السلام ، انظر : الكافي : 2 / 252 ح 1 و4 وص 259 ح 29 .
ويأتي في ص 83 هامش 9 .

( 70 )

وقال أمير المؤمنين عليه السلام : ولو أراد الله سبحانه بأنبيائه حيثُ بعثهم أن يفتح لهم كنز الذهبان ، ومعادن العِقيان(1) ، ومَغارس الجنان ، وأن يحشرَ معهم طير السماء ووحوش الأرضين لفعل ، ولو فعل ذلك لسقط البلاء(2) ، وبطل الجَزاء ، واضمحلّ(3) الانباء ، ولَما وجب للقابلين اُجور المبتَلين ، ولا استحقّ المؤمنون(4) ثواب المحسنين ، ولا لزِمت الأسماء معانيها ، ولكنّ الله سبحانه جعل رسله اولي قوّةٍ في عزائمهم ، وضَعَفةً فيما ترىالأعين من حالاتهم ، مع قَناعةٍ تملأ القلوب والعيون غنىً ،وخصاصة(5) تملأ الأبصار والأسماع أذىً .

ولو كانت الأنبياء أهل قوة لا تُرام ، وعزّة لا تضام ، ومُلكٍ تُمدّ نحوه أعناق الرجال [وتشدّ إليه عُقَد الرحال](6) ، لكان ذلك أهون على الخلق في الاعتبار ، وأبعد لهم عن الاستكبار ، ولآمنوا عن رهبةٍ قاهرةٍ لهم ، أو رغبة مائلةٍ بهم ، فكانت النيّات مشتركةً ، والحسنات مقتسَسمة ، ولكنّ الله سبحانه أراد أن يكون الاتّباع لرسله ، والتصديق بكتبه ، والخشوع لوجهه ، والاستكانة لأمره ، والاستسلام لطاعته ، اموراً له خاصّةً ، لاتَشوبها من غيرها شائبة ، فكلّما كانت البلوى والاختبار أعظم كانت المثوبة والجزاءُ أجزل .(7)

روى حنّان بن سدير ، عن ابي عبد الله عليه السلام [قال : آمن مع نوح من

(1) الذهبان : جمع ذهب . والعِقبان : نوع من الذهب ينمو في معدنه .
(2) أي الامتحان الذي به يتميّز الخبيث من الطيّب .
(3) في النهج : اضمحلّت . والمراد : سقط الوعد والوعيد .
(4) كذا في النهج ، وفي الأصل : الموصوف ، وهو تصحيف .
(5) خصاصة : فقر وحاجة .
(6) من النهج .
(7) نهج البلاغة : 291 خطبة رقم 192 «الخطبة القاصعة» ، عنه البحار : 6 / 114 ح 11 (قطعة) ، وج 13 / 141 ح 61 (قطعة) ، وج 14 / 469 .
ويأتي في ص 65 أيضاً .

( 71 )

من قومه ثمانية نفر .

وفي حديث وهب بن منبّه](1) أن نوحاً عليه السلام دعا قومه إلى الله حتى انقرضت ثلاثة قرون منهم ، كلّ قرن ثلاثمائة سنة يدعوهم سرّاً وجهراً فلا يزدادون الا طغياناً ، ولا يأتي منهم قرن الا كان أعتى على الله من الذين من قبلهم ، وكان الرجل منهم يأتي بابنه وهو صغير فيقيمه على رأس نوح فيقول : يا بنيّ ، إن بقيت بعدي فلا تطيعنّ هذا المجنون .

وكانوا يثورون إلى نوح فيضربونه حتى يسيل مسامعه دماً ، وحتى لا يعقل شيئاً ممّا يصنع به فيحمل ويرمى [به](2) في بيت أو على باب داره مغشيّاً عليه ، فأوحى الله تعالى إليه : «أَنّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلّا مَن قَدْ آمَنَ»(3) ، فعندها أقبل بالدعاء عليهم ولم يكن دعا عليهم قبل ذلك فقال : «رّبّ لاَ تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيّاراً»(4) إلى آخر السورة .

فأعقم الله تعالى أصلاب الرجال وأرحام النساء فلبثوا أربعين سنة لا يولد لهم [ولد](5) ، وقحطوا في تلك الأربعين سنة حتى هلكت أموالهم وأصابهم الجهد والبلاء ، فقال لهم نوح : «اسْتَغْفِرُوا رَبّكُمْ إِنّهُ كَانَ غَفّاراً»(6) فأعذر إليهم وأنذر فلم يزدادوا الا كفراً ، فلمّا يئس منهم أقصر عن كلامهم ودعا عليهم حتى أغرقهم الله سبحانه .(7)

(1 و2 و5) من المجمع .
(3) سورة هود : 36 .
(4) سورة نوح : 26 .
(5) سورة نوح : 10 .
(6) سورة نوح : 10 .
(7) مجمع البيان : 2 / 434 ـ 435 ، عنه البحار : 11 / 299 .
وانظر : قصص الأنبياء : 84 ح 75 و76 ، عنه البحار : 11 / 287 ح 9 .

( 72 )

وهذا إبراهيم عليه السلام خليل الله وصفيّه لمّا كسر الأصنام وجعلها أجذاذاً ، وقطعها بشدّة عزمه أفلاذاً(1) قال بعضهم لبعض : «حِرّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ»(2) أي ناصريها ، والمعنى : أنّكم لا تنصرونها الا بتحريقه بالنار ؛ قيل : وكان الذي أشار بتحريق إبراهيم بالنار رجل من أكراد فارس ، فخسف الله به الأرض فهو يتجلجل(3) فيها إلى يوم القيامة ؛ وقيل : إنّما قاله نمرود .(4)

قال السدّي : فجمعوا له الحطب حتى انّ الرجل منهم ليمرض فيوصي بكذا وكذا من ماله فيُشترى به حطب ، وحتى انّ المرأة لتغزل فتشتري به حطباً حتى جمعوا من ذلك ما أرادوا ، فلمّا أرادوا أن يلقوه في النار لم يدروا كيف يلقونه ، لأنّهم كانوا قد صنعوا للنار حائطاً طوله ثلاثون ذراعاً ، وعرضه عشرة ، وملؤوه حطباً ، وأجّجوا فيه النار ، ولم يقدروا من الدنوّ من النار لشدّة حرّها ، فجاء إبليس فصنع لهم المنجنيق(5) ، وهي أوّل منجنيق صنعت فوضعوه فيها ، ثمّ رموه ، قال الله سبحانه : «قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاَماً عَلَى‏ إِبْرَاهِيمَ»(6) .

قال أبو العالية : لو لم يقل سبحانه : «وَسَلاَماً» لكانت تؤذيه من شدّة

(1) أجذاذاً : أي قِطَعاً ، وكِسَراً . «النهاية : 1 / 250 ـ جذذ ـ » .
والأفلاذ : جمع فِلَذٍ ، والفِلَذُ : جمع فِلذَة ، وهي القطعة المقطوعة طولاً : «النهاية 3 / 470 ـ فلذ ـ » .
(2) سورة الأنبياء : 68 .
(3) كذا في المجمع ، وفي الأصل والبحار : يتخلخل .
وتَجَلجَلَ في الأرض : أي ساخ فيها ودخل . «لسان العرب : 11 / 121 ـ جلل ـ » .
(4) زاد في المجمع : وفي الكلام حذف .
(5) في المجمع : فجاء إبليس فدلّهم على المنجنيق .
(6) سورة الأنبياء : 69 .

( 73 )

بردها ، ولكان بردها أشدّ عليه من حرّها فصارت سلاماً(1) عليه ، ولو لم يقل «عَلَى‏ إِبْرَاهِيمَ» لكان بردها باقياً إلى الأبد .

قال الصادق عليه السلام : لمّا اُجلس إبراهيم في المنجنيق وأرادوا أن يرموا به في النار أتاه جبرئيل عليه السلام وقال : السلام عليك يا إبراهيم [ورحمة الله وبركاته](2) ، ألك حاجة ؟

فقال : أمّا إليك فلا ، فلمّا طرحوه دعا الله سبحانه فقال : يا الله ، يا واحد ، يا أحد ، يا صمد ، يا من لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له كفواً أحد ، فحسرت النار عنه ، فرأوه وانّه لمحتبٍ ومعه جبرئيل عليه السلام وهما يتحدّثان في روضة خضراء .

وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنّ نمرود الجبّار لمّا ألقى إبراهيم عليه السلام في النار نزل إليه جبرئيل عليه السلام بقميص من الجنّة وطنفسة(3) من الجنّة فألبسه القميص وأقعده على الطنفسة وقعد معه يحدّثه .. تمام الخبر .

قال كعب : لم تحرق منه النار غير وثاقه ، قال الله سبحانه : «وَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ» .(4)

قال ابن عبّاس : هو ان الله سبحانه سلّط على نمرود وخيله البعوض حتى أخذت لحومهم ، وشربت دماءهم ، ووقعت واحدة في دماغه فأهلكته .(5)

(1) كذا في المجمع ، وفي الأصل : سلامة .
(2) من المجمع .
(3) كذا في المجمع ، وفي الأصل : وطبقة ، وكذا في الموضع الآخر .
والطنفِسَة والطنفُسَة : النُمرُقة فوق الرحل ؛ وقيل : هي البساط الذي له خَملٌ رقيق . «لسان العرب : 6 / 127 ـ طنفس ـ » .
(4) سورة الأنبياء : 70 .
(5) مجمع البيان : 4 / 54 ـ 55 ، عنه البحار : 12 / 23 ـ 25 .

( 74 )

ثمّ انّ الله سبحانه ابتلاه كما ذكر في محكم كتابه بالكلمات التي أتمّها ، والمحن التي احتملها ، ووفّى بها حتى أثنى الله سبحانه عليه في كتابه بقوله : «وَإِبْرَاهِيمَ الّذِي وَفّى»(1) والابتلاء هو الاختبار ، وسمّي ذلك اختباراً لأنّ ما يستعمله الانسان ينافي مثل ذلك(2) يجري على جهة الاختبار والامتحان فأجرى سبحانه على أمره اسم اُمور العباد على طريق الاتّساع ، وحقيقة الابتلاء تشديد التكليف .

ووجه آخر هو انّ الابتلاء على ضربين ؛ أحدهما يستحيل عليه سبحانه ، والآخر جائز ، فالمستحيل هو أن يختبره ليعلم ما تكشف الأيّام عنه وهذا لا يصحّ عليه سبحانه ، لأنّه علّام الغيوب ، والآخر أن يبتليه حتى يصبر على ما يبتليه فيكون ما يعطيه على سبيل الاستحقاق ، ولينظر إليه الناظر فيقتدي به فيعلم من حكمة الله سبحانه انّه لم يكل(3) أسباب الامامة الا إلى الكافي المستقلّ بها الذي كشفت الأيّام عنه ، وممّا ابتلاه في نفسه ما ذكرناه أوّلاً وفي أهله حين خلص الله حرمته من عبادة القبطي ، ثم في ولده حين اُمر بذبح ولده في قوله : «إِنّي أَرَى‏ فِي الْمَنَامِ أَنّي أَذْبَحُكَ»(4) .(5)

روى محمد بن إسحاق بن يسار(6) أنّ إبراهيم عليه السلام كان إذا أراد إسماعيل وهاجر حمل على البراق ، فيغدو من الشام ويقيل بمكّة ، ويروح من

(1) سورة النجم : 37 .
(2) فيا لمجمع : لأنّ ما يستعمل الأمر منّا في مثل ذلك .
(3) كذا في الخصال ، وفي الاصل : يكمل ، وفي المجمع : تكن .
(4) سورة الصافّات : 102 .
(5) الخصال : 305 ـ 306 ح 8 ، عنه البحار : 17 / 66 ـ 67 .وانظر مجمع البيان : 1 / 200 ـ 201 .
(6) كذا في المجمع ، وفي الأصل : محمد بن إبراهيم بن بشّار .

( 75 )

مكّة فيبيت في الشام عند أهله ، حتى إذا بلغ إسماعيل السعي اُري في المنام أن يذبحه ، فقال : يا بنيّ ، خذ المدية والحبل وانطلق بنا إلى الشعب لنحتطب ، فلمّا خلا إبراهيم بابنه في شعب ثبير أخبره بما قد ذكره الله عنه ، فقال : يا أبت اشدد رباطي حتى لا أضطرب ، واكفف عنّي ثيابك حتى لا تنتضح بدمي فتراه والدتي ، واشحذ شفرتك ، وأسرع مرّ السكّين على عنقي ليكون أهون عليّ فإنّ الموت شديد .

فقال إبراهيم : نعم العون أنت يا بنيّ على أمر الله . قال : فأقبل شيخ على إبراهيم ، فقال : يا إبراهيم ، ما تريد من هذا الغلام ؟ قال : اُريد أن أذبحه . فقال : سبحان الله ! تريد أن تذبح غلاماً لم يعص الله طرفة عين قطّ . قال إبراهيم : إن الله أمرني بذلك .

قال : ربّك ينهاك عن ذلك ، وإنّما أمرك بهذا الشيطان .

فقال إبراهيم : لا والله ، ثمّ قال الغلام : يا أبت ، حمّر وجهي ، واشدد وثاقي .

فقال إبراهيم : الوثاق مع الذبح والله لا أجمعهما عليك اليوم ، ثم تلّه لجبينه وأخذ المدية بيمينه ، هذا والملائكة تنتحب والأرض تنحب ، ثمّ رفع رأسه إلى السماء وانحنى عليه بالمدية ، وقلب جبرئيل المدية على قفاها واجتر إليه الفدية من ثبير ، واجتر الغلام من تحته ، ووضع الكبش مكان الغلام ، ونودي من ميسرة مسجد الخيف : «وَنَادَيْنَاهُ أَن يَاإِبْرَاهِيمُ«104» قَدْ صَدّقْتَ الرّؤْيَا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ«105» إِنّ هذَا لَهُوَ الْبَلاَءُ الْمُبِينُ»(1) .

(1) سورة الصافات : 104 ـ 106 .

( 76 )

قال : ولحق إبلي باُمّ الغلام حين زارت البيت ، فقال لها : ما شيخ رأيته بمنى ؟

قالت : ذاك بعلي . قال : فوصيف رأيته ؟ قالت : ذاك ابني . قال : فإنّي رأيته وقد أضجعه ، وأخذ المدية ليذبحه . قالت : كذبت ! إبراهيم أرحم الناس ، فكيف يذبح ابنه ؟ قال : فو ربّ السماء والأرض ، وربّ هذه الكعبة ، قد رأيته كذلك . قالت : ولم ؟

قال : زعم أنّ ربّه أمره بذلك .

قالت : حقّ له أن يطيع ربّه ، فوقع في نفسها أنّه قد اُمر في ابنها بأمرٍ ، فلمّا قضت منسكها(1) أسرعت في الوادي راجعة إلى منى ، واضعة يدها(2) على رأسها ، فلمّا جاءت [سارة](3) واُخبرت الخبر ، قامت إلى ابنها تنظر مكان السكّين من نحره فوجدته خدشاً في حلقه ، ففزعت واشتكت ، وكان بدؤ مرضها الذي هلكت فيه .(4)

وهذا يعقوب إسرائيل الله ابتلاه الله بفراق يوسف ، فبكى عليه حتى

(1) في المجمع : نسكها .
(2) في المجمع : يديها .
(3) من المجمع .
(4) مجمع البيان : 4 / 454 ـ 455 ، عنه البحار : 12 / 135 .
وانظر قصص الأنبياء : «المسمّى عرائس المجالس» للثعلبي : 93 ـ 94 .

( 77 )

ابيضّت عيناه من الحزن فهو كظيم(1) .

روى أبو حمزة الثمالي ، عن علي بن الحسين عليه السلام أنّ يعقوب كان يذبح كلّ يوم كبشاً يتصدّق منه ويأكل هو وعياله ، وأنّ سائلاً مؤمناً صوّاماً قوّاماً اعترى باب يعقوب عشيّة جمعة عند أوان إفطاره ، وكان مجتازاً غريباً فهتف على بابه فاستطعم هو وهم يسمعونه فلم يصدّقوا قوله ، فلمّا يئس أن يطعموه وغشيه الليل استعبر وشكا جوعه إلى الله سبحانه ، ورات طاوياً ، واصبح صائماً صابراً حامداً لله تعالى ، وبات يعقوب وآل يعقبو بطاناً ، وأصبحوا وعندهم فضلة من طعامهم ، فابتلاه الله سبحانه في يوسف عليه السلام ، وأوحى إليه أن استعدّ لبلائي ، وارض بقضائي ، واصبر للمصائب ، فرأى يوسف الرؤيا في تلك الليلة .

وروي أنّ يعقوب عليه السلام كان شديد الحبّ ليوسف ، وكان يوسف من أحسن الناس وجهاً .

وروي عن النبيّ صلى الله عليه وآله ، قال : اُعطي يوسف شطر الحسن ، والنصف الآخر لسائر الناس .

وقال كعب الأحبار : كان يوسف حسن الوجه ، جعد الشعر ، ضخم العين ، مستوي الخلقة ، أبيض اللون ، وكان إذا تبسّم رأيت النور في ضواحكه ، وإذا تكلّم رأيت شعاع النور يلتهب عن ثناياه ، ولا يستطيع أحد وصفه ، وكان حسنه كضوء النهار عن(2) الليل ، وكان يشبه آدم عليه السلام يوم خلقه الله عز وجل

(1) إشارة للآية : 84 من سورة يوسف .
(2) في المجمع : عند .

( 78 )

وصوّره ونفخ فيه من روحه .(1)

فحسده إخوته ودبّروا في أمره ، وذلك انّ يعقوب كان شديد الحبّ ليوسف ، وكان يؤثره على سائر أولاده فحسدوه ، ثم رأى الرؤيا فصار حسدهم له أشدّ .

وقيل : إنّ يعقوب عليه السلام كان يرحمه وأخاه لصغرهما فاستثقلوا ذلك ، ودبّروا في هلاكه كما حكى سبحانه عنهم في قوله : «اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ»(2) أي اطرحوه في أرض بعيدة عن أبيه فلا يهتدي إليه .(3)

ولمّا أقبلوا إلى أبيهم وسألوه أن يرسل يوسف معهم وأظهروا النصيحة والمحبّة والشفقة على يوسف ، ولمّا همّ يعقوب أن يبعثه معهم وحثّهم على حفظه ، وقال : «إِنّي لَيَحْزُنُنِي أَن تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ»(4) وكانت أرضهم مذأبة ، وكانت الذئاب ضارية في ذلك الوقت .

وقيل : إنّ يعقوب رأى في منامه كان يوسف قد شدّ عليه عشرة أذؤب ليقتلوه ، وإذا ذئب منها يحمي عنه ، فكأنّ الأرض انشقّت فدخل فيها يوسف فلم يخرج الا بعد ثلاثة أيّام ، فمن ثمّ قال ذلك فلقّنهم العلّة وكانوا لا يدركون .

وروي عن النبي صلى الله عليه وآله قال : لا تلقّنوا الكذب فيكذبوا ، فإن بني يعقوب لم يعلموا أنّ الذئب يأكل الانسان حتى لقّنهم أبوهم .

(1) مجمع البيان : 3 / 212 و220 .
(2) سورة يوسف : 9 .
(3) مجمع البيان : 3 / 212 .
(4) سورة يوسف : 13 .

( 79 )

وهذا يدلّ على أنّالخصم لا ينبغي أن يلقن حجّة .

ولمّا ذهبوا به أخرجوه عن يعقبو مكرّماً ، فلمّا وصلوا إلى الصحراء أظهروا له العداوة وجعلو يضربونه وهو يستغيث بواحد واحد منهم فلا يغيثه ، وكان يقول : يا أبتاه ، فهمّوا بقتله ، فمنعهم يهوذا ـ وقيل : لاوي ـ فذهبوا به إلى الجبّ ، فجعلوا يدلونه فيه وهو يتعلّق بشفيره ، ثمّ نزعوا عنه قميصه وهو يقول : لا تفعلوا ، ردّوا عليّ القميص أتوارى به .

فيقولون : ادع الشمس والقمر والأحد عشر كوكباً يؤنسنك(1) ، فدلّوه في البئر حتى إذا بلغ نصفها فألقوه إرادة أن يموت وكان في البئر ماء فسقط فيه ، ثمّ آوى إلى صخرة فيها فقام عليها ، وكان يهوذا يأتيه بالطعام .

وقيل : وكّل الله به ملكاً يحرسه ويطعمه .

وقيل : إنّ إبراهيم عليه السلام لمّا اُلقي في النار عرياناً أتاه جبرئيل عليه السلام بقميص من حرير الجنّة فألبسه إيّاه ، فكان ذلك القميص عند إبراهيم عليه السلام ، فلمّا مات ورثه إسحاق ، فلمّا مات إسحاق ورثه يعقوب ، فلمّا شبّ يوسف جعل يعقوب ذلك القميص في تعويذ وعلّقه في عنق يوسف ، فكان لا يفارقه ، فلمّا اُلقي في البئري عرياناً جاء جبرئيل وكان عليه ذلك التعويذ ، فأخرج منه القميص وألبسه إيّاه .

قيل : وهو القميص الذي وجد يعقوب ريحه لمّا فصلت العير من مصر ، وكان يعقوب بفلسطين فقال : «إِنّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ»(2) .

وفي كتاب النبوّة ، عن الحسن بن محبوب ، عن الحسن بن عمارة ، عن

(1) كذا في المجمع ، وفي الأل : والإحدى عشر كوكباً تؤنسك .
(2) سورة يوسف : 94 .

( 80 )

مسمع أبي سيّار(1) ، عن الصادق عليه السلام قال : لمّا ألقى إخوة يوسف يوسف في الجبّ نزل عليه جبرئيل وقال : يا غلام ، من طرحك في الجبّ ؟

قال : إخوتي لمنزلتي من أبي حسدوني ، ولذلك في الجبّ طرحوني .

فقال : أتحبّ أن تخرج من هذا الجبّ ؟

فقال : ذاك إلى إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب .

فقال له جبرئيل : إنّ إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب يقول لك : قل : اللهم إنّي أسألك [بأن لك الحمد لا إله الا أنت بديع السماوات والأرض ، يا ذا الجلال والاكرام](2) أن تصلّي على محمد وآل محمد ، وأن تجعل لي من أمري فرجاً ومخرجاً ، وترزقني من حيث أحتسب ومن حيث لا أحتسب ، فجعل الله له من ذلك يومئذ فرجاً ، ومن كيد المرأة مخرجاً ، وآتاه ملك مصر من حيث لم يحتسب .

وروي أنّ يوسف عليه السلام قال في الجب : يا إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب ، ارحم ضعفي وقلّة حيلتي وصغري .

قال مجاهد : أوحى الله إليه وهو في الجبّ ونبّأه وأوحى إليه أن اكتم حالك ، واصبر على ما أصابك ، فإنّك ستخبر(3) إخوتك بما فعلوا بك في وقت لا يعرفونك .

ولمّا فعلوا بيوسف ما فعلوا جاءوا أباهم عشاءً يبكون(4) كما ذكر سبحانه

(1) كذا في المجمع ، وفي الاصل : مسمع بن سيّار .
(2) من المجمع .
(3) كذا في المجمع ، وفي الاصل : تجير .
(4) إشارة إلى الآية : 16 من سورة يوسف .

( 81 )

ليلبسوا على أبيهم ، وإنّما أظهروا البكاء ليوهموا أنّهم صادقون ، وفي هذا دلالة على أنّ البكاء لا يوجب صدق دعوى الباكي في دعواه .

ولمّا سمع يعقوب بكاءهم وصياحهم فزع وقال : ما لكم ؟

فقالوا : «يَاأَبَانَا إِنّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ ـ على الأقدام ؛ وقيل : ننتصل(1) ونترامى فننظر أيّ السهام أسبق ـ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذّئْبُ وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا ـ أي مصدّق ـوَلَوْ كُنّا صَادِقِينَ»(2) . وأظهروا ليعقوب قميص يوسف ملطّخاً بالدم ، وقالوا : هذا دم يوسف حين أكله الذئب ؛ قيل : إنّهم ذبحوا سخلة وجعلوا دمها على القميص ولم يمزّقوا الثوب ، ولم يخطر ببالهم انّ الذئب إذا أكل إنساناً يمزّق ثوبه ؛ وقيل : إنّ يعقوب قال : أروني القميص ، فأروه إيّاه ، فلمّا رآه صحيحاً قال : يا بنيّ ، ما رأيت ذئباً أحلم من هذا الذئب ! أكل ابني ولم يخرق قميصه .

وقيل : إنّه لمّا قال لهم يعقوب ذلك ، قالوا : بل قتله اللصوص .

فقال عليه السلام : فكيف قتلوه وتركوا قميصه وهم إليه أحوج من قتله ؟ «بَلْ سَوّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً ـ أي زيّنت لكم ـ فَصَبْرٌ جَميلٌ »(3) أي صبري صبر جميل لا أشكو إلى الناس .

وقيل : إنّما يكون الصبر جميلاً إذا قصد به وجه الله تعالى ، وفعل للوجه الذي وجب .

وقيل : إنّ البلاء نزل على يعقوب في كبره ، وعلى يوسف في صغره بلا

(1) كذا في المجمع ، وفي الأصل : نتناصل .
(2) سورة يوسف : 17 .
(3) سورة يوسف : 18 .

( 82 )

ذنب كان منهما ، فأكبّ يعقوب على حزنه ، وانطلق يوسف في رقّه ، وكان(1) ذلك بعين الله سبحانه يسمع ويرى ، وكلّ ذلك امتحان من الله ، ومكث يوسف عليه السلام في الجبّ ثلاثة أيّام .(2)

ثم جاءت السيارة من قبل مدين يريدون مصر فأخطأوا الطريق ، وانطلقوا يهيمون حتى نزلوا قريباً من الجب ، وكان الجب في قفرة بعيدة من العمران ، وإنّما هو للرعاة والمجتازة ، وكان ماؤه ملحاً فعذب ، فبعثوا رجلاً يقال له مالك بن داغر(3) ليطلب الماء «فَأَدْلَى‏ دَلْوَهُ» فتعلّق يوسف عليه السلام بالدلو(4) ، فلمّا خرج إذا هو بغلام أحسن ما يكون .

فنادى أصحابه وقال : «يَابُشْرَى‏ هذَا غُلامٌ وَأَسَرّوهُ »(5) من أصحابهم لئلّا يطلبوا منهم الشركة يه ، وكانت إخوته قريب منهم فآتوهم وقالوا : هذا عبد لنا أبق منّا واختفى في الجب(6) ، وقالوا له بالعبرانية : لئن قلت أنا أخوهم قتلناك ، فتابعهم(7) على ذلك لئلّا يقتلوه ، وطلبوا من القافلة أن يشروه منهم ، فأذعنوا لهم بذلك ، فشروه منهم كما قال سبحانه : «وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ»(8) أي ناقص لا بركة فيه لأنّه حرام ، وقوله سبحانه : «مَعْدُودَة» أي قليلة ، وذكر العدد عبارة عن القلّة ، وقيل : إنّهم كانوا لا يزنون من الدراهم دون

(1) في المجمع : وكلّ .
(2) مجمع البيان : 3 / 216 ـ 218 . وانظر : عرائس المجالس : 110 ـ 116 .
(3) في العرائس : دعر ، وفي المجمع : زعر ، وكذا في الموضع الآتي .
(4) في المجمع : بالحبل .
(5) سورة يوسف : 19 .
(6) في المجمع : الموضع .
(7) كذا في المجمع ، وفي الأصل : فبايعهم .
(8) سورة يوسف : 20 .

( 83 )

الاوقية ، وكانوا يزنون الاوقية وهي أربعون درهماً فما زاد عليها ؛ وقيل : كانت الدراهم عشرين ، وكانوا إخوته عشرة فاقتسموها درهمين درهمين .

ذكر أبو حمزة الثمالي أنّ مالك بن داغر وأصحابه لم يزالوا يتعرّفون من الله الخير في سفرهم ذلك حتى فارقوا يوسف ففقدوا ذلك ، وتحرّك قلب مالك ليوسف فأتاه ، فقال : اخبرني من أنت ؟

فانتسب له يوسف ولم يكن مالك يعرفه ، فقال : أنا يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ، فالتزمه مالك وبكى وكان مالك رجلاً عاقراً لا يولد له ، فقال ليوسف : لو دعوت ربّك أن يهب لي ولداً ، فدعا يوسف ربّه أن يهب له ولداً ويجعلهم ذكوراً ، فولد له اثنا عشر بطناً ، في كلّ بطن غلامان «وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ»(1) أي من الزاهدين في شرائه لأنّهم لم يروا عليه آثار العبوديّة ، ووجدوا فيه علامات الأحرار ، فلذلك زهدوا فيه .(2)

ولمّا عرض للبيع في سوق مصر تزايدوا فيه حتى بلغ ثمنه وزنه ورقاً ومسكاً وحريراً ، فاشتراه العزيز بهذا الثمن ، وقال لامرأته راعيل ـ ولقبها زليخا ـ : «أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى‏ أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتّخِدَهُ وَلَداً»(3) ، وإنّما قال ذلك لما رأى على يوسف من الجمال والعقل والهداية في الأمور ، والعزيز هو خان الملك وخليفته وكان اسمه اطفير(4) ، والمل هو الريان بن الوليد(5) وكان أصله

(1) سورة يوسف : 20 .
(2) مجمع البيان : 3 / 219 ـ 220 . وانظر : عرائس المجالس : 116 .
(3) سورة يوسف : 21 .
(4) في العرائس : قطفير بن رحيب ، وفي المجمع : واسمه قطفير ، وكان لا يأتي النساء ؛ وقيل : إنّ اسمه اظفير .
(5) في العرائس : الريان بن الوليد بن ثروان بن أراشة بن قاران بن عمرو بن عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح عليه السلام .

( 84 )

من العماليق ؛ وقيل : إنّه لم يمت حتى آمن بيوسف واتّبعه على دينه ، ثم مات ويوسف عليه السلام حيّ فملك بعده قابوس بن مصعب(1) ، فدعاه يوسف إلى الاسلام فأبى أن يقبل .(2)

ولمّا أن استقرّ في منزل اطفير راودته زوجته زليخا عن نفسه ، ورامت منه أن يواقعها ، وعلق قلبها بحبّه لما رأت من جماله وهيبته ؛ قيل: إنّ يوسف عليه السلام كان إذا مشى في أزقّة مصر أشرق نور وجهه على الحيطان كما يشرق نور انعكاس نور الشمس على الحائط إذا قابلت الماء ، كما قال سبحانه : «وَلَقَدْ هَمّتْ بِهِ وَهَمّ بِهَا» معناه همّت هي بالفاحشة وهمّ يوسف بضربها ودفعها عن نفسه كما يقال : هممت بفلان أي بضربة أو إيقاع مكروه به ، فيكون معنى رؤية البرهان أن الله سبحانه أراه برهاناً علىانّه إن أقدم على ما همّ به أهلكه أهلها أو قتلوه ، أو ادّعت عليه المراودة على القبيح وقذفته بأنّه دعها إليه وضربها لامتناعها منه فأخبر سبحانه أنّه صرف عنه السوء والفحشاء اللذين هما القتل وظنّ اقتراف الفاحشة به ويكون التقدير : «لَوْلاَ أَن رَأى‏ بُرْهَانَ رَبّهِ» لفعل ذلك .(3)

ويؤيّد انّه لم يهمّ بالفاحشة قوله سبحانه : «كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السّوءَ وَالْفَحْشَاءَ»(4) وقوله ذلك ليعلم أنّي لم أخنه بالغيب .(5)

ثم انّ يوسف لمّا رأى شدّة إقبالها عليه والتزامها له ولّى فارّاً منها قاصداً

(1) في العرائس : قابوس بن مصعب بن معاوية بن نمير بن السلواس بن فاران بن عمرو بن عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح عليه السلام .
(2) مجمع البيان : 3 / 221 . وانظر : عرائس المجالس : 117 .
(3) مجمع البيان : 3 / 223 ـ 224 . وانظر : عرائس المجالس : 118 .
(4) سورة يوسف : 24 .
(5) مجمع البيان : 3 / 225 .

( 85 )

للخروج من الباب ، فسبقته إلى الباب وأرامت منعه من الخروج لتقضي شهوتها منه ، ورام هو الفرار منها ، فلحقته قبل أن يصل إلى الباب ، والتزمته بقميصه من ورائه فقدّته ـ كما حكى سبحانه ـ وإذا سيّدها من وراء الباب ، فلمّا رأته اندهشت وورّكت الذنب(1) على يوسف لتبرئ ساحتها عند زوجها وقالت : «مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلّا أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ»(2)

وأراد يوسف براءة ساحته فقال : «هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَفْسِي»(سوره يوسف:26) لمّا ذكرت المرأة ذلك لم يجد يوسف بدّاً من تنزيه نفسه ، ولو كفّت عن الكذب لم يذكر يوسف شيئاً من ذلك ، «وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا» وهو صبيّ في المهد ؛ قيل : إنّه كان ابن اُخت زليخا وهو ابن ثلاثة أشهر ، فقال : «إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ«26» وَإِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصّادِقِينَ»(3) لأنّه لو كان مقبلاً عليها لكان قميصه قدّ من قبل ، فلمّا كان فارّاً منها كان القدّ من دبر لأنّه هو الهارب منها ، وهي الطالبة له ، وهذا الأمر ظاهر ، فلمّا رأى زوجها ذلك علم خيانة المرأة ، فقال : «إِنّهُ مِن كَيْدِكُنّ إِنّ كَيْدَكُنّ عَظِيمٌ»(4) ثم أقبل على يوسف ، فقال : «يوسف أعرض عن هذا» ولا تذكر هذا الحديث طلباً للبراءة فقد ظهر صدقك وبراءتك ، ثم أقبل على زليخا وقال : «وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ»(5) ؛ قيل : إنّه لم يكن غيوراً فسلبه الله الغيرة لطفاً منه بيوسف حتى كفي شرّه ، ولهذا قال ليوسف : «أَعْرِضْ عَنْ هذَا » ، واقتصر على

(1) وَرّكَ فلان ذنبه على غيره تَوريكاً : إذا أضافه إليه وقَرَفَه به ، وإنّه لمُوَرّكٌ في هذا الأمر : أي ليس له فيه ذنب . «لسان العرب : 10 / 512 ـ ورك ـ » .
(2) سورة يوسف : 25 .
(3) سورة يوسف: 26 و27 .
(4 و5) سورة يوسف : 28 و29 .

( 86 )

هذا القدر ، ثم قال لها : «وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ» فإنّ الذنب منك .(1)

ثم قال الله سبحانه : «ثُمّ بَدَا لَهُمْ مِن بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ»(2) ، وذلك انّ زليخا لم تزل تفتِل منه(3) في الذروة ، والغارب(4) ، وكان مطواعاً لها وجملاً ذلولاً ، زمامه بيدها حتى أنساه ذلك ما عاين من الآيات وعمل برأيها في سجنه ، وكيد النساء أعظم من كيد الشيطان لانّ كيد الشيطان بالوسوسة ، وكيد النساء اللطف لأنّه بالمشاهدة وقوله سبحانه : «وَمِن شَرّ النّفَاثَاتِ فِي الْعُقَدِ»(5) والمصريّات أعظم النساء كيداً لأنّه معهنّ ما ليس مع غيرهنّ من البوائق والحيل .

وعن بعض العلماء : انّي أخاف من النساء أكثر ممّا أخاف من الشيطان لأنّ الله سبحانه وتعالى يقول : «إِنّ كَيْدَ الشّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً»(6) وفي النساء : «إِنّ كَيْدَكُنّ عَظِيمٌ» وخاصّة إذا قارن ذلك عدم الغيرة في الأزواج ، وهذا الأمر مركوس في طبيعة أكثر رجال مصر .

قال شيخنا الشهيد شمس الدين محمد بن مكّي رضي الله عنه في كتاب الدروس : إنّ شرب ماء النيل يميت القلب ، والأكل في فخارها ، وغسل الرأس بطينها يذهب بالغيرة ويورث الدياثة .(7)

ولمّا كثر اللغط في شأنها وشأن يوسف ، وشاع الأمر بذلك ، وتكلّمت

(1) مجمع البيان :3 / 227 .
(2) سورة يوسف : 35 .
(3) في «ح» : أي من زوجها .
(4) في حديث الزبير : فما زال يَفتِلُ في الذَروَةِ والغارب حتى أجابته عائشة إلى الخروج . «لسان العرب : 1 / 644 ـ غرب ـ » .
(5) سورة الفلق : 4 .
(6) سورة النساء : 76 .
(7) الدروس : 3 / 47 .

( 87 )

النسوة بذلك انّ «امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَفْسِهِ»(1) ، وأظهروا الانكار لفعلها وأشهروا خطأها دعتهنّ واستضافتهنّ وأظهرت حبّها إيّاه واستكتمتهنّ فأظهرنه ، وأعتدت لكلّ واحدة منهنّ متّكأً ـ أي وسادة ـ ، وقدّمت لهنّ الفواكه أوّلاً ، «وَآتَتْ كُلّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنّ سِكّيناًً»(سورة يوسف:31) لتقطيع الفواكه ، وكانت قد أجلست يوسف غير مجلسهنّ ، وأمرته بالخروج عليهنّ في هيأته ، ولم يكن يتهيّأ له أن لا يخرج لأنّه بمنزلة العبد لها ، «فَلَمّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ» أي أعظمنه وتحيّرن في جماله إذ كان كالقمر ليلة البدر «وَقَطّعْنَ أَيْدِيَهُنّ»(2) بتلك السكاكين ، فما أحسسن الا بالدم ، ولم يجدن ألم القطع لاشتغال قلوبهنّ بيوسف عليه السلام ، والمعنى : جرحن أيديهنّ ، وليس معناه أبنّ أيديهنّ ، لأنّ هذا مستعمل في الكلام ، تقول للرجل : قطعت يدي : أي خدشتها .(3)

ثم قال الله سبحانه : «ثُمّ بَدَا لَهُمْ مِن بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ  ـ الدالّة على براءة يوسف [وهي قدّ القميص من دبره وجزّ الأيدي](4) ـ لَيَسْجُنُنّهُ حَتّى‏ حِينٍ»(5) ، وذلك انّ المرأة قالت لزوجها : إنّ هذا العبد قد فضحني في الناس ، من حيث إنّه يخبرهم انّي راودته عن نفسه ، ولست اُطيق أن أعتذر بعذري ، فإمّا أن تأذن لي فأخرج وأعتذر ، وإمّا أن تحبسه كما حبستني .

فحبسه لذلك بعد علمه ببراءته وليظهر للناس انّ الذنب كان له لأنّه ما يحبس الا المجرم ، وقيل : كان الحبس قريباً منها فأرادت انّها تكون إذا أرادت

(1) سورة يوسف : 30 .
(2) سورة يوسف : 31 .
(3) مجمع البيان : 3 / 330 .
(4) من المجمع .
(5) سورة يوسف : 35 .

( 88 )

أن تراه أشرفت عليه ورأته ، وقوله : «لَيَسْجُنُنّهُ حَتّى‏ حِينٍ» قيل : حتى ينسى حديث الامرأة معه .(1)

ولمّا اُدخل السجن اُدخل معه غلامان للملك أحدهما صاحب شرابه ، والآخر صاحب طعامه اُنهي إلى الملك الأعظم أنّهما يريدان يسمّانه فأدخلهما إلى السجن ، وكان يوسف لمّا دخل السجن عرّفهما انّه يعبّر الرؤيا ، فقال أحد العبدين للآخر : هلمّ حتى نجرّبه ، فقال أحدهما وهو الساقي : رأيت أصل كرمة(2) عليها ثلاثة عناقيد من عنب فجنيتها وعصرتها في كأس الملك وسقيته إيّاها .

وقال الآخر : إنّي رأيت كأنّ فوق رأسي ثلاث سلال فيها الخبز وألوان الأطعمة وسباع الطير تنهش منها «نَبّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ»(3) إنّك ذو أفعال جميلة .

قيل : إنّما نسباه إلى الاحسان لأنّه كان إذا ضاق على رجل مكانه وسّع له ، وإن احتاج جمع له ، وإن مرض قام عليه ؛ وقيل : إنّه كان يعين المظلوم ، وينصر الضعيف ، ويعود العليل ، وكان يحبو كلّ رجل بما يؤتى به ذلك اليوم من منزله من الطعام ، وهذا مثل قول عيسى : «وَأُنَبّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ»(4) «ذلِكُمَا مِمّا عَلّمَنِي رَبّي»(5) .

وقيل : قالا له : من أين عرفت ذلك ولست بكاهن ولا عرّاف ؟

(1) مجمع البيان : 3 / 232 .
(2) في المجتمع : حبلة .
(3) سورة يوسف : 36 .
(4) سورة آل عمران : 49 .
(5) سورة يوسف : 37 .

( 113 )

يهوذا](1) «إِنّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ»(2) ، «وَتَوَلّى‏ ـ يعقوب ـ عَنْهُمْ» لشدّة الحزن لما بلغه خبر [حبس](3) ابن يامين ، وهاج ذلك وجده بيوسف لانّه كان يتسلّى به ، «وَقَالَ يَا أَسَفَى‏ عَلَى‏ يُوسُفَ»(سورة يوسف:84) أي واطول حزني على يوسف .

عن سعيد بن جبير [أنّه قال](4) : لقد اُعطيت هذه الاُمّة عند المصيبة مالم يعط الأنبياء قبلهم إنّا لله وإنّا إليه راجعون ، ولو اُعطيها الأنبياء لاُعطيها يعقوب ، «وَابْيَضّتْ عَينَاهُ مِنَ الْحُزْنِ » والبكاء .

وسئل الصادق عليه السلام : ما بلغ من حزن يعقوب(5) على يوسف ؟

قال : حزن سبعين حرى ثكلى ؛؛ وقيل : إنّه عمي ستّ سنين ، «فَهُوَ كَظِيم»(6) وهو المملوء من الهمّ والحزن ، الممسك للغيض لا يشكوه إلى أهل زمانه ، ولا يظهره بلسانه ، ولذلك لقّب موسى بن جعفر عليهما السلام بالكاظم لكثره ما كان يتجرّع من الغيظ والغمّ طول أيّام خلافته لأبيه في ذات الله تعالى .

«قالوا ـ أي قال إخوة يوسف لأبيهم : ـ تَاللّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتّى‏ تَكُونَ حَرَضاًً»(7) أي هالكاً دنفاً ، فاسد العقل ، قريباً م الموت ؛ وقيل : إنّهم قالوا ذلك تبرّماً ببكائه إذ تنغّص عيشهم(8) بذلك «قال ـ يعقوب في جوابهم : ـ إِنّمَا أَشْكُوا بَثّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ» .

وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أن جبرئيل أتى يعقوب فقال : يا

(1 و3 و4) من المجمع .
(2) سورة يوسف : 83 .
(5) كذا في المجمع ، وفي الأصل : ما يبلغ حزن يعقوب .
(6) سورة يوسف : 84 .
(7) سورة يوسف : 85 .
(8) كذا في المجمع ، وفي الأصل : عليهم ـ وهو تصحيف ـ .

( 114 )

يعقوب ، إنّ الله يقرئك السلام ويقول : ابشر وليفرح قلبك ، فوعزّتي وجلالي لو كانا ميّتين(1) لنشرتهما لك اصنع طعاماً للمساكين فإنّ أحبّ عبادي إليّ المساكين ، أتدري لم أذهبتُ بصرك ، وقوّستُ ظهرك ؟ لأنّكم ذبحتم شاة ، وأتاكم فلان المسكين وهو صائم فلم تطعموه شيئاً ، فكان يعقوب بعد ذلك إذا أراد الغذاء أمر منادياً ينادي : ألا من أراد الغذاء من المساكين فليتغذّ مع يعقوب ، «وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ»(2) أي وأعلم صدق رؤيا يوسف، وأعلم أنّه حيّ ، وأنّكم ستجدونه .(3)

وفي كتاب النبوّة : بالاسناد عن سدير الصيرفي ، عن أبي جعفر عليه السلام ، قال : إنّ يعقوب دعا الله سبحانه أن يهبط عليه ملك الموت ، فأجابه فقال : ما حاجتك ؟

فقال : اخبرني هل مرّ بك روح يوسف يوسف في الأرواح ؟

قال : لا ، فعلم أنّه حيّ ؛ وقيل : إنّهم لمّا أخبروه بسيرة الملك قال : لعلّه يوسف ، فلذلك قال : «يَا بَنِيّ اذْهَبُوا فَتَحَسّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ» أي استخبروا من شأنهما ، واطلبوا خبرهما ، وانظروا ملك مصر ما اسمه ؟ وعلى أيّ دين هو ؟ فإنّه قد اُلقي في روعي أنّ الذي حبس ابن يامين هو يوسف ، وإنّه إنّما طلبه منكم ، وجعل الصاع في رحله احتيالاً في حبس أخيه عند نفسه ، «وَلاَ تَيْأَسُوا مِن رّوْحِ اللّهِ إِنّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَوْحِ اللّهِ إِلّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ»(4) .

قال ابن عبّاس : يريد انّ المؤمن من الله على خيرٍ يرجوه في الشدائد

(1) في «ح» : أي يوسف وأخوه بنيامين .
(2) سورة يوسف ك 86 .
(3) في المجمع : ستسجدون له كما اقتضاه رؤياه .
(4) سورة يوسف : 87 .

( 115 )

والبلاء ، ويشكره ويحمده في الرخاء ، والكافر ليس كذلك .

سؤال : كيف خفي أخبار يوسف على يعقوب في المدّة الطويلة مع قرب(1) المسافة ؟ وكيف لم يعلمه بخبره لتسكن نفسه ويزول وجده ؟

الجواب : قال السيد المرتضى رضى الله عنه : يجوز أن يكون ذلك ممكناً ، و[كان](2) عليه قادراً ، لكن الله سبحان أوحى إليه أن يعدل عن اطّلاعه على خبره تشديداً للمحنة عليه ، ولله سبحانه أن يشدّد(3) التكلّف وأن يسهّله .(4)

ولمّا قال يعقوب لبنيه : «اذْهَبُوا فَتَحَسّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيه» ، خرجوا قاصدين مصر .(5)

وروي في كتاب النبوّة : بالاسناد عن الحسن بن محبوب ، عن أبي إسماعيل الفرّاء ، عن طربال ، عن أبي عبد الله عليه السلام في خبرٍ طويلٍ أنّ يعقوب كتب إلى يوسف :

بسم الله الرحمن الرحيم

إلى عزيز مصر ، ومظهر العدل ، وموفي الكيل .

من يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن صاحب نمرود الذي جمع له النار ليحرقه بها فجعلها الله عليه برداً وسلاماً وأنجاه منها .

اُخبرك ايها العزيز ، إنّا أهل بيت لم يزل البلاء إلينا سريعاً من الله ليبلونا

(1) كذا في المجمع ، وفي الأصل : مدّة .
(2) من المجمع .
(3) في المجمع : يصعّب .
(4) مجمع البيان : 3 / 257 ـ 258 .
(5) مجمع البيان : 3 / 260 .

( 116 )

عند السرّاء والضرّاء ، وانّ مصائباً تتابعت عليّ منذ عشرين سنة ؛ أوّلها انّه كان لي ابن سمّيته يوسف ، وكان سروري من بين ولدي وقرّة عيني وثمرة فؤادي ، وانّ إخوته من غير اُمّه سألوني أن أرسله معهم يرتع ويلعب ، فبعثته معهم بكرة فجاؤني عشاء يبكون ، وجاءوا على قميصه بدم كذب ، وزعموا أنّ الذئب أكله ، فاشتدّ لفقده حزني ، وكثر على فراقه بكائي حتى ابيضّت عيناي من الحزن ، وكان له أخ وكنت به معجباً وكان لي أنيساً ، وكنت إذا ذكرت يوسف ضممته إلى صدري فسكن بعض ما بي وما أجد في صدري ، وإنّ إخوته ذكروا [لي](1) أنّك سألتهم عنه وامرتهم أن يأتوك به ، فإن لم يأتوك به منعتهم الميرة ، فبعثته معهم ليمتاروا [لنا](2) قمحاً فرجعوا إليّ وليس هو معهم ، وذروا انّه سرق مكيال الملك ، ونحن أهل بيت لا نسرق ، وقد حبسته عنّي وفجعتني به ، [وقد اشتدّ لفراقه حزني حتى تقوّس لذلك ظهري وعظمت به](3) مصيبتي مع مصائب تتابعت عليّ ، فمنّ عليّ بتخلية سبيله وإطلاقه من حبسك ، وطيّب لنا القمح ، وعجّل سراح آل إبراهيم .

قال : فمضوا بكتابه حتى دخلوا على يوسف في دار الملك وقالوا : «يا أَيّهَا الْعَزِيزُ مَسّنَا وَأَهْلَنَا الضّرّ»(4) فتصدّق علينا بأخينا ابن يامين ، وهذا كتاب أبينا يعقوب أتينا به إليك يسألك تخلية سبيله ، فمنّ به علينا ، وأخذ يوسف كتاب يعقوب ، وقبّله ووضعه على عينيه ، وبكى وانتحب حتى بلّ دمعه القميص الذي عليه ، ثمّ أقبل عليهم و«قَالَ هَلْ عَلِمْتُم مّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ»(سورة يوسف:89) من إذلاله وإبعاده عن أبيه ، وإلقائه في الجبّ ، والاجتماع على قتله وبيعه بثمن وكس ، وما فعلتم بأخيه من إفراده عن يوسف والتفريق بينهما حتى صار وحيداً

(1 ـ 3) من المجمع .
(4) سورة يوسف : 88 .

( 117 )

ذليلاً [فيما](1) بينكم لا يكلّمكم الا كما يكلّم الذليل العزيز ؟

وإنّما لم يذكر أباه يعقوب تعظيماً له ، ورفعاً من قدره ، وانّ ذلك كان بلاء له ليزداد به علوّ الدرجة عند الله تعالى ، «إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ»(2) وكان هذا تلقيناً لهم بما يعتذرون به ، وهذا هو الغاية في الكرم إذ صفح عنهم ولقّنهم وجه العذر(3) ، «قَالُوا أَءِنّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ» ؟ قيل : إنّ يوسف لمّا قال لهم : «هَلْ عَلِمْتُم مّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ ِ» ، رفع التاج عن رأسه وتبسّم إليهم ، فلمّا أبصروا ثناياه كأنّها اللؤلؤ المنظوم شبّهوه بيوسف و«قَالُوا أَءِنّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ » فقال : «أَنَا يُوسُفُ» المظلوم المستحلّ منه المحرم ، «وَهذا أَخِي» المظلوم كظلمي «قَدْ مَنّ اللّهُ عَلَيْنَا »(4) بالاجتماع بعد طول الفرقة : «قَالُوا تَاللّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنّا لَخَاطِئِينَ»(5) أي اختارك بالحلم والعلم والملك(6) والحسن .(7)

قيل : إنّه عليه السلام لمّا عرّفهم نفسه سالهم عن أبيه ، فقال : ما فعل أبي بعدي ؟

قالوا : ذهبت عيناه .

فقال : «اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا» ، واطرحوه على وجه أبي يعد مبصراً(8)

(1) من المجمع .
(2) سورة يوسف : 89 .
(3) كذا في المجمع ، وفي الأل ك وكفتهم العذر .
(4) سورة يوسف : 90 .
(5) سورة يوسف : 91 .
(6) في المجمع : والعقل .
(7) مجمع البيان : 3 / 262 وبدون أن ينسب كتاب يعقوب إلى يوسف كتاب النبوّة ـ كما هو أعلاه ـ .
(8) كذا في المجمع ، وفي الأصل : منظراً .

( 118 )

«وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ» .(1)

وروي أنّ يوسف عليه السلام قال : إنّما يذهب بقميصي من ذهب به أوّلاً .

فقال يهوذا : أنا ذهبت به وهو متلطّخ بالدم ، وأخبرته انّه أكله الذئب .

قال : فاذهب بهذا أيضاً واخبره أنّه حيّ ، وافرحه كما أحزنته ، فحمل القميص وخرج حافياً حاسراً حتى أتى يعقوب وكان معه سبعة أرغفة ، وكانت مسافة ما بينهما ثمانين فرسخاً ، فلم يستوف الأرغفة في الطريق وقد ذكرنا [من](2) قبل شأن القميص ، وإنّما أرسل القميص بأمر من جبرئيل عليه السلام قال له : أرسل إليه قميصك فإنّ فيه ريح الجنّة لا يقع على مبتلى ولا سقيم الا صحّ وعوفي .

ثمّ انّ يوسف عليه السلام أمر لهم بمائتي راحلة وما يحتاج إليه من آلات السفر ، فلمّا قربوا من يعقوب قال لأولاد أولاده الذين كانوا عنده : «إِنّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ» .

روي عن ابي عبد الله عليه السلام قال : وجد يعقوب ريح قميص يوسف(3) عليه السلام حين فصلت العير من مصر وهو بفلسطين من مسيرة عشر ليال .

قال ابن عبّاس : هاجت ريح فحملت ريح قميص يوسف إلى يعقوب .(4)

وروي أنّ ريح الصبا استأذنت الله ربّها في ان تأتي يعقوب بريح يوسف

(1) سورة يوسف : 93 .
(2) من المجمع .
(3) كذا في المجمع ، وفي الأصل : إبراهيم .
(4) مجمع البيان : 3 / 261 .

( 119 )

قبل أن يأتيه البشير بالقميص ، فأذن لها ، فأتته بها ، ولذلك يستروح كلّ محزون بريح الصبا ، وقد أكثر الشعراء من ذكرها ، فمن ذلك قولهم :

فإنّ الصبا ريحٌ إذا ما تنسّمت     على نفس مهموم تجلّت همومها

«لَوْلاَ أَن تُفَنّدُونِ»(2) أي : تقولون إنّه شيخ قد هرم وخرف ، وذهب عقله ، «قَالُوا تَاللّهِ إِنّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ الْقَدِيِم»(3) عن الصواب في حبّ يوسف عليه السلام فإنّه كان عندهم أنّ يوسف قد مات منذ سنين ، ولم يريدوا الضلال عن الدين .

«فَلَمّا أَن جَاءَ الْبَشِيرُ» وهو يهوذا «أَلْقَاهُ عَلَى‏ وَجهِهِ فَارْتَدّ بَصِيراً»(4) . قال الضحّاك : عاد إليه بصره بعد العمى ، وقوّته بعد الضعف ، وشبابه بعد الهرم ، وسروره بعد الحزن . فقال للبشير : ما أدري ما اُثيبك [به](5) هوّن الله عليك سكرات الموت .

ولمّا قدموا أولاده عليه «قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنّا كُنّا خَاطِئِينَ»(6) .

فقال لهم : «سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبّي إِنّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرّحِيمُ»(7) ؛ قيل : إنّه لم

(1) كذا في المجمع ، وفي الأصل : منجب .
(2) سورة يوسف : 94 .
(3) سورة يوسف : 95 .
(4) سورة يوسف : 96 .
(5) من المجمع .
(6) سورة يوسف : 97 .
(7) سورة يوسف : 98 .

( 120 )

يستغفر لهم في الحال ، لأنّه أخرّهم إلى سحر ليلة الجمعة ، روي ذلك عن أبي عبد الله عليه السلام أنّه كان يستغفر لهم ليلة جمعة في نيّف وعشرين سنة حتى نزل قبول توبتهم .

وروي أن جبرئيل عليه السلام علّم يعقوب هذا الدعاء : يا رجاء المؤمنين لا تخيّب رجائي ، ويا غوث المؤمنين أغثني ، ويا عون المؤمنين أعنّي ، ويا حبيب التوّابين تب عليّ ، فاستجب لهم(1).(2)

وفي حديث ابن محبوب ، عن أبي جعفر عليه السلام انّ يعقوب قال لولده : تحملوا من ساعتكم إلى يوسف في يومكم هذا بأهليكم(3) أجمعين ، فساروا من فورهم ويعقوب معهم وخالة يوسف [اُمّ](4) يامين فحثّوا السير فرحاً وسروراً تسعة أيّام إلى مصر .

فلمّا دنا يعقوب من مصر تلقّاه يوسف في الجند وأهل مصر . فقال يعقوب : يا يهوذا ، هذا فرعون مصر ؟ قال : لا ، هذا ابنك يوسف ، ثمّ تلاقيا على يوم من مصر ، فلمّا دنا كلّ واحد من صاحبه بدأ يعقوب بالسلام ، فقال : السلام عليك يا مُذهب الأحزان .

ثمّ انّ يوسف اعتنق أبها وبكى ، «وقال» لهم قبل دخول مصر : «ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللّهُ آمِنِينَ»(5) ، وإنّما قال : «آمِنِينَ» لأنّهم كانوا يخافون ملوك مصر ، ولا يدخلونها الا بجوازهم ؛ قيل : دخلوا مصر وهم ثلاثة وسبعون إنساناً ،

(1) كذا في المجمع ، وفي الأصل : له .
(2) مجمع البيان : 3 / 263 .
(3) في المجمع : تحملوا إلى يوسف من يومكم هذا بأهلكم .
(4) من المجمع .
(5) سورة يوسف : 99 .

( 121 )

وخرجوا مع موسى وهم ستّمائة وألف وخمسمائة وبضع وسبعون رجلاً ، «وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ» على سرير ملكه إعظاماً لهما .

ثمّ دخل منزله واكتحل وادّهن ، ولبس ثياب العزّ والملك ، فلمّا رأوه سجدوا له جميعاً إعظاماً له ، وشكراً لله ، ولم يكن يوسف في تلك المدّة يدّهن ، ولا يكتحل ، ولا يتطيّب ، حتى جمع الله بينه وبين أبيه وإخوته .

فلمّا رأوه «وَخَرّوا لَهُ سُجّداً» وكانت تحيّة الناس ـ في ذلك الزمان ـ بعضهم لبعض يومئذ السجود ، والانحناء ، والتكفير ، ولم يكونوا نهوا عن السجود لغير الله في شريعتهم ، وأعطى الله تعالى هذه الاُمّة السلام ، وهو تحيّة أهل الجنّة .

«وَقَالَ» يوسف : «يَا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبّي حَقّاً»(1) في اليقظة .

وعن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال : كان بين الرؤية وتأويلها أربعون سنة .

وولد ليوسف من امرأة العزيز زليخا : أفراثيم(2) ، وميشا ، ورحمة امرأة أيّوب ، وكان بين يوسف وموسى عليهما السلام أربعمائة سنة .

وفي كتاب النبوّة بالاسناد عن أبي عبد الله عليه السلام قال : قال يعقوب ليوسف : حدّثني كيف صنع بك إخوتك ؟

قال : يا أبه دعني .

قال : أقسمت عليك الا ما أخبرتني .

(1) سورة يوسف : 100 .
(2) في المجمع : أفرايم .

( 122 )

فقال : أخذوني وأقعدوني على رأس الجبّ ، ثمّ قالوا : انزع قميصك ، فقلت لهم : إنّي أسألكم بوجه يعقوب الا تنزعوا قميصي عنّي ، ولا تبدوا عورتي ، فرفع فلان السكّين عليّ ، فصاح يعقوب وخرّ مغشيّاً عليه ، ثم أفاق ، فقال : يا بنيّ ، كيف صنعوا بك ؟

فقال يوسف : إنّي أسألك بإله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق الا أعفيتني ، قال : فتركه .

وروي أنّ يوسف قال ليعقوب عليهما السلام : يا أبة ، لا تسألني عن صنع إخوتي ، واسأل عن صنع الله بي .

قال أبو حمزة الثمالي : بلغنا أنّ يعقوب عاش مائة وسبعاً(1) وأربعين سنة ، ودخل على يوسف في مصر وهو ابن مائة سنة وثلاثين سنة ، وكان عند يوسف في مصر سبع عشرة سنة ، ثمّ توفّي صلوات الله علليه فنقل غلى الشام في تابوت من ساج ، ووافق ذلك اليوم يوم مات عيصو ، وكان يعقوب وعيصوا ولدا في بطن واحد ودفنافي قبر واحد .

وكان يوسف عليه السلام قد مضى مع تابوت أبيه إلى بيت المقدس ، ولمّا دفنه رجع إلى مصر ، وكان دفنه في بيت المقدس عن وصيّة منه إليه أن يدفن عند قبور آبائه عليهم السلام ، وعاش عليه السلام بعد أبيه ثلاثاً وعشرين سنة ، ثمّ مات ، وكان أوّل رسول في بني إسرائيل ، وأوصى أن يدفن عند قبور آبائه عليهم السلام .(2)

وعن أبي خالد ، عن ابي عبد الله عليه السلام قال : دخل يوسف السجن

(1) كذافي المجمع ـ وهو الصحيح ـ ، وفي الأصل : سنة .
(2) مجمع اليان : 3 / 264 ـ 266 .

( 123 )

وهو ابن اثنتي عشرة سنة ، ومكث فيه ثمانية عشرة سنة ، وبقي بعد خروجه ثمانين سنة ، فذلك مائة سنة وعشر سنين .

قالوأ : ولمّا جمع الله سبحانه شمله ، وأقرّ عينه ، وأتمّ له رؤياه ، ووسّع عليه في ملك الدنيا علم أنّ ذلك لا يبقى ولا يدوم ، فطلب من الله سبحانه نعيماً لا يفنى ، وتاقت نفسه إلى الجنّة ، فتمنّى الموت ودعا به ، ولم يتمنّ ذلك نبيّ قبله ولا بعده ، فقال : «رَبّ قَدْ آتَيْتَني مِنَ الْمُلْكِ وَعَلّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الْأَحَاديثِ فَاطِرَ السّماوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنتَ وَلِيّ فِي الدّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ»(1) فتوفّاه الله تعالى بمصر وهو نبيّ ، ودفن في النيل في صندوق من رخام ، وذلك أنّه لمّا مات تشاحّ الناس عليه ، كلّ يحبّ أن يدفن في محلّته ، لما كانوا يرجون من بركاته ، فرأوا أن يدفنوه في النيل فيمرّ الماء عليه ، ثمّ يصل(2) إلى جميع مصر ، فيكون كلّهم شركاء في بركته شرعاً ، فكان قبره في النيل إلى أن حمله موسى عليه السلام لمّا خرج من مصر ، ودفنه عند آبائه الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين .(3)

وإنّما أوردت هذه القصّة بتمامها ليكون ذلك تسلية للمؤمن التقيّ ، وردّ على الجاحد الشقيّ ، فإنّ الله سبحانه يبتلي عباده الصالحين بأعدائه الطالحين ، ليكون الجزاء على قدر البلاء ، والثواب على قدر المشقّة ، لأنّه سبحانه هو المدبّر الحكيم العليم بمصالح عباده في معاشهم ومعادهم ، فتارة يكون البلاء في النفس والولد ـ كما مرّ في قصّة يعقوب ويوسف ـ ، وتارة يكون في ضنك العيش والفقر كما ذكر سيّدنا أمير المؤمنين عليه

(1) سورة يوسف : 101 .
(2) كذا في المجمع ، وفي الأصل : رحل .
(3) مجمع اليان : 3 / 266 ، عرائس المجالس : 142 .

( 124 )

السلام عن موسى عليه السلام في قوله : «رَبّ إِنّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ»(1) قال : والله ما سأله الا خبزاً يأكله ، لأنّه(2) كان يأكل بقلةَ الأرض ، ولقد كانت خضرة البقلِ نُرى من شفيف صِفاق بطنه(3) ، لهزاله ، وتشذّب لحمه(4).(5)

ولقد دخل هو وأخوه هارون عليهما السلام على فرعون ، وعليهما مدارعُ الصوف ، وبأيديهما العصيّ ، فشرطا له ـ إن أسلم ـ بقاء ملكه ، ودوامَ عزّه .

فقال : ألا تعجبون من هذين يشترطان لي دوامَ العزّ ، وبقاء الملك ، وهما على ما ترونَ من حال الفقر والذلّ ، فهلّا اُلقيَ عليهما أساورة من ذهب ؟ إعظاماً للذهب وجمعه ، واحتقاراً للصوف ولُبسه ! ولو أراد الله سبحانه بأنبيائه حيث [بعثهم](6) أن يفتح لهم كنوز الذهبان ، ومعادن العِقيان ، ومغارس الجنان ، وأن يحشر معهم طير السماء ووحوش الأرضين لفعل ، ولو فعل لسقط البلاء وبطل الجزاء .(7) كما ذكرنا أوّلاً .(8)

كما حكي عن بعضهم أنّه كان إذا أقبلت عليه الدينا يقول : هذا ذنب

(1) سورة القصص : 24 .
(2) كذا في النهج والمجمع ، وفي الأصل : ولقد .
(3) كذا في النهج والمجمع ، وفي الأصل : من صفاق سفاف بطنه .
وشفيف : رقيق ، يستشفّ ما وراءه .
(4) أي تفرّقه .
(5) نهج البلاغة : 226 خطبة رقم 160 ، مجمع البيان : 4 / 248 .
(6) من النهج .
(7) نهج البلاغة : 291 خطبة رقم 192 «الخطبة القاصعة» .
(8) في ص 40 ، وذكرنا تخريجات اُخرى .

( 125 )

عجّلت عقوبته ، وإذا افتقر أو أصابته خصاصة قال : مرحباً بشعار الصالحين(1).(2)

فكذلك الأنبياء والأولياء يسرّهم ما ينزل بهم من البلاء ، ويفرحون بما امتحنوا به من الابتلاء ، راحة أرواحهم فيما فيه رضى خالقهم ، ولذّة أنفسهم فيما يمتحنهم الله به في أموالهم وأجسادهم ، وما يختاره من فيض ثمرات قلوبهم وأحفادهم ، فلا يغرّنّكم الشيطان بغروره ، ولا يفتننّكم مروره فيلقي في روعكم ، ويوسوس في صدوركم .

إنّ ما أصاب من كان قبلكم من الأنبياء والمرسلين ، والأولياء والصالحين ، في الدار الفانية والحياة البالية ، من جهد البلاء وشدّة اللأواء ، والامتحان بجهاد الأعداء ، هواناً بهم على خالقهم ، وهظماً لهم لدى بارئهم ، بل أنزل بهم البأساء والضرّاء ، ووجّه إليهم محن دار الفناء ، من سقم الأجساد ، وتحمّل الأذى من أهل الجحود والعناد ، فتحمّلوا المشاقّ في ذاته من أداء الفرائض والنوافل ، وصبروا على جهاد أعدائه من أهل الزيغ والباطل ، يسوقون العباد بسوط وعظهم إلى غفران ربّهم ، ويجذبون النفوس بصوت لفظهم إلى منازل قربهم ، لا توحشهم مخالفة من خالفهم ، ولا يرهبهم عناد من عاندهم ، بل يصدعون بالحقّ ، ويقرعون بالصدق ، ويوضحون الحجّة ، ويهدون إلى المحجّة ، لا يزيدهم قلّة الأنصار الا تصميماً في عزائمهم ، ولا يكسبهم تظافر الأشرار الا شدّة لشكائمهم ، ليس في قلوبهم جليل الا جلاله ، ولا في أعينهم جميل الا

(1) أي علامتهم . «مجمع البحرين : 3 / 349 ـ شعر ـ » .
(2) تفسر القمّي : 1 / 200 ، عنه البحار : 13 / 340 ح 16 ، وج 67 / 199 .
ورواه في الكافي : 2 / 263 ح 12 ، عنه البحار : 72 / 15 ح 14 .
وأورده في إرشاد القلوب : 156 .

( 126 )

جماله ، لما شربوا من شراب جنّته في حضيرة قدسه ، أتحفهم بمقام قربه واُنسه ، يختارون قطع أوصالهم على قطع اتّصالهم ، وذهاب أنفسهم على بعد مؤنسهم .

أما ترى كيف أثنى الله على نبيّه أيّوب بقول : «إِنّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنّهُ أَوّابٌ»(1) ؟ انظر كيف شرّفه الله بإضافته إلى نفسه ، وأثنى عليه بالصبر الجميل في محكم التنزيل ، وكان عليه السلام في زمن يعقوب بن إسحاق عليه السلام ، وتزوّج ليا(2) بنت يعقوب ؛ وقيل : رحمة بنت يوسف(3) ، وولد له سبعة بنين وثلاث بنات .

وكان له من المال والمواشي مالا يحصى كثرة . قيل : كان له أربعمائة عبد ما بين زرّاع وحمّال وراع وغير ذلك ، وكان في أخفض عيش وأنعم بال مدّة أربعين سنة ، ولمّا زاد الله ابتلاءه وامتحانه لا ليعلم صبره وشدّة عزيمته ، بل زيادة في درجته ، ورفعة لمنزلته ، أتاه جبرئيل عليه السلام فقال : يا أيّوب ، أربعون سنة لك في خفض العيش والنعمة ، فاستعدّ للبلاء ، وارض بالقضاء ، فإنّك ستتبدّل بالنعمة محنة ، وبالغنى فقراً ، وبالصحّة سقماً .

فأجابه أيّوب : ليس عليّ بأس من ذلك إذا رضى الله به .

عذّب بما شئت غير البعد عنك تجد     أوفى محبّ بما يرضيك مبتهجاً

فمضى على ذلك مدّة فصلّى صلاة الصبح ، وأسند ظهر إلى المحراب وإذا بالضجّة قد علت ، وإذا بقائل يقول : يا أيّوب ، إنّ مواشيك كانت في الواد الفلاني فأتاه السيل واحتملها جميعاً ، وألقاها في البحر ، فبينما هو كذلك إذ أتته رعاة

(1) سورة ص : 44 .
(2) في قصص الأنبياء للراونيد : 141 ح 151 : إليا .
(3) وقيل : رحمة بنت أفراثيم بن يوسف عليه السلام . انظر تفسير البرهان : 4 / 53 وما بعدها ح 11 ، ففيه قصّة أيّوب عليه السلام مفصّلة نقلاً عن تحفة الاخوان .

( 127 )

الإبل ، فسألهم : ما الخبر ؟

فقال قائلهم : هبّت علينا سموم عاصف لو هبّت على جبل لأذابته بحرّها ، فأتت على أرواح الإبل جميعها ، ولم تترك منها كبيراً ولا صغيراً إلا أهلكته .

فبينا هو يتعجّب من ذلك ويحمد الله ويشكره إذ أتت الأكَرَهُ قائلين : قد نزلت بنا صاعقة فلم تترك من الزرع والأشجار والثمار شيئاً الا أحرقته ، فلم يزده ذلك ولم يغيّره ولم يفتر لسانه عن ذكر الله وعن التسبيح والتقديس .

فبينما هو كذلك يحمد الله ويشكره إذ أتاه آت قد أتى باكياً حزيناً يلطم وجهه ويحثو التراب على رأسه ، فسأله أيّوب : ما الخبر ؟

فقال : إنّ ابنك الأكبر أضاف باقي إخوته فوضع لهم الطعام وبعضهم قد ابتدأ بالأكل ، وبعضهم لم يبتدئ إذ خرّ السقف عليهم فماتوا جميعهم ، فاستعبر أيّوب ، ثم استشعر لباس الصبر ، والتوكّل على الله ، وتفويض الأمر إليه ، وأخذ في السجود قائلاً : يا ربّ إذا كنت لي لا أُبالي ، ثمّ بعد ذلك حلّ به من الأسقام والأمراض في بدنه ما لا يوصف كثرة ، ولم يشتك إلى مخلوق ، ولم يفوّض امره إلى غير ربّه سبحانه ، وأمّا قوله : «أَنّي مَسّنِيَ الضّرّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ»(1) فإنّما كان لما روي أنّ الشيطان أتاه في صورة طبيب فقال : إن أردت أن أشفيك من علّتك فاسجد لي ، فإنّي اُزيل عنك ما يؤلمك ، وأشفيك من علّتك ، فصاح أيّوب عند ذلك ، واستغاث بالله قائلاً : «أَنّي مَسّنِيَ الضّرّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ» ، فولّى عنه إبليس ، وقد يأس منه فأتى زوجته رحمة بنت يوسف ووسوس إليها .

روي أنّه أتاه في صورة طبيب ، فدعته إلى مداواة أيّوب عليه السلام ،

(1) سورة الأنبياء : 83 .

( 128 )

فقال : اُداويه على أنّه إذا برئ قال : أنت شفيتني ، لا اُريد جزاء سوى ذلك .

قال : فأشارت إلى أيّوب بذلك ، فصاح واضطرب واستجار بالله وحلف ليضربنّها مائة ضربة .

وقيل : أوحى الله إلى أيّوب : يا أيّوب ، إنّ سبعين نبيّاً من أنبيائي سألوني هذا البلاء فلا تجزع ، فلمّا أتاه الله بالعافية في بدنه اشتاق إلى ما كان عليه من البلاء ، فلذلك قال سبحانه : «إِنّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنّهُ أَوّابٌ»(1) .

ولمّا انقضت المحنة وقرب الفرج أتاه جبرئيل بأمر الله بعد أن دغامت به الأسقام والأمراض سبع سنين ، وقال : يا أيّوب ، «ارْكُضْ بِرِجْلِكَ» أي ادفع الأرض برجلك «هذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ»(2) ، فركض برجله فنبعث عينان ، فاغتسل من أحدهما فبرئ ، وشرب من الاُخرى .

وروي عن الصادق عليه السلام أنّ الله تعالى أحيا له أهله الذين ماتوا بأعيانهم قبل البليّة ، وأحيا أهله الذين ماتوا وهو في البليّة .

قالوا : ولمّا ردّ الله عليه ولده وأهله وماله ، وعافاه في بدنه أطعم أهل قريته سبعة أيّام ، وأمرهم أن يحمدوا الله ويشكروه ، ثمّ امره جبرئيل أن يأخذ ضغثاً وهو ملء الكفّ من الشماريخ وما أشبه ذلك ، فيضربها ضربة واحدة براءة ليمينه لأنّه كان قد حلف ليضربنّها ماءة ضربة .(3)

فانظر إلى شدّة إخلاصه ، وعظيم اختصاصه ، وحسن مراقبته لمعبوده ، ومقابلته البلاء بالشكر في ركوعه وسجوده .

(1) سورة ص : 44 .
(2) سورة ص : 42 .
(3) مجمع البيان : 4 / 59 و478 . عنه البحار : 12 / 340 .

( 129 )

وكذلك كان روح الله وكلمته المسيح بن مريم ، كان عليه السلام كما وصفه أمير المؤمنين وسيّد الوصيّين بقوله : كان يَلبَسُ الخشِن ، ويأكل الجشب(1) ، وكان إدامه الجوع(2) ، وسراجه بالليل القمر ، وظلاله في الشتاء مشارق الأرض ومغاربها ، تولم يكن له ولد يحزنه ، ولا زوجة تفتنه ، دابّته(3) رجلاه ، وخادمه يداه .(4)

وعن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال : والله ما تبع عيسى شيئاً من المساوئ قطّ ، ولا انتهر يتيماً(5) قطّ ، ولا قهقه ضاحكاً قط ، ولا ذبّ ذباباً عن وجهه ، ولا أخذ على أنفه من شيء نتن قطّ(6) ، ولا عبث قطّ .(7)

وروي أنّه عليه السلام مرّ برهطٍ ، فقال بعضهم لبعض : قد جاءكم الساحر ابن الساحرة ، والفاعل ابن الفاعلة ، فقذفوه باُمّه ، فسمع ذلك عيسى عليه السلام ، فقال : اللهم أنت ربّي خلقتني ولم آتهم من تلقاء نفسي ، اللهم العن من سبّني ، وسبّ اُمّي ، فاستجاب الله له دعوته ، فمسخهم خنازير .

(1) كذا في النج ، وفي الأصل : الحشيش ـ وهو تصحيف ـ .
طَعامٌ جَشِبٌ ومجشوبٌ : أي غليظ خَشِنٌ . وقيل : هو الذي لا اُدم له «لسان العرب : 1 / 265 ـ جشب ـ » .
(2) قال المجلسي رحمه الله : لعلّ المعنى أنّ الانسان إنّما يحتاج إلى الإدام لأنّه يعسر على النفس أكل الخبز خالياً عنه ، فأمّا مع الجوع الشديد فيلتذّ بالخبز ولا يطلب غيره ، فهو بمنزلة الإدام ، أو أنّه كان يأكل الخبز دون الشبع ، فكان الجوع مخلوطاً به كالإدام .
(3) في النهج : وظلاله في الشتاء مشارق الارض ومغاربها ، وفاكهته وريحانه ما تنبتُ الأرض للبهائم ، ولم تكن له زوجة تفتِنُهُ ، ولا ولد يحزنُهُ ، ولا مال يلفِتُه ، ولا طمَعٌ يذلّه ، دابّته ... .
(4) نهج البلاغة : 227 خطبة رقم 160 ، عنه البحارر : 14 / 238 ح 16 .
(5) كذا في المجمع وفي الأصل : شيء .
(6) كذا في المجمع ، وفي الأصل : ولا أخذ على نفسه من بين شيء قطّ .
(7) مجمع البيان : 2 / 266 ، عنه البحار : 14 / 263 . وانظر : عرائس المجالس : 398 .

( 130 )

ولمّا مسخهم الله سبحانه بدعائه بلغ ذلك يهوذا وهو رأس اليهود ، فخاف أن يدعو عليه ، فجمع اليهود ، فاتّفقوا على قتله ، فبعث الله سبحانه جبرئيل يمنعه منهم ، ويعينه عليهم ، وذلك معنى قوله : «وَأَيّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ»(1) فاجتمع اليهود حول عيسى ، فجعلوا يسألونه فيقول لهم : يا معشر يهود ، إنّ الله تعالى يبغضكم ، فثاروا(2) إليه ليقتلوه ، فأدخله جبرئيل خوخة البيت الداخل ، لها روزنة في سقفها ، فرفعه جبرئيل إلى السماء ، فبعث رأس اليهود رجلاً من أصحابه اسمه ططيانوس(3) ، ليدخل عليه الخوخة فيقتله ، فدخل فلم يره ، فأبطأ عليهم ، فظنّوا أنّه يقاتله في الخوخة ، فألقى الله عليه شبه عيسى ، فلمّا خرج على أصحابه قتلوه وصلبوه ؛ وقيل : ألقى الله عليه شبه وجه عيسى ، ولم يلق عليه شبه جسده ، فقال بعض القوم : إنّ الوجه وجه عيسى ، والجسد جسد ططيانوس ، فقال بعضهم : إن كان هذا ططيانوس فأين عيسى ؟ وإن كان هذا عيسى فأين ططيانوس ؟ فاشتبه الأمر عليهم .(4)

وعن رسول الله صلى الله عليه وآله أنّ عيسى لم يمت ، وانّه راجع إليكم قبل يوم القيامة .

وقد صحّ عنه صلى الله عليه وآله أنّه قال : كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم(5) وإمامكم منكم . رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما .(6)

(1) سورة البقرة : 87 و253 .
(2) في المجمع : فساروا .
(3) في المجمع : طيطانوس ، وفي العرائس : فلطيانوس ، وكذا في المواضع الآتية .
(4) مجمع اليان : 2 / 135 ـ 136 ، عرائس المجالس : 400 .
(5) كذا في غالبية المصادر ، وفي الأصل : عليكم .
(6) صحيح البخاري : 4 / 205 ، صحيح مسلم : 1 / 136 ب 71 ح 244 و245 .
وانظر أيضاً : المصنف لعبد الرزّاق : 11 / 400 ح 20841، جواهر البحار في فضائل النبي

( 131 )

وقوله سبحانه : «وَرَافِعُكَ إِلَيّ»(1) ؛ قيل : أي أي بعد نزولك من السماء في آخر الزمان .(2)

وروي أنّ عيسى لمّا أخرجه قومه واُمّه من بين ظهرانيهم عاد إليهم مع الحواريّين ، وصاح فيهم بالدعوة ، فهمّوا بقتله ، فرفعه جبرئيل إلى السماء ـ كما مرّ ـ .

وروي أنّ الحواريّين اتّبعوا عيسى ، وكانوا إذا جاعوا قالوا : يا روح الله ، جعنا ، فيضرب بيده إلى الأرض ، سهلاً كان أوجبلاً ، فيخرج لكلّ إنسان رغيفين يأكلهما ، وإذا عطشوا قالوا : يا روح الله ، عطشنا ، فيضرب بيده إلى الأرض ، سهلاً

 المختار للنبهائي : 1 / 311 ، منتخب الصحيحين للنبهاني : 289 ، مسند أحمد بن حنبل : 2 / 272 و336 ، مسند أبو عوانة : 1 / 106 ، ابن حبّان : 8 / 283 ـ 284 ح 6764 ، الأسماء والصفات للبيهقي : 535 ، مصابيح البغوي : 3 / 516 ح 4261 ، شرح السنّة للبغوي : 15 / 82 ، الفردوس : 3 / 342 ح 4916 ، جامع الاًصول : 11 / 47 ح 7808 ، مطالب السؤول : 2 / 80 ، بيان الشافعي : 495 ـ 496 ب 7 ، عقد الدرر : 229 ب 10 ، الفصول المهمّة : 294 ف 12 وص 295 وص 299 ، جمع الجوامع : 1 / 632 ، برهان المتقي : 159 ب 9 ح 4 ، كنز العمّال : 14 / 332 ح 38840 وص 334 ح 38845 ، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي : 4 / 101 ، وج 16 / 106 ، فرائد فوائد الفكر : 22 ب 6 ، نور الأبصار : 188 ، ينابيع المودّة : 186 ب 56 ، فض القدير : 5 / 58 ح 6440 ، العطر الوردي : 71 ، تصريح الكشميري : 97 ح 2 ، عقيدة أهل اسنّة : 8 ح 1 و2 ، العمدة لابن بطريق : 431 ح 903 وص 432 ح 905 ، كشف الغمّة : 3 / 228 و269 و279 ، إثبات الهداة : 3 / 599 ح 63 وص 606 ح 106 ، غاية المرام للبحراني : 698 ح 65 وص 697 ح 40 ـ 42 وص 702 ح 128 ، حلية الأبرار : 2 / 692 و693 و698 و710 ، البحار : 51 / 88 ب 1 .
(1) كذا الصحيح ، وفي الأصل : إليّ آمنوا .
والآية في سورة آل عمران : 55 .
(2) مجع البيان : 1 / 449 .

( 132 )

كان أو جبلاً ، فتنبع عين ماء(1) فيشربون .

فقالوا : يا روح الله ، من أفضل منّا إذا جعنا أطعمتنا ، وإذا عطشنا سقيتنا(2) ، وقد آمنّا بك واتّبعناك ؟

قال : أفضل منكم من يعمل بيده ، ويأكل من كسبه ، فصاروا يغسلون الثياب بالكراء .(3)

والحوارى شدّة البياض ، ومنه الحواري من الخبز لشدّة بياضه ، فكأنّهم هم المبيّضون للثياب .(4)

وقيل : إنّ الذي دلّهم على المسيح كان رجلاً من الحواريّين وكان منافقاً ، وذلك أنّ عيسى جمعهم تلك الليلة ، وأوصاهم ، وقال : ليكفرنّ بي أحدكم قبل أن يصيح الديك ، ويبيعني بدراهم يسيرة ، وخرجوا وتفرّقوا ، وكانت اليهود تطلبه ، فأتى أحد الحواريّين إليهم فقال(5) : ما تجعلون لي إن دللتكم عليه ؟ فجعلوا له ثلاثين درهماً ، فأخذها ودلّهم عليه ، فألقى الله عليه شبه عيسى عليه السلام لما دخل البيت ، ورفع عيسى فأُخذ وقال : أنا الذي دللتكم عليه ! فلم يلتفتوا إلى قوله ، وقتلوه وهم يظنّون أنّه عيسى .

فلمّا رفع عيسى وأتى عليه سبعة أيّام قال الله له : اهبط على مريم لتجمع لك الحواريّين ، وتبثّهم في الأرض دعاة ، فهبط عليها ، واشتعل الجبل نوراً ، فجمعت له الحواريّين ، فبثّهم في الأرض دعاة ، ثمّ رفعه الله

(1) في المجمع : فيخرج ماء .
(2) في المجمع : إذا شئنا أطعمتنا ، وإذا شئنا سقيتنا .
(3) مجمع البيان : 1 / 448 .
(4) مجمع البيان : 1 / 447 .
(5) كذا في المجمع ـ وهو الصحيح ـ ، وفي الأصل : وقالوا .

( 133 )

تعالى في تلك الليلة ، وهذه الليلة هي الليلة التي تسمّيها النصارى ليلة الدخنة ويدخّنوا فيها .

فلمّا أصبح الحواريّون حدّث كلّ واحدٍ منهم بلغة من أرسله إليه(1) عيسى عليه السلام(2) .

وكانت مريم بنت عمران اُمّ عيسى ليس أبوها عمران أبوموسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب ، بل هو عمران بن الهشم(3) بن امون من ولد سليمان بن داود عليه السلام ، وكان بينه وبين عمران أبي موسى ألف وثمانمائة سنة .

وكانت امرأة عمران اسمها حنّة اُمّ مريم، وهي جدّة عيسى واُختها إيشاع واسم أبيها فاقوذ بن قبيل ، وهي امرأة زكريّا ، فيحيى ومريم ولدا خالة .(4)

وكان يحيى بن زكريّا كما وصفه الله سبحانه وأثنى عليه في كتابه العزيز بقوله : «يَا يَحْيَى‏ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً«12» وَحَنَاناً مِن لّدُنّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيّاً«13» وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبّاراً عَصِيّاً«14» وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيّاً»(5) وكانت ولادته آية من آيات الله سبحانه ، لأنّ زكريّا لمّا رأى من كرامات الله لمريم حين كفلها ، وكان يرى عندها فاكهة الصيف في الشتاء ، وفاكهة الشتاء في

(1) في المجمع : إليهم .
(2) مجمع البيان : 1 / 448 ـ 449 .
(3) كذا في المجمع ، وفي الأصل : اشهم .
(4) انظر : الكامل في التاريخ : 1 / 298 ـ وفيه : عمران بن ماثان ـ عرائس المجالس : 166 و371 ، ومجمع البيان : 1 / 433 ـ 434 ، وج 3 / 503 .
(5) سورة مريم : 12 ـ 15 .

( 134 )

الصيف ، خلاف ما جردت به العادة ، فسألها عن ذلك فيقول : «أنّى لك هذا» ؟ فتقول : من رزق الله .(1)

فعندها دعا الله سبحانه ، كما قال سبحانه : «إِذْ نَادَى‏ رَبّهُ نِدَاءً خَفِيّاً»(2) أي دعا ربّه سرّاً غير جهر يخفيه في نفسه لا يريد به رياء ، وفي هذا دلالة على أنّ المستحبّ في الدعاء الإخفاء ، فإنّه أقرب إلى الاجابة .

وفي الحديث : خير الدعاء الخفيّ ، وخير الرزق ما يكفي .

وقيل : إنّما أخفاه لئلّا يهزأ به الناس فيقولوا : انظروا إلى هذا الشيخ سأل الولد على الكبر .(3)

قال ابن عبّاس : كان عمر زكريّا حين طلب الولد عشرين ومائة سنة ، وكانت امرأته ابنة ثمان وتسعين سنة .(4)

فأوحى الله إليه : «يَازَكَرِيّا إِنّا نُبَشّرُكَ بِغُلاَمٍ اسْمُهُ يَحْيَى‏ لَمْ نَجْعَل لّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً»(5) أي لم نسمّ أحداً قبله بهذا الاسم .

وكذلك الحسين عليه السلام لم يسم أحد قبله باسمه .

وكان قاتل يحيى ولد زنا ، وكذلك قاتل الحسين عليه السلام كان ولد زنا .

وحمل رأس يحيى بن زكريّا إلى بغيّ من بغايا بني إسرائيل .

وكذلك حمل رأس الحسين إلى نجل بغيّة من بغايا قريش ، ولم تبك

(1) إشارة إلى الآية : 37 من سورة آل عمران .
(2) سورة مريم : 3 .
(3) مجمع البيان : 3 / 502 .
(4) مجمع البيان : 1 / 439 ، وفيه : يوم بشّر بالولد .
(5) سورة مريم : 7 .

( 135 )

السماء الا عليهما بكت أربعين صباحاً .

وسئل الصادق عليه السلام عن بكائها ، قال : كانت الشمس تطلع حمراء ، وتغيب حمراء .(1)

وروي عن علي بن زيد ، عن علي بن الحسين عليه السلام قال : خرجنا مع الحسين عليه السلام إلى العراق فما نزل منزلاً ، ولا ارتحل منه الا ذكر يحيى بن زكريّا .(2)(3)

وعن أبي جعفر عليه السلام ، عن رسول الله صلى الله عليه وآله ، قال : لا يقتل الأنبياء وولد الأنبياء الا ولد زنا .(4)

وسئل الصادق عليه السلام عن قول فرعون : «ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى»(5) ، فقيل : من كان يمنعه منه ؟

قال : إنّه كان لرشده ، ولم يكن ولد زنا ، لأنّ الأنبياء والحجج لا يقتلها الا ولد الزنا .(6)

(1) انظر كامل الزيارات : 88 ب 28 ، قصص الأنبياء للراوندي : 220 ح 291 ، بحار الأنوار : 45 / 201 ب 40 ، عوالم العلوم : 17 / 466 ب 2 .
(2) مناقب ابن شهراشوب : 4 / 85 ، عنه البحار : 45 / 298 ح 10 ، وعوالم العلوم : 17 / 608 ح 3 .
(3) مجمع البيان : 3 / 504 ، عنه البحار : 14 / 175 .
(4) كامل الزيارات : 78 ح 9 وص 79 ح 10 ، عنه البحار : 27 / 240 ح 5 و6 .
وأورده الراوندي في قصص الأنبياء : 220 ح 290 و291 ، عنه البحار : 27 / 240 ح 3 و4 .
(5) سورة غافر : 26 .
(6) كامل الزيارات : 78 ح 7 ، علل الشرائع : 57 ح 1 ، عنهما البحار : 27 / 239 ح 2 .وأخرجه في البحار : 13 / 132 ح 35 عن العلل .

( 136 )

وكان يحيى أكبر من عيسى بستّة أشهر ، وكلّف التصديق به ، وكان أوّل مصدّق به ، وشهد أنّه كلمة الله وروحه ، وكان ذلك أحد معجزات عيسى عليه السلام ، وأقوى الأسباب لإظهار أمره ، فإنّ الناس كانوا يقبلون قوله لمعرفتهم بصدقه وزهده .(1)

فلهذا اجتمعت اليهود على قتله(2) ، فلمّا أحسّ بذلك فرّ منهم واختفى في أصل شجرة ، فالتأمت عليه ، فدلّهم إبلي عليه ؛ وقيل : إنّه جذب طرف ردائه فلاح(3) لهم في ظاهر الشجرة ، فوضعوا عليه منشاراً ، وقدّوا أصل الشجرة ويحيى بنصفين ، فأرسل الله سبحانه عليهم بخت نصّر ، وكان دم يحيى يفور من أصل الشجرة ، فقتل عليه سبعين ألفاً ، وكذلك قتل بالحسين سبعون وسبعون ألفاً ، وما أُخذ بثأره إلى الآن .

المناجاة

يا من أغرق أصحاب الأفكار الصائبة في بحار إلهيّته ، وحيّر أرباب الأنظار الثاقبة في مبدأ ربوبيّته ، ويا من تفرّد بالبقاء في قديم أزليّته ، ويا من توحّد بالعلى في دوام عظمته ، ويا من وسم ما سواه بميسم «كُلّ شَىْ‏ءٍ هَالِكٌ إِلّا وَجْهَهُ»(4) ، ويا من جعل لكلّ حيّ إلى سبيل الموت غاية ووجهة ، ويا

(1) مجمع البيان : 1 / 438 ، عنه البحار : 14 / 169 .
(2) روي هذا في زكريّا عليه السلام ، انظر : علل الشرائع : 80 ح 1 ، عنه البحار : 14 / 179 ح 15 .
وقصص الأنبياء للراوندي : 217 ح 284 ، عنه البحار : 14 / 181 ح 22 .
(3) في «ح» : أي فظهر .
(4) سورة القصص : 88 .

( 137 )

من رجوت وجوده منزّه عن العدم ، ويا من دوام بقائه متّصف بالأحديّة والقدم ، ويا من هدانا السبيل إلى ما يزلفنا برضوانه ، وعرّفنا الدليل إلى ما يتحفنا بجنانه ، ونصب لنا أعلاماً يهتدي بها الحائر عن قصد السبيل في معتقده ونحلته ، وأثبت لنا في سماء الصباح إيضاح بيانه أنجماً ينجو بنورها السائر بغير دليل في ظلمة حيرته ، وجعلهم خاصّة نفسه من عباده ، وولاة أمره في بلاده ، لذّتهم في امتثال أوامره ونواهيه ، وفرحتههم فيما يقرّبهم من حضرته ويرضيه ، وكلّفهم بالتكاليف الشاقّة من جهاد أعدائه ، وألزمهم بكفّ أكفّ الملحدين في صفاته وآلائه .

فبذلوا وسعهم في إعلاء كلمته ، وأجهدوا جهدهم إذعاناً لربوبيّته ، وقابلوا بشرائف وجوههم صفاح الأعداء ، وتلقّوا بكرائم صدورهم رماح الأشقياء ، حتى قطعت أوصالهم ، وذبحت أطفالهم ، وسبيت ذراريهم ونساؤهم ، واُنهبت أثقالهم وأموالهم ، واُهديت إلى رؤوس البغاة رؤوسهم ، واستلّت بسيوف الطغاة نفوسهم ، وصارت أجسادهم على الرمضاء منبوذة ، وبصوارم الأعداء موقوذة(1)، تسفي(2) عليهم الأعاصير بذيولها ، وتطأهم الأشقياء بخيولها ، وتبكي عليهم السموات السبع بأفلاكها ، والأرضون السبع بأملاكها ، والبحار ببينانها ، والأعصار بأزمانها ، والجنّة بولدانها ، والنار بخزّانها ، والعرش بحملته ، والفرش بحملته ، أبدانهم منبوذة بالعراء ، وأرواحهم منّعمة في الرفيق الأعلى .

أسألك بحقّ ما ضمّت كربلاء من أشباحهم ، وجنّة المأوى من أرواحهم ،

(1) الوقذ : شدّة الضرب . «لسان العرب : 3 / 519 ـ وقذ ـ » .
(2) سَفَتِ الريح التراب تسفيه سَفياً ، إذا أذرَته . «صحاح الجوهري : 6 / 2377 ـ سفى ـ » .

( 138 )

وبحقّ ألوانهم الشاحبة في عراها ، وأوداجهم الشاخبة(1) في ثراها ، وبما ضمّ صعيدها من قبورهم وظرائحهم ، وما غيّب في عراصها من أعضائهم وجوارحهم ، وبحقّ تلك الوجوه التي طال ما قبّلها الرسول ، وأكرمتها البتول ، وبحقّ تلك الأبدان التي لم تزل تدأب في عبادتك ، وتكدح في طاعتك ، طالما سهرت نواظرها بلذيذ مناجاتك ، وأظمأت هواجرها طلباً لمرضاتك ، شاهدت أنوار تجلّيات عظمتك بأبصار بصائرها ، ولاحظت جلال ربوبيّتك بأفكار ضمائرها ، فأشرقت أنوار إلهيّتك على مرايا قلوبها ، فأضاءت الأكوان بانعكاس أشعّة ذلك النور الذي هو كمال مطلوبها .

أن تصلّي على محمد وآل محمد ، وان تجعل قلوبنا معمورة بحبّهم ، وأنفسنا مسرورة بقربهم ، وألسنتنا بذكر مناقبهم ناطقة ، وأبداننا بنشر فضائلهم عانقة ، ومدائحنا إلى نحو جهاتهم موجّهة ، وقرائحنا بمعاني صفاتهم مفوّهة ، وشكرنا موقوفاً على حضرة رفعتهم ، وذكرنا مصروفاً إلى مدحة عظمتهم ، لانعقد سواهم سبيلاً موصلاً إليك ، ولا نرى غير حبّهم سبباً منجياً لديك ، نرى كلّ مجد غير مجدهم حقيراً ، وكلّ غنيّ بغير ولاتهم فقيراً ، وكلّ فخر سوى فخرهم زوراً ، وكلّ ناطق بغير لسانهم زخرفاً وغروراً ، وكلّ عالم بغير علمهم جاهلاً ، وكلّ إمام يدّعي من دونهم باطلاً .

فلك الحمد علىما اطّلعنا عليه من سرّك المصون بعرفان فضلهم ، وأهلّنا له من علمك المخزون بالاستمساك بحبلهم .

(1) في حديث الشهداء : أوداجهم تَشخُبُ دماً ، قيل : هي ما أحاط بالعنق من العروق التي يقطعها الذابح «لسان العرب : 2 / 397 ـ ودج ـ » .

( 139 )

اللهم فثبّتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ، ونوّر بمصابيح ولاتهم سبيل سلوكنا إليك في ظلمات الساهرة(1) ، وزيّن بذكرهم مجالس وعظنا ، وشرّف بشركهم نفائس لفظنا ، واجعلنا وحاضري مجلسنا ممّن يناله شفاعتهم يوم وقوفنا بين يديك ، ومن تتلقّاهم الملائكة الكرام بالبشرى حين العرض عليك ، وأثبنا على تحمّل الأذى فيهم من أعداء دينك ثواب الصدّيقين ، وأيّدنا بروح قدسك ، وانصرنا على القوم الكافرين .

والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين .

(1) الساهرة : الأرض ، الفلاة ؛ وقيل : أرض يجدّدها الله يوم القيامة . «لسان العرب : 4 / 383 ـ سهر ـ » .

( 140 )

( 141 )

المجلس الثاني

في ذكر سيّد المرسلين ، وما ناله من الأذى من أعداء الدين ، وذكر وفاته ، وذكر اُمور تتعلّق بظلامة أهل بيته الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين

الحمد لله الذي وعد على الصبر الجميل بالثواب الجزيل في دار جزائه ، وتوعّد بالعذاب الأليم على ترك التسليم لقضائه ، وابتلى أنبياءه بالمحن السابقة في علمه في دار بلائه ، وكلّفهم بالتكاليف الشاقّة من حكمه في منزل ابتلائه ، وأمرهم بكفّ أكفّ الملحدين في آياته ، ورغم اُنوف الحجاحدين لصفاته ، وأطلعهم على أسرار عظمته بصغر ما سواه لديهم ، وكشف عن أبصار بصائرهم فوعوا ما ألقاه إليهم ، وتجلّى لهم في ضمائرهم فطاح وجودهم في شهودهم ، وخاطبهم في سرائرهم ، فهاموا طرباً بلذّة خطاب معبودهم ، حصّن مدينة وجودهم بسور توفيقه من وساوس الشكّ ، وحمى حوزة نفوسهم بتوفيق مشيئته من شُبه الشرك ، وأطلعهم على عيوب دار الغرور فرفضوها ، وحذّرهم مصارع بطشها المشهور ففرضوها .

وصلوا بقدم صدقهم إلى عين اليقين ، وشربوا من شراب الجنّة بكأس من

 ( 142 )

معين ، وسلكوا مفاوز البرزخ إلى الدار الباقية ، فكشفوا حجب غيوبه لأهل الحياة الفانية ، وحذّرهم ما يلقون في سلوكهم ـ بعد مماتهم ـ إلى دار قرارهم ، وأراهم عواقب اُمورهم بعد الاخراج من ديارهم ، وأمرهم باتّخاذ الزاد البعيد لسفرهم ، وحسن الارتياد قبل انقطاع عذرهم ، ما وهنوا في سبيل ربّهم ، وما ضعفوا وما استكانوا بل أيّدوا الحقّ وأهله ، ونصروا وأعانوا وجاهدوا في الله بأيديهم وألسنتهم ، ونصحوا في سبيل الله في سرّهم وعلانيتهم ، وكان أفضل سابق في حلبة الاخلاص لربّه ، وأكمل داع دعا إلى الله بقالبه وقلبه ، وخير مبعوث بدأ الله به وختم ، وأجمل مبعوث بالمجد الأعبل والشرف الأقدم ، كم تلقّى صفاح الأعداء بطلعته الشريفة ؟! وكم قابل رماح الأشقياء ببهجته المنيفة ؟! صاحب بدر الصغرى والكبرى ، وسيّد أهل الدنيا والاُخرى ، الذي لم يجاد أحد في اُحد جهاده ، ولا جالد جَليد في حنين جلاده(1) ، أشجع الخلق بالحقّ ، واصدع الرسل بالصدق .

تاج رسالته : «سُبْحَانَ الّذِي أَسْرَى»(2) ، وتوقيع نبوّته : «فَأَوْحَى‏ إِلَى‏ عَبْدِهِ مَا أَوْحَى»(3) ، ودلالة محبّته : «مَا وَدّعَكَ رَبّكَ وَمَا قَلَى»(4) ، وآية بعثه : «مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى»(5) ، كلّ من الأنبياء مقدّمة جنده ، وكلّ من الأولياء أخذ الميثاق على من بعده بوفاء عهده ، في صحف الخليل ذكره أشهر من أن يشهر ، وفي توراة الكليم فضله من فلق الصبح أظهر ، والمسيح في إنجليه دعا إليه وبشّر ، وصاحب الزبور لمّا دعا باسمه أظهر الله على جالوت ونصره أعني

(1) الجَلَد : القوّة والشدّة ، الصلابة . «لسان العرب : 3 / 125 ـ جلد ـ » .
(2) سورة الاسراء : 1 .
(3) سورة النجم : 10 .
(4) سورة الضحى : 3 .
(5) سورة النجم : 11 .

( 143 )

صاحب الحوض والكوثر ، والتاج والمغفر ، والدين الأظهر ، والنسب الأطهر ، محمد سيّد البشر ، أشرف مبعوث إلى الكافّة ، وخير مبعوث بالرحمة والرأفة ، تحمّل أعباء الرسالة صابراً ، وجاهد في الله مصابراً ، ما اوذي أذاه نبيّ ، ولا صبر صبره وليّ ، كم راموا هدم بنيانه ، وهدّ أركانه ، وإدحاض حجّته ، وإذلال صبحته ؟ وأبى الله الا تأييده ونصره ، وإعلاء فوق كلّ أمر أمره .

روى سيّدنا ومولانا الامام المفترض الطاعة الامام ابن الأئمّة ، والسيد ابن السادة ، نجل النبيّ ، وسلالة الوصيّ ، الامام الزكي ، أبو القائم المهديّ الحسن بن عليّ العسكري صلوات الله وسلامه عليه وعلى آبائه الطاهرين ، وولده الحجّة على الخلق أجميعن ، أنّ أبا جهل كتب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ـ بعد أن هاجر إلى المدينة ـ : يا محمد ، إنّ الخيوط(1) التي في رأسك هي التي ضيّقت عليك مكّة ، ورمت بك إلى يثرب ، وإنّها لا تزال بك إلى أن توردك موارد الهلكة ... إلى آخر الكتاب .

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله للرسول : إنّ أبا جهل بالمكاره(2) يهدّدني ، وربّ العالمين بالنصر والظفر يعدني ، وخبر الله أصدق ، والقبول من الله أحقّ ، لن يضرّ محمداً من خذله ، أو يغضب عليه بعد أن ينصره الله عزّ وجل ، ويتفضّل بكرمه وجوده عليه .

ثمّ قال للرسول : قل له : يا أبا جهل ، إنّك راسلتني بما ألقاه الشيطان في خلدك(3) ، وأنا اُجيبكبما ألفاه في خاطري الرحمن ، إنّ الحرب بيننا وبينك

(1) في تفسير العسكري : الخبوط . وهو من تخبّطه الشيطان : إذا مسّه بخبل أو جنون .
وما في المتن «الخيوط» فلعلّه كناية عن الجنون .
(2) في التفسير والمناقب : بالمكاره والعطب .
(3) الخَلَد : البال والقلب .

( 144 )

كافية(1) إلى تسعة وعشرين يوماً ، وإنّ الله سيقتلك فيها بأضعف أصحابي ، وستلقى أنت وشيبة وعتبة والوليد وفلان وفلان ـ وذكر عدداً من قريش ـ في قليب بدر مقتّلين ، أقتل منكم سبعين ، وآسر منكم سبعين ، أحملهم على الفداء(2) الثقيل .

ثمّ قال صلى الله عليه وآله : ألا تحبّون أن اُريكم مصرع(3) كلّ واحد من هؤلاء ؟ هلمّوا إلى بدر ، فإنّ هناك الملتقى والمحشر ن وهناك البلاء [الأكبر](4) ، فلم يجبه الا أمير المؤمنين ، وقال : نعم ، بسم الله ، فقال صلى الله عليه وآله لليهود : اخطوا خطوة واحدة فإنّ الله يطوي الأرض لكم ، ويوصلكم إلى هناك ، فخطا القوم خطوة ، ثم الثانية : فإذا هم عند بئر بدر .

فقال صلى الله عليه وآله : هذا مصرع عتبة ، وذاك مصرع شيبة ، وذاك مصرع الوليد ، إلى أن سمّى تمام سبعين ، وسيؤسر فلان وفلان ، إلى أن ذكر سبعين منهم ، فلمّا انتهى(5) إلى آخرها وقال : هذا مصرع أبي جهل ، يجرحه(6) فلان الأنصاري ، ويجهز عليه عبد الله بن مسعود أضعف أصحابي .

ثمّ قال : إنّ ذلك لحقّ كائن إلى بعد ثمانية وعشرين يوماً ، فكان كما

(1) في التفسير : كائنة .
(2) كذا في التفسير والمناقب ، وفي الأصل : النداء .
(3) كذا في التفسير والمناقب ، وفي الأصل : مصارع .
(4) من التفسير والمناقب .
(5) في التفسير والمناقب : انتهوا .
(6) كذا في التفسير والمناقب ، وفي الأصل : آخرها فإنّ هذا مصرع ابي جهل يخرجه ـ وهو تصحيف ـ .

( 145 )

قال صلى الله عليه وآله .(1)

ولمّا ائتمرت قريش أن يفتنوا المؤمنين عن دينهم ، فوثبت كلّ قبيلة على من فيها من المسلمين ، يؤذونهم ويعذّبونهم ، فافتتن من افتتن ، وعصم الله سبحانه منهم من شاء ، وحمى(2) الله نبيّه بعمّه أبي طالب رضي الله عنه ، فلمّا رأى رسول الله صلى الله عليه وآله ما بأصحابه ، ولم يقدر على منعهم ، ولم يؤمر بعد بالجهاد ، أمرهم بالخروج إلى أرض الحبشة ، وقال : إنّ بها ملكاً صالحاً ، لا يظلم ولا يُظلم عنده أحد ، فاخرجوا إليه حتى يجعل الله عز وجل للمسلمين فرجاً ، وأراد به النجاشي ، واسمه أصحمة ، وهو بالحبشيّة عطيّة ، وإنّما النجاشي اسم الملك ، كقولهم تبع ، وكسرى(3) ، وقيصر .

فخرج إليها سرّا أحد عشر رجلاً ، واربع نسوة ، وهم : الزبير بن العوّام ، وعبد الله بن مسعود ، وعبد الرحمان بن عوف ، وأبو حذيفة بن عتبة ، وامرأته سهلة بنت سهيل بن عمرو ، ومصعب بن عمير ، وأبو سلمة بن عبد الأسد ، وامرأته سلمة بنت أبي اُميّة ، وعثمان بن مظعون ، وعامر بن ربيعة ، وامرأته ليلى بنت أبي خيثمة ، وحاطب بن عمرو ، وسهيل(4) بن بيضاء ، فخرجوا إلى البحر ، وأخذوا سفينة إلى برّ(5) الحبشة بنصف دينار ، وذلك في رجب ، في النسة الخامسة من

(1) التفسير المنسوب إلى الامام العسكري عليه السلام : 294 ـ 296 ، عنه البحار : 17 / 342 ، وتفسير البرهان : 1 / 115 ح 1 . وأورده في الاحتجاج : 1 / 38 ، ومناقب ابن شهراشوب : 1 / 68 . وأخرجه في البحار : 19 / 265 ح 6 عن تفسير العسكري والاحتجاج . وانظر : الأحاديث الغيبيّة : 2 / 5 ـ 8 ح 351 .
(2) في المجمع : ومنع .
(3) كذا في المجمع ، وفي الأصل : كقوله : كسرى .
(4) في المجمع : سهل .
(5) في المجمع : أرض .

( 146 )

مبعث النبي صلى الله عليه وآله(1) .

ثم خرج بعدهم جعفر بن أبي طالب ، وتتابع المسلمون إليها ، وكان جميع من هاجر إلى الحبشة من المسلمين على التعاقب ، اثنين وثمانين رجلاً(2) ، سوى النساء والصبيان .

فلمّا علمت قريش بذلك وجّهت عمرو بن العاص وصاحبه عمارة بن الوليد بالهدايا إلى النجاشي وإلى بطارقته ليردّوهم ، وكان عمارة بن الوليد شابّاً حسن الوجه ، وأخرج عمرو بن العاص أهله معه .

فلمّا ركبوا السفينة شربوا الخمر . فقال عمارة لعمرو بن العاص : قل لأهلك تقبّلني ، فلمّا انتشى(3) عمرو دفعه عمارة في الماء ، فلمّا انتشى(3) عمرو دفعه في الماء ، ونشب(4) عمرو في صدر السفينة ، واُخرج من الماء ، وألقى الله العداوة بينهما في مسيرهما قبل أن يصلا إلى النجاشي .

ثمّ وردا على النجاشي ، فأنزلهم ، ثمّ استدعى بهما وسألهما ما أقدمهما إلى بلاده .

فقال عمرو : أيّها الملك ، إنّ قوماً خالفونا في ديننا ، وسبّوا آلهتنا(5) ، وصاروا إليك ، فردّهم إليان ، فبعث النجاشي إلى جعفر ، فحضر بين يديه ، فقال : أيها الملك ، سلهم أنحن عبيد لهم ؟

فقال : لا ، بل أحرار .

قال : سلهم ألهم علينا ديون يطالبونا بها ؟

(1) زاد في المجمع : وهذه هي الهجرة الاولى .
(2) كذا في المجمع ، وفي الأصل : إنساناً .
(3) الانتشاء : أوّل السكر .
(4) نشب الشيء في الشيء : علق .
(5) كذا في المجمع ، وفي الأصل : إلهنا .

( 147 )

قال : عمرو : لا ، ما لنا عليك مديون . قال : فلكم في أعناقنا دماء تطالبوننا بها ؟ قال عمرو : لا .

قال : فما تريدون منّا ؟! آذيتمونا ، فخرجنا من بلادكم(1) .

قال جعفر : أيّها الملك ، إنّ الله سبحانه بعث فينا نبيّاً أمرنا بخلع الأنداد ، وبترك الاستقسام بالأزلام ، وأمرنا بالصلاة ، والزكاة ، والعدل ، والاحسان ، وإيتاء ذي القربى ، ونهانا عن الفحشاء ، والمنكر ، والبغي .

فقال النجاشي : بهذا بعث عيسى ، ثمّ قال النجاشي(2) : هل تحفظ ممّا اُنزل على نبيّك شيئاً ؟

قال : نعم .

قال : اقرأ ، فقرأ سورة مريم ، فلمّا بلغ «وَهُزّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً»(3) قال النجاشي : هذا والله هو الحق .

فقال عمرو : إنّه مخالف لنا ، فردّه علينا .

فرفع الملك يده ولطم عمرو ، وقال : اسكت والله لئن ذكرته بسوء لأفعلنّ بك ، ثمّ قال : ارجعوا إلى هذا هديته ، وقال لجعفر ولأصحابه : امكثوا أنتم سيوم ، والسيوم : الآمنون ، وأمر لهم بما يصلحهم من الرزق ، فانصرف عمرو وأقام المسلمون هناك بخير دار ، وأحسن جوار ، إلى أن هاجر رسول الله صلى الله

(1) في المجمع : دياركم .
(2) زاد في المجمع : لجعفر .
(3) سورة مريم : 25 .

( 148 )

عليه وآله إلى المدينة ، وعلا أمره ، وهادن قريشاً ، وفتح خيبر ، فوافى جعفر إلىرسول الله صلىالله عليه وآله بجميع من كانوا معه ، فقال رسول الله صلىالله عليه وآله : لا أدري بأيّهما اُسرّ ، بفتح خيبر أم بقدوم جعفر ؟

وأتى مع جعفر وأصحابه من الحبشة سبعون رجلاً ، منهم اثنان وستّون من الحبشة ، وثمانية من أهل الشام ، منهم(1) بحيراء الراهب ، فقرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله سورة يس إلى آخرها ، فبكوا حين سمعوا القرآن وآمنوا ، وقالوا : ما أشبه هذا بما اُنزل على عيسى !(2)

ثمّ لم يزل رسول الله صلى الله عليه وآله يقاسي منهم الأهوال ، ولكنّ الله سبحانه كان يمنعهم عنه بعمّه أبي طالب ، وكان أبو طالب رضي الله عنه يظهر لهم أنّه موافق لهم في دينهم ليتمّ له ما يريد من حماية رسول الله ، والا فهو كان مسلماً موحّداً .

وقد أجمعت العصابة من أهل البيت عليهم السلام انّه قد مات مسلماً ، وإجماعهم حجّة على ما ذكر في غير موضع(3) ، وسبب الشبهة في ذلك أنّ أمير المؤمنين صلوات الله عليه كان يعلن بنفاق أبي سفيان ، فشكا معاوية ذلك إلى مروان وعمر وعبد الله بن عامر فقالوا : إنّ إسلام أبيه أخفى من نفاق أبيك ، فأظهر كفره ، فجعل يقول : ألا إنّ أبا طالب مات كافراً ، وأمر الناس بذل فصارت سنّة .

وقال الصادق عليه السلام : مثل أبي طالب مثل أصحاب الكهف ، أسرّوا

(1) في المجمع : فيهم .
(2) مجمع البيان : 2 / 223 ـ 234 ، عنه البحار : 18 / 411 ـ 413 .
ورواه في تفسير القمّي : 1 / 176 ـ 178 ، بتفاوت ، عنه البحار : 18 / 414 ح 1 .
(3) انظر البحار : 35 / 139 نقلاً عن مجمع البيان .

( 149 )

الايمان وأظهروا الشرك ، فآتاهم الله أجرهم مرّتين .(1)

وقد صنّف الشيخ أبو جعفر بن بابويه ، وأبو علي الكوفي(2) ، وسعد القمّي(3) ، وعلي بن بلال المهلّبي(4) ، والشيخ المفيد(5) في فضائله ، وقد أجمع أهل البيت على ذلك ـ كما ذكرنا أوّلاً ـ .

وروى شعبة ، عن قتادة ، عن الحسن في خبر طويل انّه لمّا حضرت أبا طالب الوفاة دعا رسول الله صلىالله عليه وآله وبكى وقال : يا محمد ، إنّي أخرج من الدنيا ومالي غمّ الا غمّك ، وستلقى هزواً وحروباً كثيرة من بني اميّة وبني المغيرة ، فإذا متّ فخبّر أصحابك لينتقلوا من مكّة إلى حيث شاؤا، فلا مقام لهم بمكّة بعدي .

(1) أمالي الصدوق: 492 ح 12 ، معاني الأخبار : 285 ح 1 ، إيمان أبي طالب لفخّار بن معدّ : 321 ـ 322 وص 362 وص 363 .
وأخرجه في البحار : 35 / 72 ح 7 عن أمالي الصدوق : وفي ص 77 ح 15 عن معاني الأخبار . وفي ص 158 عن شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد .
(2) إيمان أبي طالب لأبي علي الكوفي أحد بن محمد بن عمّار ، المتوفّى سنة «346 هـ» . «رجال النجاشي : 95 رقم 236 ، فهرست الطوسي : 29 رقم 78» .
(3) فضل أبي طالب وعبد المطّلب وأبي النبي صلى الله عليه وآله لسعد بن عبد الله بن أبي خلف الأشعري القمّي أبي القاسم ، المتوفّى سنة «299 هـ» أو «301 هـ» من ثقاة الطائفة ووجهائهم . «رجال النجاشي : 177 رقم 467 ، فهرست الطوسي : 75 رقم 306» .
(4) البيان عن خيرة الرحمن لأبي الحسن عليّ بن بلال بن أبي معاوية المهلّبي الأزدي . «رجال النجاشي : 177 رقم 467 ، فهرست الطوسي : 75 رقم 306» .
(5) إيمان أبي طالب لأبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان الحارثي المفيد ، المتوفّى سنة «413 هـ» ، طبع ـ ولأكثر من مرّة ـ ضمن «نفائس المخطوطات» التي قام بتحقيقها وإصدارها العلّامة الشيخ محمد حسن آل ياسين ، وذلك سنة «1372 هـ» ، كما طبع ضمن «عدّة رسائل للشيخ المفيد» نشر مكتبة المفيد ـ قم ـ ، وطبع أخيراً بتحقيق مؤسّسة البعثة ـ قسم سنة «1412 هـ» ـ .

( 150 )

فبكى رسول الله صلى الله عليه وآله وقال : يا عمّ ، إنّك راحل من الدنيا ، وإنّي راحل بعدك من مكّة إلى المدينة ، وراحل بعد المدينة إلى الله ، وإنّي وإيّاك نلتقي بين يدي الله بعد الموت ، فيسألك عن الايمان بي ، ويسألك عن ولاية ابنك علي .

يا عمّ ، فاشهد بكلمة الاخلاص معي في حياتك قبل موتك ، اُخاصم بها عند ربّي فترضي ربّك عن نفسي ، وترضيني وترضي ولدك عليّاً .

يا عمّ ، أما تأسف بنفسك أن يكون عليّ ولدك إمام اُمّتي ، وأسعد المقرّبين في الجنان ، وتكونَ الشقيّ المعذّب إن متّ على كفرك في النيران ؟

يا عمّ ، إنّك تخاف عليّ أذى أعاديّ ولا تخاف على نفسك غداً عذاب ربّي !

فضحك ابو طالب ، وقال :

ودعوتني وزعمت أنّك ناصحي      ولقد صدقت وكنت قد أمينا(1)

وعقد على ثلاثة وستّين(2) : عقد الخنصر والبنصر وعقد الإبهام على إصبعه الوسطى ، وأشار بإصبعه المسبّحة ، يقول : لا إله إلا الله ، محمد رسول الله .

فقام علي عليه السلام وقال : الله أكبر ، الله أكبر ، والذي بعثك بالحقّ نبيّاً لقد شفّعك الله في عمّك وهداه بك .

(1) انظر «ديوان شيخ الأباطح أبي طالب» من جمع أبي هفّان المهزمي : 41 .
(2) كذا في البحار ، وفي الأصل : ثلاثة وتسعين .
وتفسير ذلك أنّ الألف واحد واللام ثلاثون والهاء خمسة ، والألف واحد والحاء ثمانية والدال أربعة والجيم ثلاثة والواو ستّة والألف واحد والدال أربعة ؛ فذلك ثلاثة وستّون .

( 151 )

فقام جعفر وقال : لقد سُدتنا في الجنّة يا شيخي كما سُدتنا في الدنيا .

فلمّا مات أبو طالب رضي الله عنه أنزل الله : «يَا عِبَادِيَ الّذِينَ آمَنُوا إِنّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيّايَ فَاعْبُدُونِ»(1).(2)

تفسير وكيع : قال : حدّثنا سفيان ، عن منصور ، عن إبراهيم(3)، عن أبيه ، عن أبي ذرّ الغفاري قال : والله الذي لا إله إلا هو ما مات أبو طالب حتى آمن بلسان الحبشة ، وقال لرسول الله صلى الله عليه وآله : يا محمد ، أتفقه لسان الحبشة ؟

قال : يا عمّ ، إنّ الله علّمني جميع الكلام .

قال : يا محمد ، «اسدن ملصافافا طالاها»(4) يعني : أشهد مخلصاً : لا إله إلا الله ، فبكى رسول الله وقال : إنّ الله أقرّ عيني بأبي طالب .(5)

الصادق عليه السلام : لمّا حضرت أبا طالب الوفاة أوصى بنيه ، فكان فيما أوصى قال : إنّي اوصيكم بمحمد ، فإنّه الأمين في قريش ، والصدّيق في العرب، فقد حباكم بأمر قبله الجَنان(6) ، وأنكره اللسان مخافة الشنآن(7) ، وأيم الله لكأنّي أنظر قد محضته العرب درّها ، وصفّت له بلادها ، وأعطته قيادها ، فدونكم يا بني

(1) سورة العنكبوت : 56 .
(2) بحار الأنوار : 35 / 79 عن مناقب ابن شهراشوب ـ ولم أجده فيه ـ .
(3) كذا في البحار ، وفي الأصل : حدّثنا شيبان ، عن منصور وإبراهيم .
(4) في البحار : لمصافا قاطالاها .
(5) بحار الأنوار : 35 / 78 ح 18 عن مناقب ابن شهراشوب ـ ولم أجده فيه ـ .
وقال المجلسي رحمه الله : يمكن حمل هذا الخبر على أنّه أظهر إسلامه في بعض المواطن لبعض المصالح بتلك اللغة ، فلا ينافي كونه أظهر الاسلام بلغة اُخرى أيضاً في مواطن اُخر .
(6) الجنان : القلب .
(7) الشنان : البغضاء . ومراده : لم اُظهره باللسان مخافة عداوة القوم .

( 152 )

عبد المطّلب ، فقوه بآبائكم واُمّهاتكم وأولادكم ، كونوا له دعاة ، وفي حربه حماة ، فوالله لا سلك أحد سبيله الا رُشِد ، ولا أخذ أحد بهداه غلّا سُعِد ، ولو كان في نفسي مدّة ، وفي أجلي تأخير لكفيته الكوافي ، ودفعت عنه الدواهي ، غير أنّي أشهد بشهادته ، واُعظّم مقالته .(1)

وقال رجل لأمير المؤمنين : يا أمير المؤمنين ، إنّك لبالمنزل الذي أنزلك الله ، وأبوك يعذّب النار !

فقال أمير المؤمنين : فضّ الله فاك ، والذي بعث محمداً بالحقّ نبيّاً ، لو شفع أبي في كلّ مذنب على وجه الأرض لشفّعه الله تعالى فيهم ، أبي يعذّب بالنار وابنه قسيم الجنّة والنار !

ثمّ قال : والذي بعث محمداً بالحقّ نبيّاً ، إنّ نور أبي طالب يوم القيامة ليطفئ أنوار الخق الا خمسة أنوار ، نور محمد صلى الله عليه وآله ، ونوري ونور فاطمة ، ونور الحسن ، ونور الحسين صلوات الله عليهم أجمعين ، لأنّ نوره من نورنا الذي خلقه الله سبحانه من قبل خلق آدم بألفي عام .(2)

وما روي من أشعاره الدالّلة على إسلامه التي تنفث في عُقَد السحر ، وتُغيّر في وجه شعراء الدهر(3) تزيد على ثلاثة آلاف بيت ، مذكورة في كتب المغازي،

(1) أورده في روضة الواعظين : 139 ـ 140 ، باختلاف ، عنه البحار : 35 / 107 ضمن ح 34 .
وأورده في سيرة الحلبي : 1 / 375 طبع مصر ، باختلاف أيضاً .
(2) مائة منقبة : 174 ح 98 ، أمالي الطوسي : 1 / 311 ـ 312 ، الاحتجاج : 229 ـ 230 ، إيمان أبي طالب لفخّار : 74 ، كنز الفوائد : 1 / 183 ، بشارة المصطفى : 249 ، البحار : 35 / 69 ح 3 وص 110 ح 39 ، غاية المرام ، 46 ح 63 وص 208 ح 16 ، الدرجات الرفيعة : 50 ، الغدير : 7 / 387 ح 7 .
(3) كذا في المجمع ، وفي الأصل : الذي ينفث في عند السجود يغبر في وجوه شعر الدهر .

( 153 )

يكاشف فيها من كاشف النبي صلّى الله عليه وآله ، ويصحّح نبوّته .(1)

في محاسن البرقي(2) : يونس بن ظبيان ، قال رجل عند ا لصادق عليه السلام : إنّ أبا طالب مات مشركاً .

قال أبو عبد الله : أبعد قوله :

ألـم  تـعلموا أنّ نبيّنا لا مكذّب      لدينا ولا يعنى بقول الأباطل(3)
وأبـيض يُستسقى الغمام بوجهه      ثِمال اليتامى(4) عِصمةٌ للأراملِ
فـأظهره(5) ربّ العباد بنصره      وأظهر ديناً حقّه غير باطل(6)؟

وتظافرت الروايات أن النبي صلى الله عليه وآله قال عند وفاته : يا عمّ ، وصلتك رَحم وجزيت خيراً يا عمّ ، كفلتني صغيراً ، وأحظيتني كبيراً ، فجزيت عنّي

(1) مجمع البيان : 4 / 260 ، متشابه القرآن ومختلفه لابن شهراشوب : 2 / 65 .
ولقد جمع أشعار شيخ الأباطح أبي طالب رضوان الله تعالى عليه : أبو هفّان عبد الله بن أحمد المهزمي ، المتوفّى سنة «257 هـ» ، ورواها عفيف بن أسعد ، عن عثمان بن جني الموصلي البغدادي النحوي ، المتوفّى سنة «392 هـ» .
وقد طبع أخيراً بتحقيق وإستدراك الشيخ محمد باقر المحمودي ، وصدر عن مجمع إحياء الثقافة ـ قم ـ ، وتلته طبعة اُخرى بتحقيق مؤسّسة البعثة ـ قم ـ .
(2) لم أجده في المحاسن .
(3) في بعض المصادر :
لقد علموا أنّ ابننا لا مكذّب     لديهم ولا يعنى بقول الأباطل
وفي بعضها :
ألم تعلموا أنّ ابننا لا مكذّب     لدينا ولا يعبأ بقـول الأباطل
(4) في بعض المصادر : وربيع اليتامى .
(5) في بعض المصادر : فأيّده .
(6) انظر : إيمان أبي طالب للشيخ المفيد : 21 ، الحجّة على الذاهب : 305 ـ 323 ، ديوان شيخ الأباطح : 26 ـ 37 ، الطرائف : 300 و301 و305 ، البحار : 35 / 72 ح 6 وص 136 ح 81 وص 166 .

( 154 )

خيراً .

وفي رواية : فقد ربّيت وكفلت صغيراً ، وآزرت ونصرت كبيراً .

ثمّ أقبل على الناس فقال : أم والله ، لأشفعنّ لعمّي شفاعة يعجب بها الثقلان .(1)

فدعا له صلىالله عليه وآله ، وليس للنبيّ أن يدعو بعد الموت لكافر لقوله تعالى : «وَلاَ تُصَلّ عَلَى‏ أَحَدٍ مِنْهُم مَاتَ أَبَداً»(2) ، والشفاعة لا تكون الا لمؤمن «وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلّا لِمَنِ ارْتَضَى»(3) .

وأجمع أهل النقل من الخاصّة والعامّة أنّ النبي صلى الله عليه وآله قيل له : ما ترجو لعمّك أبي طالب ؟

قال : أرجو له كلّ خير من ربّي .(4)

ولمّا مات أبو طالب أمر رسول الله صلى الله عليه وآله أمير المؤمنين من بين أولاده الحاضرين بتغسيله وتكفينه مواراته دون عقيل وطالب ، ولم يكن من أولاده من آمن في تلك الحال الا أمير المؤمنين عليه السلام وجعفر ، وكان جعفر ببلاد الحبشة ، ولو كان كافراً لما أمر أمير المؤمنين بتغسيله وتولية أمره ،

(1) تارخي اليعقوبي : 2 / 35 ، إيمان أبي طالب للشيخ المفيد : 25 ـ 26 ، متشابه القرآن ومتخلفه : 2 / 64 ، الحجّة على الذاهب ، 265 ، الطرائف : 305 ح 393 ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 14 / 76 ، بحار الأنوار ، 35 / 125 ح 67 وص 163 ، الغدير : 7 / 373 .
(2) سورة التوبة : 84 .
(3) سورة الأنبياء : 28 .
(4) إيمان أبي طالب للشيخ المفيد : 27 ، الحجّة على الذاهب : 71 ـ 72 ، الطرائف : 305 ح 394 ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 14 / 68 ، كنز الفوائد : 1 / 184 ، بحار الأنوار : 35 / 109 ح 38 وص 151 وص 156 ، الغدير : 7 / 373 .

( 155 )

ولكان الكافر أحقّ به(1).

وتوفّي أبو طالب وخديجة في سنة ستّ(2) من الوحي ، فسمّاه رسول الله صلى الله عليه وآله عام الحزن .(3)

وقالت فاطمة بنت أسد وعليّ صلوات الله عليه : أظهر إسلامك بسرّ محمد .

فقال لهما : آمنت به منذ أربعين سنة . فقالا : جدّده . فقال : أشهد أن لا إله الا الله ، وأشهد أنّ محمداً رسول الله ، فاكتموا ذلك عليّ .

فقال أمير المؤمنين : لقد أظهرت دين عيسى وملّة إبراهيم .

في كتاب دلائل النبوّة : قال العباس : لمّا حضرت أبي طالب الوفاة قال له نبي الله صلى الله عليه وآله : يا عمّ ، قل كلمة واحدة أشفع لك بها يوم القيامة : «لا إله إلا الله» .

وكانت جميلة بنت حرب تقول : يا أبا طالب ، مت على دين الأشياخ ، فرأيته يحرّك شفتيه ، وسمعته يقول : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأنّ محمّداً رسول الله .(4)

(1) الفصول المختارة : 2 / 229 ، عنه البحار : 35 / 173 .
(2) قيل : تسع ، وقيل : عشر .
(3) تاريخ اليعقوبي : 2 / 35 ، قصص الأنبياء للراوندي : 317 ، الحجّة على الذاهب : 261 ، البحار : 35 / 82 ح 24 .
(4) أمالي الطوسي : 1 / 271 ـ 272 ، عنه البحار : 35 / 76 ح 11 .

( 156 )

الخطيب في الأربعين : بالاسناد عن محمد بن كعب أنّ أبا طالب لمّا رأى النبي صلى الله عليه وآله يتفل في فم علي ، فقال : ما هذا ، يا محمد ؟

قال : إيمان وحكمة .

فقال أبو طالب لعليّ : يا بنيّ ، انصر ابن عمّك وآزره .(1)

وإذا استقرأت ورمت معرفة من كان أشدّ متابعة ، وأعظم حياطة للنبي صلى الله عليه وآله ، وأعظم محاماة عنه وعن دينه لم تجد في المهاجرين والأنصار وغيرهم من المسلمين مثل أبي طالب رضي الله عنه وولده ، فإنّ أحداً لم يحام عن رسول الله كأبي طالب ، فإنّه ذبّ عن رسول الله صلى الله عليه وآله مدّة حياته بمكّة ، وكذلك لمّا حضر في الشعب ، حتى انّ رسول الله صلم يمكنه بعد موته الاقامة بمكّة ، وهبط عليه جبرائيل وقال : يا محمد ، إنّ اله يقرئك السلام ، ويقول لك : اخرج قد مات ناصرك .(2)

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله : ما نالت قريش منّي ما نالت وما أكره حتى مات أبو طالب .(3)

ثمّ لم يستقرّ حتى خرج صلى الله عليه وآله إلى الطائف .

وكذلك ولده جعفر رضي الله عنه لم يزل يذبّ في إعلاء كلمة الاسلام ونصر الرسول صلى الله عليه وآله حتى قتل في دار غربة مقبلاً غير مدبر ، وسمّاه رسول الله صلى الله عليه وآله «ذا الجناحين» لأنّ يديه قطعتا في الحرب ، فأبدله

(1) مناقب الخوارزمي : 78 ، عنه كشف الغمّة : 1 / 288 .
وأخرجه في البحار : 38 / 249 ح 42 عن الكشف .
(2) البحار : 19 / 14 ح 6 ، وج 35 / 112 ح 43 وص 137 ح 83 وص 174 .
(3) مناقب ابن شهراشوب : 1 / 67 ، عنه البحار : 19 / 17 ح 9 .

( 157 )

الله منهما جناحين يطير بهما في الجنّة ، ووجد فيه بعد أن قتل بضع وتسعون رمية وطعنة ، ليس منها شيء في دبره .(1)

وهذا أمير المؤمنين وسيّد الوصيّين ، لم يجاهد أحد جهاده ، ولا يواسي الرسول صلى الله عليه وآله مواساته ، وهو صلوات الله عليه صاحب الوقائع المشهورة ، والمقامات المذكورة ، التي اتّفق المخالف والمؤالف على نقلها ، وضربت الأمثال بشجاعته فيها ، كبدر واُحد والأحزاب وخيبر وحنين وأؤطاس(2) وغيرها من الغزوات والسرايا ، وفدى رسول الله صلى الله عليه وآله بمبيته على فراشه حتى أنزل الله فيه : «وَمِنَ النّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللّهِ»(3) وما زال صلوات الله عليه يذبّ عن رسول الله صلى الله عليه وآله ويكدح في إعلاء كلمته في حياته وبعد موته حتى قتل في محرابه راكعاً.

وكذلك ولداه الحسن والحسين صلى الله عليهما ، فإنّهما بالغا في النصحية لجدّهما ، وثابرا على آثار دينه وقمع الملحدين فيه ، لتكون كلمة الله العليا ، وكلمة الذين كفروا السفلى ، حتى قتلا في سبيل الله وذرّيّتهما وولدهما ، وسبيت نساؤهما وذرّيّتهما .

وكذلك زيد بن علي بن الحسين صلوات الله عليه ، وولده يحيى بن زيد ، ومحمد بن زيد ، وغيرهما من أولاده وأحفاده .

(1) انظر : الاستيعاب : 1 / 211 ، عنه البحار : 22 / 276 .
وجامع الأصول : 9 / 248 ح 6124 ، عنه البحار : 21 / 58 ح 10 .
وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 2 / 760 ، عنه البحار : 21 / 61 ـ 62 .
(2) أؤطاس : واد في ديار هَوازن ، فيه كانت وقعة حُنَين ... ويومئذ قال النبي صلى الله عليه وآله : حَمِيَ الوَطيسُ . «معجم البلدان : 1 / 281» .
(3) سورة البقرة : 207 .

( 158 )

وكذلك بنو الحسن كعبد الله ومحمد وإبراهيم وغيرهم كصاحب فخ ومن تابعه ، وكانوا أكثر من ثلاثمائة من ولد أبي طالب ، حتى قال سيّدنا أبو الحسن الثالث علي بن محمد الهادي العسكري صلى الله عليه : ما اُصبنا بمصيبة بعد كربلاء كمصيبة صاحب فخّ .(1)

ومن حفدته مسلم بن عقيل ، وولده الذين شروا أنفسهم من الله بالثمن الأوفر ، وقد صنّف فيهم كتاب مقاتل الطالبيّين(2) وتواريخهم وسيرتهم فلا نطوّل بذلك ، ولولا حسن اعتقادهم ، وصفاء ودادهم ، وشدّة جهادهم ، وقوّة اجتهادهم لما جعلهم الله خلفاءه في أرضه ، والاُمناء على سنّته وفرضه .

بحار العلم ، ومعادن الحلم ، وأئمّة الهدى ، ومصابيح الدجى ، أوّلهم عليّ ، وآخرهم المهديّ ، كلّما خوى لهم نجم بزغ نجم طالع ، كلّما اختفى منهم علم بدا علم لامع ، وكفى فخراً كون المهديّ من ذرّيّته الذي يملأ الله الأرض به قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً .

وكان أبو طالب رضي الله عنه ربّى رسول الله صلى الله عليه وآله صغيراً ،

(1) روى في عمدة الطالب : 183 عن محمد الجواد بن علي الرضا عليهما السلام أنّه قال : لم يكن لنا بعد الطف مصرع أعظم من فخّ . عنه عوالم العلوم : 21 / 363 ح 7 .
وروى في معجم البلدان : 4 / 238 بهذا اللفظ : ... ولهذا يقال لم تكم مصيبة بعد كربلاء أشدّ وأفجع من فخ . عنه البحار : 48 / 165 وعن عمدة الطالب .
(2) مقاتل الطالبيّين لأبي الفرج الاصفهاني ـ صاحب الأغاني ـ المتوفّى ببغداد سنة ستّ أو سبع وخمسين وثلاثمائة ، ذكر فيه شهداءهم إلى أواخر المقتدر الذي مات سنة «320 هـ» ، ابتدأ فيه يجعفر الطيّار أوّل الشهداء من آل أبي طالب ، واختتم بإسحاق بن عبّاس ، المعروف بـ «المهلوس» الشهيد بأرمن ، وذكر بعده جمعاً ممّن حكى له قتلهم ، وتبرّأ من خطائه ، وفرغ منه في جمادى الاولى سنة «313 هـ» . الذريعة : 21 / 376» .
وقد طبع عدّة مرات ، منها في إيران سنة «1307 هـ» ، وفي النجف سنة «1385 هـ» ، ومن ثمّ ـ بالاوفست على طبعة النجف ـ في قم سنة «1405 هـ» .

( 159 )

وحصنه كبيراً .

وكانت زوجته فاطمة بنت أسد رضي الله عنها شديدة الحنوّ والشفقة على رسول الله صلى الله عليه وآله ، وهي أحد الصالحات القانتات ، ولمّا سمعت قول الله : «يَا أَيّهَا النّبِيّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ»(1) كانت أوّل امرأة بايعت رسول الله صلى الله عليه وآله هي .

وروي عن جعفر بن محمد الصادق عليه السلام أنّ فاطمة بنت أسد أوّل امرأة هاجرت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله من مكّة إلى المدينة على قدمها ، وكانت أبرّ الناس برسول الله صلى الله عليه وآله ، وسمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : الناس يحشرون يوم القيامة عراة ، فقالت : واسوأتاه .

فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله : إنّي أسأل الله أن يبعثك كاسية .

وسمعته يذكر ضغطة القبر ، فقالت : واضعفاه .

فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله : إنّي أسأل الله أن يكفيك ذلك .(2)

وفي الخبر أنّها أسلمت بعد عشرين يوماً من مبعث رسول الله صلى الله عليه وآله على يد أمير المؤمنين صلوات الله عليه ولدها ، وجاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله باكية واستزادت ، فأمرها رسول الله صلى الله عليه وآله أن تقتني آثار ابنها .

وروي أنّها لمّا ماتت دخل عليها رسول الله صلى الله عليه وآله فجلس عند رأسها ، وقال : يرحمك الله يا اُمّي ، كنت اُمّي بعد اُمّي ، تجوعين وتشبعيني ،

(1) سورة الممتحنة : 12 .
(2) روي نحوه في اعتقادات الصدوق : 58 ـ 59 (المطبوع في مصنّفات الشيخ المفيد ، ج 5) ، عنه البحار : 6 / 279 . وأورده أيضاً شاذان في الروضة : 5 ـ مخطوط ـ .

( 160 )

وتعرين وتكسيني ، وتمنعين نفسك من طيب الطعام وتطعميني ، تريدين بذلك وجه الله وادار الآخرة ، ثمّ أمر صلى الله عليه وآله أن تغسل ثلاثاً ، فلمّا بلغ الماء الذي فيه الكافور سكبه رسول الله صلى الله عليه وآله بيده ، ثمّ خلع قميصه فألبسها إيّاه ولفّها فوقه ، ثمّ دعا رسول الله صلى الله عليه وآله اُسامة وأبا أيّوب وغلاماً أسود يحفرون قبرها ، فلمّا بلغوا اللحد حفره رسول الله عليه وآله وأخرج ترابه بيده ، فلمّا فرغ دخل فاضطجع فيه ، ثمّ قال : الحمد لله الذي يحيي ويميت وهو حيّ لا يموت ، [اللهم](1) اغفر لاُمّي فاطمة بنت أسد ، ولقّنها حجّتها ، ووسّع عليها مدخلها ، بحقّ نبيّك والأنبياء الذين من قبلي ، فإنّك أرحم الراحمين .

ثمّ قال صلى الله عليه وآله بعد وضعها في اللحد : يا فاطمة ، أنا محمد سيد ولد آدم ولا فخر ، فإذا أتاك منكر ونكير فسألاك : من ربّك ؟ فقولي : الله ربّي ، ومحمد نبيّي ، والاسلام ديني ، والقرآن كتابي ، وابني عليّ إمامي ووليّي .

ثم قال صلى الله عليه وآله : اللهم ثبّت فاطمة بالقول الثابت ، ثمّ ضرب بيده اليمنى على اليسرى فنفضهما ، ثم قال : والذي نفس محمّد بيده لقد سمعت فاطمة تصفيق يميني على شمالي .

وروي أنّه صلى الله عليه وآله كبّر عليها أربعين تكبيرة ، فسأله عمّار عن ذلك ، فقال : يا عمّار ، التفتّ عن يميني فنظرت أربعين صفّاً من الملائكة ، فكبّرت لكلّ صفّ تكبيرة .

وفي خبر آخر : يا عمّار ، إنّ الملائك قد ملأت الفضاء ، وفتح لها باب من الجنّة ، ومهّد لها مهاد من مهاد الجنّة ، وبعث إليها بريحان من ريحان الجنّة ، فهي

(1) من الفصول المهمّة .

( 161 )

في روح وريحان وجنّة نعيم ، وقبرها روضة من رياض الجنّة .(1)

وكفاها رضي الله عنها فضلاً وفخراً في الدنيا والآخرة انّ ولدها ذرّيّة رسول الله صلى الله عليه وآله ونسله ، وهم أحد الحبلين اللذين لم ينقطعا حتى يردا على رسول الله صلى الله عليه وآله الحوض ، ولولا خوف الإطالة لأوردت من شعر أبي طالب رضي الله عنه الذي يحثّ فيه بنيه على نصر رسول الله صلى الله عليه وآله واتّباع هديه جملة مفيدة تنبئ عن حسن عقيدته ، وإخلاص سريرته ، لكن اقتصرت على هذا القدر والله الموفّق ، وهو حسبنا ونعم الوكيل ، وإنّما قالت الناصبة ما قالت فيه عداوة لولده أمير المؤمنين وخطّاً من قدره ، ويأبى الله الا أن يتمّ نوره ولو كره المشركون .(2)

ولمّا توفّي أبو طالب رضي الله عنه اشتدّ البلاء على رسول الله صلى الله عليه وآله ، فعمد لثقيف في الطائف ، فوجد ثلاثة ، هم سادة ، وهم إخوة : عبد ياليل ، ومسعود ، وحبيب ، بنو عمرو ، فعرض صلى الله عليه وآله عليهم نفسه .

فقال أحدهم : أنا أسرق باب(3) الكعبة إن كان الله بعثك بشيء قطّ ، وقال الآخر : أعجز الله أن يرسل غيرك ؟ وقال الآخر : والله لا اُكلّمك بعد مجلسك هذا أبداً ، فإن كنت نبيّاً كما تقول لأنت أعظم خطراً من أن يزد عليك الكلام ، وإن كنت تكذب على الله فلا ينبغي لي أن اُكلّمك ، وتهزّؤوا به وأفشوا في قومه ما

(1) أمال يالصدوق : 258 ح 14 ، روضة الواعظين : 142 ، الفصول المهمّة لابن الصبّاغ : 31 .
وأخرجه في البحار : 35 / 70 ح 4 عن الأمالي والروضة ، وفي ص 179 عن الفصول المهمّة .
وفي ج 81 / 350 ح 22 عن الأمالي .
(2) إشارة إلى الآية : 32 من سورة التوبة .
(3) في إعلام الورى : أستار . وفي مصادر اُخرى : أمرط ثياب الكعبة ، ومراده : اُمزّقها .

( 162 )

راجعوه(1) ، ثمّ أغروا به سفهاءهم ، فقعدوا له صفّين على طريقه .

فلمّا مرّ رسول الله صلى الله عليه وآله بين صفّيهم جعلوا لا يرفع قدماً ولا يضعها الا رضخوها بالحجارة حتى أدموا رجليه ، فخلص منهم وهما تسيلان بالدماء ، فعمد إلى حائط من حوائطهم ، واستظلّ بظلّ حُبلة ـ وهي الكرمة ـ وهو مكروب موجع تسيل رجلاه دماً ، فإذا في الحائط عتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، وهما من بني عبد شمس ، وهما من أكابر قريش ، وكان لهم أموال بالطائف ، فلمّا رآهما كره مكانهما لما يعلم من عداوتهما لله ولرسوله .

وكلاهما قتلا يوم بدر وقتل معهما الوليد بن عتبة ، قتل عتبة أبو عبيدة بن الحارث بن عبد المطّلب ، ضربه على هامته بالسيف فقطعها ، وضرب هو عبيدة بن الحارث على ساقه فأطنّها(2) فسقطا جميعاً ، وحمل شيبة ـ أخوه ـ على حمزة فتضاربا بالسيفين حتى انثلما ، وحمل أمير المؤمنين عليه السلام على الوليد فضربه على حبل عاتقه فأخرج السيف من إبطه .

قال عليّ صلوات الله عليه : لقد أخذ الوليد يمينه بشماله فضرب بها هامتي ، فظننت أنّ السماء سقطت على الأرض ، ثمّ اعتنق حمزة وشيبة ، فقال المسلمون : يا عليّ ، أما ترى ا لكلب فقد أنهر(3) عمّك ؟ فحمل عليه علي عليه السلام ، ثم قال لحمزة : يا عمّ ، طأطئ رأسك ـ وكان حمزة أطول من شيبة ـ فأدخل حمزة رأسه في صدره ، فضربه عليّ صلوات الله عليه فطرح نصف

(1) في إعلام الورى : وأفشوا في قومهم الذي راجعوه به .
(2) أي قطعها .
(3) أنهر الطعنة : وسّعها . وأنهَرتُ الدم : أي أسلته . «لسان العرب : 5 / 237 ـ نهر ـ » .
وفي مناقب ابن شهراشوب : يهرّ .
يقال : هرّ الكلب يَهِرُّ هريراً : إذا نَبَحَ وكَشَرَ عن أنيابه . «لسان العرب : 5 / 261 ـ هرر ـ » .

( 163 )

رأسه ، ثمّ أتى إلى عتبة وبه رمق فأجهز عليه .

واحتمل عبيدة رضي الله عنه وبه رمق ، وحملاه عليّ وحمزة وأتيا به رسول الله صلى الله عليه وآله ومخّ ساقه يسيل ، فاستعبر رسول الله صلى الله عليه وآله ، فقال عبيدة : ألست أوّل شهيد من أهل بيتك ؟ قال : بلى ، أنت أوّل شهيد من أهل بيتي .(1)

رجعنا إلى تمام القصّة :

فلمّا رأيا رسول الله صلى الله عليه وآله أرسلا غلاماً لهما يدعى عدّاس معه عنب ـ وهو نصرانيّ من أهل نينوى ـ ، فلمّا جاء رسول الله صلى الله عليه وآله قال له رسول الله : من أيّ أرض أنت ؟

قال : من أهل نينوى .

قال صلى الله عليه وآله : من مدينة الرجل الصالح يونس بن متّى ؟

فقال عدّاس : وما أعلمك بيونس ؟

قال صلى الله عليه وآله : أنا رسول الله ، والله تعالى أخبرني بخبره ، فلمّا أخبره بما أخبره الله به من شأن يونس خرّ عدّاس ساجداً لرسول الله صلى الله عليه وآله(2) ، وجعل يقبّل قدميه وهما تسيلان دماً ، فلمّا نظر عتبة وشيبة ما يصنع غلامهما سكتا ، فلمّا أتاهما قالا : ما شأنك سجدت لمحمد ، وقبّلت قدميه ، ولم نرك فعلت بأحد منّا ذلك ؟

(1) انظر في وصف هذا الموقف في غزوة بدر : تفسير القمّي : 1 / 265 ، مجمع البيان : 2 / 527 ، مناقب ابن شهراشوب : 3 / 119 ، عنها البحار : 19 / 254 ح 3 وص 225 وص 290 .
(2) في إعلام الورى : ساجداً لله .

( 164 )

قال : هذا رجل صالح أخبرني بشيء عرفته من شأن رسول بعثه الله إلينا يدعى يونس بن متّى .

فضحكا وقالا : لا يفتننّك عن نصرانيّتك فإنّه رجل خدّاع .(1)

وروي أنّ المشركين لمّا مضوا إلى بدر لقتال رسول الله صلى الله عليه وآله كان عدّاس مع سيّديه عتبة وشيبة ، فسأل منهما : من هذا الذي عزمتم على حربه والوقيعة به ؟

فقالا له : يا عدّاس ، أرأيت الذي أرسلناك إليه بالعنب في الطائف ؟ قد اتّبعه قوم من الصُباه ، وقد قصدنا حربهم ، وتفريق كلمتهم ، وأن نأتي بهم إلى مكّة اُسارى ، ونعرّفهم ضلالهم .

فقال عدّاس : بالله يا سيّديّ ، ارجعوا من فوركم هذا إلى مكّة ، والله لئن لقيتموه لا تفرحوا بالحياة بعدها ، والله إنّه نبي حق ، وقوله صدق ، فزجراه ولم يعبئا بكلامه .(2)

ثمّ إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله رجع إلى مكة من الطائف واشتدّ البلاء ، وأقبل المشركون يردّون المسلمين ويفتنونهم عن دينهم ، ثمّ انّ النبي صلى الله عليه وآله استجار بالأخنس بن شَريق ، وسهيل بن عمرو فتعلّلا ، ثم استجار بالمطعم بن عديّ حتى دبّر في أمر الهجرة .(3)

وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يعرض نفسه على قبائل العرب في

(1) إعلام الورى : 64 ، عنه البحار : 19 / 6 ضمن ح 5 .
وأورده في مناقب شهراشوب : 1 / 68 ، عنه البحار : 19 / 17 ح 9 .
(2) المغازي للواقدي : 33 ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 14 / 96 ، البحار : 19 / 330 .
(3) إعلام الورى : 65 ، عنه البحار : 19 / 7 .

( 165 )

الموسم ، فلقي رهطاً من الخزرج ، فقال : ألا تجلسون اُحدّثكم ؟

قالوا : بلى ، فجلسوا إليه ، فدعاهم إلى الله ، وتلا عليهم القرآن .

فقال بعضهم لبعض : يا قوم ، تعلمون والله انّه النبي الذي كانوا يوعدوكم به اليهود(1) ، فلا يسبقنّكم إليه أحد ، فأجابوه ، وقالوا له : إنّا تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والسوء مثل ما بينهم ، وعسى الله أن يجمع بينهم بك ، فستقدم عليهم وتدعوهم إلى أمرك ، وكانوا ستّة نفر .

فلمّا قدموا المدينة أخبروا قومهم بالخبر ، فما دار حول الا وفيها حديث رسول الله صلى الله عليه وآله ، حتى إذا كان العام المقبل أتى الموسم من الأنصار اثنا عشر رجلاً ، فلقوا النبي صلى الله عليه وآله ، فبايعوه على بيعة النساء الا يشركوا بالله شيئاً ، ولا يسرقوا ، إلى آخرها ، ثمّ انصرفوا وبعث معهم مصعب بن عمير يصلّي بهم ، وكان يسمّى بينهم في المدينة «المقرئ»(2) ، فلم تبق دار في المدينة الا وفيها رجال ونساء مسلمون الا دار اميّة وحطيمة ووائل وهم من الأوس .

ثمّ عاد مصعب إلى مكّة ، وخرج من خرج من الأنصار إلى الموسم ، فاجتمعوا في الشعب عند العقبة ثلاثة وسبعون رجلاً وامرأتان في أيّام التشريق بالليل عند رسول الله صلى الله عليه وآله ، فقال صلىالله عليه وآله : اُبايعكم على الاسلام .

فقال بعضهم : يا رسول الله ، نريد أنتعرّفنا ما لله علينا ، وما لك علينا ، وما لناعلى الله .

(1) في المناقب والبحار : الذي كان يوعدكم به اليهود .
(2) سمّي بذلك لأنّه كان يقرئهم القرآن .

( 166 )

فقال صلى الله عليه وآله : أمّا ما لله عليكم فتعبدوه ، ولا تشركوا به شيئاً ، وأمّا ما لي عليكم فتنصرونني مثل نسائكم وأبنائكم ، وأن تصبروا على عضّ السيوف ، وأن يقتل خياركم .

قالوا : فإذا فعلنا ذلك فما لنا على الله ؟

قال : أمّا في الدنيا فالظهور على من عاداكم ، وفي الآخرة رضوان الله والجنّة ، فأخذ البراء بن معرور بيده ، وقال : والذي بعثك بالحق نبيّاً لنمنعنّك بما نمنع به اُزرنا(1) ، فبايعنا يا رسول الله ، فنحن أهل الحرب وأهل الحلقة ورثناها كبار عن كبار .

فقال أبو الهيثم : إنّ بيننا وبين الرجال حبالاً ، وإنّا إن قطعناها أو قطعوها فهل عسيت إن فعلنا ذلك ، ثمّ أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا ؟

فتبسّم رسول الله ، ثمّ قال : بل الدم الدم والهدم الهدم ، اُحارب من حاربتم ، واُسالم من سالمتم ، ثمّ قال صلى الله عليه وآله : أخرجوا لكم(2) اثنى عشر نقيباً ، فاختاروا ، فقال : اُبايعكم كبيعة عيسى بن مريم للحواريّين كفلاء على قومهم بما فيهم ، وعلى أن تمنعوني بما(3) تمنعون منه نساءكم وأبناءكم ، فبايعوه على ذلك ، فصرخ الشيطان في العقبة : يا أهل الجباجب(4) ، هل لكم في محمد

(1) قال ابن الأثير في النهاية : 1 / 45 : وفي حديث بيعة العقبة «لنمنعنّك ممّا نمنع به اُزُرَنا» أي نساءنا وأهلنا ، كنّى عنهنّ بالأزر ؛ وقيل : أراد أنفسنا . وقد يكنّى عن النفس بالإزار .
(2) في المناقب والبحار : إليّ .
(3) في المناقب والبحار : ممّا .
(4) قال ابن الأثير في النهاية : 1 / 234 : في حديث بيعة الأنصار «نادى الشيطان : يا أصحاب الجُباجِب» هي جمع جُبجُب ـ بالضم ـ وهو المستوى من الأرض ليس بحَزن ، وهي هاهنا منازل بمنىً ، سمّيت به ، قيل : لأنّ كروش الأضاحي تُلقى فيها أيّام الحج . والجَبجَبة : الكَرِشُ يُجعل فيها اللحم يُتزوّد في الأسفار .

( 167 )

والصباة معه ؟ اجتمعوا على حربكم ، ثم نفر الناس من منى وفشى الخبر ، فخرجوا في الطلب ، فأدركوا سعد بن عبّادة والمنذر بن عمرو ، فأمّا المنذر فأعجز القوم ، وأمّا سعد فأخذوه ، وربطوه بنسع رحله ، وأدخلوه مكّة يضربونه ، فبلغ خبره جبير بن مطعم والحارث بن حرب بن اميّة فأتياه وخلّصاه .

وكان النبي صلى الله عليه وآله في ذلك الوقت لم يؤمر الا بالدعاء والصبر على الأذى ، والصفح عن الجاهل ، فطالت قريش على المسلمين ، فلمّا كثر عتوّهم أمر صلى الله عليه وآله بالهجرة ، فقال صلى الله عليه وآله لأصحابه المؤمنين : إنّ الله قد جعل لكم داراً وإخواناً تأمنون بها ، فخرجوا أرسالاً(1) يتسلّلون تحت الليل ، حتى لم يبق مع النبي الا علي عليه السلام ، مع جماعة يسيرة من أصحابه ، فحذرت قريش خروجه ، وعلموا أنّه قد أجمع على حربهم ، فاجتمعوا في دار الندوة وهي دار قُصيّ بن كلاب يتشاورون في أمره ، فتمثّل لهم إبليس في صورة شيخ من أهل نجد ، فقال : أنا ذو رأي حضرت لموازرتكم .

فقال عروة بن هشام : نتربّص به ريب المنون ، وقال أبو البَختريّ : أخرجوه عنكم تستريحوا من أذاه .

وقال العاص بن وائل واميّة واُبيّ ابنا خلف : نبني له علماً(2) نستودعه فيه ، فلا يخلص إليه(3) من الصباة أحد .

(1) قال المجلسي رحمه الله : الأرسال ـ بالفتح ـ : جمع الرسل ـ بالتحريك ـ وهو القطيع من كل شيء ، أي زمراً زمراً . ويحتمل الإرسال ـ بالكسر ـ : وهو الرفق والتؤدة .
(2) زاد في المناقب : ونترك له فرجاً .
يقال لما يُبنى في جواد الطريق من المنازل يستدلّ بها على الطريق : أعلام ، واحدها عَلَم . والعلم : المنار ... والعلامة والعَلَم : شيء يُنصب في الفلوات تهتدي به الضالّة . «لسان العرب : 12 / 419 ـ علم ـ » .
(3) كذا الصحيح ، وفي الأصل : فلا يخلص منه إليه .

( 168 )

وقال عتبة وشيبة وأبو سفيان : نرحل بعيراً صعباً ونوثق محمداً عليه كتافاً وشدّاً ، ثم نقصع(1) البعير بأطراف الرماح فيوشك أن يقطعه بين الدكادك(2) إرباً إرباً .

فقال أبو جهل : أرى لكم أن تعمدوا إلى قبائلكم العشرة فتنتدبوا من كلّ قبيلة رجلاً نجداً(3) ، وتأتونه بياتاً ، فيذهب دمه في قبائل قريش جميعها ، فلا يستطيع بنو هاشم وبنو المطّلب مناهضة قريش فيه فيرضون بالعقل .

فقال أبو مرّة : أحسنت يا أبا الحكم ، هذا الرأي فلا نعدلنّ له رأياً ، فأنزل الله سبحانه : «يَمْكُرُ بِكَ الّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ»(4) الآية ، فهبط جبرئيل على رسول الله صلى الله عليه وآله وقال : لاتبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه ، فدعا عليّاً عليه السلام ، فقال : إنّ الله سبحانه أوحى إليّ أن أهجر دار قومي ، وأن أنطلق إلى غار ثور أطحل(5) ليلتي هذه ، وأمرني أن آمرك بالمبيت على مضجعي ، وأن ألقي عليك شبهي .

فقال أمير المؤمنين عليه السلام : أو تسلم بمبيتي هناك ؟

قال صلى الله عليه وآله : نعم .

فتبسّم أمير المؤمنين ضاحكاً ، وأهوى إلى الارض ساجداً ، فكان أوّل من سجد لله شكراً ، وأوّل من وضع وجهه على الأرض بعد سجدته ، فلمّا رفع رأسه

(1) أي نجرحه بأطراف الرماح حتى يغضب .
(2) جمع الدكداك : وهو أرض فيها غلظ .
(3) النجد : الشجاع الماضي فيما يعجز عنه غيره .
(4) سورة الأنفال : 30 .
(5) الطُحلَة ـ بالضم ـ : لون بين الغُبرة والسواد ببياض قليل . «القاموس المحيط : 4 / 6 ـ طحل ـ » .

( 169 )

قال : امض بما اُمرت به ، فداك سمعي وبصري وسويداء قلبي .

قال : فارقد على فراشي ، وشاتمل بردي الحضرمي ، ثمّ إنّي اُخبرك يا علي انّ الله تعالى يمتحن أولياءه على قدر إيمانهم ومنازلهم من دينهم(1) ، فأشدّ الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل(2) ، وقد امتحنك الله يا ابن اُمّ بي ، وامتحنني فيك بمثل ما امتحن خليله إبراهيم والذبيح إسماعيل ، فصبراً صبراً «إِنّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ»(3) ثم ضمّه إلى صدره ، واستتبع رسول الله صلى الله عليه وآله أبو بكر وهند بن أبي هالة وعبيد الله(4) بن فُهَيرة ، ودليلهم اُريقط(5) الليثي فأمرهم رسول الله بمكان ذكره لهم ، ولبث(6) صلى الله عليه وآله مع عليّ يوصيه ، ثم خرج في فحمة العشاء(7) والرصد من قريش قد أطافوا به ينتظرون انتصاف الليل ليهجموا عليه ، وكان صلى الله عليه وآله يقول : «وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ إِيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً»(8) الآية ، وكان بيده قبضة تراب ، فرمى بها في رؤوسهم ، ومضى حتى انتهى إلى أصحابه الذين واعدهم ، فنهضوا(9) معه

(1) في المناقب : دينه .
(2) تقدّمت تخريجاته ص 39 هامش 16 .
(3) سورة الأعراف : 56 .
(4) في المناقب : عبد الله ، وكذا في المواضع الآتية .
وفي الكامل : عامر بن فُهَيرَة ـ وهو مولى الطُفَيل بن عبد الله الأزديّ ـ اشتراه أبو بكر . انظر في ترجمته «الكامل في التاريخ : 2 / 68» .
(5) في المناقب : اُزيقطة . ولعلّه أبو واقد ـ كما سيأتي في ص 85 ـ .
وفي تاريخ الطبري : 2 / 378 و380 دليلهم : عبد الله بن أرقد .
(6) كذا في المناقب ، وفي الأصل : كتب ـ وهو تصحيف ـ .
(7) الفَحمة من الليل : أوّله ، أو أشدّ سواده ، أو ما بين غروب الشمس إلى نوم الناس . «القاموس المحيط : 4 / 158 ـ فحم ـ » .
(8) سورة يس : 9 .
(9) في المناقب : فمضوا .

( 170 )

حتى وصلوا إلى الغار ، وانصرف هند وعبيد الله بن فهيرة راجعين إلى مكّة .(1)

وكان قد اجتمع حول دار رسول الله صلى الله عليه وآله أربعمائة رجل مكبّلين بالسلاح .

قال ابن عبّاس : فكان من بني عبد شمس عتبة وشيبة ابنا ربيعة بن هشام وأبو سفيان ، ومن بني نوفل طعمة(2) بن عديّ وجبير بن مُطعم والحارث بن عامر ، ومن بني عبد الدار النضر بن الحارث ، ومن بني أسد أبو البختري وزمعة(3) ابن الأسود وحكيم بن حزام(4) ، ومن بني مخزوم أبو جهل ، ومن بني سهم نُبَيه ومُنبّه ابنا الحجّاج ، ومن بني جُمَح اميّة بن خلف ، هؤلاء الرؤساء وغيرهم ممّن(5) لا يعدّ من قريش .(6)

وأحاطوا بالدار إلى أن مضى من الليل شطره هجموا على أمير المؤمنين صلواتالله عليه شاهرين سيوفهم ، ففطن بهم فاخترط سيفه وشدّ عليهم فانحازوا عنه ، وقالوا : أين صاحبك ؟

قال : لا أدري ، أو رقيب كنت عليه ، ألجأتموه إلى الخروج ، فخرج .

(1) مناقب ابن شهراشوب : 1 / 181 ـ 183 ، عنه البحار : 19 / 25 ح 15 «إلى قوله : يتشاورون في أمره» .
وأخرجه في البحار : 19 / 23 عن المنتقى في مولد المصطفى للكازروني ، ولم أعثر على غير طبعته الفارسيّة والمسمّاة «نهاية المسؤول في رواية الرسول» .
وانظر في هجرته صلى الله عليه وآله : الكامل في التاريخ : 2 / 101 وما بعدها .
(2) في تاريخ الطبري : طُعَيمَة .
(3) كذا في المناقب وتاريخ الطبري ، وفي الأصل : ربيعة .
(4) كذا في المناقب وتاريخ الطبري ، وفي الأصل : مزاحم .
(5) كذا في المناق وتاريخ الطبري ، وفي الأصل : ممّا .
(6) مناقب ابن شهراشوب : 2 / 58 ، عنه البحار : 38 / 290 .
وانظر تاريخ الطبري : 2 / 370 .

( 171 )

وكان أمير المؤمنين في تلك الحال ابن عشرين سنة ، فاقام صلوات الله عليه بمكّة حتى أدّى أمانات رسول الله صلى الله عليه وآله ، وأدّى إلى كل [ذي](1) حقّ حقّه ، ثمّ عزم صلوات الله عليه على الهجرة .

فكان ذلك دلالة على خلافته وإمامته وشجاعته ، وحمل نساء النبي صلى الله عليه وآله بعد ثلاثة أيّام ، وفيهنّ عائشة ، فله المنّة على أبي بكر بحفظ ولده ، ولعليّ عليه السلام المنّة عليه في هجرته ، وعليّ ذو الهجرتين والشجاع هو الثابت(2) بين أربعمائة سيف ، وإنّما أباته النبي على فراشه ثقة بنجدته ، فكانوا محدقين به إلى طلوع الفجر ليقتلوه ظاهراً ، فيذهب دمه بمشاهدة بني هاشم بأنّ قاتليه من جميع القبائل .(3)

وقد ذكرنا رؤساءهم الذين اجتمعوا لقتله قبل ذلك .

وروي أنّ أمير المؤمنين عليه السلام لمّا عزم على الهجرة قال له العبّاس : إنّ محمداً ما خرج الا خفية ، وقد طلبته قريش أشدّ طلب ، وأنت تخرج جهاراً في أثاث وهوادج ومال ونساء ورجال تقطع بهم السباسب(4) والشعاب من بين قبائل قريش ما أرى لك أن تمضي الا في خُفارَة(5) خزاعة .

فقال أمير المؤنين عليه السلام :

(1) من المناقب .
(2) في المناقب : والشجاع البائت .
(3) مناقب ابن شهراشوب : 2 / 58 ـ 59 ، عنه البحار 38 / 289 ـ 291 .
(4) السباسب : جمع السبسُب : المَفازة أو الأرض المستوية البعيدة . «القاموس المحيط : 1 / 81 ـ سَبّه ـ » .
(5) خَفيرُ القوم : مُجيرهم . «المحيط في اللغة : 4 / 331 ـ خفظ ـ » .

( 172 )

إنّ  الـمنيّة شـربة مـورودة      لا  تـجزعنّ(1) وشدّ للترحيل
إنّ ابـن آمـنة الـنبي محمداً      رجل  صدوق قال عن جبريل
أرخ الزمام ولا تخف من عائق      فالله  يـرديهم عـن الـتنكيل
إنّـي  بـربّي واثـق وبأحمد      وسـبـيله مـتلاحق بـسبيلِ

قالوا : وكمن مهلع غلام حنظلة بن أبي سفيان في طريقه بالليل ، فلمّا رآه(2) أمير المؤمنين عليه السلام اخترط(3) سيفه ونهض إليه ، فصاح أمير المؤمنين عليه السلام فيه صيحة خرّ على وجهه ، وجَلَدَه(4) بسيفه ، ثمّ مضى صلوات الله عليه ليلاً .(5)

وكان مبيت أمير المؤمنين عليه السلام أوّل ليلة .

واقام رسول الله صلى الله عليه وآله في الغار ثلاثة أيّام ، ولمّا ورد المدينة نزل في بني عمرو بن عوف بقُباء منتظراً لأمير المؤمنين عليه السلام ، وكان أمير المؤمنين أمر ضعفاء المسلمين أن يتسلّلوا وستخفّفوا إذا ملأ الليل بطن كلّ واد ، وكان معه من النساء الفواطم(6) وأيمن بن اُمّ أيمن(7) مولى رسول الله صلى الله

(1) في المناقب : لا تتزعنّ .
(2) كذا في المناقب ، وفي الأصل : رأى .
(3) في المناقب : سلّ .
(4) في المناقب : جلّله .
يقال : جَلَدته بالسيف والسوط جَلداً إذا ضربت جِلدَه : «لسان العرب : 3 / 125 ـ جلد ـ » .
(5) مناقب ابن شهراشوب : 2 / 59 ، عنه البحار : 38 / 291 .
(6) أي : فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله ، وامّه فاطمة بنت أسد بن هاشم ، وفاطمة بنت الزبير بن عبد المطّلب ـ وقد قيل هي ضُباعة ـ .
(7) كذا في المناقب ، وفي الاصل : واُمّ أيمن .

( 173 )

عليه وآله وغيرهم ، وخرج عليه السلام إلى ذي طوى ، وابو واقد يسوق بالرواحل فأعنف بهم ، فقال أمير المؤمنين : أبا واقد ، ارفق بالنسوة فإنّهنّ ضعائف.

قال : إنّي أخاف أن يدركنا الطلب .

قال : اربع عليك(1) ، إنّ النبي صلى الله عليه وآله قال لي : يا علي ، إنّهم لن يصلوا إليك من الآن بمكروه ، ثمّ جعل أمير المؤمنين يسوق بهنّ سوقاً رفيقاً ويرتجز عليه السلام :

ليس إلا الله فارفع ظنّكا     يكفيك ربّ العرش(2) ما أهمّكا

فلمّا شارف ضجنان(3) أدركه الطلب بثمانية فوارس ، فأنزل النسوة واستقبلهم منتضياً سيفه ، فأقبلوا عليه وقالوا : يا غُدَر(4) ، كيف أنت(5) ناج بالنسوة ؟ ارجع لا أبا لك .

قال : فإن لم أفعل أفترجعون ؟ ودنوا من النسوة فحال بينهم وبينها وقتل جناحاً ، وكان يشدّ عليهم شدّ الأسد على فريسته ، وهو يقول :

خلّوا سبيل الجاهد المجاهدِ     آليت لا اعبد غير الواحدِ

فتقهقروا عنه ، فسار ظاهراً حتى وافى ضجنان فتلوّم بها يومه وليلته ، ولحق به نفر من المستضعفين ، فصلّى ليلته تلك والفواطم يذكرون الله قياماً

(1) أي توقّف وتحبّس .
(2) في المناقب : الناس .
(3) ضَجَنان : جبل قرب مكّة .
(4) أي : يا غادر .
(5) في المناقب : أظننت يا غدّار أنّك .

( 174 )

وقعوداً وعلىجنوبهم حتى طلع الفجر ، فصلّى بهم صلاة الفجر ، ثمّ سار بهم حتى وصل المدينة ، وقد نزل الوحي بما كان من شأنهم قبل قدومهم ، وهو قوله تعالى : «الّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى‏ جُنُوبِهِمْ ـ إلى قوله ـ «أَنّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُم مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى ـ فالذكر عليّ والاُنثى فاطمة ـ بَعْضُكُم مِن بَعْضٍ  ـ عليّ من الفواطم وهنّ من عليّ ، إلى قوله ـ عِندَهُ حُسْنُ الثّوَابِ»(1).

وتلا رسول الله صلى الله عليه وآله : «إِنّ اللّهَ اشْتَرَى‏ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم»(2) الآية ، ثم قال : يا علي ، أنت أول هذه الامّة إيماناً بالله وبرسوله ، وأوّلهم هجرة إلى الله ورسوله ، وآخرهم عهداً برسول الله صلى الله عليه وآله ، والذي نفسي بيده لا يحبّك إلا مؤمن قد امتحن الله قلبه للايمان ، ولا يبغضك الا منافق أو كافر .

وكان قيام علي بعد النبي بمكّة ثلاث ليال ، ثمّ لحق برسول الله صلى الله عليه وآله .(3)

روى السدّي ، عن ابن عبّاس ، قال : نزل قوله تعالى : «وَمِنَ النّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللّهِ»(4) في عليّ بن أبي طالب حين هرب النبي صلى الله عليه وآله ، ونزلت الآية بين مكّة والمدينة .

(1) سورة آل عمران : 191 ـ 195 .
(2) سورة التوبة : 111 .
(3) مناقب ابن شهراشوب : 1 / 183 ـ 184 .
ورواه الشيخ الطوسي في الأمالي : 2 / 84 ـ 86 ، عنه البحار : 19 / 65 .
(4) سورة البقرة : 207 .

( 175 )

وروي أنّه لمّا نام أمير المؤمنين عليه السلام قام جبرئيل عند(1) رأسه ، وميكائيل عند رجليه ، وجبرئيل ينادي : بخ بخ من مثلك يا ابن أبي طالب يباهي الله به الملائكة ؟(2)

وروي أنّ الله عز وجل أوحى إلى جبرئيل وميكائيل أنّي قد جعلت عمر أحدكما أطول من الآخر ، فأيّكما يؤثر صاحبه بالزيادة ؟ فلم يجيبا .

فأوحى الله إليهما : هذا عليّ بن أبي طالب قد آثر محمداً بعمره ، ووقاه بنفسه ، فاهبطا إليه واحفظانه ، فهبط جبرئيل وميكائيل ، الحديث(3) .

وأمّا المشركون فركبوا الصعب والذلول في طلب رسول الله صلى الله عليه وآله .(4)

قال الزهري : ولمّا دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وأبو بكر الغار أرسل زوجاً من حمام ، حتى باضا في أسفل الثقب ، والعنكبوت حتى تنسج بيتاً ، فلمّا جاء سرقاة بن مالك في طلبهما فرأى بيض الحمام ونسج(5) العنكبوت ، قال : لو دخله أحد لانكسر البيض وتفسّخ [بيت](6) العنكبوت ، فانصرف .

(1) كذا في المجمع ، وفي الأل : على .
(2) مجمع البيان : 1 / 301 . وفيه : بك الملائكة .
(3) أمالي الطوسي : 2 / 83 ـ 84 ، إحياء علوم الدين : 3 / 258 ، الروضة لشاذان : 2 (مخطوط) ، إرشاد القلوب للديلمي : 224 ، تأويل الآيات : 1 / 89 ح 76 .
وأخرجه في البحار : 19 / 39 وص 64 وص 85 ح 36 وص 86 ح 37 عن بعض المصادر أعلاه .
(4) مناقب ابن شهراشوب : 1 / 183 .
(5) في المجمع : وبيت .
(6) من المجمع .

( 176 )

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله : اللهم أعم أبصارهم عنّا ، فعميت أبصارهم عن دخوله ، وجعلوا ينظرون(1) يميناً وشمالاً حول الغار .

وقال أبو بكر : لو نظروا إلى أقدامهم لرأونا .

وروى علي بن ابراهيم في تفسيره : كان رجل من خزاعة ، يقال له أبو كرز ، فما زال يقفو أثر رسول الله صلى الله عليه وآله حتى وقف بهم على الحجر(2) ، فقال : [هذه](3) قدم محمد ، هي والله اُخت القدم التي في المقام ، وقال : هذه قدم أبي قحافة والله ، وقال : ما جاوزا هذا المكان ، إمّا أن يكونا صعدا في السماء أو نزلا في الارض .

وجاء فارس من الملائكة في صورة الإنس ، فوقف على باب الغار ، وهو يقول : اطلبوه في هذه الشعاب فليس هاهنا .

ونزل رجل من قريش فاستقبل باب الغار وبال ، فقال أبو بكر : قد أبصرونا يا رسول الله .

فقال صلى الله عليه وآله : لو أبصرونا ما استقبلونا بعوراتهم .(4)

«فَأَنْزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ»(5) أي على رسول الله صلى الله عليه وآله ، أي : ألقى في قلبه ما سكن به ، وعلم أنّهم غير واصلين إليه .

وفي تخصيص رسول الله صلى الله عليه وآله بالسكينة ، وعد إدخال أبي

(1) في المجمع : يضربون .
(2) في المجمع : باب الغار .
(3) من المجمع .
(4) أورده عن عليّ بن إبراهيم في مناقب ابن شهراشوب : 1 / 127 ـ 128 ، عنه البحار : 19 / 77 ح 28 .
(5) سورة التوبة : 40 .

( 177 )

بكر فيها ، أقوى دليل على عدم إيمانه ، وقوّة يقينه صلى الله عليه وآله ، ورباط جأشه ، وقد أشرك الله المؤمنين مع رسوله في السكينة في هذه السورة وغيرها بقوله : «فَأَنْزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ» على رسوله والمؤمنين ، وأنزل جنوداً لم تروها ، وفي سورة إنّا فتحنا : «فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى‏ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التّقْوَى»(1) الآية .(2)

وقد ردّ رسول الله صلى الله عليه وآله هند وعبد الله بن فُهيرة حين أوصلاه إلى الغار ، وحبس أبي بكر لعلمه برباط جأشهما ، وشدّة يقينهما ، وقوّة إيمانهما ، وانّهما لو قتلا ما أخبرا بمكان رسول الله صلى الله عليه وآله ، وحبس أبا بكر عنده خوفاً على نفسه منه ، لأنّه كان قد علم أوّلاً بعزم الرسول ، وخاف إن اذن له كما أذن لهما أن تعلم قريشاً بمكانه فيخبرهم به إمّا رهبة أو نفاقاً .

وقد روى أبو المفضّل الشيباني بإسناده عن مجاهد ، قال : فخرت عائشة بأبيها ومكانه مع رسول الله صلى الله عليه وآله في الغار ، فقال لها عبد الله بن شّاد بن الهاد : فأين أنتِ من علي بن أبي طالب حيث نام [في](3) مكانه وهو يرى أنّه يقتل ؟ فسكتت ولم تجد جواباً .

وشتّان بين قوله تعالى : «وَمِنَ النّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللّهِ»(4) وبين قوله : «لاَتَحْزَنْ إِنّ اللّهَ مَعَنَا»(5) وكان النبي صلى الله عليه وآله يقوّي قلبه ، ولم يكن مع عليّ أحد يقوّي قلبه ، وهو لم يصبه وجع ، وعليّ كان

(1) سورة الفتح : 26 .
(2) مجمع البيان : 3 / 31 ، عنه البحار : 19 / 33 .
(3) من المناقب .
(4) سورة البقرة : 207 .
(5) سورة التوبة : 40 .

( 178 )

يرمى بالحجارة وهو على فراش رسول الله صلى الله عليه وآله ، وأبو بكر مختف بالغار ، وعليّ ظاهر للكفّار .

واستخلفه الرسول لردّ الودائع لأنّه كان أميناً ، فلمّا أدّاها قام صلوات الله عليه على سطح الكعبة ، فنادى بأعلى صوته : يا أيّها الناس ، هل من صاحب أمانة ؟ هل من صاحب وصيّة ؟ هل من صاحب عدة له قِبَلَ رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ فلمّا لم يأت أحد لحق بالنبي صلى الله عليه وآله .(1)

فنزل معه على كلثوم(2) ، وكان أبو بكر في بيت خبيب(3) بن إساف ، فأقام النبي صلى الله عليه وآله بقبا يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس ، وأسّس مسجده ، وصلّى يوم الجمعة في المسجد الذي ببطن الوادي ـ وادي رانوقا(4) ـ فكانت أوّل صلاة صلّاها بالمدينة ، ثمّ أتاه غسّان بن مالك وعبّاس بن عبادة في رجال من بني سالم ، فقالوا : يا رسول الله ، أقم عندنا في العدّة والعدد والمنعة .

فقال صلى الله عليه وآله : خلّوا سبيلها ، فإنّها مأمورة ـ يعني ناقته ـ ، ثم

(1) مناقب ابن شهراشوب : 2 / 57 ـ 58 ، عنه البحار : 38 / 289 .
(2) في المناقب : كلثوم بن هِدم .
وهو كلثوم بن هدم بن امرئ القيس بن الحارث بن مالك بن الأوس الأنصاري الأوسي ، كان يسكن قباء ، ويعرف بصاحب رسول الله صلى الله عليه وآله ، وكان شيخاً كبيراً ، وأسلم قبل وصول النبي صلى الله عليه وآله إلى المدينة ، توفّي قبل بدر بيسير ، وقيل : إنّه أوّل من مات من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله . «اُسد الغابة : 4 / 253» .
(3) كذا الصحيح ، وفي الأصل والمناقب : حبيب ـ وهو تصحيف ـ .
وهو خُبَيب بن إساف ؛ وقيل : يساف ، ابن عِنَبة بن عَمرو الأنصاري الخزرجي : شهد بدراً واُحداً والخندق ، وكان نازلاً بالمدينة وتأخّر إسلامه حتى سار النبي صلى الله عليه وآله غلى بدر ، فلحق النبي صلى الله عليه وآله في الطريق فأسلم . «اُحد الغابة : 1 / 368 ، وج 2 / 101 ـ 102» .
(4) في المناقب : رافوقا .

( 179 )

تلقّاه زياد بن لبيد وفروة بن عمرو في رجال من بني بياضة ، فقال كذلك ، ثمّ اعترضه سعد بن عبادة والمنذر بن عمرو في رجال من بني ساعدة ، ثمّ اعترضه سعد بن الربيع وخارجة بن زيد وعبد الله بن رواحة في رجال من بني الحارث ، فانطلقت حتى إذا وازت دار بني مالك بن النجّار بركت على باب مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله ، وهو يومئذ مِربَد(1) لغلامين يتيمين من بني النجّار ، فلمّا بركت ورسول الله لم ينزل وثبت وسارت غير بعيد ورسول الله صلى الله عليه وآله واضع لها زمامها لا يثنيها به ، ثم التفّت إلى خلفها فرجعت إلى مبركها أوّل مرّة فبركت ، ثمّ تجلجلت(2) ورزمت ووضعت جرانها ، فنزل صلى الله عليه وآله عنها ، واحتمل أبو أيّوب رحله ووضعه في بيته ، ونزل رسول الله في بيت أبي أيّوب وسأل عن المربد فاُخبر انّه لسهل وسهيل يتيمين لمعاذ بن عفراء ، فأرضاها معاذ ، وأمر النبي صلى الله عليه وآله ببناء المسجد ، وعمل رسول الله صلى الله عليه وآله بنفسه ، وعمل فيه المهاجرون والأنصار ، وأخذ المسلمون يرتجزون وهم يعملون ، فقال بعضهم :

لئن قعدنا والنبيّ يعمل     لذاك منّا العمل المضلّل

(1) كذا في المناقب ، وفي الأصل : مزيد . وكذا في المواضع التالية .
والمريد : موضع الإبل .
(2) كذا في المناقب ، وفي الأصل : تخلخلت .
وتجلجلت : أي تخاضعت وتضعضعت . وما في الأصل لعلّه : تحلحلت ـ وهو الموافق لما في سيرة ابن إسحاق ، ومعناه : تحرّكت .
قال ابن الأثير في النهاية : 4 / 239 : «ثم تَلَحلَحَت وأرزَمَت ، ووَضَعت جِرانَها» تَلَحلَحَت : أي أقامَت وَلَزِمَت مكانها ولم تَبرح ، وهو ضدّ تَحَلحَل .
وقال في ج 2 / 220 : «وأرزمت» أي صَوّتَت ، والإرزام : الصوت لا يفتح به الفَمُ ، و«ناقة رازم» هي التي لا تتحرّك من الهزال .والجران باطن العنق ؛ وقيل : مقدّمه .

( 180 )

والنبي صلى الله عليه وآله يقول :

لا عيش إلا عيش الآخرة     ربّ(1) ارحم الأنصار والمهاجرة

وعلي أمير المؤمنين يقول :

لا يستوي من يعمل(2) المساجدا     يدأب فيها قائماً وقاعداً

ومن يُرى عن الغبار(3) حائداً

ثم انتقل من بيت أبي أيّوب إلى مساكنه التي بنيت له ؛ وقيل : كانت مدّة مقامه بالمدينة إلى أن بنى المسجد وبيوته من شهر ربيع الأوّل إلى صفر من السنة القابلة .(4)

ولمّا كان بعد سبعة أشهر من الهجرة نزل جبرئيل عليه صلى الله عليه وآله بقول : «أُذِنَ لِلّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنّهُمْ ظُلِمُوا»(5) الآية ، وقلّد في عنق رسول الله صلى الله عليه وآله سيفاً . وفي رواية : لم يكن له غمد ، وقال : حارب بهذا قومك حتى يقولوا لا إله إلا الله .

وروى أهل السير أنّ جميع ما غزا رسول الله صلى الله عليه وآله بنفسه ستّ وعشرون غزاة ، على هذا النسق : الأبواء ، بواط(6) العشيرة ، بدر الاولى ، بدر

(1) في المناقب : اللهم .
(2) كذا في المناقب ، وفي الأصل : يعمر .
(3) في المناقب : الغيار . ـ بمعنى : الغيرة ـ ، وكلاهما يناسب المقام . والحائد : المعرض والمائل عن الشيء .
(4) مناقب ابن شهراشوب : 1 / 184 ـ 186 ، عنه البحار : 19 / 122 ح 9 .
(5) سورة الحج : 40 .
(6) بُواط : واد من أودية القبليّة ...، وهو جبل من جبال جُهينة ، بناحية رَضوى به غزاة للنبي صلى الله عليه وآله . «مراصد الاطّلاع : 1 / 228» .

( 181 )

الكبرى ، السويق ، ذي أمر ، اُحد ، نجران ، بنو سليم ، الأسد ، بنو النضير ، ذات الرقاع ، بدر الاخرى ، دومة الجندل ، الخندق ، بنو قريظة ، بنو لحيان ، بنو قرد ، بنو المصطلق ، [الحديبيّة ، خيبر ، الفتح ، حنين ، الطائف](1) ، تبوك ، بنو قينقاع . قاتل في تسع ، وهي : بدر الكبرى ، واُحد ، والخندق ، وبني قريظة(2) ، وبني لحيان ، وخيبر ، والفتح ، وحنين ، والطائف .

وأمّا سراياه فستّ وثلاثون ، لا نطوّل بذكرها .(3)

وكان أمير المؤمنين عليه السلام قطب رحاها التي عليه تدور ، وفارسها البطل المشهور ، الا تبوك ، فإنّ رسول الله صلى الله عليه وآله خلّفه على المدينة لانّه علم أنّه لا يكون فيها حرب ، ولمّا لحق برسول الله صلى الله عليه وآله وقال : يا رسول الله ، خلّفتني مع النساء والصبيان ، فردّه رسول الله صلى الله عليه وآله من اللحوق ، وقال : يا عليّ ، أنت منّي بمنزلة هارون من موسى الا انّه لا نبيّ بعدي ، انّ المدينة لا تصلح الا بي أو بك(4) ، فرجع صلوات الله عليه .

وكان المنافق يتخرّصون الاخبار ، ويرجفون(5) في المدينة ، ويزوّدون

(1) من المناقب .
(2) زاد في المناقب : وبني المصطلق .
(3) مناقب ابن شهراشوب : 1 / 186 و212 ، عنه البحار : 19 / 172 ح 18 .
(4) انظر : مناقب ابن شهراشوب : 3 / 15 ـ 17 ، بحار الأنوار : 37 / 254 ـ 289 ب 53 ، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل : 5 / 182 ـ 190 حيث يتبيّن من خلالها انّ حديث المنزلة من حيث الأسانيد هو من أقوى الأحاديث والروايات الاسلاميّة التي وردت في مؤلّفات جميع الفرق الاسلاميّة بلا استثناء ، وانّ هذا الحديث يوضح لأهل الإنصاف من حيث الدلالة أفضليّة علي عليه السلام على الامّة جمعاء ، وأيضاً خلافته المباشرة ـ وبلا فصل ـ بعد رسول الله صلى الله عليه وآله .
(5) يتخرّصون : أي يفتعلون . ويرجفون : أي يخوضون في الأخبار السيّئة وذكر الفتن التي يكون معها اضطراب في الناس .

( 182 )

الأحاديث ليشوّشوا على ضعفاء المؤمنين ، وكانوا كلّما ألقوا إلى المسلمين ما بيّنوه من الإفك والإرجاف أمرهم أمير المؤمنين بالصبر ، وأعلمهم أنّ ذلك لا حقيقة له ، إلى أن رجع رسول الله صلى الله عليه وآله مؤيّداً منصوراً قد خضعت له رقاب المشركين ، والتزموا الشرائط شرطها عليهم صلى الله عليه وآله.

وكفىأمير المؤمنين فخراً ودلالة على فضله وتقديمه ما صدر منه في بدر واُحد وخيبر والخندق ، فإنّ القتلى كانت سبعين ، قتل صلوات الله عليه بيده الشريفة ثمانية وعشرين ، وقيل : ستّة وثلاثين ، وقتلت الملائكة والناس تمام العدد .

موعظة جليلة

فرّغ نفسك أيها المؤمن متفكّراً بعين بصيرتك ، وأيقظ قلبك أيها المخلص ناظراً بعين باصرتك ، أما كان الله سبحانه قادراً على صبّ سوط عذابه(1) على من آذى نبيّه ؟ أما كان جلّ جلاله عالماً عن نصب حبائل غوائله ، وناجر وليّه ؟ أما كان في شدّة بطشه قوّة تزيل جبال تهامة عن مراكزها ، وتنسفها نسفاً(2) ؟ أما كان في عموم سلطانه قدرة أن يخسف الأرض بأهلها ، أو يسقط السماء عليهم كِسَفاً(3)، لما ارتكبوا من خلاف نبيّهم ما ارتكبوا ، واحتقبوا من كبائر الذنوب ما احتقبوا ، واتّخذوا الأصنام آلهة من دون مبدعهم وخالقهم ، واستقسموا بالأزلام عتوّاً على مالكهم ورازقهم ، وجعلوا له البنات ولهم البنين بجائر قسمتهم ،

(1) إقتباس من الآية : 13 من سورة الفجر .
(2) إقتباس من الآية : 105 من سورة طه .
(3) إقتباس من الآية : 92 من سورة الإسراء .

( 183 )

وبحروا لابحيرة ، وسيّبوا السائبة(1) ببدعة جاهليّتهم ؟ أما كان سبحانه قادراً حين آذوا الرسول وراموا قتله على مسخهم قردة خاسئين(2) ؟ أكان عاجزاً لمّا أخرجوا نبيّهم أن ينزل عليهم ىية فتضلّ أعناقهم لها خاضعين(3) ؟

بلى هو القادر الذي لا يعجزه شيء في الأرض ، ولا في الساء ، القاهر فلا يفلت من قبضة سطوته من دنا أو نأى ، الذي لا يزيد في ملكه طاعة مطيع من عباده ، ولا ينقص من سلطانه معصية متهتّك بعباده ، لكنّه سبحانه أمهلهم بحلمه ، وأحصاهم بعلمه ، ولم يعاجلهم بنقمته ، ولم يخلهم من رحمته ، وفتح لهم أبواب الهدى إلى رضوانه ، وحذّرهم سلوك سبيل الردى إلى عصيانه ، وكلّفهم بالتكاليف الشاقّة من بعثتهم على طاعته ، وحذّرهم من الأعمال الموبقة بنهيهم عن مخالفته ، ونصب لهم أعلاماً يستدلّون بمنارهها من حيرة الضلالة في مدارج السلوك ، ونجوماً يهتدون بأنوارها من مداحض الجهالة ومهالك الشكوك .

ولمّا كان سبحانه منزّهاً عن العرض والجسم ، مقدّساً عن التركيب والقسم ، لا تخطر صفته بفكر ، ولا يدرك سبحانه ببصر ، ولا تعدّه الأيّام ، ولا تحدّه الأنام ، قصرت الأفكار عن تبصرة كماله ، وحارت الأنظار عن تحديد جلاله ، وحسرت الأبصار عن مشاهدة جماله ، وتاهت الأفهام في بيداء معرفته ، وكلّت الأوهام عن تعيين صفته .

لم يخلق سبحانه خلقه عبثاً ، ولم يتركهم هملاً بل أمرهم بالطاعة وندبهم إليها ، وكلّفهم بالعبادة وأثابهم عليها ، قال سبحانه : «وَمَا خَلَقْتُ الْجِنّ وَالْإِنسَ إِلّا

(1) إقتباس من الآية : 103 من سورة المائدة .
(2) إقتباس من الآية : 65 من سورة البقرة ، والآية : 166 من سورة الأعراف .
(3) إقتباس من الآية : 4 من سورة الشعراء .

( 184 )

لِيَعْبُدُونِ«56» مَا أُرِيدُ مِنْهُم مّن رّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ»(1)، والعبث لا يليق بحكمته ، والإغراء بالقبيح لا يحسن بصفته .

وجب في لطفه إعلامهم بما فيه صلاحهم في دنياهم واخراهم ، وفي عدله تعريفهم مبدأهم ومنتهاهم ، وجعل لهم قدرة واختياراً ، ولم يجبرهم على فعل الطاعة وترك المعصية اضطراراً ، بل هداهم النجدين ، وأوضح لهم السبيلين .

ولمّا كانت كدورات الطبيعة غالبة على نفوسهم ، وظلمة الجهالة مانعة من تطهيرهم وتقديسهم ، والنفس الأمّارة تقودهم إلى مداحض البوار ، والشهوة الحيوانيّة تحثّهم على ارتكاب موبقات الأوزار ، والوسواس الخنّاس قد استولى بوساوسه على صدورهم ، وزيّن لهم بزخارفه مزالق غرورهم ، فوجب في عدله وحكمته إقامة من يسوقهم بسوط لفظه إلى ما يقرّبهم نم حضيرة جلاله ، ويزجرهم بصوت وعظه عمّا يوبق أحدهم في معاشه وماله ، إذ أنفسهم منحطّة عن مراتب الكمال ، غاوية في مسالك الوبال ، منخرطة في سلك أنّ النفس لأمّارة بالسوء الا من رحم(2)، غارقة في لجّة الجهل الا من عصم ، تقصر قواها عن تلقّي نفحات رحمته ، وتضعف مراياها لعدم جلاها عن مقابلة أشعّة معرفته .

فأقام سبحانه لهم حججاً من أبناء نوعهم ، ظاهرين في عالم الانسانيّة ، باطنين في عالم الروحانيّة ، فظواهرهم أشخاص بشريّة ، وبواطنهم أملاك عوليّة ، قد توّجههم سبحانه بتيجان الحكمة ، وأفرغ عليهم حلل العصمة ، وطهّرهم من الأدناس ، ونزّههم عن الأرجاس ، فشربوا من شراب حبّه(3) أشغلهم به عمّن سواه ، واطّلعوا على أسرار ملكوته فما في قلوبهم الا إيّاه ، لما انتشت نشاءة

(1) سورة الذاريات : 56 و57 .
(2) إقتباس من الآية : 53 من سورة يوسف .
(3) كذا الصحيح ، وفي الأصل : حبّهما .

( 185 )

نفوسهم من رحيق خطابه في عالم الذرّ ، وسكنت هيبة عزّة جلاله شغاف قلوبهم حين أقرّ من أقرّ ، وأنكر من أنكر ، لم تزل العناية الأزليّة تنقلهم من الأصلاب الفاخرة إلى الأرحام المطهّرة ، والألطاف الإلهيّة تمنحهم شرف الدنيا والآخرة .

جعلهم سبحانه السفراء بينه وبين عباده ، والاُمناء على وحيه في سائر أنامه وبلاده ، بشّرت الأنبياء الماضية بظهورهم ، وأشرقت السماوات العالية بساطع نورهم ، كتب أسماءهم على سرادقات عرشه المجيد ، وأوجب فرض ولايتهم على عباده من قريب وبعيد ، كلّفهم بحمل أعباء رسالته ، وجعلهم أهلاً لأداء أمانته ، يتلقّون بوجه باطنهم أنوار سبحات جمال عزّته ، ويقابلون بظاهر ضياء محاسن بهجاتهم عباده فيهتدون بنورهم إلى نعيم جنّته ، «وَقَالُوا اتّخَذَ الرّحْمنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مّكْرَمُونَ«26» لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ«27» يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلّا لِمَنِ ارْتَضَى‏ وَهُم مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ»(1) .

أصلهم نبيّ تمّمت به النبوّة ، وكملت به الفتوّة ، وانتهت إليه الرئاسة العامّة ، وخصّ من الله بالكلمة التامّة ، وأيّده سبحانه بنصره في المواطن المشهورة ، وأظهره بقهره على أعدائه في حروبه المذكورة ، وشدّ أزره بوصيّه المرتضى ، وشيّد ملّته بصفيّه المجتبى ، صارم نقمته ، وحامي حوزته ، الذي لم يخلق الله خلقاً أكمل منه من بعده ولا قبله ، ولم يدرك مدرك شأوه(2) ولا فضله ، ولا أخلص مخلص لله إخلاصه ، ولا جاهد مجاهد في الله جهاده من العامّة والخاصّة .

إن دارت حرب فهو قطب رحاها ، أو توجّهت آمال فهو غاية رجاها ، أو ذكر علم فهو مطلع شمسه ، أو اشتهر فضل فهو قالب نفسه ، باب علم مدينة

(1) سورة الأنبياء : 26 ـ 28 .
(2) الشَأوُ : الغاية ، الأمد ، السَبق .

( 186 )

المصطفى ، وقاضي دَينه ، ومنجز عداته ، وقاضي دينه ، طال بقوادم الشرف لمّا على بقدمه على الكتف .

ناداه البيت الحرام بلسان الحال ، وناجاه الركن والمقام بمعاني المقال : يا صاحب النفس القدسيّة ، ويا منبع الأسرار الخفيّة ، ويا مطلع الأنوار الإلهيّة ، ويا دفتر العلوم الربّانية ، أما ترى ما حلّ بي من الأرجاس ؟ أما تنظر ما اكتنفني من الأدناس ؟ الأنصاب حولي منصوبة ، والأزلام في عراصي مضروبة ، والأصنام مرفوعة على عرشي ، والأوثان محدّقة بفرشي ، تنضح بالدماء جدراني ، وتستلم الأشقياء أركاني ، ويعبد الشيطان في ساحتي ، ويسجد لغير الرحمن حول بَنيّتي .

فالغوث الغوث يا صاحب الشدّة والقوّة ، والعون العون يا رب النجدة والفتوة ، خذ بمجامع الشرف بخلاصي واستنقاذي ، وفز بالمعلّا من سهامه فيك معاذي وملاذي .

ولمّا شاهد ربّ الرسالة العامّة تضرّعها بوصيّه ، وعاين صاحب الدعوة التامّة تشفّعها بوليّه ، ناداه بلسان الاخلاص في طاعة معبوده ، وأنهضه بيد القوّة القاهرة لاستيفاء حدوده ، وفتح له إلى سبيل طاعة ربّه منهاجاً ، وجعل كتفه الشريفة بأمر ذي المعارج لأخمصه(1) معراجاً ، وأمره بتسنّم(2) ذروة بيت ربّه ، وتنزيهه عن الرجس من الأوثان بقالبه وقلبه ، وتكسير صحيح جمعها بيد سطوته ، وإلقاء هبلها عن ظهره بشدّة عزمته .

روي بحذف الأسناد عن جابر بن عبد الله الأنصاري ، قال : دخلنا مكّة

(1) الأخمص : باطن القَدَم وما رقّ من أشفلها وتجافى عن الأرض ؛ وقيل : الأخمَصُ خَصرُ القدم . «لسان العرب : 7 / 30 ـ خمص ـ » .
(2) سَنَّم الشيء وتَسَنّمه : علاه . «لسان العرب : 12 / 306 ـ سنم ـ » .

( 187 )

يوم الفتح مع رسول الله صلى الله عليه وآله في البيت وحوله ثلاثمائة وستّون صنماً ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله فاُلقيت جميعها على وجوهها ، وأمر بإخراجها ، وكان على البيت صنم ـ لقريش ـ طويل يقاله له «هبل» ، وكان من نحاس على صورة رجل موتّد بأوتادٍ من حديد إلى الأرض في حائط الكعبة .

قال أمير المؤمنين : فقال لي رسول الله : اجلس ، فجلست إلى جانب الكعبة ، ثمّ صعد رسول الله صلى الله عليه وآله على منكبي ، ثمّ قال لي : انهض بي ، فنهضت به ، فلمّا رأى ضعفي عنه ، قال : اجلس ، فجلست وأنزلته عنّي ، فقال : قم ـ يا علي ـ على عاتقي حتى أرفعك ، فأعطيته ثوبي ، فوضعه رسول الله صلى الله عليه وآله على عاتقه ، ثمّ رفعني حتى وضعني على ظهر الكعبة ، وكان طول الكعبة أربعين ذراعاً ، فو الذي فلق الحبّة ، وبرأ النسمة ، لو أردت أن أمسك السماء بيدي لمسكتها .

وروي أنّه صلوات الله عليه لمّا عالج قلعه اهتزّت الكعبة من شدّة معالجته ، فكسره وألقاه من فوق الكعبة إلى الأرض ، ثم نادى رسول الله صلى الله عليه وآله : انزل ، فوثب من أعلى الكعبة كأنّ له جناحين .(1)

وقيل : إنّه صلوات الله عليه تعلّق بالميزاب ، ثمّ أرسل نفسه إلى الأرض ، فلمّا سقط صلوات الله عليه ضحك ، فقال النبي : ما يضحكك يا علي ، أضحك الله سنّك ؟

قال : ضحكت ـ يا رسول الله ـ متعجّباً من انّي رميت بنفسي من فوق البيت إلى الأرض فما تألّمت ، ولا أصابني وجع !

(1) مناقب ابن شهراشوب : 2 / 135 ـ 136 ، وفيه عن جابر بن عبد الله ؛ وعن أبي مريم ، عن أمير المؤمنين علي عليه السلام ؛ وعن ابن عبّاس .

( 188 )

فقال : كيف تتألّم يا أبا الحسن أو يصيبك وجع ؟! إنّما رفعك محمد ، وأنزلك جبرئيل .(1)

وروي أنّ عمر تمنّى على رسول الله صلى الله عليه وآله أن يكسره ، فقال صلى الله عليه وآله : إنّ الذي عبده لا يكسره .

ولمّا صعد أبو بكر المنبر في بدء أمره نزل عن مقام رسول الله صلى الله عليه وآله مرقاة ، فلمّا صعد عمر نزل عن مقام أبي بكر مرقاة ، فلمّا صعد عثمان نزل عن مقام عمر مرقاة ، فلمّا تولّى أمير المؤمنين صلوات الله عليه صعد إلى مقام رسول الله صلى الله عليه وآله ، فسمع من الناس ضوضاء ، فقال : ما هذا الذي أسمع ؟

قالوا : لصعودك إلى مقام رسول الله صلى الله عليه وآله الذي لم يصعد إليه مَن تقدّمك .

فقال عليه السلام : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : من قام مقامي ولم يعمل بعملي أكبّه الله في النار ، وأنا والله العامل بعمله ، الممتثل قوله ، الحاكم بحكمه ، فلذلك قمت هنا .

ثمّ ذكر في خطبته ، فقال : معاشر الناس ، قمت مقام أخي وابن عمّي لأنّه أعلمني بسرّي وما يكون منّي ، فكأنّه صلوات الله عليه قال : أنا الذي وضعت قدمي على خاتم النبوة ، فما هذه الأعواد ؟ أنا من محمد ومحمد منّي .

وقال صلوات الله عليه في خطبته(2) : أنا كسرت الأصنام ، أنا رفعت

(1) مناقب ابن شهراشوب : 2 / 141 .
وانظر الغدير : 7 / 12 .
(2) في المناقب : خطبة الافتخار .

( 189 )

الأعلام ، أنا ثبّتّ الاسلام .

[قال ابن نباتة : حتّى شدّ به أطناب الاسلام ، وهدّ به أحزاب الأصنام ، فأصبح الايمان فاشياً بأقياله ، والبهتان متلاشياً بصياله](1) ، ولمقام إبراهيم شرف على كل حجر لكونه مقاما لقدم إبراهيم ، فيجب أن يكون قدم عليّ أشرف من رؤوس أعدائه لأن مقامه كتف النبوّة ، والغالية والمشبّهة من المجبّرة يقولون أكثر من هذا .(2)

حتى روت المجبّرة عن النبي صلى الله عليه وآله قال : لمّا بلغت سدرة المنتهى ليلة المعراج وضع الجليل سبحانه يده على كتفي فأحسست ببردها على كبدي .(3)

وقيل في ذلك شعرا :

قيل لي قل في عليّ المرتضى      مـدحاً يـطفئ(4) ناراً موقدة
قلت  لا يبلغ مدحي(5) رجلاً      حـار ذو الجهل إلى أن عبده
وعـلـيّ واضــع أقـدامه      في  مقام(6) وضع الله يده(7)

وقيل أيضاً :

(1) من المناقب .
(2) مناقب ابن شهراشوب : 2 / 135 ـ 136 .
(3) أورد مثل هذا الشهرستاني في الملل والنحل : 1 / 97 في «مشبهة الحشويّة» بهذا اللفظ : حتى وجدت برد أنامله على كتفي .
(4) في المناقب : كلمات تطفئ .
(5) في المناقب : قولي .
(6) في المناقب : وعليّ واضعاً رجلاً له .... بمكان .
(7) مناقب ابن شهراشوب : 2 / 137 ناسباً الأبيات إلى أبي نؤاس . وانظر الغدير : 7 / 12 .

( 190 )

قالوا مدحت عليّ الطهر قلت لهم     كلّ امتداح جميع الأرض معناه

مـاذا أقـول بـمن حطّت له قدم     في موضع وضع الرحمن يمناه(1)

فيا من يتصدّى سواه للامامة ، ويدوك(2) للزعامة ، ويضعف سباله ، ويرجل قذاله ، وينتقص كمال الكامل ، وينكر فضل الفاضل ، ويكاثر بكثرة الأتباع ، ويفاخر بالهمج الرعاع ، يسبه الظمآن ماءً ، حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً ، ويظنّه الجاهل إماماً وقد ضرب الحمق على هامته من الجهل ، ظلّاً وفيئاً ، يدير لسانه في لهواته إذا سئل ، ويجمد ريقه في بلعومه إذا جودل ، يظنّ أنّه الفاصل الأعلم ، وهو أجهل من البازل الأعلم ، ويعذر انّه علم السنّة ، وهو أضلّ الحقّ والسنة .

تنحّ عن رتبة وليّ الحق في الخلق ، وميزان القسط والصدق ، لفظه جلاء القلوب ، ووعظه شفاء الكروب ، ومعّمه رب العالمين ، ومؤدّبه سيد المرسلين ، ينصب له كل يوم علماً من علمه ، ويفتح له باباً م حِكَمِهِ وحُكمِهِ ، يتّبعه اتّباع الفصيل أثر اُمّه ، ويلازمه ملازمة شعاره(3) لجسمه .

ويك اربع على ضلعك ، وتفكّر في أصلك وفرعك ، وطالع مراءة عقلك بعين الانصاف ، واحذر ارتكاب طريقة الوقاحة والاعتساف ، أليست اُمّك صهاك ؟ أليس الخطّاب أباك ؟ ألست جاحد النصوص على أهل الخصوص ؟ ألست منكّس الراية يوم القموص ؟ أما في حنين وأوطاس كنت أوّل المدبرين

(1) مناقب ابن شهراشوب : 2 / 137 . وفيه «لمن» بدل «بمن» .
(2) في حديث خيبر : أنّ النبي صلى الله عليه وآله قال : لاُعطينّ الراية غداً رجلاً يفتح الله على يديه ، فبات الناس يَدكون تلك الليلة فيمن يدفعها اليه ، قوله : يَدوكون أي يخوضون ويموجون ويختلفون فيه . والدَوك : الاختلاط . وقع القوم في دَوكَةٍ ودوكة وبوح أي وقعوا في اختلاط من أمرهم وخصومة وشرّ . «لسان العرب : 10 / 410 ـ دوك ـ » .
(3) الشِعار : ما ولي شَعَرَ جسد الإنسان دون ما سواه من الثياب ... وفي المثل : هم الشِعار دون الدِثار ، يصفهم بالمودّة والقرب . «لسان العرب : 4 / 412 ـ شعر ـ » .

( 191 )

من الناس ؟ أأنت قاتل عمرو ومفرّق جموعه ؟ أأنت المتصدّق بخاتمه في ركوعه ؟ أرضيك الرسول دون الخلق صهراً ؟ أم أوردك في الغدير من غدير الشرف ورداً وصدراً ؟

ويحك قف عند حدّك ، ولا تفاخر بأبيك وجدّك ، ولا تجار فرسان المجد فتضلّ في الحلبة طريحاً ، ولا تساجل(1) أبطال الفخر فتصبح بسيوف الفضيحة طليحاً .

يا مغرور غرّتك دار الغرور ، يا مثبور(2) وفتنتك ببطشها المشهور ، وزيّنت لك سوء عملك فرأيته حسناً ، فغادرتك بموبقات سيّئاتك مرتهناً ، وعن قليل يسفر الصباح ، ويرى المبدع في دين الله ما حضر وأباح ، ويكشف الجليل لك عن وجه غفلتك حجاباً ، ويقوم الروح والملائكة صفّاً لا يتكلمون الا من أذن له الرحمن وقال صواباً(3) ، ويقف سيد المرسلين ، ووصيه سيد الوصيّين ، وابنته سيّدة نساء العالمين ، ثم يؤتى بك موثوقاً بأغلالك ، مرتهناً بأعمالك ، يتبرّأ منك أتباعك ، ويلعنك أشياعك ، وملائكة العذاب تدعك إلى النار دعّاً ، والزبانية تسفعك بعذبات العذاب سفعاً .

فعندها يجثو سيد المرسلين للخصومة ، ويقف وصيّة المظلوم وابنته وينادى عليك باسمك ، ويظهر للناس بعض حدّك ورسمك ، وينظر في ديوان حسابك ، وتتهيّأ ملائكة العذاب لأخذك وعذابك ، ويقال لك على رؤوس الأشهاد ومجمع العباد : يا قاطعاً رحم نبيّه ، يا جاحداً فضل وليّه ، يا منكراً نصّ الغدير ، يا ظالماً أهل آية التطهير ، ألست القائل : إنّ نبيّكم ليهجر ، وقد قال الله في

(1) ساجَلَ الرجُل : باراه .... والمساجَلة : المفاخرة . «لسان العرب : 11 / 326 ـ سجل ـ » .
(2) المثبور : المغلوب ، الملعون ، المطرود ، المعذّب ، المحبوس .
(3) إقتباس من الآية : 38 من سورة النبأ .

( 192 )

شأنه : «وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى»(1) ؟ ألست الزاعم أنّه غوى في حبّ وصيّه ، والله يقول : «مَا ضَلّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى»(2) ؟ ألست المسند إلى رسول «ما تركناه صدقة»(3) ؟

فلعن الله الحديث ومتخرّصه ومصدّقه ، أما كان جزاء من أكلت الدنيا بسلطانه ترك فدك لذرّيّته ؟ أما كان في شرع المروّة التغافل عن بقعة من الأرض ذات الطول والعرض لعترته ؟ هنالك تصحو من خمار خمرتك ، وتفيق من غمار غمرتك ، ويحقّ الحقّ ، ويأتي النداء من قبل الحق : «خُذُوهُ فَغُلّوهُ«30» ثُمّ الْجَحِيمَ صَلّوهُ«31» ثُمّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ«32» إِنّهُ كَانَ لاَ يُؤْمِنُ بِاللّهِ الْعَظِيمِ«33» وَلاَ يَحُضّ عَلَى‏ طَعَامِ الْمِسْكِينِ«34» فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ«35» وَلاَ طَعَامٌ إِلّا مِنْ غِسْلِينٍ»(4) فتجرّ مصفّداً ، وتسحب مقيّداً ، وتلقى في الجحيم مركوساً ، وتقذف في الحميم منكوساً ، في شرّ سجن قعرها هاوية ، وسجنتها زبانية ، وما أدراك ما هي نار حامية .(5)

روي أنّ أمير المؤمنين عليه السلام خطب فقال : ما لنا وقريش ، وما تنكر منّا قريش غير أنّا أهل بيت شيّد الله فوق بنيانههم بنياننا ، وأعلى فوق رؤوسهم رؤوسنا ، واختارنا الله عليهم ، فنقموا عليه أن اختارنا عليهم ،

(1) سورة النجم : 3 .
(2) سورة النجم : 2 .
(3) انظر : طبقات ابن سعد : 8 / 28 ، صحيح البخاري : 4 / 96 ـ 98 ، وج 5 / 25 وص 114 ـ 115 وص 177 ، وج 7 / 72 ، وج 8 / 185 ، وج 9 / 122 ، صحيح مسلم : 3 / 1380 ح 1759 ، الملل والنحل : 1 / 31 .
(4) سورة الحاقّة : 30 ـ 36 .
(5) إقتباس من الآية : 10 و11 من سورة القارعة .

( 193 )

[وسخطوا ما رضي الله ، وأحبّوا ما كره الله ، فلمّا اختارنا عليهم](1) شركناهم في حريمنا ، وعرّفناهم الكتاب والسنّة ، وعلّمناهم الفرائض والسنن ، وحفظناهم الصدق والدين(2) ، فوثبوا علينا ، وجحدوا فضلنا ، ومنعونا حقّنا ، والتوونا أسباب أعمالنا .

اللهم فإنّي أستعديك على قريش ، فخذ لي بحقّي منها ، ولا تدع مظلمتي لها ، وطالبهم ـ يا ربّ ـ بحقّي فإنّك الحكيم(3) العدل ، فإنّ قريشاً صغّرت قدري ، واستحلّت المحارم منّي ، واستخفّت بعرضي وعشيرتي ، وقهرتني على ميراثي من ابن عمّي ، وأغروا بي أعدائي ، ووتروا بيني وبين العرب(4) ، وسلبوني ما مهّدت لنفسي من لدن صباي بجهدي وكدّي ، ومنعوني ما خلّفه أخي وحميمي وشقيقي(5) ، وقالوا إنّك لحريص متّهم .

أليس بنا اهتدوا من متاه الكفر ، ومن عمى الضلالة ، وغيّ الظلماء ؟ أليس أنقذتهم من الفتنة الصمّاء العمياء(6) ؟ ويلهم ألم اُخلّصهم من نيران الطغاة(7) ، وسيوف البغاة ، ووطأ الاُسد ، ومقارعة الطماطمة(8) ، ومجادلة القماقمة الذين

(1) من المناقب .
(2) في المناقب : اللين ، وديّنّاهم الدين والاسلام .
(3) في المناقب : الحكم .
(4) في المناقب : العرب والعجم .
(5) كذا في المناقب ، وفي الأصل : وجسمي وشفيقي .
(6) في المناقب : الفتنة الظلماء والمحنة العمياء .
(7) زاد في المناقب : وكره العتاة .
(8) في المناقب : الصماء .
طَميم الناس : أخلاطهم وكثرتهم . والطمطمة : العُجمة . والطماطِم : هو الأعجم الذي لا يُفصِح . «لسان العرب : 12 / 371 ـ طمم ـ » .

( 194 )

كانوا عجم العرب ، وغنم الحرب(1)، وقطب الأقدام ، وحبال(2) القتال ، وسهام الخطوب ، وسلّ السيوف ؟ أليس بي تسنّموا(3) الشرف ، ونالوا لاحق والنصف ؟ ألست آية نبوّة محمد صلى الله عليه وآله ، ودليل رسالته ، وعلامة رضاه ، وسخطه الذي يقطع بي الدرع الدلاص ، ويصطلم(4) الرجال الحراص ، وبي كان يبري جاجم البهم(5) وهام الأبطال إلى أن فزعت تيم إلى الفرار ، وعديّ إلى الانتكاص .(6)

ألا وإنّي لو أسلمت قريشاً للمنايا والحتوف وتركتها لحصدتها سيوف الغواة ، ووطأتها الأعاجم ، وكرّات الأعادي ، وحملات الأعالي ، وطحنتهم سنابك الصافنات(7) ، وحوافر الصاهلات ، في مواقف الأزل والهزل(8)، في طلاب الأعنّة ، وبريق الأسنّة ، ما بقوا لهظمي ، ولاعاشوا لظلمي ، ولما قالوا : إنّك لحريص [متّهم](9) .

ثم قال بعد بكلام :

(1) أي الذين يطلبون غنائمها .
(2) في المناقب : جبال .
(3) تسنّم الشيء : علاه وارتفع به .
(4) الدلاص : الليّن البرّاق الأملس . واصطلم : استأصل وأباد .
(5) كذا في المناقب ، وفي الأصل : الهمم .
والبهم : جمع بهمة : الفارس الذي لا يبالي في الحرب من شدّة بأسه .
(6) كذا في المناقب ، وفي الأصل : إلى أن قرعت بهم إلى الفرار ، وعديّ إلى الانتقاص .
(7) السنابك : أطراف الحوافر . والصافنات : جمع الصافن : وهو الفرس القائم على ثلاث قوائم ، وطرف الحافر الرابعة . «المعجم الوسيط : 1 / 453 و517» .
(8) كذا في المناقب ، وفي الأصل : والقول .
والأزل : شدّة الزمان ، وضيق العيش . والهزل : الضعف ، والهذيان واسترخاء الكلام .
(9) من المناقب . وفي الأصل عبارة «ما بقوا ...» فيها تصحيف .

( 195 )

ألا وإنّي فتحت الاسلام ، ونصرت الدين ، وعزّزت الرسول ، وثبّتّ(1) أعلامه ، وأعليت مناره ، وأعلنت أسراره ، وأظهرت أثره وحاله ، وصفيت الدولة ، ووطأت الماشي(2) والراكب ، ثمّ قدتها صافية على أنّي بها مستأثر .

[ثم قال بعد كلام : ](3)

سبقني إليها التيمي والعدوي كسباق الفرس احتيالاً واغتيالاً وخدعة وغيلة .

ثم قال بعد كلامه :

يا معشر المهاجرين والأنصار ، أين كانت سبقة تيم وعديّ إلى سقيفة بني ساعدة خوف الفتنة [ألا كانت](4) يوم الأبواء ، إذ تكافت الصفوف ، وتكانفت الحتوف(5) ، وتقارعت السيوف ؟ أم هلا خشيا فتنة الإسلام يوم ابن عبد ودّ إذ شمخ بأنفه ، وطمح ببصره ؟

ولِمَ [لم](6) يشفقا على الدين وأهله يوم بواط إذ اسودّ الاُفق ، واعوجّ عظم العنق(7) ؟

ولِمَ لم يشفقا يوم رضوى إذ السهام تطير ن والمنايا تسير ، والاُسد تزأر ؟

وهلا بادرا يوم العشيرة إذ الأسنان [تصطكّ ، والآذان](8) تستك ، والدروع تهتك ؟

(1) في المناقب : وبنيت .
(2) كذا في المناقب ، وفي الأصل : للماضي .
(3 و4 و6 و8) من المناقب .
(5) في المناقب : إذ تكاثفت الصفوف ، وتكاثرت الحتوف .
(7) زاد في المناقب : وانحلّ سيل الغرق .

( 196 )

وهلا كانت مبادرتهما يوم بدر إذ الأرواح في الصعداء ترتقي ، والجياد بالصناديد ترتدي ، والأرض من دماء الأبطال ترتوي ؟

ولِمَ لم يشفقا على الدين يوم بدر الثانية ، والدعاس ترعب ، والأوداج تشخب ، والصدور تخضب ؟

وهلا بادرا ذات الليوث(1) وقد أمجّ التولب(2) ، واصطلم الشوقب ، وادلّهم(3) الكوكب .

[ولم لا كانت شفقتهما على الاسلام يوكد الأكدر](4) ، والعين تدمع ، والمنيّة تلمع ، والصفائح تنزع .

ثم عدّد وقائع النبي صلى الله عليه وآله ، ثم قال : فإنّهما كانا في النظارة .

م قال : فما هذه الدهماء والدهياء التي وردت علينا(5) من قريش ؟ أنا صاحب هذه المشاهد ، وأبو هذه المواقف ، وابن هذه الأفعال الحميدة ـ إلى الآخر الخطبة ـ .

ومن جملة قصيدة للناشئ رحمة الله عليه :

فلِمَ لم يثـوروا(6) ببدرٍ وقد     تبلت من القوم إذ بارزوكا ؟

ولِمَ عرّدوا إذ شجيت العدى     بمهراس اُحد وقد(7) نازلوكا ؟

(1) أي غزوة حنين .
(2) أمجّ : جَرى جَرياً شديداً . والتولب : ولد الأتان من الحمار الوحشي إذا استكمل الحول .
(3) الشوقب : الطويل من الرجال ، النعام ، الإبل . وادلّهم : اشتدّ ظلامه .
(4) من المناقب : وفيه «والعيون» بدل «والعين» .
(5) كذا في المناقب ، ,في الأصل : عليها .
(6) كذا في المناقب ، وفي الأصل : تثور . والتبل : الثأر .
(7) في المناقب : ولِمَ ؟
وعرد : هرب . والمهراس : صخرة منقورة تسع كثيراً من الماء ، وقد يعمل منه حياض للماء ، وهو هنا اسم ما باُحد .

( 197 )

ولِمَ أجمحوا يوم سلعٍ(1) وقد      ثـبتّ  لعمرو ولِمَ أسلموكا ؟
ولِـمَ يـوم خـيبر لم يثبتوا      براية(2) أحمد واستركبوكا ؟
فـلاقيت  مرحباً والعنكبوت      واسـداً  يحامون إذ واجهوكا
فـدكدكت حـصنهم قـاهراً      وطوّحت بالباب إذ حاجزوكا
ولَـم يـحضروا بحنين وقد      صككت بنفسك جيشاً صكوكا
فـأنت  الـمقدّم في كلّ ذلك      فـلله  درّك لِـمَ أخّـروكا ؟

ومن نهج البلاغة :

اللهم إنّي أستعديك على قريش ، فإنّهم [قد](3) فطعوا رحمي ، وكفروا آياتي(4)، وأجمعوا على منازعتي حقّاً كنت أولى به من غيري ، وقالوا : ألا [إنّ](5) في الحق أن تأخذه ، وفي الحقّ [أن](6) تُمنعه ، فاصبر مغموماً ، أو مُت متأسّفاً ، فنظرت فإذا ليس لي رافد ، ولا ذابّ(7) ولا مساعد ، الا أهل بيتي ، فَضَننتُ(8) بهم عن المنيّة ، فأغضيت على القذى(9) ، وجرعت ريقي على الشَجا(10)، وصبرت على الأذى ، ووطّنت(11) نفسي على كظم الغيظ ، وما هو أمرّ

(1) الجمح : استعمل بمعنى إدامة النظر مع فتح العين . وسلع : موضع بقرب المدينة .
(2) في المناقب : صحابة .
(3 و5 و6) من النهج والمناقب .
(4) في النهج : وأكفَؤوا إنائي . وهنا كناية عن تضييع الحقّ .
(7) الرافد : المعين . والذابّ : المدافع .
(8) أي بخلتُ .
(9) القذى : ما يقع في العين ، ومراده عليه السلام : غضضت الطرف عنه .
(10) الشجا : ما اعترض في الحلق من عظم ونحوه ، يريد به غصّة الحزن .
(11) في المناقب : وطبت .. وحر . وفي النهج : وصبرتُ من كظم الغيظ على أمرّ من العَلقم ، وآلمَ للقلب من وَخزِ الشّفار .

( 198 )

من العلقم ، وآلم من حزّ الشفار .

وكذلك قوله صلوات الله عليه في خطبته الشقشقيّة : أما والله لقد تقمّصها(1) ابن أبي قحافة ـ إلى آخرها ـ .(2)

إذا تقرّر هذا فاعلم ـ أيها المؤمن ـ [أنّ](3) الدنيا لم تزل مصائبها مولعة بالأنبياء والمرسلين ، ومطالبها عسرة على الأولياء الصالحين ، وأبناءها لم تزل ترمي بسهام حسدها من شيّد الله بالتقوى بنيانه ، وشدّ بالاخلاص أركانه ، وأعلى بالطاعة مجده ، وأسعد بالجدّ جدّه ، يحسد دنيّهم شريفهم ، ويظلم قويّهم ضعيفهم ، فتفكّروا في رأس أبنائها ، وأساس زعمائها ، أوّل كل حاسد ، وأصل كلّ مارد ، أعني الشيطان المغوي ، والفتّان المردي ، كيف افتخر بعنصره النوراني ، وأصله النيراني ، ورمى صفيّ الله المجتبى عن قوس غروره ، وأصمى منه المعابل بنبال فجوره ، وأخرجه وروحه من الجنّة ينزع عنهما لباسهما ، ويبدي لهما سوآتهما ، فلعنه الله بما أبدى من حسده ، وأبان عن سوء معتقده ، وأخرجه من نعيم جنّته ، وقلّدته بشوقته طوق لعنته ، فطلب النظرة منه سبحانه إلى يوم الدين ، فقال : «أَنظِرْنِي إِلَى‏ يَوْمِ يُبْعَثُونَ»(4) فقال سبحانه : «قَالَ فَإِنّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ»(5) فقال : «قَالَ فَبِعِزّتِكَ لَأُغْوِيَنّهُمْ أَجْمَعِينَ«82» إِلّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ»(6) .

ثمّ ينظره سبحانه كرامة به عليه ولم يمهله لمنفعة واصلة منه إليه ، ولكن

 والعلقم : الحنظل . والشِفار : جمع شفرة : حدّ السيف ونحوه .
(1) أي لبسها كالقميص .
(2) مناقب ابن شهراشوب : 2 / 201 ـ 204 ، نهج البلاغة : 336 خطبة 217 وص 48 خطبة 3 .
(3) أثبتناه لضرورة السياق .
(4 و5) سورة الأعراف : 14 و15 . وانظر الآيتين : 79 و80 من سورة ص .
(6) سورة ص : 82 و83 .

( 199 )

أراد سبحانه ليبلو عباده أيّهم أشدّ مخالفة لأمره ، وحذراً من زروه ومكره ، وتباعداً من موبقات زخارفه ، وفراراً من موديات مواقفه ، فصدق اللعين عليهم ظنّه ، زيّن لهم ما فرض عليهم وسنّه ، فاتّبعوه الا فريقاً من المؤمنين ، وعبدوه الا قليلاً من المخلصين ، واتّخذوه ربّاً دون خالقهم ، وابتغوا عنده الرزق دون رازقهم ، ونصروا أولياءه ، وقهروا أعداءه ، وذهبوا بهم كلّ مذهب ، وسدّوا عليهم كلّ مطلب ، واتّخذوا الأوثان أرباباً ، والأصنام أنصاباً ، وقتلوا النبيّين ، وفتنوا المؤمنين .

فهم أبناؤه المخلصون في طاعته ، والمناصحون في متابعته ، زيّن لهم دينه ، فاتّبعوا قوله وفعله ، وموّه لهم سبيله ، فاتّخذوه وجهة وقبلةً ، وبحروا له البحيرة ، وسيّبوا السايبة ، ووصلوا الوصيلة بأحلامهم العازبة ، فالصبور الشكور نوح ، والخليل والكليم والروح ، كم نصبت أسلافهم لهم العداوة والبغضاء ، وأغرت أخلاقهم بهم السفهاء ؟ حتى نادى نوح : ربّ «أَنّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ»(1) ، واُلقي الخليل في نار ضرامها يستعر ، وفرّ الكليم من الظالم الأشر ، وابن مريم لولا انّ الله تعالى رفعه إلى سمائه لأحلّوا به الشيء النكر .

ثمّ لم يزل الأشرار من أشياعه ، والفجّار من أتباعه ، والأرجاس من ذرّيّته ، والأوغاد من حفدته ، ترفع بالأنبياء(2) أوصياءهم ، وتقصد بالأذى المخلصين من أوليائهم ، إلى أن انتهت النوبة إلى سيّد المرسلين ، وخاتم النبيّين ، فنصبوا له غوائلهم ، وفوّقوا نحوه معابلهم ، حتى قتلوا في بدر واُحد أهله ، وراموا بجدّهم وجمعهم قتله ، وأخرجوه عن عقر داره ، وطردوه عن محلّ قراره ، وحزّبوا أحزابهم على حربه ، وركبوا الصعب والذلول في طلبه ، وضربوا بطون

(1) سورة القمر : 10 .
(2) كذا في الأصل .

( 200 )

دواخلهم لمتاجرته ، وأغروا سفهاءهم وجهّالهم بمحاورته .

ولم يزل الله الله سبحانه مؤيّداً له بنصره ، مشيّدا بنيانه بأخيه وصهره ، قاصماً فقرات ظهور اولي النفاق بمشهور فقاره ، قامعاً هامات ذوي الشقاق بمشحوذ غراره ، مظهراً دين الاسلام بشدّة عزمته ، مدمّراً حزب الشيطان بعالي همّته ، حتى أعلى الله بسيفه كلمة الاسلام وشيّدها ، وأيّد ملّة الإيمان وأيّدها ، وفلّ جنود الطغيان وفرّقها ، وأذلّ جموع العدوان ومزّقها ، وقتل من قريش أبطالها وطواغيتها ، وألقى عن البيت الحرام أنصابها وجوابيتها .

ولمّا علم الله أنّه لا مزيد على تعنّيه وإخلاصه ، ولا أقرب إلى الرسول من قرباه واختصاصه ، توّجه بتاج العصمة والزعامة ، وجعل الامامة فيه وفي نسله إلى يوم القيامة .

ولمّا أكمل الله دين الحقّ وأظهره ، ونصب علم العدل ويسّره ، ودخل الناس في دين الله أفواجاً ، وسلكوا إلى سبيل رضان الله منهاجاً ، أراد الله أن ينقل نبيّه من داره الفانية إلى داره الباقية ، وأن يتحفه بالحياة الدائمة في الجنّة عالية ، أنزل عليه بعد أن فتح حصون الشرك ودمّرها ، وأعلى كلمة الحق وأظهرها ، ونسف جبال الشرك وجعلها سراباً ، وفتح لأهل الحقّ إلى عرفان جلاله أبواباً ، وصيّر لهم باتّباع نبيّه ووليّه إلى رضوانه مآباً «ِذَا جَاءَ نَصْرُ اللّهِ وَالْفَتْحُ«1» وَرَأَيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللّهِ أَفْوَاجاً«2» فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنّهُ كَانَ تَوّاباً»(1) .

قال المفسّرون : لمّا نزلت هذه الآية «إِنّكَ مَيّتٌ وَإِنّهُم مَيّتُونَ»(2) قال

(1) سورة النصر : 1 ـ 3 .
(2) سورة الزمر : 30 .

( 201 )

رسول الله صلى الله عليه وآله : ليتني أعلم متى يكون ذلك ، فأنزل الله سبحانه سورة النصر ، فكان رسول الله صلى الله عليه وآله يسكت بين التكبير والقراءة بعد نزول هذه السورة ، فيقول : سبحان الله وبحمده أستغفر الله وأتوب اليه .

فقيل : يا رسول الله ، لم تكن تقوله قبل هذا ! [فقال](1) : أما إنّ نفسي نعيت إليّ ، ثمّ بكى بكاء شديداً . فقيل : يا رسول الله ، أو تبكي من الموت وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر ؟!

قال : فأين هول المطّلع ؟ وأين ضيق القبر ، وظلمة اللحد ؟ وأين القيامة والأهوال ؟

فعاش صلى الله عليه وآله بعد نزولها عاماً تامّاً .

ثمّ نزلت «لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ»(2) الآية إلى آخر السورة ، وهذه السورة آخر سورة كاملة نزلت من القرآن ، فعاش صلى الله عليه وآله بعدها ستّة أشهر ، ثمّ لمّا مضى صلى الله عليه وآله في حجّة الوداع نزلت عليه في الطريق «يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ»(3) إلى آخرها ، فسمّيت آية الصيف .(4)

ثمّ لمّا أتمّ صلوات الله عليه وآله مناسكه نزل عليه «يَا أَيّهَا الرّسُولُ بَلّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبّكَ وَإِن لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلّغْتَ رِسَالَتَهُ»(5) .

(1) من المناقب .
(2) سورة التوبة : 128 .
(3) سورة النساء : 176 .
(4) مناقب ابن شهراشوب : 1 / 234 ، عنه البحار : 22 / 471 ح 20 .
(5) سورة المائدة : 67 .

( 202 )

روى العيّاشي(1) بإسناده عن ابن أبي عمير ، عن ابن اُذينة ، عن الكلبي ، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس وجابر بن عبد الله قالا : أمر الله محمداً صلى الله عليه وآله أن ينصب عليّاً عليه السلام للناس فيخبرهم بولايته ، فتخوّف رسول الله صلى الله عليه وآله أن يقولوا حابى ابن عمّه ، وأن يطعنوا في ذلك عليه ، فأنزل الله هذه الآية ، فقام صلوات الله عليه وآله بولايته يوم غدير خم .

وروى هذا الخبر أيضاً الحاكم ابو القاسم الحسكاني بإسناده عن ابن أبي عمير إلى آخره في كتاب شواهد التنزيل لقواعد التفضيل(2)، وفيه أيضاً(3) قال : لمّا نزلت هذه الآية أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله بيد عليّ عليه السلام ورفعها ، وقال : من كنت مولاه فعليّ مولاه ، اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه .

وقد أورد هذا الخبر أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي في تفسيره .(4)

و[قد](5) اشتهرت الروايات عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام انّ الله اوحى إلى نبيّه صلى الله عليه وآله أن يستخلف عليّاً عليه السلام ، فكان يخاف أن يشقّ ذلك على جماعة من أصحابه ، فأنزل الله تعالى(6) هذه الآية

(1) تفسير العيّاشي : 1 / 331 ح 152 ، عنه البحار : 37 / 139 ح 31 ، وتفسير البرهان : 1 / 489 ح 4 ، وعوالم العلوم : 15 / 3 / 50 ح 16 «حديث الغدير» .
(2) شواهد التنزيل : 1 / 255 ح 249 .
(3) شواهد التنزيل : 1 / 251 ح 245 وص 252 ح 247 .
(4) الكشف والبيان للثعلبي : 78 (مخطوط) ، عنه كشف المهمّ : 107 ح 20 وص 108 ح 22 ، والغدير : 1 / 217 وص 274 .
(5) من المجمع .
(6) لفظ الجلالة من المجمع .

( 203 )

تشجيعاً له على القيام بما أمره الله(1) بأدائه .(2)

الباقر والصادق عليهما السلام : لمّا نزلت هذه الآية وهي «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي»(3) آلى آخرها قال يهوديّ لابن عبّاس(4) : لو كان هذا اليوم فينا لاتّخذناه عيداً .

فقال ابن عبّاس : وأيّ يوم أكمل من هذا اليوم(5) ؟(6)

وساُورد خطبة رسول الله صلى الله عليه وآله في أثناء هذا الفصل عند ذكر خطبتي ، فإنّي بنيتها على خطبة رسول الله صلى الله عليه وآله .

وجاء في تفسير قوله تعالى : «فَأَوْحَى‏ إِلَى‏ عَبْدِهِ مَا أَوْحَى»(7) ليلة المعراج في علي ، فلمّا دخل وقته أوحى الله : بلّغ ما اُنزل إليك من ربّك في ليلة المعراج(8) :

(1) لفظ الجلالة من المجمع .
(2) مجمع البيان : 2 / 223 ، عنه البحار : 37 / 249 ـ 250 ، وعوالم العلوم : 15 / 3 / 352 «حديث الغدير» .
(3) سورة المائدة : 3 .
(4) في المناقب : لعمر .
(5) في المناقب : العيد .
(6) مناقب ابن شهراشوب : 3 / 23 ، عنه البحار : 37 / 156 ح 39 ، وعوالم العلوم : 15 / 3 / 115 ح 148 «حديث الغدير» .
وانظر الإبانة لابن بطّة : 2 / 632 ـ 635 ح 818 ـ 821 .
(7) سورة النجم : 10 .
(8) في المناقب : قال : بلّغ ما انزل إليك من ربّك وما أوحى ، أي بلّغ ما انزل اليك في علي عليه السلام ليلة المعراج .
ونسب فيه الأبيات الآتية إلى الشريف المرتضى .
وهو السيد المرتضى علم الهدى ذو المجدين عليّ بن الحسين بن موسى ، وهو إمام في الفقه ومؤسّس لاصوله ، شاعر ، متكلّم ، مفسّر ، ولد سنة «355» هـ ، وتوفّي سنة «436» هـ .

( 204 )

لـله درّ الـيوم ما أشرفا      ودرّ  مـن كان به أعرفا
ساقَ  إلينا فيه ربّ العلى      ما أمرض الأعداء أو أتلفا
وخـصّ بالأمر عليّاً وإن      بـدّل مـن بدّل أو حرّفا
إن كـان قولاً كافياً فالذي      قـال بـخمّ وحدَه قد كفى
قـيل  له بلّغ فمن لم يكن      مبلّغاً عن ربه ما وفى(1)

عن أبي حاتم الرازي أنّ جعفر بن محمد الصادق عليه السلام قرأ «فَإِذَا فَرَغْتَ»(2) من إكمال الشريعة «فَانصَبْ» لهم عليّاً إماماً .

وروى النطنزي في كتابه الخصائص قال : لمّا نزل قوله : «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ» قال رسول الله صلى الله عليه وآله : الله أكبر على إكمال الدين ، وإتمام النعمة ، ورضا الربّ برسالتي ، وولاية عليّ بن أبي طالب عليه السلام بعدي .

وروي : لمّا نزل قوله : «إِنّمَا وَلِيّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ»(3) أمر الله سبحانه أن ينادي بولاية عليّ بن أبي طالب عليه السلام ، وضاق النبي بذلك ذرعاً لمعرفته بفساد قلوبهم ، فأنزل الله سبحانه : «يَا أَيّهَا الرّسُولُ بَلّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ»(4) الآية ، ثم أنزل «اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُم مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذلِكُم بَلاَءٌ مِن رّبّكُمْ عَظِيمٌ»(5) ثم أنزل «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلاَمَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» ، وفي

(1) مناقب ابن شهراشوب : 3 / 21 ، عنه البحار : 37 / 155 ح 39 .
(2) سورة الشرح : 7 .
(3) سورة المائدة : 55 .
(4) سورة المائدة : 67 .
(5) سورة المائدة : 11 و20 ، سورة الأحزاب : 9 ، سورة فاطر : 3 . وانظر سورة البقرة : 231 ، سورة آل عمران : 103 ، سورة المائدة : 7 .

( 205 )

هذه الآية خمس إشارات(1) : إكمال الدين ، وإتمام النعمة ، ورضا الرحمن ، وإهانة الشيطان ، ويأس الجاحدين .

وفي الحديث أنّ الغدير عيد المؤمنين ، وعيد الله الأكبر .

وعن ابن عبّاس قال : اجتمعت في ذلك اليوم ـ الذي نصب رسول الله صلى الله عليه وآله [فيه](2) عليّاً ـ خمسة أعياد : الجمعة والغدير وعيد اليهود والنصارى والمجوس ، ولم يحتمل قبل ذلك قطّ .

والعلماء مطبقون على قبول هذا الخبر ، وإنّما وقع الخلاف في تأويله .

ذكره محمد بن إسحاق ، وأحمد البلاذري ، ومسلم بن الحجّاج ، وأبو إسحاق الثعلبي ، وأحمد بن حنبل من أربعين طريقاً .(3)

وذكر عن الصاحب كافي الكفاة رحمه الله أنّه قال : روى لنا قصّة غدير خم القاضي أبو بكر الجعابي عن أبي بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعليّ ، وطلحة

(1) في المناقب : بشارات .
(2) أثبتناه لضرورة السياق .
(3) في المناقب : ومسلم بن الحجّاج ، وأبو نعيم الاصفهاني ، وأبو الحسن الدارقطني ، وأبو بكر بن مردويه ، وابن شاهين ، وأبو بكر الباقلاني ، وابو المعالي الجويني ، وأبو إسحاق الثعلبي ، وأبو سعيد الخرگوشي ، وأبو المظفّر السمعاني ، وأبو بكر بن شيبة ، وعليّ بن الجعد ، وشعبة ، والأعمش ، وابن عبّاس ، وابن الثلاج ، والشعبي ، والزهري ، والأقليشي ، وابن البيع ، وابن ماجة ، وابن عبد ربّه ، والألكاني ، وأبو يعلى الموصلي من عدّة طرق ، وأحمد بن حنبل من أربعين طريقاً ، وابن بطّة من ثلاث وعشرين طريقاً ، وابن جرير الطبري من نيّف وسبعين طريقاً في كتاب الولاية ، وابو العبّاس بن عقدة من مائة وخمس طرق ، وأبو بكر الجعابي من مائة وخمس وعشرين طريقاً .
وقد صنّف عليّ بن بلال المهلّبي كتاب الغدير ، وأحمد بن محمد بن سعيد كتاب من روى غدير خمّ ، ومسعود السجزي كتباً فيه رواه هذا الخبر وطرقه ، واستخرج منصور اللائي الرازي في كتابه أسماء رواته على حروف المعجم .

( 206 )

والزبير ، والحسن ، والحسين ، وعبد الله بن جعفر ، وعبّاس بن عبد المطلّب ، وعبد الله بن عبّاس ، وأبي ذرّ ، وسلمان ، وعبد الرحمان ، وابي برزة الأسلمي ، وسهل بن حنيف ، إلى أن عدّ قريباً من مائة من أكابر الصحابة .

ومن النساء قد رواه : فاطمة الزهراء ، وعائشة ، واُمّ سلمة ، واُمّ هانئ بنت أبي طالب ، وفاطمة بنت حمزة .

والغدير بين مكّة والمدينة في واد يقال له وادي الأراك ، وهو على أربعة أميال من الجحفة عند شجرات خمس دوحات غظام .

الصادق عليه السلام : تعطى حقوق الناس بشهادة عدلينز(1) ، وما اُعطي عليّ حقّه بشهادة عشرة آلاف نفس [ـ يعني الغدير ـ](2).(3)

فضائل أحمد بن حنبل وأحاديث أبي بكر بن مالك وإبانة ابن بطّة وكشف الثعلبي عن البراء ، قال : لمّا أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله في حجّة الودعا كنّا بغدير خم ، فنادى صلى الله عليه وآله : [انّ](4) الصلاة جامعة ، فكسح النبي صلى الله عليه وآله بين(5) شجرتين : وأخذ بيد عليّ ، وقال : ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟

قالوا : بلى ، يا رسول الله .

ثم قال : ألست أولى من كلّ مؤمن بنفسه ؟

قالوا : بلى ، يا رسول الله .

(1) في المناقب : شاهدين .
(2 و4) من المناقب .
(3) مناقب ابن شهراشوب : 3 / 23 ـ 26 ، عنه البحار : 37 / 156 ـ 158 ح 39 و40 .
(5) في المناقب : تحت .

( 207 )

فقال : هذا مولى من أنا مولاه ، اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه .

قال : فلقيه عمر بن الخطّاب ، فقال : هنيئاً لك يا ابن أبي طالب ، أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة .

وروي هذا الحديث من عدّة طرق عن عمر بن الخطّاب .

السمعاني في فضائل الصحابة(1) : قيل لعمر بن الخطّاب : إنّا نراك تصنع بعليّ شيئاً لا تصنعه بأحد من أصحاب النبي ؟!

قال : لأنّه مولاي .(2)

فقد أجرى الله الحق على لسانه ، ولكن كان باطنه بخلاف ظاهره .

روى معاوية بن عمّار ، عن الصادق عليه السلام في خبر قال : لمّا قال النبي : من كنت مولاه فعليّ مولاه ، قال العدويّ : لا والله ما أمره بهذا ، وما هو إلا شيء تقوّله ، فأنزل الله سبحانه «وَلَوْ تَقَوّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ ـ إلى قوله ـ عَلَى الْكَافِرِينَ»(3) يعني محمداً ، وقوله : «وَإِنّهُ لَحَقّ الْيَقِينِ»(4)

(1) زاد في المناقب : بإسناده عن سالم بن أبي الجعد .
(2) مناقب ابن شهراشوب : 3 / 35 ـ 36 ، عنه البحار : 37 / 159 ، وعوالم العلوم : 15 / 3 / 202 ح 270 وص 207 ح 284 «حديث الغدير» .
انظر : مسند أحمد بن حنبل : 1 / 84 و119 و152 ، وج 4 / 281 و370 و372 ، وج 5 / 361 و366 و370 و419 ، فضائل الصحابة لأحمد : 2 / 563 ح 947 وص 569 ح 959 وص 598 ح 1021 وص 610 ح 1042 وص 613 ح 1048 وص 682 ح 1167 وص 705 ح 1206 .
وانظر : كشف المهمّ : 99 ح 1 وص 103 ح 11 وص 107 ح 21 وص 128 ح 53 وص 129 ح 55 ، عوالم العلوم المذكور : 60 ح 29 وص 102 ح 118 وص 103 ح 120 وص 202 ح 270 وص 205 ح 278 وص 207 ح 284 .
(3) سورة الحاقّة : 41 ـ 50 .
(4) سورة الحاقّة : 51 .

( 208 )

يعني عليّاً .(1)

فهذا الحديث عن الصادق عليه السلام يؤيّد ما قلناه من فساد باطنه .

حسّان الجمّال ، عن أبي عبد الله عليه السلام في خبر أنّ المنافقين لمّا رأوا رسول الله صلى الله عليه وآله وآله رافعاً يد عليّ ، قال بعضهم لبعض : انظروا عينيه كأنّهما عينا مجنون ، فنزل جبرئيل بهذه الآية : «وَإِن يَكَادُ الّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمّا سَمِعُوا الذّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنّهُ لَمَجْنُونٌ»(2).(3)

عبد العظيم الحسني : عن الصادق عليه السلام في خبر : قال رجل(4) من بني عديّ : اجتمعت إليّ قريش ، فأتينا النبي صلى الله عليه وآله ، فقالوا : يا رسول الله ، إنّا تركنا عبادة الأوثان واتّبعناك ، فأشركنا في ولاية علي عليه السلام ، فهبط جبرئيل عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وآله وقال : «لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنّ عَمَلُكَ»(5) .

قال الرجل : فضاق صدري ، فخرجت هارباً لما أصابني من الجهد ، فإذا أنا بفارس قد تلقّاني على فرس أشقر ، عليه عمامة صفراء ، تفوح منه رائحة المسك ، وقال لي : يا رجل ، لقد عقد محمد عقدة لا يحلّها إلا كافر أو منافق .

(1) مناقب ابن شهراشوب : 3 / 37 ، عنه البحار : 37 / 160 ، وكشف المهمّ : 170 ح 17 ، وعوالم العلوم : 15 / 3 / 141 ح 207 «حديث الغدير».
(2) سورة القلم : 51 .
(3) مناقب ابن شهراشوب : 3 / 37 ، عنه البحار : 37 / 160 ، وعوالم العلوم : 15 / 3 / 141 ح 208 «حديث الغدير» .
ورواه في الكافي : 4 / 466 ح 2 . وفي التهذيب : 3 / 263 ح 746 ، عنه كشف المهمّ : 169 ح 16 .
(4) كذا في المناقب ، وفي الأصل : قال : جاء رجل .
(5) سورة الزمر : 65 .

( 209 )

[قال :](1) فأتيت النبي صلى الله عليه وآله فأخبرته ، فقال : هل عرفت الفارس ؟ ذاك جبرئيل عليه السلام عرض عليك(2) الولاية ، إن حللتم أو شككتم كنت خصمكم يوم القيامة .(3)

الباقر عليه السلام قال : قام ابن هند وتمطّى(4) وخرج مغضباً واضعاً يمينه على عبد الله بن قيس الأشعري ، ويساره على المغيرة بن شعبة ، وهو يقول : والله لا نصدّق محمداً على مقالته ، ولا نقرّ لعليّ بولايته ، فنزل «فَلاَ صَدّقَ وَلاَ صَلّى»(5) الآيات ، فهمّ به رسول الله صلى الله عليه وآله أن يردّه ويقتله .

فقال جبرئيل : «لاَ تُحَرّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ»(6) فسكت [عنه](7) رسول الله صلى الله عليه وآله(8) .

ورى الشيخ الطوسي وأبو علي الطبرسي في تفسيرهما(9) بإسناده متّصل بالامام الصادق عليه السلام قال : لمّا نصب رسول الله صلى الله عليه وآله عليّاً علماً يوم غدير خم ، وقال : من كنت مولاه فعليّ مولاه ، وطار ذلك في البلاد ،

(1 و7) من المناقب .
(2) في المناقب : عليكم .
(3) مناقب ابن شهراشوب : 3 / 38 ، عنه البحار : 37 / 161 ، وعوالم العلوم : 15 / 3 / 149 ح 224 «حديث الغدير» .
(4) أي تبختر وتكبّر .
(5) سورة القيامة : 31 .
(6) سورة القيامة : 16 .
(8) مناقب ابن شهراشوب : 3 / 38 ، عنه البحار : 37 / 161 ، وعوالم العلوم : 15 / 3 / 124 ح 174 «حديث الغدير» .
(9) تفسير البيان : 10 / 113 ، مجمع البيان : 5 / 352 .
وانظر شواهد التنزيل : 2 / 381 وما بعدها .

( 210 )

فقدم على رسول الله صلى الله عليه وآله النعمان بن الحارث الفهري(1) ، فقال : يا محمد ، أمرتنا عن الله أن نشهد أن لا إله إلا الله ، وأنّك رسول الله ، وأمرتنا بالجهاد والصوم والصلاة والزكاة فقبلنا ، ثم لم ترض حتى فضّلت هذا الغلام ، فقلت : من كنت مولاه فعليّ مولاه ، فهذا شيء منك أو أمر من الله ؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : والله الذي لا إله إلا هو انّ هذا من الله .

فولّى النعمان بن الحارث وهو يقول : «اللّهُمّ إِن كَانَ هذَا هُوَ الْحَقّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السّماءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ»(2) فرماه الله بحجر على رأسه فقتله ، وأنزل الله تعالى «سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ«1» لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ«2» مِنَ اللّهِ ذِي الْمَعَارِجِ»(3).(4)

وروي أنّه في الحال قام يريد راحلته فرماه الله بحجر قبل أن يصل إليها .

وروي أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله لمّا فرغ من غدير خمّ وتفرّق الناس اجتمع نفر من قريش يتأسّفون على ما جرى ، فمرّ بهم ضبّ ، فقال بعضهم : ليت محمداً أمّر علينا هذا الضبّ دون عليّ .

(1) في المناقب : الحارث بن النعمان الفهري ـ وفي رواية : أبي عبيد جابر بن النضر بن الحارث بن كلدة العبدريّ .
وفي التبيان أنّ السائل هو : النضر بن كلدة ، وفي المجمع : النضر بن الحارث بن كلدة .
(2) سورة الأنفال : 32 .
(3) سورة المعارج : 1 ـ 3 .
(4) مناقب ابن شهراشوب : 3 / 40 ، عنه البحار : 37 / 162 ، وعوالم العلوم : 15 / 3 / 68 ح 45 «حديث الغدير» .
ورواه في الكافي : 8 / 57 ح 18 ، عنه البحار : 35 / 323 ح 22 ، والبرهان : 4 / 150 ، وغاية المرام : 425 ب 184 ح 1 ، ومدينة المعاجز : 2 / 265 ح 544 .

( 211 )

فسمع ذلك أبو ذرّ ، فحكى ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله ، فبعث إليهم وأحضرهم ، وأعرض عليهم مقالهم ، فأنكروا وحلفوا ، فأنزل سبحانه تعالى : «يَحْلِفُونَ بِاللّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ وَهَمّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ فَإِن يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ وَإِن يَتَوَلّوْا يُعَذّبْهُمُ اللّهُ عَذَاباً أَلِيماً فِي الْدّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِن وَلِيّ وَلاَنَصِيرٍ»(1) الآية .

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : ما أظلّت الخضراء ، ولا أقلّت الغبراء ، الخبر .

وفي رواية أبي بصير ، عن الصادق عليه السلام : أنّ النبي صلى الله عليه وآله قال : نزل عليَّ جبرئيل وأخبرني أنّه يؤتى يوم القيامة بقوم إمامهم ضبّ ، فانظروا ألا تكونوا اولئك ، فأنزل سبحانه : «يَوْمَ نَدْعُوا كُلّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ»(2).(3)

وروى شيخنا أبو جعفر الطوسي رضي الله عنه في أماليه عن أحمد [بن محمد](4) بن نصر ، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام أنّه قال : حدّثني ابي ، عن أبيه أنّ يوم الغدير في السماء أشهر منه في الأرض ، إنّ لله سبحانه في الفردوس قصراً لبنة من فضّة ، ولبنة من ذهب ، فيه مائة ألف خيمة من ياقوتة حمراء(5) ، ومائة ألف خيمة من ياقوتة خضراء ، ترابه المسك والعنبر ، فيه أربعة أنهار : نهر من خمر ، ونهر من ماء ، ونهر من لبن ، ونهر من عسل ، حواليه أشجار جميع الفواكه ، عليها(6) طيور أبدانها من لؤلؤ ، وأجنحتها من ياقوت ، تصوّت بأنواع الأصوات ، إذا كان يوم الغدير ورد إلى ذلك القصر أهل السماوات يسبّحون الله

(1) سورة التوبة : 74 .
(2) سورة الإسراء : 71 .
(3) مناقب ابن شهراشوب : 3 / 41 ، عنه البحار : 37 / 136 ، وتفسير البرهان : 2 / 147 ح 7 ، وعوالم العلوم : 15 / 3 / 163 ح 240 «حديث الغدير» .
(4) من المناقب .
(5) في المناقب : فيه مائة ألف قبّة حمراء .
(6) في المناقب : عليه .

( 212 )

ويقدّسونه ويهلّلونه ، فتطاير تلك الطيور فتقع في ذلك الماء ، وتتمرّغ على ذلك المسك والعنبر ، فإذا اجتمعت الملائكة طارت فتنفض ذلك عليهم ، وانّهم في ذلك [اليوم](1) ليتهادون نثار فاطمة عليها السلام ، فإذا كان آخر اليوم نودوا : انصرفوا إلى مراتبكم فقد امنتم من الخطر والزلل إلى قابل في هذا اليوم تكرمة لمحمد وعليّ ، الخبر .(2)

وفي سنة أحد وعشرين وتسعمائة زرت مشهده الشريف صلوات الله عليه وكان الله سبحانه قد ألقى على لساني خطبة جليلة ، وكلمات فصيحة في فضله صلوات الله عليه وذمّ أعدائه ، وأوردت في أثنائها خطبة النبي صلى الله عليه وآله يوم الغدير(3) ، والخطبة التي من كلام أمير المؤمنين عليه السلام التي أوردها شيخنا أبو جعفر الطوسي في مصباحه الكبير(4) ، وضممتها ألفاظاً رائقة ،

(1) من المناقب .
(2) مناقب ابن شهراشوب : 3 / 42 ، عنه البحار : 37 / 163 ، وكشف المهم : 174 ح 21 ، وعوالم العلوم : 15 / 3 / 152 ح 233 وص 221 ح 304 «حديث الغدير» .
وأورده في فرحة الغريّ : 106 ، عنه البحار : 97 / 118 ح 9 .
وفي إقبال الأعمال : 468 ، عنه كشف المهم : 72 ح 20 .
وأورد صدره في مصباح المتهجّد : 737 .
وانّ حديث الغدير ممّا تواتر نقله وروايته عند علماء الفريقين ، حيث رواه عن النبي صلى الله عليه وآله نحو مائة وعشرين من الصحابة .
ولقد أجاد يراع العلامة الحجة السيد عبد العزيز الطباطبائي قدس سره في إحصاء تدوين الكتب التي اُفردت في التأليف حول واقعة الغدير منذ القرن الثاني وحتى يومنا هذا .
ويمكنك أيضاً مراجعة تخريجات الحديث في مصادر أهمّها : مناظرة الشيخ والد البهائي مع أحد علماء العامّة في حلب : 49 ، صحيفة الامام الرضا عليه السلام : 172 ـ 224 ح 109 .
(3) انظر مثلاً : الاحتجاج للطبرسي : 58 ، عنه عوالم العلوم : 15 / 3 / 178 «حديث الغدير» .
(4) مصباح المتهجّد : 752 .

( 213 )

واستعارات شائقة ، يطرب لها المؤمن التقيّ ، ويصدر عنها المنافق الشقيّ ، فخطبت بها في ذلك اليوم الشريف في مشهده صلوات الله عليه تجاه ضريحه في جمع لا يحصى كثرة ، وأحببت إيرادها في هذا المجموع لتكون تذكرة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد .

الخطبة

الحمد لله الذي ثبّت بكلمة التوفيق قواعد عقائدنا ، وأثبت في صحائف التصديق دلائل معارفنا ، وذلّل لقلوبنا سلوك مشارع الايمان في مواردنا ومصادرنا ، وسهّل لنفوسنا حزونة شرائع العرفان بقدم صدقنا واستقامتنا ، وخاطبنا ببيان عنايته :

«أَجِيبُوا دَاعِيَ اللّهِ»(1) فأجبنا ، ونادانا بلسان سيد بريّته : «أَنْ آمِنُوا بِرَبّكُمْ فَآمَنّا»(2) ، وأمرنا بالتمسّك بعروة خليفته في خليقته فقلنا : ربّنا «سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا»(3) لمّا سلك الناس مسالك المهالك ، وارتكبوا متن الضلالة فلم يحصلوا من طائل على ذلك ، ورأوا شرار الضلالة وظنّوا سراباً ، وشاهدوا علم الجهالة فحسبوه صواباً ، سلكنا سبيل نبيّنا وعترته ، واستقمنا على طريقه وليّنا وذرّيّته ، الذي زيّن الله كتابه بذكر مناقبه ، وأوضح في تنزيله عن شرف مراتبه ، بدلالة إشارة «إِنّمَا وَلِيّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالّذِينَ آمَنُوا الّذِينَ يُقِيمُونَ الصّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ»(4) ، وآية عبارة «إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ

(1) سورة الأحقاف : 31 .
(2) سورة آل عمران : 193 .
(3) سورة البقرة : 285 ، سورة النساء : 46 ، سورة المائدة : 7 ، سورة النور : 51 .
(4) سورة المائدة : 55 .

( 214 )

الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً»(1) .

ولمّا علم الله صدق نبيّه ، وإخلاص طويّته ، ليس له ثان في الخلق ، ولم يثنه ثان عن التوجّه إلى الحق ، مصباح الظلام إذا العيون هجعت ، المتهجّد القوّام إذا الجنوب اضطجعت ، المستأنس بالحق إذا الليل سجا ، المستوحش من الخلق إذا الغسق دجا ، له مع الله حالات ومقامات ، وتقلبه في صحائف الاخلاص سمات وعلامات ، لا يقصد بتهجّده الا مولاه ، ولا يرجو بتعبّده الا إيّاه ، لولا جِدّه لما قام للاسلام عمود ، ولولا علمه لما عرف العابد من المعبود ، اصطفاه سبحانه لنفسه ، وأيّده بروح قدسه ، وأوجب له عرض الولاية على جِنّه وإنسه ، وساوى بينه وبين الرسول في علمه وحلمه ، وطمّه ورمّه ، وجدّه ورسمه ، وفضله وحقّه .

وجعل له في قلوب المؤمنين ودّاً ، وأمر نبيّه أن يورده من غدير الشرف في غدير صدراً وورداً ، وأن يثبت له في الأعناق إلى يوم التلاق عقداً وعهداً ، وأن يرفع له بالرئاسة العامّة في الآفاق على الاطلاق شرفاً ومجداً .

فقام صلى الله عليه وآله صادعاً بأمر الله ، منفّذاً لحكم الله ، خاطباً في الغدير على منبر الكرامة ، مخاطباً للجمّ الغفير بفرض الامامة ، مبيّناً أمر وصيّه ووليّ عهده ، مظهراً شرف صفيّه وأخصّ الخلق من بعده ، راغباً معاطياً طال ما شمخت تعزّزاً وكبراً ، قاهراً أسى كم أظهرت لوليّ أمرها عقداً وعذراً ، قاطعاً أسباب اولي النفاق بمبين وعظه ، قامعاً هامات الشقاق بمتين لفظه .

ما أظهر صلى الله عليه وآله شرفه وميثاقه في الخطبة الا بعد أن أعلى الله في الملكوت الأعلى شأنه وخطبه ، وأمر الصافّين الحافّين بالقيام على قدم

(1) سورة الأحزاب : 33 .

( 215 )

الخدمة لاستماع النصّ الجليّ على الامام العظيم ، الذي زيّن الله كتابه بذكر أسمائه بقوله : «وَإِنّهُ فِي أُمّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيّ حَكِيمٌ»(1) .

صاحب الكرامات السامية ، والمقامات العالية ، وجه الله الذي يتوجّه به إليه ، وسبيله الذي بسلوكه يفوز السالكون فيه يوم العرض عليه ، ويده الباسطة في بلاده ، وعينه الباصرة في عباده ، وحبيبه حقّاً فمن فرط فيه فقد فرط في حبيب الله ، ولسانه صدقاً فمن ردّ عليه فقد ردّ على الله ، لما شرب بالكأس الرويّة من شراب «يُحِبّهُمْ وَيُحِبّونَهُ»(2) ، وفاز بالدرجة العليّة من مقامات «لَعَلِمَهُ الّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ»(3) ، قابل بوجه باطنه أنوار تجلّيات قيّوم الملكوت ، وظهرت بانعكاس مرآة كمال عرفانه أرار صاحب العزّة والجبروت ، فصار قلبه مشكاة النور الإلهي من حضيرة جلاله ونفسه ، منبع السر الخفيّ من فيضان كماله .

جلّ أن يدرك وصفه بيان واصف ، أو يوصف قدره بنان راصف ، نقطة دائرة الموجودات فعليه مدارها ، وصفوة خلاصة الكائنات فهو قيّمها ومختارها ، من نحو منطقة يعرف الحقّ فما زيد وعمر ؟ وإلى مصباح علمه يعشق الخلق فما خالد وبكر ؟

من اعتقد أنّ الحقّ بميزان غير علومه يعرف فالوبال والنكال له وفيه ، ومن زعمّ أنّ الربّ بمنطق غير بيانه يوصف فالتراب بل الكثكث(4) بفيه ، كلّيّ العلم وجزئيّه به يعرف ، وفضل العدل وجنسه برسمه وحده معرّف .

(1) سورة الزخرف : 4 .
(2) سورة المائدة : 54 .
(3) سورة النساء : 83 .
(4) الكثكث : دُقاق التراب ، وفُتات الحجارة ؛ وقيل : التراب مع الحجر . «لسان العرب : 2 / 179 ـ كثث ـ » .

( 216 )

لا شرف الا لمن شرف باقتفاء آثاره ، ولا سؤدد الا لمن استضاء بلوامع أنواره ، ولا عُرف الا لمن تمسّك بأسبابه ، ولا عَرَف الا لمن تمسّك بترابه ، فلك النجاة في بحار الضلالة ، وعلم الهداة في أقطار الجهالة ، من التجأ إلى كنف عصمته نجا ، ومن غوى عن طرق طريقته هوى ، لا يحبّه الا من علت همّته ، وغلت قيمته ، فطابت أرومته ، وارتفعت جرثومته .

فيا أيها العارفون بفضله ، المتمسّكون بحبله ، السالكون سبيله ، التابعون دليله ، أبشروا بروح وريحان(1) ، ومغفرة ورضوان ، وجنّات لكم فيها نعيم مقيم ، خالين فيها أبداً إنّ الله عنده أجر عظيم(2) ، قلتم ربّنا ثمّ استقمتم ، وسلكتم سبيل نبيّكم ووليّكم وتبتم ، فأنتم خلاصة الله في خلقه ، القائمون بوظائف عزائمه وحقّه ، فهنّأكم الله في هذا اليوم الرحمة ، وأتمّ عليكم النعمة ، وجعلكم خير اُمّة ، وسلك بكم سبيل سيد الأئمّة ، الذي ضربه الله مثلاً في محكم تنزيله ، وشدّ به عضد نبيّه ورسوله ، وهزم بعزمه الأحزاب ، وقصم بسيفه الأصلاب ، وجعل حبّه فارقاً بين الكفر والإيمان ، واتّباعه وسلة إلى الفوز بنعيم الجنان .

فانشروا في هذا اليوم أعلام الإسلام بنشر فضله ، وابشروا إذ سلكتم منهاج سبيله واستمسكتم بحبله ، وأظهروا آثار النعمة فهو يوم الزينة للمخلصين من أتباعه ، واشكروا حسن صنيع ربّكم إذ جعلكم من خاصّته وأشياعه ، وارعوا أسماعكم إلى ما أورد الرسول من شرفه في خطبته ، واستضيئوا بلوامع أنواره واستسنّوا بسنّته .

فقد روي أنّه صلى الله عليه وآله لمّا أتمّ مناسك حجّه ، وفرغ من شعائر

(1) إقتباس من الآية : 89 من سورة الواقعة .
(2) إقتباس من الآية : 21 و22 من سورة التوبة .

( 217 )

عجّه وثجّه(1)، ناداه الله بلسان التشريف مبيّناً فضله من لدنه ومكانته : «يَا أَيّهَا الرّسُولُ بَلّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبّكَ وَإِن لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلّغْتَ رِسَالَتَهُ» .(2)

فأراد صلى الله عليه وآله تأخير بلاغها إلى دار هجرته ، ومستقرّ دعوته ، ظنّاً منه أنّها فريضة موسعة ، وأنّالأمر فيه مندوحة وسعة ، وفَرَقاً من فرق الضالّين المضلّين ، الزالّين المزلّين ، أن يكذّبوا بالكتاب وحججه وبيّناته ، وأن يتّهموا الرسول فيما اُنزل عليه في وصيّه بمحاباته .

فعاتبه سبحانه على ترك الاولى مهدّداً ، ووعده العصمة على من لجّ في الباطل واعتدى ، وشرّف الله غدير خم بما أنزل فيه من الرحمة ، وأتمّ من النعمة .

فقالم صلى الله عليه وآله فيه خاطباً على منبر الكرامة ، موضحاً فضل درجة الامامة ، هذا والجليل سبحانه يسدّده ، وورح القدس عن يمينه يمجّده ، وميكائيل عن يساره يعضده ، وجبرئيل معظم شانه وخطبه ، وحملة العرش مادّة أعناقها لاستماع الخطبة ، والروحانيّون وقوف على قدم الخدمة ، والكروبيّون صفوف لتلقّي نفحات الرحمة ، والحور العين من القصور على الأرائك ينظرون ، والولدان المخلّدون لنثار السرور منتظرون ، آخذاً بعضد من كان في المباهلة معاضده ومساعده ، وفي المصاولة عضده وساعده .

سيفه القاطع ، ونوره الساطع ، وصدّيقه الصادق ، ولسانه الناطق ، أخوه وابن عمّه ، والخصّيص به كابن اُمّه ، ليث الشرى(3) ، غيث الورى ، أسد الله

(1) في الحديث : أفضل الحجّ العجّ والثجّ ، العجّ : رفع الصوت بالتلبية ، والثجّ صَبّ الدم ، وسَيَلان دماء الهديِ ، يعني الذبح . «لسان العرب : 2 / 318 ـ عجج ـ » .
(2) سورة المائدة : 67 .
(3) الشرى : موضع تُنسب إليه الاُسد . «لسان العرب : 14 / 431 ـ شري ـ » .

( 218 )

المحراب(1) ، حليف المسجد والمحراب ، قاصم العُداة ، وقاسم العِدات ، في المعركة ليث ، وفي المخمصة(2) غيث ، طريقه أبلج ، ونهجه أوضح منهج ، بابه عند سدّ الأبواب مفتوح ، وصدره لتلقّي نفحات الرحمن مشروح .

كم عنيد بصارمه شدخ ؟ وكم صنديد ببطشه دوّخ ؟ وكم ريح للشرك أركد ؟ وكم نار للظلم أخمد ؟ وكم صنم جعله جذاذاً ؟ وكم وثن تركه أفلاذاً ؟ قسيم الجنّة والنار ، وسيّد المهاجرين والأنصار ، وحياة المجديين لدى الاغوار ، ونكال الظالمين يوم البوار ، جعله الله للمصطفى ختناً ونفساً ، وله الزهراء سكناً وعرساً ، ورفع له فوق عرش المجد عرشاً ، وخلقه أشدّ خلقة قوّة وإيماناً وبطشاً .

كم أسد بثعلب رمحه قنص ؟ وكم صنديد حذراً من حسامه كعَ وقعص ؟ أعلم من على وجه الأرض ، بالكتاب والسنّة والفرض ، الإيمان بحبّه منوط ، والكفر ببغضه مسوط(3) ، أفصح من لفظ ، وأنصح من وعظ ، وأتقى من سجد لله وركع ، وأخشى من خشي الرحمن بالغيب وخضع ، حلل الإمامة ربّنا على هامة مجده أفرغ ، ولبوس الزعامة نبيّنا على قدّ قامته فصّل وأسبغ ، وله بالرئاسة العامّة فضّل وشرّف ، ولأسماع أوليائه بذكر مناقبه لَذّذ وشَنّفَ ، شهد الله له بالاخلاص وصدق ، لما انّه بخاتمه في ركوعه تصدّق .

الزاهد السالك ، العابد الناسك ، العالم العامل ، الوليّ الكامل ، صراط الله المستقيم ، ونهجه القويم ، وأمينه المأمون ، وخازن سرّه المخزون ، النجم في منزله هوى ، والرسول في نصبه علماً للمسلمين ما ضلّ وما غوى ولا ينطق عن

(1) المِحراب : شديد الحرب ، شُجاع . «لسان العرب : 1 / 303 ـ حرب ـ » .
(2) المخمَصة : الجوع ، المجاعة .
(3) مَسوطٌ : أي ممزوجٌ ومخلوطٌ . «لسان العرب : 7 / 326 ـ سوط ـ » .

( 219 )

الهوى(1) ، المرجع في علم التوحيد إليه ، والمعوّل في معرفة الكتاب والسنّة عليه ، أجلّ العالمين جلالاً ، وأفصحهم مقالاً .

الامام الزكيّ القدسيّ الربّانيّ الإلهيّ ، أمير المؤمنين أبو الحسن عليّ الجليل العليّ ، حامداً لله حمداً يليق بجلال عظمته ، شاكراً لأنعمه شكراً يحسن بتمام نعمته ، موضحاً دين الحقّ في خطبته ، شارحاً قول الصدق في كلمته ، قائلاً : معاشر الناس ، ألست أولى منكم بأنفسكم ؟

قالوا : بلى ، يا رسول الله .

قال : فمن كنت مولاه فهذا عليّ مولاه ، ومن كنت نبيّه فعليّ إمامه ووليّه .

أيها الناس ، إنّ الله آخى بيني وبين عليّ ، وزوّجه ابنتي من فوق عرشه ، وأشهد على ذلك مقرّبي ملائكته ، فعليّ منّي وأنا من علي ، محبّه محبّي ، ومبغضه مبغضي ، وهو وليّ الخلق من بعدي .

معاشر الناس ، إنّ هذا اليوم وهو يوم غدير خمّ من أفضل أعياد اُمّتي ، وهو اليوم الذي أمرني الله فيه بنصب عليّ أخي علماً لاُمّتي ، يبيّن لهم ما اختلفوا فيه من سنّتي ، وهو أمير المؤمنين ، ويعسوب المتّقين ، وقائد الغرّ المحجّلين .

أيها الناس ، من أحبّ عليّاً أحببته ، ومن أبغض عليّاً أبغضته ، ومن وصل عليّاً وصلته ، ومن قطع عليّاً قطعته ، ومن والى عليّاً واليته ، ومن عادى عليّاً عاديته .

أيها الناس ، أنا مدينة الحكمة وعليّ بابها ، لا تؤتى المدينة الا من قبل الباب ، وكذب من يزعم أنّه يحبّني ويبغض عليّاً .

(1) إشارة إلى الآيات : 1 ـ 3 من سورة النجم .

( 220 )

أيها الناس ، والذي بعثني بالرسالة ، وانتجبني للنبوّة ، ما أقمت عليّاً علماً في الأرض حتى نوّه الله بذكره في السماء ، وفرض ولايته على سائر ملائكته .

ثم قلت عقيبها :

يا لها من خطبة نشر فيها صلى الله عليه وآله لواء الايمان ، وظهر منها رواء الإحسان ، وخفق علما لحقّ في الملكوت الأعلى ، وبرق بارق العدل في أقطار الدنيا ، فالملائكة المقرّبون مشغولون بتكرارها لاستظهارها ، والولدان المخلّدون مأمورون بإظهارها وإشهارها ، يحيي موات القلوب مزن سحابها ، وينشي نشوات السرور في النفوس رحيق شرابها ، وتنعش قلب المؤمن التقيّ بلذّة خطابها ، وتتعس جدّ المنافق الشقيّ بشدّة عتابها .

يا لها من خطبة الحقّ منبرها ، والصدق مخبرها ، والنبوّة أصلها ، والإمامة نسلها ، والنبيّ موردها ومصدرها ، والوصيّ موردها ومصدرها ، العهود فيها مؤكّدة ، والعقود مشدّدة ، والإيمان بامتثال نواهيها وأوامرها منوط ، والكفر بمخالفة بواطنها وظواهرها مَسوط ، بلبل دوح فصاحتها يطرب أسماع القلوب بشهيّ نغمته ، وسربال جمال بلاغتها يروق أبصار البصائر بوشيّ صنعته .

دقّت لها كؤوس الحبور في الملكوت الأعلى ، واُديرت كؤوس السرور في جنّة المأوى ، وتلقّت الملائكة المقرّبون بالبشرى أهل التحقيق على مراكب التوفيق ، وطافت الولدان المخلّدون على أهل التصديق من الرحيق المختوم بأكواب وأباريق ، وفتح رضوان باب الرضوان بأمر المهيمن السلام ، وقال لأهل الولاية من المؤمنين : «ادْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ آمِنِينَ»(1)، ومشى بين أيديهم قائماً بشرائط

(1) سورة الحجر : 46 ، سورة ق : 34 .

( 221 )

الخدمة ، وأجلسهم على أرائك التعظيم مجرياً عليهم من الاكرام عادته ورسمه ، «يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلّدُونَ«17» بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِن مَعِينٍ«18» لَا يُصَدّعُونَ عَنْهَا وَلاَ يُنزِفُونَ«19» وَفَاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيّرُونَ«20» وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ»(1).

فابشروا ـ معار المؤمنين العارفين ـ بفضل هذا اليوم الشريف ، والعيد المنيف ، الذي أقام الله فيه عليّاً أمير المؤمنين علماً للمسلمين ، وأمركم باتّباع نيّر دليله في محكم تنزيله ، فقال عزّ من قائل : «وَأَنّ هذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتّبِعُوهُ وَلاَتَتّبِعُوا السّبُلَ فَتَفَرّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصّاكُم بِهِ لَعَلّكُمْ تَتّقُونَ»(2) .

والله لقد نظرتم حيث نظر الله ، وواليتم من والى الله ، وعاديتم من عادى الله ، أنتم الشعار والدثار ، والأبرار الأطهار ، طهرت ولادتكم ، وخلصت طينتكم ، فما المؤمنون الا أنتم ، ولا المخلصون الا منكم ، اختاركم الله لدينه ، واصطفاكم على غيبه ، فما خُلقت الجنّة الا لكم ، ولا برّزت الجحيم الا لعدوّكم .

أنتم في النار تطلبون فلا توجدون ، ومن الكوثر تردون ولا تصدّون ، فلا يحزنكم إقبال الدنيا على غيركم ، واجتماع أهلها على إهانتكم وتأخيركم ، فإنّما هم ذئاب ضارية ، بل كلاب عاوية ، فلا تمدّوا أعينكم إلى ما متّعوا به من زينتها ، وفتنوا فيه من زهرتها ، من الثياب الموشّاة والمراكب المغشّاة ، والخيل المسوّمة ، والنعم المطهّمة ، والحلل المزرّرة ، والعمائم المقوّرة ، والرقاب الغليظة ، والأقفاء العريضة ، والعثانين(3) المصفّفة ، واللحى المغفّلة ، والدور المزخرفة ، والقصور المشرفة ، والأموال المكنوزة ، والأمتعة المحروزة ، والمنازل العامرة ،

(1) سورة الواقعة : 17 ـ 21 .
(2) سورة الأنعام : 153 .
(3) العُثُنون من اللحية : ما نبت على الذَقَن وتحته سِفلاً ؛ وقيل : اللحية كلّها ؛ وقيل : عُثنون اللحية : طرفها . «لسان العرب : 13 / 276 ـ عثن ـ » .

( 222 )

والجنان الغامرة ، فإنّ ذلك متاع قليل ، وجناب وبيل ، مرجعه إلى زوال ، وتملّكه إلى انتقال .

وعن قليل يسفر الصباح ، ويحيعل الداعي إلى الفلاح ، ويحمَد المؤمن التقيّ غِبّ السُرى(1)، وينجلي عن المنافق الشقيّ غيابات الكرى(2)، ويرى أنّ ما كان فيه من النعيم الزائد ، والزبرج الجائد ، الا(3) كسرابٍ بقيعةٍ(4) ، أو حلم يقتضيها سويعة ، ويتجلّى الجليل لحسابه ، وتتهيّأ ملائكة العذاب لأخذه وعقابه ، ويرى سيّده عتيق الأوّل ، وابن صهاك الزنيم الأرذل ، في الدرك الأسفل ، والعذاب الأطول ، مصفّدين مقرّنين ، يستغيثان فلا يغاثان ، ويناديان فلا يجابان ، كلّما سدّت عليهما سبل المسالك استغاثا بخازن النار : يا مالك يا مالك ، نضجت منّا الجلود ، يا مالك أثقلتنا القيود .

إذا أراد الله أن يحلّ بأهل النار أليم عذابه ، ووخيم عقابه ، أمر ملائكة العذاب بفتح كوّة من سجنهما ، فيتأذّى أهل النار من ريحهما ونتنهما ، شرابهما حميم ، وعذابهما مقيم ، وأشياعهما من حولهما في السلاسل يسحبون ، وبالمقامع يضربون ، وفي النار يسجرون ، وفي العذاب محضرون ، يقولون : «رَبّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنّا ظَالِمُونَ»(5) ، فيجابون : «قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلاَ تُكَلّمُونِ«108» إِنّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبّنَا آمَنّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ«109» اتّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً حَتّى‏ أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُم مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ«110» إِنّي جَزَيْتُهُمُ

(1) غِبّ الأمر ومغبّته : عاقبته وآخره . السريّ : سير الليل بعامّته .
(2) غَيابة كل شيء : عقره ، الكَرى : النوم .
(3) كذا في الأصل ، ولو كانت العبارة هكذا : «لم يكن الا» أو «ليس الا» لكانت أصح .
والزبرج : الوشي ، الذهب ، وكل شيء حسن . والجائد : الكثير ، الغزير .
(4) إقتباس من الآية : 39 من سورة النور .
(5) سورة المؤمنون : 107 .

( 223 )

الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ»(1).

يطلع الله عليهما فيلعن ، والملائكة تؤمّن ، والنبيّ يعنّف ، والوصيّ يؤفّف ، والزهراء تتظلّم ، والجحيم تتضرّم ، والزبانية تقمع ، والنار تسفع(2)، هذا جزاء من وسم غير إبله ، وخالف الله ورسوله بقوله وعمله ، ومنع الزهراء تراثها(3) من والدها سيّد المرسلين ، وآذى الله ورسوله وآذى إمام المسلمين وسيّد الوصيّين .

كلّ ذلك وأنتم على الأرائك تنظرون ، ومن الكفّار تضحكون ، ومن زيارة سادتكم لا تحجبون ، «يُسْقَوْنَ مِن رَحِيقٍ مَخْتُومٍ«25» خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ«26» وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ«27» عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرّبُونَ»(4) إذا نظرتم إلى نبيّكم ووليّكم على الحوض للمؤمن يوردون ، وللمنافق يطردون قلتم : «الْحَمْدُ للّهِ‏ِ الّذِي هَدَانَا لِهذَا وَمَا كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاَ أَنْ هَدَانَا اللّهُ» فيجابون : «أَن تِلْكُمُ الْجَنّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ»(5) .

فاحمدوا ربّكم على هذه النعمة التي أهّلكم بها ، وجعلكم من أهلها ، واقتدوا في هذا اليوم بسنّه وليّكم ووسيلتكم إلى أمير المؤمنين وسيّد الوصيّين ، فقد روي أنّه صلوات الله عليه خطب في هذا اليوم الكريم ، والعيد العظيم ، فقال ـ بعد أن حمد الله وأثنى عليه ، وذكر النبي وصلّى عليه ـ : أيها الناس ، هذا يوم

(1) سورة المؤمنون : 108 ـ 111 .
(2) سَفَعَته النار والشمس : لَفَحته لَفحاً يسيراً فغيّرت لون بشرته وسوّدته . « لسان العرب : 8 / 157 ـ سفع ـ » .
(3) الوِرثُ والإرثُ والتراثُ والميراث : ما وُرِث . «لسان العرب : 2 / 200 ـ ورث ـ» . (4) سورة المطفّفين : 25 ـ 28 .
(5) سورة الأعراف : 43 .

( 224 )

عظيم الشأن ، فيه وقع الفرج ، وعلت(1) الدرج ، ووضحت الحجج ، وهو يوم الايضاح ، ويوم الافصاح ، ويوم الكشف عن المقام الصراح ، ويوم كمال الدين ، ويوم العهد المعهود ، ويوم الشاهد والمشهود ، ويوم بيان(2) العقود عن النفاق والجحود ، ويوم البيان عن حقائق الايمان ، ويوم البرهان ، ويم دحر الشيطان .

هذا يوما لفصل الذي كنتم توعدون(3) ، ويوم الملأ الأعلى إذ يختصمون ، ويوم النبأ العظيم الذي أنتم عنه معرضون(4) ، ويوم الارشاد ، ويوم محنة العباد ، ويوم الدليل على الروّاد(5)، ويوم إبداء خفايا الصدور ، ومضمرات الاُمور ، هذا يوم النصوص على أهل الخصوص ، هذا يوم شيث ، هذا يوم إدريس ، هذا يوم هود ، هذا يوم يوشع ، هذا يوم شمعون [هذا يوم الأمن المأمون](6) ، هذا يوم إبراز المصون من المكنون ، هذا يوم إبلاء السرائر .

فلم يزل صلوات الله عليه يقول : هذا يوم ، هذا يوم ، ثم قال : فراقبوا الله عزّ وجل واتّقوه ، واسمعوا له وأطيعوه ، واحذروا المكر ولا تخادعوه ، وفتّشوا ضمائركم ولا تواربوه ، وتقرّبوا إلى الله بتوحيده وطاعة من أمركم أن تطيعوه ، ولا تمسّكوا بعصم الكوافر ، ولا يجنح(7) بكم الغيّ فتضلّوا عن سواء السبيل باتّباع اولئك الذين ضلّوا وأضلّوا ، قال الله سبحانه عن طائفة ذكرهم بالذمّ في كتابه فقال سبحانه : «وَإِذْ يَتَحَاجّونَ فِي النّارِ فَيَقُولُ الضّعَفَاءُ لِلّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنّا

(1) في المتهجّد : ورفعت ، وفي المناقب : ورفع الدرج ، وصحّت الحجج .
(2) في المتهجّد والمناقب : تبيان .
(3) كذا في المتهجّد والمناقب ، وفي الأصل : كنتم به تكذبون .
(4) في المتهجّد والمناقب : ويوم الملأ الأعلى الذي أنتم عنه معرضون .
(5) في المناقب : الذوّاد .
(6) من المتهجّد .
(7) كذا في المتهجّد ، وفي الأصل : فيجمع .

( 225 )

كُنّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنتُم مُغْنُونَ عَنّا نَصِيباً مِنَ النّارِ» .(1)

وقال سبحانه : «رَبّنَا إِنّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلّونَا السّبيلاَ«67» رَبّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيِنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً» .(2)

أتدرون ما الاستكبار ؟ هو ترك الطاعة لمن اُمروا بطاعته ، والترفّع عمّن ندبوا إلى متابعته ، والقرآن ينطق من هذا عن كثير إن تدبّره متدبّر وعظه وزجره.

واعلمه ـ عباد الله ـ أنّ الله سبحانه يقول في محكم كتابه : «إِنّ اللّهَ يُحِبّ الّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنّهُم بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ»(3) أتدرون ما سبيل الله ؟ ومن سبيل الله ؟ وما صراط الله ؟ ومن صراط الله ؟

أنا صراط الله الذي نصبني(4) للاتّباع بعد نبيّه صلى الله عليه وآله ، وأنا سبيل الله الذي من لم يسلكه بطاعة الله [فيه](5) هويَ به في النار ، وأنا حجّة الله على الأبرار والفجّار ، [ونور الأنوار](6) ، وأنا قسيم الجنّة والنار ، فتيقّضوا من رقدة الغافلين(7) ، [وبادروا بالعمل قبل حلول الأجل ، وسابقوا إلى مغفرة من ربّكم](8) قبل أن يُضرب بالسور بباطن الرحمة وظاهر العذاب ، فتدعون فلا يسمع دعاؤكم ، وتصيحون فلا يُحفل بصيحتكم ، وأن(9) تستغيثوا

(1) سورة غافر : 47 . وفي الأصل والمتهجّد تصحيف ، حيث فيهما صدر الآية المذكورة يليه ذيل الآية 21 من سورة إبراهيم : «فَهَلْ أَنتُم مّغْنُونَ عَنّا مِنْ عَذَابِ اللّهِ مِن شَي‏ءٍ قَالُوا لَو هَدَانَا اللّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ » .
(2) سورة الأحزاب : 67 و68 . وفي المتهجّد تقدّمت هاتان الآيتان على الآية السابقة .
(3) سورة الصف : 4 .
(4) كذا في المتهجّد ، وفي الأصل : تصدى . وهذه الجملة جاءت في المتهجّد بعد قوله : هوي به إلى النار .
(5 و6 و8) من المتهجّد .
(7) في المتهجّد : فانتبهوا عن رقدة الغفلة .
(9) في المتهجّد : فتنادون فلا يسمع نداؤكم ، وتضجّون فلا يُحفل بضجيجكم ، وقبل أن .

( 226 )

فلا(1) تغاثوا ، بادروا بالطاعات قبل فوات الأوقات ، فكأن قد جاءكم هادم اللذّات ، ولات حين مناص(2)، ولا محيص تخليص .

عودوا رحمكم الله بعد انقضاء مجمعكم بالتوسعة على عيالكم ، والبرّ بإخوانكم ، والشكر لله عز وجل على ما منحكم ، واجتمعوا يجمع الله شملكم ، وتبارّوا يصل الله اُلفتكم ، وتهانوا نعمة الله كما هنّأكم بالثواب(3) على أضعاف الأعياد قبله وبعده الا في مثله ، والبرّ فيه يثمر المال ، ويزيد في العمر ، والتعطّف فيه يقتضي رحمة الله وعطفه .

فافرحوا وفرّحوا إخوانكم باللباس الحسن ، والمأكل الهنيء ، والرائحة الطيّبة ، وهنّؤا إخوانكم وعيالاتكم بالفضل من برّكم ، وما(4) تناله القدرة من استطاعتكم ، وأظهروا البشر والحبور فيما بينكم ، والسرور في ملاقاتكم ، والحمد لله على ما منحكم ، وعودوا بالمزيد من الخير على أهل التأميل لكم ، وصلوا بكم ضعفاءكم بالفضل من أقواتكم(5)، وما تناله القدرة من استطاعتكم ، وعلى حسب طاقتكم ، فالدرهم فيه بمائة ألف درهم ، والمزيد من الله عز وجل ما لادرك له ، وصوم هذا اليوم ممّا ندب الله تعالى إليه ، وجعل الثواب الجزيل كفالة عنه ، حتى لو أنّ عبداً من العبيد تعبّد به بالتشبيه من ابتداء الدنيا إلى انتهائها ، صائماً نهارها ، قائماً ليلها ، إذا أخلص المخلص في صيامه لتقاصرت إليه أيّام الدنيا [عن كفاية ، ومن أسعف أخاه مبتدأ وبرّه راغباً له كأجر من صام هذا اليوم

(1) كذا في المتهجّد ، وفي الأصل : لن .
(2) في المتهجّد : فلا مناصَ نجاءٍ .
(3) في المتهجّد : وتهادوا نعم الله كما منّاكم بالثواب فيه .
(4) في المتهجّد : وهيّؤا لإخوانكم وعيالكم من فضله بالجهد من جودكم وبما .
(5) في المتهجّد : وساووا بكم ضعفاءكم في مآكلكم .

( 227 )

وقام ليلته](1)، ومن فطّر مؤمناً في ليلته كان كمن فطّر فئاماً وفئاماً .

فلم يزل صلوات الله عليه يعدّ بيده الشريفة حتى عدّ عشرا .

فنهض ناهض وقال : يا أمير المؤمنين ، وما الفئام ؟

قال / مائة ألف نبيّ وصدّيق وشهيد ، فما ظنّكم بمن تكفّل عدداً من المؤمنين ؟ فأنا الضامن له على الله تعالى الأمان من الكفر والفقر ، وإن مات في يومه أو في ليلته أو فيما بعده إلى مثله [من غير ارتكاب كبيرة](2) فأجره على الله تعالى ، ومن استدان لإخوانه فأسعفهم فأنا الضامن له على الله ، إن بقّاه أدّاه ، وإن مات قبل تأديته تحمّله عنه ، وإذا تلاقيتم فتصافحوا بالتسليم ، [وتهانوا النعمة في هذا اليوم](3) ، وليعلم بذلك الشاهد الغائب والحاضر البائن ، وليعد القويّ على الضعيف ، والغني على الفقير ، بذلك أمرني رسول الله عن الله .(4)

وفي الحديث انّ النبي صلى الله عليه وآله كان يخبر عن وفاته بمدّة ويقول : قد حان منّي خفوق من بين أظهركم ، وكان المنافقون يقولون : لئن مات محمد ليخرب دينه ، فلمّا كان موقف الغدير قالوا : بطل كيدنا ، فنزلت : «الْيَوْمَ يَئِسَ الّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ»(5).(6)

(1 و2) من المتهجّد .
(3) من المتهجّد وفيه : «وليبلّغ» بدل «وليلعلم» .
(4) مصباح المتهجّد : 755 ـ 758 ـ وليس فيه : «عن الله» ـ ، عنه مناقب ابن شهراشوب : 3 / 43 .
وأورده في إقبال الأعمال : 462 ـ 464 ، عنه كشف المهمّ : 62 ـ 65 .
وأخرجه في البحار : 37 / 164 ، وعوالم العلوم : 15 / 3 / 118 ح 159 وص 209 ح 290 «حديث الغدير» عن مناقب ابن شهراشوب .
(5) سورة المائدة : 3 .
(6) مناقب ابن شهراشوب : 3 / 40 ، عنه البحار : 37 / 163 .

( 228 )

وكان الجمع الكبير والجمّ الغفير في الغدير حين أخذ البشير النذير بيد صنوه نور الله المبين ، وسببه المتين ، وإمام المتّقين ، وأمير المؤمنين ، أكثرهم ممّن الإلحاد دينه ، والنفاق قرينه ، قد استحوذ الشيطان على قلبه ، واستولى على لبّه ، فأعطى بلسانه ما ليس في فؤاده ، وظهر على صفحات وجهه ما أضمر من إلحاده ، وأسرّ غدراً ، وأخفى مكراً ، ونصب لنبيّه الغوائل ، وجادل في أمر الغدير بالباطل ، وأرصد بابه لتنفر ناقته ، وعاقد على إنزال المنون بساحته ، واستئصال شأفته .

وأطلع الله نبيّه على ما دبّروا ، ووقاه سيّئات ما مكروا ، ولمّا أشرقت دار الهجرة بنور مقدمه ، وشرفت أرجاؤها بموطئ قدمه ، وقد أكمل صلى الله عليه وآله الدين بنصب وصيّه علماً لاُمّته ، وعمّم النعمة بجعله حافظاً لشريعته ، ونشر أعلام الإيمان بنشر مناقبه ، وأعلى كلمة الاسلام بإعلاء مراتبه ، وجلا أحكام الشريعة النبويّة في مدامس الاشتهار ، وحلّى جيد الملّة الحنيفيّة بنفائس الافتخار(1) ، ودارت رحى العدل على قطبها ، وأشرقت الأرض بنور بّها ، دعاه

(1) في «ح» : نظم هذا المضمون علي بن حمّاد رحمه الله وقال :
آخـى الـصحابة أشـكالاً فـأفرده      فـقال  لـم يـا رسول الله تفردني
قـال  الـنبيّ لنفسي قد ذخرتك ما      في الأرض لي من أخ الاك يشبهني
أنـا أخوك الذي ترضى وأنت أخي      ولا تــزال تـواسيني وتـسعفني
تـشدّ أزري وتـرعى سنّتي وعلى      كـلّ الأمـور تـواتيني وتعضدني
مـا عـشت أنت وزيري .... وإذا      قـضيتُ  نـحبي تواليني وتخلفني
وانـت  تـغسّلني عـند الوفاة فما      يـحلّ لـغيرك عند الغسل ينظرني
وأنـت  وارث علمي والأمين على      جـميع  أمـري من سرّ ومن علن
وسـوف  تبدي لك الأعداء مانقموا      مـن الـضغائن والأحـقاد والإحن
واسـتعمل الحلم عنهم وانتظر ....      وبـالإلـه عـليهم فـاستعن تـعن
ألـقى  إلـيه رسـول الله سائر ما      ألـقى إلـيه من الرحمن ذي المنن
عـلماً  بـما كان وما قد يكون وما      يـقول  فـي لـقن أوحى إلى لقن

( 229 )

الله إلى جواره مختاراً ، وناداه بلسان قضائه جهاراً : يا من أطلعته على سرّي المصون ، وغيبي المكنون ، «إِنّكَ مَيّتٌ وَإِنّهُم مَيّتُونَ»(1) .

ولمّا انقضى أجله الجليل ، وألمّت به الأسقام مؤذنة بوشك الرحيل ، انصدعت لتوجّعه قلوب المؤمنين ، وهمعت تألّمه عيون المسلمين .

وكان بدؤ مرضه صلى الله عليه وآله يوم السبت أو يوم الأحد من صفر .

ولمّا اشتدّ مرضه قام صلى الله عليه وآله آخذاً بيد عليّ عليه السلام ، وتبعه جماعة من أصحابه ، وتوجّه إلى البقيع ، فقال : السلام عليكم أهل القبور ، ليهنئكم ما أصبحتم فيه ممّا فيه الناس ، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم ، يتبع

وبـعد دفـن رسول الله كم ظهرت      لـه  مـعاجز قـد دقّت على ....
آل الـنـبيّ إلـيكم كـلّ مـكرمة      تـتـرى عـلى رغـم مـن ....
سـفن  الـنجاة الـتي قد فاز ....      لـله مـا حـلّ فـي هاتيكم السفن
قـد  جـاد أجـداثكم جود به ....      وصــار  ربـعكم صـوب ....
أنـا  ابـن حـمّاد العبدي فضّلني      ربـي  بـما خـصّني فيكم و....
لا  عـذّب الله اُمّـي انـها شربت      حـبّ الـوصيّ وأسقتنيه في اللبن
وكـان لـي والـد يهوى أبا حسن      فصرت من ذي وذا أهوى أبا حسن
يـا  نـفس إنّ شبابي كان يغدرني      في  اللهو والشيب فيه اليوم يعذلني
كـم  مـن أخ لك علّلتيه ثمّ قضى      نـحب الـحياة وأدرجتيه في الكفن
وأنـت  عـمّا قـليل تـلحقين به      فـأكثري الـزاد للترحال واحتجن
وسوف  تلقين بعد الموت ما كسبت      يـداك مـن سيّء يا نفس أو حسن
لـولا  اتّـكالي على عفو الإله إذاً      لـكاد ذنـبي بـما أسلفت يؤنسني
ولـيس لـي عمل أرجو النجاة به      الا مـوالاة مـولاي أبـي حـسن
أقول : وعلي بن حمّاد هو : أبو الحسن علي بن حمّاد بن عُبيد الله بن حمّاد العدويّ العبدي البصري ، من معاصري الشيخ الصدوق والنجاشي . «انظر : الغدير : 4 / 153 ، أدب الطف ، 2 / 161 ـ 198» .
(1) سورة الزمر : 30 .

( 230 )

آخرها أوّلها ، إنّ جبرئيل كان يعرض عليّ القرآن كلّ سنة مرّة ، وهذه السنة عرضه عليّ مرتين ، ولا أراه الا لحضور أجلي .

فقام إليه عمّار بن ياسر وقال : بأبي أنت واُمي يا رسول الله ، إذا كان ذلك من يغسلك منّا ؟

قال : ذاك عليّ بن أبي طالب ، إنّه لا يهمّ بعضو من أعضائي الا أعانته الملائكة على ذلك .

قال : فمن يصلّي عليك منّا إذا كان ذلك ؟

قال : مه رحمك الله ، ثم قال لأمير المؤمنين عليه السلام : يا عليّ ، إذا رأيت روحي قد فارقت جسدي فاغسلني وانق غسلي ، وكفّنّي في طمريّ اللذين اُصلّي فيهما أو في بياض مصر وبرد يمانيّ ، ولا تغال في كفني ، واحملوني حتى تضعوني على شفير قبري ، فأوّل من يصلّي عليّ الجليل جلّ جلاله من فوق عرشه ، ثمّ جبرئيل وميكائيل وإسرافيل في جنود من الملائكة لا يحصي عددهم الا الله عز وجل ، ثم الحافّون بالعرش ، ثم أهل سماء فسماء ، ثمّ جلّ أهل بيتي ونسائي الأقربون ، يؤمون إيماء ، ويسلّمون تسليماً ، لا تؤذوني بصوت نادب ولا برنّة . ثم قال لعمّه العبّاس : يا عبّاس ، يا عمّ رسول الله ، تقبل وصيّتي ، وتنجز عدتي ، وتقضي ديني .

فقال العباس : يا رسول الله ، عمّك شيخ كبير ، ذو عيال كثير ، وأنت تباري الريح سمحاً وكرماً ، وعليك وعد لا ينهض به عمّك .

فأقبل على عليّ عليه السلام ، فقال : تقبل وصيّتي ، وتنجز عدتي ، وتقضي ديني ؟

 ( 231 )

فقال : نعم ، يا رسول الله .

فقال : ادن منّي ، فدنا منه ، فضمّه اليه ونزع خاتمه من يده ، فقال : خذ هذا فضعه في يدك ، ودعا بسيفه ودرعه وجميع لامته ، فدفع ذلك إليه ، والتمس عصابة كان يشدّها على بطنه إذا لبس الدرع ، ورويّ أن جبرئيل أتاه بها من السماء ، فجيء بها إليه ، فدفعها إلى عليّ وقال : اقبض هذا في حياتي ، ودفع إليه بغلته ، وقال : امض على اسم الله إلى منزلك .

ثم اُغمي على رسول الله صلى الله عليه وآله ، وحضر وقت الصلاة ، وأذّن بلال ، ونادى : الصلاة يا رسول الله .

ففتح صلى الله عليه وآله عينيه وقال : ادعوا لي حبيبي ، فجعل يُعرَض عليه رجل فرجل وهو يُعرض عنه ، إلى أن حضر أمير المؤمنين فتهلّل وجهه ، ثم قال : يا بلال ، هلمّ عليّ بالناس ، فأجمع الناس .

فخرج صلى الله عليه وآله متوكّئاً على أمير المؤمنين بيده اليمنى ، وعلى الفضل بن العبّاس باليد الاُخرى ، متعصّباً بعمامته ، متوكّئاً على قوسه ، فصلّى بالناس جالساً ، وقد كانت عائشة قد أرسلت إلى أبيها أن يصلّي بالناس ، فنحّاه رسول الله صلى الله عليه وآله وصلّى .

ثمّ قام وصعد المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أيها الناس ، إنّه قد حان منّي خفوق من بين أظهركم ، فأيّ نبيّ كنت لكم ؟ ألم اُجاهد بين أظهركم ، ألم تكسر رباعيتي ؟ ألم يعفّر جبيني ؟ ألم تسل الدماء على حرّ وجهي حتى لثقت(1) لحيتي ؟ ألم اُكابد الشدّة والجهد مع جهّال قومي ؟ ألم أربط حجر المجاعة على بطني ؟

(1) لثقت : ابتلّت .

( 232 )

قالوا : بلى ، يا رسول الله ، لقد كنت صابراً ، وعن المنكر ناهياً ، فجزاك الله عنّا أفضل الجزاء .

قال : وأنتم جزالك الله ربّي ثم قال : إنّ ربّي سبحانه أقسم الا يجوزه ظلم ظالم ، فناشدتكم بالله أيّ رجل منكم كانت له قِبَل محمد مظلمة فليقم وليقتصّ ، فإنّ القصاص في دار الدنيا أحبّ إليّ من القصاص في الآخرة على رؤوس الملائكة والأنبياء ؟

فقام إليه رجل ـ من أقصى القوم ـ يقال له سوادة بن قيس فقال : فداك أبي واُمّي ، إنّك ـ يا رسول الله ـ لمّا أقبلت من الطائف استقبلتك وأنت على ناقتك العضباء وبيدك القضيب الممشوق ، فرفعت القضيب وأنت تريد الراحلة فأصاب بطني ، فلا أدري أعمداً أم خطأ ؟

فقال صلى الله عليه وآله : معاذ الله أن أكون تعمّدت ، ثم قال : يا بلال ، قم إلى منزل فاطمة فائتني بالقضيب الممشوق ، فخرج بلال وهو ينادي في سكك المدينة : معاشر الناس ، من الذي يعطي القصاص من نفسه قبل يوم القيامة ؟ فطرق بلال الباب على فاطمة عليها السلام وهو يقول : يا فاطمة ، قومي فوالدك يريد القضيب الممشوق ، فصاحت فاطمة وهي تقول : وما يصنع أبي بالقضيب وليس هذا اليوم يومه ؟!

فقال : أما علمتِ أنّ أباك قد صعد المنبر وهو يودّع الناس ويعطي القصاص من نفسه ؟ فصاحت فاطمة وهي تقول : واغمّاه لغمّك يا أبتاه ، من للفقراء والمساكين وابن السبيل بعدك يا رسول الله ، يا حبيب الله ، وحبيب القلوب ؟ ثمّ ناولت بلالاً القضيب ، فجاء به وناوله رسول الله صلى الله عليه وآله .

( 233 )

فقال رسول الله : أين الشيخ ؟ فقال : ها أنذا يا رسول الله ، بأبي أنت واُمّي . قال : قم فاقتصّ حتى ترضى .

فقال الشيخ : اكشف لي عن بطنك يا رسول الله ، فكشف صلى الله عليه وآله عن بطنه ، فقال الشيخ : أتأذن لي ـ يا رسول الله ـ أن أضع فمي على بطنك ؟ فأذن له ، فقال : أعوذ بموضع القصاص من بطن رسول الله من النار .

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : يا سوادة ، أتعفو أم تقتصّ ؟

قال : بل أعفو ، يا رسول الله .

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : اللهم اعف عن سوادة بن قيس كما عفا عن نبيّك .

ثم نزل رسول الله صلى الله عليه وآله ودخل منزل اُمّ سلمة وهو يقول : ربّ سلّم اُمّة محمد من النار ، ويسّر عليهم الحساب .

فقالت اُمّ سلمة : يا رسول الله ، مالي أراك مغموماً متغيّر اللون ؟

فقال صلى الله عليه وآله : نعيت غليّ نفسي ، فسلام لك منّي في الدنيا فلا تسمعين صوت محمد بعد هذا أبداً .

فقالت اُمّ سلمة : واحزناه حزناً لا تدركه الندامة عليك يا محمد .

ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله : ادع لي حبيبة نفسي وقرّة عيني فاطمة ، فجاءت فاطمة وهي تقول : نفسي لنفسك الفداء ، ووجهي لوجهك الوقاء ، يا أبتاه ، ألا تكلّمني كلمةً ، فإنّي أراك مفارق الدنيا ، وارى عساكر الموت تغشاك ؟

 ( 234 )

فقال : يا بنيّة ، إنّي مفارقك ، فسلام عليك منّي .

قالت : يا أبتاه ، فأين الملتقى يوم القيامة ؟ قال : عند الحساب . قالت : فإن لم ألقك عند الحساب ؟ قال : عند الشفاعة لاُمّتي . قالت : فإن لم ألقك عند الشفاعة لاُمّتك .

قال: عند الصراط ، جبرئيل عن يميني ، وميكائيل عن يساري ، والملائكة من خلفي وقدّامي ينادون : ربّ سلّم اُمّة محمد من النار ، ويسّر عليهم الحساب .

قالت فاطمة عليها السلام : فأين والدتي خديجة ؟

قال : في قصر له أربعة أبواب إلى الجنّة .

وعن ابن عبّاس قال : اشتدّ برسول الله صلى الله عليه وآله وجعه يوم الخميس ، فقال : ائتوني بدواة وكتف لأكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده أبداً .

فقال عمر : إنّ النبي قد اشتدّ به الوجع وهو يهجر ، عندكم القرآن حسبنا كتاب الله(1) ، فاختلف الناس حينئذٍ بينهم ، فمنهم من يقول : القول ما قال عمر ،

(1) انظر : صحيح مسلم : 3 / 1259 ح 22 ، شرح نهج البلاغة : 2 / 55 ، وج 6 / 51 ، الملل والنحل للشهرستاني : 1 / 29 ، المسند للحميدي : 1 / 241 ح 526 ، طبقات ابن سعد : 2 / 36 و37 ، مسند أحمد بن حنبل : 293 و355 ، صحيح البخاري : 1 / 39 ، وج 4 / 85 و121 ، المعجم الكبير للطبراني : 11 / 445 ح 12261 ، شرح السنّة للبغوي : 11 / 180 ح 2755 ، الكامل في التاريخ : 2 / 320 .
وأخرجه في البحار : 22 / 468 عن إعلام الورى : 141 ، إرشاد المفيد : 89 . وفي ص 472 ح 21 عن مناقب ابن شهراشوب : 1 / 235 . وفي ص 474 عن أمالي المفيد : 36 ح 3 . وفي ص 498 ح 44 عن كتاب سُليم بن قيس : 210 .

( 235 )

فلمّا كثر اللغط(1) عند رسول الله صلى الله عليه وآله قال : قوموا ، فكان ابن عبّاس يقول : الرزيّة الرزيّة ما خلا بين رسول الله صلى الله عليه وآله وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم .

ثمّ اُغمي على رسول الله صلى الله عليه وآله ، فلمّا أفاق قال : انطلقوا بي إلى فاطمة ، فجيء به حتى وضع رأسه في حجرها ، فإذا الحسن والحسين عليهما السلام يبكيان ويصيحان ويضطربان ، وهما يقولان : أنفسنا لنفسك الفداء ، ووجوهنا لوجهك الوقاء .

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : يا عليّ ، من هاذان ؟

فقال : ابناك الحسن والحسين ، فعانقهما وقبّلهما ، وكان الحسن أشدّ بكاءً من الحسين .

فقال أمير المؤمنين : كفّ يا حسن ، فقد شققت على رسول الله ، ونزل ملك الموت ، فقال : السلام عليك ، يا رسول الله .

فقال : وعليك السلام ، يا ملك الموت ، لي إليك حاجة ، الا تقبض روحي حتى يأتي جبرئيل أخي .

فخرج ملك الموت وهو يقول : وامحمداه ، فاستقبله جبرئيل في الهواء ، وقال : يا ملك الموت ، قبضت روح محمد صلى الله عليه وآله ؟

قال : سألني الا أقبضه حتى يلقاك فيسلّم عليك وتسلّم عليه .

فقال جبرئيل : يا ملك الموت ، أما ترى أبواب السماء قد فتحت لروح محمد ؟ أما ترى الحور العين قد تزيّنت لمحمد ؟

(1) كذا الصحيح ، وفي الأصل : اللفظ .

( 236 )

ثم نزل جبرئيل عليه السلام فقال : السلام عليك ، يا أبا القاسم .

فقال : وعليك السلام ادن منّي يا جبرئيل ، فدنا منه ، فنزل ملك الموت ، فقال له جبرئيل : يا ملك الموت ، احفظ وصيّة الله في روح محمد صلى الله عليه وآله ، وكان جبرئيل عن يمينه ، وميكائيل عن يساره ، وملك الموت آخذ بروحه صلى الله عليه وآله ، وجبرئيل يقول : يا محمد «إِنّكَ مَيّتٌ وَإِنّهُم مَيّتُونَ»(1) «كُلّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ»(2).(3)

مسند ابي يعلى وفضائل أحمد(4) : عن اُمّ سلمة في خبر : والذي تحلف اّمّ سلمة به انّه كان آخر عهد برسول الله صلى الله عليه وآله عليّ عليه السلام ، وكان رسول الله قد بعثه في حاجة غداة قبض ، وكان يقول : جاء عليّ ـ ثلاث مرّات ـ قالت : فجاء عليّ قبل طلوع الشمس ، فخرجنا من البيت لمّا علمنا انّه له إليه حاجة ، فانكبّ عليه علي ، فكان آخر الناس به عهداً ، وجعل يسارّه ويناجيه .(5)

ومن طريق أهل البيت عليهم السلام أنّ عائشة دعت أباها فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وآله ، ودعت حفصة أباها فأعرض عنه ، ودعت اُمّ

(1) سورة الزمر : 30 .
(2) سورة آل عمران : 185 ، سورة الأنبياء : 35 ، سورة العنكبوت : 57 .
(3) أمالي الصدوق : 505 ح 6 ، عنه البحار : 22 / 507 ح 9 .
وأورد قطعات منه في مناقب ابن شهراشوب : 1 / 234 ـ 235 ، عنه البحار : 22 / 472 . وانظر : الأحاديث الغيبيّة : 1 / 38 ح 12 .
(4) مسند أبي يعلى الموصلي : 12 / 364 ح 6934 ، فضائل الصحابة لأحمد بن حنبل : 2 / 286 ح 1171 .
(5) مناقب ابن شهراشوب : 1 / 236 .

( 237 )

سلمة عليّاً عليه السلام فناجاه طويلاً(1). حتى إذا اشتدّ كربه ، وارتفع أنينه ، وعرق لهول الموت جبينه نادى لشدّة السياق : واكرباه .

فنادت فاطمة : واكرباه لكربك يا أبتاه .

فأجابها مسكّناً لحرقتها بين القوم : لا كرب على أبيك بعد اليوم .(2)

ثمّ سالت نفسه الشريفة صلى الله عليه وآله مختاراً ، فسالت لها العيون من شؤونها مدراراً ، وانقطع بموته الوحي والتنزيل ، وامتنع من الأرض جبرئيل ، وأظلمت المدينة بعد نورها وضيائها ، وارتفع الضجيج من قصورها وأرحابها .(3)

وروي أنه صلى الله عليه وآله لمّا دنا منه الأجل المحتوم جذب عليّاً إليه ، وغشّاه بثوبه الذي عليه ، ووضع فاه على فيه ، وجعل يناجيه .

فلمّا حضره الموت وقضى صلى الله عليه وآله استلّ أمير المؤمنين عليه السلام من تحت الثوب ، وتركه على رسول الله صلى الله عليه وآله ؛ فقيل لأمير المؤمنين : ما الذي ناجاك به رسول الله صلى الله عليه وآله ؟

فقال : علّمني ألف باب من العلم ، ينتج كلّ باب إلى ألف باب(4)، وأوصاني بما أنا به قائم إن شاء الله .

ومن طريق أهل البيت عليهم السلام أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله جذب عليّاً تحت ثوبه ، وجعل يناجيه ، فلمّا حضره الموت قال : يا عليّ ، ضع

(1) مناقب ابن شهراشوب : 1 / 236 ـ 237 ، عنه البحار : 22 / 521 ح 29 .
(2) كشف الغمّة : 1 / 16 ، عنه البحار : 22 / 531 .
(3) أرحاب : جمع رحبة ، وهي الصحراء .
(4) في المناقب : فُتح لي من كلّ باب ألف باب .

( 238 )

رأسي في حجرك ، فقد جاء أمر الله ، فإذا فاضت نفسي فتناولها بيدك ، وامسح بها وجهك ، ثمّ وجّهني إلى القبلة ، وتولّ أمر ، وصلّ عليّ أوّل الناس ، ولا تفارقني حتى تواريني في رمسي ، واستعن بالله سبحانه .

فأخذ عليّ برأسه ، ووضعه في حجره ، فاُغمي عليه ، فبكت فاطمة ، فأومأ إليها بالدنوّ منه ، فأسرّ إليها شيئاً فضحكت وتهلّل وجهها .

فسئلت عن ذلك ، فقالت : أعلمني أنّي أوّل أهل بيته لحوقاً به .

ثمّ قضى صلى الله عليه وآله ويد أمير المؤمنين تحت حنكه ، ففاضت نفسه صلى الله عليه وآله ، فرفعها أمير المؤمنين إلى وجهه فمسحه بها ، ثمّ مدّ عليه إزاره ، واستقبل بالنظر في أمره .(1)

وممّا قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه في نهج البلاغة في هذا المعنى : وقد علم المستحفظون من أصحاب محمد صلى الله عليه وآله أنّي لم أردّ على الله ولا على رسوله ساعةً قطّ ، ولقد واسيته بنفسي في المواطن التي تنكص(2) فيها الأبطال ، وتتأخّر الأقدام ، نجدةً(3) أكرمني الله بها .

ولقد قُبض رسول الله صلى الله عليه وآله وإنّ رأسه لعلى صدري ، وقد سالت نفسه في كفّي ، فأمررتها على وجهي ، ولقد ولّيت غسله صلى الله عليه وآله والملائكة أعواني ، فضجّت الدار والأفنية ؛ ملأ يهبط ، وملأ يعرج ، وما فارقت سمعي هينمة(4) منهم ، يصلّون عليه حتى واريناه في ضريحه ، فمن ذا أحقّ به منّي حيّاً وميّتاً ؟ فانفذوا على بصائركم ، ولتصدق نيّاتكم في جهاد

(1) مناقب ابن شهراشوب : 1 / 237 ، عنه البحار : 22 / 521 ـ 522 .
(2) تنكص : تتراجع .
(3) النجدة : الشجاعة .
(4) الهينمة : الكلام الخفيّ لا يفهم .

( 239 )

عدوّكم ، فو الذي لا إله إلا هو إنّي لعلى جادّة الحق ، وإنّهم لعلى مزلّة الباطل ، أقول ما تسمعون ، وأستغفر الله لي ولكم !(1)

عن أبي جعفر الباقر عليه السلام(2) قال : قال الناس : كيف كانت الصلاة

(1) نهجالبلاغة : 311 خطبة رقم 197 ، عنه البحار : 22 / 540 ح 49 من قوله «ولقد قبض» .
(2) في «ح» : عن أبي جعفر عليه السلام قال : لمّا قبض رسول الله صلى الله عليه وآله بات آل محمد عليهم السلام بأطول ليلة حتى ظنّوا أن لا سماء تظلّهم ، ولا أرض تقلّهم ، لأنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وتر الأقربين والأبعدين في الله .
فبينما هم كذلك إذ أتاهم آت لا يرونه ويسمعون كلامه ، فقال : السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته ، إنّ في الله عزاء من كل مصيبة ، ونجاة من كلّ هلكة ، ودركاً لما فات : «كُلّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنّمَا تُوَفّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عِنِ النّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدّنْيَا إِلّا مَتَاعُ الْغُرُورِ» ، [آل عمران : 185] ، إنّ الله اختاركم وفضّكلم وطهّركم وجعلكم أهل بيت نبيّه ، وساتودعكم علمه ، وأورثكم كتابه ، وجعلكم تابوت علمه وعصا عزّه ، وضرب لكم مثلاً من نوره ، وعصمكم من الزلل ، ,آمنكم من الفتن ، فتعزّوا بعزاء الله ، فإنّ الله لم ينزع منكم رحمته ، ولن يزيل عنكم نعمته ، فأنتم أهل الله عز وجل الذين بهم تمّت النعمة ، واجتمعت الفرقة ، وائتلفت الكلمة ، وأنتم أولياؤه ، فمن تولّاكم فاز ، ومن ظلم حقّكم زهق ، مودّتكم من الله واجبة في كتابه على عباده المؤمنين ، ثمّ الله على نصركم إذا يشاء قدير ، فاصبروا لعواقب الامور ، فإنّها إلى الله تصير ، قد قبلكم الله من نبيّه وديعة ، واستودعكم أولياء المؤمنين في الأرض ، فمن أدّى أمانته أتاه الله صدقه ، وأنتم الأمانة المستودعة ، ولكم المودّة الواجبة ، والطاعة المفروضة ، وقد قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وقد أكمل لكم الدين ، وبيّن لكم سبيل المخرج ، فلم يترك لجاهل حجّة ، فمن جهل أو تجاهل أو أنكر أو نسي أو تناسى فعلى الله حسابه ، والله من وراء حوائجكم ، وأستودعكم الله ، والسلام عليكم .
فسألت أبا جعفر عليه السلام ممّن أتاهم للتعزية .
قال : من الله تعالى شأنه .
نقل من كتاب اُصول الكافي للكليني رحمه الله [ج 1 ص 445 ح 19 ، عنه البحار : 22 / 537 ح 39] .

( 240 )

عليه ؟ فقال علي عليه السلام : [إنّ](1) رسول الله صلى الله عليه وآله إمام حيّاً وميّتاً فدخل عليه عشرة عشرة ، فصلّوا عليه يوم الاثنين وليلة الثلاثاء حتى الصباح ويوم الثلاثاء ، حتى صلّى عليه الأقرباء والخواصّ ، ولم يحضر أهل السقيفة ، وكان عليّ عليه السلام أنفذ لهم بريدة ، وإنّما تمّت بيعتهم بعد دفنه صلى الله عليه وآله .

وقال أمير المؤمنين صلوات الله عليه : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : إنّما اُنزلت هذه الآية في الصلاة عليَّ بعد قبض الله لي : «إِنّ اللّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلّونَ عَلَى النّبِيّ»(2) الآية .

وسئل الباقر عليه السلام : كيف كانت الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله ؟

فقال : لمّا غسّله أمير المؤمنين عليه السلام وكفّنه وسجّاه أدخل عليه عشرة عشرة فداروا حوله ، ثمّ وقف أمير المؤمنين في وسطهم فقال : «إِنّ اللّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلّونَ عَلَى النّبِيّ» الآية ، فيقول القوم مثل ما يقول حتى صلّى عليه أهل المدينة والعوالي ، واختلفوا أين يدفن ؟ فقال بعضهم : في البقيع ، وقال آخرون : في صحن المسجد .

فقال أمير المؤمنين عليه السلام : إنّ الله لم يقبض نبيّه الا في أطهر بقاع الأرض ، فينبغي أن يدفن في البقعة التي قبض فيه ، فاتّفقت الجماعة على قوله ، ودفن في حجرته .

ونزل في قبر رسول الله صلى الله عليه وآله أمير المؤمنين

(1) من المناقب .
(2) سورة الأحزاب : 56 .

( 241 )

والفضل بن العبّاس وقثم وشقران ، ولهذا قال أمير المؤمنين : أنا الأوّل وأنا الآخر(1) .

وأنشأ أمير المؤمنين صلوات الله يقول :

نفسي على زَفَراتها محبوسةٌ     يا لَيتها خـرجت مـع الزَفراتِ

لا خير بعدك في الحياة وإنّما     أخشى(2) مخافة أن تطولَ حياتي(3)

وله صلوات الله عليه :

ألا طـرق الـناعي بليلٍ فراعني      وأرّقـني لـمّا اسـتقلّ(4) مُناديا
فـقلت  لـه لمّا سمعت الذي نعى      أغير رسول الله إن كنت(5) ناعيا
فحقّق  ما أسعفت(6) منه ولم أجد      وكـان  خليلي عزّتي(7) وجماليا

(1) مناقب ابن شهراشوب : 1 / 239 ـ 240 .
(2) في الديوان : أبكي .
(3) مناقب ابن شهراشوب : 1 / 240 ، ديوان أمير المؤمنين عليه السلام : 57 (دار الكتاب العربي) وص 55 (دار ابن زيدون) .
(4) في الديوان : استهلّ .
(5) في الديوان : لمّا رأيتُ الذي أتى ... أغير رسول الله أصبحت .
(6) في المناقب : فخفق ما أشفقت .
(7) في الديوان : ولم يبل ... وكان خليلي عدّتي .وهذا البيت غير مذكور في طبعة دار الكتاب .

( 242 )

فـو  الله مـا أنساك أحمد ما مَشَت(1)      بي العيس(2) في أرضٍ وجاوزتُ واديا
وكـنتُ متى أهبط من الأرض تلعةً(3)      أرى(4) أثــراً مـنه جـديداً وبـاليا
شـجاع  تـشطّ(5) الـخيل عنه كأنّما      يَـرَين بـه لـيثاً عـليهنّ عـاديا(6)

[وله عليه السلام :](7)

ألا يا رسول الله كنتَ حمىً لنا(8)     وكنت بنا بـرّاً ولـم تـك جافيا

وكأن على قـلبي لذكر محـمد     وما جيب(9) من بعد النبي المكاويا

(1) في المناقب : مست .
(2) في الديوان : العيش .
(3) كذا في المناقب والديوان ، وفي الأصل : بلغة .
(4) في المناقب : أجد ، وفي الديوان : أجد أثراً منه جديراً وعافيا .
(5) كذا في المناقب ، وفي الأصل : يشطي ، وفي الديوان : جوادٌ تشظّي .
وتشط : أي تبعد .
(6) في الديوان : ضاريا .
مناقب ابن شهراشوب : 1 / 241 ، ديوان أمير المؤمنين عليه السلام : 126 (دار الكتاب العربي) وص 153 (دار ابن زيدون) ، أنساب الأشراف : 1 / 592 .
(7) من المناقب .
(8) في المناقب : رجائيا .
(9) في المناقب : وما جاء . والمكاوي : جمع المكواة .

( 243 )

أفـاطـم  صـلى الله ربّ مـحمّد      عـلى جـدث أمـسى بيثرب ثاويا
فـدى  لـرسول الله اُمّـي وخالتي      وعمّي  وزوجي(1) ثمّ نفسي وخاليا
فـلو أنّ رب الـعشر أبـقاك بيننا      سـعدنا  ولـكن أمـره كان ماضيا
عـلـيك مـن الله الـسلام تـحيّة      واُدخلتَ جنّات من العدن راضيا(3)

وقالت الزهراء صلوات الله عليها :

قل  للمغيّب تحت أطباق الثرى      إن كنت تسمع صرختي وندائيا
صـبّت عـليّ مصائب لو أنّها      صبّت على الأيّام عدن(3) لياليا
قـد كنتُ ذات حمىً بظلّ محمد      لا  أخش من ضيم وكان جماليا
فـاليوم أخـشع لـلذليل وأتّقي      ضـمي وأدفـع ظالمي بردائيا

(1) كذا في المناقب ، وفي الأصل : وروحي .
(2) مناقب ابن شهراشوب : 1 / 242 ، وأنساب الأشراف : 1 / 594 ، وفيه الأبيات منسوبة لصفيّة بنت عبد المطّلب .
(3) في المناقب : صرن .

( 244 )

فــإذا بـكـت قـمريّة فـي لـيلها      شـجناً عـلى غـصن بكيت صباحيا
[فلأجعلنّ الحزن من بعدك مؤنسي](1)      ولأجـعلنّ  الـدمع فـيك وشاحيا(2)
مـاذا عـلى مـن شـمّ تـربة أحمد      الا يـشمّ مـدى الـزمان غـواليا(3)

ولها صلوات الله عليها :

كنتَ السواد لمقتـلي     يبكي عليك الناظر

من شاء بعدك فليمت     فعليك كنت اُحاذر(4)

وقالت اُمّ سلمة :

فـجعنا(5)  بـالنبيّ وكان فينا      إمــام كـرامة نـعم الإمـام
وكـان  قـوامنا والـرأس منّا      فـنحن  الـيوم لـيس لنا قوام
نـنوح ونـشتكي مـا قد لقينا      ويـشكو فـقدك الـبلد الحرام
فـلا تـبعد فـكلّ فـتىً كريم      سيدركه وإن كره(6) الحمام(7)

(1) من المناقب .
(2) الوشاح : نسيج عريض يرصّع بالجوهر ، وتشدّه المرأة بين عاتقها وكشحَيها . «المعجم الوسيط : 2 / 1033 ـ وشح ـ» .
(3) مناقب ابن شهراشوب : 1 / 242 .
والغوالي : جمع الغالية : أخلاط من الطيب كالمسك والعنبر . «المعجم الوسيط : 2 / 660» .
(4) مناقب ابن شهراشوب : 1 / 242 .
(5) كذا في المناقب ، وفي الاصل : فصُنّا .
(6) كذا في المناقب ، وفي الأصل : كرم .
(7) مناقب ابن شهراشوب : 1 / 243 .

( 245 )

وقالت صفيّة بنت عبد المطّلب(1):

يـا  عَـين جـودي بدمع منك منحدر      ولا تـملّي وابـكي(2) سـيّد الـبشرِ
ابـكي(3)  الرسول فقد هدّت مصيبته      جـميع  قـومي وأهل البدوِ والحضر
ولاتَـمـلّي بـكـاك الـدهر مـعولةً      عليه ما غرّد القُمريّ في السحر(4)(5)

وقال حسّان :

إنّ  الـرزيـة لا رزيّـة مـثلها      مـيّت بـطيبة مـثله لـم يـفقد
مـيّت  بـطيبة أشـرقت بحياته      ظـلم  الـبلاد لِـمُتهِمٍ أو مُـنجد
والـكوكب الـدرّي أصـبح آفلاً      بـالـنور بـعد تـبلج وتـصعّد
لـله  مـا ضمّت(6) حفيرة قبره      منه وما فقدت سواري المسجد(7)

الكافي : اجتمعت نسوة بني هاشم ، وجعلن يذكرن النبي صلى الله عليه وآله ، فقالت فاطمة الزهراء عليها السلام : اتركن التعداد وعليكنّ بالدعاء .

(1) صفيّة بنت عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف ، عمّة النبي صلى الله عليه وآله ، اُمّ الزبير بن العوّام ، كانت من أشجع النساء في زمانها . انظر في ترجمتها : أعيان الشيعة : 7 / 390 ، الاصبة : 4 / 348 ، أعلام الزركلي : 3 / 206 .
(2) في المناقب : وبكّي .
(3) في المناقب : بكّي .
(4) كذا في المناقب ، وفي الأصل : الشجر .
(5) مناقب ابن شهراشوب : 1 / 243 ، وأنساب الأشراف : 1 / 594 .
(6) في المناقب : ضمنت .
(7) مناقب ابن شهراشوب : 1 / 244 .

( 246 )

وقالت فاطمة : قال النيّ صلى الله عليه وآله لعليّ : يا عليّ ، من اُصيب بمصيبة فليذكر مصيبته بي فإنّها من أعظم المصائب .(1)

روى يزيد بن بلال ، عن أمير المؤمنين عليه السلام قال : أوصى النبي صلى الله عليه وآله : أن لا يغسّله أحد غيري ، فإنّه لا يرى أحد عورته الا طمست عيناه .

قال : فما أتناول عضواً الا كان كأنّما نقله ثلاثون رجلاً(2) حتى فرغت من غسله .(3)

وروي أنّه لمّا أراد أمير المؤمنين تغسيله استدعى الفضل بن العبّاس ليعينه ، وكان مشدود العينين ، وقد أمره أمير المؤمنين عليه السلام [بذلك](4) إشفاقاً عليه من العمى(5) .

المناجاة

يا من جمال جلاله منزّه عن التغيير والزوال ، ويا من دوام كماله مقدّس عن الحدوث والانتقال ، ويا من جلّ في ذاته وصفاته عن المعاني والأحوال . ويا من دلّ بافتقار مخلوقاته على انّه الكبير المتعال .

سبحانك من قاهر تردّى بالجبروت والكبرياء ، وتعاليت من قادر لا

(1) مناقب ابن شهراشوب : 1 / 238 ـ وليس فيه «وقالت فاطمة» ، عنه البحار : 22 / 522 . ولم أجده في الكافي .
(2) في المناقب : فما تناولت عضواً الا كأنّما يقلبه معي ثلاثون رجلاً .
(3) مناقب ابن شهراشوب : 1 / 239 ، عنه البحار : 22 / 524 .
(4) من المناقب .
(5) مناقب ابن شهراشوب : 1 / 2

( 247 )

يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء ، لا تشارك في وجوب وجودك ، ولا تضاهي في فضلك وجودك ، ولا يخرج عن سلطانك قويّ ولا ضعيف ، ولا يفلت من قبضتك دنيّ ولا شريف ، ولا يخرج عن إحصائك وفيّ ولا طفيف ، أنت الظاهر ببديع قدرتك ، القاهر بعموم ربوبيّتك ، حكمتَ بالموت ، وقضيتَ بالفوت ، فلا رادّ لقضائك ، ولا مفرّ من بلائك .

سبحانك أخرجتنا من عالم الغيب إلى عالم الشهادة ، وقضيتَ لنا في دار بلائك الحسنى وزيادة ، وجعلتَ لناأرضك فراشاً ، وسخّرت لنا من رزقك معاشاً ، وركبت فينا أدوات معرفتك ، وآلات عبادتك ، من عقول كاملة ، وأركان عاملة ، وجوارح مطيعة ، وقوىً مستطيعة .

وأودعت في أجسادنا من عجائب حكمتك ، وغرائب صنعتك ، أعدل شاهد على وحدانيّتك ، وأكبر دالّ على فردانيّتك ، من آلات بسط وقبض ، ورفع وخفض ، وحركة وسكون ، وظهور وبطون ، وطبائع مصرفة ، وقوىً مختلفة ، من باصرة وسامعة ، ومفرّقة وجامعة ، وماسكة ودافعة ، وموصلة ومانعة ، وذاكرة وحافظة ، وذائقة ولافظة .

ونصبت لنا من خواصّك أعلاماً جعلت قلوبها مواطن حبّك ، ومعادن قربك ، لما فازت بالدرجة العليّة من فيضان عنايتك ، وشربت بالكأس الرويّة من شراب محبّتك ، أطربها بلبل دوح عرفانك تشتهي نغمته ، وأرقّها صوت مجيد فرقانك بفصيح كلمته ، فطالعت جلال جمالك بأبصار بصائرها ، وشاهدت أنوار تجلّيات عظمتك بأفكار سرائرها ، فجرت في مضمار عشقها إلى حضيرة قدسك ، وسلكت بقدم صدقها إلى مقام اُنسك ، لم تقصر قواها عن الترقّي في مدارج السلوك بتوفيقك وتأييدك ، ولم تختلجها عوارض الشكوك بإرشادك

( 248 )

وتسديدك ، حتى إذا وردت عن اليقين ورداً وصدراً ، وكشف بها الحقّ المبين عن غوامض أسراره حجاباً وستراً ، وصار المحبّ حبيباً ، والطالب مطلوباً .

جعلتهم معادن علمك ، ومواضع حكمك ، وتراجمة وحيك ، وسفرة أمرك ، وعصمتهم من كلّ عيب ، ونزّهتهم من كل ريب ، وتوّجهتهم بتاج عنايتك ، وأفرغت عليهم خلع كرامتك ، وأسريت بهاديهم إلى الصفيح الأعلى ، وسموت بساميهم إلى المقام الأدنى ، وأطلعته على أسرار ملكوتك ، وشرّفته بخطاب حضرة جبروتك ، ووسمته بخاتم النبيّين ، وسمّيته بأحمد ومحمد وطه وياسين ، وجعلته أفضل أهل السماوات وأهل الأرضين ، وأيّدته بوليّك سيّد الوصيّين ، وفرضت ولاءها وولاء أهل بيتهما على عبادك أجمعين ، فقلت : «يَاأَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا اتّقُوا اللّهَ وَكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ»(1).

فمن سلك سبيلهم ، واقتفى دليلهم ، فهو ممّن ألحقته جناح رحمتك ، وأورثته نعيم جنّتك ، ورقمت اسمه في جرائد المنتجبين من خواصّك ، وأثبتّ وسمه في صحائف الموسومين بإخلاصك .

ومن تولّى عن أمرهم ، وأنكر عنهم برّهم ، وتوالى من جرت عليه نعمتهم ، وعظمت لديه مننهم ، واستطال على الناس برفيع مجدهم ، واشتهر بالباس بغرار حسدهم ، وتاه في ظلمة ضلالته ، وغرق في لجّة جهالته ، فهو ممّن قلت فيه : «يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاَءِ أَهْدَى‏ مِنَ الّذِينَ

(1) سورة التوبة : 119 .

( 249 )

آمَنُوا سَبِيلاً«51» أُولئِكَ الّذِينَ لَعَنَهُمُ اللّهُ وَمَن يَلْعَنِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيراً»(1) «يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُروا بِهِ وَيُرِيدُ الشّيْطَانُ أَن يُضِلّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً«60» وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى‏ مَا أَنْزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدّونَ عَنكَ صُدُوداً»(2) «أُولئِكَ الّذِينَ كَفَرُوا بَآيَاتِ رَبّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً«105» ذلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُواً» .(3)

اللهم إنّا لا نعلم نبيّاً من أنبيائك ، ولا نعتقد وليّاً من أوليائك ، ولا ملكاً من حملة عرشك ، ولا هابطاً بوحيك وأمرك ، ولا أميناً على غيبك وسرّك ، أفضل لديك من نبيّك المصطفى ، وأمينك المجتبى ، الذي انتجبته لرسالتك ، واصطفيته بكلمتك ، وختمت به أنبياءك ، ووصيّه الذي اخترته لخلافتك ، وقرنت طاعته بطاعتك ، وضرته مثلاً في محكم تنزيلك ، وشددت به عضد نبيّك ورسولك ، وأيّدته بالفضل والحكم ، وآتيته بسطة في العلم والجسم ، وهزمت بجدّه الأحزاب ، وقصمت بسيفه الأصلاب ، وجعلت حبّه فارقاً بين الكفر والإيمان ، وحبّه وسيلة إلى الفوز بنعيم الجنان .

لا نعقتد ذنباً بعد الإلحاد في آياتك ، والجحود لصفاتك ، وادّعاء إلهاً سواك ، والتكبّر على جلالك وعلاك ، أعظم ولا أكبر ، ولا أوثق ولا أشقّ ، من ذنب من وضع من قدره ، واجترى عليه بكفره ، وقدّم عليه من لا يعادل عند الله شسع نعله ، وأخرّه عمّن ليس له فضل كفضله ، ولا أصل كأصله ، وجحد نصّ رسولك ،

(1) سورة النساء : 51 و52 .
(2) سورة النساء : 60 و61 .
(3) سورة الكهف : 105 و106 .

( 250 )

وحرّف آيات تنزيلك ، وشهد أنّ طاعتك مقرونة بطاعته ، وولايتك مشروطة بولايته ، إذ هو «اولوا الأمر» الذي أمرت باقتفاء أثره ، ونوّهت في كتابك بذكره ، وأمرت نبيّك بأن يأخذ ميثاق خلافته على كل مقرّ بوحدانيّتك ، معتقد لربوبيّتك ، فمن ردّ مقال رسولك ، وسلك غير سبيلك ، فهو ممّن قلّدته لعنتك ، ووعدته نقمتك ، وأعددت له أليم عذابك ، ووخيم عقابك .

ونشهد أنّه سبيلك القويم ، وصراطك المستقيم ، ونشهد أنّ من ابتزّه سلطانه غاصباً ، وتسمّى باسمه كاذباً ، وأنكر ما أوصيت من فرض ولايته ، وأخفى ما أظهرت من حقّ خلافته ، فقد بعد من الصواب ، وحقّت عليه كلمة العذاب ، فلا عذاب أعظم من عذابه ، ولا عقاب أنكى من عقابه ، إذ الثواب والعقاب على مقدار الفعل المكتسب في دار البلاء ، ومحلّه الابتلاء ، ومن جحد الوصيّ منزلته ، وردّ على الرسول مقالته ، وأوّل نصّ الكتاب بالتأويل الواهي ، والخيال الساهي ، وقدّم من يستحقّ التأخير لنقصه ، وأخّر من قدّم الله ورسوله منصبه ، ونصب العداوة لأهل بيت نبيّه ، وجحد الولاية بضلاله وغيّه ، وعدل بميراث الرسول عن أهله ، ووضعه في غير محلّه ، فهو ممّن أنكر اصول الايمان ، وانتظم في مسلك عبدة الأوثان ، وأعداء الرحمن ، ومقرّه في الدرك الأسفل ، وجزاؤه العذاب الأطول ، يتعوّذ فرعون وهامان من عذابه ، وينفر عبدة الأوثان من أليم عقابه .

كما ذكرت هنا في فقرات نثري ، وأوردت قديماً في خطبي وشعري ، مخاطباً من تجرّأ على الله والرسول ، وغصب حقّ الوصي والبتول :

غرّتك دنياك فصرت حاكماً     وللوصيّ والـبتول ظـالما

وللنبيّ المصطفى مخاصماً     فسوف تصلى بعد ذا سعيرا

( 251 )

عقوبة الذنب مـن الـله على     مقدار ذنب العبد في دار البلا

وظلم من يؤذي النبي المرسلا     هل فوقه ظلم فـكن بـصيرا

اللهم فكما جعلتنا من المتمسكين بحبل نبيّك وعترته ، والمستظلّين بظلال وليّك وذرّيّته ، المعتصمين بمعاقل محبّيهم ، الموسومين بخاصّة شيعتهم ، الواثقين بعروة عصمتهم ، السالكين واضح طريقتهم فصلّ على محمد وآله ، وأمتنا على الحق الذي هديتنا إليه من عرفان حقّهم ، وابعثنا على النهج الذي نحن عليه من الاقرار بصدقهم ، ومتّعنا بالنظر إلى جلال جمالهم في حشرنا ، واجعلهم شفعاءنا إليك يوم نشرنا ، وارزقنا منازل السعداء ، واسقنا من حوضهم شربة لا نظمأ بعدها أبداً ، إنّك على كلّ شيء قدير ، وبالاجابة جدير ، والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على سيّدنا محمد وآله الطاهرين .

 ( 252 )

( 253 )

المجلس الثالث

في ذكر شيء من فضائل أمير المؤمنين ، وذكر أدلّة شريفة على فرض إمامته ، والاستدلال على كفر من أنكر نصّ خلافته ، وذكر طرف من ظلامة سيّدة النساء صلوات الله عليها ، وذكر وفاتها ، ووفاة أمير المؤمنين صلوات الله عليه وعلى أبنائه الطاهرين

الخطبة

الحمد لله الذي أسبغ علينا فضله العميم ، وأسدى إلينا برّه الجسيم ، وهدانا صراطه المستقيم ، وسلك بنا سبيله القويم ، وجعلنا من اُمّة رسوله الكريم ، وشيعة وليّه الأوّاه الحليم ، أعني سيّد الوصيّين ، وإمام المتّقين ، وحبل الله المتين ، ونوره المبين ، عليّ أمير المؤمنين ، المغصوب أمره ، المجهول قدره ، المشهور فضله ، المنشور عدله ، المظلوم حقّه المكذوب صدقه ، المقتول في محرابه ، المهدوم ركن الاسلام بمصابه ، أفضل من ارتدى بالخلافة واتّزر ، وأشرف من تسمّى بالإمامة واشتهر ، صنو الرسول ومواريه في رمسه ، وصارمه المسلول

 ( 254 )

ومواسيه بنفسه .

كم ركن للشرك هدم ، وركن صلب للكفر قصم ، وكم أدحض للجهل حجّة ، وكم أمعن للبغي مهجة ، وكم أخفى للنفاق محجّة ، وكم أفاء الله على المسلمين بسيفه أموراً ودياراً وحدائق ذات بهجة .

كتب الله بيد عظمته منشور ولايته ، وختم بطابع عنايته توقيع خلافته ، وأوجب فرض ولايته على كافّة بريّته ، وجعل الرئاسة العامّة إلى يوم القيامة فيه وفي ذرّيّته ، «إِنّمَا وَلِيّكُمُ»(1) تاج سلطانه ، و«قُل لاَ أَسْأَلُكُمْ»(2) خلعة عظيم شأنه ، وآية النجوى في حلية الفخر جواد سباقه ، وسورة هل أتى في عرصة المجد ميدان انطلاقه .

قرن الشمس مقعد أصله ، وهامة السماك مركب فضله ، عدله عميم ، وفضله عظيم ، ونوره تامّ ، وجوده عامّ ، وعلمه بحر زاخر ، وكفّه وجود هامر ، ولفظه ؤلؤ منثور ، وعزمه سيف مشهور ، وحبّه شرف وفخر ، وبغضه نفاق وكفر .

يعشق جماله قلبي ، ويعتقد كماله لبّي ، ويهوى ذكره لساني ، ويعتاد شكره جناني ، ويحلو تكرّر لفظه في لهواتي ، ويجلو فصيح وعظه كرباتي ، كلامه شفاء غمومي ، وخطبه مجلية همومي ، ونهج بلاغته سبيل بلاغتي ، موغرر درره حلية فصاحتي ، ينشي مدحه نشوات السرور في فؤادي ، ويستعذب وصفه دقيق فكري في إصداري وإيرادي .

إن نابني من عدوّي ناب وظفر ، فزعت غلى الدعاء باسمه في الجهر

(1) سورة المائدة : 55 .
(2) سورة الشورى : 23 .

( 255 )

والسرّ ، ليجعل الله معاندي بصواعق توسّلاتي مقهوراً ، وبسهام دعواتي محسوراً ، ويطرق لعيني مذؤوماً مدحوراً ، وأن يردّ الذي كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً(1).

اللهم اجعل كيده في تضليل ، وأرسل عليه حجارة من سجّيل(2)، وشهباً ثاقبة يضعف عن تحمّل سعيرها الطوق ، وسحائب هلكه برد بارودها بمطر من تحت إلى فوق .

اللهم أرسل عليه شواظاً من نار ونحاس(3)، وبنادق من رصاص تتركه كهشيم المحتظر(4)، ولا توفّقه للتوبة ، ولا ترشده للأوبة ، وصمّ سمعه عن سماع نصيحتي ، ولا تنفعه بتبياني وتذكرتي ، حتى تخرجه من دار الفناء وأنت عليه غضبان ، وتصليه جهنّم وقلبه غير مطمئنّ بالإيمان .

ربّنا أفرغ علينا صبراً على ظلمه ، وأعظم لنا من لدنك أجراً على هظمه ، واجعل لنا اُسوة بنبيّك وأهل بيته الأطهار ، وارفع لنا عندك درجة في منازل الأبرار ، إنّك ذو الفضل الجزيل ، والصنع الجميل .

روي عن شمس فلك النبوّة ، وروح جسد الفتوّة ، ومن أعلى الله على كلّ علوّ علوّه ، واسمى على كلّ سموّ سموّه ، بلبل دوح «اقْرَأْ وَرَبّكَ الْأَكْرَمُ»(5)، قارئ لوح «وَعَلّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ»(6)، صدر مجلس «أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ

(1) إقتباس من الآية : 25 من سورة الأحزاب .
(2) إقتباس من الآية : 2 و4 من سورة الفيل .
(3) إقتباس من الآية : 35 من سورة الرحمن .
(4) إقتباس من الآية : 31 من سورة القمر .
(5) سورة العلق : 3 .
(6) سورة النساء : 113 .

( 256 )

صَدْرَكَ»(1)، بدر مشرق «وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ»(2)، تاج نبوّته «مَا كَانَ مُحَمّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِن رّجَالِكُمْ وَلكِن رّسُولَ اللّهِ وَخَاتَمَ النّبِيّينَ»(3)، ومنهاج ملّته «وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ»(4)، وقسم رسالته «يس«1» وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ«2» إِنّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ»(5)، وصحيفة أدبه «خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ»(6) ، ومعراج رفعته «سُبْحَانَ الّذِي أَسْرَى»(7)، وكمال معرفته «سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَى»(8) .

رسخت قدمه في صعيد المجد الأطول ، وشمخت شجرته في روضة الشرف الأعبل ، طار بقوادم التقديم لمّا اُسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ، وفاز بدرجة التعظيم لمّا وطئ بأخمصه بساط العزّة والكبرياء ، ونودي في ذلك المقام : دس البساط بنعليك ، وخوطب بلسان الحال : «إِنّا أَوْحَيْنَا»(9) النبيّون طلائع جنودك ، والكروبيّون مقدّمة عديدك ، و«إِنّا فَتَحْنَا»(10) علم نصرتك وتأييدك ، «وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبّكَ فَتَرْضَى»(11) علامة رفعتك وتمجيدك .

(1) سورة الشرح : 1 .
(2) سورة الشرح : 4 .
(3) سورة الأحزاب : 40 .
(4) سورة آل عمران : 85 .
(5) سورة يس : 1 ـ 3 .
(6) سورة الأعراف : 199 .
(7) سورة الإسراء : 1 .
(8) سورة الأعلى : 6 .
(9) سورة النساء : 163 .
(10) سورة الفتح : 1 .
(11) سورة الضحى : 5 .

( 257 )

الدنيا والآخرة في قبضة حكمك ، وعلوم الأوّلين والآخرين كالقطرة في بحر علمك ، لم أخلق خلقاً أكرم منك عليّ ، ولم اُنشئ نشأً أدنى منك إليّ ، السبع الطباق ميدان سباق ، وسدرة المنتهى غاية براقك ، شجرتك في دوحة المجد نسقت ، ونبعتك في ربوة العزّ سمقت ، قلبك خزانة علمي ، وشرعك مناط حكمي ، ويمنك موضع سرّي ، وأمرك قرين أمري .

«مَن يُطِعِ الرّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ»(1) عنوان صحيفتك ، «فَاتّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ»(2) توقيع رسالتك ، يا بدر دجى أسريت به ليلاً إلى حضرة قدسي ، ويا شمس ضحى أبديت سناها من مقام اُنسي ، خذ ما أتيتك بقوّة .

فإذا لسان حاله ، صلى الله عليه وآله : يا من شرّفني ـ بلذيذ مناجاته بي(3)ـ إلى الصفيح الأعلى من سماواته ، وأطلعني على أسرار ملكوته ، وأسمعني نغمة خطاب جبروته ، ربّي وحقّ ما أزلفتني به من قربك ، وأتحفتني من خالص حبّك ، وما ضمّت عليه جوانحي وأحشائي من صحّة يقيني وولائي ، وما سكن من بهجتك في سواد ناظري وسويداء ما في قلبي الا جلال جمالك ، ولا في نفسي الا بهاء كمالك ، صرفت كلّي نحو طاعتك ، ووجّهت وجهي إلى كعبة محبّتك ، ووقفت سمعي على خطاب حضرتك ، حلية لساني شريف ذكرك ، وراحة جناني دوام شكرك .

يا معبودي ومقصودي ، ومن له خضوعي وسجودي ، نوّر بمصابيح التوفيق سبيل سلوكي إليك ، واحملني على مطايا التحقيق موضّحاً أدلّة الحقّ عليك ، إنّك الهادي إلى الطريق الرشاد ، والموضح سبيل السداد ، هذا الذي جليت

(1) سورة النساء : 80 .
(2) سورة آل عمران : 31 .
(3) كذا في الأصل .

( 258 )

رين القلوب بذكر مفاخره ، وجلوت على النفوس غروس مآثره ، ونقلت درّه من طور مراتبه ، وصببت قطرة من بحر مناقبه .

روي عنه بالروايات القاطعة ، والآثار الساطعة ، متّصلة إليه صلى الله عليه وآله صعد المنبر فخطب بعد أن اجتمع الناس إليه ، فقال :

يا معشر المؤمنين ، إنّ الله سبحانه أوحى إليّ أنّي مقبوض ، وانّ ابنعمّي علياً مقتول ، وإنّي ـ أيها الناس ـ اُخبركم بخبرٍ إن علمتم به سلمتم ، وإن تركتموه هلكتم ، إنّ ابن عمّي علياً هو أخي ووزيري ، وهو خليفتي ، وهو المبلّغ عنّي ، وهو إمام المتّقين ، وقائد الغرّ المحجّلين ، إن استرشدتموه أرشدكم ، وإن تبعتموه نجوتم ، وإن خالفتموه ضللتم ، وإن أطعتموه فالله أطعتم ، وإن عصيتموه فالله عصيتم ، وإن بايعتموه فالله بايعتم ، وإن نكثتم بيعته فبيعة الله نكثتم ، وإنّ الله سبحانه أنزل عليّ القرآن ، وهو الذي من خالفه ضلّ ، ومن ابتغى علمه عند غير علي هلك .

أيها الناس ، اسمعوا قولي ، واعرفوا حقّ نصيحتي ، ولا تخلفوني في أهل بيتي الا بالذي اُمرتم به من حقّهم(1) ، فإنّهم حامتي وقرابتي وإخوتي وأولادي ، وإنكم مجموعون ومساءلون عن الثقلين ، فانظروا كيف تخلفوني فيهما ، إنّهم أهل بيتي ، فمن آذاهم آذاني ، ومن ظلمهم ظلمني ، ومن أذلّهم أذلّني ، ومن أعزّهم أعزّني ، ومن أكرمهم أكرمني [ومن نصرهم نصرني ، ومن خذلهم خذلني ، ومن طلب الهدى في غيرهم فقد كذّبني] .(2)

أيها الناس ، اتّقوا الله وانظروا ما أنتم قائلون إذا لقيتموه ، فإنّي خصيم لمن

(1) في الأمالي : حفظهم .
(2) من الأمالي .

( 259 )

آذاهم ، ومن كنت خصمه خصمه الله(1) ، أقول قولي [هذا](2) وأستغفر الله لي ولكم .(3)

أقول : في موجب هذه الخطبة التي ذكر الرسول صلى الله عليه وآله فيها شرف أمير المؤمنين ، وأبان عن فضله الذي لا يوازيه فضل أحد من العالمين ، إذ اختصّه بخلافته وإخوته ، وسجّل انّه الأولى بتدبير اُمّته ، وأوضح عن شرف رتبته ، وأفصح برفعة منزلته بقوله : هذا أخي ووزيري وخليفتي والمبلّغ عنّي ، ثمّ زاده شرفاً بقوله : هذا أخي ووزيري وخليفتي والمبلّغ عنّي ، ثمّ زاده شرفاً بقوله : هو إمام المتّقين ، وقائد الغرّ المحجّلين ، وإنّما خصّ المتّقين بالذكر لكونهم هم الفائزون بإخلاص الطاعة له في سرّهم وعلانيتهم ، وهم المتّبعون بأداء أمره ونواهيه في ظواهرهم وبواطنهم ، وهم الذين اهتدوا فزادهم الله هدى وآتاهم تقواهم(4)، وهم الذين اعتصموا بحبل الله فعصموا من الردى في دنياهم واخراهم(5) ، وان كان صلوات الله عليه إماماً لجميع الخلق من الثقلين ، وسيّداً لمن أقرّ بتوحيد ربّ المشرقين وربّ المغربين .

ثم عرّفنا صلى الله عليه وآله إن استرشدناه استرشدنا ، وإن تبعناه نجونا ، وإن خالفناه ضللنا ، وإن أطعناه فالله أطعنا ، وإن عصيناه فالله عصينا ، وإن

(1) في الأمالي : خصمه خصمته .
(2) من الأمالي .
(3) أمالي الصدوق : 62 ح 11 ، عنه البحار : 38 / 94 ح 10 ، وإثبات الهداة : 1 / 279 ح 148 .
ورواه في بشارة المصطفى : 16 ـ 17 بالاسناد إلى الصدوق .
وأورده في مشارق أنوار اليقين : 52 ـ 53 ، عنه البحار : 23 / 153 ح 118 .
(4) إقتباس من الآية : 17 من سورة محمد صلى الله عليه وآله .
(5) إقتباس من الآية : 103 من سورة آل عمران .

( 260 )

بايعناه فالله بايعنا ، وإن نكثنا بيعته فبيعة الله نكثنا .

ثم قال صلى الله عليه وآله : إنّ الله أنزل عليَّ القرآن الذي من خالفه ضلّ ، ومن ابتغى علمه عند غير عليّ هلك .

وما كان صلى الله عليه وآله ليثبت له هذه الخصائص تشهّياً ، ولا ليوجب له هذه الفضائل اقتراحاً ، بل بوحي يوحى ، لكونه صلى الله عليه وآله لا ينطق عن الهوى(1).

ولم يكن سبحانه ليوجب علينا متابعته ، ويفرض علينا ولايته ، ولا يحثّنا على الاستمساك بعروته ، ويأمرنا بسلوك طريقته ، الا لأنّه سبحانه علم تشدّده في حبّه ، وإخلاصه بقالبه وقلبه .

قد طهّره سبحانه بالعصمة ، وأيّده بالحكمة ، لا تأخذ فيه لومة لائم ، ولا يثني عزيمته عن التوجّه إليه عقائد العزائم ، قلبه منبع الأسرار الإلهيّة ، ونفسه معدن العلوم الربّانيّة والفضائل النفسانيّة ، إلى كعبة علومه تشدّ الرحال ، وببيت معارفه يطول الرجال ، وعلى قواعد استنباطه تبنى الأحكام ، وهو الذي وضع قوانين العلوم بأسرها ، وتفرّد دون الخلق بضبطها وحصرها ، فالعلوم الإلهيّة من عين يقينه نبعت ، الأحكام الشرعيّة من تحقيقه وتبيينه تفرّعت ، وموازين الفصاحة بلسانه استقام لسانها ، وقعر البلاغة بنهج بلاغته قامت سوقها واستقامت أوزانها ، والقواعد الرياضيّة بحدّة فطنته أوضح غامض إشكالها ، وأقام البرهان على وحدة الصانع ووجوب وجوده بترتيب قضاياها وأشكالها .

كلّ علم لا يُعزى إليه فهو باطل ، وكلّ نثر لا يحلّى بجواهر كلامه فهو

(1) إشارة إلى الآية : 3 و4 من سورة النجم .

( 261 )

عاطل ، وكلّ عالم لا يعتمد عليه فهو جاهل ، وكلّ منطبق لا يقفو أثره فهو باقل(1) ، وكلّ فاضل لا يحذو حذوه فهو خامل .

ما من علم الا وهو أصله وفرعه ، وما من أدب الا وهو بصره وسمعه ، إليه يرجع المتألّهون في سلوكهم ، وبنور كشفه تكشف ظلمة الحيرة من سلوكهم ، أقدم الناس سلماً ، وأغزرهم علماً ، واعرفهم بكتاب الله ، وأذبّهم عن وجه رسول الله .

سيفه القاطع ، ونوره الساطع ، وصدّيقه الصادق ، ولسانه الناطق ، وأنيس وحشته ، وجليس وحدته ، ووليّ عهده ، وأبو ولده ، وأفضل الخلق من بعده ، لم يسبقه الأوّلون بعلم وجهاد ، ولم يلحقه الآخرون بجدّ واجتهاد ، نصر الرسول إذ خذلوا ، وآزره إذ فشلوا ، وآثره بنفسه إذ بخلوا ، واستقام على طريقته ، إذ غيّروا وبدّلوا .

مجده شامخ ، وعلمه راسخ ، كم حجّة لمارق أدحض ، وكم شبهة لزاهق قوّض ، وكم علم للشرك نكّس ، وكم جدّ للظلم أتعس ، وكم جمع للنفاس أركس ، وكم منطبق من اولي الشقاق أبلس ، أوّل من صام وصلّى وتصدّق ، وأقام الإسلام في بدر وحنين واُحد والخندق ، كم قصم فقار مشرك بذي الفقار ، كالوليد وعمرو وذي الخِمار(2)، ردّت له الشمس وقد دنت للطفل ، حتى أدّى فرضه وعن طاعة ربّه ما اشتغل .

أوّل في الدين ذو قدم     وله عزّ إذا انتسبا

خصّة ربّي فصـيّره     لبني بنت النبيّ أبا

(1) باقلٌ : اسم رجل يضرب به المثل في العِيّ . «لسان العرب : 11 / 62 ـ بقل ـ» .
(2) هو سُبيع بن الحارث ، من بني مالك .

( 262 )

فهو سيّد الوصيّين ، وزوج سيّدة نساء العالمين ، وابناه سيّدا شباب أهل الجنّة ، وعمّه حمزة سيّد الشهداء ، وأخوه جعفر يسمّى ملكاً ، سيّد الطيور في الجنّة يطير عبد مناف سيّد العرب ، وحماته اُمّ المؤمنين أوّل امرأة أسلمت وصلّت وأنفقت ، ومنها نسل النبي صلى الله عليه وآله ، واُمّه فاطمة بنت أسد أوّل هاشميّة ولدت من هاشميّين .

وروى الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنّه قال : يا عليّ ، لك أشياء ليس لي مثلها ؛ إنّ لك زوجة مثل فاطمة وليس لي مثلها ، ولك ولدين من صلبك وليس لي مثلهما من صلبي ، ولك مثل خديجة امّ أهلك وليس لي مثلها ، ولك حمو(1) مثلي وليس لي حمو مثلي ، ولك أخ في النسب مثل جعفر وليس لي مثله في النسب ، ولك اُمّ مثل فاطمة بنت أسد الهاشميّة المهاجرة وليس لي اّمّ مثلها .

سلمان وأبوذرّ والمقداد : انّ رجلاً فاخر عليّاً عليه السلام فقال [النبيّ صلى الله عليه وآله](2): إن فاخرت العرب فأنت أكرمهم ابن عمّ ، وأكرمهم نفساً ، وأكرمهم زوجة ، وأكرمهم ولداً ، واكرمهم أخاً ، وأكرمهم عمّاً ، وأعظمهم حلماً ، وأكثرهم علماً ، وأقدمهم سلماً ، [وفي خبر :](3) وأشجعهم قلباً ، وأسخاهم كفّاً .

وفي خبر آخر : أنت أفضل اُمّتي فضلاً .(4)

وروى شيخ السنّة القاضي أبو عمرو عثمان بن أحمد في خبر طويل أنّ

(1) في المناقب : صهر ، وكذا في الموضع الآتي .
(2 و3 ) من المناقب .
(4) مناقب ابن شهراشوب : 2 / 170 ، عنه البحار : 40 / 68 ح 102 .

( 263 )

فاطمة بنت أسد رأت النبي صلى الله عليه وآله يأكل تمراً له رائحة تزداد على كلّ الأطائب من المسك والعنبر ، من نخلة لا شماريخ لها ، فقالت : ناولني ـ يا رسول الله ـ أنل منها .

قال صلى الله عليه وآله : لا تصلح الا أن تشهدي معي [أن](1) لا إله إلا الله ، وأنّ محمدا رسول الله ، فشهدت الشهادتين ، فناولها فأكلت ، فازدادت رغبتها ، وطلبت اُخرى لأبي طالب ، فأوعز إليها صلى الله عليه وآله الا تعطيه الا بعد الشهادتين .

فلمّا جنّ عليها الليل اشتمّ أبو طالب نسيماً ما اشتمّ مثله قطّ فأظهرت ما معها فالتمسه منها ، فأبت عليه(2) الا أن يشهد الشهادتين ، فلم يملك نفسه أن شهد الشهادتين غير أنّه سألها أن تكتم عليه لئلّا تعيّره قريش ، فعاهدته على ذلك ، وأعطته ما معها ودنا إليها ، فعلقت بعليّ صلوات الله عليه في تلك الليلة ، ولمّا علقت بعليّ عليه السلام ازداد حسنها ، وكان يتكلّم في بطنها ، وكانت يوماً في الكعبة فتكلّم علي عليه السلام مع جعفر فغشي عليه ، فالتفتت فإذا الأصنام خرّت على وجوهها ، فمسحت على بطنها وقالت : يا قرّة العين ، تخدمك(3) الأصنام فيّ داخلاً ، فكيف شأنك خارجاً ؟! وذكرت لأبي طالب ذلك ، فقال : هو الذي قال لي عنه أسد في طريق الطائف .(4)

وروى الحسن بن محبوب ، عن الصادق عليه السلام أنّه لمّا أخذ فاطمة

(1) من المناقب .
(2) كذا في المناقب ، وفي الأصل : إليه .
(3) في المناقب : سجدتك .
(4) مناقب ابن شهراشوب : 2 / 172 ، عنه البحار : 35 / 17 ح 14 ، وحلية الأبرار : 2 / 19 ح 1 .

( 264 )

بنت أسد الطلق أتت الكعبة فانفتح البيت من ظهره ودخلت فاطمة فيه ، ثمّ عادت الفتحة والتصقت وبقيت فيه ثلاثة أيّام تأكل من ثمار الجنّة وأرزاقها حتى ولدت أمير المؤمنين عليه السلام في جوف الكعبة .

وقيل : إنّه لمّا أخذها المخاض أتت الكعبة وقالت : ربّ إنّ مؤمنة بك وبما جاء من عندك من كتب ورسل ، مصدّقة بكلام جدّي إبراهيم ، فبحقّ الذي بنى هذا البيت ، وبحقّ المولود الذي في بطني لما يسّرت عليّ ولادتي .

فانفتح البيت ودخلت فيه وإذا بحوّاء ومريم وآسية واُمّ موسى ، وصنعن به كما صنعن برسول الله صلى الله عليه وآله عند ولادته ، فلمّا ولدته سجد على الأرض يقول : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أنّ محمّداً رسول الله ، [وأشهد أنّ عليّاً وصيّ محمد رسول الله](1) ، بمحمد تختم النبوّة ، وبي تتمّ الوصيّة ، وأنا أمير المؤمنين ، ثمّ سلّم على النساء ، وأشرقت الأرض(2) بضيائها ، فخرج أبو طالب وهو يقول : أبشروا ، فقد خرج وليّ الله .

وفي رواية اُخرى : انّه لمّا خرجت به اُمّه من البيت قال لأبي طالب : السلام عليك يا أبة ورحمة الله وبركاته ، ثمّ تنحنح وقرأ : «بسم الله الرحمن الرحيم قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ»(3) الآيات ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : قد أفلحوا بك ، أنت والله أميرهم تميرهم من علومك فيمتارون ، وانت والله دليلهم وبك يهتدون .

ووضع رسول الله صلى الله عليه وآله لسانه في فيه فانفجر اثنتا عشرة

(1) من المناقب .
(2) في المناقب : السماء .
(3) سورة المؤمنون : 1 .

( 265 )

عيناً ـ الحديث ـ فحنّكه رسول الله بريقه ، وأذّن في اُذنه اليمنى ، وأقام في اليسرى ، فعرف الشهادتين وولد على الفطرة .(1)

وروي أنّه لمّا ولد [علي عليه السلام](2) أخذ أبو طالب بيد فاطمة ـ وعليّ على صدره ـ وخرج ليلاً إلى الأبطح ونادى :

يا ربّ هذا الغـسق الدجيِّ     والقـمر المـبتلـج المضيّ

بيّن لنا من حكمك المقضيّ     [ماذا ترى في اسم ذا الصبيّ ؟](3)

قال : فجاء شيء كالسحاب يدبّ على وجه الأرض حتى حصل في صدر أبي طالب فضمّه مع عليّ إلى صدره ، فلمّا أصبح إذا هو بلوح أخضر فيه مكتوب:

خصصتما بالولد الزكيّ     ولاطاهر المنتجب الرضيّ

فاسمه من شامخ عليّ     عليّ اشــتقّ من العلـيّ(4)

قال : فعلّق(5) اللوح في الكعبة ، وما زال هناك حتى أخذه هشام بن عبد الملك لعنه الله ، وإجماع أهل البيت أنّه ولد في الزاوية اليمنى في الكعبة ، فالولد الطاهر من النسل الطاهر ، ولد في الموضع الطاهر ، فأين توجد هذه

(1) مناقب ابن شهراشوب : 2 / 173 ـ 174 ، عنه البحار : 35 / 17 ذ ح 14 .
(2) من المناقب .
(3) من المناقب .
وفي «ح» : قال أبو طالب :
سمّيته بعليّ كي يدوم له     عزّ العلوّ وخير العزّ أدومه
(4) انظر كفاية الطالب : 406 ، عنه الغدير : 7 / 347 . وفي الفضائل لشاذان : 56 ـ 57 ، عنه البحار : 35 / 102 ـ 103 .
(5) في المناقب : فعلّقوا .

( 266 )

الكرامة لغيره ؟ فأشرف البقاع الحرم ، وأشرف الحرم المسجد ، وأشرف [بقاع](1) المسجد الكعبة ، ولم يولد فيه مولود سواه ، فالمولود فيه يكون في غاية الشرف ، وليس المولود في سيّد الأيّام يوم الجمعة في الشهر الحرام في البيت الحرام سوى أمير المؤمنين عليه السلام .(2) وأجمع أهل البيت بأدلّة قاطعة بأنّه معصوم ، وأجمع الناس انّه لم يشرك بالله أبداً ، وأنّه بايع(3) النبيّ في صغره وترك أبويه .

وأجمع أهل البيت بأدلّة قاطعة بأنّه معصوم ، وأجمع الناس انّه لم يشرك بالله أبداً ، وانّه بايع(3) النبيّ في صغره وترك أبويه .

وروى جابر رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وآله قال : ثلاثة لم يكفروا بالله(4) طرفة عين : مؤمن آل يس ، وعليّ بن أبي طالب ، وآسية امرأة فرعون .(5)

وروي أنّه اعترف رجل [محصن](6) عند أمير المؤمنين عليه السلام انّه زنا مرّة بعد مرّة وأمير المؤمنين يتغافل عنه حتى اعترف الرابعة ، فأمر صلوات الله عليه بحبسه ، ثمّ نادى في الناس ، ثم أخرجه بالغلس(7)، ثمّ حفر له حفيرة ووضعه فيها ، ثمّ نادى : أيها الناس ، هذه حقوق الله لا يطلبها من كان عليه مثلها ، فانصرفوا ما خلا عليّ بن أبي طالب والحسن والحسين صلوات الله عليهم .(8)

(1) من المناقب .
(2) مناقب ابن شهراشوب : 2 / 174 ـ 175 ، عنه البحار : 35 / 18 ـ 19 .
(3) كذا في المناقب ، وفي الاصل : تابع .
(4) في المناقب : بالوحي .
(5) مناقب ابن شهراشوب : 2 / 177 .
(6) من المناقب .
(7) الغلس : ظلمة آخر الليل .
(8) مناقب ابن شهراشوب : 2 / 177 ، وزاد فيه : فرجمه ، ثمّ صلّى عليه .

( 267 )

وفي التهذيب انّ محمد بن الحنفية كان ممّن رجع .(1)

وكان أمير المؤمنين ممّن وصفه الله تعالى «وَاجْنُبْنِي وَبَنِيّ أَن نّعْبُدَ الأَصْنَامَ»(2) ثم قال : «وَمِن ذُرّيّتِنَا أُمّةً مُسْلِمَةً لَكَ»(3)، فنظرنا في أمر الظالم فإذا الاُمّة قد فسّروه انّه عابد الأصنام ، وانّ من عبدها فقد لزمه الذّل ، وقد نفى الله أن يكون الظالم إماماً(4) لقوله : «لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ»(5).

ووجدنا العامّة بأسرهم إذا ذكروا عليّاً قالوا : كرّم الله وجهه ، وأجروا ذلك على ألسنتهم ، يعنون بذلك : عن عبادة الأصنام .(6)

ديك الجنّ(7):

شـرفي  محبّة معشر      شرّفوا بسورة هل أتى
وولاي مـن في فتكه      سمّاه ذو العرش الفتى
لـم  يعبد الأصنام قطّ      ولا ألام ولا عــتـا
ثـبتاً  إذا قـدما سواه      إلـى  الـمهاوي زلتا
ثـقل الـهدى وكتابه      بـعد  الـنبيّ تـشتّتا

(1) تهذيب الأحكام : 10 / 11 ذ ح 23 وفيه أن ذلك كان في قضيّة اُخرى .
(2) سورة إبراهيم : 35 .
(3) سورة البقرة : 128 .
(4) في المناقب : خليفة .
(5) سورة البقرة : 124 .
(6) مناقب ابن شهراشوب : 2 / 177 .
(7) هو أبو محمد عبد السلام بن رغبان ، أصله من مؤتة ، وولد في حمص ، وهو شاعر مشهور مجيد ... وكان يتشيّع ، له مراث كثيرة للحسين بن علي بن أبي طالب عليهما السلام ، توفّي سنة «235» هـ . «الكنى والألقاب : 2 / 212» .

( 268 )

واحسرتاه من ذلّهم     وخضوعهم واحسرتا

طالت حياة عدوّهم     حتّى متى وإلى متى ؟

ثمّ انّه صلوات الله عليه لم يشرب الخمر قطّ ، ولم يأكل ما ذبح على النصب ، وغير ذلك من الفسوق وقريش ملوّثون بها .(1)

روى قتادة ، عن الحسن البصري ، قال : اجتمع علي وعثمان بن مظعون وأبو طلحة وأبو عبيدة ومعاذ بن جبل وسهيل بن بيضاء وأبو دجانة في منزل سعد بن أبي وقّاص ، فأكلوا شيئاً ، ثم قُدّم إليهم شيئاً من الفضيح ، فقام أمير المؤمنين عليه السلام وخرج من بينهم ، فقال عثمان في ذلك ، فقال علي : لعن الله الخمر ، والله لا أشرب شيئاً يذهب بعقلي ، ويضحك بي من رآني ، واُزوّج كرمتي من لا اُريد ، وخرج من بينهم ، فأتى المسجد ، وهبط جبرئيل بهذه الآية : «يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا ـ يعني الذين اجتمعوا في منزل سعد ـ إِنّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشّيْطَانِ»(2) إلى آخرها ، فقال أمير المؤمنين عليه السلام : تبّاً لها ، [والله ـ يا رسول الله ـ لقد كان بصري فيها نافذ منذ كنت صغيراً .

قال الحسن :](3) والله الذي لا إله إلا هو ما شربها(4) قبل تحريمها ولا ساعة قطّ .(5)

ثم إنّه كان أبو طالب وفاطمة بنت أسد ربّيا رسول الله صلى الله عليه وآله ،

(1) مناقب ابن شهراشوب : 2 / 178 .
(2) سورة المائدة : 90 .
(3) من المناقب .
(4) كذا في المناقب ، وفي الأصل : ما شربتها .
(5) مناقب ابن شهراشوب : 2 / 178 .

( 269 )

وربّى النبي صلى الله عليه وآله وخديجة لعلي عليه السلام ، وسمعنا(1) مذاكرة أنّه لمّا ولد أمير المؤمنين صلوات الله عليه لم يفتح عينيه ثلاثة أيّام ، فجاء النبي صلى الله عليه وىله ففتح عينيه ، ونظر إلى النبي صلى الله عليه وآله ، فقال النبي صلى الله عليه وآله : خصّني بالنظر ، وخصصته بالعلم .

وروي أنّ النبي صلى الله عليه وآله حين تزوّج خديجة قال لعمّه أبي طالب : إنّي اُحبّ أن تدفع إليّ بعض ولدك يعينني على أمري ويكفيني ، وأشكر لك بلاءك عندي .

فقال أبو طالب : خذ أيّهم شئت ، فأخذ عليّاً عليه السلام .(2)

نهج البلاغة : وقد علمتم موضعي من رسول الله صلى الله عليه وآله بالقرابة ، والمنزلة الخصيصة ، وضعني في حجره وأنا وليد يضمّني إلى صدره ، ويلفّني(3) في فراشه ، ويمسّني خدّه(4) ، ويشمّني عَرفَه(5) ، وكان يمضغ الشيء ويلقمنيه ، وما وجد لي كذبة في قول ولا خطلة(6) في فعل ، ولقد قرن الله به صلى الله عليه وآله من لدن [أن](7) كان فطيماً أعظم مَلَكٍ من ملائكته يسلك به طريق المكارم ، ومحاسن أخلاق العالم ، ليله ونهاره ، ولقد كنت أتّبعه اتّباع الفصيل أثر اُمّه ، يرفع لي [في](8) كلّ يوم عَلَماً من أخلاقه ،

(1) في المناقب : وسمعت .
(2) مناقب ابن شهراشوب : 2 / 179 ، عنه البحار : 38 / 294 ح 1 ، وحلية الأبرار : 2 / 28 ح 2 (صدره) .
(3) في النهج : وأنا وَلَد ... ويكنفني .
(4) في المناقب والنهج : جسده .
(5) عرفه : رائحته الذكيّة .
(6) الخلطة : واحدة الخَطَل ، وهو الخطأ ينشأ عن عدم الروية .
(7) من النهج .
(8) من المناقب والنهج .

( 270 )

ويأمرني بالاقتداء به .(1)

فمن استقت عروقه من منبع النبوّة ، ورضعت شجرته ثدي الرسالة ، وتهدّلت أعصانه(2) من نبعة الامامة ، ونشأ في دار الوحي ، وربّي في بيت التنزيل ، ولم يفارق الني صلى الله عليه وآله ساعة في حال حياته إلى حال وفاته ، لا يقاس به أحد من سائر الخلق ، وإذا كان صلوات الله عليه نشأ في أكرم اُرومة ، وأطيب مغرس ، والعرق الصالح ينمي ، والشهاب الثاقب يسري ، وتعليم الرسول نافع(3)، ولم يكن الرسول صلى الله عليه وآله ليتولّى تأديبه ويتضمّن حضانته وحسن تربيته الا على ضربين(4): إمّا على التفرّس فيه ، أو بالوحي من الله سبحانه ، فإن كان بالتفرّس فلا تخطئ فراسته ولا يخيب [ظنّه](5) ، وإن كان بالوحي فلا منزلة أعلى ولا حال أدلّ على الفضيلة والامامة منه .(6)

ثمّ إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله خصّه بسيّدة النساء دون غيره بأمر الله سبحانه ، وتولّى سبحانه عقدة نكاحها ، وأنزل في ذلك قرآناً يتلى إلى يوم القيامة.

روى ابن عبّاس رضي الله عنه وابن مسعود وجابر والبراء وأنس

(1) نهج البلاغة : 300 خطبة رقم 192 ، عنه مناقب ابن شهراشوب : 2 / 180 ، والبحار : 38 / 320 ح 33 .
وأخرجه في حلية الأبرار : 2 / 30 ح 4 عن المناقب .
(2) كذا في المناقب ، وفي الأصل : عليه أغصانه .
(3) في المناقب : ناجع .
(4) كذا في المناقب ، وفي الأصل : الا على خير بيّن .
(5) من المناقب .
(6) مناقب ابن شهراشوب : 2 / 180 ، عنه البحار : 38 / 295 .

( 271 )

واُمّ سلمة ، ورواه السدّي وابن سيرين(1) والباقر عليه السلام في قوله تعالى : «وَهُوَ الّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً» قالوا : هو محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام «وَكَانَ رَبّكَ قَدِيراً»(2) [القائم في آخر الزمان](3) لأنّه لم يجتمع نسب وسبب في الصحابة [والقرابة](4) الا له .(5)

عوتب صلى الله عليه وآله في أمر فاطمة ، فقال : لو لم يخلق الله عليّ بن أبي طالب ما كان لفاطمة كفو على وجه الأرض .(6)

ومثله روي عن ابي عبد الله الصادق عليه السلام ، وزاد فيه : آدم ومن دونه .(7)

قالت الناصبة : تزوّج النبي صلى الله عليه وآله من الشيخين ، وزوّج عثمان بنتين .

قلنا : التزويج لا يدلّ على الفضل ، وإنّما هو مبنيّ على إظهار الشهادتين ، ثمّ إنّه صلى الله عليه وآله تزوّج في جماعة ، وأمّا عثمان ففي زواجه خلاف كثير ، وأنّه صلى الله عليه وآله [كان زوّجهما من كافرين قبله ،](8) وليس حكم

(1) كذا في المناقب ، وفي الأصل : سدير .
(2) سورة الفرقان : 54 .
(3 و4 و7) من المناقب .
(5) مناقب ابن شهراشوب : 2 / 181 ، عنه البحار : 43 / 106 ، وعوالم العلوم : 11 / 279 ح 8 .
(6) مناقب ابن شهراشوب : 2 / 181 ، عنه البحار : 43 / 107 ، وعوالم العلوم : 11 / 282 ح 17 .
(7) مناقب ابن شهراشوب : 2 / 181 ، عنه البحار : 43 / 107 ، وعوالم العلوم : 11 / 281 ح 13 .

( 272 )

فاطمة مثل ذلك ، لأنّها ولدت في الاسلام ، ومن أهل العباء والمباهلة والمهاجرة في أصعب وقت ، ووردت فيها آية التطهير ، وافتخر جبرائيل بكونه منهم ، وشهد الله لهم بالصدق ، ولها اُمومة الأئمة عليهم إلى يوم القيامة ، ومنها الحسن والحسين عليهما السلام ، وعقب الرسول ، وهي سيّدة نساء العالمين ، وزوجها من أصلها وليس بأجنبيّ .

وأمّا الشيخان فقد توسّلا إلى النبي بذلك .

وأمّا علي فتوسّل النبيّ إليه بعدما ردّ خطبتهما ، والعاقد عليها(1) هو الله تعالى ، والقابل جبرائيل ، والخاطب راحيل ، والشهود حملة العرش ، وصاحب النثار رضوان ، وطبق النثار شجرة طوبى ، والنثار الدرّ والياقوت والمرجان ، والرسول هو الماشطة ، وأسماء صاحبة الحجلة(2) ، ووليد هذا النكاح الأئمّة الطاهرين عليهم السلام .(3)

مع انّه قد روي أنّ زينب ورقيّة لم يكونا ابنتي رسول الله صلى الله عليه وآله على الحقيقة ، بل ربيبتيه من جحش ـ كان زوج خديجة قبل رسول الله صلى الله عليه وآله ـ روى ذلك صاحب كتاب الكشف واللمع ، ورواه البلاذري(4) أيضاً ، وكانت زينب تحت أبي العاص بن الربيع ، وأمّا رقيّة فتزوّجها عتبة بن أبي لهب ومات على كفره بعد أن طلّقها ، وتزوّج بها عثمان .

(1) في المناقب : بينهما .
(2) كذا في المناقب ، وفي الأصل : وسيّدة النساء صاحبة الحجلة .
(3) مناقب ابن شهراشوب : 2 / 182 ، عنه البحار : 43 / 107 ، وعوالم العلوم : 11 / 282 ح 18 .
(4) أنساب الأشراف : 1 / 397 و401 .

( 273 )

وصار أمير المؤمنين أخا رسول الله لى الله عليه وآله من ثلاثة أوجه :

[أوّلها :](1) لقوله عليه السلام : ما زال ينقل من الآباء الأخائر ، الخبر .

الثاني : أنّ فاطمة بنت أسد ربّت رسول الله صلى الله عليه وآله حتى قال : هذه اُمّي ، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله عند ابي طالب من أعزّ أولاده ، ربّاه في صغره ، وحماه في كبره ، ونصره بالمال واللسان والسيف والأولاد [والهجرة](2)، والأب أبوان : أب ولادة وأب إفادة ، ثمّ انّ العمّ والد ، قال سبحانه حكاية عن يعقوب : «مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِى قَالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ»(3) الآية ، وإسماعيل كان عمّه .

وقال سبحانه حكاية عن إبراهيم : «وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ»(4) قال الزجّاج : أجمع النسّابة أنّ اسم أبي إبراهيم تارخ .

[والثالث :](5) آخاه النبي صلى الله عليه وآله في عدّة مواضع : يوم بيعة العشيرة حين لم يبايعه أحد بايعه عليّ على أن يكون له أخاً في الدارين . وقال في مواضع كثيرة ، منها : يوم خيبر : أنت أخي ووصيّي . وفي ويوم المؤاخاة ما ظهر عند الخاصّ والعامّ صحّته ، وقد رواه ابن بطّة من ستّة طرق .

وروي أنّ النبي صلى الله عليه وآله كان بالنخيلة وحوله سبعمائة وأربعون رجلاً ، فنزل جبرئيل وقال : إنّ الله تعالى آخى بين الملائكة : بيني وبين ميكائيل ، وبين إسرافيل وعزرائيل ، وبين دردائيل وراحيل ، فآخى النبي صلى

(1 و2 و5) من المناقب .
(3) سورة البقرة : 133 .
(4) سورة الأنعام : 74 .

( 274 )

الله عليه وآله بين أصحابه .

وروى خطيب خوارزم في كتابه(1) بالاسناد عن ابن مسعود ، قال النبي صلى الله عليه وىله : أوّل من اتّخذ علي بن أبي طالب أخاً إسرافيل ثمّ جبرائيل ، الخبر .

وعن ابن عبّاس ، قال : لمّا نزل قوله تعالى : «إِنّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ»(2) آخى رسول الله صلى الله عليه وآله بين الأشكال والأمثال ، فآخى بين أبي بكر وعمر ، وبين عثمان وعبد الرحمان ، وبين سعدبن أبي وقّاص وسعيد بن زيد ، وبين طلحة والزبير ، وبين أبي عبيدة وسعد بن معاذ ، وبين مصعب بن عمير وأبي أيّوب الأنصاري ، وبين أبي ذرّ وابن مسعود ، وبين سلمان وحذيفة ، وبين حمزة وزيد ، وبين أبي الدرداء وبلال ، وبين جعفر الطيّار ومعاذ بن جبل ، وبين المقداد وعمّار ، وبين عائشة وحفصة ، وبين زينب بنت جحش وميمونة ، وبين اُمّ سلمة وصفيّة ، حتى آخى بين أصحابه بأجمعهم على قدر منازلهم ، ثمّ قال : يا عليّ ، أنت أخي وأنا أخوك .

تاريخ البلاذري : قال عليّ عليه السلام : يا رسول الله ، آخيت بين أصحابك وتركتني !

فقال : أنت أخي ، أما ترضى أن تدعى إذا دعيتُ ، وتكسى إذا كسيتُ ، وتدخل الجنّة إذا دخلتُ ؟!(3)

(1) مناقب الخوارزمي : 31 ـ وفيه : اسرافيل ، ثم ميكائيل ، ثم جبرئيل ـ ، عنه كشف الغمّة : 1 / 376 . وفي البحار : 39 / 110 ح 17 عن الكشف .
(2) سورة الحجرات : 10 .
(3) مناقب ابن شهراشوب : 2 / 184 ـ 185 وزاد فيه : قال : بلى ، يا رسول الله ، عنه البحار : 38 / 335 ح 10 .

( 275 )

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله : إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ(1) من بطنان العرش : يا محمد ، نعم الأب أبوك إبراهيم ، ونعم الأخ أخوك عليّ بن أبي طالب .(2)

وروى أبو إسحاق العدل ، قال أبو يحيى : ما جلس عليّ صلوات الله عليه على المنبر الا قال : أنا عبد الله ، وأخو رسول الله ، لا يقولها بعدي إ لّا كذّاب .(3)

الصادق عليه السلام قال : لمّا آخى رسول الله صلى الله عليه وىله بين أصحابه وترك عليّاً ، فقال له في ذلك ، فقال النبي صلى الله عليه وآله : إنّما(4) اخترتك لنفسي ، أنت أخي وأنا أخوك في الدنيا والآخرة .

فبكى عند ذلك أمير المؤمنين وقال :

أقـيك  بنفسي أيها المصطفى الذي      هدانا به الرحمن من عَمَهِ(5) الجهل
بروحي أفديه(6) وما قدر مهجتي ؟      لمن  أنتمي منه إلى الفرع والأصل
ومـن  ضمّني مذ كنت طفلاً ويافعاً      وأنـعشني بـالبرّ والعلّ والنهل(7)

(1) في المناقب : نوديت .
(2 و3) مناقب ابن شهراشوب : 2 / 186 ، وعنه البحار : 38 / 337 .
(4) كذا في المناقب ، وفي الاصل : أنا .
(5) العمه : الحيرة والتردّد .
(6) في المناقب : وأفديك حوبائي . والحوباء : النفس .
(7) العل : الشرب الثاني : والنهل : الشرب الأول . وهذا كناية عن غاية اهتمامه صلى الله

( 276 )

ومـن  جـدّه جدّي ومن عمه عمّي      ومـن  اُمّه(1) اُمّي ومن بنته أهلي
ومن حين آخى بين من كان حاضراً      دعـاني وآخـاني وبيّن من فضلي
لـك  الـفضل إنّي ما حييت لشاكرٌ      لإتـمام ما أوليت يا خاتم الرسل(2)

قيل لقثم بن العباس : بأيّ شيء ورث عليّ النبي صلى الله عليه وآله دون العبّاس ؟

قال : لأنّه [كان](3) أشدّنا به لصوقاً ، وأسرعنا به لحوقاً .(4)

وقد علمنا أنّ أمير المؤمنين لم يكن أخاص للرسول في النسب ، فلمّا جعله شكلاً له وأخاً بين الأشكال والأمثال واستخلصه لنفسه علمنا بذلك أنّه الإمام الحقّ على سائر المسلمين ، فلا يجوز لأحدٍ أن يتقدّمه ، ولا أن يتأمّر عليه ، لأنّه شبه الرسول ومشاكله ، والعرب تقول للشيء : إنّه أخو الشيء إذا أشبهه وقاربه ، فكما لا يجوز التقدّم على رسول الله صلى الله عليه وآله «لاَ تُقَدّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللّهِ وَرسُولِهِ»(5) كذلك لا يجوز التقدّم على أمير المؤمنين صلوات الله عليه لأنّه

عليه وآله بتربيته على جميع الحالات .
(1) في المناقب : أهله .
(2) مناقب ابن شهراشوب : 2 / 186 ـ 187 ، عنه البحار : 38 / 337 .
وانظر ديوان الإمام علي عليه السلام ـ طبعة دار ابن زيدون ـ : 246 .
(3) من المناقب .
(4) مناقب ابن شهراشوب : 2 / 188 ، عنه البحار : 38 / 340 .
(5) سورة الحجرات : 1 .

( 277 )

مشابهه ومماثله ، ولهذا أمر الله نبيّه بسدّ أبواب الصحابة وترك باب عليّ لكونه مماثله ومشابهه .(1)

روى أحمد في كتاب الفضائل(2) أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله قال في ذلك ـ لمّا تكلّم الناس ـ : والله ما سددت شيئاً ولافتحته ، ولكن اُمرت بشيء فاتّبعه .(3)

تاريخ البلاذري ومسند أحمد في خبر قال [عمرو بن ميمون](4): خلا ابن عبّاس مع جماعة ، فنالوا من عليّ ، فقام ابن عبّاس ، ثمّ قال : اُف اُف وقعوا في رجل قال له رسول الله صلى الله عليه وآله : من كنت مولاه فعليّ مولاه ، ومن كنت وليّه فعليّ وليّه .

وقال له : أنت منّي بمنزلة هارون من موسى ، الخبر .

وقال : لأدفعنّ الراية غداً إلى رجل ، الخبر .

وسدّ أبواب الصحابة الا بابه . ونام مكان رسول الله ليلة الغار . وبعث ببراءة مع أبي بكر ، ثمّ أرسل عليّاً فأخذها منه .(5)

وفي فضائل أحمد : قال عبد الله بن عمر : ثالثة أشياء كنّ لعليّ لو كان لي واحدة منها لكانت أحبّ إليّ من حمر النعم ؛ أحدها : إعطاؤه الراية يوم خيبر ، وتزويجه فاطمة ، وسدّ أبواب .

(1) نحوه في مناقب ابن شهراشوب : 2 / 189 ، عنه البحار : 38 / 340 .
(2) فضائل الصحابة : 2 / 581 ح 985 ، مسند أحمد : 1 / 175 ، وج 4 / 369 .
(3) مناقب ابن شهراشوب ك 2 / 190 .
(4) من المناقب .
(5) مناقب ابن شهراشوب : 2 / 191 ، عنه البحار : 39 / 28 .

( 278 )

وقيل : إنّ العبّاس خرج يوم سدّ الأبواب ، وهو يبكي ويقول : سددت باب عمّك(1) وأسكنت ابن عمّك !

فقال صلى الله عليه وآله : ما أخرجتك ولا أسكنته ، ولكنّ اله أكسنه .(2)

وفي رواية أنّه قال : أمّا علي فابن عمّ رسول الله وختنه ، وهذا بيته ـ وأشار بيده إلى بيت عليّ ـ حيث ترون أمر الله تعالى نبيّه أن يبني مسجده فبنى فيه عشرة أبيات : تسعة لبنيه وأزواجه وأصحابه ، وعاشرها وهو متوسّطها لعليّ وفاطمة ، وكان ذلك في أول سنة الهجرة ؛ وقيل : كان في آخر عمر النبي صلى الله عليه وآله ، والأوّل أصح ، وبقى على كونه مفتوح الباب إلى المسجد ، ولم يزل عليّ وولده فيه إلى أيّام عبد الملك بن مروان ، فعرف الخبر فحسد القوم على ذلك واغتاظ ، وأمر بهدم الدار ، وأظهر أنّه يريد أن يزيد في المسجد ، وكان في الدار الحسن بن الحسن فقال : لا أخرج ولا اُمكّن من هدمها ، فضرب بالياط ، وتصايح الناس ، واُخرج عند ذلك ، وهدمت الدار ، وزيد في المسجد .(3)

وروى عيسى بن عبد الله أنّ دار فاطمة عليها السلام حول تربة النّبي صلى الله عليه وآله ، وبينهما حوض .(1)

وفي منهاج الكراجكي أنّه ما بين البيت الذي فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وبين الباب المحاذي لزقاق البقيع . فتح له باب وسدّ على سائر الأصحاب ، من قلع الباب كيف يُسدّ عليه الباب ؟ قلع باب الكفر من التخوم ،

(1) في الماقب : ويقول : أخرجت عمّك .
(2) مناقب ابن شهراشوب : 2 / 191 ، عنه البحار : 39 / 28 .
(3) مناقب ابن شهراشوب : 2 / 191 ـ 192 ، عنه البحار : 38 / 29 ح 11 .
(4) مناقب ابن شهراشوب : 2 / 192 ، عنه البحار : 39 / 29 .

( 279 )

فتح له أبواب من العلوم .(1)

ومن شدّة تحنّن رسول الله صلى الله عليه وآله ما رواه ابن مسعود ، قال : رأيت كفّ عليّ في كفّ رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يقبّلها فقلت : ما منزلته منك ، يا رسول الله ؟

قال : منزلتي من الله ؟(2)

وسئل النبي صلى الله عليه وآله عن بعض أصحابه فذكره بخير(3)، فقال قائل : فعليّ ؟

فقال صلى الله عليه وآله : إنّما سألتني عن الناس ، ولم تسألني عن نفسي .(4)

مَن نفسي مِن نفسه وجنسه من جنسه     وغرسه من غرسه(5) فهل له معادل ؟(6)

وروي أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله كان إذا جلس وأراد أن يقوم لا يأخذ بيده غير عليّ عليه السلام .(7)

أنساب الأشراف(8): قال رجل لابن عمر : حدّثني عن عليّ بن أبي

(1) مناقب ابن شهراشوب : 2 / 192 ، عنه البحار : 39 / 29 .
(2) مناقب ابن شهراشوب : 2 / 220 .
(3) في المناقب : فذكر فيه .
(4) مناقب ابن شهراشوب : 2 / 217 .
(5) في المناقب : وعرسه من عرسه .
(6) مناقب ابن شهراشوب : 2 / 218 . والبيت للسوسي .
(7) مناقب ابن شهراشوب : 2 / 219 ، عنه البحار : 38 / 297 .
(8) أنساب الأشراف : 2 / 180 ح 211 .

( 280 )

طالب .

قال : تريد أن تعلم ما كانت منزلته من رسول الله صلى الله عليه وآله ، فانظر إلى بيته من بيوت رسول الله صلى الله عليه وآله ، هو ذاك بيته أوسط بيوت النبي صلى الله عليه وآله .(1)

وكان النبي(2) إذا غضب لم يجترئ عليه أحد [أن](3) يكلّمه الا عليّ ، وأتاه يوماً فوجده نائماً فلم يوقظه .

لا شكّ انّ النّبي صلى الله عليه وآله كان أكبر سنّاً وأكثر(4) جاهاً من عليّ ، فلمّا كان يحترمه هذا الاحترام إمّا انّه كان من الله تعالى أو من قبل نفسه ، وعلى الحالين جميعاً أظهر للناس فضله ، وعلوّ درجته عند الله ، ومنزلته عند رسول الله صلى الله عليه وآله .(5)

وروي عن عائشة ، قالت : رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله ارتزم عليّاً وقبّله وقال : بأبي الوحيد الشهيد ، بأبي الوحيد الشهيد ، ذكره أبو يعلى الموصلي في المسند .(6)

وانّه لمّا جرح أمير المؤمنين في رأسه من ضربة عمرو بن ودّ يوم الخندق ، فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فشدّه ونفث فيه فبرأ ، فقال :

(1) مناقب ابن شهراشوب : 2 / 219 ، عنه البحار : 38 / 297 .
(2) أنساب الأشراف : 2 / 107 ح 44 .
(3) من المناقب .
(4) كذا في المناقب ، وفي الأصل : وأكبر .
(5) مناقب ابن شهراشوب : 2 / 219 ، عنه البحار : 38 / 298 .
(6) مناقب ابن شهراشوب : 2 / 220 .

( 281 )

أين أكون إذا خضبت هذه من هذه ؟(1)

وكان النبي صلى الله عليه وآله إذا لم ير(2) عليّاً قال : أين حبيب الله ، وحبيب رسوله ؟(3)

وكان أمير المؤمنين من أوثق أصحابه عنده .

روى محمد بن الحنفيّة أنّ الذي قذفت به مارية وهو خصي يقال له مابور وكان المقوقس أهداه مع مارية(4) إلى النبي صلى الله عليه وآله .

وكان(5) سبب القذف أنّ عائشة قالت لرسول الله صلى الله عليه وآله : إنّ اإبراهيم ليس منك ، وإنّه من فلان القبطي .

فبعث رسول الله صلى الله عليه وآله عليّاً عليه السلام وأمره بقتله ، فلمّا رأى عليّاً وما يريد به تكشّف حتى يتبيّن لعليّ أنّه أجبّ لا شيء له ممّا يكون للرجال ، فكفّ عليه السلام عنه .(6)

وفي خبر أنّه كان ابن عمّ مارية(7)، فأرسل عليّاً ليقتله ، فقال أمير المؤمنين : يا رسول الله ، أكون في أمرك كالسكّة المحماة ـ وفي رواية : أو المسمار المحمى ـ ولا يثنيني شيء حتى أمضي لما أمرتني به ، أو الحاضر يرى ما يرى الغائب .

(1) مناقب ابن شهراشوب : 2 / 220 .
(2) في المناقب : يلق .
(3) مناقب ابن شهراشوب : 2 / 221 .
(4) في المناقب : الجاريتين .
(5) تفسير القمّي : 2 / 318 ، عنه البحار : 22 / 153 ح 8 .
(6) مناقب ابن شهراشوب : 2 / 225 .
(7) أي الذي قُذفت به .

( 282 )

فقال صلى الله عليه وآله : الحاضر يرى(1) ما لا يرى الغائب .

قال أمي المؤمنين : فأقبلت متوشّحاً بالسيف فوجدته عندها ، فاخترطت السيف ، فلمّا أقبلت نحوه عرف أنّي اُريده فأتى نخلة فرقى فيها ، ثمّ رمى بنفسه على قفاه وشغر برجليه ، وإذا به أجبّ أمسح ماله ممّا للرجال قليل ولا كثير ، فأغمدت سيفي ، وأتيت رسول الله صلى الله عليه وآله فأخبرته ، فقال : الحمد لله الذي يصرف عنّا أهل البيت .(2)

ودعا له رسول الله صلى الله عليه وآله في عدّة مواضع : في قوله يوم الغدير : اللهم وال من والاه .

ودعا له يوم خيبر : اللهم قه الحرّ والبرد .

ودعا له يوم المباهلة : اللهم هؤلاء أهل بيتي وخاصّتي ، فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا .

ودعا له لمّا مرض : اللهم عافه واشفه . وغير ذلك ، ودعا له بالنصر والولاية ، والولاية لا تجوز الا لوليّ الأمر ، فبان بذلك إمامته .(3)

وفي أمالي الشيخ أبي جعفر بن بابويه رضي الله عنه في خبر طويل أنّ النبي صلى الله عليه وآله كان يوماً جالساً ، فقال : يا معاشر أصحابي : أيّكم ينهض إلى ثلاثة نفر آلوا(4) باللات والعزّى ليقتلوني ، وقد كذبوا وربّ الكعبة ؟ فأحجم الناس .

(1) في المناقب : بل الشاهد قد يرى .
(2) مناقب ابن شهراشوب : 2 / 225 ، وزاد فيه : الامتحان .
(3) مناقب ابن شهراشوب : 2 / 226 ، عنه البحار : 38 / 303 ح 5 .
(4) أي حلفوا .

( 283 )

فقال : ما أحسب عليّاً فيكم . فاُخبر أمير المؤمنين عليه السلام بذلك ، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وآله ، وقال : أنا وحدي لهم سريّة ، يا رسول الله ، فعمّمه ودرّعه وقلّده سيفه وأركبه فرسه .

فخرج أمير المؤمنين صلوات الله عليه فمكث ثلاثة أيّام لا يصل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله منه خبر لا من السماء ولا من الأرض ، فأقعدت فاطمة عليها السلام الحسن والحسين عليهما السلام على وركيها ، وهي تقول : يوشك أن تؤتم هذين الغلامين .

فأسبل النبي صلى الله عليه وآله عينيه يبكي ، ثم قال : معاشر الناس ، من يأتيني بخر علي فاُبشّره بالجنّة .

فافترق الناس في طلبه ، وأقبل عامر(1) بن قتادة يبشّر بعليّ ، فأقبل أمير المؤمنين عليه السلام ومعه أسيران ، ورأس ، وثلاثة أبعرة ، وثلاثة أفراس ، وقال : لمّا صرت في الوادي رأيت هؤلاء ركباناً على الأباعر ، فنادوني : من أنت ؟

فقلت : أنا علي بن أبي طالب ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله ، فشدّ عليّ هذا المقتول ودارت(2) بيني وبينه ضربات ، وهبّت ريح حمراء سمعت صوتك فيها ـ يا رسول الله ـ وأنت تقول : قطعت لك جربّان(3) درعه ، فضربته ، فلم أحفه(4) ، ثم هبّت ريح صفراء سمعت صوتك فيها وأنت تقول : قلبت لك

(1) كذا في جميع المصادر ، وفي الأصل : عمرو .
(2) كذا في المناقب ، وفي الأصل : وثارت .
(3) جريّان : جيب القميص .
(4) الإحفاء : المبالغة في الأخذ . وفي الأمالي : أخفه : أي لم أخف السيف في بدنه .

( 284 )

الدرع عن فخذه ، فضربته ووكزته(1)، فقال الرجلان : صاحبنا هذا كان يعدّ بألف فارس فلا تعجل علينا ، وقد بلغنا أنّ محمّداً رفيق شفيق رحيم فاحملنا إليه.

فقال النبي صلى الله عليه وآله : أمّا الصوت الأول فصوت جبرئيل ، والآخر فصوت ميكائيل ، فعرض النبي عليهما الإسلام فأبيا ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله بقتلهما ، فقتل أحدهما بعد أن عرض عليه الإسلام وأبى ، وقال [الآخر](2): الحقني بصاحبي ، فهمّ أمير المؤمنين صلوات الله عليه بقتل الآخر ، فهبط جبرائيل وقال لرسول الله صلى الله عليه وآله : لا تقتله ، فإنّه حسن الخلق ، سخيّ في قومه .

فقال النبي : يا علي ، أمسك ، فإنّ هذا رسول الله جبرئيل يخبرني انّه سخيّ في قومه ، حسن الخلق .

فقال الرجل : والله ما ملكت مع أخ لي درهماً قط ، ولا قطبت(3) وجهي في الحرب(4)، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله ، وأنّ محمدا رسول الله .(5)

ومن قوّته وشدّته انّه قلع باب خيبر .

روى أحمد بن حنبل ، عن مشيخته ، عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وآله دفع الراية إلى عليّ صلوات الله عليه يوم خيبر بعد أن دعا له ،

(1) الوكز : الضرب بجمع الكف والطعن والدفع .
(2) أثبتناه لما يتطلّبه المقام .
(3) القطوب : العبوس .
(4) في الخصال : الجدب ، ولعلّه الأنسب . والجَدب : القحط .
(5) أمالي الصدوق : 93 ح 4 ، الخصال : 94 ح 41 ، عنهما البحار : 41 / 73 ح 4 ، وج 71 / 390 ح 49 .
وأخرجه في مناقب ابن شهراشوب : 2 / 236 ، وحلية الأبرار : 2 / 88 ح 3 عن الأمالي .

( 285 )

فجعل يسرع السير وأصحابه يقولون له : ارفق ، حتى انتهى إلى الحصن فاجتذب بابه والقاه على الأرض ، ثم اجتمع منّا سبعون رجلاً وكان جهدهم أن أعادوا الباب .(1)

أبو عبد الله الحافظ بإسناده إلى أبي رافع : لمّا دنا عليّ من القموص أقبلوا يرمونه بالنبل والحجارة ، فحمل حتى دنا من الباب فاقتلعه ، ثم رمى به خلف ظهره أربعين ذراعاً ، ولقد تكلّف حمله أربعون رجلاً فما أطاقوا .(2)

وروى أبو القاسم محفوظ(3) البستي في كتاب الدرجات أنّ أمير المؤمنين بعد أن قتل مرحب حمل على القوم فانهزموا إلى الحصن ، فتقدّم إلى باب الحصن وضبط حلقته ـ وكان وزنها أربعين منّاً ـ وهزّ الباب ، فارتعد الحصن بأجمعه حتى ظنّوا زلزلة ، ثم هزّة اُخرى فقلعه ، ودحا به في الهوى أربعين ذراعاً .(4)

أبو سعيد الخدري : [وهزّ حصن خيبر حتى](5) قالت صفيّة : كنت جالسة على طاق كما تجلس العروس ، فوقعت على وجهي ، فظننت الزلزلة ؛ فقيل : هذا عليّ قد هزّ الحصن يريد أن يقل

( 286 )

وضبط بيده الطرف الآخر ، حتى عبر الجيش وكانوا ثمانية آلاف [وسبعمائة رجل ، وفيهم من كان يتردّد ويخف عليه](1).(2)

روض الجنان : قال بعض الصحابة : ما عجبنا يا رسول الله من قوّته في حمله ورميه ، وإنّما عجبنا من إجساره وإحدى طرفيه على يده !

فقال النبي صلى الله عليه وآله كلاماً معناه : يا هذا ، نظرت إلى يده فانظر إلى رجليه .

قال : فنظرت إلى رجليه فوجتهما معلّقتين(3) في الهواء ، فقلت : هذا أعجب [رجلاه](4) على الهواء !

فقال النبي صلى الله عليه وآله : ليستا على الهواء وإنّما هما على جناحي(5) جبرائيل .(6)

وأمّا توجّهه إلى الله وإقباله بقلبه وكلّيته عليه ، وإعراضه عن الدنيا فلا يختلف فيه أحد .

تفسير وكيع وعطاء والسدّي : انّه قال ابن عبّاس : اُهدي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ناقتان سمينتان عظيمتان ، فقال لأصحابه : هل فيكم أحد يصلّي ركعتين بقيامهما وركوعهما وسجودهما ووضوئهما وخشوعهما لا يهتمّ فيهما من أمر الدنيا بشيء ، ولا يحدّث قلبه بفكر الدنيا أهدي إليه إحدى

(1) من المناقب .
(2) مناقب ابن شهراشوب : 2 / 294 ، عنه البحار : 41 / 280 .
(3) كذا في المناقب ، وفي الأصل : فوجدتها متعلّقتين .
(4) من المناقب .
(5) كذا في المناقب ، وفي الأصل : جناح .
(6) مناقب ابن شهراشوب : 2 / 295 ، عنه البحار : 41 / 281 .

( 287 )

الناقتين ؟

فقال لهم مرّة بعد مرّة ، فلم يجبه أحد من الصحابة ، فقام امير المؤمنين صلوات الله عليه ، فقال : أنا ـ يا رسول الله ـ اُصلّي ركعتين اُكبّر التكبيرة الاولى وإلى أن اُسلّم منهما ، لا اُحدّث نفسي بشيء من أمر الدنيا .

فقال : يا علي ، صلِّ صلى الله عليك ، فكبّر أمير المؤمنين ودخل في الصلاة ، فلمّا سلّم من الركعتين هبط جبرئيل : وقال : يا رسول الله ، إنّ الله يقرئك السلام ، ويقول : أعط عليّاً إحدى الناقتين .

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : إنّي شارطته أن يصلّي ركعتين لا يحدّث [فيهما](1) نفسه بشيء من الدنيا ، وإنّه جلس في التشهد ففكّر في نفسه أيّهما يأخذ .

فقال جبرائيل : إنّ الله يقرئك السلام ، ويقول لك : إنّه تفكّر أيّهما يأخذ ، أسمنهما وأعظمهما فينحرها ويتصدّق بها لوجه الله ، فكان تفكّره لله عز وجل لا لنفسه [ولا للدنيا](2)، فبكى رسول الله صلى الله عليه وآله وأعطاه كلتيهما ، وأنزل الله فيه : «إِنّ فِي ذلِكَ لَذِكْرَى‏ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ»(3) أي يستمع أمير المؤمنين باُذنيه إلى ما تلاه بلسانه من كلام الله ، لا يتفكّر(4) بشيء من أمر الدنيا ، بمعنى أنّه حاضر القلب في صلاته لله .(5)

(1 و2) من المناقب .
(3) سورة ق: 37 .
(4) كذا في المناقب ـ بتصرّف ـ ، وفي الأصل : يسمع باُذنيه إلى ما تلاه لسانه لا يتفكّر .
(5) مناقب ابن شهراشوب : 2 / 20 ، عنه تأويل الآيات : 2 / 612 ح 8 ، والبرهان : 4 / 228 ح 3 .
وأخرجه في البحار : 36 / 161 ح 142 من التأويل .

( 288 )

وأمّا سبقه بالعلم ، فروى مقاتل بن سليمان ، عن الضحّاك ، عن ابن عبّاس في قوله(1) تعالى : «إِنّمَا يَخْشَى اللّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ»(2) قال : كان عليّ يخشى الله ويراقبه ، ويعمل بفرائضه ، ويجاهد في سبيله .(3)

وروي من طريق الخاصّة والعامّة أنّهم قالوا في قوله تعالى : «قُلْ كَفَى بِاللّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ»(4) هو عليّ بن أبي طالب عليه السلام.

وزعم بعض الناصبة أنّ هذه الآية نزلت في عبد الله بن سلام فيقال له : إنّ السورة مكّيّة ، وعبد الله بن سلام لم يسلم الا بعد أن هاجر النبي المدينة .

وروي عن ابن عبّاس : لا والله ما هو إلا علي بن أبي طالب عليه السلام .(5)

وقد ظهر علمه على سائر الصحابة بالأدلّة الساطعة والحجج القاطعة .

قال الجاحظ : اجتمعت الاُمّة [على](6) أنّ الصحابة كانوا يأخذون العلم عن أربعة : عليّ ، وابن عبّاس ، وابن مسعود ، وزيد بن ثابت ، وقالت طائفة : وعمر بن الخطّاب ، ثم أجعوا [على](7) أنّ الاربعة كانوا أقرأ من

(1) كذا في المناقب ، وفي الأصل : فروى سليمان ، عن الضحّاك في قوله .
(2) سورة فاطر : 28 .
(3) مناقب ابن شهراشوب : 2 / 28 ، عنه البحار : 40 / 145 ح 53 .
(4) سورة الرعد : 43 .
(5) مناقب ابن شهراشوب : 2 / 29 ، عنه البحار : 40 / 146 ، وتفسير البرهان : 2 / 304 ح 20 و22 ، وينابيع المعاجز : 19 .
(6 و7) من المناقب .

( 289 )

عمر لكتاب الله .

وقال النبي صلى الله عليه وآله : يؤمّ القوم أقرأهم لكتاب الله ، فسقط عمر .

ثمّ أجمعوا على قول النبي صلى الله عليه وآله : الأئمّة من قريش ، فسقط ابن مسعود وزيد ، وبقي علي وابن عباس إذ كانا عالمين فقيهين قرشيّين فأكبرهما سنّاً وأقدمهما هجرة علي ، فسقط ابن عبّاس وبقي عليّ أحقّ بالإمامة بالاجماع .

وكانوا يسألونه ولا يسأل هو أحداً . وقال النبي صلى الله عليه وآله : إذا اختلفتم في شيء فكونوا مع عليّ بن أبي طالب عليه السلام .(1)

قال صاحب كشف الغمّة رضي الله عنه كلاماً معناه : انّ الجاحظ كان عثمانيّاً شديد الانحراف عن أمير المؤمنين ، ولكنّ الله ألقى على لسانه الحقّ ، والفضل ما شهدت به الأعداء ، ولو كان مع هذا الاعتراف معتقداً فضل أمير المؤمنين باطناً ظاهراً تراكاً لطريق التعصّب والضلال ، مستمسكاً بدليل العقل والنقل لكان من أسعد الخلق ، وهذا الكلام حجّة عليه فقد يهتدي به ، ويحتجّ بصحّة استنباطه ، ويستضيء بواضح أدلّته من ليس له قدرة علىاستنباط الأدلّة من مظانّها ، فيكون ذلك سبباً لتصحيح عقيدته ، وإزاحة شكّه ، فيكون من الفائزين المنتظمين في سلك أصحاب السعادة الدائمة ، نعوذ بالله من سلوك طريق الهوى ، والتسايب عن سيبل الهدى .

احرم فيكم(2) بما أقول وقد     نال به العاشقون من عشقوا

(1) مناقب ابن شهراشوب : 2 / 29 ، عنه البحار : 40 / 146 .
(2) في الكشف : منكم .

( 290 )

صرت كأنّي ذبالة(1) نصبت     تضيء للناس وهي تحترق(2)

قال ابن عباس : عليّ علم علماً علّمه رسول الله صلى الله عليه وآله ، ورسول الله علّمه الله ، فعلم النبيّ من علم الله(3)، وعلم عليّ من علم النبيّ ، وعلمي من علم عليّ ، وما علمي وعلم أصحاب محمد في علم عليّ الا كقطرة في سبعة أبحر .(4)

قال ابن عبّاس : اُعطي علي عليه السلام تسعة أعشار العلم ، وإنّه لأعلم بالعشر الباقي .(5)

أمالي الطوسي(6) : مرّ أمير المؤمنين بملأ فيهم سلمان ، فقال سلمان : قوموا فخذوا بحجزة هذا ، فوالله لا يخبركم بسرّ نبيّكم صلى الله عليه وآله أحد غيره .(7)

قال محمد بن المنذر(8): سمعت أبا اُمامة يقول : كان علي عليه السلام إذا قال شيئاً لم نشكّ فيه ، وذلك انّا سمعنا رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : خازن سرّي [بعدي](9) عليّ بن أبي طالب عليه السلام .(10)

(1) الذبالة : الفتيلة .
(2) كشف الغمّة : 1 / 39 ـ 40 .
(3) كذا في المناقب ، وفي الأصل : علي .
(4) مناقب ابن شهراشوب : 2 / 30 ، عنه البحار : 40 / 147 .
(5) مناقب ابن شهراشوب : 2 / 30 ـ وفيه : لأعلمهم ـ ، عنه البحار : 40 / 147 .
(6) أمالي الطوسي : 1 / 124 ، عنه البحار : 40 / 131 ح 9 .
(7) مناقب ابن شهراشوب : 2 / 30 .
(8) أمالي الصدوق : 440 ح 18 ـ وفيه : محمد بن المنكدر ـ ، عنه البحار : 40 / 184 ح 66 .
(9) من المناقب .
(10) مناقب ابن شهراشوب : 2 / 30 .

( 291 )

وقد اشتهر عن أبي بكر أنّه قال : فإذا استقمت فاتّبعوني ، وإذا زغت فقوّموني ، وقوله : أمّا الفاكهة فأعرفها ، وأمّا الأب فالله أعلم ، وقوله في الكلالة : [أقول فيها برأيي ، فإن أصبت فمن الله ، وإن أخطأت فمنّي ومن الشيطان ، الكلالة :](1) ما دون الوالد والولد .(2)

وعن النبي صلى الله عليه وآله : اُعطي عليّ من الفضل جزءاً لو قسّم على اهل الارض لوسعهم .(3)

حلية الأولياء(4): عن النبي صلى الله عليه وآله أنّه سئل عن علي عليه السلام ، فقال : قسّمت الحكمة عشرة أجزاء ، اُعطي عليّ تسعة أجزاء ، والناس جزءاً واحداً .(5)

أبان بن تغلب(6)، والحسين بن معاوية ، وسليمان الجعفري [وإسماعيل ابن عبد الله بن جعفر](7)، كلّهم رووا عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام ، قال : لمّا حضرت رسول الله صلى الله عليه وآله الوفاة دخل عليه عليّ عليه السلام فأدخل رأسه معه ، ثم قال له : يا علي ، إذا متّ فغسّلني وكفّنّي وأقعدني واسألني واكتب .

[تهذيب الأحكام(8): فخذ بمجامع كفني وأجلسني ، ثمّ اسألني عمّا

(1 و7) من المناقب .
(2) مناقب ابن شهراشوب : 2 / 32 ، عنه البار : 40 / 149 .
وانظر الغدير : 7 / 104 وما بعدها .
(3 و5) مناقب ابن شهراشوب : 2 / 32 ، عنه البحار : 40 / 149 .
(4) حلية الأولياء : 1 / 65 .
(6) الكافي : 1 / 297 ح 8 .
(8) تهذيب الأحكام : 1 / 435 ذح 42 .

( 292 )

شئت](1) فوالله لا تسألني عن شيء الا أجبتك فيه .

قال أمير المؤمنين : ففعلت فأنبأني بما هو كائن إلى يوم القيامة .(2)

وروى الشيخ الجليل أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمّي رضي الله عنه في أماليه بإسناد متّصل إلى الأصبغ بن نباتة : [قال :](3) لمّا جلس أمير المؤمنين عليه السلام في الخلافة وبايعه الناس ظاهراً خرج إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله متعمّماً بعمامة رسول الله صلى الله عليه وآله ، لابساً بردة رسول الله ، متنعّلاً نعل رسول الله ، متقلّداً سيف رسول الله صلى الله عليه وآله ، فصعد المنبر وجلس عليه متمكّناً(4) ، ثم شبك بين أصابعه فوضعها أسفل بطنه ، ثم قال : يا معشر الناس ، سلوني(5) قبل(6) أن تفقدوني ، هذا سفط العلم ، هذا لعاب رسول الله صلى الله عليه وآله ، هذا ما زقّني رسول الله زقّاً زقّاً .

سلوني فإنّ عند يعلم الأوّلين والآخرين ، أما والله لو ثنيت لي الوسادة فجلست عليها لأفتيت أهل [التوراة بتوراتهم حتى تنطق التوراة فتقول : صدق عليّ ما كذب ، لقد أفتاكم بما أنزل الله فيَّ ، وأفتيت أهل](7) الإنجيل بإنجيلهم حتى ينطق الله الإنجيل فيقول : صدق عليّ وما كذب ، لقد أفتاكم بما أنزل الله فيّ ، وأفتيت أهل القرآن بقرآنهم حتى ينطق الله القرآن فيقول : صدق عليّ وما كذب ، لقد أفتاكم بما اُنزل فيّ ، وأنتم تتلون القرآن ليلاً ونهاراً فهل فيكم أحد

(1) من المناقب .
(2) مناقب ابن شهراشوب : 2 / 37 ، عنه البحار : 40 / 152 .
(3 و7) من الأمالي .
(4) في الأمالي : متحنّكاً .
(5) كذا في الأمالي ، وفي الأصل : اسألوني ، وكذا في الموضع الآتي .
(6) كذا في الأمالي ، وفي الأصل : من قبل .

( 293 )

يعلم ما نزل فيه ؟ ولولا آية في كتاب الله سبحانه لأخبرتكم بما كان [وبما يكون](1) وبما هو كائن إلى يوم القيامة ، وهي هذه الآية : «يَمْحُوا اللّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمّ الْكِتَابِ»(2) .

ثم قال صلوات الله عليه : سلوني قبل أن تفقدوني ، فوالذي فلق الحبّة ، وبرأ النسمة ، لو سألتموني عن آيةٍ آية في ليل اُنزلت أم في النهار ، مكّيّها ومدنيّها ، سفريّها وحضريّها ، ناسخها ومنسوخها ، ومحكمها ومتشابهها ، وتأويلها وتنزيلها ، لأخبرتكم به .

فقام إليه رجل يقال له ذِعلب وكان ذرب اللسان(3)، بليغاً في الخطب ، شجاع القلب ، فقال : لقد ارتقى ابن أبي طالب مرقاة صعبة لأخجلنّه اليوم لكم في مسألتي إيّاه ، فقال : يا أمير المؤمنين : هل رأيت ربّك ؟

قال : ويلك يا ذعلب لم أكن بالذي أعبد ربّاً لم أره .

قال : فكيف رأيته ؟ صفه لنا .

قال : ويلك يا ذعلب ، لم تره العيون بمشاهدة الأبصار ، ولكن تراه(4) القلوب بحقائق الإيمان .

ويلك يا ذعلب ، إنّ ربّي لا يوصف بالعبد ، ولا بالحركة ، ولا بالسكون ، ولا بقيام قيام انتصاب ، ولا بجيئة ولا ذهاب ، لطيف اللطافة لا يوصف باللطف ، عظيم العظمة لا يوصف بالعظم ، كبير الكبرياء لا يوصف بالكبر ، جليل الجلالة لا

(1) من الأمالي .
(2) سورة الرعد : 39 .
(3) لسان ذرب : فصيح ، فاحش .
(4) في الأمالي : رأته .

( 294 )

يوصف بالغلظ ، رؤوف الرحمة لا يوصف بالرقّة ، مؤمن لا بعبادة ، مدرك لا بمجسّة(1)، قائل لا بلفظ ، هو في الأشياء على غير ممازجة ، خارج منها [على](2) غير مباينة ، فوق كلّ شيء لا يقال : شيء فوقه ، أمام كلّ شيء ولا يقال : له أمام(3)، داخل في الأشياء لا كشيء في شيء داخل ، وخارج من الاشياء لا كشيء من شيء خارج .

فخرّ ذعلب مغشيّاً عليه ، ثم قال : ما سمعت بمثل هذا الجواب ، والله لا عدت إلى مثلها .

ثمّ نادى صلوات الله عليه : سلوني قبل أن تفقدوني .

فقام إليه الأشعث بن قيس ، فقال : يا أمير المؤمنين ، كيف تؤخذ الجزية من المجوس ، ولم ينزل عليهم كتاب ، ولا بعث الله فيهم نبيّاً ؟

فقال : بلى ، يا أشعث ، قد أنزل الله عليهم كتاباً ، وبعث فيهم(4) نبيّاً ، وكان [لهم](5) ملك سرك ذات ليلة فدعا بابنته إلى فراشه فارتكبها ، فلمّا أصبح تسامع به قومه فاجتمعوا إلى بابه ، فقالوا : أيها الملك ، دنّست علينا ديننا فأهلكته ، فاخرج نطهّرك ونقيم عليك الحدّ .

فقال لهم : اجتمعوا واسمعوا كلامي ، فإن يكن لي مخرج ممّا ارتكبت والا فشأنكم ، فاجتمعوا .

فقال لهم : هل علمتم أنّ الله سبحانه لم يخلق خلقاً أكرم عليه من أبينا آدم

(1) المجسّة : موضع اللمس . أي مدرك لا بالحواسّ .
(2 و5) من الأمالي .
(3) كذا في الأمالي ، وفي الأصل : ولا يقام به امام .
(4) في الأمالي : إليهم .

( 295 )

واُمّنا حوّاء ؟ قالوا : لا .(1) قال : أفليس قد زوّج بنيه من بناته وبناته من بنيه ؟

قالوا : صدقت ، هذا هو الدين ، فتعاقدوا على ذلك ، فمحا الله ما في صدورهم من العلم ، ورفع عنهم الكتاب ، فهم الكفرة يدخلون النار بغير حساب ، والمنافقون أشدّ حالاً منهم .(2)

فقال الأشعث : والله ما سمعت بمثل هذا الجواب ، والله لا عدت إلى مثلها أبداً .

ثمّ نادى صلوات الله عليه : سلوني قبل أن تفقدوني .

فقالم إليه رجل من أقصى المسجد متوكّئاً على عكازة ، فلم يزل يتخطّى الناس حتى دنا منه ، فقال : يا أمير المؤمنين ، دلّني على عملٍ إذا أنا عملته نجّاني الله من النار .

قال : يا هذا ، اسمع ، ثمّ افهم ، ثمّ استيقن ، قامت الدنيا بثلاثة : بعالم ناطق مستعمل لعلمه ، وبغنيّ لا يبخل بماله على أهل دين الله عز وجل ، وبفقير صابر ، فإذا كتم العالم علمه ، وبخل الغني ، ولم يصبر الفقير ، فعندها الويل والثبور ، وعندها يعرف العارفون بالله إنّ الدار قد رجعت إلى بدئها ـ أي إلى الكفر بعد الإيمان ـ .

أيها السائل ، لا تغترّنّ بكثرة المساجد ، وجماعة أقوام أجسادهم

(1) في الأمالي : قالوا : صدقت أيّها الملك .
(2) هنا تعريض بالسائل لأنّه كان منهم .

( 296 )

مجتمعة وقلوبهم شتّى . أيها الناس ، إنّما الناس ثلاثة : زاهد ، وصابر ، وراغب . فأمّا الزاهد فلا يفرح بشيء من الدنيا أتاه ، ولا يحزن على شيء منها فاته . وأمّا الصابر فيتمنّاها بقلبه ، فإذا أدرك منها شيئاً صرف [عنها](1) نفسه لما يعلم من سوء عاقبتها .

وأمّا الراغب فلا يبالي من حلّ أصابها أم من حرام .

قال : يا أمير المؤمنين ، فما علامة المؤمن في ذلك الزمان ؟

قال : ينظر إلى ما أوجب الله عليه من حقّ فيتولّاه ، وينظر إلى ما خالفه فيتبرّأ منه ، وإن كان المخالف حبيباً قريباً .

قال : صدقت والله ، يا أمير المؤمنين ، ثمّ غاب الرجل فلم نره ، فطلبه الناس فلم يجدوه ، فتبسّم عليه السلام على المنبر ، ثم قال : ما لكم ؟ هذا أخي الخضر عليه السلام .

ثمّ نادى : سلوني قبل أن تفقدوني ، فلم يقم إليه أحد ، فحمد الله وأثنى عليه ، وصلى على النبي صلى الله عليه وآله ، ثم قال للحسن : قم يا حسن ، فاصعد المنبر ، وتكلّم بكلام لا تجهلك قريش بعدي فيقولون : إنّ الحسن لا يحسن شيئاَ .

قال الحسن : كيف أصعد وأتكلّم وأنت حاضر في الناس تسمع وترى ؟

قال : بأبي أنت واُمّي اُواري نفسي عنك ، وأسمع وأرى ولا تراني .

(1) من الأمالي .

( 297 )

فصعد الحسن عليه السلام المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه بمحامد بليغة ، وصلى على النبي وآله صلاة موجزة ، ثم قال : أيها الناس ، سمعت جدّي رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : أنا مدينة العلم وعليّ بابها ، وهل تدخل المدينة الا من بابها ، ثمّ نزل .

فوثب إليه أمير المؤمنين عليه السلام فضمّه إلى صدره .

ثم قال للحسين عليه السلام : قم يا بنيّ فاصعد المنبر ، وتكلّم بكلام لا تجهلك قريش بعدي ، فيقولون : إنّ الحسين لا يحسن(1) شيئاً ، وليكن كلامك تبعاً لكلام أخيك .

فصعد الحسين عليه السلام المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ، وصلى على النبي [وآله](2) صلاة موجزة ، ثم قال : معاشر الناس ، سمعت جدّي رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : إنّ عليّاً مدينة هدى من دخلها نجى ، ومن تخلّف عنها هلك ، فنزل .

فوثب إليه أمير المؤمنين عليه السلام فضمّه إلى صدره وقبّله ، ثم قال : أيها الناس ، اشهدوا أنّهما فرخا رسول الله صلى الله عليه وآله ووديعته التي استودعنيها ، وأن أستودعكموها ـ معاشر الناس ـ ورسول الله صلى الله عليه وآله مسائلكم عنها(3).(4)

(1) في الأمالي : لا يبصر .
(2) من الأمالي .
(3) في الأمالي : سائلكم عنها .
(4) الأمالي للصدوق : 280 ح 1 ، التوحيد : 304 ح 1 ، الاختصاص : 235 ، الاحتجاج : 258 ، عنها البحار : 10 / 117 ح 1 .
وأخرج قطعات منه في البحار : 4 / 97 ح 4 ، وج 14 / 461 ح 26 ، وج 70 / 8 ح 1 .

( 298 )

ومن عجيب أمره صلوات الله عليه في هذا الباب أنّه لا شيء من العلوم الا وأهله يجعلون عليّاً قدوة فيه ، فصار قوله قبلة في الشريعة .(1)

أبو نعيم في الحلية(2)، والخطيب في الأربعين : بالإسناد عن السدّي ، عن عبد خير(3)، عن علي عليه السلام ، قال : لمّا قبض الله رسول الله صلى الله عليه وآله أقسمت ـ أو حلفت ـ أن لا أضع ردائي عن ظهري حتى أجمع ما بين اللوحين ، فما وضعت ردائي حتى جمعت القرآن .(4)

وفي أخبار أهل البيت عليهم السلام أنّه آلى أن لا يضع رداءه على عاتقه الا للصلاة حتى يؤلّف القرآن ويجمعه ، فانقطع عنهم مدّة إلى أن جمعه ، فخرج إليهم به في إزار يحمله وهم مجتمعون في المسجد ، فأنكروا مصيره بعد انقطاعه(5)، فقالوا : لأمر ما جاء أبو الحسن(6)، فلمّا توسّطهم وضع الكتاب بينهم ، ثمّ قال : إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله قال : إنّي مخلّف فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا ؛ كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، وهذا كتاب الله وأن العترة .

فقام إليه الثاني ، فقال : إن يكن عندك قرآن فعندنا مثله ، فلا حاجة لنا فيكما ، فحمل صلوات الله عليه الكتاب وعاد به بعد أن ألزمهم الحجّة .(7)

وعن الصادق عليه السلام أنّه حمله وولّى راجعاً وهو يقول : «فَنَبَذُوهُ

(1) مناقب ابن شهراشوب : 2 / 40 ، عنه البحار : 40 / 154 ، وج 92 / 51 ح 18 .
(2) حلية الأولياء : 1 / 67 .
(3) كذا في المناقب والحلية ، وفي الأصل : الحسين .
(4) مناقب ابن شهراشوب : 2 / 41 ، عنه البحار : 40 / 155 ، وج 92 / 52 .
(5) في المناقب : بعد انقطاع مع البته ، والالبة : الجماعة .
(6) في المناقب : الأمر ما جاء به أبو الحسن .
(7) مناقب ابن شهراشوب : 2 / 41 ، عنه البحار : 40 / 155 ، وج 92 / 52 .

( 299 )

 وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ»(1).(2)

فأمّا ما روي أنّه جمعه أبو بكر وعمر وعثمان فإنّ أبا بكر قال ـ لمّا التمسوا منه أن يجمع القرآن ـ : كيف أفعل شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وآله ولا أمرني به ؟(3)

رواه البخاري في صحيحه .(4)

ومنهم العلماء بالقراءات(5)، وكان عليّ أعلم الصحابة بالقراءات(6) حتى انّ القرّاء السبعة إلى قراءته يرجعون .

فأمّا حمزة والكسائي فيعوّلان على قراءة علي عليه السلام وابن مسعود ، وليس مصحفهما مصحف ابن مسعود ، فهما إنّما يرجعان إلى عليّ ويوافقان ابن مسعود فيما يجري مجرى الاعراب ، وقد قال ابن مسعود : ما رأيت أحداً أقرأ من عليّ بن أبي طالب للقرآن .

فأمّا نافع وابن كثير وأبو عمرو فمعظم قراءتهم ترجع إلى ابن عبّاس ، وقرأ ابن عباس على علي عليه السلام .

وأمّا عاصم فقرأ على أبي عبد الرحمان السلمي ، وقال أبو عبد الرحمان : قرأت القرآن كلّه على عليّ بن أبي طالب ، فقالوا : أفصح القراءات قراءة عاصم،

(1) سورة آل عمران : 187 .
(2) مناقب ابن شهراشوب : 2 / 41 ، عنه البحار : 40 / 156 ، وج 92 / 52 .
(3) مناقب ابن شهراشوب : 2 / 42 ، عنه البحار : 40 / 156 ، وج 92 / 53 .
(4) صحيح البخاري : 6 / 225 .
(5) كذا في المناقب ، وفي الأصل : بالقرآن .
(6) كذا الأنسب في المقام ، وفي الأصل : بالقرآن .

( 300 )

لأنّه أتى بالأصل ، وذلك أنّه يظهر ما أدغم هغيره ، ويحقّق من الهمز ما سهّله(1) غيره ، ويفتح من الألفات ما أماله غيره .

والعدد الكوفي في القرآن منسوب إلى عليّ صلوات الله عليه ، وليس في الصحابة من ينسب إليه العدد غيره(2)، وإنّما كتب الناس العدد عن التابعين من أهل الأمصار(3).(4)

ومنهم المفسرون كعبد الله بن العباس ، وعبد الله بن مسعود ، واُبيّ بن كعب ، وزيد بن ثابت ، وهم معترفون له بالتقدّم .

تفسير النقّاش : قال ابن عبّاس : جُلّ ما تعلّمت من التفسير من علي بن أبي طالب عليه السلام .

وقال ابن مسعود : اُنزل القرآن(5) على سبعة أحرف ، ما منها الا وله ظهر وبطن ، وإنّ عليّ بن أبي طالب عليه السلام علم الباطن والظاهر .(6)

فضائل العكبري : قال الشعبيّ : ما أحد أعلم بكتاب الله بعد نبيّ الله من عليّ بن أبي طالب عليه السلام .(7)

(1) في المناقب : ما ليّنه .
(2) حيث ان عدد أهل المدينة منسوب إلى أبي جعفر يزيد بن القعقاع القارئ وشيبة بن نصّاح وإسماعيل بن جعفر ، وعدد أهل البصرة منسوب إلى عاصم بن أبي الصباح الجحدري وأيّوب بن المتوكّل ، وعدد أهل مكّة منسوب إلى مجاهد وإسماعيل المكّي ، وعدد أهل الشام منسوب إلى عبد غالله بن عامر ، انظر «زبدة التفاسير لفتح الله الكاشاني : 2 ـ مخطوطـ» .
(3) في المناقب : وإنّما كتب عدد ذلك كلّ مصر عن بعض التابعين .
(4) مناقب ابن شهراشوب : 2 / 42 ، عنه البحار : 40 / 156 ، وج 92 / 53 .
(5) في المناقب : جلّ ما تعلّمت ... من عليّ بن أبي طالب وابن مسعود ، انّ القرآن اُنزل .
(6 و7) مناقب ابن شهراشوب : 2 / 43 ، عنه البحار : 40 / 157 .

( 301 )

تاريخ البلاذري وحلية الأولياء(1): قال أمير المؤمنين عليه السلام : والله ما نزلت آية الا وقد علمت فيما نزلت وأين نزلت ، أبليل نزلت أم بنهار نزلت ، في سهل أو جبل ، إنّ ربّي وهب لي قلباً عقولاً ولساناً سؤولاً .

قوت القلوب : قال علي عليه السلام : لو شئت لأوقرت سبعين بعيراً في تفسير الفاتحة .(2)

ومنهم الفقهاء وهو أفقههم ، فإنّه ما ظهر عن جميعهم ما ظهر عنه ، ثمّ إنّ جميع فقهاء الأمصار إليه يرجعون ، ومن بحره يغترفون .

أمّا أهل الكوفة ففقهاؤهم : سفيان الثوريّ ، والحسن بن صالح بن حيّ ، وشريك بن عبد الله ، وابن أبي ليلى ، وهؤلاء يفرّعون المسائل ويقولون : هذا قياس قول عليّ بن أبي طالب ، ويترجمون الأبواب بذلك .

وأمّا أهل البصرة ففقهاؤهم : الحسن ، وابن سيرين ، وكلاهما كانا يأخذان عن ابن عبّاس ، وهو أخذ عن عليّ بن أبي طالب(3)، وابن سيرين يفصح بأنّه أخذ عن أهل الكوفة وعن عبيدة السلماني(4)، وهو أخصّالناس بعليّ صلوات الله عليه .

وأمّا أهل مكّة فأخذوا عن ابن عبّاس ، وعن علي عليه السلام .

وأمّا أهل المدينة فعنه أخذوا .(5)

(1) أشراف الأنساب : 2 / 98 ح 27 وص 99 ح 28 ، حلية الأولياء : 1 / 67 .
(2) مناقب ابن شهراشوب : 2 / 43 ، عنه البحار : 40 / 157 . وما في الأصل وقع فيه التصحيف ، وصحّحناه وفقاً لما في المناقب .
(3) في المناقب : يأخذان عمّن أخذ عن عليّ .
(4) في المناقب : السمعاني ، وهو اشتباه . انظر جامع الرواة : 1 / 531 .
(5) مناقب ابن شهراشوب : 2 / 44 ، عنه البحار : 40 / 158 .

( 302 )

وقد صنّف الشافعي كتباً مفرداً في الدلالة على اتّباع أهل المدينة لعلي عليه السلام وعبد الله .

وقال محمدبن الحسن الفقيه : لولا عليّ بن أبي طالب عليه السلام ما علمنا حكم أهل البغي .

ولمحمد بن الحسن كتاب يشتمل على ثلاثمائة مسألة في قتال أهل البغي بناء على فعله عليه السلام .(1)

مسند أبي حنيفة : هشام بن الحكم قال : قال الصادق عليه السلام لأبي حنيفة : من أين أخذت القياس ؟

قال : من قول علي بن أبي طالب عليه السلام وزيد بن ثابت حين سألهما(2) عمر في الجدّ مع الإخوة ، فقال له علي عليه السلام : لو أنّ شجرة انشعب منها غصن ، وانشعب(3) من الغصن غصنان أيّما أقرب إلى أحد الغصنين ، أصاحبه الذي يخرج معه أم الشجرة ؟

فقال زيد : لو أنّ جدولاً انبعث فيه(4) ساقيه ، وانبعث من الساقيه ساقيتان ، أيّما أقرب ، أحد الساقيتين إلى صاحبتهما أم الجدول ؟(5)

ومنهم الفرضيّون وهو أمهرهم(6). فضائل أحمد(7): قال عبد الله : إنّ أعلم

(1) مناقب ابن شهراشوب : 2 / 44 ، عنه البحار : 40 / 159 .
(2) في المناقب : شاهدهما .
(3) كذا في المناقب ، وفي الأصل : وانبعث .
(4) كذا في المناقب ، وفي الأصل : من .
(5) مناقب ابن شهراشوب : 2 / 44 ، عنه البحار : 40 / 159 .
(6) في المناقب : أشهرهم .
(7) فضائل الصحابة : 1 / 534 ح 888 .

( 303 )

أهل المدينة بالفرائض عليّ بن أبي طالب عليه السلام .

قال الشعبي : ما رأتي أفرض من علي بن أبي طالب ، ولا أحسب منه ، وقد سئل ـ وهو على المنبر يخطب ـ : رجل مات وترك رامرأة وأبوين وابنتين ، كم نصيب الامرأة ؟

قال عليه السلام : صار صمنها تسعاً ، فلقّبت بالمسألة المنبريّة .

شرح ذلك : للأبوين السدسان ، وللبنتين الثلثان ، وللمرأة الثمن ، عالت الفريضة فكان لها ثلاث من أربعة وعشرين ثمنها ، فلمّا صرات إلىسبعة وعشرين صار ثمنها تسعاً ، فإنّ ثلاثة من سبعة وعشرين تسعها ، ويبقى أربعة وعشرون ، للبنتين ستّة عشرش وللأبوين ثمانية .

وهذا القول صدر منه صلوات الله عليه إمّا على سبيل الاستفهام ، أو على قولهم صار ثمنها تسعاً(1)، أو بيّن كيف [يجيء](2) الحكم على مذهب من يقول بالعول ، أو على سبيل الانكار فبيّن الحساب والجواب ، والقسمة والنسبة بأوجز لفظ .(3)

ومنه أنّه سئل عليه السلام عن عدد تخرج منه الآحاد صحاحاً لا كسر فيها ، فقال من غير تروٍّ : اضرب أيّام سنتك في أيّام اسبوعك ، والآحاد هي النصف والثلث والربع والخمس ، هكذا إلى العشرة .

ومنهم الرواة وهم نيّف وعشرون رجلاً ، منهم : ابن عباس ، وابن مسعود ،

(1) زاد في المناقب : أو على مذهب نفسه .
(2) من المناقب .
(3) مناقب ابن شهراشوب : 2 / 44 ، عنه البحار : 40 / 159 .

( 304 )

[وجابر الأنصاري ، وأبو أيّوب ، وأبو هريرة ، وأنس ،](1) وأبو سعيد الخدري ، وأبو رافع ، وغيرهم ، وهو صلوات الله عليه أكثرهم رواية ، وأثبتهم(2) حجّة ، ومأمون الباطن ، لقوله صلى الله عليه وآله : عليّ مع الحقّ والحقّ مع عليّ .

قال الترمذي(3) والبلاذري(4): قيل لعليّ صلوات الله عليه : ما لك(5) أكثر أصحاب النبي صلى الله عليه وآله حديثاً ؟

قال : كنت إذا سألته أنبأني ، ,إذا سكتّ ابتدأني .(6)

ومنهم المتكلّمون وهو الأصل في الكلام . قال النبي صلى الله عليه وآله : عليّ ربّاني هذه الاُمّة .(7)

قال صلوات الله عليه : أول معرفة الله توحيده ، وأصل توحيده نفي الصفات عنه ، إلى آخر العبر .

وهو الذي وضع اصول الكلام وفرّع المتكلّمون على ذلك ، فالإماميّة يرجعون إلى الصادق عليه السلام ، وهو إلى آبائه ، والمعتزلة والزيديّة يرجعون إلى رواية القاضي عبد الجبار [بن](8) أحمد، عن أبي عبد الله الحسين البصري ، وأبو إسحاق عباس ، عن أبي هاشم الجبّائيّ ، عن أبيه أبي علي ، عن أبي يعقوب الشحّام ، عن أبي الهذيل العلّاف ، عن ابي عثمان الطويل ، عن واصل بن

(1 و8) من المناقب .
(2) في المناقب : وأتقنهم .
(3) الجامع الصحيح : 5 / 637 ح 3722 .
(4) أنساب الأشراف : 2 / 98 ح 26 .
(5) في الماقب : ما بالك ؟
(6) مناقب ابن شهراشوب : 2 / 45 ، عنه البحار : 40 / 159 ـ 160 .
(7) مناقب ابن شهراشوب : 2 / 45 ، عنه البحار : 40 / 160 .

( 305 )

عطاء ، عن أبي هاشم عبد الله بن محمد بن علي ، عن أبيه محمد بن الحنفيّة ، عن أبيه صلوات الله عليه .(1)

ومنهم الخطباء والفصحاء ، وهو أفصح الخلق ، ألا ترى إلى خطبه مثل : خبطبة التوحيد ، [والشقشقيّة](2)، والهداية ، والملاحم ، واللؤلؤة ، والغرّاء ، والقاصعة ، والافتخار ، وخطبة الأشباح ، والدرّة اليتيمة ، والأقاليم ، والوسيلة(3)، والطالوتيّة ، والقصبيّة ، والنخيليّة ، والسلمانيّة ، والناطقة ، والدامغة ، والفاضحة ؟(4)

بل تفكّر في نهج البلاغة فإنّ فيها عجباً لمن كان له حظّ من الذوق السليم ، والفهم القويم ، وأكثر الخطباء والبلغاء من مواعظه أخذوا ، ومن شواظه اقتبسوا ، وعلى مثاله احتذوا ، وإذا تأمّل من له قلب سليم ولبّ مستقيم رأى من كلامه صلوات الله عليه ما يدلّ على أنّه صلوات الله عليه كان آية من آيات الله ، وحجّة لرسول الله صلى الله عليه وآله دالّة على صحّة نبوّته ، لكون كلامه قد اشتمل من أدلّة التوحيد ، والتعظيم للملك المجيد ، وإبطال كلّما يدّعى من دونه ، وإدحاض حجّة من ألحد في آياته ، وأبدع في صفاته ، من الملاحدة والمشبّهة والمعطّلة والمجبّرة ما لا مزيد عليه .

وقد يذمّ مقال القائلين من متألّهة الحماء كاُرسطوطاليس وجالينوس

(1) مناقب ابن شهراشوب : 2 / 46 ، عنه البحار : 40 / 161 .
(2) من المناقب .
(3) كذا في المناقب ، وفي الأصل : والدرّة ، واليتيمة ، والوسيلة .
(4) مناقب ابن شهراشوب : 2 / 47 ، عنه البحار : 40 / 162 .

( 306 )

وبطليموس ، وغيرهم ممّن وضع قوانين العلوم الربّانيّة ، وشققوا الشعر في تحصيل القواعد الفلسفيّة ، وغاصوا في بحار المعارف الإلهيّة ، وهو صلوات الله عليه لم يتردّد إلى عالم غير سيّد المرسلين ، ولم يكن بمكّة وما والاها من البلاد من أرباب العلوم الإلهيّة وغيرها من يسند عنه ذلك ، وإنّما كانوا جاهليّة أجلافاً لا بصيرة لهم بالعلوم ، ولا تمييز بين صحيح الفكر وفاسده ، ولا استنباط دليل يهديهم إلى سبيل الرشاد ، ولو كان لهم أدنى فكر صائب وترتيب مقدّمات تهديهم إلى سواء السبيل لم يتّخذوا الأصنام آلة من دون الله ، ولا نصبوا الأنصاب ، ولا استقسموا بالأزلام ، ولا بحروا لابحيرة ، ولا سيّبوا السائبة ، ولا وصلوا الوصيلة ، ولا وأدوا البنات ، ولا عظّموا هبل واللات ، ولم يعتقدوا من الجاهليّة ، ولا أبطلوا القول بالدليل القاطع ، ولم يقلّدوا آباءهم السالفين من لدن خندف إلى عهد رسول الله صلى الله عليه وآله .

وإنّما سمّوا جاهليذة لفرط جهلهم ، وشدّة عنادهم ، وعدم انقيادهم ، فإذا خرج منهم رجل لم يتردّد إلى عالم ، ولم يطالع ما دوّنه القدماء من المتألّهة في دفاترهم عن المنطقي والطبيعي والإلهي والعلوم الرياضيّة من الحساب والهندسة وغيرها ، ثمّ أتى بكلام أبطل مقالهم ، وأدحض حجّتهم ، وأبطل شبهتهم ، ودلّ على وحدة الصانع سبحانه وقدمه ، وحدوث ما سواه ، وعلى قدرته واختياره ، وعلمه بالحريّ الزماني وغيره ممّا كان قبل أن يكون وما هو كائن ، ونزّهه عمّا لا يليق بكماله ، علم أنّ علمه من علم صاحب الشريعة الذي علمه بالوحي الإلهي من حضرة واجب الوجود «سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى‏ عَمّا يَقُولُونَ عُلُوّاً كَبِيراً» .(1)

(1) اقتباس من الآية : 43 من سورة الإسراء .

( 307 )

قال شيخنا وسيّدنا ومفخرنا السيد الجليل محمد الرضي الموسوي رضي الله عنه في خطبة كتاب نهج البلاغة : من كلام أمير المؤمنين صلوات الله عليه ، ومن عجائبه التي تفرّد بها ، وأمن المشاركة فيها أنّ كلامه الوارد في الزهد والمواعظ ، والتذكير والزواجر إذا تأمّله المتأمّل ، وفكّر فيه المتفكّر ، وخلع عن قلبه أنّه كلام مثله ممّن عظم قدره [ونفذ أمره](1)، وأحاط بالرقاب ملكه ، لم يعترضه الشكّ في أ،ّه كلا مَن لا حظّ له في غير الزهادة ، ولا شغل له في غير العبادة ، قد قبع في كسر بيت(2)، أو انقطع في(3) سفح جبل ، لا يسمع الا حسّه ، ولا يرى الا نفسه ، ولا يكاد يوقن بأنّه كلام من ينغمس في الحرب مصلتاً سيفه يقطّ الرقاب(4)، ويجدّل الأبطال ، ويعود به ينطف(5) دماً ، ويقطر مُهَجاً ، وهو مع ذلك زاهد الزهّاد ، وبدل الأبدال(6)، وهذه من فضائله العجيبة ، وخصائصه اللطيفة ، التي جمع [بها](7) بين الأضداد ، وألّف بين الأشتات .(8)

قال الفاضل عبد الحميد بن أبي الحديد عند شرحه الخطبة التي قالها أمير المؤمنين صلوات الله عليه عند تلاوته «ألهاكم التكاثر»(9) وهي : يا له

(1) من النهج .
(2) كسر بيت : جانب الخباء .
(3) في النهج : إلى .
(4) يقطّ الرقاب : يقطعها عرضاً . فإن كان القطع طولاً قيل : يقدّ .
(5) ينطف : يسيل .
(6) الأبدال ك قوم صالحون لا تخلو الأرض منهم ، إذا مات منهم واحد بدّل الله مكانه آخر ، والواحد : بدل أو بديل .
(7) من النهج والمناقب .
(8) نهج البلاغة (صحبي الصالح) : 35 ـ 36 وفي «عبده» : 12 ، عنه مناقب ابن شهراشوب : 2 / 49 .
(9) سورة التكاثر : 1 .

( 308 )

مراماً ما أبعده ! [وزَوراً ما أغفله !](1) وخطراً ما أفظعه(2)! وخطراً ما أفظعه(2)! إلى آخرها(3)، وقد أتى في هذه الخطبة ما لا مزيد عليه من ذكر الموت ، والتحذير من الدنيا ، وما يؤول من الانسان إليه حين الموت من السكرات والغمرات ، وذكر من اعتزّ بالدنيا وركن إليها :

هذا موضع المثل ملعا يا ظليم والا فالتخوية(4)، مَن أراد أن يعظ ويخوّف الناس ، ويعرّفهم قدر الدنيا وتقلّبها بأهلها فليأت بمثل هذا الكلام الفصيح في مثل هذه الموعظة البالغة والا فليسكت ، فإنّ السكوت أصلح ، والعيّ خير من منطق يفضح صاحبه .

ولعمري من وقف على هذه الخطبة علم مصداق قول معاوية : والله ما سنّ الفصاحة لقريش غيره ، وينبغي إذا اجتمع الفصحاء وتليت عليهم هذه الخطبة أن يسجدوا لها كما سجدالشعراء لقول عديّ بن الرقاع :

قلم أصابَ من الدواةِ مِداده(5).

فقيل لهم في ذلك ، فقالوا : إنّا نعلم سجدات الشعر كما تعلمون أنتم سجدات القرآن .

وإنّي لاُطيل التعجّب من رجل يخطب في مقام الحرب بكلام يدلّ على أنّ طبعه مشابه لطباع الأسود والنمور وغيرهما من السباع الضارية ، ثمّ يخطب

(1) من النهج : والزَور : الزائرون .
(2) كذا في النهج ، وفي الأصل : ما أوصفه .
(3) نهج البلاغة (صبحي الصالح) : 338 خطبة رقم 221 .
(4) الملع : السير السريع . ويقال : خوّى الطائر ، إذا أرسل جاحيه .
(5) صدره : تُزجِي أغنّ كأن إبرة روقه

( 309 )

في ذلك المقام بعينه إذا أراد الموعظة بكلام يدلّ على أنّ طبعه مشابه لطباع الرهبان لابسي المُسوح الذين يأكلون لحماً ، ولم يريقوا(1) دماً قطّ ، فتارة يكون في صورة سقراط الحبر اليونانيّ ، ويوحنّا المعمدان الإسرائيلي ، وعيسى بن مريم الإلهيّ ، وتارة يكون في صورة عتيبة بن الحارث اليربوعيّ ، وعامر بن الطفيل العامريّ ، وبسطان بن قيس الشيبانيّ .

واُقسم بالذي تقسم الاُمم كلّها به ؛ لقد تلوت هذه الخطبة منذ خمسين سنة وإلى الآن أكثر من ألف مرّة ، وما تلوتها مرّة الا وأحدثت في قلبي وجيباً ، وفي أعضائي رعدة ، وخيّل لي مصارع من مضى من أسلافي ، وتصوّرت في نفسي أنّي أنا ذلك الشخص الذي وصف أمير المؤمنين صلوات الله عليه في قوله:

فكم أكلت الأرض من عزيز جسدٍ ، وأنيق لون كان في الدنيا غذيّ ترف ، وربيب شرف ، إلى آخرها(2)؟

وكم قال الناس ، وكم سمعت ، وما دخل كلام ما دخل هذا الكلام من قلبي(3)، فإمّا أن يكون ذلك لفرط حبّي لصاحبه ، أو أنّ نيّة القائل كانت صادقة ، ويقينه ثابت ، فصار لكلامه تأثير في النفوس .(4)

وقال أيضاً الفاضل ابن ابي الحديد عند شرحه كلامه صلوات الله عليه في خطبة الأشباح(5): عالم السر من ضمائر(6) المضمرين ، إلى آخر الفصل : لو

(1) كذا في شرح النهج ، وفي الأصل : يرتعوا .
(2) نهج البلاغة (صبحي الصالح) : 240 خطبة رقم 221 .
(3) في شرح النهج : فلم أجد لشيء منه مثل تأثير هذا الكلام في نفسي .
(4) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 11 / 152 ـ 153 .
(5) نهج البلاغة (صبحي الصالح) : 134 خطبة رقم 91 .

( 310 )

سمع النضر بن كنانة هذا الكلام لقال لقائله ما قاله عليّ بن العبّاس بن جريح لإسماعيل بن بلبل :

قالوا أبو الصَقرِ مِن شَيبان قلت لهم     حاشا وكلّا ولكن منه(7) شَيبان

وكم أبٍ قد عـلا بـابنِ ذًُرا شرف(8)     كما علا برسول اللـه عدنان

إذ كان يفخر به على عدنان وقحطان ، بل كان يقرّ به عين أبيه إبراهيم خليل الرحمن(9) ويقول له : إنّه لم يُعفِ ما شيّدتُ من معالم التوحيد ، بل أخرج الله تعالى لك من ظهري ولداً ابتدع من علوم التوحيد في جاهليّة العرب ما لم تبتدعه أنت في جاهليّة النبط(10)، بل لو سمع هذا الكلام أرسطو طاليس القائل بأنّه تعالى لا يعلم الجزئيّات ؛ لخشع قلبه ، وقَفّ شعره(11)، وارتعدت فرائصه ، واضطرب قلبه ، أما ترى ما عليه من الرواء والجزالة والفخامة(12)، مع ما قد اُشرب من الحلاوة والطلاوة واللطف والسلاسة ؟ لا أرى كلاماً قطّ يشبه هذا الكلام الا أن يكون كلام الخالق سبحانه ، فإنّه نبعة من تلك الشجرة ، أو جدول

(6) كذا في النهج ، وفي الأصل : ضمير .
(7) في شرح النهج : كلّا ولكن لعمري منه .
(8) كذا في شرح النهج ، وفي الأصل : بابن له شرفاً .
ِ(9) كذا في شرح النهج ، وفي الأصل : بل كان يفخر على عدنان وقحطان ، بل كان يفخر على إبراهيم الخليل .
(10) كذا في شرح النهج ، وفي الأصل : ويقول له : إنّ الله قد أخرج من صلبي ولداً وسيّدا من معالم التوحيد في جاهليّة العرب ما لم تشيّده أنت في جاهليّة النبط .
(11) كذا في شرح النهج ، وفي الأصل : لا يعلم الحرى الزماني لفقّ شعره .
(12) في شرح النهج : من الرواء والمهابة ، والعظمة والفخامة ، والمتانة والجزالة .

( 311 )

من ذلك البحر ، أو جذوة من تلك النار .(1)

ومنهم الفصحاء والبلغاء وهو أوفرهم حظّاً .

قال السيد الرضي الموسوي رضي الله عنه : كان أمير المؤمنين عليه السلام مشرع الفصاحة وموردها ، ومنشأ البلاغة ومولدها ، ومنه ظهر مكنونها ، وعنه أخذت قوانينها .(2)

قال الجاحظ في كتاب الغرّة : كتب عليّ إلى معاوية : غرّك غرّك ، فصار قصار ذلك ذلّك ، فاخش فاحش فعلك فعلّك تهدأ بهذا ، والسلام .(3)

وروى أبو جعفر بن بابويه رضي الله عنه بإسناده عن الرضا عليه السلام ، عن آبائه عليهم السلام أنّ الصحابة اجتمعت فتذاكروا أنّ الألف أكثر دخولاً في الكلام من غيره ، فارتجل صلوات الله عليه الخطبة المونقة(4) وهي : حمدت من عظمت منّته ، وسبغت نعمته ، وسبقت رحمته(5)، وتمّت كلمته ، ونفذت مشيئته ، وبلغت قضيّته(6)، إلى آخرها .

ثم ارتجل صلوات الله عليه خطبة اُخرى على غير نقطة ، أوّلها(7): الحمد

(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 7 / 23 ـ 24 .
(2) نهج البلاغة (صبحي الصالح) : 34 .
(3) مناقب ابن شهراشوب ك 2 / 48 ، عنه البحار : 40 / 163 .
وأورد القطعة الأخيرة في مطالب السؤول : 1 / 176 ، عنه البحار : 78 / 83 ح 86 .
(4) انظر : شرح نهج البلاغة : 19 / 140 ، الخرائج والجرائح : 2 / 740 ح 56 ، كفاية الطالب : 393 ، مطالب السؤول : 1 / 173 ، مصباح الكفعمي : 741 ف 49 ، الصراط المستقيم : 1 / 222 ، البحار : 41 / 304 ح 36 ، وج 77 / 340 ، إثبات الهداة : 2 / 499 ح 372 وص 514 ح 432 وص 519 ح 457 .
(5) في بعض المصادر : وسبقت رحمته غضبه .
(6) في المناقب : من غير النقط ، التي أوّلها .

( 324 )

ورسولِهِ ، فشجّ رأسه ، فخاصمه إلى أمير المؤمنين عليه السلام ، فقال له في ذلك ، فقال : إنّه كفر في قراءته .

فقال صلوات الله عليه : إنّه لم يتعمّد ذلك .

وروي أنّ أبا الأسود كان في بصره سوء وله بنيّة تقوده إلى أمير المؤمنين عليه السلام ، فقالت : يا أبتاه ما أشدّ حرّ الرمضاء ! تريد ال

( 336 )

من ضربةنجلاء يبقى     ذكرها عند الهزاهز

فلمّا دنا أمير المؤمنين عليه السلام منه قال عمرو : من أنت ؟ قال : أنا علي . قال : ابن عبد مناف . قال : أنا علي بن أبي طالب .

قال : غيرك يا ابن أخي من أعمامك [مَن هو](1) أسنّ وأكبر منك فإنّي أكره أن اُهريق دمك .

فقال أمير المؤمنين عليه السلام : لكنّي والله ما أكره [أن](2) اُهريق دمك ، فغضب ونزل عن فرسه وسلّ سيفه كأنّه شعة نار ، ثمّ أقبل نحو عليّ مغضباً فاستقبله أمير المؤمنين بدرقته ، وضربه عمرو في الدرقة فقدّها وأثبت فيها السيف ، وأصاب رأس أمير المؤمنين فشجّه ، وضربه أمير المؤمنين على حبل عاتقه فسقط .

وفي رواية حذيفة : فسيّف عليّ رجليه بالسيف من أسفل فوقع على قفاه ، وثارت بينهما عجاجة ، فسمع عليّ يكبّر .

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : قتله والذي نفسي بيده ، فكان أوّل من ابتدر العجاج عمر بن الخطّاب فإذا عليّ يمسح سيفه بدرع عمرو ، فكبّر عمر بن الخطّاب ، وقال : يا رسول الله قتله ، فحزّ أمير المؤمنين رأسه وأقبل به إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ووجهه يتهلّل .

فقال له عمر : هلا سلبته درعه فإنّه ليس في العرب درع خير منها ؟

(1 و2) من المجمع .

( 337 )

فقال : ضربته فاتّقاني بسوءته فاستحييت أن أسلب ابن عمّي .

وروى الحاكم أبو القاسم الحسكاني(1) أنّ عبد الله بن مسعود كان يقرأ : «وكفى الله المؤمنين القتال ـ بعلي ـ»(2).

وخرج أصاحبه منهزمين حتى طفرت خيولهم الخندق ، [وتبادر المسلمون](3) فوجدوا نوفل بن عبد العزى قد سقط ، فجعل المسلمون يرمونه بالحجارة ، فقال : موتة(4) أجمل من هذه ، ينزل إليّ بعضكم اُقاتله .

قال ابن إسحاق : فنزل إليه علي عليه السلام فطعنه في ترقوته حتى أخرجها من مراقه ، فمات في الخندق .

قال : وأرسل المشركون إلى رسول الله صلى الله عليه وآله يشترون جيفة عمرو بعشرة آلاف درهم ، فقال النبي صلى الله عليه وآله : هو لكم لا نأكل ثمن الموتى .

وذكر أمير المؤمنين صلوات الله عليه أبياتاً ، [منها](5):

نَصَرَ الحجارةَ من سفاهة رأيه      ونصرتُ  ربّ محمدٍ بصواب
فـضربته  وتـركته مـتجدّلاً      كالجذع بين دكادك وروابي(6)
وعـففت عن أثوابه ولو أنّني      كنت  المقطّر بزّني أثوابي(7)

(1) شواهد التنزيل : 2 / 7 ـ 9 ح 629 ـ 632 .
(2) سورة الأحزاب : 25 .
(3 و5) من المجمع .
(4) في المجمع : قتلة .
(6) الدكادك : جمع دكداك : الرمل الليّن . والروابي : جمع الرابية : ما ارتفع وعلا وأشرف من الأرض .
(7) أي قتلته ولم اُفكّر في سلبه ، ولو كان هو الذي قتلني لأخذ أثوابي .

( 338 )

وروى عمرو بن عبيد ، عن الحسن البصري ، قال : إنّ عليّاً لمّا قتل عمرو حمل رأسه وألقاه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله ، فقام أبو بكر وعمر فقبّلا رأس علي عليه السلام .

وروي عن أبي بكر بن عيّاش أنّه قال : ضَرب عليّ ضربة ما كان في الاسلام أعزّ منها ـ يعني ضربة عمرو ـ وضُرب عليّ ضربة ما كان في الاسلام أشأم منها ـ يعني ضربة ابن ملجم عليه لعنة الله ـ .(1)

قلت في المعنى :

يا  منكراً فضل الوصيّ      وحـقّه  حـسداً وغدرا
وعـليه  أعـلن بالتقدّم      بـعد خـير الخلق طرّا
هـلا جسرت بيوم سلع      في  الوغا وأجبت عمرا
إذ ضلّ يخطر شبه ليث      الـغاب  يـزأر مكفهرّا
فـي كفّه ماضي الغرار      بـحدّه الأعـناق تـبرا
أسـدي  جـري بـأسه      قـد فاق في الآفاق ذكرا
لا يـنثني عـن قـرنه      إذ لا يرى الاحجام غدرا
نادى  فصرت تحيد عنه      مـخافة  وتـروم سترا
شـبه  الكماع إذا جرت      مـن ربّـها ترجو مفرّا
هـلا  أجبت كما أجاب      مـجدّل الأبـطال قسرا
أعني الوصيّ أخا النبي      أجـلّ خـلق الله قـدرا
مـن  أطلع الرحمن في      بـدر بـه لـلحقّ بدرا
وكـذاك فـي الأحزاب      شدّ به لخير الخلق أزرا

(1) مجمع البيان : 4 /342 ـ 344 ، عنه البحار 20 / 202 ـ 206 .

( 339 )

نـادى  ألا هل من مبارز      مـنـكم ويـحوز فـخرا
فـأجابه  هـا قـد أتـاك      مـجيب صـوتك لن يفرّا
فــي مـعرك كـلا ولا      اولـى  المبارز منه ظهرا
مـن  كـان دون الـخلق      للهادي  النبي أخا وصهرا
كـم أسـبغت حملاته في      الـحرب  جـامعةٍ ويسرا
فـتـخـالسا نـفـسيهما      وتـرامقا  بالظرف شزرا
هـذا لـدين الـحقّ قـام      مـؤيـداً عـزّاً ونـصرا
وقـريـنه فـي الـحرب      أضحى ناصرا عزّاً ونسرا
فـعـلاه  مـنه بـصارم      كـم هـدّ ركـناً مشمخرا
فـهوى  كجذع في الثرى      نـحرته أيـد الدهر نحرا
وأفـاض من فيض الدماء      حـللٍ  عليه صبغن حمرا
وأبــان  مـنه الـرأس      ثـمّ أتى به المختار جهرا
أعـني بـه مولى الورى      وغـمامهم بـرّاً وبـحرا
مـن  بالزعامة والصرامة      والامـامـة كـان أحـرا
لـيث الـحروب مـجدّل      أبـطالها  فـتكاً وصـبرا
رفــع الـفخار لـمجده      فـي  هـاشم نـسباً أغرّا
مـا خـاب مـتخذ ولايته      لـيـوم  الـحشر ذخـرا
كــلا ولا تـربت يـداه      ولا  غـدا مـسعاه خسرا
مـن فـيه سورة هل أتى      أبـداً  مـدى الأيّـام تقرا
ردّت عـليه الشمس حتى      عاد  وقت الفرض عصرا
فـقضى  فريضته وعادت      كـالـشهاب إذا اسـتمرّا
هـذا  الـذي قـبّلت منه      الـرأس تـلبيساً ومـكراً

( 340 )

وفـديته  بـالروح لكن      في حشاك حشوت غدرا
حـتى إذا خـلت الديار      مـن  النبي وعدن قفرا
أبـديت مـا أخفيت من      فرط النفاق وجرت كفرا
عن مذهب الحق السويّ      فـجئت يا مغرور نكرا

وأمّا قتلاه عليه السلام يوم حنين فقتل أربعين رجلاً وفارسهم(1) أبو جَروَل(2)، وإنّه صلوات الله عليه قدّه بنصفين بسيفه بضربه واحدة في الخوذة والعمامة والجوشن والبدن إلى القربوس .

ووقوفه صلوات الله عليه يوم حنين وسط أربعة وعشرين ألف ضارب سيف إلى أن ظهر المدد من السماء(3)، من أعظم الآيات على صحّة إمامته ، وانّ هذه كرامة أكرمه الله بها ، وقوّة اختصّه الله بفضلها ، وكذلك جميع خواصّه التي اصطفاه الله بهاإذا استقرأها من له قلب سليم ولبّ مستقيم قضى منها عجباً ، واستدلّ بها أنّ الله سبحانه ما أيّده بهذه الفضائل التي تخرج عن طوق البشر الا لكونه أفضل خلقه ، وأقربهم منزلة من جلال كبريائه ، وأحقّ الخلق بالرئاسة العامّة في أمر الدين والدنيا ، لكونه أكمل الخلق في علمه وحلمه زهده ،

(1) كذا في المناقب ، وفي الأصل : وأمّا قتلاه عليه السلام يوم اُحد فقتل أربعين رجلاً ـ وقد ذكرت أسماءهم من قبل ـ وفارسهم .
(2) كان أبو جرول يرتجز ويقول :
أنا أبو جَروَلَ لا بَراحُ      حتى نُبيحَ القوم أو نُباح
فصمد له أمير المؤمنين عليه السلام فضرب عجز بعيره فَصَرَعه ، ثم ضربه فَقَطّره ، ثمّ قال :
قد عَلِم القومُ لدى الصَباح     أنّي في الهيجاء ذو نِصاح
فكانت هزيمة المشركين بقتل أبي جَروَل لعنه الله . انظر «إرشاد المفيد : 1 / 143» .
(3) مناقب ابن شهراشوب : 2 / 83 ، عنه البحار : 41 / 66 .

( 341 )

وتوجّهه إلى معبوده ، وإخلاصه بطاعة ربّه في سرّه وعلانيته ، وجهاده في سبيل خالقه ، وشدّة بأسه ، ومحاماته عن صاحب الدعوة وبذله نفسه وقاية له من أعدائه ، فيظهر له بذلك أعظم دليل على وجوب اتّباعه ، وهذه مقدّمة إجماعيّة لا يختلف فيها مسلم ، بل جيمع الاُمّة مجمعة على صحّة ذلك ، المؤالف والمخالف ، الا ما شذّ من أهل الزيغ والتعصّب بالباطل ، الذين لا يعبأ بشذوذهم ، لكونهم قد خرجوا عن ربقة المؤمنين والصغرى ضروريّة ، فثبت انّه صلوات الله عليه واجب الطاعة على الأحمر والأبيض .

روي أنّ عمرواً بن العاص قال : والله ما أحد يعيّر بفراره من عليّ بن أبي طالب .

ولمّا نعي بقتل أمير المؤمنين عليه السلام بالعراق دخل عمرو بن العاص على معاوية مبشّراً فقال : إنّ الأسد المفترش ذراعيه بالعراق لاقى شعوبه .(1)

صاحب الفائق(2) قال : كانت ضربات عليّ أبكاراً . إذا اعتلى قدّ ، وإذا اعترض قطّ ، وإذا أتى حصناً هدّ .

وقالوا أيضاً : كانت ضربات علي أبكاراً لاعوناً : يقال : ضربه بكر أي [قاطعة](3) لا يحتاج أن يثنّى ، والعوان التي يحتاج أن تثنّى . زعمت الفرس أنّ اُصول الضرب سبعة(4)، وكلّها مأخوذة عنه صلوات الله عليه ، [وهي :](5) علويّة

(1) مانقب ابن شهراشوب : 2 / 85 ـ 86 ، عنه البحار : 41 / 69 .
(2) الفائق في غريب الحديث للزمخشري : 1 / 125 .
(3 و5) من المناقب .
(4) في المنانقب : ستّة .

( 342 )

وسفيّة وغاله(1) وماله وحاله وجر وهام(2).

ولولا خوف الإطالة لأوردنا نبذة يسيرة بالنسبة إلى كثرة قتلاه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وبعده ؛ كمرحب في خيبر ، وذي الخمار والعنكبوت ، ما لا يحصى كثرة في غزاة السلاسل ، وقتاله بعد الرسول الناكثين والقاسطين والمارقين في وقعة الجمل حتى بلغ إلى قطع يد الجمل ثمّ قطع رجليه حتى سقط ، وله ليلة الهرير خمسمائة وستّ وثلاثين تكبيرة ـ وفي رواية : سبعمائة(3)ـ .

وقال صلوات الله عليه : لو تظاهرت العرب على قتالي لما ولّيت عنها .

وكانت قريش إذا رأته في الحرب تواصت خوفاً منه ، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يخوّف المشركين به .(4)

وأمّا كرمه فلا مزيد عليه حتى انّه آثر بقوته وقوت عياله حتى أنزل الله فيه وفي زوجته وابنيه سورة تتلى إلى يوم القيامة .

وروى المخالف أنّ عليّاً عليه السلام كان يحارب رجلاً من المشركين ، فقال المشرك : يا ابن أبي طالب ، هبني سيفن ، فرماه إليه .

فقال المشرك : عجباً يا ابن أبي طالب في مثل هذا الوقت تدفع إليّ سيفك !

(1) في المناقب : وغلبة .
(2) في المناقب : وجرهام .
(3) في المناقب : وله ليلة الهرير ثلاثمائة تكبيرة ، أسقط بكلّ تكبيرة عدوّاً ، وفي رواية : خمسمائة وثلاثة وعشرون ، رواه الأعثم ، وفي رواية : سبعمائة ، ولم يكن لدرعه ظهر ، ولا لمركوبه كرّ وفرّ .
(4) مناقب ابن شهراشوب : 2 / 83 ـ 84 ، عنه البحار : 41 / 67 ـ 68 .

( 343 )

فقال : يا هذا ، إنّك مددت إليّ يد المسالة ، وليس من الكرم أن يردّ السائل ، فرمى الكافر بنفسه إلى الأرض وأسلم ، وقال : هذه شيمة(1) أهل الدين ، وقبّل قدم أمير المؤمنين .

وقال جبرائيل في حقّه : لا سيف الا ذو الفقار ، ولا فتى الا علي .(2)

وحسبه صلوات الله عليه فضيلة صدقته بخاتمه في ركوعه حتى أنزل الله فيه «إِنّمَا وَلِيّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالّذِينَ آمَنُوا الّذِينَ يُقِيمُونَ الصّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ»(3) وأجمع الموالف والمخالف انّها نزلت في علي عليه السلام لمّا تصدّق بخاتمه في ركوعه ، رواه أبو بكر الرازي في كتاب أحكام القرآن(4) على ما حكاه المغربي عنه والطبري والرمّاني ، وهو قول مجاهد والسدّي . وأمّا علماء أهل البيت لا يختلفون في ذلك كأبي جعفر الباقر وابنه أبي عبد الله عليهما السلام . ورواه أبو صالح ، عن ابن عبّاس .

وأورد الشيخ الجليل أبو علي الطبرسي رضي الله عنه في تفسيره بإسناد متّصل ، قال : بينا ابن عبّاس رضي الله عنه جالس على شفير زمزم يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وآله إذ أقبل رجل معتمّ(5) بعمامة ، فجعل ابن عبّاس لا يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وآله الا قال الرجل : قال رسول الله صلى الله عليه وآله .

(1) في المناقب : سيرة .
(2) مناقب ابن شهراشوب : 2 / 87 نقلاً عن أبي السعادت في فضائل العشرة ، عنه البحار : 41 / 69 .
(3) سورة المائدة : 55 .
(4) أحكام القرآن : 2 / 446 .
(5) في المجمع : متعمّم .

( 344 )

فقال ابن عبّاس : سألتك بالله ـ يا أيّها الرجل ـ من أنت ؟

فكشف العمامة عن وجهه وقال : أيّها الناس ، من عرفني فقد عرفني ، ومن لم يعرفني فأنا اُعرّفه بنفسي ، أنا جندب بن جنادة البدري أبو ذرّ الغفاري سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله بهاتين والا فصمّتا ، ورأيته بهاتين والا فعميتا ، يقول : عليّ قائد البررة ، وقاتل الكفرة ، منصور من نصره ، مخذول من خذله ، أما إنّي صلّيت العصر مع رسول الله صلى الله عليه وآله ، فسأل سائل في المسجد ، فلم يعطه أحد شيئاً ، فرفع السائل يده إلى السماء ، فقال : اللهم اشهد أنّي سألت في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله فلم يعطني أحد شيئاً ، وكان عليّ راكعاً فأوما بخنصره اليمنى إليه ـ وكان يتختّم فيها ـ فأقبل السائل حتى أخذ الخاتم من خنصره ، وذلك حين صلاة النبي صلى الله عليه وآله(1)، فلمّا فرغ النبي من صلاته رفع رأسه إلى السماء وقال : اللهم إنّ أخي موسى سألك وقال : «رَبّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي«25» وَيَسّرْ لِي أَمْرِي«26» وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسَانِي«27» يَفْقَهُوا قَوْلِي«28» وَاجْعَل لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي«29» هَارُونَ أَخِي«30» اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي«31» وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي»(2) فأنزلت عليه قرآناً ناطقا : «سَنَشُدّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَاناً فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا»(3).

اللهم وأنا محمد نبيّك وصفيّك فاشرح لي صدري ، ويسّر لي أمري ، واجعل لي وزيراً من أهلي ، عليّاً اشدد به أزري .

قال أبو ذرّ : فوالله ما استتمّ رسول الله كلامه حتى نزل عليه جبرائيل من عند الله ، فقال : يا محمد ، اقرأ .

(1) في المجمع ، وذلك بعين رسول الله صلى الله عليه وآله .
(2) سورة طه : 25 ـ 32 .
(3) سورة القصص : 35 .

( 345 )

قال : وما أقرأ ؟

قال : اقرأ «إِنّمَا وَلِيّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالّذِينَ آمَنُوا الّذِينَ يُقِيمُونَ الصّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ»(1) .

وروى هذا الخبر أبو إسحاق الثعلبي في تفسره بهذا الاسناد بعينه ، وروى أبو بكر الرازي في كتاب أحكام القرآن ، على ما حكاه المغربي عنه والطبري والرمّاني ، وهو قول مجاهد والسدّي ، وهو المرويّ عن جميع أهل البيت عليهم السلام .(2)

وفي رواية اُخرى أنّ النبي صلى الله عليه وآله دخل المسجد والناس بين راكع وساجد فبصر بسائل ، فقال : هل أعطاك أحد شيئاً ؟

فقال : نعم ، خاتم من فضّة . فقال النبي صلى الله عليه وآله : من أعطاكه ؟ قال : ذلك القائم ـ وأومأ بيده إلى أمير المؤمنين صلوات الله عليه ـ . فقال النبي صلى الله عليه وآله : علي أيّ حال أعطاكه ؟ قال : أعطاني وهو راكع .

فكبّر النبي صلى الله عليه وآله ، ثمّ قرأ «وَمَن يَتَوَلّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالّذِينَ آمَنُوا فَإِنّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ»(3).

فأنشأ حسّان بن ثابت(4):

(1) سورة المائدة : 55 .
(2) مجمع البيان : 2 / 210 ، عنه البحار : 35 / 195 .
(3) سورة المائدة : 56 .
(4) في المناقب : خزيمة بن ثابت .

( 346 )

أبا حسن تفديك روحي(1) ومهجتي      وكـلّ بـطيء في الهدى ومسارع
أيـذهب مـدحيك الـمحبر ضائعاً      ومـا المدح في جنب الإله ببضائع
فـأنت الذي أعطيتَ إذ كنتَ راكعاً      زكـاة فـدتك النفس يا خَير راكع
فـأنـزل فـي الله خـير ولايـة      وبـيّنها  في محكمات الشرائع(2)

فمن أوّل هذه الآية بالتأويلات الواهبة ، ولآراء الساهية ، فقد عدل عن الظاهر ، وارتكب الطريق الجائر ، وأعمت العصبيّة قلبه فما له من قوّة ولا ناصر ، وأصمّت الضلالة سمعه فصار من أهل المثل السائر ، حبك الشيء يعمي ويصمّ ، والا فالظاهر الذي لا يعدل عنه في هذه الآية أنّ الله سبحانه بيّن في هذه الآية من له التصرّف في الخلق والولاية عليهم فقال : «إِنّمَا وَلِيّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ» [أي](3) الذي يتولّى مصالحكم وتدبيركم هو الله الذي لا إله الا هو ، ثمّ من بعده رسول الله صلى الله عليه وآله ، يفعل فيكم ما يفعل بأمر الله «وَالّذِينَ آمَنُوا الّذِينَ يُقِيمُونَ الصّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ»(4) أي في حال ركوعهم.

وفي هذه الآية أعظم دلالة على صحّة إمامة أمير المؤمنين صلوات الله عليه بعد رسول الله بلا فصل ، والدلالة فيه انّ لفظة إنّما تفيد الحصر ، فصارت الولاية منحصرة في الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة يؤتون

(1) في المجمع : نفسي .
(2) مجمع البيان : 2 / 210 ـ 211 .
وانظر : مناقب ابن شهراشوب : 3 / 2 ـ 6 ، كشف الغمّة : 1 / 301 و311 ، عنهما البحار : 35 / 189 ح 13 وص 194 ح 15 وص 196 ح 16 .
(3) من المجمع .
(4) سورة المائدة : 55 .

( 347 )

الزكاة وهم راكعون ، كما تقول : إنّما الفصاحة للعرب ، فحصرت الفصاحة فيهم ونفيتها عن غيرهم ، وكما تقول : إنّما أكلت رغيفاً ، وإنّما رأيت زيداً ، فنفيت أكل أكثر من رغيف ورؤية غير زيد .

ووجه آخر وهو انّ الولاية مختصّة بمن ذكرنا هو انّه سبحانه قال : «إِنّمَا وَلِيّكُمُ اللّهُ» فخاطب جميع المؤمنين ، ودخل في الخطاب النبي وغيره ، ثم قال : «ورسوله» فأخرج النبي من جملتهم لكونهم مضافين إلى ولايته ، ثم قال : «والذين آمنوا» فوجب أن يكون الذي خوطب بالآية غير الذي حصلت له الولاية ، ولا أدّى أن يكون المضاف هو المضاف إليه بعينه ، وإلى أن يكون كلّ واحد من المؤمنين وليّ نفسه ، وهذا باطل ، فثبت بذلك الولاية العامّة لله ولرسوله وللمؤمنين الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة هم راكعون ، ولي لأحد أن يقول : إنّ لفظ «الذين آمنوا» جمع ولا يجوز أن يتوجّه إلى أمير المؤمنين على الانفراد ، وذلك انّ أهل اللغة يعبّرون بلفظ الجمع عن الواحد على سبيل التعظيم والتفخيم ، وذلك أشهر في كلامهم من الاستدلال عليه ، وليس لهم أن يقولوا : إنّ المراد بقوله : «وهم راكعون» انّ هذه سمتهم(1) فلا يكون حالاً لإيتاء الزكاة وذلك لأنّ قوله : «يقيمون الصلاة» قد دخل فيه الركوع ، فإذا حملناه على أنّ من سمتهم(2) الركوع كان ذلك كالتكرار الغير مفيد ، وتأويل المفيد أولى من البعيد الذي لا يفيد ، فثبتت الولاية العامّة لأمير المؤمنين عليه السلام كما ثبتت لله ورسوله .(3)

كلمات ألقاها جناني إلى لساني ، وسجعات أملاها إيماني على بياني ،

(1) في المجمع : شيمتهم .
(2) في المجمع : صنعهم .
(3) راجع مجمع البيان : 2 / 211 ـ 212 .

( 348 )

ومناجاة توسّلت بها إلى ربّي ، وفقرات أسداها صادق عهدي إلى قلبي :

اللهم إنّك طهرت قلوبنا من كلّ ريب ، ونزّهت نفوسنا من كلّ عيب ، وجعلتها مأوى الإخلاص لولاية وليّك ، ومثوى الإمحاض(1) لوصيّ نبيّك ، لا نعتقدبعد نبيّك أقرب منه إليك ، ولا نعلم وليّاً نتوسّل به سواه لديك ، قرنت طاعته بطاعتك ، وأوجبت ولايته كولايتك ، ونوّهت بذكره في محكم تنزيلك ، وشددت به عضد نبيّك ورسولك ، وأرفغت على أعطاف إمامته خلع الرئاسة الكبرى ، وجعلته أفضل خلقك بعد رسولك في الدنيا والاُخرى ، لا يدخل الجنّة الا مستمسكاً بحبله ، ولا يذوق النار الا جاحداً لفضله ، حبّه فرض على كافّة بريّتك ، وبغضه كفر موجب لنكال عقوبتك .

يطرب ذكره قلبي ويكشف مدحه كربي ، وينشي وصفه نشوة السرور في سرائري ، وينتج ذكره نشاءة الحبور في ضمائري .

حبّه منوط بلحمي ودمي ، ولفظه شفاي من أوصابي وسقمي ، لا تقبل صلاتي الا بالصلاة عليه ، ولاتخلص طاعتي الا بتفويض اموري إليه ، لما جعلت حبّه عنوان الإيمان بك ، التفريط في جنبه تفريط في جنبك ، فهو وليّك في عبادك حين أخذت عليهم الميثاق ، وخليفتك في بلادك على الاطلاق ، ولسانك الناطق بالحق ، ويدك الباسطة على الخلق ، من أطاعه أدخلته جنّتك وإن عصاك ، ومن عصاه خلّدته نارك وإن أطاعك ، كنز علمك ، ومعدن حكمك ، ومشرق أنوارك ، ومظهر أسرارك .

«هل أتى»(2) في شأنه اُتيت ، «إنّما وليّكم»(3) في بيانه اُنزلت ، وآية

(1) كلّ شيء أخلصتَه فقد أمحَضتَه . «الصحاح : 3 / 1104 ـ محض ـ» .
(2) سورة الانسان : 1 وما بعدها .

( 349 )

المباهلة(4) تشهد بمساواته لنبيّك ، والإخلاص بحبّه أجر بلاغ صفيّك ، ومائدة شرفه بحديث : «لحمك لحمي»(5) كملت ، وملّة الاسلام بنصبه علماً للاُمّة كملت ، وسمت نفسي بميسم العبوديّة لحضرته ، وقدّرت انّي أقلّ خدمه وإن كنت من حفدته .

إذا ذكرت صغائر ذنوبي وكبائرها ، وموبقات عيوبي وتكاثرها ، قرعت باب الرجاء بيد حبّه ، وتوسّلت إلى خالقي بإخلاصه وقربه ، فيناجيني بلسان نبيذه في سرائري ، ويخاطبني ببيان وليّه في ضمائري : «حبّ علي حسنة لا يضرّ معها سيّئة ، وبغضه سيّئة لا ينفع معها حسنة»(6)، فيحلو مكرّر حديثها في لهواتي ، ويجلو ترداد خطابها همومي في خلواتي .

لا أعتقد بعد توحيد ربّي وتنزيهه عمّا لا يليق بكماله والاقرار لنبيّي بعدم المماثل له في شرفه وجلاله أوجب طاعة ، ولا أفوض متابعة ، ولا أثبت إيماناً ، ولا أعلى تبياناً ، ولا أشدّ ركناً ، ولا أبين معنى ، ولا أوضح حجّة ، ولا أهيع

(3) سورة المائدة : 55 .
(4) «فمن حاجّك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين» آل عمران : 61 .
(5) ورد هذا الحديث بألفاظ متفاوتة ، انظر : إحقاق الحقّ : 4 / 78 و149 و245 ـ 248 و482 و484 ـ 486 ، و ج 5 / 1 ـ 2 ، و ج 6 / 443 ـ 448 ، و ج 15 / 61 و664 و692 ، و ج 16 / 117 ، و ج 20 / 249 و290 و292 و295 و315 .
(6) أورده الديلمي في فردوس الأخبار : 2 / 142 ح 2725 عن معاذ ، عنه كشف الغمّة : 1 / 93 ، والبحار : 39 / 304 ح 118 .
وأخرجه في مناقب ابن شهراشوب : 3 / 197 عن أبي تراب في الحدائق ، والخوارزمي في الأربعين بإسنادهما عن أنس ، والديلمي في الفردوس ، وجماعة ، عن ابن عمر ، عنه البحار : 39 / 256 ح 31 .
وفي البحار : 39 / 248 ح 10 عن كشف الغمّة .

( 350 )

محجّة ، ولا أشمخ فخراً ، ولا أرفع ذكراً ، من الاذعان بالطاعة لنهيه وأمره ، ولا يعاد بالمتابعة لسرّه وجهره .

فيا من يحسده على ما آتاه الله من فضله ، ويدّعي رتبته ، وهو لا يعادل عند الله شسع نعله ، لقد طرت مستكبراً ، وتعاظمت صغيراً ، وأوثقت نفسك ، وأنكرت جنسك ، وجهلت قدرك ، وشبت درّك ، وبادرت خالقك بمعصيتك ، ولم يحسن يوماً تؤخذ فثيه بناصيتك ، أتريد أن تستر الشمس بكفّك ، أو تنقص البحر بغرفك ، وتجار الجواد بأناتك ، أو تنال السماء ببنانك ؟

ويك ارفق بنفسك ، ولاتفخر بغرسك ، لهذا الذي شرّفت بذكره مقالي ، ووجّهت إلى كعبة جوده آمالي ، ورجوته معادي في حشري ، ونوري في قبري ، وكنزي لفقري ، ووجهتي في عسري ويسري ، هو البحر الذي لا ينزف ، والعارف الذي لا يعرف ، والشمس التي لا تخفى ، والنور الذي لا يطفأ ، المنزّه بكماله عن الأنداد ، الجامع في خصاله بين الأضداد ، يحيي بجوده الآمال ، ويميت بفتكه الأبطال ، وتصل بكفّه الاقصار ، وتقطع بسيفه الآجال .

إن ذكر ليل فهو راهب دجاه ، أو ذكر حرب فهو قطب رحاه ، أسد الله المحراب ، حليف المسجد والمحراب ، يجزّ بصارمه الأعناق ، ويدرّ بنائله الأرزاق ، نقمة الله على أعدائه ، ورحمته لأوليائه ، الشامخ بأنفه في الحرب ، والمتواضع من عظمته للربّ ، الناسك في خطوته ، والفاتك بسطوته ، قتّال الأبطال إذا الاحروب وقعت ، وبدل الأبدال إذا الجنوب اضطجعت ، امتحن الله به خلقه ، وأبان بالأدلّة الواضحة صدقه ، وأكرمه بالشهادة التي فضّله بها على من سواه ، وأحبّ سبحانه لقاءه ، كما أحبّ صلوات الله عليه لقاءه ، لما تفرّد عن النظير من أبناء جنسه ، وتعالى عن التمثيل في طهارته وقدسه .

 ( 351 )

تعصّبت عصب الضلالة لقتاله ، وتحزّبت أحزاب الجهالة لاغتياله ، وضربت إلى حربه بطون رواحلها ، وأجلبت على هظمه بأبطال كفرها وباطلها .

فتبّاً لها من امّةٍ الغدر شعارها ، والمكر دثارها ، والنفاق قرينها ، والشقاق حديثها ، خسرت صفقتها ، وكسدت تجارتها ، فما أضمى فيها ، وظمي ربّها ، وأضلّ سعيها ، وأشقى ميّتها وحيّها ، تاهت في بيداء حيرتها ، وغرقت في متلاطم شقوتها ، وزيّن الشيطان لها سوء فعلها ، ودلّاها بغروره فأوقعها في ورطة جهلها .

أفهذا كان جزاء نعمة ربّها عليها ، ومننه إليها ؟ إذ أقام لها وليّاً من أوليائه يثقف(1) أودها ، ويقوّم عوجها ، ويوضح بها الدليل ، ويهديها سواء السبيل ، أن تشنّ عليها غاراتها ، وتطلبه بنزّاتها(2)، وتقصده في نفسه وعترته ، وتغمّده في حفدته وشيعته ، وتنصب له الغوائل ، وتضمي منه المقاتل ، وأن تتقدّمه أو غادها سامريّها وعجلها ، وأن تجلب مرافقها عليه بخيلها ورجلها ، وأن تجمع فسّاقها على حربه في صفّينها وجملها ، وأن تنكر فجّارها ما بيّن الرسول من قربه بتفضيلها وجملها .

وهكذا لم يزل الدنيّ حسد العليّ ، والطفيف يحسد الشريف ، والباخل يحسد الباذل ، واللئيم يحسد الكريم ، والأوغاد تتقدّم الامجاد ، والناس أميل في أشكالهم ، وأشبه بأمثالهم ، أتباع كلّ ناعق ، وأشياع كلّ زاهد ، العلم أكسد بضاعة تجبى إليهم ، والكتاب أنكد كلمة تتلى عليهم ، يبدّلونه بأهوائهم ،

(1) الأوَدُ : العوج ، والثقاف : هو تقويم المعوج . «لسان العرب : 3 / 75 ـ أود ـ» .
(2) قتلته النزّة : أي الشهوة . «لسان العرب : 5 / 417 ـ نزز ـ» .
والتَنزّي : اللتوثّب والتسرّع ... والانتِزاءُ والتنزّي أيضاً : تسرّع الإنسان إلى الشر . «لسان العرب : 15 / 320 ـ نزا ـ» .

( 352 )

ويلحدون في آياته ، ويكذّبون بيّناته ، ويتّبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة(1)، ويقصدون من سفه أحلامهم لتبديلهم بكلّ حجّة ، ولما روى صلوات الله عليه شدّة شكيمتهم ، وخبث عقيدتهم ، يحرّفون الكلم عن مواضعه ، ويعدلون بالحقّ عن مواقعه ، لا يجيبون صوته ، ولا يرهبون سوطه ، ولا يستجيبون لدعائه ، ولا يجعلون بندائه ، فبرم من صحبتهم ، وتظلّم من معصيتهم ، وشكاهم إلى الله في خطبه ونثره ، واستعدى عليهم الله في سرّه وجهره .

كقوله صلوات الله عليه :

اللهم إنّي قد مللتهم وملّوني ، وسمئتهم وسئموني ، فأبدلني بهم خيراً منهم ، وأبدلهم بي شرّاً منّي .

اللهم مِث قلوبهم(2) كما يُماث الملح في الماء .(3)

وكقوله صلوات الله عليه ـ من جملة كلامه ـ :

أيها القوم الشاهد أبدانهم(4)، الغائبة عنهم عقولهم ، المختلفة أهواؤهم ، المبتلى بهم اُمراؤهم ، صاحبكم يطيع الله وأنتم تعصونه ، وصاحب أهل الشام يعصي الله وهم يطيعونه ، لوددت ـ والله ـ أنّ معاوية صارفني بكم صرف الدينار بالدرهم ، فأخذ منّي عشرة منكم وأعطاني رجلاً منهم !

يا أهل الكوفة ، منيت منكم بثلاثٍ واثنتين : صمّ ذوو أسماع ، وبكم ذوو كلام ، وعمي ذوو أبصارٍ ، لا أحرار صدقٍ عند اللقاء ، ولا إخوان ثقةٍ

(1) إشارة إلى الآية : 7 من سورة آل عمران .
(2) أي أذبها .
(3) نهج البلاغة : 67 خطبة رقم 25 . وانظر البحار : 34 / 19 .
(4) كذا في النهج ، وفي الأصل : أيها المشاهد أبدانهم .

( 353 )

عند البلاء ! تربت أيديكم ! يا أشباه الإبل غاب عنها رعاتها ! كلّما جمعت من جانبٍ تفرّقت من آخر ، والله لكأنّي [بكم](1) فيما إخالكم : [أن](2) لو حمس الوغى ، وحمي الضراب ، قد انفرجتم عن ابن أبي طالب انفراج المرأة عن قبلها . وإنّي لعلى بيّنةً من ربّي ، ومنهاجٍ من نبيّي ، وإنّي لعلى الطريق الواضح ألقطه لقطاً .(3)

ومن كلام له صلوات الله عليه يخاطب به أصحابه :

يا اشباه الرجال ولا رجال ! حلوم الأطفال ، وعقول الحِجال(4)، وددت أنّي لم أركم ولم أعرفكم معرفةً ـ والله ـ جرّت ندماً ، وأعقيت سدماً(5)، قاتلكم الله ! لقد ملأتم قلبي قَيحاً ، وشحنتم صدري غيظاً ، وجرّعتموني نُغب التِهمام أنفاساً ، وأفسدتم(6) عليَّ رأيي بالعصيان والخذلان ؛ حتى [لقد](7) قالت قريش : إنّ ابن أبي طالب رجل شجاع ، ولكن لا علم له بالحرب .

لله أبوهم ! وهل أحد منهم أشدّ لها مِراساً(8)، وأقدم فيها مَقاماً منّي ؟ لقد نهضت فيها وما بلغت العشرين ، وها أنذا قدر ذرّفت على الستّين(9)! ولكن لا

(1 و2) من النهج : وإخال : أظنّ . وحمس : اشتدّ . والوغى : الحرب .
(3) نهج البلاغة : 142 خطبة رقم 97 .
(4) ربّات الحِجال : النساء .
(5) كذا في النهج ، وفي الأصل : ذمّاً .
والسدم : الهم مع أسف أو غيظ .
(6) كذا في النهج ، وفي الأصل : وجرّعتموني قعب البهتان ، وأفسدتم .
ونُغب : أي جُرَع . والتِهمام : الهمّ . والمراد أنّ أنفاسه أمست همّاً يتجرّعه جرعة بعد جرعة .
(7) من النهج .
(8) أي عالجه وزاوله وعاناه .
(9) أي زدت على الستين . وفي رواية المبرّد . نيّفت ، وهو بمعناه .

( 354 )

رأي لمن لا يُطاع !(1)

ومن كلام له في ذمّ أهل العراق :

أمّا بعد [ـ يا أهل العراق ـ](2)، فإنّما أنتم كالمرأة الحامل ، حملت فلمّا أتمّت أمصلت(3)، ومات قيّمها ، وطال تأيّمها(4)، وورثها أبعدها . أما والله ما أتيتكم اختياراً ، ولكن جئت إليكم سَوقاً . ولقد بلغني أنّكم تقولون : [عليّ](5) يكذب ، قاتلكم الله تعالى ! فعلى من أكذب ؟ أعلى الله ؟ فأنا أوّل من آمن به ! أم على نبيّه ؟ فأنا أوّل من صدّقه ! كلّا ـ والله ـ ولكنّها لهجة غبتم عنها ، ولم تكونوا من اهلها .(6)

وغير ذلك من مقاماته المشهورة ، ومكاناته المرموزة ، فبعداً لها من اُمّة شرت الضلالة بالهدى ، والعذاب المغفرة ، فما أصبرها على النار ، وأولاها بغضب الجبّار ؟! ثم لم يجترئ أعلامها بغصب حقّه وتكذيب صدقه ، حتى أعلنوا بسبّه على منابرهم ، وتشادقوا بثلبه في منائرهم ، وأبى الله الا أن يتمّ نوره ، ويجري في خلقه اُموره .

وأخفى الأعداء فضله حنقاً ، وكتم مدحه الأولياء فرقاً ، وظهر من بينهما ما طبق الآفاق ، وملأ الأوراق ، واستمرّت به الأزمان ، وسادت به الركبان ، وثبت على الحق من ثبّته الله بالقول الثابت في الحياة الدنيا والآخرة(7)،

(1) نهج البلاغة : 70 خطبة رقم 27 .

(2 و5) من النهج .

(3) أملصت : أسقطت ، وألقت ولدها ميّتاً .

(4) قيّمها : زوجها . وتأيّمها : خلوّها من الأزواج .

(6) نهج البلاغة : 100 خطبة رقم 71 .

(7) إشارة إلى الآية : 27 من سورة إبراهيم .

( 355 )

واستقام على الصدق من طاب خيمه(1) وصفا معينه ، وكانت ينابيع اُصوله ظاهرة ، لا تحرّكه الرياح العواصف ، كما قال صلوات الله عليه : لو ضربت خيشوم(2) المؤمن بسيفي على أن يبغضني لما بغضني ، ولو صببت الدنيا بحذافيرها على المنافق أن يحبّني لما أحبّني ، وذلك عهدعهده إليّ رسول الله صلى الله عليه وآله(3): لا يحبّك الا مؤمن ، ولا يبغضك الا منافق .(4)

روى الحاتمي بإسناده إلى ابن عبّاس ، قال : دخل أسود على أمير المؤمنين عليه السلام وأقرّ أنّه سرق ، فسأله عليه السلام ثلاث مرّات ، فقال : يا أمير المؤمنين ، طهّرني فإنّي سرقت ، فأمر عليه السلام بقطع يده ، فأخذ يمينه بشماله ومضى ، فاستقبله بن الكوّاء فقال : من قطع يدك ؟

فقال : ليث الحجاز ، وكبش العراق ، ومصادم الأبطال ، المنتقم من الجهّال ، كريم الأصل ، شريف الفضل ، محلّ الحرمين ، وارث المشعرين ، أبو السبطين ، أوّل السابقين ، وآخر الوصيّين من آل يس ، المؤيّد بجبرائيل ، المنصور بميكائيل ، حبل الله المتين ، المحفوظ بجنود السماء أجمعين ، ذلك والله أمير المؤمنين على رغم الراغمين ـ في كلام له ـ .

فقال ابن الكوّاء : قلع يدك وتثني عليه !

قال : لو قطّعني إرباً إرباً لمل ازددت له الا حبّاً ، فدخل ابن الكوّاء على

(1) الخِيم : الشيمة والطبيعة والخُلُق والسجيّة ... والخِيم : الأصل . «لسان العرب : 12 / 194 ـ خيم ـ» .

(2) الخيشوم : أصل الأنف .

(3) كذا ، وفي النهج : وذلك أنّه قُضي فانقضى على لسان النبي الاُمّي صلى الله عليه وآله وسلّم ؛ أنّه قال : يا علي ، لا يبغضك مؤمن ، ولا يحبّك منافق .

(4) نهج البلاغة : 477 حكمة رقم 45 ، عنه البحار ك 39 / 296 ح 97 .

وانظر شرح نهج البلاغة لابن أب الحديد : 4 / 83 ، عنه البحار : 39 / 295 .

( 356 )

أمير المؤمنين وأخبره بقصّة الأسود .

فقال أمير المؤمنين عليه السلام : يا ابن الكوّاء ، إنّ محبّينا لو قطّعناهم إرباً إرباً لما ازدادوا لنا الا حبّاً ، وإنّ في أعدائنا من لو ألعقناهم السمن والعسل ما ازدادوا لنا الا بغضاً .

وقال أمير المؤمنين للحسن عليه السلام : عليك بعمّك الأسود .

فأحضر الحسن عليه السلام الأسود بين يدي أمير المؤمنين عليه السلام ، فأخذ يده فنصبها في موضعها ، وغطّاها بردائه ، وتكلّم بكلمات أخفاها ، فاستقرّت يده كما كانت ، فصار يقاتل بين يدي أمير المؤمنين عليه السلام إلى أن استشهد بالنهروان ، ويقال : كان اسم الأسود أفلح .(1)

وأمّا من كان من أعدائه بسبّه موسوم ، وببغضه موسوم ، وأصله دنيّ ، وخيمه خني ، قد اكتنفه فجور الآباء وعهر الاُمّهات ، وأحاطت به رذالة الأقرباء والاُمور المظلمات ، فأعلن بسبّه وبغضه ، ولم يحسن الله يوم حشره وعرضه ، وزيّن له الشيطان سوء عمله ، وقبيح زلله ، فاتّخذ بغضه وسيلة إلى أئمّة الضلال ، وتقرّباً إلى الآثمة الضلّال ، فأحلّ الله بهم أليم عقابه ووخيم عذابه ، في دار الفناء

(1) مناقب ابن شهراشوب : 2 / 335 ، عنه البحار : 41 / 210 ح 24 .

وأورد نحوه شاذان في الفضائل : 172 ـ 173 ، والروضة في الفضائل : 42 (مخطوط) ، عنهما البحار : 40 / 281 ـ 283 ح 44 .

وفي الخرائج والجرائح : 2 / 561 ح 19 (مختصراً) ، عنه البحار : 41 / 202 ح 15 ، وج 79 / 188 ح 24 ، ومستدرك الوسال : 18 / 151 ح 11.

وأخرجه في إثبات الهداة : 2 / 518 ح 454 (مختصراً) عن الفخر الرازي في تفسيره مفاتيح الغيب .

وفي مدينة المعاجز : 2 / 68 ح 403 عن البرسي ـ ولم نجده في مشارق أنوار اليقين ـ الا أنّ ما فيه يوافق ما في الفضائل والروضة . وفي ص 71 ح 404 عن السيد الرضي في المناقب الفاخرة .

( 357 )

قبل يومك الجزاء ، ولعنهم كما لعن أصحاب السبت إذا اعتدون سبتهم ، وأنزل بهم نكاله لما صرفوا عن آيات الله بزورهم وبهتهم ، وجعلهم عبرة في بلاده ، وتذكرة لعباده ، وغيّر سبحانه صورهم ، وقطع بدعائه دابرهم ، فقد خرجوا عن حدّ الإحصاء ، وفاتوا العدّ والاستقصاء ، وبلغت أخبارهم من التواتر حدّاً شافياً ، وقدراً كافياً .

كما روي عن الأعمش ، [عن رواته ،](1) عن حكيم بن جبير ؛ وعن عقبة الهجري ، عن عمّته ؛ وعن أبي يحيى ، قال : شهدت عليّاً عليه السلام على منبر الكوفة يقول : أنا عبد الله ، وأخو رسول الله ، ورثت نبيّ الرحمة ، ونكحت سيّدة نساء الاُمّة(2)، وأنا سيّد الوصيّين ، وآخر أوصياء النبيّين ، لا يدّعي ذلك غيري الا أصابه الله بسوء .

فقال رجل من عبس : من الذي لا يحسن أن يقول : أنا عبد الله ، وأخو رسول الله ؟ فلم يبرح مكانه حتى تخبّطه الشيطان ، فجرّ برجله إلى باب المسجد .(3)

العيّاشي(4): بإسناده إلى الصادق عليه السلام في خبر قال النبي صلى الله عليه وآله : يا عليّ ، إنّي سألت الله سبحانه أن يوالي بيني وبينك ففعل ، وسألته أن

(1) من المناقب .

(2) في المناقب : أهل الجنّة .

(3) مناقب ابن شهراشوب : 2 / 341 ـ 342 ، عنه مدينة المعاجز : 2 / 284 ح 553 .

وأورده في كشف الغمّة : 1 / 284 مرسلاً .وأخرجه في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 2 / 287 عن الغارات . وفي البحار : 41 / 205 ح 22 عن إرشاد المفيد : 1 / 352 ـ 353 ، والمناقب ، والخرائج والجرائح : 1 / 209 ح 51 .

(4) تفسير العيّاشي : 2 / 141 ح 11 ، عنه البحار : 36 / 100 ح 44 .

( 358 )

يؤاخي بينهم وبينك ففعل ، وسألته أن يجعلك وصيّي ففعل .

فقال رجل : والله لصاعٍ من تمر في شنّ(1) بالٍ خير ممّا سأل محمد ربّه ، هلّا سأل ملكاً يعضده على عدوّه ، أو كنزاً يستغني به على فاقته ؟ فأنزل سبحانه «فَلَعَلّكَ تَارِكُ بَعْضَ مَا يُوحَى‏ إِلَيْكَ»(2) الآية . وفي رواية : انّه أصاب قائله علّة .(3)

أبو بصير ، عن الصادق عليه السلام ، قال : لمّا قال النبي صلى الله عليه وآله : يا علي ، لولا أنّي أخاف أن يقال فيك كما قالت النصارى في المسيح لقلت اليوم فيك مقالة لا تمرّ بملأٍ من المسلمين الا أخذوا التراب من تحت قدميك(4)، قال الحارث بن عمرو الفهري لقوم من أصحابه : ما وجدمحمد لابن عمّه مثلاً الا عيسى بن مريم يوشك أن يجعله نبيّاً من بعده والله إنّ آلهتنا التي كنّا نعبد خير منه ، فأنزل الله تعالى : «وَلَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدّونَ ـ قوله : ـ وَإِنّهُ لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ فَلاَ تَمْتَرُنّ بِهَا وَاتّبِعُونِ هذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ»(5).

وفي ريواة أنّه نزل ايضاً «إِنْ هُوَ إِلّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ»(6)، فقال النبي صلى الله عليه وآله : يا حارث ، اتّق الله وارجع عمّا قلت من العدواة لعليّ .

فقال : إذا كنت رسول الله ، وعليّ وصيّك من بعدك ، وفاطمة بنتك سيّدة

(1) الشنّ : القرية الخلفة «خ» .

(2) سورة هود : 12 . وفي الأصل والمناقب : «فلعلّك باخع نفسك»، وهي الآية : 6 من سورة الكهف ، وما أثبتناه وفقاً لما في العيّاشي .

(3) مناقب ابن شهراشوب : 2 / 342 ، عنه البحار : 40 / 72 ذ ح 19 وعن أمالي المفيد : 279 ح 5 ، وأمالي الطوسي : 1 / 105 .

(4) كذا في المناقب ، وزاد في الأصل : الخبر . ممّا يوهم بتقطيع الخبر .

(5) سورة الزخرف : 57 ـ 61 .

(6) سورة الزخرف : 59 .

( 359 )

نساء العالمين ، والحسن والحسين ابناك سيّدا شباب أهل الجنة ، وحمزة عمّك سيد الشهداء ، وجعفر الطيّار ابن عمّك يطير مع الملائكة في الجنة ، والسقاية للعبّاس عمّك ، فما تركت لسائر قريش وهم ولد أبيك ؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : ويلك يا حارث ، ما فعلتُ ذلك ببني عبد المطّلب ، لكنّ الله سبحانه فعله بهم .

فقال الحارث : «اللّهُمّ إِن كَانَ هذَا هُوَ الْحَقّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السّماءِ»(1) فأنزل الله سبحانه : «وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ»(2) فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله الحارث فقال : إمّا أن تتوب أو ترحل عنّا .

فقال : إنّ قلبي لا يطاوعني للتوبة ، لكنّي أرحل عنك ، فركب راحلته ، فلمّا أصحر أرسل(3) الله عليه طيراً من السماء في منقاره حصاة مثل العدسة ، فأنزلها على هامته فخرجت من دبره إلى الأرض ، ففحص برجله ، وأنزل سبحانه «سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ»(4) للكافرين بولاية عليّ ، [قال :](5) هكذا نزل به جبرائيل عليه السلام .(6)

قال زياد بن كليب : كنت جالساً في نفر فمرّ بنا محمد بن صفوان مع عبيد الله بن زياد ، فدخلا المسجد ، ثمّ رجعا إلينا وقد ذهبت عينا محمد بن صفوان ،

(1 و2) سورة الأنفال : 32 و33 .

(3) في المناقب : أنزل .

وأصحر : أي صار في الصحراء .

(4) سورة المعراج : 1 .

(5) من المناقب .

(6) مناقب ابن شهراشوب : 2 / 342 ـ 343 ، عنه البحار : 35 / 320 ح 17 .

( 360 )

فقلنا : ما شأنه ؟ فقال : إنّه قام في المحراب وقال : إنّه من لم يسبّ عليّاً بيّنةً(1) فأنا أسبّه بيّنة ، فطمس الله بصره . وقد روى هذا عمرو بن ثابت ، عن أبي معشر . البلاذري(2) والسمعاني والمامطيري(3) والنطنزي والفلكي أنّ سعد بن مالك مرّ برجل يشتم عليّاً عليه السلام ، فقال : ويحك ما تقول ؟ قال : أقول ما تسمع . فقال : اللهم إن كان كاذباً فاهلكه ، فخبطه جمل بختيّ فقتله .(4)

ابن المسيّب قال : صعد مروان المنبر وذكر عليّاً عليه السلام فشتمه ، قال سعيد بن المسيّب : فهوّمت عيناي فرأيت كفّاً في منامي خرجت من قبر رسول الله صلى الله عليه وآله ـ يرى الكفّ ولا يرى الذراع ـ عاقدة على ثلاث وستّين(5)، وسمعت قائلاً يقول : يا أموي «أَكَفَرْتَ بِالّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمّ مِن نُطْفَةٍ ثُمّ سَوّاكَ رَجُلاً»(6)؟

قال : فما مرّت بمروان الا ثلاث حتى مات .

(1) في الماقب : بنيّة . وكذا في الموضع التالي .

(2) أنساب الأشراف : 2 / 177 ح 204 .

(3) هو أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله المامطيري ، ومامطير : بليدة بناحية آمل طبرستان .

(4) في انساب الأشراف والمناقب : فخبطه جمل حتى قتله .

والبُخت والبُختيّة : هي الإبل الخراسانيّة . «لسان العرب : 2 / 9 ـ بخت ـ» .

(5) على حساب العقود العقد على ثلاث وستّين هو أن يثنّي الخنصر والبنصر والوسطي ويأخذ ظفر الإبهام بباطن العقدةالثانية من السبّابة ، فأشار بعقد الثلاثة إلى أنه لا يعيش أكثر منها .

(6) سورة الكهف : 37 .

( 361 )

مناقب إسحاق [العدل](1): انّه كان في خلافة هشام خطيب يلعن عليّاً عليه السلام على المنبر ، فخرجت كفّ من قبر رسول الله صلى الله عليه وآله ـ يُرى الكفّ ولا يُرى الذراع ـ عاقدة على ثلاث وستّين ، وإذا كلام من القبر : ويلك [من أمويّ](2) «أَكَفَرْتَ بِالّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمّ مِن نُطْفَةٍ» الآية ، وألفت ما فيها ، فإذا دخان أزرق ، قال : فما نزل عن المنبر الا وهو أعمى يقاد ، وما مضت عليه ثلاثة أيّام حتى مات .(3)

وروى علماء واسط أنّه لمّا رفع عمر بن عبد العزيز اللعائن جعل خطيب واسط يلعن ، فإذا هو بثور عبر الشط ، وشقّ السور ، ودخل المدينة ، وأتى الجامع ، وصعد المنبر ، ونطح الخطيب فقتله ، وغاب عن أعين الناس ، فسدّوا الباب الذي دخل منه(4)، وأثره ظاهر وسمّوه باب الثور .

وقال هاشميّ : رأيت رجلاً بالشام قد اسودّ نصف وجهه ـ وهو يغطّيه ـ فسألته عن سبب ذلك ، فقال : نعم ، قد جعلت على نفسي أن لا يسألني أحد عن سبب ذلك الا أخبرته ، كنت شديد الوقيعة في عليّ ، كثير الذكر له بالمكروه ، فبينا أنا ذات ليلة نائم إذا بآتٍ أتاني في منامي فقال : أنت صاحب الوقيعة في عليّ ؟ فضرب شقّ وجهي ؟ فأصبحت وشقّ وجهي أسود كما ترى .(5)

(1 و2) من المناقب .

(3) مناقب ابن شهراشوب : 2 / 343 ـ 344 ، عنه البحار : 39 / 318 ح 19 ، ومدينة المعاجز : 2 / 283 ـ 284 ح 551 و552 إلى قوله : فخبطه جمل حتى قتله .

(4) كذا في المناقب ، وفي الأصل : فيه .

(5) مناقب ابن شهراشوب : 2 / 344 ، عنه البحار : 39 / 319 ح 20 ، ومدينة المعاجز : 1 / 314 ح 198 من قوله «قال هاشمي» .

وأورد نحوه في الفضائل لشاذان : 115 ، والروضة في الفضائل : 10 (مخطوط) ، عنهما البحار : 42 / 8 ح 10 .

وأورده أيضاً في الثاقب في المناقب : 241 ح 6 .

( 362 )

وكان بالمدينة رجل ناصبيّ، ثم تشيّع بعد ذلك ، فسئل عن السبب ، فقال : إنّي رأيت في منامي عليّاً عليه السلام يقول [لي](1): لو حضرت صفّين مع من كنت تقاتل ؟

قافل : فأطرقت اُفكّر ، فقال عليه السلام : يا خسيس ، هذه مسألة تحتاج إلى [هذا](2) الفكر العظيم ! اصفعوا قفاه ، فصفعت(3) حتى انتبهت وقد ورم قفاي ، فرجعت عمّا كنت عليه .(4)

روى شيخنا ووسيلتنا إلى ربّنا الشيخ الجليل الفقيه عناد الدين محمد بن علي بن الحسين [بن موسى](5) بن بابويه القمّي في أماليه ، قال : حدّثني محمد بن إبراهيم بن إسحاق رضي الله عنه قال : حدّثني محمد بن جرير الطبري ، قال : حدّثني أحمد بن رشيد ، قال حدّثنا أبو معمر سعيد بن خثيم(6)، قال : حدّثني سعد ، عن الحسن البصري أنّه بلغه أنّ زاعماً يزعم أنّه ينتقص عليّاً صلوات الله عليه ، فقام في أصحابه يوماً فقال : لقد هممت أن أغلق بابي ثمّ لا أخرج من بيتي حتى يأتيني أجلي ، بلغني أنّاعماً منكم يزعم أنّي أنتقص خير الناس بعد نبيّنا صلى الله عليه وآله ، وأنيسه وجليسه ، والمفرّج عنه الكرب عند الزلازل ، والقاتل للأقران يوم التنازل ، لقد فارقكم رجل قرأ القرآن فوقّره ، [وأخذ العلم

 وأخرجه في مدينة المعاجز : 1 / 314 ح 199 عن البرسي ـ ولم نجده في مشارق أنوار اليقين ـ وما فيه يوافق ما في فضائل شاذان .

(1 و2) من المناقب .

(3) في المناقب : اعطوا قفاه . فصفقت .

(4) مناقب ابن شهراشوب : 2 / 344 ، عنه البحار ك 42 / 7 ح 7 .

(5) من الأمالي .

(6) في الأمالي : خيثم (خثيم) .

( 363 )

فوفّره ،](1) وحاز البأس فاستعمله في طاعة ربّه ، صابراً على مضض الحرب ، شاكراً عند اللأواء والكرب ، عمل بكتاب الله ، ونصح لنبيّه وابن عمّه وأخيه ، آخاه دون أصحابه ، وجعل عند سرّه ، وجاهد عنه صغيراً ، وقاتل معه كبيراً ، يقتل الأقران ، وينازل الفرسان دون دين الله حتى وضعت الحرب أوزارها ، مستمسكاً بعهد نبيه صلى الله عليه وآله ، لا يصدّه صادّ ، ولا يمالي عليه مضادّ ، ثمّ مضى النبي صلى الله عليه وآله وهو عنه راض .

أعلم المسلمين علماً ، وأفهمهم فهماً ، وأقدمهم في الإسلام ، لا نظير له في مناقبه ، ولا شبيه له في ضرائبه ، فظلفت(2) نفسه عن الشهوات ، وعمل لله في الغفلات ، وأسبغ الوضوء(3) في السبرات ، وخشع(4) لله في الصلوات ، وقطع نفسه عن اللذات ، مشمّراً عن ساق ، طيّب الأخلاق ، كريم الأعراق ، واتّبع سنن نبيّه ، واقتفى آثار وليّه ، فكيف أقول فيه ما يوبقني ؟ وما أحد أعلمه يجد فيه مقالاً ، فكفّوا عنّا الأذى ، وتجنّبوا طريق الردى .(5)

وقال أيضاً رضي الله عنه في أماليه : حدّثنا أحمد بن الحسن القطّان وعلي بن أحمد بن موسى الدقّاق ومحمد بن أحمد السناني وعبد الله بن محمد الصائغ ، قالوا : حدّثنا أبو العبّاس [أحمد بن يحيى بن](6) زكريّا القطّان ، قال : حدّثنا أبو محمد بكر بن عبدالله بن حبيب ، قال : حدّثني علي بن محمد ، قال : حدّثنا الفضل بن العبّاس ، قال حدّثنا عبد القدّوس الورّاق ، قال : حدّثنا

(1) من الأمالي .

(2) كذا في الأمالي ، وفي الأصل : طلقت . وظلفت : منعت .

(3) في الأمالي : الطهور . والسيرات : جمع السبرة ، الغداة الباردة .

(4) كذا في الأمالي ، وفي الأصل : وخضع .

(5) أمالي الصدوق : 352 ح 1 ، عنه البحار : 40 / 117 ح 2 .

(6) من الأمالي .

( 364 )

محمد بن كثير ، عن الأعمش .

وحدّثنا الحسن بن إبراهيم بن أحمد المكتّب ، قال : حدّثنا أحمد بن يحيى القطّان ، قال : حدّثنا بكر بن عبد الله بن حبيب ، قال : حدّثني عبيد الله بن محمد بن باطويه(1)، قال : حدّثنا محمد بن كثير ، عن الأعمش .

وأخبرنا سليمان بن أحمد بن أيّوب اللخمي فيما كتب إلينا من أصفهان ، قال : حدّثنا أحمد بن القاسم بن مساور الجوهري سنة ستّ وثمانين ومائتين ، قال : حدّثنا الوليد بن الفضل العنزي ، قال : حدّثنا الوليد بن الفضل العنزي ، قال : حدّثنا مندل بن علي العنزي(2)، عن الأعمش .

وحدّثنا محمد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني ، قال : حدّثنا أبو سعيد الحسن بن علي العدوي ، قال : حدّثنا علي بن عيسى الكوفي ، قال : حدّثنا جرير(3) بن عبد الحميد ، عن الأعمش ، وزاد بعضهم على بعض في اللفظ ، وقال بعضهم ما لم يقل بعض ، وسياق الحديث لمندل بن علي العنزي ، عن الأعمش ، قال : بعث إليّ أبو جعفر الدوانيقي في جوف الليل أن أجب ، قال : فبقيت(4) متفكّراً فيما بيني وبين نفسي وقلت : ما بعث إليّ [في](5) هذه الساعة الا ليسألني عن فضائل علي عليه السلام ، ولعلّي إن أخبرته قتلني .

قال : فكتبت وصيّتي ، ولبست كفني ، ودخلت عليه ، فقال ادن منّي ، فدنوت وعنده عمرو بن عبيد ، فلمّا رأيته طابت نفسي شيئاً ثم قال : ادن منّي ،

(1) في الأمالي : عبد الله (عبيد الله) بن محمد بن باطويه (ناطويه) .

(2) في الأمالي : العنزي (العتري) . وكذا في الموضع التالي .

(3) كذا في الأمالي ، وفي الاصل : حريز .

(4) في الأمالي : فقمت .

(5) من الأمالي .

( 365 )

فدنوت حتى كادت تمسّ ركبتي ركبته ، قال : فوجدمنّي رائحة الحنوط ، فقال : والله لتصدقّنني والا لأصلبنّك .(1)

فقلت : ما حاجتك ، يا أمير المؤمنين ؟

قال : ما شأنك متحنّطاً ؟

قلت : أتاني رسولك في جوف الليل أن أجب ، فقلت : عسى أن يكون أمير المؤمنين بعث إليّ [في](2) هذه الساعة ليسألني عن فضائل عليّ عليه السلام . فلعلّي إن أخبرته قتلني ، فكتبت وصيّتي ، ولبست كفني .

قال : وكان متّكئاً فاستوى جالساً وقال : لا حول ولا قوّة الا بالله ، سألتك ـ يا أعمش(3)ـ كم حديثاً ترويه في فضائل عليّ عليه السلام ؟

قال : فقلت : يسيراً ، يا أمير المؤمنين . قال : كم . قلت : عشرة آلاف وما زاد .

فقال : يا سليمان ، لاُحدّثنّك بحديث في فضل عليّ عليه السلام تنسى كلّ حديث [سمعته](4) .

قال : قلت : حدّثني ، يا أمير المؤمنين . قال : إنّي كنت هارباً من بني اُميّة وكنت أتردّد في البلدان(5) وأتقرّب إلى الناس بفضائل عليّ عليه السلام ، وكانوا يطعموني ويزوّدوني حتى وردت إلى

(1) في الأمالي : لتصدّقني أو لاُصلبنّك .

(2 و4) من الأمالي .

(3) في الأمالي : سألتك بالله يا سليمان .

(5) كذا في الأمالي ، وفي الأصل : من بني يزدد في البلدان .

( 366 )

بلاد شام ، وإنّي لفي كساءٍ خلق ما عليّ غيره ، فسمعت الاقامة وأنا جائع ، فدخلت المسجد لاُصلّي وفي نفسي أن اُكلّم الناس في عشاءٍ [يعشوني](1)، فلمّا سلّم الإمام دخل المسجد صبيّان ، فالتفت الإمام اليهما وقال : مرحباً بكما ، ومرحباً بمن اسمكما على اسمهما ، وكان إلى جانبي شابّ فقلت : يا شابّ ، ما الصبيّان ؟ ومن الشيخ ؟

قال : هو جدّهما ، وليس أحد في هذه المدينة يحبّ عليّاً الا [هذا](2) الشيخ ، فلذلك سمّى أحدهما الحسن والآخر الحسين ، فقمت فرحاً إلى الشيخ ، فقلت : أيها الشيخ ، هل لك حاجة في حديثٍ اُقرّ به عينك ؟

قال : إن أقررت عيني أقررت عينك .

قال : قلت : حدّثني أبي ، عن جدّي ، عن أبيه قال : كنّا قعوداً عند رسول الله صلى الله عليه وآله إذ جاءت فاطمة عليها السلام وهي تبكي ، فقال لها النبي صلى الله عليه وآله : ما يبكيك يا فاطمة ؟

قالت : يا أبة ، خرج الحسن والحسين فما أدري أين باتا .

فقال النبي صلى الله عليه وآله : يا فاطمة ، لا تبكي ، فإنّ الله الذي خلقهما هو ألطف بهما منك ، ورفع النبي صلى الله عليه وآله يديه إلى السماء ، وقال : اللهم إن كانا أخذا برّاً أو بحراً فاحفظهما وسلّمهما ، فنزل جبرائيل عليه السلام من السماء وقال : يا محمد ، إنّ الله سبحانه يقرئك السلام ويقول : لا تحزن ولا تغتمّ فإنّهما فاضلان في الدنيا وفاضلان في الآخرة ، وأبوهما أفضل منهما ، هما نائمان في حظيرة بني النجّار ، وقد وكّل الله بهما ملكاً .

قال : فقام رسول الله صلى الله عليه وآله فرحاً ومعه أصحابه حتى أتى

(1 و2) من الأمالي .

( 367 )

حظيرة بني النجّار ، فإذا الحسن(1) معانقاً للحسين عليه السلام ، وإذا الملك الموكّل بهما قد افترش أحد جناحيه تحتهما وغطّاهما بالآخر .

قال : فمكث النبي صلى الله عليه وآله يقبّلهما حتى انتبها ، فلمّا استيقظا حمل النبي صلى الله عليه وآله الحسن ، وحمل جبرائيل الحسين فخرج من الحظيرة وهو يقول : والله لاُشرّفنّكما كما شرّفكم الله عزّ وجل .

فقال له أبو بكر : ناولني أحد الصبيّين اُخفّف عنك .

فقال : يا أبا بكر ، نعم الحاملان ، ونعم الراكبان ، وأبوهما أفضل منهما فخرجت حتى أتى باب المسجد فقال : يا بلال ، هلمّ عليّ الناس ، فنادى منادي رسول الله صلى الله عليه وآله في المدينة ، فاجتمع الناس عند رسول الله صلى الله عليه وآله في المسجد ، فقام على قدميه ، فقال : يا معشر الناس ، هل أدلّكم على أفضل الناس جدّاً وجدّة ؟

قالوا : بلى ، يا رسول الله .

قال : الحسن والحسين فإنّ جدّهما محمد صلى الله عليه وآله ، وجدّتهما خديجة بنت خويلد .

يا معشر الناس ، هل أدلّكم على خير الناس اُمّاً وأباً ؟

قالوا : بلى ، يا رسول الله .

قال : الحسن والحسين فإنّ أباهما يحبّ الله ورسوله ، ويحبه الله ورسوله ، واُمّهما فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله .

يا معشر الناس : هل أدلّكم على خير الناس عمّاً وعمّة ؟

(1) في الأمالي : حتى أتوا حظيرة بني النجّار ، فإذا هم بالحسن .

( 368 )

قالوا : بلى ، يا رسول الله .

قال : الحسن والحسين فإنّ عمّهما جعفر الطيّار في الجنّة مع الملائكة ، وعمّتهما اّمّ هانئ بنت أبي طالب .

يا معشر الناس ، هل أدلّكم على خير الناس خالاً وخالة ؟

قالوا : بلى ، يا رسول الله .

قال : الحسن والحسين فإنّ خالهما القاسم بن رسول الله صلى الله عليه وآله ، وخالتهما زينب بنت رسول الله ، ثمّ قال بيده هكذا يحشرنا الله(1)، ثم قال : اللهم إنّك تعلم أنّ الحسن في الجنّة ، والحسين في الجنّة ، وجدّهما في الجنّة ، وجدّتهما في الجنّة ، [وأباهما في الجنّة ، واُمّهما في الجنّة](2)، وعمّهما في الجنّة ، وعمّتهما في الجنّة ، وخالهما في الجنّة ، وخالتهما في الجنّة .

اللهم إنّك تعلم من يحبّهما في الجنّة ، ومن يبغضهما في النار . قال : فلمّا قلت ذلك للشيخ قال : من أنت يا فتى ؟ قلت : رجل من أهل الكوفة . قال : اعربيّ أنت أم مولى ؟ قلت : بل عربيّ .

قال : فأنت تحدّث بهذا الحديث وأنت في هذا الكساء ، فكساني خلعته ،

(1) الظاهر أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله ضمّهما إلى صدره وأشار إلى الناس : هكذا يحشرنا الله .

(2) من الأمالي .

( 369 )

وحملني على بغلته فعبتها بمائة دينار ، وقال يا شابّ(1)، أقررت عين فوالله لأقرّنّ عينك ، ولأرشدنّك إلى شابّ يقرّ عينك اليوم .

قال : قلت : أرشدني .

قال : إنّ لي أخوين أحدهما إمام والآخر مؤذّن ، أمّا الإمام فإنّه يحبّ عليّاً منذ خرج من بطن اُمّه ، وأمّا المؤذّن فإنّه يبغض عليّاً منذ خرج من بطن اُمّه .

قال : قلت : أرشدني ، فأخذ بيدي حتى أتى بي إلى باب الامام ، فإذا برجل خرج إليّ وقال : أمّا البغلة والكسوة فأعرفهما ، والله ما كان فلان يكسوك ويحملك الا لأنّك تحبّ الله ورسوله ووصيّ رسوله ، فحدّثني بحديث في فضل عليّ بن أبي طالب عليه السلام .

قال : قلت : أخبرني أبي ، عن أبيه ، عن جدّه ، قال : كنّا قعوداً عند رسول الله صلى الله عليه وآله إذ جاءت فاطمة تبكي بكاءً شديداً ، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله : ما يبكيك ، يا فاطمة ؟

قالت : يا أبة ، عيّرتني نساء قريش وقلن : إنّ أباك زوّجك من معدم لا مال له .

فقال لها النبي صلى الله عليه وآله : لا تبكي فوالله ما زوّجتك حتى زوّجك الله من فوق عرشه ، وأشهد بذلك جبرائيل وميكائيل ، وإنّ الله سبحانه اطّلع على أهل الأرض(2) فاختار من الخلائق أباك فبعثه نبيّاً ، ثمّ اطّلع الثانية فاختار من الخلائق عليّاً ، فزوّجك إيّاه ، واتّخذه وصيّاً ، فعليّ أشجع الناس قلباً ، وأحلم الناس حلماً ، وأسمح الناس كفّاً ، وأقدم الناس سلماً ، وأعلم الناس علماً ،

(1) كذا في الأمالي ، وفي الأصل : بغلته باعها بمائة دينار ، وقال : يا شيخ .

(2) في الأمالي : الدنيا .

( 370 )

والحسن والحسين ابناه وهما سيّدا شباب أهل الجنة ، واسمهما في التوراة شبير وشبر لكرامتهما على الله سبحانه .

يا فاطمة ، لا تبكي فوالله إذا كان يوم القيامة يكسى أبوك حلّتين ، وعليّ حلّتين ، ولواء الحمد بيدي ، فاُناوله عليّاً لكرامته على الله .

يا فاطمة ، لا تبكي فإنّي إذا دعيت إلى ربّ العالمين يجيّ عليّ معي ، وإذا شفّعني الله شفّع عليّ معي .

يا فاطمة ، لا تبكي فإنّه إذا كان يوم القيامة ينادي منادٍ في أهوال ذلك اليوم : يا محمد ، نعم الجدّ جدّك إبراهيم خليل الرحمن ، ونعم الأخ أخوك علي بن أبي طالب . يا فاطمة ، علي يعينني على مفاتيح الجنّة ، وشيعته هم الفائزون غداً يوم القيامة في الجنّة ، فلمّا قلت ذلك قال : يا بنيّ ممّن أنت ؟ قلت : من أهل الكوفة . قال : أعربيّ أنت أم مولى ؟ قلت : عربيّ .

قال : فكساني ثلاثين ثوباً ، وأعطاني عشرة آلاف درهم ، ثمّ قال : يا شابّ ، أقررت عيني ولي إليك حاجة ، قلت : انقضيت إن شاء الله .

قال : فإذا كان غداً فائت مسجد آل فلان كيما ترى أخي المبغض لعليّ بن أبي طالب عليه السلام .

قال : فطالت عليّ تلك الليلة ، فلمّا أصبحت أتيت المسجد الذي وصف لي وقمت في الصف الأوّل فإذا إلى جانبي شابّ متعمّم فذهب ليركع فسقطت

( 371 )

عمامته ، فنظرت في وجهه فإذا رأسه رأس خنزير ، ووجهه وجه خنزير ، فوالله ما علمت ما تكلّمت [به](1) في صلاتي حتى سلّم الامام ، فقلت : يا ويحك ما الذي أرى بك ؟

فبكى وقال لي : انظر إلى هذه الدار ، فنظرت ، فقال لي : ادخل ، فدخلت ، فقال لي : كنت مؤذّناً لآل فلانٍ كلّما أذّنت(2) لعنت عليّاً صلوات الله عليه ألف مرّة بين الاذان والإقامة ، وكلّما كان يوم الجمعة لعنته أربعة آلاف مرّة ، فخرجت من منزلي وأتيت داري واتّكأت على هذا الدكّان الذي ترى فرأيت في منامي كأنّي في الجنّة وفيها رسول الله صلى الله عليه وآله وعلي عليه السلام فرحين ، ورأيت كأنّ النبي صلى الله عليه وآله عن يمينه الحسن ، وعن يساره الحسين ومعه كأس ، فقال : يا حسن ، اسقني فسقاه ، ثمّ قال : اسق الجماعة ، فسقاهم(3)، ثمّ رأيته كأنّه قال : اسق المتّكئ على [هذا](4) الدكّان .

فقال الحسن عليه السلام : يا جدّ ، أتأمرني أن أسقي هذا وهو يلعن أبي في كلّ يوم ألف مرّة بين الأذان والإقامة ، وقد لعنه في هذا اليوم أربعة آلاف مرّة بين الأذان والإقامة ؟! فأتاني النبي صلى الله عليه وآله وقال : مالك عليك لعنة الله تعلن عليّاً ، وعليّ منّي ، [وتشتم عليّاً وعليّ منّي](5)؟ ورأيته كأنّه تفل في وجهي وضربني برجله ، وقال : قم غيّر الله ما بك من نعمة ، فانتبهت [من نومي](6) فإذا رأسي رأس خنزير ، ووجهي وجه خنزير .

ثم قال لي أبو جعفر المنصور : أهذان الحديثان في يدك ؟

(1 و4 و5 و6) من الأمالي .

(2) في الأمالي : أصبحت .

(3) في الأمالي : فشربوا .

( 372 )

فقلت : لا . فقال : يا سليمان ، حبّ عليّ إيمان ، وبغضه نفاق ، والله لا يحبّه الا مؤمن ، ولا يبغضه الا منافق .

قال : فقلت : الأمان ، يا أمير المؤمنين . قال : لك الأمان . فقتل : ما تقول في قاتل الحسين عليه السلام ؟ فقال : في النار ، وإلى النار . قلت : وكذلك من يقتل ولد رسول الله صلى الله عليه وآله في النار ، وإلى النار . قال : يا سليمان ، الملك عقيم ، اخرج فحدّث بما سمعت .(1) قلت : ثمّ لم تغن عنه الآيات والنذر ، ولم يعتبر بما شاهد وحقّه أن يعتبر ،

(1) أمالي الصدوق : 353 ح 2 ، عنه مدينة المعاجز : 1 / 311 ح 196 ، وج 3 / 276 ح 894 ، وغاية المرام : 657 ح 108 ، وحلية الأبرار : 2 / 137 ح 1 .

ورواه في مناقب ابن المغازلي : 143 ح 188 ، ومناقب الخوارزمي : 200 ، وباشرة المصطفى : 170 ـ 175 .

وأورده في روضة الوعظين : 120 ـ 124 ، وفضائل شاذان : 116 ـ 121 .

وأخرجه في البحار : 37 / 88 ح 55 عن أمالي الصدوق وبشارة المصطفى ومناقب الخوارزمي والمناقب الفاخرة في العترة الطاهرة .

وفي ج 43 / 302 ، وعوالم العلوم : 16 / 60 ـ 61 عن كشف الغمّة : 1 / 523 ـ 525 مختصراً .

وفي مدينة المعاجز : 4 / 11 ح 1051 عن عيون المعجزات : 60 ـ 61 . وفي غاية المرام : 653 ح 107 عن مناقب الخوارزمي والمناقب الفاخرة .

وفي حلية الأبرار : 2 / 138 ح 2 عن مناقب الخوارزمي .

( 373 )

حتى يتبع بالأذى ذرّيّته ، وقصد بالأدا(1) عترته ، فكم علويّ أضحى منه ومن ولده في أضيق سجن وأسر ، وأسبغ حكم وقهر ، قد أكلت الجوامع لحم سواعده ويديه ، ووضعت الأصفاد من قدميه إلى حقويه ، وأثّرت الأغلال في عنقه وعضديه ، ونظرت الحتوف عن كثب إليه ، يستعذب الموت من أليم عذابهم ، ويستطب الفوت لوخيم عقابهم .

وكم فاطميّ فطم عن ثدي الحياة بقواتل سمومهم ، وكم حسينيّ انتظم في سلك الأموات بسيوف وقائعهم ونقمهم ، سل فخّاً(2) وما حلّ بآل الرسول في عراها ، والزوراء وما غيّب من ولد البتول في ثراها ، وخراسان ومن شرّفت به مرابع طوسها ، والعراق وما حلّ من أمجادهم في ضرائح رموسها .

ترى مشاهدهم في الأقطار تشهد بجلالة قدرهم ، وتعاهدهم في الأمصار ينبي عن غزارة فضلهم ، وأنوار الايمان تسطع من قباب مزاراتهم ، وسحائب الغفران تهمع من اكمال زياراتهم ، يغفر الله الذنوب بالهجرة إليها ، ويكشف الكروب بالعكوف بحضراتها ومبانيها .

كلّما تقادمت الأيّام تجدّد فجرهم ، وكلّما تعاقبت الأعوام تعالى ذكرهم ، ورثوا المجد بالأصالة ، لما تمّمت بجدّهم الرسالة ، وعلت كلمتهم في الآفاق ، لما اُقيم أبوهم وليّاً على الإطلاق ، شدّ الله بزكيّهم أزر ملّته ، واستشهد بشهيدهم على برهان ربوبيّته ، وزيّن بعابدهم أوراد عبادته ، وبيّن بباقرهم وصادقهم أسرار شيعته ، وأظهر بعالمهم وكاظمهم أنوار حكمته ، وجعل رضاه مقروناً برضاهم ، وعلمه مخزوناً في جوادهم ومرتضاهم ، وهداه في اتّباع سبيل

(1) كذا في الأصل .

(2) فخّ : واد بمكّة ، قتل به الحسين بن علي بن الحسين يوم التروية سنة تسع وستّين ومائة ، وقتل جماعة من أهل بيته .... «مراصد الاطّلاع : 3 / 1019» .

( 374 )

هاديهم ، وولاه منوطاً بولاء عسكريّهم وزكيّهم ، وقوام الخلق بقائمهم ، وقيام الحقّ بعالمهم ، صاحب الشوكة والقوّة ، وظاهر الملّة والدعوة ، حجّة الله على بريّته ، ومحجّته في خليقته ، والقائم بالقسط في اُمّة جدّه ، والداعي إلى الحق بجدّه وجهده .

ذكر راحة روحي وقلبي ، ومدحه مجلي همّي وكربي ، وخياله نصب سواد مقلتي ، وجماله في سويداء قلبي ومهجتي ، أحنّ إلى ؤرؤيته ولو في طيف المنام ، وأشتاق الى بهجته وإن بعد المرام ، أودّ لو ثبّتني في جرائد الخالصين من عبيده ، وأن يرقمني في دفاتر المخلصين من جنوده ، وأن يسمني بميسم العبوديّة في جنبي لعزيز جنابه ، وأن يطوّقني بطوق الرقّية لملازمة ركابه ، أسير بين يدي طرفه ولو على رأسي وطرفي ، وأستلمح أنوار بهجته من بين يديّ ومن خلفي ، واُسارع إلى أمره بقلبي وقالببي ، ,أستظلّ بظلّ جواده وذلك أقصى مطالبي ، رافعاً صوتي مدّة مسيري بين يديه ، متابعاً لفظي حين إشارتي بالصلاة عليه ، قائلاً : معاشر المؤمنين ، افرجوا عن سبيل سبيل ربّكم ، وتنحّوا عن طريق وليّ أمركم .

هذا علّة وجودكم ، هذا دليلكم على معبودكم ، هذا صاحب زمانكم هذا ناصب أعلامكم ، هذا وسيلتك إلى ربّكم يوم حشركم ، هذا نوركم الذي يسعى بين أيديكم ومن خلفكم حين بشركم ، هذا الذي وعدكم به سيّد المرسلين ولا خلف لوعده ، هذا الذي الروح الأمين من بعض حشمه وجنده ، هذا فرع الشجرة المباركة ، هنذا خليفة الله بلا مشاركة ، هذا علم العترة الطاهرة ، هذا مصباح الاُسرة الفاخرة ، هذا شمس الشريعة النبويّة ، هذا بدر الذرّيّة العلويّة ، هذا ممصّر الأمصار ، هذا مدمّر الفجّار ، هذا هادم أركان النفاق ، هذا قاطع أسباب الشقاق ، هذا الصادق بالحقّ ، هذا الناطق بالصدق ، هذا طود الحلم ، هذا

( 375 )

بحر العلم ، هذا إمام الاُمّة ، هذا صاحب «وَنُرِيدُ أَن نّمُنّ عَلَى الّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمّةً»(1)، هذا الذي لولا وجوده لصاخت الأرض بكم ، ولأخذكم العذاب من فوقكم ومن تحت أرجلكم ، هذا خليفة الأنبياء ، هذا خاتمة الأوصياء .

غضّوا أبصاركم إذا أشرتم بالصلاة عليه ، واخفضوا أصواتكم ولا تقدّموا بين يديه ، واسألوا الله بحقّه فهو من أعظم وسائلكم إليه ، لا يقبل الله منكم صرفاً ولا عدلاً الا باتّباع سبيله ، ولا يقيم لكم يوم القيامة وزناً الا باقتفاء دليله .

فلا أزال أهتف بهذه الكلمات مدّة مسيري في ظلّ ركابه ، وأبهج بهذه الصفات منذ مصيري غاشياً دار جنابه ، حتى إذا التقى الجمعان ، واصطدم الفيلقان ، ضربت بين يديه بسيفي قدماً قدماً ، وقصمت الأصلاب بشدّة بطشي قصماً قصماً ، وقيّضت الأجساد بثعلب رمحي شكاً شكاً ، وجندلت الأبطال بقوّة عزمي فتكاً فتكاً ، لا اوقر كبير أهل النفاق ، ولا أرحم صغيرهم ، ولا أغمد حسامي حتى اُبيد أميرهم ومأمورهم .

لو نشر لي صدّيقهم نجل قحّافهم في تلك الحال لفلقت قحفته بنصفين ، ولو تراءى لعيني زعيمهم فاروقهم عند مقارعة الأبطال لفرقت فرقه شطرين ، ولصبغت من ذي نوريهم أثباجه من دم أوداجه ، ولأطفأت لابن هندهم من نور الحياة ضوء سراجه ، ولآذيت أهل هودجهم بقولي وفعلي ، ولو جأت جبينها وخدها بسبت نعلي ، وللعنت أباها وجدّها بعالي صوتي ، ولشفيت عليك صدري منها ومن جندها قبل موتي ، حتى أجعلها في عرصة الجمع تذكرة لمن كان له قلب أو ألقى السمع .

(1) سورة القصص : 5 .

( 376 )

يا ابن من أسرى به الله إلى حضرته      وبـه  أظـهر ديـن الحقّ من بعثته
يـا  سميّ الفاتح الخاتم يا نور الهدى      يـا مـنار الـحائر التائه في حيرته
يـا  أمـان الـملك الجبار في عالمه      يـا أمين المصطفى المختار في اُمّته
كـم غـياب عن عليل عظمت علّته      كم حجاب من مشوق مات من غصّته
لـو تزره عائداً لو في الكرى أحييته      وبـثثت  الروح بعد الموت في جثّته
لـم  يزل منك جمال في سويداء قلبه      وخـيال  في سواد الطرف من مقلته
مـستمرّ عـهده مـن عالم الذرّ إلى      أن يـوافيكم غداً بالصدق في رجعته
نـوره مذتمّ منكم صار لا يخشى بكم      زخـرفاً مـن باطل يوديه في ظلمته
مـذ  خـلا عمّا سواكم قلبه صار له      ذكـركم  دأبـاً بـه يأنس في خلوته
نـحوكم  مـنطقه كالدرّ في ترصيعه      بـبديع  يـطرب الأسـماع من دقّته

( 377 )

بـبيان مـن مـعان صرفها في مدحكم      يـزدريه  الـجاهل الـهالك في شبهته
قـسماً  بالله ثـمّ الـمصطفى أكرم من      أرسـل الله وبـالأطهار مـن عـترته
انّ  لـي صـدق يـقين بولاكم لا أرى      غـيـره يـنقذ لـلإنسان فـي لـعنته
يـا  مـليكاً جـعل الله لـه فـي ملكه      بـسطة مـنها مـدار الخلق في قبضته
لو نهيت الشمس عن إشراقها ما أشرقت      ومـنعت الـفلك الـدوّار عـن دورته
كـلّما  فـكّرت فـي جرمي وما أسلفته      مـن  كـبير مـوبق أسعفت من تبعته
قـال لـي حسن يقيني لك حصن مانع      ذلـك الـمولى الـذي بالغت في مدحته
حـجّة  الـوقت ولـيّ الله فـي عالمه      سـاطع الـبرهان والـظاهر في حجّته
بـحر عـلم طود حلم لا يضاهى مجده      كـنز جـود لا يـسامى في علا رفعته
غـائب  عـن مقلتي لكن بقلبي حاضر      لـم يـزل فـيه خـيال من سنا بهجته

( 378 )

يا مديد العمر صل صبا تقضّى عمره      في  انتظار واشفِهِ بالوصل من علّته
يا  إلهي إن تقضّى أجلي من قبتل أن      تقض لي بالسعد في دنياي من رؤيته
فامح عنّي موبقات ليس تحصى كثرة      واجـعلنّي يوم حشرالخلق في زمرته

أقول : إنّ هذه الجملة المعترضة التي قرّرتها ، والأبيات المسطّرة التي ذكرتها ، ليست من ملازمات المجلس المذكور ، ولا من غصون المقصد المذكور ، لكن لما صبّت الصبابة شآبيبها على قلبي ، وأضرمت الكآبة لهيبها في لبّي ، وذلك لما ألقى الله على لسان الحائد عن الحق ، ونطق به الجاحد من الصدق ، وشهد بما هو حجّة عليه في الدنيا والاُخرى ، فصار ومن انتمى إليه نحري الله أحقّ وأحرى ، أوحى جناني إلى لساني ، وألقى بياني على بناني ، هذه الكلمات المحلّاة بترصيعي وتسجيعي ، والأبيات المستمعة بمعاني بياني وبديعي ، فصارت كالعقد في صدر الخريدة ، أو العهد في صدر الجريدة .

ولنرجع إلى تمام المجلس الموعود ، والله المستعان على كلّ جبّار كنود .

الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام : كان إبراهيم بن هاشم المخزومي والياً على المدينة ، وكان يجمعنا كلّ يوم جمعة قريباً من المنبر ويشتم عليّاً عليه السلام ، فلصقت بالمنبر فأغفيت ، وفرأيت القبر قد انفرج فخرج منه رجل عليه ثياب بيض ، فقال لي : يا أبا عبد الله ، ألا يحزنك ما يقول هذا ؟

قلت : بلى ، والله .

 ( 379 )

قال : افتح عينيك انظر ما يصنع الله به ، وإذا هو قد ذكر عليّاً فرمي به من فوق المنبر فمات .(1)

عثمان بن عفّان السجستاني : [إنّ محمد بن عبّاد](2) قال : كان في جواري رجل صالح ، فرأى النبي صلى الله عليه وآله في منامه على شفير الحوض والحسن والحسين يسقيان الاُمّة ، فاستسقيت فأبيا عليَّ ، فأتيت النبي صلى الله عليه وآله أسأله ، فقال : لا تسقوه ، فإنّ في جوارك رجل يلعن عليّاً فلم تنهه ، ثم ناولني سكّيناً ، وقال : اذهب فاذبحه .

قال : فخرجت فذبحته ودفعت السكّين إليه ، فقال : يا حسين ، اسقه ، فسقاني ، فأخذت الكأس بيدي ولا أدري أشربت أم لا ، فانتبهت فإذا بولولة ويقولون : فلان ذبح على فراشه ، وأخذ الشرطة الجيران ، فقمت إلى الأمير ، فقلت : أصلحك الله أنا فعلت به هذا والقوم براء ، وقصصت عليه الرؤيا ، فقال : اذهب جزاك الله خيراً .(3)

عبد الله بن السائب وكثير بن الصلت ، قالا : جمع زياد بن أبيه أشراف الكوفة في مسجد الرحبة ليحملهم على سبّ أمير المؤمنين عليه السلام والبراءة منه ، فأغفيت فإذا أنا بشخص طويل العنق ، أهدل أهدب(4)، قد سدّ ما بين السماء والأرض ، فقلت له : من أنت ؟

(1) مناقب ابن شهراشوب : 2 / 345 ، عنه البحار ، 39 / 320 ، ومدينة المعاجز : 2 / 285 ح 554 .
(2) من المناقب .
(3) مناقب ابن شهراشوب : 2 / 345 ، عنه البحار : 39 / 320 .
وأخرجه في مدينة المعاجز : 2 / 286 ح 555 عن مناقب ابن شهراشوب والثاقب في المناقب : 239 ح 203 .
(4) الأهدل : المسترخي الشفة السفلى الغليظها . والأهدب : طويل شعر الأجفان .

( 380 )

قال : أنا النقّاد ذو الرقبة طاعون بعثت إلى زياد ، فانتبهت فزعاً فسمعت الواعية ، وأنشأت أقول :

قـد  جـشم الناس أمراً ضاق ذرعهم      بـحملهم(1)  حـين أدّاهم إلى الرحبة
يـدعو على ناصر الإسلام حين يرى      لـه  عـلى المشركين الطول والغلبة
مـا  كـان مـنتهياً عـمّا أراد به(2)      حـتـى  تـناوله الـنقّاد ذو الـرقبة
فـأسط  الـشقّ مـنه ضـربة عجباً      كما تناول ظلماً صاحب الرحبة(3)(4)

ولمّا أتم الله سبحانه به دينه ، وأثبت في صحائف الاخلاص يقينه ، قاتل على تأويل القرآن كما قاتل على تنزيله ، وشدّ أركان الإيمان بواضح دليله ، ومهّد سبيل الإسلام براسخ علمه ، وبيّن طريق الأحكام بصائب حكمه ، وأبطل شبهة أهل البغي بظاهر حجّة أدلّته ، وأدحض حجّة اولي الغيّ بصائب حكمته ، وأحيا سنّة أخيه الصادق الأمين في قوله : لتقاتلنّ بعدي الناكثين والقاسطين

(1) كذا في المناقب ، وفي الأصل : يحمله .
(2) في الأمالي : بنا .
(3) المراد من «صاحب الرحبة» أمير المؤمنين عليه السلام .
(4) مناقب ابن شهراشوب : 2 / 345 ، عنه البحار : 39 / 321 .
ورواه في أمالي الطوسي : 1 / 238 (مختصراً) ، عنه البحار : 39 / 314 ح 10 .
وفي ج 2 / 232 ، عنه البحار : 42 / 6 ح 6 .
وأخرجه في مدينة المعاجز : 2 / 262 ح 542 ، عن الأمالي ـ الرواية الثانية ـ والمناقب .

( 381 )

والمارقين .(1)

روى الحسن وقتادة أنّ الله أكرم نبيّه صلى الله عليه وآله بأن لم يره تلك النقمة ، ولم ير في اُمّته الا ما قرّت به عينه ، وكان بعده صلى الله عليه وآله نقمة شديدة .

وقد روي أنّه صلى الله عليه وآله اُري ما تلقى اُمّته من بعده ، فما زال منقبضاً ولم ينبسط ضاحكاً حتى لقي الله تعالى .

وروى جابر بن عبد الله الأنصاري [قال](2): إنّي لأدناهم من رسول الله صلى الله عليه وآله في حجّة الوداع بمنى حين(3) قال : لألفينّكم ترجعون بعدي كفّاراً يضرب بعضكم رقاب بعض ، وأيم الله لئن فعلتموها لتعرفنّني في الكتيبة التي تقاتلكم(4)، ثم التفت إلى خلفه فقال : أو عليّ أو عليّ ـ ثلاث مرّات ـ فرأينا انّ جبرئيل غمزه(5)، فأنزل الله على أثر ذلك «فَإِمّا نَذْهَبَنّ بِكَ فَإِنّا مِنْهُم مُنتَقِمُونَ»(6) بعليّ بن أبي طالب عليه السلام .(7)

(1) حديث مشهور روي من طرق الخاصّة والعامّة . انظر الأحاديث الغيبيّة : 1 / 72 ـ 80 ح 35 ـ 38 ففيه جملة وافرة من المصادر .
(2) من المجمع .
(3) في المجمع : حتى .
(4) في المجمع : تضاربكم .
(5) انظر في هذا المعنى : أمالي المفيد : 112 ح 4 ، عنه البحار : 32 / 304 ح 268 .وأمالي الطوسي : 2 / 75 ، عنه إثبات الهداة : 1 / 309 ح 239 .ومناقب ابن شهراشوب : 3 / 219 .وتأويل الآيات : 2 / 559 ح 18 ، عنه البحار : 32 / 313 ح 279 ، والبرهان : 4 / 144 ح 4 .
(6) سورة الزخرف : 41 .
(7) مجمع البيان : 5 / 49 ، عنه البحار : 5 / 150 ، وج 32 / 290 ح 242 وما قبله ، وج 36 / 23 ذ ح 6 .

( 382 )

وقال الشافعي كلاماً معناه : إنّما علم الناس قتال أهل البغي من عليّ عليه السلام .(1)

وقال محمد بن الحسن الفقيه : لولا عليّ بن أبي طالب ما علمنا حكم أهل البغي ، ولمحمد بن الحسن كتاب يشتمل على ثلاثمائة مسألة في قتال أهل البغي بناها على فعله صلوات الله عليه ، والأصل في قتال أهل البغي قوله سبحانه : «وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى‏ فَقَاتِلُوا الّتِي تَبْغِي ...»(2) فإذا بغت طائفة من أهل الإسلام على اُخرى وقلنا بوجوب قتالهم للأمر ، فقتال الطائفة الخارجة على إمام الحقّ أولى ، وقد قاتل أمير المؤمنين عليه السلام الناكثين والقاسطين والمارقين وهم أهل البصرة وعائشة وطلحة والزبير وعبد الله بن الزبير وغيرهم وهم الناكثون الذين نكثوا بيعته ، وقاتل أهل الشام معاوية ومن تابعه وهم القاسطون أي الحائرون ؛ وقيل : أهل النهروان وهم الخوارج ، وهؤلاء جميعهم عندنا كفّار محكوم بكفرهم ، لأنّ الإمامة عندنا من شرائط الإيمان كما انّ التوحيد والعدل والنبوّة من أركانه وشروطه ولا يستحق الثواب الدائم الا به ، ولقول النبي صلى الله عليه وآله : «يا عليّ ، حربك حربي ، وسلمك سلمي»(3) وهذا الحديث لم يختلف أحد من أهل الاسلام فيه ، وقد رواه أهل الخلاف في صحاحهم .(4)

(1) كنز العرفان للمقداد السيوري : 386 .
ونقل عن أبي حنيفة قوله : لولا سيرة أمير المؤمنين عليه السلام في اهل البغي ما كنّا نعرف أحكامهم . «شرح الأصول الخمسة : 141» .
(2) سورة الحجرات : 9 .
(3) الإفصاح : 128 ، تلخيص الشافي : 2 / 134 ـ 135 ، مناقب ابن المغازلي : 50 ، مناقب ابن شهراشوب : 3 / 217 ، مناقب الخوارزمي : 129 ، شرح المقاصد : 5 / 308 ، لسان الميزان : 2 / 483 .
(4) رووه بهذا اللفظ : يا عليّ ، أنا حرب لمن حاربك ، وسلم لمن سالمك .

( 383 )

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله : ما سمع واعيتنا أهل البيت أحد فلم يجيبنا الا أكبّه الله على منخريه في النار(1).(2)

وكانت عائشة لمّا اجتمع الناس لقتل عثمان من أعظم المحرّضين عليه ، كانت تقول : اقتلوا نعثلاً(3) ، قتل الله نعثلاً . وكانت تقول : هذا قميص رسول الله لم يبل وقد بليت سنّته ، وتركته في الفتنة ومضت إلى مكّة ، وكانت تؤلّب عليه وتقول : لا يصلح للخلافة الا ذو الاصبع ـ يعني طلحة ـ .(4)

ولمّا سمعت بقتله أقبلت من مكّة قاصدة المدينة ، وفي كلّ منزل تثني على طلحة وترجو أن يكون الأمر له ، فلمّا وصلت إلى مكان في طريق مكّة يقال له «سرف» وسمعت ببيعة علي عليه السلام قالت : ردّوني ، وانصرفت راجعة إلى مكّة تنتظر الأمر ، وجعلت تؤلّب على علي عليه السلام ، وكاتبت طلحة والزبير وعبيد الله بن عامر بن كريز ، فلحقوا بها بعد أن طلبوا من أمير

 انظر : مسند أحمد : 2 / 442 ، سنن ابن ماجة : 1 / 52 ، سنن الترمذي : 5 / 656 ، المستدرك على الصحيحين : 3 / 149 ، تاريخ بغداد : 7 / 137 ، مناقب ابن المغازلي : 64 ، أسد الغابة : 3 / 11 ، ذخائر العقبى : 25 ، الإحسان : 9 / 61 ، مجمع الزوائد : 9 / 169 .
(1) قال المجلسي رحمه الله : لعل المراد أنّ مع سماع الواعية وترك النصرة العذاب أشدّ ، وغلّا فالظاهر وجوب نصرتهم على أيّ حال .
(2) روى الصدوق في الأمالي : 118 ح 6 قول الحسين عليه السلام : فوالذي نفس الحسين بيده لا يسمع اليوم واعيتنا أحد فلا يعيننا الا أكبّه الله لوجهه في جهنّم . عنه البحار : 44 / 256 ح 4 ، ومدينة المعاجز : 2 / 171 ح 473 ، وعوالم العلوم : 17 / 147 ح 3 .
(3) قال ابنا لأثير في النهاية : 5 / 80 : النَعثَل : الشيخ الأحمق . ومنه حديث عائشة : «اقتلوا نعثلاً ، قتل الله نعثلاً» تعني عثمان .
وقال الغفيروز آبادي في القاموس المحيط : 4 / 59 : النَعثَل : الذَكَر من الضباع ، والشيخ الأحمق ، ويهودي كان بالمدينة ، ورجل لِحيانيّ كان يُشبّه به عثمان .
(4) انظر : كشف الغمّة : 1 / 238 ـ 239 ، ونهج الحقّ وكشف الصدق : 368 ـ 369 .

( 384 )

المؤمنين عليه السلام الاذن في المضيّ إلى مكّة . فقال لهم : ما تريدون بمضيّكم إلى مكّة ، وليس موسم حجّ ؟ فقالوا : نريد العمرة .

فقال عليه السلام : والله ما تريدون الا الغدرة ، ثمّ أذن لهم بعد أن أخذ عليهم العهود والمواثيق ، فأدركوا عائشة بمكّة ، وعزموا على قتال أمير المؤمنين ، ونكثوا بيعته ، وأرادوا عبد الله بن عمر على البيعة ، فقال : تريدون أن تلقوني في مخالب عليّ وأنيابه ، لا حاجة لي بذلك .

ثمّ أدركهم يعلى بن منية من اليمن(1) وأقرضهم ستّين ألف دينار ، وأرسلت عائشة إلى اُمّ سلمة تلتمس منها الخروج معها فأبت ، وأمّا حفصة فأجابت ، وصوّبت رأيها ، ثمّ خرجت عائشة في النفر الأوّل عامدة إلى البصرة لكثرة ما بها من أهل النفاق وشيعة بني اُميّة ، حتى إذا كانت بالحوأب وهو ماء على طريق البصرة من مكّة ، صاحت كلابه عليها ، فقالت : ما هذا الماء ؟

فقيل : اسمه الحوأب . فقال : إنّا لله وإنّا إليه راجعون ، وكانت قد سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله يقول لنسائه : أيّتكنّ صاحبة الجمل الأدبّ(2) تنبحها كلاب الحوأب ؟(3)

(1) في البحار : قادماً من اليمن .
(2) جَمَلٌ أدَبّ : كثير الوَبَر . «المحيط في اللغة : 9 / 267 ـ دب ـ» .
(3) انظر : المصنّف لعبد الرزّاق : 11 / 365 ح 20753 ، المعيار والموازنة : 28 ، الفتن لنعيم بن حمّاد : 1 / 83 ح 188 وص 84 ح 189 ، المصنّف لابن أبي شيبة : 15 / 259 ـ 260 ح 19617 ، مسند إسحاق بن راهويه : 3 / 891 ـ 892 ح 1569 .
ومن أراد المزيد من مصادر هذا الحديث فليرجع إلى الأحاديث الغيبيّة : 1 / 135 ح

( 385 )

وروى الأعثم في الفتوح(1)، وشيرويه في الفردوس ، وابن مردويه في فضائل عليّ ، والموفّق في الأربعين ، وشعبة والشعبي أنّ عائشة لمّا سمعت نباح الكلاب قالت : أيّ ماء هذا ؟ فقالوا : الحوأب . قالت : إنّا لله وإنّا إليه راجعون، إنّي نهيت ، قد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وعنده نساؤه [يقول](2): ليت شعري أيّتكنّ صاحبة الجمل الأدّب [تخرج](3) وتنبحها كلاب الحوأب ، يقتل عن يمينها ويسارها قتلى كثيرة ، وتنجو بعدما كادت تقتل ؟

ثمّ لم تعتبر بما رأت وسمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله لشدّة حنقها وعداوتها لأمير المؤمنين عليه السلام حتى قصدت البصرة بخيلها ورجلها .

فلمّا نزلت الخريبة خارج البصرة قصدهم عثمان بن حنيف رضي الله عنه ـ وكان والياً على البصرة من قبل أمير المؤمنين ، فحاربهم حرباً شديداً ، وسمّي ذلك اليوم «يوم الجمل الأوّل» وأصدعهم المصاع ، ومنعهم من دخولها أشدّ المنع ، وعلموا أنّه لا طاقة لهم به ، ثمّ كتب إلى أمير المؤمنين يخبره الخبر ، ثمّ بعد ذلك دعوا عثماناً إلى الصلح على أن يكون على حاله في يده بيت المال والإمرة والجمعة والجماعة والمسجد الجامع ، ويقيموا على حالهم في الخريبة حتى يجمع الناس على أمر فيه صلاح المسلمين ، وإلى أن يصل إليهم أمير

 78 .
(1) الفتوح : 2 / 460 .
(2 و3) من المناقب .

( 386 )

المؤمنين عليه السلام .

فقال طلحة لأصحابه في السرّ : والله لئن قدم عليّ القبصرة لنؤخذنّ بأعناقنا ، وحثّهم على بيات عثمان ونقض عهده ، فأجابوه وقصدوا عثمان في ليلة مظلمة وهو يصلّي بالناس العشاء الآخرة ، وقتلوا من شرطه خمسين رجلاً ، واستأسروه ، ونتفوال شعر لحيته ، وحلقوا رأسه ، وحبسوه .

وكان أمير المؤمنين عليه السلام قد ولّى على المدينة أخاه سهل بن حنيف ، فلمّا بلغه الخبر كتب إلى عائشة : أعطي الله عهداً لئن لم تخلوا سبيله لابلغنّ من أقرب الناس إليكم ، فأطلقوه ، وبعثت عائشة إلى الأحنف بن قيس تدعوه ، فأبى واعتزل في الجَلحاء على فرسخين من البصرة في ستّة آلاف رجل ، ثمّ بعث طلحة والزبير عبد الله بن الزبير في جماعة غلى بيت المال فقتل أبا سالمة الزطّي وكان على بيت المال ؛ وقيل : معه خمسي رجلاً من أصحابه .

وخرج أمير المؤمنين عليه السلام في ستّة آلاف رجل من المدينة ونزل بالربذة ، ومنها إلى ذي قار بالقرب من الكوفة ، وأرسل الحسن وعمّار إلى الكوفة وكتب معهم :

من عبد الله ووليّه عليّ أمير المؤمنين إلى أهل الكوفة حمية(1) الأنصار وسنام العرب ، ثم ذكر ما تمّ على عثمان وفعل طلحة والزبير [وعائشة](2)، ثم قال : ألا إنّ دار الهجرة قد قلعت بأهلها وقلعوا بها ، وجاشت جيش المرجل ، وقامت الفتنة على القطب ، فأسرعوا إلى أميركم ، وبادروا عدوّكم .

فلمّا بلغوا الكوفة قال أبو موسى الأشعري : يا أهل الكوفة ، اتّقوا الله

(1) في المناقب : جبهة .
(2) من المناقب .

( 387 )

تقتلوا أنفسكم ، إنّ الله كان بكم رحيماً «وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمّداً»(1) الآية ، وجعل يثبّط الناس ، وكان رأساً من رؤساء المنافقين لأمير المؤمنين عليه السلام ، وكانت عائشة قد أرسلته أن يثبّط الناس عن عليّ عليه السلام ، فسكّته عمّار .

فقال أبو موسى : هذا كتاب عائشة تأمرني أن اُثبّط الناس من أهل الكوفة ، وأن لا يكوننّ لنا ولا علينا ليصل إليهم صلاحهم .

فقال عمّار : إنّ الله تعالى أمرها بالجلوس فقامت ، وأمرنا بالقيام لندفع الفتنة فنجلس !! فقام زيد بن صوحان ومالك الأشتر في أصحابهما وتهدّدوه ، فلمّا أصبحوا قام زيد بن صوحان وقرأ : «الم«1» أَحَسِبَ النّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ»(2) الآيات .

ثم قال : أيها الناس ، سيروا إلى أمير المؤمنين ، وانفروا إليه أجمعين ، تصيباو الحق راشدين .

ثم قال عمار : هذا ابن عم رسول الله يستنفركم فأطيعوه ـ في كلام له ـ .

وقال الحسن بن علي عليهما السلام : أجيبوا دعوتنا ، وأعينونا على ما بلينا به ـ في كلام له ـ ، فخرج قعقاع بن عمرو ، وهند بن عمرو ، وهيثم بن شهاب ، وزيد بن صوحان ، والمسيّب بن نجبة ، ويزيد بن قيس ، وحجر بن عديّ ، وابن مخدوج ، والأشتر ، يوم الثالث في تعسة آلاف ، فاستقبلهم أمير المؤمنين على فرسخ ، ووقال : مرحباً بكم أهل الكوفة سنام العرب ، وفئة الإسلام ، ومركز الدين ـ في كلام له ـ وخرج إلى أمير المؤمنين من شيعته من أهل البصرة من

(1) سورة النساء : 93 .
(2) سورة العنكبوت : 1 و2 .

( 388 )

ربيعة ثلاث آلاف رجل ، وبعث الأحنف إلى أمير المؤمنين : إن شئت جئتك في مائتي فارس فكنت معك ، وإن شئت اعتزلت ببني سعد وكففت عنك ستّة آلاف سيف ، فاختار يا أمير المؤمنين .

ثمّ كتب أمير المؤمنين إلى طلحة والزبير :

أمّا بعد :

فإنّي لم اُرد الناس حتى أرادوني ، ولم اُبايعهم حتى أكرهوني ، وأنتما ممّن أراد بيعتي ، ثم قال عليه السلام بعد كلام : ودفعكما هذا الأمر قبل أن تدخلا فيه كان أوسع لكما من خروجكما منه بعد إقراركما .

البلاذري : قال : لمّا بلغ أمير المؤمنين قولهما : ما باثعناه الا مكرهين تحت السيف ، قال : أبعدهما الله إلى أقصى دار وأحرّ نار .

وكتب أمير المؤمنين عليه السلام إلى عائشة :

أمّا بعد :

فإنّك خرجت من بيتك عاصية لله تعالى ولرسوله محمد صلى الله عليه وآله تطلبين أمراً كان عنك موضوعاً ، ثمّ تزعمين أنّك تريدين الاصلاح بين المسلمين ، فخبّريني ما للنساء وقود العساكر والاصلاح بين الناس ؟ وطلبت كما زعمت بدم عثمان ، وعثمان رجل من بني اُميّة ، وأنت امرأة من بني تيم بن مرّة ، ولعمري إنّ الذي عرّضك للبلاء ، وحملك على العصبيّة ، لأعظم إليك ذنباً من قتلة عثمان ، وما غضبت حتى أُغضبت ، ولا هجت حتى هيّجت ، فاتّقي الله ـ يا عائشة ـ وارجعي إلى منزلك ، واسبلي عليك سترك .

فقال طلحة والزبير : احكم كما تريد ، فلن ندخل في طاعتك .

 ( 389 )

وقالت عائشة : لقد جلّ الأمر عن الخطاب ، وأنشأ حبيب بن يساف الأنصاري :

أبـا  حـسن أيـقظت مـن كان نائماً      ومـا  كلّ من يدعو(1) إلى الحق يتبعُ
وإنّ رجــالاً بـايـعوك وخـالـفوا      هواك وأجروا في الضلال وضيّعوا(2)
وطـلـحة فـيـها والـزبير قـرينة      ولـيـس لـمـا لا يـدفع الله مـدفع
وذكـرهم قـتل ابـن عـفّان خـدعة      هــم قـتـلوه والـمـخادع يـخدع

تاريخ الطبري والبلاذري : أنّه ذكر مجيء طلحة والزبير عند الحسن البصري ، فقال : يا سبحان الله ! ما كان للقوم أن يقولوا ، والله ما قتله غيركم .

تاريخ الطبري : قال يونس النحوي : فكّرت في أمر عليّ وطلحة والزبير إن كانا صادقين أنّ عليّاً عليه السلام قتل عثمان ، فعثمان هالك ، وإن كذبا عليه فهما هالكان .

ثم أنفذ أمير المؤمنين عليه السلام زيد بن صوحان وابن عبّاس فوعظاها وخوّفاها .

فأجابتهم : لا طاقة لي بحجج عليّ .

(1) في المناقب : وما كان من يدعى .
(2) كذا في المناقب ، وفي الأصل : وأوضعوا .

( 390 )

فقال ابن عبّاس : لا طاقة لك بحجج المخلوق ، فكيف طاقتك بحجج الخالق ؟(1)

ولمّا رأى أمير المؤمنين انّ الشيطان قد استحوذ ، وانّالآيات والنذر لا تغني عنهم ، زحف عليه السلام بالناس غداة يوم الجمعة لعشر ليال خلون من جمادى الآخرة سنة ستّ وثلاثين ، وعلى ميمنته الأشتر وسعيد بن قيس ، وعلى ميسرته عمّار بن ياسر وشريح بن هانئ ، وعلى القلب محمد بن أبي بكر وعديّ بن حاتم ، وعلى الجناح زياد بن كعب وحجر بن عديّ ، وعلى الكمين عمرو بن ا لحمق وجندب بن زهير ، وعلى الرجّالة أبو قتادة الأنصاري ، وأعطى رايته محمد بن الحنفيّة ، ثم أوقفهم من صلاة الغداة إلى صلاة الظهر يدعوهم ويناشدهم ، ويقول لعائشة : إنّ الله أمرك أن تقرّي في بيتك ، فاتّقي الله وارجعي ، ويقول لطلحة والزبير : خبّاتما نساءكما وأبرزتما زوجة رسول الله صلى الله عليه وآله واستغررتماها !(2)

فيقولان : إنّما جئنا للطلب بدم عثمان ، وأن نردّ الأمر شورى .

واُلبست عائشة درعاً ، وضربت على هودجها صفائح حديد ، واُلبس الهودج أيضاً درعاً ، وكان الهودج يومئذ عند لواء أهل البصرة(3) وهو على جمل يدعى عسكرا .(4)

ابن مردويه في كتاب الفضائل : أنّ أمير المؤمنين عليه السلام قال للزبير : أما تذكر يوماً كنت مقبلاً بالمدينة تحدّثني إذ خرج رسول الله صلى الله عليه

(1) مناقب ابن شهراشوب : 3 / 149 ـ 153 ، عنه البحار : 32 / 117 ح 94 .
(2) في المناقب : واستفززتماها .
(3) في المناقب : وكان الهود لواء أهل البصرة .
(4) إلى هنا رواه في أنساب الأشراف : 2 / 239 .

( 391 )

وآله فرآك معي وأنت تتبسّم إليّ ، فقال : يا زبير ، أتحبّ عليّاً ؟ فقلت : وكيف لا اُحبّه وبيني وبينه من النسب والمودّة في الله ما ليس لغيره ؟! فقال : إنّك ستقاتله وأنت ظالم له . فقلتَ : أعوذ بالله من ذلك . فقال : اللهم نعم . فقال : أجئت تقاتلني ؟ فقال : أعوذ بالله من ذلك . فقال أمير المؤمنين عليه السلام : دع هذا ، بايعتني طائعاً ، ثم جئت محارباً ، فما عدا ممّا بدا ؟! فقال : لا جرم والله لا قاتلتك . قال : فلقيه عبد الله ابنه ، فقال : جُبناً جُبناً .

فقال : يا بنيّ ، قد علم الناس أنّي لست بجبان ، ولكن ذكّرني عليّ شيئاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله فحلفت [أن](1) لا اُقاتله .

فقال : دونك غلامك فلان فأعتقه كفّارة عن يمينك .

فقالت عائشة : لا والله ، [بل](2) خفت سيوف ابن أبي طالب ، فإنّها طوال حداد ، تحملها سواعد أنجاد(3)، ولئن خفتها فقد خافها الرجال من قبلك ، فرجع

(1 و2) من المناقب .
(3) كذا في المناقب ، وفي الأصل : أمجاد .
ورجل نَجدٌ : شجاع ماض فيما يعجز عنه غيره ؛ وقيل : هو الشديد البأس ؛ وقيل : هو

( 392 )

إلى القتال . فقيل لأمير المؤمنين : إنّه قد رجع . فقال : دعوه ، فإنّ الشيخ محمول عليه .

ثم قال أمير المؤمنين عليه السلام : أيّها الناس ، غضّوا أبصاركم ، وعضّوا على نواجذكم ، وأكثروا من ذكر ربّكم ، وإيّاكم وكثرة الكلام فإنّه فشل .

ونظرت إليه عائشة وهو يجول بين الصفّين ، [فقالت :](1) انظروا إليه فإنّه يفعل كفعل رسول الله صلى الله عليه وآله يوم بدر .

فقال أمير المؤمنين : يا عائشة ، عمّا قليل لتصبحنّ نادمين .

فجدّ الناس في القتال ، فنهاهم أمير المؤمنين عليه السلام وقال : اللهم أعذرت وأنذرت ، فكن لي عليهم من الشاهدين ، ثم أخذ المصحف وطلب من يقرأ عليهم «وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا»(2) الآية .

فقال مسلم المجاشعي : هاأنذا يا أمير المؤمنين ، فخوّفه أمير المؤمنين بقطع يمينه وشماله وقتله .

فقال : لا عليك يا أمير المؤمنين ، فهذا قليل في ذات الله ، فأخذوه وهو يدعوهم إلى الله فقطعوا(3) يده اليمنى ، فأخذ المصحف بيده اليسرى فقطعت ، فأخذه بأسنانه فقتل رضي الله عنه ، فقالت اُمّه :

 السريع الإجابة إلى ما دُعي إليه . «لسان العرب : 3 / 417 ـ نجد» .
(1) من المناقب .
(2) سورة الحجرات : 9 .
(3) في المناقب : فأخذه ودعاهم إلى الله فقطعت .

( 393 )

يا ربّ إنّ مسـلماً أتاهم     بمحكم التنزيل إذ دعاهم

يتلو كتاب الله لا يخشاهم     فرمّلوه رمّلـت لحـاهم

فقال أمير المؤمنين عليه السلام : الآن طاب الضراب ، ثم قال لابنه محمد بن الحنفيّة والراية في يده : يا بنيّ ، تزول الجبال ولا تزول ، عضّ على ناجذك ، أعر الله جمجمتك ، تد في الأرض قدميك ، ارم ببصرك أقصى القوم وغضّ بصرك ، واعلم أنّ النصر من عند الله(1)، ثمّ صبر سويعة ، فصاح الناس من كلّ جانب من وقع النبال .

فقال أمير المؤمنين : تقدّم يا بنيّ ، وقال :

اطعن بها طعن أبيك تحمد     لا خير في حـرب إذا لم توقد

بالمشرفي والقـنا [المسدّد     والضرب بالخطيّ](2) والمهنّد(3)

وروي أن امير المؤمنين عليه السلام لمّا دفع الراية إلى ابنه محمد يوم الجمل وقال : تزول الجبال ولا تزول ـ الكلام المتقدّم ـ ، ثم قال : احمل ، فتوقّف محمد قليلاً ، فقال أمير المؤمنين : احمل .

فقال : يا أمير المؤمنين ، أما ترى السهام كأنّها شآبيب المطر ؟

فدفع أمير المؤمنين في صدره وقال : أدركك عرق من اُمّك ، ثمّ أخذ عليه السلام الراية منه وهزّها وأنشد الأبيات المتقدّمة ، ثم حمل عليه السلام ، وحمل الناس خلفه ، ففرّق عسكر البصرة كما تتفرّق الغنم من سطوة الذئب ، ثمّ رجع

(1) نهج البلاغة : 55 خطبة رقم 11 ، عنه البحار : 32 / 195 ح 144 ، وج 100 / 39 ح 41 .
(2) من المناقب .
(3) مناقب ابن شهراشوب : 3 / 153 ـ 155 ، عنه البحار : 32 / 172 ح 132 .

( 394 )

عليه السلام ودفع الراية إلى محمد ، وقال له : امح الاولى بالاخرى وهؤلاء الأنصار معك ، وضمّ إليه خزيمة بن ثابت ذا الشهادتين في جمع من البدريّين ، فحمل حملات منكرة ، وأبلى بلاء حسناً ، وقتل خلقاً كثيراً ، وصيّر عسكر الجمل كرماد اشتدّت به الريح في يوم عاصف ، ورجع إلى أمير المؤمنين .

فقال خزيمة بن ثابت : أما إنّه لو كان غير محمد لافتضح .

وقال الأنصار : لولا ما نعلم من جعل الإمامة للحسن والحسين لما قدّمنا على محمد أحداً .

فقال أمير المؤمنين عليه السلام : أين النجم من الشمس والقمر ؟ أين نفع ابني من ابنيّ رسول الله صلى الله عليه وآله ؟

وأنشأ خزيمة بن ثابت رضي الله عنه يقول :

مـحمّد  مـا فـي عـودك اليوم وضمة      ولا كنت في الحرب الضروس معرّدا(1)
أبـوك  الـذي لـم يـركب الخيل مثله      عـلـيّ وسـمـاك الـنـبي مـحـمّدا
وانــت  بـحـمد الله أطـول هـاشم      لـسـاناً وأنـداهـا بـما مـلكت يـدا
ســوى أخـويـك الـسيّدين كـلاهما      إمـام  الـورى والـداعيان إلـى الهدى

(1) التعريد : الفِرار ، وقيل : سرعة الذهاب في الهزيمة . «لسان العرب : 3 / 288 ـ عرد ـ» .

( 395 )

قيل لمحمد بن الحنفيّة : لِمَ كان أبوك يغرر بك في الحرب ولم يغرر بالحسن والحسين ؟

قال : لأنّهما عيناه وأنا يمينه ، فهو يدفع عن عينيه بيمينه .(1)

وروي أنّ أمير المؤمنين صلوات الله عليه أمر الأشتر أن يحمل ، فحمل وقتل هلال بن وكيع صاحب ميمنة الجمل ، وكان زيد بن صوحان يحمل ويقول :

ديني ديني وبيعتي بيعتي .(2)

وجعل مخنف بن سليم(3) يقول :

قد عشت يا نفس وقد غنيت     دهراً وقبل اليوم ما عييت

وبعد ذا لا شـك قـد فنيت     أما مللت طول ما حيـيت

فخرج عبد الله بن اليثربي يقول :

يا ربّ إنّي طالب أبا الحسن     ذاك الذي يعرف حقّاً بالفتن

فبرز إليه أمير المؤمنين عليه السلام قائلاً .:

(1) أورده في شرح نهج البلاغة : 1 / 244 باختلاف يسير ، عنه البحار : 42 / 99 . وفي ذوب النضار لابن نما ـ بتحقيقنا ـ : 55 .
وأورده في كشفا لغمّة : 2 / 25 بهذا اللفظ : قيل لمحمد بن الحنفيّة رحمه الله : أبوك يسمح بك في الحرب ويشحّ بالحسن والحسين عليهما السلام !!
فقال : هما عيناه وأنا يده ، والانسان يقي عينيه بيده .
وقال مرّة اُخرى ـ وقد قيل له ذلك ـ : أنا ولده وهما ولدا رسول الله صلى الله عليه وآله ، عنه البحار : 42 / 96 ح 27 .
(2) في المناقب : وبيعي بيعي .
(3) كذا في البحار ، ,في الأصل والمناقب : مسلم .
وهو مخنف بن سليم الأزدي ، ابن خالة عائشة . راجع رجال الطوسي : 58 رقم 12 .

( 396 )

إن كنت تبغي أن ترى أبا الحسن     فاليوم تلقاه مليّاً فاعلمن

وضربه ضربة فقتله .

فخرج بنو ضبّة وجعل بعضهم يقول :

نحن بنو ضبّة أعداء عليّ     ذاك الذي يعرف فيهم بالوصيّ

وقال آخر منهم :

نحن بنو ضبّة أصحاب الجمل     والموت أحلى عندنا من العسل

ردّوا علينا شيخـنا بـمر تحل     إنّ عليّاً بعد مـن شـرّ النـذل

وقيل : إنّ ابن اليثربي عمرو ـ أخوه عبد الله المذكور ـ يقول :

إن تنكروني فأنا ابن اليثربي     قاتل علباء ثم(1) هند الجملي

ثمّ ابن صوحان على دين عليّ

فبرز إليه عمّار رضي الله عنه قائلاً :

لا تبرح العرصة يا ابن اليثربي     اثبت اُقاتلك على دين عليّ

فأرداه عمّار عن فرسه وجرّ برجله إلى أمير المؤمنين عليه السلام ، فقتله بيده .

فخرج أخوه أيضاً قائلاً :

أضربكم ولو أرى عليّا     عمّمته أبيض مشرفـيّا

وأسمراً عنطنطاً خطيّا(2)     اُبكي عليه الولد والوليّا

(1) في المناقب : يوم .
(2) الأسمر : الرمح وعنطنط : الطويل . والخَطُّ : مرفأ السفن بالبحرين تنسب إليه الرماح .

( 397 )

فخرج إليه أمير المؤمنين عليه السلام متنكّراً وهو يقول :

يا طالباً في حربه عليّا     يمنحه(1) أبيض مشرفيّا

اثبت لتلقاه(2) بها مليّا     مهذّباً سميدعاً(3) كمـيّا

فضربه فرمى بنصف رأسه ، فنادى عبد الله بن خلف الخزاعي صاحب منزل عائشة بالبصرة لعليّ : أتبارزني ؟

فقال أمير المؤمنين صلوات الله عليه : ما أكره ذلك ، ولكن ويحك يا ابن خلف ما راحتك في القتل وقد علمت من أنا ؟

فقال : ذرني من بذخك يا ابن أبي طالب ، ثم قال :

إن تدن منّي يا عليّ فترا     فإنّنـي دان إلـيك شـبرا

بصارم يسقيك كأساً مرّا     إن في صدري عليك وترا

فبرز إليه أمير المؤمنين عليه السلام قائلاً :

يا ذا الذي تطلب منّي الوترا     إن كنت تبغي أن تزور القبرا

حقّاً وتُصلى بعد ذاك جمرا     فادن تجدني أسـداً هـزبـرا

اُذيقك(4) اليوم ذعافاً صبرا

فضربه أمير المؤمنين عليه السلام فطيّر جمجمته .

(1) في المناقب : يمنعه .
(2) في المناقب : ستلقاه .
(3) السميدع : السيد الشريف السخيّ والشجاع .
(4) في المناقب : اصعطك .واصعطه : أي أدخله في أنفه . والذعاف : السمّ الذي يقتل من ساعته .

( 398 )

فخرج مازن الضبي قائلاً :

لا تطمعوا في جمعنا المكلّل     الموت دون الجمل المجلّل

فبرز إليه عبد الله بن نهشل قائلاً :

إن تنكروني فأنا ابن نهشل     فارس هيجاء وخطب فيصل

فقتله .

وكان طلحة يحثّ الناس ويقول : عباد الله ، الصبر الصبر ـ في كالم له ـ .(1)

قال(2): وكان مروان بالقرب منه ، فقال : والله لا أطلب أثراً بعد عين ، ما أطلب ثاري بعثمان بعد اليوم ابداً ، فرمى طلحة بسهم فأصاب ركبته ، والتفت إلى أبان بن عثمان ، وقال : لقد كفيتك أحد قتلة أبيك .

وفي ذلك يقول السيد الحميري من جملة قصيدته :

واغـتر  طـلحة عـند مختلف القنا      عـبلالذراع شـديد عظم(3) المنكب
فـاخـتل  حـبّـة قـلـبه بـمدلق      ريـان مـن دم جـوفه الـمتصبّب
فـي مـارقين مـن الجماعة فارقوا      دين الهدى وحيا(4) الربيع المخصب

(1) مناقب ابن شهراشوب : 3 / 155 ـ 157 ، عنه البحار : 32 / 157 ـ 177 .
(2) نقله ابن شهراشوب عن البلاذري في أنساب الأشراف : 2 / 246 .
(3) في المناقب : أصل .
(4) في المناقب : باب الهدى وجباء .والجباء : الحوض .

( 399 )

وكانت بنو ضبّة مكتنفثي الجمل ، فحمل أمير المؤمنين عليه السلام عليهم فكانوا كرماد اشتدّت به الريح في يوم عاصف ، وكان كلّ من استقبل قبض على زمام الجمل ، وانصرف الزبير فتبعه عمرو بن جرموز فقتله ، وأتى برأسه إلى أمير المؤمنين عليه السلام ... القصّة .

فقالوا العامّة : قتل طلحة والزبير وخرج عبد الله بن عامر ، وقال : يا عائشة ، صافحي عليّاً على يدي .(1)

فقالت : كبر(2) عمرو عن الطوق ، وجلّ أمر عن العتاب ، ثمّ تقدّمت .

فقال أمير المؤمنين عليه السلام : إنّا لله وإنّا إليه راجعون ، وجعل يخرج واحد بعد واحد ويأخذ الزمام حتى قطع أيدي ثمانية وتسعين رجلاً ، ثمّ تقدّمهم كعب بن سور الأزدي ـ وكان قاضياً على البصرة ـ وهو يقول :

يا معشر الناس عليكـم اُمّكم     فإنّها صـلاتكم وصـومـكم

والحرمة العظمى التي تعمّكم     لا تفضحوا اليوم فداكم قومكم

فقتله الأشتر .

فخرج وائل بن كثير باكياً مرتجزاً :

يا ربّ فارحم سيّد القبائل     كعب بن سور غرّة الأوائل

(1) في المناقب : فقالوا : يا عائشة ، قتل طلحة والزبير وجرح عبدالله بن عامر من يدي علي ، فصالحي عليّاً .
(2) كذا في المناقب ، وفي الأصل : شب .

قال في القاموس المحيط : 3 / 259 ـ طوق ـ : «كَبِرَ عمروٌ عَن الطَوقِ» يضرب لمُلابس ما هو دون قدره ، وهو عمرو بن عديّ ....

( 400 )

غَداة يُنادي والرماح تنوشه     وسمر العوالي اقتلوني ومالكاً

فنجّاه منّي سبعة وشبابه     وإنّي شيخ لم أكن متماسكاً

وشدّ رجل من الأزد على محمد بن الحنفيّة وقال : يا معشر الأزد ، فرّوا .

فخرج الأسود بن البختري السلمي قائلاً :

ارحم إلهي الكهل(1) من سليم     وانظر إليه نظرة الرحيم(2)

فقتله عمرو بن الحمق .

فخرج جابر الأزدي قائلاً :

يا ليت أهلي من عمار حاضري     من سادة الأزد وكانوا ناصري(3)

فقتله محمد بن أبي بكر .

وكانت عائشة تنادي بأعلى صوتها : أيها الناس عليكم بالصبر ، فإنّما يصبر الأحرار .

فأجابها كوفيّ :

قلنا(4) لها وهي على مهوات     انّ لنا سواك اُمّهات

في مسجد الرسول ثاويات

والتحم القتال وشكت السهام الهودج حتى كأنّه جناح نسر أو شوك قنفذ ،

(1) في المناقب : الكلّ .
(2) كذا في المناقب ، وفي الأصل : الرحمة .
(3) كذا في المناقب ، وفي الأصل : حاضري .
(4) في المناقب : قلت .

( 402 )

فقال أمير المؤمنين عليه السلام : ما أراه يقاتلكم الا هذا الهودج ، اعقروا الجمل . وفي رواية : عرقبوه فإنّه شيطان .

وقال أمير المؤمنين لمحمد بن أبي بكر : إذا عرقب الجمل فادرك اُختك فوارها ، فعرقب رجل منه فدخل تحته رجل ضبيّ ، ثم عرقب اُخرى [عبد الرحمان](1) فوقع على جنبه ، فقطع عمّار نسعه ، فأتاه أمير المؤمنين عليه السلام ودقّ رمحه على الهودج ، وقال : يا عائشة ، أهكذا أمرك رسول الله أن تفعلي ؟

فقالت : يا أبا الحسن ، ظفرت فأحسن ، وملكت فأسجع(2).

فقال لمحمد بن أبي بكر : شأنك واُختك فلا يدنو أحد منها سواك .

قال محمد بن أبي بكر : فقلت لها : ما فعلت بنفسك ؟ عصيت ربّك ، وهتكت سترك ، ثمّ أبحت حرمتك ، وتعرّضت للقتل ، فذهب بها إلى دار عبد الله بن خلف الخزاعي ، فقالت : أقسمت عليك أن تطلب عبد الله بن الزبير جريحاً كان أو قتيلاً ، فقلت : إنّه كان هدفاً للأشتر ، فانصرف محمد إلى المعركة(3) فوجده بين القتلى ، فقال : أجلس يا ميشوم أهل بيته ، فأتاها به ، فصاحت وبكت ، ثمّ قالت : يا أخي استأمن له من عليّ ، فأتى أمير المؤمنين عليه السلام : فاستأمن له منه .

فقال أمير المؤمنين عليه السلام : أمنته وأمنت جميع الناس .

وكانت وقعة الجمل بالخريبة ، وقع القتال بعد الظهر ، وانقضى عند المساء ،

(1) من المناقب .
(2) أي قدرت فسهّل وأحسن العفو .
(3) في المناقب : العسكر .

( 403 )

وكان مع أمير المؤمنين صلوات الله عليه عشرون ألفاً ، منهم البدريّون ثمانون رجلاً ، وممّن بايع تحت الشجرة مائتان وخمسون ، ومن الصحابة غير هؤلاء ألف وخمسمائة رجل ، وكانت عائشة في ثلاثين ألفاً أو يزيدون ، منها المكّيون ستّمائة رجل .

قال قتادة : قتل يوم الجمل عشرون ألفاً . وقال الكلبي : قتل من عسكر(1) علي ألف راجل وسبعون فارساً ؛ منهم زيد بن صوحان ، وهند الجملي ، وأبو عبد الله العبدي ، وعبد الله بن رقيّة .

وقال أبو مخنف والكلبي : قتل من أصحاب الجمل من الأزد خاصّة أربعة آلاف رجل ، ومن بني عديّ ومواليهم تسعون رجلاً ، ومن بني بكر بن وائل ثمانمائة رجل ، ومن بني حنظلة تسعمائة رجل ، ومن بني ناجية أربعمائة رجل ، والباقي من أخلاط الناس إلى تمام تسعة آلاف الا تسعين رجلاً ، والقرشيّون منهم طلحة ، والزبير ، وعبد الله بن عتّاب بن أسيد ، وعبد الله بن حكيم بن حزام ، وعبد الله بن شافع بن طلحة ، ومحمد بن طلحة ، وعبد الله بن أبي خلف(2) الجمحي ، وعبد الرحمان بن معد ، [وعبد الله بن معد](3).

وعرقب الجمل أوّلا أمير المؤمنين عليه السلام ، ويقال : مسلم بن عدنان ، ويقال : رجل من الأنصار ، ويقال : رجل من ذهل .(4)

قلت : ولمّا صارت أحاديث هذه الفتنة الصمّاء ، والمحنة العظمى

(1) في المناقب: أصحاب .
(2) كذا في المناقب ، وفي الأصل : عبد الله بن خلف .
(3) من المناقب .
مناقب ابن شهراشوب : 3 / 157 ـ 162 ، عنه البحار : 32 / 177 ـ 182 .

( 404 )

ضروريّة لا يختلف في صحّتها ، ومتواترة لا يشكّ في واقعتها ، ونقلها المخالف ، ودوّنها الموالف ، وصارت في وضوحها كالشمس ، منزّهة عن الشك واللبس .

أمّا المؤمن التقيّ فلا يرتاب في كفر من أضرم نارها ، وشبّ اوارها(1)، وارتكب عارها ، واحتقب أوزارها ، وربك جملها ، وسلك سبلها .

وأمّا المنافق الشقيّ فيعدل عن ظواهر حقائقها ، ويصوّب فعل قائدها وسائقها ، ويرتكب التعسّف في تأويلها ، والتعصّب في تنزليها ، ويعتذر لمن سلب وقودها ، ونصبت عمودها ، وخالفت بعلها ونبيّها ، وحاربت سيّدها ووليّها .

ولمّا رأيت شدّة عضتها ، وحدة كلتها ، لا يرتدع بوعظ واعظ ، ولا ينتفع بلفظ لافظ ، قد طبع الشيطان على قلبها ، واستحوذ على فيها ، فغرقت في لجّة نفاقها ، وتاهت في بيداء شقاقها ، قد أحدقت الطغاة بجملها ، وحفّت البغاة بمحملها ، تمثّلتها في فكري ، وعنّفتها بزجري ، وخاطبتها بلسان الحال ، وعنّفتها ببيان المقال ، وقلت مشيراً إليها ، وزارياً عليها :

أيّها المائحة في غرب غيّها وجهلها ، المخالفة أمر ربّها وبعلها ، المنافقة بإسلامها ، والخارجة على إمامها ، الباغية بخروجها وحربها ، الكافرة بقالبها وقلبها ، ما للنساء وعقد البنود ؟ وما لذوات وقود الجنود ؟ ألم تؤمرين بالقرار في منزلك ؟ أما كان لك شغل شاغل بمغزلك ؟ نهيت أن تتبرّجي(2)، وعن بيتك

(1) الاُوار : شدّة حرّ الشمس ولفح النار ووهجها والعطش . «لسان العرب : 4 / 35 ـ أور ـ» .
(2) إشارة إلى قوله تعالى في سورة الأحزاب : 32 و33 : «يا نساء النبيّ ... وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنّ وَلاَ تَبَرّجْنَ تَبَرّجَ الْجَاهِلِيّةِ الْأُولَى» .

( 405 )

أن لا تخرجي ، فهتكت حجابك ، وأسفرتِ نقابك ، وقدت الفتنة بخطامها ، وأرخيت لها فاضل زمامها ، فحبطت بأرجلها ، وقنصت بأحبلها ، وكَشرت عن نابها ، ومرقت عجلاً بها ، لمّا أقبلتِ يحثّ بك جملك ، عصيت ربّك بتفصلك وجملك ، خرجت من ديارك بطراً ورئاء الناس ، وفصلت عن قرارك تكتفك الأوغاد الأرجاس ، لما علمك سيّد المرسلين بخروجك ، جريت في تيه الضلال بل فروحك .

يا صاحبة العطفة ، كفرت بالذي خلقك من نطفة ، يا ربّة الهودج ، خالفت ربّك في المولج والمخرج ، أظهرت غلّاً كامناص بحربك ، وحسداً قاطناً في قلبك ، لمّا انتقلت الزهراء إلى جوار ربّها ، امتنعت من حضور عزيتها وقربها ، وتعلّلت باستيلاء علّة على هامتك وفسادك ، وذلك أعظم دليل على فكرك وإلحادك ، فهلّا تعلّلت يوم مسيرك على بعيرك ، قاصدة حرب حليلها بعيرك وبغيرك ؟ ولم لا عصّبت رأسك يوم موت ولدها ؟ بل أظهرت الشماتة بهلاك فلذّة كبدها ، وأقبلت على بغلك ، ولم تراع حرمة بعلك ، ولم تر عوي عن جهلك ، بل أجلبتِ على هضم آل الرسول بخيلك ورجلك .

فلعنة الله على فرعك وأصلك ، وقومك وأهلك ، اُمثّلك في يوم البصرة في محملك ، تحرّضين الأوغاد بقولك وعملك ، كالحيّة النافثة بسمّها ، أو الذئبة الضارية بكلمها ، حتى إذا خاب أملك ، وعقر جملك ، وقتلت رجالك ، وخذلت أبطالك ، وصار طلحتك طليحاً ، وزبيرك طريحاً ، ومعلّاك سفيحاً ، ونافسك منيحاً .

ألحفك ساتر العورات جناح رحمته ، وأسبل عليك مقيل العثرات سرت مغفرته ، وأرجعك إلى قرارك الذي أخرجك الشيطان منه ، وأعادك إلى منزلك الذي فصلك العدوان عنه ، وسدّ عنك باب الانتقام ، وستر منك ما فضحته

 ( 406 )

الآثام ، كل ذلك وجدك يغلي بنار حقدك ، وحودك يشبّ ضرام حسدك ، ثم أتبعت بالطلقاء وأبناء الطلقاء على حربه ، وأغريت الأشقياء اللصقاء بسبّه ، وفعلت إلى ابن هند محرّضة له عليه ، وأغريت بني حرب بإرسال شواظ حربهم إليه ، ونبذت كلّ عهدٍ عهده الرسول إليك فيه ، ثائرة بدم عثمان وكنت من أعظم خاذليه ، لمّا وضعت قميصه على رأسك ، وحفت به الأوغاد من أرجاسك .

حقّت عليكِ كلمة العذاب ، واستوجبتِ اللعنة من ربّ الأرباب ، واُقسم لو شاهدتك يوم بصرتك ، وقد انفردت من أهلك واُسرتك ، وعقر بعيرك ، وقلّ نصيرك ، وقتل جندك ، وفلّ حدّك ، لم اولك منّي صفحاً ، ولم أطوِ عنك شكحاً ، ولقرعت سمعك بقوارع عذلي ، ولو جأت(1) خدّك بسبت نعلي ، ولسفعت ناصيتك بسوطي ، ولرفعت بلعنتك صوتي ، لا لأنّي مخالف سيّدي في فعله ، ولا زار على صفحه بفضله ، إذ ستر بحلمه ما فضح منك ، وعفا بمنّه ما صدر عنك ، بل غضباً لله ، وتعصّباً لأولياء الله .

يا من عصت بخروجها      قـصداً لـحرب وليّها
كـفرت بـأنعم ربـها      وخـلاف  أمـر نبيّها
وأتت  من البلد الحرام      بـفـتنةٍ مــن غـها
تـذكي  سعير ضرامها      بـسـفيهها  زهـريّها
وبذي السلا أحببت(2)      غـــادرٍ  تـيـميها
وكـذا بـنجل طريدها      وعـتـلّها  أمـويّـها
تـنحب عليها عاويات      الـحوب  عـند مجيّها
ومـضت  لشدّة حقدها      لــم تـعتبر بـعويّها

(1) الوجء : اللكز ، الضرب .
(2) كذا في الأصل .

( 407 )

حتى إذا نشرت صحاف      بـغـيها  مـن طـيها
في عصبةٍ سلكت سبيل      عـنـيدها  وعـصيّها
صـارت  حماة بعيرها      قـد فـلّ حـلّ نـديّها
بـسيوف  أقـوام علت      أعـلامـهم  بـعـليّها
صـنـوا  الـرسـول      وخـير اُمّـته وربّانيها
وأب  الـحروب وربها      ومـدار  قـطب رحيّها
بـدريـهـا اُحـديّـها      سـلـعـيّها جـمـليّها
عـلـويّـها قـدسـيّها      نـوريّـهـا مـهـديّها
أعـني قـصيّ رتـبته      مـن ذاتـها وقـصيّها
أبـدت خضوعاً ظاهراً      والـغدر حـشو طويّها
فـلذاك مـوت الـسبط      أبـد الـغلّ من مخفيّها
وأتـت على بغل تحثّ      بـكـفـرها وفـديـها
فالله  يـلـعن حـشدها      مـن  تـيمها وعـديّها
والـسـائقين بـعيرها      ومـن اسـتظلّ بـفيها

لمّا فرغ أمير المؤمنين عليه السلام من هذه الفتنة التي طار شررها ، وشاع خبرها ، واشتهرت أوغادها ، وأظهرت أحقادها ، وعمّت بليّتها ، وغمّت ظلمتها ، وأحرق لهبها ، واشتدّ كلبها ، وأبرزت أعداء الرحمن فيها رؤوساً ، وبذلت في طاعة الشيطان نفوسها ، وسلكت طرق البغي بقتالها مولاها ، وارتكبت سبيل الغيّ فما أحقّها بخزي الله وأولاها ، لم تشكر ربّها على ما أولاها ، ولم تحفظ نبيّها فيما أوصاها ، الذي أضرمت المخدّرة المصونة مقباسها ، ووصلت البرّة الميمونة أمراسها ، وأقامت السجاعة المطرقة سوقها ، وأظهرت الأصيلة المعرقة فسوقها ، حتى قتلت رجالها ، وجدّلت أبطالها ، وعقر مركبها

 ( 408 )

وخاب مطلبها .

فيالها فتنة كفر قتامها لراكبها ، وغمر غمامها كتائبها ، وبرقت بوارق صفاحها في سحائب غبرتها ، ولمعت أسنّة رماحها في ظلمة فترتها ، فكم اقتطفت فيها رؤوس ، واختطفت نفوس ، واُريق دم ، وبري قدم ، واُبين عضد وساعد ، واُبيد معاضد ومساعد ، أشنع فتنة في الاسلام حدثت ، وأفضع واقعة بها القصاص تحدّثت ، قطعت آجال رجالها بمصاعها ، وصبغت أثباج أبطالها بجريانها .

يالها فتنة كانت رأساً لكلّ فتنة ، وبدعة وضعت أساساً لأقبح سنّة ، وهل قتال القاسطين الا فرع شجرتها ؟ وهل جهاد المارقين الا شزرة من جمرتها ؟ وهل اقتدى ابن حرب الا بحربها ؟ وهل اغترف نجل هند الا من شربها ؟ وهل نسج الطاغي الا على منوالها ؟ وهل احتذى الباغي الا بمثالها ؟

وكان أمير المؤمنين صلوات الله عليه أثر جلاها ، وطلا عثناياها ، وفحل شولها ، وصاحب قولها ، وخائض هولها ، والمخصوص بقوّتها وحولها ، كبش الكتيبة ، مشهور الضريبة ، جبر صدع الاسلام ، لمّا كسر الأصنام ، ونصب من الحقّ الأعلام ، لمّا خفض الأنصاب والأزلام ، كم كسر بعامله منصوباً ؟ وكم وفّر من نائله نصيباً ؟ كاسر هبل الكفرة ، ,عاقر جمل الغدرة ، الفائز من قداح النجدة بمعلّاها ، والحائز من خلال الشجاعة بأعلاها ، قاطع أمراس(1) البغاة ، وقالع أساس الطغاة ، منه تعلّم الناس الشجاعة في قتالهم ، ومن علومه فرّعوا مآخذ أقوالهم .

بنصرته جماعة الحقّ نصرت ، وبطريقه طريقة العلم ظهرت ، لمّا صبغ

(1) المَرِس : الشديد الذي مارَسَ الامور وجرّبها : والجمع : أمراس .

( 409 )

الحمرة نجيع(1) الأبطال صعيد البصرة ، صار بياض وجه الاسلام لا يرهقه قترة ، لكن بقي خدّ الخارجة من عتبة بيتها لقتاله صار حالكاً ، وداخل فيضها من يدها منتزعاً هالكاً .

دراية فرحها نكيساً ، وتدبير فكرها معكوساً ، وصارت كرّتها خاسرة ، وهمّتها قاصرة ، وسلعتها بائرة ، وخسرت الدنيا والآخرة ، وقرعت بقوارع الملام ، وكملت بمعابل الكلام .

فيا من يصوّب آراءها ، ويداوي أدواءها ، ويستخفّ وزرها ، ويستقلّ شرّها ، ويسدّد اجتهادها ، ويصوّب مرادها ، لقد أبعدت مرماك ، واتّبعت هواك ، ومهّدت قاعدة نفاقك ، وغرست في ظلمة محاقك ، وأوردت تصحيح المعتلّ من فعل وترجيح المرجوع من نقلك ، لقد ا جتثت اصولك ، وفسد معقولك ، وعتم قياسك ، وقلع أساسك ، واهملت قضيّتك ، وانقبضت بسطتك ، وفلّت غرستك ، وقلّت بطشتك .

يا من عصت ربّها بخروجها وحربها ، وتعصّبت على مولاها بقالبها وقلبها ، أنّى لك هذه الشجاعة والقوّة ، والشدّة والنخوة ؟ أمن أبيك يوم خيبر ؟ أم من جدّك المبجّل الموقّر ، صاحب خوان بن جذعان ، وناصب أنصاب الأوثان ، أقتم قريش أصلاً ، وألأمهم فعلاً ، وأرذلهم بيتاً ، وأنذلهم حيّاً وميّتاً .....(2) من آل قصي ، ولا في السراة من بني لؤي ، فأنتم يا ابنة الكاذب المصدّق ، كما قال فيكم الشاعر وصدق :

ويقضي الأمر حين تغيب تيم     ولا يستأذنون وهم شهود

فإنّك لو رأيـت عبـيد تـيم     وتيما قلت إنّهم العـبيـد

(1) النجيع : الدمُ .
(2) فير مقروءة في الأصل .

( 410 )

فلعن الله ابن صهّاك المغتلمة ، ونجل البغيّة حنتمة ، فهو الذي أعلى قدركم ، وأسمى ذكركم ، ورفع بعضكم ، وصحّح المكسّر من جمعكم ، وجعلكم أعلاماً تفضلون على أولياء الله ، تفخرون على أهل بيت نبيّكم وبهم فخركم ، وتتأمّرون على عترة وليّكم وبهم علا أمركم ، وزيّن الشيطان للاُمّة الضالّة اتّباعكم ، وصيّرهم أشياعكم وأتباعكم ، فاتّبعوه الا فريقاً من المؤمنين ، وأطاعوه الا قليلاً من المخلصين ، ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم ، وحرّفوا كلام الله بزخرفهم وغرورهم ، وقطعوا ما أمر الله به أن يوصل ، ونصروا من أوجب العقل له أن يخذل ، ونصبوا الغوائل لأهل بيت نبيّهم ، وأراقوا القواتل لذرّيّة وليّهم ، وجعلوا أحفادهم إلى يوم الناس هذا عالة يتكفكفون ، وخاملين لا يعرفون .

قد أبكم الفقر فصيحهم ، وقبح العسر صبيحهم ، يرهن أحدهم إزاره لسدّ فورته ، ويبذل مقداره لفرط عسرته ، منعتموهم ما فرض الله لهم في محكم تنزيله ، وحرمتموهم ما أوجب لهم من الحقّ على لسان رسوله ، حتى نكحت به الفروج المحرّمة ، واستبيحت من دين الله كلّ حرمة ، واشتريت منه البغايا والقيان ، وصار زمام الاسلام بأيدي عبدة الصلبان ، فأنتم أصل البلاء ، وفرع الشقاء ، وحمة الشيطان ، وجمة البهتان ، هذه الشجرة الملعونة في القرآن ، والطائفة المارقة عن الايمان ، أعداء الرحمن ، وأولياء الشيطان ، قربتموها وكان أحقّ أن تبعد ، ونشأتموها وكان أولى أن تعضد ، وغرستم أصلها على رقاب المؤمنين ، وسقيتم فرعها بدماء المهاجرين الأوّلين ، رآهم الرسول ينزون على منبره نزو القردة فما رئي بعد ضاحكاً حتى بلغ من الحياة أمده .

روي عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام أنّ رسول الله صلى الله

( 411 )

عليه وآله رأى في منامه أنّ قروداً تنزوا على منبره وتنزل وتصعد ، فساءه ذلك واغتمّ ، ولم ير بعدها ضاحكاً حتى مات .

«وَالشّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ»(1) هم بنو اُميّة أخبره سبحانه بتغلّبهم(2) على مقامه وقتلهم ذرّيّته .(3)

روي عن منهال بن عمرو ، قال : دخلت على علي بن الحسين عليه السلام ، فقلت : كيف أصبحت ، يا ابن رسول الله ؟

قال : أصبحنا والله كبني إسرائيل في أيدي القبط ، يذبّحون أبناءهم ، ويستحيون نساءهم ، وأصبح خير البريّة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله يلعن على المنابر ، وأصبح من يحبّنا منقوصاً حقّه بحبّه إيّانا .(4)

وقيل للحسن البصري : يا أبا سعيد ، قتل الحسين بن علي عليه السلام ،

(1) سورة الاسراء : 60 .
(2) كذا في المجمع ، وفي الأصل : تغليبهم .
(3) انظر : كتاب سليم بن قيس : 153 ، سنن الترمذي : 5 / 414 ح 3350 ، الكافي : 8 / 222 ح 280 ، تفسير العيّاشي : 2 / 298 ح 98 ، تفسير القمّي : 2 / 431 ، مستدرك الحاكم : 3 / 170 ـ 171 ، أمالي الطوسي : 2 / 300 ، إعلام الورى : 46 ، مجمع البيان : 3 / 424 ، ترجمة الامام الحسن عليه السلام من تاريخ دمشق : 198 ح 327 ، مناقب ابن شهراشوب : 4 / 35 ـ 36 ، تفسير الرازي : 20 / 236 ، الكامل في التاريخ : 3 / 407 ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 16 / 16 ، تفسير القرطبي ، 20 / 132 ، البداية والنهاية : 10 / 48 ، تأويل الآيات : 1 / 281 ح 12 ، تفسير الصافي : 5 / 351 ، إثبات الهداة : 1 / 156 ح 16 وص 366 ح 479 ، البحار : 44 / 58 ح 7 ، وج 61 / 155 وص 168 ح 23 ، تفسير نور الثقلين : 3 / 180 ح 281 ، وج 4 / 65 ـ 66 ح 87 .
(4) انظر : مقتل الخوارزمي : 2 / 71 ـ 72 ، مجمع البيان : 3 / 424 ، مناقب ابن شهراشوب : 4 / 169 ، البحار : 45 / 175 ضمن ح 22 ، عوالم العلوم : 17 / 409 ـ 410 ضمن ح 6 ، إحقاق الحقّ : 12 / 121 .

( 412 )

فبكى حتى اختلج جنباه ، ثم قال : واذلّاه لاُمّة قتل ابن دعيّها ابن بنت نبيّها .(1)

فهل تجرّوا على أولياء الله الا بكم ؟ وهل ألحدوا في دين الله الا بسببكم ؟ ما أقام أبو كابن صهّاك والياً من بعده ولا قلّده ولاية عهده الا لعلمه بقوّة شقاقه ، وشدّة نفاقه ، وعظيم إلحاده ، وعميم فساده ، فقام عدوّ الله ناسجاً على منواله ، مقتدياً بأقواله وأفعاله ، فرفع بضبع المنافق الشقيّ ، وأعلا كعب المارق الغويّ ، أعني ابن هند البغيّة ، رأس العصابة الأمويّة ، فولّاه رقاب المسلمين ، وأذلّ بتوليته أعلام المؤمنين ، ومهّد له قواعد ظلم الأطهار ، وأوضح له مقاصد هضم الأخيار ، وقرن دولته بدولته ، وولايته بولايته ، ثمّ جعل الأمر شورى بعد انقضاء أجله ، وانتهاء اُكله ، بيد ابن عوفه قرين الشيطان وأليفه ، رأس الغدرة الكذبة ، أصحاب ليلة العقبة ، الذي نصبوا الغوائل لنبيّهم ، وأضمروا له القواتل بغيّهم ، وراموا تنفير ناقته ، واستئصال شأفته ، وأطلع الله نبيّه على ما أضمروا ، وحاق بهم سيّئات ما مكروا .

ما أدخله الزنيم في مشورته ، ولا جعله اللعين قياس نتيجته ، الا لعلمه بخبث سريرته ، وسوء عقيدته ، وبغضه للحق وأهله ، وتعصّبه للباطل بقوله وفعله ، فجعلها في البيت الذي رسخت في الشرك قوائمه ، وشمخت بالظلم دعائمه ، وشقيت بالنفاق شجرته ، وشاعت في الآفاق بدعته .

أوّل الاثمة ، وثالث الظلمة ، وفرع الشجرة الملعونة ورأس الاُمّة المفتونة ، حتى إذا قام منه زرع الباطل على سوقه ، وعمّ المسلمين بظلمه وفسوقه ، أجمعت الاُمّة على خلعه وخذله ، واجتمعت لحربه وقتله ، وسقته من كؤوس

(1) مجمع البيان : 61 / 155 .

( 413 )

المنون صبراً ، واخترمته بسيوف الحتوف صبراً ، وأعادته طريحاً مهيناً ، وطليحاً ظميناً ، وأخرجه الله من دار الفناء ملوماً مسحوراً ، وأعدّ له جهنّم وساءت مصيراً ، حتى إذا عاد الحقّ إلى أهله ، والتفّ الفرع على أصله ، وقام بأمر الله وليّه الكامل ، وجاء الحق وزهق الباطل ، ظهر كامن غلّك وحسدكِ ، واشتعلت نار البغي في فؤادك وجسدكِ ، وشيّدتِ ما شيّد أبوك وعمّكِ ، وأظهرت الطلب بدم المخذول بزعمكِ ، ونصر الله الحقّ على رغمك ، وخاب من سهام الخير وعد سهمك .

ثمّ لم يزل غلّك يغلي عليكِ ، وحقدك يلقى إليك ، والخنّاس يوسوس في صدرك ، وينفث في سرّك ، حتى أغريت الجبّار العنيد بعدواته ، وحمّلت الشيطان المريد على مناجزته ، فكفر الطليق بأنعم ربّه ، وأجهد اللصيق جهده في حربه ، ورابطه ثمانية عشر شهراً ، مجدّاً في عداوته سرّاً وجهراً ، فلولا خليفة أبيك ، ونتيجة ذويك ، لما حصل ما حصل ، ولا اتّصل من اتّصل ، فأنتم أصل البغي وفرعه ، وموقف الظلم وجمعه ، ووتر العدوان وشفعه ، وبصر الشيطان وسمعه ، فلعنة الله على اُصولك الماضية ، وقرونك الخالية ن وجموعك الباغية ، وجنودك الطاغية ، لعناً لا انقطاع لعدده ، ولا نفاد لأمده ، آمين ربّ العالمين .

ولنرجع إلى تمام المجلس :

نزل صلوات الله عليه بعد انقضاء الحرب في الرحبة السادس من رجب وخطب فقال : الحمد لله الذي نصر وليّه ، وخذل عدوّه ، وأعزّ الصادق المحقّ ، وأذلّ الناكث المبطل .

ثمّ إنّه عليه السلام دعا الأشعث بن قيس من ثغر آذربايجان ، والأحنف

 ( 414 )

بن قيس من البصرة ، وجرير بن عبد الله البجلي من همذان فأتوه إلى(1) الكوفة ، ووجّه جرير إلى معاوية يدعوه إلى طاعته .(2)

وأمّا عائشة فإنّ أمير المؤمنين ردّها إلى المدينة وأرسل معها قريباً من مائتي امرأة(3)، فلم تلبث الا قليلاً حتى لحقت بمعاوية بالشام ووضعت قميص عثمان ملطّخاً بالدم على رأسها .

فقال عمرو لمعاوية : حرّك لها جوارها نحن(4)، فأخذه معاوية وصعد المنبر ، فكان من أمر صفّين ما أنا ذاكره :

لمّا قدم جرير على معاوية يدعوه إلى طاعة أمير المؤمنين عليه السلام توقّف معاوية وماطل جرير وطاوله حتى قدم عليه شرحبيل ، فصعد معاوية المنبر وخطب ، وقال : أيها الناس ، قد علمتم أنّي خليفة عمر وعثمان ، وقد قتل عثمان مظلوماً ، وأنا وليّه وابن عمّه وأولى الناس بالطلب بدمه ، فما رأيكم ؟

فقالوا : نحن طالبون بدمه .

فدعا عمرو بن العاص ووعده أن يطعمه مصر ـ وكان والياً عليها من قبل عثمان ـ فسار إليه ، وكان يتثاقل في مسيره .

فقال له غلام له يقال له وردان ، تفكّر في أمرك انّ الآخرة مع عليّ والدنيا مع معاوية .

(1) كذا في المناقب ، وفي الأصل : فأقره في .
(2) مناقب ابن شهراشوب : 3 / 164 .
(3) انظر : تاريخ اليعقوبي : 2 / 183 ، تذكرة الخواصّ : 81 ، تاريخ الطبري : 4 / 544 ، تجارب الاُمم : 1 / 331 ، الكامل في التاريخ : 3 / 258 ، فقد ذكرت فيهما كيفيّة إرسال عائشة إلى المدينة ، وفي عدد النساء اللاتي أرسلهنّ أمير المؤمنين عليه السلام مع عائشة اختلاف .
(4) كذا في الأصل .

( 415 )

فقال عمرو :

يا قاتل الله ورداناً وفطنته     لقد أصاب الذي في القلب وردان(1)

فقال له ابن عمرو :

ألا يا عمرو ما أحرزت نصراً     ولا أنت الغداة إلى رشادِ

أبعت الديـن بالدنيـا خساراً     فأنت لذاك من شرّ العبادِ

فانصرف جرير ،](2) وكتب معاوية إلى أهل المدينة : إنّ عثمان قتل مظلوماً ، وعليّ آوى قتلته ، فإن دفعهم إلينا كففنا عنه ، وجعلنا الأمر شورى بين المسلمين كما جعله عمر عند وفاته ، فانهضوا معنا ـ رحمكم الله ـ إلى حربه .

فأجابوه بكتاب :

معاوي إنّ الحـقّ أبلـج واضـحٌ     وليس كا ربصت(3) أنت ولا عمرو

نصبت لك(4) اليوم ابن عفّان خدعة     كما نصب الشيخان إذ زخرف الأمر

(1) البيت في المناقب هكذا :
لا قاتل الله ورداناً وابنه أبدى لعمري ما في الصدر وردان .
(2) من المناقب .
(3) كذا في المناقب ، وفي الأصل غير مقروءة .
(4) في المناقب : لنا .

( 416 )

رمـيتم عـليّاً بـالذي لـم يضرّه      وليس  له في ذاك نهي(1) ولا أمر
فـما  ذنـبه إن نال عثمان معشر      أتوه  من الأحياء يجمعهم مصر(2)
وكـان  عـليّ لازمـاً قـعر بيته      وهـمّته  الـتسبيح والحمد والذكر
فـمـا أنـتـما لا درّ درّ أبـيكما      وذكركم  الشورى وقد وضح الأمر
فـما  أنـتما والـنصر منّا وأنتما      طليقا اُسارى ما تبوح به الخمر(3)

وأرسل معاوية أبا مسلم الخولاني بكتاب إلى أمير المؤمنين عليه السلام ، من جملته :

وكان أنصحهم لله خليفة الأوّل ، ثم خليفة خليفته ، ثم الخليفة الثالث المقتول ظلماً ، فكلّهم حسدت ، وعلى كلّهم بغيت ، عرفنا ذلك من(4) نظرك الشزر ، وقولك الهجر ، وتنفّسك الصعداء ، وإبطاؤك عن الخلفاء ، وفي كلّ ذلك تقاد كما يقاد الجمل المغشوش ، ولم تكن لأحدٍ [منهم](5) أشدّ حسداً منك لابن

(1) كذا في المناقب ، وفي الأصل : سعي .
(2) كذا في المناقب ، وفي الأصل غير مقروءة .
(3) في المناقب : طليق اُسارى ما تبوح بها الخمر .
(4) في المناقب : ثم .
(5) من المناقب .

( 417 )

عمّك ، وكان أحقّهم الا تفعل [ذلك](1) لقرابته وفضله ، فقطعت رحمه ، وبّحت حسنه ، وأظهرت له العداوة ، وبطنت له بالغشّ ، وألّبت الناس عليه ، فقتل معك في المحلّة ، وأنت تسمع الواعية(2)، لا تدرأ عنه بقول ولا فعل .

فلمّا وصل أبو مسلم وقرأ الكتاب على الناس قالوا : كلّنا قاتلون ، ولأفعاله منكرون .

فكان جواب أمير المؤمنين عليه السلام :

وبعد ، فإنّي رأيتك قد أكثرتَ في قتلة عثمان ، فادخل فيما دخل فيه المسلمون من بيعتي ، ثمّ حاكم القوم إليّ أحملكم على كتاب الله وسنّة رسوله صلى الله عليه وآله ، وأمّا الذي تريده في خدعة(3) الصبي عن اللبن ، ولعمري لئن نظرت بعقلك [دون هواك](4) لعلمت أنّي من أبرأ الناس من دم عثمان ، وقد علمت أنّك من أبناء الطلقاء الذين لا تحلّ لهم الخلافة .

قال : ثم صعد عليه السلام المنبر وحضّهم على ذلك .

قال ابن مردويه : قال قيس بن أبي حازم التميمي وأبو وائل : قال أمير المؤمنين عليه السلام : انفروا إلى بقية الأحزاب وأولياء الشيطان ، انفروا إلى من يقول كذب الله ورسوله .

وجاء رجل من عبس إلى أمير المؤمنين عليه السلام فسئل : ما الخبر ؟ فقال : إنّ في الشام يلعنون قتلة عثمان ، ويبكون على قميصه .

(1 و4) من المناقب .
(2) في المناقب : الهائعة .
(3) في المناقب : وأمّا تلك التي تريدها فإنّها خدعة .

( 418 )

فقال عليه السلام : ما قميص عثمان بقميص يوسف ، ولا بكاؤهم عليه الا كبكاء أولاد يعقوب ، فامّا فتح الكتاب وجده بياضاً فحولق .

وكتب معاوية إلى أمير المؤمنين عليه السلام : ليت القيامة قد قامت فترى المحقّ من المبطل .

فقال أمير المؤمنين عليه السلام : «يَسْتَعْجِلُ بِهَا الّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا»(1) .

وكتب معاوية أيضاً إلى أمير المؤمنين ـ بعد كلام طويل ـ :

يا عليّ ، اتّق الله ، ولا تفسدنّ سابقة قدمك ، وذر الحسد فلطالما لم ينتفع به أهله ، فإنّ الأعمال بخواتيمها ، ولا تعمدن بباطل في حقّ من لا حقّ له ، فإنّ تفعل ذلك فلن تضرّ الا نفسك ، ولا تمحق الا عملك .

فأجابه أمير المؤمنين عليه السلام ـ بعد كالم طويل ـ :

عظتي لا تنفع من حقّت عليه كلمة العذاب ، ولم يخف العقاب ، ولا يرجو الله وقاراً ، ولم يخف الا حذاراً(2)، فشأنك وما أنت عليه من الضلالة والحيرة والجهالة تجد الله عز وجل في ذلك بالمرصاد .

ثم قال في آخر كلامه :

فأنا أبو الحسن قاتل جدّك عتبة ، وعمّك شيبة ، وخالك الوليد بن عتبة ، وأخيك حنظلة الذين سفك الله دماءهم على يدي في يوم بدر ، وذلك السيف معي ، وبذلك القلب ألقى عدوّي .

(1) سورة الشورى : 18 .
(2) في المناقب : ولم يخف حذاراً .

( 419 )

[ومن كلامه :](1) ومتى ألفيت بني عبد المطّلب عن الأعداء ناكلين ، وبالسيوف مخوفين ، فالبث قليلاً تلحق الهيجاء جمّل ، فسيطلبك من تطلب ، ويقرب منك من تستبعد ، وأنا مرقل نحوك في جحفل(2) من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان ، شديد زحامهم ، ساطع قتامهم ، متسربلين سرابيل الموت ، أحبّ اللقاء إليهم لقاء ربّهم ، قد صحبتهم ذرّيّة بدرّية ، وسيوف هاشميّة ، قد عرفت مواقع نصلها في أخيك وخالك وجدّك ، وما هي من الظالمين ببعيد .

فنهاه عمرو عن مكاتبته ولم يكتب بعدها الا بيتاً واحداً :

ليس بيني وبين قيس عتاب     غير طعن الكلا وضرب الرقاب

قال أمير المؤمنين عليه السلام : قاتلت الناكثين هؤلاء القاسطين وساُقاتل المارقين ، ثم سار أمير المؤمنين راكباً فرس رسول الله صلى الله عليه وآله وقصده في تسعين ألفاً .

قال سعيد بن جبير : منها تسعمائة رجل من الأنصار وثمانمائة من المهاجرين .

وقال عبد الرحمان بن أبي ليلى : وسبعون رجلاً من أهل بدر ؛ وقيل : مائة وثلاثون رجلا .

وخرج معاوية في مائة ألف وعشرين ألف ، يتقدّمهم مروان وقد تقلّد بسيف عثمان ، فنزل [صفّين](3) في المحرّم على شريعة الفرات .

(1) من المناقب .
(2) المرقل : المسرع . والجحفل : الجيش .
(3) من المناقب .

( 420 )

ومنعوا عسكر أمير المؤمنين عليه السلام من الماء ، فأنفذ أمير المؤمنين صعصعة(1) بن صوحان العبدي فقال في ذلك عنفاً .

فقال معاوية : أنتم قتلتم عثمان عطشاً .

فقال أمير المؤمنين عليه السلام : روّوا السيوف من الدماء ترووا من الماء والموت في حياتكم قاهرين خير من الحياة في دنياكم مقهورين(2).

وقال الأشتر رضي الله عنه :

ميعادنا الآن بياض الصبح     لا يصلح الزاد بغير ملحِ

وحملوا في سبعة عشر ألف رجل حملة واحدة فغرق بعضهم ولزم الباقون من عسكر معاوية ، فملك الشريعة أصحاب علي عليه السلام ، فأمر أمير المؤمنين أن لا يمنعوهم من الماء ، وكان نزوله عليه السلام بصفّين لليال بقين من ذي الحجّة سنة ستّ وثلاثين ، فأمر معاوية النقّابين أن ينقّبوا تحت عسكر عليّ أمير المؤمنين عليه السلام .

فقال أمير المؤمنين :

فلو أنّي أطعت عصيت قومي     إلى ركن اليمامة أو شئام

ولكنّـي إذا أبـرمـت أمراً     تخالفـني أقاويل الطغام

فتقدّم الأشتر وقتل صالح بن فيروز العكّي(3) ومالك بن الأدهم وزيد(4) بن عبيد

(1) في المناقب : شبث بن ربعي الرياحي وصعصعة .
(2) في المناقب : في موتكم قاهرين .
(3) كذا في وقعة صفّين : 174 ، وفي الأصل : العاملي ، وفي المناقب : العتلي .
وفي وقعة صفّين هكذا عدّ الباقين : ومالك بن أدهم السلماني ، ورياح بن عتيك الغسّاني ، والأجلح بن منصور الكندي ـ وكان فارس أهل الشام ـ وإبراهيم بن وضّاح

( 421 )

الكناني وزامل بن عبيد الخزاعي ومالك بن روضة الجُمحي مبارزة . وطعن الأشعث لشُرَحبِيل بن السِمط ولأبي الأعور السلمي ، فخرج حوشب ذو الظليم وذو الكلاع في نفر فقالوا : أمهلونا هذه الليلة :

فقالوا : لا نبيت الا في معسكرنا ، فانكشفوا .

ثم إنّ أمير المؤمنين عليه السلام أنفذ سعيد بن قيس الهمداني وبشر(5) بن عمرو الأنصاري إلى معاوية ليدعواه إلى الحق فانصرفا بعد ما احتجّا عليه .

ثم أنفذ أمير المؤمنين عليه السلام [شبث بن ربقي و](6) عديّ بن حاتم ويزيد بن قيس الأرحبي وزياد بن خصفة(7) بمثل ذلك ، فكان معاوية يقول : سلّموا إلينا قتلة عثمان لنقتلهم به ، ثمّ نعتزل الأمر حتى يكون شورى ، فتقاتلوا في ذي الحجّة وأمسكوا في المحرّم ، فلمّا استهلّ صفر سنة سبع وثلاثين أمر أمير المؤمنين عليه السلام فنودي في عسكر الشام بالاعذار والانذار ، ثم عبّى عسكره فجعل على ميمنة الجيش الحسنين وعبد الله بن جعفر ومسلم بن عقيل ، وعلى ميسرته محمد بن الحنفيّة ومحمد بن أبي بكر وهاشم بن عتبة المرقال ، وعلى القلب عبد الله بن العبّاس والعبّاس بن ربيعة بن الحارث والأشتر والأشعث ، وعلى الجناح سعد(8) بن قيس الهمداني وعبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي ورفاعة بن شدّاد البجلي وعديّ بن حاتم ، وعلى الكمين عمّار بن ياسر وعمرو بن الحمق وعامر بن واثلة الكناني وقبيصة بن

 الجُمحي ، وزامل بن عبيد الله الحِزامي ، ومحمد بن روضة الجُمحي .
(4) في المناقب : زياد .
(5) في وقعة صفّين : بشير . وأضاف إليهما شبث بن رِبعي التميمي .
(6) من وقعة صفّين والمناقب .
(7) كذا في وقعة صفّين ، وفي الأصل والمناقب : حفص .
(8) كذا في وقعة صفّين والمناقب ، وفي الأصل : سعيد . وكذا في الموضع الآتي .

( 422 )

جابر الأسدي .

وجعل معاوية على ميمنته ذا الكَلاع الحميري وحوشب ذا الظليم ، وعلى الميسرة عمرو بن العاص وحبيب بن مَسلمة ، وعلى القلب الضحّا بن قيس الفهري وعبد الرحمان بن خالد بن الوليد ، وعلى الساقة بسر بن أرطاة الفهري ، وعلى الجناح عبد الله بن مسعدة الفزاري وهمام بن قبيصة النمري ، وعلى الكمين أبا الأعور السلمي وحابس بن سعد الطائي .

فبعث أمير المؤمنين عليه السلام إلى معاوية أن اخرج إليّ اُبارزك ، فلم يفعل ، وقد جرى بين العسكرين أربعون وقعة تغلّب فيها أهل العراق : أوّلها يوم الأربعاء بين الأشتر وحبيب بن مسلمة ، والثانية بين المرقال و[أبي](1) الأعور السلمي ، والثالثة بين عمّار وعمرو بن العاص ، والرابعة بين محمد بن الحنفيّة وعبد الله بن عمر ، والخامسة بين عبد الله بن عبّاس والوليد بن عقبة ، والسادسة بين سعد بن قيس وذي الكلاع ، إلى تمام الأربعين ، وكان آخرها ليلة الهرير .(2)

ولأبطال أهل العراق مع أبطال أهل الشام وقعات وحروب وأشعار لا نطوّل بذكرها خوف الملل ، ففي بعض أيّامها جال أمير المؤمنين عليه السلام في الميدان قائلاً :

أنـا عـلي فـاسألوني تـخبروا      ثمّ ابرزوا لي في الوغى وابتدروا
سـيفي  حـسام وسـناني يزهرُ      مـنّا الـنبي الـطاهر الـمطّهرُ
وحـمزة الـخير ومـنّا جـعفر      وفـاطمُ  عـرسي وفـيها مفخرُ

(1) من المناقب .
(2) مناقب ابن شهراشوب : 3 / 164 ـ 169 .

( 423 )

هذا لهذا وابن هند محجرٌ     مذبذب مطرد مؤخّر

فاستلحقه(1) عمرو بن الحصين السكوني على أن يطعنه فرآه سعيد بن قيس فطعنه .

وأنفذ معاوية ذا الكلاع إلى بني همدان فاشتبكت الحرب بينهم إلى الليل ، ثم انهزم أهل الشام ، وأنشد أمير المؤمنين عليه السلام :

فوارس  من همدان ليسوا بعزل      غـداة الـوغى من شاكر وشبام
يـقودهم  حـامي الحقيقة ماجد      سـعيد بـن قيس والكريم محام
جـزى  الله همدان الجنان فإنّهم      سهام العدى في يوم كلّ حمام(2)

ونادى خال السدوسي من أصحاب علي عليه السلام : من يبايعني على الموت ؟ فأجابه تسعة آلاف ، فقاتلوا حتى بلغوا فسطاط معاوية ، فهرب معاوية فنهبوا فسطاطه ، وأنفذ معاوية إليه : يا خالد ، لك عندي إمرة خراسان [متى](3) ظفرت فاقصر ويحك عن فعالك هذا ، فنكل عنه ، فتفل أصحابه في وجهه وحاربوا إلى الليل .

وخرج حمزة بن مالك الهمداني من أصحاب معاوية قائلاً لهاشم المرقال :

يا أعور العين وما فينا عور     نبغي ابن عفّان ونلحَى من غَدَر(4)

(1) في المناقب : فاستخلفه .
(2) مناقب ابن شهراشوب : 3 / 171 ـ 172 .
(3) من المناقب .                                                   
(4) اورد الأرجاز في وقعة صفّين : 347 هكذا :
يا أعور العين وما بي من عَوَر     أثُبت فإنّي لستُ من فَرعَي مُضر
نحن اليمانون وما فينا خَوَر     كيـفَ ترى وقع غُلامٍ من عُذَر

( 424 )

فقتله المرقال ، فهجموا على المرقال فقتلوه رحمة الله عليه ، فأخذ سفيان بن الثور رايته(1) فقاتل حتى قتل ، فأخذها عتبة بن المرقال فقاتل حتى قتل ، فأخذها أبو الطفيل الكناني مرتجزاً :

يا هاشم الخير دخلت الجنّة     قتلت في الله عدوّ السنّة(2)

فقاتل حتى جرح فرجع القهقرى ، وأخذها عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي مرتجزاً :

أضربكم ولاأرى مـعاويه   &nb