1439 / ربیع‌الاول / 5  |  2017 / 11 / 24         الزيارات : 483683         صلاة الصبح |         صلاة الظهر والعصر |         صلاة المغرب والعشاء |

المجالس السَّـنيّة في مناقب ومصائب العترة النبويّة ج 4

{ المجتهد الأكبر السيّد محسن الأمين رضوان الله عليه }
المجالس السَّـنيّة  في  مناقب ومصائب العترة النبويّة ج 4

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين ، وصلّى الله على سيّدنا محمَّد وآله الطاهرين .

 وبعد :

 فهذا هو الجزء الثالث من كتاب : ( المجالس السَّـنيّة ) في ذكرى مصائب ومناقب العترة النبويّة ، تأليف أفقر العباد إلى عفو ربّه الغني ، محسن ابن المرحوم السيّد عبد الكريم الأمين الحسيني العاملي نزيل دمشق ، عفا الله عن جرائمه ، وحشره مع محمَّد وآله الطاهرين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين .

* * *


الصفحة ( 203 )

 

المجلس الثّاني عشر بعد المئتين

قال الله تعالى في سورة القصص حكاية عن موسى (عليه السّلام) : ( وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ ) : أي ثلاثاً وثلاثين سنة ( وَاسْتَوَى‏ ) : أي بلغ أربعين سنة ( آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً ) : أي عقلاً وفقهاً ، وذلك قبل النّبوّة , أو هي النّبوّة . ( وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ ) : وهي مصر أو بعض مدنها ( عَلَى‏ حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا ) : أي نصف النّهار والنّاس قائلون ، أو ما بين المغرب والعشاء ( فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ ) : أي يختصمان ( هذَا مِن شِيعَتِهِ ) إسرائيلي ( وَهذَا مِنْ عَدُوّهِ ) قبطي , والقبطي يُريد أنْ يُسخّر الإسرائيلي ليحمل حطباً إلى مطبخ فرعون , ( فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى ) : أي دفع في صدره بجميع كفّه , أو ضربه بعصاه ، ( فَقَضَى‏ عَلَيْهِ ) فمات .

 ( قَالَ هذَا مِنْ عَمَلِ الشّيْطَانِ إِنّهُ عَدُوّ مُضِلٌ مُبِينٌ فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفاً يَتَرَقّبُ فَإِذَا الّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى‏ إِنّكَ لَغَوِيّ مّبِينٌ ) : قاتلت بالأمس رجلاً ، وتُقاتل اليوم الآخر ! ( وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى ) : وهو حزقيل مؤمن آل فرعون ( قَالَ يَا مُوسَى‏ إِنّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ ) من مصر ( إِنّي لَكَ مِنَ النّاصِحِينَ فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَبُ قَالَ رَبّ نَجّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ وَلَمّا تَوَجّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ ) : ولمّا سلك في الطّريق الذي يلقى مدين فيها , ولم يكن له علم بالطّريق ؛ ولذلك قال : ( عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيل ) .

وقال ابن عباس : خرج موسى (عليه السّلام) متوجّهاً نحو مَدين وليس له علم بالطّريق إلاّ حُسن ظنِّه بربِّه . وقيل : إنّه خرج بغير زاد ولا ماء ، ولا حذاء ولا ظهر ،


الصفحة ( 204 )

وكان لا يأكل إلاّ حشيش الصّحراء .

( وَلَمّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمّةً مِنَ النّاسِ ) : جماعة من الرّعاة يسقون مواشيهم . ( وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ ) غنمهما وتمنعانه من الورود , قال لهما موسى : ( مَا خَطْبُكُمَا ) : ما شأنكما ؟ وما لكما لا تسقيان مع النّاس ؟ ( قَالَتَا لاَ نَسْقِي حَتّى‏ يُصْدِرَ الرّعَاءُ ) وينصرف النّاس ؛ فإنّا لا نُطيق السّقي ، فننتظر فضول الماء , فإذا انصرف النّاس سقينا مواشينا من فضول الحوض , ( وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ ) لا يقدر أنْ يتولّى السّقي بنفسه ـ أبوهما هو شُعيب (عليه السّلام) ـ . ( فَسَقَى‏ لَهُمَا ) غنمهما , وزحم القوم عن الماء حتّى أخرجهم عنه , وسقى أغنامهما حتّى رويت من دلوا واحد .

( ثمّ تَوَلّى إلى الظّلّ ) : إلى ظل شجرة , فجلس تحتها من شدّة الحَرِّ وهو جائع , ( فَقَالَ رَبّ إِنّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ) . فرجعتا إلى أبيهما في ساعة كانتا لا ترجعان فيها , فأنكر شأنهما وسألهما , فأخبرتاه الخبر . فقال : عليّ به . ( فَجاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا ) : وهي الكُبرى ( تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ ) : مستحيية مُعرضة على عادة النّساء الخفرات . ( قَالَتْ إِنّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ) . فلمّا قالت : ليجزيك أجر ما سقيت لنا ، كره ذلك موسى (عليه السّلام) ؛ لأنّه لا يُريد أجراً على عمله إلاّ من الله تعالى , وأراد أنْ لا يتبعها ، ولكنّه لم يجد بُدّاً من اتّباعها .

 ( فَلَمّا جَاءَهُ وَقَصّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ ) : حكى له قصته من قتل القُبطي وطلبهم إيّاه ليقتلوه وهربه , قال له شُعيب (عليه السّلام) : ( لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ ) : فرعون وقومه ؛ فلا سلطان له بأرضنا . وإذا هو بالعشاء مُهيَّأً , فقال له شعيب (عليه السّلام) : اجلس يا شاب فتعشَّى . فقال موسى (عليه السّلام) : أعوذ بالله . قال شعيب (عليه السّلام) : ولِمَ ذاك , ألست بجائع ؟ قال : بلى , ولكن أخاف أنْ يكون هذا عِوضاً لِما سقيتُ لهما ؛ وأنا من أهل بيت لا نبيع شيئاً من عمل الآخرة بمِلك الأرض ذهباً . فقال له شُعيب (عليه السّلام) : لا والله يا شاب , ولكنّها عادتي وعادة آبائي ؛ نُقري


الصفحة ( 205 )

الضّيف ونُطعم الطّعام . فأكل .

( قَالَتْ إِحْدَاهُمَا ) ـ واسمها صفورة أو صفراء , وهي التي تزوج بها , وهي التي قالت له : إنّ أبي يدعوك ـ : ( يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيّ الأَمِينُ قَالَ إِنّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى‏ ابْنَتَيّ هَاتَيْنِ عَلَى‏ أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ ) : تكون أجيراً لي إلى ثماني سنين . ( فَإِنْ اتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ ) : أي ذلك تفضّل منك وليس بواجب عليك , ( وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقّ عَلَيْكَ ) في هذه الثّمانية حجج فاُكلّفك غير الرّعي , أو بأنْ آخذك بإتمام عشر سنين ، ( سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللّهُ مِنَ الصّالِحِينَ ) في حسن الصّحبة والوفاء بالعهد . ( قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلاَ عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ )(1) .

سُئل الإمام الصّادق (عليه السّلام) : أي الأجلين قضى موسى (عليه السّلام) ؟ قال : (( أوفاهما وأبعدهما عشر سنين )) .

وقد أشبهت حال موسى (عليه السّلام) في خروجه من مصر خائفاً يترقّب ، هارباً من فرعون مصر , حال الحسين (عليه السّلام) في خروجه من المدينة في جوف الليل خائفاً يترقب ، هارباً من فراعنة بني اُميّة ، وهو يقرأ : (( فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ )) . ودخل مكّة وهو يقرأ : (( وَلَمّا تَوَجّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى‏ رَبّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السّبِيلِ )) . وذلك لمّا دعاه الوليد بن عتبة بن أبي سفيان في الليل وطلب منه البيعة ليزيد , فلم يرد الحسين (عليه السّلام) أنْ يُصارحه بالامتناع عن البيعة , فاعتذر إليه بأنّه لا يقنع ببيعته سرّاً حتّى يُبايعه جهراً فيعرف ذلك النّاس .

فقنع منه الوليد بذلك , فقال له مروان : والله , لئن فارقك الحسين السّاعة ولم يبايع , لا قدرت منه على مثلها أبداً حتّى تكثر القتلى بينكم وبينه , ولكن احبس الرّجل فلا يخرج من عندك حتّى يُبايع أو تضرب عُنقه . فلمّا سمع الحسين (عليه السّلام) هذه المجابهة القاسية من مروان الوزغ بن الوزغ , صارحهما حينئذ بالامتناع من البيعة ، وأنّه لا يمكن أن يُبايع ليزيد أبداً .

فوثب

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة القصص / 14 ـ 28 .


الصفحة ( 206 )

الحسين (ع ) عند ذلك , وقال لمروان : (( ويلي عليك يابن الزرقاء ! أنت تأمر بضرب عُنُقي ؟! كذبت والله ، ولؤمت )) . ثمّ أقبل على الوليد ، فقال : (( أيها الأمير ، إنّا أهل بيت النّبوّة ومعدن الرّسالة ومختلف الملائكة ، بنا فتح الله وبنا ختم ، ويزيد رجل فاسق شارب الخمر ، قاتل النّفس المحترمة مُعلن بالفسق ، ومثلي لا يُبايع مثله . ولكن نُصبح وتُصبحون ، وننظر وتنظرون أيّنا أحقّ بالخلافة والبيعة )) .

ثمّ خرج يتهادى بين مواليه وهو يتمثّل بقول يزيد بن مفرّغ :

 

لا ذَعرتُ السّوامَ في فَلقِ الصُّبْـ      ـحِ   مُغيراً   ولا  دُعيتُ  يزيدَا
يومَ  اُعطِي مخافةَ الموتِ ضَيماً      والمنايَا   يَرصدْنَني   أنْ  أحيدَا
 

*             *             *

تمنَّعَ    عِزَّاً أنْ يُصافحَ ضارِعاً      يزيداً  ولو أنّ السّيوفَ تُصافحُهْ

 

المجلس الثّالث عشر بعد المئتين

كان هاشم بن عبد مناف أحد أجداد النّبي (صلّى الله عليه وآله) سيّد رجال قريش وحكّامهم , وكان يحمل ابن السّبيل ويؤدّي الحقوق , وكان يُضرب بجوده المثل . وكان قد تولّى أمر مكّة بعد أبيه , وساد قومه بما كان عليه من محاسن الأخلاق وجليل الشّيم ، وكمال الشّجاعة ووافر الكرم ، وغاية الفصاحة وغير ذلك من الصّفات الفاضلة التي لم يطاوله بها أحد .

واسمه عمرو , ولُقّب هاشماً ؛ لأنّه أوّل مَن هشم الثّريد ـ وهو الخبز مع اللحم المطبوخ بالماء ـ وأطعمه النّاس بمكّة في سنة مجدبة رحل فيها إلى فلسطين ، فاشترى منها الدّقيق وقدم به إلى مكّة ، ونحر الجزر وجعلها ثريداً عمّ به


الصفحة ( 207 )

أهل مكّة .

وهو الذي كان يقوم بأمر النّاس في السّنين المُجدبة ويُطعمهم أحسن الطّعام ؛ ولذلك لهجت ألسنة العرب على اختلافهم في القبائل بالثّناء عليه .

وهو أوّل من سنّ الرّحلتين لقريش , رحلة الشّتاء إلى اليمن ورحلة الصّيف إلى الشّام , اللتين ذكرهما الله تعالى في القرآن الكريم بقوله : ( لأَيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ )(1) . وفي ذلك يقول الشّاعر :

عَمرُو العُلا هشمَ الثَّريدَ لقومِهِ      ورجالُ  مكَّةَ مُسْنتونَ عِجافُ
بَسطُوا  إليهِ  الرّحلَتينِ كليْهما      عند  الشّتاءِ ورحلة الأصيافِ
(2)

وكان السّبب في سَنِّ هاشم الرّحلتين ما ذكره عطاء عن ابن عباس : إنّ قريشاً كانوا إذا أصاب واحداً منهم مخمصة , خرج هو وعياله إلى موضع وضربوا على أنفسهم خباءً حتّى يموتوا . وكان ذلك من عادات الجاهليّة ؛ كانوا يفعلونه ترفّعاً عن السّؤال ، إلى أنْ جاء هاشم بن عبد مناف , وكان سيّد قومه ، وله ابن يُقال له أسد ، وهو والد فاطمة بنت أسد اُمِّ أمير المؤمنين علي (ع ) .

ولأسد تِرب ( أي : مقارن في السّن ) من بني مخزوم يُحبه ويلعب معه , فشكا المخزومي إلى أسد الضرَّ والمجاعة , فدخل أسد على اُمّه يبكي وأخبرها بذلك , فأرسلت إلى اُولئك بدقيق وشحم , فعاشوا فيه أيّاماً ، ثمّ أتى المخزومي إلى أسد مرّة ثانية وشكا إليه الجوع , فأخبر أسد أباه هاشماً بذلك , فقام هاشم خطيباً في قريش , فقال : إنّكم أجدبتم جدباً تقلّون فيه وتذلّون , وأنتم أهل حرم الله وأشراف ولد آدم , والنّاس لكم تبع . قالوا : نحن تبع لك فليس عليك منّا خلاف .

فجمع كلَّ بني أب على الرّحلتين ؛ في الشّتاء إلى اليمن وفي الصّيف إلى الشّام للتجارات , فما ربح الغنيُّ قسّمه بينه وبين الفقير حتّى كان فقيرهم كغنيهم , فجاء الإسلام وهم على ذلك ، فلم يكن في العرب بنو أب أكثر مالاً ولا أعزّ من قريش ، وهذا معنى قول الشّاعر :

ــــــــــــــــــ

(1) سورة قريش / 1 ـ 2 .

(2) لا يخفى ما في البيتين من إقواء واضح . ( موقع معهد الإمامَين الحسنَين )


الصفحة ( 208 )

يـا أيُّها الرَّجلُ المُحوِّلِ رحْلَهُ    هـلاَّ نـزلتَ بآلِ عبدِ مَنافِ
هـبلتكَ  اُمّكَ لو نزلْتَ بحيِّهمْ    أمنوكَ  منْ جُوعٍ ومنْ إقرافِ
الآخـذونَ  الـعهْدَ منْ آفاقِها    والـرّاحلونَ لـرحْلَةِ الإيلافِ
والرائشونَ وليس يوجدُ رائشٌ    والـقائلون هـلُمَّ لـلأضيافِ
والـخالطونَ فـقيرَهُمْ بغنيِّهمْ    حـتّى  يكونَ فقيرُهُمْ كالكافي

واستقرّت الرّياسة لهاشم , وصارت قريش له تابعة تنقاد لأمره وتعمل برأيه , وكانت الرّفادة والسّقاية في مكّة لأبيه عبد مناف , فملك هاشم بعد أبيه الرّفادة والسّقاية , ثمّ وليهما بعده ولده المطّلب ؛ لأنّ عبد المطّلب كان صغيراً , ثمّ وليهما عبد المطّلب .

والسّقاية : هي سقاية الحاجّ ، كانوا يسقون الحاجّ الماء والشّراب , كانوا يطرحون الزّبيب في الماء ويسقونه الحجيج . والرّفادة : هي إطعام الحجّاج ، فكان هاشم يعمل الطّعام للحجّاج , يأكل منه مَن لم يكن له سعة ولا زاد , ويُقال لذلك الرّفادة .

وكان هاشم إذا هلّ هلال ذي الحجّة , قام في صبيحة ذلك اليوم وأسند ظهره إلى الكعبة من تلقاء بابها , ويخطب ويقول في خطبته : يا معشر قريش , إنّكم سادة العرب ، أحسنها وجوهاً وأعظمها أحلاماً , وأوسط العرب أنساباً وأقرب العرب بالعرب أرحاماً .

يا معشر قريش , إنّكم جيران بيت الله , أكرمكم الله بولايته وخصّكم بجواره دون بني إسماعيل , وأنّه يأتيكم زوّار الله يُعظّمون بيته فهم أضيافه , وأحقّ مَنْ أكرم أضياف الله أنتم , فأكرموا ضيفه وزوّاره ؛ فإنّهم يأتون شُعثاً غُبراً من كلِّ بلد على ضوامر كالقدح , فأكرموا ضيفه وزوّار بيته . فوربِّ هذه البنيّة , لو كان لي مال يحتمل ذلك لكفيتكموه , وأنا مخرجٌ من طيب مالي وحلالي ما لم يُقطع فيه رحم ، ولم يُؤخذ بظلم ، ولم يدخل فيه حرام , فمَن شاء منكم أنْ يفعل مثل ذلك فعل .

وأسألكم بحرمة هذا البيت أنْ لا يُخرج رجل منكم من ماله ـ لكرامة زوّار بيت الله


 الصفحة ( 209 )

وتقويتهم ـ إلاّ طيِّباً ؛ لم يُؤخذ ظُلماً ، ولم يقطع فيه رحم ، ولم يُؤخذ غصباً .

 فكانوا يجتهدون في ذلك ويُخرجونه من أموالهم فيضعونه في دار النّدوة , وتنافرت قريش وخزاعة إلى هاشم ( أي : تخاصمت إليه وطلبت منه أنْ يحكم بينها ) ، فخطبهم بما أذعن له الفريقان بالطّاعة , فقال في خطبته : أيّها النّاس , نحن آل إبراهيم وذرّيّة إسماعيل ، وبنو النّضر بن كنانة ، وبنو قصي بن كلاب ، وأرباب مكّة وسكّان الحرم , لنا ذروة الحسب ومعدن المجد , ولكلٍّ في كلّ حلف يجب عليه نصرته وإجابة دعوته ، إلاّ ما دعا إلى عقوقِ عشيرة وقطع رحم .

يا بني قصي , أنتم كغصني شجرة أيّهما كُسر أوحش صاحبه , والسّيف لا يُصان إلاّ بغمده , ورامي العشيرة يُصيبه سهمه ، ومَن محكه اللجاج أخرجه إلى البغي .

 أيّها النّاس , الحلم شرف والصّبر ظفر ، والمعروف كنز والجود سؤدد ، والجهل سفه , والأيّام دول والدّهر ذو غير ( أي : منقلب ) ، والمرء منسوب إلى فعله ومأخوذ بعمله . فاصطنعوا المعروف تكسبوا الحمد , ودعوا الفضول تُجانبكم السّفهاء , وأكرموا الجليس يعمرُ ناديكم , وحاموا الخليط يُرغب في جواركم , وأنصفوا من أنفسكم يُوثق بكم . وعليكم بمكارم الأخلاق فإنّها رفعة , وإيّاكم والأخلاق الدنية فإنّها تضع الشّرف وتهدم المجد ، وإنّ نهنهة الجاهل ( أي : زجره ) أهون من جريرته , ورأس العشيرة يحمل أثقالها , ومقام الحليم عِظة لِمَن انتفع به . فقالت قريش : رضينا بك أبا نضلة , وهي كُنيته .

فانظر إلى ما أمر به في هذه الخطبة من شريف الأخلاق , ونهى عنه من مساوئ الأفعال , هل صدر إلاّ عن غزارة فضل ، وجلالة قدر ، وعلو همّة ؟

قال ابن الأثير وغيره : فحسده اُميّة بن عبد شمس على رئاسته


الصفحة ( 210 )

وإطعامه , فتكلّف اُميّة أنْ يصنع صنيع هاشم فعجز عنه , فشمتت به ناس من قريش , فغضب ونال من هاشم ، ودعا إلى المنافرة ( أي : المخاصمة ) عند مَن يحكم بينهما أيّهما أكرم وأفضل , فكره هاشم ذلك ؛ لسنّه وقدره , فلم تدعه قريش حتّى نافره على خمسين ناقة والجلاء عن مكّة عشر سنين ، فرضي اُميّة وجعلا حكماً بينهما الكاهن الخُزاعي ، ومنزله بعسفان . فقال الكاهن : والقمرِ الباهر ، والكوكبِ الزّاهر ، والغَمام الماطرِ , وما بالجوِّ من طائر ، وما اهتدى بعلم مسافر من منجد وغائر , لقد سبق هاشم اُميّة إلى المآثر أوّل منه وآخر . فقضى لهاشم بالغلبة ، وأخذ هاشم الإبل فنحرها وأطعمها .

وغاب اُميّة عن مكّة بالشّام عشر سنين , وكانت هذه أوّل عداوة وقعت بين هاشم واُميّة , واستمرت هذه العداوة التي لم يكن لها سبب إلاّ الحسد , فلمّا جاء الإسلام كان أعدى الأعداء لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) أبو سفيان ـ صخر بن حرب بن اُميّة ـ وعشيرته , فحاربوه يوم بدر ، ولم يحضرها أبو سفيان , وقُتل ابنه حنظلة واُسر ابنه عمرو ، وهرب ابنه معاوية على رجليه حتّى ورمتا .

وجيّش أبو سفيان الجيوش على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يوم اُحد ؛ انتقاماً من يوم بدر , فقُتل عمّه الحمزة , اغتاله وحشي بحربة بتحريض هند زوجة أبي سُفيان عليه , وبقرت عن كبد حمزة ولاكتها , فلم تستطع أنْ تسيغها فلفظتها , وسُمّيت من ذلك اليوم : آكلة الأكباد ، وسُمّي ابنها : ابن آكلة الأكباد .

ثمّ جيش الجيوش على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يوم الخندق , فردّه الله بغيظه لم ينل خيراً , ثمّ أسلم يوم الفتح كُرهاً وخوفاً , ثمّ قام ابنه فشقّ عصا المسلمين وأثار حرب صفّين وفرّق كلمة الإسلام ، ثمّ قام ابنه يزيد فجيّش الجيوش على ابن بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الحسين بن علي (عليهما السّلام) , ومنعه الذّهاب في بلاد الله العريضة حتّى قتله وأهل بيته وأنصاره عطشان ظامياً , وحمل رأسه ورؤوس أهل بيته وأنصاره ،


الصفحة ( 211 )

وحمل نساءه وأطفاله كالسّبي المجلوب حتّى وردوا عليه الشّام . فكانت سلسلة فجائع محزنة ، وفظائع مخزية ، سببها حسد بني اُميّة لهاشم على ما منحه الله من فضل .

وتوارث الحسد من اُميّة لبني هاشم بنو اُميّة , وتتابعت هذه الفجائع والفظائع جيلاً بعد جيل حتّى وصلت إلى أعظمها فجيعة ؛ قتل الحسين وسبي نسائه وذرّيّته , واُدخلوا على يزيد وهم مقرنون بالحبال , فقال له علي بن الحسين (عليه السّلام) : (( يا يزيد , ما ظنّك بجدّي رسول الله لو رآنا على هذه الحالة والصّفة ؟! )) . فأمر بالحبال فقُطعت ، وأحضر رأس الحسين بين يديه , فجعل ينكته بالقضيب الخيزران ، ويعلن بالشّماتة والكفر , ويقول :

 

لـيـتَ أشـيـاخـي بـبدرٍ شَهدُوا    جَـزعَ الـخـزْرجِ منْ وقْعِ الأسلْ
لأهـلّـوا واسْـتـهـلّـوا فـرحاً    ثــــمّ قـالـوا يـا يزيدُ لا تشلْ
قـد قـتـلـنـا الـقَرمَ منْ ساداتِهمْ    وعــدلـنـاه  بـبـدرٍ فـاعتَدلْ 
لــعـبـتْ  هـاشـمُ بـالمُلكِ فلا    خــبـرٌ  جـاء ولا وحـيٌ نَـزلْ
لـسـتُ مـن خِـندفَ إنْ لم أنتقمْ    مِـــن  بـنـي أحمدَ ما كانَ فعلْ
 

*                *               *

بـني اُمـيّةَ مـا الأسـيافُ نـائمةٌ    عن ساهرٍ في أقاصي الأرضِ موتُورِ
تُـسبى  بـناتُ رسـولِ الله بـينهُمُ    والـدّينُ  غضُّ المبادي غيرُ مستورِ

 

 

المجلس الرّابع عشر بعد المئتين

روى الصّدوق ـ عليه الرّحمة ـ في كتاب ( كمال الدّين وتمام النّعمة ) ، بسنده


الصفحة ( 212 )

عن ابن عباس قال : كان يوضع لعبد المطّلب بن هاشم فراش في ظلِّ الكعبة لا يجلس عليه أحد إلاّ هو ؛ إجلالاً له , وكان بنوه يجلسون حول الفراش حتّى يخرج عبد المطّلب , وكان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يخرج وهو غلام فيمشي حتّى يجلس على الفراش , فيعظّم ذلك أعمامه ويأخذونه ليؤخّروه , فيقول لهم عبد المطّلب إذا رأى ذلك منهم : دعوا ابني ، فوالله , إنّ له لشأناً عظيماً , إنّي أرى أنّه سيأتي عليكم يوم وهو سيّدكم , إنّي أرى غرّةً تسود النّاس .

 ثمّ يحمله فيجلسه معه ويمسح ظهره ويُقبِّله ، ويقول : ما رأيت قبله أطيب منه ولا أطهر قط , ولا جسداً ألين منه ولا أطيب . ثمّ يلتفت إلى أبي طالب ـ وذلك أنّ عبد الله وأبا طالب لاُمٍّ واحدة ـ فيقول : يا أبا طالب , إنّ لهذا الغُلام لشأناً عظيماً فاحفظه واستمسك به ؛ فإنّه فرد وحيد ، وكن له كالاُمِّ لا يصل إليه شيء يكرهه .

فلمّا تمّت له ستُّ سنين , ماتت اُمّه آمنة بالأبواء بين مكّة والمدينة ، وكانت قدمت به على أخواله من بني عدي , فبقي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يتيماً لا أب له ولا اُمٌّ , فازداد عبد المطّلب له رقّة وحفظاً , وكانت هذه حاله حتّى أدركت عبد المطّلبَ الوفاة , فبعث إلى أبي طالب ـ ومحمَّد (صلّى الله عليه وآله) على صدره ـ وهو في غمرات الموت , وهو يبكي ويتلفّت إلى أبي طالب ويقول : يا أبا طالب , انظر أنْ تكون حافظاً لهذا الوحيد الذي لم يشم رائحة أبيه ، ولم يذق شفقة اُمّه .

انظر يا أبا طالب ، أنْ يكون من جسدك وبمنزلة كبدك , فإنّي قد تركتُ بنيَّ كلّهم وأوصيتك به ؛ لأنّك من اُمّ أبيه . يا أبا طالب , ما أعلم أحداً من آبائك مات عنه أبوه على حال أبيه ، ولا اُمّه على حال اُمّه , فاحفظه لوحدته . هل قبلت وصيتي ؟ قال : نعم قد قبلت ، والله عليّ بذلك شاهد . فقال عبد المطّلب : فمد يدك إليََّ . فمدَّ يده إليه , فضرب بيده على يده .

 ثمّ قال عبد المطّلب : الآن خُفّف عليّ الموت . ثمّ لم يزل يُقبّله ، ويقول : أشهد أنّي لم اُقبّل أحداً من ولدي أطيب ريحاً منك


الصفحة ( 213 )

ولا أحسن وجهاً منك . فمات عبد المطّلب وهو ابن ثمان سنين فضمّه أبو طالب إلى نفسه , لا يُفارقه ساعة من ليل ولا نهار , وكان ينام معه حتّى بلغ لا يأمن عليه أحداً .

وما زال بنو هاشم معادن الوفاء وكرم الأخلاق ، وطيب الأفعال والعلم والحلم ، فما فعل عبد المطّلب في حق النّبي (صلّى الله عليه وآله) ممّا سمعت إلاّ عن علم توارثه عن آبائه , وكانوا على بقيّةٍ من دين إبراهيم (عليه السّلام) .

وقام أبو طالب بما وصّاه به أبوه من نصرة النّبي (صلّى الله عليه وآله) وحفظه خير قيام , وآمن به وصدّقه ولكنّه كان يكتُم إيمانه للمصلحة , ويجهر به أحياناً في مثل قوله :

ولقدْ علمتُ بأنَّ دينَ مُحمَّدٍ منْ خيرِ أديانِ البريّةِ دينَا

ولكن العداوة لولده عليٍّ (عليه السّلام) دعتْ قوماً إلى أنْ يقولوا زوراً وبُهتاناً إنّه لم يُسلم .

أمّا وفاء بني هاشم لذرّيّة أبي طالب , فمن مظاهره يوم عاشوراء , فقد استشهد مع الحسين (عليه السّلام) منهم سبعة عشر رجُلاً ما لهم على وجه الأرض شبيه , من ولد علي وجعفر وعقيل أولاد أبي طالب (عليهم السّلام) ، ومن ولد الحسن والحسين (عليهما السّلام) . وقد خطبهم الحسين (عليه السّلام) وأذن لهم في الانصراف , فقال له إخوته وأبناؤه ، وبنو أخيه وأبناء عبد الله بن جعفر : ولِمَ نفعل ذلك ؟ لنبقى بعدك ! لا أرانا الله ذلك أبداً . بدأهم بهذا القول العبّاس بن أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، واتّبعه الجماعة ، فتكلّموا بمثله ونحوه .

هكذا فليكن الوفاء ، وهكذا فلتكن النّفوس الكبيرة . وما قيمة الحياة الفانية التي يُشرى بها العزّ والإباء والحياة الباقية ؟ وكيف يمكن لإبناء هاشم وعبد المطّلب وأبي طالب أن يرضوا لأنفسهم الحياة بعد سيّدهم الحسين (عليه السّلام) , ويكونوا تحت إمرة سكّير بني اُميّة ودعيّها وابن دعيِّها سلالة الفحش والفجور ؟! كلاّ ثمّ كلاّ , إنّ العيش تحت إمرة هؤلاء لهو الموت الدّائم ،


الصفحة ( 214 )

والقتل في سبيل العزّ لهو الحياة الخالدة .

ثمّ نظر صاحب الشّفقة والرّأفة ، ومُعلّم الخَلق مكارم الأخلاق إلى بني عقيل , فقال : (( حسبكم من القتل بصاحبكم مسلم , اذهبوا فقد أذنت لكم )) . وانظروا إلى ما أجاب به هؤلاء الأعاظم , سلالة عبد المطّلب وفروع هاشم . قالوا : سبحان الله ! فماذا يقول النّاس لنا ، وما نقول لهم ؟ إنّا تركنا شيخنا وسيِّدنا وبني عمومتنا خير الأعمام , ولم نرمِ معهم بسهم ولم نطعن معهم برمح , ولم نضرب معهم بسيف ولا ندري ما صنعوا . لا والله , ما نفعل ولكنْ نفديك بأنفسنا وأموالنا وأهلينا , ونقاتل معك حتّى نرد موردك ، فقبّح الله العيش بعدك .

بخٍ بخٍ لهذه النّفوس العظيمة ! كيف يترك بنو عقيل وهم فرع من فروع الشّجرة الباسقة الهاشميّة , شيخ العشيرة وسيّدها ، ويتركون بني عمومتهم خير الأعمام ولا يُشاركونهم في شدائد الحرب ومكاره الطّعن والضّرب ؟! كلاّ , لا يفعلون ذلك . ولِمَ يفعلون ذلك ؟ حُبّاً بالحياة وطلباً للعيش بعد سيّد العشيرة ، وبعد بني أعمامهم نجوم العشيرة وبدورها ؟! إنّ العيش بعد هؤلاء لذميم . كلاّ , لن يختاروه ، فقبّح الله عيشاً مثله .

هذا هو الإباء والشّمم العظيم , وهذه هي النّفوس الكبيرة حقّاً , وهذه هي الأخلاق التي لا تماثل .

قومٌ كأوّلِهمْ في الفضلِ آخرُهُمْ    والفضلُ أنْ يتَساوى البدءُ والعَقَبُ

 

المجلس الخامس عشر بعد المئتين

روى ابن عيّاش في كتاب مقتضب الأثر في النّص على الأئمة الاثني عشر , بسنده عن الجارود بن المنذر العبدي ـ وكان نصرانياً فأسلم عام


 

الصفحة ( 215 )

الحُديبية وحسن إسلامه , وكان قارئاً للكتب عالماً بتأويلها ، بصيراً بالفلسفة والطّب , ذا رأي أصيل ووجه جميل ـ قال : وفدت على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في رجال من عبد القيس , ذوي أحلام وأسنان ، وفصاحة وبيان ، وحجّة وبرهان , فلمّا بصروا به (صلّى الله عليه وآله) , راعهم منظره ومحضره ، واُفحموا عن بيانهم , فاستقدمت دونهم إليه فوقفت بين يديه ، وقلت : السّلام عليك يا نبيَّ الله , بأبي أنت واُمّي ! وأنشأت أقول :

يـا نـبـيَّ الهُدى أتتك رجالٌ    قَـطَـعَتْ  فَـدْفَـداً وآلاً فآلا
جـابتِ  الـبيدَ والمهامِهَ حتّى    غالَها منْ طُوى السُّرى ما غالا
قَطَعتْ دونَك الصحاصحَ تهْوِي    لا  تـعـدُّ الـكلالَ فيكَ كلالا
وطـوتْها  الـعِتاقُ تجْمحُ فيها    بـكـماةٍ مـثل النُّجومِ تـلالا
ثُـمّ لـمّـا رأتكَ أحسنَ مرءٍ    اُفـحمتْ  عـنكَ هيبةً وجلالا
تتَّقي شرَّ بأسِ يومٍ عـصيبٍ    هائــلٍ  أوجـلَ القلوبَ وهالا
ونـداءً  لـمحشرِ النّاسِ طُرَّاً    وحِـساباً  لـمَنْ تمادَى ضلالا
نـحو  نـورٍ مِنَ الإلهِ وبرها    نٍ وبـرٍّ ونـعمةٍ أنْ تـنـالا
وأمانٍ  منهُ لدَى الحشْرِ والنّشْـ    ـرِ إذِ الـخلقُ لا يُطيق السؤالا
أنـبـأ الأوَّلـون باسمك فينا    وبـأسـمـاءٍبَـعـدهُ تَتَتـَالا

قال : فأقبل عليّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بصفحة وجهه المبارك , وشمت منه ضياء لامعاً ساطعاً كومض البرق , فقال : (( يا جارود , لقد تأخّر بك وبقومك الموعد )) . ـ وقد كنتُ وعدتهُ قبل عامي أنْ أفد إليه بقومي , فلم آته وأتيته في عام الحديبية ـ فقلت : يا رسول الله , بنفسي أنت ما كان إبطائي عنك إلاّ أنّ جلّة قومي أبطؤوا عن إجابتي حتّى ساقها الله إليك ؛ لما أرادها به من الخير لديك , فأمّا مَن تأخر عنك , فحظه فات منك ، ولو


 

الصفحة ( 216 )

كانوا ممّن سمع بك أو رآك , لما ذهبوا عنك .

قال (صلّى الله عليه وآله) : (( فَدِنْ الآن بالوحدانية )) . قلت : أشهد أنْ لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له ، وأنّك عبده ورسوله .

والجارود بن المنذر العبدي هو من عبد القيس من أهل البصرة , وعبد القيس قبيلة من العرب من شيعة علي (ع ) كانت شديدة الإخلاص في ولائه , ولمّا جاء أصحاب الجمل إلى البصرة قبل مجيء علي (عليه السّلام) , قام رجل من عبد القيس فانتصر لعلي (عليه السّلام) وردّ عليهم وحاجّهم , فهمّوا بقتله فمنعته عشيرته , فلمّا كان الغد , وثبوا عليه وعلى مَن معه فقتلوا منهم سبعين .

ومن عبد القيس زيد بن صوحان العبدي ، وأخوه صعصعة بن صوحان ، وأخوهما سيحان بن صوحان من أهل الكوفة , كانوا شديدي الإخلاص في ولاء علي (عليه السّلام) .

 قال زيد يوم الجمل ـ لمّا كتبت إليه عائشة : أقدم في نصرنا أو فخذّل النّاس عن علي ـ : رحم الله اُمّ المؤمنين ، اُمرت أنْ تلزم بيتها واُمرنا أنْ نُقاتل , فتركت ما اُمرت به وأمرتنا به , وصنعت ما اُمرنا به ونهتنا عنه . فقُتل زيد يوم الجمل وأخوه سيحان وارتثّ صعصعة .

ومنهم حكيم بن جبّلة العبدي من أهل البصرة , كان من الأبطال الشّجعان ، صادق الولاء لعليٍّ (عليه السّلام) . [ روي : أنه ] لمّا بلغه ما صنع أصحاب الجمل بعثمان بن حُنيف , عامل علي (عليه السّلام) على البصرة من ضربه ، ونتف لحيته وحاجبيه وأشفار عينيه ، وحبسه , قال : لستُ أخاف الله إنْ لم أنصره . فجاء في جماعة من عبد القيس ، فقال له عبد الله بن الزّبير : ما لك يا حكيم ؟ قال : اُريد أنْ تُخلّوا عن عثمان بن حُنيف , فيُقيم في دار الإمارة كما كتبتم بينكم وبينه . فقال ابن الزّبير : لا يُخلّى سبيله حتّى يخلع عليّاً . فأنشب حكيم القتال ومعه أربعة قوّاد ، وحكيم بحيال طلحة , فاقتتلوا قتالاً شديداً ، فزحف طلحة لحكيم وهو في ثلثمئة , فضرب رجل ساقَ حكيمٍ فقطعها , فأخذ حكيمٌ ساقه فرماه بها فأصاب عُنقه فصرعه ووقذه ( أي : تركه مسترخياً مُشرفاً على


الصفحة ( 217 )

الموت ) ، ثمّ حبا إليه فقتله واتكأ عليه , وقال :

يا فَخْذُ لا تُراعِي     إنّ معي ذِراعي

 أحمي بها كِراعي

فأتى عليه رجلٌ وهو رثيث , فقال : ما لك يا حكيم ؟ قال : قُتلت . قال : مَن قَتلك ؟ قال : وسادتي . فاحتمله فضمّه في سبعين من أصحابه ، فخطبهم حكيم وأنّه لقائم على رجل واحدة ، وإنّ السّيوف لتأخذهم فما يتعتع , فقال : إنّا خلّفنا هذين وقد بايعا عليّاً (عليه السّلام) وأعطياه الطّاعة , ثمّ أقبلا مخالفين محاربين يطلبان بدم عثمان , ففرّقا بيننا . اللهمّ , إنّهما لم يُريدا عثمان . فقُتل حكيم والسّبعون الذين معه من عبد قيس , وقُتل معه ابنه الأشرف وأخوه الرّعل .

ومنهم مارية ابنة منقذ العبديّة من أهل البصرة , كانت تتشيع وكانت دارها مألفاً للشيعة يتحدثون فيها .

وكان مع الحسين (عليه السّلام) يوم الطّفِّ من عبد القيس سبعة فيهم مولى ، كلّهم من أهل البصرة , وهم : يزيد بن ثبيط العبدي البصري ، وابناه عبد الله وعبيد الله ، وعامر بن مسلم العبدي ومولاه سالم , وسيف بن مالك العبدي ، والأدهم بن اُميّة العبدي .

ولمّا بلغ يزيد بن ثبيط مكاتبة أهل العراق للحسين (عليه السّلام) , عزم على الخروج إلى الحسين (عليه السّلام) ، وكان له بنون عشرة فدعاهم إلى الخروج معه ، فأجابه منهم اثنان ، وهما : عبد الله وعبيد الله . وقال لأصحابه في بيت مارية ابنة منقذ العبديّة : إنّي قد عزمت على الخروج فمَن يخرج معي ؟ فقالوا : إنّا نخاف أصحاب ابن زياد . فقال يزيد : إنّي والله , لو استوت أخفافها بالجدد ـ يعني ناقته ـ لهان عليّ طلب مَن طلبني .

ثمّ خرج وابناه وصحبه الأربعة الباقون حتّى انتهى إلى مكّة ، فاستراح ثمّ ذهب إلى منزل الحسين (ع ) , وكان الحسين (عليه السّلام) لمّا بلغه مجيئه , جاء إلى رحله وجلس ينتظره , فلمّا رجع يزيد ورأى الحسين (عليه السّلام) في رحله , قال : ( بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا )(1) . السّلام عليك يابن

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة يونس / 58 .


الصفحة ( 218 )

رسول الله . ثمّ جلس إليه وأخبره بالذي جاء له , وما زال معه حتّى قُتل بين يديه بالطّفِّ مبارزة , وقُتل ابناه وقُتل الأربعة الباقون كلّهم , قُتلوا بين يدي الحسين (عليه السّلام) .

وفي رثاء الحسين (ع ) ورثاء يزيد بن ثبيط وولديه , يقول ولده عامر بن ثبيط :

 

يـا فـروُ قـومِـي فـانـدُبِي    خـيـرَ الـبَـريَّـةِ في القبورِ
وابــكِـي  الـشّـهـيدَ بعَبٍرةٍ    مـنْ فـيـضِ دمـعٍ ذي درُورِ
وارثِـي الـحُـسـينَ معَ التَّفجْـ  ـجُعِ والـتَّـأوهِ والـزَّفـيـرِ
 قـتـلـوا الـحـرامَ من الأئمـْ    ـمَةِ  فـي الحرامِ منَ الشُّهورِ
وابــكِـي يـزيـدَ مُـجـدَّلاً    وابـنـيـهِ فـي حـرِّ الهجيرِ
 مُـتـزمِّـلـين دمــاءَهُــمْ    تـجـري عـلـى لببِ النُّحورِ
 يـا لـهـفَ نـفْـسِي لمْ تفُزْ    مـعـهـمْ  بـجـنّـاتٍ وحورِ
 

*              *             *

نصروا ابنَ بنتِ نبيِّهمْ طُوبى لهُمْ    نـالُوا  بـنُصرتِهِ مراتبَ ساميهْ

 

المجلس السّادس عشر بعد المئتين

قال الصّدوق في كتاب كمال الدّين : كان قسُّ بن ساعدة بن حداق بن زهير بن إياد بن نزار الأيادي أوّل مَن آمن بالبعث من أهل الجاهليّة , وأوّل مَن توكأ على عصا , وكان يقول : إنّ لله ديناً هو خير من الدّين الذي أنتم عليه . وكان النّبي (صلّى الله عليه وآله) يترحّم عليه ، ويقول : (( يُحشر يوم القيامة اُمّة


 

الصفحة ( 219 )

واحدة )) . ثمّ روى بسنده عن أبي جعفر الباقر (عليه السّلام) قال : (( بينا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ذات يوم بفناء الكعبة يوم افتتح مكّة , إذ أقبل إليه وفد بكر بن وائل فسلّموا عليه , فقال (صلّى الله عليه وآله) : هل عندكم علمٌ من خبر قسِّ بن ساعدة الأيادي ؟ قالوا : نعم يا رسول الله . قال : فما فعل ؟ قالوا : مات . فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : فكأنّي أنظر إلى قسِّ بن ساعدة الأيادي وهو بسوق عكاظ على جمل له أحمر , وهو يخطب النّاس ويقول : اجتمعوا أيّها النّاس , فإذا اجتمعتم فأنصتوا , فإذا أنصتم فاستمعوا , فإذا استمعتم فعُوا , فإذا وعيتم فاحفظوا , فإذا حفظتم فاصدقوا . ألا أنّه مَن عاش مات , ومَن مات فات , ومَن فات ليس بآت . إنّ في السّماء خبراً وفي الأرض عِبراً , سقفٌ مرفوعٌ ومهادٌ موضوع , ونجومٌ تمور وليلٌ يدور , وبحارُ ماء لا تغور . يحلف قسٌّ ما هذا بلعب , وأنّ من وراء هذا لعجباً . مالي أرى النّاس يذهبون فلا يرجعون ؟! أرضَوا بالمقام فأقاموا , أم تُركوا فناموا ؟ يحلف قسٌّ يميناً غيرَ كاذبة : أنّ لله ديناً هو خير من الدّين الذي أنتم عليه .

ثمّ قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : رحم الله قسَّاً ، يُحشر يوم القيامة اُمّة واحدة . ثمّ قال (صلّى الله عليه وآله) : هل فيكم أحدٌ يُحسن من شعره شيئاً ؟ فقال بعضهم : سمعته يقول :

فــي  الأوَّلـينَ الذَّاهبيْـ    ـنَمنَ القُرونِ لنا بصائرْ
لـمَّـا  رأيـتُ مَـوارداً    لـلموتِ ليسَ لها مصادرْ
ورأيـتُ  قَـوْمي نحوَها    تمضِي الأكابرُ والأصاغرْ
لا يـرجِـعُ الماضي إليـْ    ـيَ  ولا مـنَ الباقينَ غابرْ
أيـقـنـتُ أنّـي لا مَحا    لةَ حيثُ صارَ القومُ صائرْ
))

قال الصّدوق رحمه الله : وبلغ من حكمة قسِّ بن ساعدة ومعرفته ، إنّ النّبي (صلّى الله عليه وآله) كان يسأل مَن يقدم عليه من إياد عن حِكَمِهِ ، ويُصغي إليها سمعه .


 الصفحة ( 220 )

ثمّ روى بسنده : إنّ وفداً من إياد قدموا على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) , فسألهم عن حِكَم قسِّ بن ساعدة , فقالوا : قال قسٌّ :

يا ناعيَ الموتِ والأمواتُ في جدثٍ     عليـهمُ منْ بقـايا بزِّهـمْ خِرَقُ
دعْـهُمْ فـإنَّ لهم يوماً يُصاحُ بهمْ    كـما يُـنبَّهُ منْ نَوماتِهِ الصَّعقُ
حتّى يجيئُوا بحالٍ غيرِ حالِهمُ خلقٌ    مَـضوا  ثـمَّ مـاذا بعد ذاكَ لقوا
مـنـهُـمْ عُراةٌ ومنهُمْ في ثيابِهمُ    مـنها الجديدُ ومنها الأورقُ الخَلِقُ

مطرٌ ونبات ، وآباء واُمّهات ، وذاهبٌ وآت , وآياتٌ في إثر آيات ، وأمواتٌ بعد أموات . ضوءٌ وظلام ، وليالٌ وأيّام , وفقيرٌ وغني ، وسعيدٌ وشقي ، ومُحسنٌ ومُسيء . كلاّ بل هو الله واحدٌ ليس بمولود ولا والد , أعادَ وأبدى وإليه المآب غداً . وفي رواية : أمات وأحيا ، وخلق الذّكر والاُنثى ، وهو ربُّ الآخرة والاُولى .

ومن حِكم قسِّ بن ساعدة ، ما رواه الصّدوق في كمال الدّين , بسنده عن ابن عباس عن أبيه قال : جمع قسُّ بن ساعدة وُلده , فقال : إنّ المِعا تكفيه البقلة وتُرويه المذْقة , ومَن عيّرك شيئاً ففيه مثله , ومَن ظلمك وجد مَن يظلمه . متى عدلت على نفسك عدل عليك مَن فوقك , فإذا نهيتَ عن شيء فابدأ بنفسك , ولا تجمع ما لا تأكل ولا تأكل ما لا تحتاج إليه , وإذا ادّخرت فلا يكونن كنزُك إلاّ فعلك . وكُنْ عفَّ العيلة(1) مشترك الغنى تسُدْ قومك , ولا تشاورنّ مشغولاً وإنْ كان حازماً , ولا جائعاً وإنْ كان فَهماً , ولا مذعوراً وإنْ كان ناصحاً . ولا تضعنَّ في عُنقك طوقاً لا يمكنك نزعه إلاّ بشقِّ نفسك , وإذا خاصمت فاعدل ، وإذا قلت فاقتصد , ولا تستودعن أحداً

ــــــــــــــــــــــ

(1) يعني : كُنْ عند فقرك غنيّاً .    ـ المؤلّف ـ


الصفحة ( 221 )

دينك(1) وإنْ قرُبت قرابته ؛ فإنّك إذا فعلت ذلك لم تزل وجلاً ، وكان المستَودَع بالخيار في الوفاء بالعهد , وكنتَ له عبداً ما بقيت , فإنْ جنى عليك كنت أولى بذلك ، وإنْ وفى كان الممدوح دونك . وكان قسٌّ لا يستودع دينه أحداً .

وروى ابن عيّاش في مقتضب الأثر ، بسنده عن الجارود بن المنذر العبدي , قال : وفدتُ على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في رجال من عبد القيس , فأقبل علينا النّبيُّ (صلّى الله عليه وآله) , وقال : (( أفيكم مَن يعرف قسَّ بن ساعدة الأيادي ؟ )) . قُلتُ : يا رسول الله , كُلّنا نعرفه ، غير أنّي من بينهم عارف بخبره واقف على أثره , وهو القائل بسوق عُكاظ : شرقٌ وغرب ، ويابسٌ ورطب , وأجاجٌ وعذب ، وحبٌّ ونبات , وجمعٌ وأشتات ، وذهابٌ وممات , وآباء واُمّهات ، وسرورُ مولودٍ ورزءُ مفقود . بؤساً لأرباب الغفلة ! ليُصلحنَّ العامل عمله قبل أنْ يفقد أجله .

ثمّ أنشأ يقول :

ذَكَّـرَ القلبَ منْ جَواهُ ادّكارُ    ولـيـالٍ خـلا لـهُنَّ نهارُ
وشموشٌ منْ تحتِها قمرُ اللّيـْ   ـلِ وكـلُّ مـتـابـعٍ مـوَّارُ
وجـبـالٌ شَـوامخٌ راسياتٌ    وبـحـارٌ مـيـاههُنَّ غِزارُ
وصـغيرٌ وأشمطٌ ورضيعٌ     كلُّهُمْ في الصَّعيدِ يوماً بـوارُ
كـلُّ هذا هو الدَّليلُ على اللـ    ـهِ فـفـيـهِ لنا هُدىً واعتبارُ

ثمّ صاح قسٌّ ، فقال : يا معشر إياد , أين ثمود ، وأين عاد ؟ وأين الآباء والأجداد ؟ فويلٌ لمَنْ صدف عن الحقّ الأشهر ، وكذّب بيوم المحشر ! ثمّ آب يُكفكف دمعه ، وهو يقول :

ــــــــــــــــــــــــــ

(1) قال الصّدوق : أمر بالتّقيّة في دينه .  ـ المؤلّف ـ


الصفحة ( 222 )

أقسمَ  قـسٌّ قسما    لـيسَ  بـهِ مُكتتمَا
لو عاشَ ألفَي سنةٍ    لـمْ  يلقَ منها سَأمَا
حـتَّى  يُلاقي أحمَداً    والـنُّقباءَ  الـحُكمَا
هُـمْ  أوصياءُ أحمدٍ    أكرمَ مَنْ تحتَ السَّمـَا
يَـعمَى  العبادُ عنهُمُ    وهُـمْ  جلاءٌ للعَمَى
لـستُ بناسٍ ذِكرَهُمْ    حـتّى  أحلَّ الرَّجمـَا

لقد صدق قسٌّ في قوله :

يَـعمَى العبادُ عنهُمُ    وهُـمْ جلاءٌ للعَمَى

فقد عمي العباد عن أهل البيت (عليهم السّلام) ولم يعرفوا حقّهم , وأخروهم عن مقامهم وهم أحد الثّقلين اللذين لا يضلّ المتمسك بهما , ومثل باب حطّةٍ الذي مَن دَخله كان آمناً , ومثل سفينة نوح التي مَنْ رَكبها نجا ومَن تخلف عنها هوى . فياويل اُمّةٍ لم ترعَ لهم حقوقهم ، وعادتهم ونابذتهم حتّى أصبحوا وهم :

مُحلَّؤون فأصفَى شُربِهمْ وشلٌ     عند الورودِ وأوفَى وِردِهمْ لممُ

ولم تكتفِ بذلك حتّى قاتلتهم ؛ فحاربت سيّدهم علي بن أبي طالب (عليه السّلام) , ثمّ قتلته وهو يُصلّي لربّه في محرابه , وأنخت على ولديه الحسن والحسين (عليهما السّلام) بالظّلم والجور , فحاربت الحسن (عليه السّلام) واضطرّته إلى ترك حقّه , ثمّ دسّت إليه السّمَّ حتّى مات شهيداً مسموماً , ومنعت من دفنه عند جدّه (صلّى الله عليه وآله) , ونازعت أخاه الحسين (عليه السّلام) حقّه وأخافته حتّى اضطرّته إلى مفارقة مدينة جدّه خائفاً يترقّب , ودسّت إليه الرّجال لتغتاله في حرم الله الذي يأمن فيه الوحش , فاضطرّته إلى الخروج للعراق , وغدر به أهل الكوفة ، وجرّدوا لقتاله ثلاثين ألفاً ,


الصفحة ( 223 )

وأحاطوا به حتّى منعوه التّوجه في بلاد الله العريضة , ومنعوه وأطفاله ونساءه وصبيته من ماء الفرات الجاري حتّى قتلوه عطشان ظامياً .

فعلتُمْ بأبناءِ النَّبيِّ ورهطهِ     أفاعيلَ أدناها الخيانةُ والغدرُ

المجلس السّابع عشر بعد المئتين

قال الله تعالى في سورة البقرة : ( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلّكُمْ تَتّقُونَ ) إلى قوله تعالى : ( شَهْرُ رَمَضَانَ الّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنّاسِ وَبَيّنَاتٍ مِنَ الْهُدى‏ وَالْفُرْقَانِ )(1) .

قال الإمام الباقر (عليه السّلام) : (( خطب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) النّاس في آخر جمعة من شعبان , فحمد الله وأثنى عليه , ثمّ قال : أيّها النّاس , قد أظلّكم شهرٌ فيه ليلةُ القدرِ خيرٌ من ألفِ شهرٍ ، وهو شهر رمضان ؛ فرض الله صيامه ، وجعل قيام ليلة فيه بتطوِّعٍ صلاة سبعين ليلة , فمَن تطوَّع فيها كان كمَن تطوَّع بصلاة سبعين ليلة فيما سواه من الشّهور , وجعل لِمَن تطوّع فيه بخصلةٍ من خصال الخير والبرِّ كأجر مَنْ أدّى فريضةً من فرائضِ الله , ومَن أدّى فيه فريضةً من فرائضِ الله كان كمَنْ أدّى سبعين فريضة فيما سواه من الشّهور ، وهو شهرٌ يزيد الله فيه رزق المؤمنين . ومَنْ فطّر فيه مؤمناً صائماً كان له بذلك عند الله عزّ وجل عتقُ رقبةٍ ، ومغفرةُ الذّنوب فيما مضى .

فقيل : يا رسول الله , ليس كلّنا نقدر أنْ نُفطّر صائماً . فقال : إنّ الله تبارك وتعالى كريم , يُعطي هذا الثّواب منكم مَنْ لم يقدر إلاّ على مذقةٍ من لبن ففطّر بها صائماً ، أو شربةِ ماءٍ عذبٍ ، أو تُميراتٍ لا يقدر على أكثر من ذلك . ومَن خفَّف فيه عن مملوكه ، خُفِّف عنه حسابه .

ــــــــــــــــــــــ

(1) سورة البقرة / 183 ـ 185.


الصفحة ( 224 )

وهو شهر أوّله رحمة ، ووسطه مغفرة ، وآخره إجابة والعتق من النّار . ولا غنى بكم فيه عن أربع خصال : خصلتين ترضون الله بهما , وخصلتين لا غنى بكم عنهما ؛ أمّا اللتان ترضون الله بهما ، فشهادة أنْ لا إله إلاّ الله وأنّي رسول الله ؛ وأمّا اللتان لا غنى بكم عنهما ، فتسألون الله حوائجكم والجنّة , وتسألون فيه العافية , وتتعوذون فيه من النّار )) .

ألا لعن الله ابن ملجم الذي فجع الإسلام والمسلمين بسيّد الأوصياء في شهر رمضان , فضربه وهو يُصلّي في محرابه ضربة وصلت إلى موضع سجوده .

أفـي شهرِ الصِّيامِ فجَعْتمُونا      بـخيرِ  النَّاسِ طُرّاً أجمعينَا
ومـنْ بعدِ النَّبيِّ فخيرُ نفس      أبـو حسنٍ وخيرُ الصَّالحينَا
لقدْ علمتَ قريشٌ حيثُ كانتْ      بـأنّكَ  خـيرُها حسَباً ودينَا

المجلس الثّامن عشر بعد المئتين

قال أمير المؤمنين (عليه السّلام) : (( خطَبنا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) , فقال : أيّها النّاس , إنّه قد أقبل إليكم شهر الله بالبركة والرّحمة والمغفرة , شهر هو عند الله أفضل الشّهور ، وأيّامه أفضل الأيّام ، ولياليه أفضل الليالي ، وساعاته أفضل السّاعات . [ شهرٌ ] دُعيتم فيه إلى ضيافة الله وجُعلتم فيه من أهل كرامته ؛ أنفاسكم فيه تسبيح ، ونومكم فيه عبادة ، وعملكم فيه مقبول ، ودعاؤكم فيه مُستجاب , فاسألوا ربّكم بنيّات صادقة وقلوب طاهرة أنْ يُوفقكم لصيامه وتلاوة كتابه ؛ فإنّ الشّقي مَن حُرم غفران الله في هذا الشّهر العظيم . واذكروا بجُوعكم وعطشكم فيه جُوعَ يوم القيامة وعطشه , وتصدّقوا على فقرائكم ومساكنيكم , ووقّروا


الصفحة ( 225 )

كباركم ، وارحموا صغاركم ، وصلوا أرحامكم ، واحفظوا ألسنتكم , وغضّوا عمّا لا يحلُّ النّظر إليه أبصاركم ، وعمّا لا يحلُّ الاستماع إليه أسماعكم ، وتحنَّنوا على أيتام النّاس يُتحنَّن على أيتامكم , وتوبوا إلى الله من ذنوبكم , وارفعوا إليه أيديكم بالدّعاء في أوقات صلواتكم ؛ فإنّها أفضل السّاعات ، ينظر الله عزَّ وجل فيها بالرّحمة إلى عباده , يُجيبهم إذا ناجوه ، ويُلبِّيهم إذا نادوه ، ويُعطيهم إذا سألوه ، ويستجيبُ لهم إذا دعوه .

يا أيّها النّاس , إنّ أنفسكم مرهونةٌ بأعمالِكم ففكّوها باستغفاركم , وظهورَكم ثقيلةٌ من أوزاركم فخفِّفوا عنها بطول سُجودكم . واعلموا أنّ الله تعالى ذكرُه أقسم بعزَّته أنْ لا يُعذِّب المُصلِّين والسّاجدين , وأنْ لا يُروِّعهم بالنّار يوم يقومُ النّاس لربِّ العالمين .

أيّها النّاس , مَن فطّر منكم صائماً مؤمناً في هذا الشّهر كان له بذلك عتق رقبة ، ومغفرة لِما مضى من ذنوبه . فقيل : يا رسول الله , وليس كُلّنا يقدر على ذلك . فقال (صلّى الله عليه وآله) : اتّقوا الله ولو بشق تمرة , اتّقوا الله ولو بشربة من ماء .

أيّها النّاس ، مَن حسّنَ منكم في هذا الشّهر خُلقَه , كان له جواز على الصّراط يوم تزلُّ فيه الأقدام ، ومَن خفّف في هذا الشّهر عمّا ملكت يمينه , خفّف الله عنه حسابه ، ومَن كفّ فيه شرّه , كفّ الله عنه غضبه يوم يلقاه ، ومَن أكرم فيه يتيماً , أكرمه الله يوم يلقاه ، ومَن وصل فيه رحِمه , وصله الله برحمته يوم يلقاه ، ومَن قطع فيه رحمه , قطع الله عنه رحمته يوم يلقاه ، ومَن تطوَّع فيه بصلاة , كتب الله له براءة من النّار ، ومَن أدّى فيه فرضاً , كان له ثواب مَن أدّى سبعين فريضة فيما سواه من الشّهور ، ومَن أكثر فيه من الصّلاة عليَّ , أثقل الله ميزانه يوم تخفُّ الموازين ، ومَن تلا فيه آية من القرآن , كان له مثلُ أجرِ مَن ختم القرآن في غيره من الشّهور .

أيّها النّاس , إنّ أبواب الجنان في هذا الشّهر مُفتَّحةٌ , فاسألوا ربّكم أنْ لا يغلقها عنكم ، والشّياطين مغلولةٌ , فاسألوا ربّكم أنْ لا يُسلِّطها عليكم )) .

فقال أمير


الصفحة ( 226 )

المؤمنين (عليه السّلام) : (( فقمت وقلتُ : يا رسول الله , ما أفضل الأعمال في هذا الشّهر ؟ فقال : يا أبا الحسن , أفضلُ الأعمال في هذا الشّهر الورع عن محارم الله . ثمّ بكى ، فقلتُ : يا رسول الله , ما يُبكيك ؟ قال : يا علي , أبكي لِما يُستحلُّ منك في هذا الشّهر ؛ كأنّي بك وأنت تُصلِّي لربّك وقد [ انبعث ] أشقى الأوّلين والآخرين شقيق عاقر ناقة ثمود , فضربك ضربةً على قرنك فخضب منها لحيتك )) . قال أمير المؤمنين (ع ) : (( فقلتُ : يا رسول الله , وذلك في سلامة من ديني ؟ فقال : في سلامة من دينك . ثمّ قال (صلّى الله عليه وآله) : يا علي , مَن قتلك فقد قتلني ، ومَن أبغضك فقد أبغضني ، ومَن سبّك فقد سبّني ؛ لأنّك منّي كنفسي ، روحك من روحي وطينتك من طينتي . إنّ الله خلقني واصطفاني وإيّاك ، واختارني للنّبوة واختارك للإمامة )) .

لقد أراقُوا ليلةََ القدرِ دماً      دماؤُها انصببن بانصبابِهِ
غادرُهُ ابنُ مُلجمٍ ووجهُهُ      مُخضَّبٌ بالدَّمِ في محْرابِهِ
قتلتُمُ الصَّلاةَ في مِحْرابِها      يا قاتلِيهِ وهوَ في محرابِهِ

المجلس التاسع عشر بعد المئتين

جاء أعرابي إلى النّبي (صلّى الله عليه وآله) في عام جدب , فقال : أتيناك ولم يبقَ لنا صبيٌّ يرتضع ، ولاشارف ( أي : ناقة ) تجتر .

ثمّ أنشد :

أتـيناكَ والـعذراءُ يَدمَى  لبانُها      وقد شُغِلتْ اُمُّ الرَّضيعِ عن الطَّفلِ
وألـفَى بكفَّيهِ الفتَى   لاسـتكانةٍٍ      من الجُوعِ حتّى ما يُمِرُّ ولا يُحلي
ولـيـسَ لـنـا إلاّ إليكَ فِرارُنا      وأينَ  فرارُ النَّاسِ إلاّ إلى الرُّسْلِ

فقام النّبي (صلّى الله عليه وآله) يجرّ رداءه حتّى صعد المنبر ، فحمد


 الصفحة ( 227 )

الله وأثنى عليه , وقال : (( اللهمّ , اسقنا غيثاً مغيثاً ، مريئاً هنيئاً ، مريعاً سحّاً ، سجّالاً غدقاً , تُحيي به الأرض وتُنبتُ به الزّرع وتدرُّ به الضّرع , واجعله سقياً نافعاً عاجلاً غير رائث )) . فما ردّ يده إلى نحره حتّى ألقت السّماء أرواقها ، وجاء النّاس يضجون : الغرق الغرق يا رسول الله ! فقال : (( اللهمّ ، حوالينا ولا علينا )) . فانجاب السّحاب عن المدينة حتّى استدار حولها كالإكليل , فضحك رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حتّى بدت نواجذه , ثمّ قال : (( لله درّ أبي طالب ! لو كان حيّاً لقرّت عينُه . مَن يُنشدنا قوله ؟ )) . فقام علي (عليه السّلام) , فقال : (( يا رسول الله , لعلك أردت : وأبيضَ يُستسقَى الغَمامُ بوجهِهِ ؟ )) . فقال : (( أجل )) . فأنشده أبياتاً من هذه القصيدة , ورسول الله (صلّى الله عليه وآله) يستغفر لأبي طالب على المنبر .

وفي هذه القصيدة يقول أبو طالب :

وأبيضَ يُستسقَى الغَمامُ بوجهِه      ثِـمالُ اليَتامَى عصمةٌ للأراملِ
تـلوذُ بهِ الهُلاّكِ منْ آلِ هاشم      فـهُمْ عندَهُ في نعمة ٍوفواضلِ
كذبتُمْ  وبيتِ اللهِ نُخْلي محمَّداً      ولـمّا  نُطاعنْ  دونَهُ ونُناضلِ
ونـنصرُهُ حتّى نُصرَّعَ حولَهُ      ونـذهلُ عن أبنائِنا والحلائِل

ثمّ قام رجل من كنانة فأنشده :

لك الحمدُ والحمدُ ممَّنْ شَكَرْ      سُـقينا  بوَجهِ النَّبيِّ المَطرْ
دعــا  اللهَ خـالقَهُ دعْوةً      إليهِ  وأشخصَ منهُ البصَرْ
فـما  كـانَ إلاّ كما ساعةٍ      أو اقْصرَ حتّى رأينا الدِّرَرْ
فـكـانَ كـمـا قالَهُ عمُّهُ      أبـو طالبٍ ذو رواءٍ غَزَرْ
بـه يسَّرَ اللهُ صوتَ الغَمامْ      فـهـذا العيانُ وذاك الخَبَرْ
فمَنْ  يشْكُرِ اللهَ يلقَ المزيدَ      ومَـنْ  يكفُرِ اللهَ يلقَ الغِيَرْ

فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( إنْ يكُ شاعرٌ أحسنَ فقدْ أحسنتْ )) .

وللشعر في


الصفحة ( 228 )

مدح النّبي وآله (صلّى الله عليه وآله) مزيّة عالية .

قال الإمام الصّادق (عليه السّلام) لأبي عمارة المنشد : (( أنشدني في الحسين بن علي )) . قال : فأنشدتُه فبكى , ثمّ أنشدتُه فبكى ، فوالله , ما زلتُ أنشده فيبكي حتّى سمعت البكاء من الدّار .

وأنشد دعبل [ الخُزاعي الإمامَ ] الرّضا (عليه السّلام) قصيدته التّائية التي يقول فيها :

مدارسُ آياتٍ خَلَتْ منْ تلاوةٍ    ومنزلُ وحيٍ مُقفَرُ العَرَصاتِ

فلمّا بلغ إلى قوله :

لقدْ خفتُ في الدُّنيا وأيّام سَعْيها   وإنّي لأرجُو الأمنَ بعدَ وفاتي

قال الرّضا (عليه السّلام) : (( آمنك الله يوم الفزَعِ الأكبر )) . وحسبُ دعبلٍ هذا الدّعاء من الرّضا (عليه السّلام) .

بكَتْ السَّماءُ دماً عليهِ فليسَ منْ    عُذرٍ لذي طرفٍ بدمعٍ يبخَلُ

 

المجلس العشرون بعد المئتين

قال الله تعالى مُخاطباً نبيّه (صلّى الله عليه وآله) : ( فَأَمّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ )(1) . أي : لا تقهره على ما له فتذهب بحقّه لضعفه كما كانت تفعل العرب في أمر اليتامى . والخطابُ للنبيِّ (صلّى الله عليه وآله) والمراد جميع المُكلّفين . وكان النّبي (صلّى الله عليه وآله) يُحسن إلى اليتامى ويبرّهم ويُوصي بهم .

وأتى النّبيَّ (صلّى الله عليه وآله) غلامٌ , فقال : غلامٌ يتيمٌ ، واُخت لي يتيمة ، واُمّ لي أرمَلة , أطعمنا ممّا أطعمك الله ، أعطاك الله ممّا عنده حتّى ترضى . قال : (( ما أحسن ما قلتَ يا غُلام ! اذهب يا بلال فائتنا بما كان عندنا )) . فجاء بواحدة وعشرين تمرة , فقال (صلّى الله عليه وآله) : (( سبعٌ لك ، وسبعٌ لاُختك ، وسبعٌ لاُمّك )) .

ــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الضّحى / 9 .


الصفحة ( 229 )

فقام إليه معاذ بن جبل فمسح رأسه , وقال : جَبرَ اللهُ يتمك ، وجعلك خلفاً من أبيك ـ وكان من أبناء المهاجرين ـ . فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( رأيتُك يا معاذ وما صنعت )) . قال : رحمته . قال (صلّى الله عليه وآله) : (( لا يلي أحدٌ منكم يتيماً فيُحسن ولايته ، ووضع يده على رأسه إلاّ كتب الله له بكلِّ شعرةٍ حسنة , ومحى عنه بكلِّ شعرةٍ سيئة , ورفع له بكلِّ شعرة درجة )) . وعنه (صلّى الله عليه وآله) : (( مَن مسح على رأس يتيم , كان له بكلِّ شعرةٍ تمرُّ على يده نورٌ يوم القيامة )) . وقال (صلّى الله عليه وآله) : (( أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنّة إذا اتّقى الله عزّ وجل )) . وأشار بالسّبابة والوسطى . وعنه (صلّى الله عليه وآله) : (( إنّ اليتيم إذا بكى اهتزّ لبكائه عرش الرّحمن )) .

فليت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لا غاب عن يتامى ولده أبي عبد الله الحسين (عليه السّلام) ليلة الحادي عشر من المُحرّم حين باتوا عطاشى جياعى ، بلا محامٍ ولا كفيل ، قد علا بكاؤهم وارتفع صراخهم لفقد الكافل والمحامي , وهم يرون كافلهم والمحامي عنهم ملقىً على وجه الصّعيد جثّة بلا رأس , وكفيلهم بعده زين العابدين (عليه السّلام) عليل مريض لا يستطيع النّهوض , وليس عندهم غير نساء دأبهنَّ النّوح والبكاء ، ولكن زينب العقيلة ، لبوة أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، قامت باُمورهم , فمرّضت العليل ، وسكّتت الطّفل ، وسلّت الحزين ، وقامت في ذلك مقام الرّجال .

هذي يتاماكُمْ تلوذُ ببعضِها    ولكمْ نساءٌ تلتجي لنِساءِ

 

المجلس الواحد والعشرون بعد المئتين

روى المدائني قال : لمّا كان زمن علي بن أبي طالب (عليه السّلام) , ولي زياد بن أبيه بلاد فارس فضبطها ضبطاً صالحاً ، وجبى خراجها وحماها , وعرف


الصفحة ( 230 )

ذلك معاوية فكتب إليه : وأمّا بعد , فإنّه غرّتك قلاع تأوي إليها ليلاً كما تأوي الطّير إلى وكرها ، وأيم الله , لولا انتظاري بك ما الله أعلم به لكان لك منّي ما قاله العبد الصّالح ( أي : سُليمان عليه السّلام ) ( فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لاَ قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ )(1) .

فلمّا ورد الكتاب على زياد , قام فخطب النّاس وقال : العجب من ابن آكلة الأكباد ورأس النّفاق ، يُهددني وبيني وبينه ابن عمِّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) , وزوج سيّدة نساء العالمين ، وأبو السّبطين , وصاحب الولاية والمنزلة والإخاء في مئة ألف من المهاجرين والأنصار ، والتّابعين لهم بإحسان ! أما والله , لو تخطَّى هؤلاء أجمعين إليّ لوجدني ضرّاباً بالسّيف . ثمّ كتب إلى أمير المؤمنين (عليه السّلام) بذلك ، وبعث بكتاب معاوية في كتابه .

فكتب أليه أمير المؤمنين (عليه السّلام) : (( أمّا بعد , فإنّي قد ولّيتُكَ ما ولّيتك وأنا أراك لذلك أهلاً , وإنّ معاوية كالشّيطان الرّجيم يأتي المرء من بين يديه ومن خلفه ، وعن يمينه وعن شماله , فاحذره ثمّ احذره , والسّلام )) .

فلم يزل زياد في عمله حتّى قُتل علي (عليه السّلام) ، فخاف معاوية جانبه وأشفق من ممالأته الحسنَ بن علي (عليهما السّلام) , فكتب إليه : من أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان إلى زياد بن عبيد : أمّا بعد , فإنّك عبدٌ كفرت النّعمة , وظننت أنّك تخرج من قبضتي ولا ينالك سلطاني ، هيهات ! ما كلّ ذي لبٍّ يُصيب رأيه ، ولا كلّ ذي رأي ينصح في مشورته . أمس عبد واليوم أمير ، خطّة ما ارتقاها مثلك يابن سُميّة , فإذا أتاك كتابي هذا , فخُذ النّاس بالطّاعة والبيعة , والسّلام .

 فلمّا ورد الكتاب على زياد , غضب غضباً شديداً ، وجمع النّاس وصعد المنبر ، فحمد الله ، ثمّ قال : ابن آكلة الأكباد وقاتلة أسد الله , ومظهر الخلاف ومسرّ النّفاق ورئيس الأحزاب , ومَن أنفق ماله في إطفاء نور الله , كتب إليّ

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة النّمل / 37 .


الصفحة ( 231 )

يرعد ويبرق عن سحابة جفل(1) لا ماء فيها , وعمّا قليل تُصيّرها الرّياح فزعاً(2) , كيف أرهبه وبيني وبينه ابن بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ( يعني : الحسن عليه السّلام ) ، وابن ابن عمّه في مئة ألف من المهاجرين والأنصار ؟! والله , لو أذن لي فيه أو ندبني إليه لأريته الكواكب نهاراً . الكلام اليوم ، والجمع غداً ، والمشورة بعد ذلك إن شاء الله .

ثمّ نزل وكتب إلى معاوية : أمّا بعد , فقد وصل إليّ كتابك يا معاوية , وفهمت ما فيه , فوجدتك كالغريق يُغطّيه الموج فيتشبث بالطُحلُب(3) ( وهو : الخضرة التي تعلو الماء المزن ) ، ويتعلّق بأرجل الضّفادع طمعاً في الحياة , فامض الآن لطيّتك(4) ، واجتهد جهدك , ولا أجتهد إلاّ فيما يسوؤك , والسّلام .

 فلمّا ورد كتاب زياد على معاوية غمّه وأحزنه , وبعث إلى المغيرة بن شعبة فخلا به , وقال : يا مغيرة , إنّي اُريد مشاورتك في أمر أهمّني . قال المغيرة : وما ذاك ؟ قال : إنّ زياداً قد أقام بفارس , وهو رجل ثاقب الرّأي ، ماضي العزيمة ، جوّال الفكر , وقد خفت منه الآن ما كنت آمنُه إذ كان صاحبه حيّاً ، وأخشى ممالأته حسناً , فكيف السّبيل إليه ؟ قال المغيرة : أنا له إنْ لم أمت ، إنّ زياداً رجل يُحب الشّرف والذّكر وصعود المنابر , فلو لاطفته المسألة وألنت له الكتاب , لكان لك أميل وبك أوثق , فاكتب إليه وأنا الرّسول .

فكتب إليه معاوية : من معاوية بن أبي سفيان إلى زياد بن أبي سفيان ، أمّا بعد ، فإنّ المرء ربما طرحه الهوى في مطارح العطب , وحملك سوء ظنّك بي وبغضك لي على أنْ عققت قرابتي ، وقطعت رحمي ، وبتّت نسبي حتّى كأنّك لست

ـــــــــــــــ

(1) سحابة جَفْل ، بالفتح فالسكون : أي أمطرت ماءها .

(2) القزع ، بفتحتين : قطع من السّحاب .

(3) بضم الطّاء واللام أو كسرهما أو بضم الطّاء وفتح اللام .

(4) لحاجتك .  ـ المولّف ـ


الصفحة ( 232 )

أخي ، وليس صخر بن حرب أباك وأبي , وشتّان ما بيني وبينك ؛ أطلب بدم ابن أبي العاص ( يعني عثمان ) وأنت تُقاتلني ؟! فاعلم أبا المغيرة , إنّك لو خضت البحر في طاعة القوم ، فتضرب بالسّيف حتّى ينقطع متنه لما ازددت منهم إلاّ بُعداً ؛ فإنّ بني عبد شمس أبغض إلى بني هاشم من الشّفرة إلى الثّور الصّريع وقد اُوثق للذبح ، فارجع إلى أصلك واتّصل بقومك . ووعده بالإمرة والصّلة .

فرحل المغيرة بكتاب معاوية حتّى قدم على زياد , فدفع إليه الكتاب فجعل يتأمّله ويضحك , ثمّ جمع النّاس بعد يومين أو ثلاثة , فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ، ثمّ قال : أيّها النّاس , ادفعوا البلاء ما اندفع عنكم , وارغبوا إلى الله في دوام العافية لكم , فقد نظرتُ في اُمور النّاس منذ قُتل عثمان وفكّرت فيهم ، فوجدتهم كالأضاحي في كلّ عيد يُذبحون , ولقد أفنى هذا اليومان ـ يوم الجمل وصفّين ـ ما ينيف على مئة ألف , كلّهم يزعم أنّه طالب حقٍّ وتابع إمام وعلى بصيرة من أمره , فإنْ كان الأمر هكذا , فالقاتل والمقتول في الجنّة . كلاّ ليس كذلك ، ولكن أشكل الأمر والتبس على القوم , وإنّي لخائف أنْ يرجع الأمر كما بدأ , وقد نظرت في أمر النّاس فوجدتُ أحمَدَ العاقبتين العافية , وسأعمل في اُموركم ما تحمدون عاقبته ومغبّته إنشاء الله . ثمّ نزل ، وكتب إلى معاوية :

 أمّا بعد ، فقد وصل كتابك مع المغيرة بن شعبة وفهمت ما فيه , فالحمد لله الذي عرّفك الحقَّ وردّك إلى الصّلة , ولقد قمتُ يوم قرأتُ كتابك مقاماً يعبأ به الخطيب المِدْرَه ( أي : المُقدِم في اللسان ) , فتركت مَن حضر لا أهلَ وردٍ ولا صدر , كالمتحيرين بمهمهٍ ضلَّ بهم الدّليل , وأنا على أمثال ذلك قدير .

وكتب في أسفل الكتاب :

إذا معشَري لمْ ينْصفُوني وجدْتَني      اُدافـعُ عنِّي الضَّيمَ ما دُمْتُ باقيا
اُدافـعُ بـالـحلمِ الجَهولَ مكيدةً      واُخفي  له تحتَ العَصاةِ الدَّواهيا


الصفحة ( 233 )

فإنْ تدنُ منِّي أدنُ منكَ وإنْ  تَبنْ    تـجدْني إذا لـمْ تدنُ منِّي  نائيا

 

فكتب إليه معاوية بخطِّ يده ما وثق به .

فدخل زياد الشّام ، فقرّبه معاوية وأدناه ، واستلحقه فجعله أخاه ؛ لأنّ أبا سفيان كان زنى باُمّه سُميّة وهي تحت عبيد , وولدته على فراش عبيد , وأثبت ذلك بشهادة جماعة , منهم : أبو مريم السّلوي ، وكان خمّاراً في الجاهليّة ، وخالف قول النّبي (صلّى الله عليه وآله) : (( الولد للفراشِ وللعاهر الحَجَر )) . وأقرّه على ولايته بفارس , ثمّ استعمله بعد ذلك والياً على العراق وضمّ إليه البصرة , فكان يتتبع الشّيعة كما أمره معاوية ، وهو بهم عارف ؛ لأنّه كان منهم أيّام أمير المؤمنين (ع ) , فقتلهم تحت كلّ حجر ومدر , وأخافهم وهدم دورهم , وقطع الأيدي والأرجل , وسمل العيون وصلبهم على جذوع النّخل , وطردهم وشرّدهم عن العراق , فلم يبقَ بها معروف منهم .

ولم يزل الأمر على ذلك حتّى ولي العراقَين نغله عبيد الله بن زياد , فاقتدى بأبيه في بغض أهل البيت (عليهم السّلام) وقتلِ شيعتهم وإيذائهم , حتّى كان ما كان من قتله مسلم بن عقيل بإلقائه من أعلى القصر حتّى تكسّرت عظامه , وقتل هاني بن عروة في حُبّ أهل البيت (عليهم السّلام) ، حتّى تجرّأ على ما هو أعظم من ذلك وأفضع ؛ من تجييش الجيوش لقتال الحسين ابن بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) .

وبلغ به الخُبث والعداوة لأهل البيت (عليهم السّلام) إلى أنْ منع الحسين (ع ) ، وأطفاله وعياله من شرب الماء حتّى قتله وأهل بيته عطاشى ، ولم يكتفِ بذلك حتّى كتب إلى عمر بن سعد : فإنْ قتلت حسيناً , فأوطئ الخيل صدره وظهره ؛ فإنّه عاقٌّ شاقٌّ قاطعٌ ظلوم , ولست أرى أنّ هذا يضرّ بعد الموت شيئاً ، ولكن على قول قد قُلتُه : لو قد قتلتُه لفعلت هذا به .

فامتثل عمر بن سعد أمره ، ونادى في أصحابه لمّا قُتل الحسين (ع ) : مَن ينتدب للحسين فيوطئ الخيل ظهره وصدره ؟ فانتدب منهم عشرة فوارس ، فداسوا الحسين (ع ) بحوافر خيلهم حتّى


الصفحة ( 234 )

رضّوا ظهره وصدره ، وجاء هؤلاء العشرة حتّى وقفوا على ابن زياد , فقال أحدهم :

نحنُ رضَضْنا الصَّدرَ بعدَ الظَّهرِ    بكلِّ يَعْبوبٍ شديدِ الأسرِ

* * *

تطَأُ الصَّواهلُ جسْمَهُ وعلى القنا    منْ رأسِهِ المرفوعِ بدرُ سماءِ

 

المجلس الثّاني والعشرون بعد المئتين

في شرح النّهج لابن أبي الحديد : كان سعيد بن سرح شيعةً لعلي بن أبي طالب (ع ) , فلمّا قدم زياد الكوفة والياً عليها أيّام معاوية , طلب سعيدَ بنَ سرح وأخافه , فأتى سعيدٌ الحسنَ بن علي (عليهما السّلام) مستجيراً به , فوثب زياد على أخيه وولده وامرأته فحبسهم ، وأخذ ماله ونقض داره .

فكتب الحسن بن علي (عليهما السّلام) إلى زياد : (( من الحسن بن علي إلى زياد : أمّا بعد , فإنّك عمدتَ إلى رجل من المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم , فهدمت داره وأخذت ماله ، وحبست أهله وعياله , فإذا أتاك كتابي هذا ، فابني له داره واردد عليه عياله وشفّعني فيه ؛ فقد أجرته , والسّلام )) .

فلمّا ورد الكتاب على زياد , كتب إلى الحسن (ع ) : من زياد بن أبي سفيان إلى الحسن بن فاطمة , أمّا بعد ، فقد أتاني كتابك تبدأ فيه بنفسك قبلي وأنت طالب حاجة ، وأنا سلطان وأنت سوقة ( أي : رعية ) , وتأمرني فيه بأمر المُطاع المُسلّط على رعيته . كتبت إليّ في فاسق آويته ؛ إقامة منك على سوء الرّأي ورضاً منك بذلك . وأيم الله , لا تسبقني به ولو كان بين


الصفحة ( 235 )

جلدك ولحمك , وإنْ نلت بعضك غير رفيق بك ولا مرع عليك(1) ؛ فإنَّ أحبّ لحم إليّ أنْ آكله اللحم الذي أنت منه , فسلّمه بجريرته إلى مَن هو أولى به منك , فإنْ عفوتُ عنه لم أكن شفّعتك فيه , وإنْ قتلتُه لم أقتله إلاّ لحبّه أباك , والسّلام .

فلمّا ورد الكتاب على الحسن (ع ) , قرأه وتبسّم ، وكتب جواب كتابه كلمتين لا ثالثة لهما : (( من الحسن بن فاطمة إلى زياد بن سُميّة : أمّا بعد ، فإنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال : الولد للفراش وللعاهر الحجر , والسّلام )) .

وقد اقتدى بزياد بن سُميّة في بغضه لعلي (عليه السّلام) وشيعته نغلُه عبيد الله بن مرجانة , فقد قتل ميثم التّمار على حبّه لعلي (ع ) ؛ فإنّه لمّا اُدخل عليه , قيل له : هذا كان من آثرِ النّاس عند علي (ع ) . فأخذه وصلبه ، ثمّ فعل ما فعل بسبط رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الحسين بن علي (ع ) , فجيّش عليه الجيوش , ومنعه وأهله من شرب الماء حتّى قُتل عطشان بشطِّ الفرات , ولم يكتفِ بذلك حتّى أمر أن يُداس جسده الشّريف بحوافر الخيل , وطاف برأسه الشّريف في سكك الكوفة وشوارعها , وطاف به في البلدان .

سُميّةُ أمسَى نسلُها عددَ الحصَى     وبنتُ رسولِ اللهِ ليس لها نسلُ

 

المجلس الثّالث والعشرون بعد المئتين

في كامل ابن الأثير قال : في سنة ستٍّ وخمسين بايع النّاس يزيد بن

ــــــــــــــــــــ

(1) أي : غير مشفق عليك ولا راحم لك .


الصفحة ( 236 )

معاوية بولاية عهد أبيه , وكان أوّل ذلك من المغيرة بن شعبة ؛ فإنّ معاوية أراد أن يعزله عن الكوفة ويولّيها سعيد بن العاص , فقال المغيرة : الرّأي أنْ أذهب إلى معاوية فاستعفيه ليظهر للناس كراهتي للولاية . فدخل على يزيد , وقال : ما يمنع أمير المؤمنين أن يعقد لك البيعة ؟ قال : أترى ذلك يتم ؟ قال : نعم . فدخل يزيد على أبيه وأخبره , فأحضر المغيرة فأشار عليه ببيعة يزيد , قال معاوية : ومَن لي بهذا ؟ قال المغيرة : أنا أكفيك أهل الكوفة , ويكفيك زياد أهل البصرة . قال : ارجع إلى عملك . فرجع إلى أصحابه , فقالوا : مه . قال : لقد وضعت رجل معاوية في غرز بعيد الغاية على اُمّة محمَّد ( والغرز : ركاب من جلد ) , وفتقت عليهم فتقاً لا يُرتق أبداً , وأنشد :

بمثلِي شاهدِي النَّجْوى وغالَى     بيَ الأعداءُ والخصمُ الغِضابا

وقد صدق المغيرة في أنّه فتق على اُمّة محمَّد فتقاً لا يُرتق أبداً ؛ جرأة منه على الله تعالى واتّباعاً للهوى . وقدم المغيرة الكوفة وذاكر شيعة بني اُميّة بذلك فأجابوه , فأوفد منهم عشرة وأعطاهم ثلاثين ألف درهم وجعل عليهم ابنه , فقدموا على معاوية وزيّنوا له بيعة يزيد , وادّعوا أنّه إنّما استخفّهم إليه النّظر لاُمّة محمَّد (صلّى الله عليه وآله) . فقال معاوية : لا تعجلوا بإظهار هذا . وقال لابن المغيرة سرّاً عنهم : بِكَم اشترى أبوك من هؤلاء دينهم ؟ فقال : بثلاثين ألف درهم . فقال : لقد هان عليهم دينهم , ولقد وجد أبوك دينهم عندهم رخيصاً . واستشار معاوية زياداً فأشار بالتؤدة .

وكتب معاوية إلى مروان : إنّي قد كبرت سنِّي ، وخشيت الاختلاف على الاُمّة بعدي , وقد رأيت أن أتخيّر لهم مَن يقوم بعدي , فأعرض ذلك وأخبرني بما يردّون عليك . فأخبرهم ، فقالوا : أصاب . فكتب إلى معاوية بذلك ، فأجابه بأنّه اختار لهم يزيد . فقال عبد الرّحمن بن أبي بكر : كذبت يا مروان , وكذب معاوية ، ما الخيار أردتما لاُمّة محمَّد (صلّى الله عليه وآله) ، ولكنّكم


الصفحة ( 237 )

تُريدون أنْ تجعلوها هرقلية . فقال مروان : هذا الذي أنزل الله فيه : ( وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا )(1) . فقالت عائشة : كذبت ، والله ما هو به ، ولكنّك أنت فضض من لعنة نبي الله . ( أي : أَنّ النّبي (صلّى الله عليه وآله) لعن أباك وأنت فضض من لعنته . أي : قطعة وطائفة منها ) . وقام الحسين بن علي (عليه السّلام) فأنكر ذلك ، وفعل مثله ابن عمر وابن الزّبير .

فكتب مروان بذلك إلى معاوية ، وكان معاوية قد كتب إلى عمّاله بمدح يزيد وأنْ يُوفدوا إليه الوفود , فكان فيمن أتاه الأحنف بن قيس في وفد أهل البصرة , فقال معاوية للضّحاك بن قيس الفهري لمّا اجتمع الوفود عنده : كُن أنت الذي تدعو إلى بيعة يزيد . فقام الضّحاك فمدح يزيد ودعا معاوية إلى بيعته ، وتكلّم مَن حضر من الوفود , فقال معاوية للأحنف : ما تقول يا أبا بحر ؟ فقال : نخافكم إنْ صدقنا , ونخاف الله إنْ كذبنا . وتفرّق النّاس يحكون قول الأحنف .

وكان معاوية يُعطي المقارب ويداري المُباعد حتّى استوسق له أكثر النّاس , فلمّا بايعه أهل العراق والشّام , سار إلى الحجاز في ألف فارس , فلمّا دنا من المدينة , لقيه الحسين بن علي (عليه السّلام) ، ثمّ لقيه ابن الزّبير ، ثمّ عبد الرّحمن بن أبي بكر وعبد الله بن عمر فجفاهم ووبّخهم , فخرجوا إلى مكّة فأقاموا بها .

وخطب معاوية بالمدينة ومدح يزيد , ثمّ خرج إلى مكّة فجمع هؤلاء الأربعة , وقال لهم : قد اُعذر من أنذر ، إنّي قائم بمقالةٍ فاُقسم بالله , لئن ردّ عليَّ أحدكم كلمة في مقامي هذا , لا ترجع إليه كلمة غيرها حتّى يسبقها السّيف إلى رأسه . ثمّ دعا صاحب حرسه , فقال : أقم على رأس كلّ رجل من هؤلاء رجلين ، ومع كلّ واحد سيف , فإنْ ذهب رجل منهم يردّ عليَّ , فليضرباه بسيفهما . ثمّ قال : إنّ هؤلاء الرّهط سادة المسلمين وخيارهم , وأنّهم قد رضوا وبايعوا يزيداً ، فبايعوا على اسم الله . فبايع النّاس ، ثمّ ركب رواحله وانصرف إلى المدينة , وبايعه أهل المدينة ، وانصرف إلى الشّام .

وجفا بني هاشم ، فأتاه ابن عباس , فقال له : ما بالك جفوتنا ؟ قال : إنّ

ــــــــــــــــ

(1) سورة الأحقاف / 17 .


الصفحة ( 238 )

صاحبكم لم يُبايع ليزيد , فلم تنكروا ذلك عليه . فقال : يا معاوية , إنّي لخليق أنْ أنحاز إلى بعض السّواحل فاُقيم به , ثمّ أنطلق حتّى أدع النّاس كلّهم خوارج عليك . قال : يا أبا العبّاس , تعطون وترضون .

هكذا كانت بيعة يزيد بالقهر والغلبة ، وتأميره على اُمّة محمَّد (صلّى الله عليه وآله) ـ كما كانت بيعة أبيه ـ وهو يشرب الخمور ويرتكب الفجور ، ويلعب بالقرود والفهود , وأصبح أمر الخلافة كما قال الأمير أبو فراس الحمداني :

حتَّى إذا أصبحتْ في غيرِ صاحبِها    باتتْ تُنازعُها الذؤبانُ والرَّخمُ

وكما قال أبو العلاء المعرِّي :

دعِ الأيّـام تـفعلُ ما تُريد      فما أنا في العجائبِ مستزيدُ
أليس  قريشكُمْ قتلتْ حُسيناً      وكـان  على خلافتِكُمْ يزيدُ

فلمّا مات معاوية , كتب يزيد إلى ابن عمّه الوليد بن عتبة ـ أمير المدينة ـ بأخذ البيعة على الحسين (ع ) , ويقول : إنْ أبى عليك ، فاضرب عنقه وابعث إليّ برأسه .

 فامتنع الحسين (عليه السّلام) من بيعته ، ثمّ خرج ليلاً متوجّهاً إلى مكّة , فدسّ إليه يزيد بن معاوية مع الحاجّ في تلك السّنة ثلاثين رجلاً من شياطين بني اُميّة , وأمرهم بقتل الحسين (ع ) على أي حال اتّفق . فلمّا علم الحسين (ع ) بذلك ، وكان قد أحرم بالحجِّ , جعلها عمرة مفردة ؛ لأنّه لم يتمكّن من إتمام الحجِّ مخافة أنْ يُقبض عليه . فخرج من مكّة إلى العراق , فكان النّاس يخرجون إلى الحجِّ والحسين (ع ) خارج إلى العراق , فأرسل إليه ابن زياد الحُرَّ في ألف فارس , فأراد الحسين (عليه السّلام) الانصراف , فحال القوم بينه وبين الانصراف , ثمّ أخذ طريقاً لا يدخله الكوفة ولا يردّه إلى المدينة , ولم يزل سائراً حتّى انتهى إلى نينوى , فجاء رسول عبيد الله بن زياد إلى الحُرِّ يأمره بالتّضييق على الحسين (ع ) , وأنْ يُنزله بالعراء في غير حصن وعلى غير ماء .

وذلك من


الصفحة ( 239 )

هوان الدُّنيا على الله أنْ يكون عبيد الله ـ نغل مرجانة ـ ابن زياد نغل سُميّة يفعل هذا بابن بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) , فمنعه الحُرُّ من المسير , ولم يزل الحُرُّ يُسايره تارة ، ويمنعه اُخرى حتّى بلغ كربلاء , فلمّا بلغها قال : (( أهذه كربلاء ؟ )) . قيل : نعم يابن رسول الله . فقال : (( هذا موضعُ كربٍ وبلاء . انزلوا ، ها هنا مناخُ ركابنا ومحطُّ رحالنا ، ومقتلُ رجالنا ومسفكُ دمائنا )) .

ثمّ جمع ولده وإخوته وأهل بيته , ثمّ نظر إليهم فبكى ساعة , ثمّ قال : (( اللهمّ , إنّا عترة نبيّك وقد اُزعجنا وطُردنا واُخرجنا عن حرم جدِّنا , وتعدَّت بنو اُميّة علينا . اللهمّ , فخذ لنا بحقِّنا وانصرنا على القوم الظّالمين )) .

ولم تزل الجيوش تأتي لقتاله إلى كربلاء حتّى بلغت ثلاثين ألفاً , وورد كتاب ابن زياد إلى ابن سعد : أنْ حِلْ بين الحسين وأصحابه وبين الماء , فلا يذوقوا منه قطرة . فبعث خمسمئة فارس فنزلوا على الشّريعة وحالوا بين الحسين (عليه السّلام) وأصحابه وبين الماء , ومنعوهم أنْ يستقوا منه قطرة , وذلك قبل قتل الحسين (ع ) بثلاثة أيّام , ثمّ زحفوا إليه فقتلوا أنصاره وأهل بيته واحداً بعد واحد ، وجماعة بعد جماعة , بعدما أبلوا البلاء العظيم في نصرته , وأظهروا من الوفاء والشّجاعة الفائقة ما لا مزيد عليه .

ولمّا بقي وحيداً فريداً نادى : (( هل مِن ذابٍّ يذبُّ عن حرم رسول الله ؟ هل مِن مُوحّدٍ يخاف الله فينا ؟ هل مِن مُغيث يرجو الله في إغاثتنا ؟ هل مِن مُعين يرجو ما عند الله في إعانتنا ؟ )) . فارتفعت أصوات النّساء بالعويل , وقد اُثخن بالجراح في رأسه وبدنه , فجعل يُضاربهم بسيفه , وحمل النّاس عليه عن يمينه وشماله , فحمل على الذين عن يمينه فتفرّقوا , ثمّ حمل على الذين عن يساره فتفرّقوا .

قال بعض الرّواة : فوالله ، ما رأيت مكثوراً قطْ قد قُتل وُلده وأهل بيته وأصحابه ، أربط جأشاً ولا أمضى جناناً ولا أجرأ مقدماً منه . والله , ما رأيت قبله ولا بعده مثله ! وإنْ كانت الرجّالة لتشدّ عليه فيشدّ عليها بسيفه ، فتنكشف عنه انكشاف المعزى إذا شدّ


الصفحة ( 240 )

فيها الذئب . ولقد كان يحمل فيهم ، وقد تكمّلوا ثلاثين ألفاً ، فينهزمون من بين يدَيه كأنّهم الجراد المنتشر ، ثمّ يرجع إلى مركزه وهو يقول : (( لا حول ولا قوّة إلاّ بالله )) . إلى أن قتلوه عطشان ظامياً ، واحتزّوا رأسه ورفعوه على رأس رمحٍ , وسلبوه ثيابه ودرعه ، وانتهبوا رحله وثقله , وداسوا جسده الشّريف بحوافر الخيل , ولم يدعوا من أمر فظيع حتّى فعلوه .

خـلتِ الـحميَّةُ يا اُميّةُ فاخلعي      حُللَ الحَيا وبثوبِ بغيكِ فارفُلِي
سوَّدتِ وجهَ حفائظِ العَرَبِ التي      كرُمتْ إذا ظفرتْ برجلٍ مُفضلِ

* * *

ليس هذا لرسولِ اللهِ يا      اُمّةَ الطُّغيانِ والبغي جزَا

 

المجلس الرّابع والعشرون بعد المئتين

روى ابن قتيبة في الإمامة والسّياسة ، وابن حجّة الحموي في ثمرات الأوراق وغيرهما من المؤرخين : أنّ يزيد بن معاوية شكا إلى وصيفٍ لأبيه , تركَ أبيه النّظر في شأنه , فأخبر الوصيفُ معاوية بذلك , فأرسل إلى يزيد فقال : ما الذي أضعنا من أمرك وقد علمت أنّي تخطّيتُ النّاس كلَّهم في تقديمك , ونصبتُك إماماً على أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ؟! فقال يزيد : قد كان ما تُحدّث به من جمال اُرينب بنت إسحاق , فرغبتُ إليك في نكاحها , فتركتَ ذلك حتّى تزوّجت . فقال معاوية : اكتم أمرك .

وكانت اُرينب مثلاً في جمالها وكثرة مالها , فتزوّجها ابن عمِّها عبد الله بن سلام , وكان من معاوية بالمنزلة


الصفحة ( 241 )

الرّفيعة ، وكان عامله على العراق . فكتب إليه معاوية : أنْ أقبل لأمرٍ حظّك فيه كامل . فلمّا قدم الشّام , قال معاوية لأبي هريرة وأبي الدّرداء : قد بلغت لي بنتٌ أردت تزويجها ليقتدي بي مَن بعدي , وقد رضيت لها عبد الله بن سلام لدينه وفضله , فاذكرا له ذلك عنّي .

وقال معاوية لابنته : إذا ذُكر لك ذلك , فقولي : كفؤ كريم , لكن عنده اُرينب بنت إسحاق , وأخاف أنْ يعرض لي [ من ] الغيرة ما يعرض للنساء , فأسخط الله فيه , ولستُ بفاعلة حتّى يُفارقها . فذكرا ذلك لعبد الله فسُرّ به ، وبعثهما إلى معاوية خاطبين , فقال : قد علمتما رضاي به ، فادخلا عليها وأعلماها بطلاق عبد الله زوجته . فقالت : إنّه في قريش لرفيع غير أنّ التّزويج هَزلُه جدٌّ وجدُّه ندمٌ , والأناة في الاُمور أوفق ، وإنّي سائلة عنه .

فلمّا أعلما عبد الله بقولها , تمثّل وقال :

فإنْ يكُ صدرُ هذا اليومِ ولّى       فإنَّ غداً لناظرُهُ قريبُ

وتحدّث النّاس بذلك ولم يشكّوا في غدر معاوية بعبد الله , فاستحثَّ عبد الله أبا هريرة وأبا الدّرداء فأتياها , فقالت : قد سألتُ عنه فوجدته غير موافق مع اختلاف مَن استشرته فيه ؛ فمنهم النّاهي عنه ، ومنهم الآمر به , واختلافهم أوّل ما كرهته . فعلم عبد الله أنّه قد خُدع ، وشاع أمره في النّاس وعظم لومهم لمعاوية , فقال : لَعمري , ما خدعته .

فلمّا انقضت أقراء اُرينب , وجّه معاوية أبا الدّرداء إلى العراق خاطباً لها على ابنه يزيد , فقدمها وبها يومئذ الحسين بن علي (عليهما السّلام) ـ وهو سيّد أهلها فقهاً وجوداً ـ فقال أبو الدّرداء : هذا ابن بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) , وسيّد شباب أهل الجنّة , فلست بناظر في شيء قبل التّسليم عليه . فلمّا رآه الحسين (ع ) ، قام إليه فصافحه ورحَّب به , فأخبره أبو الدّرداء بما جاء له , وأنّه رأى أنْ


الصفحة ( 242 )

لا يبدأ بشيء قبل التّسليم عليه , فشكر له الحسين (عليه السّلام) ذلك , وقال : (( اخطب رحمك الله عليَّ وعليه ، وأعطاها من المهر مثل ما بذل لها )) . فلمّا دخل عليها , قال : خطبك أمير هذه الاُمّة وولي العهد يزيد بن معاوية , وابنُ بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وابن أوّل مَن آمن به ، وسيّد شباب أهل الجنّة .

فقالت : قد فوّضت أمري بعد الله إليك . فقال : ابن بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أحبّهما إلي , وقد رأيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) واضعاً شفتيه على شفتي الحسين (عليه السّلام) , فضعي شفتَك حيث وضعها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) . قالت : قد رضيتُه . فتزوّجها الحسين (عليه السّلام) , وبلغ ذلك معاوية فتعاظمه .

 وكان عبد الله بن سلام قد استودعها بدراً من المال , وكان معاوية قد جفاه لسوء قوله فيه , فرجع إلى العراق وهو يخاف جحودها لِما سلف منه ، فلمّا قدم لقي الحسين (ع ) وذكر له ذلك , فأخبرها الحسين (ع ) به ، فقالت : إنّه لمطبوعٌ عليه بطابعه . فأدخله عليها ، فأخرجت البدر ووضعتها بين يديه , وخرج الحسين (عليه السّلام) , فحثا لها عبد الله من ذلك الدّر حثوات , وقال : خُذي هذا ، فهو قليل منّي . واستعبرا جميعاً ، فدخل الحسين (عليه السّلام) وقد رقّ لهما , فقال : (( اُشهد الله أنّها طالق . اللهمّ , إنّك تعلم أنّي لم أتزوّجها رغبة في مالها وجمالها , وإنّما أردت إرجاعها إلى بعلها , فأوجب لي بذلك الأجر )) . ولم يأخذ ممّا ساق إليها شيئاً , فتزوّجها عبد الله بن سلام .

ومن هذا وشبهه كانت الأحقاد تزداد في قلب يزيد على الحسين (ع ) ، حتّى أظهر الشّماتة والفرح يوم جيء إليه برأس الحسين (ع ) ونسائه ، ومَن تخلّف من أهل بيته , فوضع الرّأس الشّريف بين يديه ، وأجلس النّساء خلفه لئلاّ ينظرنَ إليه , فجعل يقول :

لـيـتَ أشياخي ببدرٍ شَهدوا      جَزعَ الخزْرجِ منْ وقْعِ الأسلْ
لأهـلّـوا واسْـتـهلّوا فرحاً      ثــمّ قـالوا يا يزيدُ لا تشلْ
قـدْ قـتلْنا القَرمَ منْ ساداتِهم      وعَـدلْـناهُ بـبـدْرٍ فاعتَدَلْ 


الصفحة ( 243 )

لـعبتْ هـاشمُ بـالمُلكِ فلا      خـبرٌ جـاء ولا وحيٌ نـَزلْ

وكان في السّبايا الرّباب زوجة الحسين (ع ) , وهي التي يقول فيها الحسين (عليه السّلام) وفي ابنتها سكينة :

لَـعـمرُكََ إنَّني لاُحبُّ داراً      تـحـلُّ بها سُكينةُ والرَّبابُ
اُحـبُّهُما  وأبذلُ فوقَ جَهدي      ولـيسَ لعاذلٍ عندي عِتابُ
ولستُ لهمْ وإنْ عتبُوا مُطيعاً      حـياتي  أو يُغيِّبُني التُّرابُ

فيُقال : إنّ الرّباب أخذت الرّأس ووضعته في حجرها وقبّلته ، وقالت :

وا حُسيناً فلا نسيتُ حُسينا      أقـصدتْهُ  أسـنَّةُ الأعداءِ
غـادرُوهُ بكربلاءَ صريعاً      لا سقَى اللهُ جانبي كربلاءِ

المجلس الخامس والعشرون بعد المئتين

من قصيدة لمؤلف الكتاب :

أقصرِي عن ملامِهِ أو فزيدي      أيُّ  لـومٍ يُجدي بصبِّ عميدِ
رحلوا  بالشّموسِ وهي وجوهٌ      فـي قبابٍ على الجِمالِ القودِ
لستُ  أدري هوادجٌ أمْ بروجٌ      يـتـهادَينَ في عراضِ البيدِ
فـتَـزوَّد منهمُ ليومٍ سيمضِي      وتــزوّد  مـنهمُ ليومٍ جديدِ
لـو يـقولون ما الذي تتَمنى      قُلتُ  أيّامنا بذي البانِ عودي
يـا خـلـيلَيَّ عرِّجا بزرودٍ      حـبَّـذا وقـفةٌ برملٍ زرودِ
وخـليلٌ أمسَى يذمُّ لي الدَّهرَ      ويُـزري  بـفعلِ دهرٍ كنودِ
قلتُ ما ترتجيهِ منْ دهرِ سُوءٍ      يـرتضي  عن حُسينهِ بيزيدِ
بـنديمِ الشَّرابِ والعودِ والنرْ      دِ  وربِّ الـقُرودِ ربِّ الفهود

 الصفحة ( 244 )

ماذا يرتجي المرء من زمان يكون الخليفة فيه على المسلمين , والحاكم في دمائهم وأموالهم ، والحامل لقب أمير المؤمنين , هو يزيد بن معاوية المتجاهر بالفجور وشرب الخمور ، وضرب العود واللعب بالنّرد والفهود ؟!

قال ابن الفوطي في تاريخه : كان ليزيد قرد يُكنيّه أبا قيس , ويسقيه فضل كأسه , ويُركبه على أتان وحشيّة قد رُيّضت له , ويسابق بها الجياد في الحلبة .

وقال فيه بعض الشّعراء :

تمسَّـك أبا قـيسٍ بفضلِ زِمامِها      فليس عليها إنْ سقطْتَ ضمانُ

ألا مَن رأى القُردَ الذي سبقتْ بهِ     جـيادَ أمـيرِ المؤمنـينَ أتانُ

وقد قلبته الرّيح يوماً عن ظهرها فمات , فحزن عليه يزيد حزناً شديداً , وأمر بتكفينه ودفنه ، وأمر النّاس أن يُعزُّوه به , وأنشأ يقول :

ما شيخُ قومٍ كرامٍ ذو مـحافَظةٍ       إلاّ أتانا يُعزِّي في أبي قيسِ

لا يُبـعدُ اللهُ قبراً أنـتَ ساكنُهُ       فيه جمالٌ وفيه لحيةُ التَّيسِ

وأي زمان أسوأ من زمانٍ قدّم يزيد ـ الذي هذه بعض صفاته وقبائحه , فضلاً من مجاهرته بالكفر والإلحاد ـ على سبط الرّسول (صلّى الله عليه وآله) ، ونجل الزّهراء البتول (عليها السّلام) , أحد السّبطين والرّيحانتين ، سيّد المسلمين في عصره ، مَن حاز من جميع الصّفات أفضلها وأعلاها ، وأكملها وأسناها ، الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السّلام) حتّى مكّن منه جيش يزيد بن معاوية ـ جيش الضّلال والفساد ، والكفر والإلحاد ـ فقتله عطشان ظامياً ، وحيداً فريداً غريباً , وقتل جميع أنصاره وأهل بيته ، وساق حَرمَه كالسّبايا , وطاف برأسه ورؤوس أهل بيته في


 الصفحة ( 245 )

البُلدان , فحقّ لنا أن نقول :

قلتُ ما ترتجيهِ من دهرِ سوءٍ      يـرتضي عنْ حُسينهِ بيزيدِ
بـنديمِ الشَّرابِ والعودِ والنَّرْ      دِ  وربِّ الـقرودِ ربِّ الفهودِ
وهـو  اختارَ قبل ذاكَ سفاهاً      عـنْ  عليٍّ سليلَ هنْدِ الهنودِ
لم تُصدِّقْ  اُميّةُ بالنَّبيِّ المُصْ      طفى وهيَ لمْ تَزلْ في جحودِ
أظـهرتْ  سِلمَها نفاقاً وخوفاً      منْ سيوفٍ تجْتَثَّ حبلَ الوريد

كان أبو سفيان أعدى النّاس لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) , وقد قاد الجيوش لحربه يوم اُحد ويوم الخندق , وأسلم يوم الفتح كارهاً هو وولده , حتّى أنّه لمّا أجاره العبّاس يوم الفتح ، وأركبه خلفه على بغلة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) , وقال له النّبي (صلّى الله عليه وآله) : (( ألم يأنَ لك أنْ تعلم أنّي رسول الله ؟! )) . قال : أمّا هذه ففي النّفس منها شيء . فقال له العبّاس : ويحك ! أسلم قبل أنْ تُقتل . فأظهر الإسلام خوفاً على خيط رقبته .

ولمّا بويع الخليفة الثّالث ، قال : تلقَّفوها يا بني اُميّة ؛ فوالله , ما من جنّة ولا نار . ووقف على قبر حمزة فرفسه برجله , وقال : يا أبا عمارة , إنّ الذي تقاتلنا عليه يوم بدر قد صار في أيدي صبياننا .

قَتلَتْ حمزةَ لدَى يومِ اُحدٍ     أسدَ اللهِ خيرَ ميتٍ شهـيدِ

وبـهِ مثَّلتْ عِناداً وبغـياً      وشفتْ غيظَها بأكلِ الكُبودِ

كان حمزة بن عبد المطّلب ـ عمّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ـ من أشجع بني هاشم , وكان ناصرَ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، والمحامي عنه في المشاهد التي شهدها يوم بدر واُحد , وكان يُلقّب : أسد الله وأسد رسوله . وهو الذي برز مع ابن أخيه علي بن أبي طالب (عليه السّلام) ، وابن عمّه عبيدة بن الحارث بن المطّلب يوم بدر لمبارزة عتبة بن ربيعة ، وأخيه شيبة ، وابنه الوليد بن عتبة حين طلبوا أكفاءهم من قريش ؛ فقتل حمزة عتبة وأعانه على قتله علي(عليه السّلام) , وقتل علي (عليه السّلام) الوليد , وضرب


الصفحة ( 246 )

عبيدة رأس شيبة ففلقه ، وكرّ حمزة وعلي (عليهما السّلام) على شيبة فأجهزا عليه . ولمّا اُخّر علي(عليه السّلام) عن مقامه ، كان يقول : (( وا حمزتاه ! ولا حمزة لي اليوم )) .

ولمّا كان يوم اُحد , جعلت هند بنت عتبة ـ زوجة أبي سفيان ـ لوحشي جعلاً إنْ قتل أحد الثّلاثة : رسول الله أو حمزة أو عليّاً , فقال : أمّا محمَّد فلا حيلة لي فيه ؛ لأنّ أصحابه يطيفون به ؛ وأمّا علي فلأنّه أحذر من الذّئب ؛ وأمّا حمزة فإنّي أطمع فيه ؛ لأنّه إذا غضب لم يُبصر بين يديه .

وكان حمزة قد أعلم بريشة نعامٍ في صدره , وهو يهدّ النّاس بسيفه ، ما يلقى أحداً يمرّ به إلاّ قتله , فرماه وحشيٌّ بحربةٍ غيلة فقتله . ومثّلت هند بحمزة ؛ فبقرت عن كبده فلاكتها , فلم تستطع أنْ تسيغها فلفظتها . وصارت تُلقّب بآكلة الأكباد , وصار وَلدها يُعيِّرونه بذلك , وجدعت أنف حمزة وأذنيه .

ثُـمَّ  عادتْ فأظهَرتْ ما أجنَّتْ      مُذْ غدا المُصطفَى رهينَ اللِّحودِ
يـومَ صـفِّـينَ يومَ بدْرٍ واُحد      وعـلـيـهِ مـا فيها من مَزيدِ
لـعَـنتْ حيدراً على مِنبرِ  الْ      إسـلامِ فـي كلِّ مجمعٍ مشهودِ
وهـي فـي لعْنِها تُكنِّي وتعنِي      خـاتـمَ الأنـبْياءِ فخْرَ الوُجودِ
فغدتْ للحضيضِ تهْوي صغاراً      أبـداً  وهو لمْ يزلْ في صُعودِ
ما  صَعدتُمْ منْ ذي المنابرِ لولا      سـيـفُهُ يا اُمـيّة فـوقَ عُود

لمّا توفّي النّبي (صلّى الله عليه وآله) , وجد بنو اُميّة سبيلاً إلى الانتقام من الإسلام ومن نبيّ الإسلام ، وسائر بني هاشم , فاجتهدوا جهدهم في ذلك ، وحاربوا الإسلام ووصيَّ النّبيِّ رسول الإسلام بسيف الإسلام ، وتحت لواء الإسلام ، فنابذ صاحب الشّام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السّلام) , وفرّق كلمة المسلمين ، وجيّش الجيوش عليه يوم صفّين ؛ مظهراً للطلب بدمّ الخليفة الثّالث .

وصاحب الشّام هو الذي خذله لمّا استنصره , وكان يعلم براءة علي (عليه السّلام) من ذلك


الصفحة ( 247 )

براءة الذّئب من دمِ يوسف .

فكما حارب بنو اُميّة الإسلام يوم بدر واُحد تحت راية الكفر , وحاربوا الإسلام يوم صفّين تحت راية الإسلام , وهذا معنى قوله :

يـومَ صفِّينَ يـومَ بدْرٍ واُحدٍ      وعـليهِ مـا فـيها مـن مَزيدِ

ثمّ سنَّ بنو اُميّة لَعْن علي بن أبي طالب (عليه السّلام) على المنابر في الأعياد والجُمُعات , فجعلوه فرضاً كفرض الصّلاة , وإنّما هم يعنون بذلك نبيّ الإسلام (صلّى الله عليه وآله) ؛ ولمّا لم يمكنهم التّصريح بذلك , كنّوا عنه بلعن علي بن أبي طالب (عليه السّلام) . وقد قال النّبي (صلّى الله عليه وآله) لعلي(عليه السّلام) : (( يا علي , مَن سبّك فقد سبّني )) . فهذه المنابر التي سبّوه فوق أعوادها هي منابر الإسلام الذي قام بسيف علي بن أبي طالب (عليه السّلام) , ولولا سيفه ما تسنَّم بنو اُميّة ذروة هذه المنابر , ولكن سبّهم له ما زاده إلاّ رفعة وسمّواً , وما زادهم إلاّ ذلّة وصغاراً .

قال عبد الله بن عروة بن الزّبير لابنه : يا بُني , عليك بالدِّين ؛ فإنّ الدُّنيا ما بنت شيئاً إلاّ هدمه الدّين , وإذا بنى الدِّين شيئاً لا تستطيع الدُّنيا هدمه . ألا ترى علي بن أبي طالب وما يقول فيه خطباء بني اُميّة من ذمّه وغيبته ؟! والله , لكأنّما يأخذون بناصيته إلى السّماء . ألا تراهم كيف يندبون موتاهم ويرثيهم شعراؤهم ؟! والله , لكأنّما يندبون جيف الحمر .

ثُمَّ دسَّت سُمَّاً إلى الحسنِ السِّبْـ      ـطِ وخانتْ ما أوثقَتْ من عُهودِ

لمّا صالح الحسن بن علي (عليهما السّلام) معاوية , شرط عليه أنْ لا يعهد بعده بالخلافة إلى أحد ، فلمّا أراد أنْ يعهد بالخلافة إلى ابنه يزيد , دسّ السّمَّ إلى الحسن (عليه السّلام) على يد زوجته جعدة بنت الأشعث , فقضى (عليه السّلام) شهيداً بذلك السّمِّ .


الصفحة ( 248 )

وتمادَى الزَّمانُ حتَّى انتهَى الـْ     أمرُ لبلوى حبَّابةٍ ويزيدِ

هو يزيد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم .

في كتاب الأغاني : إنّ يزيد هذا لمّا ولي الخلافة , قال : ما تقرّ عيني بما اُوتيت من الخلافة حتّى أشتري سلاّمة وحبّابة ـ وهما جاريتان مُغنّيتان ـ فاشتُريتا له , وغنّته حبّابة يوماً وهو يشرب , فطرب وأخذ منه الشّراب , وجعل يدور في القصر ويصيح وشقَّ حلّته , وقال لها : أتأذنين أنْ أطير ؟ قالت : وإلى مَن تدعْ النّاسَ ؟ قال : إليكِ . وطرب يوماً من غناء حبّابة , فأخذ وسادة فصيّرها على رأسه ، وقام يدور في الدّار ويرقص حتّى دار الدّار كلّها .

وقال ابن الأثير : قال يزيد بن عبد الملك يوماً ـ وقد طرب وعنده حبّابة وسلاّمة ـ : دعوني أطير . قالت حبّابة : على مَن تدَع الاُمّة ؟ قال : عليك .

وغنَّته يوماً :

وبينَ التَّراقي واللّهاةِ حَرارةٌ      مكانَ الشَّجا ما إنْ تبوحُ فتبْرَدُ(1)

فأهوى ليطير ، فقالت : يا أمير المؤمنين , إنّ لنا فيك حاجة . فقال : والله , لأطيرنَّ . فقالت : على مَن تخلف الاُمّة والمُلك ؟ قال : عليك والله . وقبّل يدها .

وخرجت معه إلى متنزه فرماها بحبة عنب فدخلت حلقها , فشرقت ومرضت وماتت , فتركها ثلاثة أيّام لم يدفنها حتّى أنتنَّت وهو ينظر إليها ويبكي ، فكُلّم في أمرها حتّى أذن في دفنها . وبقي بعدها خمسة عشر يوماً ومات , ودُفن إلى جانبها .

وامتَلأَ الكونُ بالفضائحِ واسوَدْ       دَ بها وجهُهُ لفعلِ الوليدِ

هو الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان .

قال ابن الأثير : لمّا ولي هشام بن عبد الملك الخلافة , ظهر من الوليد مجون ، وشرِبَ الشّرابَ ، واتَّخذ له ندماء . فأراد هشام أنْ يقطعهم عنه فولاّه الحجَّ , فحمل معه كلاباً

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ورد المصراع الثاني من البيت بهذا النّحو : وما ضَمِنتْ ماءً يسوغُ فتبْرَدَا . والتغيير من ديوان كثيِّر عزّة . ( موقع معهد الإمامَين الحسنَين )


الصفحة ( 249 )

في صناديق ، وعمل قبّة على قدر الكعبة ليضعها على الكعبة ، وحمل معه الخمر . وأراد أنْ ينصب القبّة على الكعبة ويشرب فيها الخمر , فخوَّفه أصحابه وقالوا : لا نأمن النّاس عليك وعلينا .

وقال ابن الأثير أيضاً : مما اشتُهر عنه ، أنّه فتح المصحف فخرج ( وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ )(1) . فألقاه ورماه بالسّهام , وقال :

تُهـددُني بـجـبَّارٍ عنـيدِ      فها أنَا ذاك جـبَّارٌ عنيدُ

إذا ما جِئتَ ربَّكَ يومَ حشرٍ       فقُلْ يا ربِّ مزَّقَني الوليدُ

ومن أعمال الوليد هذا , أنّه لمّا قُتل يحيى بن زيد بن علي بن الحسين (عليهم السّلام) ، وبُعث برأسه إلى الوليد , بعث به الوليد إلى المدينة ، فجُعل في حجر اُمّه ريطة , فنظرت إليه وقالت : شرَّدتموه عنّي طويلاً وأهديتموه إليّ قتيلاً ! صلوات الله عليه وعلى آبائه بكرة وأصيلاً .

فهذه مفخرةٌ من مفاخر بني اُميّة تُضاف إلى باقي مفاخرهم .

فلْتُفاخِرْ أشياعُهُمْ ما استَطاعتْ      ولـتُناضلْ بـما لها من جُهودِ
بـوجـوهٍ مـنَ الـقبائحِ سُودٍ      وبـجـمعٍ من المَخازي عتيدِ
لـيسَ ما قدْ أتتْ اُمـيّةُ مـمّا      قــدْ أتـاهُ مـنْ بعدِهمْ ببعيدِ
تـبـعَ الـلاحقونَ فيما جَنوهُ      مـا أتَـى السَّابقون منْ تمهيدِ
وسَرَوا مُعنقينَ في ظُلْمِ أهلِ ال      بـيـتِ مـنْ مُبدئٍ لهمْ ومُعيدِ
اُمـراءٌ لـلـمـسلمينَ تسَمَّوا      يـا لـها خِزْيةً وتعسَ جـدودِ
مـنْ كـفورٍ بالمُنكراتِ جهورٍ      وعـنودٍ  عنْ الصَّوابِ جَحودِ
أيْ لَـعمرِي فليس هذا عجيباً      مـن اُمـيَّ الشَّقا وآلِ الطَّريدِ
قـتلتْ هـاشمٌ اُميَّاً على الإسْ      لامِ فـي كـلِّ يومِ حربٍ مُبيدِ
فـتلظَّتْ  بـالغيظِ منها قلوبٌ      وامـتَلتْ مـن ضغائنٍ وحقودِ

ـــــــــــــــــــــ

(1) سورة إبراهيم / 15 .


الصفحة ( 250 )

فـمُذْ استمْكَنتْ جزتْها بسيفِ الْ      كُـفـرِ ذاك الـمُـخبَّأِ المغمُودِ
إنَّـمـا أعـجبُ العجيبِ اُناسٌ      آمـنُـوا بـالـرَّسولِ والتَّوحيدِ
آمـنُوا بالكتابِ والحشرِ والنَّشْ      رِ وبـالـوعد كـلِّـها والوعيدِ
يـتـولَّونَ مِنْ اُمـيَّـةَ مَـنْ ذ      لـــكَ  مِـنْ فـعلِهِ بلا تفْنيدِ
بعضُهمْ عنْ عمَى قلوبٍ وبعضٍ      عـنْ عـنـادٍ والبعضُ بالتَّقليدِ
زعَـمُوا  خيرَ اُمَّةٍ اُخرجت للنَّا      سِ هُـمُ لا وربِّـنـا الـمعبودِ
اُمَّــةٌ  تـلعنُ الوصيَّ ترَى ذ      لـك دِيْـنـاً نَـأتْ عنْ التَّسديدِ
اُمَّــةٌ  يـغـتَدي خليفتُها مثلَ      يــزيـدٍ  مـا حـظّها بسعيدِ
اُمَّـةٌ  تقتلُ ابنَ بنتِ رسولِ ال      لــهِ  ظُـلماً لشرِّ بيضٍ وسودِ
إنَّـما خيرُ  اُمَّةٍ خُصَّ أهلِ البيْ      ت  ِعـنـدَ التَّخصيصِ والتَّقييدِ
بـمَـا تـلـقَونَ أحمداً وجعلتُم      يــومَ  قـتلِ ابنهِ لكمْ يوم َعيدِ
لـمْ يـكُـنْ فيكُمُ ابنُ بنْتِ نبيٍّ      غـيـرَ هـذا ولا لـهُ منْ نديدِ
أيُّ ظـامٍ قـتـلـتـمُ بيدِ البغْ      ي  مُـحـلىً عن الفُراتِ مذودِ
صـال فـيهمْ وما لهُ منْ نصيرٍ      غـيرِ  رُمـحٍ لدُنْ وسيفٍ حديدِ
مـثلُهُ  السَّيفِ في مضاءٍ وعزم      وثَـباتٍ  عـندَ اصطدامِ الجُنودِ
إنَّـمـا الـسَّيفُ مثلُ حاملِهِ يمْ      ضــي  بـيمْنَى مُشيَّعٍ صِنديدِ
مُـفـرَدٍ في الوغَى يُقاتلُ جيشاً      مــنْ  عـداهُ ذا عـدَّةٍ وعديدِ
شـدَّ فـيـهـمْ وهُمْ ثلاثونَ ألفاً      فـدعا  جـمعَهم إلـى الـتَّبديدِ
تركَ الجمعَ كالهشيمِ سفتْهُ الريْ      حُ  سـفْـواً مـنْ قائمٍ وحصيدِ
يُـوردُ  السَّيفَ والقنا من دماهُمْ      والـحشَا  مـنهُ في ظماً للورودِ
وغــدا  بـينهُمْ وحيداً بنفسِي      وبـأهـلي  فـديـتُهُ منْ وحيدِ
قـتـلُوا  خـيرَ مَنْ تُظلُّ سماءٌ      يا جبالُ انهاري ويا أرضُ ميدي
مـنْ قـتيلٍ بقتلِهِ هُدَّ ركنُ الدِّيْ      نِ فـيـهـمْ وغاب نجمُ السّعود


الصفحة ( 251 )

أرعَدوا منهُ وهو مُلقىً على البو      غــاءِ ارعـادَ خـائفٍ رعديدِ
مــا  سـمـعْنا منْ قبلِهِ بقتيلٍ      وصـريـعٍ مُـجـبِّـنٍ للاُسودِ
دهرُ سوءٍ أجرى على أشرفِ الْ      سـاداتِ في العالمينَ حُكمَ العبيدِ
نـالـتِ الـفوزَ عصبةٌ نصرتْهُ      بـذلـتْ في فداهُ أقصَى الجُهودِ
ورجـالٌ مـنْ هـاشمٍ كسيوفٍ      مُـرهفاتٍ  قدْ جُرِّدتْ منْ غُمودِ
كـلُّ غضِّ الشباب أحيا من العذ      راءِ  أجـرا منْ ضيغمٍ ذي لَبودِ
مـتـرعٍ  بـالـنَّدا بيومِ عطاءٍ      مُـسـرعٍ  لـلنَّدا إذا هو نُودي
أريـحيُ الفؤادِ أمضَى منَ الصَّا      رمِ  أندَى منْ عارضٍ ذي رعودِ
مـادجَـتْ ظُـلمةٌ منَ النَّقعِ إلاّ      شـقَّـهـا مـنْ حُـسامِهِ بعمودِ
وقَــفـتْ دونَـهُ تـقيهِ المنايا      يــا  لـهُ مـنْ مقامِ عزٍّ مجيدِ
قــال  صـبراً فلا لقيتُمْ هوانا      بـعـدَ  هـذا وعزُّكُمْ في خُلودِ
فـتـهـاوَوا على الثَّرى كدرارٍ      نـثـرتْـها بروجُها في الصَّعيدِ
مــن  قـتـيلٍ مُضرَّج بدماءٍ      وعـلـيـلٍ مُـصفَّدٍ في القيودِ
سُـعدوا مُذْ تبوَّأوا في جنانِ  الْ      خُـلـدِ داراً فـي ظلِّها الممدودِ
آلُ بـيـتِ النَّبيِّ نُخبةُ هذا الكوْ      نِ مـــن سـائـدٍ بهِ ومَسُودِ
فـهُمُ  الضَّاربونَ في يومِ حربٍ      وهُـمُ  الـمُنعمونَ في يومِ جُودِ
وهُـمُ الـقـائلونَ في يومِ نُطقٍ      لـمـقـالٍ كـنـظـمِ دُرٍّ فريدِ
وهُـمُ زيَّـنـوا الـمـنابرَ لمّا      خـطـبوا فوقَ جمعِها المحشودِ
وهُـمُ عـلَّـموا الخطابةَ والسَّعْ      يَ لـهـا كـلَّ خـاطبٍ معدودِ
وهُـمُ الـصـائمونَ يومَ هجيرٍ      وهُـمُ الـمـؤثـرونَ بالموجودِ
وهُـمُ الـقائمونَ قدْ أحيَوا الليْ      لَ ابـتـهـالاً منْ رُكَّعٍ وسُجودِ
وهُــمُ الـعاملونَ إنْ جهلَ العا      لـمُ والـمُـطعمونَ عندَ الوفودِ
وهُـمُ بـعدَ أحمدَ خيرِ خلقِ الْ      لـهِ طُـرّاً بـرغمِ كـلِّ حسودِ


الصفحة ( 252 )

وهُـمُ الثابتونَ إنْ زلَّتِ الأقْ      دامُ في الرَّوعِ يومَ خفقِ البُنودِ
ما دجا الخطبُ في البريَّةِ إلاّ    كـشـفـوهُ بكلِّ رأيٍ سديدِ
مِـدَحٌ  فـيهمُ بها الذِّكرُ نادَى      أرغمتْ  أنفَ كلِّ خصمٍ عنيدِ

 

المجلس السّادس والعشرون بعد المئتين

كان الحسين (عليه السّلام) سيّد أهل زمانه ، وأفضلهم في علمه وعبادته وشدّة خوفه من الله تعالى , وكرمه وسخائه ، ورأفته بالفقراء والمساكين وإحسانه إليهم , وتواضعه وحلمه ، وفصاحته وبلاغته , وغير ذلك في صفات الكمال .

أمّا إباؤه للضيم ، ومقاومته للظُلم ، وعدم مبالاته بالقتل في سبيل الحقّ والعز , فقد ضُربت به الأمثال ، وسارت به الرّكبان ، ومُلئت به المؤلّفات , وخطبت به الخُطباء ونظمته الشُعراء . وكان قدوة لكلِّ أبيٍّ ، ومثالاً يتبعه كلُّ ذي نفس عالية وهمّة سامية ، وكان فعلُه منوالاً ينسج عليه أهل الإباء في كلّ عصر وزمان , وطريقاً يسلكه كلُّ مَن أبتْ نفسه الرّضا بالدنيَّة ، وتحمّل الذّل والخنوع للظلم . وقد أتى الحسين (عليه السّلام) في ذلك بما حيّر العقول وأذهل الألباب ، وأدهش النّفوس وملأ القلوب هيبة وروعة , وأعيا الاُمم عن أنْ يُشاركه مشارك فيه , وأعجز العالم أنْ يشابهه أحد في ذلك أو يضاهيه , واُعجب به أهل كلِّ عصر , وبقي ذكره خالداً ما بقي الدّهر .

 أبى أنْ يُبايع يزيدَ بن معاوية السكّير الخمّير , صاحب القيان والطّنابير , واللاعب بالقرود والفهود , والمُجاهر بالكفر والإلحاد والاستهانة بالدّين , قائلاً لمروان حين أشار عليه ببيعة يزيد : (( وعلى الإسلام السّلام ؛ إذ قد بُليت الاُمّة


الصفحة ( 253 )

براع مثل يزيد )) .

وقائلاً لإخيه محمَّد بن الحنفيّة : (( والله , لو لم يكن في الدُّنيا ملجأٌ ولا مأوى , لَما بايعتُ يزيدَ بن معاوية )) . في حين أنْ لو بايعه لنال من الدُّنيا الحظَّ الأوفر والنّصيب الأوفى , ولكان مُعظَّماً مُحترماً عنده ، مرعيَ الجانب محفوظَ المقام , لا يردُّ له طلب ولا تُخالف له إرادة ؛ لِما كان يعلمه يزيد من مكانته بين المسلمين , وما كان يتخوفه من مخالفته له , وما سبق من تحذير أبيه معاوية له من الحسين (عليه السّلام) . فكان يبذل في إرضائه كلَّ رخيص وغالٍ ، ولكنّه أبى الانقياد له , قائلاً : (( إنّا أهل بيت النّبوّة ومعدن الرّسالة ومختلف الملائكة ، بنا فتح الله وبنا ختم ، ويزيد رجل فاسق شارب الخمر ، قاتل النّفس المحترمة ، ومثلي لا يُبايع مثله )) .

 فخرج من المدينة بأهل بيته وعياله وأولاده , مُلازماً للطَّريق الأعظم لا يحيد عنه , فقال له أهل بيته (عليهم السّلام) : لو تنكّبته كما فعل ابن الزّبير الذي ذهب على طريق الفرع ؛ لئلاّ يلحقك الطّلب . فأبت نفسه أنْ يُظهر خوفاً أو عجزاً , وقال : (( والله , لا اُفارقه حتّى يقضي الله ما هو قاضٍ )) .

ولمّا قال له الحُرُّ : اُذكّرك الله في نفسك ؛ فإنّي أشهد لئن قاتلت لتُقْتلنَّ ، أجابه الحسين (عليه السّلام) مُظهراً له استهانة الموت في سبيل الحقِّ ونيل العزِّ , فقال له : (( أفبالموتِ تُخوفني ؟! وهل يعدو بكم الخطبُ أنْ تقتلوني ؟ وسأقول كما قال أخو الأوس وهو يُريد نُصرة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) , فخوّفه ابن عمّه وقال : أين تذهب فإنّك مقتول . فقال :

سأمضِي وما بالموتِ عارٌ على الفتَى      إذا مــا نـوَى حـقّاً وجاهدَ مُسلمَا
اُقـــدِّمُ  نـفـسي لا اُريدُ بقاءَها      لـتلقَى  خميساً في الوغَى وعرمرَما
فـإنْ  عشتُ لمْ أندمْ وإنْ متُّ لمْ اُلَمْ      كـفى  بك ذلاّ ً أنْ تعيشَ فتُرغَما ))

يقول الحسين (عليه السّلام) : ليس شأني شأن مَن يخاف الموت , ما أهون الموت عليّ في سبيل نيل العزِّ وإحياء الحقّ . ليس الموت في سبيل ذلك إلاّ حياة


الصفحة ( 254 )

خالدة , وليست الحياة مع الذّل إلاّ الموت الذّي لا حياة معه , (( أفبالموتِ تخوفني ؟! )) هيهات ! طاش سهمك وخاب ظنّك , أنا لستُ من الذين يخافون الءئموت ويختارون حياة الذّل خوف الموت ؛ إنّ نفسي لأكبر من ذلك ، وهمّتي لأعلى من أنْ أحمل الضّيم خوفاً من الموت . .

وهل تقدرون على أكثر من قتلي ؟ مرحباً بالقتل في سبيل الله , ولكنّكم لا تقدرون على هدم مجدي ومحو عزّي وشرفي , وما دام ذلك سالماً لي فلا اُبالي بالقتل . وهو القائل : (( موتٌ في عزٍّ , خيرٌ من حياة في ذلّ )) . وكان يحمل يوم الطّفِّ ويقول :

الموتُ خيرٌ منْ ركوبِ العار       ِ والعارُ أولَى منْ دخولِ النَّارِ

واللهِ مِنْ هذا وهذا جاري

ولمّا اُحيط به بكربلاء وقيل له : انزل على حكم بني عمّك . قال : (( لا والله , لا اُعطيكم بيدي إعطاء الذّليل ، ولا أقرُّ إقرار العبيد )) . وشهد له بالشّمم والإباء وعزّة النّفس أعداؤه ؛ فلمّا كتب ابن زياد إلى ابن سعد عليهما لعائن الله : أنْ اعرض على الحسين وأصحابه النّزول على حُكمي ؛ فإنْ فعلوا فابعث بهم إليّ سلماً , وإنْ أبوا فازحف إليهم حتّى تقتلهم وتمثّل بهم . قال ابن سعد : لا يستسلم والله حسين ؛ إنّ نفس أبيه بين جنبيه .

أجل ، إنَّ نفس أبيه (عليه السّلام) بين جنبيه ، وهو القائل : (( ألا إنّ الدَّعيَّ ابن الدَّعيِّ قد رَكزَ بين اثنتين ؛ بين السلّة والذلّة ، وهيهات منّا الذلّة ، يأبى الله ذلك لنا ورسولُه والمؤمنون ، وجدودٌ طابت وحجورٌ طهُرت ، واُنوف حميّة ونفوس أبيّة لا تؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام )) .

 أقدم الحسين (عليه السّلام) على الموت مُقدّماً نفسه وأولاده ، وأطفاله وأهل بيته للقتل قُرباناً ، وفداءً لدين جدّه (صلّى الله عليه وآله) بكلِّ سخاءٍ وطيبِ نفس ، وعدم تردّد وتوقف , قائلاً بلسان حاله :

إنْ كانَ دينُ محمَّدٍ لمْ يستقمْ       إلاّ بقتلِي يا سيوفُ خُذيني

* * *

فأبَى أنْ يعيشَ إلاّ عَزيزاً       أو تَجلَّى الكِفاحُ وهو صَريعُ

الصفحة ( 255 )

المجلس السّابع والعشرون بعد المئتين  

روى المدائني : أنّ الإمام الحسن (عليه السّلام) لمّا صالح معاوية , قال أخوه الحسين (عليه السّلام) : (( لقد كُنتُ كارِهاً لِما كانّ طَيِّبُ النّفسِ على سَبيلِ أبي حتَّى عَزمَ عليَّ أخي فأطعتُهُ , وكأنّما يُجَذُّ أنفي بالمَواسي )) .

وقال ابن أبي الحديد : سيّد أهل الإباء الذي علّم النّاس الحميّة ، والموت تحت ضلال السّيوف اختياراً له على الدّنيّة ؛ أبو عبد الله الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السّلام) ، عُرض عليه الأمان وأصحابه , فأنف من الذلِّ ، وخاف من ابن زياد أنْ يناله بنوع من الهوان مع أنّه لا يقتله , فاختار الموت على ذلك . وهو الذي سنّ للعرب الإباء ، واقتدى به مَن جاء بعده مثل أبناء الزّبير وبني المهلّب وغيرهم , وكان مصعب بن الزّبير يقول وهو يحارب جيش عبد الملك :

وإنَّ الاُلى بالطفِّ من آلِ هاشمٍ      تآسَوا فسنُّوا للكرامِ التآسيَا

ولكن أين أبناء الزّبير من آل أبي طالب ؟! مصعب أسلمه ابنه , وعبد الله بن الزّبير أسلمه أخوه , ولمّا قتله الحجّاج , أمسى ويد الحجّاج في يد أخي عبد الله بن الزّبير . أمّا آل أبي طالب فأبوا مفارقة الحسين (عليه السّلام) وقد أذن لهم بالانصراف حتّى قُتلوا دونه .

قال ابن أبي الحديد : وسمعت النّقيب أبا زيد يحيى بن زيد العلوي البصري يقول : كأنّ أبيات أبي تمّام في محمَّد بن حميد الطّائي , ما قيلت إلاّ في الحسين (عليه السّلام) :


الصفحة ( 256 )

وَقَـد  كانَ فَوتُ المَوتِ سَهلاً فَرَدَّهُ      إِلَـيهِ الـحِفاظُ المُرُّ وَالخُلُقُ الوَعرُ
وَنَـفسٌ  تَـعافُ الـعارَ حَتّى كَأَنَّهُ      هُوَ  الكُفرُ يَومَ الرَوعِ أَو دونَهُ الكُفرُ
فَـأَثبَتَ فـي مُستَنقَعِ المَوتِ رِجلَهُ      وَقالَ  لَها مِن تَحتِ أَخمُصِكِ الحَشرُ
تَـرَدّى ثِيابَ المَوتِ حُمراً فَما أَتى      لَها اللَيلُ إِلاّ وَهيَ مِن سُندُسٍ خُضرُ

وقال ابن أبي الحديد في شرح النّهج أيضاً : ومَن مِثلُ الحسين بن علي (عليهما السّلام) قالوا [ عنه ] يوم الطّفِّ : ما رأينا مكثوراً قد اُفرِد من إخوته وأهلِه وأنصاره أشجَع منه , كان كاللّيث المِحْرَب يَحطِمُ الفرسان حَطْماً . وما ظنُّك برجلٍ أبتْ نفسه الدّنيّة وأنْ يُعطي بيده , فقاتل حتّى قُتل هو وبَنوه ، وإخوته وبنو عمِّه بعد بذل الأمان لهم ، والتّوثِقة بالأيمان المُغلّظة .

كريمٌ أبى شمَّ الدنيَّة أنفُه        فأشمَمه شوكَ الوشيجِ المُسدَّدِ

وقال قفِي يا نفسُ وقفةَ واردٍ     حياضَ الرَّدَى لا وقفةَ المُتَردِّدِ

 

المجلس الثّامن والعشرون بعد المئتين

كان الحسين (عليه السّلام) سيّد أهل زمانه , وأفضلهم علماً وعملاً ، وحلماً وعبادة ، وزهداً وتواضعاً وإباء وبلاغة وفصاحة وغير ذلك . أمّا شجاعته فقد أنست شجاعة الشّجعان وبطولة الأبطال , وفروسية مَن مضى ومَن يأتي إلى يوم القيامة .

فهو الذي دعا النّاس إلى المبارزة , فلم يزل يقتل كلَّ مَن برز إليه حتّى قتل مقتلة عظيمة , وهو الذي قال فيه بعض الرّواة : والله ، ما رأيت مكثوراً قطْ قد قُتل وُلده وأهل بيته وأصحابه ، أربط جأشاً ، ولا أمضى جناناً ، ولا أجرأ مقدماً منه . والله ، ما رأيت قبله ولا بعده مثله ؛ إنْ


الصفحة ( 257 )

كانت الرجّالة لتشدّ عليه فيشدّ عليها بسيفه ، فتنكشف عن يمينه وعن شماله انكشاف المعزى إنْ شدّ فيها الذئب . ولقد كان يحمل فيهم ، وقد تكمّلوا ثلاثين ألفاً ، فينهزمون من بين يدَيه كأنّهم الجراد المنتشر .

وهو الذي حين سقط عن فرسه إلى الأرض ، وقد اُثخن بالجراح , قاتل راجلاً قتال الفارس الشّجاع ؛ يتَّقي الرّمية ، ويفترص العورة ، ويشدّ على الشّجعان وهو يقول : (( أعلى قتلي تجتمعون ؟! )) . وهو الذي جبّن الشّجعان وأخافهم وهو بين الموت والحياة حين بدر خولي ليحتزَّ رأسَه ، فضعف وأرعد . وفي ذلك يقول السيّد حيدر الحلي :

عفيراً متى عاينتْهُ الكُماةُ       يخـتطفُ الرُّعبُ ألوانَها

فما أجلتِ الحربُ عنْ مثلِهِ      قتيلاً يُجـبُّنُ شُجـعانَها

وهو الذي صبر على طعن الرّماح وضرب السّيوف ورمي السّهام حتّى صارت السّهام في درعه كالشّوك في جلد القنفذ ؛ وحتّى وجد في ثيابه مئة وعشرون رمية بسهم , وفي جسده ثلاث وثلاثون طعنة برمح ، وأربع وثلاثون ضربة بسيف .

ومُجـرّح مـا غيَّـرتْ مـنُهُ القَنا      حُسناً ولا أخلفنَ منه جَديدَا

قد كانَ بدْراً فاغتَدَى شمسَ الضُّحَى       مُذْ ألبستهُ يدُ الدِّماءِ لـبودَا

 

المجلس التاسع والعشرون بعد المئتين

كان أهل بيت الحسين (عليه السّلام) من أبنائه وإخوته ، وبني أخيه وبني عمومته ,


الصفحة ( 258 )

خيرةَ أهل الأرض وفاءً وإباءً ، وشجاعة وإقداماً , وعلوَّ هممٍ ، وشرفَ نفوسٍ ، وكرمَ طباع .

 فلله درّهم من عصبة رفعوا منار الفخر , ولبسوا ثياب العزِّ غير مشاركين فيها , وتجلببوا جلباب الوفاء , وضمّخوا أعوام الدّهر بعاطر ثنائهم , ونشروا راية المجد والشّرف تخفق فوق رؤوسهم , وجلوا جيد الزّمان بأفعالهم الجميلة , وأمسى ذكرهم حيّاً مدى الأحقاب والدّهور مالئاً المشارق والمغارب , ونقشوا على صفحات الأيّام سطور مدح لا تُمحى وإنْ طال العهد , وعاد سنا أنوارهم يمحو دُجى الظّلمات ، ويعلو نور الشّمس والكواكب !

 وهم الذين قال فيهم الحسين (عليه السّلام) في خطبته ليلة العاشر : (( إنّي لا أعلم أهل بيتٍ أبرَّ ، ولا أوصل من أهل بيتي )) . أبوا أنْ يُفارقوا الحسين (عليه السلام) وقد أذن لهم , وفدوه بنفوسهم وبذلوا دونه مهجهم , وقالوا لمّا أذن لهم في الانصراف : ولِمَ نفعل ذلك ؟ لنبقى بعدك ! لا أرانا الله ذلك أبداً .

ولمّا قال لبني عقيل : (( حسبُكُمْ من القتل بصاحبكم مسلم , اذهبوا فقد أذنت لكم )) . قالوا : سبحان الله ! فما يقول النّاس لنا ، وما نقول لهم ؟ إنّا تركنا شيخنا وسيِّدنا وبني عمومتنا خير الأعمام , ولم نرمِ معهم بسهم ولم نطعن معهم برمح , ولم نضرب معهم بسيف ولا ندري ما صنعوا . لا والله , ما نفعل ولكنْ نفديك بأنفسنا وأموالنا وأهلينا , ونقاتل معك حتّى نرد موردك ، فقبّح الله العيش بعدك . فقُتلوا جميعاً بين يديه مقبلين غير مدبرين , وهو الذي كان يقول لهم ـ وقد حمي الوطيس واحمرّ البأس , مبتهجاً بأعمالهم ـ : (( صبراً يا بني عمومتي , صبراً يا أهل بيتي , فو الله , لا رأيتم هواناً بعد هذا اليوم أبداً )) .

صالُوا وجالُوا وادَّوا حقَّ سيِّدِهمْ      في موقفٍ عقَّ فيه الوالدَ الولدُ

وشاقهُمْ ثمرُ العُقبَى فأصـبحَ في       صدورِهمُ شجرُ الخطيِّ يختضدُ


الصفحة ( 259 )

المجلس الثّلاثون بعد المئتين

الأصحاب الأوفياء قليلون ، وإنّما يُعرف وفاء الأصحاب عند الشّدائد , والأصدقاء في اليسر والرّخاء كثيرون ، وعند العسر والبلاء قليلون ، والصّداقة الخالصة والمحبّة الصّادقة هي التي تدوم في اليسر والعسر ، والشّدة والرّخاء .

وقد تجلّى الإخلاص والوفاء وحسن الصّحبة في أصحاب الحسين (عليه السّلام) , فقد كانوا خير أصحاب فارقوا الأهل والأحباب ، وجاهدوا دونه جهاد الأبطال , وتقدّموا مسرعين إلى ميدان القتال , وصالوا صولة الاُسود الضّارية ، قائلين له : أنفسنا لك الفداء ! نقيك بأيدينا ووجوهنا . يُضاحك بعضهم بعضاً ؛ قلّة مبالاة بالموت ، وسروراً بما يصيرون إليه من النّعيم .

ولمّا أذن لهم في الانصراف , أبوا وأقسموا بالله لا يُخلّونه أبداً ولا ينصرفون عنه , قائلين : أنحن نُخلّي عنك وقد أحاط بك هذا العدو ! وبم نعتذر إلى الله في أداء حقك ؟! وبعضهم يقول : لا والله , لا يراني الله وأنا أفعل ذلك حتّى أكسر في صدورهم رمحي ، واُضاربهم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي , ولو لم يكن معي سلاح اُقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة ، ولم اُفارقك أو أموت معك . وبعضهم يقول : والله , لو علمت أنّي اُقتل فيك ثمّ اُحيا ثمّ اُحرق حيّاً , يُفعل بي ذلك سبعين مرّة ما فارقتك .

وبعضهم يقول : والله , لوددت أنّي قُتلت ثمّ نُشرت ألف مرّة ، وأنّ الله يدفع بذلك القتل عنك وعن أهل بيتك . وبعضهم يقول : أكلتني السّباع حيّاً إنْ فارقتك . ولم يدعوا أنْ يصل إليه أذى وهم في الأحياء ، ومنهم من جعل نفسه كالتّرس له ، فما زال يرمى بالسّهام حتّى سقط . وأبدوا يوم عاشوراء من الشّجاعة والبسالة ما لم يُر مثله , فأخذت


الصفحة ( 260 )

خيلهم تحمل ، وإنّما هي اثنان وثلاثون فارساً , فلا تحمل على جانب من خيل أهل الكوفة إلاّ كشفته .

قـلَّ الـصَّحابةُ غيرَ أنْ      نَ  قـليلَهُمْ غـيرَ القليلِ
من كلِّ أبيضَ واضحِ الْ      حـسـبينِ معْدُومِ المثيلِ
وردُوا على الظمأِ الرَّدَى      وُردَ  الـزُّلالِ السَّلسبيلِ
وثَـووا على الرمضاءِ   منْ كـابٍ ومـنعفرٍ جديلِ

 

المجلس الواحد والثّلاثون بعد المئتين

قد قضى العقل والدّين باحترام عظماء الرّجال أحياءً وأمواتاً , وتجديد الذّكرى لوفاتهم وإظهار الحزن عليهم , لا سيَّما مَن بذل نفسه وجاهد حتّى قُتل ؛ لمقصد سام وغاية نبيلة , وقد جرت على ذلك الاُمم في كلِّ عصر وزمان , وجعلته من أفضل أعمالها وأسنى مفاخرها . فحقيقٌ بالمسلمين ، بل جميع الاُمم أنْ يُقيموا الذّكرى للحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السّلام) ؛ فإنّه من عظماء الرّجال وأعاظمهم في نفسه ، ومن الطّراز الأوّل ؛ جمع أكرم الصّفات وأحسن الأخلاق , وأعظم الأفعال وأجلّ الفضائل والمناقب ، علماً وفضلاً , وزهادة وعبادة ، وشجاعة وسخاء ، وسماحة وفصاحة , ومكارم أخلاق ، وإباء للضيم ومقاومة للظلم .

وقد جمع إلى كرم الحسب شرف العنصر والنّسب , فهو أشرف النّاس أباً واُمّاً ، وجدّاً وجدّةً ، وعمّاً وعمّةً ، وخالاً وخالة ؛ جدّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) سيّد النّبيِّين وأفضل ولد آدم , وأبوه علي أمير المؤمنين وسيّد الوصيين , واُمّه فاطمة الزّهراء سيّدة نساء العالمين , وأخوه الحسن المُجتبى , وعمّه


الصفحة ( 261 )

جعفر الطيّار مع ملائكة السّماء , وعمُّ أبيه حمزة سيّد الشّهداء , وجدّته خديجة بنت خويلد أوّل نساء هذه الاُمّة إسلاماً , وعمّته اُم هانيء , وخاله إبراهيم ابن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) , وخالته زينب بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) .

وقد جاهد لنيل أسمى المقاصد وأنبل الغايات , وقام بما لم يقم بمثله أحد قبله ولا بعده ؛ فبذل نفسه وماله وآله في سبيل إحياء الدّين وإظهار فضائح المنافقين , واختار المنية على الدّنية , وميتة العزّ على حياة الذّل , ومصارع الكرام على طاعة اللئام . وأظهر من إباء الضّيم وعزّة النّفس , والشّجاعة والبسالة ، والصّبر والثّبات ما بهر العقول وحيّر الألباب , واقتدى به في ذلك كلُّ مَن جاء بعده حتّى قال القائل :

وإنَّ الاُلى بالطفِّ من آلِ هاشمٍ     تآسَوا فسنُّوا للكرامِ التآسيَا

وحتّى قال آخر : كأن أبيات أبي تمّام ما قيلت إلاّ في الحسين (عليه السّلام) :

وَقَـد  كانَ فَوتُ المَوتِ سَهلاً فَرَدَّهُ      إِلَـيهِ الـحِفاظُ المُرُّ وَالخُلُقُ الوَعرُ
وَنَـفسٌ  تَـعافُ الـعارَ حَتّى كَأَنَّهُ      هُوَ  الكُفرُ يَومَ الرَوعِ أَو دونَهُ الكُفرُ
فَـأَثبَتَ فـي مُستَنقَعِ المَوتِ رِجلَهُ      وَقالَ  لَها مِن تَحتِ أَخمُصِكِ الحَشرُ
تَـرَدّى ثِيابَ المَوتِ حُمراً فَما أَتى      لَها اللَيلُ إِلاّ وَهيَ مِن سُندُسٍ خُضرُ

وحقيق بمَن كان كذلك أنْ تُقام له الذّكرى في كلِّ عام , وتبكي له العيون دماً بدل الدّموع ؛ وأيُّ رجُل في الكون قام بما قام به الحسين (عليه السلام) ؟!

الحسين قدّم نفسه للقتل ، وقدّم أبناءه حتّى ولده الرّضيع وإخوته ، وأبناء أخيه وأبناء عمّه للقتل , وأمواله للنّهب وعياله للأسر ؛ ليفدي دين جدّه بنفسه وبهم , ويستنقذه من أنْ يقضي عليه يزيد ، المُجاهر بالكفر والفجور وشرب الخمور ، والقائل :


الصفحة ( 262 )

لـيـتَ أشياخي ببدرٍ شَهدوا      جزعَ الخزْرجِ منْ وقعِ الأسلْ
لأهـلُّـوا واسـتـهلُّوا فَرحاً      ثُــمَّ قـالوا يا يزيدُ لا تشلْ
لـعـبتْ  هـاشمُ بالمُلكِ فلا      خـبرٌ  جـاءَ ولا وحيٌ نزل

الحسين مُعظَّم حتّى عند الخوارج أعداء أبيه وأخيه , فهم يُقيمون له مراسم الذّكرى والحزن يوم عاشوراء في كلّ عام . وليس أعجب ممّن يتخذ يوم عاشوراء يوم فرح وسرور ، واكتحال وتوسعة على العيال ؛ لأخبارٍ اُفتريت في زمن المُلك العضوض اعترف بكذبها النّقاد , وسُنّةٍ سنّها الحجّاج بن يوسف عدوُّ الله وعدوُّ رسوله .

وأيُّ مُسلم تُطاوعه نفسه أو يُساعده قلبه على إظهار الفرح في يومٍ قُتل ابن بنت نبيه وريحانته ، وابن وصيه ؟! وبماذا يواجه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وبماذا يعتذر إليه ؟ وهو مع ذلك يدّعي محبّة الرّسول (صلّى الله عليه وآله) , ومن شروط المحبّة الفرح لفرح المحبوب ، والحزن لحزنه . ولو أنصف باقي المسلمين ما عادَوا طريقة الشّيعة في إقامة الذّكرى للحسين (عليه السّلام) كلّ عام , وإقامة مراسم الحزن يوم عاشوراء , فهل كان الحسين (عليه السّلام) دون امرأةٍ يُقيم لها الفرنسيون الذكرى كلّ عام ؟ وهل عمِلتْ لاُمّتها ما عمله الحسين (عليه السّلام) لاُمّته أو دونه ؟

الحسين (عليه السّلام) سنّ للناس درساً نافعاً , ونهج لهم سبيلاً مهيعاً في تعلّم الإباء والشّمم , وطلبِ الحُرّية والاستقلال , ومقاومة الظّلم ومعاندة الجور , وطلب العزّ ونبذ الذّل , وعدم المبالاة بالموت في سبيل نيل الغايات السّامية والمقاصد الغالية ، وأبان فضائح المنافقين , ونبّه الأفكار إلى التّحلي بمحاسن الصّفات ، وسلوك طريق الاُباة والاقتداء بهم , وعدم الخنوع للظلم والجور والاستعباد .

وبكى زين العابدين (عليه السّلام) على مصيبة أبيه الحسين (عليه السّلام) أربعين سنة , وكان الصّادق (عليه السّلام) يبكي لتذكّر مصيبة الحسين (عليه السّلام) , ويستنشد الشّعر في رثائه ويبكي ، وكان الكاظم (عليه السّلام) إذا دخل شهر المُحرّم لا يُرى ضاحكاً , وتغلب عليه الكآبة حتّى تمضي عشرة أيّام منه , فإذا كان اليوم العاشر كان يوم مصيبته وحزنه .

وقال الرّضا (عليه السّلام)


الصفحة ( 263 )

: (( إنّ يوم الحسين أقرح جفوننا وأسال دموعنا ، وأورثنا الكرب والبلاء إلى يوم الانقضاء )) .

وقد حثّوا شيعتهم وأتباعهم على البكاء ، وإقامة الذّكرى لهذه الفاجعة الأليمة في كلّ عام , وهم نعم القدوة وخير مَن اتُّبع , وأفضل مَن اُقتفي أثره واُخذت منه سنّة الرّسول (صلّى الله عليه وآله) ؛ فهم أحد الثّقلين الذّين اُمرنا باتِّباعهما والتّمسك بهما , ومثل باب حطّة الذي مَن دخله كان آمناً , ومفاتيح باب مدينة العلم الذي لا تًؤتى إلاّ منه .

هُمُ السَّفينةُ فاز الرَّاكبونَ بها     ومَنْ تخلَّف عنها ضلَّ في تيهِ

 

المجلس الثّاني والثّلاثون بعد المئتين(1)

وفد على يزيد بن معاوية وفدٌ من أهل المدينة , فلمّا رجعوا قالوا : قدمنا من عند رجل ليس له دين ؛ يشرب الخمر ويضرب بالطّنابير , وتعزف عنده القيان ، ويلعب بالكلاب . فخلعوه وأخرجوا عامله على المدينة ، وحصروا بني اُميّة في دار مروان وكانوا ألف رجل ، فكتبوا إلى يزيد يستغيثون به ، ثمّ أخرجوهم من المدينة بعدما أخذوا علهيم العهود أنْ لا يعينوا عليهم ، ولا يدلّوا على عوراتهم .

فبعث يزيد إلى عمرو بن سعيد بن العاص ليرسله في جيش إلى المدينة ، فلم يقبل , فبعث إلى عبيد الله بن زياد يأمره بالمسير إلى المدينة

ــــــــــــــــــــــــــ

(1) تُنقل هذه الوقعة عن تاريخ الطبري ، والكامل في التاريخ لابن الأثير ، والفخري ، والإمامة والسّياسة ، والأخبار الطّوال ، والعقد الفريد ، والأغاني وغيرها . ـ المؤلّف ـ


الصفحة ( 264 )

وإلى ابن الزّبير بمكّة , فقال : والله , لا جمعتُها للفاسق ؛ قتل ابن رسول الله وغزو المدينة والكعبة ! واعتذر إليه .

وكان معاوية قال ليزيد : إنّ لك من أهل المدينة يوماً , فإنْ فعلوا فارمهم بأعور بني مُرّة ( يعني مسلم بن عقبة المُرّي ) ، وكان أعور ، وكان أحد جبابرة العرب وشياطينهم . فأمره يزيد بالمسير إلى المدينة , وكان مريضاً وهو شيخ كبير ، ثمّ أراد يزيد إعفاءه لمرضه , فقال : يا أمير المؤمنين , أنشدك الله لا تحرمني أجراً ساقه الله لي . فلم يطِقْ أنْ يركب مع الوجع ، فحُمل على سرير على أعناق الرّجال , وبعث يزيد معه اثني عشر ألفاً ، فسار مسلم بالجيش ، فلقيه بنو اُميّة في الطّريق فدلّوه على عورات أهل المدينة ورجعوا معه .

وجعل أهل المدينة في كلّ منهلٍ بينهم وبين أهل الشّام زقّاً من قطران , فكان من قدر الله تعالى أنْ مطرت السّماء , فلم يستقوا بدلوٍ حتّى وردوا المدينة . وأوصى يزيد مسلم بن عقبة , فقال : إذا ظهرت على أهل المدينة فأبحها ثلاثاً ، وكلُّ ما فيها من مال أو دابة ، أو سلاح أو طعام فهو للجُند ، وانظر علي بن الحسين فاكفف عنه واستوص به خيراً ؛ فإنّه لم يدخل مع النّاس وقد أتاني كتابه .

وكان مروان ، لمّا أخرج أهل المدينة بني اُميّة منها , طلب من عبد الله بن عمر أنْ يُغيّب أهله عنده فلم يقبل , فقال لعلي بن الحسين (عليهما السّلام) : إنّ لي رحماً ، وحرمي تكون مع حرمك . فقال : (( افعل )) . فبعث بامرأته وحرمه إلى علي بن الحسين (عليهما السّلام) ، فخرج علي (عليه السّلام) بحرمه وحرم مروان إلى ينبع , وقيل بل أرسل حرم مروان إلى الطّائف , وأرسل معهم ابنه عبد الله .

هكذا كانت عادة أهل البيت (عليهم السّلام) في الحلم والصّفح ، والمجازاة على الإساءة بالإحسان , وعلى ذلك جرى علي بن الحسين (عليهما السّلام) مع مروان ؛ فمروان هو الذي عادى أمير المؤمنين (عليه السّلام) وحاربه يوم الجمل , فلمّا ظفر به أمير المؤمنين (عليه السّلام) عفا عنه ، وهو الذي أشار على الوليد ـ أمير


الصفحة ( 265 )

المدينة ـ بقتل الحسين (عليه السّلام) حين طلب منه الوليد البيعة ليزيد , فقال مروان : والله , لئن فارقك الحسين السّاعة ولم يُبايع , لا قدرت منه على مثلها أبداً حتّى تكثر القتلى بينكم وبينه , ولكن احبس الرّجل فلا يخرج من عندك حتّى يُبايع أو تضرب عنقه ، وهو الذي أخذ رأس الحسين (عليه السّلام) بعد قتله فوضعه بين يديه ، وقال :

يا حبَّذا بُردُكَ في اليَدَيْنِ       ولونُك الأحمـرُ في الخدَّينِ

كأنّـما حُفَّ بـوردتينِ       شفيتُ نفسي من دمِ الحُسينِ

والله , لكأنّي أنظر إلى أيّام عثمان . فجازاه على ذلك علي بن الحسين (عليهما السّلام) بأنْ حفظ حرمه ونساءه ، وحماهم بعدما عرض ذلك على ابن عمر فلم يقبل .

ولم ينس زين العابدين (عليه السّلام) ما فعله بنو اُميّة معه من قتلهم أباه الحسين (عليه السّلام) , وسبيهم نساء أهل بيته , وأخذه معهم أسيراً والغلُّ في عنقه حتّى اُدخلوا على مجلس يزيد بتلك الحالة ، ولكن أبت له أعراقُه الكريمة , وهو ابنُ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وابنُ وصيه ، وإمامُ أهل البيت الطّاهر , إلاّ أنْ يُجازي عن الإساءة بالإحسان , فحامى عن نساء مَن سبوا نساءه ، وحفظهنَّ .

وما مَثَلُ بني هاشم وبني اُميّة في ذلك ، إلاّ كما قال الشاعر :

ملكنَا فكان العفوُ منَّا سجـيَّةً     فلمّا ملكتُمْ سال بالدَّمِ أبطحُ

فحسْبُكُمُ هذا التَّفـاوتُ بيْنَنا       وكلُّ إِناءٍ بالذي فيهِ يَنْضَحُ

 

المجلس الثّالث والثّلاثون بعد المئتين

لمّا خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية حين بلغهم أنّه يشرب الخمر ،


الصفحة ( 266 )

ويضرب بالطّنابير ، وتغني عنده المُغنّيات ويلعب بالكلاب , أرسل إليهم مسلم بن عقبة المُرّي في اثني عشر ألفاً , فسار بهم حتّى وصل إلى المدينة , وكان أهلها قد أمّروا عليهم عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة ؛ وذلك أنّ أباه حنظلة قُتل يوم اُحد , فرأى النّبي (صلّى الله عليه وآله) الملائكة تُغسّله ؛ لأنّه كان جُنباً فسُمّي غسيل الملائكة .

ووضع لمسلم بن عقبة كرسي بين الصفّين , فجلس عليه وهو مريض , وقال : يا أهل الشّام , قاتلوا عن أميركم . وجعل يحرّضهم , واشتدّ القتال , فجعل عبد الله بن حنظلة يُقدّم أولاده واحداً بعد واحد حتّى قُتلوا بين يديه ، وكانوا ثمانية , ثمّ كُسر غمد سيفه وقاتل حتّى قُتل ، وانهزم أهل المدينة . فقُتل بضعة وسبعون رجلاً من قريش ، وبضع وسبعون رجلاً من الأنصار , وقُتل من النّاس نحو من أربعة آلاف ، وسُمّي مسلم بعد تلك الوقعة مُسرفاً , وتُسمّى وقعة الحرّة(1) .

وأباح مسرف المدينة ثلاثاً ؛ يقتلون النّاس وينهبون الأموال ، ويفتضّون النّساء حتّى وُلد في تلك السّنة ألف مولود لا يُعرف لهم أب , وكان الرّجل من أهل المدينة بعد ذلك إذا أراد أنْ يُزوّج ابنته لا يضمن بكارتها , ويقول : لعله أصابها شيءٌ في وقعة الحرَّة .

وكما أرسل يزيد الجيوش لمحاصرة مدينة الرّسول (صلّى الله عليه وآله) , ومحاربة أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من المهاجرين والأنصار , فقد قاد جدّه أبو سفيان الجيوش لحرب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأصحابه من المهاجرين والأنصار , ومحاصرة المدينة يوم اُحد والأحزاب ، وكما قتلت جدّتُه هندٌ أسد الله حمزة ـ عمّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ـ على يد وحشي يوم اُحد , وبقرت بطنه ، وأكلت من كبده ومثّلت به ، قتل يزيد سبطَ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) على يد عمر بن سعد , وقطع رأسه ، وأوطأ الخيل جسده ومثّل به

ــــــــــــــــــــــــــ

(1) الحُرّة : أرضٌ ذات حجارة سود خشنة , وكانت الوقعة في أرض بتلك الصِّفة . ـ المؤلّف ـ


الصفحة ( 267 )

وبأصحابه ، وعلى نهج الآباء مشت الأبناء , وإنّ العصا من العُصيّة(1) , ولا تلد الحيّةُ إلاّ حيَّة .

بَنى لَهُمُ الماضونَ آساسَ هَذِهِ      فَعَلّوا عَلى آساسِ تِلكَ القَواعِدِ

ودعا مسرف النّاس إلى البيعة ليزيد على أنّهم عبيد له ، يحكم في دمائهم وأموالهم وأهليهم ما شاء ؛ إنْ شاء وهب ، وإنْ شاء أعتق ، وإن ْشاء استرقّ , ومَن امتنع من ذلك قتَله ، فامتنع جماعةٌ فقُتلوا .

وجاء مروان بعليِّ بن الحسين (عليه السّلام) يمشي بينه وبين ابنه عبد الملك حتّى جلس بينهما , فدعا مروان بشراب ليتحرّم بذلك فشرب منه ، ثمّ ناوله عليَّ بن الحسين (عليه السّلام) , فقال له مسلم : لا تشرب من شرابنا . فامتنع , فقال مسلم : جئتَ تمشي بينهما لتأمن عندي ؟ والله , لو كان إليهما أمر لقتلتُك ، ولكن أمير المؤمنين أوصاني بك وأخبرني أنّك كاتبته , فإنْ شئت فاشرب . فشرب , ثمّ أجلسه معه على السّرير , ثمّ قال له : لعلّ أهلك فزعوا ؟ قال (عليه السّلام) : (( إي والله )) . فأمر بدابة فاُسرجت له وردَّهُ ، ولم يلزمه بالبيعة ليزيد كما شرط على أهل المدينة , بل بايعه على أنّه أخوه وابنُ عمّه .

هذا مسلم بن عقبة مع كفره وطغيانه وتجبره ، قال لعلي بن الحسين (عليه السّلام) : لعلّ أهلك فزعوا . وشمر بن ذي الجوشن حمل يوم كربلاء حتّى بلغ فسطاط الحسين (عليه السّلام) ، فطعنه بالرّمح ، ونادى : عليّ بالنّار حتّى أحرق هذا البيت على أهله . فأفزع مُخدَّرات بيت النّبوّة وأخافهن ، فصاحت النّساء وخرجن , وصاح به الحسين (عليه السّلام) : (( أنت تحرق بيتي على أهلي ؟! أحرقك الله بالنّار )) . فقال حميد بن مسلم : أتقتل الولدان

ــــــــــــــــــــــــــ

(1) العصا : فرس جُذيمة الأبرش . والعُصيّة ، بصيغة التّصغير : اُمّها . مثل يُضرب للشيء يُشبه أصله .


الصفحة ( 268 )

والنّساء ؟! والله , إنّ في قتل الرّجال لَما يرضى به أميرك . فلم يقبل , فأتاه شبث بن ربعي ، فقال : أفزعنا النّساء ثكلتك اُمّك ! فاستحيا وانصرف .

يا اُمّةً ولـيَ الشَّيـطانُ رايتَها      ومكَّنَ البغيّ منها كلَّ تمكينِ

ما المُرتضى وبنُوه منْ مُعاويةٍ      ولا الفواطمُ منْ هندٍ وميسونِ

ولمّا فرغ مسرف من وقعة الحرّة , بعث برؤوس أهل المدينة إلى يزيد ، وكتب إليه يخبره بما صنع , فلمّا اُلقيت الرؤوس بين يديه , قال :

لـيتَ أشـياخي ببدرٍ شَهدوا      جزعَ الخزْرجِ منْ وقعِ الأسلْ
لأهلُّـوا واسـتـهلُّوا فَـرحاً       ثُمَّ قـالوا يـا يزيدُ لا تشلْ

وقد تمثّل بهذا الشّعر أيضاً لمّا جيء إليه برأس الحسين بن علي (عليهما السلام) ، وبسبايا أهل البيت (عليهم السّلام) , وزاد فيه :

لعـبتْ هاشـمُ بالمُلكِ فلا        خبرٌ جاء ولا وحيٌ نزلْ

قدْ قتلنَا القَرمَ من ساداتِهمْ        وعدلنَا ميلَ بدرٍ فاعتَدلْ

فقامت زينب بنت علي (عليهما السّلام) ، وخطبت خطبتها الشّهيرة التي قالت من جملتها : تهتف بأشياخك تزعم أنّك تُناديهم ؟! فلترِدنَّ وشيكاً موردَهم , ولتودّنَّ أنّك شُللت وبُكمت , ولم تكُن قلتَ ما قُلتْ ، وفعلتَ ما فعلتْ .

يا آلَ أحـمدَ كمْ يُكابـدُ فـيكُمُ       كبـَدي خُطوباً للقلوبِ نواكي

 كبَدي بكُمْ مقروحةٌ ومـدامعي       مسفوحةٌ وجوى فؤادِي ذاكي

* * *


الصفحة ( 269 )

 

المجلس الرابع والثّلاثون بعد المئتين 

كان الحضين(1) بن المنذر الرّقاشي من ربيعة البصرة , وكان مع علي أمير المؤمنين (عليه السّلام) بصفّين , ولمّا نافس شقيق بن ثور خالد بن معمر السّدوسي على راية ربيعة ـ وكانت مع خالد ـ , اصطلحا على أنْ يولّياها الحضين ـ وكان يومئذ شاباً حدث السّن ـ ، فأقبل وهو غلام يزحف بها وكانت حمراء , فأعجب علياً (عليه السّلام) زحفه وثباته , فقال :

لـمَـنْ رايـةٌ حـمراءُ يخْفقُ ظلُّها      إذا  قِـيـل قـدِّمـهَا حُضينُ تَقدَّما
ويـدنُو بها في الصَّفِّ حتّى يَديرها      حِـمـامُ المنايا تَقطُر الموتَ والدَّما
تــراهُ  إذا مَـا كـان يومُ عظيمةٍ      أبَـى فـيـهِ إلاّ عِـزَّةً وتـكـرُّما
جـزى  اللهُ قوماً صابَرُوا في لقائِهمْ      لَـدَى الـبأسِ حُرّاً ما أعفّ وأكرَما
وأحزمَ صبْراً حِينَ تُدعَى إلى الوغَى      إذا كـانَ أصـواتُ الـكُماةِ تغمْغُما

وكفى الحضين فخراً مدح علي (عليه السّلام) له بهذا الشّعر , وكفى قبيلة ربيعة فخراً مدح علي (عليه السّلام) لها بما سمعت .

وروي عن الحضين أنّه قال : أعطاني علي (عليه السّلام) راية ربيعة , وقال : (( بسم الله سر يا حُضين , واعلم أنّه لا يخفق على رأسك راية مثلها أبداً ؛ هذه راية رسول الله (صلّى الله عليه وآله) )) .

وذكر المُبرّد في

ــــــــــــــــــــــــــ

(1) بالضاد المعجمة , وليس للعرب حُضين بالمعجمة غيره . ـ المؤلّف ـ


الصفحة ( 270 )

الكامل : إنّه لمّا فتح قتيبة بن مسلم سمرقند , أفضى إلى أثاثٍ وآلات لم يُرَ مثلها , فأراد أنْ يُري النّاس عظيم ما أنعم به الله عليه , فأمر بدار ففُرشت ، وفي صحنها قدور يُرتقى إليها بالسّلالم , فإذا بالحضين بن المنذر الرّقاشي قد أقبل ـ وهو شيخ كبير ـ والنّاس جلوس على مراتبهم , فلمّا رآه عبد الله بن مسلم ـ أخو قتيبة ـ قال لقتيبة : ائذن لي في معاتبته . قال له : لا تفعل ؛ لأنّه خبيث الجواب . فألحّ عليه , فأذن له ـ وكان عبد الله ضعيف العقل ـ فأقبل على الحضين ، فقال : أمنَ الباب دخلت يا أبا ساسان ؟ ( وهي كُنية الحضين ) قال : أجل ، أسنَّ عمّك عن تسوّر الحيطان ( وكان عبد الله تسوّر حائطاً إلى امرأة ) . قال : أرأيت هذه القدور ؟ قال : هي أعظم من أنْ تُرى . قال : ما أحسب بكر بن وائل ( وهو جدّ قبيلة الحضين ) رأى مثلها ؟ قال : أجل ، ولا عيلان ( وهو جدّ قبيلة عبد الله ) ، ولو رآها لسُمّي شبعان ولم يُسمّ عيلان . قال عبد الله : أتعرف الذي يقول :

كأنَ فقاحَ الأزدِ حولَ ابنِ مسْمعٍ      إذا عُرفتْ أفواهُ بكرِ بنِ وائلِ ؟

قال : نعم أعرفه ، وأعرف الذي يقول :

قـومٌ قتيبةُ اُمُّـهمْ وأبـوهُمُ        لولا قتيـبةُ أصـبحُوا في مجـهلِ

قال : أمّا الشّعر فأراك ترويه , فهل تقرأ من القرآن شيئاً ؟ قال : أقرأ منه الأكثر الأطيب : ( هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا )(1) . ( يشير إلى خمولهم قِبل قتيبة ) ، فغضب عبد الله , وقال : والله , لقد بلغني أنّ امرأة الحضين حُملت إليه وهي حامل من غيره . قال : فما تحرّك الشّيخ عن هيئته الاُولى , ثمّ قال على رسله : وما يكون تلد غلاماً على فراشي , فيُقال فلان بن الحضين كما يُقال عبد الله بن مسلم . فأقبل قتيبة على أخيه عبد الله ، وقال : لا يبعد الله غيرك .

وكانت باهلة من أخسِّ قبائل العرب

ــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الإنسان / 1 .


الصفحة ( 271 )

وأوضعها نسباً , وكانت العرب تُعيِّر مَن ينتسب إلى باهلة , ولهم في ذلك أشعار كثيرة ، قال بعضهم :

إِذا باهِلِيٌّ تَحتَهُ حَنظَـلِيَّةٌ        لَهُ وَلَدٌ مِنهـا فَذاكَ المُذَرَّعُ

والمُذرّع : الذي اُمّه أشرف من أبيه .

وقال الآخر :

وما ينفعُ الأصـلُ منْ هاشمٍ        إذا كانتْ النّفـسُ منْ باهلهْ

وقال الآخر :

ولو قيلَ للكلبِ يا باهـليْ      عوى الكلـبُ منْ لؤمِ هذا النَّسبِ

وروي : أنّ الأشعث بن قيس قال للنّبيِّ (صلّى الله عليه وآله) : أتتكافأ دماؤنا ؟ قال : (( نعم , ولو قتلتَ رجُلاً من باهلة , لقتلتُك )) . وقيل لرجل : أيسرّك أنْ تدخل الجنّة وأنت باهلي ؟ قال : بشرط أنْ لا يعلم أهلُها بذلك . وكانت باهلة مع ذلك منحرفة عن أهل البيت (عليهم السّلام) , مواليه لبني اُميّة ، كما كانت ربيعة مع شرفها من القبائل الموالية لأمير المؤمنين (عليه السّلام) , وأبلت معه بصفّين بلاءً حسناً .

ومسلم بن عمرو الباهلي أبو قتيبة هو الذي قال لمسلم بن عقيل ما قال , حين اُتي بابن عقيل أسيراً إلى ابن زياد بالكوفة ؛ وذلك أنّ مسلماً لمّا اُسر بالكوفة بعد محاربته مع ابن الأشعث , حُمل إلى ابن زياد , فلمّا وصل إلى باب القصر وقد اشتدَّ به العطش ، وعلى باب القصر ناس جلوس فيهم عمرو بن حريث ، ومسلم بن عمرو الباهلي , وإذا قلّةٌ فيها ماء بارد , قال مسلم بن عقيل : اسقوني من هذا الماء . فقال له مسلم بن عمرو الباهلي : أتراها ما أبردها ؟ لا والله , لا تذوق منها قطرة حتّى تذوق الحميم في نار جهنّم . فقال له مسلم بن عقيل : ويلك ! مَن أنت ؟ قال : أنا الذي عرف الحقّ إذ أنكرته , ونصح لإمامه إذ غششته , وأطاعه إذ خالفته ؛ أنا مسلم بن


الصفحة ( 272 )

عمرو الباهلي . فقال له ابن عقيل : لاُمّك الثّكل ! ما أجفاك وأفظّك وأقسى قلبك ! أنت يابن باهلة أولى بالحميم والخلود في نار جهنم منّي .

ثمّ جلس فتساند إلى الحائط ، وبعث عمرو بن حريث غلامه فأتاه بقلّة عليها منديل وقدح , فصب فيه ماءً فقال له : اشرب . فأخذ كلمّا شرب امتلأ القدح دماً من فمه ، فلا يقدر أنْ يشرب ـ وكان قد ضربه بكر بن حمران بالسّيف على فمه فقطع شفته العليا ، وأسرع السّيف في السّفلى ، وفُصلت لها ثنيّتان ـ ففعل ذلك مرّة أو مرّتين , فلمّا ذهب في الثّالثة ليشرب , سقطت ثناياه في القدح , فقال : الحمد لله ، لو كان لي من الرّزق المقسوم لشربته .

يـا  مُـسلمُ بنَ عقيلٍ لا أغبَّ ثرَى      ضـريحِكَ الـمُزنُ هـطّالاً وهتّانا
بـذلتَ نـفْسكَ فـي مرضاةِ خالِقِها      حـتّى قـضيتَ بسيفِ البغْي ظمْآنا
كـأنَّـما نفسُك اختارتْ لها عَطشاً      لمّا دَرتْ أنْ سيقضِي السِّبطُ عطْشَانا
فـلَمْ تُطقْ أنْ تسيغَ الماءَ عن ظمأٍ    مـنْ ضـربةٍ ساقـها بكرُ بنُ حمرانا

المجلس الخامس والثّلاثون بعد المئتين

روى الطّبرسي في الاحتجاج عن ثابت البناني ، قال : كنتُ حاجّاً وجماعة عبّاد البصرة , فلمّا أنْ دخلنا مكّّة رأينا الماء ضيّقاً وقد اشتد بالنّاس العطش لقلّة الغيث , ففزع إلينا أهل مكّة والحجّاج يسألوننا أنْ نستسقي لهم , فأتينا الكعبة وطفنا بها ، ثمّ سألنا الله خاضعين متضرّعين بها , فمنعنا الإجابة , فبينا نحن كذلك إذا نحن بفتى قد أقبل ، قد أكبرته أحزانه وأقلقته أشجانه , فطاف بالكعبة أشوطاً ثمّ أقبل علينا , فقال : (( يا مالك بن


 الصفحة ( 273 )

دينار ، ويا ثابت البناني ، ويا أيوب السّجستاني ، ويا صالح المُرّي ، ويا عُتبة الغلام ، ويا حبيب الفارسي ، ويا عمر ، ويا صالح ، ويا رابعة ، ويا سعدانة ، ويا جعفر بن سُليمان )) . فقلنا : لبّيك وسعديك يا فتى . فقال : (( أما فيكم أحدٌ يُحبُّه الرَّحمن ؟ )) . فقلنا : يا فتى , علينا الدُّعاء وعليه الإجابة . فقال : (( ابعدوا عن الكعبة , فلو كان فيكم أحدٌ يُحبُّه الرّحمنُ , لأجابه )) . ثمّ أتى الكعبة فخرَّ ساجداً , فسمعته يقول في سجوده : (( سيّدي ، بحبِّك إلاّ سقيتهم الغيث )) . قال : فما استتم الكلام حتّى أتاهم الغيث كأفواه القرب ، فقلت : يا فتى , منْ أين علمت أنّه يُحبُّك ؟ فقال : (( لو لم يُحبني لم يستزرني , فلمّا استزارني , علمتُ أنّه يُحبُّني , فسألتُه بحبِّه لي فأجابني )) . ثمّ ولّى عنّا ، وأنشأ يقول :

مَنْ  عَرفَ الرَّبَّ فلمْ تُغنهِ      معرفةُ  الرَّبِّ فذاكَ الشَّقي
ما ضرَّ ذا الطَّاعةِ ما نالهُ      فـي طاعةِ اللهِ وماذا لقي
ما يصنعُ العبدُ بغيرِ التُّقَى      والـعزُّ كـلُّ العزِّ للمُتّقي

فقلت : يا أهل مكّة , مَن هذا الفتى ؟ فقالوا : هذا علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السّلام) .

أقول : مثل هذا الإمام في علمه وفضله ، ومناقبه وكرامته ، وزُهده وعبادته واستجابة دعائه يُحمل أسيراً مغلولاً ، تارة إلى ابن مرجانة بالكوفة ، واُخرى إلى ابن هند بالشّام ! ولمّا اُدخل على ابن زياد مع عمّاته وأخواته, قال له: مَن أنت ؟ فقال : (( أنا عليُّ بن الحسين )) . فقال : أليس قد قتل الله عليَّ بن الحسين ؟ فقال عليٌّ (عليه السّلام) : (( قد كان لي أخٌ يُسمّى عليّاً , قتله النّاس )) . فقال : بل الله قتله . فقال علي بن الحسين (عليه السّلام) : (( اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا(1) )) .

فغضب ابن زياد ، وقال : وبك جرأة لجوابي , وفيك بقيّة للردِّ عليَّ ! اذهبوا به فاضربوا عنقه . فتعلّقت به عمّته زينب , وقالت : يابن زياد ,

ـــــــــــــــــــــ

(1) سورة الزُّمر / 42 .


الصفحة ( 274 )

حسبُك من دمائنا . واعتنقته ، وقالت : لا والله لا اُفارقه ، فإنْ قتلته فاقتلني معه . فنظر ابن زياد إليها وإليه ساعة ، ثمّ قال : عجباً للرحم ! والله ، إنّي لأظنُّها ودّت أنْ قتلتُها معه ، دعوه فإنّي أراه لمَا به ( أي : إنّه شديد المرض ) .

وفي رواية : أنّ علي بن الحسين (عليه السّلام) قال لعمّته : (( اسكتي يا عمّة حتّى اُكلّمه )) . ثمّ أقبل عليه ، فقال : (( أبالقتل تُهدّدُني يابن زياد ؟! أمَا علمت أنّ القتل لنا عادة ، وكرامتَنا الشّهادة ؟ )) .

فـيا  وقـعةً لمْ يُوقعِ الدَّهرُ مثْلُها      وفـادحةً  تُـنْسَى لـديها فوادحُهْ
متَى ذُكرتْ أذكَتْ حشَى كـلِّ مُؤمنٍ      بـزندِ  جوىً أوراهُ للحشرِ قادحُهْ

المجلس السادس والثّلاثون بعد المئتين

عن عبد الله بن المُبارك قال : حججت في بعض السّنين , فبينما أنا أسير في عرض الحاجّ , إذا أنا بشاب وسيم الوجه يسير ناحية عن الحاجّ بلا زاد ولا راحلة , فتقدمتُ إليه وسلمت عليه , فردَّ عليَّ السّلام , فقلتُ : مع مَن قطعت البر ؟ قال : (( مع الباري )) . فعظم في عيني , فقلتُ له : أين زادك وراحلتك ؟ قال : (( زادي تقواي ، وراحلتي رجلاي ، وقصدي مولاي )) . فكبر في نفسي , فقلتُ له : ممّن تكون أيّها الشّاب ؟ قال : (( هاشمي )) . قلتُ : أفصح ؟ قال : (( طالبي )) . قلتُ : أوضح ؟ قال : (( فاطمي )) . قلتُ له : يا سيّدي , هل قلتَ شيئاً من الشّعر ؟ قال : (( نعم )) . قلتُ : أنشدني من شعرك . فأنشأ يقول :

نحنُ على الحوضِ ذوَّادُهُ      وتُـسقَى  بنا منهُ ورّادُهُ
ومـا فازَ مَنْ فاز إلاّ بنا      وما  خاب مَن حُبُّنا زادُه


( 275 )

ومَنْ سرَّنا نالَ منّا لسّرورَ    ومَـنْ ساءَنا ساءَ ميلادُهُ
ومَـنْ كانَ غاصبُنا حقّنا      فـيـومُ الـقيامةِ ميعادُهُ

ثمّ غاب عن عيني , فلم أره حتّى أتيت مكّة المكرمة وقضيت الحجّ وأتيت الأبطح , فإذا أنا بحلقة مستديرة , فاطّلعت لأنظر مَن فيها , فإذا أنا بصاحبي الشّاب الهاشمي , فسمعته يقول :

نحنُ بنُو المُصطفَى ذوُو غُصصٍ      يـجـرعُـهـا في الأنامِ كاظمُنا
عـظـيمةٌ  فـي الأنـامِ مِحنتُنا      أوّلُـنـا مُـبْـتـلـىً وآخـرُنا
يـفـرحُ هـذا الـورَى بعيدِهم      ونــحـنُ  أعـيـادُنـا مآتِمُنا
والـنّـاسُ بالأمنِ والسُّرورِ ولا      يـأمـنُ طـولَ الـزَّمانِ خائفُنا
يـحـكمُ  فـيـنا والحُكمُ فيه لنَا      جـاحـدُنـا  حـقَّـنا وغاصبُن

فسألت عنه فقيل لي : هو زين العابدين علي بن الحسين (عليهما السّلام) . ولم يزل سلام الله عليه في الحزنِ على أبيه مُدّة حياته حتّى لحق بربه .

وعن جابر الجعفي قال : لمّا جرّد مولاي محمَّدٌ الباقر مولاي عليَّ بنَ الحسين (عليهم السّلام) ثيابه ووضعه على المُغتسل , وكان قد ضرب دونه حجاباً , سمعتُه ينشج ويبكي حتّى أطال ذلك , فأمهلته عن السّؤال حتّى إذا فرغ من غسله ودفنه , فأتيت إليه وسلّمت عليه ، وقلتُ له : جُعلت فداك ! ممّ كان بكاؤك وأنت تُغسّل أباك ؟ أكان ذلك حُزناً عليه ؟ قال : (( لا يا جابر , لكن لمّا جرّدت أبي ثيابه ووضعته على المُغتسل , رأيت آثار الجامعة في عُنقه , وآثارَ جُرحِ القيد في ساقيه وفخذيه , فأخذتني الرّقة لذلك وبكيت )) .

مالي أراكَ ودمعُ عينِكَ جامدٌ      أوَ ما سمعتَ بمحْنةِ السَّجّادِ

* * *


الصفحة ( 276 )

 

المجلس السابع والثلاثون بعد المئتين  

حجّ هشام بن عبد الملك في خلافة أخيه الوليد ومعه رؤساء أهل الشّام , فجهد أنْ يستلم الحجر فلم يقدر من ازدحام النّاس , فنصب له منبر فجلس عليه ينظر إلى النّاس , وأقبل علي بن الحسين (عليهما السّلام) , وهو أحسن النّاس وجهاً وأنظفهم ثوباً وأطيبهم رائحة ، فطاف بالبيت ، فلمّا بلغ الحجر الأسود , تنحَّى النّاس كلّهم وأخلوا له الحجر ليستلمه ؛ هيبة وإجلالاً له , فغاظ ذلك هشاماً وبلغ منه , فقال رجل لهشام : مَن هذا ؟ أصلح الله الأمير . قال : لا أعرفه . وكان به عارفاً ؛ ولكنّه خاف أنْ يرغب فيه أهل الشّام ويسمعوا منه . فقال الفرزدق ـ وكان حاضراً ـ : أنا أعرفه ، فسلني يا شامي . قال : ومَن هو ؟ قال :

هَـذا الَّذي تَعرِفُ البَطحاءُ وَطأَتَهُ      وَالـبَيتُ  يَـعرِفُهُ وَالحِلُّ وَالحَرَمُ
هَـذا  اِبـنُ خَـيرِ عِبادِ اللَهِ كُلِّهِمُ      هَـذا  الـتَّقِيُّ النَّقِيُّ الطاهِرُ العَلَمُ
هَـذا اِبـنُ فاطِمَةٍ إِنْ كُنتَ جاهِلَهُ      بِـجَدِّهِ  أَنـبِياءُ الـلَهِ قَـد خُتِموا
وَلَـيسَ قَـولُكَ مَـن هَذا بِضائِرِهِ      العُربُ  تَعرِفُ مَن أَنكَرتَ وَالعَجَمُ
إِذا  رَأَتـهُ قُـرَيشٌ قـالَ قـائِلُها      إِلـى  مَـكارِمِ هَـذا يَنتَهي الكَرَمُ
يَـكادُ يُـمسِكُهُ عِـرفانُ راحَـتِهِ      رُكـنَ الـحَطيمِ إِذا ما جاءَ يَستَلِمُ
الـلَـهُ  شَـرَّفَهُ قِـدماً وَعَـظَّمَهُ      جَـرى بِـذاكَ لَـهُ في لَوحِهِ القَلَمُ
أَيُّ  الـخَلائِقِ لَـيسَت في رِقابِهِمُ      لأَوَّلِـيَّـةِ هَــذا أَو لَــهُ نِـعَمُ
مَـنْ يَـشكُرِ الـلَهَ يَشكُر أَوَّلِيَّةَ ذا      فَـالدّينُ  مِـن بَيتِ هَذا نالَهُ الأُمَمُ
يُنمى إِلى ذُروَةِ الدينِ الَّتي قَصُرَتْ      عَـنها  الأَكُفُّ وَعَنْ إِدراكِها القَدَمُ


الصفحة ( 277 )

مَـن  جَـدُّهُ دانَ فَـضلُ الأَنبِياءِ لَهُ      وَفَـضلُ أُمَّـتِهِ دانَـت لَـهُ الأُمَـمُ
مُـشتَقَّةٌ  مِـن رَسـولِ الـلَهِ نَبعَتُهُ      طـابتْ  مـغارسُهُ والـخيمُ والشِّيمُ
يَـنشَقُّ  ثَوبُ الدُجى عَن نورِ غُرَّتِهِ      كَـالشَمسِ تَنجابُ عَن إِشراقِها الظُلَمُ
مِـن  مَـعشَرٍ حُـبُّهُمْ دينٌ وَبُغضُهُمُ      كُـفرٌ  وَقُـربُهُمُ مـنجىً وَمُـعتَصَمُ
مُـقَـدَّمٌ بَـعدَ ذِكـرِ الـلَهِ ذِكـرُهُمُ      فـي  كُـلِّ بِـدءٍ وَمَـختومٌ بِهِ الكَلِمُ
إِنْ  عُـدَّ أَهـلُ الـتُّقى كانوا أَئمَّتَهُم      أَو قيلَ مَن شَيرُ أَهلِ الأَرضِ قيلَ هُمُ
لا يَـستَطيعُ جَـوادٌ بَـعدَ جـودِهِمُ      وَلا يُـدانـيهِمُ قَــومٌ وَإِنْ كَـرُموا
يُـستَدفَعُ  الـشَرُّ وَالـبَلوى بِـحُبِّهِمُ      وَيُـستَرَبُّ  بِـهِ الإِحـسانُ وَالـنِّعَمُ

قال : فغضب هشام , فحبسه بعسفان بين مكّة والمدينة , فقال :

أيحـبسُني بينَ المدينـةِ والتي     إليها قلوبُ النَّاسِ يهوي مُنيبُها

يُقلِّبُ رأساً لمْ يكـُنْ رأسَ سيّدٍ       وعيناً له حولاءَ بادٍ عُـيوبُها

فبعث إليه هشام فأخرجه , ووجّه إليه عليُّ بن الحسين (عليه السّلام) عشرة آلاف درهم , وقال : (( أعذِر يا أبا فراس , فلو كان عندنا في هذا الوقت أكثر من هذا , لوصلناك به )) . فردّها وقال : ما قلتُ ذلك إلاّ لله , وما كنتُ لأرزأ عليه شيئاً . فقال له علي (عليه السّلام) : (( قد رأى الله مكانك فشكرك , ولكنّا أهل بيتٍ إذا أنفذنا شيئاً ما نرجع فيه )) . فأقسم عليه , فقبلها .

هذه فضائل علي بن الحسين زين العابدين (عليه السّلام) ، وهذه صفاته وأحواله , فمثل هذا الإمام في عظم شأنه وجلالة قدره , يُصبح أسيراً تارة لعبيد الله بن زياد وابن مرجانة ، وتارة ليزيد بن معاوية , وهو إمام أهل البيت الطّاهر الذين أذهب الله عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيراً , والذي جعل الله ودّهم أجر الرسالة ؟!

ولمّا أرسله ابن زياد مع السّبايا إلى يزيد بالشّام , أمر به فغُلّ بغلٍّ إلى عُنقه حتّى اُدخل على يزيد بن معاوية بتلك الحال .


الصفحة ( 278 )

يـا  غَـيرَةَ اللَهِ اِغضَبي لِنَبِيِّهِ      وَتَزَحزَحي بِالبيضِ عَن أَغمادِها
مِن  عُصبَةٍ ضاعَت دِماءُ مُحَمَّدٍ      وَبَـنيهِ بَـينَ يَـزيدِها وَزِيادِها
صَـفَداتُ مـالِ اللَهِ مِلءُ أَكُفِّها      وَأَكُـفُّ  آلِ الـلَهِ في أَصفادِها

المجلس الثّامن والثّلاثون بعد المئتين

روي عن الصّادق (عليه السّلام) أنّه قال : (( كان علي بن الحسين (عليهما السّلام) إذا دخل شهر رمضان لا يضرب عبداً له ولا أمة , وكان إذا أذنبَ العبدُ والأمةُ يكتب عنده : أذنبَ فلان ، أذنبت فلانة يوم كذا وكذا , ولا يعاقبه حتّى إذا كان آخر ليلة من شهر رمضان دعاهم وجمعهم حوله , ثمّ أظهر الكتاب ، ثمّ قال : يا فلان ، فعلت كذا وكذا ولم اُؤدّبك ، أتذكر ذلك ؟ فيقول : بلى يابن رسول الله . حتّى يأتي على آخرهم ويُقررهم جميعاً , ثمّ يقوم وسطهم ، ويقول لهم : ارفعوا أصواتكم وقولوا : يا علي بن الحسين , إنّ ربك قد أحصى عليك كلَّما عملتَ كما أحصيتَ علينا كلّما عملنا ، ولديه كتابٌ ينطق عليك بالحقِّ لا يُغادر صغيرةً ولا كبيرة ممّا أتيت إلاّ أحصاها , كما لديك كتاب ينطق بالحقِّ علينا ، لا يُغادر صغيرة ولا كبيرة ممّا أتيناها إلاّ أحصاها , وتجد كلَّما عملت لديه حاضراً كما وجدنا كلّما عملنا لديك حاضراً .

 فاذكر يا علي بن الحسين , ذلَّ مقامِك بين يدي ربّك الحكم العدل ، الذي لا يظلمُ مثقالَ حبّةٍ من خردل ويأتي بها يوم القيامة ، وكفى بالله حسيباً وشهيداً . فاعفُ واصفح ، يعفُ عنك المليكُ ويصفح ؛ فإنّه يقول : ( وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلاَ تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ )(1) .

وهو يُنادي بذلك على نفسه ويُلقِّنهم وهم ينادون معه , وهو

ــــــــــــــــــــــــــ

 (1) سورة النّور / 22 .


 الصفحة ( 279 )

واقف بينهم يبكي وينوح , ويقول : ربِّ ، إنّك أمرتنا أنْ نعفو عمّن ظَلَمنا ، وقد ظلمنا أنفسَنا , فنحن قد عفونا عمّن ظلَمنا كما أمرتَ , فاعفُ عنّا فإنّك أولى بذلك منّا ومن المأمورين . وأمرتنا أنْ لا نردَّ سائلاً عن أبوابنا , وقد أتيناك سؤآلاً ومساكين , وقد أنخْنا بفنائك وببابك نطلب نائلك ومعروفك وعطاءك , فامنُنْ بذلك علينا ولا تُخيّبنا ؛ فإنّك أولى بذلك منّا ومن المأمورين .

إلهي ، كرمتَ فأكرمني إذ كنتُ من سؤآلك ، وجدتَ بالمعروف فاخلطني بأهل نوالك يا كريم .

ثمّ يُقبل عليهم ، ويقول : قد عفوت عنكم , فهل عفوتم عنّي ما كان منّي إليكم من سوء مَلكة ؛ فإنّي مليكُ سوءٍ ، لئيمٌ ظالمٌ ، مملوكٌ لملك كريمٍ ، جوادٍ عادلٍ ، مُحسنٍ مُتفضّل ؟ فيقولون : قد عفونا عنك يا سيّدنا , وما أسأت . فيقول (عليه السّلام) لهم : قولوا : اللهمّ , اعفُ عن علي بن الحسين كما عفا عنّا , فأعتقه من النّار كما أعتق رقابنا من الرّق . فيقولون ذلك ، فيقول (عليه السّلام) : اللهمّ ، آمينَ رب العالمين , اذهبوا فقد عفوت عنكم وأعتقتُ رقابكم ؛ رجاء للعفو عنّي وعتقِ رقبتي . فيعتقهم , فإذا كان يوم الفطر أجازهم بجوائز تصونهم وتُغنيهم عمّا في أيدي النّاس )) .

أمثل هذا الإمام الذي هذه صفاته ، وهذا ورعه وكرمه وخوفه وهو لم يهم بمعصية , وكان سيّد أهل زمانه في علمه وفضله ، وعبادته وزهده , يُحمل أسيراً مع عمّاته وأخواته ، ومَن تخلف من أهل بيته إلى الدّعي ابن الدّعي ، عبيد الله بن زياد وابن مرجانة بالكوفة , ويُحمل مغلولاً بغلٍّ من الكوفة إلى يزيد بن معاوية بالشّام ، ومعه عمّاته وأخواته ، حتّى اُدخل على يزيد مع عمّاته وأخواته وأهل بيته وهم مُقرَّنون في الحبال ، فلمّا وقفوا بين يديه وهم على تلك الحال ، قال له علي بن الحسين (عليه السّلام) : (( أنشدك الله يا يزيد ، ما ظنّك برسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، لو رآنا على هذه الصّفة ؟! )) . فلمْ يبقَ في القوم أحد إلاّ وبكى ، فأمر يزيد بالحبال فقُطعت ، وأمر بفكّ الغُلّ عن زين العابدين (عليه السّلام)


الصفحة ( 280 )

لَيسَ هَذا لِرَسـولِ اللَهِ يا      اُمَّةَ الطُغيانِ وَالبـَغيِ جَـزا

جَزَروا جَزرَ الأَضاحي نَسلَهُ      ثُمَّ ساقوا أَهلَهُ سَوقَ الإِما

 

المجلس التاسع والثّلاثون بعد المئتين

قال ابن الأثير في تاريخه ، قال الشّافعي : بلغني أنّ عبد الملك بن مروان قال للحجّاج : ما من أحد إلاّ وهو عارف بعيوب نفسه , فعب نفسك ولا تُخبّأ منها شيئاً . قال : يا أمير المؤمنين , أنا لجوجٌ حقود . فقال له عبد الملك : إذاً بينك وبين إبليس نسب . فقال : إنّ الشّيطان إذا رآني سالمني .

قال حبيب بن أبي ثابت : قال علي (عليه السّلام) [ لرجل ] : (( لا تموتَ حتّى تُدرك فتى ثقيف )) . قيل له : يا أمير المؤمنين , ما فتى ثقيف ؟ قال : (( ليُقالنَّ له يوم القيامة : أكفنا زاوية من زوايا جهنم . رجلٌ يملك عشرين أو بضعاً وعشرين سنة , لا يدع لله معصية إلاّ ارتكبها ، حتّى لو لم تبقَ إلاّ معصيةٌ واحدةٌ وبينه وبينها بابٌ مغلق لكسره حتّى يرتكبها , يقتل بمَن أطاعه مَن عصاه )) . وقيل : اُحصي مَن قتله الحجّاج صبراً بغير حرب , فكانوا مئة ألف وعشرين ألفاً .

قال عمر بن عبد العزيز : لو جاءت كلّ اُمّة بخبيثها ، وجئنا بالحجّاج لغلبناهم .

قال عاصم : سمعت الحجّاج يقول للناس : والله , لو أمرتكم أنْ تخرجوا من هذا الباب فخرجتم من هذا , حلّت لي دماؤكم , ولا أجد أحداً يقرأ على قراءة ابن مسعود ( وهو أحد القرّاء السّبعة من الصّحابة ) إلاّ ضربت عنقه , ولأحكّنّها من المصحف ولو بضلع خنزير .

وقال ابن أبي الحديد : كان أهل النّسك والصّلاح والدّين يتقربون إلى الحجّاج ببغض علي (عليه السّلام) ، وموالاة


 الصفحة ( 281 )

أعدائه , حتّى أنّ إنساناً وقف للحجّاج ، وصاح : أيّها الأمير , إنّ أهلي عقّوني فسمّوني عليّاً , وإنّي فقير بائسٌ ، وأنا إلى صلة الأمير مُحتاج . فتضاحك له الحجّاج ، وقال : لَلطف ما توسّلت به , قد ولّيتُك موضع كذا .

مثل الحجّاج كان ابن زياد ؛ فإنّه بعد أنْ أفنى آل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قتلاً يوم كربلاء , لم يرقّ قلبه لعلي بن الحسين (عليهما السّلام) ( كفيل نساء آل محمَّد (صلّى الله عليه وآله) وبناته ) حين اُدخلوا عليه بالكوفة حتّى أمر بقتله , فقال : يا غلمان , خذوه فاضربوا عنقه . فتعلّقت به عمّته زينب (عليها السّلام) , وذلك حين عُرض عليه علي بن الحسين (عليهما السّلام) , فقال : مَن أنت ؟ فقال : (( عليُّ بن الحسين )) . فقال : أليس قد قتل الله عليَّ بن الحسين ؟ فقال له عليٌّ (عليه السّلام) : (( قد كان لي أخٌ يُسمّى عليّاً , قتله النّاس )) . قال : بل الله قتله . فقال علي بن الحسين (عليه السّلام) : (( اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا(1) )) .

فغضب ابن زياد ، وقال : وبك جرأة لجوابي , وفيك بقيّة للردِّ عليَّ ! اذهبوا به فاضربوا عنقه . فتعلّقت به عمّته زينب , وقالت : يابن زياد , حسبُك من دمائنا . واعتنقته ، وقالت : لا والله لا اُفارقه ، فإنْ قتلته فاقتلني معه . فنظر ابن زياد إليها وإليه ساعة ، ثمّ قال : عجباً للرحم ! والله ، إنّي لأظنُّها ودّت أنْ قتلتُها معه ، دعوه فإنّي أراه لمَا به ( أي : إنّه شديد المرض ) .

وفي رواية : أنّ علي بن الحسين (عليه السّلام) قال لعمّته : (( اسكتي يا عمّة حتّى اُكلّمه )) . ثمّ أقبل عليه ، فقال : (( أبالقتل تُهدّدُني يابن زياد ؟! أمَا علمت أنّ القتل لنا عادة ، وكرامتَنا الشّهادة ؟ )) .

أآلَ رسـولِ اللهِ لابـنـي سُـميّةٍ      وهـندٍ  على الأقتاب تُسبَى وتُؤسرُ
ولا مـنْ رجـالِ الـمُسلمينَ مُغيرٌ      لـشـيءٍ ولا فـيـهـمْ لذلكَ مُنْكِرُ
فـمـالتْ  عـلـى أبنائهِ الغُرِّ اُمّة      تُـصلِّي  لدَى ذكرِ اسمهِ حينَ يُذكرُ
أهُـمْ يا لقَومي في الورَى خيرُ اُمّةٍ      وقـد قتلوا ابنَ المُصطفَى وتجبَّروا
أذلــكَ  أجـرُ المُصطفَى وجزاؤهُ      على الفعلِ منكُمْ حينَ يُجزَى ويُؤجرُ

ـــــــــــــــــــــ

(1) سورة الزُّمر / 42 .


الصفحة ( 282 )

 

المجلس الأربعون بعد المئتين

كان سعيد بن جُبير من خيار التّابعين الموالين لأهل البيت (عليهم السّلام) , وكان يأتمّ بعليِّ بن الحسين زين العابدين (عليه السّلام) , وكان علي بن الحسين (عليه السّلام) يُثنى عليه ؛ ولأجل ذلك قتله الحجّاج .

قال ابن قتيبة في الإمامة والسّياسة وغيره : أرسل عبد الملك بن مروان خالد بن عبد الله القسري والياً على مكّة , وكتب معه : قد برئت الذمّة من رجل آوى سعيد بن جُبير . وحلف خالدٌ : لا يجده في دار أحد إلاّ قتله وهدم داره ودور جيرانه . فأخبره رجل : أنّه مختفٍ في وادٍ من أودية مكّة ، فأرسل في طلبه , فقال له الرسول : إنّما اُمرت بأخذك , وأتيت لأذهب بك إليه , وأعوذ بالله من ذلك , فالحقْ بأي بلدٍ شئت وأنا معك . قال : يُؤخذ أهلُك وولدك . قال : فإنّي أكلهم إلى الله . قال سعيد : لا يكون هذا . فأتى به إلى خالد , فشدّه وثاقاً وأرسله إلى الحجّاج , فقيل له : إنّ الحجّاج كان قد شعر به فأعرض عنه , فلو تركته لكان أزكى من كلِّ عمل . فقال : والله , لو علمت أنّ عبد الملك لا يرضى عنّي إلاّ بنقض الكعبة حجراً حجراً , لنقضتُها .

فلمّا قدم على الحجّاج , قال : ما اسمك ؟ قال : سعيد . قال : ابنُ مَن ؟ قال : ابنُ جبير . قال : بل أنت شقيُّ بن كسير . قال : اُمّي أعلم باسمي . قال : شُقيتَ وشُقيت اُمّك . قال : الغيب يعلمه غيرُك . قال : لأوردنّك حياض الموت . قال : أصابت إذاً اُمّي اسمي . قال : لأبدلنّك بالدُّنيا ناراً تلظّى . قال : لو أعلم أنّ ذلك بيدك لاتخذتُك إلهاً . قال : فما قولك في محمَّد ؟ قال : نبيُّ الرّحمة . قال : فما قولك في الخلفاء ؟ قال : لستُ عليهم بوكيل . قال : أيّهم أعجب أليك ؟ قال : أرضاهم لخالقه . قال : فأيّهم أرضاهم لخالقه ؟ قال : علمُ ذلك عند مَن يعلم سرَّهم ونجواهم . قال : فما قولك في عليٍّ , أفي الجنة


 الصفحة ( 283 )

هو أم في النّار ؟ قال : لو دخلتُ الجنَّة فرأيتُ أهلَها علمتُ مَن فيها , ولو دخلتُ النّار فرأيتُ أهلَها علمتُ مَن فيها . قال : فأيّ رجل أنا يوم القيامة ؟ قال : أنا أهون على الله من أنْ يُطلعني على الغيب . قال : أبيت أنْ تصدقني ؟ قال : بل لم أرد أنْ اُكذبك . قال : مالك لم تضحك قط ؟ قال : كيف يضحكُ مخلوق من طين , والطّين تأكله النّار ومنقلبه إلى الجزاء , ويُصبح ويُمسي في الابتلاء ؟! قال : فأنا أضحك . قال : كذلك خلَقَنا الله أطواراً . قال : هل رأيت اللّهو ؟ قال : لا أعلمه .

فدعا الحجّاج بالعود والنّاي , فلمّا ضرب بالعود ونفخ في النّاي بكى سعيد , قال الحجّاج : ما يُبكيك ؟ قال : أمّا هذه النّفخة فذكّرتني يوم النّفخ في الصّور ؛ وأمّا هذا العود فنبَتَ بحقٍّ وقُطع لغير حقٍّ . قال : أنا قاتلك . قال : قد فرغ مَنْ تسبب [ في ] موتي . قال : أنا أحبُّ إلى الله منك ؟ قال : لا يقدم أحدٌ على ربّه حتّى يعرف منزلته منه . قال : كيف لا ، وأنا مع إمام الجماعة , وأنت مع إمام الفرقة والفتنة ؟ قال : ما أنا بخارجٍ عن الجماعة ولا راضٍ بالفتنة . قال : كيف ترى ما نجمع لإمير المؤمنين ؟ قال : لم أره .

فدعا بالذهب والفضة ، والكسوة والجوهر فوُضع بين يديه , قال : هذا حَسَنٌ إنْ قُمت بشرطه . قال : ما شرطه ؟ قال : أنْ تشتري له [ بما تجمع ] الأمن من الفزع الأكبر يوم القيامة ، ولا ينفعه إلاّ ما طاب منه . قال : أترى جمعنا طيّباً ؟ قال : برأيك جمعتَه وأنت أعلم بطيّبه . قال : أتحبُّ أنّ لك شيئاً منه ؟ قال : لا أحبُّ ما لا يُحبّ الله . قال : ويلك ! قال : الويل لمَنْ زُحزج عن الجنّة فاُدخل النّار .

قال : اذهبوا به فاقتلوه . قال : إنّي أشهدك أنْ لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له , وأنّ محمَّداً عبده ورسوله . فلمّا أدبر ضحك , قال الحجّاج : ما يضحكك ؟ قال : عجبت من جرأتك على الله , وحلم الله عليك . قال : اضربوا عنقه . قال : حتّى اُصلي ركعتين .

فاستقبل القبلة وهو يقول : ( إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ )(1) . قال : اصرفوه عن القبلة إلى قبلة النّصارى الذين تفرّقوا ؛ فإنّه من

ــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الأنعام / 79 .


الصفحة ( 284 )

حزبهم . فصُرف عن القبلة , فقال : ( فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ )(1) . ثمّ قال : اللهمّ ، لا تترك له ظلمي واطلبه بدمي , واجعلني آخر قتيل يقتله من اُمّة محمَّد (صلّى الله عليه وآله) . فضُربت عنقه .

وكم من قتيل وشهيد ، وسجين وشريد على أيدي بني اُميّة وأتباعهم أمثال سعيد بن جُبير ، لم يكن لهم ذنب إلاّ حب أهل بيت نبيِّهم (صلّى الله عليه وآله) , وليس ذلك بعجيب من قوم حاربوا الإسلام بما استطاعوا , فكانت في أيديهم رايات الكفّار مقابل راية رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في جميع المواقف , فلمّا ظهر أمر الله وهم كارهون , دخلوا في الإسلام كُرهاً وأسرّوا النّفاق , فلمّا أمكنتهم الفرصة , وثبوا على أهل بيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وعلى كلِّ مَن أحبّهم ووالاهم , فأوسعوهم قتلاً وحبساً وتشريداً : ( يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ )(2) .

 فوثبوا على ابن عمِّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ووصيه وخليفته في اُمّته , ونازعوه حقّه ، وبغوه الغوائل ، وجرّعوه الغُصص , وسفكوا دماء المسلمين حتّى قُتل صلوات الله عليه بسيف ابن ملجم مظلوماً مقهوراً , ووثبوا على ابنه من بعده وريحانة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الحسن بن علي (عليه السّلام) حتّى اضطرّوه ـ بفسادهم وبغيهم ـ إلى ترك حقِّه , وقتلوه شهيداً بالسُّمِّ ، وجيّشوا الجيوش على أخيه الحسين بن علي (عليه السّلام) أحد ريحانتي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وسبطيه , فأخرجوه عن حرم جدّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وعن حرم الله , وقتلوه بأرض كربلاء غريباً ظامياً ، وحيداً صابراً مُحتسباً ، كلّ هذا وهم يدّعون أنّهم على دين الإسلام !

أفتدَّعي الإسلامَ قومٌ حاربتْ     آلَ النَّبيِّ ولـمْ تُـراعِ وصاتا

* * *

ضَرَبوا بِسَيفِ مُحَمَّدٍ أَبناءَهُ      ضَربَ الغَرائِبِ عُدنَ بَعدَ ذِيادِها

ــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة البقرة / 115 .

(2) سورة التّوبة / 32 .


الصفحة ( 285 )

 

المجلس الواحد والأربعون بعد المئتين

في منتخب الطّريحي : حُكي عن الشّعبي الحافظ لكتاب الله تعالى , أنّه قال : استدعاني الحجّاج في يوم عيد الأضحى , فقال لي : أي يوم هذا ؟ فقلت : هذا يوم الاُضحية . قال : بِمَ يتقرّب النّاس في مثل هذا اليوم ؟ فقلتُ : بالاُضحية والصّدقة، وأفعال البرِّ والتّقوى . فقال لي : اعلم أنّي قد عزمت أنْ اُضحِّي برجلٍ حُسيني !

قال الشّعبي : فبينما هو يخاطبني إذ سمعت من خلفي صوت سلسلة وحديد , فخشيت أنْ ألتفت فيستخفّني , وإذا قد مثل بين يديه رجلٌ علوي وفي عنقه سلسلة ، وفي رجليه قيد من حديد , فقال له الحجّاج : ألست فلان بن فلان العلوي ؟ فقال : نعم , أنا ذلك الرجل . فقال له : أنت القائل إنّ الحسن والحسين من ذرّيّة رسول الله ؟ قال : ما قلتُ ولا أقول , ولكني أقول إنّ الحسن والحسين ولدا رسول الله على رغم أنفك يا حجّاج .

قال : وكان متّكئاً فاستوى جالساً ، وقد اشتدّ غيظه وغضبه ، وانتفخت أوداجه ، ثمّ قال للرجل : يا ويلك ! إنْ لم تأتني بدليل من القرآن يدلّ على ذلك قتلتُك شرَّ قتلة , وإنْ أتيتني بما يدلّ على ذلك , أعطيتك هذه البدرة التي بيدي وخلّيت سبيلك .

قال الشّعبي : وكنت حافظاً كتاب الله كلَّه ، فلم يخطر على بالي آية تدلُّ على ذلك , فحزنت وقلتُ في نفسي : يعزُّ عليّ والله , ذهاب هذا الرجل العلوي . قال : فابتدأ الرجل يقرأ الآية , فقال : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . فقطع عليه الحجّاج قراءته , وقال : لعلّك تُريد أنْ تحتجَّ عليَّ بآية المباهلة ، وهي قوله تعالى : ( فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ )(1) ؟ فقال العلوي : هي والله حُجّة مؤكّدة معتمدة , ولكنِّي آتيك

ــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة آل عمران / 61 .


الصفحة ( 286 )

بغيرها . ثمّ ابتدأ يقرأ : ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى )(1) . وسكت , فقال له الحجّاج : فلِمَ لا قُلت وعيسى ، أنسيت عيسى ؟ فقال : نعم صدقت يا حجّاج , فبأي شيء دخل عيسى في صلب نوح وليس له أب ؟ فقال له الحجّاج : إنّه دخل في صلبه من حيث اُمّه . فقال العلوي : وكذلك الحسن والحسين دخلا في صلب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من حيث اُمّهما فاطمة الزهراء (عليها السّلام).

قال : فبقي الحجّاج ساكتاً كأنّما اُلقم حجراً , ثمّ قال له الحجّاج : ما الدليل على أنّ الحسن والحسين إمامان ؟ فقال العلوي : يا حجّاج , لقد ثبتت لهما الإمامة بشهادة النّبي (صلّى الله عليه وآله) في حقِّهما ؛ لأنّه قال في حقِّهما : (( ولداي هذان إمامان فاضلان إنْ قاما وإنْ قعدا , تميل عليهما الأعداء فيسفكون دمهما ، ويسبون حرمهما )) . ولقد شهد النّبيُّ (صلّى الله عليه وآله) لهما بالإمامة أيضاً ، حيث قال : (( ابني هذا ـ يعني الحسين (عليه السّلام) ـ إمام ابن إمام ، أخو إمام ، أبو أئمَّةٍ تسعة )) .

فقال الحجّاج : يا علوي , كم عمر الحسين في دار الدُّنيا ؟ فقال : ستٌّ وخمسون سنة . فقال له : وفي أي يوم قُتل ؟ قال : يوم العاشر من شهر عاشوراء بين الظّهر والعصر . فقال له : ومَن قتله ؟ فقال : لقد جنَّد الجنود ابن زياد بأمر يزيد , فلمّا اصطفّت العساكر لقتاله , قتلوا حُماته وأنصاره وأطفاله ، وبقي فريداً وحيداً يستغيث فلا يُغاث ، ويستجير فلا يُجار , يطلب جرعة من الماء ليُطفي بها حرَّ الظّمأ , فبينما هو واقف إذ جاء سنان فطعنه بسنانه ، ورماه خولي بسهم فوقع في لبّته وسقط عن ظهر الجواد إلى الأرض يخور في دمه ، فجاءه شمر فاحتزَّ رأسه بحسامه ورفعه فوق قناته .

فقال الحجّاج : خُذ هذه البدرة , لا بارك الله لك فيها . فأخذها العلوي وهو يقول : هذا من عطاء الله لا من عطائك يا حجّاج . ثمّ إنّ العلوي بكي وجعل يقول :

ــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الأنعام / 84 ـ 85 .


الصفحة ( 287 )

صَّـلى  الإلهُ ومَنْ يحفُّ بعرشِهِ      والـطّيّبونَ  على النَّبيِّ النّاصحِ
وعـلـى قرابتِهِ الذينِ تهضَّموا      بـالـنَّـائباتِ وكلِّ خطبٍ فادحِ
طلبوا الحقوقَ فاُبعدُوا عنْ دارِهمْ      وعـوى  عـليهمْ كلُّ كلبٍ نابحِ

 

المجلس الثاني والأربعون بعد المئتين

كان زيد بن علي بن الحسين (عليهم السّلام) عين أخوته بعد أخيه أبي جعفر الباقر (عليه السّلام) وأفضلهم , وكان عابداً ورعاً فقيهاً ، سخياً شجاعاً , وظهر بالسّيف يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويطلب بثارات الحسين (عليه السّلام) .

 وكان سبب خروجه ، مُضافاً إلى طلبه بدم الحسين (عليه السّلام) ، أنّه دخل على هشام بن عبد الملك وقد جمع له هشام أهل الشّام , وأمر أنْ يتضايقوا في المجلس حتّى لا يتمكّن من الوصول إلى قربه , فقال له زيد : إنّه ليس من عباد الله أحد فوق أنْ يُوصى بتقوى الله , ولا من عباده أحد دون أنْ يوصي بتقوى الله , وأنا اُوصيك بتقوى الله فاتّقه . فقال له هشام : ما فعل أخوك البقرة ؟ فقال : سمّاه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) باقر العلم وأنت تُسمِّيه بقرة ! لشدَّ ما اختلفتما في الدُّنيا ، ولتختلفان في الآخرة .

 فقال له هشام : أنت المُؤهِّل نفسك للخلافة ، الراجي لها ؟ وما أنت وذاك لا اُمَّ لك ؟! وإنّما أنت ابن أمة . فقال له يزيد : إنّي لا أعلم أحداً أعظم منزلة عند الله من نبيٍّ بعثه وهو ابن أمة , فلو كان ذلك يقصر عن مُنتهى غايةٍ لم يُبعث , وهو إسماعيل بن إبراهيم (عليهما السّلام) , فالنّبوة أعظم منزلة عند الله أم الخلافة يا هشام ؟ وبعد : فما يقصر برجل أبوه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وهو ابن عليٍّ بن أبي طالب (عليه السّلام) ؟

 فوثب هشام من مجلسه ودعا قهرمانه , وقال : لا يبيتنَّ


الصفحة ( 288 )

هذا في عسكري . فخرج زيد وهو يقول : إنّه لم يكره قومٌ قطّ حدَّ السّيوف إلاّ ذلّوا . فحُملت كلمتُه إلى هشام فعرف أنّه يخرج عليه , فأرسل معه مَن يُخرجه على طريق الحجاز ، ولا يدعه يخرج على طريق العراق .

 فلمّا رجع عنه المُوكّلون به ـ بعد أنْ أوصلوه إلى طريق الحجاز ـ رجع إلى العراق حتّى أتى الكوفة , وأقبلت الشّيعة تختلف إليه وهم يُبايعونه حتّى أحصى ديوانه خمسة عشر ألف رجل من أهل الكوفة , سوى أهل المدائن والبصرة ، وواسط والموصل ، وخراسان والرّي ، وجرجان والجزيرة ، فحاربه يوسف بن عمر الثقفي , فلمّا قامت الحرب , انهزم أصحاب زيد وبقي في جماعة يسيرة , فقاتلهم أشد القتال ، وهو يقول متمثّلاً :

فـذلُّ الحياةِ وعزُّ المماتِ     وكُـلاّ ً أراهُ طـَعامـاً وبـِيلا

فإنْ كانَ لا بُدَّ مـنْ واحدٍ     فَسيرِي إلى الموتِ سَيْراً جمِيلا

وحال المساء بين الصفّين , وانصرف زيد وهو مُثخنٌ بالجراح وقد أصابه سهمٌ في جبهته ، وطلبوا مَن ينزع السّهم , فاُتي بحجّام فاستكتموه أمره ، فأخرج النّصل فمات من ساعته , فدفنوه في ساقية ماء ، وجعلوا على قبره التّراب والحشيش ، واُجري الماء على ذلك .

 وحضر الحجّام ـ وقيل : عبدٌ سنديٌّ ـ مواراته فعرف الموضع , فلمّا أصبح مضى إلى يوسف فدلّه على موضع قبره ، فاستخرجه يوسف بن عمر وبعث برأسه إلى هشام ، وبعثه هشام إلى المدينة فنُصب عند قبر النّبيِّ (صلّى الله عليه وآله) يوماً وليلة . ولمّا قُتل بلغ ذلك من الصّادق (عليه السّلام) كلَّ مبلغٍ ، وحزن عليه حُزناً عظيماً , وفرّق من ماله في عيال مَن اُصيب معه من أصحابه ألف دينار .

 وكتب هشام إلى يوسف بن عمر : أنْ اصلبه عريانَ . فصلبه في الكُناسة ، فنسجت العنكبوت على عورته من يومه , ومكث أربع سنين مصلوباً حتّى مضى هشام وبُويع


الصفحة ( 289 )

الوليد بن يزيد , فكتب الوليد إلى يوسف بن عمر : أمّا بعد ، فإذا أتاك كتابي فاعمد إلى عجل أهل العراق , فأحرقه ثمّ انسفه في اليمِّ نسفاً . فأنزله وأحرقه ثمّ ذرّاه في الهواء .

وكما خُذل زيد بن علي ونُكثت بيعته , خُذل جدّه أمير المؤمنين (عليه السّلام) من قبله حتّى ألجأوه إلى قبول الحكومة يوم صفّين , ثمّ قتلوه وهو يُصلّي في محرابه , ثمّ خذلوا ولده الحسن (عليه السّلام) وراسلوا عدوَّه فاضطرّ إلى الصُّلح ؛ خوفاً على دمه ودماء شيعته , ثمّ كاتبوا ولده الحسين (عليه السّلام) ، فأرسل إليهم ابن عمّه مسلم بن عقيل , فبايعه منهم ثمانية عشر ألفاً أو أكثر , ثمّ خذلوا مسلماً وأمكنوا منه ابن زياد , فأخذه أسيراً وقتله .

ولمّا جاءهم الحسين (عليه السّلام) , خذلوه وتألّب منهم ثلاثون ألفاً لقتاله مع عمر بن سعد حتّى قتلوه , ومِن شرب الماء منعوه ، وسبوا نساءه , وداروا برأسه ورؤوس أهل بيته وأصحابه في البلدان .

إذا ما سَقَى اللهُ البلادَ فلا سَقَى      معاهدَ كوفانٍ بنوِّ المرازمِ

أتتْ كتبهُمْ في طيِّهنَّ كتائـبٌ       وما رُقِّمتْ إلاّ بسُمِّ الأراقمِ

 

المجلس الثالث والأربعون بعد المئتين

روى المسعودي في مروج الذهب : أنّه لمّا قُتل مروان بن محمَّد بن مروان بن الحكم المُلقّب بالحمار وبالجعدي ، حُملت بناته والأسارى إلى


الصفحة ( 290 )

صالح بن علي بن عبد الله بن العبّاس ـ وهو عمُّ السّفّاح ـ فلمّا دخلن عليه , تكلّمت ابنة مروان الكبرى , فقالت : يا عمَّ أمير المؤمنين , حفظ الله لك الدُّنيا والآخرة , نحن بناتك وبناتُ أخيك فليسعنا من عدلكم ما وسعكم منْ جَورنا .

 قال : إذاً لا نستبقي منكم أحداً رجلاً ولا امرأة ؛ ألم يقتل أبوك بالأمس ابن أخي إبراهيم بن محمَّد بن علي بن عبد الله بن العبّاس الإمام في محبسه بحرّان ؟ ألم يقتل هشام بن عبد الملك زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، وصلبه في كُناسة الكوفة , وقتل امرأة زيدٍ بالحيرة على يدي يوسف بن عمر الثقفي ؟ ألم يقتل الوليد بن يزيد يحيى بن زيد وصلبه بخراسان ؟ ألم يقتل عبيد الله بن زياد الدَّعيُّ مسلم بن عقيل بن أبي طالب بالكوفة ؟ ألم يقتل يزيد بن معاوية الحسين بن علي على يدي عمر بن سعد مع مَن قُتل بين يديه من أهل بيته ؟ ألم يخرج بحرم رسول الله سبايا حتّى ورد بهم على يزيد بن معاوية , وبعث برأس الحسين بن علي على رأس رمح يُطاف به كور الشّام ومدائنها حتّى قدموا به على يزيد بدمشق , كأنّما بعث إليه برأس رجل من أهل الشّرك , ثمّ أوقف حرم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) موقف السّبي يتصفّحهنَّ جنود أهل الشّام الجفاة الطّغام , ويطلبون منه أنْ يهب لهم حرم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ؛ استخفافاً بحقِّه (صلّى الله عليه وآله) , وجرأة على الله عزّ وجل وكفراً لأنعمه ؟ فما الذي استبقيتم منّا أهل البيت أو عدلتم فيه علينا ؟!

قالت : يا عمَّ أمير المؤمنين , فليسعنا عفوكم إذاً . قال : أمّا العفو فنعم . قالت : تُلحقنا بحرّان . فألحقهنَّ بحرّان , فعلت أصواتُهنَّ عند دخولهنَّ بالبكاء على مروان , وشققن جيوبهنَّ وأعولن بالصّياح والنّحيب .

 وشتّان بين دخولهنَّ حرّان ـ ولم يفعل بنو العبّاس ببني اُميّة إلاّ بعض ما يستحقّونه ـ وبين دخول بنات رسول الله (صلّى الله عليه وآله) المدينة بعد الرجوع من الشّام ! وأين ما جرى على بنات مروان جزاءً لأعمال بني اُميّة , ممّا جرى على بنات


الصفحة ( 291 )

رسول الله (صلّى الله عليه وآله) جزاءً ليوم بدر ؟! وأين حزن بنات مروان من حزن الهاشميّات وعقائل بيت النّبوّة على الحسين (عليه السّلام) ؟!

 قال الصّادق (عليه السّلام) : (( ما اكتحلت هاشميّةٌ ولا اختضبت ، ولا رُؤي في دار هاشميٍّ دخانٌ خمس سنين حتّى قُتل عبيد الله بن زياد )) . وقالت فاطمة بنت أمير المؤمنين على أبيها وعليها السّلام : ما تحنّأت امرأة منّا ، ولا أجالت في عينيها مروداً ، ولا امتشطت حتّى بعث المختار برأس عبيد الله بن زياد .

بَني أُمَيَّةَ ما الأَسيافُ نائِمَةً     عَن شاهِرٍ في أَقاصي الأَرضِ مَوتورِ

تُسبى بَناتُ رَسولِ اللَهِ بَينَهُمُ      وَالدّينُ غَضُّ المَبادي غَيرُ مَستورِ

 

المجلس الرابع والأربعون بعد المئتين

لمّا كان زمن مروان بن محمَّد المُلقّب بالحمار ، آخر ملوك بني اُميّة , اجتمع بنو هاشم بالمدينة وبايعوا محمَّد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليهم السّلام) , وفيهم السّفّاح والمنصور , ولم يبايعه جعفر بن محمَّد الصّادق (عليه السّلام) , فنسبه عبد الله بن الحسن إلى الحسد ، فقال الصّادق (عليه السّلام) : (( والله ، ما ذلك يحملني )) . وأخبرهم أنّ الخلافة تصير إلى السّفّاح وإخوته وأبنائهم , وأخبرهم أنّ محمَّداً وإبراهيم ابني عبد الله بن الحسن مقتولان , وقال : (( إنّ صاحب الرّداء الأصفر ـ وهو المنصور ـ يقتل محمَّداً )) .

فلمّا أفضى الأمر إلى المنصور بعد أخيه السّفّاح , كان يخاف من محمَّد وإبراهيم ابني عبد الله بن الحسن ؛ لأنّه بايع محمَّداً , فحجّ المنصور وقال لعبد الله بن الحسن : أين ابنك محمَّد ؟ قال : لا أدري . قال : لَتأتينَّ به . قال : لو كان تحت قدمي


الصفحة ( 292 )

ما رفعتهما عنه . فحبسه بالمدينة سنتين , وولّى المدينة رجلاً يُقال له رياح , وأمره أنْ يقبض على بني حسن ويحبسهم , وكان عدوّاً لأهل البيت (عليهم السّلام) شرّيراً فحاشاً ؛ ولذلك ولاّه المنصور المدينة . فحبس منهم اثني عشر رجلاً غير عبد الله , فيهم صبي صغير ، وفيهم رجل عابد اسمه علي بن حسن جاء إلى رياح وطلب منه أنْ يحبسه معهم , فقيَّدهم وحبسهم ، وحبس معهم محمَّد بن عبد الله ـ من ولد عثمان ـ وكان أخاهم لاُمِّهم ( وهي : فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السّلام) ) ، وولدان له .

 ثمّ إنّ المنصور حجَّ وأمر بحملهم إلى العراق ، فحُملوا مكبَّلين مغلولين , فلمّا اُخرجوا وقف الصّادق (عليه السّلام) وراء ستر رقيق , فلمّا نظر إليهم , هملت عيناه حتّى جرى دمعه على لحيته , وقال : (( والله , لا يحفظ لله حرمة بعد هؤلاء )) .

أقول : ما أدري ما كان يجري على مولانا الإمام جعفر بن محمَّد الصّادق (عليه السّلام) , لو نظر إلى جدِّه عليِّ بن الحسين (عليه السّلام) حين أمر به ابن زياد أنْ يُغلَّ بغلٍّ في عُنقه ؟ وفي رواية : في يديه ورقبته . وحمله مع عمّاته وأخواته ومَن تخلف من أهل بيته إلى يزيد في الشّام , وفيهم الحسن بن الحسن المثنى ، وأخواه زيد وعمر أبناء الحسن السّبط . وكان الحسن بن الحسن قد واسى عمّه في الصّبر على ضرب السّيوف وطعن الرماح , وكان قد نُقل من المعركة وقد اُثخن بالجراح وبه رمق فبرئ .

وساروا بهم كما يُسار بسبايا الروم حتّى اُدخلوهم على يزيد بالشّام وهم مُقرَّنون في الحبال ، وزين العابدين (عليه السّلام) مغلول ، فلمّا وقفوا بين يديه وهم على تلك الحال ، قال له علي بن الحسين (عليه السّلام) : (( أنشدك الله يا يزيد ، ما ظنّك برسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، لو رآنا على هذه الصّفة ؟! )) . فلمْ يبقَ في القوم أحد إلاّ وبكى ، فأمر يزيد بالحبال فقُطعت ، وأمر بفكّ الغُلّ عن زين العابدين (عليه السّلام) .

فلهفي لآلِ اللهِ أسرَى حواسراً       سبايا على الأكْوارِ سَبيَ الدَّيالمِ

ومِـنْ بلدٍ تُسبَى إلى شـرِّ بلدةٍ      ومِـنْ ظالمٍ تُهدَى إلى شرِّ ظالمِ

المجلس الخامس والأربعون بعد المئتين

لمّا أمر المنصور بحمل بني الحسن إلى العراق , حملهم رياح ـ عامل المدينة ـ إلى الرّبذة , مكبّلين مغلولين عليهم المسوح , فخرج المنصور راكباً بغلة شقراء ومعه وزيره الربيع , فناداه عبد الله بن الحسن : يا أبا جعفر , ما هكذا فعلنا بأسراكم يوم بدر . فقال له المنصور : اخسأ . ولم يعرج عليه .

 ثمّ إنّ المنصور حبسهم بالعراق في مكان يُقال له قصر ابن هبيرة ـ شرقي الكوفة ـ ، وكانوا لا يعرفون الليل من النّهار , ولا يعرفون أوقات الصّلاة إلاّ بأحزابٍ من القرآن يقرأها بعضهم , وإذا مات منهم أحد تُرك في مكانه . فلمّا خرج عليه محمَّد بن عبد الله بن الحسن , أمر بهدم الحبس عليهم , ولمّا اُدخل عليه محمَّد بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن ، وكان يُسمى الديباج لجماله ، نظر إليه المنصور , فقال له : أنت الديباج الأصغر ؟ قال : نعم . قال : أما والله ، لأقتلنّك قتلةً ما قتلتها أحداً من أهل بيتك . فأمر أنْ تُبنى عليه إسطوانة وهو حي .

وكان معهم رجل من ولد عثمان ـ وهو أخو عبد الله بن الحسن لاُمّه ؛ اُمّهما جميعاً فاطمة بنت الحسين بن علي (عليهما السّلام) ـ فلمّا اُدخل على المنصور , وعليه قميص وإزار رقيق تحت القميص , جرى بينهما كلام لا يليق ذكره , فغضب عليه المنصور وأمر بشقِّ ثيابه , فشُقَّ قميصه عن إزاره فأشف عن عورته(1) , ثمّ أمر به فضُرب مئتين وخمسين سوطاً , وهو في أثناء الضّرب يفتري عليه ويشتمه , فأصاب سوط منها وجهه ، فقال : ويحك ! اكفف عن وجهي ؛ فإنّ له حرمة برسول الله (صلّى الله عليه وآله) . فأغرى المنصور به الجلاّد , فقال : الرأس الرأس . فضرب على رأسه نحو من ثلاثين

ــــــــــــــــــــــــ

(1) هكذا وردت العبارة في المصدر الأساس ، ولعلها ( فكُشفت عورته ) . ( موقع معهد الإمامَين الحسنَين )


الصفحة ( 294 )

سوطاً , فأصاب سوط منها إحدى عينيه فسالت , ثمّ اُخرج كأنّه زنجيٌّ ، قد غيّرت السّياط لونه وأسالت دمه , فقام مولى له وألقى عليه رداءه وأجلسه إلى جانب أخيه لاُمّه عبد الله بن الحسن , فعطش ممّا ناله فطلب ماء , فقال أخوه عبد الله : يا معشر المسلمين , مَن يسقي ابن رسول الله ؟ فتحاماه النّاس , فما سقوه حتّى جاء خراساني بماء فسقاه .

 الله أكبر ! أما كان يوجد يوم كربلاء رجل مثل عبد الله بن الحسن فيُنادي : يا معشر المسلمين , مَن يسقي إمامه وابنَ بنت نبيه ، وابن رسول الله الماء ؟! وما كان يوجد رجل مثل هذا الخراساني فتأخذه الغيرة من أبي عبد الله الحسين (عليه السّلام) , فيأتي له بالماء ؟! بلى والله , لقد كثر طلب الماء يوم عاشوراء من أهل الكوفة للحسين (عليه السّلام) وعياله وأطفاله , فما رقّت قلوبهم . فممّن طلبه منهم برير بن خضير الهمداني ، فقالوا له : قد أكثرت الكلام يا برير , فوالله ، ليعطش الحسين كما عطش مَن كان قبله .

 وقد طلب منهم الحسين (عليه السّلام) الماء مراراً عديدة , وهم يقولون : والله , لا تذوق الماء حتّى تذوق الموت عطشاً . وآخر مرّة طلب فيها الماء وهو يجود بنفسه , فقال له قائل : والله , لا تذوق الماء حتّى ترد الحامية فتشرب من حميمها . فقال له : (( أنا أرد الحامية فأشرب من حميمها ؟! لا والله , بل أردُ على جدِّي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) , وأسكن معه في داره في مقعد صدقٍ عند مليكٍ مُقتدر , وأشرب من ماء غيرِ آسن , وأشكو إليه ما ارتكبتُم منّي وفعلتم بي )) .

فعزَّ أنْ تتلظَّى بينَهُمْ عَطشاً      والماءُ يصدرُ عنهُ الوحشُ ريَّانا

 

المجلس السادس والأربعون بعد المئتين

روى الشّريف المرتضى رضي الله عنه في الغُرر والدُّرر , قال : قدم


الصفحة ( 295 )

على الرشيد رجل من الأنصار يُقال له نفيع , فحضر باب الرشيد يوماً ومعه عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز , وحضر موسى بن جعفر (عليهما السّلام) على حمار له , فتلقّاه الحاجب بالبشر والإكرام ، وأعظمه مَن كان هناك وعجّل له الإذن , فقال نفيع لعبد العزيز : مَن هذا الشّيخ ؟ قال : أو ما تعرفه ؟! قال : لا . قال : هذا شيخ آل أبي طالب ؛ هذا موسى بن جعفر . فقال نفيع : ما رأيت أعجز من هؤلاء القوم ( يعني : بني العبّاس ) , يفعلون هذا برجلٍ يقدر أنْ يُزيلهم عن السّرير , أما إنْ خرج لأسوأنّه . فقال له عبد العزيز : لا تفعل ؛ فإنّ هؤلاء أهل بيت قلّ ما تعرض لهم أحد في خطاب إلاّ وسموه في الجواب سمةً يبقى عارها عليه مدى الدهر .

قال : وخرج موسى بن جعفر (عليه السّلام) ، فقام إليه نفيع الأنصاري فأخذ بلجام حماره ، ثم قال له : مَن أنت ؟ فقال : (( يا هذا , إنْ كُنتَ تُريد النّسب , فأنا ابن محمَّد حبيب الله بن إسماعيل ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله ، وإنْ كُنتَ تُريد البلد , فهو الذي فرض الله على المسلمين وعليك ـ إنْ كُنتَ منهم ـ الحجَّ إليه ، وإنْ كُنتَ تُريد المفاخرة , فوالله , ما رضي مشركو قومي مسلمي قومك أكفّاءً لهم حتّى قالوا : يا محمَّد , اخرج إلينا أكفّاءنا من قريش ، ـ وذلك لمّا برز شيبة بن ربيعة ، وأخوه عتبة ، وولده الوليد بن عتبة يوم بدر وطلبوا المُبارة , فبرز إليهم جماعة من الأنصار , فقالوا : يا محمَّد , اخرج إلينا أكفّاءنا من قريش . فبرز إليهم حمزة بن عبد المطّلب ، وعبيدة بن الحارث بن المطّلب ، وعلي بن أبي طالب (عليه السّلام) ـ وإنْ كُنتَ تُريد الصّيت والاسم , فنحنُ الذين أمر الله تعالى بالصّلاة علينا في الصّلوات الفرائض في قوله : اللهمّ صلِّ على محمَّد وآل محمَّد . ونحنُ آل محمَّد . خلِّ عن الحمار )) . فخلّى عنه ويده ترتعد وانصرف بخزي , فقال له عبد العزيز : ألم أقل لك ؟

ثمّ آل الأمر بالرشيد إلى أنْ قبض على الإمام موسى بن جعفر (عليه السّلام) وهو قائم يُصلّي عند رأس النّبيِّ (صلّى الله عليه وآله) ,


الصفحة ( 296 )

فقطع عليه صلاته وأخذه فحبسه , ثمّ أرسله إلى البصرة فحبسه فيها عند عيسى بن جعفر بن المنصور , فبقي محبوساً عنده سنة , ثمّ أخذه منه فحبسه عند الفضل بن الربيع , ثمّ سلّمه إلى السّندي بن شاهك فحبسه عنده حتّى مضت عليه أربع سنوات وهو محبوس , ثمّ سمّه الرشيد وهو في المجلس . فلمّا توفِّي في يد السّندي بن شاهك , حُمل على نعش ونودي : هذا إمام الرّافضة فاعرفوه . فلمّا اُتي به مجلس الشّرطة , أقام أربعة نفر فنادوا عليه بنداء فظيع : ألا مَن أراد أنْ يرى الخبيث ابن الخبيث موسى بن جعفر فليخرج .

 وخرج سُليمان بن المنصور ـ عمّ الرشيد ـ من قصره إلى الشّطِّ , فسمع الصّياح والضّوضاء , فقال لغلمانه وولده : ما هذا ؟ قالوا : السّندي بن شاهك يُنادي على موسى بن جعفر على نعشه . فقال لغلمانه وولده : يُوشك أنْ يفعل هذا به في الجانب الغربي , فإذا عبر به فانزلوا وخذوه من أيديهم , فإنْ مانعوكم فاضربوهم وخرّقوا عليهم سوادهم . فلمّا عبروا به , نزلوا إليهم وأخذوه من أيديهم ووضعوه في مفرق أربع طرق , وأقام سُليمان المنادين ينادون : ألا مَن أراد أنْ يرى الطّيب ابن الطّيب موسى بن جعفر فليخرج .

وحضر الخلقُ ، وغُسّل وحُنّط بحنوطٍ فاخر , وكفّنه سُليمان بكفن فيه حبرة استُعملت له بألفين وخمسمئة دينار عليها القرآن كلّه , واحتفى ومشى في جنازته مُتسلّباً مشقوق الجيب إلى مقابر قريش فدفنه هناك , وكتب إلى الرشيد بخبره , فكتب إليه الرشيد : وصلتك رَحمٌ يا عم , وأحسن الله جزاءك . واعتذر بأنَّ ما فعله السّندي لم يكن عن أمره .

أما كان يوجد يوم كربلاء رجل مثل سُليمان , فيُصلّي على الحسين (عليه السّلام) ويُشيّعه ويدفنه حتّى لا يبقى ثلاثة أيّام بلا دفن , تسفي عليه الرياح وتصهره الشّمس ؟!

ما إنْ بقيتَ منَ الهوانِ على الثَّرَى      مُـلقىً ثلاثاً في رُبىً ووهـادِ

إلاّ لكَي تَقـضي عليكَ صلاتَـها        زُمـرُ الملائـكِ فوقَ سبعِ شدادِ


الصفحة ( 297 )

 

المجلس السابع والأربعون بعد المئتين

روى الصّدوق في العيون بسنده : أنّ المأمون قال : أتدرون مَن علّمني التشيّع ؟ فقالوا : لا . قال : علّمنيه الرشيد . قالوا : كيف والرشيد كان يقتل أهل هذا البيت ؟! قال : كان يقتلهم على المُلك , ولقد حججتُ معه سنة ، فلمّا ورد المدينة قال لحُجّابه : لا يدخلنَّ عليَّ رجلٌ إلاّ نسب نفسه . فكان يُعطيهم على قدَرِ شرفهم وهجرة آبائهم ، من خمسة آلاف دينار إلى مئتي دينار .

 فدخل عليه يوماً الربيع , فقال : على الباب رجل يزعم أنّه موسى بن جعفر . فأقبل الرشيد عليَّ وعلى الأمين والمؤتمن والقوّاد , ونحن قيام على رأسه , فقال : احفظوا عليَّ أنفسكم . ثمّ قال لآذنِهِ : ائذن له ولا ينزل إلاّ على بساطي .

 فأقبل شيخٌ مُصفرُّ اللون قد نهكته العبادة ، وكلِمَ من السّجود وجهُهُ وأنفُه , فلمّا رأى الرشيد رمى بنفسه عن حمار كان راكبه , فقال الرشيد : لا والله , إلاّ على بساطي . فمنعه الحُجّاب من الترجّل , ونظرنا إليه بالإجلال والإعظام , فما زال يسير على حماره حتّى صار إلى البساط , والحُجّاب والقوّاد محدقون به , فنزل فقام إليه الرشيد واستقبله إلى آخر البساط , وقبّل وجهه وعينيه ، وأخذ بيده فأجلسه معه في صدر المجلس , وجعل يُحدّثه ويُقبل بوجهه عليه ويسأله عن أحواله , ثم قال له : يا أبا الحسن , ما عليك من العيال ؟ قال : (( يزيدون على الخمسمئة )) . قال : أولادك كلّهم ؟ قال : (( لا , أكثرهم موالي وحشم ؛ فأمّا الوِلد فلي نيف وثلاثون ، والذّكران منهم كذا والنّسوان كذا )) . قال : فلِم لا


الصفحة ( 298 )

تُزوج النّسوان من بني عمومتهنَّ وأكفائهنّ ؟ قال : (( اليد تقصر عن ذلك )) . قال : فما حال الضّيعة ؟ قال : (( تُعطي في وقت وتمنع في آخر )) . قال : فهل عليك دَين ؟ قال : (( نعم )) . قال : كم ؟ قال : (( نحو من عشرة آلاف دينار )) . فقال الرشيد : يابن عم , أنا اُعطيك من المال ما تُزوّج الذكران والنّسوان , وتقضي الدَّين وتُعمّر الضّياع . فقال له : (( وصلتك رحمٌ يابن عم , وشكر الله لك هذه النّية الجميلة . والرَّحمُ ماسَّة ، والقرابةُ واشجة ، والنّسب واحد , والعبّاس عمُّ النّبيِّ (صلّى الله عليه وآله) وصنو أبيه , وعمُّ عليّ بن أبي طالب وصنو أبيه )) . قال : أفعل ذلك يا أبا الحسن وكرامة .

ثمّ قام ، فقام الرشيد لقيامه وقبّل عينيه ووجهه , ثمّ أقبل عليَّ وعلى الأمين والمؤتمن , فقال : يا عبد الله ، ويا محمَّد ، ويا إبراهيم , امشوا بين يدي عمِّكم وسيّدكم ؛ خذوا بركابه وسوّوا عليه ثيابه وشيِّعوه إلى منزله . فأقبل عليَّ أبو الحسن موسى بن جعفر (عليه السّلام) سرّاً بيني وبينه ، فبشّرني بالخلافة , فقال لي : (( إذا ملكتَ هذا الأمر , فأحسنْ إلى وُلدي )) . ثمّ انصرفنا .

وكنتُ أجرأ ولد أبي عليه , فلمّا خلا المجلس قلتُ : يا أمير المؤمنين , مَن هذا الرجل الذي قد أعظمته وأجللته , وقمت من مجلسك إليه فاستقبلته وأقعدته في صدر المجلس وجلست دونه , ثمّ أمرتنا بأخذ الركاب له ؟ قال : هذا إمام النّاس ، وحُجّةُ الله على خلقه ، وخليفتُهُ على عباده . فقلت : أوَ ليست هذه الصّفات كلها لك وفيك ؟ فقال : أنا إمام الجماعة في الظّاهر والغلبة والقهر , وموسى بن جعفر إمامٌ بحقّ . والله يا بُني , إنّه لأحقُّ بمقام رسول الله (صلّى الله عليه وآله) منّي ومن الخلق جميعاً . والله , لو نازعتني في هذا الأمر , لأخذتُ الذي فيه عيناك ؛ فإن المُلك عقيم .

فلمّا أراد الرحيل , أرسل إليه صرّة مع الفضل فيها مئتا دينار , وقال : قُل له , يقول لك أمير المؤمنين : نحن في ضيقة , وسيأتيك برّنا . فقلت : يا أمير المؤمنين , تُعطي سائر النّاس خمسة آلاف دينار إلى ما دونها , وتُعطي موسى بن جعفر وقد أعظمته وأجللته مئتي دينار , أخسّ عطيّة


الصفحة ( 299 )

أعطيتها أحداً من النّاس ! فقال : اسكُتْ لا اُمّ لك , لو أعطيته ما وعدته لم آمنه أنْ يضرب وجهي غداً بمئة ألف سيف من شيعته ومواليه , وفقرُ هذا وأهل بيته أسلم لي ولكم .

فلمّا نظر إلى ذلك مخارق المُغنِّي اغتاظ ، فقال : يا أمير المؤمنين , أكثر أهل المدينة يطلبون منّي شيئاً ، فإنْ لم أقسم فيهم شيئاً لم يتبيّن لهم تفضّل أمير المؤمنين عليّ . فأمر له بعشرة آلاف دينار , فقال : بناتي اُريد أنْ اُزوّجهنّ . فأمر له بعشرة آلاف دينار , فقال : لا بدّ لي من غلّة . فأمر بإقطاعه ما غلَّته عشرة آلاف دينار وعجّلها له .

 فقام مخارق من فوره وقصد موسى بن جعفر (عليه السّلام) , وقال له : قد وقفتُ على ما عاملك به هذا , وقد احتلتُ لك عليه وأخذتُ منه ثلاثين ألف دينار , وقطاعاً يغلّ عشرة آلاف دينار , ولا والله يا سيّدي , ما أحتاج إلى شيء منه وما أخذته منه إلاّ لك . قال : (( بارك الله لك في مالك وأحسنَ جزاءك , ما كنتُ لآخذ منه درهماً واحداً , وقد قبلت صلتك وبرّك , فانصرِف راشداً ولا تُراجعني )) . فقبّل يده وانصرف .

أمثل هذا الإمام في علمه وزهده وفضله , يُنقل من حبس إلى حبس ؛ فتارة في حبس عيسى بن المنصور , وتارة في حبس الفضل بن الربيع , وتارة في حبس السّندي بن شاهك حتّى مضت عليه أربع سنوات وهو محبوس , وهو إمام أهل البيت الطّاهر النّبوي في عصره , وسيّد بني هاشم ، ووارث علوم جدّه (صلّى الله عليه وآله) ؟!

 ولمّا نُقل إلى السّندي بن شاهك ضيّق عليه في الحبس , ثمّ دسّ إليه الرشيد السّمَّ , فمضى إلى ربّه مسموماً شهيداً ، صابراً مُحتسباً ، كما مضى جدّه الحسين بن علي (عليهما السّلام) شهيداً بالسّيف ، قتيلاً ظامياً ، صابراً مُحتسباً , وفدى دين جدّه بنفسه .

فإنّ أهل البيت (عليهم السّلام) كما قال زين العابدين (عليه السّلام) , لمّا أمر ابن زياد بقتله : (( أبالقتل تُهدّدُني ؟! أمَا علمت أنّ القتل لنا عادة ، وكرامتَنا من اللهِ الشّهادة ؟ )) .


الصفحة ( 300 )

تَتبَّعُـوكُمْ ورامُـوا مـحْوَ فضلِكُمُ       وخيَّبَ اللهُ مَنْ في ذلكُمْ طَمَعا

أنَّى وفي الصّلواتِ الخمسِ ذكْركُمُ       لدَى التَّشهدِ للتوحيدِ قدْ شفَعَا

 

المجلس الثامن والأربعون بعد المئتين

روى المفيد في الإرشاد ، والصّدوق في العيون عن ياسر الخادم : إنّ المأمون كتب إلى الرضا (عليه السّلام) يستدعيه ويستقدمه إلى خراسان , فاعتلّ عليه بعلل كثيرة , فما زال المأمون يكاتبه ويسأله حتّى علم الرضا (عليه السّلام) أنّه لا يكفّ عنه ، فخرج فلمّا وصل إلى مرو , عرض عليه المأمون أنْ يتقلّد الخلافة ، فأبى ذلك , فقال المأمون : فولاية العهد . فأجابه إلى ذلك على شروط , فكتب الرضا (عليه السّلام) : (( إنّي أدخل في ولاية العهد , على أنْ لا آمر ولا أنهى ، ولا أقضي ولا اُغيّر شيئاً ممّا هو قائم )) . فأجابه المأمون إلى ذلك ، ودعا المأمون القضاة والقوّاد ، والشّاكرية وبني العبّاس إلى ذلك , فأضربوا عليه , فأخرج أموالاً كثيرة وأعطى القوّاد وأرضاهم , إلاّ ثلاثة نفر أبوا ذلك فحبسهم .

 وبويع الرضا (عليه السّلام) وكتب بذلك إلى البلدان , وضُربت الدنانير والدراهم باسمه ، وخُطب له على المنابر , وأنفق المأمون على ذلك أموالاً كثيرة . فلمّا حضر العيد , بعث المأمون إلى الرضا (عليه السّلام) يسأله أنْ يركب ويحضر العيد لتطمئنَّ قلوبُ النّاس ، ويعرفوا فضله ، وتقرّ قلوبهم على هذه الدولة المباركة , فبعث إليه الرضا (عليه السّلام) : (( قد علمتَ ما كان بيني وبينك من الشّروط في دخولي في هذا الأمر )) . فقال المأمون : إنّما اُريد أنْ يرسخ في قلوب النّاس هذا الأمر ؛ فيقرّوا بما فضّلك الله تعالى به . فلمّا ألحّ عليه , قال : (( إنْ أعفيتني من ذلك فهو أحبُّ


الصفحة ( 301 )

إلي , وإنْ لم تعفني خرجتُ كما كان يخرج رسول الله (صلّى الله عليه وآله) , وكما كان يخرج أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السّلام) )) . فقال المأمون : اخرج كما تُحب .

وأمر المأمون القوّاد والنّاس أنْ يُبكّروا إلى باب الرضا (عليه السّلام) , فعدّ النّاس لأبي الحسن الرضا (عليه السّلام) في الطّرقات والسّطوح من الرجال والنّساء والصّبيان , واجتمع القوّاد على باب الرضا (عليه السّلام) , فلمّا طلعت الشّمس قام الرضا (عليه السّلام) فاغتسل وتعمّم بعمامةٍ بيضاء من قطن , وألقى طرفاً منها على صدره وطرفاً بين كتفيه وتشمّر , ثمّ قال لجميع مواليه : (( افعلوا مثلما فعلت )) . فأخذ بيده عكّازه وخرج ونحن بين يديه , وهو حافٍ قد شمّر سراويله إلى نصف السّاق وعليه ثياب مشمّرة , فلمّا قام ومشينا بين يديه , رفع رأسه إلى السّماء وكبّر أربع تكبيرات , فخُيّل إلينا أنّ الهواء والحيطان تجاوبه ، والقوّاد والنّاس على الباب وقد تزيّنوا ولبسوا السّلاح وتهيَّؤوا بأحسن هيئة , فلمّا طلعنا عليهم بهذه الصّورة حفاة قد تشمّرنا ، وطلع الرضا (عليه السّلام) وقف وقفة على الباب , وقال : (( الله أكبر الله أكبر ، الله أكبر على ما رزَقَنا من بهيمة الأنعام , والحمد لله على ما أبلانا )) . ورفع بذلك صوته ورفعنا أصواتنا , فتزعزعت مرو من البكاء والصّياح , فقالها ثلاث مرّات , فسقط القوّاد عن دوابّهم ورموا بخفافهم لمّا نظروا إلى أبي الحسن (عليه السّلام) , وصارت مرو ضجّةً واحدةً ، ولم يتمالك النّاس من البكاء والضجّة .

وكان أبو الحسن (عليه السّلام) يمشي ويقف في كلّ عشر خطوات وقفه , فيكبّر الله أربع مرّات , فيُخيّل إلينا أنّ السّماء والأرض والحيطان تجاوبه , فبلغ المأمون ذلك , فقال له الفضل بن سهل ذو الرئاستين : إنْ بلغ الرضا المُصلّى على هذا السّبيل افتتن به النّاس ، وخفنا كلُّنا على دمائنا , فالرأي أنْ تسأله أنْ يرجع . فبعث إليه المأمون : قد كلّفناك شططاً وأتعبناك فارجع , وليصلِّ بالنّاس مَن كان يُصلّي بهم . فدعا بخُفِّه فلبسه ورجع .

ودخل دعبل بن علي الخُزاعي على الرضا (عليه السّلام) بمرو , فقال له : يابن رسول الله , إنّي قد


الصفحة ( 302 )

قلت فيك قصيدة , وآليت على نفسي أنْ لا أنشدها أحداً قبلك . فقال (عليه السّلام) : (( هاتها )) . فأنشده :

مَدارِسُ آياتٍ خَلَت مِن تِلاوَةٍ      وَمَنزِلُ وَحيٍ مُقفِرُ العَرَصاتِ

فلمّا بلغ إلى قوله :

أَرى فَيئَهُم في غَيرِهِم مُتَقَسَّماً     وَأَيديهُمْ مِن فَيئِهِمْ صَفِراتِ

بكى أبو الحسن الرضا (عليه السّلام) , وقال له : (( صدقت يا خُزاعي )) .

فلمّا بلغ إلى قوله :

إِذا وُتـِروا مَدّوا إِلى واتِريهِمُ       أَكُفّاً عَنِ الأَوتـارِ مُنقَبِضاتِ

جعل أبو الحسن (عليه السّلام) يقلب كفيه ويقول : (( أجل والله منقبضات )) .

فلمّا بلغ إلى قوله :

لَقَد خِفتُ في الدُّنيا وَأَيّامِ سَعيِها      وَإِنّي لأَرجو الأَمنَ بَعدَ وَفاتي

قال الرضا (عليه السّلام) : (( آمنك الله يوم الفزع الأكبر )) .

فلمّا انتهى إلى قوله :

وَقَبـرٌ بِبَغدادٍ لِنَفسٍ زَكِيَّةٍ        تَضَمَّنَها الرَحمَنُ في الغُرُفاتِ

قال له الرضا (عليه السّلام) : (( أفلا اُلحقُ لك بهذا الموضوع بيتين بهما تمامُ قصيدتك ؟ )) . فقال : بلى يابن رسول الله . فقال (عليه السّلام) :

وَقَبرٌ بِطوسٍ يا لَها مِن مُصيبَةٍ       تُوقَّـدُ في الأحشاءِ بالحُرقاتِ

إلى الحشرِ حتّى يبعثَ اللهُ قائماً      يُفـرّجُ عـنّا الهمَّ والـكُرباتِ

فقال دعبل : يابن رسول الله , هذا القبر الذي بطوس قبر مَن هو ؟ فقال الرضا (عليه السّلام) : (( قبري , ولا تنقضي الأيّام واللّيالي حتّى تصير طوس مختلف شيعتي وزوّاري . ألا فَمنْ زارني في غُربتي بطوس كان معي في درجتي يوم


الصفحة ( 303 )

القيامة مغفوراً له )) . وفي هذه القصيدة يقول دعبل رحمه الله :

أَفـاطِمُ  لَـو خِلتِ الحُسَينَ مَجَدَّلاً      وَقَـد  مـاتَ عَطشاناً بِشَطِّ فُراتِ
إِذاً لَـلَطَمتِ الـخَدَّ فـاطِمُ عِـندَهُ      وَأَجـرَيتِ دَمعَ العَينِ في الوَجَناتِ
أَفـاطِمُ  قومي ياِبنَةَ الخَيرِ وَاِندُبي      نُـجومَ سَـماَواتٍ بِـأَرضِ فَـلاةِ
قُبورٌ بِجَنبِ النَّهرِ مِن أَرضِ كَربَلا      مُـعَـرَّسُهُم فـيها بِـشَطِّ فُـراتِ
تُـوُفّوا عِـطاشاً بِـالفُراتِ فَلَيتَني      تُـوفِّيتُ فـيهِم قَـبلَ حينِ وَفاتي

المجلس التاسع والأربعون بعد المئتين

روى الصّدوق في عيون أخبار الرضا (عليه السّلام) : أنّ المأمون لمّا جعل علي بن موسى الرضا (عليهما السّلام) ولي عهده , قصده الشّعراء ، ووصلهم بأموال جمّة حين مدحوا الرضا (عليه السّلام) وصوّبوا رأي المأمون فيه دون أبي نَوّاس ؛ فإنّه لم يقصده ولم يمدحه , فدخل أبو نَوّاس على المأمون , فقال له : يا أبا نَوّاس , قد علمت مكان علي بن موسى الرضا منّي وما أكرمته به , فلماذا أخّرت مدحه وأنت شاعر زمانك وقريع دهرك ؟! فأنشأ يقول :

قيلَ ليْ أنتَ أوحدُ النَّاسِ طُرَّاً      فـي فـنونٍ من الكلامِ النَّبيهِ
لـكَ مـن جوهرِ الكلامِ بديعٌ      يُـثمرُ  الدُّرُ في يدَي مُجتنيِهِ
فعلامَ تركتَ مدحَ ابنِ موسَى      والـخصالَ  الّتي تجمَّعنَ فيِهِ
قـلـتُ لا أهتدِي لمدحِ إمامٍ      كــان جـبريلُ خادماً لأبيهِ

فقال له المأمون : أحسنت . ووصله من المال بمثل ما وصل به كافّة


الصفحة ( 304 )

الشّعراء ، وفضلّه عليهم .

وفي عيون أخبار الرضا (عليه السّلام) أيضاً ، قال : نظر أبو نَوّاس إلى أبي الحسن علي بن موسى الرضا (عليه السّلام) ذات يوم , وقد خرج من عند المأمون على بغلة له , فدنا منه أبو نَوّاس فسلّم عليه , وقال : يابن رسول الله , قد قلتُ فيك أبياتاً فاُحبّ أنْ تسمعها منّي . قال : (( هات )) . فأنشأ يقول :

مـطـهَّرونَ نَـقِـيَّاتٌ ثـيابُهُمْ      تجري الصَّلاةُ عليهِمْ أَينما ذُكِروا
مَـن لَـم يَكُنْ علويّاً حينَ تَنسُبُهُ      فـمالَهُ  فـي قديمِ الدَّهرِ مُفتخَرُ
فاللهُ لـمّـا بـدا خـلـقاً فأتْقَنهُ      صـفاكُمُ  واصطفاكُمْ أيُّها البشرُ
فـأنـتُمُ الـمَلأُ الأعلى وعندَكُمُ      علمُ الكتابِ وما جاءتْ بهِ السُّوَرُ

فقال الرضا (عليه السّلام) : (( قد جئتنا بأبيات ما سبقك إليها أحد )) . ثم قال : (( يا غُلام , هل معك من نفقتنا شيء ؟ )) . فقال : ثلاثمئة دينار . فقال : (( اعطه إيّاها )) . ثمّ قال : (( لعله استقلّها يا غلام , سقْ إليه البغلة )) .

وفي العيون أيضاً بسنده عن أبي العبّاس محمَّد بن يزيد المُبرّد , قال : خرج أبو نَوّاس ذات يوم من دار , فبصر براكب قد حاذاه , فسأل عنه ولم يرَ وجهه , فقيل : إنّه علي بن موسى الرضا (عليه السّلام) , فأنشأ يقول :

إذا أبصرتكَ العينُ منْ بعدِ غايةٍ      وعارضَ فيكَ الشَّكُ أثبتكَ القلبُ

ولـو أنّ قوماً أمَّـموكَ لقادَهُمْ       نسيمُكَ حتّى يستدلُّ بكَ الـرَّكبُ

وقال الرضا (عليه السّلام) : (( إنّي مقتولٌ ومسمومٌ ومدفونٌ بأرض غُربة , أعلمُ ذلك بعهد عهده إليَّ أبي عن آبائه عن علي بن أبي طالب عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) . ألا فمَنْ زارني في غُربتي كنتُ وآبائي شفعاءَه يوم القيامة , ومَنْ كُنَّا شُفعاءَه نجا ولو كان عليه وزرُ الثَّقلين )) .

ولله درّ القائل :

حُفَـرٌ بطيْبَةَ والغريِّ وكرْبـَلا    وبطـوسَ والزَّورَا وسامَراءِ

ما جئْتهُمْ في حـاجةٍ إلاّ انْقَضتْ     وَتـَبَـدَّل الضَّرّاءُ بِالسَّرّاءِ


الصفحة ( 305 )

بأبي واُمّي تلك الحفر ومَن فيها ! لقد تركتهم الأعداءُ شتّى مصارعهم ، متفرقة قبورهم ، متباعدة ضرائحهم :

بـعـضٌ  بـطيْبَةَ مدفونٌ وبعضُهُمُ      بـكـربـلاءَ وبـعـضٌ بالغريَّينِ
وأرضُ  طوسٍ وسامَرا وقدْ ضَمِنتْ      بـغـدادُ بـدْرَينِ حلاّ وسطَ قبرينِ
يـا  سـادَتي ألِمَنْ أنعي أسىً ولمَنْ      أبـكـي بجَفْنينِ من عَينَيْ قرِيحَينِ
أبكي على الحسنِ المسمُومِ مُضْطَهدَاً      أمْ لـلـحُـسينِ لُقىً بينَ الخمِيسينِ
أبكي  عليهِ خضيبَ الشَّيبِ منْ دَمهِ      مُـوزَّعَ  الـجسْمِ محزوزَ الورِيدَينِ

* * *
مـصائبٌ شـتَّتْ شملَ النَّبيِّ فَفِي        قـلبِ الـهُدى أسْهُمٌ ينطقنَ بالتَّلَفِ

 

المجلس الخمسون بعد المئتين

روى المفيد رحمه الله في الإرشاد بسنده : أنّه لمّا أراد المأمون أنْ يُزوّج ابنته اُمّ الفضل أبا جعفر محمَّد بن علي الجواد (عليه السّلام) , بلغ ذلك العباسيّين فعظم عليهم ، وخافوا أنْ ينتهي الأمر إلى ما انتهى إليه مع أبيه الرضا (عليه السّلام) , فاجتمع أهل بيته الأدنون وناشدوه الله أنْ يصرف نفسه عن تزويج ابن الرضا , وقالوا : نخاف أنْ تُخرج به عنّا أمراً قد ملّكنا الله إيّاه ؛ فقد عرفت ما كان بيننا وبين هؤلاء القوم قديماً وحديثاً , وما كان عليه الخلفاء قبلك من تبعيدهم , وقد كنّا في خوف من عملك مع الرضا حتّى كفانا الله المهم من ذلك , فاصرف رأيك عن ابن الرضا , وأعدل إلى مَن تراه من أهل بيتك يصلح لذلك .

فقال : أمّا ما بينكم وبين آل أبي طالب ، فأنتم السّبب


الصفحة ( 306 )

فيه ؛ وأمّا ما كان يفعله مَن كان قبلي بهم , فقد كان به قاطعاً للرحم , وأعوذ بالله من ذلك ؛ وأمّا أبو جعفر محمَّد بن علي فقد اخترتُه لتقدّمه على كافّة أهل العلم مع صُغر سنّه , والاُعجوبة فيه بذلك . فقالوا : إنّه وإنْ راقك منه هديه ، فإنّه صبيٌّ لا معرفة له ولا فقه , فأمهله ليتأدَّب ويتفقّه . فقال : إنّي أعرف به منكم , وإنّ هذا من أهل بيت علْمُهم من الله , فإنْ شئتم فامتحنوه .

فأجمع رأيهم أنْ يطلبوا من يحيى بن أكثم ـ وهو يومئذٍ قاضي القُضاة ـ أنْ يسأله مسألةً لا يعرف الجواب فيها , ووعدوه بأموال نفيسة . فحضر يحيى بن أكثم , وأمر المأمون أنْ يُفرش لأبي جعفر دست ويُجعل له فيه مسوّرتان ( أي : وسادتان ) , ففُعل ذلك , وخرج أبو جعفر ـ وهو يومئذ ابن سبع سنين وأشهر ـ فجلس بين المسوّرتين وجلس يحيى بن أكثم بين يديه , وقام النّاس في مراتبهم والمأمون جالس في دست متّصل بدست أبي جعفر , فقال يحيى للمأمون : أتأذن لي أنْ أسال أبا جعفر ؟ قال : استأذنه في ذلك . فقال : أتأذن لي ـ جُعلت فداك ـ في مسألة ؟ قال (عليه السّلام) : (( سلْ إنْ شئت )) . قال : ما تقول ـ جعلني الله فداك ـ في مُحرِمٍ قتلَ صيداً ؟

 فقال أبو جعفر (عليه السّلام) : (( قتله في حلٍّ أمْ حَرَمْ ؟ عالماً أمْ جاهلاً ؟ عمداً أم خطأً ؟ حُرَّاً كان أمْ عبداً ؟ صغيراً أمْ كبيراً ؟ مُبتدِئاً بالقتل أمْ مُعيداً ؟ منْ ذواتِ الطّير كان الصّيدُ أمْ منْ غيرها ؟ من صغار الصّيد أمْ من كباره ؟ مُصرّاً على ما فعل أو نادماً ؟ مُحرماً بالعُمرة أمْ الحجِّ ؟ )) . فتحيّر يحيى وبان في وجهه العجز .

 فقال المأمون : الحمد لله على هذه النّعمة والتوفيق لي في الرأي . ثمّ قال لهم : أعرفتم الآن ما كنتم تُنكرونه ؟! ثمّ قال لأبي جعفر (عليه السّلام) : إنْ رأيت ـ جُعلت فداك ـ أنْ تذكر الفقه فيما فصّلته ؟ فقال (عليه السّلام) : إنّ المُحرِمَ إذا قتل صيداً في الحلِّ , وكان الصّيدُ من ذوات الطّير من كبارها , فعليه شاة , فإنْ أصابه في الحَرَمِ فعليه الجزاء مضاعفاً , فإذا قتل فرخاً في الحلِّ فعليه حملٌ قد فُطم من اللّبن , وإذا قتله في الحَرم فعليه الحملُ وقيمةُ الفرخ , وإنْ كان من الوحش


الصفحة ( 307 )

وكان حمار وحشٍ , فعليه بقرة , وإنْ كان نعامة فعليه بُدنة ( أي : بعير أو ناقة ) , وإنْ كان ظبياً فعليه شاة , فإنْ قتل شيئاً من ذلك في الحَرَم , فعليه الجزاء مُضاعفاً هدياً بالغ الكعبة . وإذا أصاب المُحرِم ما يجب عليه الهديُ فيه , وكان إحرامه بالحجِّ ، نحرَه بمنى , وإنْ كان إحرامُه بالعمرة نحره بمكّة . وجزاءُ الصّيد على العالم والجاهل سواء , وفي العمد عليه الإثم ، ولا إثم في الخطأ ، والكفّارة على الحُرِّ في نفسه , وعلى السيّد في عبده , والصّغير لا كفارة عليه , والنّادم يسقط عنه عقاب الآخرة , والمُصرُّ عليه العقاب في الآخرة )) . قال المأمون : أحسنت يا أبا جعفر , أحسن الله إليك بما رأى .

[ ثُمّ ] قال المأمون : إنّ أهل هذا البيت خُصّوا بما ترَون من الفضل , ولا يمنعهم صغر السّن من الكمال ؛ أما علمتم أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) افتتح دعوته بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب وهو ابن عشر سنين , وقَبِل منه الإسلام وحكم له به , ولم يدعُ أحداً في سنِّه غيره ؟ وبايع الحسنَين وهما ابنا دون ستِّ سنين ولم يُبايع صبياً غيرهما ؟ ( ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ )(1) . يجري لآخرهم ما يجري لأوّلهم . قالوا : صدقت يا أمير المؤمنين .

ألا قاتل الله مَنْ لم يعرف فضل أهل البيت (عليهم السّلام) , فدفعهم عن مقامهم وأزالهم عن مراتبهم التي رتَّبهم الله فيها , وظلمهم وقتلهم ونازعهم حقَّهم , كما فعل بنو اُميّة بالحسَنين (عليهما السّلام) ريحانتَي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) , وولديه اللذين بايعهما وهما صغيران ، كما قاله المأمون .

قد دسوا السّمَّ إلى الحسن (عليه السّلام) حتّى أخرج كبده قطعة قطعة , وقتلوا الحسين (عليه السّلام) وسبعة عشر رجلاً من أهل بيته بكربلاء عطشان ظامياً ، غريباً وحيداً , لا ناصر له ولا معين :

يـابنَ الذينَ توارَثُوا الْ      عُـليَا  قـبيلاً عنْ قَبيلِ
والـسَّـابقينَ  بـفضْلِهمْ      فـي  كلِّ جيلٍ كلَّ جيلِ
إنْ تُـمسِ مُنْكسرَ الـلّوا      مُلقىً  على وجهِ الرَّمولِ
فـلـقدْ  قُـتـلتَ مُهذَّباً      منْ  كُلِّ عيبٍ في القتيلِ
يُـهدَى  لكَ الذِّكرُ الجَميْ      لُ على الزَّمانِ المُستَطيلِ

ـــــــــــــــــ

(1) سورة آل عمران / 34 .


الصفحة ( 308 )

 

المجلس الواحد والخمسون بعد المئتين

في مروج الذهب للمسعودي , قال : سُعي إلى المتوكّل بعليِّ بن محمَّد الجواد (عليهما السّلام) : إنّ في منزله كُتباً وسلاحاً من شيعته من أهل قم , وأنّه عازم على الوثوب بالدولة .

فبعث إليه جماعة من الأتراك , فهجموا على داره ليلاً فلم يجدوا فيها شيئاً , ووجدوه في بيت مُغلق عليه وعليه مدرعة من صوف , وهو جالس على الرَّمل والحصى , وهو متوجهٌ إلى الله يترنّم بآيات من القرآن في الوعد والوعيد . فحُمل على حاله تلك إلى المتوكّل , وقالوا للمتوكّل : لم نجد في بيته شيئاً , ووجدناه يقرأ القرآن مستقبل القبلة . وكان المتوكّل جالساً في مجلس الشّراب , فاُدخل عليه والكأس في يد المتوكّل ، فلمّا رآه هابه وأعظمه ، وأجلسه إلى جانبه , وقال له : أنشدني شعراً . فقال (عليه السّلام) : (( إنّي قليلُ الرّواية للشعر )) . فقال : لا بُدَّ من ذلك . فأنشده (عليه السّلام) يقول :

بـاتُوا على قُلَلِ الأجبالِ تحرسُهُمْ      غُـلـبُ الرِّجالِ فما أغنتهُمُ القُلَلُ
واسـتَنْزَلوا  بعد عزٍّ منْ معاقلِهمْ      واُسـكنوا  حُفراً يا بئسَ ما نَزلوا
نـاداهُـمُ صـارخٌ منْ بعدِ دَفنِهمُ      أيـنَ  الأسـرَّةُ والتِّيجانُ والحُلَلُ
أيـنَ الـوجوهُ الّتي كانتْ مُنعَّمةً      منْ دونِها تُضرب الأستارُ والكلَلُ
فـأفصحَ القبرُ عنهُمْ حينَ ساءَلهُمْ      تـلـكَ الوجوهُ عليها الدُّودُ يقتتلُ
قـدْ طالَما أكلُوا دهراً وما شَربوا      فأصبحوا بعدَ طُولِ الأكلِ قدْ اُكلُوا

قال : فبكى المتوكّل حتّى بلّت دموعه لحيته , وبكى الحاضرون , وأمر


الصفحة ( 309 )

برفع الشّراب ثمّ ردّه إلى منزله مُكرَّماً .

هذا إمام قد اُدخل إلى مجلس الشّراب ، وهو علي الهادي (عليه السّلام) , واُدخل إمام آخر إلى مجلس الشّراب ، وهو جدُّه علي بن الحسين زين العابدين (عليه السّلام) , ولكن شتّان ما بين الدّخولين ؛ أمّا علي الهادي (عليه السّلام) فاُدخل على المتوكّل وحده ولم يكن معه نساء ولا أطفال , ولمّا دخل على المتوكّل أعظمه وحيّاه ، وردّه إلى منزله مُكرَّماً ؛ وأمّا جدّه زين العابدين (عليه السّلام) فاُدخل على يزيد هو ونساؤه ومَن تخلّف من أهل بيته , وهم مُقرَّنون في الحبال ، وزين العابدين (عليه السّلام) مغلول بغلّ إلى عُنقه ، فلمّا وقفوا بين يديه وهم على تلك الحال ، قال له علي بن الحسين (عليه السّلام) : (( أنشدك الله يا يزيد ، ما ظنّك برسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، لو رآنا على هذه الصّفة ؟! )) . فلمْ يبقَ في القوم أحد إلاّ وبكى ، فأمر يزيد بالحبال فقُطعت ، وأمر بفكّ الغُلّ عن زين العابدين (عليه السّلام) .

ثمّ وضع رأس الحسين (عليه السّلام) بين يديه ، وأجلس النّساء خلفه لئلاّ ينظرنَ إليه , فجعلت فاطمة وسكينة يتطاولان لينظرا إلى الرأس , فلمّا رأين الرأس صحن ، فصاحت نساء يزيد وولولت بنات معاوية , فقالت فاطمة بنت الحسين على أبيها وعليها السّلام : أبنات رسول الله سبايا يا يزيد ؟! فبكى النّاس وبكى أهل داره حتّى علت الأصوات , ورآه علي بن الحسين (عليه السّلام) فلم يأكل الرؤوس بعد ذلك أبداً .

يا رأسَ مُفترسِ الضَّياغمِ في الوغَى     كـيفَ اغتَديتَ فريسةَ الأوغادِ

يا مُخـمداً لَهبَ العِدى كيفَ انتحتْ       نُوبُ الخـطوبِ إليكَ بالإخمادِ

 

المجلس الثاني والخمسون بعد المئتين

روى الشّيخ المفيد عليه الرحمة في الإرشاد بسنده : أنّه سعى رجل


الصفحة ( 310 )

بأبي الحسن (عليه السّلام) إلى المتوكّل , وقال : عنده أموال وسلاح . فتقدم المتوكّل إلى سعيد الحاجب أنْ يهجم عليه ليلاً , ويأخذ ما يجده عنده من الأموال والسّلاح ويحمله إليه .

قال سعيد الحاجب : صرت إلى دار أبي الحسن (عليه السّلام) بالليل ومعي سُلّم ، فصعدت منه إلى السّطح ونزلت من الدرجة في الظّلمة , فلم أدرِ كيف أصل إلى الدار , فناداني أبو الحسن (عليه السّلام) من الدار : (( يا سعيد , مكانك حتّى يأتوك بشمعة )) . فلم ألبث أنْ أتوني بشمعة , فنزلت فوجدت عليه جُبّة صوف وقلنسوة منها , وسجادة على حصير بين يديه , وهو مقبلٌ على القبلة , فقال لي : (( دونك البيوت )) . فدخلتها وفتّشتها فلم أجد فيها شيئاً , ووجدت بدرة من المال مختومة بخاتم اُمّ المتوكّل وكيساً مختوماً معها , فقال لي أبو الحسن : (( دونك المُصلّى )) . فرفعته فوجدت سيفاً في جفن , فأخذت ذلك وصرت إليه .

 فلمّا نظر إلى خاتم اُمّه على البدرة بعث إليها ، فخرجت إليه , فسألها عن البدرة , فقالت : كنتُ نذرت في علّتك إنْ عوفيت أنْ أحمل إليه من مالي عشرة آلاف دينار , فحملتُها إليه , وهذا خاتمي على الكيس ما حرَّكه . وفتح الكيس الآخر فإذا فيه أربعمئة دينار , فأمر أنْ يضمَّ إلى البدرة بدرة اُخرى , وقال لي : احمل ذلك إلى أبي الحسن , وأردُد عليه السّيف والكيس بما فيه . فحملتُ ذلك إليه واستحييت منه , فقلت له : يا سيّدي ، عزّ عليّ دخولي دارك بغير إذنك , ولكنّي مأمور . فقال لي : (( وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ(1) )) .

هذا فعل المتوكّل مع علي الهادي (عليه السّلام) , فإنّه لمّا علم براءة ساحته ممّا نُسب إليه , أمر ببدرة فحُملت إليه , وردّ عليه السّيف والمال ؛ أمّا فعل يزيد مع جدّه علي بن الحسين (عليه السّلام) , فإنّه أمر بإدخاله عليه هو وثقل الحسين (عليه السّلام) ونساؤه ومَن تخلف من أهله , فاُدخلوا عليه وهم مُقرَّنون في الحبال ، وزين العابدين (عليه السّلام) مغلول ، فلمّا وقفوا بين يديه وهم على تلك الحال ، قال له علي بن الحسين (عليه السّلام) : (( أنشدك

 ـــــــــــــــــــ

(1) سورة الشّعراء / 227 .


الصفحة ( 311 )

الله يا يزيد ، ما ظنّك برسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، لو رآنا على هذه الصّفة ؟! )) . فلمْ يبقَ في القوم أحد إلاّ وبكى ، فأمر يزيد بالحبال فقُطعت ، وأمر بفكّ الغُلّ عن زين العابدين (عليه السّلام) .

ثمّ وضع رأس الحسين (عليه السّلام) بين يديه ، وأجلس النّساء خلفه لئلاّ ينظرنَ إليه , فجعلت فاطمة وسكينة يتطاولان لينظرا إلى الرأس , وجعل يزيد يتطاول ليستر عنهما الرأس ، فلمّا رأين الرأس صحن ، فصاحت نساء يزيد وولولت بنات معاوية , فقالت فاطمة بنت الحسين (عليهما السّلام) : أبنات رسول الله سبايا يا يزيد ؟! فبكى النّاس وبكى أهل داره حتّى علت الأصوات , ورآه علي بن الحسين (عليه السّلام) فلم يأكل الرؤوس بعد ذلك أبداً .

يا رأسَ مُفترسِ الضَّياغمِ في الوغَى     كـيفَ اغتَديتَ فريسةَ الأوغادِ

يا مُخمداً لَهبَ العِدى كيفَ انتحتْ       نُـوبُ الخـطوبِ إليكَ بالإخمادِ

 

المجلس الثّالث والخمسون بعد المئتين

قال ابن الأثير : كان المتوكّل شديد البغض لعلي بن أبي طالب (عليه السّلام) ولأهل بيته , وكان يقصد مَن كان يبلغه عنه أنّه يتولّى عليّاً وأهله (عليهم السّلام) بأخذ المال والدّم , وكان يُبغض مَن تقدَّمه من الخلفاء ـ المأمون والمعتصم والواثق ـ في محبتهم لعلي وأهل بيته (عليهم السّلام) , وإنّما كان ينادمه ويجالسه جماعةٌ قد اشتهروا بالنّصب والبغض لعليٍّ (عليه السّلام) .

 وكان من جماعة ندمائه عبادة المخنّث , وكان يشدُّ على بطنه تحت ثيابه مخدّة ، ويكشف رأسه ـ وهو أصلع ـ ويرقص بين يدي المتوكّل ، والمُغنُّون يُغنّون :


الصفحة ( 312 )

قد أقبلَ الأصلعُ البطينْ     خليفةُ المُسلمينْ !

يحكي بذلك عليّاً (عليه السّلام) والمتوكّل يشرب ويضحك , ففعل ذلك يوماً والمُنتصر ولده حاضر , فأومأ إلى عبادة يتهدده ، فسكت خوفاً منه , فقال المتوكّل : ما حالك ؟ فقام وأخبره , فقال المُنتصر : يا أمير المؤمنين ، إنّ الذي يحكيه هذا الكلب ويضحك منه النّاس , هو ابن عمِّك وشيخُ أهل بيتك وبه فخرك , فكُلْ أنت لحمَه إذا شئت ، ولا تُطعم هذا الكلبَ وأمثاله منه .

 فقال المتوكّل للمغنِّين : غنّوا جميعاً : غارَ الفتَى لابنِ عمّه . في كلام آخر قبيح .

فكان هذا من جملة الأسباب التي استحلّ بها المنتصر قتلَ المتوكّل .

من شدّة بغض المتوكّل لعلي وأهل بيته (عليهم السّلام) ؛ أنْ أمر بهدم قبر الحسين (عليه السّلام) وهدم ما حوله من المنازل والدور , وأنْ يُبذر ويُسقى موضع قبره ، وأنْ يمنع النّاس من إتيانه , فنادى بالنّاس في تلك النّاحية : مَن وجدناه عند قبره بعد ثلاثة حبسناه في المطبق . فهرب النّاس وتركوا زيارته , وحُرث وزُرع .

 وفي كتاب جواهر المطالب لأبي البركات شمس الدِّين محمَّد الباغندي , قال : ذكر ابن الكلبي إنّ الماء اُجري على قبر الحسين (عليه السّلام) ليعفى قبرُه وأثره ، فنضب الماء أربعين يوماً , فجاء أعرابيٌّ من بني أسد فجعل يأخذ من التُّراب قبضةً قبضة ويشمُّها حتّى وقع على قبر الحسين (عليه السّلام) , فشمَّ رائحةً أزكى من المسك فبكي ، وقال : بأبي أنت واُمّي ! ما أطيبك وأطيب تربتك وما حوت ! ثمّ أنشد :

أرادوا ليُخفُوا قبرَهُ عنْ وليِّهِ      وطيبُ تُرابِ القبرِ دلَّ على القبرِ

ولم يكفِ ما جرى على الحسين (عليه السّلام) من طُغاة بني اُميّة حتّى جاء


الصفحة ( 313 )

فراعنة بني العبّاس ، وقفوا على أعمال بني اُميّة , واقتدوا بهم في قبائح أفعالهم من أهل البيت (عليهم السّلام) , كما قال الشّريف الرضي :

أَلا لَيسَ فِعلُ الأَوَّلينَ وَإِن عَلا    عَلى قُبحِ فِعلِ الأَخَرينَ بِزائِدِ

ولله درّ القائل :

تـاللَهِ  إِنْ كـانَتْ أُمَيَّةُ قَد أَتَتْ      قَـتلَ  اِبـنِ بِنتِ نَبِيِّها مَظلوما
فَـلَقَد أَتـاهُ بَـنو أَبـيهِ بِـمِثلِهِ      هـذا لَـعَمرُكَ قَـبرُهُ مَـهدوما
أَسِفوا عَلى أَن لا يَكونوا شارَكوا      فــي قَـتلِهِ فَـتَتَبَعوهُ رَمـيما

المجلس الرّابع والخمسون بعد المئتين

كان بنو حمدان من الشّيعة , وكانوا كما قال في ( يتيمة الدّهر ) : ملوكاً واُمراء ، وجوههم للصباحة وألسّنتهم للفصاحة ، وأيديهم للسماحة وعقولهم للرجاحة , منهم سيف الدولة ، ومنهم أبو فراس الذي قال في حقّه الصّاحب بن عباد : بدأ الشّعر بملك وخُتم بملك ( يعني : امرأ القيس وأبا فراس ) .

وكان في عصره رجل شاعر من بني العبّاس يُقال له محمَّد بن سكرة الهاشمي , فقال قصيدة يفتخر بها على الطالبيّين , فلمّا وقف عليها أبو فراس , قال يردّ عليه ويذكر مناقب الطالبيّين ومثالب العباسيّين بهذه القصيدة :

الدِّينُ  مُختَرَمٌ وَالحَقُّ مُهتَضَمُ      وَفَيءُ  آلِ رَسولِ اللَهِ مُقتَسَمُ
يـا  لِلرِجالِ أَما لِلَّهِ مُنتَصِرٌ      مِـنَ  الطُّغاةِ أَما لِلدِّينِ مُنتَقِمُ
بَـنو عَلِيٍّ رَعايا في دِيارِهِمُ      وَالأَمرُ تَملِكُهُ النِّسوانُ وَالخَدَمُ


الصفحة ( 314 )

مُـحلَّؤونَ فَـأَصفى شُـربِهِم وَشَلٌ      عِـندَ  الـوُرودِ وَأَوفى وُردَهِم لَمَمُ
فَـالأَرضُ إِلاّ عَـلى مُـلاّكِها سَعَةٌ      وَالـمالُ  إِلاّ عَـلى أَربـابِهِ دِيَـمُ
لِـلـمُتَّقينَ مِـنَ الـدُّنيا عَـواقِبِها      وَإِن تَـعَجَّلَ فـيها الـظالِمُ الأَثِـمُ
لايُـطغِيَنَّ بَـني الـعَبّاسِ مُـلكُهُمُ      بَـنو عَـلِيٍّ مَـواليهِم وَإِن زَعَموا
أَتَـفـخَرونَ عَـلَيهِم لا أَبـاً لَـكُمُ      حَـتّى كَـأَنَّ رَسـولَ الـلَهِ جَدُّكُمُ
وَمـا  تَـوازَنَ يَـوماً بَينَكُم شَرَفٌ      وَلا  تَـساوَتْ بِـكُمْ في مَوطِنٍ قَدَمُ
لَيسَ الرَشيدُ كَموسى في القِياسِ وَلا      مَأمونَكُم  كَالرِّضا إِنْ أَنصَفَ الحَكمُ
قـامَ  الـنَّبِيُّ بِـها يَومَ الغَديرِ لَهُمْ      وَالـلَهُ يَـشهَدُ وَالأَمـلاكُ وَالأُمَـمُ
حَتّى إِذا أَصبَحَت في غَيرِ صاحِبِها      بـاتَت تَـنازَعُها الـذُؤبانُ وَالرَّخَمُ
وَصُـيِّرَت  بَـينَهُم شـورى كَأَنَّهُمُ      لا يَـعـلمونَ وُلاةُ الأمـرِ أَيـنهُمُ
تَـاللَهِ مـا جَـهِلَ الأَقوامُ مَوضِعَها      لَـكِنَّهُم  سَـتَروا وَجهَ الَّذي عَلِموا
ثُـمَّ  ادَّعـاها بَـنو العَبّاسِ ملكَهُمُ      وَمـا  لَـهُمْ قَـدَمٌ فـيها وَلا قِـدَمُ
أَمّـا عَـلَيٌّ فَـقَد أَدنـى قَـرابَتَكُمْ      عِـندَ  الـوِلايَةِ إِنْ لَـم تُكفَرِ النِّعَمُ
هـل  يُـنكرُ الحَبرُ عبدُ الله نِعمَتَهُ      أَبـوكُـمُ  أَمْ عُـبَيدُ الـلَهِ أَمْ قـثَمُ
بِئسَ  الجَزاءَ جَزَيتُم في بَني حَسَنٍ      أَبـوهُـمُ الـعَلَمُ الـهادي وَأُمُّـهُمُ
لا بَـيعَةٌ رَدَعَـتكُمْ عَـن دِمـائِهِمُ      وَلا يَـمـينٌ وَلا قُـربى وَلا ذِمَـمُ
هَلاّ  صَفَحتُمْ عَنِ الأَسرى بِلا سَبَبٍ      لِـلصافِحينَ  بِـبَدرٍ عَـن أَسيرِكُمُ
هَـلاّ كَـفَفتُمْ عَـنِ الدِّيباجِ أَلسُنَكُمْ      وَعَـن بَـناتِ رَسـولِ اللَهِ شَتمَكُمُ
مـا نُـزِّهَت لِـرَسولِ اللَهِ مُهجَتُهُ      عَـنِ الـسِِّياطِ فَـهَلاّ نُـزِّهَ الحَرَمُ
ما نالَ مِنهُمْ بَنو حَربٍ وَإِنْ عَظُمَتْ      تِـلـكَ  الـجَرائِمُ إِلاّ دونَ نَـيلُكُمُ

يقول : جرائم بني اُميّة إلى آل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وإنْ كانت عظيمة ؛ كقتلهم حمزة يوم اُحد , ودسِّهم السّمَّ إلى الحسن بن علي (عليه السّلام) حتّى تقيّأ كبده قطعة قطعة , ومنعهم من دفنه عند جدِّه (صلّى الله عليه وآله) , وقتلهم الحسين (عليه السّلام) بتلك الحالة


الصفحة ( 315 )

الفظيعة , وسبيهم نساءه وأولاده , وقتلهم زيد بن علي (رضي الله عنه) وصلبه عارياً ثلاث سنوات حتّى عششت الفاختة في جوفه , وقتلهم يحيى بن زيد , إلى غير ذلك من فظائعهم , إلاّ أنّكم يا بني العبّاس قد اقتفيتم في ذلك آثار بني اُميّة وزدتم عليهم .

كَمْ غَدرَةٍ لَكُمُ في الدِّينِ واضِحَةٍ      وَكَمْ دَمٍ لِرَسولِ اللَهِ عِندَكُمُ

أَأَنتُمُ آلُهُ فيما تَرَونَ وَفي          أَظفارِكُمْ مِن بَنيهِ الطَّاهِرينَ دَمُ

فمن الدِّماء التي لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) عند بني العبّاس ؛ دماء أولاد الحسن السّبط (عليه السّلام) الذي قتلهم المنصور , بعضهم بالسّيف كمحمَّد وإبراهيم ابني عبد الله بن الحسن المثنى , وبعضهم هدم عليهم الحبس كعبد الله بن الحسن وباقي أولاده , وكانوا ثلاثة عشر رجلاً .

ومن الدِّماء التي لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) عند بني العبّاس ؛ دم موسى بن جعفر (عليه السّلام) الذي سمّه الرشيد بعد ما حبسه سبع سنين , ودم ولده علي بن موسى الرضا (عليه السّلام) الذي سمّه المأمون , ودم الحسين صاحب فخ , وغيرهم ممّن قتلوه بالسّيف أو السّمِّ , أو بنوا عليهم الحيطان وهم أحياء .

هَـيهاتَ لا قَرَّبَت قُربى وَلا رَحِمٌ      يَـوماً إِذا أَقصَتِ الأَخلاقُ وَالشِيَمُ
كـانَت  مَـوَدَّةُ سَـلمانٍ لَهُ رَحِما      وَلَـم  يَـكُن بَينَ نوحٍ وَاِبنِهِ رَحِمُ
بـاؤوا بِقَتلِ الرِّضا مِن بَعدِ بَيعَتِهِ      وَأَبصَروا بَعضَ يَومٍ رُشدَهُم فَعَموا
لَـبِئسَ مـا لَقِيَت مِنهُم وَإِنْ بَلِيَتْ      بِـجانِبِ الطَّفِّ تِلكَ الأَعظُمُ الرِمَم

ما كفى ما فعله بنو اُميّة من قتل الحسين (عليه السّلام) وأهل بيته وأنصاره ، ورضِّ جسده الشّريف , وسبي نسائه وذراريه من بلد إلى بلد , وحمل رأسه ورؤوس أصحابه فوق الرّماح حتّى جاءت بنو العبّاس فبنت على ما أسّسته بنو اُميّة وزادت عليه , ورامت أنْ تدرس قبر الحسين (عليه السّلام) وتعفي


الصفحة ( 316 )

أثره , فأدار المتوكّل الماء على القبر الشّريف , وأمر بحرثه وإعفاء أثره ، ومنع النّاس من زيارته : ( يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ )(1) .

بَنى لَهُمُ الماضونَ آساسَ هَذِهِ       فَعَلّوا عَلى آساسِ تِلكَ القَواعِدِ

أَلا لَيسَ فِعلُ الأَوَّلينَ وَإِنْ عَلا       عَلى قُبحِ فِعلِ الأَخَرينَ بِزائِدِ

إلى أن يقول أبو فراس رحمه الله , مخاطباً لبني العبّاس :

خَـلّوا الفَخارَ لِعَلاّمينَ إِنْ سُئِلوا      يَـومَ السُؤالِ وَعَمّالينَ إِنْ عَلِموا
لا يَغضَبونَ لِغَيرِ اللَهِ إِنْ غَضِبوا      وَلا يُضيعونَ حُكمَ اللَهِ إِنْ حَكَموا
تَـبدو  الـتِّلاوَةُ مِن أَبياتِهِم أَبَداً      وَفـي بُـيوتِكُمُ الأَوتـارُ وَالنَّغَمُ
مِـنكُم  عُـلَيَّةُ أَمْ مِنهُم وَكانَ لَهُم      شَـيخُ  الـمُغَنّينَ إِبراهيمُ أَمْ لَكُمُ
إذا تـلَـوا سورةً غنّى خطيبُكُم      قـفْ بالدِّيارِ الّتي لمْ يعفِها القِدَمُ
مـا فـي دِيارِهِمُ لِلخَمرِ مُعتَصَرٌ      وَلا  بُـيوتُهُمُ لِـلسّوءِ مُـعتَصَمُ
الـبيتُ والرُّكنُ وَالأَستارُ مَنزِلُهُم      وَزَمزَمٌ  وَالصَّفا وَالخيفُ وَالحَرَمُ
ولـيس منْ قَسمٍ في الذِّكرِ نعرفُهُ      إلاّ وهُـمْ غـيرُ شكٍّ ذلكَ القَسمُ
صَـلّى  الإِلَهُ عَلَيهِم أَينَما ذُكِروا      لأنَّـهُمُ  لِـلوَرى كَهفٌ وَمُعتَصَم

يقول أبو فراس رحمه الله :

البيتُ والرُّكنُ وَالأَستارُ مَنزِلُهُم      وَزَمزَمٌ وَالصَّفا وَالخيفُ وَالحَرَمُ

ألا لعن الله مَن أزعجهم عن منازلهم وطردهم منها , وأخاف أبا عبد الله الحسين (عليه السّلام) حتّى أخرجه عن مدينة جدِّه وهو يتلو : ( فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ )(2) . ولم يكتفِ بذلك حتّى أخافه وأخرجه عن البيت والركن ، وزمزم والصّفا ، والخيف والحرم ، ومنعه من إكمال الحجِّ وكان قد أحرم بالحجِّ

ــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الصّف / 8 .

(2) سورة القصص / 21 .


الصفحة ( 317 )

فتحلّل بعمرة مفردة , وخرج من مكّة إلى العراق يوم التروية لمّا علم أنّ يزيد دسَّ مع الحاجّ ثلاثين رجلاً من شياطين بني اُميّة , وأمرهم بقتل الحسين (عليه السّلام) على أي حال اتّفق , وأنفذ عمرو بن سعيد بن العاص إلى مكّة في عسكر عظيم , وأمره بقبض الحسين (عليه السّلام) سرّاً , وإنْ لم يتمكن يقتله غيلة .

وقـدْ  انجلَى عنْ مكَّةٍ وهو ابنُها      وبـهِ  تـشرَّفتِ الحطيمُ وزَمْزمُ
لـمْ  يـدرِ أينَ يُريحُ بُدنَ ركابهِ      فـكـأنَّـمـا المأوَى عليهِ مُحرَّمُ

*  *  *
ولـمّا  رأوا بـعضَ الحياةِ مَذلَّة      عـليهمْ  وعزَّ الموتِ غيرَ مُحرَّمِ
أبَوا أنْ يذوقوا العيشَ والذّلُّ واقع      عـلـيـه ومـاتُوا ميتةً لمْ تُذمَمِ

المجلس الخامس والخمسون بعد المئتين

في كتاب عمدة الطّالب ، وكتاب الفرج بعد الشّدة للقاضي التّنوخي : حدثنا أبو الفرج علي المعروف بالأصبهاني , إملاء من حفظه ، قال : كان محمَّد بن زيد العلوي الحسيني الدّاعي بطبرستان ، الذي ملك بلاد طبرستان بعد أخيه الحسن بن زيد المُلقّب بالدَّاعي إلى الحقِّ والدّاعي الكبير , ويُلقّب هو بالدّاعي الصّغير ، إذا افتتح الخراج نظر إلى ما في بيت المال من خراج السّنة الماضية , ففرّقه في قبائل قريش ثمّ في الأنصار ، والفقهاء وأهل القرآن ، وسائر طبقات النّاس حتّى لا يبقى معه درهم .

 فجلس في بعض السّنين يفرّق فبدأ ببني هاشم ، فلمّا فرغ منهم , دعا سائر بني عبد مناف , فقام إليه رجل فقال له الدّاعي : من أي بني عبد مناف أنت ؟ قال : من بني اُميّة . قال : من أيِّهم ؟ فسكت , قال : لعلّك من ولد معاوية ؟ قال : نعم . قال : من أيِّ


الصفحة ( 318 )

ولده ؟ فسكت , قال : لعلّك من ولد يزيد ؟ قال : نعم . قال : بئسما اخترت لنفسك ! تقصد ولاية آل أبي طالب وعندك ثأرهم ؟! فإنْ كنت جئت جاهلاً بهذا , فما بعد جهلك جهل ، وإنْ كنت جئت مستهزئاً بهم , فقد خاطرت بنفسك . فنظر إليه العلويون نظراً شزراً , فصاح بهم محمَّد الدّاعي وقال : كفّوا عنه ، كأنّكم تظنّون أنّ في قتله إدراكاً لثأر الحسين جدِّي ! إنّ الله قد حرّم أنْ تطالب نفس بغير ما اكتسبت . والله , لا يعرض له أحد بسوء إلاّ جازيته بمثله . ثمّ أمر له بمثل ما أمر به لسائر بني عبد مناف , وبعث معه مَن يُوصله إلى مأمنه .

 وقال لمَن حضره : اسمعوا حديثاً اُحدّثكم به يكون لكم قدوة : حدثني أبي عن أبيه قال : عرض على المنصور جوهر فاخر وهو بمكّة فعرفه , وقال : هذا جوهر كان لهشام بن عبد الملك , وقد بلغني أنّه عند ابنه محمَّد ولم يبقَ منهم غيره . ثمّ قال للربيع حاجبه : إذا كان غداً وصلّيت بالنّاس في المسجد الحرام , فأغلق الأبواب كلَّها إلاّ باباً واحداً وقف عليه , ولا تُخرج إلاّ مَن تعرفه حتّى تظفر بمحمَّد بن هشام , فتأتيني به .

ففعل الربيع ذلك , وعرف محمَّد بن هشام أنّه هو المطلوب فتحيّر , وأقبل محمَّد بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السّلام) فرآه مُتحيّراً وهو لا يعرفه , فقال له : يا هذا , أراك متحيّراً فمَن أنت ؟ قال : ولي الأمان ؟ قال : لك أمان الله التّام والعام , وأنت في ذمّتي حتّى اُخلّصك . قال : أنا محمَّد بن هشام بن عبد الملك , فمَن أنت ؟ قال : أنا محمَّد بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب . فقال : عند الله أحتسب نفسي إذاً ! فقال : لا بأس عليك , ولكن تعذرني في مكروه أنا لك به ، وقبيح اُخاطبك به يكون فيه خلاصك بمشيئة الله تعالى . قال : افعل ما تُريد .

 فطرح رداءه على رأسه ووجهه ، وشدّه به وأقبل يجرّه , فلمّا أقبل على الربيع لطمه لطمات ، وقال للربيع : يا أبا الفضل , إنّ هذا الخبيث جمّال من أهل الكوفة ، أكراني جماله ذاهباً وراجعاً وقد هرب منّي ,


الصفحة ( 319 )

وأكرى جماله بعض قوّاد الخراسانية , ولي عليه بذلك بيّنة , فابعث معي حَرسيّين يصيران به معي إلى القاضي لئلاّ يهرب مني .

فبعث معه حرسيّين ، فلمّا بعد عن المسجد قال له : يا خبيث , تُؤدّي إليَّ حقِّي ؟ قال : نعم يابن رسول الله . فقال للحرسيّين : انصرفا . فانصرفا , فلمّا رجعا أطلقه ، فقبّل محمَّد بن هشام رأسه ، وقال : بأبي أنت واُمّي ! ( اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ )(1) . ثمّ أخرج جوهراً نفيساً فدفعه إليه , وقال : شرّفني بقبول هذا . فقال : إنّا أهل بيت لا نقبل على المعروف ثمناً , فانصرف راشداً .

وآل أبي طالب معادن العفو والحلم ، والصّفح وكرم الأخلاق , وعادتُهم ـ خلفاً عن سلفٍ ـ مقابلةُ الإساءة بالإحسان ، فكم قابلوا بني اُميّة على أعظم الإساءة بأعظم الحلم والإحسان في مواضع لا تُحصى ؛ بدأهم بذلك جدّهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) , وبهُداه اهتدوا ، وعلى منهاجه نهجوا .

 فقد كان من أشدِّ النّاس عليه بمكّة أبو سفيان بن حرب , فهو الذي جيّش الجيوش عليه يوم اُحد والأحزاب , وسَعتْ زوجته هند في قتل عمّه حمزة أسد الله وأسد رسوله , وبقرتْ بطنه عن كبده لتأكل منها فسُمّيت آكلة الأكباد , ووقف عليه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) , فقال : (( ما وقفت موقفاً أغيظ عليَّ منْ هذا الموقف )) . ومع ذلك لمّا فتح مكّة حلم وصفح ، وزاد بأنْ قال : (( مَن دخل دار أبي سفيان فهو آمن )) .

فجازى بنو اُميّة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) على إحسانه هذا إليهم ؛ بأنْ أخافوا سبطه وريحانته الحسين بن علي (عليه السّلام) في بلد يأمن فيه الطّير والوحش , وهي مكّة بلد الله الحرام , فخرج منها يوم التروية خائفاً يترقّب , وكان قد أحرم للحجِّ فجعلها عمرة مفردة وأحلَّ من إحرامه , فكان النّاس يخرجون إلى منى والحسين خارج إلى العراق ؛ لأنّ يزيد دسّ إليه مع الحاجّ ثلاثين رجلاً من شياطين بني اُميّة ليقبضوا عليه أو يقتلوه , ثمّ جهّز عليه ابن زياد الجيوش بأمر يزيد , فأحاطوا به ومنعوه التَّوجه في بلاد الله العريضة , ومنعوه وأهله من ماء الفرات الجاري

ــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الأنعام / 124 .


الصفحة ( 320 )

حتّى قتلوه عطشانَ ضامياً , وقتلوا أنصاره وأهله وأولاده , وسبوا نساءه من بلد إلى بلد , وأتوا بعلي بن الحسين زين العابدين (عليه السّلام) ـ وهو عليل ـ مُقيَّداً مُغلّلاً حتّى أدخلوه على يزيد .

ومع ذلك ، لمّا طرد أهل المدينة بني اُميّة منها في أيّام يزيد ؛ لِما رأوا من قبح أفعال يزيد وكفره وطغيانه ، وفي جملة المطرودين مروان بن الحكم , عرض مروان على جماعة من أهل المدينة أنْ يجعل أهله وعياله عندهم فأبوا , فعرض ذلك على علي بن الحسين (عليه السّلام) فأجابه إليه , وجعل عيال مروان مع عياله وحماهم وأكرمهم , ولكنْ الطّينة الاُمويّة أبت أنْ تُقابل الإحسان إلاّ بالإساءة ، كما قال الشّاعر :

ومَنْ يصنعُ المعروفَ مَعْ غيرِ أهلِهِ       يُجازَى كما جُوزي مُجيرُ اُمِّ عامرِ

وقال الآخر :

مـلكنَا فـكان الـعفوُ مـنَّا سـجيَّة       فـلمّا  مـلكتُمْ سـالَ بـالدَّمِ أبطحُ
وحَـلَّلْتُمُ قـتلَ الأسـارَى وطـالَما      غَدوْنا عن الأسْرى نَعفُّ ونصفَحُ(1)
فـحـسْبُكُمُ  هـذا الـتَّفاوتُ بـيْنَنا      وكـلُّ إِنـاءٍ بـالذي فـيهِ يَـنْضَحُ

فجازى بنو مروان زين العابدين (عليه السّلام) على إحسانه هذا ؛ بأنْ جفوا ولده زيد الشّهيد واهتضموه حتّى ظهر بالكوفة فقُتل , فنبشوه وصلبوه عارياً على جذعٍ بالكوفة أربع سنين ، ثمّ أنزلوه وأحرقوه . لبئسما جزوا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في آله وذرّيّته ! ولبئسما جزته اُمّة تواليهم !

 

فلا بلَّ أجداثاً لآلِ اُمـيَّةٍ      سُقيتْ ولا صَوبُ الغمامِ أصابَها

* * *

ليس هذا لرسولِ اللهِ يا       اُمّةَ الطُّغيانِ والبغي جزَا

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ورد البيت في مصدره الأساس بغير هذا النّحو ، والتغيير من ديوان الشاعر . ( موقع معهد الإمامَين الحسنَين )


الصفحة ( 321 )

 

المجلس السادس والخمسون بعد المئتين

إنّ فضيلة العلم وارتفاع درجته أمرٌ كفى انتظامه في سلك الضّرورة مؤنة الاهتمام ببيانه ؛ وما يورد في فضله إنّما هو لتحريك النّفوس وتنبيه الغافل , ويدلُّ على فضل العلم بعد الضّرورة عند جميع العقلاء , قوله تعالى : ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ )(1) . افتتح كلامه المجيد بذكر نعمة الإيجاد وأتبعه بذكر نعمة العِلم , فلو كان بعد نعمة الإيجاد نعمة أعلى من العلم لكانت أجدر بالذّكر , وقوله : ( وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ ) . يدلّ على أنّه سبحانه اُختص بوصف الأكرميّة ، وقوله : ( الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ . . . ) إلى آخره ، يدلّ على أنّ اختصاصه بوصف الأكرميّة ؛ لأنّه علّم الإنسان العِلم , وكفى بذلك دليلاً على فضل العِلم .

وقال تعالى : ( هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ )(2) . ( إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ )(3) . ( شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ )(4) . فقرن العلماء بنفسه وملائكته : ( يَرْفَعْ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ )(5) . والآيات الدالّة على فضل العلم كثيرة جداً .

وقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( طلبُ العِلمِ فريضةٌ على كلِّ مُسلمٍ ومُسلمة )) . (( اطلبوا العلمَ ولو بالصّين )) . (( فضلُ العالِمِ على العابد كفضلِ القمرِ على سائر النّجوم ليلة البدر )) . (( فضلُ العالِمِ على العابد كفضلي على أدناكم )) . (( نومُ العالِمِ أفضلُ من عبادة العابد )) . (( نومٌ مع علمٍ خيرٌ من صلاة مع جهل )) . (( ساعةُ العالِم يتَّكئ على فراشه ينظرُ في علمٍ خيرٌ من عبادة سبعين سنة )) . (( فقيهٌ واحد أشدُّ على

ــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة العلق / 1 ـ 5 .

(2) سورة الزّمر / 9 .

(3) سورة فاطر / 28 .

(4) سورة آل عمران / 18 .

(5) سورة المُجادلة / 11 .


 الصفحة ( 322 )

الشّيطان من ألف عابد )) .

وقال الباقر (عليه السّلام) : (( عالمٌ يُنتفع بعلمه أفضلُ من سبعين ألف عابد )) . وقال أيضاً : (( العالمُ كمَن معه شمعة تُضيء للنّاس , فكلّ مَن أبصر بشمعته دعا له بخير )) . وكذلك : (( العالمُ معه شمعة ، يزيل بها ظلمة الجهل والحيرة )) .

وقال الصّادق (عليه السّلام) : (( عُلماء شيعتنا مرابطون في الثغر الذي يلي إبليس وعفاريته ، يمنعونهم من الخروج على ضعفاء شيعتنا , ألا فمَنْ انتصب لذلك كان أفضل ممّن جاهد ألف ألف مرّة ؛ لأنّه يدفع عن أديان محبِّينا ، وذلك يدفع عن أبدانهم )) .

وقال الرضا (عليه السّلام) : (( يُقال للعابد يوم القيامة : نِعم الرجل كُنت ! همّتك ذات نفسك , وكفيت النّاس مؤنتك , فادخل الجنة . ويُقال للفقيه : قف حتّى تشفع لكلِّ مَن أخذ عنك أو تعلّم منك , ومَن أخذ ممّن أخذ عنك إلى يوم القيامة )) .

وقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( العلماءُ ورثة الأنبياء , إنّ الأنبياء لم يُورّثوا ديناراً ولا درهماً ( لأنّهم يموتون فقراء لزهدهم في الدُّنيا ) ، ولكنْ ورّثوا العلم )) . وقال (صلّى الله عليه وآله) : (( النّظر إلى العالِمِ عبادة )) .

وقال أمير المؤمنين (عليه السّلام) : (( كفى بالعلمِ شرفاً أنْ يدّعيه مَن لا يُحسنه ويفرح به إذا نُسب إليه , وكفى بالجهل ذمّاً أنْ يبرأ منه مَن هو فيه )) .

 وأيّ عالم أعلم من الإمام أبي عبد الله الحسين (عليه السّلام) وارث علوم جدّه وأبيه (صلوات الله وسلامه عليهما وآلهما) , ولم ترعَ له هذه الاُمّة حرمة ولم تعرف له حقّاً , بل ظلمته وأخّرته عن مقامه , وقدّمت عليه يزيد الفجور والخمور ، والقرود والفهود , وأرادته أنْ يبايع له بإمرة المؤمنين ؟!

ويـزيدُ لا مُـتهوِّدٌ        فيهمْ ولا مُتـبصِّرُ

يُدعَى أميرَ المؤمنيـْ       ـنَ يُطاعُ فيما يأمرُ

وكيف يُبايع سليل بيت الوحي ، وربيب حجر النّبوّة لسكّير بني اُميّة , ويعترف لأمير الكافرين والفاسقين بأنّه أمير المؤمنين ؟! إنّ هذا ما لا يجوز ولا يكون , فأبى عن بيعته وتوجّه نحو الكوفة , فأسلمه أهلها


 

الصفحة ( 323 )

إلى عدوّه بعد ما بايعه منهم عشرات الاُلوف , فقُتل شهيداً ظامياً ، غريباً وحيداً , وقُتلت أنصاره وأهل بيته ، وذُبحت أطفاله وسُبيت عياله .

خطبٌ تصاغرَ عندَهُ       كلُّ الخُطوبِ ويكبَرُ

لو كانَ أحمدُ حاضراً       لَشجاهُ ذاكَ المحضرُ

 

المجلس السابع والخمسون بعد المئتين

من الأخلاق النّبيلة المحمودة عند العقل وفي الشّرع الصّبر , وقد مُدح في القرآن الكريم في نيف وسبعين موضعاً , وأضاف الله تعالى أكثر الدرجات والخيرات إلى الصّبر وجعلها ثمرة له , فقال عزّ مَن قائل : ( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا )(1) . ( وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا )(2) . ( وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ )(3) . ( اُولئك يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا )(4) .

 وما من قربة إلاّ وأجرها بتقدير وحساب إلاّ الصّبر , قال الله تعالى : ( إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ )(5) . ووعد الله الصّابرين بأنّه معهم , فقال تعالى : ( إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ )(6) . وعلّق النّصرة على الصّبر ، فقال : ( بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلاَفٍ مِنْ الْمَلاَئِكَةِ مُسَوِّمِينَ )(7) . وجمع الله تعالى للصابرين بين اُمور لم يجمعها لغيرهم , فقال : ( وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * اُولئك عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَاُولئك هُمْ الْمُهْتَدُونَ )(8) . إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة الواردة في مدح الصّبر .

 وقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( الصّبر نصف الإيمان )) . وسُئل النّبيُّ (صلّى الله عليه وآله) عن الإيمان ، فقال : (( الصّبر

ــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة السّجدة / 24 .

(2) سورة الأعراف / 137 .

(3) سورة النّحل / 96 .

(4) سورة القصص / 54 .

(5) سورة الزّمر / 10 .

(6) سورة البقرة / 153 .

(7) سورة آل عمران / 125 .

(8) سورة البقرة / 155 ـ 157 .


الصفحة ( 324 )

والسّماحة )) . وهذا معنى كونه نصف الإيمان . وقال (صلّى الله عليه وآله) : (( الصّبر كنز من كنوز الجنّة )) . وأوحى الله تعالى إلى داود (عليه السّلام) : (( تخلّق بأخلاقي أنا الصّبور )) .

وإنّ الإمام أبا عبد الله الحسين (عليه السّلام) من خير مَن تجلّى بالصّبر ، ولمّا لقيه أبو هرّة الأزدي وقال له : يابن رسول الله , ما الذي أخرجك عن حرم الله وحرم جدِّك محمَّد (صلّى الله عليه وآله) ؟ قال له الحسين (عليه السّلام) : (( ويحك يا أبا هرّة ! إنّ بني اُميّة أخذوا مالي فصبرت , وشتموا عرضي فصبرت , وطلبوا دمي فهربت . وأيمُ الله , لتقتلني الفئة الباغية , وليلبسنّهم الله ذلاّ ً شاملاً وسيفاً قاطعاً )) .

وأعظم من هذا صبره يوم عاشوراء على قتال ثلاثين ألفاً بفئة قليلة , وعدم خنوعه للذلِّ والضّيم , وصبره على ضرب السّيوف وطعن الرماح ، ورمي السّهام حتّى قُتل عطشان ظامياً ، غريباً وحيداً .

وباسمِ الثَّغرِ والأبطالُ عابسةٌ     كأنَّ جدَّ المنايا عندهُ لَعبُ

 

المجلس الثامن والخمسون بعد المئتين

قال الله تعالى مُخاطباً لنبيِّه (صلّى الله عليه وآله) ومُثنياً عليه : ( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ )(1) . وسأل رجل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عن حسن الخُلق , فتلا قوله تعالى : ( خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ )(2) . ثمّ قال (صلّى الله عليه وآله) : (( هو أنْ تصل مَن قطعك ، وتُعطي مَن حرمك ، وتعفو عمّن ظلمك )) . وقال (صلّى الله عليه وآله) : (( إنّما بُعثت لاُتمِّمَ مكارمَ الأخلاق )) . وقال (صلّى الله عليه وآله) : (( أثقلُ ما يُوضع في الميزان يوم القيامة تقوى الله ، وحُسنُ الخُلق )) . وقال رجل لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) : أوصني . فقال : (( اتَّقِ اللهَ حيثُ كُنت )) . قال : زدني . قال : (( اتبع السّيئةَ الحسنة تمحها )) . قال : زدني . قال :

ــــــــــــــــــــ

(1) سورة القلم / 4 .

(2) سورة الأعراف / 199 .


الصفحة ( 325 )

(( خالق النّاس بخُلق حسن )) . وقيل له : يا رسول الله , إنّ فلانة تصوم النّهار وتقوم الليل وهي سيّئة الخُلق , تُؤذي جيرانها بلسانها . قال : (( لا خيرَ فيها , هي من أهل النّار )) . وقال أبو الدّرداء : سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول : (( أوّل ما يُوضع في الميزان حسن الخُلق والسّخاء )) . وقال (صلّى الله عليه وآله) : (( إنّكم لنْ تسعوا النّاس بأموالكم , فسعوهم ببسط الوجه وحُسن الخُلق )) . وقال (صلّى الله عليه وآله) : (( إنّ أحبَّكم إليَّ وأقربكم منّي مجلساً يوم القيامة , أحسنكم أخلاقاً )) .

وقد فصّل الإمام زين العابدين (عليه السّلام) مكارم الأخلاق ، ومرضى الأفعال في بعض أدعية الصّحيفة الكاملة , فقال : (( وَأَغْنِنِي وَلاَ تَفْتِنِّي بِالبطَرِ ، وَأَعِزَّنِي وَلا تَبْتَلِيَنِّي بِالْكِبْرِ ، وَعَبِّدْنِي لَكَ وَلاَ تُفْسِدْ عِبَادَتِي بِالْعُجْبِ ، وَأَجْرِ لِلنَّاسِ عَلَى يَدَيَّ الْخَيْرَ ، وَلا تَمْحَقْهُ بِالْمَنِّ ، وَهَبْ لِي مَعَـالِيَ الأخْـلاَقِ ، وَاعْصِمْنِي مِنَ الْفَخْرِ ، وَلا تَـرْفَعْنِي فِيْ النَّاسِ دَرَجَـةً إلاّ حَطَطْتَنِي عِنْدَ نَفْسِي مِثْلَهَا ، وَلا تُحْدِثْ لِي عِزّاً ظَاهِرَاً إلاّ أَحْدَثْتَ لِي ذِلَّةً بَاطِنَةً عِنْدَ نَفْسِي بِقَدَرِهَا .

أللَّهُمَّ ، لا تَدَعْ خَصْلَةً تُعَابُ مِنِّي إلاّ أَصْلَحْتَهَا ، وَلا عَائِبَةً اُؤَنَّبُ بِهَا إلاّ حَسَّنْتَهَا ، وَلاَ اُكْـرُومَـةً فِيَّ نَاقِصَةً إلاّ أَتْمَمْتَهَا ، وَوَفِّقْنِي لِطَاعَةِ مَنْ سَدَّدَنِي وَمُتَابَعَةِ مَنْ أَرْشَدَنِي ، وَسَدِّدْنِي لأنْ اُعَـارِضَ مَنْ غَشَّنِي بِالنُّصْـحِ ، وَأَجْـزِيَ مَنْ هَجَرَنِي بِالْبِرِّ ، وَاُثِيبَ مَنْ حَرَمَنِي بِالْبَذْلِ ، وَاُكَافِيَ مَنْ قَطَعَنِي بِالصِّلَةِ ، واُخَـالِفَ مَنِ اغْتَابَنِي إلَى حُسْنِ الذِّكْرِ ، وَأَنْ أَشْكرَ الْحَسَنَةَ وَاُغْضِيَ عَنِ السَّيِّئَـةِ ، وَحَلِّنِي بِحِلْيَـةِ الصَّالِحِينَ .

وَأَلْبِسْنِي زِينَةَ المُتَّقِينَ فِيْ بَسْطِ الْعَدْلِ وَكَظْمِ الْغَيْظِ ، وَإطْفَاءِ النَّائِرَةِ ، وَضَمِّ أَهْلِ الْفُرْقَةِ ، وَإصْلاَحِ ذَاتِ الْبَيْنِ ، وَإفْشَاءِ الْعَارِفَةِ ، وَسَتْرِ الْعَائِبَةِ ، وَلِينِ الْعَرِيكَةِ وَخَفْضِ الْجَنَـاحِ ، وَحُسْنِ السِّيرَةِ ، وَسُكُونِ الرِّيـحِ ، وَطِيْبِ الْمُخَالَقَـةِ ، وَالسَّبْقِ إلَى الْفَضِيلَةِ ، وإيْثَارِ التَّفَضُّلِ ، وَتَرْكِ التَّعْيِيرِ وَالإفْضَالِ عَلَى غَيْرِ الْمُسْتَحِقِّ ، وَالـقَوْلِ بِالْحَقِّ وَإنْ عَـزَّ ، وَاسْتِقْلاَلِ الخَيْـرِ وَإنْ كَثُـرَ مِنْ قَـوْلِي وَفِعْلِي ، وَاسْتِكْثَارِ الشَّرِّ وَإنْ قَلَّ مِنْ قَوْلِي وَفِعْلِي ،


الصفحة ( 326 )

وامنعني مِنْ السَّرَفِ ، وحصّنْ رزقي مِنْ التَّلفِ )) .

وأهل بيت الرسول (صلّى الله عليه وآله) هم أحسن النّاس أخلاقاً , لا يلحقهم في ذلك لاحق , ولا يسبقهم سابق ، ومنهم تعلّم النّاس مكارم الأخلاق ومحاسن الأفعال ، ومنهم مولانا الإمام أبو عبد الله الحسين (عليه السّلام) , وله في مكارم الأخلاق أخبار كثيرة تنبو عن الحصر , منها : إنّه مرّ بمساكين وهم يأكلون كسراً على كساء فسلّم عليهم , فدعوه إلى طعامهم فجلس معهم ، وقال : (( لولا أنّه صدقة لأكلتُ معكم )) . ثمّ قال : (( قوموا إلى منزلي )) . فأطعمهم وكساهم ، وأمر لهم بدراهم .

ومن مكارم أخلاقه ، إنّه جنى غلامٌ له جناية توجب العقاب فأمر بضربه , فقال : يا مولاي , ( وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ ) . قال : (( خلّو عنه )) . فقال : يا مولاي , ( وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ ) . قال : (( قد عفوتُ عنك )) . قال : يا مولاي , ( وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ )(1) . قال : (( أنت حُرٌّ لوجه الله , ولك ضعف ما كُنتُ أعطيك )) .

وحيّته جارية بطاقة ريحان , فقال لها : (( أنت حرّة لوجه الله تعالى )) . فقيل له : تجيئك بطاقة ريحان لا خطر لها فتعتقها ! قال : (( كذا أدّبنا الله ، قال الله تعالى : وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا(2) . وكان أحسنَ منها عتقُها )) .

 أمثل هذا الإمام في فضائله التي لا تُبارى , يُزال عن حقّه وتتعدّى عليه بنو اُميّة ، وتخفيه حتّى أخرجته من حرم جدّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إلى حرم الله , ثمّ دسّت إليه الرجال لتغتاله في الحرم ، فخرج إلى العراق فجهّز إليه الدعيُّ ابن الدعيِّ عبيد الله بن زياد الجيوش ـ بأمر يزيد بن معاوية ـ وضيّق عليه , ومنعه التوجّه في بلاد الله العريضة حتّى قُتل عطشان ظامياً ، وحيداً فريداً غريباً , وقُتلت أنصاره وسُبيت عياله ؟!

فعلتُمْ بأبناءِ النَّبيِّ ورهطهِ           أفاعيلَ أدناها الخيانةُ والغدرُ

* * *

ــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة النّساء / 86 .

(2) سورة آل عمران / 134 .

الصفحة ( 327 )

المجلس التاسع والخمسون بعد المئتين

أوجب الله تعالى التوبة على كلّ مذنب بقوله : ( وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ )(1) . ومعنى التّوبة : هي النّدم على الذّنب والعزم على عدم العود إليه . ووجوبها ثابت بالعقل والنّقل , وهي واجبة على الفور بدون تأخير . وقد وعد الله تعالى بقبول التّوبة ، بقوله : ( وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السّيِّئَاتِ )(2) . وقوله تعالى : ( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى )(3) .

ومِن كرم الله تعالى وفضله على عباده , إنّ مَن نوى منهم السّيئة ولم يفعلها لم تُكتب عليه , فإنْ فعلها انتظره الملك الموكّل بكتابة السّيئات سبع ساعات , فإنْ تاب قبل مضي سبع ساعات لم تُكتب عليه , وإنْ يتُب كُتبت عليه سيئة واحدة , وإذا نوى الحسنة ولم يفعلها , كُتبت له حسنة واحدة , فإنْ فعلها كُتبت له عشر حسنات .

وقال زين العابدين (عليه السّلام) في دعاء وداع شهر رمضان من أدعية الصّحيفة الكاملة , مشيراً إلى التّوبة : (( أَنْتَ الَّذِيْ فَتَحْتَ لِعِبَادِكَ بَاباً إلَى عَفْوِكَ وَسَمَّيْتَهُ التَّوْبَـةَ ، وَجَعَلْتَ عَلَى ذلِكَ البَابِ دَلِيلاً مِنْ وَحْيِكَ لِئَلاَّ يَضِلُّوا عَنْهُ ، فَقُلْتَ تَبَارَكَ اسْمُكَ : تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ(4) . فَمَا عُذْرُ مَنْ أَغْفَلَ دُخُولَ ذلِكَ الْمَنْزِلِ بَعْدَ فَتْحِ الْبَابِ وَإقَامَةِ الدَّلِيْلِ ؟ )) .

وأشار (عليه السّلام) إلى شيء من حدود التّوبة وشروطها في دعائه في ذكر التّوبة وطلبها من أدعية الصّحيفة , فقال : (( أللَّهُمَّ ، إنِّي أَتُـوبُ إلَيْـكَ فِي مَقَامِي هَذَا مِنْ كَبَائِرِ ذُنُوبِي وَصَغَائِرِهَا ، وَبَوَاطِنِ سَيِّئآتِي وَظَوَاهِرِهَا ، تَوْبَةَ مَنْ لا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ بِمَعْصِيَة ، وَلاَ يُضْمِرُ أَنْ يَعُودَ فِي خَطِيئَة ،

ــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة النّور / 31 .

(2) سورة الشّورى / 25 .

(3) سورة طه / 82 .

(4) سورة التحريم / 8 .


الصفحة ( 328 )

 وَقَدْ قُلْتَ يَا إلهِي فِي مُحْكَمِ كِتابِكَ إنَّكَ تَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِكَ ، وَتَعْفُو عَنِ السَّيِّئآتِ ، وَتُحِبُّ التَّوَّابِينَ ، فَاقْبَلْ تَوْبَتِي كَمَا وَعَدْتَ ، وَأعْفُ عَنْ سَيِّئآتِي كَمَا ضَمِنْتَ ، وَأَوْجِبْ لِي مَحَبَّتَكَ كَمَا شَـرَطْتَ ، وَلَـكَ يَـا رَبِّ شَـرْطِي أَلاّ أَعُودَ فِي مَكْرُوهِكَ ، وَضَمَانِي أَلاّ أَرْجِعَ فِي مَذْمُومِكَ ، وَعَهْدِي أَنْ أَهْجُرَ جَمِيعَ مَعَاصِيكَ .

أللَّهُمَّ ، وَإنَّهُ لاَ وَفَاءَ لِي بِالتَّوْبَةِ إلاَّ بِعِصْمَتِكَ ، وَلا اسْتِمْسَاكَ بِي عَنِ الْخَطَايَا إلاَّ عَنْ قُوَّتِكَ . أللَّهُمَّ ، أَيُّما عَبْد تَابَ إلَيْكَ وَهُوَ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ فَاسِخٌ لِتَوْبَتِهِ ، وَعَائِدٌ فِي ذَنْبِهِ وَخَطِيئَتِهِ ، فَإنِّي أَعُوذُ بِكَ أنْ أَكُوْنَ كَذلِكَ ، فَاجْعَلْ تَوْبَتِي هَذِهِ تَوْبَةً لا أَحْتَاجُ بَعْدَهَا إلَى تَوْبَة ، تَوْبَةً مُوجِبَةً لِمَحْوِ مَا سَلَفَ ، وَالسَّلاَمَةِ فِيمَـا بَقِيَ .

أللَّهُمَّ ، وَإنِّي أَتُوبُ إلَيْكَ مِنْ كُلِّ مَا خَالَفَ إرَادَتَكَ مِنْ خَـطَرَاتِ قَلْبِي ، وَلَحَـظَاتِ عَيْنِي ، وَحِكَايَاتِ لِسَانِي . أَللَّهُمَّ ، إنْ يَكُنِ النَّدَمُ تَوْبَةً إلَيْكَ فَأَنَا أَنْدَمُ اْلنَّادِمِينَ ، وَإنْ يَكُنِ التَّرْكُ لِمَعْصِيَتِكَ إنَابَةً فَأَنَا أَوَّلُ الْمُنِيبينَ ، وَإنْ يَكُنِ الاسْتِغْفَارُ حِطَّةً لِلذُّنُوبِ فَإنِّي لَكَ مِنَ الْمُسْتَغْفِرِينَ )) .

 وكان الحُرّ بن يزيد التميمي اقترف ذنباً عظيماً في خروجه لحرب الحسين (عليه السّلام) , ومنعه عن الرّجوع وضيّق عليه , ثمّ لمّا تاب تاب الله عليه واستشهد بين يدي الحسين (عليه السّلام) , فرافق الحسين وجدّه وأباه (صلوات الله عليهم) في أعلى درجات الجنان , وذلك لمّا رأى الحُرُّ أنّ القوم قد صمّموا على قتال الحسين (عليه السّلام) , قال لعمر بن سعد : أمقاتل أنت هذا الرجل ؟! قال : أي والله , قتالاً أيسره أنْ تسقط الرؤوس وتطيح الأيدي .

فأخذ الحُرّ يدنو من الحسين (عليه السّلام) قليلاً قليلاً ، وأخذه مثل الأفكل ( وهي : الرّعدة ) ، فقال له المهاجر بن أوس : إنّ أمرك لمريب ! والله ، ما رأيت منك في موقف قط مثل هذا ! ولو قيل لي : مَن أشجع أهل الكوفة ؟ ما عدوتك , فما هذا الذي أرى منك ؟! فقال الحُرّ : إنّي والله , اُخيّر نفسي بين الجنّة والنّار ، فوالله , لا أختار على الجنّة شيئاً ولو قُطّعت وحُرّقت . ثمّ ضرب فرسه قاصداً إلى الحسين (عليه السّلام)


الصفحة ( 329 )

ويده على رأسه ، وهو يقول : اللهمّ , إليك اُنيت فتب عليّ , فقد أرعبت قلوب أوليائك وأولاد بنت نبيّك .

وقال للحسين (عليه السّلام) : جعلت فداك يابن رسول الله , أنا صاحبك الذي حبستك عن الرّجوع , وسايرتك في الطّريق , وجعجعت بك ( أي : ضيّقت عليك ) في هذا المكان , وما ظننتُ أنّ القوم يردّون عليك ما عرضته عليهم , ولا يبلغون منك هذه المنزلة . والله , لو علمتُ أنّهم ينتهون منك إلى ما أرى , ما ركبت مثل الذي ركبت ، وإنّي قد جئتك تائباً ممّا كان منّي وإلى ربّي , مواسياً لك بنفسي حتّى أموت بين يديك , فهل ترى لي من توبة ؟ فقال له الحسين (عليه السّلام) : (( نعم يتوب الله عليك , فانزل )) . قال : أنا لك فارساً خير منّي راجلاً , اُقاتلهم على فرسي ساعة وإلى النّزول يصير آخر أمري . فقال له الحسين (عليه السّلام) : (( فاصنع يرحمك الله ما بدا )) . فقاتل حتّى قُتل , وفاز بالشّهادة .

ولمّا جيء بسبايا أهل البيت إلى دمشق ، واُوقفوا على درج باب المسجد الجامع حيث يُقام السّبي , جاء شيخ فدنا من نساء الحسين (عليه السّلام) وعياله , وتكلّم بما كان من عظم الذّنوب , ثمّ لمّا وعظه زين العابدين (عليه السّلام) وأبان له ما كان يجهله , تاب فتاب الله عليه ونال درجة الشّهادة ؛ وذلك أنّه قال لهم : الحمد لله , الذي أهلككم وقتلكم , وأراح البلاد من رجالكم , وأمكن أمير المؤمنين منكم .

فلم يقابله زين العابدين (عليه السّلام) بسبٍّ ولا شتم حيث علم أنّه جاهل ، بل جاءه باللين والموعظة الحسنة , وقال : (( يا شيخ , هل قرأت القرآن ؟ )) . قال : نعم . قال : (( فهل عرفت هذه الآية : قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى(1) ؟ )) . قال : نعم . قال : (( فنحن القُربى )) . (( فهل قرأت : وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ (2) ؟ )) . قال : نعم . قال : (( فنحن القُربى )) . (( فهل قرأت : وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى(3) ؟ )) . قـال : نعم . قال : (( فنحن القُربى )) . (( وهل قرأت : إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً(4) ؟ )) . قال : نعم . قال : (( فنحن أهل البيت الذين اختصنا الله بآية

ــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الشّورى / 23 .

(2) سورة الإسراء / 26 .

(3) سورة الأنفال / 41 .

(4) سورة الأحزاب / 33 .


الصفحة ( 330 )

الطّهارة )) . فبقي الشيخ ساكتاً نادماً على ما تكلّم به ، وقال : بالله إنّكم هم ؟! قال (عليه السّلام) : (( تالله ، إنّا لنحن هم من غير شكّ ، وحقِّ جدّنا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) )) .

فبكى الشيخ ورمى عمامته ، ثمّ رفع رأسه إلى السّماء وقال : اللهمَّ ، إنّي أبرأ إليك من عدوِّ آل محمَّد من جنّ وإنس . ثمّ قال : هل لي من توبة ؟ فقال له : (( نعم , إنْ تبت تاب الله عليك , وأنت معنا )) . فقال : أنا تائب . فبلغ يزيدَ خبرُه فأمر به فقُتل .

ذرِّيَّةٌ مثلُ ماءِ المُزنِ قدْ طَهرُوا        وطُيِّبوا فصفتْ أوصافُ ذاتِـهمُ

أئمَّـةٌ أخـذَ اللهُ العهـودَ لهُـمْ      على جميعِ الورَى منْ قبلِ خلقِهمُ

 

المجلس الستّون بعد المئتين

الحسد من الصّفات الذّميمة , وهو أيضاً من الذّنوب الكبيرة , والحسد : هو التّألم من وجود نعمة على الغير أو صفة كمال فيه ، وتمنّي زوالها . وهو مذموم في الكتاب العزيز والسّنّة المُطهّرة , قال تعالى : ( أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ )(1) . ( وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ )(2) . وأمر الله تعالى نبيّه أنْ يستعيذ من شرّ الحاسد بقوله تعالى : ( وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ )(3) .

وقال النّبيُّ (صلّى الله عليه وآله) : (( إيّاكم والحسد ؛ فإنّه يأكل الحسنات كما تأكل النّار الحطب )) . والحسد أساس كلّ شر ومنبع كلّ بلاء ؛ حسد إبليس آدم حين أمر الله تعالى الملائكة بالسّجود تعظيماً لآدم (عليه السّلام) , فحمل الحسد إبليس على التّكبر عن السجود لآدم ، فكان ذلك سبباً لسخط الله تعالى على إبليس ولعنه الدّائم ، وتسلّطه على بني آدم , وسبباً لأكل آدم وحواء من الشّجرة بوسوسة إبليس ،

ــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة النّساء / 54 .

(2) سورة البقرة / 109 .

(3) سورة الفلق / 5 .


الصفحة ( 331 )

وخروجهما من الجنّة .

والحسد أوّل معصية وقعت على وجه الأرض ، حسد قابيل أخاه هابيل ؛ لأنّ الله تعالى قبل قربان هابيل ولم يقبل قربانه ، والحسد هو الذي كان سبب إلقاء إخوة يوسف أخاهم يوسف في الجبّ وإرادة هلاكه . ( إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ * اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ )(1) .

والحسد هو الذي كان السّبب في إنكار اليهود نبوّة محمَّد (صلّى الله عليه وآله) , وكانوا عرفوا صفته في كتبهم , حكاه الله تعالى عنهم بقوله : ( وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ )(2) . كانوا يقولون لمُشركي قريش : هذا نبيّ قد أطلّ زمانه , سيُبعث ونؤمن به فينصرنا عليكم . فلمّا ظهر أنكروه حسداً ؛ لأنّه من غيرهم وهم يريدونه منهم , وقالوا : ليس هذا الذي كُنّا نخبركم به . وهم يعتقدون أنّه هو .

والحسد هو الذي دعا بني اُميّة إلى بغض بني هاشم ومنابذتهم ؛ فحارب جدُّهم أبو سفيان النّبيَّ (صلّى الله عليه وآله) عدّة حروب حتّى ظهر أمر الله وهو كاره , فأظهر الإسلامَ مُكرهاً ونفسه منطوية على خلافه ، واقتدى به ولده معاوية , فحارب أمير المؤمنين عليَّ بن أبي طالب (عليه السّلام) يوم صفّين ونابذه , وفرّق كلمة المسلمين ، ومشي على أثره ولده يزيد , فجيّش الجيوش على ابن بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وسبطه حتّى قتله , وقتل أهل بيته وأنصاره , وسبى نساءه وعياله وحملهم إليه من الكوفة إلى الشّام , وأوقفهم على درج باب المسجد الجامع حيث يُقام السّبي , وقابلهم بكلِّ جفاء وغلظة .

ألا يابنَ هندٍ لا سَقَى اللهُ تُرْبةً      ثويتَ بِمثواهَا ولا اخضَرَّ عودُها

* * *

ــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة يوسف / 8 ـ 9 .

(2) سورة البقرة / 89 .


الصفحة ( 332 )

 

المجلس الواحد والستّون بعد المئتين

قال الله سبحانه وتعالى ( كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ )(1) . وقال تعالى مخاطباً لنبيّه (صلّى الله عليه وآله) ، وناعياً إليه نفسه : ( إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ )(2) .

واشترى اُسامة بن زيد جارية بمئة دينار إلى شهر , فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( ألا تعجبون من اُسامة المُشتري إلى شهر ! إنّ اُسامة لطويل الأمل . والذي نفسي بيده , ما طرفتْ عيناي إلاّ ظننتُ أنّ شفريَّ لا يلتقيان حتّى يقبض الله روحي , ولا رفعتُ طرفي وظننتُ أنّي خافضه حتّى اُقبض , ولا تلقّمتُ لقمةً إلاّ ظننتُ أنّي لا أسيغها ، أنحصر بها من الموت )) . ثم قال (( يا بني آدم , إنْ كُنتم تعقلون فعدّوا أنفسكم من الموتى ، والذي نفسي بيده ، إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ(3) )) .

وقال أمير المؤمنين علي (عليه السّلام) في بعض خطبه : (( وَلَوْ أَنَّ أَحَداً يَجِدُ إِلَى الْبَقَاءِ سُلَّماً ، أَوْ لِدَفْعِ الْمَوْتِ سَبِيلاً لَكَانَ ذَلِكَ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ ( عليه السلام ) ، الَّذِي سُخِّرَ لَهُ مُلْكُ الْجِنِّ وَالإِنْسِ مَعَ النُّبُوَّةِ وَعَظِيمِ الزُّلْفَةِ ، فَلَمَّا اسْتَوْفَى طُعْمَتَهُ ، وَاسْتَكْمَلَ مُدَّتَهُ ، رَمَتْهُ قِسِيُّ الْفَنَاءِ بِنِبَالِ الْمَوْتِ ، وَأَصْبَحَتِ الدِّيَارُ مِنْهُ خَالِيَةً ، وَالْمَسَاكِنُ مُعَطَّلَةً ، وَوَرِثَهَا قَوْمٌ آخَرُونَ ، وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْقُرُونِ السَّالِفَةِ لَعِبْرَةً .

أَيْنَ الْعَمَالِقَةُ وَأَبْنَاءُ الْعَمَالِقَةِ ؟! أَيْنَ الْفَرَاعِنَةُ وَأَبْنَاءُ الْفَرَاعِنَةِ ؟! أَيْنَ أَصْحَابُ مَدَائِنِ الرَّسِّ الَّذِينَ قَتَلُوا النَّبِيِّينَ ، وَأَطْفَؤوا سُنَنَ الْمُرْسَلِينَ ، وَأَحْيَوْا سُنَنَ الْجَبَّارِينَ ؟! أَيْنَ الَّذِينَ سَارُوا بِالْجُيُوشِ وَهَزَمُوا بِالأُلُوفِ ، وَعَسْكَرُوا الْعَسَاكِرَ وَمَدَّنُوا الْمَدَائِنَ ؟! ))

وخطب الحسين (عليه السّلام) لمّا عزم على الخروج إلى العراق , فقال : (( الحمدُ لله وما شاء الله ولا قوّة إلاّ بالله ، وصلّى الله على رسوله ، خُطَّ الموتُ على وُلد آدمَ مَخَطَّ القَلادةِ على جيد الفتاةِ ، وما أولهني

ــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة القصص / 88 .

(2) سورة الزمر / 30 .

(3) سورة الأنعام / 134 .


الصفحة ( 333 )

 إلى أسلافي اشتياقُ يعقوبَ إلى يوسفَ ، وخُيّر لي مصرعٌ أنا لاقيه ، كأنّي بأوصالي تُقطّعها عَسْلانُ الفلوات بين النّواويس وكربلاء ، فيملأنَّ منّي أكراشاً جوفاً وأجربةً سغباً ، لا مَحيصَ عن يومٍ خُطّ بالقَلَمْ ، رِضَى اللهُ رضانا أهلَ البيتِ ، نصبرُ على بلائِهِ ويُوفّينا أجورَ الصّابرين ، لنْ تَشُذَّ عن رسول اللهِ لَحمتُهُ ، بل هي مجموعةٌ لهُ في حظيرةِ القُدْسِ ، تُقرُّ بِهمْ عينُه ويُنجزُ بهم وعدَه .

مَنْ كان باذلاً فينا مُهجَتَه ، ومُوَطِّناً على لقاءِ اللهِ نفسَه فليرحل معنا ، فإنّني راحلٌ مُصبحاً إنْشاءَ اللهُ تعالى )) .

وما قال الحسين (عليه السّلام) : (( كأنّي بأوصالي تُقطّعها عَسْلانُ الفلوات )) : أي ذئابها , إلاّ لعلمه أنّه سيُقتل ويبقي بلا دفن كما أخبره جدّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) . ومن عادة القتيل الذي لم يُدفن أنْ يجري عليه ذلك , فساق كلامه على مجرى العادة , وإلاّ فجسمه الشّريف وإنْ لم يحفظ من ذئاب أهل الكوفة وكلابهم أتباع بني اُميّة , إلاّ أنّه محفوظ من الذّئاب الوحشيّة كما قال السيّد الرّضي رضي الله عنه :

تَهابُهُ الوَحشُ أَنْ تَدنو لِمَصرَعِهِ      وَقَد أَقامَ ثَلاثاً غَيرَ مَقبورِ

تَحنو عَلَيهِ الرُبى ظِلاّ ً وَتَستُرُه      عَنِ النَّواظِرِ أَذيالُ الأَعاصيرِ

 

المجلس الثاني والسّتون بعد المئتين

الأخوات اللواتي أصابتهُنَّ سهام الدّهر وفُجعن بإخوتهنّ كثيرات , لكن أشدّهنَّ أشجاناً ، وأعظمهنَّ أحزاناً أربعة : اثنتان في الشّرك , واثنتان في الإسلام ، وكلّ منهنّ وقفت على جسد أخيها فرأته صريعاً مضرّجاً بالدّم .

فأمّا اللتان في الشّرك , فإحداهنَّ : ليلى اُخت عمرو بن عبد ود


الصفحة ( 334 )

العامري , فإنّها لمّا قُتل أخوها عمرو , برزت من خدرها وهي صارخةٌ معولةٌ حتّى وقفت على جسده , فرأته مقطوع الرأس ولم تُسلب منه ثيابُه ولا درعُه , فتعجَّبت من ذلك وقالت : مَن هو قاتل أخي ؟ فقيل لها : هو علي بن أبي طالب (عليه السّلام) . فاستبشرت وقالت : لَعمري , لهو كفو كريم . والله , لا أرثي أخي ولا أندبه . ثمّ أنشأت تقول :

لـو  كانَ قاتلُ عمرٍو غيرَ قاتلِهِ      لـكـنـتُ أبكي عليهِ آخرَ الأبدِ
لـكـنّ قـاتـلَهُ مَنْ لا يُعابُ بهِ      قـدْ  كان يُدعَى أبوهُ بيضةَ البلدِ
منْ هاشمٍ في ذُراهَا وهي صاعدةٌ      إلى  السّماءِ تُميتُ النّاسَ بالحسدِ
قـومٌ أبـى اللهُ إلاّ أنْ يكون لهمْ      كـرامـةُ الـدِّينِ والدُّنيا بلا لدد

وأمّا الثّانية : فهي صفيّة اُخت مرحب , فإنّه بعد ما قتله أمير المؤمنين (عليه السّلام) , أخذها أسيرة وبعث بها إلى النّبيِّ (صلّى الله عليه وآله) مع بلال , فمرّ بها بلال على مصرع أخيها فرأته صريعاً مُلطّخاً بدمه , ثمّ جاء بها إلى النّبيِّ (صلّى الله عليه وآله) وأوقفها بين يديه , وهي مذعورة وقد ارتعدت فرائصها , فقال لها النّبي (صلّى الله عليه وآله) : (( ما بالِك ؟ )) . قالت : يا رسول الله , اعلم أنّ هذا العبد مرّ بي على مصرع قومي , فاعتراني ما ترى . فلامه النّبيُّ (صلّى الله عليه وآله) وأمر بإطلاقها .

وأمّا اللتان في الإسلام ، فإحداهنّ صفيّة عمّة النّبي (صلّى الله عليه وآله) , فإنّه لمّا قُتل أخوها حمزة بن عبد المطّلب في وقعة اُحد , وقفت عليه فرأته صريعاً مُلطّخاً بدمه , وقد خُرق جوفه واستُخرجت كبده , وقد غطّاه النّبي (صلّى الله عليه وآله) بردائه , فلم يستر جسده بل بقيت رجلاه مكشوفتين , فستره النّبيُّ (صلّى الله عليه وآله) بالحشيش , فوقفت عليه اُخته صفيّة , فقال النّبي (صلّى الله عليه وآله) لولدها الزّبير : (( قُل لاُمّك لتَكفّنّ عن البكاء , ولترجع إلى خدرها )) .

وأمّا الثّانية ، فهي زينب بنت أمير المؤمنين (عليهما السّلام) , وهي أعظمهنَّ شجناً وأشدَّهنّ حُزناً ، وأكثرهنَّ كرباً وأوجعهنَّ قلباً ؛ وذلك


الصفحة ( 335 )

لِمَا رأت من المصائب التي لم تُسبق ولم تُلحق بمثلها أبداً , ولمّا قُتل أخوها الحسين (عليه السّلام) ، حمل ابن سعد نساءه وبناته وأخواته ومَن كان معه من الصّبيان , وساقوهم كما يُساق سبي التّرك والرّوم , فقالت النّسوة : بحقِّ الله , إلاّ ما مررتم بنا على مصرع الحسين (عليه السّلام) . فمرّوا بهم على الحسين وأصحابه (عليهم السّلام) وهم صرعى , فلمّا نظرت النّسوة إلى القتلى , صحن وضربن وجوههنَّ .

قال الرّاوي : فوالله , لا أنسى زينب بنت علي (عليهما السّلام) وهي تندب الحسين (عليه السّلام) , وتُنادي بصوت حزين وقلب كئيب : يا مُحمّداه ! صلّى عليك مليك السّماء ، هذا حُسينك مرمّل بالدماء ، مقطوع الأعضاء ، وبناتك سبايا ـ إلى أن قالت ـ بأبي مَن لا غائب فيُرتجى ، ولا جريح فيُداوى ! بأبي المهموم حتّى قضى ! بأبي العطشان حتّى مضى ! بأبي مَن شيبته تقطر بالدماء .

أمّا اُخت عمرو ، فهوّن حزنها على أخيها أنّ قاتله رجل شريف جليل وهو علي بن أبي طالب (عليه السّلام) ، وافتخرت بذلك , وكانت العرب تفتخر بكون القاتل شريفاً , ويزيد في حزنها على القتيل كون قاتله وضيعاً ؛ وأمّا اُخت مرحب , فهوّن ما بها إكرام رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لها ؛ وأمّا اُخت حمزة , فهوّن حزنها على أخيها أنْ بقي لها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) .

أمّا زينب ، فزاد في حزنها وعظيم مصابها أنّ قاتل أخيها شمر بن ذي الجوشن النّذل الرّذل , ولم يبقَ لها مَن تتسلّى به إلاّ زين العابدين (عليه السّلام) , وقد نهكته العلّة وأضرّ به المرض , فما أعظم مصيبتها ، وأجلّ رزيتها !

لَمْ أدرِ أيَّ رزاياهُمْ اُعدِّدُها     هيهاتَ لمْ اسْتَطعْ عَنهُنَّ تَعبيرَا

* * *


الصفحة ( 336 )

 

المجلس الثالث والستّون بعد المئتين

النّساء اللّواتي فُجعن بإخوتِهنَّ في الجاهليّة والإسلام كثيرات , ولكنْ اشتهر من بينهنّ عدّة , فمنهنّ : الخنساء اُخت صخر , وكان أخوها قد طُعن في بعض الحروب بطعنة , ثمّ اعتلّ منها فمات , فقالت اُخته ترثيه :

أَلا يا صَخرُ إِنْ أَبكَيتَ عَيني      لَـقَد أَضحَكتَني دَهراً طَويلا
بَـكَيتُكَ فـي نِساءٍ مُعوِلاتٍ      وَكُنتُ أَحَقَّ مَن أَبدى العَويلا
دَفَعتُ  بِكَ الجَليلَ وَأَنتَ حَيٌّ      فَمَن  ذا يَدفَعُ الخَطبَ الجَليلا
إِذا قَـبُحَ الـبُكاءُ عَلى قَتيلٍ      رَأَيتُ بُكاءَكَ الحَسَنَ الجَميلا

ولها أيضاً ترثيه :

تَبكي خُناسٌ عَلى صَخرٍ وَحُقَّ لَها      إِذ رابَـها الدَّهرُ إِنَّ الدَّهرَ ضَرّارُ
يـا  صَـخرُ وَرّادَ ماءٍ قَد تَناذَرَهُ      كـلُّ الـبَريَّةِ مـا في وِردِهِ عارُ
مَشى السَّبَنتى إِلى هَيجاءَ مُعضِلَةٍ      لَـهُ سِـلاحانِ أَنـيابٌ وَأَظـفارُ
وَمـا عَـجولٌ عَلى بَوٍّ تُطيفُ بِهِ      لَـها  حَـنينانِ إِعـلانٌ وَإِسرارُ
يَـوماً  بِـأَوجَدَ مِنّي يَومَ فارَقَني      صَـخرٌ  وَلِـلدَّهرِ إِحلاءٌ وَإِمرارُ
وَإِنَّ  صَـخراً لَـوالِينا وَسَـيِّدُنا      وَإِنَّ صَـخراً إِذا نَـشتو لَـنَحّارُ
وَإِنَّ  صَـخراً لَـتَأتَمَّ الـهُداةُ بِهِ      كَـأَنَّهُ  عَـلَمٌ فـي رَأسِـهِ نـارُ

ومنهنّ : ليلى بنت طريف الشّيبانيّة , وكان أخاها الوليد قتله يزيدُ بن مزيد الشّيباني في بعض الحروب , فقالت اُخته ترثيه :


الصفحة ( 337 )

أيـا  شـجرَ الـخابورِ مـا لكَ مُورقا      كَـأنّك  لَـم تَـجزعْ عَلى ابنِ طريفِ
فَـتىً  لا يُـحبُّ الـزَّاد إلاّ منَ التُّقى      وَلا الـمـالَ إلاّ مـن قـناً وسـيوفِ
ولا الـذّخـرَ إلاّ كـلَّ جـرداءَ صلدمٍ      مــعــاودةً لـلـكـرِّ بين صفوفِ
فَـقَـدناكَ  فُـقـدانَ الـرَّبيعِ ولَـيتنا      فَـدَيـناك مِــن سـاداتـنا بـاُلوفِ
حَليف النَّدى إِنْ عاشَ يرضى به النَّدى      وَإِنْ  مـاتَ لا يـرضى النَّدى بحليفِ
وَمـا  زالَ حـتّى أزهق الموتُ نفسَهُ      شَـجـاً  لـعـدوٍّ أو نـجاً لـضعيفِ
فَـإِنْ  يـكُ أَرداهُ يـزيدُ بـنُ مـزيد      فــرُبَّ زَحــوفٍ لـفَّها بـزحوفِ
ألا يـا لـقـومـي لـلـحِمامِ وللبَلَى      ولـــلأرضِ هَـمَّـتْ بعدَهُ برحيفِ
وَلـلّيثِ  فـوقََ الـنَّعشِ إِذ يَـحملونه      إِلــى حُـفـرةٍ مـلحودةٍ وسـقوفِ

ومنهنَّ : اُمّ كلثوم اُخت عمرو بن عبد ود العامري , فإنّه لمّا قتل أخاها عليٌّ (عليه السّلام) يوم الخندق , وقفت عليه فرأته لم تُسلب منه ثيابُه ولا درعه , فسألت عن قاتله , فقيل لها علي بن أبي طالب , فأنشأت تقول :

لـو  كانَ قاتلُ عمرٍو غيرَ قاتلِهِ      لـكـنـتُ أبكي عليهِ آخرَ الأبدِ
لـكـنّ قـاتـلَهُ مَنْ لا يُعابُ بهِ      قـدْ  كان يُدعَى أبوهُ بيضةَ البلدِ
منْ هاشمٍ في ذُراهَا وهي صاعدةٌ      إلى  السّماءِ تُميتُ النّاسَ بالحسدِ
قـومٌ أبـى اللهُ إلاّ أنْ يكون لهمْ      كـرامـةُ الـدِّينِ والدُّنيا بلا لددِ
يـا أمّ كـلثومَ ابـكيهِ ولا تَدَعي      بُـكاءَ مـعولةٍ حـرّى على ولد

وقالت أيضاً :

أسدانِ في ضيْقِ المجالِ تصاوَلا       وكلاهُما كفوٌ كـريمٌ باسل ُ

فَتَخالَسا سلـبَ النُّفوسِ كِلاهما       وَسط المجالِ مجالدٌ ومقاتلُ


الصفحة ( 338 )

وَكِلاهما حسرَ القناعَ حفيظةً       لَم يثنهِ عَن ذاك شغلٌ شاغلُ
فاذهبْ عليٌّ فما ظفـرتَ بمثلِهِ      قولٌ سديدٌ ليس فيه تحاملُ

ومنهنّ : وهي أعظمهنَّ وجداً وأشدّهنّ حزناً , عقيلة بني هاشم زينب بنت أمير المؤمنين (عليهما السّلام) , التي رأت أخاها الحسين (عليه السّلام) جثّة بلا رأس , مرضوض الجسم بحوافر الخيل , وقفت عليه وجعلت تندبه وتُنادي بصوتٍ حزين وقلبٍ كئيب : يا مُحمّداه ! صلّى عليك مليك السّماء ، هذا حُسينك مرمّل بالدماء ، مُقطّع الأعضاء ، وبناتك سبايا ، وذُرّيّتك مُقتّلة تسفي عليهم ريح الصبا ، وهذا حسينٌ محزوز الرأس من القفا , مسلوب العمامة والرّداء . بأبي مَن لا هو غائب فيُرتجى ، ولا جريح فيُداوى ! بأبي المهموم حتّى قضى ! بأبي العطشان حتّى مضى ! بأبي مَن شيبته تقطر بالدّماء .

وثـواكلٍ بـالنّوحِ تُسعدُ مثلَها      أرأيـتَ  ذا ثكلٍ يكونُ سَعيدَا
حـنَّـتْ فلَمْ تَرَ مثلَهنَّ نوائحاً      إذْ  لـيـسَ مثلُ فقيدِهنَّ فقيدَا
إنْ تنْعَ أعطَتْ كلَّ قلبٍ حَسْرةً      أو  تدْعُ صدَّعتِ الجِبالَ المِيدَا

وليكن هذا آخر الجزء الرّابع من المجالس السَّنيّة في مناقب ومصائب العترة النّبويّة , وبه تمّ القسم المتعلّق بمُصيبة الحسين (عليه السّلام) من الكتاب .

ولمْ نألُ جهداً في اختياره وانتقائه وترتيبه حسبما وصلت إليه مقدرتُنا القاصرة ، والله المسؤول أنْ ينفع به إخوان الدِّين ، ويجعله خالصاً لوجهه الكريم ، ويحشرنا في زمرة محمّد وآله الطاهرين صلوات الله عليه وعليهم أجمعين .
ووافق الفراغ منه آخر نهار الاثنين , الثّامن من شهر ذي القعدة الحرام سنة 1343 من الهجرة ، بمدينة دمشق المحميّة ، ووافق الفراغ من إعادة النّظر فيه ثانياً ، والزيادة عليه عصر يوم السّبت الرّابع والعشرين من شهر رمضان


الصفحة ( 339 )

المبارك سنة 1362 من الهجرة بمدينة دمشق أيضاً ، حماها الله تعالى , وكتب بيده الدّاثرة مؤلفه الفقير إلى عفو ربّه الغني محسن ابن المرحوم السيّد عبد الكريم الأمين الحسيني العاملي نزيل دمشق ، تجاوز الله عنه ، حامداً مُصليّاً مُسلّماً . s

كان الفراغ من طبع هذا الجزء للمرة الثّالثة يوم الخميس ، الواقع في السّادس عشر من شهر جمادى الاُولى سنة 1373 هجرية .

* * *

والحمد لله رب العالمين

 

 
 
البرمجة والتصميم بواسطة : MWD