1439 / ربیع‌الاول / 5  |  2017 / 11 / 24         الزيارات : 483666         صلاة الصبح |         صلاة الظهر والعصر |         صلاة المغرب والعشاء |

المجالس السَّـنيّة في مناقب ومصائب العترة النبويّة ج 3

{ المجتهد الأكبر السيّد محسن الأمين رضوان الله عليه }
المجالس السَّـنيّة  في  مناقب ومصائب العترة النبويّة ج 3

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين ، وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله الطاهرين .

 وبعد : فهذا هو الجزء الثالث من كتاب : ( المجالس السَّـنيّة ) في ذكرى مصائب ومناقب العترة النبويّة ، تأليف أفقر العباد إلى عفو ربّه الغني ، محسن ابن المرحوم السيّد عبد الكريم الأمين الحسيني العاملي نزيل دمشق ، عفا الله عن جرائمه ، وحشره مع محمّد وآله الطاهرين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين .


الصفحة (3)

المجلس الرابع والأربعون بعد المئة

روى المسعودي في مروج الذهب ، بسنده عن المنذر بن الجارود قال : لمّا قدم علي (عليه السّلام) البصرة خرجت أنظر إليه ، فورد موكب نحو ألف فارس يقدمهم فارس على فرس أشهب ، عليه قلنسوة وثياب بيض متقلّد سيفاً ومعه راية ، وإذا تيجان القوم الأغلب عليها البياض والصُّفرة ، مدجّجين في الحديد والسّلاح ، فقلت : مَن هذا ؟ فقيل : أبو أيوب الأنصاري صاحب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وهؤلاء الأنصار وغيرهم . ثمّ تلاهم فارس آخر عليه عمامة صفراء وثياب بيض ، متقلّد سيفاً متنكّب قوساً ، معه راية على فرس أشقر في نحو ألف فارس ، فقلت : مَن هذا ؟ فقيل : هذا خُزيمة بن ثابت الأنصاري ذو الشهادتين . ثمّ مرّ بنا فارس آخر على فرس كميت ، معمّم بعمامة صفراء من تحتها قلنسوة بيضاء ، وعليه قباء أبيض مصقول ، متقلّد سيفاً متنكّب قوساً في نحو ألف فارس من النّاس ومعه راية ، فقلت : مَن هذا ؟ فقيل لي : أبو قتادة بن ربعي الأنصاري .

 ثمّ مرّ بنا فارس آخر على فرس أشهب ، عليه ثياب بيض وعمامة سوداء قد سدلها بين يديه ومن خلفه ، شديد الأدمة ، عليه سكينة ووقار ، رافع صوته بقراءة القرآن ، متقلّد سيفاً متنكّب قوساً ، معه راية بيضاء في ألف من النّاس مختلفي التيجان ، حوله مشيخة وكهول وشباب كأنّ قد اُوقفوا للحساب ، أثر السّجود قد أثّر في جباههم ، فقلت : مَن هذا ؟ فقيل : عمّار بن ياسر في عدّة من الصحابة ؛ من المهاجرين والأنصار وأبنائهم . ثمّ مرّ بنا فارس على فرس أشقر ، عليه ثياب بيض وقلنسوة بيضاء وعمامة صفراء ، متنكّب قوساً متقلّد سيفاً ، تخطّ رجلاه في الأرض في ألف من النّاس ، الغالب على تيجانهم الصُّفرة والبياض ، معه راية خضراء ، فقلت : مَن


الصفحة (4)

هذا ؟ قيل : هذا قيس بن سعد بن عبادة في الأنصار وأبنائهم وغيرهم من قحطان . ثمّ مرّ بنا فارس على فرس أشهل ما رأينا أحسن منه ، عليه ثياب بيض وعمامة سوداء قد سدلها بين يديه بلواء ، قلت : مَن هذا ؟ قيل : هو عبد الله بن العبّاس في عدة من أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) . ثمّ تلاه موكب آخر فيه فارس أشبه النّاس بالأوّلين ، قلت : مَن هذا ؟ قيل : قثم بن العبّاس . ثمّ أقبلت المواكب والرايات يقدم بعضها بعضاً واشتبكت الرماح ، ثمّ ورد موكب فيه خلق من النّاس عليهم السّلاح والحديد ، مختلفو الرايات ، كأنّما على رؤوسهم الطير ، يقدمهم رجل كأنّما كُسر وجُبر ـ قال : وهذه صفة رجل شديد الساعدين ، كذلك تخبر العرب في وصفها إذا أخبرت عن الرجل أنّه : كُسر وجُبر ـ نظره إلى الأرض أكثر من نظره إلى فوق ، وعن يمينه شاب حسن الوجه ، وعن شماله شاب حسن الوجه ، قلت مَن هؤلاء ؟ قيل : هذا علي بن أبي طالب (عليه السّلام) ، وهذان الحسن والحسين (عليهما السّلام) عن يمينه وشماله ، وهذا محمّد بن الحنفيّة بين يديه معه الراية العظمى ، وهذا الذي خلفه عبد الله بن جعفر بن أبي طالب (عليه السّلام) ، وهؤلاء ولد عقيل وغيرهم من فتيان بني هاشم ، وهؤلاء المشايخ أهل بدر من المهاجرين والأنصار.

 فساروا حتّى نزلوا الموضع المعروف بـ ( الزاوية ) ، فصلّى علي (عليه السّلام) أربع ركعات وعفّر خديه على التربة ـ وقد خالط ذلك دموعه ـ ثمّ رفع يديه يدعو ، فقال : (( اللهمّ ، ربّ السّماوات وما أظلّت ، والأرضين وما أقلّت ، وربّ العرش العظيم ، هذه البصرة أسألك من خيرها ، وأعوذ بك من شرّها )) .

هذا دخول علي (عليه السّلام) البصرة من أرض العراق كما وصفه المنذر بن الجارود ، بما فيه من الجلالة والعظمة ، ولا يقتصر عنه في الجلالة والعظمة ، دخول ولده الحسين بن علي (عليه السّلام) أرض العراق بأنصاره وأهل بيته (عليهم السّلام) ، وهم نجوم الأرض من آل عبد مناف ، من ولد علي والحسن والحسين وجعفر وعقيل (عليهم السّلام) ، الذين ليس لهم على وجه الأرض شبيه . ولكن دخول


الصفحة (5)

علي (عليه السّلام) البصرة انتهى بنصره على أعدائه ، أمّا دخول ولده الحسين (عليه السّلام) أرض العراق ، فابتدأ بملاقاة الحُرّ بن يزيد له في ألف فارس ومنعه عن الرجوع ، ثمّ أخذه طريقاً لا يدخله الكوفة ولا يردّه إلى المدينة حتّى جاء أمر بن مرجانة إلى الحُرّ بأن يُجعجع بالحسين (عليه السّلام) ويضيّق عليه ، ولا يُنزله إلاّ بالعراء في غير حصن وعلى غير ماء . وجعل كلّما أراد المسير يمنعونه تارة ويسايرونه اُخرى حتّى ورد كربلاء ، فقال : (( أهذه كربلاء ؟ )) . قالوا : نعم يابن رسول الله . قال : (( انزلوا ، فههنا مَحطُّ رحالنا ، وسفك دمائنا ، ومقتل رجالنا )) .

وكما دعا أمير المؤمنين (عليه السّلام) عند نزوله ( الزاوية ) دعا الحسين (عليه السّلام) لمّا صبّحته الخيل يوم عاشوراء ، فقال : (( اللهمّ ، أنت ثقتي في كلّ كرب ، وأنت رجائي في كلّ شدّة ، وأنت لي في كلّ أمر نزل بي ثقةٌ وعدةٌ . كم من كرب يضعف عنه الفؤاد وتقلّ فيه الحيلة ، ويخذل فيه الصديق ويشمت فيه العدو أنزلته بك وشكوته إليك ؛ رغبة منّي إليك عمّن سواك ، ففرّجته عنّي وكشفته ، فأنت وليُّ كلّ نعمة ، وصاحب كلّ حسنة ، ومنتهى كلّ رغبة )) . ثمّ انتهى الأمر بقتل الحسين (عليه السّلام) وقتل أنصاره وأبنائه وإخوته وأبناء عمومته .

 فليتك يا أمير المؤمنين الذي قتل الأبطال وأفنى الرجال يوم البصرة ، لا غبت عن ولدك الحسين (عليه السّلام) يوم كربلاء ، وقد بقي وحيداً فريداً ، لا ناصر له ولا معين :

خِلـوٌ مـن الأنـصارِ غـير مُهنَّدٍ   صـافي الـغِرارِ وصـعْدةٍ سمْراءِ
مـنعُوهُ مـن مـاءِ الفُراتِ ووردِهِ   وأبـوُهُ سـاقي الحوضِ يومَ جزاءِ
حتّى قضَى عَطشاً كما اشْتَهتْ العِدى   بـأكـفِّ لا صِـيـدٍ ولا أكـفـاءِ


الصفحة (6)

المجلس الخامس والأربعون بعد المئة

روى نصر بن مزاحم في كتاب صفّين : عن عبد الرحمن بن عوف الأحمر ، قال : لمّا قدمنا على معاوية وأهل الشام بـ ( صفّين ) ، وجدناهم قد نزلوا منزلاً اختاروه بساطاً واسعاً ، وأخذوا الشريعة(1) فهي في أيديهم ، وقد صفّ أبو الأعور عليها الخيل والرجّالة ، وقد أجمعوا أنْ يمنعونا الماء . ففزعنا إلى أمير المؤمنين (عليه السّلام) فأخبرناه بذلك ، فدعا صعصعة بن صوحان ، فقال : (( ائت معاوية ، فقل إنّا سرنا مسيرنا هذا ، وأنا أكره قتالكم قبل الإعذار إليكم ، وإنّك قد قدمت بخيلك فقاتلتنا قبل أنْ نقاتلك ، وبدأتنا بالقتال ونحن من رأينا الكفّ حتّى ندعوك ونحتّج عليك ، وهذه اُخرى قد فعلتموها ؛ حلتم بين النّاس وبين الماء ، فخلِّ بينهم وبينه حتّى تنظر فيما قدمنا له ، وإنْ كان أحبّ إليك أنْ ندع ما جئنا له ، و ندع النّاس يقتتلون على الماء حتّى يكون الغالب هو الشارب فعلنا )) .

فقال معاوية لأصحابه : ما ترَون ؟ قال الوليد بن عقبة : امنعهم الماء كما منعوه ابن عفّان ، اقتلهم عطشاً قتلهم الله . قال عمرو بن العاص : خلِّ بين القوم وبين الماء ؛ فإنّهم لن يعطشوا وأنت ريّان ، ولكن لغير الماء فانظر . فأعاد الوليد مقالته وقال لعبد الله بن أبي سرح : امنعهم الماء إلى الليل ؛ فإنّهم إنْ لمْ يقدروا عليه رجعوا وكان رجوعهم هزيمتهم ، امنعهم الماء منعهم الله إيّاه يوم القيامة . فقال صعصعة : إنّما يمنعه اللهُ يوم القيامة الكفرةَ الفجرة شَرَبة الخمر مثلك ومثل هذا الفاسق ـ يعني : الوليد بن عقبة ـ . فوثبوا إليه يشتمونه ويتهدّدون . فقال معاوية : كفّوا عن الرجل ؛ فإنّه رسول . فقال صعصة لمعاوية : ما تردّ عليّ ؟ قال : سيأتيكم رأيي .

قال الراوي : فوالله ، ما راعنا إلاّ تسوية الرجال والخيل والصفوف ، وأرسل إلى أبي

______________________

(1) الشريعة : منحدر الماء .


الصفحة (7)

الأعور امنعهم الماء . فقام رجل من أهل الشام من همدان إلى معاوية ، وكان ناسكاً ، فقال : سبحان الله ! إنْ سبقتم القوم إلى الفرات تمنعوهم عنه ، أما والله ، لو سبقوكم إليه لسقوكم منه ، أما تعلمون أنّ فيهم العبد والأجير والضعيف ؟! هذا والله ، أوّل الجور . فأغلظ له معاوية ، فسار الهمداني في سواد الليل فلحق بعلي (عليه السّلام) .

ومكث علي (عليه السّلام) يوماً وليلة بغير ماء ، فخرج نحو رايات مذحج وإذا رجل ينادي في سواد الليل :

أيَـمنَعُنا القومُ ماءَ الفُراتْ   وفينا الرِّماحُ وفيناالحَجَفْ
وفـينا عـليٌّ لـه سَورةٌ    إذا خوَّفوهُ الرَّدى لمْ يَخَفْ
فـنحنُ الذينَ غَداةَ الزّبير    وطلحةَ خضْنا غمارَ التَّلفْ
فما بالُنا أمسُ اُسدُ لعرينْ    وما بالُنا اليومَ شاءُ النَّجفْ

وجاء الأشعث إلى أمير المؤمنين (عليه السّلام) فقال : يا أمير المؤمنين ، أيمنعنا القوم ماء الفرات وأنت فينا ومعنا السّيوف ؟ خلِّ عنّا وعن القوم ، فوالله ، لا نرجع حتّى نردّه أو نموت . فقال (عليه السّلام) : (( ذلك إليك )) . فنادى الأشعث : مَن كان يريد الماء أو الموت فميعاده الصبح . فأتاه اثنا عشر ألفا ً، فلمّا أصبح حمل هو والأشتر ، وجعل الأشتر يُلقي رمحه ويقول : بأبي أنتم واُمّي ! تقدّموا قاب رمحي هذا . فلم يزل كذلك حتّى خالط القوم ، وبعث إلى الأشعث : أنْ أقحم الخيل . فأقحمها حتّى وضعت سنابكها في الفرات ، وأخذت أهل الشام السّيوف فولّوا مدبرين .

 وقال معاوية لعمرو : ما ظنّك بعلي ؟ قال : ظنّي به أنّه لا يستحلّ منك ما استحلّك منه ، وإنّ الذي جاء لَغير الماء . فقال أهل العراق : والله ، لا نُسقيهم . فأرسل إليهم علي (عليه السّلام) : (( خذوا من الماء حاجتكم ، وخلّوا بينهم وبين الماء ؛ فإنّ الله قد نصركم ببغيهم وظلمهم )).       

وعلى هذه السُنّة جرى ابن زياد وأصحابه ـ أتباع يزيد بن معاوية ـ يوم كربلاء ، فكما منع معاوية وأتباعه أمير المؤمنين (عليه السّلام)


الصفحة (8)

وأصحابه يوم صفّين ماء الفرات ، منع الحسين (عليه السّلام) وأصحابه ماء الفرات يوم كربلاء ، وكتب ابن زياد إلى ابن سعد : أنْ حِل بين الحسين وأصحابه وبين الماء ، فلا يذوقوا منه قطرة كما صُنع بالتقيِّ الزكيِّ عثمان . فبعث عمر بن سعد في الوقت عمرو بن الحجّاج في خمسمئة فارس ، فنزلوا على الشريعة وحالوا بين الحسين (عليه السّلام) وأصحابه وبين الماء ، ومنعوهم أن يستقوا منه قطرة ، وذلك قبل قتل الحسين (عليه السّلام) بثلاثة أيام .

لكنّ منع علي (عليه السّلام) وأصحابه الماء يوم صفّين انتهى بانتصار أميرالمؤمنين (عليه السّلام) واستيلائهم على الشريعة ؛ ومنع الحسين (عليه السّلام) الماء يوم كربلاء انتهى بقتل الحسين (عليه السّلام) عطشان ظاميا ً، وقُتل أهل بيته وأصحابه ، وسبي نسائه وذراريه :

 منعوهُمُ ماءَ الفُراتِ ودونَهُ   بسيوفِهمْ دمُهمْ يُطلُّ مُحلّلا

* * *

المجلس السّادس والأربعون بعد المئة

لمّا كان يوم صفّين صلّى علي (عليه السّلام) صلاة الغَداة ، ثمّ زحف إلى أهل الشام ، فلمّا أبصروه قد خرج ، استقبلوه بزحوفهم فاقتتلوا قتالاً شديداً ، ثمّ إنّ خيل أهل الشام حملت على خيل أهل العراق فاقتطعوا من أصحاب علي ألف رجل أو أكثر ، فأحاطوا بهم وحالوا بينهم وبين أصحابهم فلمْ يروهم ، فنادى علي (عليه السّلام) يومئذ : (( ألا رجل يشري نفسه لله ويبيع دنياه بآخرته ؟ )) . فأتاه رجل من جُعف يقال له : عبد العزيز بن الحارث على فرس أدهم ، كأنّه غراب مقنّعاً في الحديد لا يُرى منه إلاّ عيناه ، فقال : يا أمير المؤمنين ، مُرني بأمرك ، فوالله ، ما تأمرني بشيء إلاّ صنعته .


الصفحة (9)

فقال علي (عليه السّلام) :

 سمحْتَ بأمرٍ لا يُطـاقُ حفيظةً   وصِدقاً وإخوانُ الحفاظِ قليلُ

جزاك إلهُ النّاسِ خيراً فقدْ وفَتْ   يداكَ بفضلٍ ما هناكَ جزيلِ(1)

 (( أبا الحارث ، شدّ الله ركنك ، احمل على أهل الشام حتّى تأتي أصحابك فتقول لهم : أمير المؤمنين يقرأ عليكم السّلام ، ويقول لكم : هلّلوا وكبّروا من ناحيتكم ، ونُهلّل نحن ونكبّر من ناحيتنا ، واحملوا من جانبكم ، ونحمل نحن من جانبنا على أهل الشام )) .

فضرب الجُعفي فرسه حتّى إذا قام على السنابك حمل على أهل الشام المحيطين بأصحاب علي (عليه السّلام) ، فطاعنهم ساعة وقاتلهم ، فانفرجوا له حتّى أتى أصحابه . فلمّا رأوه استبشروا به وفرحوا ، وقالوا : ما فعل أمير المؤمنين ؟ قال : صالح يقرؤكم السّلام ويقول لكم : هلّلوا وكبّروا واحملوا حملة رجل واحد من ذلك الجانب ، ونهلّل نحن من جانبنا ونكبّر ونحمل من خلفكم . فهلّلوا وكبّروا وحملوا ، وهلّل علي (عليه السّلام) وأصحابه وكبّروا وحملوا على أهل الشام ، فانفرج أهل الشام عنهم ، فخرجوا وما اُصيب منهم رجل واحد ، ولقد قُتل من فرسان أهل الشام يومئذ زهاء سبعمئة رجل . فقال علي (عليه السّلام) : (( مَن أعظم النّاس غناءً ؟ )) . فقالوا : أنت يا أمير المؤمنين . قال : (( كلاّ ، ولكنّه الجُعفي )) .

إنّ مقام هذا الجُعفي بصفّين لمقامٌ عظيمٌ ، وكفاه شهادة أمير المؤمنين (عليه السّلام) له بأنّه أعظم النّاس غناءً ، وما أشبه مقامه بمقام أبي الفضل العبّاس يوم كربلاء حين برز عمرو بن خالد الصيداوي ، فقال : له الحسين (عليه السّلام) : (( تقدّمْ فإنّا لاحقون بك عن ساعة )) . فحمل هو وسعد مولاه ، وجنادة بن الحارث السلماني ، ومجمع بن عبد الله العائذي ، فشدّوا مقدمين بأسيافهم على النّاس ، فلمّا وغلوا في أصحاب ابن سعد قطعوهم عن أصحابهم وأحاطوا بهم ، فندب الحسين (عليه السّلام) لهم أخاه العبّاس

ـــــــــــــــــــــــــــ

(1) في البيت إقواء بيّن .  (موقع معهد الإمامَين الحسنَين)


الصفحة (10)

فحمل على القوم وحده ، فضرب فيهم بسيفه حتّى فرّقهم عن أصحابه وخلص إليهم ، فسلّموا عليه واستنقذهم وجاء بهم ولكنّهم كانوا جرحى ، فأبوا عليه أنْ يستنقذهم سالمين ، فعاودوا القتال وحملوا فقاتلوا وهو يدفع عنهم حتّى قُتلوا في مكان واحد ، فعاد العبّاس إلى أخيه وأخبره بخبرهم .

ولكنّ شتّان بين المقامين ؛ فالجُعفي حمل على أهل الشام مستعيناً بأمير المؤمنين (عليه السّلام) وأصحابه حتّى استنقذوه ومَن معه ، وأبو الفضل العبّاس حمل وحده على ثلاثين ألفاً من أهل الكوفة ، وضاربهم حتّى وصل إلى أصحابه وأنصار أخيه الحسين (عليه السّلام) ، واستنقذهم وحده لم يساعده أحد .

قرّت عينك يا أمير المؤمنين بولدك أبي الفضل العبّاس الذي ورث منك الشجاعة والفروسية ، وقاتل بين يدي أخيه الحسين (عليه السّلام) قتال الأبطال ، فلو ترآه وهو مقطوع اليدين ، مرضوخ الجبين ، مشكوك العين بسهم ، مثخناً بالجراح ، وولدك أبو عبد الله الحسين (عليه السّلام) واقف عنده منحنياً ، ثمّ جلس عند رأسه يبكي حتّى فاضت نفسه الطاهرة :

 أبا حسَـنٍ أبنـاؤُكَ اليـومَ حلَّقتْ   بقادمةِ الأسيافِ عـنْ خطَّةِ الخسف ِ

سلْ الطَّفَّ عنهُمْ أين بالأمسِ طنَّبُوا   وأين استقلُّوا اليومَ عن عرْصةِ الطَّفِّ

* * *

ولـمّا رأوا بـعضَ الحياةِ مذلَّةً  عـليهمْ وعِـزَّ الموتِ غيرَ مُحرَّم ِ
أبَوا أنْ يذوقُوا العيشَ والذاقعٌ   عـليهِ ومـاتُوا مـيتةً لـم ُذمَّم ِ
ولا عـجبٌ للاُسْدِ إنْ ظفرَتْ بها   كلابُ الأعادِي منْ فصيحٍ أعجَم ِ
فحربةُ وحشيٍّ سَقتْ حمزةَ الرَّدى   وحتفُ عليٍّ من حسامِ ابنِ مُلجَم ِ


الصفحة (11)

المجلس السّابع والأربعون بعد المئة

لمّا كان يوم صفّين برز رجل من أهل الشام اسمه كريب بن الصبّاح الحِميري من آل ذي يزن ، ليس في أهل الشام يومئذ رجل أشهر منه بشدّة البأس ، ثمّ نادى : مَن يبارز ؟ فبرز إليه المرتفع بن الوضّاع الزبيدي فقتل المرتفع ، ثمّ نادى : مَن يبارز ؟ فبرز إليه الحارث بن الجلاّح فقتله ، ثمّ نادى مَن يبارز ؟ فبرز إليه عائذ بن مسروق الهمداني فقتل عائذاً ، ثمّ رمى بأجسادهم بعضها فوق بعض ، ثمّ قام عليها بغياً واعتداءً ، ثمّ نادى : هل بقي من مبارز ؟ فبدر إليه علي (عليه السّلام) ، ثمّ ناداه : (( ويحك يا كريب ! إنّي اُحذّرك وأدعوك إلى سنّة الله وسنّة رسوله . ويحك ! لا يدخلنّك ابن آكلة الأكباد النّار )) . فكان جوابه أن قال : ما أكثر ما قد سمعنا هذه المقالة منك فلا حاجة لنا فيها ، أقدم إذا شئت . مَن يشتري سيفي وهذا أثره ؟ فقال علي (عليه السّلام) : (( لا حول ولا قوة إلاّ بالله )) . ثمّ مشى إليه فلمْ يمهله أن ضربه ضربة خرّ منها قتيلاً يتشحّط في دمه .

ثمّ نادى علي (عليه السّلام) : (( مَن يبارز ؟ )) . فبرز إليه الحارث بن وداعة الحميري فقتل الحارث ، ثمّ نادى : (( مَن يبارز ؟ )) . فلم يبرز إليه أحد ، ثمّ إنّ عليّاً (عليه السّلام) نادى : (( يا معشر المسلمين ، الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ(1) . ويحك يا معاوية ! هلُمّ إليّ فبارزني ، ولا يقتتلن النّاس فيما بيننا )) . فقال عمرو : اغتنمه منتهزاً ، قد قتل ثلاثة من أبطال العرب ، وإنّي أطمع أن يظفرك الله به . فقال معاوية : ويحك يا عمرو ! والله ، إنْ تريد إلاّ أنْ اُقتل فتصيب الخلافة بعدي ، اذهب إليك عنّي ، فليس مثلي يُخدع .

قال زياد بن النّصر الحارثي :

ــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة البقرة / 194 .


الصفحة (12)

شهدت مع علي (عليه السّلام) بصفّين ، فاقتتلنا ثلاثة أيام وثلاث ليال حتّى تكسرت الرماح ونفدت السّهام ، ثمّ صرنا إلى المسايفة ، فاجتلدنا بالسيوف إلى نصف الليل حتّى صرنا نحن وأهل الشام في اليوم الثالث يعانق بعضنا بعضاً ، وقد قاتلت تلك الليلة بجميع السّلاح فلمْ يبقَ شيء من السّلاح إلاّ قاتلت به حتّى تحاثينا بالتراب ، وتكادمنا بالأفواه حتّى صرنا قياماً ينظر بعضنا إلى بعض ، ما يستطيع أحد من الفريقين أنْ ينهض إلى صاحبه ولا يقاتل . فلمّا كان نصف الليل من الليلة الثالثة انحاز معاوية وخيله من الصف ، وغلب علي (عليه السّلام) على القتلى تلك الليلة ، وأقبل على أصحاب محمّد (صلّى الله عليه وآله) وأصحابه فدفنهم .

فأين كان أميرالمؤمنين (عليه السّلام) عن ولده الحسين (عليه السّلام) وأصحابه يوم طفّ كربلاء ، فيصلّي عليهم ويدفنهم حتّى لا يبقوا ثلاثة أيام بلياليها على وجه الصعيد كالأضاحي جثثاً بلا رؤوس ، تسفي عليهم الرياح ، زوارهم الوحوش والطيور، وأكفانهم السّواقي من الرمال ؟!

مُطرَّحينَ على الرَّمْضاءِ قد لبسُوا   مـن الـمَهابةِ أبـراداً لـها قُشُبَا
مـُضرَّجينَ بـمحمرِّ النَّجيعِ بنَى   نـَبلُ العِدى والقَنا من فوقِهمْ قُببَا
منْ كلِّ جسمٍ بوجهِ الأرضِ مطَّرحٍ   وكلِّ رأسٍ برأسِ الرُّمحِ قدْ نُصبَا

وأين كان أمير المؤمنين (عليه السّلام) عن ولده الحسين (عليه السّلام) حين نادى عمر بن سعد : مَن يبتدر للحسين فيدوس صدره بحوافر فرسه ؟!

ما شفَى داءَ ضغْنِها القتلُ حتّى   بالعوادي عادتْ ترضُّ قُراهَا


الصفحة (13)

المجلس الثامن والأربعون بعد المئة

لمّا كان يوم صفّين خرج رجل من أهل الشام يسأل المبارزة ، فخرج إليه رجل من أهل العراق ، فاقتتلا بين الصفّين قتالاً شديداً ، ثمّ إنّ العراقي اعتنق الشامي فوقعا جميعاً تحت قوائم فرسيهما ، فجلس العراقي على صدره وكشف المغفر عنه يريد ذبحه ، فلمّا رآه عرفه فاذا هو أخوه . فصاح به أصحاب علي (عليه السّلام) : أجهز على الرجل . فقال : إنّه أخي . قالوا : فاتركه . فقال : حتّى يأذن لي أمير المؤمنين (عليه السّلام) . فاُخبر علي (عليه السّلام) بذلك ، فأرسل إليه : (( دعْهُ )) . فتركه .

 وكان لمعاوية مولىً يُقال له : حريث ، وكان فارس معاوية الذي يعدّه لكلّ مبارز ولكلّ عظيم . وكان حريث يلبس سلاح معاوية متشبّهاً به ، فإذا قاتل قال النّاس : ذاك معاوية . وإنّ معاوية دعاه وقال له : يا حريث ، اتّقِ عليّاً وضع رمحك حيث شئت . فأتاه عمرو بن العاص ، فقال : يا حريث ، لو كنت قرشيّاً لأحبَّ معاوية أنْ تقتل عليّاً ، ولكن كره أنْ يكون لك حظَّها ، فإنْ رأيت فرصة لعلي فأقحم عليه وقاتله .

 قال : وخرج أمير المؤمنين (عليه السّلام) أمام الخيل ، فحمل عليه حريث مولى معاوية ، وكان شديداً ذا بأس ، ونادى : يا علي ، هل لك في المبارزة ؟ فأقدم أبا حسن إذا شئت . فأقبل أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، وهو يقول :

أنـا عـليٌّ و ابنُ عبدِ المُطَّلبْ   نـحنُ لَعمرُ اللهِ أولى بالكُتُبْ
منّا النّبيُّ المُصطفَى غيرُ كذبْ   أهـلُ اللواءِ والمقامِ والحُجُبْ
يا أيُّها العبدُ الغريبُالمُنتدِبْ   اثـبتْ لـنا يا أيُّها الكلبُ الكَلِبْ

ثم ضربه علي (عليه السّلام) فقتله ، فجزع عليه معاوية جزعاً شديداً ،


 الصفحة (14)

 

وعاتب عمرو بن العاص في ذلك ، ثمّ أنشأ معاوية يقول :

حُـريثُ ألَمْ تعلمْ وجهلُك ضائرُ   بـأنّ عليّاً لـلفوارسِ قـاهرُ
وأنّ عليّاً لـمْ يـبارزه فارسٌ   مـن النّاس إلاّ أقصدتهُ الأظافرُ
أمـرتُك أمراً حازماً فعصيتَني   فـجدّك إذْ لمْ تقبل النُّصحَ عاثرُ
ودلاّك عـمروٌ والحوادثُ جمَّةٌ   غرُوراً وما جرَّتْ عليك المقادرُ
وظنَّ حُريثٌ إنّ عمْراً نصيحُهُ   وقد يُهلِكُ الإنسانَ مَن لا يحاذرُ

ولمّا قتل أمير المؤمنين (عليه السّلام) حريثاً ، برز عمرو بن الحصين السكسكي ـ وهو من أهل الشام ـ ، فنادى بأعلى صوته : يا أبا حسن ، هلمّ إلىّ المبارزة . فأنشأ علي (عليه السّلام) يقول :

مـا عـلَّتي وأنا جلدٌ حازمْ(1)   وعـن يميني مَذحِجُ القماقمْ
وعن يساري وائلُ الخضارِمْ   والقلبُ حولي مُضرُ الجماجمْ
أقـسمتُ بالله الـعليِّ العالِـمْ   لا أنـثني إلاّ بـردِّ الرّاغمْ

ثمّ حمل عمرو بن الحصين على أمير المؤمنين (عليه السّلام) ليضربه ، فبادر إليه سعيد بن قيس الهمداني ففلق صلبه ، فقال أمير المؤمنين (عليه السّلام) :

دعـوتُ فلبّاني منَ القومِ عُصبةٌ   فـوارِسُ مـن هَمْدانَ غيرُ لئام ِ
فـوارسُ منْ همْدانَ ليسُوا بعزَّلٍ   غَداةَ الوغَى من شاكرٍ وشِبامِ(2)
بكـلِّ رُديـنيٍّ وعَـضْبٍ تخالُهُ   إذا اخـتلفَ الأقوامُ شَعْلَ ضِـرام ِ
لـهمدانَ أخـلاقٌ ودينٌ يَزينهُمْ   وبـأسٌ إذا لاقـَوْا وحدُّ خصام ِ
وجِـدٌّ وصدقٌ في الحروبِ ونجدةٌ   وقـولٌ إذا قـالوا بـغيرِ أثـام ِ
مـَتى تأتِهمْ في دارهِمْ تستَضفهُمْ   تـَبِتْ نـاعماً في خِدمةٍ وطعام ِ

_______________________

(1) في الشطر خلل عروضي ، وربما كان صوابه بهذا النّحو : ( ما علّتي إذ ْ أنا جلد حازمْ )(موقع معهد الإمامَين الحسنَين)

(2) شاكر وشبام : بطنان من همدان .


 الصفحة (15)

جَزى اللهُ همْدانَ الجنانَ فإنّها   سِمامُ العِدى في كلِّ يوم زحام ِ

فلو كنتُ بوّابا على باب جنَّةٍ   لقلـتُ لهمْـدانَ ادخلوا بسلام ِ

وكانت قبيلة همدان من القبائل الموالية لأمير المؤمنين (عليه السّلام) والمتفانية في حبّه ، وكفاهم قوله (عليه السّلام) :

فلو كنتُ بوّابا على باب جنَّةٍ   لقلـتُ لهمْـدانَ ادخلوا بسلام ِ

وكان منهم مع ولده الحسين (عليه السّلام) عدد غير قليل ، منهم : أبو ثمامة الصائدي الذي قال للحسين (عليه السّلام) يوم عاشوراء : يا أبا عبدالله ، نفسي لنفسك الفداء ! هؤلاء اقتربوا منك ، لا والله ، لا تُقتل حتّى اُقتل دونك ، وأحبّ أنْ ألقى الله وقد صلّيت هذه الصلاة معك . فرفع الحسين (عليه السّلام) طرفه إلى السّماء ، وقال : (( ذكرتَ الصلاة جعلك الله من المصلّين الذاكرين ، نعم هذا أوّل وقتها )) . ثمّ قال (عليه السّلام) : (( سلوهم أنْ يكفّوا عنّا حتّى نصلّي )) . ثمّ إنّ أبا ثمامة قال للحسين (عليه السّلام) : يا أبا عبد الله ، إنّي قد هممت أنْ ألحق بأصحابي وكرهت أنْ اتخلّف وأراك وحيداً من أهلك قتيلاً . فقال له الحسين (عليه السّلام) : (( تقدّم فإنّا لاحقون بك عن ساعة )) . فتقدّم فقاتل حتّى اُثخن بالجراحات ، ولمْ يزل يقاتل حتّى قُتل .

ومنهم : بُرير بن خضير الهمداني الذي جلس هو وعبد الرحمن بن عبد ربّه الأنصاري على باب الفسطاط الذي دخله الحسين (عليه السّلام) يوم عاشوراء ليصلّي ، فجعل برير يضاحك عبد الرحمن ، فقال له عبد الرحمن : يا برير ، ما هذه ساعة باطل ! فقال برير : لقد علم قومي أنّي ما أحببت الباطل كهلاً ولا شاباً ؛ وإنّما أفعل ذلك استبشاراً بما نصير إليه ، فوالله ، ما هو إلاّ أنْ نلقى هؤلاء القوم بأسيافنا نعالجهم بها ساعة ، ثمّ نعانق الحور العين :

 فوارسُ اتخَذوا سُمرَ القنَا سَمَراً   فكلَّما سجَعَتْ ورقُ القنَا طَربُوا


 الصفحة (16)

يسْتنجِعـُونَ الـرَّدى شَوقاً لغايتِهِ   كأنّما الضربُ في أفوهِها الضَرَبُ(1)

واستأثَرُوا بالرَّدى منْ دونِ سيِّدهِمْ   قصْـداً وما كلُّ إيثـارٍ به الأربُ

 

* * *

المجلس التاسع والأربعون بعد المئة

لمّا كان يوم صفّين قام علي (عليه السّلام) بين الصفّين ، ونادى : (( يا معاوية )) ، يكررها . فقال معاوية : اسألوه ما شأنه ؟ قال (عليه السّلام) : (( أحبّ أن يظهر لي فاُكلّمه كلمة واحدة )) . فبرز معاوية ومعه عمرو بن العاص ، فلمْ يلتفت إلى عمرو . وقال (عليه السّلام) لمعاوية : (( ويحك ! علامَ يُقتتل النّاس بيني وبينك ؟! ابرز إليّ فأيُّنا قتل صاحبه فالأمر له )) . فالتفت معاوية إلى عمرو ، فقال : ما ترى يا أبا عبد الله ، اُبارزه ؟ فقال عمرو : لقد أنصفك الرجل ، واعلم أنّك إنْ نكلت عنه لمْ تزل سُبّة عليك وعلى عقبك ما بقي عربي . فقال معاوية : يا عمرو ، ليس مثلي يُخدع عن نفسه ، والله ، ما بارز ابن أبي طالب رجلاً قطّ إلاّ سقى الأرض من دمه .

ثمّ انصرفا راجعين حتّى انتهيا إلى آخر الصفوف ، وحقَدها معاوية على عمرو ، وقال : ما أظنّك إلاّ مازحاً ! فلمّا جلس معاوية مجلسه دخل عليه عمرو ، فقال معاوية :

 يا عمروُ إنّكَ قدْ قشرتَ ليَ العَصا   برضاكَ في وسَطِ العجاجِ بِرازي

ولقدْ أعدْتَ فقُلـتُ مَزْحَـةُ مازحٍ   والمَزْحُ يحملُـهُ مقـالُ الهـازي

 

____________________________

(1) الضرب : العسل وزناً ومعنىً .

 


 الصفحة (17)

فإذا الذي منَّتكَ نفسُكَ خالياً   قتلِي جزاكَ بما نويتَ الجازي

فقال له عمرو : أتجبن عن خصمك وتتهم نصيحك ؟ وقال مجيباً له :

مـعاويَ إنْ نـكلتَ عن البِرازِ   لك الويلاتُ فانظُرْ في المخازي
وما ذنبي بـإنْ نادَى عليٌّ   وكـبشُ الـقومِ يـُدعَى للبِرازِ
فـلَو بـارزْتـهُ بارزتَ ليثاً   حـديدَ النَّابِ ينفذُ كلَّ بازِ
وتـزْعمُ أنّـني أضمرتُ غِشاً   جـزاني بالذي أضمرتُ جازِ

وبرز عمرو بن العاص في بعض أيام صفّين ، فاعترضه علي (عليه السّلام) ثمّ طعنه فصرعه ، واتّقاه عمرو برجله فبدت عورته ، فصرف علي (عليه السّلام) وجهه عنه ، فقال القوم : أفلت الرجل يا أمير المؤمنين . قال (عليه السّلام) : (( وهل تدرون مَن هو ؟ )) . قالوا : لا . قال (عليه السّلام) : (( فإنّه عمرو بن العاص تلقّاني بعورته فصرفت وجهي عنه )) . وإلى ذلك أشار أبو فراس الحمداني بقوله :

ولا خيرَ في دفعِ الرَّدى بمذلّةٍ   كما ردَّها يوماً بسوأتهِ عَمرو

ورجع عمرو إلى معاوية ، فقال له : ما صنعت ؟ قال : لقيني علي فصرعني فاتّقيته بعورتي . قال : احمد الله وعورتك ، أمّا والله ، لو عرفته ما أقحمت عليه . وقال معاوية في ذلك :

ألا لله مـنْ هـفواتِ عَمرٍو   يـعاتبُني عـلى تركِي بِرازي
فـقدْ لاقـَى أبـا حـسنٍ عليّاً   فـآبَ الـوائليُّ مـآبَ خازِ
فـلَو لـمْ يُـبدِ عورتَهُ للاقَى   بـهِ لـيثاً يـذللُ كـلَّ نازِ
لــه كـفٌّ كـأنَّ بـراحتيْها   منايا القومِ يخطِفُ خطفَ بازِ
فـإنْ تـكُنْ الـمنيَّةُ أخـطأتْهُ   فـقدْ غـنَّى بـها أهلُ الحجازِ


 الصفحة (18)

فغضب عمرو ، وقال : هل هو إلاّ رجل لقيه ابن عمّه فصرعه ، أفترى السّماء قاطرةً لذلك دماً ؟! قال معاوية : ولكنّها تعقبك جبناً .

وبرز عُروة بن داود الدمشقي ، فقال : إنْ كان معاوية كره مبارزتك يا أبا الحسن فهلمّ . فتقدّم إليه علي (عليه السّلام) فقال له أصحابه : ذَر هذا الكلب ؛ فإنّه ليس لك بخطر . فقال (عليه السّلام) : (( والله ، ما معاوية اليوم بأغيظ لي منه ، دعوني وإيّاه )) . ثمّ حمل عليه فضربه فقطعه قطعتين ، سقطت إحداهما يمنة والاُخرى يسرة ، فارتجّ العسكران لهول الضربة ، ثمّ قال (عليه السّلام) : (( يا عُروة ، اذهب فأخبر قومك ، أما والذي بعث محمّداً بالحقِّ لقد عاينت النّار وأصبحت من النّادمين )) .

وحمل ابن عمّ لعُروة على علي (عليه السّلام) فطعنه ، فضرب علي (عليه السّلام) الرمح فبراه ، ثمّ قنّعه ضربة فألحقه بابن عمّه ، ومعاوية ينظر . فقال معاوية : تبّاً لهذه الرجال وقبحاً ! أما فيهم مَن يقتل هذا ـ يعني : أميرالمؤمنين (عليه السّلام) ـ مبارزةً أو غيلة ، أو في اختلاط الفيلق وثَوَران النّقع(1) ؟ فقال الوليد بن عقبة : ابرز إليه أنت ؛ فإنّك أولى النّاس بمبارزته . فقال : والله ، لقد دعاني إلى البراز حتّى استحييت من قريش ، وإنّي والله ، لا أبرز إليه ؛ ما جُعل العسكر بين يدي الرئيس إلاّ وقاية له . فقال عتبة بن أبي سفيان : الهوا عن هذا ، كأنّكم لم تسمعوا نداءه ، فقد علمتم أنّه قتل حريثاً وفضح عمراً ، ولا يتحكّك به أحد إلاّ قتله . فقال معاوية لبُسر بن أرطاة : أتقوم لمبارزته ؟ فقال : ما أحد أحقّ بها منك ، وإذا أبيتموه فأنا له .

وكان عند بُسر ابنُ عمّ له قدم من الحجاز يخطب ابنته ، فقال لبُسر : ما يدعوك إلى ذلك ؟ قال : الحياء . فضحك الغلام ، وقال :

تـنازلُهُ يـا بُسْرُ إنْ كُنتَ ثلَهُ   وإلاّ فـإنَّ الـليثَ لـلضبعِ آكلُ
كـأنّك يا بُسْرُ بنَ أرطاةَ جاهلٌ   بـآثارِهِ فـي الحربِ أو متجاهل ُ
متَى تلْقِهِ فالموتُ في رأسِ رُمحِهِ   وفـي سيفهِ شغلٌ لنفسك شاغل ُ

 

____________________

(1) النّقع : الغبار .


 الصفحة (19)

فقال بُسر : هل هو إلاّ الموت ! فغدا علي (عليه السّلام) منقطعاً من خيله ومعه الأشتر ، فناداه بُسر : ابرز إليّ أبا حسن . فجاءه علي (عليه السّلام) بتؤدة(1) غير مكترث ، فلمّا قاربه طعنه وهو دارع فألقاه على الأرض ، ومنع الدرعُ السّنان أنْ يصل إليه فاتّقاه بُسر ، وقصد أنْ يكشف سوأته ليستدفع بأسه فانصرف علي (عليه السّلام) عنه مستدبراً له ، فقال له الأشتر : إنّه بُسر بن أرطاة ! عدو الله وعدوك يا أمير المؤمنين . فقال (عليه السّلام) : (( دَعْه عليه لعنة الله ، أبَعد أنْ فعلها ! )) .

ورجع بُسر ، فقال له معاوية : ارفع طرفك قد أدال الله عمراً منك . فقال في ذلك النّضر بن الحارث :

أفـي كلِّ يـومٍ فارسٌ تندبُونهُ   لـهُ عـورةٌ وسطَ العَجاجةِ باديهْ
يـكفُّ بـها عـنهُ عـليٌّ سِنانَهُ   ويضحكُ منها في الخلاءِ مُعاويهْ
بدتْ أمسِ من عمرٍو فقنَّع رأسَهُ   وعـورةُ بُـسرٍ مثلُها حَذْوَ حاذِيهْ
فقولا لعمرٍو وابنِ أرطأةَ أبصِرا   سـبيلَكُما لا تَـلقَيا الـلَّيثَ ثانيهْ
ولا تَـحمدا إلاّ الحيا وخُصاكُما   هُـما كـانتا واللهِ لـلَّنفس واقيهْ
فـلولاهما لـم تَـنجُوَا منْ سنانهِ   وتـلك بما فيها عنْ العَودِ ناهيهْ
متَى تلقيا الخيلَ المُشيحةَ صُبْحةً   وفـيها عليٌّ فاتْرُكا الخيلَ ناحيهْ
وكـونا بـعيداً حيثُ لا يبلغ القَنا   نـحورَكُما إنّ الـتجاربَ كـافيهْ
وإنْ كان منهُ بعدُ في النَّفسِ حاجةٌ   فـعُودا إلـى ما شئتُما هي ما هِيهْ

وعمرو هذا هو الذي دبّر الحيلة على مولانا أمير المؤمنين (عليه السّلام) برفع المصاحف على رؤوس الرماح حتّى اغترّ بذلك أهل العراق ، واضطرّ أمير المؤمنين (عليه السّلام) إلى القبول بالتحاكم إلى القرآن وهو يقول لهم : (( أنا كتاب الله النّاطق ، وهذا كتاب الله الصامت )) . فلمْ يسمعوا .

ولولا رفع تلك المصاحف على رؤوس الرماح ، لم يُرفع رأس الحسين (عليه السّلام) ورؤوس أصحابه على رؤوس الرماح يوم كربلاء ، يسار بها من بلد إلى بلد ، فمن كربلاء إلى الكوفة ،

___________________

(1) أي : مشى مشياً وئيداً .


 الصفحة (20)

ومن الكوفة إلى الشام أمام عينَي زين العابدين (عليه السّلام) ، وأمام عينَي زينب وسائر النّساء .

ولمّا قربوا من دمشق دنت اُمّ كلثوم من شمر ، فقالت له : لي إليك حاجة . فقال : ما حاجتك ؟ قالت : إذا دخلت بنا البلد فاحملنا في درب قليل النظّارة ، وتقدّم إليهم أنْ يخرجوا هذه الرؤوس من بين المحامل وينحّونا عنها ؛ فقد خزينا من كثرة النّظر إلينا ونحن في هذه الحال . فأمر في جواب سؤالها ، أنْ تجعل الرؤوس على الرماح في أوساط المحامل بغيّاً منه وكفراً ، وسلك بهم بين النظّارة على تلك الصفة :

لـيتَ المواكبَ والوصيُّ زعيمُها   وقـَفوا كـموقِفكُمْ عـلى صفّين
بالطفِّ كي يرَوا الاُولى فوق القنَا   رُفـعتْ مـصاحفُها اتّقاءَ منون ِ
جـعلتْ رؤوسَ بني النّبيِّ مكانَها   وشـفَتْ قـديمَ لواعجٍ وضغون ِ

المجلس الخمسون بعد المئة

اجتمع عند معاوية بصفّين ليلةً عتبة بن أبي سفيان والوليد بن عقبة ومروان بن الحكم وغيرهم ، فقال عتبة : إنّ أمرنا وأمر علي لعجب ! ليس منّا إلاّ موتور ؛ أمّا أنا فقتل جدّي وشرك في دم عمومتي يوم بدر ؛ وأمّا أنت يا وليد ، فقتل أبوك يوم الجمل وأيتم إخوتك ؛ وأمّا أنت يا مروان ، فكما قال الشاعر :

 وأفَلتَهُنَّ(1) عِلباءٌ(2) جَريضاً(3)   ولو أدرَكْنَهُ صَفِرَ الوِطابُ(4)

_____________________

(1) انفلت منهن .

(2) اسم رجل .

(3) الجريض : المغموم .

(4) الوطاب : جمع وطب ، وهو سقاء اللبن . وصفرت الوطاب : أي خلت من اللبن ، ويكنّى به عن الموت . يقال : صفرت وطابه : أي مات أو قُتل . وهذا البيت ضربه كالمثل لمروان ، أي : أنّه أفلت يوم الجمل بآخر رمق ، ولو أدركه علي (عليه السّلام) لقتله .  ـ المؤلّف ـ


الصفحة (21)

قال معاوية : هذا الإقرار فأين الغير ؟ قال مروان : أيّ غير تريد ؟ قال : اُريد أنْ يشجر بالرماح . فقال : والله ، إنّك لهازل ولقد ثقلنا عليك . فقال الوليد بن عقبة في ذلك :

يـقولُ لنا معاويةُ بنُ حربٍ   أمَـا فـيكُمْ لِواترِكُمْ طَلُوبُ
يـشدُّ على أبي حسنٍ عليٍّ   بـأسمرََ لـمْ تُهجِّنهُ الكُعوبُ
فقلتُ لهُ أتلعبُ يابنَ هندٍ   كـانَّك وسْطَنا رجلٌ غريبُ
أتـأمرُنا بـحيَّةِ بـطنِ وادٍ   إذا نَـهشَتْ فليس لها طبيبُ
ومـا ضَـبُعٌ أقام ببطنِ وادٍ   اُتـيح لـه بـهِ أسدٌ مَهيبُ
بـأضعفَ حـيلةً منّا إذا ما   لَـقيناه وذا مـنَّا عَـجيبُ
سِـوى عمرٍو وقَتْهُ خُصيتاهُ   نـجا ولِـقلبِهِ مـنها وَجيبُ
لعمر أبي معاويةَ بن حربٍ   ومـا ظنِّي ستلحقهُ العيوبُ
لـقد نـاداهُ في الهيجا عليٌّ   فـأسمعهُ ولـكنْ لا يُجيبُ

فغضب عمرو ، وقال : إنْ كان الوليد صادقاً ، فليلقَ عليّاً أو ليقف حيث يسمع صوته . وقال عمرو :

يُـذكِّرُني الـوليدُ دُعَا عليٍّ   وبـطنُ المرءِ يملؤهُ الوعيد ُ
مَـتى تذكُرْ مشاهدَهُ قُريشٌ   يَطِـرْ منْ خوفهِ القلبُ الشديد ُ
فـأمّا فـي اللقاءِ فأين منهُ   مـعاويةُ بنُ حربٍ والوليد ُ
وعـيَّرَني الوليدُ لقاءَ ليثٍ   إذا مـا زارَ هابَتْهُ الاُسودُ(1)
لـقيتُ ولـستُ أجهلُهُ عليّاً   وقـدْ بُـلّتْ من العَلَقِ الكُبُود ُ
فـأطعنُهُ ويـطعنُني خِلاساً   ومـاذا بَـعد طـعنتِهِ اُريد ُ

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) إنّ مفردة ( زار ) هنا مخففة عن ( زأر ) التي بمعنى : صاح عن صدره (موقع معهد الإمامَين الحسنَين)

 الصفحة (22)  

فرُمْها منهُ يابنَ أبي مُعَيْطٍ   وأنتَ الفارسُ البطلُ النَّجيد ُ
فـاُقسِمُ لو سمعتَ نِـدَا عليٍّ   لطارَ القلبُ وانتفَخَ الوريد ُ
ولـو لاقيتَهُ شُقَّتْ جُيوبٌ   عليك ولُطِّمتْ فيك الخُدود ُ

وما زالت أضغان بني اُميّة كامنةً في صدورهم بقتل مَن قتله منهم أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، يوم كانوا يقودون الجيوش لحرب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، ومحو الإسلام في يوم بدر واُحد والأحزاب ، ويُظهرونها لعلي (عليه السّلام) وأولاده ، ويجهدون في محوهم عن جديد الأرض كلّما سنحت لهم الفرصة ، ويُظهرون الشماتة والفرح بما يُصيب آل بيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من المصائب .

فمِن ذلك لمّا جاء الخبر إلى المدينة بقتل الحسين (عليه السّلام) ، وكان الأمير عليها من بني اُميّة وهو عمرو بن سعيد بن العاص ، فلمّا سمع أصوات نساء بني هاشم يبكين على الحسين (عليه السّلام) ويندبنه ، ضحك وتمثل بقول بعض العرب :

 عجَّتْ نساءُ بني زيادٍ عجَّةً   كعجيجِ نسوتِنا غَداةَ الأرنب ِ

 ثم خطب النّاس ، وقال في خطبته : إنّها لدمةٌ بلدمة وصدمة بصدمة ، كمْ خطبة بعد خطبة ، وموعظة بعد موعظة ، حكمة بالغة فما تُغني النّذر .

ومن ذلك لمّا وُضع رأس الحسين (عليه السّلام) ورؤوس أهل بيته وأصحابه بين يدي يزيد ، دعا بقضيب خيزران وجعل ينكت به ثنايا الحسين (عليه السّلام) ، ثم قال : يوم بيوم بدر . وقيل : إنّ مروان بن الحكم أخذ الرأس الشريف وتركه بين يديه ، وقال :

 

 يا حبَّذا بُردُك في اليَدينِ   ولونُكَ الأحمرُ في الخدَّين ِ

كأنّما حـُفَّ بوردَتـينِ   شفيتُ نفسي من دمِ الحُسين ِ

والله , لكأنّي أنظر إلى أيام عثمان .


الصفحة (23)

قومٌ قَتلتُمْ على الإسلامِ أوّلَهُمْ   حتّى إذا اسْتمكَنُوا جازوا على الكُفُرِ

أبناءُ حرْبٍ ومروانٍ واُسرتُهمْ   بنو مُعيـطٍ وُلاةُ الحُـقـدِ والوَغَـرِ

* * *

بني اُميّةَ ما الأسيافُ نائمةً   عن ساهرٍ في أقاصي الأرضِ مَوتورِ

أكلُّ يومٍ لآلِ المُصطفَى قمرٌ   يهـوي بوقـعِ العـوالي والمبَـاتيـرِ

المجلس الحادي والخمسون بعد المئة

من مواقف أمير المؤمنين (عليه السّلام) في وقعة صفّين ، ما كان يوم الهرير .

 قال بعض الرواة : فوالذي بعث محمّداً بالحقِّ نبيّاً ، ما سمعنا برئيس قوم ، منذ خلق الله السّماوات والأرض ، أصاب بيده في يوم واحد ما أصاب علي (عليه السّلام) ؛ إنّه قتل ـ فيما ذكر العادّون ـ زيادةً على خمسمئة من أعلام العرب ، يخرج بسيفه منحنياً ، فيقول : (( معذرة إلى الله وإليكم من هذا ، لقد هممت أنْ أفلقه(1) ولكن يحجزني عنه أنّي سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، يقول : لا سيف إلاّ ذو الفقار ، ولا فَتَى إلاّ علي . وأنا اُقاتل دونه )) .

قال : فكنّا نأخذه فنقوّمه ، ثمّ يتناوله من أيدينا فيقتحم به في عرض الصفّ ، فلا والله ، ما ليثٌ بأشد نكاية منه في عدوه ، وكان في أوائل أيام صفّين يسهر الليل كلَّه إلى الصباح يُعبئ الكتائب ، ويأمر الاُمراء ، ويعقد الألوية . ومرّ في اليوم السّابع ، ومعه بنوه ، نحو الميسرة والنّبل يمرّ بين عاتقيه ومنكبيه ، وما من بنيه إلاّ مَن يقيه بنفسه ، فيكره علي (عليه السّلام) ذلك ، ويتقدّم نحو أهل الشام ويؤخر الذي يقيه إلى ورائه .

وجاء أحمر مولى بني اُميّة يوم صفّين ، وقال لأمير المؤمنين (عليه السّلام) : قتلني الله إنْ لمْ أقتلك . فخرج إليه كيسان مولى علي (عليه السّلام)

ــــــــــــــــــــ

(1) أي : أكسره .


 الصفحة (24)

فقتله أحمرُ ، وأراد أن يضرب أمير المؤمنين (عليه السّلام) بالسّيف ، فانتهزه أمير المؤمنين (عليه السّلام) ووضع يده في جيب درع أحمر ، فجذبه عن فرسه وحمله على عاتقه .

قال الراوي : فوالله ، لكأنّي أنظر إلى رجلي أحمر تختلفان على عنق علي (عليه السّلام) ، ثمّ ضرب به الأرض فكسر منكبيه وعضديه ، وشدّ الحسين ومحمد بن الحنفيّة (عليهما السّلام) فضرباه بأسيافهما حتّى برد ، وبقي الحسن (عليه السّلام) واقفاً مع أبيه ، فقال (عليه السّلام) له : (( ما منعك أن تفعل كما فعل أخواك ؟ )) . قال : (( كفياني يا أمير المؤمنين )) .

ثمّ دنا أهل الشام من أمير المؤمنين (عليه السّلام) يريدونه . قال الراوي : فوالله ، ما يزيده قربهم منه ودنوهم إليه سرعة في مشيه . فطلب منه الحسن (عليه السّلام) أن يسرع في مشيه ليلحق بربيعة ، فقال له : (( يا بني ، إنّ لأبيك يوماً لنْ يعدوه ، ولا يُبطئ به عنه السَّعي ، ولا يُقرِّبه إليه الوقوف . إنّ أباك لا يُبالي إنْ وقع على الموت أو وقع الموتُ عليه )) . ومن هذه الشجاعة ورث ولده الحسين (عليه السّلام) ، وعلى نهجها نهج ، وفي سبيلها درج :

 

 فهو ابنُ حيدرةَ البطِينِ الأنْزَعِ الـْ   ـمُفني الاُلوفَ بحومةِ الهيْجاءِ

* * *

لهُ منْ عليٍّ فـي الحُروبِ شجاعةٌ   ومنْ أحمدٍ عنـدَ الخطابةِ قيلُ

ولمّا كان يوم عاشوراء دعا النّاس إلى البراز ، فلم يزل يقتل كلّ مَن يبرز إليه حتّى قتل مقتلة عظيمة ، ثمّ حمل على الميمنة ، وهو يقول :

 القتلُ أولَى منْ رُكوبِ العارِ   والعارُ أولَى منْ دُخولِ النّار ِ

واللهِ مِنْ هذا وهذا جاري

ثمّ حمل على الميسرة ، وهو يقول :

 أنا الحُسينُ بنُ عليْ   آليـتُ أنْ لا أنْثَـنِـي

أحمِي عِيالاتِ أبي  أمضي على دينِ النّبيْ


الصفحة (25)

 

قال بعض الرواة : فوالله ، ما رأيت مكثوراً ( أي : مغلوباً ) قطْ قد قُتل وُلده وأهل بيته وأصحابه ، أربط جأشاً ، ولا أمضى جناناً ، ولا أجرأ مقدماً منه . والله ، ما رأيت قبله ولا بعده مثله ؛ إنْ كانت الرجّالة لتشدّ عليه فيشدّ عليها بسيفه ، فتنكشف عن يمينه وعن شماله انكشاف المعزى إنْ شدّ فيها الذئب . ولقد كان يحمل فيهم ، وقد تكمّلوا ثلاثين ألفاً ، فينهزمون من بين يدَيه كأنّهم الجراد المنتشر ، ثمّ يرجع إلى مركزه وهو يقول : (( لا حول ولا قوّة إلا بالله )) . وهو في ذلك يطلب شربة من ماء فلا يجد ، وكلمّا حمل بفرسه على الفرات ، حملوا عليه بأجمعهم حتّى أجلوه عنه . 

 منعُـوهُ من مـاء الـفُـراتِ ووردِهِ   وأبوُهُ ساقي الحـوضِ يومَ جزاءِ

حتّى قضى عَطشاً كما اشْتهتِ العِدى   بأكـفِّ لا صيــدٍ ولا أكفـاءِ

المجلس الثاني والخمسون بعد المئة

لمّا كان يوم صفّين جاء علي أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، ومعه بنوه نحو رايات ربيعة ، فنادى (عليه السّلام) بأعلى صوته : (( لمَنْ هذه الرّايات ؟ )) . قالوا : هذه رايات ربيعة . فقال (عليه السّلام) : (( بل هي رايات الله ، عصم الله أهلَها ، وصبَّرهمْ وثبَّت أقدامهمْ )) . ثمّ قال (عليه السّلام) للحضين بن المنذر : (( يا فتى ، ألا تدني رايتك هذه ذراعاً ؟ )) . فقال له : نعم والله ، وعشرة أذرع . فأقبل بها حتّى أدناها ، فقال له : (( حسبُك مكانك )) .

وقال الحضين بن المنذر : أعطاني علي الراية ، وقال : (( سِرْ


الصفحة (26)

على اسم الله يا حضين ، واعلم أنّه لا يخفق على رأسك راية مثلها أبداً ؛ لأنّها راية رسول الله (صلّى الله عليه وآله) )) . وزحف الحضين بن المنذر برايته ، وكانت حمراء ، فأعجب عليّاً زحفُه وثباته ، فأنشأ (عليه السّلام) يقول :

لـمَنْ رايـةٌ حـمراءُ يـخْفقُ ظلُّها   إذا قِـيل قـدِّمهَا حُـضينُ تَـقدَّما
ويـدنُو بها في الصَّفِّ حتّى يَديرها   حِمامُ المنايا تَقطُر الموتَ والدَّما
تـراهُ إذا مَـا كـان يـومُ عظيمةٍ   أبـَـى فـيـهِ إلاّ عِـزَّةً وتـكرُّما
جـزى اللهُ قوماً صابَرُوا في لقائِهمْ   لَـدَى البأسِ حُرّاً ما أعفّ وأكرَما
وأحزمَ صبْراً حِينَ تُدعَى إلى الوغَى   إذا كـانَ أصـواتُ الكُماةِ تغمْغُما
ربـيعةَ أعني إنّـهُمْ أهـلُ نجدةٍ   وبـأسٍ إذا لاقَـوا خميساً عرَمْرما

فلمّا أصبحوا في اليوم العاشر ، أصبحوا وربيعة محدقة بعلي (عليه السّلام) ، إحداق بياض العين بسوادها .

قال عتاب بن لقيط : إنْ اُصيب علي فيكم افتضحتم ؛ وقد لجأ إلى راياتكم . وقال لهم شقيق بن ثور : يا معشر ربيعة ، ليس لكم عذر في العرب إن اُصيب علي فيكم ومنكم رجل حيّ ، فقاتلوا قتالاً شديداً . وقام خالد بن المعمّر السَّدوسي ، فنادى : مَن يُبايع على الموت ويشري نفسه لله ؟ فبايعه سبعة آلاف على أنْ لا ينظر رجل منهم خلفه حتّى يردوا سرادق معاوية . فاقتتلوا قتالاً شديداً ، وقد كسروا جفون سيوفهم ، فلمّا نظر إليهم معاوية قد أقبلوا ، قال :

 إذا قلتُ قدْ ولَّتْ ربيعةُ أقبَلَتْ   كتائبُ منهُمْ كالجبالِ تُجالدُ

ثمّ خرج عن سرادقه هارباً إلى بعض مضارب العسكر فدخل فيه .

ونذر معاوية سبي نساء ربيعة إنْ ظفر بهم ، وقتل رجالهم ، فقال في


الصفحة (27)

ذلك خالد بن المعمّر :

 تمنَّى ابنُ حرْبٍ نذْرَةً في نِسْائِنا   ودونَ الذي ينْوي سيوفٌ قواضبْ

ولمْ يرث يزيد سبي نساء المسلمين عن كلالة ، بل ورث ذلك عن أبيه ، فكما نذر أبوه سبي نساء ربيعة إنْ ظفر بهم ، سبى هو نساء سادات المسلمين وعقائل بيت النّبوّة ، وأمر بحملهنّ إليه من العراق إلى الشام ، فحُملوا إليه على أقتاب الجمال ، وساروا بهنّ كما يُسار بسبايا الكفّار .

 يُسار بها عُنْفاً بلا رِفقِ مَحْرَمٍ   بها غير مغلولٍ يحنُّ على صَعْبِ

ولمّا وردوا دمشق ، اُوقِفوا على درج باب المسجد الجامع حيث يُقام السبي ، وبينهم زين العابدين (عليه السّلام) وهو مغلول بغُلٍّ إلى عنقه ، وهو إمام أهل البيت الطاهر ، ووارث علوم جده الرسول (صلّى الله عليه وآله) . ثمّ اُدخلوا على يزيد ، وهم مُقرَّنون في الحبال وزين العابدين (عليه السّلام) مغلول ، فلمّا وقفوا بين يديه ، وهم على تلك الحال ، قال له علي بن الحسين (عليه السّلام) : (( أنشدك الله يا يزيد ، ما ظنّك برسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، لو رآنا على هذه الصفة ؟! )) . فلمْ يبقَ في القوم أحد إلاّ وبكى ، فأمر يزيد بالحبال فقُطعت ، وأمر بفكّ الغُلّ عن زين العابدين (عليه السّلام) :

 

 خلتْ الحميَّةُ يا اُميّةُ فاخلَعِـي   حُلَل الحَيا وبثوبِ بغْيكِ فارْفُلي

سوّدْتِ وجهَ حَفائظِ العَربِ التي   كرُمتْ إذا ظفرتْ برحلٍ مُفْضِلِ

المجلس الثالث والخمسون بعد المئة

كان عبد الله بن بُديل الخزاعي مع علي (عليه السّلام) يوم صفّين ،


الصفحة (28)

وعليه سيفان ودرعان ، وجعل يضرب النّاس بسيفه قُدُماً(1) وهو يقول :

 لمْ يبقَ غيرُ الصَّبرِ والتَّوكُّلِ   والتِّرسِ والرُّمحِ وسيفٍ مِصقَلِ

ثُمّ التَّمشِّي في الرَّعيلِ الأوَّلِ   مَشِي الجمالِ في حِياضِ المنْهَلِ

فلمْ يزل يضرب بسيفه حتّى انتهى إلى معاوية ، فأزاله عن موقفه ، ومع معاوية عبد الله بن عامر واقفاً ، فأقبل أصحاب معاوية على عبد الله بن بديل يرضخونه بالصخر حتّى أثخنوه وقتلوه ، وأقبل إليه معاوية وعبد الله بن عامر ؛ فأمّا عبد الله بن عامر فألقى عمامته على وجهه وترحّم عليه ، وكان له أخاً وصديقاً . فقال له معاوية : اكشف عن وجهه . فقال عبد الله : والله ، لا يُمثّل به وفيّ الروح . فقال له معاوية : اكشف عن وجهه ، فقد وهبته لك . فكشف عن وجهه ، فقال معاوية : هذا كبش القوم وربّ الكعبة . اللهمّ ، ظفّرني بالأشتر النّخعي والأشعث الكندي ، والله ، ما مثل هذا إلاّ كما قال الشاعر :

أخو الحربِ إنْ عضَّتْ بهِ الحرْبُ عَضَّها   وإنْ شـمٍَرتْ عـنْ ساقِها الحربُ شمَّرا
ويـحْمِي إذا مـا الـموتُ كـان لـقَاؤهُ   لـدى الـشرِّ يـحْمِي الأنْفَ أنْ يتأخَّرا
كـلـيثِ هِـزْبرٍ كـانَ يـحْمِي ذِمـارَهُ   رَمـتْـهُ الـمـنايَا فـصـدَّها فـتَقطَّرا

مع أنّ نساء خُزاعة لو قدرت على أن تقاتلني ـ فضلاً عن رجالها ـ فعلت .

أمَا كان يوم كربلاء رجل مثل عبد الله بن عامر ، فيضع عمامته على وجه الحسين (عليه السّلام) ، ليمنع أهل الكوفة من أن يمثّلوا به

____________________________

(1) قُدُماً ، بضمتين : المضي أمام أمام . كذا في القاموس .  ـ المؤلّف ـ


 الصفحة (29)

وبأصحابه ؛ وذلك لمّا أمر ابن سعد ـ لعنه الله ـ بقطع رأس الحسين (عليه السّلام) ورؤوس أصحابه ، ففعل أهل الكوفة ما أمرهم به ، فقطعوا الرؤوس وحملوها على رؤوس الرماح ، وبعث بها من كربلاء إلى الكوفة ـ إلى عبيد الله بن زياد ـ مع خولي بن يزيد الأصبحي ، وحميد بن مسلم ، وشمر بن ذي الجوشن ؟! ولمْ يكفهم ذلك حتّى نادى عمر بن سعد في أصحابه : مَن ينتدب للحسين ، فيوطئ الخيل صدره وظهره ؟ فانتدب منهم عشرة فوارس ، فداسوا جسد الحسين (عليه السّلام) بحوافر خيولهم حتّى رضّوا صدره وظهره ، وجاؤوا حتّى وقفوا على ابن زياد ـ لعنه الله ـ فقال أحدهم :

 

 نحنُ رضَضْنا الصَّدرَ بعدَ الظَّهرِ   بكلِّ يَعْبُوبٍ شدِيدِ الأسْرِ

* * *

تطأُ الصَّواهلُ جسْمَهُ وعلى القنَا   منْ رأسِهِ المرْفُوعِ بدْرُ سمَاءِ

المجلس الرابع والخمسون بعد المئة

روى غير واحد من المؤرخين ، عن أبي الأغر التميمي قال : إنّي لَواقف يوم صفّين ، إذ مرّ بي العبّاس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب وهو شاكٍ في السّلاح ؛ على رأسه مغفر ، وبيده صفيحة يمانية يقلّبها ، وهو على فرس له أدهم ، وكأنّ عيناه عيني أفعى . فبينا هو يروّض فرسه ويلين من عريكته ، إذ هتف به هاتف من أهل الشام يُقال له غرار : هلمّ يا عبّاس إلى البزاز . قال : فالنّزول إذاً ؛ فإنّه أبأس من القفول . فنزل الشامي وهو يقول :

 إنْ ترْكَبُوا فركوبُ الخيلِ عادتُنَا  أو تَنْزلُوا فإنّا معْشرٌ نُزُلُ

وثنى العبّاس رجله ، ثمّ عصب فضلات درعه في حجزته(1) ،

ــــــــــــــــ

(1) أي : في وسطه .


الصفحة (30)

 ودفع فرسه إلى غلام له أسود ، ودلف كلّ واحد منهما إلى صاحبه .

قال أبو الأغر : فذكرت قول أبي ذؤيب :

 فتَنازلا وتواقَفتْ خيلاهُمَا   وكلاهُمَا بطلُ اللّقاءِ مُجدِّع ُ

ثمّ تكافحا بسيفهما مليّاً ، لا يصل واحد منهما إلى صاحبه ؛ لكمال لامته ، إلى أنْ لحظ العبّاس وهناً في درع الشامي ، فأهوى إليه بيده فهتكه إلى صدره ، ثمّ عاد لمجاولته وقد أصحر له مفتق الدرع ، فضربه العبّاس ضربة انتظم بها جوانح صدره ، وخرّ الشامي صريعاً لخلده ، وسما العبّاس في النّاس ، وكبّر النّاس تكبيرة ارتجّت لها الأرض .

قال أبو الأغر : فسمعت قائلاً يقول من ورائي : ( يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ )(1) . فالتفت فإذا هو أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، فقال (عليه السّلام) : (( يا أبا الأغر ، مَن المبارز لعدوّنا ؟ )) . قلت : العبّاس بن ربيعة . قال (عليه السّلام) : (( يا عبّاس )) . قال : لبيك . قال (عليه السّلام) : (( ألمْ أنهك ، وحسناً وحسيناً ، وعبد الله بن جعفر ، أنْ تخلّوا بمراكزكم وأنْ تُباشروا حرباً ؟ )) . قال : أفاُدعى يا أمير المؤمنين إلى البزار ، فلا اُجيب جعلت فداك ؟! قال (عليه السّلام) : (( نعم ، طاعةُ إمامِك أولى . ودّ معاوية أنّه ما بقي من بني هاشم نافخُ ضرمة إلاّ طُعن في قلبه ؛ إطفاءً لنور الله ، وَيَأْبَى اللّهُ إِلاّ أَن يُتِمّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ(2) )) .

وبلغ الخبر إلى معاوية ، فقال : ألا رجل يطلب بدم غرار ؟ فانتدب له رجلان من لَخم ، فقال معاوية : أيّكما قتل العبّاس ، فله كذا . فأتيا العبّاس ، فقال : إنّ لي سيّداً اُؤامره . فأتى إلى أمير المؤمنين (عليه السّلام) فأخبره ، فقال (عليه السّلام) : (( ناقلني سلاحك بسلاحي )) . فناقله ، وركب عليٌ فرس العبّاس ، فلم يشكّ الشاميان أنّه العبّاس ، فقالا له : أذنَ لك سيّدك ؟ فقال : (( أُذِنَ لِلّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنّ اللّهَ عَلَى‏ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ))(3) . فبرز إليه أحدهما فكأنّما اختطفه ، ثمّ برز إليه الثاني فألحقه بالأوّل وانصرف ، وهو يقول : (( الشَّهْرُ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة التوبة / 14 ـ 15 .

(2) سورة التوبة / 32 .

(3) سورة الحجّ / 39 .


الصفحة (31)

الْحَرَامُ بِالشّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى‏ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى‏ عَلَيْكُمْ ))(1) . فبلغ ذلك معاوية ، فقال : قبّح الله اللجاج ؛ ما ركبته ألاّ خُذلت . فقال عمرو بن العاص : المخذول والله ، اللخميان لا أنت .

أقول : إنّ الذي خفته يا أمير المؤمنين على بني هاشم يوم صفّين ، فكنت تقيهم بنفسك ، ولا تأذن لهم في المبارزة ؛ خوفاً عليهم ، قد أدركه منهم بنو اُميّة يوم كربلاء ، فأفنوهم قتلاً ، ولمْ يتركوا منهم نافخ ضرمة ؛ قتلوا ولدك الحسين (عليه السّلام) وذبحوه كما يُذبح الكبش ، وقتلوا معه سبعة عشر رجلاً من أهل بيتك من بني هاشم ، ما لهم على وجه الأرض شبيه . ولئن نجا منهم ـ بسببك ـ ابن عمّك العبّاس بن ربيعة يوم صفّين ، فلم ينجُ منهم ولدك أبو الفضل العبّاس يوم كربلاء :

قـطَعُوا يَـديهِ وهامُهُ فَلَقُوهُ في   عَـمَدِ الحديدِ فَخرَّ خيرُ طَعينِ
ومـشَى إليهِ السّبطُ ينْعاهُ كسَرْ   تَ الآنَ ظهْري يا أخي ومُعيني
عـباسُ كبشَ كَتيْبَتي وكِنانَتي   وسريَّ قومي بلْ أعزّ حُصوني
فـرسٌ ملكتَ بها الشَّريعةَ إنّها   عـادَتْ إلـيَّ بصفقةِ المغْبُونِ

المجلس الخامس والخمسون بعد المئة

روى نصر بن مزاحم في كتاب صفّين ، عن عمّار بن ربيعة قال : صلّى علي (عليه السّلام) بالنّاس صلاةَ الغَداة بصفّين ، ثمّ زحف إلى أهل الشام ، وكانت الحرب أكلت الفريقين ، ولكنّها في أهل الشام أشدّ نكايةً وأعظم وقعاً ، فقد ملّوا الحرب وكرهوا القتال ، وتضعضعت أركانهم . فخرج من أهل العراق رجل على فرس كميت ذَنوب ، عليه السّلاح ، لا يرى منه إلاّ عيناه ، وبيده الرمح ، فجعل يضرب رؤوس أصحاب علي بالقناة ويقول : سوّوا

ــــــــــــــــــــــ

(1) سورة البقرة / 194 .


الصفحة (32)

صفوفكم . حتّى إذا عدّل الصفوف والرايات ، استقبلهم بوجهه وولّى أهل الشام ظهره ، ثمّ حمد الله وأثنى عليه ، ثمّ قال : الحمد لله الذي جعل فيكم ابن عم نبيّكم ، أقدمهم هجرة وأوّلهم إسلاماً ، سيفٌ من سيوف الله صبّه على أعدائه . فانظروا إليّ : إذا حمي الوطيس ، وثار القتام ، وتكسّر المرّان ، وجالت الخيل بالأبطال ، فلا أسمع إلاّ غمغمة أو همهمة ، [ فاتبعوني وكوني في إثري ] . ثمّ حمل على أهل الشام وكسر فيهم رمحه ثمّ رجع ، فإذا هو الأشتر .
وزحف النّاس بعضهم إلى بعض ، فارتموا بالنّبل حتّى فنيت ، ثمّ تطاعنوا بالرماح حتّى كُسرت واندقّت ، ثمّ مشى القوم بعضهم إلى بعض بالسّيوف وعمد الحديد ، فلم يسمع السّامع إلاّ وقع الحديد على الحديد .

قال : وانكسفت الشمس ، وثار القتام ، وضلّت الألوية والرايات ، والأشتر يسير فيما بين الميمنة والميسرة ، فيأمر كلّ قبيلة أو كتيبة من القرّاء بالإقدام على التي تليها . قال : فاجتلدوا بالسّيوف وعمد الحديد من صلاة الغداة إلى نصف الليل ، لمْ يُصلّوا لله صلاة ، فلمْ يزل يفعل ذلك الأشتر بالنّاس ، وافترقوا على سبعين ألف قتيل في ذلك اليوم وتلك الليلة ، وهي ليلة الهرير .

وقُتل يوم صفّين عبد الله بن كعب ، فمرّ به الأسود بن قيس بآخر رمق ، فقال : عزّ والله ، عليَّ مصرعك . أما والله ، لو شهدتك لآسيتك ولدافعت عنك ، ولو أعرف الذي صرعك ، لأحببت أن لا يزايلني حتّى يُلحقني بك . ثمّ نزل إليه ، فقال : والله ، إنْ كان جارك ليأمن بواثقك ، وإنْ كنت من الذاكرين الله كثيراً ، أوصني رحمك الله . قال : اُوصيك بتقوى الله ، وأن تناصح أمير المؤمنين ، وأنْ تُقاتل معه المحلّين حتّى يظهر الحقّ أو تلحق بالله . وأبلغه عنّي السّلام ، وقُل له : قاتل على المعركة حتّى تجعلها خلف ظهرك ؛ فإنّه من أصبح والمعركة خلف ظهره كان الغالب . ثمّ لم يلبث أنْ مات .

فأقبل الأسود إلى علي (عليه السّلام) فأخبره ، فقال (عليه السّلام) : (( رحمه الله ، جاهد معنا عدونا في الحياة ،


الصفحة (33)

ونصح لنا في الوفاة )) .

ما أشبه وصيّة عبد الله للأسود بوصية مسلم بن عوسجة لحبيب بن مظاهر ؛ وذلك لمّا صرع ابن عوسجة فمشى إليه الحسين (عليه السّلام) ، ومعه حبيب بن مظاهر ، فقال الحسين (عليه السّلام) : (( رحمك الله يا مسلم ، فَمِنْهُم مّن قَضَى‏ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدّلُوا تَبْدِيلاً(1) )) . ودنا منه حبيب ، فقال : عزّ عليَّ مصرعك يا مسلم ، أبشر بالجنّة . فقال له مسلم قولاً ضعيفاً : بشرّك الله بخير . ثمّ قال له حبيب : لولا أنّي أعلم أنّي في الأثر من ساعتي هذه ، لأحببت أن توصيني بكلّ ما أهمّك . فقال له مسلم : فإنّي اُوصيك بهذا ـ وأشار إلى الحسين (عليه السّلام) ـ فقاتل دونه حتّى تموت . فقال له حبيب : لأنعمنّك عيناً . ثمّ مات رضوان الله عليه :

إنّ امرأً يمشِي لمصرَعِهِ   سـبطُ النَّبيِّ لَفاقدُ التِّربِ
أوصَـى حبيباً أنْ يجُودَ لهُ   بالنَّفسِ من مِـقَةٍ ومنْ حُبِّ
أعززْ علينا يابنَ عَوْسجةٍ   منْ أنْ تفارقَ ساحةَ الحربِ
عـانقْتَ بيضَهُمُ وسمرهُمُ   ورجعتَ بعدُ مُعانقَ التَّربِ
أبـكي عـليكّ وما يُفيدُ بُكا   عيني وقدْ أكلَ الأسَى قلبي

* * *

المجلس السّادس والخمسون بعد المئة

عن ابن عبّاس ، قال : عقمُت النّساء أنْ يأتين بمثل علي بن أبي طالب (عليه السّلام) ! فوالله ، ما كشفت ذيولهنّ عن مثله ، وقد شهدته يوم صفّين وعلى رأسه عمامة سوداء ، وعيناه كأنّهما سراجاً سليطاً يتوقّدان من تحتها ، وهو يقف على كلّ شِرْذِمة يحرّضهم على الحرب ، إذْ طلعت علينا خيل لمعاوية ، وهي عشرة آلاف دارع على عشرة آلاف أشهب ، فاقشعرّ النّاس

ــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الأحزاب / 23 . 


الصفحة (34)

لمّا رآوها ، وانحاز بعضهم إلى بعض . قال أمير المؤمنين (عليه السّلام) : (( فيمَ الهلعُ والنَّخعُ يا أهل العراق ! هل هي إلاّ أشخاصٌ ماثلة فيها قلوبٌ طائرة ، لو مسّتها سيوف أهل الحقِّ لتهافتت تهافت الفراش في النّار ، سفّتها الريح في يوم عاصف ، فادَّرعوا الصَّبر وغُضّوا الأصوات ، وقلقلوا الأسياف في الأغماد ، وصلوا السّيوف بالخُطا ، والرماح بالنّبال ؛ فإنّكم بعين الله ومع أخي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) . وعليكم بهذا السّرادق الأدلم ، والرواق المُظلم ، فاضربوا ثبجه ؛ فإنّ الشيطان راقد في كسره ، نافج حضنيه ، مفترش ذراعيه ، قد قدّم للوثبة يداً ، وأخَّر للنكوص رجلاً . ألا إنّ خِضاب النّساء الحَنّاء ، وخضاب الرجال الدماء ، فصمداً صمداً حتّى ينجلي لكم عمود الحقِّ وأنتم الأعلَون ، فشِدّوا على اسم الله تعالى )) . ثمّ حمل (عليه السّلام) وتبعته خويلة لم تبلغ المئة فارس ، وهو (عليه السّلام) يقول :

دبُّوا دَبيْبَ النَّملِ لا تفُوتُوا   وأصبِحُـوا بحربِكُمْ وبيتُوا

حتّى تنالُوا الثأرَ أو تَموتُوا   أو لا فإنّي طالما عُصِيت ُ

قال : فأجالها أبو الحسن جَوَلان الرّحا ، فارتفعت عجاجة منعتني النّظر ، فلم أرَ إلاّ رأساً نادراً ويداً طائحة ، فما كان أسرع من أنْ ولّى أهل الشام مدبرين : ( كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ * فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍٍ )(1) . وإذا بأمير المؤمنين (عليه السّلام) يمسح العلق عن ذراعيه ، وسيفه ينطف دماً ، ووجهه كشقة القمر الطالع ، وهو يقول : (( فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ ))(2) .

 فلا سيْـفَ إلاّ ذُو الفقَارِ ولا فَتَى   سوى حيدرِ الكرْارِ مُردي القسَاورِ

فيا ليتَهُ لا غابَ عنْ يومِ كربَـلا ْ  فتلـكَ لعَـمْـرُ اللهِ اُمُّ الكـبـائِرِ

ــــــــــــــــــــ
(1) سورة المدّثر / 50 ـ 51 .

(2) سورة التوبة / 12.


الصفحة (35)

 إي والله ، يا ليته لا غاب عن يوم كربلاء ليرى عزيزه الحسين (عليه السّلام) ، وقد أحاط به ثلاثون ألفاً من أهل الكوفة ، وهو ينادي : (( هل منْ ذابٍّ يذبُّ عن حرم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ؟ هل منْ مُوحد يخاف الله فينا ؟ هل منْ مغيث يرجو الله في إغاثتنا ؟ هل منْ مُعين يرجو ما عند الله في إعانتنا ؟ )) . فارتفعت أصوات النّساء بالعويل ، وحمل النّاس عليه عن يمينه وشماله ، فحمل على الذين عن يمينه فتفرّقوا ، ثمّ حمل على الذين عن يساره فتفرّقوا .

قال بعض الرواة : فوالله ، ما رأيت مكثوراً ( أي : مغلوباً ) قطْ قد قُتل وُلده وأهل بيته وأصحابه ، أربط جأشاً ، ولا أمضى جناناً ، ولا أجرأ مقدماً منه . والله ، ما رأيت قبله ولا بعده مثله ؛ إنْ كانت الرجّالة لتشدّ عليه فيشدّ عليها بسيفه ، فتنكشف عن يمينه وعن شماله انكشاف المعزى إنْ شدّ فيها الذئب . ولقد كان يحمل فيهم ، وقد تكمّلوا ثلاثين ألفاً ، فينهزمون من بين يدَيه كأنّهم الجراد المنتشر ، ثمّ يرجع إلى مركزه وهو يقول : (( لا حول ولا قوّة إلا بالله )) . وهو في ذلك يطلب شربة من ماء فلا يجد ، وكلمّا حمل بفرسه على الفرات ، حملوا عليه بأجمعهم حتّى أجلوه عنه . 

 وعادَ ريحانَةُ المُختارِ مُنفرِداً   بينَ العِدى ما لَهُ حامٍ ولا عَضد ُ

يكرُّ فيهِـمْ بماضِيهِ فيهزمُهُمْ   وهُمْ ثلاثـُون ألفـاً وهوَ مُنفَرد ُ

* * *

المجلس السّابع والخمسون بعد المئة

كان عمّار بن ياسر رضوان الله عليه من السّابقين الأوّلين ، هاجر الهجرتين إلى الحبشة والمدينة ، وصلّى إلى القبلتين ، وشهد بدراً واليمامة وأبلى فيهما بلاءً حسناً . وكان هو واُمّه ممّن يُعذَّب في الله ، فأعطاهم عمّار


الصفحة (36)

ما أرادوا بلسانه ، فنزل فيه : ( إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنّ بِالإِيمَانِ )(1) . وقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ـ كما رواه ابن حجر في الإصابة ـ : (( مَن عادى عمّاراً عاداه الله ، ومَن أبغض عمّاراً أبغضه الله )) . قال : وتواترت الأحاديث عن النّبي (صلّى الله عليه وآله) : (( إنّ عمّاراً تقتله الفئة الباغية)) . وأجمعوا على أنّه قُتل مع علي (عليه السّلام) بصفّين .

وفي الإستيعاب : هذا من إخباره (صلّى الله عليه وآله) بالغيب وإعلام نبوّته ، وهو من أصحّ الأحاديث . وقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( إنّ عمّاراً مُلئَ إيماناً إلى مشاشه(2) )) . ويُروى : (( إلى أخمص قدميه )) . وقال (صلّى الله عليه وآله) : (( عمّارٌ جلدةٌ ما بين عيني )) . ورآه النّبي (صلّى الله عليه وآله) يوم بناء المسجد يحمل لبنتين لبنتين ، وغيره لبنة لبنة ، فجعل ينفض التراب عنه ، ويقول : (( ويح عمّار ! يدعوهم إلى الجنّة ، ويدعونه إلى النّار )) .

وقيل لحذيفة حين احتضر ـ وقد ذكر الفتنة ـ : إذا اختلف النّاس بمَن تأمرنا ؟ قال : عليكم بابن سُميّة ـ يعني : عمّاراً ـ ؛ فإنّه لنْ يفارق الحقّ حتّى يموت . وروى نصر بن مزاحم : أنّه لمّا كانت وقعة صفّين ، ونظر عمّار إلى راية عمرو بن العاص ، قال : والله ، هذه الراية قد قاتلتها ثلاث عركات ، وما هذه بأرشدهن . ولمّا كان يوم صفّين خرج عمّار إلى أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، فقال : يا أخا رسول الله ، أتأذن لي في القتال ؟ فقال (عليه السّلام) : (( مهلاً ، رحمك الله )) . فلمّا كان بعد ساعة ، أعاد عليه الكلام ، فأجابه بمثله ، فأعاده ثالثاً ، فبكى أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، فنظر إليه عمّار ، فقال : يا أمير المؤمنين ، إنّه اليوم الذي وصفه لي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ؟ فنزل أمير المؤمنين (عليه السّلام) عن بغلته ، وعانق عمّاراً وودّعه ، ثمّ قال : (( يا أبا القيظان ، جزاك الله عن الله وعن نبيك خيراً ، فنعمَ الأخُ كُنتْ ! ونعمَ الصاحبُ كُنتْ ! )) . ثمّ بكى أمير المؤمنين (عليه السّلام) وبكى عمّار ، ثمّ ركب أمير المؤمنين (عليه السّلام)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة النّحَل / 106 .

(2) المشاش ، جمع مشاشة : وهي رأس العظم الممكن المضغ ـ المؤلّف ـ


الصفحة (37)

وركب عمّار . ما أشبه حالة أمير المؤمنين (عليه السّلام) حين استأذنه عمّار في المبارزة ، بحالة الحسين (عليه السّلام) حين استأذنه ولده علي الأكبر في المبارزة ؛ وكان علي من أصبح النّاس وجهاً وأحسنهم خلقاً ، وكان عمره تسع عشرة سنة ، فاستأذن أباه في القتال فأذن له ، ثمّ نظر إليه نظرة آيس منه ، وأرخى عينيه فبكى ، ثمّ رفع سبابتيه نحو السّماء ، وقال (عليه السّلام) : (( اللهمّ ، كُنْ أنت الشهيد عليهم ، فقد برز إليهم غُلام أشبه النّاس خَلْقاً وخُلْقاً ومَنْطقاً بنبيّك ، وكنّا إذا اشتقنا إلى نبيّك نظرنا إليه . اللهمّ ، امنعهم بركات الأرض ، وفرِّقهم تفريقاً ومزِّقهم تمزيقاً ، واجعلهم طرائق قِدداً ، ولا تُرضِ الولاةَ عنهم أبداً ؛ فإنّهم دعونا لينصرونا ، ثمّ عدوا علينا يُقاتلوننا )) .

قال : وبرز عمّار إلى القتال ، وكان قد جاوز التسعين ، وأنشأ يقول :

 نحنُ ضربناكُـمْ على تَنْزيلِهِ   فاليوم نضربكُمْ على تأويلِهِ

ضرباً يُزيلُ الهامَ عنْ مَقيلِهِ   ويُذهلُ الخليلَ عنْ خليلِـهِ

أو يَرجِع الحقُّ إلى سبيلِهِ

ثمّ قال : والله ، لو ضربونا حتّى يبلغوا بنا سعفات هَجَر ، لعلمنا أنّا على الحقِّ وأنّهم على الباطل . ثمّ قال : الجنّة تحت ظلال الأسنّة .

اليومَ ألقَى الأحبَّهْ  مُحمّداً ثُمّ حزْبَهْ(1)

واشتدّ به العطش فاستسقى ، فاُتي إليه بلبن فشربه ، ثمّ قال : هكذا عَهد إليّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنْ يكون آخر زادي من الدّنيا شربة من لبن . وحمل عليه ابن جون السكسكي ، وأبو العادية الفزاري ؛ فأمّا أبو العادية فطعنه ؛ وأمّا ابن جون فاحتزّ رأسه .

وكما حمل عمّار على النّاس وارتجز ، حمل علي بن الحسين (عليهما السّلام) على النّاس ، وجعل يرتجز ويقول :

 أنا عليُ بنُ الحُسينِ بنِ عليْ   نحنُ وبيتِ اللهِ أوْلَى بالنَّبيْ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) لم تردْ ( ثُمّ ) في أصل الرَّجَز ، وقد أضفناها ؛ لاستقامة الوزن . ( موقع معهد الإمامَين الحسنَين )


الصفحة (38)

تاللهِ لا يحكُمُ فيْنا ابنُ الدَّعيْ   أضربُ بالسَّيفِ اُحامِي عنْ أبي

ضربَ غُلامٍ هاشِميٍّ عَلَوي

ولكن لمّا اشتدّ العطش بعمّار رجع واستسقى فسُقي اللّبن ، ولمّا اشتدّ العطش بعلي الأكبر رجع إلى أبيه ، وهو يقول : يا أبتِ ، العطش قتلني ، وثقل الحديد أجهدني ، فهل إلى شربةٍ من الماء سبيل ؟ فبكى الحسين (عليه السّلام) وقال : (( وآ غوثاه ! يا بُنَي ، من أين آتي لك بالماء ؟ قاتِل قليلاً فما أسرع ما تلقى جدّك محمّد (صلّى الله عليه وآله) ، فيسقيك بكأسه الأوفى شربةً لا تظمأ بعدها أبداً )) . فجعل يكرّ كرّة بعد كرّة والأعداء يتّقون قتله ، فطعنه مُرّة بن منقذ فصرعه ، فنادى : يا أبتاه عليك السّلام ، هذا جدّي يُقرِئك السّلام ، ويقول لك : (( عجّل القدوم علينا )) . واعتوره النّاس فقطّعوه بأسيافهم ، فجاء الحسين (عليه السّلام) حتّى وقف عليه وقال : (( قتل الله قوماً قتلوك يا بُنَي ، ما أجرأهم على الرّحمن وعلى انتهاك حُرمة الرّسول ! على الدّنيا بعدك العفا )) .

وخرجت زينب بنت علي (عليهما السّلام) وهي تنادي : يا حبيباه ! ويابن أخاه ! فأكبّت عليه ، فجاء الحسين (عليه السّلام) فأخذ بيدها وردّها إلى الفسطاط ، وأقبل بفتيانه ، وقال : (( احملوا أخاكم )) . فحملوه من مصرعه حتّى وضعوه بين يدَي الفسطاط الذي كانوا يقاتلون أمامه .

يا كوكباً مَا كان أقصرَ عُمرَهُ   وكذا تكونُ كواكِبُ الأسْحارِ

جاورتُ أعْدائـي وجاوَر ربَّهُ   شتّان بينَ جِـوارِهِ وجِواري

ولمّا قُتل عمّار صلّى عليه أمير المؤمنين (عليه السّلام) ودفنه بثيابه ، وهو مقطوع الرأس ؛ وذلك لأنّ الشهيد يُدفن بثيابه ودمائه ، ولا تُُنزع عنه ثيابه ولا يُغسّل ؛ ليخاصم مَن قتله بين يدي ربّه وهو كذلك .

أجل ، فمَن صلّى على شهيد كربلاء أبي عبد الله الحسين (عليه السّلام) ، وهو مقطوع الرأس ، ودفَنه ؟ لمْ يُصلِّ عليه أحد ولم يدفنه ، بل تُرِك


الصفحة (39)

ثلاثاً على وجه الصعيد بغير دفن ، ولمّا دُفن لمْ يُدفن بثيابه ، لماذا ؟ لأنّه لم يكن عليه ثياب ، بل كان عارياً ، قد سُلبت منه ثيابُه كلُّها حتّى الثوب الذي خرقه ووضعه تحت ثيابه ؛ لئلاّ يُسلب منه ، فلم يتركوه له ، وسلبوه إيّاه وتركوه عارياً :

للهِ مُلقىً علَى الرَّمضاءِ غصَّ بهِ   فَـمُ الـرَّدَى بين أقدامٍ وتشْمِيرِ
تـحنُو عليهِ الرُّبى ظلاّ ًوتسْترُهُ   عـنْ النَّواظرِ أذيالُ الأعاصِيرِ
تهابُهُ الوحشُ أنْ تدنُوا لمصرَعِهِ   وقـدْ أقـامَ ثـلاثاً غيرَ مقْبُور ِ

* * *

المجلس الثامن والخمسون بعد المئة

لمّا كان يوم صفّين دفع علي (عليه السّلام) الراية إلى هاشم بن عتبة بن أبي وقّاص ، ويُسمّى : المرقال ؛ لأنّه كان يرقل بالراية إرقالاً . وكان عليه درعان ، وكان من خيار أصحاب أمير المؤمنين (عليه السّلام) وشجعانهم ، وكان أعور ، فقال له علي (عليه السّلام) كالمُمازح : (( أمَا تخشى أنْ تكون أعورَ جباناً ؟ )) . قال : ستعلم يا أمير المؤمنين ، والله ، لألفنّ بين جماجم القوم لفّ رجل ينوي الآخرة . فأخذ رمحاً فهزّه فانكسر ، ثمّ أخذ آخر فوجده جاسياً فألقاه ، ثمّ أخذ رمحاً ليّناً فشدّ به اللواء وهزّه ، وقال :

أعْـوَرُ يبْغي رُمْحهُ محَلاَّ   قَـدْ عالجَ الحياةَ حتّى ملاَّ
لا بُـدَّ أنْ يَـغُلَّ أو يُغلاَّ   أشـلُّهُمْ بذي الكُعوبِ شَلاَّ
مـعَ ابنِ عمِّ أحمدَ المُعلَّى   فيهِ الرَّسولُ بالهُدَى استَهلاَّ
أوّلُ مَـنْ صَـدَّقهُ وصلَّى   فـجاهدَ الكُفّارَ حتّى أبلَى


الصفحة (40)

وجعل عمّار بن ياسر يتناوله بالرمح ، ويقول : اقدم يا أعور ، لا خيرَ في أعور لا يأتي الفزعْ .

وكان هاشم عالماً بالحرب ، فجعل عمرو بن العاص يقول : إنّي لأرى لصاحب الراية السّوداء عملاً ، لئن دام على هذا ، ليفنينّ العرب اليوم . وزحف هاشم بالراية ، واقتتل النّاس قتالاً شديداً لم يُسمع بمثله ، وجعل هاشم يقول :

أعْـوَرُ يبْغي نفسَهُ خَلاصَا   مـثلُ الفنِيقِ لابِساً دِلاصَا
قدْ جرَّبَ الحربَ ولا أناصَا   لا ديَّةً يخْشَى ولا قِصاصَا
كلُّ إمرئٍ وإنْ كبَا وحاصَا   ليسَ يرَى منْ مَوتِهِ مَناصَا

وقاتل هاشم وأصحابه قتالاً شديداً ، فحمل عليه الحارث التنوخي فطعنه فسقط ، وبعث إليه علي (عليه السّلام) : (( أنْ قدّم لواءَك )) . فقال للرسول : انظر إلى بطني ، فإذا هو قد انشق . ومرّ عليه رجل وهو صريع ، فقال له : اقرأ أمير المؤمنين السّلام ، وقُل له : أنشدك بالله ، إلاّ أصبحت وقد ربطت مقاود خيلك بأرجل القتلى ؛ فإنّ الغلبة تكون لمَن غلب على القتلى . فسار علي (عليه السّلام) في الليل حتّى جعل القتلى خلف ظهره ، وكانت له الغلبة عليهم .

ولمّا قُتل هاشم ، جزع النّاس عليه جزعاً شديداً ، وقُتل معه جماعة من [ قبيلة ] أسلَم من القُرّاء ، فمرّ بهم علي (عليه السّلام) وهم قتلى ، فقال :

جـزَى اللهُ خَـيراً عُصبةً أسلميَّةً   صِباحَ الوجوهِ صُرِّعُوا حولَ هاشمِ
يـزيدٌ وعـبدُ اللهِ بـشرٌ ومـعْبدٌ   وسُـفيانَ وابنا هاشمٍ ذي المكَارمِ
وعُـرْوةُ لا يُـبعَدْ ثَـناهُ وذكْـرُهُ   إذا اختَرطتْ يوماً خفافُ الصَّوارمِ

لله درّ هاشم المرقال ! ما أشد حبّه لأمير المؤمنين ، وأصدق ولاءه ! نصر أمير المؤمنين في حياته وعند مماته . ويُشبهه في ذلك من أنصار الحسين (عليه السّلام) مسلم بن عوسجة الأسدي ؛ فإنّه لمّا صُرع وبقي به


الصفحة (41)

رمق ، فمشى إليه الحسين (عليه السّلام) ومعه حبيب بن مظاهر فقال الحسين (عليه السّلام) : (( رحمك الله يا مسلم ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً(1) )) . ودنا منه حبيب فقال : عزّ عليّ مصرعك يا مسلم ، أبشر بالجنّة . فقال له مسلم قولاً ضعيفاً : بشّرك الله بخير . ثمّ قال له حبيب : لولا أنّي أعلم أنّي في الأثر من ساعتي هذه لأحببتُ أنْ توصيني بكلِّ ما أهمّك . فقال له مسلم : فإنّي اُوصيك بهذا ـ وأشار إلى الحسين (عليه السّلام) ـ فقاتِل دونه حتّى تموت . فقال له حبيب : لأنعمنّك عيناً . ثمّ مات رضوان الله عليه .

عانَقُوا المُرْهفاتِ حتّى تهاوَوا   صَرعَى في الثَّرى بحرِّ الصِّيوفِ

ــــــــــــ
(1) سورة الأحزاب / 23 .

المجلس التاسع والخمسون بعد المئة

لمّا كان يوم صفّين ، وقُتل هاشم بن عتبة المرقال ، وكانت معه راية أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، أخذ الراية ولده عبد الله بن هاشم ، وجعل يقول :

أهـاشمُ بـنَ عُتبَةِ بنِ مالِكْ  أعززْ بشيخٍ منْ قُريشٍ هالِكْ
تـَخبطُهُ الـخيْلاتُ بالسَّنابِكْ   فـي أسْـوَدٍ منْ نقْعهِنَّ حالِكْ
أبشرْ بحورِ العِينِ في الأرائِكْ   والـرَّوحِ والرَّيحانِ عندَ ذلكْ

ثمّ إنّ عبد الله حمد الله وأثنى عليه ، ثمّ قال : أيها النّاس ، إنّ هاشماً كان عبداً من عباد الله الذين قدّر أرزاقهم ، وأحصى أعمالهم ، وقضى آجالهم ، فدعاه الله ربّه الذي لا يُعصى ، فأجابه وسلّم لأمر الله ، وجاهد في طاعة ابن عمِّ رسول الله ، وأوّل مَن آمن به ، وأفقههم في دين الله ، المخالف لأعداء


الصفحة (42)

الله المستحلّين ما حرّم الله ، الذين عملوا في البلاد بالجور والفساد ، واستحوذ عليهم الشيطان فزيّن لهم الإثم والعدوان ، فحقّ عليكم جهاد مَن خالف سُنّة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وعطّل حدود الله ، وخالف أولياء الله . فجُودوا بمُهج أنفسكم في طاعة الله في هذه الدنيا ؛ تُصيبوا الآخرة والمنزل الأعلى والمُلك الذي لا يبلى ، فلو لم يكن ثوابٌ ولا عقاب ، ولا جنّةٌ ولا نار ، لكان القتال مع عليٍّ أفضل من القتال مع معاوية ابن آكلة الأكباد ، فكيف وأنتم ترجون ما ترجون ؟!

فلمّا انقضى أمر صفّين ، وسلّم الحسن (عليه السّلام) الأمر لمعاوية ، نادى منادي معاوية : أمِنَ الأسود والأحمر بأمان الله ، إلاّ عبد الله بن هاشم . فاختفى عبد الله عند امرأة بالبصرة من بني مخزوم ، فدُلّ عليه معاوية ، فبعث إلى زياد : أنْ ائتِ دار فلانة المخزوميّة ، فاستخرج عبد الله بن هاشم المرقال منها ، فاحلق رأسه ، والبسه جُبّة شعر ، وقيّده وغلّ يده إلى عنقه ، وأحمله على قتب بعيرٍ بغير وطاء ولا غطاء ، وأنفذ به إليّ .

ففعل به زياد ذلك وأنفذه إلى معاوية ، فوصل إليه وقد لاقى تعباً كثيراً ، وغيّرت الشمس وجهه ، فعرفه معاوية و لمْ يعرفه عمرو بن العاص ، فقال معاوية : يا أبا عبد الله ، أتعرف هذا الفتى ؟ قال : لا . قال : هذا ابن الذين كان يقول في صفّين :

أعْورُ يبْغِي أهلَهُ مَحَلاّ   قدْ عالجَ الحياةَ حتّى مَلاّ

لا بُدَّ أنْ يَغُلَّ أو يُغلاّ

فقال عمرو : يا أمير المؤمنين ، هذا المحتال ابن المرقال ، فدونك الضبّ المضب ، فإنّ العصا من العصية ، وإنّما تَلد الحيّة حيّة ، وجزاء السيئة سيئة مثلها . فقال له ابن هاشم : ما أنا بأوّل رجل خذله قومه وأدركه يومه . فقال معاوية : تلك ضغائن صفّين ، وما جنى عليك أبوك . فقال عمرو : يا أمير المؤمنين ، أمكني فأشخب أوداجه على أثباجه . فقال له ابن هاشم :


الصفحة (43)

فهلاّ كانت هذه الشجاعة منك يابن العاص أيام صفّين ، حين ندعوك إلى النّزال ، وقد ابتلّت أقدام الرجال من نقع الجريال(1) ، وقد تضايقتْ بك المسالك ، وأشرفتَ فيها على المهالك ؟ فاُعجب معاوية ما سمع من كلام ابن هاشم ، فأمر به إلى السجن ، وكفّ عن قتله ، فقال عمرو :

أمـرتُكَ أمراً حازِماً فعَصَيْتَني   وكانَ منَ التَّوفيقِ قتلُ ابنِ هاشمِ
ألـيسَ أبـوُهُ يـا مُعاويةُ الَّذِي   رَمـاكَ علَى جدٍّ بحزِّ الغلاصمِ
فما بَرحُوا حتّى جرتْ منْ دمائِنا   بصفّين أمثالِ البُحورِ الخضَارمِ
وهـذا ابنُهُ والمرءُ يُشْبهُ أصلَهُ   سـنقرعُ إنْ أبـقيتَهُ سِـنَّ نادمِ

فقال ابن هاشم يجيبه :

مـعاويَ إنّ الـمرْءَ عَمراً أبتْ لهُ   ضَـغينةُ صَـدْرٍ غِشُّها غيرُ سالمِ
يَـرى لكَ قتْلي يابنَ حرْبٍ وإنّما   يَرى ما يَرَى عمرٌو مُلوكُ الأعاجمِ
عـلى أنّـهُم لا يَـقتلُونَ أسيرَهُمْ   إذا أثـقلَ الأعْـناقَ حَملُ المغَارمِ
وقـدْ كـانَ مـنَّا يومَ صفّين نغْزةٌ   عـليكَ جـناهَا هـاشمٌ وابنُ هاشمِ
قَضى الله ُ فيها ما قَضى ثَمّة انْقَضى   ومَـا ما مَضى إلاّ كأضغاثِ حالمِ
هي الوقعةُ العُظْمَى الَّتي تعْرفونَها   وكـلٌّ على ما قدْ مَضى غيرُ نادمِ
فإنْ تعفُ عنَّي تعفُ عنْ ذِي قرَابةٍ   وإنْ تَـرَ قَـتلي تَسْتحلُ مَحارمي

وهكذا كانت معاملة معاوية لشيعة أمير المؤمنين (عليه السّلام) بعد ما تمّ له الأمر ، فإنّه بعد ما شرط عليه الحسن (عليه السّلام) أنْ لا يتعرّض لشيعته وشيعة أبيه ، قتل حجرَ بن عدي وأصحابه ، وعمرو بن الحمق ، وتتبَّع شيعة علي (عليه السّلام) ؛ يُخيفهم ، ويسجنهم ، ويسومهم سوء العذاب ، وسلّط

_____________________________

(1) الجريال : صبغ أحمر ، وأراد به هنا : الدّم ، تشبيهاً له بذلك الصبغ . ـ المؤلّف ـ


الصفحة (44)

عليهم زياد بن أبيه ففعل بهم الأفاعيل . ولقد أشار جلساء السّوء على يزيد بن معاوية ـ لمّا جيء إليه باُسارى آل الرسول (صلّى الله عليه وآله) ـ بمثل ما أشار به عمرو بن العاص على أبيه معاوية ، وذلك أنّ يزيد لمّا جيء إليه بالسبايا والاُسارى يوم كربلاء ، استشار أهلَ الشام فيما يصنع بهم ، فأشار بعضهم بقتلهم ، وتكلّم بكلمة لا يطيق اللسان التكلّم بها ، فقال له النّعمان بن بشير : انظر ما كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يصنعه بهم ، فاصنعه بهم .

ونظر رجل من أهل الشام أحمر إلى فاطمة بنت الحسين (عليهما السّلام) فقال : يا أمير المؤمنين ، هب لي هذه الجارية . قالت فاطمة : فارتعدت وظننت أنّ ذلك جائز عندهم ، فأخذت بثياب عمّتي زينب ، وقلت : يا عمّتاه ! أوتمت واُستخدم ؟! وكانت عمّتي تعلم أنّ ذلك لا يكون ، فقالت عمّتي : لا حبّاً ولا كرامة لهذا الفاسق . وقالت للشامي : كذبت والله ولؤمت ، والله ما ذاك لك ولا له . فغضب يزيد وقال : كذبت ، إنّ ذلك لي ولو شئت أنْ أفعل لفعلت . قالت زينب : كلاّ والله ، ما جعل الله لك ذلك إلاّ أنْ تخرج من ملّتنا وتدين بغيرها . فاستطار يزيد غضباً وقال : إيّاي تستقبلين بهذا ! إنّما خرج من الدّين أبوك وأخوك . قالت زينب : بدين الله ودين أبي ودين أخي اهتديت أنت وجدّك وأبوك إنْ كنت مسلماً . قال : كذبتِ يا عدوّة الله . قالت له : أنت أمير تشتم ظالماً وتقهر بسلطانك . فكأنّه استحيا وسكت . فعاد الشامي فقال : هب لي هذه الجارية . فقال له يزيد : اعزب ، وهب الله لك حتفاً قاضياً .

وفي رواية : فقال الشامي : مَن هذه الجارية ؟ فقال : هذه فاطمة بنت الحسين ، وتلك زينب بنت علي . فقال الشامي : الحسين بن فاطمة وعلي بن أبي طالب ؟! فقال : نعم . فقال الشامي : لعنك الله يا يزيد ، تقتل عترة نبيّك وتسبي ذرّيّته ! والله ، ما توهّمت إلاّ أنّهم من سبي الروم . فقال يزيد : والله لألحقنّك بهم . ثمّ أمر به فضُربت عنقه .


الصفحة (45)

فـقُلْ لـسرايا شَيبةِ الحَمدِ ما لكمْ   قـعدتُمْ وقدْ ساروا بنسوتِكُمْ أسرَى
وأعـظمُ ما يُشجي الغيورَ دخولُها   إلى مجلسٍ ما بارحَ اللهوَ والخمْرا
يـُقـارضُها فـيهِ يـزيدُ مَـسبَّةً   ويَصرفُ عنها وجهَهُ مُعرضاً كِبرا

* * *

المجلس الستّون بعد المئة

لمّا كان يوم صفّين ، نادى أبو شجاع الحِميري ، وكان من ذوي البصائر ، وكان مع علي (عليه السّلام) ، فقال : يا معشر حِمْيَر ، أترون معاوية خيراً من علي ؟! أضلّ الله سعيكم . ثمّ أنت يا ذا الكلاع ، فوالله ، إنْ كنّا نرى أنّ لك نيّة في الدين . فقال ذو الكلاع : إيهاً يا أبا شجاع ، والله ، ما معاوية بأفضل من علي ، ولكن إنّما اُقاتل على دم عثمان .

وعُبّئت قبائل حمير مع ذي الكلاع ، وفيهم عبيد الله بن عمر بن الخطاب ، لتقاتل قبيلة بكر بن وائل من قبائل ربيعة ، وكانت مع علي (عليه السّلام) ، فقاتلوا قتالاً شديداً حتّى خافوا الهلاك ، فقال رجل لعبد القيس : لا بكر بعد اليوم ؛ إنّ ذا الكلاع وعبيد الله أبادا ربيعة ! فانهضوا لهم وإلاّ هلكوا . فركبت عبد القيس وجاءت كأنها غمامة سوداء ، فشدّت إزاء الميسرة ، فعظم القتال ، وقُتل ذو الكلاع الحميري ، قتله رجل من بكر بن وائل ، اسمه خندف .

وتضعضعت أركان حمير ، وثبتت بعد ذي الكلاع تحارب مع عبيد الله بن عمر ، وبعث عبيد الله بن عمر إلى الحسن بن علي (عليهما السّلام) ، فقال : إنّ لي إليك حاجة فالقني . فلقيه الحسن (عليه السّلام) ، فقال له عبيد الله : إنّ أباك قد وتر قريشاً أوّلاً وآخراً ، وقد أبغضوه ، فهل لك إلى أنْ تخلعه ونولّيك هذا الأمر ؟ قال : (( كلاّ والله ، لا يكون ذلك )) . ثمّ قال له الحسن (عليه السّلام) (( لكأنّي أنظر إليك مقتولاً في يومك أو


الصفحة (46)

غدك ، أما إنّ الشيطانَ قد زيّن لك ، وخدعك حتّى أخرجك مخلَّقاً بالخلوق ، تُري نساء أهل الشام موقفك ، وسيصرعك الله ويبطحك لوجهك قتيلاً )) .

قال : فوالله ، ما كان إلاّ كيوم أو كالغد ، وكان القتال ، فخرج عبيد الله في كتيبة رقطاء ، وهي الخُضريّة ، كانوا أربعة آلاف عليهم ثياب خضر ، إذ مرّ الحسن (عليه السّلام) فإذا هو برجل متوسّد رجلاً قتيلاً ، قد ركز رمحه في عينه ، وربط فرسه برجله ، فقال الحسن (عليه السّلام) لمَن معه : (( انظروا مَن هذا ؟ )) . فإذا هو برجل من همدان ، فإذا القتيل عبيد الله ، قد قتله وبات عليه حتّى أصبح ، ثمّ سلبه .

وكان ذو الكلاع سمع عمرو بن العاص يقول : قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لعمّار : (( تقتلك الفئة الباغية )) . فلمّا سمع ذو الكلاع أنّ عمّاراً مع علي (عليه السّلام) اضطرب ، فقال له عمرو : إنّه سيرجع إلينا . ثمّ قُتل ذو الكلاع في اليوم الذي قُتل فيه عمّار ، فقال عمرو : والله يا معاوية ، ما أدري بقتل أيّهما أنا أشدّ فرحاً ، والله ، لو بقي ذو الكلاع حتّى يُقتل عمّار ، لمال بعامّة قومه إلى علي ، ولأفسد علينا جندنا . وقال معاوية : لأنا أشدّ فرحاً بقتل ذي الكلاع مني بفتح مصر لو فُتحت .

ولمّا قُتل ذو الكلاع ، أقبل ولده إلى سعيد بن قيس الهمداني ، واستأذنه في أخذ جُثّة أبيه فأذن له ، فدخل من قِبل الميمنة ، فطاف في العسكر فلم يجده ، ثمّ أتى الميسرة فطاف في العسكر ، فوجده قد ربط رجله بطنب من أطناب فساطيط العسكر ، فوقف على باب الفسطاط ، فقال : السّلام عليكم يا أهل البيت . فقيل له : وعليك السّلام . وكان معه عبد له أسود لم يكن معه غيره ، فقال : أتأذنون لنا في طنب من أطناب فسطاطكم ؟ قالوا : قد أذنّا لكم . ثمّ قالوا : معذرة إلى ربّنا عزّ وجل وإليكم ، أما إنّه لولا بغيه علينا ما صنعنا به ما ترَون . فنزل ابنه والعبد الذي معه إليه ـ وكان من أعظم النّاس خلقاً ، وقد انتفخ شيئاً ـ فلم يستطيعا احتماله ، فقال ابنه : هل من فتىً مِعوان ؟ فخرج إليه


الصفحة (47)

خندف البكري ، فقال : تنحّوا . فقال له ابن ذي الكلاع : ومَن يحمله إذا تنحّينا ؟ قال : يحمله الذي قتله . فاحتمله خندف ، ثمّ رمى به على ظهر البغل ، ثمّ شدّه بالحبال فانطلقوا به .

يمثّل خِطاب ابن ذي الكلاع لأهل الفسطاط ، واعتذارهم إليه ، الرقَّة والشهامة ، والآداب والأخلاق الكريمة العربيّة ، وكانت النّاس ـ لا سيّما العرب ـ تحافظ على الميّت أو القتيل ، فتتوسل بكلّ وسيلة إلى دفنه وحفظ جسده ، لا سيّما إذا كان من أجلاّء النّاس .

وجاء الدين الإسلامي بذلك ، فجعل حرمة المؤمن ميتاً كحرمته حيّاً ، لكنّ ابن سعد وابن زياد وحزبهما ، لمّا قتلوا الحسين (عليه السّلام) وأصحابه ، شوّهوا وجه الأخلاق العربيّة ، ولم يراعوا حرمة الدّين وحرمة الإسلام ، ولا حرمة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وهم يدّعون الإسلام . فأقبل ابن سعد على قتلاه فدفنهم ، وترك الحسين (عليه السّلام) وأصحابه بلا دفن ، مطرّحين على وجه الأرض جثثاً بلا رؤوس ، تصهرهم الشمس ، وتسفي عليهم السّوافي من الرمال حتّى بقوا على هذه الحالة ثلاثة أيام ، إلى أن جاء بنو أسد فدفنوهم :

ثَوَوا عَطاشَى على البوغاءِ تحسَبُهُمْ   تحتَ الدُّجَى في الفيافي الأنجُمَ الشُّهبَا

مُـجرَّدينَ عـلى الرمضاءِ قدْ لبسُوا   مـنَ الـمَهابةِ أبـراداً لـها قُـشبا
مـُضرَّجينَ بـمُحْمرِّ الـنَّجيعِ بنَى   نَـبلُ الـعِدى والـقنَا منْ فوقِهمْ قُبَبا

* * *

ما إنْ بقيتَ مِن الهوانِ على الثَّرى   مُلقىً ثلاثاً في رُبىً ووهادِ


الصفحة (48)

 

لكنْ لكَي تَقضي عليكَ صلاتَهَا   زُمَرُ المَلائكِ فوْقَ سبعِ شِدادِ

* * *

المجلس الحادي والستّون بعد المئة

في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : إنّ معاوية دعا بُسر بن أبي أرطأة ، وكان قاسي القلب ، فظّاً سفّاكاً للدماء ، لا رأفة عنده ولا رحمة ، فأمره أنْ يذهب إلى المدينة ومكّة واليمن ، وقال له : اقتل شيعة علي حيث كانوا . فمضى في ألفين وستمئة حتّى دخل المدينة ، وعامل علي (عليه السّلام) عليها أبو أيوب الأنصاري ، فخرج عنها هارباً .

ودخلها بُسر ، فشتمهم وهدّدهم وأحرق دوراً كثيرة ، ثمّ خرج إلى مكّة وقتل في طريقه رجالاًَ وأخذ أموالاً ، فلمّا قرب من مكّة ، هرب قثم بن العبّاس عامل علي (عليه السّلام) عليها ، ودخل بُسر ، فشتم أهلها وأنّبهم ، ثمّ خرج إلى الطائف ، ثمّ خرج منها إلى اليمن ، فقتل أبا كرب الهمداني سيّدَ مَن بالبادية من همدان ، وكان يتّشيع . وكان الذين قتلهم بُسر في وجهه ذلك ثلاثين ألفاً ، وحرق قوماً بالنّار ، وأتى صنعاء فهرب منها عبيد الله بن العبّاس ، ودخلها بُسر ، فأخذ ولدين صغيرين لعبيد الله بن العبّاس ، فذبحهما على درج صنعاء .

قال المبرد في الكامل : فيقال : أنّه أخذهما من تحت ذيل اُمّهما فقتلهما ، فقالت اُمّهما :

هـا مَـنْ أحسَّ بابنَي اللَذَينِ هُمَا   كـالدُّرَّتينِ تشظَّى عنهُما الصَّدَف ُ
هـا مَـنْ أحسَّ بابنَي اللَذَينِ هُمَا   سمْعِي وقلبي فقلبي اليومَ مُختطَف ُ
هـا مَـنْ أحسَّ بابنَي اللَذَينِ هُمَا   مُـخُّ العظامِ فمخِّي اليوم مزدهَف ُ


الصفحة (49)

نُبّئتُ بُسراً وما صدَّقتُ ما زَعِموا   منْ قِيلهمْ ومن الإفكِ الذي اقتَرفُوا
أنـحَى على وَدَجَي طفلَيَّ مُرهَفةً   مَـشحُوذةً وكـذاك الإثـمُ يُقتَرفُ
مَـنْ دلَّ والـهةً حـرَّى مُـفجَّعةً   على صبيَّين ضلاّ إذ مضَى السَّلفُ

وقد اتّخذ أتباع بني اُميّة ذبح الأطفال عادة لهم ؛ بغياً منهم وعتوّاً حتّى آل الأمر إلى يزيد بن معاوية ، وجهّز عبيد الله بن زياد الجيوش بأمره لقتال الحسين (عليه السّلام) ، وقُتلت أنصار الحسين (عليه السّلام) وأهل بيته ، وبقي وحيداً فريداً ، فتقدّم إلى باب الخيمة ، وقال لزينب : (( ناوليني ولدي الرضيع حتّى اُودعه )) . فاُتي بابنه عبد الله ، فأخذه وأجلسه في حجره ، وأومأ إليه ليقبّله ، فرماه حرملة بن كاهل الأسدي بسهم فوقع في نحره فذبحه ، فقال (عليه السّلام) لزينب : (( خُذيه )) . ثمّ تلّقى الدم بكفّيه ، فلمّا امتلأتا ، رمى بالدم نحو السّماء ، ثمّ قال : ((هوّن عليّ ما نزل به ، أنّه بعين الله )) . وفي رواية : أنّه قال : (( اللهمّ ، لا يكون أهون عليك من فصيل . . . )) .

قال الإمام الباقر (عليه السّلام) : (( فلم يسقط من ذلك الدم قطرة إلى الأرض )) .

وفي رواية : أنّه صبّه في الأرض ، ثمّ قال : (( يا ربّ ، إنْ كنتَ حسبتَ عنّا النَّصر من السّماء ، فاجعل ذلك لما هو خير منه ، وانتقم لنا من هؤلاء القوم الظالمين )) . ثمّ حمله حتّى وضعه مع قتلى أهل بيته . وفي رواية : أنّه حفر له بجفن سيفه ، ورمّله بدمه فدفنه .

صبيٌ وهو بينَ يَدَي أبيهِ   اُصيبَ فأيُّ ذنبٍ للصبيِّ

ومن الأطفال الذين قتلهم أتباع بني اُميّة يوم طفّ كربلاء ؛ بغياً وعتوّاً وجرأة على الله ورسوله ، غلام خرج من خباء من أخبية الحسين (عليه السّلام) ، فأخذ بعود من عيدان الخباء وهو مذعور ، فجعل يلتفت يميناً وشمالاً وقرطاه يتذبذبان ، فحمل عليه هانئ بن ثبيت الحضرمي فضربه بالسيف فقتله ، فصارت اُمّه شهربانويه تنظر إليه ولا تتكلم كالمدهوشة .


الصفحة (50)

كَـمْ لَـكمْ منْ صِبيةٍ ما أبدَلتْ   ثَمّ مـنْ حـاضنةٍ إلاّ رمَـالا
سَلْ بحِجرِ الحربِ ماذا رَضَعتْ   فَـثديُّ الـحربِ قدْ كُنَّ نِصالا
رضَـعتْ مـنْ دَمِها الموتَ فيَا   لـرضاعٍ عـادَ بالرّغمِ فِصالا

ومن الأطفال الذين قتلهم جيش يزيد يوم كربلاء ؛ بغياً وعناداً واجتراءً على الله تعالى ، عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب ، وذلك لمّا ضعف الحسين (عليه السّلام) عن القتال ، وجلس على الأرض ، فخرج عبد الله ، وهو غلام لمْ يراهق ، من عند النّساء ، فلحقته زينب بنت علي (عليهما السّلام) لتحبسه ، فقال لها الحسين (عليه السّلام) : (( احبسيه يا اُختي )) ؛ وذلك لعلمه ببغي أهل الكوفة وجرأتهم على قتل الأطفال .

فأبى الطفل وامتنع عليها امتناعاً شديداً ، وجاء يشتدّ إلى عمّه الحسين (عليه السّلام) حتّى وقف إلى جنبه ، وقال : لا اُفارق عمّي . فأهوى بحر بن كعب إلى الحسين (عليه السّلام) بالسيف ، فقال الغلام : ويلك يابن الخبيثة ! أتقتل عمّي ؟! فضربه بحر بالسيف فاتّقاها الغلام بيده فأطنّها إلى الجلد ، فإذا هي معلّقة ، فنادى الغلام : يا عمّاه ! ـ أو يا اُمّاه ! ـ فأخذه الحسين (عليه السّلام) فضمّه إلى صدره ، وقال : (( يابن أخي ، اصبر على ما نزل بك واحتسب في ذلك الخير ، فإنّ الله يلحقك بآبائك الصالحين ؛ برسول الله وعلي وحمزة وجعفر والحسن صلّى الله عليهم أجمعين )) . فرماه حرملة بسهم فذبحه ، وهو في حجر عمّه ، فرفع الحسين (عليه السّلام) يدَيه وقال : (( اللهمّ ، امسك عنهم قطرَ السّماء ، وامنعهم بركات الأرض . اللهمّ ، فإنْ متّعتهم إلى حين ، ففرّقهم فرقاً ، واجعلهم طرائقَ قِدداً ، ولا تُرضِ الولاة منهم أبداً ؛ فإنّهم دعونا لينصرونا ثمّ عدوا علينا فقتلونا )) .

هَـبُوا أنّكُمْ قاتلتمُ فقتلتُمُ   فما بالُ أطفال تُقاسي نبالَها

 ودعا علي (عليه السّلام) على بُسر ، فقال : (( اللهمّ ، لا تمته حتّى تسلبه عقله


الصفحة (51)

، ولا توجب له رحمتك ولا ساعة من نهار )) . فلم يلبث بعد ذلك ألا يسيراًً حتّى ذهب عقله ، وكان يهذي بالسيف ويقول : أعطوني سيفاً اُقتل به . ولا يزال يردّد ذلك حتّى اتّخذ سيفاً من خشب ، وكانوا يدنون منه المرفقة ، فلا يزال يضربها حتّى يغشى عليه ، فلبث كذلك إلى أنْ مات .

وقد كان مسلم بن عقبة وعبيد الله بن زياد ليزيد ، كما كان بُسر لمعاوية ؛ أمّا مسلم بن عقبة ، فهو صاحب وقعة الحَرّة التي أباح فيها المدينة ثلاثاً ، وبايع النّاس على أنّهم عبيداً رقّاً ليزيد بن معاوية ؛ وأمّا عبيد الله بن زياد ، فهو الذي بعث العساكر لقتال الحسين (عليه السّلام) ؛ إرضاءً ليزيد بن معاوية ، ولم يكفهِ ذلك حتّى أمرهم بمنع الحسين (عليه السّلام) وأصحابه الماء ، فنفّذ ذلك ابن سعد ، ومنع الحسين (عليه السّلام) وعياله وأطفاله الماء ، وجعل يطلب شربة من الماء فلا يجاب ، وكلّما حمل بفرسه على الفرات ، حملوا عليه حتّى كشفوه عنه إلى أنْ قتلوه عطشانَ ظامياً .

ولم يكفهم ذلك ، حتّى أمر ابن زياد أنْ يُوطئوا الخيل صدرَ الحسين (عليه السّلام) وظهره بعد القتل ، ففعل ابن سعد ذلك ، ولم يكفهم هذا كلّه حتّى حملوا رأسه الشريف ، ورؤوس أصحابه وأهل بيته على أطراف الرماح ، وسبوا نساءه وعياله وبنات رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من بلد إلى بلد :

بَنى لَهُمُ الماضونَ آساسَ   هَذِهِ فَعَلّوا عَلى آساسِ تِلكَ القَواعِدِ

أَلا لَيسَ فِعلُ الأَوَّلينَ وَإِنْ    عَلا عَلى قُبحِ فِعلِ الأَخَرينَ بِزائِدِ

المجلس الثاني والستّون بعد المئة

* * *

ذكر غير واحد من المؤرّخين : إنّ عليّاً (عليه السّلام) لمّا عاد من صفّين


الصفحة (52)

إلى الكوفة بعد أمر الحكمين ، قام ينتظر انقضاء المدّة التي كانت بينه وبين معاوية ليرجع إلى حربه ، إذ انعزلت طائفة من أصحابه في أربعة آلاف ، وهم من العبّاد والنسّاك ، فخرجوا من الكوفة وأنكروا أمر التحكيم ، وقالوا : لا حكمَ إلاّ لله . فقال علي (عليه السّلام) : (( كلمة حقٍّ يُراد بها باطل )) . وانحاز إليهم نحو من ثمانية آلاف ، فصاروا في اثني عشر ألفاً ، ونزلوا مكاناً يُسمى حروراء ؛ فسُمّوا : الحروريّة .

واحتجّ عليهم أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، فقال : (( ألم اَقُلْ لكم في يوم رفع المصاحف : إنّ أهل الشام يخدعونكم بها ؛ فإنّ الحرب قد عضّتهم ، فذروني اُناجزهم فأبيتم ؟ ألم اُردْ أنْ أبعث ابن عمّي عبد الله بن عباس ليكون حكماً ؛ فإنّه رجل لا يُخدع ، فأبيتم وجئتموني بأبي موسى وقلتم رضينا به ؟ ثمّ شرطتُ على الحكمين أنْ يحكما بما أنزل الله في القرآن ، من فاتحته إلى خاتمته ، وأنّهما إنْ لمْ يفعلا فلا طاعة لهما عليَّ ؟ )) . قالوا : صدقت ، فلمَ لا ترجع إلى حرب القوم ؟ قال (عليه السّلام) : (( حتّى تنقضي المدّة التي بيننا وبينهم )) . فرجع منهم طائفة .

ثمّ اجتمعوا بالنهروان ، ولقيهم عبد الله بن خباب صاحب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وفي عنقه مصحف ، ومعه امرأته ، فقالوا : ما تقول في عليٍّ قبل التحكيم وبعده ؟ قال : إنّه أعلم بالله منكم ، وأشدّ توقّياً على دينه ، وأنفذ بصيرة . قالوا : إنّك تتبع الهوى ، وتوالي الرجال على أسمائها لا على أفعالها ، والله ، لنقتلنّك قتلةً ما قتلناها أحداً . فأخذوه وكتّفوه ، ثمّ أقبلوا به وبامرأته ، وهي حبلى متم ، فنزلوا تحت نخل ، فسقطت منه رطبة ، فوضعها أحدهم في فيه ، فقال له الآخر : أخذتها بغير ثمن ! فألقاها . ومرّ بهم خنزير لأهل الذمّة ، فضربه أحدهم بسيفه ، فقالوا : هذا فساد في الأرض ، فارضِ صاحب الخنزير .

فلمّا رأى ذلك عبد الله بن خباب ، قال : إنّي مسلم ، ما أحدثت في الإسلام حدثاً ، ولقد أمّنتموني قلتم لا روع عليك . فلم يلتفتوا إلى كلامه ، وقالوا له : هذا الذي في عنقك يأمرنا


الصفحة (53)

بقتلك . ثمّ قرّبوه إلى شاطئ النّهر ، فأضجعوه وذبحوه ، فسال دمه في الماء ، وأقبلوا إلى امرأته ، فقالت : أنا امرأة ، ألاَ تتّقون الله ؟ فبقروا بطنها .

وخرج علي (عليه السّلام) بأصحابه حتّى نزل على فرسخين من النّهروان ، فأرسل إليهم أوّلاً ابن عبّاس ، ثمّ جاء إليهم بنفسه ، فقال (عليه السّلام) : (( ما الذي نقمتم به علي ؟ )) . قالوا : نقمنا عليك أنّك أبحتنا عسكر أهل البصرة ، ومنعتنا النّساء والذرّيّة . فقال (عليه السّلام) لهم : (( إنّ أهل البصرة قاتلونا ، فاقتسمتم سلب مَن قاتلكم ، والنّساء لم تُقاتل ، والذرّيّة ولدوا على الفطرة ، ولم ينكثوا ولا ذنب لهم ، ولقد مَنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) على المشركين ، فلا تعجبوا إنْ مننتُ على نسائهم وذريّاتهم )) . قالوا : ونقمنا عليك أنّك حكمت في دين الله برأينا . فقال (عليه السّلام) : (( أما تعلمون أنّ الله تعالى قد أمر بالتحكيم في شقاق بين الرجل وامرأته ، فقال : فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا(1) . وفي صيد اُصيب [ في الحرم ] كأرنب يساوي نصف درهم ، فقال : يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ(2) )) . قالوا : ونقمنا عليك أنّك محوت اسمك من إمارة المؤمنين يوم صفّين حين كُتب كتاب الصلح ؛ وذلك أنّه قال لكاتبه : (( اكتب ، هذا ما تقاضى عليه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، ومعاوية بن أبي سفيان )) . فلم يقبل معاوية ، فقال أمير المؤمنين (عليه السّلام) للكاتب : (( اكتب ، هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب ، ومعاوية )) .

فقال لهم : (( أنا كنت كاتب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يوم الحديبيّة ، فقال لي : اكتب ، هذا ما اصطلح عليه محمّد رسول الله ، وسهيل بن عمرو . فقال سُهيل : لو علمنا أنّك رسول الله ، لمَا صددناك ولا قاتلناك . فأمرني رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فمحوت ذلك وكتبت : هذا ما اصطلح عليه محمّد بن عبد الله ، وسهيل . وإنّما محوت اسمي من إمرة المؤمنين ، كما محا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) اسمه من الرسالة ، وكان لي به اُسوة )) .

قالوا : وإنّك قلت للحكمين : (( انظرا في كتاب الله ، فإنْ كنتُ أفضل من معاوية ، فأثبتاني في الخلافة ، وإلاّ فأثبتاه )) .

ــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة النساء / 35 .

(2) سورة المائدة / 95 .


الصفحة (54)

 فإنْ كنت شاكّاً ، فنحن فيك أعظم شكّاً . فقال (عليه السّلام) : (( إنّما أردت بذلك النّصفة ، كما قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لنصارى نجران : تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ(1) )) . قالوا : ونقمنا عليك أنّك حكمت حُكماً في حقّ هو لك . فقال (عليه السّلام) : (( إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حكّم سعد بن معاذ في بني قُريظة ، ولو شاء لم يفعل )) . فصاح منهم جماعة من كلّ ناحية : التوبة التوبة يا أمير المؤمنين ! فاستأمن منهم ثمانية آلاف ، وبقي أربعة آلاف مصّرين على حربه ، فقاتلهم حتّى أفناهم ، ولم يَسلَم منهم غير تسعة أنفس .

فياليت : أمير المؤمنين (عليه السّلام) الذي أفنى الخوارج بسيفه ، لا غاب عن يوم كربلاء ، ليرى خوارج أهل الكوفة الذين حاربوا ولده الحسين (عليه السّلام) ، بل كانوا شرّاً من الخوارج . ولم تفعل فرقة من الفرق الضالّة ، مهما بلغت في الضلال وقساوة القلب ، ما فعله أهل الكوفة مع أهل بيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، ولم يجرِ في حرب من حروب الدنيا من الفظاعة ما جرى من أهل الكوفة في حرب ذرّيّة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ؛ فكم من طفل بالسهام ذبحوه ! وآخر بالسيوف قطعوه ! ذبحوا عبد الله الرضيع بالسهم ، وهو بين يدي أبيه الحسين (عليه السّلام) ، وذبحوا عبد الله بن الحسن بالسهم ، وهو في حجر عمّه الحسين (عليه السّلام) ، بعدما ضربوه على يمينه بالسيف فقطعوها وبقيت معلّقة ، ومنعوا الحسين (عليه السّلام) وعياله وأطفاله من ورود الماء ، وتركوه وأصحابه على وجه الصعيد جُثثاً بلا رؤوس ، تصهرهم الشمس ، وتسفي عليهم الرياح :

فيا وقعةً لمْ يُحدثْ الدَّهرُ مثْلَها   يَبيدُ الليالي ذكرُهَا وهو خالدُ

لألبستِ هذا الدِّيـنَ أثوابَ ذلَّةٍ   ترثُّ لها الأيـامُ وهيَ جدَائدُ

ــــــــــــــــ

(1) سورة آل عمران / 61 .


الصفحة (55)

المجلس الثالث والستّون بعد المئة

في العقد الفريد وغيره ، عن الشعبي ، قال : وفدت سودة بنت عُمارة بن الأشتر الهمدانيّة على معاوية بن أبي سفيان ، فاستأذنت عليه فأذن لها ، فلمّا دخلت عليه سلّمت ، فقال لها : كيف أنت يابنة الأشتر ؟ قالت : بخير يا أمير المؤمنين . قال لها : أنت القائلة لأخيك :

شَمِّر كفعلِ أبيكَ يابنَ عُمارةٍ   يـومَ الطَّعانِ ومُلتقَى الأقرانِ
وانصُر عليّاً والحُسينَ ورهطَهُ   واقْـصُدْ لـهندٍ وابنِها بهوانِ
إنّ الإمـامَ أخا النّبيِّ محمّدٍ   عَـلمُ الـهُدى ومنارةُ الإيمانِ
فَـقُدِ الجيوشَ وسُرْ أمامَ لوائِهِ   قُـدُماً بـأبيضَ صارمٍ وسنانِ

قالت : مات الرأس ، وبُتر الذنب ، فدَعْ عنك تذكار ما قد نسي . قال : هيهات ! ليس مثل مقام أخيك يُنسى . قالت : صدقت والله ، ما كان أخي خفي المقام ، ذليل المكان ، ولكن كما قالت الخنساء :

وإنّ صَخْراً لتأتمُّ الهُداةُ بهِ   كأنّهُ عَلمٌ في رأسهِ نارُ

وبالله أسأل اعفائي ممّا استعفيته . قال : قد فعلت ، فقولي حاجتك . قالت : إنّ الله سائلك عمّا افترض عليك من حقّنا ، ولا تزال تُقدّم علينا مَن ينهض بعزّك ، ويبسط بسلطانك ، فيحصدنا حصاد السُّنبل ويدوسنا دياس البقر ، ويسومنا الخسيسة ويسألنا الجليلة ؛ هذا ابن أبي أرطأة قدم بلادي ، وقتل رجالي وأخذ مالي ، ولولا الطاعة ، لكان فينا عزٌّ ومنعة ، فإمّا عزلته فشكرناك ، وإمّا لا ، فعرفناك . فقال معاوية : إيّاي تهدّدين بقومك ! والله ، لقد هممت أنْ أردّك إليه على قتب أشرس ، فينفذ حكمه فيك . فسكتت ، ثمّ قالت :


الصفحة (56)

صلَّـى الإلهُ على روحٍ تضمَّنهُ   قبـرٌ فأصبحَ فيه العدلُ مدْفُونا

قدْ حالفَ الحقَّ لا يبغِي به ثَمناً   فصارَ بالحقِّ والإيمانِ مقرُونا

قال : ومَن ذلك ؟ قالت : علي بن أبي طالب (عليه السّلام) . قال : ما أرى عليك منه أثراً ؟ قالت : بلى ، أتيته يوماً في رجل ولاّه صدقاتنا ، فكان بيننا وبينه ما بين الغثّ والسّمين ، فوجدته قائماً يُصلّي ، فانفتل من الصلاة ، وقال برأفة وتعطّف : (( ألك حاجة ؟ )) . فأخبرته خبر الرجل ، فبكى ، ثم رفع يديه إلى السّماء ، فقال : (( اللهمّ ، إنّي لمْ آمرهمْ بظُلم خلقك ، وترك حقّك)) . ثمّ أخرج من جيبه قطعة من جراب ، فكتب فيها : (( بسم الله الرحمن الرحيم ، قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيّنَةٌ مِنْ رَبّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُوا النّاسَ أَشْيَاءَهُمْ(1) . وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأرْضِ مُفْسِدِينَ(2) . بَقِيّتُ اللّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ(3) . إذا أتاك كتابي هذا ، فاحتفظ بما في يديك حتّى يأتي مَن يقبضه منك ، والسّلام )) . فعزله .

فقال معاوية : اكتبوا لها بالإنصاف لها ، والعدل عليها . فقالت : ألي خاصة أم لقومي عامّة ؟ قال : وما أنت وغيرك ؟ قالت : والله ، هي إذاً الفحشاء واللؤم . إنْ كان عدلاً شاملاً ، وإلاّ يسعني ما يسع قومي . قال : هيهات ! علّمكم ابن أبي طالب الجُرأة ، وغرّكم قوله :

فلو كُنتُ بوَّاباً على بابِ جنَّةٍ   لقلتُ لهمدانَ ادخُلي بسلامِ

وقوله :

ناديتَ همدانَ والأبوابُ مُغلقةٌ   ومثلُ همدان سنَّى فتحةَ البابِ

كالهُندُوانيِّ لمْ تُغلَلْ مضاربُهُ   وجهٌ جميلٌ وقلبٌ غيرُ وجَّابِ

اكتبوا لها حاجتها .

هكذا كانت عادة الملوك والاُمراء في الحلم عن النّساء ، وإكرامهنّ والرأفة بهنّ ، وعدم مؤاخذتهنّ بشيء من القول ؛ لأنّهن ضعيفات ، إلى أنْ آل الأمر إلى ابن زياد ، واُدخلت عليه حوراء

_________________________________

(1) سورة الأعراف / 85 .

(2) سورة البقرة / 60 .

(3) سورة هود / 86 .


الصفحة (57)

النّساء زينب بنت علي (عليهما السّلام) ، فإنّه لم يُكرمها بشيء ، إلاّ أنّه التفت إليها ، وقال لها : الحمد لله الذي قتلكم وفضحكم وأكذب اُحدوثتكم . فقالت (عليها السّلام) : الحمد لله الذي أكرمنا بنبيّه محمّد (صلّى الله عليه وآله) ، وطهّرنا من الرجس تطهيراً ، إنّما يُفتضح الفاسق ويكذب الفاجر ، وهو غيرنا . فقال لها : كيف رأيت صنع الله بأخيك الحسين ، وأهل بيتك ؟ قالت : ما رأيت إلاّ جميلاً ، هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم ، وسيجمع الله بينك وبينهم فتُحاج وتُخاصم ، فانظر لمَن الفلج يومئذ ، هبلتك اُمّك يابن مرجانة !

فغضب ابن زياد واستشاط ، وكأنّه همّ بها ، فقام اليه عمرو بن حريث ، وقال : إنّها امرأة ، والمرأة لا تؤاخذ بشيء من منطقها . فقال لها ابن زياد : لقد شفى الله قلبي من طاغيتك الحسين ، والعصاة المَرَدة من أهل بيتك . فرقّتْ زينب وبكتْ ، وقالت له : لعمري ، لقد قتلتَ كهلي وأبرزتَ أهلي ، وقطعتَ فرعي واجتثثتَ أصلي ، فإنْ كان هذا شفاؤك فقد اشتفيت . فقال ابن زياد : هذه سجّاعة ، ولَعمري ، لقد كان أبوها سجّاعاً شاعراً . فقالت : يابن زياد ، ما للمرأة وللسجعْ ؟!

 

احْتَجْنَ تكلِيمَ الأجانبِ وهي لمْ   تُفكّكْ لهُمْ أفْواهَها بشظاظِ

كمْ حُرمةٍ للمُصطفَى هُتكتْ على   أيدي شِدادٍ في العتوِّ غِلاظ ِ

* * *

المجلس الرابع والستّون بعد المئة

في العقد الفريد : عن الشعبي ، قال : استأذنت بكارة الهلاليّة على معاوية


الصفحة (58)

ابن أبي سفيان ، فأذن لها ، وهو يومئذ بالمدينة ، فدخلت عليه ، وكانت امرأة قد أسنّت ، وغشي بصرها وضعفت قوّتها ، ترعش بين خادمين لها ، فسلّمت وجلست ، فردّ عليها معاوية السّلام ، وقال : كيف أنت يا خالة ؟ فقالت : بخير . قال : غيّرك الدهر . قالت : كذلك هو ذو غِيَر ، مَن عاش كبُر ، ومَن مات فُقد . قال عمرو بن العاص : هي والله ، القائلة :

 

يا زيدُ دونَكَ فاحتفِرْ منْ دارِنا   سيْفاً حُساماً في التُّرابِ دَفينا

قدْ كُنتُ أذخـرُهُ ليـومِ كريهةٍ   فاليومَ أبرزَهُ الزَّمانُ مَصُونا

قال مروان : وهي والله ، القائلة :

أترَى ابن هـندٍ للخلافـةِ مالكاً   هيهاتَ ذاك وإنْ أرادَ بعيدُ

منَّتكَ نفسُكَ في الخلاءِ ضلالةً   أغراكَ عمرٌو للشقا وسَعيدُ

قال سعيد بن العاص : هي والله ، القائلة :

قدْ كنتُ أطمعُ أنْ أموتَ ولا أرَى   فـوقَ الـمَنابرِ من اُميّةَ خاطِبا
فالله ُ أخّــرَ مُـدّتي فـتطاوَلَتْ   حتّى رأيتُ منَ الزمانِ عجائِبا
فـي كلِّ يومٍ لا يزالُ خطيبُهُمْ   بـين الـجميعِ لآلِ أحـمدَ عائِبا

ثمّ سكتوا ، فقالت : يا معاوية ، أنا والله ، قائلة ما قالوا ، وما خفي عليك منّي أكثر . فضحك ، وقال : ليس يمنعنا ذلك من برّك ، اذكري حاجتك . قالت : أمّا الآن ، فلا .

هكذا يكون الإباء وعزّة النّفس ، هذه بكارة الهلاليّة ، بعد أنْ أجابت معاوية بما أجابته ، لم تقبل منه برّاً ولا عطاءً ؛ أنفة منها وحمية ؛ لأنّها علمت أنّه أراد بذلك اسكاتها ، ومع ذلك فقد أظهر الحلم عنها ، كما هي عادة الاُمراء في الإحسان إلى النّساء ولو كانت المرأة من أعدى الأعداء ، وكثيراً ما كان الأمير يحلم عن المرأة وإنْ سبّته وشتمته ، ويرى


الصفحة (59)

من العار أنْ يضربها أو يشتمها ، حتّى آل الأمر إلى ابن مرجانة وابن هند , فإنّه ما كفاهما حمل بنات رسول الله (صلّى الله عليه وآله) سبايا على أقتاب المطايا من بلد إلى بلد ، كما تُحمل سبايا الروم ، حتّى قابلوهنّ من الشتم والجفاء والغلظة ، بما تقشعرّ منه الجلود ، وتنفطر له القلوب .

أمّا عبيد الله بن زياد ، فإنّه لمّا اُدخلت عليه سبايا آل الرسول (صلّى الله عليه وآله) ، قال لزينب بنت علي (عليهما السّلام) ـ في جملة ما قال ـ : الحمد لله الذي قتلكم وفضحكم وأكذب اُحدوثتكم . فقالت زينب : الحمد لله الذي أكرمنا بنبيّه محمّد (صلّى الله عليه وآله) ، وطهّرنا من الرجس تطهيراً ، إنّما يُفتضح الفاسق ويكذب الفاجر ، وهو غيرنا . فقال : كيف رأيت فعل الله بأخيك ، وأهل بيتك ؟ قالت : ما رأيت إلاّ جميلاً ، هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم ، وسيجمع الله بينك وبينهم فتُحاج وتُخاصم ، فانظر لمَن الفلج ، هبلتك اُمّك يابن مرجانة !

فاستشاط غضباً ، وكأنّه همّ بضربها ، فقال له عمرو بن حريث : إنّها امرأة ، والمرأة لا تؤاخذ بشيء من منطقها . فقال لها ابن زياد : لقد شفى الله قلبي من طاغيتك الحسين ، والعصاة المَرَدة من أهل بيتك . فرقّتْ زينب وبكتْ ، وقالت له : لَعمري ، لقد قتلتَ كهلي وأبرزت أهلي ، وقطعت فرعي واجتثثت أصلي ، فإنْ كان هذا شفاؤك ، فقد اشتفيت .

وأمّا يزيد ، فإنّه لمّا اُدخلت عليه نساء الحسين (عليه السّلام) ، التفت إلى سكينة بنت الحسين (عليه السّلام) ، وقال لها : كيف رأيتِ صُنع الله بكم ؟ قالت : أقصر عن كلامك يابن الطليق ، حرمُك وجوارك خلف السّتور ، وبنات رسول الله سبايا !

فـقُلْ لـسرايا شَيبةِ الحَمدِ ما لكمْ   قـعدتُمْ وقدْ ساروا بنسوتِكُمْ أسرَى
وأعـظمُ ما يُشجي الغيورَ دخولُها   إلى مجلسٍ ما بارحَ اللهوَ والخمْرا
يـُقـارضُها فـيهِ يـزيدُ مَـسبَّةً   ويَصرفُ عنها وجهَهُ مُعرضاً كِبرا

الصفحة (60)

المجلس الخامس والستّون بعد المئة

في كتاب المستطرف : إنّ معاوية لمّا ولي الخلافة ، وانتظمت له الاُمور ، وامتلأت منه الصدور ، واُذعن لأمره الجمهور ، وساعده في مراده القَدر المقدور ، استحضر ليلةً خواصّ أصحابه وذاكرهم وقائع صفّين ، ومَن كان يتولّى كبر الكراهية من المعروفين ، فانهمكوا في القول الصحيح والمريض ، وآلَ حديثهم إلى م‍َن كان يجتهد في إيقاد نار الحرب عليه بزيادة التحريض ، فقالوا : امرأة من أهل الكوفة تُسمّى : الزرقاء بنت عدي . كانت تتعمّد الوقوف بين الصفّين ، وترفع صوتها صارخةً بأصحاب علي (عليه السّلام) ، تُسمعهم كلاماً كالصوارم ، مستحثّة لهم بقولٍ لو سمعه الجبان لقاتل ، والمُدبر لأقبل ، والمُسالم لحارب ، والفارّ لكرّ ، والمتزلزل لاستقرّ .

فقال لهم معاوية : أيّكم يحفظ كلامها ؟ فقالوا : كلّنا نحفظه . قال : فما تشيرون عليّ فيها ؟ قالوا : نشير بقتلها ؛ فإنّها أهل لذلك . فقال لهم : بئس ما أشرتم ! وقبحاً لِما قلتم ! أيحسن أن يشتهر عنّي ، أنّني بعد ما ضفرت وقدرت ، قتلت امرأة قد وفت لصاحبها ؟ إنّي إذاً للئيم .

ثمّ دعا بكاتبه ، فكتب كتاباً إلى واليه بالكوفة : أنْ أنفذ إليّ الزّرقاء بنت عدي مع نفر من عشيرتها ، وفرسان من قومها ، ومهّد لها وطاءً ليّناً ، ومركباً ذلولاً . فلمّا ورد عليه الكتاب ، ركب إليها وقرأه عليها ، فقالت : ما أنا بزائغة عن الطاعة . فحملها في هودج ، وجعل غشاءه خزّاً مُبطّناً ، ثمّ أحسن صحبتها . فلمّا قدمت على معاوية ، قال لها : مرحباً وأهلاً ، قدمتِ خيرَ مقدمٍ قدمهُ وافد ، كيف حالك يا خالة ؟ وكيف رأيت مسيرك ؟ قالت : خيرُ مسير . فقال : هل تعلمين لِمَ بعثتُ إليك ؟ قالت : لا يعلم الغيب إلاّ الله سبحانه وتعالى . قال : ألستَ راكبة الجمل الأحمر


الصفحة (61)

يوم صفّين ، وأنت بين الصفوف توقدين نار الحرب ، وتحرّضين على القتال ؟ قالت : نعم . قال : فما حملك على ذلك ؟ قالت : إنّه قد مات الرأس ، وبُتر الذنب ، والدّهر ذو غِيَر ، ومَن تفكّر أبصر ، والأمر يحدث بعده الأمر . فقال : صدقتِ ، فهل تحفظين ما قلتِ ؟ قالت : لا والله . قال : لله أبوك ! فلقد سمعتك تقولين : أيها النّاس ، إنّ المصباح لا يضيء في الشمس ، وإنّ الكواكب لا تُضيء مع القمر ، وإنّ البغل لا يسبق الفرس ، ولا يقطع الحديد إلاّ الحديد . ألا مَن استرشد أرشدناه ، ومَن سألنا أخبرناه ، إنّ الحقّ كان يطلب ضالّة فأصابها ، فصبراً يا معشر المهاجرين والأنصار ، فكأنّكم وقد التأم شمل الشتات ، وظهرت كلمة العدل ، وغلب الحقُّ باطله ، فإنّه لا يستوي المحقُّ والمبطل . أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لاَ يَسْتَوُونَ(1) . فالنّزال النّزال ! والصبر الصبر ! ألا وإنّ خضاب النّساء الحنّاء ، وخضاب الرجال الدماء ، والصبر خير الاُمور عاقبةً . ائتوا الحرب غير ناكصين ، فهذا يوم له ما بعده .

يا زرقاء ، أليس هذا قولك وتحريضك ؟ قالت : لقد كان ذلك . قال : لقد شاركت عليّاً في كلّ دم سفكه . فقالت : أحسن الله بشارتك ، مثلك مَن يُبشّر ويسرّ جليسه . فقال معاوية : وقد سرّك ذلك ؟! قالت : أي والله ، وأنّى لي بتصديقه ؟ فقال : والله ، لوفاؤكم لعلي بعد موته ، أعجب إليّ من حبكم له في حياته ، فاذكري حوائجك ، تُقضى . فقالت : إنّي آليت على نفسي أنْ لا أسأل أحداً بعد عليٍّ (عليه السّلام) حاجة ، ومثلك مَن أعطى من غير مسألة . قال : فأعطاها كسوةً ودراهم ، وأعادها إلى وطنها سالمةً مكرمة .

هكذا جرت عادة الملوك والاُمراء ، إنّهم إذا قدمت عليهم امرأة جليلة القدر ، يأمرون بإكرامها . أجل ، أيّ نساء أجلّ قدراً من بنات رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، ونساء ولده أبي عبدالله الحسين (عليه السّلام) ؟! وأيّ امرأة أجلّ قدراً ، وأرفع شأناً من زينب بنت أمير المؤمنين (عليهما السّلام) ؟! جدّها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، أبوها أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، اُمّها

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة السّجدة / 18 . 


الصفحة (62)

فاطمة الزهراء بنت محمّد (صلّى الله عليه وآله) ، أخواها وشقيقاها الحسن والحسين (عليهما السّلام) ، مع ما لها من الفضل في نفسها . ومع ذلك فإنّ الدعي ابن الدعي ، عبيد الله بن زياد ـ لعنه الله ـ لمْ يُكرّمها بشيء ، بل أمر بإحضارها في مجلسه مع سائر عيالات أبي عبد الله الحسين (عليه السّلام) ، وأسمعها أخشن الكلام وأسوأه ، فكان ممّا قاله لها : الحمد لله الذي قتلكم وفضحكم وأكذب اُحدوثتكم . فقالت (عليها السّلام) : الحمد لله الذي أكرمنا بنبيّه محمّد (صلّى الله عليه وآله) ، وطهّرنا من الرجس تطهيراً ، إنّما يُفتضح الفاسق ويكذب الفاجر ، وهو غيرنا . فقال لها : كيف رأيت صنع الله بأخيك ، وأهل بيتك ؟ فقالت : ما رأيت إلاّ جميلاً ، هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم ، وسيجمع الله بينك وبينهم فتُحاج وتُخاصم ، فانظر لمَن الفلج يومئذ ، هبلتك اُمّك يابن مرجانة !

فغضب ابن زياد واستشاط ، وكأنّه همّ بها ، فقال له عمرو بن حريث : إنّها امرأة ، والمرأة لا تؤاخذ بشيء من منطقها . فاراد ابن زياد ان يُحرق قلبها ، فقال لها : لقد شفى الله قلبي من طاغيتك الحسين ، والعصاة المَرَدة . فرقّتْ زينب وبكتْ ، وقالت له : لَعمري ، لقد قتلتَ كهلي وأبرزتَ أهلي ، وقطعتَ فرعي واجتثثتَ أصلي ، فإنْ كان هذا شفاؤك فقد اشتفيت .

تُصانُ بنتُ الدَّعيِّ في كللِ المُلْـ   ـكِ وبنتُ الرَّسولِ تُبتَذل ُ

يُرجى رضَى المُصطَفَى فواعجباً   تُقتَـلُ أولادُهُ ويحتَـمـل ُ

* * *

المجلس السّادس والستّون بعد المئة

في العقد الفريد ، وبلاغات النّساء ، قال : حبس مروان ، وهو والي المدينة ، غلاماً في جناية ، فأتته اُمّ سنان بنت خيثمة المذحجيّة ، جدّة الغلام :


الصفحة (63)

اُمّ أبيه ، فكلّمته فيه ، فأغلظ لها ، فخرجت إلى معاوية ، فدخلت عليه فعرفها ، فقال لها : مرحباً يابنة خيثمة ، ما أقدمك أرضنا ، وقد عهدتك تشتميننا ، وتحضّين علينا عدونا ؟! قالت : إنّ لبني عبد مناف أخلاقاً طاهرةً ، وأحلاماً وافرةً ، لا يجهلون بعد علم ، ولا يسفهون بعد حلم ، ولا ينتقمون بعد عفو ، وإنّ أولى النّاس باتّباع ما سَنّ آباؤه لأنت . قال : صدقت ، فكيف قولك :

عَـزَب الـرُّقادُ فمقْلَتي لا تَرقدُ   والـليلُ يُـصدِرُ بالهُمومِ ويُورد ُ
يـا آلَ مَـذْحجَ لا مُقامَ فشَمِّروا   إنّ الـعـدوَّ لآلِ أحـمدَ يَـقصد ُ
هــذا عـليٌّ كـالهِلالِ تَـحُفُّهُ   وسـطَ السَّماءِ منَ الكواكبِ أسعد ُ
خـيرُ الـخلائقِ وابنُ عمِّ محمّدٍ   إنْ يـهدكُمْ بـالنُّورِ مـنهُ تَهتَدُوا
ما زالَ مُذْ عرفَ الحُروبَ مُظَفَّراً   والـنَّصرُ فـوقَ لِـوائِهِ ما يُـفْقَد ُ

قالت : كان ذلك ، وأرجو أنْ تكون لنا خَلفاً . فقال رجل من جلسائه : كيف ، وهي القائلة :

إمَّا هلكتَ أبا الحُسينِ فلَمْ تَزلْ   بالحقِّ تُـعْرَفُ هـادياً مـهْدِيّا
فاذهَبْ عليك صلاةُ ربِّكَ ما دَعَتْ   فـوقَ الـغُصونِ حـمامةٌ قُمْريّا
قـدْ كُـنتَ بـعدَ مُحمّدٍ خَلَفاً كما   أوصَـى إلـيكَ بـنا فكُنتَ وفيّا
فـاليوم لا خـلفاً نُـؤمِّلُ بـعدَهُ   هـيهات نـمدحُ بـعدَهُ إنـسيّا

قالت : لسان نطق وقول صدق ، ولئن تحقق ما ظننّا ، فحظّك الأوفر . والله ، ما ورثك الشنآن في قلوب المسلمين إلاّ هؤلاء ، فادحض مقالتهم وأبعد منزلتهم ؛ فإنّك إنْ فعلت ذلك ، تزدد من الله قُرباً ، ومن المؤمنين حبّاً . قال : وإنّكِ لتقولين ذلك ؟! قالت : سبحان الله ! والله ، ما مثلك مُدح بباطل ، ولا اعتُذر إليه بكذب ، وإنّك لتعلم ذلك من رأينا . كان والله ، عليٌّ أحبّ إلينا منك ، وأنت أحبّ إلينا من غيرك . قال : فما حاجتك ؟ قالت : إنّ مروان


الصفحة (64)

تبنَّك بالمدينة تبنُّك مَن لا يُريد منها البراح ؛ لا يحكم بعدل ، ولا يقضي بسُنّة ، حبس ابن ابني فأتيته ، فقال : كيت وكيت ، فأسمعته أخشن من الحجر ، وألقمته أمرّ من الصّاب ، ثمّ رجعت إلى نفسي باللائمة ، وقلت : لمَ لا أصرف ذلك إلى مَن هو أولى بالعفو منه ، فأتيتك . قال : صدقتِ ، لا أسألك عن ذنبه ، والقيام بحجّته ، اكتبوا لها بإطلاقه . قالت : يا أمير المؤمنين ، وأنّى لي بالرجعة ، وقد نفد زادي وكلّت راحلتي ؟! فأمر لها براحلة ، وخمسة آلاف درهم .

وولده يزيد ، لمّا قَدمت عليه نساء الحسين (عليه السّلام) ، كان إكرامه لهنّ أنْ التفت إلى سكينة بنت الحسين (عليه السّلام) ، وقال لها : كيف رأيت صنع الله بكم ؟ قالت له : اقصر عن كلامك يا بن الطليق ، حرمُك وجوارك خلف السّتور ، وبنات رسول الله سبايا ! ثمّ التفت إلى اُمّ كلثوم ، وقال : كيف رأيت صنع الله بأخيك الحسين ، الذي أراد أن يأخذ مُلكي ، فخيّب الله أمله وقطع رجاه ؟ فقالت : يا يزيد ، لا تفرح بقتل أخي الحسين ؛ فإنّه كان مطيعاً لله ولرسوله ، ودعاه الله إليه فأجابه ؛ وأمّا أنت يا يزيد ، فاستعدَّ للمسألة جواباً ، وأنّى لك بالجواب ؟!

فويلُ يزيدٍ مـنْ عذابِ جهنَّمِ   إذا أقبلَتْ في الحشرِ فاطمةُ الطّهرُ

ملابِسُها ثوبٌ منَ السُّمِ أخضرُ   وآخرُ قـانٍ منْ دمِ السِّبـطِ مُحمَرُ

 

المجلس السّابع والستّون بعد المئة

* * *

في العقد الفريد : دخلت عكرشة بنت الأطرش على معاوية متوكّئة على عكّاز ، فسلّمت عليه بالخلافة ، ثمّ جلست ، فقال معاوية : الآن صرتُ


الصفحة (65)

عندكِ أمير المؤمنين ! قالت : نعم ، إذ لا عليٌّ حيٌّ . قال : ألستِ المتقلّدة حمائل السّيوف بصفّين ، وأنت واقفة بين الصفّين تقولين : أيها النّاس ، عليكم أنفسكم ، لا يضرّكم مَن ضلَّ إذا اهتديتم . إنّ الجنّة لا يرحل مَن أوطنها ، ولا يهرم مَن سكنها ، ولا يموت مَن دخلها ، فابتاعوها بدارٍ لا يدوم نعيمُها ، ولا تنصرم همومُها ، وكونوا قوماً مستبصرين في دينهم ، مستظهرين بالصبر على طلب حقّهم .

إنّ معاوية دَلف إليكم بعجم العرب ، غُلف القلوب ، لا يفقهون الإيمان ولا يدرون ما الحكمة ؛ دعاهم بالدّنيا فأجابوه ، واستدعاهم إلى الباطل فلبّوه . فالله الله عباد الله في دين الله ! إيّاكم والتواكل ؛ فإنّ ذلك ينقض عُرى الإسلام ، ويُطفئ نور الحقّ . هذه بدر الصغرى ، والعقبة الاُخرى يا معشر المهاجرين والأنصار ، امضوا على بصيرتكم ، واصبروا على عزيمتكم ، فكأنّي بكم غداً وقد لقيتم أهل الشام كالحُمُر الناهقة [ تصقع صقع البقر ، وتروث روث العتاق ] . فكأني أراكِ على عصاك هذه ، وقد انكفأ عليك العسكران يقولون : هذه عكرشة بنت الأطرش ، فإنْ كدتِ لتقتلين أهل الشام ، لولا قدّر الله ، وكان أمر الله قدَراً مقدوراً . فما حملك على ذلك ؟

قالت : إنّ اللبيب إذا كره أمراً لا يُحب إعادته . قال : صدقت ، اذكري حاجتك . قالت : إنّها كانت صدقاتنا تؤخذ من أغنيائنا فتُردّ على فقرائنا ، وإنّا قد فقدنا ذلك ؛ فما يجير لنا كسير ، ولا ينعش لنا فقير ، فإنْ كان ذلك عن رأيك ، فمثلك تنبّه عن الغفلة وراجع التوبة ، وإنْ كان عن غير رأيك ، فما مثلك استعان بالخَوَنة ولا استعمل الظَّلَمة . قال : يا هذه ، إنّه ينوبنا من اُمور رعيتنا اُمور . قالت : يا سبحان الله ! والله ، ما فرض الله لنا حقّاً ، فجعل فيه ضرراً على غيرنا ، وهو علاّم الغيوب . قال معاوية : يا أهل العراق ، نبّهكم علي بن أبي طالب فلم تُطاقوا . ثمّ أمر بردّ صدقاتهم فيهم ، وأنصفها .

وهكذا جرت عادة


الصفحة (66)

الملوك والحكّام ـ وإنْ كانوا من الظلمة ـ في الإحسان إلى النّساء ، وإنْ كُنّ من أعدى الأعداء ، حتّى آل الأمر إلى يزيد بن معاوية ، وعامله عبيد الله بن زياد ، فلم يجريا على ما يوجبه الدّين الإسلامي من إكرام نساء آل الرسول (صلّى الله عليه وآله) ، ولا على ما تقتضيه الشيمة العربيّة حتّى قابلوا بنات رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بما تقشعرّ منه الجلود ، وينفطر منه قلب كلّ مسلم .

فمن ذلك ، قول عبيد الله بن زياد لزينب بنت أمير المؤمنين (عليهما السّلام) : الحمد لله الذي قتلكم وفضحكم وأكذب اُحدوثتكم . فقالت زينب : الحمد لله الذي أكرمنا بنبيّه محمّد (صلّى الله عليه وآله) ، وطهّرنا من الرجس تطهيراً ، إنّما يُفتضح الفاسق ويكذب الفاجر ، وهو غيرنا .

ومن ذلك ، قول يزيد لسكينة بنت الحسين (عليه السّلام) : كيف رأيت صنع الله بكم ؟ قالت له : اقصر عن كلامك يا بن الطليق ، حرمُك وجوارك خلف الستور ، وبنات رسول الله سبايا ! ثمّ التفت إلى اُمّ كلثوم ، وقال : كيف رأيت صنع الله بأخيك الحسين ، الذي أراد أن يأخذ مُلكي ، فخيّب الله أمله وقطع رجاه ؟ فقالت : يا يزيد ، لا تفرح بقتل أخي الحسين ؛ فإنّه كان مطيعاً لله ولرسوله ، ودعاه الله إليه فأجابه ؛ وأمّا أنت يا يزيد ، فاستعدَّ للمسألة جواباً ، وأنّى لك بالجواب ؟!

وأعـظمُ ما يُشجي الغيورَ دخولُها   إلى مجلسٍ ما بارحَ اللهوَ والخمْرا
يـُقـارضُها فـيهِ يـزيدُ مَـسبَّةً   ويَصرفُ عنها وجهَهُ مُعرضاً كِبرا

* * *

المجلس الثامن والستّون بعد المئة

في العقد الفريد : حجّ معاوية ، فسأل عن امرأة من بني كنانة كانت تنزل بالحُجون ، يقال لها : دارميّة الحجونيّة ، وكانت سوداء كثيرة اللحم .


الصفحة (67)

فاُخبر بسلامتها ، فبعث إليها فجيء بها ، فقال : ما جاء بك يابنة حام ؟ فقالت : لستُ لحامٍ إنْ عبتني ؛ أنا امرأة من بني كنانة . قال : صدقت ، أتدرين لمَ بعثت إليك ؟ قالت : لا يعلم الغيب إلاّ الله . قال : بعثت إليك لأسألك : عَلامَ أحببتِ عليّاً وأبغضتني ؟ وواليته وعاديتني ؟ قالت : أوَتعفيني ؟ قال : لا أعفيك . قالت : أمّا إذا أبيت ، فإنّي أحببتُ عليّاً على عدله في الرعيّة ، وقسمه بالسويّة ، وأبغضتك على قتال مَن هو أولى منك بالأمر ، وطلبتك ما ليس لك بحقّ . وواليتُ عليّاً على ما عقد له رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من الولاء ، وحبّه المساكين ، وإعظامه لأهل الدين ، وعاديتك على سفك الدماء ، وجورك في القضاء ، وحكمك في الهوى .

قال : فلذلك انتفخ بطنك ، وعظم ثدياك ، وربت عجيزتك . قالت : يا هذا ، بهند والله ، كان يُضرب المثل في ذلك لا بي . قال معاوية : يا هذه ، أربعي فإنّا لم نقلْ إلاّ خيراً ، إنّه إذا انتفخ بطن المرأة تمّ خلق ولدها ، وإذا عظم ثدياها تروّى رضيعها ، وإذا عظمت عجيزتها رَزن مجلسها . فرجعت وسكتت .

[ ثم ] قال لها : يا هذه ، هل رأيت عليّاً ؟ قالت : إي والله . قال : فكيف رأيته ؟ قالت : رأيته والله ، لم يفتنه الملك الذي فتنك ، ولم تشغله النّعمة التي شغلتك . قال : فهل سمعت كلامه ؟ قالت : نعم والله ، فكان يجلو القلوب من العمى كما يجلو الزيتُ صدأ الطست . قال : صدقت ، فهل لك من حاجة ؟ قالت : أوَتفعل إذا سألتك ؟ قال : نعم . قالت : تعطيني مئة ناقة حمراء ، فيها فحلها وراعيها . قال : تصنعين بها ماذا ؟ قالت : أغذو بألبانها الصغار واستحيي بها الكبار ، واكتسب بها المكارم وأصلح بها بين العشائر . قال : فإنْ أعطيتك ذلك ، فهل أحلُّ عندكِ محلَّ علي بن أبي طالب ؟ قالت : سبحان الله ! أوَ دونه ؟! فأنشأ معاوية يقول :

إذا لمْ أعدْ بالحلمِّ منـِّي عليكُمُ   فمَنْ ذا الذي بعـدي يُؤمَّلُ للحلمِ

خُذِيها هَنيئاً واذكُرِي فِعلَ ماجدٍ   جزاكِ على حربِ العداوةِ بالسّلمِ


الصفحة (68)

ثمّ قال : أما والله ، لو كان عليٌّ حيّاً ما أعطاك منها شيئاً . قالت : لا والله ، ولا وبرة من مال المسلمين .

وحِلْم ولده يزيد ـ لعنه الله ـ على بنات رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، أنْ أمر بهنّ فحُملن إليه من كربلاء إلى الكوفة ، ومن الكوفة إلى الشام ، سبايا على أقتاب المطايا ، كأنّهنّ من سبايا الروم ! وهنّ حرم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وأهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً . ثمّ أمر بهنّ فاُدخلن إلى مجلسه على حالة تنفجّر لها العيون ، وتتصدّع لها القلوب ، وهم مُقرَّنون في الحبال ، وزين العابدين (عليه السّلام) مغلول . فلمّا وقفوا بين يديه ، وهم على تلك الحال ، قال له علي بن الحسين (عليه السّلام) : (( أنشدك الله يا يزيد ، ما ظنّك برسول الله (صلّى الله عليه وآله) لو رآنا على هذه الصفة ؟ )) . فلم يبق في القوم أحد إلاّ وبكى ، فأمر يزيد بالحبال فقُطعت ، وأمر بفكّ الغلّ عن زين العابدين (عليه السّلام) :

أبناتُ النّبيِّ تُهـدَى سبايا   لبني الأدْعِيا تُقاسي جفاهَا

لابنِ مرجانةَ الدَّعيِّ وطَوراً   لابنِ هندٍ تُهدى بذلِّ سباهَا

* * *

المجلس التاسع والستّون بعد المئة

في العقد الفريد ، عن الشعبي قال : كتب معاوية إلى واليه بالكوفة أنْ يحمل إليه اُمّ الخير بنت الحريش بن سراقة البارقية ، وأعلمه أنّه مجازيه بالخير خيراً ، وبالشرِّ شرّاً بقولها فيه . فركب إليها وأقرأها الكتاب ، فقالت : أمّا أنا فغير زائغة عن طاعة ، ولا معتلّة بكذب ، ولقد كنت اُحبّ لقاءه لاُمورٍ تختلج في صدري ، فلمّا شيّعها وأراد مفارقتها ، قال لها : يا اُمّ الخير ، إنّ معاوية كتب إليّ أنّه مجازيني بالخير خيراً ، وبالشرّ شراً ، فمالي


الصفحة (69)

عندَكِ ؟ قالت : يا هذا ، لا يُطمعك برّك بي أنْ أسرّك بباطل ، ولا تؤيسك معرفتي بك أنْ أقول فيك غير الحقّ .

فسارت خير مسير حتّى قدمت على معاوية ، فأنزلها مع حرمه ثلاثاً ، ثمّ أدخلها عليه في اليوم الرابع ، وعنده جلساؤه ، فسلّمت عليه بالخلافة ، فقال : وعليك السّلام يا اُمّ الخير . بحقٍّ ما دعوتني بهذا الاسم ؟ قالت : لكل أجلٍ كتاب . قال : صدقت ، فكيف حالك يا خالة ؟ وكيف كنت في مسيرك ؟ قالت : لم أزل في خير وعافية حتّى صرتُ إليك ، فأنا في مجلس أنيق ، عند ملك رفيق . قال معاوية : بحسن نيّتي ظفرت بكم ؟ قالت : يعيذك الله من دحض المقال وما تؤدّي عاقبته . قال : ليس هذا أردنا ، أخبرينا كيف كان كلامك إذ قُتل عمّار بن ياسر ؟ قالت : لم أكنْ زوّرته قبلُ ولا رويته بعدُ ، وإنّما كانت كلمات نفثها لساني عند الصدمة ، فإنْ أحببت أنْ أحدث لك مقالاً غير ذلك فعلت . فالتفت معاوية إلى جلسائه ، فقال : أيّكم يحفظ كلامها ؟ فقال رجل منهم : أنا أحفظ بعض كلامها . قال : هات . قال : كأنّي بها بين بردين كثيفي النسيج ، وهي على جمل أرمك(1) ، بيدها سوط منتشر الظفيرة ، وهي كالفحل يهدر في شقشقته ، تقول : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ )(2) . إنّ الله أوضح لكم الحقّ ، وأبان الدليل وبيّن السبيل ، ولم يدعكم في عمياء مدلهمّة ، فأين تريدون رحمكم الله ؟ أفراراً عن أمير المؤمنين ؟ أمْ فراراً من الزحف ؟ أمْ رغبة عن الإسلام ؟ أمْ ارتداداً عن الحقّ ؟ أمَا سمعتم الله جلّ ثناؤه ، يقول : ( وَلَنَبْلُوَنّكُمْ حَتّى‏ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبَارَكُمْ )(3) .

ثمّ رفعت رأسها إلى السّماء ، وهي تقول : اللهمّ ، قد عيل الصبر ، وضعف اليقين ، وانتشرت الرغبة ، وبيدك يا ربّ أزمّة القلوب ، فاجمع اللهمّ ، بها الكلمة على التّقوى ، وألّف القلوب على الهدى ، واردد الحقّ إلى أهله . هلّموا ـ رحمكم الله ـ إلى الإمام العادل ، والرضي التّقي ، والصدّيق الأكبر ؛ إنّها

____________________

(1) الأرمك : الرمادي اللون .

(2) سورة الحجّ / 1 .

(3) سورة محمّد / 31 .


الصفحة (70)

إحنٌ بدرية ، وأحقاد جاهليّة ، وثب بها واثبٌ حين الغفلة ، ليدرك ثارات بني عبد شمس .

ثمّ قالت : ( فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ )(1) . صبراً يا معشر المهاجرين والأنصار ، قاتلوا على بصيرة من ربّكم ، وثبات من دينكم ، فكأنّي بكم غداً ، وقد لقيتم أهل الشام كحُمرٍ مستنفرةٍ فرّت من قسورة ، لا تدري أين يُسلك بها من فجاج الأرض ، باعوا الآخرة بالدّنيا ، واشتروا الضلالة بالهدى ، وعمّا قليل ليصبحنّ نادمين حين تحلّ بهم النّدامة ، فيطلبون الإقالة ، ولات حين مناص .

إنّه مَن ضلّ ـ والله ـ عن الحقّ وقع في الباطل ، ألاَ إنّ أولياء الله استصغروا عمر الدنيا فرفضوها ، واستطابوا الآخرة فسمَوا لها ، فالله الله أيها النّاس ، قبل أنْ تُبطل الحقوق ، وتُعطّل الحدود ، وتقوى كلمة الشيطان ، فإلى أين تريدون ـ رحمكم الله ـ عن ابن عمّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وصهره ، وأبي سبطيه ؟ خُلق من طينته ، وتفرّع عن نبعته ، وجعله باب دينه ، وأبان ببغضه المنافقين ، وها هو ذا مفلّق الهام ومكسّر الأصنام . صلّى والنّاس مشركون ، وأطاع والنّاس كارهون ، فلم يزل في ذلك حتّى قتل مبارزيه ، وأفنى أهل اُحد ، وهزم الأحزاب ، وقتل الله به أهل خيبر ، فيالها من وقائع زرعت في القلوب نفاقاً وردّة وشقاقاً ، وزادت المؤمنين إيماناً ! قد اجتهدتُ في القول وبالغت في النّصيحة ، وبالله التوفيق ، والسّلام عليكم ورحمة الله .

فقال معاوية : يا اُمّ الخير ، ما أردت بهذا الكلام إلاّ قتلي ، ولو قتلتكِ ما حُرجت في ذلك . قالت : والله ، ما يسؤني أنْ يجري قتلي على يدي مَن يُسعدني الله بشقائه . قال : هيهات يا كثيرة الفضول ! ما تقولين في عثمان ؟ قالت : وما عسيت أنْ أقول فيه ! استخلفه النّاس وهم به راضون ، وقتلوه وهم له كارهون . قال : هذا ثناؤك الذي تثنين ؟ ثمّ سألها عن الزّبير ، فأجابته ، ثمّ قالت : أسألك بحقّ الله أنْ تعفيني من هذه المسائل ، وتسألني عمّا شئت من غيرها . فأعفاها ، وأمر لها

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة التوبة / 12.


 الصفحة (71)

بجائزة رفيعة ، ورّدها مُكرّمة .

وابن زياد ، لمّا اُدخلت عليه حوراء النّساء ، زينب بنت أمير المؤمنين (عليهما السّلام) ، لم يعفها من مخاطبته ، فإنّها لمّا جلست متنكّرة ، وعليها أرذل ثيابها ، قال ابن زياد : مَن هذه ؟ فلمْ تجبه ، فأعاد القول ثانياً ، وثالثاً يسأل عنها ، فلمْ تجبه ، فقال له بعض إمائها : هذه زينب بنت فاطمة بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) . فأقبل عليها ابن زياد ، فقال : الحمد لله الذي قتلكم وفضحكم وأكذب اُحدوثتكم . فقالت (عليها السّلام) : الحمد لله الذي أكرمنا بنبيّه محمّد (صلّى الله عليه وآله) ، وطهّرنا من الرجس تطهيراً ، إنّما يُفتضح الفاسق ويكذب الفاجر ، وهو غيرنا . فقال لها : كيف رأيت صنع الله بأخيك ، وأهل بيتك ؟ فقالت : ما رأيت إلاّ جميلاً ، هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم ، وسيجمع الله بينك وبينهم فتُحاج وتُخاصم ، فانظر لمَن الفلج يومئذ ، هبلتك اُمّك يابن مرجانة !

فاستشاط اللعين غضباً ، وكأنّه همّ بها ، فقال له عمرو بن حريث : إنّها امرأة ، والمرأة لا تؤاخذ بشيء من منطقها . فقال ابن زياد : لقد شفى الله قلبي من طاغيتك الحسين ، والعصاة المَرَدة من أهل بيتك . فرقّتْ زينب وبكتْ ، وقالت له : لَعمري ، لقد قتلتَ كهلي وأبرزتَ أهلي ، وقطعتَ فرعي واجتثثتَ أصلي ، فإنْ كان هذا شفاؤك فقد اشتفيت .

أبنتُ رسولِ اللهِ تُهدَى سبيّةً   لنغلِ زيادِ الرّجسْ أعظِمْ بهِ خطبَا

* * *

المجلس السّبعون بعد المئة

في العقد الفريد ، بسنده : إنّ أروى بنت الحارث بن عبد المطلب


الصفحة (72)

دخلت على معاوية ، وهي عجوز كبيرة ، فلمّا رآها معاوية ، قال : مرحباً بك وأهلاً يا خالة ، فكيف كنت بعدنا ؟ فقالت يابن أخي ، لقد كفرتَ يد النعمة ، وأسأت لابن عمّك الصُحبة ، وتسمّيت بغير اسمك ، وأخذت غير حقّك ، من غير دين كان منك ولا من آبائك ، ولا سابقة في الإسلام بعد أنْ كفرتم برسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، فأتعس الله منكم الجدود ، وأضرع منكم الخدود ، وردّ الحقّ إلى أهله ولو كره المشركون .

وكانت كلمتنا هي العليا ، ونبيّنا (صلّى الله عليه وآله) هو المنصور ، فوليتم علينا من بعده ، وتحتجّون بقرابتكم من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، ونحن أقرب إليه منكم وأولى بهذا الأمر ، فكنّا فيكم بمنزلة بني إسرائيل في آل فرعون ، وكان علي (عليه السّلام) بعد نبيّنا (صلّى الله عليه وآله) بمنزلة هارون من موسى ، فغايتنا الجنّة ، وغايتكم النّار .

فقال لها عمرو بن العاص : كُفّي أيتها العجوز الضالّة ، واقصري عن قولك مع ذهاب عقلك ، إذ لا تجوز شهادتك وحدك . فقالت له : وأنت يابن النّابغة ، تتكلم واُمّك كانت أشهر امرأة تُغنّي بمكّة ، وآخذهنّ لاُجرة ! إدعاك خمسةُ نفرٍ من قريش ، فسُئلت اُمّك عنهم ، فقالت : كلّهم أتاني ، فانظروا أشبههم به . فألحقوه به ، فغَلب عليك شبه العاص بن وائل ، فلحقت به .

فقال مروان : كُفّي أيتها العجوز ، واقصري لما جئت له . فقالت : وأنت أيضاً يابن الزرقاء ، تتكلم ! ثمّ التفتت إلى معاوية ، فقالت : والله ، ما جرّأ عليّ هؤلاء غيرك ، فإنّ اُمّك القائلة في قتل حمزة :

 نحنُ جـزيْناكُـمْ بيَـومِ بـدْرِ   والحرْبُ بعدَ الحرْبِ ذاتَ سَعْرِ

ما كانَ عنْ عُتبةَ ليْ مِنْ صبْرِ   وشُكْـر وحشـيٍّ عليَّ دَهْـري

حتى ترمَّ أعظُمِي في قبري

فأجابتها بنت عمّي ، وهي تقول :


 الصفحة (73)

خُزِيتِ في بدرٍ وبعدَ بدرِ   يابنةَ جبَّارٍ عظيمِ الكُفرِ

فقال معاوية : عفا الله عمّا سلف يا خالة ، هاتِ حاجتك . قالت : ما لي إليك حاجة . وخرجت عنه .

هذه أروى بنت الحارث بن عبد المطلب ، حرّكتها الغيرة الهاشميّة ، وهي امرأة ، فقابلت معاوية وعمراً ومروان ، بما قابلتهم به . كما حرّكت الغيرة الهاشميّة زينب بنت أمير المؤمنين (عليهما السّلام) ، لمّا وضع رأس أخيها الحسين (عليه السّلام) بين يدي يزيد بن معاوية ، وجعل ينكثه بقضيب الخيزران ، وهو يقول :

لـيتَ أشـياخي ببدرٍ شَهدوا   جَزعَ الخزْرجِ منْ وقْعِ الأسلْ
لأهـلّـوا واسْـتهلّوا فـرحاً   ثمّ قـالوا يـا يزيدُ لا تشلْ
قـدْ قـتلْنا القَرمَ منْ ساداتِهمْ   وعـدلْـناهُ بـبدْرٍ فـاعتَدَلْ 

لـعبتْ هـاشمُ بـالمُلكِ فلا   خـبرٌ جـاء ولا وحيٌ نَزلْ
لـستُ من خِندفَ إنْ لم أنتقمْ   مِـن بني أحمدَ ما كانَ فعلْ

فقامت زينب بنت أمير المؤمنين عليها وعلى أبيها السّلام ، وخطبت تلك الخطبة العظيمة المشهورة ، إلى أنْ قالت في آخر خطبتها : تهتف بأشياخك ، زعمت أنّك تناديهم ، فلتردنّ وشيكاً موردهم ، ولتودّنّ أنّك شُللت وبُكمت ، ولم تكن قلتَ ما قُلتْ ، وفعلتَ ما فعلت . ثمّ قالت (عليها السّلام) : اللهمّ ، خذ لنا بحقّنا ، وانتقم ممّن ظلمنا ، واحلل غضبك بمَن سفك دماءنا وقتل حماتنا . فوالله ، ما فريت إلاّ جلدك ، وما حززت إلاّ لحمك ، ولتردنّ على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بما تحمّلت من سفك دماء ذرّيّته ، وانتهكت من حرمته في عترته ولُحمته ، حيث يجمع الله شملهم ، ويأخذ لهم بحقِّهم : ( وَلاَ تَحْسَبَنّ الّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ )(1) .

فقال يزيد متشمّتاً بها :

________________

(1) سورة آل عمران / 169 .


الصفحة (74)

يا صيْحةً تُحمْدُ منْ صوائحِ  ما أهونَ النَّوحِ على النَّوائحِ

* * *

المجلس الحادي والسّبعون بعد المئة

عن رجل من بني اُميّة قال : حضرت معاوية يوماً وقد أذن للناس إذناً عامّاً ، فدخلوا عليه لمطالبهم وحوائجهم ، فدخلت عليه امرأة من بني ذكوان كأنّها قلعة ، ومعها جاريتان لها ، ثمّ قالت : الحمد لله ـ يا معاوية ـ الذي خلق اللّسان فجعل فيه البيان ، ودلّ به على النِّعم ، وأجرى به القلم فيما أبرم وحتم ، وذرأ وبرأ ، وحكم وقضى ، وصرف الكلام باللّغات المختلفة على المعاني المتفرقّة ، ألّفها بالتقديم والتأخير ، والأشباه والمناكر ، والموافقة والتزايد ؛ فأدّته الآذان إلى القلوب ، وأدّته القلوب إلى الألسن بالبيان .

استدلّ به على العلم ، وعُبد به الربّ ، واُبرم به الأمر ، وعُرفت به الأقدار ، وتمّت به النِّعم ، وكان من قضاء الله وقدره أنْ قرّبتَ زياد ، وجعلت له بين آل أبي سفيان نسباً ، ثمّ ولّيته أحكام العباد ؛ يسفك الدماء بغير حلّها ولا حقّها ، ويهتك الحرم بلا مراقبة الله فيها ؛ خؤون غشوم ، كافر ظلوم ، يتخيّر من المعاصي أعظمها ، ولا يرى لله وقاراً ، ولا يظنّ أنّ له معاداً ، وغداً يُعرض عمله في صحيفتك ، وتُوقف على ما اجترم بين يدي ربّك ، ولك برسول الله (صلّى الله عليه وآله) اُسوة ، وبينك وبينه صهر ، فلا الماضين من أئمة الهدى اتبعت ، ولا طريقتهم سلكت ؛ جعلت عبد ثقيف على رقاب اُمّة محمّد (صلّى الله عليه وآله) يدبر اُمورهم ، ويسفك دماءهم ، فماذا تقول لربّك يا معاوية ، وقد مضى من أجلك أكثره ، وذهب خيره وبقي وِزره ؟!

إنّي امرأة من بني ذكوان ، وثب زياد المُدَّعى إلى أبي سفيان على ضيعتي التي ورثتها عن أبي


الصفحة (75)

واُمّي ، فغصبنيها وحال بيني وبينها ، وقتل مَن نازعه فيها من رجالي ، فأتيتك مستصرخة ، فإنْ أنصفت وعدلت ، وإلاّ وكلتك أنت وزياد إلى الله عزوجل ، فلنْ تبطل ظلامتي عندك ولا عنده ، والمُنصف لي منكما حكم عدل .

فبُهت معاوية ، ينظر إليها متعجباً من كلامها ، ثمّ قال : ما لزياد ! لعن الله زياداً ؛ فإنّه لا يزال يبعث على مثالبه مَن ينشرها ، وعلى مساويه من يُثيرها . ثمّ أمر كاتبه بالكتاب إلى زياد ، يأمره بالخروج إليها من حقِّها ، وإلاّ صرفه مذموماً مدحوراً ، ثمّ أمر لها بعشرين ألف درهم . وعجب معاوية ، وجميع مَن حضره من مقالتها ، وبلوغها حاجتها .

هكذا جرت سيرة الملوك والاُمراء في الحلم عن النّساء والضعفاء ، والإحسان إليهنّ في الجاهليّة والإسلام ، حتّى آل الأمر إلى ابن زياد ، واُدخلت عليه حوراء النّساء زينب ، فأقبل إليها ، وقال : الحمد لله الذي قتلكم وفضحكم وأكذب اُحدوثتكم . فقالت (عليها السّلام) : الحمد لله الذي أكرمنا بنبيّه محمّد (صلّى الله عليه وآله) ، وطهّرنا من الرجس تطهيراً ، إنّما يُفتضح الفاسق ويكذب الفاجر ، وهو غيرنا . فقال لها : كيف رأيت فعل الله بأخيك ، وأهل بيتك ؟ فقالت : ما رأيت إلاّ جميلاً ، هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم ، وسيجمع الله بينك وبينهم فتُحاج وتُخاصم ، فانظر لمَن الفلج يومئذ ، هبلتك اُمّك يابن مرجانة !

فغضب ابن زياد واستشاط ، وكأنّه همّ بها ، فقال له عمرو بن حريث : أيها الأمير ، إنّها امرأة ، والمرأة لا تؤاخذ بشيء من منطقها ، ولا تُذم على خطئها . فقال لها ابن زياد : لقد شفى الله قلبي من طاغيتك الحسين ، والعصاة المَرَدة من أهل بيتك . فرقّتْ زينب وبكتْ ، وقالت له : لَعمري ، لقد قتلتَ كهلي وأبرزتَ أهلي ، وقطعتَ فرعي واجتثثتَ أصلي ، فإنْ كان هذا شفاؤك فقد اشتفيت . فقال ابن زياد : هذه سجّاعة ، ولَعمري ، لقد كان أبوها سجّاعاً شاعراً . فقالت : ما


الصفحة (76)

للمرأة والسّجاعة ؟! إنّ لي عن السّجاعة لشغلاً ، ولكنّ صدري نفث بما قلت :

تُصانُ بنتُ الدَّعيِّ في كللِ المُلْـ   ـكِ وبنتُ الرَّسولِ تُبتَذل ُ

يُرجى رضَى المُصطَفَى فواعجباً   تُقتَـلُ أولادُهُ ويحتَـمـل ُ

* * *

المجلس الثاني والسّبعون بعد المئة

في المحاسن والمساوئ للبيهقي ، قيل : لمّا بلغ غانمة بنت غانم سبُّ معاوية وعمرو بن العاص بني هاشم ، قالت لأهل مكّة : أيها النّاس ، إنّ بني هاشم أطول النّاس باعاً ، وأمجد النّاس أصلاً ، وأحلم النّاس حلماً ، وأكثر النّاس عطاءً ، منّا عبد مناف الذي يقول فيه الشاعر :

 

كانتْ قُريشٌ بيْضةً فتَفلَّقتْ   فالمُحّ(1) خالصه لعبدِ مُنافِ

وولده هاشم الذي هَشم الثريد لقومه ، وفيه يقول الشاعر :

هَشَمَ الثّريدَ لقومِهِ وأجارَهُمْ   ورجالُ مكّةَ مُسنتونَ عِجافُ

ثمّ منّا عبد المطلب الذي سُقينا به الغيث ، وفيه يقول الشاعر :

ونحنُ سنيَّ المَحْلِ قامَ شَفِيعُنا   بمكّةَ يدعُو والمياهُ تغُورُ

ومنّا أبو طالب عظيم قريش وسيّدها ، وفيه يقول الشاعر :

وأتيتُهُ مَلِكاً فقامَ بحاجَتي   وترَى العُلَيِّجَ خائباً مذْموماً

ومنّا العبّاس بن عبد المطلب ، أردفه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، فأعطاه ماله ، وفيه يقول الشاعر :

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المُح ، بالميم المضمومة والحاء المهملة : صفرة البيضـ المؤلّف ـ


الصفحة (77)

رديفُ رسولِ اللهِ لمْ أرَ مثلَهُ   ولا مثلُهُ حتّى القيامةِ يُوجد(1)

ومنّا حمزة سيّد الشهداء ، وفيه يقول الشاعر :

أبا يَعْلَى لكَ الأركانُ هُدّتْ   وأنتَ الماجدُ البرُّ الوَصول ُ

ومنّا جعفر ذو الجناحين ، أحسن النّاس حسناً ، وأكملهم كمالاً ، ليس بغدّار ولا ختّار ، بدّله الله جلّ وعزّ بكل يدٍ له جناحاً يطير به في الجنة ، وفيه يقول الشاعر :

هاتُوا كجعْفَرِنا ومثلِ عليِّنا   أليسا أعزَّ النّاسِ عندَ الخلائقِ(2)

ومنّا أبو الحسن علي بن أبي طالب ، أفرس بني هاشم ، وأكرم من احتفى وانتعل بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، ومن فضائله ما قصر عنكم أنباؤها ، وفيه يقول الشاعر :

وهذا عليٌّ سيّدُ النّاسِ فاتَّقُوا   عليّاً بإسلامٍ تقدَّمَ منْ قبل ُ

ومنّا الحسن بن علي ، سبط رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وسيّد شباب أهل الجنة ، وفيه يقول الشاعر :

ومَنْ يكُ جدُّهُ حقّاً نبيّاً   فإنّ لهُ الفضيلةَ في الأنامِ

ومنّا الحسين بن علي ، حمله جبرائيل (عليه السّلام) على عاتقه ، وكفى بذلك فخراً ، وفيه يقول الشاعر :

نفَى عنهُ عيبَ الآدميينَ ربُّهُ   ومِنْ مجدِهِ مجدُ الحُسينِ المُطهَّرِ

ثمّ قالت : يا معشر قريش ، والله ، ما معاوية بأمير المؤمنين ، ولا هو كما يزعم ، هو والله ، شانئ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، إنّي آتية معاوية وقائلة له بما يعرق منه جبينُه ، ويكثر منه عويلُه .

فكتب عامل معاوية إليه بذلك ، فلمّا قربت من المدينة ، استقبلها يزيد في حشمه ومماليكه ، فلمّا دخلت المدينة ، أتت

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وردتْ مفردة ( حتّى ) في المصدر الأساس ( يوم ) ، ولعل ما أثبتناه أوفق لمقصود الشاعر إنْ لم يكُن هو المراد .  ( موقع معهد الإمامَين الحسنَين )

(2) ورد المصراع الثاني من البيت بهذا النحو : إنّا أعزُّ النّاسِ عندَ الخالقِ ، والتغيير من بعض المصادر الاُخرى .  ( موقع معهد الإمامَين الحسنَين )


الصفحة (78)

دار أخيها عمرو بن غانم ، فقال لها يزيد : إنّ أبا عبد الرحمن يأمرك أن تصيري إلى دار ضيافته ـ وكانت لا تعرفه ـ . فقالت له : مَن أنت ؟ قال : يزيد بن معاوية . قالت : فلا رعاك الله يا ناقص . فأتى أباه فأخبره ، فقال : هي أسنّ قريش وأعظمهم . قال : كانت تعدّ على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أربعمئة عاماً .

فلمّا كان من الغد ، أتاها معاوية فسلّم عليها ، فقالت : على المؤمنين السّلام ، وعلى الكافرين الهوان . ثمّ قالت : مَن منكم ابن العاص ؟ قال عمرو : ها أنا ذا . فقالت : وأنت تسبّ قريشاً وبني هاشم ، وأنت أهل السبّ يا عمرو ! إنّي والله ، لعارفة بعيوبك وعيوب اُمّك . وأمّا أنت يا معاوية ، فما كنت في خير ولا ربيت في خير ، فما لك ولبني هاشم ؟ أنساء بني اُميّة كنسائهم ؟ أمْ اُعطي اُميّة ما اُعطي هاشم في الجاهليّة والإسلام ؟ وكفى فخراً برسول الله (صلّى الله عليه وآله) . فقال معاوية : أيّتها الكبيرة ، أنا كافٍّ عن بني هاشم .

ذكّرني خطاب غانمة الهاشميّة بذلك اللسان العضب الهاشمي ، والقلب الجريء ، غير هيّابة ولا وجلة ، خطاب فخر الهاشميّات زينب بنت علي ( (عليهما السّلام)) ، شبيهة أبيها أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، لولده يزيد حين خطبت تلك الخطبة العظيمة ، وخاطبت يزيد بكلام كحدود السّيوف ، مستحقرة له ، غير مبالية بما هو فيه من الملك والسّلطان ، قائلةً له ـ من جملة كلامها ـ : ولئن جرّت عليّ الدواهي مخاطبتك ، إنّي لأستصغر قدرك ، وأستعظم تقريعك ، وأستكبر توبيخك ، لكن العيون عَبرى والصدور حَرّى . ألا فالعجب كلّ العجب لقتل حزب الله النّجباء بحزب الشيطان الطلقاء ! ولئن اتخذتنا مغنماً لتجدنّنا وشيكاً مغرماً ، حين لا تجد إلاّ ما قدّمت يداك ، وما ربّك بظلاّم للعبيد ، فإلى الله المشتكى وعليه المعوّل .

فكد كيدك ، واسعَ سعيك ، وناصب جهدك ، فوالله ، لا تمحو ذكرنا ولا تُميت وحينا ، ولا تدرك أمدنا ولا تدحض عنك عارها ، وهل رأيك إلاّ فَنَد ، وأيّامك إلاّ عدد ، وجمعك إلاّ بدد ، يوم يُنادي المنادي : ألا


الصفحة (79)

لعنة الله على الظالمين :

فيا وقعةً لمْ يُحدثْ الدَّهرُ مثْلَها   يَبيدُ الليالي ذكرُهَا وهو خالدُ

لألبستِ هذا الدِّيـنَ أثوابَ ذلَّةٍ   ترثُّ لها الأيـامُ وهيَ جدَائدُ

المجلس الثالث والسّبعون بعد المئة

في كتاب بلاغات النّساء : إنّه لمّا قُتل علي بن أبي طالب (عليه السّلام) ، بعث معاوية في طلب شيعته ، فكان في مَن طلب عمرو بن الحمق الخزاعي ، فراغ منه ، فأرسل إلى امرأته آمنة بنت الشريد ، فحبسها في سجن دمشق سنتين ، ثمّ إنّ عبد الرحمن بن الحكم ظفر بعمرو بن الحمق في بعض الجزيرة ، فقتله وبعث برأسه الى معاوية ، وهو أوّل رأس حُمل في الإسلام .

قال الأعمش : أوّل رأس اُهدي من بلد إلى بلد في الإسلام ، رأس عمرو بن الحمق .

فلمّا أتى معاوية الرسولُ بالرأس ، بعث به إلى آمنة في السجن ، وقال للحرَسي : احفظ ما تتكلم به حتّى تؤدّيه إليّ ، واطرح الرأس في حجرها . ففعل هذا ، فارتاعت له ساعةً ، ثمّ وضعت يدها على رأسها وقالت : نفيتموه عنّي طويلاً ، وأهديتموه إليّ قتيلا ً، فأهلاً وسهلاً بمَن كنتُ له غير قالية ، وأنا له اليوم غير ناسية . ارجع به أيها الرسول إلى معاوية ، فقل له : أيتمَ الله وُلدك ، وأوحش منك أهلك ، ولا غفر لك ذنباً .

فرجع الرسول إلى معاوية فأخبره بما قالت ، فأرسل إليها فأتته ، وعنده نفر فيهم أياس بن حسل ، وكان في شدقيه انتفاخ لعظم كان في لسانه . فقال لها معاوية : أأنت يا عدوّة الله ، صاحبة الكلام الذي بلغني ؟ قالت : نعم ، غير نازعة عنه ولا


الصفحة (80)

معتذرة منه ولا منكرة له ، فلَعمري ، لقد اجتهدت في الدعاء إنْ نفع الإجتهاد ، وإنّ الحقّ لمِن وراء العباد ، وما بلغت شيئاً من جزائك ، وإنّ الله بالنّقمة من ورائك .

فأعرض عنها معاوية ، فقال أياس : اقتل هذه يا أمير المؤمنين ، فوالله ، ما كان زوجها أحقّ بالقتل منها . فالتفتت إليه ، وقالت : تباً لك ! ويلك ! بين لحييك كجثمان الضفدع ، ثمّ أنت تدعوه إلى قتلي كما قتل زوجي بالأمس ، ( إِنْ تُرِيدُ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ )(1) ! فضحك معاوية ، ثم قال : لله درّك ! اخرجي ، ثمّ لا أسمع بك في شيء من الشام . قالت : وأبي ، لأخرجنّ ، ثمّ لا تسمع بي في شيء من الشام ، فما الشام لي بحبيب ، ولا أعرج فيها على حميم ، وما هي لي بوطن ، ولا أحنّ فيها إلى سكن ، ولقد عظم فيها ديني ، وما قرّت فيها عيني ، وما أنا فيها إليك بعائدة ، ولا حيث كنت بحامدة .

فأشار معاوية إليها ببنانه اخرجي ، فخرجت وهي تقول : وآعجبي لمعاوية ! يكفّ عنّي لسانه ، وهو يشير إلى الخروج ببنانه ! أما والله ، ليعارضنّه عمرو بكلام مؤيّد سديد ، أوجع من نوافذ الحديد ، أو ما أنا بابنة الشريد . فخرجت وتلقّاها الأسود الهلالي ، وكان أسود أصلع أبرص ، فسمع مقالها ، فقال : لمَن تعني هذه ـ عليها لعنة الله ـ ؟ فقالت : خزياً لك وجدعاً ، أتلعنني واللعنة بين جنبيك ! وما بين قرنيك إلى قدميك ! اخسأ يا هلمة الصعل ، ووجه الجعل . فبهت الأسود ينظر إليها ، ثمّ سأل عنها فاُخبر ، فأقبل يعتذر إليها ؛ خوفاً من لسانها .

ثمّ التفت معاوية إلى عبيد بن أوس ، فقال : ابعث إليها ما تقطع به عنّا لسانها ، وتقضي به ما ذكرت من دَينها ، وتخفّ به إلى بلادها . فلمّا أتاها الرسول بما أمر به معاوية ، قالت : يا عجبي لمعاوية ! يقتل زوجي ، ويبعث إليّ بالجوائز ! فأخذت ذلك وخرجت تريد الجزيرة ، فمرّت بحِمص فقتلها الطاعون . فبلغ ذلك الأسود ، فأقبل إلى معاوية كالمبشرّ له ،

ـــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة القصص / 19 .


الصفحة (81)

فقال : قد استُجيبت دعوتك في ابنة الشريد ، وقد كُفيتَ شرّ لسانها ، مرّت بحِمص فقتلها الطاعون . قال معاوية : فنفسك فبشرّ ؛ فإنّ موتها لم يكن على أحد أروح منه عليك ، ولَعمري ، ما انتصفت منها حين أفرغت عليك شؤبوباً وبيلاً . فقال الأسود : ما أصابني من حرارة لسانها شيء ، إلاّ وقد أصابك مثله ، وأشدّ منه .

أقول : وعمرو بن الحمق هذا من خيار أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، ومن السّابقين الذين رجعوا إلى أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، وأخلصوا في محبته .

وكتب الحسين (عليه السّلام) إلى معاوية ـ بعد قتله عمرو بن الحمق ـ جواباً عن كتاب : (( أوَلست قاتلَ عمرو بن الحمق صاحب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، العبد الصالح الذي أبلته العبادة ، فنحُل جسمه واصفرّ لونه ، بعدما أمّنته وأعطيته من عهود الله ومواثيقه ما لَو أعطيته طائراً لنزل إليك من رأس جبل ، ثمّ قتلته ؛ جرأةً على ربّك ، واستخفافاً بذلك العهد ؟! )) .

وقُتل عمرو ببلاد الموصل ، وقُطع رأسه واُرسل إلى معاوية ، فأرسله معاوية ـ كما سمعت ـ إلى امرأته وهي في السجن ، وأمر أنْ يُطرح في حجرها . وبه اقتدى ولده يزيد في قطع رؤوس سادات المسلمين ، وحملها إليه من بلد إلى بلد ، فإنّه لمّا قُتل الحسين (عليه السّلام) وأصحابه ، أمر عامله عبيد الله بن زياد أنْ يحمل إليه رأس الحسين (عليه السّلام) ، ورؤوس أصحابه ، وسبايا أهل بيت النّبوّة ففعل . وكان الرأس الشريف بمرأى ومنظر من نساء الحسين (عليه السّلام) ، وأخواته ، وبناته طول مدة الطريق ، من العراق إلى الشام .

وكما طرح معاوية رأس عمرو بن الحمق في حجر زوجته بعد قتله ؛ بغياً وعتوّاً ، وشدّة بغضه لأمير المؤمنين (عليه السّلام) وشيعته ، أحضر ولده يزيد رأس الحسين (عليه السّلام) بين يديه ، بمحضرٍ من نساء الحسين (عليه السّلام) ، وأخواته وبناته ، فأخذت الرباب زوجة


الصفحة (82)

الحسين (عليه السّلام) الرأسَ الشريف ، ووضعته في حجرها وقبّلته ، وقالت :

وآ حُسينا فلا نَسيتُ حُسيناً   أقصَدتْـهُ أسنَّـةُ الأعـداءِ

غـادَرُوهُ بكربَلاءَ صَريعاً   لا سقَى اللهُ جانِبـَي كربلاءِ

وأما زينب (عليها السّلام) ، لمّا رأت رأس أخيها بين يدي يزيد ، هوت إلى جيبها فشقّته ، ثمّ نادت بصوت حزين يقرح القلوب : يا حسيناه ! يا حبيب رسول الله ! يابن مكّة ومنى ! يا بن فاطمة الزهراء سيّدة النّساء ! يابن بنت المصطفى ! فأبكت كلّ مَن كان حاضراً في المجلس .

 رقَّ لهَا الشامتُ ممّا بِها   ما حالُ مَنْ رقَّ لها الشامتُ

* * *

المجلس الرابع والسّبعون بعد المئة

قال المُرزُباني ، قال الحسن البصري : أربع خصال كنّ في معاوية ، لو لم يكنّ فيه إلاّ واحدة منهن ، كانت موبقة : انتزاؤه على هذه الاُمّة بالسُفهاء ، وفيها بقايا الصحابة وذوو الفضل ، وادّعاؤه زياداً ، وقد قال النّبي (صلّى الله عليه وآله) : (( الولد للفراش ، وللعاهر الحجر )) ، واستخلافه يزيداً من بعده ، سكّيراً خمّيراً ، يزوج بين الدّب والذئب ، والكلب والضبع ؛ ينظر ما يخرج بينهما ، وقتله حجر بن عدي وأصحابه . فيا ويله ! ثمّ يا ويله !

قال المُرزُباني : كان حِجر بن عدي بن الأدبر الكندي ـ رحمة الله عليه ـ وفد على النّبي (صلّى الله عليه وآله) وشهد القادسية ، وهو الذي فتح مَرج عذراء . وشهد مع علي (عليه السّلام) الجمل وصفّين ، وهو من العُبّاد الثقات المعروفين ، روى عن النّبي (صلّى الله عليه وآله) .

وتكلّم زياد بن أبيه يوماً على المنبر ، فقال : إنّ من حقّ أمير المؤمنين ، أعادها


الصفحة (83)

مراراً ، فقال حِجر : كذبت ، ليس كذلك . فسكت زياد ساعة ، ثمّ أخذ في كلامه حتّى غاب عنه ما جرى ، فقال : إنّ من حقّ أمير المؤمنين ، فأخذ حِجر كفاً من حصى فحصبه ، وقال : كذبت ، عليك لعنة الله . فانحدر زياد عن المنبر ودخل دار الإمارة ، وانصرف حِجر ، فبعث إليه زياد الخيل والرجال ، فقالوا : أجب . فقال : إنّي والله ، ما أنا بالذي يخاف ، ولا آتيه أخافه على نفسي .

وقال ابن سيرين : لو مال لمال أهل الكوفة معه ، غير أنّه كان رجلاً ورعاً . وأبى زياد أنْ يرفع عنه الخيل حتّى سلسله ، وأنفذه مع اُناس من أصحابه ـ وكانوا ثلاثة عشر(1) ـ إلى معاوية . فلمّا سار حِجر ، أتبعه زياد بريداً ، فقال : اركض إلى معاوية ، وقل له : إنْ كان لك في سلطانك حاجة ، فاكفني حِجراً . فلمّا قدم عليه حِجر ، قال : السّلام عليك يا أمير المؤمنين . قال : وأمير المؤمنين أنا ! وجعل يكرر ذلك ، وأمر بإخراج حِجر وأصحابه إلى عذراء ، وقتلهم هناك .

قال ابن الأثير : كان حجر وأصحابه ـ الذين بعث بهم زياد إلى معاوية ـ أربعة عشر رجلاً ، فحُبسوا بمرج عذراء ، وتشفّع أصحاب معاوية في ستّة منهم فأطلقهم ، وتشفّع بعضهم في حِجر فلم يطلقه ، وطلب اثنان منهم أنْ يرسلوهما إلى معاوية ، وقالا : إنّا نقول في هذا الرجل ـ أي :علي ـ مثل مقالته . فقال لأحدهما : ما تقول في علي ؟ قال : أقول فيه قولك . قال : أتبرأ من دين علي الذي يدين الله به ؟ فسكت ، فتشفّع فيه بعض الحاضرين ، فنفاه إلى الموصل فمات بها .

وقال للآخر : ما تقول في علي ؟ قال دعني لا تسألني ، فهو خير لك . قال : والله لا أدعك . قال : أشهد أنّه كان من الذاكرين الله كثيراً ، من الآمرين بالحقّ ، والقائمين بالقسط ، والعافين عن النّاس . . . إلى أنْ

____________________

(1) سيأتي في رواية ابن الأثير : إنّهم أربعة عشر ، فلعّل مراد المُرزُباني : إنّهم ثلاثة عشر ، ما عدى حجر ، ومعه أربعة عشر .


الصفحة (84)

قال له معاوية : قتلت نفسك . قال : بل إيّاك قتلت . فردّه إلى زياد وأمره أن يقتله شرّ قتلة ، فدفنه حيّاً ، ثمّ قُتل حجر وأصحابه بمرج عذراء ، وكانوا ستّة ، والذي دفنه زياد حيّاً ، فهؤلاء سبعة ونجا منهم سبعة .

وبعث معاوية رجلاً أعور اسمه هدبة القضاعي ، ومعه رجلان ليقتلوا مَن أمروا بقتله ، فأتوا مساءً ، فقالوا لهم : إنّا قد اُمرنا أنْ نعرض عليكم البراءة من علي (عليه السّلام) واللّعن له ، فإنْ فعلتم تركناكم ، وإنْ أبيتم قتلناكم . فقالوا : لسنا فاعلي ذلك . فحُفرت لهم القبور واُحضرت الأكفان ، وقام حِجر وأصحابه يُصلّون عامّة الليل ، كما قام الحسين (عليه السّلام) وأصحابه ليلة العاشر من المُحرّم يصلّون عامّة الليل ، ويذكرون الله تعالى ويدعون ويستغفرون ، وهم يعلمون أنّهم في صبيحة تلك الليلة مقتولون لا محالة ، كما يعلم حِجر وأصحابه أنّهم في صبيحة ليلتهم مقتولون لا محالة ، فما أشبه الأبناء بالآباء ، والخلف بالسلف .

وكان للحسين (عليه السّلام) وأصحابه في تلك الليلة دوي كدوي النّحل ، وباتوا ما بين قائم وقاعد وراكع وساجد :

 سمةُ العبيـدِ منَ الخشوعِ عليهمُ   للهِ إنْ ضمَّتهُـمُ الأسحـارُ

فإذا ترجَّلت الضُّحَى شهِدتْ لهُمْ   بيضُ القواضبِ أنّهمْ أحرارُ

ولمّا كان الغد ، قُدّم حجر وأصحابه الستّة فقُتلوا ، وصُلّي عليهم ودُفنوا ، ولمّا كان الغد من يوم عاشوراء ، وقُتل الحسين (عليه السّلام) وأصحابه ، لم يُصلّى عليهم ولم يُدفنوا ، بل إنّ عمر بن سعد صلّى على أصحابه ودفنهم ، وترك الحسين (عليه السّلام) وأصحابه مطرَّحين على الرمضاء بغير دفن ، جثثاً بلا رؤوس حتّى جاء بنو أسد بعد ثلاثة أيام ، فصلّوا على تلك الجثث الطواهر الزواكي ودفنوها .

فيا أقبُراً خُطَّتْ على أنجُمٍ هوتْ   وفُرّقنَ في الأطرافِ مُغترباتِ

وليسَ قبوراً هُنّ بل هُنّ روضةٌ   مُنوَّرةٌ مُخـضـرَّةُ الجنـباتِ


الصفحة (85)

المجلس الخامس والسّبعون بعد المئة

قال الأعمش : أوّل قتيل قُتل في الإسلام صبراً حِجر بن عدي .

قال المُرزُباني : لمّا بعث زياد بن أبيه بحِجر بن عدي وأصحابه إلى معاوية بالشام ، أمر معاوية بإخراجهم إلى عذراء وقتلهم هناك ، فلمّا قدم حِجر عذراء ، قال : ما هذه القرية ؟ فقيل : عذراء . فقال : الحمد لله ، أما والله ، إنّي لأوّل مسلم ذكر الله فيها وسجد ، وأوّل مسلم نبح عليه كلابها في سبيل الله ، ثمّ أنا اليوم اُحمل إليها مُصفّداً في الحديد .

ثمّ قال حجر للذي أمر بقتلهم : دعني اُصلّي ركعتين . فصلّى ركعتين خفيفتين ، فلمّا سلّم انفتل إلى النّاس ، فقال : لولا أنْ يقولوا جزع من الموت ، لأحببت أنْ تكونا أنفس ممّا كانتا ، وأيم الله ، لئن لم تكن صلاتي فيما مضى تنفعني ، ما هاتان بنافعتي شيئاً . ثمّ أخذ ثوبه فتحزّم به ، ثمّ قال لمَن حوله من أصحابه : لا تحلّوا قيودي ، فإنّي أجتمع أنا ومعاوية على هذه المحجّة .

ثم مشى إليه هدبة الأعور بالسيف ، فشخص له حجر ، فقال : ألم تقل إنّك لا تجزع من الموت ؟ فقال : أرى كفناً منشوراً ، وقبراً محفوراً ، وسيفاً مشهوراً ، فما لي لا أجزع ؟! أما والله ، لئن جزعت ، لا أقول ما يسخط الربّ . فقال له : فابرأ من عليٍّ ، وقد أعدّ لك معاوية جميع ما تريد إنْ فعلت . فقال : ألم أقل إنّي لا أقول ما يسخط الربّ ؟ والله ، لقد أخبرني حبيبي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بيومي هذا . ثمّ قال : إنْ كنتَ أمرت بقتل ولدي(1) فقدّمه . فقدّمه فضربت عنقه ، فقيل له :

______________________

(1) لم يذكر غير المُرزُباني إنّ ولد حِجر كان من جملة المقتولين ، ولعلّه جاء مع أبيه لوداعه أو لغير ذلك فقُتل ، ولم يكن من الذين بعث بهم زياد ؛ فلذلك لم يذكره المؤرّخون ، والله أعلم .  ـ المؤلّف ـ


الصفحة (86)

تعجّلت الثكل . فقال : خفت أنْ يرى هول السّيف على عنقي فيرجع عن ولاية علي (عليه السّلام) ، فلا نجتمع في دار المقامة التي وعدها الله الصابرين .

فلله درّ حِجر ! ما أعظم نفسه ، وأجلّ مقامه ، وأشدّ تهالكه في حبّ أهل بيت نبيّه (صلّى الله عليه وآله) ، وفي طاعة ربه !

وإذا كانتْ النّفوسُ كِباراً   تعبتْ في جِوارها الأجسامُ

فانظر إليه كيف ثبت في هذا المقام الرهيب وسلّم نفسه للقتل ، ولم يبرأ من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السّلام) ! مقام عظيم وأيَم الله ، وأيُّ مقام ! فتسليم النّفس للقتل ليس بالأمر الهيّن . ولم يكتفِ بتسليم نفسه للقتل حتّى قدّم ابنه للقتل أمامه ؛ خوفاً عليه من أنْ يرجع عن ولاية علي (عليه السّلام) . والولد قطعة من الكبد ، ولا يعدل النفس شيئاً إلاّ الولد .

ولهذا لمّا برز علي الأكبر يوم كربلاء ، لم يملك أبوه الحسين (عليه السّلام) دمعته مع ما اُوتيه من الصبر العظيم ، وأرخى عينيه بالدموع وبكى ، ثمّ رفع سبابتيه نحو السّماء ، وقال : (( اللهمّ ، كُنْ أنت الشهيد عليهم ، فقد برز إليهم غلام أشبه النّاس خَلْقاً وخُلقاً برسولك ، وكنّا إذا اشتقنا إلى نبيَّك نظرنا إليه )) .

 يا كوكباً ما كان أقصرَ عُمرُهُ   وكذا تكونُ كواكبُ الأسحارِ

ولهذا أيضاً ، لمّا وصل الخبر إلى بشر بن عمرو الحضرمي يوم عاشوراء : أنّ ابنه اُسّر بثغر الري ، قال : عند الله أحتسبه ونفسي ، ما كنت أحبّ أنْ يُؤسر وأبقى بعده . فسمع الحسين (عليه السّلام) مقالته ، فقال له : (( رحمك الله ، أنت في حلٍّ من بيعتي ، فاذهب واعمل في فكاك ابنك )) . فقال : أكلتني السباع حيّاً إنْ فارقتك . قال (عليه السّلام) : (( فأعطِ ابنك هذا هذه الأثواب البُرود ؛ يستعين بها في فداء أخيه )) . فأعطاه خمسة أثواب بُرود قيمتها ألف دينار ، فحملها مع ولده .


الصفحة (87)

لقدْ صَبرُوا صبْرَ الكرامِ وقدْ قضَوا   على رغبةٍ منهُمْ حقوقَ المكارمِ

قسـاورةٌ يـومَ القـراعِ رماحُهُـمْ   تكفَّلنَ أرزاقَ النّسـورِ القشاعمِ

* * *

المجلس السّادس والسّبعون بعد المائة

لمّا بعث زياد بن أبيه بحِجر بن عدي الكندي وأصحابه إلى معاوية بالشام ، أمر معاوية بأخذهم إلى عذراء ـ وهي قرية شرقي دمشق ـ وقتلهم هناك ، فحُملوا إليها .

قال المُرزُباني : فلمّا أرادوا قتلهم ، اجتمع إلى حِجر أصحابه ليودّعوه ، فأنشأ حِجر يقول :

 فمَنْ لكُمُ مثلـي لـدَى كلِّ غارةٍ   ومَنْ لكمُ مثلي إذا البأسُ أصحَرا

ومَن لكُمُ مثلي إذا الحربُ قُلّصتْ   وأوضع فيها المُسْتميـتُ وشمَّرا

ولمّا حُمل عبد الرحمن بن حسّان العنزي ، وكريم بن عفيف الخثعمي ـ وكانا من أصحاب حجر ـ ، قال العنزي : يا حِجر ، لا تبعُد ولا يبعُد ثوابك ، فنعم أخو الإسلام كنت ! وقال الخثعمي : يا حِجر ، لا تبعُد ولا تُفقد ، ولقد كنت تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر . ثمّ ذُهب بهما إلى القتل ، فأتبعهما حِجر بصره ، وقال :

كفَى بسفاهِ القبرِ بُعداً لهالكٍ   وبالموتِ قطّاعاً لحبلِ القرائِنِ

قال المُرزُباني : لمّا قُتل حِجر بنُ عدي ، قالت امرأة من كندة ترثيه :

ترفَّعْ أيُّها القمرُ المُنيرُ   لعلّكَ أنْ ترَى حِجْراً يسيرُ


الصفحة (88)

يسيرُ إلى معاويةَ بنِ صخرٍ   لـيقتلُهُ كـما زعـمَ الأميرُ
ألا يا حجْرُ حجْرَ بني عديٍّ   ومَنْ أخلاقُهُ كرمٌ وخيرُ(1)
ألا يا ليتَ حِجراً مات موتاً   ولـمْ يُنحرْ كما نُحرَ البعيرُ
تـجبَّرتْ الجبابرُ بعد حِجْرٍ   وطابَ لها الخورنقُ والسَّديرُ

وقالت عائشة لمعاوية حين قتل حِجراً وأصحابه : أما والله ، لقد بلغني أنّه سيُقتل بعذراء سبعة نفر ، يغضب الله لهم وأهل السّماء .

قال ابن الأثير : كان النّاس يقولون : أوّل ذلّ دخل الكوفة موت الحسن بن علي ، وقتل حِجر ، ودعوة زياد . وقيل : إنّ حِجراً لمّا قُدّم ليُقتل ، قيل له : مد عنقك . فقال : ما كنتُ لأعين الظالمين .

ما أشبه ما جرى لحِجر بما جرى لهاني بن عُروة ، الذي قُتل في حبّ أهل البيت (عليهم السّلام) ونصرتهم ؛ فإنّه لمّا جيء به ليُقتل ، قيل له : امدد عنقك . فقال : ما أنا بها سخي ، وما أنا بمعينكم على نفسي . فضربه مولى لعبيد الله بن زياد تركي ، اسمه رشيد ، بالسّيف فلم يصنع شيئاً ، فقال له هاني : إلى الله المعاد . اللهمّ ، إلى رحمتك ورضوانك . ثمّ ضربه اُخرى فقتله .

فإنْ كُنتِ لا تدرينَ ما الموتُ فانظُري   إلـى هـانئٍ في السّوقِ وابنِ عقيلِ
إلـى بـطلٍ قـدْ هشَّمَ السَّيفُ وجهَهُ   وآخـرَ يـهوِي مـنْ طـمارِ قتيلِ
تَـرَي جـسداً قـدْ غيَّرَ الموتُ لونَهُ   ونـضْحَ دمٍ قـدْ سـال كلَّ مسيلِ

_____________________

(1) هذا البيت لم يذكره المُرزُباني ، وأورد ابن الأثير بدل الشطر الأخير : ( تلقّتك السلامة والسُّرور ) .  ـ المؤلّف ـ


الصفحة (89)

فتىً كانَ أحَيا منْ فتاةٍ حييَّةٍ   وأقطعَ منْ ذي شفْرَتينِ صَقيلِ

* * *

المجلس السّابع والسّبعون بعد المئة

قال المُرزُباني : كان الأحنف بن قيس التميمي ـ رحمه الله ـ من خيار أصحاب علي (عليه السّلام) . روي : أنّ النّبي (صلّى الله عليه وآله) أنفذ رجلاً يدعو بني سعد إلى الإسلام ، والأحنف فيهم ، فقال : والله ، إنّه يدعو إلى خير ، وما أسمع إلاّ حسناً ، وإنّه ليدعو إلى مكارم الأخلاق ، وينهى عن ملائمها . فذُكر ذلك الرجل للنبيِّ (صلّى الله عليه وآله) مقاله ، فقال (صلّى الله عليه وآله) : (( اللهمّ ، اغفر للأحنف )) . وكان يقول : هذا منْ أرجى عملي عندي .

وحضر عند معاية فتكلّم جلساؤه ، والأحنف ساكت ، فقال له معاوية : ما لك لا تتكلّم يا أبا بحر ؟ فقال : أخاف الله إنْ كذبت ، وأخافكم إنْ صدقت . وقال له معاوية مرّة : أنت صاحبنا بصفّين ، ومخذّل النّاس عن اُمّ المؤمنين . فقال : والله ، إنّ قلوبنا التي أبغضناك بها يومئذ لفي صدورنا ، وإنّ سيوفنا التي قاتلناك بها لعلى عواتقنا ، ولئن دنوت إلينا شبراً من غدر ، لندنونّ إليك ذراعاً من ختر ، ولئن شئت لتصفونّ لك قلوبنا بحلمك عنّا . قال : قد شئت .

وكان عنده يوماً ، إذ دخل رجل من أهل الشام ، فقام خطيباً ، فكان آخر كلامه أنْ سبّ عليّاً (عليه السّلام) ، فأطرق النّاس ، فتكلم الأحنف وقال مخاطباً لمعاوية : إنّ هذا القائل ما قال لو يعلم أنّ رضاك في شتم الأنبياء والمرسلين لما توقّف عن شتمهم ، فاتّقِ الله ودع عنك عليّاً ؛ فقد لقي ربّه بأحسن ما عمل عامل . كان والله ، المبرّز في سبقه ، الطاهر في خُلُقه ، الميمون النقيبة ، العظيم المصيبة ، أعلم العلماء


الصفحة (90)

وأحلم الحلماء ، وأفضل الفضلاء ، ووصي خير الأنبياء . فقال معاوية : لقد أغضيت العين عن القذى ، وقلت بما لا ترى ، وأيَم الله ، لتصعدنّ المنبر فتلعنه طوعاً أو كرهاً . فقال : إنْ تعفيني ، فهو خير لك ، وإنْ تجبرني على ذلك ، فوالله ، لا يجري به لساني أبداً . فقال : لا بدّ أنْ تركب المنبر وتلعن عليّاً . فقال : إذاً والله ، لأنصفنّك وأنصفنّ عليّاً . قال : تفعل ماذا ؟ قال : أحمد الله واُثني عليه واُصلّي على نبيّه (صلّى الله عليه وآله) ، وأقول : أيها النّاس ، إنّ معاوية أمرني أنْ ألعن عليّاً ، وأنّ عليّاً ومعاوية اقتتلا وادّعى كلّ منهما أنّه كان مبغياً عليه وعلى فئته ، فإذا دعوت فأمّنوا على دعائي ، ثمّ أقول : اللهمّ ، العن أنت وملائكتك ، وأنبياؤك ورسلك ، وجميع خلقك ، الباغي منهما على الآخر ، والعن اللهمّ ، الفئة الباغية على الفئة المبغي عليها آمين ربّ العالمين . اللهمّ ، العنهم لعناً وبيلاً ، وجدد العذاب عليهم بكرة وأصيلاً . قال : بل أعفيناك يا أبا بحر .

وقال يوماً معاوية لجلسائه : ألستم تعلمون كتاب الله ؟ قالوا : بلى . فتلا قوله تعالى : ( وَإِن مّن شَيْ‏ءٍ إِلاّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزّلُهُ إِلاّ بِقَدَرٍ مَعْلُومِ )(1) . فقال : كيف تلومونني بعد هذا ؟ فقام الأحنف ، فقال : ما نلومك على ما في خزائن الله ، إنّما نلومك على ما أنزل الله لنا من خزائنه فأغلقت عليه بابك . فسكت معاوية ولم يحرِ جواباً .

هكذا تكون حال المخلصين في ولائهم ، الذين أخذوا على أنفسهم نصرة الحقّ في حالتي الأمن والخوف ، والشدّة والرخاء ، أمثال الأحنف من أهل النفوس الكبيرة والهمم السامية ، وأمثال أنصار الحسين (عليه السّلام) الذين تلقّوا السيوف والرماح والسّهام بنحورهم ووجوههم وصدورهم ، لم يثنهم عن نصرة الحقّ خوف الردى ، ولم تتغير حالهم في تلك المواقف الرهيبة المخيفة .

ولمّا خطبهم الحسين (عليه السّلام) بكربلاء ، فقال (عليه السّلام) : (( إنّه قد نزل بنا من الأمر ما قد ترون ، وإنّ الدنيا قد تغيّرت وتنكّرت وأدبر معروفها ، ولم يبقَ منها إلاّ صُبابة

______________________

(1) سورة الحِجر / 21 .


الصفحة (91)

كصبابة الإناء ، وخسيس عيش كالمرعى الوبيل . ألاَ ترون إلى الحقّ لا يُعمل به ، وإلى الباطل لا يُتناهى عنه ؟! ليرغب المؤمن في لقاء ربه محقاً ؛ فإنّي لا أرى الموت إلاّ سعادة والحياة مع الظالمين إلاّ برماً )) .

قام زهير بن القين ، فقال : قد سمعنا ـ هداك الله ـ يابن رسول الله مقالتك ، ولو كانت الدنيا لنا باقية ، وكنّا فيها مخلّدين لآثرنا النّهوض معك على الإقامة فيها . ووثب نافع بن هلال الجملي ، فقال : والله ، ما كرهنا لقاء ربّنا ، وإنّا على نياتّنا وبصائرنا نوالي مَن والآك ، ونُعادي مَن عاداك . وقام برير بن خضير ، فقال : والله يابن رسول الله ، لقد منّ الله بك علينا أنْ نقاتل بين يديك ، وتُقطع فيك أعضاؤنا ، ثمّ يكون جدك شفيعنا يوم القيامة .

وخطبهم ليلة العاشر من المُحرّم فقال (عليه السّلام) ـ من جملة خطبته ـ : (( ألاّ وإنّي قد أذنت لكم ، فانطلقوا جميعاً في حلٍّ ليس عليكم مني ذمام ، وهذا الليل قد غشيكم فاتّخذوه جملاً ، وليأخذ كلّ واحد منكم بيد رجل من أهل بيتي ، وتفرّقوا في سواد هذا الليل وذروني وهؤلاء القوم ؛ فإنّهم لا يُريدون غيري )) . فقال له إخوته وأبناؤه ، وبنو أخيه وأبناء عبد الله بن جعفر : ولِمَ نفعل ذلك ؟ لنبقى بعدك ! لا أرانا الله ذلك أبداً . بدأهم بهذا القول العبّاس بن أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، وأتبعه الجماعة عليه ، فتكلّموا بمثله ونحوه .

وقام مسلم بن عوسجة الأسدي فقال : أنحن نخلّي عنك وقد أحاط بك هذا العدو ؟! وبمَ نعتذر إلى الله في أداء حقّك ؟! لا والله ، لا يراني الله أبداً وأنا أفعل ذلك حتّى أكسر في صدورهم رمحي ، واُضاربهم بسيفي ما ثبت قائمه بيدي ، ولو لم يكن معي سلاح اُقاتلهم به ، لقذفتهم بالحجارة ولم اُفارقك أو أموت معك . وقام سعيد بن عبد الله الحنفي ، فقال : لا والله يابن رسول الله ، لا نخلّيك أبداً حتّى يعلم الله إنّا قد حفظنا فيك وصية رسول الله محمّد (صلّى الله عليه وآله) . والله ، لو علمت أنّي اُقتل فيك ثمّ اُحيا ، ثمّ اُحرق   


الصفحة (92)

حيّاً ثمّ اُذرّى ، يُفعل فيَّ ذلك سبعين مرّة ، ما فارقتك حتّى ألقى حمامي دونك ، وكيف لا أفعل ذلك وإنّما هي قتلة واحدة ، ثمّ أنال الكرامة التي لا انقضاء لها أبداً ؟! وقام زهير بن القَين ، وقال : والله يابن رسول الله ، لوددت أنّي قُتلت ثمّ نُشرت ألف مرّة وأنّ الله تعالى يدفع بذلك القتل عن نفسك ، وعن أنفس هولاء الفتيان من إخوانك وولدك وأهل بيتك .

وتكلّم جماعة أصحابه بكلام يشبه بعضه بعضاً ، وقالوا : أنفسنا لك الفداء ! نقيك بأيدينا ووجوهنا ، فإذا نحن قُتلنا بين يديك ، نكون قد وفّينا لربّنا وقضينا ما علينا .

قَـلَّ الصّحابـةُ غـيرَ أنّ   قليلـَهُمْ غـيرُ القَلـيلِ

منْ كلِّ أبيضَ واضحِ الـ   ـحَسَبينِ مَعدُومِ المثيلِ

* * *

المجلس الثامن والسّبعون بعد المئة

قال ابن قتيبة في الإمامة والسياسة : لم يكن أحد أحبّ إلى معاوية أنْ يلقاه من أبي الطفيل الكناني ، وهو عامر بن وائلة ، وكان فارس أهل صفّين وشاعرهم ، وكان من أخصّ النّاس بعلي (عليه السّلام) . فقدم أبو الطفيل الشام يزور ابن أخ له من رجال معاوية ، فاُخبر معاوية بقدومه ، فأرسل إليه فأتاه ، وهو شيخ كبير ، فلمّا دخل عليه ، قال له معاوية : أنت أبو الطفيل عامر بن وائلة ؟ قال : نعم . قال معاوية : أكنت ممّن قتل أمير المؤمنين عثمان ؟ قال : لا ، ولكن ممّن شهده فلم ينصره . قال : ولمَ ؟ قال : لم ينصره المهاجرون والأنصار . فقال معاوية : أما والله ، إنّ نُصرته كانت عليك وعليهم حقّاً واجباً ، وفرضاً لازماً ، فإذا ضيّعتموه فقد فعل الله بكم ما أنتم أهله ،


الصفحة (93)

وأصاركم إلى ما رأيتم . فقال أبو الطفيل : فما منعك يا أمير المؤمنين ، إذ تربّصت به ريب المنون ، أنْ تنصره ، ومعك أهل الشام ؟ فقال معاوية : أوَما ترى طلبي لدمه ؟! فضحك أبو الطفيل ، وقال : ويلي ! ولكنّي وإيّاك كما قال عبيد بن الأبرص :

لأعرِفنّكَ بعدَ الموتِ تنْدبُني   وفي حَياتي ما زَوَّدتَني زادِي

فدخل مروان بن الحكم وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحكم ، فلمّا جلسوا نظر إليهم معاوية ، ثمّ قال : أتعرفون هذا الشيخ ؟ قالوا : لا . فقال معاوية : هذا خليل علي بن أبي طالب ، وفارس صفّين ، وشاعر أهل العراق ، هذا أبو الطفيل . قال سعيد بن العاص : قد عرفناه ، فما يمنعك منه وشتمه القوم ؟ فزجرهم معاوية ، وقال : مهلاً ، فربَّ يومٍ ارتفع عن السُّباب ، قد ضقتم به ذرعاً . ثمّ قال : أتعرف هؤلاء يا أبا الطفيل ؟ قال : ما أنكرهم من سوء ، ولا أعرفهم بخير .

وأنشد شعراً :

فإنْ تكنْ العداوةُ قدْ أكنَّتْ   فشرُّ عداوةِ المرءِ السُّبابُ

فقال معاوية : يا أبا الطفيل ، ما أبقى لك الدهر من حبّ علي ؟ قال : حبّ اُمّ موسى ، وأشكو إلى الله التقصير . فضحك معاوية ، وقال : ولكن والله ، هؤلاء الذين حولك لو سُئلوا عنّي ما قالوا هذا . فقال مروان : أجل ، والله ، لا نقول الباطل . قال : ولا الحقّ تقولون ؟ ثمّ جهّزه معاوية وألحقه بالكوفة .

وسعيد بن العاص هذا ، هو والد عمرو بن سعيد بن العاص الذي كان والياً على المدينة من قِبل يزيد حين قُتل الحسين (عليه السّلام) ؛ فلمّا بلغه قتله ، وسمع واعية بني هاشم في دورهم على الحسين (عليه السّلام) حين سمعوا النداء بقتله ، ضحك وتمثّل بقول عمرو بن معد يكرب الزبيدي :

عجَّتْ نساءُ بني زيادٍ عجَّة ً  كعجيجِ نسوتُنا غداةَ الأرنَبِ


الصفحة (94)

ثمّ قال عمرو : هذه واعية بواعية عثمان . ثمّ صعد المنبر وخطب النّاس ، وأعلمهم قتل الحسين (عليه السّلام) ، وقال في خطبته : إنّها لدمَة بلدمة وصدمة بصدمة ، كم خطبة بعد خطبة وموعظة بعد موعظة ، حكمة بالغة فما تُغني النّذر ، والله ، لوددت أنّ رأسه في بدنه وروحه في جسده ، أحياناً كان يسبّنا ونمدحه ، ويقطعنا ونصله كعادتنا وعادته ، ولمْ يكن من أمره ما كان ، ولكن كيف نصنع بمَن سلّ سيفه يريد قتلنا إلاّ أنْ ندفعه عن أنفسنا .

فقام عبد الله بن السائب ، فقال : لو كانت فاطمة حيّةً ، فرأت رأس الحسين (عليه السّلام) لبكت عليه . فجبهه عمرو بن سعيد ، وقال : نحن أحقّ بفاطمة منك ؛ أبوها عمّنا ، وزوجها أخونا ، وابنها ابننا . لو كانت فاطمة حيّةً ، لبكت عينها ، وحرّت كبدها ، وما لامت مَن قتله ودفعه عن نفسه .

وأحالُوا على المقاديرِ في قَتْـ   ـلِكَ لو أنّ عذرَهُمْ مقبولُ

ما أطاعُوا فيـكَ النَّبيَّ وقدْ ما   لتْ بأسيافهمْ إليكَ الدُخولُ

* * *

المجلس التاسع والسّبعون بعد المئة

كان خُزيمة بن ثابت ـ رضي الله عنه ـ من أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الذين رجعوا إلى أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، شهد بدراً وما بعدها من المشاهد ، وجعل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) شهادته كشهادة رجلين ؛ فسُمّي : ( ذو الشهادتين ) . شهد مع أمير المؤمنين (عليه السّلام) الجمل وصفّين ، واستشهد بين يديه بصفّين .

قال المُرزُباني : روي : أنّ ابن أبي ليلى قال : كنت بصفّين ، فرأيت رجلاً


الصفحة (95)

أبيض اللحية معتمّاً متلثّماً ، لا يُرى منه إلاّ أطراف لحيته ، يُقاتل أشدّ قتال ، فقلت : يا شيخ ، تُقاتل المسلمين ؟! فحسر لثامه ، وقال : أنا خُزيمة ، سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول : (( قاتل مع عليٍّ جميعَ مَن يقاتل )) .

ولخُزيمة :

إذا نـحنُ بـايَعْنا عليّاً فحسبُنا   أبـو حسنٍ ممَّا نخافُ منَ الفِتَنْ
وجـدناهُ أولَى النّاسِ بالنّاسِ إنّهُ   أطـبُّ قُـريشٍ بالكتابِ وبالسُّننْ
وفـيه الـذي فيهمْ من الخيرِ كلِّهِ   وما فيهمُ بعضُ الذي فيهِ منْ حَسَنْ

وله أيضاً :

ما كنتُ أحسبُ هذا الأمرَ مُنتقلاً   عنْ هاشمٍ ثُمَّ منها عنْ أبي حَسنِ
 ألـيسَ أوّلَ مَـنْ صـلَّى لقبلتِهمْ   وأعـلمَ النّاسِ بالقُرآن والسُّننِ
وآخـرَ النّاسِ عَهداً بالنَّبيِّ ومَنْ   جبريلُ عونٌ لهُ في الغُسلِ والكَفَنِ
وفـيهِ مـا فـيهمُ لا يَمتَرون بهِ   وليس في القومِ ما فيهِ منَ الحَسَنِ
مـاذا الـذي ردَّكُـمْ عنهُ فنعلَمُهُ   هـا إنَّ بـيعتكُمْ منْ أغبنِ الغبَنِ(1)

وعن الأصبغ بن نباتة ، قال : نشد علي (عليه السّلام) النّاس : (( مَن سمع النبيَّ (صلّى الله عليه وآله) قال يوم غدير خُمٍّ ما قال إلاّ قام )) . فقام بضعة عشر رجلاً ، فيهم : أبو أيوب الأنصاري ، وخُزيمة بن ثابت ذو الشهادتين ، وسهل بن حنيف الأنصاري وغيرهم ، فقالوا : نشهد إنّا سمعنا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، يقول : (( ألاَ إنّ

ــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ورد المصراع الثاني بنحو آخر ، هو : ها إنّ ذا غَبَنٌ منْ أعظمِ الغَبَنِ .


الصفحة (96)

الله عزّ وجل وليِّي ، وأنا وليُّ المؤمنين ، ألاَ فمَن كنتُ مولاه ، فعليٌّ مولاه . اللهمّ ، والِ مَن والاه ، وعادِ مَن عاداه ، وأحبَّ مَن أحبَّه ، وأبغض مَن أبغضه ، وأعنْ مَن أعانه )) . كما عن اُسد الغابة في أحوال الصحابة وغيره .

ومن الصحابة الذين رجعوا إلى أمير المؤمنين (عليه السّلام) قرظة بن كعب الأنصاري ، كان من الرّواة ، وحارب مع أمير المؤمنين (عليه السّلام) وولاّه فارس . وولدُهُ عمرو بن قرظة الأنصاري كان من أنصار الحسين (عليه السّلام) الذين بالغوا في نصرته ، ولمّا كان يوم عاشوراء ، استأذن الحسين (عليه السّلام) في القتال فأذن له ، فبرز وهو يقول :

 قدْ عَلمَـتْ كتيبَـةُ الأنصـارِ   أنّي سأحمـي حوزةَ الذُّمّارِ

ضربَ غُلامٍ غيرِ نكسٍ شاري   دونَ حُسينٍ مُهجَتي وداري

فقاتل قتال المشتاقين إلى الجزاء ، وبالغ في خدمة سلطان السّماء حتّى قتل جمعاً كثيراً من حزب ابن زياد ، وجمع بين سداد وجهاد . وكان لا يأتي إلى الحسين (عليه السّلام) سهمٌ إلاّ اتّقاه بيده ، ولا سيف إلا تلقّاه بمهجته ، فلم يكن يصل إلى الحسين (عليه السّلام) سوء حتّى اُثخن بالجراح ، فالتفت إلى الحسين (عليه السّلام) ، وقال : يابن رسول الله ، أوَفيت ؟ قال (عليه السّلام) : (( نعم ، أنت أمامي في الجنّة ، فاقرأ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عنّي السّلام ، وأعلمه أنّي في الأثر )) . فقاتل حتّى قُتل رضوان الله عليه .

 

 وتبادَرتْ تلْقَى الأسنَّةَ لا تَرى الْـ   ـغمرات إلاّ المائِساتِ الغيدَا

وكأنّما قصـدَ القـنّا بنحـورِهـمْ   دُرراً يُفصِّلُهـا الفنـاءُ عُقودَا

الصفحة (97)

المجلس الثمانون بعد المئة

كان قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري من أجلاّء الصحابة ، ومن المتفانين في حبّ علي (عليه السّلام) ونصره .

وفي الإستيعاب ، قال الواقدي : كان قيس بن سعد من كرام أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وأسخيائهم ودهاتهم . قال أبو عمرو : كان أحد الفضلاء الأجلّة ، وأحد دهاة العرب ، وأهل الرأي والمكيدة في الحرب ، مع النّجدة والبسالة ، والسخاء والكرم ، وكان شريف قومه غير مدافع ، وكان يقول : اللهمّ ، ارزقني حمداً ومجداً ؛ فإنّه لا حمد إلاّ بفعال ، ولا مجد إلاّ بمال .

واستقرض منه رجل ثلاثين ألفاً ، فلمّا ردّها عليه أبى أنْ يقبلها ، وقال : إنّا لا نعود في شيء أعطيناه . وشكت إليه عجوز أنّه ليس في بيتها جرذ ، فقال : ما أحسن ما سألت ! أما والله ، لأكثرنّ جرذان بيتك ، فملأ بيتها طعاماً وأداماً . ولمّا خرج أبوه من المدينة ، قسّم ماله بين أولاده ، وكان له حمل لا يعلم به ، فلمّا توفي أبوه ، طلبوا إلى قيس أنْ ينقض القسمة ، فقال : نصيبي للمولود ، ولا أنقض ما صنع أبي .

وكان لقيس دَينٌ كثيرعلى النّاس ، فمرض واستبطأ عوّاده ، فقيل : إنّهم يستحون من أجل دينك . فأمر فنودي : مَن كان لقيس عليه دَين فهو له ، فتزاحم النّاس على عيادته حتّى هدموا درجة كانوا يصعدون عليها إليه . وقال أنس بن مالك : كان قيس من النبيّ (صلّى الله عليه وآله) بمنزلة صاحب الشرطة من الأمير .

صحب قيس علي بن أبي طالب (عليه السّلام) ، وشهد معه الجمل وصفّين والنّهروان هو وقومه ، ولم يفارقه حتّى قُتل . وكان علي (عليه السّلام) قد ولاّه على مصر ، فضاق به معاوية وكايد فيه عليّاً


 الصفحة (98)

ففطن له ، فلم يزل به الأشعث وأهل الكوفة حتّى عزله ، وولّى محمّد بن أبي بكر ففسدت عليه مصر . وكان قيس مع الحسن (عليه السّلام) على مقدّمته ، ومعه خمسة آلاف قد حلقوا رؤوسهم وتبايعوا على الموت ، فلمّا دخل الحسن (عليه السّلام) في بيعة معاوية أبى قيس أنْ يدخل .

قال أبو الفرج : إنّه نهض بمَن معه لقتال معاوية ، وخرج إليهم بُسر بن أرطأة في عشرين ألفاً ، فصاحوا بهم : هذا أميركم قد بايع ، وهذا الحسن (عليه السّلام) قد صالح ، فعَلامَ تقتلون أنفسكم ؟ فقال لهم قيس ـ أي : لأصحابه ـ : اختاروا أحد اثنين ؛ إمّا القتال مع غير إمام ، أو تبايعون بيعة ضلال ؟ فقالوا : بل نُقاتل بلا إمام . فخرجوا وضربوا أهل الشام حتّى ردّوهم إلى مصافهم .

وكتب معاوية إلى قيس يدعوه ويمنّيه ، فكتب إليه قيس : لا والله ، لا تلقاني أبداً إلاّ وبيني وبينك السّيف والرمح . وجرت بنيهما مكاتبات أغلظ كلّ منهما فيها لصاحبه ، فقال عمرو بن العاص لمعاوية : مهلاً ، إنْ كاتبته أجابك بأشدّ من هذا ، وإنْ تركته دخل فيما يدخل فيه النّاس . وقال قيس لأصحابه : إنْ شئتم جالدت بكم ، وإنْ شئتم أخذت لكم أماناً ؟ فقالوا : خذ لنا أماناً . فأخذ لهم وله أماناً ، ولم يأخذ لنفسه خاصّة شيئاً ، ثمّ لزم المدينة وأقبل على العبادة حتّى مات .

أقول : شتّان بين عبيد الله بن العبّاس وقيس بن سعد ، فهذا يسالم معاوية بعدما ذبح بُسر بن أرطأة أولاده الصغار على درج صنعاء حين أرسله معاوية ، ويبيع شرفه بالمال ، ويرضى بالذلّ والعار ، وقيس بن سعد يحلف أنْ لا يلقى معاوية إلاّ بينه الرمح والسيف ، بعد ما بلغه أنّ الحسن قد صالح .

أبتْ الحميَّةُ أنْ تُفارقَ أهلَهَا   وأبَى العزِيزُ بأنْ يعيشََ ذلِيلا

ولمّا نشر علي (عليه السّلام) لواءه يوم صفّين ، قال قيس : هذا والله ،


الصفحة (99)

اللواء الذي كنّا نحفّ به مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وجبرائيل لنا مدد . ثمّ قال :

هـذا الـلّواءُ الذي كُنّا نحفُّ بهِ   مـعَ النّبيِّ وجـبرائيلٌ لنا مددُ
ما ضرَّ مَن كانَت الأنصارُ عَيبَتَهُ   أنْ لا يـكونَ لهُ منْ غيرِهمْ أحدُ
قـومٌ إذا حـارَبُوا طالتْ أكفُّهُمُ   بـالمشرفيَّةِ حتّى يُـفتحَ البلدُ

يقول قيس ـ رحمه الله ـ كما سمعت :

هـذا الـلّواءُ الذي كُنّا نحفُّ بهِ   مـعَ النّبيِّ وجـبرائيلٌ لنا مددُ

أجل ، إنّ اللّواء الذي حفّت به الأنصار يوم بدر هو الذي حفّت به يوم صفّين ؛ ولهذا كانت تقول عكرشة بنت الأطرش يوم صفّين ـ وكانت مع أمير المؤمنين (عليه السّلام) ـ : هذه بدر الصغرى والعقبة الكبرى . واللّواء الذي حفّت به جماعة من الأنصار مع الحسين (عليه السّلام) يوم كربلاء ، هو الذي حفّوا به مع أبيه أمير المؤمنين (عليه السّلام) يوم صفّين ، وحفّوا به مع جدّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يوم بدر ، ولولا تلك الإحن البدريّة ، والأحقاد الجاهليّة لما كان حرب صفّين وواقعة كربلاء .

 قالت اُمّ الخير البارقيّة يوم صفّين ـ وكانت مع علي (عليه السّلام) ـ : إنّها إحن بدريّة ، وأحقاد جاهليّة وثب بها واثب حين الغفلة ، ليُدرك ثارات بني عبد شمس . وصرّح بذلك يزيد بن معاوية لمّا وضع رأس الحسين (عليه السّلام) بين يديه ، فجعل ينكت ثناياه بقضيب خيزران ، ويقول : يوم بيوم بدر .

وقال أيضاً :

لـيتَ أشـياخي ببدرٍ شَهدوا   جَزعَ الخزْرجِ منْ وقْعِ الأسلْ
لأهـلّـوا واسْـتهلّوا فـرحاً   ثمّ قـالوا يـا يزيدُ لا تشلْ
قـدْ قـتلْنا القَرمَ منْ ساداتِهمْ   وعَـدلْـناهُ بـبدْرٍ فـاعتَدَلْ 

لـعبتْ هـاشمُ بـالمُلكِ فلا   خـبرٌ جـاء ولا وحيٌ نَزلْ
* * *

ثاراتُ بدرٍ اُدرِكتْ في كرْبَلا   لبني اُميّةَ من بني الزهراءِ


الصفحة (100)

المجلس الحادي والثمانون بعد المئة

قال ابن أبي الحديد : روي أنّ الوليد بن جابر بن ظالم الطائي كان ممّن وفد على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فأسلم ، ثمّ صحب عليّاً (عليه السّلام) وشهد معه صفّين ، وكان من رجاله المشهورين ، ثمّ وفد على معاوية بعد وفاة أمير المؤمنين (عليه السّلام) ودخل عليه في جملة النّاس ، فاستنسبه فانتسب له ، فعرفه معاوية ، فقال له : أنت صاحب ليلة الهرير ؟ قال : نعم . قال : والله ، لا تخلو مسامعي من رجزك تلك الليلة ، وقد علا صوتك أصوات النّاس ، وأنت تقول :

شُـدّوا فـداءً لـكُمُ اُمِّـي وأبِْ   فـإنّما الأمـرُ غَـداً لمَنْ غلَبْ
هذا ابنُ عمِّ المُصطفَى والمُنتَجبْ   تـنْميهِ لـلعلياءِ ساداتُ العربْ
لـيسَ بموصُومٍ إذا نُصَّ النَّسبْ  أوّلُ مَـنْ صلَّى وصامَ واقتَرَبْ

قال : نعم ، أنا قائلها . قال : فلماذا قلتها ؟ قال : لأنّا كنّا مع رجل لا نعلم خصلة توجب الخلافة ، ولا فضيلة تصير إلى التقدمة إلاّ وهي مجموعة له . كان أوّل النّاس سلماً ، وأكثرهم علماً ، وأرجحهم حلماً . فات الجياد فلا يشقّ غباره ، واستولى على الأمد فلا يخاف عثاره ، وأوضح منهج الهدى فلا يبيد مناره ، وسلك القصد فلا تدرس آثاره . فلمّا ابتلانا الله تعالى بافتقاده ، وحوّل الأمر إلى مَن يشاء من عباده ، دخلنا في جملة المسلمين ، فلم ننزع يداً عن طاعة ، ولم نصدع صفاة جماعة ، على أنّ لك منّا ما ظهر ، وقلوبنا بيد الله وهو أملك بها منك ، فاقبل صفونا وأعرض عن كدرنا ، ولا تُثر كوامن الأحقاد ؛ فإنّ النار تقدح بالزناد .

قال معاوية : وإنّك لتهددني يا أخا طيء ، بأوباش العراق ؟! أهل النفاق ومعدن الشقاق . فقال : يا معاوية ،


الصفحة (101)

هم الذين أشرقوك بالرّيق ، وحبسوك بالمضيق ، وذادوك عن سُنن الطريق حتّى لذت منهم بالمصاحف ، ودعوت إليها مَن صدّق بها وكذّبت ، وآمن بمنزلها وكفرت ، وعرف من تأويلها ما أنكرت . فغضب معاوية ، وأدار طرفه فيمَن حوله فإذا جلّهم من مضر ، ونفر قليل من اليمن ، وحيث إنّ الوليد يمانيّ ، واليمانيّون قليلون في مجلسه ، لم يخف من الوليد ، فقال : أيها الشقي الخائن ، إنّي لأخال أنّ هذا آخر كلام تفوّهت به .

وكان عفير بن سيف بن ذي يزن بباب معاوية حينئذٍ ، وكان يمانيّاً ، فعرف موقف الطائي ومراد معاوية ، فخافه عليه ، فهجمَ عليهم الدار وأقبل على اليمانيّة ، فقال : شاهت الوجوه ذلاّ ًوقلاّ ً، وجدعاً وفلاّ ً. ثمّ التفت إلى معاوية ، فقال : لقد رأيتك بالأمس خاطبت أخا ربيعة ـ يعني : صعصعة بن صوحان ـ وهو أعظم جرماً عندك من هذا ، ثمّ أثبتّه وسرّحته ، وأنت الآن مجمع على قتل هذا ، زعمت استصغاراً لجماعتنا ، ولَعمري ، لو وكلتك أبناء قحطان إلى قومك ، لكان جدّك العاثر وذكرك الداثر ، وحدّك المفلول وعرشك المثلول ، فأربع على ظلعك(1) ؛ فإنّا لا نرام بوقع الضيم ، ولا نتلمّط جرع الخسف(2) .

فقال معاوية : الغضب شيطان ، فأربع على نفسك أيّها الإنسان ؛ فإنّا لم نؤتِ إلى صاحبك مكروهاً ، فدونكه ؛ فإنّه لم يضق عنه حلمنا ويسع غيره . فأخذ عفير بيد الوليد وخرج به إلى منزله ، ثمّ جمع مَن بدمشق من اليمانيّة ، وفرض على كلّ رجل دينارين في عطائه ، فبلغت أربعين ألفاً ، فجعلها من بيت المال ودفعها إلى الوليد وردّه إلى العراق .

ولو كان معاوية حليماً ـ كما يدّعي ويُدّعى له ـ ، لما قَتل حِجراً وأصحاب حِجر حيث لم يتبرّؤوا من أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، لمَا قتل عمرو بن الحمق الخزاعي بعد ما

____________________________

(1) أي : إنّك ضعيف ، فانته عمّا لا تطيقه .

(2) أي : الذّل .  ـ المؤلّف ـ


الصفحة (102)

حبس زوجته سنتين في سجن دمشق . ولمّا جاءه رأسه ، أرسله إليها ووضعه في حجرها ، هذا بعد ما أعطى الحسن بن علي (عليه السّلام) العهود والمواثيق أنْ لا يتعرض لشيعته . وإنّما كان يظهر الحلم حين يرى فيه مصلحة لدنياه ، وحين يخاف من عاقبة البطش ، فيدعه ويُظهر أنّ ذلك عن حلم ، وإنّما هو عن خوف ، وإلاّ فما باله وقد ملك الأمر ، وانقادت له النّاس بعد صلح الحسن (عليه السّلام) ، يسلّط زياد بن أبيه على شيعة علي (عليه السّلام) ، فيسومهم سوء العذاب بالقتل والنّفي ، وسلب الأموال وهدم الدور ؟ وما بالُه يستحضر مَن يعرفهم بحبّ علي (عليه السّلام) ، من نساء ورجال ، من الأمكنة البعيدة ، فيتهدّدهم ويتوعّدهم ويؤنّبهم ، ثمّ يُظهر الحلم عنهم حينما يخاف عاقبة البطش ؟ وما بالُه يُحمل عبد الله بن هاشم المرقال إليه أسيراً ، بعد صلح الحسن (عليه السّلام) ، فيسجنه ويُهدّده بالقتل ؟

ولو كان حليماً ـ كما يقول ويُقال فيه ـ لفعل كما فعل أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، فعفا عن أهل الجمل لمّا ظفر بهم ، وفيهم أعدى النّاس له ، ولم يجازهم بشيء ، وأصدر عفواً عامّاً عن جميع أهل البصرة الذين حاربوه . وما حلمُ معاوية الذي يظهر إلاّ كحلم ولده يزيد عن أهل بيت الرسالة ، فإنّه بعدما قتل الحسين (عليه السّلام) ، وسبى نساءه وأطفاله ، وحملهم إليه من الكوفة إلى الشام ، وأدخل النّساء إلى مجلسه العام ، أراد أنْ يتلافى ما فرّط منه حين خشي سوء العاقبة في الدنيا ، لمّا رأى النّاس تنقم عليه ، فقال لزين العابدين (عليه السّلام) : إنْ شئت أقمت عندنا فبررناك ، وإنْ شئت رددناك الى المدينة . فقال (عليه السّلام) : (( لا اُريد إلاّ المدينة )) . فأرسلهم إليها ، وأرسل معهم النّعمان بن بشير الأنصاري في جماعة وأمره بالرّفق بهم ، وأنْ ينزل بعيداً عنهم حين ينزلون .

 ولكن ما يفيده ذلك بعد أنْ فعل ما فعل ، وارتكب ما ارتكب؟!


(103)

وودَّ أنْ يتلافَى ما جنتْ يدُهُ   وكانَ ذلك كسْـراً غيـرَ مَجْبُورِ

تُسبَى بنـاتُ رسولِ الله بينَهُمُ   والدِّينُ غضُّ المبادي غيرُ مستورِ

* * *

المجلس الثاني والثمانون بعد المئة

قال المُرزُباني : دخل عدي بن حاتم الطائي ـ رحمه الله ، وكانت عينه ذهبت يوم الجمل ـ على معاوية وعنده ابن الزّبير ، فقال ابن الزّبير : يا أبا طريف ، متى ذهبت عينُك ؟ قال : يوم فرّ أبوك مُنهزماً فقُتل ، وضُربتَ على قفاك وأنت هارب ، وأنا مع الحقّ وأنت مع الباطل . فقال معاوية : ما فعل الطُّرفات ؟ ـ يعني : طريفاً وطُرافاً وطُرْفة أبناءه ـ قال : قُتلوا مع أمير المؤمنين علي (عليه السّلام) . فقال له : ما أنصفك علي ؛ إذ قدّم أبناءك وأخّر أبناءه . قال : بل أنا ما أنصفته ؛ إذ قُتل وبقيت بعده . قال له معاوية : أما أنّه قد بقيت قطرة من دم عثمان ، ما لها إلاّ كذا ، وأومأ بيده إليه . فقال له عدي : إنّ السّيوف التي اُغمدتْ اُغمدتْ على حسّك في الصدور ، ولعلّك تسلُّ سيفاً تسلُّ به سيوفاً . فالتفت معاوية إلى عمرو بن العاص ، فقال : كلمة شدَّها في قَرنك . ثمّ خرج عدي ، وهو يقول :

يـحاولُنِي مُـعاويةُ بن صخْرٍ   وليسَ إلى التي يَبغِي سبيل ُ
يُـذكِّرُني أبـا حَـسنٍ عليّاً   وخَطْبي في أبي حسنٍ جليل ُ
وقال ابنُ الزُّبيرِ وقال عمرٌو     عـديٌّ بـعدَ صفّين ذليل ُ
فـقُلتُ صدقتُما قدْ هدَّ ُكني   وفـارقَني الذينَ بهِمْ أصول ُ
ولـكنّي عـلى ما كانَ منِّي   اُخـبِّرُ صـاحبيَّ بما أقول ُ


الصفحة (104)

وإنّ أخاكُما في كلِّ يومٍ   من الأيامِ محمِـلُهُ ثقيلُ

أقول : كلّ مَن كان عريقاً في ولاء أهل البيت (عليهم السّلام) يهون عليه فداء نفسه وولده في محبّتهم ؛ ألاَ ترى إلى بشر بن عمرو الحضرمي حين قيل له يوم الطفِّ : إنّ ابنه اُسّر بثغر الري ، فقال : عند الله أحتسبه ونفسي ، ما كنت أحبّ أنْ يُؤسر وأبقى بعده . فسمع الحسين (عليه السّلام) قوله ، فقال له : (( رحمك الله ، أنت في حلٍّ من بيعتي ، فاذهب واعمل في فكاك ابنك )) . فقال : أكلتني السباع حيّاً إنْ فارقتك . قال (عليه السّلام) : (( فأعطِ ابنك هذا هذه الأثواب البُرود ؛ يستعين بها في فداء أخيه )) . فأعطاه خمسة أثواب بُرود قيمتها ألف دينار ، فحملها مع ولده .

فحيّا الله هذه النّفوس الكريمة التي سخت بدمائها وأبنائها في فداء أهل بيت نبيّها (عليهم السّلام) ، وحفظت وصية رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في آله وذرّيّته .

مِـنْ كُلِّ مُكتهلٍ في عزمِ مُقتَبلِ   وكُـلِّ مُـقتَبلٍ فـي حـزمِ مُكتَهلِ
قَـرمٌ إذا الموتُ أبدَى عنْ نواجذِهِ   ثـنّى لـهُ عطفَ مسْرورٍ بهِ جذلِ
أبـتْ لـهُ نفسُهُ يومَ الوغَى شرَفاً   أنْ لا تسيلَ على الخِرصانِ والأسَلِ

* * *

المجلس الثالث والثمانون بعد المئة

في الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي ، عن الأصبغ بن نباتة ، قال : دخل ضرار بن ضمرة على معاوية بعد وفاة أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، فقال له : يا ضرار ، صف لي عليّاً . فقال : أعفني من ذلك . فقال : أقسمتُ عليك لتصفنّه لي . فقال : إنْ كان لا بُدّ من ذلك ، فإنّه كان والله ، بعيد المدى شديد


الصفحة (105)

القوى ، يقول فصلاً ويحكم عدلاً ، يتفجّر العلم من جوانبه وتُنطق الحكمة من لسانه ، يستوحش من الدنيا وزهرتها ويأنس بالليل ووحشته ، وكان غزير الدمعة طويل الفكرة ، يُعجبه من اللباس ما خشن ، ومن الطعام ما جشب ، وكان فينا كأحدنا ؛ يُجيبنا إنْ سألناه ، ويأتينا إذا دعوناه ، ونحن والله ، مع قُربنا منه وقربه منّا لا نكاد نُكلّمه ؛ هيبة له ، يُعظّم أهل الدّين ، ويحب المساكين ، لا يطمع القوي في باطله ، ولا ييأس الضعيف من عدله .

وأشهد بالله يا معاوية ، لقد رأيته في بعض مواقفه ، وقد أرخى الليل سدوله وغارت نجومه ، قابضاً على لحيته الشريفة ، يتململ تململ السليم ، ويبكي بكاء الحزين ، وهو يقول : (( إليك عنّي يا دُنيا ، غرّي غيري ، ألي تعرضتِ أمْ إليّ تشوّقت ؟ هيهات هيهات ! فإنّي قد طلقتُك ثلاثاً لا رجعة لي فيك ؛ فعمرك قصير ، وخطرك كبير ، وعيشك حقير)) . ثمّ قال (عليه السّلام) : (( آهٍ آهٍ ! من قلة الزاد ، وبُعد السّفر ، ووحشة الطّريق )) . ثمّ بكى ضرار ، وبكى معاوية وقال : رحم الله أبا الحسن ، كان والله ، كذلك . ثمّ قال : فكيف حزنك عليه يا ضرار ؟ قال : حزن مَن ذُبح ولدُها في حِجرها ؛ فهي لا ترقى لها دمعة ، ولا تسكن لها زفرة .

وفي خبر : ترصّد عمرو بن حريث غذاء أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، فأتته فضّة بجراب مختوم ، ففكّه واستخرج منه خبزاً متغير اللّون ، خشناً جشباً ، فقال عمرو : يا فضة ، ألاَ تتّقين الله في هذا الشيخ ؟ ألاَ تنخلين له دقيق هذا الخبز وتُطيّبينه ؟ فقالت : قد كنت أفعل ذلك فنهاني ، وكنتُ أضع في جرابه طعاماً طيّباً فختم جرابه . قال : ثمّ إنّ أمير المؤمنين (عليه السّلام) فتّ ذلك الخبز في قصعة ، وصبّ عليه الماء ، وحسّر عن ذراعيه وجعل يأكل حتّى اكتفى ، فلمّا فرغ من الأكل ، التفت إليّ ، وقال : (( لقد خابت هذه ـ ومدّ يده إلى لحيته الكريمة ـ وخسرت هذه ، إنْ أدخلتُها النّار من أجل الطعام )) .

 ورآه عدي بن حاتم ، وبين يديه شُنّة وفيها


الصفحة (106)

قراح ماء وكسرات من خبز الشعير ، فقال له : [ إنّي لا ] أرى لك ذلك يا أمير المؤمنين ، أنْ تظلّ نهارك صائماً مجاهداً ، وبالليل ساهراً مكابداً ، ثمّ يكون هذا فطورك ! فقال (عليه السّلام) :

علِّلْ النَّفسَ بالقنُوعِ وإلاّ   طلَبتْ منكَ فوقَ ما يكْفِيها

ولمْ يزلْ هذا دأبه ، وهذه سجيّته حتّى أتى إليه ابن ملجم المرادي ، وضربه بالسّيف على اُمّ رأسه .

ألـمْ يعْلَمِ الْجاني عـلى اللّـيثِ أنّه   أتَى اللّيثَ في محرابِهِ وهو ساجدُ

ولو جاءهُ من حيثُ ما اللّيثُ مُبصرٌ   لخانتهُ عن حملِ الحُسامِ السَّـواعدُ

فلمّا حضرته الوفاة ، دعا أولاده كلّهم صغيراً وكبيراً ، وجعل يودّعهم ويقول : (( الله خليفتي عليكم ، أستودعكم الله )) . وهم يبكون ، ثمّ التفت إلى ولده الحسن (عليه السّلام) ، فقال : (( يا أبا محمّد ، اُوصيك بأبي عبد الله خيراً ؛ فأنتما منّي وأنا منكُما )) . ثمّ قال : (( كأنّي بكم وقد خرجت عليكم الفتن من ها هنا وها هنا ، فعليكم بالصبر ؛ فهو محمود العاقبة )) . ثمّ قال : (( يا أبا عبد الله ، أنت شهيد هذه الاُمّة ، فعليك بتقوى الله ، والصبر على بلائه )) .

أبا حَسـنٍ أبناؤكَ اليـومَ حلَّقْـتْ   بقادمةِ الأسيافِ عن خطَّةِ الخـسْفِ

سلْ الطَّفَّ عنهُمْ أينَ بالأمسِ طنَّبُوا   وأينَ اسْتَقلُّوا اليومَ عنْ عرْصَةِ الطَّفِّ

* * *

المجلس الرابع والثمانون بعد المئة

روى الشيخ المفيد ـ عليه الرحمة ـ في كتاب الإختصاص ، بسنده قال :


الصفحة (107)

قَدِم وفد العراقيّين على معاوية ، فقدم في وفد أهل الكوفة عدي بن حاتم الطائي ، وفي وفد أهل البصرة الأحنف بن قيس وصعصعة بن صوحان ، فقال عمرو بن العاص لمعاوية : هؤلاء رجال الدّنيا ، وهم شيعة علي الذين قاتلوا معه يوم الجمل ويوم صفّين ، فكن منهم على حذر .

فأمر لكلِّ رجل منهم بمجلس سري واستقبل القوم بالكرامة ، فلمّا دخلوا عليه ، قال لهم : أهلاً وسهلاً ، قدمتم الأرض المقدّسة ، وأرض الأنبياء والرُّسل ، والحشر والنّشر . فتكلّم صعصعة ، وكان من أحضر النّاس جواباً ، فقال : أمّا قولك الأرض المقدّسة ، فإنّ الأرض لا تُقدّس أهلها ، وإنّما تُقدّسهم الأعمال الصالحة ؛ وأمّا قولك أرض الأنبياء والرسل ، فمَنْ بها من أهل النّفاق والشرك ، والفراعنة والجبابرة ، أكثر من الأنبياء والرسل ؛ وأمّا قولك أرض الحشر والنّشر ، فإنّ المؤمن لا يضرّه بُعد المحشر ، والمنافق لا ينفعه قربُه .

فقال معاوية : لو كان النّاس كلّهم أولدهم أبو سفيان ، لا كان فيهم إلاّ كيّساً رشيداً . فقال صعصعة : قد أولد النّاس مَن كان خيراً من أبي سفيان ، وهو آدم أبو البشر ، فأولد الأحمق ، والفاجر والفاسق ، والمعتوه والمجنون . فخجل معاوية .

وروى المفيد أيضاً في الكتاب المذكور ، بسنده عن السائب قال : خطب النّاس يوماً معاوية بمسجد دمشق ـ وفي الجامع يومئذ من الوفود علماء قريش ، وخطباء ربيعة ، وصناديد اليمن وملوكها ـ فقال : إنّ الله تعالى أكرم خلفاءه ، فأوجب لهم الجنّة وأنقذهم من النّار ، ثمّ جعلني منهم ، وجعل أنصاري أهل الشام الذابّين عن حرم الله ، المؤيَّدين بظفر الله ، المنصورين على أعداء الله .

وكان في الجامع من أهل العراق الأحنف بن قيس وصعصعة بن صوحان ، فقال الأحنف لصعصعة : أتكفيني ، أمْ أقوم إليه أنا ؟ فقال صعصعة : بل أكفيكه أنا . فقام صعصعة ، فقال : يابن أبي سفيان ، تكلّمت فأبلغت ولم تقصر دون ما أردت ، وكيف


الصفحة (108)

يكون ما تقول وقد غلبتنا قسراً ، وملكتنا تجبّراً ، ودِنتنا بغير الحقّ ؟ فأمّا إطراؤك لأهل الشام ، فما رأيت أطوع لمخلوق ولا أعصى لخالق منهم ، ابتعت منهم دينهم وأبدانهم بالمال ، فإنْ أعطيتهم حاموا عنك ونصروك ، وإنْ منعتهم قعدوا عنك ورفضوك . قال معاوية : اسكت يابن صوحان ، فوالله ، لولا أنّي لمْ اتجرّع غصةَ غيظٍ قط أفضل من حلم ، لَما عدتَ إلى مثل مقالتك . فقعد صعصعة ، فأنشأ معاوية يقول :

قبِلتُ جاهلَهُمْ حِلماً ومكْرُمةً   والحلمُ عنْ قُدرةٍ فضلٌ مِنَ الكَرَمِ

وهذا الحلم الذي كان يظهره معاوية ، إنّما كان حيث تقتضيه السّياسة ويخاف من عاقبة البطش ، وإلاّ فما باله قتل حِجر بن عدي وأصحابه ؟ وعمرو بن الحمق وأمثاله ؟ وبعث أحد أصحاب حِجر إلى زياد فدفنه حيّاً ـ كما رواه ابن الأثير ـ بعدما كان أمّن هؤلاء كلّهم ؟ وحُمل عبد الله بن هاشم المرقال إليه مُكبّلاً بالحديد ؟ ونادى مناديه بعد صلح الحسن (عليه السّلام) : أنْ برئت الذمّة ممّن يروي حديثاً من مناقب علي وفضل أهل بيته ؟!

واستعمل زياداً على الكوفة والبصرة ، فجعل يتتبّع الشيعة ويقتلهم تحت كلّ حجر ومدر ، وأخافهم ، وقطّع الأيدي والأرجل ، وصلبهم في جذوع النخل ، وسَمل أعينهم ، وطردهم وشرّدهم حتّى نُفوا من العراق ، فلم يبقَ بها أحد معروف ، وكتب إلى عمّاله بقتلهم على التهمة والظنّة .

واقتدى به ولده يزيد ، فولّى الكوفة والبصرة عبيد الله بن زياد ، كما ولاّهما أبوه زياداً ، فقتل الشيعة وأخافهم ، وصلبهم في جذوع النخل ، كما فعل بميثم التمّار وأمثاله ، حتّى آل أمره إلى قتل مسلم بن عقيل ورميه من أعلى القصر ، وإلى قتل ريحانة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الحسين (عليه السّلام) وأهل بيته وأصحابه ، ومنعه من الماء ، ورضّ جسده الشريف بعد القتل بحوافر الخيل ، وحمل رأسه ورؤوس أصحابه من بلد إلى بلد ، وسبي نساء


الصفحة (109)

بيت النّبوّة والرسالة ، ومقابلته لهنّ بأفظِّ القول وأجفاه .

بَنى لَهُمُ الماضونَ آساسَ   هَذِهِ فَعَلّوا عَلى آساسِ تِلكَ القَواعِدِ

أَلا لَيسَ فِعلُ الأَوَّلينَ وَإِنْ    عَلا عَلى قُبحِ فِعلِ الأَخَرينَ بِزائِدِ

* * *

المجلس الخامس والثمانون بعد المئة

في العقد الفريد : لمّا قدم عقيل بن أبي طالب على معاوية ، أكرمه ، وقضى حوائجه وقضى دينه ، ثمّ قال له يوماً : إنّ عليّاً قطع قرابتك وما وصلك . قال عقيل : والله ، لقد أجزل العطيّة وأعظمها ، ووصل القرابة وحفظها ، وحسن ظنّه بالله إذ ساء به ظنّك ، وحفظ أمانته وأصلح رعيته إذ خنتم وأفسدتم وجرتم ، فاكففْ لا أباً لك ! فإنّه عمّا تقول بمعزل .

وقال معاوية يوماً ، وعقيل عنده : هذا أبو يزيد ، لولا علمه أنّني خير له من أخيه ، لَمَا أقام عندنا وتركه . فقال عقيل : أخي خيرٌ لي في ديني ، وأنت خيرٌ لي في دنياي ، وقد آثرت دنياي ، وأسأل الله خاتمة خير . وقال له يوماً : أنتم يا بني هاشم ، تُصابون في أبصاركم ! ـ وكان عقيل مكفوف البصر ـ فقال : وأنتم يا بني اُميّة ، تصابون في بصائركم .

ودخل عقيل يوماً على معاوية ، فقال معاوية لأصحابه : هذا عقيل عمّه أبو لهب . فقال عقيل : وهذا معاوية عمّته حمّالة الحطب . وقال له معاوية : أين ترى عمّك أبا لهب ؟ فقال عقيل : إذا دخلت النّار ، فخذ على يسارك ، تجده مفترشاً عمّتك حمّالة الحطب ، فانظر أيّهما شر ؟

وروى المدائني قال : قال معاوية يوماً لعقيل بن أبي طالب : هل


الصفحة (110)

من حاجة فأقضيها لك ؟ قال : نعم ، جارية عرضت عليّ وأبى أصحابها أنْ يبيعوها إلاّ بأربعين ألفاً . فأحبّ معاوية أنْ يُمازحه ، فقال : وما تصنع بجارية قيمتها أربعون ألفاً ، وأنت أعمى تجتزي بجارية قيمتها خمسون درهماً ؟ قال عقيل : أرجو أنْ تلد لي غُلاماً ، إذا أغضبتَه يضرب عنقك بالسّيف . فضحك معاوية ، وقال : مازحناك يا أبا يزيد . وأمر فابتعيت له الجارية التي أولد منها مُسلماً !(1)

 فلمّا أتت على مسلم ثماني عشرة سنة ، وقد مات أبوه عقيل ، قال لمعاوية : إنّ لي أرضاً بمكان كذا في المدينة ، وإنّي اُعطيت بها مئة ألفٍ وقد أحببت أنْ أبيعك إيّاها ، فادفع إليّ ثمنها . فأمر معاوية بقبض الأرض ودفع الثمن إليه ، فبلغ ذلك الحسين (عليه السّلام) ، فكتب إلى معاوية : (( أمّا بعد ، فإنّك غررت غُلاماً من بني هاشم ، فابتعت منه أرضاً لا يملكها ، فاقبض من الغُلام ما دفعته إليه ، واردد إلينا أرضنا )) . فبعث معاوية إلى مسلم فأخبره ذلك ، وأقرأه كتاب الحسين (عليه السّلام) ، وقال : اردد علينا مالنا ، وخُذ أرضك ؛ فإنّك بِعت ما لا تملك . فقال مسلم : أمّا دون أنْ أضرب رأسك بالسّيف فلا . فاستلقى معاوية ضاحكاً يضرب برجليه ، ثمّ قال : يا بُني ، هذا والله ، كلامٌ قاله لي أبوك حين ابتعت له اُمّك . ثمّ كتب إلى الحسين (عليه السّلام) : إنّي قد رددت عليكم الأرض ، وسوّغت مسلماً ما أخذ .

ومناقب مسلم وفضائله كثيرة ، وشجاعته عظيمة شهيرة ، وهو الذي قال في حقّه الحسين (عليه السّلام) لمّا بعثه إلى أهل الكوفة ، فكتب إليهم : (( أنا باعثٌ إليكم أخي وابنَ عمّي وثقتي من أهل بيتي ، مسلم بن عقيل )) . وهو الذي أجاب عبيد الله بن زياد بتلك الأجوبة العظيمة ، وذلك حين اُخذ مسلم أسيراً واُدخل على ابن زياد ، فقال له الحرسيّ : سلّم على الأمير . فقال : اسكت ويحك ! والله ، ما هو لي بأمير . قال ابن زياد : لا عليك ، سلّمت أم لمْ تسلّم فإنّك مقتول . فقال له مسلم : إنْ قتلتني ، فلقد قتل مَن هو شرّ منك مَن هو خيرٌ

 ـــــــــــــــــــــــــ

(1) لا يخفى ما في الرّواية من منافاة ـ إنْ صحّت ـ بين ما ورد فيها ، وبين ولادة مسلم السّابقة لوفود أبيه عقيل على معاوية أيام خلافة أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، اللهمّ الاّ اذا قلنا بوفود عقيل هذا زمن عمر أو عثمان ووقعت الحادثة آنذاك ، وإنْ كان هذا بعيداً أيضاً ؛ خصوصاً بعدما وجدنا لمسلم هذا حضوراً في الفتوحات أيام عمر بن الخطاب . ( موقع معهد الإمامَين الحسنَين )


الصفحة (111)

منّي . فقال له ابن زياد : قتلني الله إنْ لمْ أقتلك قتلة لم يقتلها أحد في الإسلام . فقال له مسلم : أما إنّك أحقّ مَن أحدث في الإسلام ما لمْ يكن ، وإنّك لا تدع سوء القتلة وقبح المُثلة ، وخبث السّريرة ولؤم الغلبة لأحد أولى بها منك . فقال ابن زياد : يا عاق يا شاق ، خرجت على إمامك ، وشققت عصا المسلمين ، وألقحت الفتنة . فقال مسلم : كذبت إنّما شقّ عصا المسلمين معاوية وابنه يزيد ، وأمّا الفتنة فإنّما ألقحتها أنت وأبوك . فقال ابن زياد : منّتك نفسك أمراً حال الله دونه ، وجعله لأهله . فقال له مسلم : ومَن أهله يابن مرجانة إذا لم نكن نحن أهله ؟! فقال ابن زياد : أهله أمير المؤمنين يزيد . فقال مسلم : الحمد لله على كلّ حال ، رضينا بالله حكماً بيننا وبينكم . فقال له ابن زياد : أتظنّ أنّ لك في الأمر شيئاً ؟ فقال له مسلم : والله ، ما هو الظنّ ولكنّه اليقين .

فقال له ابن زياد : أتيت النّاس وهم جميع ، فشتتّ أمرهم ، وفرّقت كلمتهم . قال : كلاّ لست لذلك أتيت ، ولكنّكم أظهرتم المنكر ودفنتم المعروف ، وتأمّرتم على النّاس بغير رضىً منهم ، وعملتم فيهم بأعمال كسرى وقيصر ؛ فأتيناهم لنأمرهم بالمعروف وننهى عن المنكر . فقال له ابن زياد : لِم لمْ تعمل بذلك إذ أنت بالمدينة تشرب الخمر ؟ قال مسلم : أنا أشرب الخمر ؟! أما والله ، إنّ الله ليعلم أنّك تعلم أنّك غير صادق ، وأنّ أحقّ بشرب الخمر منّي مَنْ يقتل النّفس التي حرّم الله على الغضب ، والعداوة ، وسوء الظن . فاقبل ابن زياد يشتمه ويشتم عليّاً والحسن والحسين (عليهم السّلام) وعقيلاً ، فقال له مسلم : أنت وأبوك أحقّ بالشتيمة ، فاقضِ ما أنت قاضٍ يا عدوّ الله .

فقال ابن زياد : اصعدوا به فوق القصر واضربوا عنقه . فصعد به بكر بن حمران ، وهو يكبّر ويستغفر الله ويُسبّحه ، ويصلّي على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، ويقول : اللهمّ ، احكم بيننا وبين قوم غرّونا وكذّبونا وخذلونا . فضرب عنقه واتبع رأسه جسده .

فلمّا بلغ خبره الحسين (عليه السّلام) ، استعبر


الصفحة (112)

باكياً ، ثمّ قال : (( رحم الله مُسلماً ، فلقد صار إلى رَوح الله وريحانه ، وتحيّاته ورضوانه ، أما أنّه قد قضى ما عليه وبقي ما علينا )) . ثمّ أنشأ يقول :

فـإنْ تـكُنْ الدُّنيا تـُعدُّ نـفيسةً   فـإنّ ثـوابَ اللهِ أعـلى وأنـبلُ
وإنْ تـكُنْ الأبـدانُ للموتِ اُنشئتْ   فقتلُ امرئٍ بالسّيفِ في اللهِ أفضلُ
وإنْ تـكُنْ الأرزاقُ قِـسْماً مُقدّراً   فقلّةُ حِرصِ المرءِ في السَّعي أجملُ
وإنْ تـكُنْ الأمـوالُ للتّركِ جَمعُها   فـما بـالُ متروكٍ به المرءُ يبخلُ

* * *

المجلس السّادس والثمانون بعد المئة

ذكر غير واحد من المؤرّخين ، منهم : ابن أبي الحديد في ( شرح نهج البلاغة) : إنّ عبد الله بن الزّبير لمّا قطع ذكر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من الخطبة ، لامهُ النّاس ، فقال : إنّ له اُهيلَ سوءٍ ، إذا ذكرته أتلعوا أعناقهم(1) ، فاُحبّ أنْ أكبتهم . وعاتبه قوم من خاصّته على ذلك ، فقال : ما تركته علانيّة إلاّ وأنا أقوله سرّاً ، ولكنّي رأيت بني هاشم إذا سمعوا ذكره ، أشرأبّوا واحمرّت ألوانهم وطالت رقابهم ، والله ، ما كنت آتي لهم سروراً وأنا اقدر عليه . . . إلى أنْ قال : بيت سوء لا أوّل لهم ولا آخر .

فبلغ ذلك ابن عبّاس ، فخرج مغضباً ومعه ابنه حتّى أتى المسجد ، فصعد المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ، وصلّى على رسوله (صلّى الله عليه وآله) ، ثمّ قال : أيّها النّاس ، إنّ الزّبير يزعم أنّه لا أوّل لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) ولا آخر ، فيا عجباً كلّ العجب لافترائه وكذبه ! إنّ أوّل مَن أخذ الإيلاف وحمى عِيرَ قريشٍ لهاشم ، وإنّ أوّل مَن سقى بمكة عَذِباً ، وجعل باب الكعبة ذهباً

_____________________

(1) أي : رفعوا أعناقهم .


الصفحة (113)

لعبد المطلب ، والله ، لقد نشأت ناشئتنا مع ناشئة قريش ، وإنّا كنّا لقالتهم إذا قالوا ، وخطباءهم إذا خطبوا ، وما عُدّ مجدٌ كمجد أوّلنا ، ولا كان في قريش مجد لغيرنا ؛ لأنّها كانت في كفر ماحق ودين فاسق ، وضلة وضلالة ، في عشواء عمياء حتّى اختار الله لنا نوراً ، وبعث لنا سراجاً ، فانتجبه طيّباً من طيّبين ، فكان أحدَنا وولدَنا ، وعمَّنا وابنَ عمّنا . ثمّ إنّ أسبق السابقين إليه منّا ابن عمنّا ، ثُمّ تلاه في السّبق أهلنا ولحمتنا ، واحداً بعد واحد ، ثمّ إنّا لَخير النّاس بعده ؛ أكرمهم أدباً ، وأشرفهم حسباً ، وأقربهم منه رحماً .

وأعجباً كلّ العجب لابن الزّبير ! يَعيب بني هاشم ، وإنّما شرُفَ هو وأبوه وجدّه بمصاهرتهم ! أما والله ، إنّه لمسلوب قريش ، ومتى كان العوّام بن خويلد يطمع في صفيّة بنت عبد المطلب ؟ قيل للبغل : مَن أبوك ؟ فقال : خالي الفرس . ثمّ نزل .

وخطب ابن الزّبير بمكّة ، وابن عباس تحت المنبر ، فقال : إنّ ههنا رجلاً قد أعمى الله قلبه كما أعمى بصره ؛ يُفتي في القملة والنّملة ، وقد قاتل اُمّ المؤمنين وحواري رسول الله (صلّى الله عليه وآله) . فقال ابن عباس لقائده : استقبل بي وجه ابن الزّبير ، وارفع من صدري ـ وكان قد كُفّ بصرُه ـ . فاستقبل به وجهه ، فحسر عن ذراعيه ، ثمّ قال : يابن الزّبير :

قدْ أنصفَ القارَةَ مَنْ رامَاهَا   إنّا إذا مـا فـئةً نلـقـاهَا

نردُّ اُولاهَا علـى اُخـراهَا   حتّى تصيرَ حَرضاً دَعْواها

فأمّا العمى ، فإنّ الله تعالى يقول : ( فَإِنّهَا لاَ تَعْمَى‏ الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَي الْقُلُوبُ الّتِي فِي الصّدُور )(1) ؛ وأمّا فُتياي في القملة والنّملة ، فإنّ فيهما [ حكمين ] لا تعلمهما أنت ولا أصحابك ؛ وأمّا قتالنا اُمّ المؤمنين ، فبنا سُمّيت اُمّ المؤمنين ، لا بك ولا بأبيك ، فانطلق أبوك وخالك إلى حجاب مدّه الله عليها ، فهتكاه عنها ، ثمّ اتخذاها فتنة يقاتلان دونها ، وصانا حلائلهما ، فلا

_____________________

(1) سورة الحجّ / 46 .


الصفحة (114)

أنصفا الله ولا محمّداً من أنفسها ؛ إذ أبرزا زوجة نبيّهما وصانا حلائلهما .

وأمّا قتالنا إيّاكم ، فإنّا لقيناكم زحفاً ، فإنْ كنّا كفّاراً ، فقد كفرتم بفراركم منّا ، وإنْ كنّا مؤمنين ، فقد كفرتم بقتالكم إيّانا . وأيَم الله ، لولا مكان صفيّة فيكم ، ومكان خديجة فينا ، لَمَا تركت لبني أسد بن عبد العُزّى عظماً إلاّ كسرتُه . فقال في ذلك أيمن بن خريم الأسدي :

يـا بـنَ الزُّبيرِ لقدْ لاقيتَ بائقةً   من البوائقِ فالطُفْ لُطفَ مُحتالِ
لاقـيْتهُ هـاشميّاً طـاب مَـنْبتُهُ   فـي مـغرسيهِ كريمَ العمِّ والخالِ
مـا زالَ يقرعُ منكَ العظْمَ مُقتَدِراً   على الجوابِ بصوتٍ مُسمعٍ عالي
حـتّى رأيتُكَ بينَ النّاسِ مُحتَجِراً   خلفَ الغبيطِ وكُنتَ الباذخَ العالي
إنّ ابـنَ عبّاسٍ المعْرُوفُ حكمتُهُ   خـيرُ الأنـامِ له حالٌ مِنَ الحالِ
لـمّا رمـاكَ على رُسلٍ بأسْهُمِهِ   جرتْ عليكَ كسوفُ الحالِ والبالِ
واعـلمْ بأنّكَ إنْ عاودْتَ عيبتَهُ   عـادَتْ عـليكَ مخازٍ ذاتِ أذيالِ

فرحم الله ابن عبّاس ، فلقد كان من علماء بني هاشم وخطبائهم ، وله مواقف مشهورة ، ومقامات معدودة في نُصرة أمير المؤمنين (عليه السّلام) وولده ، والذبّ عن حوزة الحقّ ، وفي المناظرة والاحتجاج مع عائشة اُمّ المؤمنين بالبصرة ، ومع أهل النّهروان ، ومع معاوية وابن العاص وابن الزّبير وغيرهم .

وكان أمير المؤمنين (عليه السّلام) يبعثه في المهمات ، واختاره للحكومة يوم الحكمين فأبى أهل العراق ، وكان تلميذ أمير المؤمنين (عليه السّلام) وبه تخرّج ومنه تعلّم ، وكان مُخلصاً في ولائه وولاء ذرّيّته . ولمّا حضرته الوفاة ، قال : اللهمّ ، إنّي أتقرّب إليك بولائي لعلي بن أبي طالب (عليه السّلام) . وكان يمسك بركاب الحسنين (عليهما السّلام) حتّى يركبا ، ويقول : هُما ولدا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) .

وقال له معاوية لمّا قُبض الحسن (عليه السّلام) : أصبحت سيّد بني هاشم . فقال : أما وأبو عبد الله حيّ فلا . ولمّا عزم


الصفحة (115)

الحسين (عليه السّلام) على الخروج إلى العراق ، جاءه عبدالله بن عباس فنهاه عن الخروج ، فقال (عليه السّلام) : (( أستخير الله وانظر ما يكون )) . ثمّ أتاه مرّة ثانية فأعاد عليه النَهي ، وقال : إنْ أبيت إلاّ الخروج فاخرج إلى اليمن . فقال الحسين (عليه السّلام) : (( يابن عمّ ، والله ، إنّي لأعلمُ أنّك ناصحٌ مشفق ، وقد ازمعتُ وأجمعت المسير )) . فخرج ابن عبّاس ومرّ بابن الزّبير ، وأنشد :

يا لكِ مـنْ قُبَّـرةٍ بمَعْمَرِ   خلا لكِ الجوُّ فبيضِي واصفرِي

ونقِّري ما شِئْتِ أنْ تُنقِّري   هذا حسينٌ خـارجٌ فأبـشِـري

ثُمّ أتاه هو وابن الزّبير ، وأشار عليه بالإمساك عن المسير إلى الكوفة ، فقال لهما : (( إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قد أمرني بأمرٍ وأنا ماضٍ فيه )) . فخرج ابن عبّاس ، وهو يقول : وا حُسيناه !

ولمّا دعاه ابن الزّبير ـ بعد قتل الحسين (عليه السّلام) ـ إلى بيعته فامتنع ، وكتب إليه يزيد يشكره على ذلك ، ويَعدُه البرّ والصّلة ، كتب ابن عبّاس إلى يزيد ذلك الكتاب العظيم ، الذي يقول من جملته : إنّك تسألني نصرتك وقد قتلتَ حسيناً (عليه السّلام) وفتيان عبد المطّلب مصابيح الهدى ونجوم الأعلام ، غادرتْهم خيولك بأمرك في صعيد واحد ، مرمّلين بالدّماء ، مسلوبين بالعراء ، لا مُكفّنين ولا موسّدين ، تسفي عليهم الرياح وتنتابهم عرج الضّباع ، وما أنسى من الأشياء فلستُ بناسٍ طردك حسيناً (عليه السّلام) من حرم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إلى حرم الله ، وتسييرك إليه الرجال لتقتله في الحرم .

ألا وإنّ من أعجب الأعاجيب ، وما عسى أنْ أعجب ، حملك بنات عبد المطّلب وأطفالاً صغاراً من ولده إليك بالشام كالسبي المجلوب .

نصرتَ ابنُ عبّاسٍ حسينَ بنَ فاطمٍ   بحدِّ لسانٍ ما عنْ السّيفِ يَنقصُ

دعـتْكَ إليه شِيـمةٌ هـاشـمـيّةٌ   فحقّاً لأنتَ الهاشميُّ المُخـلَصُ

الصفحة (116)

المجلس السّابع والثمانون بعد المئة

روى المُرزُباني : أنّ عبد الله بن العبّاس ـ رضي الله عنه ـ مرّ بمكّة ـ بعدما كُفّ بصره ـ بصفة زمزم ، وإذا قوم من أهل الشام يسبّون عليّاً (عليه السّلام) ، فوقف عليهم ، فقال : أيّكم السّاب الله ؟ قالوا : سبحان الله ! ما فينا أحد سبّ الله . قال : فأيّكم السّاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ؟ قالوا : سبحان الله ! ما فينا أحد سبّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) . قال : فأيّكم السّاب علي بن أبي طالب (عليه السّلام) ؟ قالوا : أمّا هذا فقد كان . قال : أشهد على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لسمعتُه يقول : (( مَن سبّ عليّاً فقد سبّني ، ومَن سبّني فقد سبّ الله ، ومَن سبّ الله أكبّه الله على منخره في نار جهنّم )) . ثمّ توّلى عنهم . فقال لابنه : كيف تراهم ؟ فقال له ابنه :

نَظَرُوا إليك بأعْينٍ مُحمرَّةٍ   نظرَ التّيوسِ إلى شفارِ الجازِرِ

فقال لابنه : زدني . فقال :

خزرُ العُيونِ نواكسٌ أبصارُهُمْ   نظًرُ الذَّليلِ إلى العزيزِ القاهِرِ

فقال له : زدني . فقال : ليس عندي زيادة . فقال عبد الله :

أحياؤُهُمْ عارٌ على أمواتِهمْ   والميِّتونَ مسبَّةٌ للغابِرِ

وكان ابن عباس ـ رحمه الله ـ مبرّزاً في الفقه والتفسير ، والشعر والأنساب ، وأيام العرب ووقائعها ، وكان يُسمّى الحَبْر ؛ لكثرة علمه ، وكان فصيحاً قوي الحُجّة ، ثابت الجنان ، وله مواقف مشهورة في ذلك مع معاوية وعبد الله بن الزّبير وعائشة ، ومع الخوارج وغيرهم ، وشهد مع أمير المؤمنين (عليه السّلام) حروب الجمل وصفّين والنّهروان . وأراد علي (عليه السّلام)


الصفحة (117)

 أنْ يختاره يوم الحكمين ، فلمْ يمكّنه أهل العراق من ذلك . ونظر إليه معاوية يوماً ، وهو يتكلم ، فقال : متمثّلاً :

إذا قالَ لَمْ يتْـرُكْ مقـالاً لقائلٍ   مُصيبٍ ولَمْ يَثنِ اللّسانَ على هُجرِ

يُصرِّفُ بالقولِ اللّسانَ إذا انْتَحَى   وينظرُ في أعْطَافِهِ نَظَـرَ الصَّقْـرِ

وكُفّ بصره في آخر عمره ، فقال :

إنْ يأخـذْ اللهُ منْ عينيَّ نُورَهُمَا   ففي لسانِـي وقَلبِـي منهُما نُورُ

قلبِي ذكيٌّ وعقلي غيرُ ذي دَخَلٍ   وفي فمي صارمٌ كالسَّيفِ مأثُورُ

وهو الذي كتب إلى يزيد بن معاوية ـ بعد قتل الحسين (عليه السّلام) ـ ذلك الكتاب العظيم ، وذلك أنّ عبد الله بن الزّبير ـ بعد قتل الحسين (عليه السّلام) ـ دعا ابن عبّاس إلى بيعته ، فامتنع ، فظنّ يزيد أنّ امتناعه تمسك منه ببيعته ، فكتب إليه كتاباً يشكره فيه على ذلك ، ويَعده البرّ والصلة .

فأجابه ابن عبّاس بكتاب يقول فيه : أتراني ناسياً لك قتل الحسين بن علي (عليهما السّلام) وفتيان بني عبد المطلب ، مضرَّجين بالدماء ، مسلوبين بالعراء ، تسفي عليهم الرياح وتنتابهم الذئاب والضّباع حتّى أتاح الله لهم قوماً أجنوهم . ومهما نسيتُ فما أنسى لك طرد الحسين (عليه السّلام) من حرم الله ، وكتابك إلى ابن مرجانة أنْ يتلّقاه بالجيوش طمعاً في قتله . وإنّي لأرجو أنْ يأخذك الله حين قتلت ذرّيّة نبيّه (صلّى الله عليه وآله) ، [ الذين ] أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً ، لا كآبائك الأجلاف الجفاة ، أشباه الحمير . فطلب إليكم الحسين (عليه السّلام) الموادعة ، فاغتنمتم قلّة أنصاره وأعوانه ، فتعاونتم عليه كأنّكم قتلتم أهل بيتٍ من التُرك .

ولا شيء أعجب عندي من طلبك وُدّي وقد قتلتَ وُلدَ أبي ، وسيفك يقطر من دمي ، وأنت أحد ثأري ! فإنْ شاء الله لا يُطلّ لديك دمي ، ولا


الصفحة (118)

تسبقني بثأري ، وإنْ سبقتني في الدّنيا فقبل ذلك ما قُتل النبيّون وأبناء النبيّين ، والله الطالب بدمائهم ، وكفى بالله للمظلومين ناصراً ، ومن الظالمين منتقماً .

إلى أنْ قال : ألا وإنّ من أعجب العجب ، وما عسى أنْ أعجب ، حملك آل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأطفالاً صغاراً من ولده إليك إلى الشام كالاُسارى المجلوبين ، تُري الأوباش ومَن خرج عن ملّة جدّهم (صلّى الله عليه وآله) أنّك قهرتنا وأنك تمنّ علينا ، وبنا مَنّ الله عليك وعلى أبيك ! ولَعمر الله ، لئن تُصبح آمناً من جراحة يدي فقد عظّم الله جرحك من لساني ، ونقضي وإبرامي . والله ، ما أنا بآيس من بعد قتلك عترة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنْ يأخذك الله أخذاً أليماً ، ويُخرجك من الدّنيا مذموماً مدحوراً ، فعش لا أباً لك ما استطعت ، فقد والله ، أرداك ما اقترفت ، والسّلام على من اتّبع الهدى .

 إذا مـا ابنُ عبّاسٍ بدَا لكَ وجهُهُ   رأيـتَ لهُ في كلِّ أحوالِهِ فَضْلا
إذا قـالَ لـمْ يـتْرُكْ مقالاً لقائلٍ   بـمُنتظماتٍ لا ترَى بينَها فَصْلا
كفَى وشفَى ما في النُّفوسِ فلَمْ يدعَْ   لذي إربةٍ في القولِ جدَّاً ولا هَزْلا

* * *

المجلس الثامن والثمانون بعد المئة

قال الله تعالى في كتابه العزيز : ( إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً )(1) .

قال السّيوطي في كتاب الدرّ المنثور في تفسير كتاب الله بالمأثور : أخرج ابن جَرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والطبراني ، وابن مردويه ، عن اُمّ سلمة ـ زوج النّبي (صلّى الله عليه وآله) ـ أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كان ببيتها على منامة له ، عليه كساء خيبري ، فجاءت فاطمة ببرمة(2)

________________________

(1) سورة الأحزاب / 32 .

(2) أي : إناء مخصوص .


الصفحة (119)

 فيها خزيرة(1) .

وفي رواية للطبراني : جاءت فاطمة (عليها السّلام) إلى أبيها بثريدة تحملها في طبق لها حتّى وضعتها بين يديه ، فقال (صلّى الله عليه وآله) لها : (( أين ابنُ عمِّك ؟ )) . قالت : (( هو في البيت )) . قال (صلّى الله عليه وآله) : (( اذهبي ، فادعيه وابنيك حسناً وحسيناً )) .

فجاءت تقود ابناها ، كلّ واحد منهما في يد ، وعليٌّ يمشي في إثرهما حتّى دخلوا على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، فاجلسهما في حجره ، وجلس علي (عليه السّلام) عن يمينه ، وجلست فاطمة (عليها السّلام) عن يساره . فبينما هم يأكلون ، إذ نزلت على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : ( إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً )(2) . فأخذ النّبي (صلّى الله عليه وآله) بفضلة إزاره فغشاهم إيّاها ، ثمّ أخرج يده من الكساء وأومأ بها إلى السّماء ، ثمّ قال : (( هؤلاء أهل بيتي وخاصّتي ، فاذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً )) . قالها ثلاث مرات . قالت اُمّ سلمة : فأدخلت رأسي في السّتر ، فقلت : يا رسول الله ، وأنا معكم ؟ قال (صلّى الله عليه وآله) : (( إنّك إلى خير )) . مرّتين .

وفي رواية : فرفعت الكساء لأدخل معهم ، فجذبه من يدي ، وقال (صلّى الله عليه وآله) : (( إنّك إلى خير )) . وفي رواية : قالت اُمّ سلمة : فأنا معكم يا رسول الله ؟ قال (صلّى الله عليه وآله) : (( أنت مكانك ، وإنّك على خير )) .

قال : وأخرج ابن مردويه ، عن أبي سعيد الخدري قال : لمّا دخل علي بفاطمة (عليهما السّلام) ، جاء النّبي (صلّى الله عليه وآله) أربعين صباحاً إلى بابها ، يقول : (( السّلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته . الصلاة رحمكم الله ، إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً . أنا حربٌ لمَنْ حاربتم ، وأنا سلمٌ لمَنْ سالمتم )) .

قال : وأخرج ابن جرير وابن مردويه ، عن أبي الحمراء [ قال ] : حفظت من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ثمانية أشهر بالمدينة ، ليس من مرّة يخرج إلى صلاة الغداة إلاّ أتى إلى باب علي (عليه السّلام) ، فوضع يده على جنبتي الباب ، ثمّ قال (صلّى الله عليه وآله) : (( الصلاة الصلاة ! إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً )) .

قال : وأخرج ابن مردويه ، عن ابن عبّاس [ قال ] : شهدنا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) تسعة أشهر ، يأتي كلّ يوم باب علي بن أبي طالب (عليه السّلام) وقت كلّ صلاة ، فيقول (صلّى الله عليه وآله) : (( السّلام

________________________

(1) أي : الثريد .

(2) سورة الأحزاب / 32 .


الصفحة (120)

عليكم ورحمة الله وبركاته أهل البيت ، إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً . الصلاة رحمكم الله )) . كلّ يوم خمس مرّات .

وفي أصحاب الكساء ، يقول الشاعر مخاطباً أمير المؤمنين (عليه السّلام) :

 أنتَ ثاني ذَوي الكِساءِ ولَعمْري   أفضلُ الخلقِ مَن حواهُ الكِساءُ

قال آخر :

 يُزاحمُهُ جبْريلُ تحتَ عباءةٍ   لها قيلَ: كلُّ الصَّيدِ في جانبِ الفرَا

وفيهم يقول المؤلّف :

وكانَ لهُمْ جبريلُ في الفضلِ سادِساً   وهُمْ خمسةٌ مِنْ فوقِهمْ مُدَّتْ العَبا

وفيهم يقول الآخر :

ذُرِّيَّةٌ مثلُ ماءِ المُزنِ قدْ طَهُرُوا   وطُهِّروا فصفتْ أخلاقُ ذاتِهمُ

وكفى شرفاً وفضلاً لأهل البيت (عليهم السّلام) نزول آية الطهارة فيهم ، شرف ما فوقه شرف ، وفضل لا يُدانيهِ فضل . فالويل ثمّ الويل لاُمّة أخّرتهم عن مقامهم ! ودفعتهم عن مراتبهم التي رتَّبهم الله فيها ! وظلمتهم وقتلتهم ! فمضى أمير المؤمنين علي (عليه السّلام) شهيداً بالسّيف في محرابه ، ومضت زوجتُه البضعة الزهراء ، سيّدة النّساء ، حزينة كئيبة مغضبة ، لَمْ تُرَ بعد وفاة أبيها ضاحكةً ولا كاشرةً :

وهـيَ العُرْوةُ التي ليسَ ينجُو   غـيرُ مُـسْتعصمٍ بحبلِ وَلاهَا
لـمْ يَـرَ اللهُ الـرِّسالةَ أجـراً   غـيرَ حفظِ الزَّهراءِ في قُرباهَا
فَمَضتْ وهيَ أعظمُ النّاسِ وجْدَاً   فـي فمِ الدَّهرِ غصةً منْ جواهَا
وثوَتْ لا يَرى لها النّاسُ مثوىً   أيُّ قُــدسٍ يـضمُّهُ مـثْواهَا

ومضى ولداها الحسن والحسين (عليهما السّلام) ، ريحانتا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وسيّدا


الصفحة (121)

شباب أهل الجنة ، أحدهما شهيداً بالسُمّ ، ومُنع من دفنه عند جدّه (صلّى الله عليه وآله) ، ومضى أخوه الحسين شهيداً بالسّيف ، غريباً ظامياً بأرض كربٍ وبلاءٍ ، وسُبيت عيالُه وأطفالُه ، وداروا برأسه في البلدان مِنْ فوق عالي السّنان .

ليـسَ هـذا لرسولِ اللهِ يا   اُمَّةَ الطُّغيـانِ والبغْـي جَزَا

* * *

فَعلْتـُم ْبأبناءِ النَّبيِّ ورهطِهِ   أفاعيلَ أدْناهَا الخيانةُ والغدْرُ

* * *

المجلس التاسع والثمانون بعد المئة

روى مسلم في ( صحيحه ) ، وأحمد بن حنبل في ( مسنده ) بسنديهما ، عن زيد بن أرقم قال : قام رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فينا خطيباً بماء يُدعى : خماساً ، بين مكّة والمدينة ، فحمد الله وأثنى عليه ، ووعظ وذكّر ، ثمّ قال (صلّى الله عليه وآله) : (( أمّا بعد ، أيّها النّاس ، فإنّما أنا بشر يوشك أنْ يأتيني رسول ربّي فاُجيب ، وأنا تاركٌ فيكم ثِقْلين ؛ أوّلهما كتاب الله فيه الهدى ، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به )) . فحثّ على كتاب الله ورغّب فيه ، ثمّ قال (صلّى الله عليه وآله) : (( وأهل بيتي ، اُذكّركم الله في أهل بيتي ! اُذكّركم الله في أهل بيتي ! اُذكّركم الله في أهل بيتي ! )) . فقال الراوي : ومَن أهل بيته يا زيد ؟ نساؤه من أهل بيته ؟ فقال : لا ، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده .

وروى مسلم حديث الثقلين بثلاثة طرق اُخرى ، وفي أحدهما قلنا : منْ أهل بيته نساؤه ؟ قال : لا ، إنّ المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر ، ثمّ يُطلّقها فترجع إلى أبيها وقومها . أهل بيته أصلُه وعصبته .

وأخرج أحمد بن حنبل في ( مسنده ) حديث الثقلين بعدّة طرق ، عن النّبي (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال : (( إنّي قد تركتُ فيكم ما إنْ أخذتم به ـ أو تمسكتم به ـ لنْ تضلَوا بعدي ، الثقلين


الصفحة (122)

أحدهما أكبر من الآخر ؛ كتاب الله عزَّ وجل حبلٌ ممدودٌ من السّماء إلى الأرض ، وعترتي أهل بيتي ، وإنّ اللطيف الخبير أخبرني أنّهما لَنْ يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض ، فانظروا بِمَ تُخلّفوني فيهما ؟ )) أو (( كيف تُخلّفوني فيهما ؟ )) .

دلّت هذه الأحاديث على عصمة أهل البيت (عليهم السّلام) ؛ لأنّه عليه الصلاة والسّلام أوجب التمسك بالعترة كما أوجب التمسك بالكتاب ، وأخبر أنّ المتمسك بهما لنْ يضلّ ، وأنّهما لنْ يفترقا ، فلا يفارق الكتاب العترةَ ، ولا تفارق العترةُ الكتابَ إلى يوم القيامة ، ولا يكون ذلك إلاّ مع عصمة العترة . فدلّ على أنّ المراد بالعترة : ليس جميع بني هاشم ؛ لأنّ كثيراً منهم تصدر منهم الذنوب ، ويفارقون القرآن ، فالمتمسك بهم لا يأمن من الضلال ، بل هم الأئمة الاثنا عشر ؛ للاتّفاق على عدم عصمة غيرهم من بني هاشم .

وقد دلّ قوله (صلّى الله عليه وآله) : (( أنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض )) . على وجود إمام معصوم من العترة في كلّ زمان ، ولا توجد هذه الصفة في غير الأئمة الاثني عشر بالاتّفاق . ولشدّة اهتمام النّبي (صلّى الله عليه وآله) بأهل بيته ، وتخوّفه من أنْ لا تقوم الاُمّة بواجب حقّهم ، كرّر قوله : (( اُذكّركم الله في أهل بيتي )) ثلاثاً .

وقال (صلّى الله عليه وآله) : (( فانظروا بِمَ تُخلّفوني فيهما ؟ )) . أنا اُخبرك يا رسول الله بما خلّفتك الاُمّة في أهل بيتك : قتلوا وصيَّك وصهرك وابن عمّك عليّاً (عليه السّلام) ، وهو في محرابه بعدما دفعوه عن حقّه ، وحاربوه وجرّعوه الغصص ، وسمّوا ولدك الحسن (عليه السّلام) حتّى تقيّأ كبده في الطست ، وقتلوا ولدك الحسين (عليه السّلام) أفظع قتلةٍ وأفجعها ، وسبوا ذرّيّتك وبناتك على أقتاب الجمال من بلد إلى بلد حتّى صار جلساء يزيد يطلبون منه بعض بنات النّبوّة أنْ تكون خادمة لهم ؛ وحتى قال له طغام أهل الشام لمّا استشارهم ما يصنع بأهل بيتك ؟ قالوا ممّا لا يطيق اللسان النّطق به .

وحُملت رؤوس أبنائك وذرّيّتك على الرماح ، وجعل ابن مرجانة وابن هند ينكتان ثغر ولدك الحسين (عليه السّلام) ، الذي


الصفحة (123)

طالما قبّلته وشممته ، بالخيزران .

جاشَتْ على آلهِ ما ارتاحَ واحدُهُمْ   منْ قهرِ أعداه حتّى ماتَ مَقْهُورا

قضَى أخوهُ خضيبَ الرأسِ وابْنتُهُ   غَضْبَى وسبطاهُ مَسْموماً ومنْحُورا

* * *

المجلس التسعون بعد المئة

قال ابن حجر في ( صواعقه ) : جاء من طرق عديدة كثيرة يقوّي بعضُها بعضاً ، عن النّبي (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال : (( إنّما مثل أهل بيتي فيكم ـ أو مثل أهل بيتي فيكم ـ كمثل سفينة نوح ، مَن ركبها نجا )) . وفي رواية مسلم : (( ومَن تخلّف عنها غرق )) . وفي رواية : (( هَلك )) . وأنّه قال : (( إنّما مثل أهل بيتي فيكم ـ أو مثل أهل بيتي ـ مثل باب حطّة في بني إسرائيل ، مَن دخله غُفر له )) .

وروى ابن حجر في (صواعقه) عن أحمد بن حنبل وغيره ، عن النّبي (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال : (( النّجوم أمانٌ لأهل السّماء ، إذا ذهبت النّجوم ذهبوا ، وأهل بيتي أمانٌ لأهل الأرض ، إنْ ذهب أهلُ بيتي ذهب أهل الأرض )) . وقال ابن حجر : إنّه صحّ عن النّبي (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال : (( النّجوم أمانٌ لأهل الأرض من الغرق ، وأهل بيتي أمانٌ لاُمّتي من الاختلاف )) .

ولله در القائل :

هُمُ السَّفينةُ فازَ الرَّاكبُونَ بهَا   ومَنْ تخلَّفَ عنها ضلَّ في تَيهِ

وقد ورد في عدّة روايات ، عن النّبي (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال : (( إنّي تارك فيكم ما إنْ تمسكتم به لنْ تضلّوا بعدي ، الثقلين ؛ كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليَّ الحوض ، فانظروا بما تُخلّفوني فيهما ؟ )) أو (( كيف تُخلّفوني فيهما ؟ )) .

أنا اُخبرك يا رسول الله ، إنّ اُمّتك لم يُخلّفوك


الصفحة (124)

بخير في عترتك وأهل بيتك ، تركوهم بين قتيل وشريد ، وأعظم ما فعلوه يا رسول الله ، قتلهم ولدك الحسين (عليه السّلام) ، ونساؤه ينظُرنّ إليه ، بعد أنْ منعوه من ماء الفرات الجاري ، تشربه اليهود والنّصارى ، وتلِغ فيه خنازير السّواد وكلابه ، وحملوا أبناءك ونساء أهل بيتك سبايا على أقتاب المطايا من بلد إلى بلد .

فَعلْتـُم ْبأبناءِ النَّبيِّ ورهطِهِ   أفاعيلَ أدْناهَا الخيانةُ والغدْرُ

فجئتُمْ بها بكراً عواناً ولمْ يكنْ   لها قبلَها مَثلاً عونٌ ولا بكرُ

 

المجلس الحادي والتسعون بعد المئة

ينبغ في الأزمان على تعاقبها نوابغ يمتازون عن سائر أهل زمانهم ، ولكن هؤلاء النوابغ متفاوتون في نبوغهم وصفاتهم التي ميّزتهم عمّن سواهم ، سُنّة الله في خلقه . ومهما تكثّر النابغون في الأزمان المتطاولة ، فنابغة الإسلام ، بل نابغة الكون المتفرّد في صفاته الفاضلة ومزاياه الكاملة ، في علمه وحلمه ، وسياسته وعدله ، وفصاحته وبلاغته ، وشجاعته وإقدامه ، وجهاده وصبره ، وجلده وقوته ، وأيده وزهده ، وعبادته واجتماع محاسن الأضداد فيه ؛ هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السّلام) ، ربيب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أكمل الخلائق ، وخرّيجُه .

ذات علي (عليه السّلام) ذاتٌ فذّة ، يعسر أو يمتنع على الإنسان ، مهما أطال ومهما دقّق ، أنْ يُحيط بجميع ما فيها من سموٍّ وتميّز على سائر الخلق . ومهما حاول الإنسان أنْ يُحيط بجميع صفاته قعد به العجز ، واستولى


الصفحة ( 125 )

عليه البهر ، ولكن لا يُترك الميسور بالمعسور .

نشأ علي (عليه السّلام) في حجر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وتأدّب بآدابه ورُبّي بتربيته ، وسبق النّاس إلى الإسلام . بُعث النّبي (صلّى الله عليه وآله) يوم الاثنين ، وأسلم عليٌّ (عليه السّلام) يوم الثلاثاء ، ثمّ أسلمت خديجة ، وأقام مع النّبي (صلّى الله عليه وآله) بعد البعثة ثلاثاً وعشرين سنة ، منها : ثلاث عشرة سنة في مكّة قبل الهجرة ، مشاركاً له في مِحنه كلّها ، متحملاً عنه أكثر أثقاله ، وعشر سنين بالمدينة بعد الهجرة يُكافح عنه ويُجاهد دونه ، وقتل الأبطال ، وضرب بالسيف بين يدي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وهو بين العشرين إلى الخمس والعشرين سنة .

هاجر إلى المدينة في المهاجرين الأوّلين ، وشهد بدراً واُحداً ، والخندق وبيعة الرّضوان ، وجميع المشاهد مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إلاّ تبوك ، وله في الجميع بلاء عظيم وأثر لم يكن لأحد من النّاس .

وإذا نظرنا إلى علمه ، وجدناه العالم الربّاني الذي يقول على ملاء من النّاس : (( سلوني قبل أنْ تفقدوني )) . ومَن ذا الذي يجرؤ من النّاس أنْ يقول هذا الكلام ، فوق المنبر ، على حشدٍ من اُلوف الخلق ؟ وما يُؤمنه أنْ يسأله سائل سؤالاً لا يكون عنده جوابه فيخجله فيه ، لا يجرؤ على هذا القول إلاّ مَن يكون واثقاً من نفسه بأنّ عنده جواب كلّ ما يُسأل عنه . وهل تنحصر المسألة في علم من العلوم ، أو ناحية من النّواحي حتّى يجرؤ أحد على هذا القول ، لا يكون مؤيَّداً بتأييد إلهي ، وواثقاً من نفسه كلّ الوثوق بأنّه لا يغيب عنه جواب مسألة مهما دقّت واُشكلت ؟ إنّ هذا المقام يقصر العقل عن الإحاطة به .

ويُسأل ، وهو على المنبر ، عن مسافة ما بين المشرق والمغرب ، فيُجيب بـ (( إنّه مسير يوم للشمس )) . ويُسأل عمّا بين


الصفحة ( 126 )

الحقّ والباطل ، فيقول : (( مسافة أربع أصابع ؛ الحقّ أنْ تقول رأيت بعيني ، والباطل أنْ تقول سمعت باُذني )) . ويُسأل عن رجلين جلسا يتغدّيان ، ومع أحدهما خمسة أرغفة ، ومع الآخر ثلاثة . فجلس معهما رجل وأكلوا الأرغفة الثمانية ، فطرح إليهما الرجل ثمانية دراهم عوضاً عمّا أكل . فقال صاحب الخمسة الأرغفة : لي خمسة دراهم ولك ثلاثة . فقال صاحب الثلاثة الأرغفة : لا أرضى إلاّ أنْ تكون الدراهم بيننا نصفّين .

فيحكم علي (عليه السّلام) : (( إنّ لصاحب الثلاثة درهماً واحداً ، ولصاحب الخمسة سبعة دراهم )) ؛ وذلك لأنّ الثمانية الأرغفة : أربعة وعشرون ثُلثاً ، لصاحب الثلاثة منها تسعة أثلاث ، أكل منها ثمانية وأكل الضيف واحداً ، ولصاحب الخمسة خمسة عشر ثُلثاً ، أكل منها ثمانية وأكل الضيف سبعة . فهذه المسألة لو أجاب عنها أمهر رجل في الحساب بعد طول الفكرة والرويّة ، وأصاب فيها ، لكان له الفخر .
 ويُؤتى عمر بن الخطاب بامرأة ولدت لستّة أشهر ، فيهّم برجمها ، فيقول له علي (عليه السّلام) : (( إنْ خاصمتك بكتاب الله خصمتك ؛ إنّ الله تعالى يقول : ( وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً )(1) . ويقول : ( وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ )(2) . فإنْ كانت مدّة الرّضاعة حولين كاملين ، والحمل والفصال ثلاثون شهراً ، كان الحمل فيها ستّة أشهر )) . فخلّى عمر سبيلها ، وثبت الحكم بذلك ، فعمل به الصحابة والتابعون ، ومَن أخذ عنهم إلى يومنا هذا .

ويُؤتى عمر بمجنونة زنت ، فيأمر بجلدها الحدّ ، فيقول له علي (عليه السّلام) : (( إنّ النّبي (صلّى الله عليه وآله) قد رفع القلم عن المجنون حتّى يفيق )) . فيقول عمر : فرّج الله عنك ، لقد كدتُ أهلك في جلدها .

ويُؤتى عمر بحامل قد زنت ، فيأمر برجمها ، فيقول له علي (عليه السّلام) : (( هبْ أنّ لك سبيلاً عليها ، أي سبيل لك على ما في بطنها ؟ احتط عليها

ــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الأحقاف / 15 .

(2) سورة البقرة / 233 .


الصفحة ( 127 )

حتّى تلد ، فإذا ولدت ، ووجدت لولدها مَن يكفّله ، فأقم عليها الحدّ )) . فيقول عمر : لا عشت لمعضلة لا يكون لها أبو الحسن .

ويجيء أبو الأسود الدُّؤلي فيُخبره بأنّه سمع مَن يُلحن في القرآن ، فيضع له أصول النّحو في كلمات معروفة ، ويقول له : (( انحُ هذا النّحو )) . فيزيد عليها أبو الأسود ، وتُضبط لغة العرب بعلم النَّحو إلى اليوم .

وإذا نظرنا إلى شجاعته ، وقد ضُربت بها الأمثال ، وجدنا أنّه باشر الحرب وعمره عشرون سنة أو فوقها بقليل ، وظهرت شجاعته الخارقة في مبيته على الفراش ليلة الغار ، والنّفر من قريش محيطون بالدار ليفتكوا بمَن في الفراش ، وظهرت شجاعته الخارقة أيضاً لمّا سار بالفواطم عند الهجرة ، وليس معه إلاّ أيمن بن اُمّ أيمن وأبو واقد الليثي ، فلحقه سبعة فرسان من قريش أمامهم جناح مولى حرب بن اُميّة ، فأهوى إليه جناح بالسّيف ، وهو فارس وعلي راجل ، فحاد علي (عليه السّلام) عن ضربته ، وضربه لمّا انحنى على كتفه فقطعه نصفّين حتّى وصلت الضربة إلى قربوس فرسه ، وانهزم الباقون .

وقتل يوم بدر الوليد بن عتبة ، وشرك في قتل عتبة ، وقتل جماعة من صناديد المشركين حتّى رُوي أنّه قتل نصف المقتولين . وفي يوم أحد قتل أصحاب اللواء ، وهم سبعة . ولمّا فرّ المسلمون ، ثبت فيمن ثبت مع النّبي (صلّى الله عليه وآله) يحامي عنه ، وكلّما شدّ جماعة على النّبي (صلّى الله عليه وآله) ، تقدّم إليهم فقاتلهم وقتل فيهم . وفي يوم الخندق بارز عمرو بن عبد ود بعدما جبن عنه النّاس جميعاً ، وانهزم المشركون بقتله . وفي يوم خيبر قتل مرحباً وهزم اليهود ، واقتلع الباب وفتح الحصن ، وكان الفتح على يديه .

وفي جميع الوقائع والغزوات كان له المقام الأسمى في الشجاعة


الصفحة ( 128 )

والثبات . وفي يوم الجمل وصفّين والنّهروان باشر الحرب بنفسه ، وقتل صناديد الأبطال وجدّل أبطال الرجال ، ولم يهرب في موطن قط . وكانت ضرباته وتراً ، إذا علا قدَّ ، وإذا اعترض قطَّ .

ولم يُبارز قَرناً فسلم القرن منه ، ولا دُعي إلى مبارزة فنكل ، وهذا كلّه من الاُمور العجيبة التي لمْ تتفق لغير علي بن أبي طالب (عليه السلام) . وشجاعته ملحقة بالبديهات ، يقبح بالإنسان إطالة الكلام فيها ، وإكثار الشواهد عليها .

وإذا نظرنا إلى حلمه ، كفانا لإثبات بلوغه أعلى درجات الحلم حلمه عن أهل الجمل عموماً ، وعن مروان بن الحكم وعبد الله بن الزّبير خصوصاً ، وشدّة عداوتهما له معلومة ، وإيصاؤه جيوشه بأنْ لا يتبعوا مُدبراً ، ولا يجهزوا على جريح ، وعدم منعه الماء لعسكر معاوية يوم صفّين لمّا استولى عليه بعدما منعوه منه .

وإذا نظرنا إلى عدله لمْ نجد له نظيراً .

وفي ( الإستيعاب ) : إنّه كان إذا ورد عليه مال لمْ يُبقِ منه شيئاً إلاّ قسّمه ، ولا يترك في بيت المال منه إلاّ ما يعجزعن قسمته في يومه ذلك ، ولمْ يكن يستأثر من الفيء بشيء ، ولا يخصّ به حميماً ولا قريباً ، ولا يخصّ بالولايات ألاّ أهل الديانات والأمانات ، واذا بلغه عن أحدهم خيانة ، كتب إليه : (( قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمٌْ(1) . أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ * بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ(2) . أذا أتاك كتابي هذا ، فاحتفظ بما في يديك من عملنا حتّى نبعث إليك مَن يتسلّمه منك )) .

وإذا نظرنا إلى فصاحته وبلاغته ، وجدناه إمام الفصحاء وسيّد البلغاء ، وحسبُك أنْ يُقال في كلامه : إنّه بعد كلام الرسول (صلّى الله عليه وآله) ، فوق كلام

ـــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة يونس / 57 .

(2) سورة هود / 85 ـ 86 .


الصفحة ( 129 )

المخلوق ودون كلام الخالق .

ويقبح بنا أنْ نُقيم شيئاً من الشواهد والأدلّة على ذلك ؛ فإنّه كإقامة الدليل على الشمس الضاحية .

وليسَ يصحُّ في الأذهانِ شيءٌ   إذا احتاجَ النَّهارُ الى دليلِ

ولا أدلّ على ذلك ممّا اُثر عنه وجمع من كلامه ، كنهج البلاغة وغيره .

وإذا نظرنا إلى زهده في الدّنيا ، أخذَنا العجب والبهر من رجل في يده الدنيا كلّها ـ عدا الشام ـ ؛ العراق وفارس ، والحجاز ومصر ، وهو يلبس الخشن ويأكل الجشب ؛ مواساة للفقراء ، ويقول (( يا دُنيا غرِّي غيري )) !

ومِن عجيب أحواله ، إنّه اجتمعت في صفاته الأضداد ، فبينما هو يمارس الحروب ، ويبارز الأقران ويقتل الشجعان ، ومَن تكون هذه صفته لابدّ أنْ يكون قاسي القلب شرس الخُلق ، بينا نراه كذلك ، إذا به أعبد العُبّاد ؛ يقضي ليله بالصلاة والعبادة ، والتضرع والإبتهال والخشوع لله تعالى ، وإذا به أحسن النّاس خُلقاً ، وأرقّهم طبعاً ، وألينهم عَريكة .

لمْ يكن جهاد أمير المؤمنين علي (عليه السّلام) وحروبه في الإسلام لغاية دنيويّة ؛ من طلب إمارة أو شهرة بين النّاس أو منزلة عندهم . ما كان جهاده ولا كانت حروبه إلاّ نصرة للحقّ ومحاماة عن الدين . ولم يكن زهده في الدنيا طلباً لمدح أو منزلة في قلوب النّاس ، بل إرشاداً للاُمّة إلى ما يُصلحها ، وتعليماً لها ما ينفعها ، كيف لا ، وهو القائل لابن عبّاس في نعل كان يخصفها : (( والله ، لهي ـ أي : النعل ـ أحبّ إليّ منْ إمرتكم هذه ، إلاّ أنْ اُقيم حقّاً أو أدفع باطلاً )) .

 لكن هذه الاُمّة لمْ تعرف لعلي (عليه السّلام) حقّه في جهاده ،


الصفحة ( 130 )

ومحاماته عن الدّين في سبيل سعادتها ، وإرشادها إلى ما يُصلحها ، ولمْ تحفظه في أولاده وذرّيّته ، ولمْ ترعَ لهم حرمة من بعده ، فأخّرته عن مقامه ، وآل بها الأمر إلى أنْ قتلته وهو يُصلّي في محرابه ، بيد أشقى الأوّلين والآخرين ؛ عبد الرحمن بن ملجم المرادي .

وتركت ولديه من بعده ، سيّدي شباب أهل الجنّة ، بين قتيل بالسُّم ، ومُضرّج بالدّم ، فدسّت إلى ولده الحسن (عليه السّلام) ، أحد السّبطين والريحانتين ، السُّمَّ على يد جعدة بنت الأشعث بن قيس حتّى لفظ كبده في الطست قطعاً ، وجهّزت الجيوش إلى أخيه الحسين (عليه السّلام) ، ثاني السّبطين والريحانتين ، بعدما قدّمت عليه يزيد الخمور والفجور ، اللاعب بالقرود والفهود ، وأحاطت به من كلّ جانب ، ومنعته الذهاب في بلاد الله العريضة ، وقتلت آله وأنصاره ، ومنعته من ورود الماء حتّى قتلته عطشان ظامياً ، وذبحت أطفاله ، وسبت نساءه وعياله :

يا اُمّةً باعتْ بضائعَ ديْنِها   يومَ الطُّفوفِ بخيْبةٍ وشَقاءِ

خانتْ عهودَ محمّدٍ في آلهِ   من بعدِهِ وجزتْهُ شرَّ جزاءِ

* * *

المجلس الثاني والتسعون بعد المئة

قال عُروة بن الزّبير : كنّا جلوساً في مجلس في مسجد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، فتذاكرنا أحوال أهل بدر ، وبيعة الرضوان ، فقال أبو الدّرداء : يا قوم ، ألاَ اُخبركم بأقلِّ القوم مالاً ، وأكثرهم ورعاً ، وأشدهم اجتهاداً في العبادة ؟ قالوا : مَن هو ؟ قال : علي بن أبي طالب .

قال : فوالله ، إنْ كان في جماعة أهل المجلس


الصفحة ( 131 )

إلاّ معرض عنه بوجهه ، ثمّ انتُدب له رجل من الأنصار ، فقال له : يا عُويمر ، لقد تكلّمت بكلمة ما وافقك عليها أحد منذ أتيت بها . فقال أبو الدرداء : يا قوم ، إنّي قائل ما رأيته ، وليقل كلُّ قوم ما رأوا . شهدت علي بن أبي طالب (عليه السّلام) بسويحات بني النّجار ، وقد اعتزل عن مواليه ، واختفى ممّن يليه ، واستتر ببُعيلات النّخل ، فافتقدته وبعُد عليَّ مكانه ، فقلت : لحق بمنزله . فإذا أنا بصوت حزين ونغمة شجي ، وهو يقول : (( إلهي ، كمْ من موبقةٍ حملتُها فقابلتَها بنعمتك ، وكم من جريرة تكرّمتَ عن كشفها بكرمك . إلهي ، إنْ طال في عصيانك عُمري ، وعظم في الصُّحف ذنبي ، فما أنا مؤمّلٌ غير غفرانك ، ولا أنا براجٍ غير رضوانك )) .

 فشغلني الصوت ، واقتفيت الأثر ، فإذا هو علي بن أبي طالب (عليه السّلام) بعينه ، فاستترت له لأسمع كلامه ، وأخملت الحركة ، فركع ركعات في جوف الليل الغابر ، ثمّ فزع إلى الدعاء والتّضرع والبكاء ، والبثّ والشكوى ، فكان ممّا به ناجى أنْ قال : (( إلهي ، اُفكّر في عفوك فتهون عليَّ خطيئتي ، ثمّ أذكر العظيم من أخذك فتعظم عليّ بليتي )) . ثمّ قال : (( آهٍ إنْ أنا قرأت في الصحف سيئةً ، أنا ناسيها وأنت مُحصيها ! فتقول : خذوه . فيا له من مأخوذٍ لا تُنجيه عشيرتُه ، ولا تنفعه قبيلتُه ، يرحمه الملأ إذا أذن فيه بالنّداء )) . ثمّ قال : (( آهٍ من نار تنضج الأكباد والكِلى ! آهٍ من نار نزّاعة للشوى ! آهٍ من غمرةٍ من مُلتهبات لظى ! )) . ثمّ انغمر في البكاء ، فلمْ أسمع له حسّاً ولا حركة ، فقلتُ : غلب عليه النّوم لطول السهر ، اُوقظه لصلاة الفجر .

قال أبو الدّرداء : فأتيته ، فإذا هو كالخشبة المُلقاة ، فحرّكته فلمْ يتحرّك ، وزويته فلم ينزوِ . قلت : إنّا لله وإنّا إليه راجعون ، مات والله ، علي بن أبي طالب . فأتيت منزله مبادراً أنعاه إليهم ، فقالت فاطمة (عليها السّلام) : (( يا أبا الدّرداء ، أخبرنا ما كان من شأنه وقصّته ؟ )) . فأخبرتها الخبر ، فقالت : ((هي والله ، الغشية التي تأخذه من خشية الله )) . ثمّ أتوه بماء


الصفحة ( 132 )

فنضحوه على وجهه ، فأفاق ونظر إليَّ وأنا أبكي ، فقال : (( ممّ بكاؤك يا أبا الدّرداء ؟ )) . فقلت : ممّا أراه تُنزله بنفسك . فقال : (( يا أبا الدّرداء ، فكيف لو رأيتني وقد دُعي بي إلى الحساب ، وأيقن أهل الجرائم بالعذاب ، واحتوشتني ملائكةٌ غلاظ وزبانية فظاظ ، فوقفتُ بين يدَي الملك الجبّار ، قد أسلمتني الأحبّاء ، ورحمني أهل الدنيا ، لكنتَ أشدَّ رحمة لي بين يديّ مَنْ لا تخفى عليه خافية )) . قال أبو الدّرداء : فوالله ، ما رأيتُ ذلك لأحد من أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) .

أقول : كلّ مَنْ يُغمى عليه يؤتى إليه بالماء ، فيُنضح على وجهه حتّى يفيق ، إلاّ غريب كربلاء أبو عبد الله الحسين (عليه السّلام) ؛ فإنّه لمّا سقط عن ظهر جواده إلى الأرض ، واُغمي عليه ساعة ، لمْ يُنضح على وجهه الماء حتّى يفيق ، وإنّما أفاق على ضرب السّيوف وطعن الرماح ، وهو مع ذلك يطلب جرعة من الماء ، وهم يقولون : لنْ تذوق الماء ـ أبا عبد الله ـ حتّى تذوق الموت عطشاً .

فعزَّ أنْ تتلظَّى بينَهُمْ عَطشاً   والماءُ يصدرُ عنه الوحشُ ريّانا

ونظر أمير المؤمنين (عليه السّلام) ذات يوم إلى امرأة وعلى كتفها قربة ماء مملوءة ، فحملها معها إلى منزلها ، ثمّ سألها عن شأنها ، قالت : بعث علي بن أبي طالب (عليه السّلام) بصاحبي إلى بعض الثغور فقُتل ، وترك عليّ صبياناً يتامى وليس عندي شيء ، وقد ألجأتني الضرورة إلى خدمة النّاس .

فمضى أمير المؤمنين (عليه السّلام) وبات تلك الليلة قلقاً ، فلمّا أصبح حمل زنبيلاً مملوءاً من الدقيق واللحم والتمر على كتفه ، فقال له بعض أصحابه : أعطني أحمل عنك هذا ؟ فقال : (( مَن يحمل عنّي وزري يوم القيامة ؟ )) . ثمّ أتى إلى باب تلك الامرأة وقرع الباب ، قالت : مَن في الباب ؟ قال : (( أنا العبد الذي حمل معك القربة ، افتحي الباب ؛ فإنّ معي شيئاً للصبيان )) . فقالت : رضي الله عنك ،


الصفحة ( 133 )

وحكم بيني وبين علي بن أبي طالب . ثمّ فتحت له الباب ودخل ، وقال لها : (( يا أمة الله ، إنّي أحببت اكتساب الثواب ، فاختاري بين أنْ تعجني وتخبزي ، وبين أنْ تُعللي الصبيان لأخبز أنا لهم ؟ )) . قالت : يا عبد الله ، أنا بالخبز أبصر وعليه أقدر ، دونك الصبيان فعلّلهم .

فعمدت الامرأة إلى الدقيق تعجنه ، وعمد أمير المؤمنين (عليه السّلام) إلى اللحم فطبخه ، وجعل يُلقم الصبيان من ذلك اللحم والتمر ، وكلّما ناول صبياً منهم ، قال له : (( يا بُني ، اجعل علي بن أبي طالب في حلّ ممّا أمر في أمركم )) . ولمّا اختمر العجين ، قالت الامرأة : قُم يا عبد الله ، اسجر التّنور . فلمّا أشعل النّار لفحت وجهه ، فجعل يقول : (( ذُق يا علي ، هذا جزاء مَن ضيَّع الأرامل واليتامى )) . فدخلت امرأة من خارج الدار فعرفته ، فقالت : ويحك ! هذا الإمام علي بن أبي طالب (عليه السّلام) . فبادرت إليه الامرأة ووقعت على قدميه تُقبّلهما ، وهي تقول : وا حيائي منك يا أبا الحسن ! فقال : (( بل وا حيائي منك يا أمة الله ، فيما قصّرتُ في أمرك ! )) .

أمير المؤمنين (عليه السّلام) حمل اللحم والتمر والدقيق إلى يتامى بعض أصحابه ، فأين كان أمير المؤمنين (عليه السّلام) عن يتامى ولده أبي عبد الله الحسين (عليه السّلام) ليلة الحادي عشر من المُحرّم ، حين باتوا تلك الليلة بلا محامٍ ولا كفيل ، وهم عطاشى جياعى ؟!

قـُمْ يا عليُّ فما هذا القعْودُ وما   عَهْدي تَغضُّ على الأقذاءِ أجفانَا
وانهضْ لعلّكَ منْ أسرٍ أضرَّ بنَا   تَـفكَّنا أو تـولَّى دفْـنَ قتلانَا
هـذا حسينٌ بلا غُسلٍ ولا كَفنٍ   عـارٍ تجولُ عليه الخيلُ ميدانَا

 


الصفحة ( 134 )

المجلس الثالث والتسعون بعد المئة

في (غاية المرام) ، عن ابن المغازلي الشافعي في ( المناقب ) ، بعدّة طرق ، عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال : أخذ النّبي (صلّى الله عليه وآله) بعضد علي (عليه السّلام) ، وقال : (( هذا أمير البررة ، وقاتل الكفرة ـ أو الفجرة ـ منصور مَن نصره ، مخذول مَن خذله )) . ثمّ مدّ بها صوته ـ أو قال : مدّ بصوته ـ فقال : (( أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها ، فمَن أراد العلم ـ أو فمَن أراد المدينة ـ فليأتِ الباب )) .

وفي رواية : (( أنا مدينة وعليٌّ بابها ، ولا تُؤتى البيوت إلاّ من أبوابها )) . وفي رواية : (( يا علي ، أنا مدينة العلم وأنت الباب ، كذب مَن زعم أنّه يصل إلى المدينة إلاّ من الباب )) . وفي ذلك يقول الصفي الحلّي ـ رحمه الله تعالى ـ :

مدينةُ علمٍ وابنُ عمِّكَ بابُها   فمِنْ غيرِ ذاكَ البابِ لمْ يُؤتَ سُورُها

وفي (غاية المرام) ، عن مسند أحمد بن حنبل بسنده عن زيد بن أرقم ، قال : كان لنفر من أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أبواب شارعة في المسجد ، فقال يوماً : (( سدّوا هذه الأبواب إلاّ باب علي )) . فتكلّم في ذلك اُناس ، فقام رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فحمد الله وأثنى عليه ، ثمّ قال : (( أمّا بعد ، فإنّي أمرت بسدّ هذه الأبواب غير باب علي ، فقال فيه قائلكم . والله ، ما سددتُ شيئاً ولا فتحتُه ، ولكنّي اُمرتُ بشيء فاتّبعتُه )) .

وفي رواية ابن المغازلي الشافعي : فأتاه العبّاس ، فقال : يا رسول الله ، سددت أبوابنا وتركت باب علي ؟! قال : (( ما أنا فتحتُها ، ولا أنا سددتُها )) .

وروى ابن المغازلي الشافعي بسنده عن سعد بن أبي وقاص ، قال : كانت لعليٍّ مناقبُ لمْ تكن لأحد ؛ كان يبيت في المسجد ، وأعطاه النّبي (صلّى الله عليه وآله) الراية يوم خيبر ، وسدّ الأبواب كلّها إلاّ باب علي .

وجاء في عدّة روايات ، عن النّبي (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال : (( يا علي ، أنت


الصفحة ( 135 )

قسيم النّار ؛ تقول : هذا لي ، وهذا لكِ )) . وفي رواية : (( إنّك قسيم الجنّة والنّار )) . وفي ذلك يقول الشاعر :

علـيٌّ حُـبـُّهُ جُـنَّةْ   قسيمُ النَّارِ والجَـنَّةْ

وصـيُّ المُصطفَى حقَّاً  إمامُ الإنسِ والجِـنَّةْ

وفي (غاية المرام) ، عن موفق بن أحمد عن النّبي (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال لعلي (عليه السّلام) : (( أنا أوّل مَن تنشقُّ الأرض عنه يوم القيامة وأنت معي ، ومعي لواء الحمد ، وهو بيدك تسير به أمامي ، وتسبق به الأوّلين والآخرين )) . وفيه ، عن الزمخشري في الفائق : إنّ النّبي (صلّى الله عليه وآله) قال لعلي (عليه السّلام) : (( أنت الذائدُ عن حوضي يوم القيامة ، تذود عنه الرجالَ كما يُذاد البعير الصاد(1) )) .

ولهذا لمّا ضيّق أهل الكوفة على الحسين (عليه السّلام) يوم كربلاء ، ومنعوه من الماء حتّى نال العطش منه ومن أصحابه ، قام متوكّئاً على قائم سيفه ، وذكّرهم بفضائله فاعترفوا بها ، فقال لهم : (( فبِمَ تستحلّون دمي وأبي الذائد عن الحوض ، يذود عنه رجالاً كما يُذاد البعير الصاد عن الماء ، ولواء الحمد في يد أبي يوم القيامة ؟! )) . قالوا : قد علمنا ذلك كلّه ، ونحن غير تاركيك حتّى تذوق الموت عطشاً .

قسَتْ القلوبُ فلمْ تَملْ لهدايةٍ   تبّاً لهاتيكَ القُلوبِ القاسيَهْ

ما ذاقَ طعْمَ فُراتِهمْ حتَّى قَضَى   عَطشاً وغُسِّلَ بالدِّماءِ القَانِيهْ

 

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) أي : الذي به الصَّيَد ، وهو داء يلوي العُنق .

الصقحة (136)

المجلس الرابع والتسعون بعد المئة

في غاية المرام : عن مسند أحمد بن حنبل بسنده ، عن سفينة مولى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال : أهدت امرأة من الأنصار إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) طيرين بين رغيفين ، فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( اللهمّ ، ائتني بأحبّ خلقك إليك وإلى رسولك )) . فجاء علي (عليه السّلام) فرفع صوته ، فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( مَن هذا ؟ )) . فقلت : علي . قال (صلّى الله عليه وآله) : (( فافتح له )) . ففتحت له فأكل مع النّبيِّ (صلّى الله عليه وآله) من الطيرين حتّى كفيا .

وفي غاية المرام : عن ابن المغازلي الشافعي في المناقب بسنده ، عن أنس بن مالك قال : اُهدي إلى النِّبيِّ (صلّى الله عليه وآله) نُحامة(1) ، فقال (صلّى الله عليه وآله) : (( اللهمّ ، ابعث إليّ أحبّ خلقك إليك وإلى نبيّك ، يأكل معنا هذه المائدة )) . قال : فأتى علي ، فقال : (( استأذن لي على رسول الله )) . فقلت : النّبيُّ عنك مشغول . فرجع علي (عليه السّلام) ، ولمْ يلبث أنْ جاء ، فقال : (( استأذن لي على رسول الله )) . فقلت : النّبيُّ عنك مشغول . فرجع علي (عليه السّلام) ولمْ يلبث أنْ جاء ، فهممت أنْ أقول مثل قولي الأوّل والثاني ، فسمع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من داخل الحجرة كلام علي (عليه السّلام) ، فقال : (( ادخل يا أبا الحسن ، ما الذي أبطأ بك عنّي ؟ )) . قال (عليه السّلام) : (( قد جئتُ يا رسول الله مرّتين وهذه الثالثة ، كلّ ذلك يردّني أنس ، يقول : النّبيّ عنك مشغول )) . فقال (صلّى الله عليه وآله) : (( يا أنس ، ما حملك على هذا ؟ )) . فقلت : يا رسول الله ، سمعت الدعوة فأحببت أن يكون رجلاً من قومي . فقال النّبي (صلّى الله عليه وآله) : (( كلٌ يُحبّ قومه يا أنس )) .

وروي حديث الطائر المشوي في غاية المرام أيضاً ، عن سنن

__________________________________

(1) النُّحَام : طائر كالأوز . وغلّظ الجوهري : في فتحه وشدّه .  ـ المرلف ـ


الصفحة (137)

أبي داود وموفّق بن أحمد الحموئي والسّمعاني وغيرهم ، بطرق كثيرة تبلغ الستّة وثلاثين طريقاً ، كلّها من طرق أهل السُّنّة ، ورواه بثمانية طرق من طرق أهل الشيعة خاصّة .

وقال الصاحب بن عبّاد ـ رحمه الله تعالى ـ :

يـا أميرَ المؤمنينَ المُرتَضى   إنّ قـلبي عـندكُمْ قـدْ وَقَـفَا
مَـنْ كـمولايَ عـليٍّ زاهـدٌ   طـلَّقَ الـدُّنيا ثـلاثاً ووفَـى
مَـنْ دُعِـي للطِّيرِ كيْ يأكلُهُ   ولـنَا فـي بعضِ هذا مُكتَفَى
مَـنْ وصيُّ المُصطفَى عندكُمُ   فوصيُّ المُصطَفَى مَنْ يُصْطفَى

وفضائل أمير المؤمنين (عليه السّلام) ومناقبه لا يُحيط بها الحصر . وقد احتجّ الحسين (عليه السّلام) على أهل الكوفة يوم كربلاء بفضائل أبيه أمير المؤمنين (عليه السّلام) ـ في جملة ما احتجّ به ـ ، فقال (عليه السّلام) : (( ألستُ ابنَ بنت نبيّكم ، ، وابنَ وصيّه وابن عمّه ، وأوّل المؤمنين به والمُصدِّقين برسول الله (صلّى الله عليه وآله) وبما جاء به منْ عند ربّه ؟! )) .

وقال (عليه السّلام) في مقام آخر : (( أنشدكم الله ، هل تعلمون أنّ عليّاً كان أوّل القوم إسلاماً ، وأعلمهم علماً وأعظمهم حلماً ، وأنّه وليُّ كلِّ مؤمن ومؤمنة ) . قالوا : اللهمّ نعم . قال (عليه السّلام) : (( فبِمَ تستحلّون دمي وأبي الذائد عن الحوض ، يذود عنه رجالاً كما يُذاد البعير الصادر(1) عن الماء ، ولواء الحمد بيد أبي يوم القيامة ؟ )) . قالوا : قد علمنا ذلك كلّه ، ونحن غير تاركيك حتّى تذوق الموت عطشاً .

قسَتْ القلوبُ فلمْ تَملْ لهدايةٍ   تبّاً لهاتيكَ القُلوبِ القاسيَهْ

ما ذاقَ طعْمَ فُراتِهمْ حتَّى قَضَى   عَطشاً وغُسِّلَ بالدِّماءِ القَانِيهْ

* * *

______________________________

(1) مرّ عن الزمخشري : أنّه الصاد . ووجدناه : الصادر ، وله وجهُ صحّةٍ فأبقيناه .  ـ المؤلّف ـ


الصفحة (138)

المجلس الخامس والتسعون بعد المئة

قال الله تعالى في سورة المائدة : ( إِنّمَا وَلِيّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالّذِينَ آمَنُوا الّذِينَ يُقِيمُونَ الصّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَن يَتَوَلّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالّذِينَ آمَنُوا فَإِنّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ )(1) . اتّفق المفسرون على أنّها نزلت في حقّ علي بن أبي طالب (عليه السّلام) حين مرّ سائل ، وهو راكع ، في المسجد فأعطاه خاتمه . ورُوي في الجمع بين الصحاح الستّة من صحيح النسائي ، عن ابن سلام ، قال : أتينا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، فقلنا : إنّ قومنا حادّونا لمّا صدّقنا الله ورسوله ، وأقسموا أنْ لا يُكلّمونا . فأنزل الله تعالى : ( إِنّمَا وَلِيّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالّذِينَ آمَنُوا الّذِينَ يُقِيمُونَ الصّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) . ثُمّ أذّنَ بلال لصلاة الظهر ، فقام النّاس يُصلّون ؛ فمِنْ بين ساجد وراكع وسائل ، إذ سائل يسأل ، فأعطاه علي (عليه السّلام) خاتمه وهو راكع ، فأخبر السّائل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، فقرأ علينا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : ( إِنّمَا وَلِيّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ . . . ) إلى آخر الآية .
وروى الثعلبي في تفسيره بسنده : إنّ أبا ذر ـ رضي الله عنه ـ قال : أيّها النّاس مَن عرفني فقد عرفني ، ومَن لم يعرفني فأنا جندب بن جنادة البدري ، أبو ذر الغفاري ، سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بهاتين ـ وإلاّ صُمّتا ـ ورأيته بهاتين ـ وإلاّ فعميتا ـ يقول : (( عليٌّ قائد البررة ، وقاتل الكفرة ، منصور مَن نصره ، مخذول مَن خذله )) . أما إنّي صلّيت مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يوماً من الأيام صلاة الظهر ، فسأل سائل في المسجد فلَمْ يعطِه أحد ، فرفع السّائل يده إلى السّماء ، وقال : اللهمّ ، اشهد إنّي سألت في مسجد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فلمْ يعطني أحدٌ شيئاً . وكان علي راكعاً ، فأومأ إليه بخنصره اليُمنى ـ وكان يتختّم فيها ـ ، فأقبل السّائل حتّى أخذ الخاتم من

____________________

(1) سورة المائدة / 55 ـ 56 .


الصفحة (139)

خنصره ، وذلك بعين النّبي (صلّى الله عليه وآله) ، فلمّا فرغ [ النبيُّ ] من صلاته ، رفع رأسه إلى السّماء ، وقال : (( اللهمّ ، موسى سألك فقال : رَبّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً من لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي* وَاجْعَل لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي(1) . فأنزلت عليه قرآناً ناطقاً : سَنَشُدّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَاناً فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا(2) . اللهمّ ، وأنا محمّد نبيّك وصفيّك . اللهمّ ، فاشرح لي صدري ، ويسّر لي أمري ، واجعل لي وزيراً عليّاً ، اشدد به ظهري )) .

قال أبو ذر : فما استتم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الكلمة حتّى نزل جبرائيل (عليه السّلام) من عند الله تعالى ، فقال : يا محمّد ، اقرأ . قال (صلّى الله عليه وآله) : (( ما أقرأ ؟ )) . قال : اقرأ : ( إِنّمَا وَلِيّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالّذِينَ آمَنُوا الّذِينَ يُقِيمُونَ الصّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ )(3) .

وكما جاد أمير المؤمنين (عليه السّلام) بخاتمه في صلاته ، جاد ولده الحسين (عليه السّلام) بخاتمه بعد قتله ؛ وذلك لمّا أقبل القوم على سلب الحسين (عليه السّلام) فأخذ خاتمه بجدل بن سليم الكلبي . ولكنّ فرق عظيم بين المقامين ؛ فأمير المؤمنين (عليه السّلام) أشار إلى السّائل ـ وهو في صلاته ـ أنْ يأخذ الخاتم من يده فأخذه ؛ وأمّا الحسين (عليه السّلام) ، فجاء بجدل بن سليم الكلبي ليسلبه بعد قتله ـ مع الذين جاؤوا إلى سلبه ـ فوجد الخاتم في يده وقد جمدت عليه الدماء ، فلمْ يستطعْ نزعه من يده الشريفة ، فقطع إصبعه مع الخاتم .

ومُبدَّدُ الأوصالِ لازَمَ حزُنُهُ   شملَ الكمالِ فلازم التّبديدَا

ومجرحٌ ما غيَّرتْ منه القنَا   حُسناً وما أخلقْنَ منه جديدَا

____________________

(1) سورة طه / 25 ـ 32 .

(2) سورة القصص / 35 .

(3) سورة المائدة / 55 .


الصفحة (140)

المجلس السّادس والتسعون بعد المئة

في غاية المرام : عن مسند أحمد بن حنبل بسنده : أنّ النّبيّ (صلّى الله عليه وآله) آخى بين النّاس وترك عليّاً ، فقال (عليه السّلام) : (( يا رسول الله ، آخيت بين النّاس وتركتني ! )) . قال (صلّى الله عليه وآله) : (( ولِمَن تراني تركتك ؟ إنّما تركتك لنفسي . أنت أخي وأنا أخوك ، فإنْ فاخرك أحد ، فقل : أنا عبد الله وأخو رسول الله . لا يدّعيها أحدٌ غيرك إلاّ كذاب )) .

وفيه عن مسند أحمد بن حنبل أيضاً ، وذُكر مؤاخاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بين الصحابة ، فقال علي (عليه السّلام) للنبيّ (صلّى الله عليه وآله) : (( لقد ذهبت روحي وانقطع ظهري حين رأيتك فعلت بأصحابك ما فعلت غيري ، فإنْ كان هذا من سَخَطٍ منك ، فلك العُتبى والكرامة ؟ )) . فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( والذي بعثني بالحقّ نبيّاً ، ما اخّرتك إلاّ لنفسي ، فأنت منِّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي ، وأنت أخي ووارثي )) . قال (عليه السّلام) : (( وما أرث منك يا رسول الله ؟ )) . قال (صلّى الله عليه وآله) : (( ما ورث الأنبياء قبلي )) . قال (عليه السّلام) : (( ما ورث الأنبياء قبلك ؟ )) . قال (صلّى الله عليه وآله) : (( كتاب الله وسنّة نبيّهم . وأنت معي في الجنّة ، وأنت أخي ورفيقي )) . ثمّ تلا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : ( إِخْوَاناً عَلَى‏ سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ )(1) : المُتحابّون في الله ينظر بعضهم إلى بعض .

وقال صفي الدين الحلّي ـ رحمه الله ـ :

أنت سرُّ النّبيِّ والصنوُ وابنُ الـْ   ـعمِّ والصهرُ والأخُ المُستَجادُ

لـو رأى مثـلَكَ النّبيُّ لآخـا   هُ وإلاّ فـأخـطَأَ الانـتـقـادُ

وعن جابر بن عبد الله ، قال : سمعت عليّاً يُنشد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) شعراً :

أنا أخو المُصطفَى لا شكَّ في نسَبي   معْهُ رُبيتُ وسِبطاهُ هُما ولدِي

جـدِّي وجـدُ رسـول الله منفـردٌ(2)   وفاطمٌ زوجَتي لا قول ذي فَنَدِ

ـــــــــــــــ
(1) سورة الحجر / 47 .

(2) هكذا وردت كلمة ( منفرد ) في أكثر من مصدر ، ولعل الصحيح ( مُتّحد ) .  ( موقع معهد الإمامَين الحسنَين )


الصفحة (141)

صدقتُهُ وجميعُ النّاسِ في بُهَمٍ   من الضَّلالةِ والإشراكِ والنكَدِ

فالحمدُ للهِ شُكراً لا شريكَ لهُ   البَـرّ بالعبدِ والباقِـي بـلا أمدِ

ولمّا بات علي (عليه السّلام) على فراش رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ليلة الغار ، أوحى الله عزّ وجل إلى جبرائيل وميكائيل : (( إنّي قد آخيت بينكما ، وجعلتُ عُمرَ أحدكما أطول من عُمرِ صاحبه ، فأيّكما يُؤثر أخاه ؟ )) . فكلاهما كره الموت ، فأوحى الله إليهما : (( عبديَّ ، ألا كُنتما مثلَ وليي علي بن أبي طالب ؛ آخيتُ بينه وبين نبيي فآثره بالحياة على نفسه ، ثمّ رقَد على فراشه يُفديهِ بمهجته ؟ اهبطا إلى الأرض فاحفظاه منْ عدوّه )) . فهبط جبرائيل فجلس عند راسه ، وميكائيل عند رجليه ، وجعل جبرائيل يقول : بخٍ بخٍ ، مَنْ مثلك يابنَ أبي طالب والله عزّ وجل يُباهي بك الملائكة ! 

ودرجة الإخوّة درجة عظيمة ومنزلتها منزلة رفيعة ؛ ولهذا لمّا بعث الحسين (عليه السّلام) ابن عمّه مسلم بن عقيل إلى أهل الكوفة ، كتب إليهم معه : (( وأنا باعثٌ إليكم أخي وابن عمّي ، وثقتي من أهل بيتي مسلم بن عقيل )) . وقد قام مسلم بأعباء هذه الإخوّة وحقّق ظنّ الحسين (عليه السّلام) فيه ، ولمّا خذله أهل الكوفة وتفرّقوا عنه ، وأرسل إليه ابن زياد سبعين رجلاً مع محمّد بن الأشعث ، وسمع مسلم وقع حوافر الخيل وأصوات الرجال ، علم أنّه قد اُتي في طلبه فخرج إليهم بسيفه ، واقتحموا عليه الدار ، فشدّ عليهم يضربهم بسيفه حتّى أخرجهم من الدار ، ثمّ عادوا إليه ، فشدّ عليهم كذلك ، فأخرجهم مراراً وقتل منهم جماعة ، فلَمّا رأوا ذلك ، أشرفوا عليه من فوق البيت يرمونه بالحجارة ، ويُلهبون النّار في القصب ويرمونها عليه ، فخرج عليهم مُصلتاً سيفه في السّكة ، وهو يقول :

أقسمتُ لا اُقتلُ إلاّ حُرّا   وإنْ رأيتُ الموتَ شيئاً نُكْرَا

وتكاثروا عليه بعدما اُثخن بالجراح ، فطعنه رجل من خلفه فخرّ إلى


الصفحة (142)

الأرض فاُخذ أسيراً . فقال ابن زياد : اصعدوا به فوق القصر فاضربوا عنقه ، ثمّ اتبعوه جسده . ففُعل به ذلك ، فلمّا بلغ خبره الحسين (عليه السّلام) ، استعبر باكياً ، ثمّ قال : (( رحم الله مُسلماً ، فلقد صار إلى رَوح الله وريحانه ، وتحيّاته ورضوانه ، أما أنّه قد قضى ما عليه وبقي ما علينا ))

يا مُسلمُ بنَ عقيلٍ لا أغبَّ ثرَى   ضريحِكَ المُزنُ هطّـالاً وهتّانا

بذلتَ نفْسكَ في مرضاةِ خالِقِها   حتّى قضيتَ بسيفِ البغْي ظمْآنا

* * *

المجلس السّابع والتسعون بعد المئة

لمّا بُويع أمير المؤمنين (عليه السّلام) بالخلافة ، خرج إلى المسجد مُتعمّماًً بعمامة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، لابساً بُردة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، مُنتعلاً نعل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، مُتقلّداً سيف رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، فصعد المنبر فجلس عليه متمكّناً ، ثمّ شبك بين أصابعه فوضعها أسفل بطنه ، ثمّ قال : (( يا معشر النّاس ، سلوني قبل أنْ تفقدوني ، هذا سفطُ العلم ، هذا لعاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، هذا ما زقّني رسول الله (صلّى الله عليه وآله) زقاًّ . سلوني فإنّ عندي علم الأوّلين والآخرين . أمَا والله ، لو ثُنيت لي الوسادة(1) وجلست عليها ، لأفتيتُ أهلَ التَّوراة بتوراتهم ، وأهلَ الإنجيل بإنجيلهم ، وأهلَ القُرآن بقرآنهم حتّى ينطق كلُّ واحدٍ من هذه الكتب ، فيقول : صدقَ عليٌّ ما كذب ، لقد أفتاكم بما أنزل الله فيَّ . وأنتم تتلون القرآن ليلاً ونهاراً ، فهل فيكم أحدٌ يعلم ما أنزل الله فيه ؟ ولولا آيةٌ في كتاب الله عزّ وجل ، لأخبرتُكم بما كان وبما يكون وبما هو كائن إلى يوم القيامة )) . وهي هذه الآية : ( يَمْحُوا اللّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ

______________________

(1) أو : لو ثُنيت لي وسادة .  ـ المولف ـ


الصفحة (143)

اُمّ الْكِتَابِ )(1) . ثمّ قال : (( سلوني قبل أنْ تفقدوني ، فوالذي فَلَقَ الحبّة وبرأ النّسمة ، لو سألتموني عن أيّةِ آية ، في ليلٍ نزلت أو في نهار ، مكِّيِّها ومدنيِّها ، سفريِّها وحضريِّها ، ناسخها ومنسوخها ، محكمها ومتشابهها ، وتأويلها وتنزيلها ، لأخبرتكم )) . فقام إليه رجل يُقال له : ذعلب ، وكان ذرب اللسان بليغاً في الخطب شجاع القلب ، فقال : لقد ارتقى ابن أبي طالب مرقاة صعبة ، لاُخجِّلنّه اليوم لكم في مسألتي إيّاه ، فقال : يا أمير المؤمنين ، هل رأيت ربّك ؟ فقال : (( ويلك يا ذعلب ! لمْ أكنْ بالذي أعبدُ ربّاً لَمْ أره )) . قال : كيف رأيته ؟ صفه لنا ؟ قال : (( ويلك ! لمْ ترَه العيون بمشاهدة الأبصار ، ولكنْ رأته القلوب بحقائق الإيمان . ويلك يا ذعلب ! إنّ ربّي لا يُوصف بالبُعد ولا بالقُرب ، ولا بالحركة ولا بالسّكون ، ولا بقيام قيام انتصابٍ ولا بجيئة وذهاب . لطيفُ اللّطافة لا يُوصف باللّطف ، عظيمُ العظمة لا يُوصف بالعظم ، كبيرُ الكبر لا يُوصف بالكبر ، جليلُ الجلالة لا يُوصف بالغلظ ، رؤوفُ الرحمة لا يُوصف بالرّقة . مؤمنٌ لا بعبادة ، مدركٌ لا بمحسّة ، قائلٌ لا بلفظ ، هو في الأشياء على غير ممازجة ، خارجٌ عنها على غير مباينة ، فوق كلِّ شي ولا يُقال له فوق ، أمام كلّ شيء ولا يُقال له أمام ، داخلٌ في الأشياء لا كشيء في شيء داخل ، وخارج منها لا كشيء من شيء خارج )) .

فخرّ ذعلب مغشيّاً عليه ، ثُمّ قال : تَاللهِ ، ما سمعت بمثل هذا الجواب ، والله ، لا عُدت إلى مثلها أبداً . ثُمّ قال (عليه السّلام) : (( سلوني قبل أنْ تفقدوني )) . فقام إليه رجل من أقصى المسجد متوكّئاً على عكّازه ، فلمْ يزلْ يتخطّى النّاس حتّى دنا منه ، فقال : يا أمير المؤمنين ، دلّني على عمل إذا أنا عملته نجّاني الله من النّار ؟ فقال (عليه السّلام) له : (( اسمع يا هذا ، ثمّ افهم ثمّ استيقن ، قامت الدنيا بثلاثة : بعالمٍ ناطق مستعملٍ لعلمه ، وبغنيٍّ لا يبخل بماله عن أهل دين الله عزّ وجل ، وبفقير صابر ؛ فإذا كتم العالمُ علمه ، وبخل الغنيُّ ، ولمْ يصبرْ الفقير ، فعندها الويل والثبور ! وعندها

_____________________

(1) سورة الرعد / 39 .


الصفحة (144)

يعرف العارفون بالله أنّ الدار قد رجعت إلى بدئها . أيّها السّائل ، لا تغترنّ بكثرة المساجد ، وجماعة أقوام أجسادُهم مجتمعة وقلوبهم شتّى . أيّها السّائل ، إنّما النّاس ثلاثة : زاهد ، وراغب ، وصابر ؛ فأمّا الزاهد فلا يفرح بشيء من الدنيا أدركه ، ولا يحزن على شيء منها فاته ؛ وأمّا الصابر فيتمنّاها بقلبه ، فإنْ أدرك منها شيئاً صرف عنها نفسه ؛ لِمَا يعلم من سوء عاقبتها ؛ وأمّا الراغب فلا يُبالي مِن حلٍّ أصابها ، أمْ من حرام )) . قال : يا أمير المؤمنين ، فما علامة المؤمن في ذلك الزمان ؟ قال (عليه السّلام) : (( ينظر إلى ما أوجب الله عليه من حقٍّ فيتولاّه ، وينظر إلى ما خالفه فيتبرّأ منه وإنْ كان حبيباً قريباً )) . قال : صدقت والله ، يا أمير المؤمنين .

* * *

المجلس الثامن والتسعون بعد المئة

وقال الأصبغ بن نباتة : أتى أمير المؤمنين (عليه السّلام) ومعه قنبر البزّازين(1) ، فساوم غلاماً بثوبين ، فماكسه الغلام حتّى اتّفقا على سبعة دراهم ؛ ثوباً بأربعة دراهم ، وثوباً بثلاثة دراهم . وقال لقنبر : (( اختر أحد الثوبين )) . فاختار الذي بأربعة ولبس هو الذي بثلاثة ، وقال (عليه السّلام) : (( الحمد لله الذي رزقني ما اُواري به عورتي ، واتجمّل به في خلقه )) . ثمّ أتى المسجد فكوّم كومةً من حصىً فاستلقى عليها ، فجاء أبو الغلام فقال : إنّ ابني لَمْ يعرفك ، وهذان الدرهمان ربحهما فخذهما . فقال (عليه السّلام) : (( ما كنتُ لأفعل ، فقد ماكسته وماكسني واتّفقنا على رضا )) .

وروي : أنّ أمير المؤمنين (عليه السّلام) أتى

____________________________

(1) الذين يبيعون البز ، أي : القماش .  ـ المؤلّف ـ


الصفحة ( 145 )

سوق الكرابيس(1) فإذا هو برجل وسيم(2) ، فقال (عليه السّلام) : (( يا هذا ، عندك ثوبان بخمسة دراهم ؟ )) . فوثب الرجل فقال : يا أمير المؤمنين ، عندي حاجتك . فلمّا عرفه مضى عنه ، فوقف على غلام ، فقال (عليه السّلام) : (( يا غلام ، عندك ثوبان بخمسة دراهم ؟ )) . قال : نعم ، عندي ثوبان . فأخذ ثوبين أحدهما بثلاثة دراهم والآخر بدرهمين ، فقال (عليه السّلام) : (( يا قنبر ، خُذ الذي بثلاثة دراهم )) . فقال : أنت أولى به ؛ تصعد المنبر وتخطب النّاس . قال (عليه السّلام) : (( وأنت شابٌّ ولك شره الشباب ، وأنا أستحي من ربّي أنْ أتفضّل عليك . سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول : البسوهُم ممّا تلبسون ، وأطعموهُم ممّا تأكلون )) .

وقال المفيد ـ عليه الرحمة ـ في الإرشاد : من آيات الله الخارقة للعادة في أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، أنّه لمْ يعهد لأحد من مبارزة الأقران ومنازلة الأبطال ما عُرف له على مَرّ الزمان ، ولمْ يُوجد في ممارسي الحروب إلاّ مَن أصابته بشرٍّ أو جراحة أو شين إلاّ أمير المؤمنين (عليه السّلام) ؛ فإنّه لمْ ينلْه مع طول زمان حروبه جراحٌ من عدو ، ولا شينٌ ، ولا وصل إليه بسوء حتّى كان من اغتيال ابن ملجم له ما كان ، وهذه اُعجوبة أفرده الله في الآية فيها ، ودلّ بذلك على مكانه منه ، وتخصّصه بكرامته التي بان بفضلها من كافّة الأنام .

قال : ومن آيات الله تعالى فيه ، أنّه لا يوجد ممارس للحروب إلاّ وهو ظافر بعدوه مرّة ، وغير ظافر به اُخرى ، ومَن جرح منهم خصمه ؛ فمرّة يموت من جرحه ، ومرّة يُعافى ، ولمْ يعهدْ شخص لمْ يفلتْ منه قَرنٌ ، ولا نجا من ضربته أحدٌ إلاّ أمير المؤمنين (عليه السّلام) ؛ فإنّه لا مرية في ظفره بكلِّ قَرن بارزه ، وإهلاكه كلَّ بطلٍ نازله ، وهذا ما انفرد

____________________________

(1) الكرابيس : جمع كرباس ، بوزن مصباح ، وهو الخام الغليظ .

(2) جميل الصورة .    ـ المؤلّف ـ


الصفحة ( 146 )

به من كافّة الأنام ، وخرق الله ـ عزّ وجل ـ به العادة في كلّ حين وزمان ، وهو من دلائله الواضحة .

قال : ومِن آيات الله تعالى فيه ، أنّه مع طول ممارسته للحروب ، وكثرة مَن حاربه من الشجعان واحتيالهم عليه ، وبذلهم الجُهد في الفتك به ، ما ولّى أحداً منهم ظهره ، ولا تزحزح عن مكانه ، ولا هاب أحداً من أقرانه ، ولمْ يلقَ أحدٌ سواه خصماً له في حربٍ إلاّ كان مرّة يثبت له ومرّة ينحرف عنه ، وتارة يقدم عليه وتارة يحجم عنه .

قال : ومِن آياته التي انفرد بها ، ظهور مناقبه في الخاصّة والعامّة مع كثرة المنحرفين عنه ، وتوفر الأسباب إلى كتمان فضله ، وكون الدُّنيا في يد خصومه . وقد استفاض عن الشعبي أنّه كان يقول : لقد كنتُ أسمع خطباء بني اُميّة يسبّون أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السّلام) على منابرهم وكإنّما يُشال إلى السّماء ؛ ويمدحون أسلافهم على منابرهم وكأنّهم يكشفون عن جيفة .

وقال الوليد بن عبد الملك لبنيه : عليكم بالدِّين ؛ فإنّي لمْ أرَ الدِّينَ بَنى شيئاً فهدمته الدنيا ، ورأيت الدُّنيا قد بنت بُنياناً فهدمه الدين . مازلتُ أسمع أهلنا يسبّون علي بن أبي طالب ويدفنون فضائله ، ويحملون النّاس على شنآنه ، فلا يزيده ذلك في القلوب إلاّ قُرباً ، ويجتهدون في تقريبهم من نفوس الخلق ، فلا يزيدهم ذلك من القلوب إلاّ بُعداً .

قال المفيد : وفيما انتهى إليه الأمر من دفن فضائل أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، والحيلولة بين العلماء ونشرها ، ما لا شبهة فيه على عاقل ، حتّى كان الرجل إذا أراد الرواية عنه لمْ يستطع أن يذكر اسمه ، فيقول : حدّثني رجلٌ من أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، أو رجل من قريش ، ومنهم مَن يقول : حدّثني أبو زينب .

وروى عكرمة عن بعض اُمّهات المؤمنين حديثاً فيه : فخرج رسول الله (صلّى الله عليه وآله) متوكّئاً على رَجُلين من أهل بيته ؛ أحدهما الفضل بن العبّاس . فحكى ذلك عكرمة لابن عبّاس ، فقال له : أتعرف


الصفحة ( 147 )

الرجل الآخر ؟ قال : لا ، لمْ تُسمّه لي . قال : ذاك علي بن أبي طالب (عليه السّلام) ، وما كانت اُمّناً تذكره بخير وهي تستطيع .

وكانت ولاة الجور تضرب بالسّياط مَنْ ذكره ، بل تضرب الرقاب على ذلك وتحرّض النّاس على البراءة منه . والعادة جارية ، أنّ مَن يُتّفق له ذلك لا يُذكر بخير فضلاً عن أنْ تُذكر له مناقب .

قال : ومِن آيات الله تعالى فيه ، أنّه لمْ يبتلِ أحدٌ في ولده وذرّيّته بمثل ما ابتُلي به (عليه السّلام) في ذرّيّته ؛ وذلك أنّه لمْ يُعرف خوفٌ شمل جماعة من ولد نبيٍّ ولا إمام ، ولا ملكٍ ولا برٍّ ولا فاجر ، كالخوف الذي شمل ذرّيّة أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، ولا لحق أحداً من القتل والطرد عن الأوطان والإخافة ما لحق ذرّيّته وولده ، ولم يجرِ على طائفة من النّاس من ضروب النِّكال ما جرى عليهم ؛ فقُتلوا بالفتك والغيلة والاحتيال ، وبُني على بشرٍ منهم من البنيان وهم أحياء ، وعُذّبوا بالجوع والعطش حتّى ماتوا ، وأحوجهم ذلك إلى مفارقة الأوطان والتغرّب في البلدان ، وكتمان نسبهم والاستخفاء حتّى عن أحبّائهم ، وجانبهم النّاس مخافة على أنفسهم وذراريهم من جبابرة الزمان ؛ وكلُّ ذلك يُوجب قلّة عددهم وانقطاع نسلهم ، وهم مع ذلك أكثر ذرّيّة أحد من الأنبياء والأولياء وسائر النّاس ، وفي ذلك خرق للعادة .

أقول : وكفى في ذلك أنّ بني اُميّة قد قتلوا في يوم كربلاء من آل الرسول (صلّى الله عليه وآله) مع الحسين (عليه السّلام) سبعة عشر رجلاً ، وقتلوا جماعة من الأطفال ، وقتلوا مسلم بن عقيل بالكوفة ، ولمْ يبقَ منهم غيرُ العليل زين العابدين (عليه السّلام) وثلاثة أو أربعة من الصبيان ، وسمّوا الحسن (عليه السّلام) ، وقتلوا زيد بن علي ، ويحيى بن زيد وغيرهم من بني هاشم .

وقتل بنو العبّاس الكثيرين منهم ، وبنَوا على بعضهم الحيطان وهدموا عليهم الحبوس ، وما زادهم الله بذلك إلاّ بركةً ونموّاً .


الصفحة (148)

تَتبْعوكُـمْ ورامُـوا محْوَ فضـلِكمُ   وخيّبَ اللهُ مَنْ في ذلكُمْ طمِعا

أنّى وفي الصلواتِ الخمسِ ذكْركُمُ   لدى التَّشهُّـدِ للتوحيدِ قدْ شَفعا

* * *

المجلس التاسع والتسعون بعد المئة

قال الإمام علي لابنه الحسن (عليهما السّلام) : (( لا تدعونَّ إلى مبارزةٍ ، فإنْ دُعيت إليها فأجبْ ؛ فإنّ الداعي إليها باغٍ مقتول )) . قيل : أنّه (عليه السّلام) ما دعا إلى مبارزة قط ، وإنّما كان يُدعى هو بعينه ، أو يُدعى : مَن يبارز ؟ فيخرج إليه فيقتله .

دعا بنو ربيعة بن عبد شمس بني هاشم إلى البراز يوم بدر ، فخرج علي (عليه السّلام) فقتل الوليد ، واشترك هو وحمزة في قتل عتبة بن ربيعة . ودعا طلحة إلى البراز يوم اُحد ، فخرج (عليه السّلام) إليه فقتله . ودعا مرحب إلى البراز يوم خيبر ، فخرج (عليه السّلام) إليه فقتله . ودعا عمرو بن عبد ود يوم الخندق إلى البراز ، فخرج (عليه السّلام) إليه فقتله .

قال ابن أبي الحديد : وإنّ خروجه إلى عمرو يوم الخندق أجلُّ من أنْ يُقال جليلة ، وأعظم من أنْ يُقال عظيمة ، وما هي إلاّ كما قال أبو الهذيل ، وقد سأله سائل : أيّما أعظم منزلة عند الله علي أمْ غيره ؟ فقال : يا ابن أخي ، والله ، لَمبارزة علي عمراً يوم الخندق تعِدل أعمال المهاجرين والأنصار وطاعتهم ، وتُربي عليها ، فضلاً عن رجل واحد .

وروي عن ربيعة بن مالك ، قال : أتيت حذيفة بن اليمان ، فقلت : يا أبا عبد الله ، إنّ النّاس يتحدّثون عن علي بن أبي طالب ومناقبه ، فيقول لهم أهل البصرة : إنّكم لتفرّطون في تقريض هذا الرجل ، فهل أنت مُحدّثي بحديث عنه


الصفحة (149)

أذكره للناس ؟ فقال : يا ربيعة ، ما الذي تسألني عن علي ؟ وما الذي اُحدثك عنه ؟ والذي نفس حذيفة بيده ، لو وُضع جميع أعمال اُمّة محمّد (صلّى الله عليه وآله) في كفّة ، منذ بعث الله محمّداً (صلّى الله عليه وآله) إلى يوم النّاس هذا ، ووُضع عمل واحد من أعمال علي في الكفّة الاُخرى ، لرجح على أعمالهم كلِّها . فقال ربيعة : ما هذا المدح الذي لا يُقام له ولا يُقعد ولا يُحمل ؟! إنّي لأظنّه إسرافاً يا أبا عبد الله . فقال حذيفة : يا لُكَع(1) ! وكيف لا يُحمل ؟! وأين كان المسلمون يوم الخندق وقد عبر إليهم عمرو وأصحابه فملكهم الهلع والجزع ، ودعا إلى المبارزة فأحجموا عنه حتّى برز إليه عليٌّ فقتله ؟! والذي نفس حذيفة بيده ، لَعملُه ذلك اليوم أعظمُ أجراً من أعمال اُمّة محمّد (صلّى الله عليه وآله) إلى هذا اليوم ، وإلى أنْ تقوم القيامة .

وقال جابر بن عبد الله الأنصاري ـ رضي الله عنه ـ : والله ، ما شبهت يوم الأحزاب قتل علي عمراً ، وتخاذل المشركين بعده إلاّ بما قصّه الله تعالى من قصة طالوت وجالوت في قوله تعالى : ( فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ )(2) . وقال أبو بكر بن عيّاش : لقد ضرب عليُّ بن أبي طالب (عليه السّلام) ضربةً ما كان في الإسلام أيمن منها ، ولقد ضُرب عليٌّ (عليه السّلام) ضربة ما كان في الإسلام أشأم منها ؛ وهي ضربة عبد الرحمن بن ملجم .

أقول : وهي الضربة التي شقّت رأس أمير المؤمنين (عليه السّلام) إلى موضع سجوده ، وهو في صلاته ، فنادى (عليه السّلام) : (( قتلني اللعين ابن اليهوديّة . فُزتُ وربّ الكعبة )) . أجل والله ، لمْ يكنْ في الإسلام أشأم من تلك الضربة ، فهي التي هدّمت أركان الهُدى وفصمت العُروة الوثقى ، وسدّت باب مدينة علم المصطفى .

وهناك ضربات اُخرى في الإسلام مشؤومة ؛ وهي ضربة مالك بن النّسر الكندي للحسين بن علي (عليه السّلام)

__________________

(1) لكع : لئيم أو ذليل .    ـ المؤلّف ـ

(2) سورة البقرة / 251 .


الصفحة (150)

بالسّيف على رأسه ، وكان على رأسه برنس فقطع البرنس ووصل السّيف إلى رأسه ، فامتلأ البرنس دماً ، فقال له الحسين (عليه السّلام) : (( لا أكلت بيمينك ولا شربت بها ، وحشرك الله مع القوم الظالمين )) .

وضربة زرعة بن شريك له على كتفه الأيسر ، وضربة رجل له بالسّيف على عاتقه المُقدّس ضربةً كبا بها لوجهه ، وكان قد أعيا فجعل يقوم ويكبو ، وضربة شمر بن ذي الجوشن حين جاء إليه فاحتزّ رأسه الشريف ، وهو يقول : والله ، إنّي لأحتزّ رأسك وأعلم أنّك السيّد المُقدّم ، وابن رسول الله ، وخير النّاس أباً و اُمّاً .

قتلُوهُ بعدَ علمٍ منهُمُ   أنّهُ خامسُ أصحابِ العَبا

* * *

يابنَ الذينَ توارَثُوا الـ   ـعـلْيَا قَـبيلاً عنْ قبيلِ
والـسّـابقينَ بـمجدهمْ   فـي كلِّ جيلٍ كلَّ جيلِ
إنْ تُـمسَّ مُنكسِـرَ اللّوا   ملقىً على وجهِ الرُّمولِ
فـلـقدْ قُـتلتَ مُـهذَّباً   منْ كلِّ عيبٍ في القتيلِ
جـمُّ الـمِناقبِ لـمْ تكُنْ   تُـعطي العِدا كفَّ الذليلِ
يُـهدَى لك الذِّكرُ الجميـْ   ـلُ على الزَّمانِ المُستطيلِ

* * *


الصفحة ( 151 )

المجلس المئتين

في كتاب روضة الواعظين بإسناد ذكره : أنّ قريشاً أصابتهم أزمة(1) شديدة ، وكان أبو طالب ذا عيال كثير ، فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) للعبّاس عمّه ـ وكان من أيسر بني هاشم ـ : (( يا عبّاس ، إنّ أخاك أبا طالب كثير العيال ، وقد أصاب النّاس ما ترى من هذه الأزمة ، فانطلق بنا نخفّف عنه من عياله ؛ آخذ من بنيه رجلاً ، وتأخذ من بنيه رجلاً ، فنكفهما عنه )) . قال العبّاس : نعم . فانطلقا حتّى أتيا أبا طالب ، فقالا : إنّا نُريد أنْ نخففّ عنك عيالك حتّى ينكشف عن النّاس ما هم فيه . فقال أبو طالب : إنْ تركتما لي عقيلاً ، فاصنعا ما شئتما . فأخذ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عليّاً (عليه السّلام) فضمّه إليه ، وأخذ العبّاس جعفراً فضمّه إليه . فلَمْ يزل علي بن أبي طالب (عليه السّلام) مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حتّى بعثه الله نبيّاً ، واتّبعه عليٌّ وآمن به وصدّقه ، ولَمْ يزل جعفر مع العبّاس حتّى أسلم واستغنى عنه .

قال الصادق (عليه السّلام) : (( أوّل جماعة كانت ، أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كان يُصلّي وأمير المؤمنين معه ، إذ مرّ أبو طالب به وجعفر معه ، قال : يا بُني ، صِلْ جناحَ ابن عمِّك . فلمّا أحسّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) تقدَّمَهما ، وانصرف أبو طالب مسروراً ، وهو يقول :

إنّ عليّاً وجـعفـراً ثِقـتِي   عندَ مُلمِ الزَّمانِ والكُرَبِ

لا تخْذُلا وانْصُـرا ابنَ عمِّكُما   أخي لاُمِّي منْ بينهمْ وأبي

__________________

(1) الأزْمَة ، بالفتح فالسكون : الشِّدَّة ، ويجوز : أزَمَة بفتحتين .  ـ المؤلّف ـ


الصفحة (152)

واللهِ لا أخذلُ النّبيَّ ولا   يخذلُهُ منْ بنيَّ ذو حسبِ

قال أبو الحسن المدائني : كتب معاوية إلى أمير المؤمنين (عليه السّلام) : يا أبا الحسن ، إنّ لي فضائل كثيرة ؛ كان أبي سيّداً في الجاهليّة ، وصُيّرت ملكاً في الإسلام ، وأنا صهر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وخال المؤمنين ، وكاتب الوحي . فلمّا قرأ أمير المؤمنين (عليه السّلام) كتابه ، قال : (( أبالفضائلِ يفخر عليّ ابنُ آكلة الأكباد ؟! يا غُلام اكتب )) . وأملى عليه :

مـحمّدٌ النّبيُّ أخي وصنوي   وحـمزةُ سيّدُ الشُّهداءِ عمِّي
وجعفرٌ الذي يُضحي ويُمسي   يَطيرُ معَ الملائكةِ ابنُ اُمِّي
وبنتُ مُحمّدٍ سَكنِي وعُرسي   مَـنوطٌ لحمُها بدَمِي ولحمي
وسِـبطا أحـمدٍ إبْنايَ منٍها   فـمَنْ منكُمْ له سهمٌ كسهْمِي
سبقتُكمُ إلـى الإسلامِ طُرَّاً   غُلاماً ما بلغُتُ أوانَ حِـلْمي
وأوجـبَ ليْ ولايتَهُ عليكُمْ   رسـولُ اللهِ يـومَ غديرِ خُمِّ
فـويلٌ ثمّ ويـلٌ ثمّ ويلٌ   لـمَنْ يلقَى الإلهَ غداً بظُلمي

فلمّا قرأه معاوية ، قال : مزّقه يا غلام ، لا يقرأه أهل الشام فيميلون نحو ابن أبي طالب .

قال عامر الشعبي : تكلّم أمير المؤمنين علي (عليه السّلام) بتسع كلمات ارتجلهنَّ ارتجالاً ، فقأن عيون البلاغة ، وأيتمن جواهر الحكمة ، وقطعن جميع الأنام عن اللحاق بواحدة منهنّ ؛ ثلاث منها في المناجاة ، وثلاث منها في الحكمة ، وثلاث منها في الأدب : فأمّا اللائي في المناجاة ، فقال (عليه السّلام) : (( إلهي ، كفى بي عزّاً أنْ أكون لك عبداً ، وكفى بي فخراً أنْ تكون لي ربّاً . أنت كما اُحبّ فاجعلني كما تُحب )) ؛ وأمّا اللائي في الحكمة ، فقال (عليه السّلام) : (( قيمةُ كلِّ امرئٍ ما يُحسنه ، وما هلك امرؤٌ عرف قدره ، والمرء مخبوء تحت لسانه )) ؛ وأمّا اللائي في الأدب ، فقال (عليه السّلام) : (( امنُنْ على مَن شئتَ


الصفحة (153)

تكُنْ أميرَه ، واحتج إلى مَن شئتَ تكُنْ أسيرَه ، واستغنِ عمَّنْ شئتَ تكُنْ نظيرَه )) . وعلي وأولاده (عليهم السّلام) هُم معادن الحكمة ، ومنابع الفصاحة والبلاغة ، كما أنّهم ليوث الشجاعة .

ولمّا كان يوم كربلاء ، خطب ولده الحسين (عليه السّلام) في أهل الكوفة خُطباً كثيرةً ، ووعظهم بمواعظ جمّة ، فلمْ يُسمع متكلّمٌ قطّ قبله ولا بعده أبلغ في منطقٍ منه .

لهُ منْ عليٍّ في الحُروبِ شجاعةٌ   ومِنْ أحمدٍ عندَ التّكلمِ قيلُ

* * *

للسـانهِ وسـنانـهِ   صدقانِ من طعنٍ وقيلِ

خلطَ البَراعةَ بالشَّجا   عةِ فالصَّليلُ عنْ الدليل ِ

وتقدّم في بعض المواقف حتّى وقف بإزاء القوم ، فجعل ينظر إلى صفوفهم كأنّهم السّيل ، ونظر إلى ابن سعد واقفاً في صناديد الكوفة ، فخطب فيهم فقال :

(( الحمد لله الذي خلق الدّنيا فجعلها دار فناء وزوال ، متصرّفة بأهلها حالاً بعد حال ، فالمغرور مَنْ غرّته والشقيّ مَنْ فتنته ، فلا تغرّنكم هذه الدّنيا ؛ فإنّها تقطع رجاء مَنْ ركن إليها وتخيب طمع مَنْ طمع فيها . وأراكم قد اجتمعتم على أمر قد أسخطتم الله فيه عليكم ، وأعرض بوجهه الكريم عنكم ، وأحلّ بكم نقمتة وجنّبكم رحمته ، فنعم الربّ ربّنا وبئس العبيد أنتم ! أقررتم بالطّاعة وآمنتم بالرسول محمّد (صلّى الله عليه وآله) ، ثمّ إنّكم زحفتم إلى ذريّته وعترته تريدون قتلهم ، لقد استحوذ عليكم الشيطان فأنساكم ذكر الله ، فتبّاً لكم ولِما تُريدون ! إنّا لله وإنّا إليه راجعون ، هؤلاء قوم كفروا بعد إيمانهم ، فبُعداً للقوم الظالمين )) . فقال ابن سعد : ويلكم كلّموه ! فإنّه ابن أبيه . فوالله ، لَو وقف فيكم هكذا يوماً جديداً ، لما انقطع ولما حصر .

فتقدّم شمر فقال : يا حسين ، ما هذا الذي تقول ؟ أفهمنا حتّى


الصفحة (154)

نفهم . فقال : (( أقول : اتّقوا الله ربّكم ولا تقتلوني ؛ فإنّه لا يحلّ لكم قتلي ولا انتهاك حرمتي ؛ فإنّي ابن بنت نبيّكم ، وجدّتي خديجة زوجة نبيّكم ، ولعلّه قد بلغكم قول نبيّكم : الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة )) . ثمّ قال : (( فإنْ كنتم في شكّ من هذا ، أفتشكّون في أنّي ابن بنت نبيّكم ؟ فوالله ، ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبيّ غيري فيكم ولا في غيركم . ويحكم ! أتطلبونني بقتيل منكم قتلتُه أو مال لكم استهلكتُه أو بقصاص من جراحة ؟! )) . فأخذوا لا يكلّمونه ، فنادى : (( يا شبث بن ربعي ، ويا حجّار بن أبجر ، ويا قيس بن الأشعث ، ويا يزيد بن الحارث ، ألم تكتبوا إليّ : أنْ قد أينعت الثّمار واخضرّت الجنان ، وإنّما تقدم على جند لك مجنّدة ؟ )) . فقال له قيس بن الأشعث : ما ندري ما تقول ، ولكن انزل على حكم بني عمّك فإنّهم لنْ يرَوك إلاّ ما تُحب . فقال الحسين (عليه السّلام) : (( لا والله ، لا اُعطيكم بيدي إعطاء الذّليل ، ولا أقرّ لكم إقرار العبيد )) .

بأبي أبيّ الضّيمِ لا يُعطيْ العِدى   حذَرَ المنيّةِ منه فضلَ قـيادِ

* * *

فأبَى أنْ يعيشَ إلاّ عزيزاً   أو تَجلَّى الكفاحُ وهو صريع ُ

رُمْحُهُ من بَنانِهِ وكأنّ منْ   عزمـهِ حدُّ سيفهِ مطبوع ُ

* * *

المجلس الحادي بعد المئتين

ذكر ابن أبي الحديد : إنّ القول بتفضيل علي (عليه السّلام) قول قديم قد قال به كثير من الصحابة والتابعين ، وعُدّ من الصحابة خمسة عشر رجلاً ،


الصفحة (155)

ثُمّ قال : وكان من بني اُميّة قوم يقولون بذلك ، منهم : خالد بن سعيد بن العاص ، وعمر بن عبد العزيز . قال : وأنا أذكر هنا الخبر المروي المشهور عن عمر بن عبد العزيز ، وهو من رواية ابن الكلبي ، قال : بينا عمر بن عبد العزيز جالساً دخل حاجبه ، ومعه امرأة ورجلان متعلّقان بها ، ومعهم كتاب من ميمون بن مهران إلى عمر فيه :

أمّا بعد ، فإنّه ورد علينا أمر ضاقت به الصدور ، وعجزت عنه الأوساع ، وهربنا بأنفسنا عنه ووكّلناه إلى عالمه ، لقوله تعالى : ( وَلَوْ رَدّوهُ إِلَى الرّسُولِ وَإِلَى‏ اُولِي الأَمْرِ )(1) ، وهذه المرأة والرجلان أحدهما زوجها والآخر أبوها ، وإنّ أباها زعم أنّ زوجها حلف بطلاقها أنْ علي بن أبي طالب (عليه السّلام) خير هذه الاُمّة ، وأولاها برسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، ويزعم أنّ ابنته طُلقت منه . والزوج يقول له : كذبت وأثمت ، لقد برّ قسمي وصدقت مقالتي ، وإنّها امرأتي على رغم أنفك وغيظ قلبك . فاجتمعوا إليّ يختصمون ، وتسامع النّاس فاجتمعوا ، وقد علمت يا أميرالمؤمنين ، اختلاف النّاس في أهوائهم وتسرّعهم إلى ما فيه الفتنة ، فأحجمنا عن الحكم لتحكم فيما أراك الله .

وكتب في أسفل الكتاب :

إذا ما المشكلاتُ وردنَ يوماً  فـحارتْ في تأمّلها العيونُ
وضاقَ القومُ ذَرْعاً من نباهَا  فـأنتَ لها أبا حفصٍ أمينُ
لأنّـك قدْ حويتَ العِلمَ طُرّاً  وأحكَمكَ التَّجاربُ والشؤونُ
وخـلَّفكَ الإلهُ على الرَّعايا  فـحظُّكَ فيهمُ الحظُّ الثَّمينُ

فجمع عمر بن عبد العزيز بني هاشم وبني اُميّة وأفخاذ قريش ، ثمّ قال لأبي المرأة : ما تقول ؟ فقال : هذا الرجل حلف بطلاق ابنتي كاذباً ، ثمّ أراد الإقامة معها . فقال له عمر : لعلّه لَمْ يطلّق امرأته ، فكيف حلف ؟ قال الشيخ : الذي حلف عليه أبين كذباً من أنْ يختلج في صدري منه شكّ ؛ لأنّه زعم أنّ

_________________

(1) سورة النّساء / 83 .


الصفحة (156)

عليّاً خير هذه الاُمّة ، وإلاّ فامرأته طالق ثلاثاً . فقال للزوج : أهكذا حلفت ؟ قال : نعم . فلمّا قال نعم ، كاد المجلس يرتجّ بأهله ، وبنو اُميّة ينظرون إليه شزراً إلاّ أنّهم لمْ ينطقوا بشيء ، كلّ ينظر إلى وجه عمر ، فأكبّ عمر مليّاً ينكت الأرض بيده ، والقوم صامتون ينظرون ما يقوله ، ثمّ رفع رأسه وقال :

إذا وليَ الحكومةَ بينَ قومٍ  أصابَ الحقَّ والتمسَ السَّدادا

وما خيرُ الأنامِ إذا تعدَّى  خلافَ الحقِّ واجتنبَ الرَّشادا

ثُمّ قال : ما تقولون في يمين هذا الرجل ؟ فسكتوا . فقال : سبحان الله ! قولوا ؟ فقال رجل من بني اُميّة : هذا حكمٌ في فرج ، ولسنا نجترئ على القول فيه . قال : قلْ ما عندك ؛ فإنّ القول ما لم يحقّ باطلاً أو يبطل حقّاً جائز عليّ في مجلسي . قال : لا أقول شيئاً . فالتفت إلى رجل من ولد عقيل بن أبي طالب ، فقال : ما تقول يا عُقيلي ؟ فاغتنمها ، فقال : يا أمير المؤمنين ، إنْ جعلت قولي حكماً وحكمي جائزاً قلت ، وإلاّ فالسكوت أوسع لي وأبقى للمودّة . قال : قلْ وقولك حكم وحكمك ماضٍ . فقال بنو اُميّة : ما أنصفتنا يا أمير المؤمنين ، إذ جعلت الحكم إلى غيرنا ، ونحن من لحمتك واُولي رحمك . فقال عمر : اسكتوا عجزاً ولؤماً ، عرضت ذلك عليكم آنفاً فما انتدبتم له . قالوا : لأنّك لم تعطنا ما أعطيت العقيلي . فقال : إنْ كان أصاب وأخطاتم ، وحزم وعجزتم ، وأبصر وعميتم فما ذنب عمر ؟ لا أباً لكم ، أتدرون ما مثلكم ؟ قالوا : لا . قال : لكن العقيلي يدري ، ثمّ قال : ما تقول ؟ قال : مثلهم كما قال الأوّل :

دُعيـتمْ إلى أمرٍ فلمّا عجزتُمُ  تناولَـهُ مََـن لا يُداخلـه عـجز ُ

فلمّا رايتم ذاك أبدت نفوسكم  نداماً وهل يغني من الحذر الحرزُ

فقال عمر : أحسنت وأصبت ، فقل ما سألتك عنه . قال : يا أمير المؤمنين ،


الصفحة (157)

برّ قسمه ، ولم تُطلّق امرأته . قال : وأنّى علمت ذلك ؟ قال : نشدتك الله يا أمير المؤمنين ، ألم تعلم أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال لفاطمة (عليها السّلام) ، وهو عندها في بيتها عائد لها : (( يا بُنيّة ، ما علّتُك ؟ )) . قالت (عليها السّلام) : (( الوعك يا أبتاه )) . ـ وكان علي (عليه السّلام) غائباً في بعض حوائج النّبي (صلّى الله عليه وآله) ـ فقال لها (( أتشتهين شيئاً ؟ )) . قالت (عليها السّلام) : (( نعم ، أشتهي عِنباً ، وأنا أعلم أنّه عزيز وليس وقت عنب )) . فقال (صلّى الله عليه وآله) : (( إنّ الله قادر على أنْ يجيئنا به )) . ثُمّ قال (صلّى الله عليه وآله) : (( اللهمّ ، ائتنا به مع أفضل اُمّتي عندك منزلة )) . فطرق علي (عليه السّلام) الباب ودخل ، ومعه مكتل قد ألقى عليه طرف ردائه ، فقال له النّبي (صلّى الله عليه وآله) : (( ما هذا يا علي ؟ )) . قال : (( عنب التمسته لفاطمة )) . فقال (صلّى الله عليه وآله) : (( الله أكبر الله أكبر ! اللهمّ ، كما سررتني بأنْ خصصت عليّاً بدعوتي ، فاجعل فيه شفاءَ بُنيّتي )) . ثُمّ قال (صلّى الله عليه وآله) : (( كُلي على اسم الله يا بُنيّة )) . فأكلت ، وما أنْ خرج رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حتّى استلقت وبرئت .

فقال عمر : صدقت وبررت ، أشهد لقد سمعته ووعيته . يا رجل ، خُذ بيد امرأتك ؛ فإنْ عرض لك أبوها فاهشم أنفه . ثمّ قال : يا بني عبد مناف ، والله ، ما نجهل ما يعلم غيرنا ، ولا بنا عمىً في ديننا ، ولكن كما قال الأوّل :

تـصيَّدتْ الدُّنيا رجـالاً بفخِّها  فلمْ يُدركوا خيراً بل استحْقَبوا شَرّا

وأعمـاهُمُ حبُّ الغِنى وأصمَّهُمْ  فلمْ يُدركوا إلاّ الخـسارةَ والوزْرا

قال : فكأنّما اُلقم بني اُميّة حجراً ، ومضى الرجل بامرأته .

وعمر بن عبد العزيز هو الذي رفع السّب عن مولانا أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، وردّ فدكاً إلى أولاد فاطمة (عليها السّلام) ، وقد كان بنو اُميّة جعلوا سبّه فرضاً من الفروض الواجبة ، فكان يُسبّ على جميع منابر الإسلام في أقطار الأرض ، في الأعياد والجماعات حتّى رفعه عمر بن عبد العزيز في زمن خلافته . وفي ذلك يقول الشريف الرضي ـ رضي الله عنه ـ :


الصفحة (158)

يابنَ عبدِ العزْيزِ لو بكتْ العيْـ  ـنُ فتىً من اُميّةَ لبكـيتكْ

أنتَ نزْهتَـنا عن الـسّبِّ والشّتـْ  ـمِ فلو أمكنََ الجزاءُ جزيتُكْ

وبنو اُميّة قد دخلوا في الإسلام كرهاً ، وبقيت في نفوسهم أحقاد بدر ويوم الفتح ، بما قتله منهم بنو هاشم حين كان جدّهم أبو سفيان يحارب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بكلِّ جهد ويكيد الإسلام ما استطاع ، فلمّا كان يوم الفتح ، أظهر الإسلام ليحقن دمه ، وأسرّ النّفاق ، وبقيت أحقاد بدر في نفسه ، ونفوس أبنائه وذرّيّته حتّى أظهرها يزيد يوم جيء إليه باُسارى أهل بيت النّبوّة ، ومعهم رأس الحسين (عليه السّلام) ورؤوس أصحابه ، وكان يزيد في منظرة على جيرون ، فأنشأ يقول :

لمّا بَـدتْ تلكَ الحـمـولُ وأشرقَتْ  تلكَ الشّموسُ على رُبى جيرونِ

نَعبَ الغُرابُ فقلتُ صحْ أو لا تَصحْ  فلقدْ قضيْتُ من الغـريمِ دُيوني

وغريمه هو رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، فقضى ديونه منه بقتل أولاده وذرّيّته وسبي نسائه ، وأخذ بذلك ثأره في يوم بدر ، ولمّا اُدخلت عليه الرؤوس والأسرى ، ووُضع رأس الحسين (عليه السّلام) بين يديه ، جعل يقول مظهراً للفرح والشماتة ، ومجاهراً بالكفر :

لـيتَ أشـياخي ببدرٍ شَهدوا  جَزعَ الخزْرجِ منْ وقْعِ الأسلْ
لأهـلّـوا واسْـتهلّوا فـرحاً  ثمّ قـالوا يـا يزيدُ لا تشلْ
قـدْ قـتلْنا القَرمَ منْ ساداتِهمْ  وعَـدلْـناهُ بـبدْرٍ فـاعتَدَلْ 

لـعبتْ هـاشمُ بـالمُلكِ فلا  خـبرٌ جـاء ولا وحيٌ نَزلْ

* * *


الصفحة (159)

ألا َيابنَ هندٍ لا سقَـى اللهُ تُربةً  ثويتَ بمثْواها ولا اخضرَّ عُودُها

أتسـلبُ أثـوابَ الخلافةِ هاشماً  وتطرِدُها عنها وأنـتَ طـريدُها

المجلس الثاني بعد المئتين (1)

قال الله تعالى في سورة الأحزاب : ( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً * إِذْ جَآءُوكُمْ من فَوْقِكُمْ وَمن أَسْفَلَ منكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنّونَ بِاللّهِ الظّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمنونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً * وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مّرَضٌ مّا وَعَدَنَا اللّهُ وَرَسُولُهُ إِلاّ غُرُوراً )(2) إلى قوله تعالى : ( وَلَمّا رَأَى الْمُؤْمنونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هذَا مَا وَعَدَنَا اللّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً * من الْمُؤْمنينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللّهَ عَلَيْهِ فَمنهُم مّن قَضَى‏ نَحْبَهُ وَمنهُم مّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدّلُوا تَبْدِيلاً * لّيَجْزِيَ اللّهُ الصّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذّبَ الْمُنَافِقِينَ إِن شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنّ اللّهِ كَانَ غَفُوراً رّحِيماً * وَرَدّ اللّهُ الّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وَكَفَى اللّهُ الْمُؤْمنينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً )(3) .

نزلت هذه الآية في وقعة الأحزاب ، وتُسمّى : وقعة الخندق ، وكانت سنة خمس من الهجرة ، وسببها أنّه كان بنواحي المدينة ثلاثة بطون من اليهود ، وأصلهم من يهود فلسطين

__________________________

(1) تقدّمت وقعة الأحزاب في الجزء الثاني ، وأعدناها لزيادات لمْ تُذكر هناك .

(2) سورة الأحزاب / 9 ـ 12 .

(3) سورة الأحزاب / 22 ـ 25 .


الصفحة (160)

الذين جاؤوا إلى الحجاز ، وهم : بنو قينقاع وبنو النّضير وبنو قُريظة ، وكان بينهم وبين النّبي (صلّى الله عليه وآله) معاهدة ومهادنة ، فنقصوا العهد جميعهم ، وأوّل مَن نقضه بنو قينقاع فنفاهم إلى أذرعات ، ثُمّ نقضه بنو النّضير ، أرادوا أنْ يلقوا صخرة على النّبي (صلّى الله عليه وآله) من فوق سطح ، فأخبره جبرائيل بذلك فقام ، ثمّ قال لهم : (( اخرجوا من بلادي ولا تُساكنوني )) . فامتنعوا فحاصرهم .

وجاء رجل من شجعانهم ليلاً ليغتال النّبي (صلّى الله عليه وآله) ، ومعه تسعة أنفس ، فقتله علي (عليه السّلام) وهربت التسعة ، فأخذ علي (عليه السّلام) معه جماعة ولحقوهم فقتلوهم ، فعند ذلك استولى الخوف على بني النّضير ، فطلبوا من النّبيّ (صلّى الله عليه وآله) أنْ يسمح لهم بالخروج ، فسمح لهم على أنْ يأخذوا من أموالهم ما أمكنهم حمله عدا السّلاح ، وخرجوا إلى خيبر .

وبعد وقعة اُحد جاء جماعة من رؤساء بني النّضير ، منهم حُيَي بن أخطب إلى مكّة ، فهيّجوا قريشاً على محاربة النّبيّ (صلّى الله عليه وآله) ، فقال لهم أبو سفيان : مرحباً وأهلاً ، أحبّ النّاس إلينا مَن أعاننا على عداوة محمّد . وأرسلوا إلى قبائل من العرب فوافقتهم على ذلك ، وأرسل أبو سفيان حُيَي بن أخطب رئيس بني النّضير إلى كعب بن أسد رئيس بني قُريظة لينقض العهد ، فأبى وقال : ما رأيت من محمّد إلاّ صدقاً ووفاءً . فراوده حُيَي كثيراً حتّى قَبِل ومزّق العهد ، وبلغ ذلك النّبيَّ (صلّى الله عليه وآله) .

فجاء نعيم بن مسعود ، وهو من غَطْفان ، إلى النّبيّ (صلّى الله عليه وآله) فقال : إنّي أسلمت ولمْ يعلم بيّ قومي ، فمرني بما تريد ؟ فقال (صلّى الله عليه وآله) : (( خذّل عنّا ؛ فإنّ الحرب خُدعة )) . فجاء إلى بني قُريظة ، وكانوا ندماءه في الجاهليّة ، فقال : قد عرفتم حُبّي لكم ؟ قالوا : لست عندنا بمتّهم . قال : قد ضاهرتم قريشاً على حرب محمّد ولستم مثلهم ، أنتم أهل هذه البلاد وهم غرباء ، فإنْ غلبهم محمّد ذهبوا إلى بلادهم وتركوكم ، فلا تحاربوا معهم حتّى يُعطوكم رهينة . وجاء إلى قريش ، وقال : بلغني أنّ قُريظة ندموا وبعثوا إلى محمّد : هل يُرضيك أنْ نأخذ


الصفحة (161)

رجالاً من قريش وندفعهم إليك فتقتلهم ؟ فإنْ طلبت قُريظة رهناً ، فلا تُعطوهم .

فلمّا طلبت قُريظة منهم الرهن ، قالوا : صدق نعيم ، ولمْ يعطوهم . فقالت قُريظة : الذي قال نعيم حقّ . فلمْ تحارب معهم ، واجتمعت قريش ومَن تحزّب معها من قبائل العرب واليهود فكانوا عشرة آلاف ، وقصدوا المدينة ، كما قال الله تعالى : ( جَآءُوكُمْ من فَوْقِكُمْ وَمن أَسْفَلَ منكُمْ )(1) . فبلغ خبرهم النّبي (صلّى الله عليه وآله) ، فأخبر النّاس وندبهم وشاورهم ، فأشار سلمان الفارسي بحفر خندق حول المدينة ، فأعجب ذلك المسلمين ، وقسّمه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بين كلّ عشرة أربعين ذراعاً ، فأحتق(2) المهاجرون والأنصار في سلمان كلّ يقول منّا ، فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( سلمان منّا أهل البيت )) . وجعلوا يحفرون الخندق مستعجلين حتّى أتمّوه في ستة أيام أو أكثر .

وجاء الأحزاب ونزلوا بجانب الخندق ، وخرج النّبي (صلّى الله عليه وآله) في ثلاثة آلاف ، فضرب معسكره إلى سفح سلع ـ وهو جبل فوق المدينة ـ وجعل سلعاً خلف ظهره والخندق بينه وبين القوم ، ولمْ يكن الخندق محيطاً بالمدينة من جميع جوانبها ، بل كان الجانب الذي من ناحية سلع مشبكاً بالبنيان لا يستطيع العدو أنْ يأتي منه ، وإنّما حُفر الخندق من الجانب الذي هو غير محصّن .

وعظم البلاء ، واشتدّ الخوف وساءت الظنون ، وهو قوله تعالى : ( وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنّونَ بِاللّهِ الظّنُونَا )(3) . ونجم النّفاق حتّى قال بعض المنافقين : كان محمّد يعدنا كنوز كسرى وقيصر ، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أنْ يذهب إلى الغائط ، وهو قوله تعالى : ( وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مّرَضٌ مّا وَعَدَنَا اللّهُ وَرَسُولُهُ إِلاّ غُرُوراً )(4) . . . ( وَلَمّا رَأَى الْمُؤْمنونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هذَا مَا وَعَدَنَا اللّهُ وَرَسُولُهُ )(4) .

_______________

(1) سورة الأحزاب / 10 .

(1) أي : اختصموا .

(3) سورة الأحزاب / 10 .

(4) سورة الأحزاب / 12 .

(5) سورة الأحزاب / 22 .


الصفحة (162)

وأيقنوا بالنّصر : ( وما زادهم ) ما رأوا من البلاء ( إلاّ إيمانا ) بالله ( وتسليماً ) لقضائه . ( من الْمُؤْمنينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللّهَ عَلَيْهِ )(1) . بأنّهم إذا لقوا حرباً مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ثبتوا وقاتلوا حتّى يُقتلوا أو ينتصروا : ( فَمنهُم مَّن قَضَى‏ نَحْبَهُ ) . عن ابن عبّاس : هو حمزة ومَن قُتل معه : ( وَمنهُم مّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدّلُوا تَبْدِيلاً ) . عن علي (عليه السّلام) : (( فينا نزلت ، وأنا والله ، المنتظر وما بدّلت تبديلاً )) .

ولمّا اشتدّ البلاء ، ورآى النّبي (صلّى الله عليه وآله) ضعف قلوب الأكثرين ، بعث إلى عيينة بن حصن ، وإلى الحارث بن عوف ـ وهما قائدا غَطْفان ـ فأعطاهما ثلث ثمار المدينة على أنْ يرجعا بمَن معهما ، وبعث إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فأخبرهما ، فقالا : يا رسول الله ، شيء أمرك الله به لا بدّ لنا منه ، أمْ شيء تصنعه لنا ؟ فقال (صلّى الله عليه وآله) : (( بل شيء أصنعه لكم )) . فقال سعد بن معاذ : قد كنّا نحن وهؤلاء القوم على الِشرك وعبادة الأوثان ، وهم لا يطمعون أنْ يأكلوا منّا ثمرة إلاّ قرى أو بيعاً ، أفحين أكرمنا الله بالإسلام ، وأعزّنا بك وبه نُعطيهم أموالنا ؟ والله ، لا نعطيهم إلاّ السّيف حتّى يحكم الله بيننا وبينهم .

وأقام المسلمون بضعاً وعشرين ليلة ، وعدوّهم محاصرهم ليس بينهم قتال إلاّ الترامي بالنّبل والحجارة ، وجاءت فوارس من قريش ، منهم : عمرو بن عبد ودّ ، وعكرمة بن أبي جهل ، ونوفل بن عبد الله ، وهبيرة بن أبي وهب المخزوميّان ، وضرار بن الخطاب الفهري ، فأقبلوا تعنق بهم خيلهم حتّى وقفوا على الخندق ، فصاروا إلى مكان ضيّق منه ، فضربوا خيلهم فاقتحمت منه ، فجالت بهم بين الخندق وسلع .

قال الطبري وابن هشام وغيرهما : وخرج علي بن أبي طالب (عليه السّلام) في نفر معهم من المسلمين حتّى أخذ عليهم الثغرة التي أقحموا خيلهم منها ؛ وذلك أنّهم لمّا عبروا الخندق ، بادر علي (عليه السّلام) فرابط عند الثغرة التي أقحموا خيلهم منها ليمنع مَن يريد عبور الخندق من ذلك المكان ؛ فإنّه لم يكن في الحسبان أنّ المشركين

ـــــــــــــ

(1) سورة الأحزاب / 23 .


الصفحة ( 163 )

يعبرون الخندق ، فلمّا رأوهم عبروه على حين غفلة ، بادر علي (عليه السّلام) بمَن معه ليمنعوا غيرهم ، وليقاتلوهم إذا أرادوا الرجوع .

وهذه منقبة انفرد بها علي (عليه السّلام) في هذه الغزاة بمبادرته لحماية الثغرة دون غيره ، حين بدا لهم هذا الأمر الذي لم يكن في الحسبان ، وعلموا أنّ هؤلاء الذين اقتحموا الخندق بخيولهم ، وأقدموا على ما كان يخال أنّه ليس بممكن ، هم من أشجع الشجعان .

قال ابن هشام والطبري : وقد كان عمرو بن عبد ودّ قاتل يوم بدر حتّى أثبتته الجراحة ، فلمْ يشهد اُحداً ، فلمّا كان يوم الخندق خرج معلماً ليرى مكانه .

قال صاحب السّيرة الحلبيّة : فقال عمرو : مَن يبارز ؟ فقام علي ، وقال : (( أنا له يا نبيّ الله ))(1) . فقال النّبي (صلّى الله عليه وآله) : (( اجلس إنّه عمرو )) . ثمّ كرر النّداء وجعل يوبّخ المسلمين ، ويقول : أين جنّتكم التي تزعمون أنّ مَن قُتل منكم دخلها ؟ أفلا يبرز إليّ رجل ؟ وقال :

ولـقدْ بـُححتُ منَ الندا  ءِ بجمعِكُمْ هل منْ مُبارزْ
إنّـي كـذلكَ لـمْ أزَلْ  مُـتسرِّعاً نحو الهزاهزْ
إنّ الـشجاعةَ في الفتَى  والجودَ منْ خيرِ الغرائزْ

فقام علي (عليه السّلام) ، وهو مقنع في الحديد ، فقال : (( أنا له يا رسول الله )) . فقال (صلّى الله عليه وآله) : (( اجلس إنّه عمرو )) . ثمّ نادى الثالثة ، فقام علي (عليه السّلام) ، فقال : (( أنا له يا رسول الله )) . فقال (صلّى الله عليه وآله) : (( إنّه عمرو )) . فقال (عليه السّلام) : (( وإنْ كان عمراً )) . فأذنَ له وأعطاه سيفه ذو الفقار ، وألبسه درعه وعمّمه بعمامته ، وقال (صلّى الله عليه وآله) : (( اللهمّ ، أعنه عليه )) . فبرز إليه علي ، وهو يقول :

لا تـعـجلنَّ فـقـدْ أتـَـا  كَ مُجيبُ صوتِكَ غيرُ عاجزْ

ــــــــــــــــــــــــــ

(1) الظاهر أنّ عليّاً (عليه السّلام) لمّا سمع عمراً يطلب المبارزة ترك مكانه من الثغرة التي كان يحرسها ، وأبقى بها بعض أصحابه ، وجاء إلى النبيّ (صلّى الله عليه وآله) فقام بين يديه ، وقال (عليه السّلام) : (( أنا له يا نبيّ الله )) ؛ فإنّه لم يكن ليبارزه بغير إذنه .   ـ المؤلّف ـ


الصفحة ( 164 )

ذو نــيـَّةٍ وبـصـيـرةٍ  والـصدقُ مَـنجى كلِّ فائزْ
إنـِّـي لأرجُـو أنْ اُقـيـْ  ـمَ عـليكَ نـائحةَ الـجنائِزْ
 منْ ضـربةٍ نـجلاءَ يبـْ  ـقَـى صـيتُها بعد الهزاهزْ

فقال له عمرو : مَن أنت ؟ قال (عليه السّلام) : (( أنا علي )) . قال : ابن مَن ؟ قال (عليه السّلام) : (( ابن عبد مناف ، أنا علي بن أبي طالب )) . فقال : غيرك يابن أخي من أعمامك مَن هو أشدّ منك فانصرف ؛ فإنّي أكره أنْ أهريقَ دمك ؛ فإنّ أباك كان لي صديقاً وكنتُ له نديماً(1) . فقال علي (عليه السّلام) : (( لكنّي والله ، ما أكره أنْ أهريق دمك )) . وقال له علي (عليه السّلام) : (( إنّك كنت تقول : لا يدعوني أحد إلى واحدة من ثلاث إلاّ قبلتها )) . قال : أجل . فدعاه إلى الإسلام ، فقال : أخّر عنّي هذه . قال (عليه السّلام) : (( واُخرى ترجع إلى بلادك ، فإنْ يكُ محمّد صادقاً كنت أسعد النّاس به ، وإنْ يكُ كاذباً كان الذي تريد )) . قال : هذا ما لا تتحدث به نساء قريش أبداً ، كيف وقد قدرت على استيفاء ما نذرت ؟ ـ فإنّه نذرَ لمّا أفلت هارباً يوم بدر وقد جُرح ، أنْ لا يمسّ رأسه دهناً حتّى يقتل محمّداً ـ قال : فالثالثة ؟ قال (عليه السّلام) : (( البراز )) . قال : هذه خصلة ما كنت أظنّ أنّ أحداً من العرب يخوّفني بها ، ولِمَ يابن أخي ؟ فوالله ، ما اُحبّ أنْ أقتلك . فقال علي (عليه السّلام) : (( ولكنّي والله ، اُحبّ أنْ أقتلك )) . وقال له علي : (( كيف اُقاتلك وأنت فارس ؟ )) . فاقتحم عن فرسه وضرب وجهه ، وسلّ سيفه كأنّه شعلة نار ، وأقبل على علي فتنازلا وتجاولا ، فاستقبله عليٌّ (عليه السّلام) بدرقته ، فضربه عمرو فيها فقدّها ، وأثبت فيها السّيف وأصاب رأسه فشجّه ، فضربه علي (عليه السّلام) على حبل عاتقه فسقط ، وكان جابر بن عبد الله الأنصاري قد تبع عليّاً لينظر ما يكون منه ومن عمرو .

قال : فثارث غبرة فما رأيتهما ،

_________________

(1) وإنما قال هذا خوفاً منه ؛ فإنّه كان قد عرف قتلاه ببدر واُحد ، وعلم أنّه إنْ ناهضه قتله علي (عليه السّلام) ، فاستحيا أنْ يُظهر الفشل فأظهر الإبقاء والإرغاء ، وإنّه لكاذب كما حكاه ابن أبي الحديد عن شيخه أبي الخير .  ـ المؤلّف ـ


الصفحة( 165 )

فسمعت التكبير تحتها فعلمت أنّ عليّاً قد قتله ، وكان مع عمرو ابنه حسل فقتله علي (عليه السّلام) .

ولمّا قُتل عمرو ، فرّ الأربعة الذين كانوا معه حتّى اقتحمت خيلهم الخندق ، وتوطرت بنوفل فرسه ، فنزل إليه علي فقتله ، ضربه بالسّيف فقطعه نصفّين ، ولحق هبيرة فأعجزه ، وضرب قربوس سرجه فسقطت درع له كان قد احتقبها ، وفرّ عكرمة وضرار ، وانهزم المشركون بقتل عمرو ونوفل ، وذلك قوله تعالى : ( وَرَدّ اللّهُ الّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وَكَفَى اللّهُ الْمُؤْمنينَ الْقِتَالَ )(1) . كفاهم ذلك بعلي (عليه السّلام) .

وعن ابن مسعود ، أنّه كان يقرأ : وكفى الله المؤمنين القتال بعلي .

قال جابر : فما شبّهت قتل علي عمراً إلاّ بما قصّ الله من قصّة قتل داود جالوت ، حيث يقول الله جلّ شأنه : ( فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ )(2) . وأقبل علي (عليه السّلام) برأس عمرو ـ ووجهه يتهلل ـ فألقاه بين يدي النّبيّ (صلّى الله عليه وآله) ، فقال له عمر : هلاّ سلبته يا علي درعه ؛ فإنّه ليس في العرب درع مثلها ؟ فقال (عليه السّلام) : (( إنّي استحييت أنْ أكشف سوأة ابن عمّي )) . ورجع علي إلى مقامه الأوّل يحمي الثغرة التي عبر منها عمرو وأصحابه ، وهو يقول :

نصرَ الحجارةَ منْ سفاهةِ رأيهِ  ونصرتُ دينَ محمّدٍ بصوابي
فـضربتُهُ فـتركتُهُ مُـتجدّلاً  كـالجذعِ بينَ دكادِكٍ ورَوابي
وعـففتُ عنْ أثوابِهِ ولو انّنيْ  كُـنتُ الـمُجدَّلَ بزَّني أثوابي
لا تـحسبنَّ اللهَ خـاذلَ دينَهُ  ونـبيَّهُ يـا مـعشرَ الأحزابِ

وروى المفيد في الإرشاد ، وابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة بالإسناد عن ربيعة السّعدي ، قال : أتيت حذيفة بن اليمان ، فقلت له : يا أبا عبد الله ، إنّا لنتحدث عن علي ومناقبه ، فيقول لنا أهل البصرة : إنّكم لتفرّطون في علي ، فهل أنت محدثي بحديث فيه ؟ فقال حذيفة : يا ربيعة ، وما تسألني عن علي ؟

__________

(1) سورة السّجدة / 25 .

(2) سورة البقرة / 252 .


الصفحة (166)

فوالذي نفسي بيده ، لو وُضع أعمال جميع أصحاب محمّد في كفّة الميزان ، منذ بعث الله محمّداً (صلّى الله عليه وآله) إلى يوم النّاس هذا ، ووُضع عمل واحد من أعمال علي في الكفّة الاُخرى ، لرجح عمل علي على جميع أعمالهم . فقال ربيعة : هذا الذي لا يُقام له ولا يقعد ولا يُحمل . فقال حذيفة : يا لُكَع ! وكيف لا يُحمل ؟! ـ وأين كان حذيفة وجميع أصحاب محمّد (صلّى الله عليه وآله) يوم عمرو بن عبد ودّ ، وقد دعا إلى المبارزة فأحجم النّاس كلّهم ما خلا عليّاً ، فإنّه برز إليه وقتله الله على يده ؟ ـ والذي نفس حذيفة بيده ، لَعمله ذلك أعظم أجراً من أعمال اُمّة محمّد إلى يوم القيامة .

وقال ابن أبي الحديد : وإنّ خروجه إلى عمرو يوم الخندق أجلُّ من أنْ يُقال جليلة ، وأعظم من أنْ يُقال عظيمة ، وما هي إلاّ كما قال أبو الهذيل ، وقد سأله سائل : أيّما أعظم منزلة عند الله علي أمْ غيره ؟ فقال : يا ابن أخي ، والله ، لَمبارزة علي عمراً يوم الخندق تعِدل أعمال المهاجرين والأنصار وطاعتهم ، وتُربي عليها ، فضلاً عن رجل واحد .

وروى الحاكم في المستدرك بسنده : أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) قال : (( لَمبارزةُ علي بن أبي طالب لعمرو بن عبد ودّ يوم الخندق ، أفضل من أعمال اُمّتي إلى يوم القيامة )) .

وفي رواية عن النّبي (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال : (( قتلُ عليٍّ لعمرو بن عبد ودّ أفضل من عبادة الثقلين )) . وقال ابن تيمية ـ على عادته المعروفة ـ : كيف يكون قتل كافر أفضل من عبادة الثقلين الإنس والجن ، ومنهم الأنبياء ؟! بل إنّ عمرو بن عبد ودّ هذا لمْ يُعرف له ذكر إلاّ في هذه الغزوة . وردّ عليه صاحب السّيرة الحلبيّة : بأنّ قتل هذا الكافر كان فيه نصرة للدين وخذلان للكافرين . وردّ صاحب السّيرة الحلبيّة أيضاً على قوله : أنّه لم يُعرف له ذكر إلاّ في هذه الغزوة ، بما روي من أنّه قاتل يوم بدر حتّى أثبتته الجراحة ولمْ يشهد اُحداً ، فلمّا كان يوم الخندق خرج معلماً ليرى مكانه ، وأنّه نذر أنْ لا يمسّ رأسه دهناً حتّى يقتل محمّداً .

وروى الحاكم في المستدرك : أنّه


الصفحة (167)

كان ثالث قريش .

أقول : ويردّه أيضاً أنّه كان معروفاً بفارس يليل(1) ، وفي ذلك يقول مسافح الجمحي يرثي عمراً :

عمرو بنُ عبدٍ كانَ أوّلَ فارسٍ  جزعَ(2) المذادَ(3) وكان فارسَ يْليلِ

وأقلّ نظرة يلقيها الإنسان على تلك الغزوة ، فيرى عشرة آلاف محاصرين للمدينة ، حانقين أشدّ الحنق على المسلمين ، وهم دون الثلث من عسكر المشركين ، بينهم عدد كبير من المنافقين ، وبنو قُريظة إلى جنبهم يخافون منهم على ذراريهم ونسائهم ، وما أصاب المسلمين من الخوف والهلع الذي اضطر النّبي (صلّى الله عليه وآله) أنْ يصانع غَطْفان ليرجعوا عن معاونة قريش بثلث ثمار المدينة ، وتعظيم الله ذلك في القرآن بقوله تعالى : ( وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنّونَ بِاللّهِ الظّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمنونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً )(4) . ووقوف عمرو ينادي بالمسلمين ويُقرّعهم ويوبّخهم ، ويطلب منهم المبارزة ولا يُجيبه أحد إلاّ علي (عليه السّلام) وهم ثلاثة آلاف ، فيقتل عمراً وينهزم المشركون بقتله ، ويرتفع البلاء ويأتي الفرج بتلك الضربة .

وأقلّ نظرة يلقيها الإنسان على تلك الحال توصله إلى اليقين بأنّ ضربة علي (عليه السّلام) يومئذ أفضل من عبادة الجنّ والإنس والملائكة ، وملايين من العوالم أمثالهم لو كانت سواء ، أجاء الحديث بذلك عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أم لمْ يجىء . ومتى احتاج النّهار إلى دليل ؟ ولولا تلك الضربة لمَا عُبد الله ، بل عُبدت الأوثان وانمحى أثر الإيمان .

 قال ابن هشام والطبري : وبعث الله على المشركين الريح في ليالٍ شاتية شديدةِ البرد ، فجعلت تكفأ

________________________________
(1)
اسم مكان كانت له فيه وقعة مشهورة .

(2) جزع : اجتاز .

(3) المذاد : موضع الخندق .    ـ المؤلّف ـ

(4) سورة الأحزاب / 10 ـ 11 .


الصفحة (168)

قدورهم وتطرح أبنيتهم ، وذلك قوله تعالى : ( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لّمْ تَرَوْهَا )(1) : وهي الملائكة ، فارتحلت قريش ورجعت غطفان إلى بلادها . ولمّا كان الصباح ، انصرف رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بالمسلمين عن الخندق راجعاً إلى المدينة .

وقد افتخر جماعة من المشركين في أشعارهم التي رثوا بها عمرو بن عبد ودّ بأنّ قاتله علي بن أبي طالب ؛ منهم مسافح الجمحي ، قال :

فاذهَبْ عليٌّ فما ظفرتَ بمثلِهِ  فخراً فلا لاقيتَ مثلَ المُعضلِ

وقال هبيرة بن أبي وهب ، وكان مع عمرو وهرب :

فـلا تبعدَنْ يا عمرو حيّاً وهالكاً  فقدْ بنتَ محمودَ الثَّنا ماجدَ الأصلِ
فـمَنْ لِـطرادِ الخيلِ تُقدَعُ بالقنا  ولـلفخرِ يوماً عند قرْقرةِ البُزْلِ
فـعنك عليٌّ لا أرى مثلَ موقفٍ  وقـفتَ على نَجْدِ المقدَّمِ كالفحلِ
فـما ظـفرتْ كفاك فخراً بمثلِهِ  أمِـنْتَ بهِ ما عشتَ منْ زلّةِ النَّعلِ

ومنهم اُخته عمرة المُكنّاة : اُمّ كلثوم ، فإنّه لمّا نُعي إليها ، قالت : مَن ذا الذي اجترأ عليه ؟ قالوا : ابن أبي طالب . فقالت : لمْ يعدُ موتُه أنْ كان على يد كفو كريم ، لا رقأت دمعتي إنْ هرقتها عليه ؛ قتل الأقران وكانت منيته على يد كفو كريم من قومه ، ما سمعت بأفخر من هذا يا بني عامر ، ثمّ أنشأت تقول :

لـو كانَ قاتلُ عمرٍو غيرَ قاتلِهِ  لـكنتُ أبـكي عـليهِ آخرَ الأبدِ
لـكنّ قـاتلَهُ مَـنْ لا يُـعابُ بهِ  قـدْ كان يُدعَى أبوهُ بيضةَ البلدِ
منْ هاشمٍ في ذُراهَا وهي صاعدةٌ  إلى السّماءِ تُميتُ النّاسَ بالحسدِ
قـومٌ أبـى اللهُ إلاّ أنْ يكون لهمْ  كـرامةُ الـدِّينِ والـدُّنيا بلا لددِ

_____________

(1) سورة الأحزاب / 9 .


الصفحة (169)

وقالت أيضاً في قتل أخيها وذكر علي بن أبي طالب (عليه السّلام) :

أسدانِ في ضيْقِ المجالِ تصاوَلا  وكلاهُما كفوٌ كـريمٌ باسل ُ

فاذهبْ عليٌّ فما ظفـرتَ بمثلِهِ  قولٌ سديدٌ ليس فيه تحامل ُ

وهكذا كانت العرب تفتخر إذا كان قتلها بيد الأشراف ، وتأنف أنْ يكون قتلها بيد الأنذال الأرذال . ولمّا اُقيم حُيي بن أخطب بين يدي علي (عليه السّلام) ليُقتل ، قال : قتلة شريفة بيد شريف . وكما هوّن على اُمّ كلثوم اُخت عمرو بن عبد ودّ قتل أخيها ، كونه بيد شريف كفو كريم وهو علي بن أبي طالب ، فقد زاد في حزن أخوات الحسين (عليه السّلام) ؛ زينب واُمّ كلثوم على أخيهما الحسين (عليه السّلام) أنّ قتله كان على يد أولاد الأدعياء ، وعلى يد شمر بن ذي الجوشن الرذل النّذل .

ولمّا جاء الجواد إلى المخيم ، وهو خالي السّرج من راكبه ، وضعت اُمّ كلثوم يدها على اُمِّ رأسها ونادت : وا محمّداه ! وا جدّاه ! وا عليّاه ! وا جعفراه ! وا حمزتاه ! وا حسناه ! هذا حسين بالعراء ، صريع بكربلاء ، محزوز الرأس من القفا ، مسلوب العمامة والرداء . ثُمّ غُشي عليها ، وجعلت زينب تنادي بصوت حزين وقلب كئيب : يا محمّداه ! صلّى عليك مليك السّماء ، هذا حُسينك مرمّل بالدماء ، مقطوع الأعضاء ، وبناتك سبايا . يا محمّداه ! هذا حسين بالعراء ، تسفي عليه ريح الصبا ، قتيل أولاد البغايا ، بأبي مَن لا غائب فيرتجى ، ولا جريح فيداوى ! بأبي المهموم حتّى قضى ! بأبي العطشان حتّى مضى ! بأبي مَن شيبته تقطر بالدماء .

أدهى المصائِبِ في القلوبِ فجيعةً  قتْلُ الكِرامِ على يدِ الأنـذالِ

تبّـاً لـدهرٍ مكَّـنـتْ أحـداثُـهُ  كفَّ الثعالبِ من أبي الأشبالِ

* * *


الصفحة (170)

المجلس الثالث بعد المئتين

 من كتاب لأمير المؤمنين (عليه السّلام) إلى معاوية جواباً ، وهو من محاسن الكتب : (( أمّا بعد ، فقد أتاني كتابك تذكر فيه اصطفاء الله محمّداً (صلّى الله عليه وآله) لدينه ، وتأييده إيّاه بمَن أيّده من أصحابه ، فلقد خبّأ لنا الدهر منك عجباً ، إذ طفقت تخبرنا ببلاء الله عندنا ، ونعمته علينا في نبيّنا ، فكنت في ذلك كناقل التمر إلى هجر ، أو داعي مسدّده إلى النّضال . وزعمت أنّ أفضل النّاس في الإسلام فلان وفلان ، فذكرت أمراً إنْ تمّ اعتزلك كلّه ، وإنْ نقص لَمْ يلحقك ثلمه . وما أنت والفاضل والمفضول ، والسائس والمسوس ؟! وما للطلقاء وأبناء الطلقاء والتمييز بين المهاجرين الأوّلين ، وترتيب درجاتهم وتعريف طبقاتهم ؟!

هيهات ! لقد حنّ قدح ليس منها ، وطفق يحكم فيها مَن عليه الحكم لها ، ألا تربع أيّها الإنسان على ظلعك وتعرف قصور ذرعك ، وتتأخّر حيث أخرّك القدر ؟ فما عليك غلبة المغلوب ولا ظفر الظافر . وإنّك لذّهاب في التيه ، روّاغ عن القصد ، ألاَ ترى غير مخبر لك ـ ولكن بنعمة الله اُحدّث ـ أنّ قوماً استشهدوا في سبيل الله من المهاجرين ـ ولكلٍّ فضل ـ حتّى إذا استشهد شهيدنا ، قيل : سيّد الشهداء ، وخصّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بسبعين تكبيرةً عند صلاته عليه ؟ ـ يريد بذلك حمزة ـ .

أولاَ ترى أنّ قوماً قطعتُ أيديهم وأرجلهم في سبيل الله ـ ولكلٍّ فضل ـ حتّى إذا فُعل بواحدنا ـ يعني : جعفراً ـ ما فُعل بواحدهم ، قيل : الطيّار في الجنّة وذو الجناحين ؟ ولولا ما نهى الله عنه من تزكية المرء نفسه لذكر ذاكر فضائل جمّة ، تعرفها قلوب المؤمنين ولا تمجّها آذان السّامعين ، فدع عنك مَن مالت به الرمية ؛ فإنّا صنائع ربّنا والنّّاس بعدُ صنائع لنا .

لَمْ


الصفحة (171)

يمنعا قديم عزّنا ، ولا عادي طولنا على قومك أنْ خلطناكم بأنفسنا ، فنكحنا وأنكحنا ، فعل الأكفاء ولستم هناك ، وأنّى يكون ذلك كذلك ومنّا النّبيّ ومنكم المُكذّب ، ومنّا أسد الله ومنكم أسد الأحلاف ، ومنّا سيّدا شباب أهل الجنّة ومنكم صبية النّار ، ومنّا خير نساء العالمين ومنكم حمّالة الحطب ، في كثير ممّا لنا وعليكم ؟! فإسلامنا قد سُمع ، وجاهليتنا لا تُدفع ، وكتاب الله يجمع لنا ما شذّ عنّا ، وهو قوله تعالى : ( واُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى‏ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللّهِ)(1) . وقوله تعالى : ( إِنّ أَوْلَى النّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلّذِينَ اتّبَعُوهُ وَهذَا النّبِيّ وَالّذِينَ آمَنُوا وَاللّهُ وَلِيّ الْمُؤْمنينَ )(2) . فنحن تارة أولى بالقرابة ، وتارة أولى بالطاعة .

ولمّا احتجّ المهاجرون على الأنصار يوم السقيفة برسول الله (صلّى الله عليه وآله) فلجوا عليهم ، فإنْ يكن الفلجُ به فالحقّ لنا دونكم ، وإنْ يكن بغيره فالأنصار على دعواهم . وزعمت أنّي لكل الخلفاء حسدتُ ، وعلى كلّهم بغيتُ ، فإنْ يكن ذلك كذلك فليس الجناية عليك ، فيكون العذر إليك ، وتلك شكاة ظاهر عنك عارُها .

وقلتَ : إنّي كنتُ اُقاد كما يُقاد الجمل المخشوش حتّى اُبايع ، ولَعمر الله ، لقد أردتَ أنْ تذمَّ فمدحت ، وأنْ تفضح فافتضحت ، وما على المسلم من غضاضة أنْ يكون مظلوماً ما لم يكن شاكّاً في دينه ، ولا مُرتاباً بيقينه ، وهذه حُجّتي إلى غيرك قصدها ، ولكنّي أطلقت لك منها بقدر ما سنح من ذكرها .

وذكرت : أنّّه ليس لي ولا لأصحابي إلاّ السّيف ، فلقد أضحكت بعد استعبار ! متى ألفيت بني عبد المطلب عن الأعداء ناكلين ، وبالسّيف مُخوَّفين ؟ ـ لبّث قليلاً يلحق الهيجا حَمَلْ ـ فسيطلبك مَن تطلب ، ويقرب منك ما تستبعد . وأنا مرقل نحوك في جحفل من المهاجرين والأنصار ، والتابعين لهم بإحسان ، شديدٌ زحامهم ، ساطعٌ قتامهم ، متسربلين بالموت ، أحبّ اللقاء إليهم لقاء ربّهم ، قد صحبَتْهم ذرّيّة بدريّة وسيوف هاشميّة ، قد عرفتَ

___________________
(1)
سورة الأحزاب / 6 .

(2) سورة آل عمران / 68 .


الصفحة (172)

مواقع نصالها في أخيك وخالك ، وجدّك وأهلك ، وما هي من الظالمين ببعيد )) .

أخوه حنظلة بن أبي سفيان ، وخاله الوليد بن عتبة قتلهما أمير المؤمنين (عليه السّلام) يوم بدر ، وجدّه عتبة بن ربيعة الذي قتله حمزة يوم بدر ، وشرك في قتله أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، وما برحت أحقاد بدر في قلوب بني اُميّة حتّى أظهرها يزيد يوم جيء إليه برأس الحسين (عليه السّلام) ، فلمّا وُضع الرأس الشريف بين يديه ، دعا بقضيب خيزران وجعل ينكت به ثنايا الحسين (عليه السّلام) ، ثُمّ قال : يوم بيوم بدر . وكان عنده أبو برزة الأسلمي ، فقال : ويحك يا يزيد ! أتنكت بقضيبك ثغر الحسين بن فاطمة ؟! أشهد لقد رأيت النّبي (صلّى الله عليه وآله) يرشف ثناياه وثنايا أخيه الحسن ، ويقول : (( أنتما سيّدا شباب أهل الجنّة ، فقتل الله قاتلكما ، ولعنه وأعدّ له جهنم وساءت مصيراً )) . فغضب يزيد وأمر بإخراجه ، فاُخرج سحباً .
وفي رواية : أنّه قال : أما إنّك يا يزيد ، تجيء يوم القيامة وابن زياد شفيعك ، ويجيء هذا ومحمّد شفيعه . ثُمّ قام فولّى .

أتنْكتُها شُلَّتْ يمينُك إنَّها  وجوهٌ لوجهِ اللهِ طالَ سُجُودُها

* * *

المجلس الرابع بعد المئتين

 من وصيّة لأمير المؤمنين (عليه السّلام) للحسن والحسين (عليهما السّلام) ، لمّا ضربه ابن ملجم ـ لعنه الله ـ :

(( اُوصيكما بتقوى الله ، وأنْ لا تبغيا الدّنيا وإنْ بغتكما ، ولا تأسفا على شيء منها زوي عنكما ، وقولا بالحقّ واعملا للأجر ، وكونا للظالم خصماً وللمظلوم عوناً . اُوصيكما وجميع ولدي وأهلي ، ومَن بلغه


الصفحة (173)

كتابي هذا من المؤمنين ، بتقوى الله ونظم أمركم ، وصلاح ذات بينكم ؛ فإنّي سمعت جدّكما (صلّى الله عليه وآله) يقول : صلاح ذات البين أفضل من عامّة الصلاة والصيام . والله الله في الأيتام ! فلا تغبّوا(1) أفواههم ، ولا يضيعوا بحضرتكم )) .

بأبي واُمّي يا أمير المؤمنين ! توصي ولديك الحسنين (عليهما السّلام) بالأيتام ، فليتك لا غبت عن أيتام ولدك الحسين (عليه السّلام) ليلة العاشر من المُحرّم وقد باتوا جياعى عطاشى ، بلا محامٍ ولا كفيل سوى العليل زين العابدين (عليه السّلام) الذي نهكته العلّة فلا يستطيع النهوض ، وابنتك زينب (عليها السّلام) التي قامت تجمع العيال والأطفال وتحرسهم تلك الليلة ، وقد أحرق القوم الخيام ونهبوا ما فيها ، ولا شك أنّهم باتوا تلك الليلة على وجه الأرض بلا غطاءٍ ولا وطاءٍ تحت السّماء ، وهم ينظرون إلى القتلى مجزّرة كالأضاحي جثثاً بلا رؤوس .

مُجرَّدينَ على الرَّمضَاءِ قدْ لبسُوا  منَ المهابَـةِ أثـواباً لهـا قُشُبَا

مُغسَّليـنَ بمحمـرِّ النَّجـيعِ بنَى  نبلُ العِدى والقنا منْ فوقِهمْ قُبَبا

والله الله في جيرانكم ! فإنّهم وصية نبيّكم ، ما زال يوصي بهم حتّى ظننا أنّه سيورّثهم ، والله الله في القرآن ! لا يسبقكم بالعمل به غيركم ، والله الله في الصلاة ! فإنّها عمود دينكم ، والله الله في بيت ربّكم ! لا تخلوه ما بقيتم ؛ فإنّه إنْ تُرك لَمْ تناظروا ، والله الله في الجهاد بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم في سبيل الله ! وعليكم بالتّواصل والتباذل ، وإيّاكم والتدابر والتقاطع . لا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؛ فيولّى عليكم شراركم ثمّ تدعون فلا يُستجاب لكم .

يا بني عبد المطلب ، لا ألفينّكم تخوضون دماء المسلمين خوضاً ، تقولون : قُتل أمير المؤمنين . ألا لا تقتلنّ بي إلاّ قاتلي . انظروا : إذا أنا مِتُّ من

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) أغبّ القوم : جاءهم يوماً وترك يوماً ، أي : لا تقطعوا الطعام عن أفواههم .  ـ المؤلّف ـ


الصفحة (174)

ضربته هذه ، فاضربوه ضربة بضربة ، ولا يُمثّل بالرجل ؛ فإنّي سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول : إيّاكم والمثلة ولو بالكلب العقور )) .

ألا لعن الله أهل الكوفة ، فإنّه لم يكفهم قتل الحسين (عليه السّلام) حتّى مثّلوا به وبأهل بيته وأنصاره ؛ قطعوا الرؤوس وشالوها على رؤوس الرماح من بلد إلى بلد ، ولمْ يكفهم ذلك حتّى داسوا بخيولهم صدر الحسين (عليه السّلام) وظهره حتّى هشّمت الخيل أضلاعه ، وطحنت جناجن صدره .

لمْ يشفِ أعداهُ مثلَ القتلِ فابتَدَرتْ  تجري على جسمِهِ الجُردُ المحاضيرَا

يا عقّـرَ الله تلـكَ الخيلَ إذْ جعلتْ  أعـضـاءَهُ لعوادِيهـا مضـامِيـرَا

* * *

المجلس الخامس بعد المئتين

قال أبو جعفر محمّد بن علي الباقر (عليه السّلام) لجابر : (( أيكفي مَنْ انتحل التشيع أنْ يقول بحبنّا أهل البيت ؟ فوالله ، ما شيعتنا إلاّ مَن اتّقى الله . وما كانوا يُعرفون يا جابر ، إلاّ بالتواضع والتخشّع وكثرة ذكر الله ، والصوم والصلاة ، والتعهد للجيران من الفقراء وأهل المسكنة ، والغارمين والأيتام ، وكفّ الألسن عن النّاس إلاّ من خير ، فكانوا اُمناء عشائرهم في الأشياء )) . فقال جابر : يابن رسول الله ، لستُ أعرف أحداً بهذه الصفة . فقال (عليه السّلام) : (( يا جابر ، لا تذهبنّ بك المذاهب ، حسب الرجل أنْ يقول : اُحبّ عليّاً وأتولاّه ، فلو قال : إنّي اُحبّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، فرسول الله خير من


الصفحة (175)

علي ، ثمّ لا يعمل عمله ولا يتبع سنته ، ما نفعه حبّه إيّاه شيئاً ، فاتّقوا الله واعملوا لِمَا عند الله . ليس بين الله وبين أحد قرابة . أحبّ العباد إلى الله وأكرمهم عليه أتقاهم له وأعملهم بطاعته . والله ، ما يُتقرّب إلى الله تعالى إلاّ بالطاعة . ما معنا براءة من النّار ولا على الله لأحد من حجة . مَن كان لله مُطيعاً فهو لنا ولي ، ومَن كان عاصياً فهو لنا عدو ، ولا تُنال ولايتنا إلاّ بالورع والعمل )) .

وقال أبو جعفر (عليه السّلام) : (( إنّما شيعة علي (عليه السّلام) الشاحبون الناحلون الذابلون ؛ ذابلة شفاهم ، خمص بطونهم ، متغيرة ألوانهم ، مصفرّة وجوههم ، إذا جنّهم الليل اتخذوا الأرض فراشاً ، واستقبلوا الأرض بجباههم ؛ كثير سجودهم كثيرة دموعهم ، كثير دعاؤهم كثير بكاؤهم ، يفرح النّاس وهم يحزنون )) . وقال أمير المؤمنين (عليه السّلام) : (( ألا وإنّ لكلِّ مأموم إماماً يقتدي به ويستضيء بنور علمه ، ألاَ وإنّ إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه ، ومن طعامه بقرصيه ، ألا وإنّكم لا تقدرون على ذلك ولكن أعينوني بورعٍ واجتهاد ، وعفّة وسداد ، فوالله ، ما كنزت من دنياكم تبراً ، ولا ادّخرت من غنائمها وفراً ، ولا أعددت لبالي ثوبي طمراً ، ولا حزت من أرضها شبراً )) .

 وهكذا كانت عادة أهل البيت (عليهم السّلام) وطريقتهم في الزهد في الدنيا الفانية ، والإيثار على أنفسهم ، وتفقّد الفقراء والمساكين ، وكثرة الصلاة ، وكثرة ذكر الله تعالى في الليل والنّهار ؛ ولذلك لمّا زحف عمر بن سعد وأصحابه إلى الحسين (عليه السّلام) عشية اليوم التاسع من المُحرّم ، أرسل إليهم أخاه العبّاس وقال له : (( إنْ استطعتَ أنْ تُؤخِّرَهُمْ إلى غدْوَةٍ وتدفَعَهُمْ عنّا العشيّةَ ؛ لَعلَّنا نُصلِّي لربِّنا اللَّيلةَ ونَدعُوهُ ونَستغفِرُهُ ؛ فهو يعلمُ أنِّي كُنتُ اُحبُّ الصّلاةَ له وتلاوةَ كتابِهِ ، وكثرةَ الدُّعاءِ والاسْتغفارِ )) .

فسألهم العبّاس ذلك ، فتوقّف ابن سعد ، فقال له عمرو بن الحجّاج : سبحان الله ! والله ، لو أنّهم من التُرك أو الدّيلم وسألونا مثل


الصفحة (176)

 ذلك لأجبناهم ، فكيف وهم آل محمّد ! فأجابوهم الى ذلك . فقام الحسين (عليه السّلام) وأصحابه الليل كلّه يُصلّون ويستغفرون ، ويدعون ويتضرّعون ، وباتوا ليلة العاشر من المُحرّم ولهم دويّ كدويّ النّحل ؛ ما بين قائم وقاعد ، وراكع وساجد .

سمـةُ العبيدِ من الخشوعِ عليهمُ   لله إنْ ضمّـتْهُمُ الأسحارُ

فإذا ترجّلتِ الضُّحى شَهدتْ لهُمْ   بيضُ القواضبِ أنّهمْ أحرارُ

ولمْ يشغلهم ما هم فيه من الشدائد وانتظار القتل عن ذكر ربّهم وعبادته ، والإقبال بقلوبهم عليه . ولمّا كان يوم عاشوراء ، قال أبو ثمامة الصّيداوي للحسين (عليه السّلام) : يا أبا عبد الله ، نفسي لنفسك الفداء ، هؤلاء قد اقتربوا منك ، ولا والله ، لا تُقتل حتّى اُقتل دونك ، واُحبّ أنْ ألقى ربّي وقد صلّيت هذه الصّلاة . فرفع الحسين (عليه السّلام) رأسه إلى السّماء ، وقال : (( ذكرتَ الصّلاة جعلك الله من المصلّين الذّاكرين ، نعم هذا أوّل وقتها )) . ثمّ قال : (( سلوهم أنْ يكفّوا عنّا حتّى نُصلّي )) . ففعلوا ، فقال لهم الحُصين بن تميم : إنّها لا تُقبل . فقال له حبيب بن مظاهر : زعمتَ لا تُقبل الصّلاة من آل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأنصارهم ، وتُقبل منك يا خمّار !

وقال الحسين (عليه السّلام) لزهير بن القَين وسعيد بن عبد الله الحَنفي : (( تقدّما أمامي حتّى اُصلّي الظهر )) . فتقدّما أمامه في نحو من نصف أصحابه حتّى صلّى بهم صلاة الخوف ، فوصل إلى الحسين (عليه السّلام) سهم ، فتقدّم سعيد بن عبد الله ووقف يقيه من النّبال بنفسه ما زال ولا تخطّى ، فما زال يُرمى بالنّبل حتّى سقط إلى الأرض ، وهو يقول : اللهمّ ، العنهم لعن عاد وثمود . اللهمّ ، أبلغ نبيّك عنّي السّلام ، وأبلغه ما لقيتُ من ألم الجراح ؛ فإنّي أردتُ ثوابك في نصر ذرّيّة نبيّك .

وفي رواية : أنّه قال : اللهمّ ، لا يعجزك شيء تريده ، فأبلغ محمّداً (صلّى الله عليه وآله) نُصرتي ودفعي عن الحسين (عليه السّلام) ،


الصفحة (177)

وارزقني مرافقته في دار الخلود . ثمّ قضى نحبه رضوان الله عليه ، فوُجِد فيه ثلاثة عشر سهماً سوى ما به من ضرب السّيوف وطعن الرّماح .

صالُوا وجالُوا وأدَّوا حقَّ سيِّدِهمْ  في موقفٍ عقَّ فيهِ الوالدَ الولدُ

وشاقهُمْ ثمرُ العُقبَى فأصبَح في  صدورِهمُ شجرُ الخطيِّ يختضدُ

* * *

المجلس السّادس بعد المئتين

 من كتابٍ لأمير المؤمنين (عليه السّلام) إلى عثمان بن حنيف الأنصاري ، وكان عامله على البصرة ، وقد بلغه أنّه دُعي إلى وليمة قوم من أهلها فمضى إليها : (( أمّا بعدُ يابن حنيف ، فقد بلغني أنّ رجلاً من فتية أهل البصرة دعاك إلى مأدبة فأسرعتَ إليها ، تُستطاب لك الألوان وتُنقل إليك الجفان ، وما ظننت أنّك تُجيب إلى طعام قوم عائلهم مجفو وغنيّهم مدعو ، فانظر إلى ما تقضمه من هذا المقضم ، فما اشتبه عليك علمه فالفظه ، وما أيقنت بطيب وجهه فنِلْ منه .

ألا وإنّ لكلِّ مأموم إماماً يقتدي به ويستضيء بنور علمه ، ألاَ وإنّ إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه ، ومن طعامه بقرصيه ، ألا وإنّكم لا تقدرون على ذلك ولكن أعينوني بورعٍ واجتهاد ، وعفّة وسداد ، فوالله ، ما كنزت من دنياكم تبراً ، ولا ادّخرت من غنائمها وفراً ، ولا أعددت لبالي ثوبي طمراً ، ولا حزت من أرضها شبراً . بلى ، كانت في أيدينا فدك من كلّ ما أظلَّته السّماء ، فشحَّتْ عليها نفوس قوم ، وسخَتْ عنها نفوس قوم


الصفحة (178)

آخرين ، ونِعمَ الحكم الله . وما أصنع بفدك وغير فدك ، والنّفس مظانُّها في غدٍ جَدَثٌ تنقطع في ظلمته آثارها وتغيب أخبارها ! وحفرة لو زِيد في فُسحتها ، وأوسعت يدََا حافرها ، لأضغَطها الحجر والمدر ، وسدّ فُرَجها التراب المتراكم ! وإنّما هي نفسي اُروّضُها بالتّقى لتأتيَ آمنةً يوم الخوف الأكبر ، وتثبت على جوانب المَزْلَق .

ولو شئتُ لاهتديت الطريق إلى مصفى هذا العسل ، ولباب هذا القمح ، ونسائج هذا القزّ ، ولكن هيهات أنْ يغلبني هواي ، ويقودني جشعي إلى تخيّر الأطعمة ، ولعلّ بالحجاز أو باليمامة مَن لا طمع له في القرص ، ولا عهد له بالشبع . أوَ أبيتُ مبطاناً وحولي بطون غرثى وأكباد حرّى ؟! أوَ أكون كما قال القائل :

وحسبُكَ عاراً أنْ تبيت ببطنةٍ  وحولكَ أكبادٌ تحنُّ إلى القدِّ ؟!

أأقنع من نفسي بأنْ يُقال : أمير المؤمنين ، ولا اُشاركهم في مكاره الدهر ، أو أكون اُسوة لهم في جشوبة العيش ؟! فما خُلقت ليشغلني أكل الطيّبات كالبهيمة المربوطة همّها علفها ، أو المرسلة شغلها تقمّمها ، تكترش من أعلافها وتلهو عمّا يُراد بها . أو أترك سدىً ، أو أهمل عابثاً ، أو أجرّ حبل الضلالة ، أو أعتسف طريق المتاهة ؟!

وكأنّي بقائلكم يقول : إذا كان هذا قوت ابن أبي طالب ، فقد قعد به الضعف عن قتال الأقران ومنازلة الشجعان . ألا وإنّ الشجرة البرّيّة أصلب عوداً ، والروائع الخضرة أرقّ جلوداً ، والنّباتات البدويّة أقوى وقوداً وأبطأ خموداً ، وأنا من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كالصنوِ من الصنوِ ، والذراع من العضُد . والله ، لو تظاهرت العرب على قتالي لمَا ولّيت عنها ، ولو أمكنت الفرص من رقابها لسارعت إليها )) .

فدىً لك نفسي وأهلي ومالي يا أمير المؤمنين ، ويا بطل المسلمين ، ويا قاتل النّاكثين والقاسطين والمارقين ، ويا مَن انتهت إليه الشجاعة والفروسيّة . واقتفى أثره في ذلك ولده أبو عبد الله الحسين (عليه السّلام) ، فإنّ هذا الشبل من


الصفحة (179)

ذلك الأسد ، وهذا الثمر من ذلك الشجر .

ولا عجبٌ أنْ يُشبهَ الليثُ شبلَهُ  وحقٌّ على ابنِ الصَّقرِ أنْ يُشبهَ الصَّقرا

فهو الذي اختار المنيّة على الدنيّة ، ومصارع الكرام على طاعة اللئام ، وموت العزّ على حياة الذل .

لهُ منْ عليٍّ في الحروبِ شجاعةٌ  و منْ أحمدٍَ عندَ الخطابةِ قيلُ

وقد شهدت له بالصبر أعداؤه ـ والفضل ما شهدت به الأعداء ـ ؛ وذلك لمّا دعا النّاس إلى البراز ، فلمْ يزل يقتل كلّ مَن برز إليه حتّى قتل مقتلةً عظيمةً ، وهو في ذلك يقول :

القتلُ أولَى منْ رُكوبِ العارِ  والعارُ أولَى منْ دخولِ النّارِ

قال بعض الرواة : فوالله ، ما رأيت مكثوراً ( أي : مغلوباً ) قطْ قد قُتل وُلده وأهل بيته وأصحابه ، أربط جأشاً منه ، وإنْ كانت الرجّالة لتشدّ عليه فيشدّ عليها بسيفه ، فتنكشف عنه انكشاف المعزى إذا شدّ فيها الذئب . ولقد كان يحمل فيهم ، وقد تكمّلوا ثلاثين ألفاً ، فينهزمون من بين يدَيه كأنّهم الجراد المنتشر ، ثمّ يرجع إلى مركزه وهو يقول : (( لا حول ولا قوّة إلاّ بالله )) .

فلمّا رأى شمر ذلك ، استدعى الفرسان فصاروا في ظهور الرجّالة ، وأمر الرُماة أنْ يرموه فرشقوه بالسِّهام حتّى صار كالقنفذ ، فأحجم عنهم فوقفوا بإزائه ، وجاء شمر في جماعة من أصحابه فحالوا بينه وبين رحله الذي فيه ثقله وعياله ، فصاح (عليه السّلام) : (( ويلكم يا شيعة آل أبي سفيان ! إنْ لمْ يكن لكم دين ، وكنتم لا تخافون المعاد ، فكونوا أحراراً في دنياكم هذه ، وارجعوا إلى أحسابكم إنْ كنتم عُرُباً كما تزعمون )) . فناداه شمر : ما تقول يابن فاطمة ؟ قال (عليه السّلام) : (( أقول : إنّي اُقاتلكم وتقاتلونني ، والنّساء ليس عليهنّ جناح ، فامنعوا عتاتكم وجهّالكم وطغاتكم من التعرّض لحرمي ما دمت حيّاً )) .


الصفحة ( 180 )

فقال شمر : لك ذلك يابن فاطمة . ثمّ صاح : إليكم عن حرم الرجل واقصدوه بنفسه ، فلَعمري لهو كفؤ كريم . فقصده القوم ، وهو في ذلك يطلب شربة من الماء ، وكلّما حمل بفرسه على الفرات ، حملوا عليه بأجمعهم حتّى أجلوه عنه .

قال اقصدُوني بنفسِي واتْركُوا حَرَمي   قدْ حان حَينِي وقدْ لاحتْ لوائحُهُ

* * *

المجلس السّابع بعد المئتين

 من كلام لأمير المؤمنين (عليه السّلام) : (( إليكِ عنّي يا دُنيا ، فحبلك على غاربك ، قد انسللتُ من مخالبك وأفلتُّ من حبائلك ، واجتنبت الذهاب في مداحضك . أين القرون الذين غررتهم بمداعبك ؟ أين الاُمم الذين فتنتهم بزخارفك ؟ فها هم رهائن القبور ومضامين اللحود . والله ، لو كنتُ شخصاً مرئيّاً وقالباً حسيّاً ، لأقمت عليك حدود الله في عبادٍ غررتهم بالأماني ، واُمم ألقيتهم في المهاوي ، وملوك أسلمتهم إلى التلف وأوردتهم موارد البلاء ، إذ لا ورد ولا صدر .

هيهات ! مَن وطئ دَحْضك زلِق ، ومَن ركب لُجَجك غرِق ، ومَن ازْوَرَّ عن حبائلك وُفِّق ، والسّالم منك لا يُبالي إنْ ضاق به مناخه ، والدّنيا عنده كيوم حان انسلاخه . اعزُبي عنّي ، فو الله ، لا أذلّ لك فتستذلّيني ، ولا أسلس لك فتقوديني ، وأيَم الله ، يميناً أستثني فيها بمشيئة الله ، لأروضنّ نفسي رياضةً تهشّ معها إلى القرص إذا قدرت عليه مطعوماً ، وتقنع بالملح مأدوماً ، ولأدَعنَّ مُقلتي كعين ماءٍ نضب معينها ، مستفرغة دموعها ، تمتلئ السّائمة من رعيها فتبرك ، وتشبع الربيضة من عشبها فتربض ،


الصفحة (181)

ويأكل علي من زاده فيهجع ! قرّت إذاً عينه إذا اقتدى بعد السّنين المتطاولة بالبهيمة الهاملة ، والسّائمة المرعية . طوبى لنفس أدّت إلى ربّها فرضها ، وعركت بجنبها بؤسها ، وهجرت في الليل غمضها ، حتّى إذا غلب الكرى عليها افترشت أرضها وتوسّدت كفّها ، في معشر أسهر عيونهم خوف معادهم ، وتجافت عن مضاجعهم جنوبهم ، وهمهمت بذكر ربّهم شفاههم ، وتقشّعت بطول استغفارهم ذنوبهم ، اُولئِكَ حِزْبُ اللّهِ أَلاَ إِنّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ(1) )) .

كما فعل أصحاب الحسين (عليه السّلام) ليلة العاشر من المُحرّم ؛ فإنّهم قاموا الليل كلّه يُصلّون ويستغفرون ، ويدعون ويتضرّعون ، وباتوا ليلة العاشر من المُحرّم ولهم دويّ كدويّ النّحل ؛ ما بين قائم وقاعد ، وراكع وساجد .

سمـةُ العبيدِ من الخشوعِ عليهمُ   لله إنْ ضمّـتْهُمُ الأسحارُ

فإذا ترجّلتِ الضُّحى شَهدتْ لهُمْ   بيضُ القواضبِ أنّهمْ أحرارُ

فعبر إليهم في تلك الليلة من عسكر ابن سعد اثنان وثلاثون رجلاً ، فلمّا كان وقت السّحر خفق الحسين (عليه السّلام) برأسه خفقة ، ثمّ استيقظ فقال : (( رأيت كأنّ كلاباً قد قربت لتنهشني ، وفيها كلب أبقع رأيتُه أشدّها عليّ ، وأظنّ أنّ الذي يتولّى قتلي رجل أبرص . ثمّ إنّي رأيت جدّي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ومعه جماعة من أصحابه ، وهو يقول : يا بُني ، أنت شهيد آل محمّد ، وقد استبشر بك أهل السّماوات وأهل الصفيح الأعلى ، فليكنْ إفطارك عندي الليلة ، عجّل ولا تتأخر ، هذا ملك قد نزل من السّماء ليأخذ دمك في قارورة خضراء )) .

إنْ يقتلُـوكَ فلا عنْ فقـدِ معْرفةٍ  الشمسُ مَعْروفةٌ بالعيـنِ والأثرِ

قدْ كُنتَ في مشرقِ الدُّنيا ومغرِبِها  كالحمدِ لمْ تُغنِ عنها سائرُ السُّورِ

ــــــــــــــــــ
(1) سورة المجادلة / 22 .


الصفحة (182)

المجلس الثامن بعد المئتين

عن الإمام موسى بن جعفر عن أبيه عن جدّه عن علي بن الحسين (عليهم السّلام) ، قال : (( بينما أمير المؤمنين (عليه السّلام) جالسٌ ذاتَ يوم مع أصحابه يُعبّئهم للحرب ، إذ أتاه شيخ عليه هيئة السّفر فسلّم عليه ، ثمّ قال : يا أمير المؤمنين ، إنّي أتيتك من ناحية الشام وأنا شيخ كبير ، قد سمعت فيك من الفضل ما لا اُحصيه ، فعلّمني ما علّمك الله . قال : نعم يا شيخ ، مَن اعتدل يوماه فهو مغبون ، ومَن كانت الدنيا همّته كثُرت حسرته عند فراقها ، ومَن كان غده شرّاً من يومه فمحروم ، ومَن لمْ يُبالِ ما ذهب من آخرته إذا سلمت دنياه فهو هالك .

يا شيخ ، مَن خاف البيات قَلّ نومُه ، ما أسرع الليالي والأيام في عمر العبد ! فاخزن لسانك وعد كلامك . يا شيخ ، ارضَ للناس ما ترضى لنفسك ، وائت إلى النّاس ما تُحبّ أنْ يُؤتى إليك . ثمّ أقبل على أصحابه ، فقال : أيّها النّاس ، أمَا تَرَون إلى أهل الدنيا يمسون ويصبحون على أحوال شتّى ؟ فبين صريع يتلوّى ، وبين عائد ومعود ، وآخر بنفسه يجود ، وطالب للدنيا والموت يطلبه ، وغافل وليس بمغفول عنه ، وعلى أثر الماضي يصير الباقي .

فقال له زيد بن صوحان العبدي : يا أمير المؤمنين ، أيّ سلطان أغلب وأقوى ؟ قال : الهوى . قال : فأيّ ذُلّ أذل ؟ قال : الحرص على الدنيا . قال : فأيّ فقر أشد ؟ قال : الكفر بعد الإيمان . قال : فأيّ عمل أفضل ؟ قال : التّقوى . قال : فأيّ صاحب أشرّ ؟ قال : المُزيّن لك معصية الله . قال : فأيّ الخلق أشقى ؟ قال : مَن باع دينه بدنيا غيره . قال : فأيّ النّاس أحمق ؟ قال : المغتر بالدنيا وهو يرى ما فيها من تقلّب أحوالها . قال : فأيّ النّاس أشدّ حسرة ؟ قال : الذي حُرم


الصفحة (183)

الدنيا والآخرة ، ذلك هو الخسران المبين . قال : فأيّ الخلق أعمى ؟ قال : الذي عمل لغير الله يطلب من عمله الثوابَ من عند الله . قال : فأيّ المصائب أشد ؟ قال : المصيبة بالدِّين . قال : فأيّ النّاس خير عند الله ؟ قال : أخوفهم له ، وأعملهم بالتّقوى ، وأزهدهم في الدنيا . قال : فأي الكلام أفضل عند الله ؟ قال : كثرة ذكره ، والتّضرع إليه ، ودعائه .

ثُمّ أقبل (عليه السّلام) على الشيخ ، فقال : يا شيخ ، إنّ الله عزّ وجل خلق خلقاً ضيّق الدنيا عليهم نظراً لهم ؛ فزهّدهم فيها وفي حطامها ، فرغبوا في دار السّلام ، وصبروا على ضيق المعيشة ، وصبروا على المكروه ، واشتاقوا إلى ما عند الله ، وبذلوا أنفسهم ابتغاء رضوان الله ، وكانت خاتمة أعمالهم الشهادة ، فلقوا الله وهو عنهم راض ٍ)) .

 كما فعل أنصار الحسين (عليه السّلام) حين بذلوا أنفسهم ابتغاء رضوان الله ، وكانت خاتمة أعمالهم الشهادة في سبيل الله وبين يدَي ابن بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ؛ ففدوه بأنفسهم ، ووقوه بمهجهم حتّى قُتلوا عن آخرهم ، فمنهم : سعيد بن عبد الله الحنفي الذي وقف بين يدي الحسين (عليه السّلام) يقيه من النّبال بنفسه ما زال ولا تخطّى ، فما زال يُرمى بالنّبل حتّى سقط إلى الأرض ، وهو يقول : اللهمّ ، العنهم لعن عاد وثمود . اللهمّ ، أبلغ نبيّك عنّي السّلام ، وأبلغه ما لقيتُ من ألم الجراح ؛ فإنّي أردتُ ثوابك في نصر ذرّيّة نبيّك .

وفي رواية : أنّه قال : اللهمّ ، لا يعجزك شيء تريده ، فأبلغ محمّداً (صلّى الله عليه وآله) نُصرتي ودفعي عن الحسين (عليه السّلام) ، وارزقني مرافقته في دار الخلود . ثمّ قضى نحبه رضوان الله عليه ، فوُجِد فيه ثلاثة عشر سهماً سوى ما به من ضرب السّيوف وطعن الرّماح .

نَصرُوا ابنَ بنتِ نَبيِّهمْ طُوبَى لهُمْ  نالُوا بنُصرتِهِ مراتبَ ساميهْ

قدْ جـاورُوهُ هـا هُنـا بقبورِهُمْ  ولهمُ قصورٌ للحسينِ مُحاذيهْ

 


الصفحة (184)

المجلس التاسع بعد المئتين

 من خطبة لأمير المؤمنين (عليه السّلام) : (( سبحانك خالقاً ومعبوداً ! بُحسن بلائك عند خلقك خلقت داراً ، وجعلت فيها مأدَبةً ؛ مشرباً ومطعماً ، وأزواجاً وخدماً ، وقصوراً وأنهاراً ، وزروعاً وثماراً . ثمّ أرسلت داعياً يدعو إليها ، فلا الداعي أجابوا ، ولا فيما رغَّبت فيه رَغبوا ، ولا إلى ما شوّقت إليه اشتاقوا . أقبلوا على جيفة قد افتضحوا بأكلها ، واصطلحوا على حُبِّها ، ومَن عشق شيئاً أعشى بصره وأمرض قلبه ؛ فهو ينظر بعينٍ غير صحيحة ، ويسمع باُذنٍ غير سميعة ؛ قد خرفت الشهوات عقله ، وأماتت الدُّنيا قلبه ، وولهت عليها نفسه ، فهو عبد لها ولا في يده شيء منها ، حيثما زالتْ زال إليها ، وحيثما أقبلت أقبل عليها ، لا يزدجر من الله بزاجر ولا يتَّعظ منه بواعظ ، وهو يرى المأخوذين على الغِرّة حيث لا إقالة ولا رجعة ؛ كيف نزل بهم ما كانوا يجهلون ، وجاءهم من فراق الدُّنيا ما كانوا يأمنون ، وقدموا من الآخرة على ما كانوا يُوعدون .

فغير موصوف ما نزل بهم ، اجتمعت عليهم سكرة الموت وحسرة الفوت ، ففترت لها أطرافهم ، وتغيّرت لها ألوانهم ، ثمّ ازداد الموت فيهم ولوجاً ، فحيل بين أحدهم وبين منطقه ، وإنّه لبينَ أهله ينظر ببصره ويسمع باُذنه ، على صحة من عقله وبقاء من لُبّه ، يُفكر فيمَ أفنى عمره وفيمَ أذهب دهره ، ويتذكّر أموالاً جمعها أغمض في مطالبها ، وأخذها من مصرِّحاتها ومشتبهاتها ، قد لزمته تبعاتُ جمعها ، وأشرف على فراقها ، تبقى لمَن وراءه ينعمون فيها ويتمتّعون بها ؛ فيكون المهنأ لغيره والعبء على ظهره ، والمرء قد غلقت رهونه بها ، فهو يعضّ يده ندامةً على ما أصحر له عند الموت من أمره ، ويزهد فيما كان


الصفحة (185)

يرغب فيه أيام عمره ، ويتمنى أنّ الذي كان يغبطه بها ويحسده عليها قد حازها دونه ، فلمْ يزل الموت يبالغ في جسده حتّى خالط لسانه وسمعه ، فصار بين أهله لا ينطق بلسانه ولا يسمع بسمعه ، يُردد طرفه بالنّظر في وجوههم ، يرى حركات ألسنتهم ولا يسمع رجع كلامهم ، ثمّ ازداد الموت التياطاً به ، فقُبض بصره كما قُبض سمعه ، وخرجت الروح من جسده ، فصار جيفة بين أهله ، قد اُوحشوا من جانبه وتباعدوا من قُربه ، لا يُسعد باكياً ولا يُجيب داعياً ، ثمّ حملوه إلى محطٍّ في الأرض ، وأسلموه فيه إلى عمله ، وانقطعوا عن زورته ، حتّى إذا بلغ الكاتب أجله والأمر مقاديره ، وألحق آخر الخلق بأوّله ، وجاء من أمر الله ما يُريده من تجديد خلقه ، أماد السّماء وفطرها ، وأرج الأرض وأرجفها ، وقلع جبالها ونسفها ، ودكّ بعضها بعضاً من هيبة جلاله ومخُوفِ سطوته ، وأخرج مَن فيها فجدّدهم [ بعد ] إخلاقهم ، وجمعهم بعد تفرّقهم ، ثمّ ميّزهم لمِا يُريد من مسألتهم عن خفايا الأعمال وخبايا الأفعال ، وجعلهم فريقين : أنعم على هؤلاء ، وانتقم من هؤلاء ؛ فأمّا أهل طاعته ، فأثابهم بجواره وخلّدهم في داره ، حيث لا يظعن النّزال ولا تتغير لهم الحال ، ولا تنوبهم الأفزاع ولا تنالهم الأسقام ، ولا تعرض لهم الأخطار ولا تشخصهم الأسفار ؛ وأمّا أهل المعصية ، فأنزلهم شرّ دار ، وغلّ الأيدي إلى الأعناق ، وقرن النّواصي بالأقدام ، وألبسهم سرابيل القطران ومقطّعات النّيران ، في عذاب قد اشتدّ حرُّه ، وباب قد اُطبق على أهله في نار لها كَلَب ولجب ، ولهب ساطع وقصيف هائل ، لا يظعن مُقيمها ولا يُفادى أسيرها ، ولا تفصهم كبولها . لا مدّة للدار فتفنى ، ولا أجل للقوم فيقضى )) .

مقام عظيم أبكى زين العابدين (عليه السّلام) وقال : (( ومالي لا أبكي ولا أدري إلى ما يكون مصيري ؟! وأرى نفسي تُخادعني وأيامي تُخاتلني ، وقد خفقت عند رأسي أجنحة الموت . فمالي


الصفحة (186)

لا أبكي ؟! أبكي لخروج نفسي ، أبكي لظلمة قبري ، أبكي لضيق لحدي ، أبكي لسؤالِ منكر ونكير إيّاي ، أبكي لخروجي من قبري عريان ذليلاً ، حاملاً ثقلي على ظهري ، أنظر مرّةً عن يميني واُخرى عن شمالي ، إذ الخلائق في شأنٍ غير شأني ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيه * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ(1) وذلّةٌ )) .

ولمْ يزل زين العابدين (عليه السّلام) ، وهو ذو الحلم الذي لا يبلغ الوصف إليه ، حزيناً على مصيبة أبيه الحسين (عليه السّلام) مدّة حياته بعد أبيه ، وهي أربعون سنة ، صائماً نهاره قائماً ليله ، فإذا حضر الإفطار جاء غلامه بطعامه وشرابه فيضعه بين يديه ، فيقول : كُلْ يا مولاي . فيقول (عليه السّلام) : (( قُتل ابن رسول الله جائعاً ، قُتل ابن رسول الله عطشان )) . فلا يزال يكرر ذلك ويبكي حتّى يبلّ طعامه من دموعه ، ثمّ يمزج شرابه بدموعه ، فلمْ يزلْ كذلك حتّى لحق بالله عزّ وجل .

فيا وقْعةً لمْ تُبلَ إلاّ تجدّدتْ  وأحزانُها بين الضِّلوعِ رواسخُ

المجلس العاشر بعد المئتين

 من كلام لأمير المؤمنين (عليه السّلام) في صفة الأموات : (( سلكوا في بُطون البرزخ سبيلاً سُلِّطت الأرض عليهم فيه ، فأكلت من لحومِهم وشربتْ من دمائهم ، فأصبحوا في فجَوات قبورِهم جماداً لا يَنْمون ، وضِماراً لا يُوجدُون ؛ لا يُفزعُهم ورودُ الأهوال ولا يحزنهم تنكُّر الأحوال ، ولا يحفلون بالرّواجف ولا يأذنون للقواصف . غُيّباً لا يُنتَظَرون وشهوداً لا يحضرُون ، وإنّما كانوا جميعا فتشتَّتوا واُلاَّفاً فافتَرقوا .

وما عن طول عهدهم ،

ــــــــــــــــــ
(1) سورة عبس / 37 ـ 41


الصفحة (187)

ولا بُعد محلِّهم عَميتْ أخبارُهم وصَمَّت ديارُهم ، ولكنّهم سُقوا كأساً بدّلتهم بالنُّطق خَرَساً ، وبالسّمع صَمماً ، وبالحركات سُكوناً . جيرانٌ لا يتأنَّسون وأحبَّاء لا يتزاورون ، بَلِيت بينهم عُرى التّعارف وانقطعت منهم أسباب الإخاء ؛ فكُلّهم وحيدٌ وهم جميع ، وبجانب الهجرِ وهم أخلاّء .

لا يتعارفون لليلٍ صباحاً ولا لنهار مساء ، أيُّ الجديدين(1) ظعنوا فيه كان عليهم سرمداً ، شاهدوا من أخطار دارهم أفظعَ ممّا خافوا ، ورأوا من آياتها أعظمَ ممّا قدَّروا . ولئن عميت آثارُهم وانقطعت أخبارُهم ، لقد رجعت فيهم أبصارُ العِبر ، وسمعت عنهم آذانُ العقول ، وتكلّموا من غير جهات النُّطق ، فقالوا : كَلَحت الوجوه النّواضر ، وخوت الأجسام النّواعم ، ولبسنا أهدام البِلى ، وتكاءَدَنا ضيق المضجع ، وتوارَثْنا الوحشة ، فانمحت محاسنُ أجسادنا ، وتنكّرت معارف صورنا ، وطالت في مساكن الوحشة إقامتُنا ، ولمْ نجدْ من كربٍ فرجاً ، ولا من ضيقٍ مُتّسعاً .

فلو مثّلتهم بعقلك ، أو كُشف عنهم محجوب الغطاء لك ، وقد ارتسختْ أسماعهم بالهوامِّ فاستكَّتْ ، واكتحلت أبصارُهم بالتّراب فخَسَفَتْ ، وتقطَّعتْ الألسنة في أفواههم بعد ذَلاقتها ، وهمدتْ القلوب في صدورهم بعد يقظتها ، وعاث في كلِّ جارحة منهم جديدُ بلىً سَمَّجَها ، وسهَّل طُرقَ الآفةِ إليها ، لرأيت أشجان قلوبٍ واقذاءَ عيون .
وكم أكلتْ الأرض من عزيزِ جسدٍ ، وأنيق لونٍ كان في الدّنيا غذيَّ ترفٍ وربيب شرف ! يتعلّل بالسّرور في ساعة حُزنه ، ويفزعُ إلى السّلوة إنْ مصيبةٌ نزلتْ به ؛ ضنّاً بغضارة عيشه ، وشَحاحةً بلهوه ولَعبه . فبينا هو يضحك إلى الدُّنيا وتضحك الدُّنيا إليه ، إذ وطئَ الدهر به حَسَكهُ ، ونقضت الأيّام قُواه ، فخالطه بثٌّ لا يعرفه ، ونجيُّ همٍّ ما كان يجدُه ،

ـــــــــــــــــ
(1) أيْ : الليل والنّهار .


الصفحة (188)

وتولَّدت فيه فتراتُ عللٍ ، آنَسَ ما كان بصحَّته حتّى فتر مُعلِّله وذَهَل مُمرِّضُه ، وتعايا أهلُه بصفة دائه ، وخَرسوا عن جواب السّائلين عنه . فبينا هو كذلك على جَناحٍ من فراق الدُّنيا وترك الأحبّة ، إذ عرض له عارضٌ من غُصصهْ ، فتحيَّرت نوافذ فِطنتهْ ، ويَبِستْ رطوبةُ لسانهْ . فكم من مهمٍّ من جوابه عرفه فعيَّ عن ردّه ! ودعاءٍ مُؤلمٍ لقلبه سَمعه فتصامَّ عنه ! من كبير كان يُعظِّمه ، أو صغيرٍ كان يرْحمُهْ . وإنّ للموت لَغمراتٍ هي أفظع منْ أنْ تستغرق بصفة ، أو تعتدلَ على قلوب أهل الدُّنيا )) .

ولذلك سأل زين العابدين (عليه السّلام) مِن ربِّه الرحمة عند تلك الغمرات ، فقال : (( ارحم في هذه الدنيا غربتي ، وعند الموت كربتي ، وفي القبر وحدتي ، وفي اللّحد وحشتي ، وإذا نُشرت للحساب بين يديك ذلّ موقفي . وارحمني صريعاً على الفراش تُقلّبني أيدي أحبَّتي ، وتفضَّل عليَّ ممدوداً على المغتسل يُغسِّلُني صالحُ جيرتي ، وتحنَّنْ عليَّ محمولاً قد تناول الأقرباء أطرافَ جنازتي ، وجُد عليَّ منقولاً قد نزلتُ بك وحيداً في حُفرتي ، وارحم في ذلك البيت الجديد غربتي )) .

هذا كلام زين العابدين (عليه السّلام) وخوفه من أهوال الموت وغمراته ، وأهوال ما بعد الموت ، وهو إمام أهل البيت في عصره ، وزين العابدين الذي ضُرب بعبادته المثل ، ولمْ يكنْ يُشبه جدّه أمير المؤمنين (عليه السّلام) في عبادته غيره ، فكيف بأمثالنا من أهل التقصير ؟!

وهذا الإمام ، الذي هذا كلامه وهذا خوفه من ربّه وهذه عبادته ، قد حُمل أسيراً إلى ابن مرجانة نغل زياد بن سُميّة بالكوفة ، ثمّ حُمل أسيراً إلى ابن هند بالشام والغلُّ في عُنقه . ولمّا اُدخل على ابن زياد ، قال له : مَن أنت ؟ فقال : (( أنا علي بن الحسين )) . فقال : ألَيس قد قتل الله عليَّ بن الحسين ؟ فقال (عليه السّلام) له : (( قد كان لي أخٌ يُسمّى عليّاً قتله النّاس )) . فقال : بل الله قتله . فقال علي بن الحسين (عليهما السّلام) : (( الله يتوفَّى الأنفس حين موتها )) . فغضب ابن زياد ، وقال : وبك جرأة لجوابي ! وفيك بقيّة للردّ عليّ ! اذهبوا به فاضربوا


الصفحة (189)

عُنقه . فتعلّقت به عمّته زينب , وقالت : يابن زياد ، حسبُك من دمائنا . واعتنقته وقالت : لا والله ، لا اُفارقه ، فإنْ قتلته فاقتلني معه .

فنظر ابن زياد إليها وإليه ساعة ، ثمّ قال : عجباً للرحم ! والله ، إنّي لأظنُّها ودّت أنْ قتلتُها معه ، دعوه فإنّي أراه لمَا به ـ أي : إنّه شديد المرض ـ .

وفي رواية : أنّ علي بن الحسين (عليه السّلام) قال لعمّته : (( اسكتي يا عمّة حتّى اُكلّمه )) . ثمّ أقبل عليه ، فقال : (( أبالقتل تُهددني يابن زياد ؟! أمَا علمت أنّ القتل لنا عادة ، وكرامتَنا الشهادة ؟ )) .

نفرٌ حَوتْ جُملَ الثَّنا وتسنَّمتْ  ذُللَ المَعَـالي والـداً وولـيـدَا

مَنْ تلقَ منهُمْ تلقَ كهلاً أو فتَى  علمَ الهُدى بحرَ النَّدى المورودَا

المجلس الحادي عشر بعد المئتين

كان النّاس قبل الإسلام ، منهم مَن يعبد الأصنام كمشركي العرب وغيرهم ، ومنهم مَن يعبد النّار وهم المجوس ، ومنهم مَن يعبد النّجوم والكواكب ، ومنهم مَن يعبد الملائكة ، ومنهم مَن يعبد الآدميين ، ومنهم عبَدَة الأصنام والأوثان ، ومنهم مَن لا يؤمن بالبعث ويرى أنّ الأصنام تنفعه في دنياه ، ويقول : ( إِنْ هِيَ إِلاّ حَيَاتُنَا الدّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ )(1) . وقال في ذلك شاعرهم :

يُخبِّرُنا ابنُ كبشةّ أنْ سنُحْيا  وكيفَ حياةُ أصْدَاءٍ وهامِ

والذين كانوا على شرائع الأنبياء كانوا قد غيّروا وبدّلوا ، واتّخذوا رؤساءهم أرباباً من دون الله ؛ حلّلوا لهم حراماً ، وحرّموا عليهم حلالاً

______________

(1) سورة الأنعام / 29 .


الصفحة (190)

فاتَّبعوهم . وكانوا يأكلون الرّبا ويشربون الخمر ، ويطوفون بالبيت عراةً رجالاً ونساءً ، وقد فشا فيهم الزنا وارتكاب الفواحش ، ووأدوا البنات فدفنوهنّ أحياء : ( وَإِذَا بُشّرَ أَحَدُهُم بِالاُنثَى‏ ظَلّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ )(1) .
ومُلئت الأرض من مشرقها إلى مغربها بالخرافات والسّخافات ، والبدع والقبائح وعبادة الأوثان ، فبعث الله تعالى نبيّه محمّداً (صلّى الله عليه وآله) على حين فترة من الرسل إلى النّاس كلّهم ، فقام في وجه العالم كافة ، ودعا إلى الإيمان بإله واحد ، آمراً بعبادته وحده لا شريك له ، مُبطلاً عبادة الأوثان والأصنام ، متمّما لمكارم الأخلاق ، حاثّاً على محاسن الصفات ، آمراً بكل حسن ، ناهياً عن كلّ قبيح . واكتفى من النّاس بأنْ يقولوا : لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله ، ويُقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ، ويصوموا شهر رمضان ، ويحجّوا البيت ، ويلتزموا بأحكام الإسلام .

وكان قول هاتين الكلمتين موجباً أنْ يكون لقائلهما ما للمسلمين وعليه ما عليهم ولو قالهما والسّيف على رأسه ؛ وأنزل عليه قرآناً عربياً مبيناً لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ؛ أعجز به بلغاء العرب وفصحاءهم ، وتحدّاهم فيه بالمعارضة فلم يستطيعوا معارضته . فحوى من أحكام الدين وأخبار الماضين ، وتهذيب الأخلاق ، والأمر بالعدل والنّهي عن الظُّلم ، وتبيان كلّ شيء . ما يزال يُتلى على كرّ الدهور ومرّ الأيام وهو غضّ طريّ ، يحير ببيانه القول ، ولا تملّه الطباع مهما تكرّرت تلاوته وتقادم عهدُه .

بعث النّبي (صلّى الله عليه وآله) بالمساواة في الحقوق بين جميع الخلق ، وبالإخوّة بين جميع المؤمنين : ( إِنّمَا الْمُؤْمنونَ إِخْوَةٌ )(2) . وبالعفو العام عمّن دخل في الإسلام ( الإسلام يجبّ ما قبله ) ، وسنّ شريعةً باهرة وقانوناً عادلاً ، فكان هذا القانون جامعاً لجميع ما يحتاجه النّاس في معاشهم ومعادهم ، فكان عباديّاً اجتماعيّاً سياسيّاً ، أخلاقيّاً اقتصاديّاً ، لا يشذّ عنه شيء ممّا يمكن

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة النّحل / 58 .

(2) سورة الحجرات / 10 .


الصفحة (191)

وقوعه في الكون ويحتاج إليه بنو آدم . فما من واقعة تقع ولا حادثة تحدث إلاّ ولها في الشريعة الإسلاميّة أصل مُسلّم عند المسلمين ترجع إليه ؛ وهذا ممّا امتازت به الشريعة الإسلاميّة ؛ وذلك لأنها خاتمة الشرائع ، وباقية إلى انقراض عمر الدنيا .

على أنّ العبادات في الدين الإسلامي لا تتمحض لمجرد العبادة ، ففيها منافع بدنية واجتماعيّة ، وسياسيّة وأخلاقيّة ؛ فالطهارة تُفيد النّظافة ، وفي الصلاة رياضة روحيّة وبدنيّة ، وفي صلاة الجماعة والحجّ فوائد اجتماعيّة وسياسيّة ظاهرة ، وفي الصوم رياضة النّفس وصحة البدن ، وفي المعاملات حفظ نظام الاجتماع ، وفي أحكام التجارة حفظ الحقوق ، وفي النّكاح بقاء النّسل وقطع مادة الفساد ، وفي الميراث حبس أموال الميّت على أقربائه دون الغرباء ، وفي الوصيّة والوقف عدم حرمان المرء من منفعة ماله بعد وفاته ، وفي القضاء رفع الخصام على قاعدة العدل ، وفي الأخلاقيّات حُسن العشرة والآداب .

وفي السّياسيّات : الجهاد للدفاع عن الوطن ، والسّبق والرّماية لتعلُّم فنون الحرب ، والجنديّة والحدود والدِّيات لحفظ النّفوس والأموال وقمع الجرائم .

وأمرَ هذا الدِّين بتعلّم العلم وحثّ عليه : ( هَلْ يَسْتَوِي الّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنّمَا يَتَذَكّرُ اُولُوا الألبَابِ )(1) . ( إِنّمَا يَخْشَى اللّهَ من عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ )(2) . (( طلبُ العلمِ فريضةٌ على كلِّ مُسلمٍ ومُسلمة )) . (( اطلبوا العلمَ ولو في الصِّين )) . وأوجب تعلّم كلَّ علم نافع ـ دِيني أو صناعي ـ على الكفاية .

وأمرَ هذا الدين بالنّظر وإعمال العقل ، والأخذ بالدليل والبرهان ، وذمّ التقليد : ( فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ إِلَى‏ طَعَامِهِ)(3) . ( فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمّ خُلِقَ )(4) . ( أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السّماوات وَالأَرْضِ )(5) . ( قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ)(6) . ( وَيَتَفَكّرُونَ فِي خَلْقِ السّماوات وَالأَرْضِ)(7) . ( أفلمْ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الزُّمر / 9 .

(2) سورة فاطر / 29 .

(3) سور عبس / 24 .

(4) سورة الطارق / 5 .

(5) سورة الأعراف / 185 .

(6) سورة الأنعام / 11 .

(7) سورة آل عمران / 191 .


الصفحة (192)

يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا )(1) .

وحثّ على السّعي والجدّ والعمل : ( وَأَن لّيْسَ لِلاِْنسَانِ إِلاّ مَا سَعَى )(2) . ( فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا من فَضْلِ اللّهِ )(3) . وقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( لأنْ يأخذ أحدكم حبلاً فيحتطب على ظهره ، خيرٌ من أنْ يأتيَ رجلاً أعطاه الله من فضله فيسأله ، أعطاه أو منعه )) . وقال النّبي (صلّى الله عليه وآله) : (( إنّ الله يُحبّ العبد يتّخذ المهْنة ليستغني بها عن النّاس )) .

وآخى الإسلام بين كافّة أهله ؛ فآخى النّبي (صلّى الله عليه وآله) أوّلاً بين المهاجرين ، ثمّ بين المهاجرين والأنصار ؛ لانحصار المسلمين فيهم يومئذ ، وأراد (صلّى الله عليه وآله) بناء الإسلام على أساسٍ ثابتٍ وطيدٍ هو تأليف القلوب ، ورفع الشحناء من النَفوس ، والتّناصر والتعاون ؛ لأنّ ذلك هو السّبب الوحيد في نجاح الأعمال ورُقيّ الاُمم .

وأعلن الله تعالى في كتابه العزيز المؤاخاة بين عموم أهل الأسلام ؛ شريفهم ووضيعهم ، رجالهم ونسائهم ، فقال : ( إِنّمَا الْمُؤْمنونَ إِخْوَةٌ )(4) . وبهذه الإخوّة ، وعلى أساسها المتين والمحافظة عليها ، قام الإسلام وظهر وانتشر ، وبالتهاون بها ضعف وتقهقر . وأردف قوله هذا بقوله : ( فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ )(5) . فجعل الإصلاح من مقتضى تلك الإخوّة وموجبها . وقال النّبي (صلّى الله عليه وآله) : (( المسلم أخو المسلم ، لا يظلمه ولا يُسلمه )) .

فانظر بعين عقلك ، كم في هذه الإخوّة من منافع وفوائد ، ومصالح عامّة ؛ سياسيّة واجتماعيّة وأخلاقيّة ! وكم فيها من تأليف للقلوب وحفظ للنظام الاجتماعي ، وحرص على هناء العيش وسعادة البشر ! وهذه هي الإخوّة الصحيحة الشريفة النّافعة التي تفوق كلَّ ما يُسمّى بالإخوّة وتُغني عنه .

والشريعة الإسلاميّة يتساوى فيها جميع الخلق في الحقوق : الملك والرعية ، والشريف والوضيع ، والغني والفقير : (( لا يحلّ مالُ امرئٍ إلاّ

ـــــــــــــــــــــــــــ

(8) سورة الحج / 46 .

(2) سورة النّجم / 39 .

(3) سورة الجمعة / 10 .

(4) ، (5) سورة الحُجرات / 10 .


الصفحة (193)

عن طيب نفسه )) . (( لا شفاعة في حدٍّ )) . (( العدل شاملٌ للكلّ )) . ( وَاُمِرْتُ لأَِعْدِلَ بَيْنَكُمُ )(1) . ( إِنّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَان )(2) . ( إِعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتّقْوَى ‏)(3) . ( وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى ‏ )(4) . ( وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ )(5) . ( فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنّ اللّهَ يُحِبّ الْمُقْسِطِينَ )(6) .

وأوجب الشرع الإسلامي على القاضي أنْ يُسوّي بين الخصمين في الكلام والسّلام ، والمكان والنّظر والإنصات ، وحرّم الرَّشوة وقبول الهديّة ، وأنْ يُلقّن أحد الخصمين ما فيه ضرر على خصمه . وبالغ الدِّين الإسلامي في حفظ الأمن ، والمحافظة على الأموال والدماء وشدّد فيه ، وفرضَ العقوبات الشديدة على مخالفيه : ( إِنّمَا جَزَاءُ الّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتّلُوا أَوْ يُصَلّبُوا أَوْ تُقَطّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم من خِلاَفٍ أَوْ يُنفَوْا من الأَرْضِ )(7) . وأمر بقطع يد السّارق ، وبقتل القاتل عمداً ، وتغريم الدّية في الخطأ ، و( أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ )(8) . ( وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا اُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلّكُمْ تَتّقُونَ )(9) .

واعتنى الدِّين الإسلامي بحفظ الصحة عنايةً فائقة ، فجعل النّظافة من الإيمان ، وأمر بقصّ الأظافر والشوارب وتسريح الشعر ، والوضوء عند كلّ صلاة ، وغسل الثياب والبدن والأواني من النّجاسة والقذارة ، ورخّص في ترك كلّ عبادة يُخاف منها الإضرار بالصحة ، وحرّم تناول كلَّ طعام أو شراب يضرّ بالصحة ، وحرّم الزيادة في الأكل على الشبع . وقال النّبي (صلّى الله عليه وآله) (( المعدةُ بيت الداء ، والحميّة رأس الدواء )) .

وأمر أنْ لا يجلس الإنسان على الطعام إلاّ وهو يشتهيه ، وأنْ يقوم عنه وهو يشتهيه . وقال الله تعالى

ـــــــــــــــــــ

 (1) سورة الشورى / 15 .

 (2) سورة النّحل / 90 .

 (3) سورة المائدة / 8 .

 (4) سورة الأنعام / 152 .

 (5) سورة النّساء / 58 .

 (6) سورة الحجرات / 9 .

 (7) سورة المائدة / 33 .

(8) سورة المائدة / 45 .

(9) سورة البقرة / 179 .


الصفحة (194)

( وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا )(1) . فجمع بذلك أساس علم الطبِّ وحفظ الصحة وأهمّ اُموره .

وأوجب الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر ، وأمرَ بالصدق وأداء الأمانة والوفاء بالعهد ، وصلة الأرحام وحسن الجوار ، وبرّ الوالدين ، وأنْ يحبّ المرء لأخيه ما يُحبّ لنفسه ، ومعاونة الضعيف وحفظ مال اليتيم ، والرأفة والحنوِّ على السّائل .

ومن أحكام الشرع الإسلامي وأوامره في حفظ الحقوق والأموال : الأمر بكتابة الدَّين والإشهاد عليه ، وأخذ الرهن إنْ لمْ تكن الكتابة ، وسنَّ قانون كاتب العدل الذي اتّبعت فيه جميع دول الأرض قانون الإسلام : ( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوْا إِذَا تَدَايَنْتُم بِدَيْنٍ إِلَى‏ اََجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ . . . وَاسْتَشْهِدُوا شَاهِدَيْنِ . . . وَلاَ تَسْأَمُوا أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلَى‏ أَجَلِهِ * وَإِن كُنْتُمْ عَلَى‏ سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِباً فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ )(2) .

وحرّم الدِّين الإسلام كلَّ ما فيه مفسدة ومضرّة ؛ فحرّم الرِّبا والزِّنا والفواحش ، وشرب الخمر وكلَّ مسكر والقمار ، والغيبة والنّميمة ، والحسد والكذب إلاّ في الإصلاح ورفع الضرر ، وكتمان الشهادة والسّرقة ، وقتل النّفس وقطع الطريق ، والغشّ والخيانة ، والفتنة والبغي ، والرشا وخلف العهد ، والإسراف وتضييع المال وأكل المال بالباطل ، ونهى عن التنازع والتنابز بالألقاب ، وبخس المكيال والميزان .

فكم ترى من المفاسد في الرِّبا بذهاب الثروات ! وفي الزِّنا من اختلاط الأنساب وفساد نظام العائلة وتفشِّي الأمراض المُهلكة ! وفي شرب الخمر من زوال العقل وصيرورة المرء اُضحوكة ، ووصوله إلى أقصى دركات المهانة والسّفالة ، ومن هلاك

ـــــــــــــــــ

(1) سورة الأعراف / 31 .

(2) سورة البقرة / 282 ـ 283 .


الصفحة( 195 )

النّفوس وتلف الأموال ، والإضرار بالبدن والنّسل حتّى أنّ دولة أميركا حرّمته بعد مضي أكثر من ألف وثلاثمئة سنة من تحريم الإسلام ! وفي القمار من تلف الأموال وهياج الشرّ ! وفي الغيبة والنّميمة من حصول العداوات والفتن ، والإخلال بالمجتمع البشري !

ولمْ يكتفِ الشرع الإسلامي في جملةٍ من المُحرّمات بالنّهي والتحريم والعقاب في الآخرة حتّى فرض عليها التأديب والعقوبة في الدنيا ؛ فأوجب الحدَّ على الزاني بالضرب أو الرجم ، وعلى شارب الخمر بالضرب ، وعلى السّارق بقطع اليد ، وعلى مخالف العهد واليمين بغرامة ماليّة ، وفرض العقوبات التأديبيّة غير المحدودة في شتّى المواضع ، وأباح كلَّ لذَّة وزينة وتنعّم في الدُّنيا لا تخلّ بالآداب ، ولا تضرّ بالمجتمع الإنساني .

واعتنى الشرع الإسلامي بالمرأة عنايةً كبيرةً حتّى نزلت في القرآن الكريم سورة أكثرها في الوصاية بالنّساء والعناية باُمورهنّ ؛ فسُمّيت : سورة النّساء . وأوجب على الزوج القيام بكلِّ ما تحتاج إليه الزوجة من إسكانٍ وإخدام ، وكسوةٍ وطعام ، وجعل نفقتها مقدّمةً على نفقة أبويه ، العظيمُ حقُّهما عليه ، وعلى نفقة أولاده ، وأوجب معاشرتها بالمعروف : ( وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ )(1) .

وأبطل العادات الجائرة التي سنّتها الجاهليّة في حقّ النّساء ؛ فكان الرجل إذا زوّج أمةً أخذ صداقها دونها ، وكانوا لا يورّثون المرأة . وأكدّ النّبي (صلّى الله عليه وآله) الوصاية بالمرأة في مواضع كثيرة .

ولم يضيِّقْ الدِّين الإسلامي على المرأة فيما يجلب ترويح النّفس ، مع مراعاة الحشمة والآداب ، والبعد عمّا يوجب الظنّة والارتياب ، وعدم الاختلاط بالأجانب ومجانبة ما يوقع في الفساد . فالإسلام قد أكرم المرأة كرامةً ليس عليها من مزيد ، وصانها الصيانة التي تليق بكرامتها .

ــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة النّساء / 19 .


الصفحة ( 196 )

أمّا الذين يدعون إلى السّفور وهتك الحجاب ، واختلاط الرجال بالنّساء ، فهم الذين يُريدون أنْ لا يكون بين بني آدم وحوّاء وبين البهائم فرق ، والذين يُريدون أنْ يتّخذوا لأنفسهم طريقاً سهلةً ، ووسيلةً قريبةً لقضاء شهواتهم والوصول إلى لذّاتهم . فأيّ أحكام عباديّة واجتماعيّة ، وسياسيّة وأخلاقيّة أسمى وأرقى ، وأنفع وأجمع ، وأصلح وأنجع ، وأسهل وأعدل ، وأنزه وأرفه وأقرب إلى تهذيب الأخلاق وسعادة البشر وهناء العيش من هذه الأحكام ؟ أمْ أيّ أحكام تُدانيها في جميع الشرائع والأديان ؟

ولِما في هذا الدِّين من محاسن وموافقة أحكامه للعقول وسهولتها وسماحتها ، ولِما في تعاليمه من السّموِّ والحزم والجدّ ، دخل النّاس فيه أفواجاً ، وقضى أهله على أعظم ممالك الأرض ؛ مملكة الأكاسرة ومملكة الروم ، واخترق شرق الأرض وغربها ودخل جميع أقاليمها وأقطارها ، ودانت به الاُمم على اختلاف عناصرها ولغاتها . وأصبح هذا الرجل الذي فرّ من مكّة مستخفياً ، وأصحابه يُعذّبون ، يدخل مكّة بأصحابه هؤلاء ظاهراً على رغم جبابرة قريش ، فاتحاً لها ، مالكاً رقاب أهلها .

وسمت نفسه إلى مكاتبة ملوك الأرض ؛ كسرى وقيصر ومَن دونهما ، ودعاهم إلى الإسلام ، وظهر دينه على الدِّين كلّه كما وعده ربّه ، وفتح أتباعه ممالك الدُّنيا . ولمْ يقمْ هذا الدِّين بالسّيف والقهر كما يُصوّره أعداؤه ؛ بل كما قال الله تعالى : ( ادْعُ إِلَى‏ سَبِيلِ رَبّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ )(1) . ( لاَ إِكْرَاهَ فِي الدّينِ قَد تَبَيّنَ الرّشْدُ من الْغَيّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ وَيُؤْمن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى‏ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ )(2) .

 ولمْ يحارب أهل مكّة والعرب حتّى حاربوه وأرادوا قتله وأخرجوه ، وأقرّ أهل الأديان التي نزلت بها الكتب السّماويّة على أديانهم ، ولمْ يجبرهم على الدخول في الإسلام ، وأجبر الوثنيّين على ذلك .

ـــــــــــــــــــ

(1) سورة النّحل / 125 .

(2) سورة البقرة / 256 .


الصفحة (197)

ولمْ يكن تأخُّرُ أتباع هذا الدين وضعفهم ناشئاً إلاّ عن عدم تمسّكهم بتعاليم دينهم ، ولمْ يكن فتح العدو لبلادهم إلاّ لتهاونهم بما أمر الله تعالى به ، بقوله : ( وَأَعِدّوا لَهُم مَا استَطَعْتُم من قُوّةٍ وَمن رِبَاطِ الْخَيْلِ )(1) . وعدم فهمهم مغزى قوله تعالى : ( وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنّ اللّهَ قَوِيّ عَزِيزٌ )(2) .

ولمْ يطلب النّبي (صلّى الله عليه وآله) على ما أسداه إلينا من هذه النّعم العظيمة ، وكابده من المحن في سبيل تبليغ الرسالة أجراً ، إلاّ المودّة في القربى : ( قُل لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ الْمَوَدّةَ فِي الْقُرْبَى )(3) .

عن ابن عبّاس : لمّا نزلت هذه الآية ، قالوا : يا رسول الله ، مَن هؤلاء الذين أمرنا الله بمودَّتهم ؟ قال : (( عليٌّ وفاطمةٌ وولْدُهما )) .

وروى الحاكم في كتاب شواهد التنزيل : قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( لو أنّ عبداً عبد الله بين الصفا والمروة ألف عام ، ثمّ ألف عام ، ثمّ ألف عام حتّى يصير كالشّن البالي ، ثمّ لمْ يُدرك محبَّتنا ، أكبّه الله على منخريه في النّار )) . ثمّ تلا : ( قُل لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ الْمَوَدّةَ فِي الْقُرْبَى ) .

وروي عن علي (عليه السّلام) ، قال : (( فينا في آل حم آية ، لا يحفظ مودَّتنا إلاّ كلّ مؤمن )) . ثمّ قرأ هذه الآية .

وإلى هذا أشار الكميت بقوله :

وجدنَا لكُمْ في آلَ حاميمَ آيةً  تأوَّلها منَّا تقيٌّ ومُعربُ

وقال المؤلف :

أنتمْ وُلاةُ الورَى حقّاً وحُبُّكمُ  فرضٌ أكيدٌ بنصِّ الذّكرِ قدْ وَجَبا

وقال أيضاً :

وقدْ فرضَ الرَّحمنُ حُبَّهمُ على  جميعِ البرايَا في الكتابِ وأوجَبا

وحسبك قول الإمام الشافعي محمّد بن إدريس في ذلك :

يا أهلَ بيتِ رسولِ اللهِ حُبُّكمُ  فرضٌ منَ اللهِ في القُرآنِ أنزَلَهُ

ـــــــــــــــــ
(1) سورة الأنفال /60 .

(2) سورة الحديد / 25 .

(3) سورة الشورى / 23 .


الصفحة (198)

كفاكُمُ من عظيمِ القدرِ أنَّكُمُ  مَنْ لا يُصلِّي عليكُمْ لا صلاةَ لهُ

وقال الشيخ مُحي الدِّين بن عربي :

رأيـتُ ولائي آلَ طـه فريضـةً  على رغمِ أهلِ البُعدِ يُورثُني القُرْبا

فما طلبَ المبعوثُ أجراً على الهُدى  بتبلـيغِهِ إلاّ المـوَدَّةَ في القُربـَى

ولكن هذه الاُمّة لمْ تُجازِ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) على تبليغ الرسالة بالمودّة في قُرباه ـ كما أمرها الله ـ ، بل بالبغضة والشنآن ، والمحاربة والعدوان ، والقتل والأسر ، وجرّعتهم الغصص ، وأذاقتهم أنواع البلايا والمحن ؛ فحاربت ابن عمّه عليّاً (عليه السّلام) وآل أمرها إلى أنْ قتلته وهو يصلّي في محرابه ، وسبّته على منابر الإسلام عشرات الأعوام في الأعياد والجماعات ، وما قامت أعواد تلك المنابر إلاّ بسيفه .

أعلَى المنابرِ تُعلنونَ بسبِّهِ  وبسيفِهِ نُصبَتْ لكُمْ أعوادُهَا

وقتلت ولده الحسن (عليه السّلام) أحد السّبطين بالسّمِّ ، ومنعت من دفنه عند جدّه ، وقتلت ولده الحسين (عليه السّلام) ثاني السّبطين بالسّيف ، غريباً ظامياً ، وحيداً فريداً ، بعدما قتلت أنصاره وسبعة عشر رجلاً من أهل بيته ، ليس لهم على وجه الأرض شبيه ، وقدّمت عليه يزيد السّكّير الخميّر ، صاحب القرود والفهود ، والمتجاهر بالكفر والفجور ، حتّى تطرّق العار إلى هذه الاُمّة بولاية يزيد عليها .

وقال أبو العلاء المعري :

أرَى الأيامَ تفعلُ كلَّ نُكرٍ  فما أنا في العجائبِ مُستزيدُ

أليسَ قُريشكُمْ قتَلتْ حُسيناً  وكان عـلَى خلافتِكُمْ يزيـدُ

ولمْ تكتفِ بقتله حتّى سبت نساءه وعياله وأطفاله ، وحملتهم على أقتاب الجِمال من بلد إلى بلد ، ودارت برأسه في البلدان .

لهفي لمَنْ وُدُّهمْ أجرُ الرِّسالةِ لمْ  يرَوا سِوى علَمِ الشَّحناءِ منْشورَا


الصفحة (199)

وليكن هذا آخر الجزء الثالث من المجالس السَّنيّة في مناقب ومصائب العترة النّبويّة ، ويليه الجزء الرابع . ولمْ نألُ جهداً في اختياره وانتقائه وترتيبه حسبما وصلت إليه مقدرتنا القاصرة ، حتّى جُمع بين دفَّتيه من مهمّات الأخبار والحروب ، والفوائد والاحتجاجات ما لم يجمعه كتاب . والله المسؤول أنْ ينفع به إخوان الدين ، ويجعله خالصاً لوجهه الكريم ، ويحشرنا في زمرة محمّد وآله الطاهرين صلوات الله عليه وعليهم أجمعين .
ووافق الفراغ منه في شهر ربيع الثاني سنة 1343 من الهجرة ، بمدينة دمشق المحميّة ، ووافق الفراغ من إعادة النّظر فيه ثانياً ، والزيادة عليه وتغيير ترتيبه إلى أحسن ، وتهيئته للطبع للمرّة الثانية عصر يوم الاثنين 13 من شهر رمضان المبارك سنة 1362 هـ بمنزلي في دمشق الشام ـ صانها الله عن طوارق الأيام ـ ، ووافق الفراغ من إعادة النّظر فيه وتهئيته للطبع للمرّة الثالثة ، بقرية الشياح من ضواحي بيروت في أواسط جمادى الأولى سنة 1369 هـ . وكتب بيده الفانية مؤلفه الفقير إلى عفو ربّه الغني محسن ابن المرحوم السيّد عبد الكريم الأمين الحسيني العاملي نزيل دمشق ، تجاوز الله عن سيئاته ، حامداً مُصليّاً مُسلّماً .  

* * *

والحمد لله رب العالمين

 

 
 
البرمجة والتصميم بواسطة : MWD