1439 / جمادی‌الآخرة / 4  |  2018 / 02 / 21         الزيارات : 570345         صلاة الصبح |         صلاة الظهر والعصر |         صلاة المغرب والعشاء |

المجالسُ السَّنيّة في مناقب ومصائب العترة النبويّة ج 2

{ المُجتهِد الأكبر السيّد محسن الأمين رضوان الله عليه }
المجالسُ السَّنيّة في مناقب ومصائب العترة النبويّة ج 2

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الحمد لله ربِّ العالمين ، وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله الطّاهرين .

 وبعد : فهذا هو الجزء الثّاني من كتاب المجالس السَّنيّة في مناقب ومصائب العترة النبويّة , تأليف أفقر العباد إلى عفو ربّه الغني محسن ابن المرحوم السيّد عبد الكريم الأمين الحسيني العاملي , نزيل دمشق الشّام ، عفا الله تعالى عن سيئاته وحشره مع محمّد وآله الطّاهرين صلوات الله عليهم .

 وحيث قد نفدت الطّبعة الأولى من هذا الجزء , فها نحن نُمثله للطبع ثانياً مع زيادات في هذه الطّبعة ، وتغيير في التّرتيب إلى ما هو أحسن وأنسب , والله المسؤول أنْ يكون عملنا هذا خالصاً لوجهه الكريم , وعليه نتوكل وبه نستعين .

* * *


الصفحة ( 167 )

 

المجلس السّادس والتّسعون

قال الله تعالى في سورة الشّورى : ( قُل لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ الْمَوَدّةَ فِي الْقُرْبَى )(1) : أي قُل لهم يا محمّد , لا أسألكُم على تبليغ الرّسالة وتعليم الشّريعة أجراً ، إلاّ أنْ تودّوا قرابتي وعترتي ، وتحفظوني فيهم .

وعن ابن عباس قال : لمّا نزلت : ( قُل لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ الْمَوَدّةَ فِي الْقُرْبَى ) , قال النّاس : يا رسول الله , مَنْ هؤلاء الذّين أمرنا الله بمودّتهم ؟ قال : (( عليّ وفاطمة وولدهما )) . قال علي (عليه السّلام) : (( فينا في آلِ حم آية لا يحفظ مودّتنا إلاّ كُلّ مؤمن )) . ثُمّ قرأ هذه الآية .

وإلى هذا أشار الكُميت رحمه الله في قوله .

وجدنا لكمْ في آل حمَ آيةً  تأوّلها منّا تقيٌ ومعربُ

وقال الأعسم رحمه الله :

لهفي لمَن ودّهم أجر الرّسالة لمْ  يروا سرى علم الشّحناء منشورا

وقال المؤلّف :

أنتمْ ولاة الورى حقّاً وحُبُكمْ  فرضٌ أكيدٌ بنص الذّكر قد وجبا

وقال بعض الشّعراء :

أيـّها المؤمن الذي طاب فرعاً  وزكـا مـنه أصـلُهُ وتمسكْ
طبْ بدين النّبي نفساً وإنْ خفـ  ـتَ من النّار في غدٍ أنْ تمسكْ
فـاستجر مـن لـَظى بـعليٍٍّ  وبـنـيهِ وبـالبتول تـمسكْ

خطب النّبي (صلّى الله عليه وآله) يوماً فقال : (( أيّها النّاس , إنّي خلّفتُ فيكم الثّقلين ؛ كتابَ الله وعترتي أهل بيتي واُرومتي ، ومزاجَ مائي وثمرتي , لن يفترقا حتّى يَرِدا عليّ

ــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الشّورى / 23 .


الصفحة ( 168 )

الحوض , وإنّي لا أسألُكم في ذلك إلاّ ما أمرني ربّي أنْ أسألُكم المودّة في القُربى , فانظروا أنْ لا تلقوني غداً على الحوض , وقد أبغضتم عترتي وظلمتموهم )) .

فليتك يا رسول الله تنظر إلى آلك وعترتك الذين جعل الله ودّهُم أجر رسالتك ما جرى عليهم من بعدك ؛ أمّا أخوك وابن عمِّك أمير المؤمنين (عليه السّلام) فقد نازعوه حقّه وحاربوه , وكانت خاتمة عملهم أنْ قتلوه وهو يُصلّي في محرابه ؛ وأمّا بضعتُك الزّهراء (عليها السّلام) فقد خرجت من الدُنيا وهي ناحلة الجسم مُعصبة الرأس حزينة باكية ؛ وأمّا ولدك الحسن (عليه السّلام) فقد جرّعوه الغصص ونازعوه حقّه كما نازعوا أباه من قبله وتتبّعوا شيعته ومحبيه ، تارة يقتلونهم ، وتارة ينفونهم من الأرض ، وتارة ينهبون أموالهم ويهدمون دورهم حتّى قتلوه مسموماً ومنعوا من دفنه عندك .

وأمّا ولدك الحسين (عليه السّلام) فقد دعاه أهل الكوفة لينصروه ، ثمّ خذلوه وحاربوه بأمر يزيد وابن زياد حتّى قتلوه ، ومن شرب الماء منعوه , وبجرد الخيل داسوا جسمه ورضّوه ، وعلى سنان الرّمح رفعوا رأسه وحملوه , وأصبحَ جميع أهل بيتك يا رسول الله , الذّين أكدت الوصاية بهم ، مقهورين ، مغصوبة حقوقهم مقتولين ، مُشردين عن أوطانِهم .

تـركوهم شـتّى مـصا  ئـبهمْ وأجـمعهم فظيعهْ
فـمـغيّبٌ كـالبدرِ تـر  تقبُ الورى شوقاً طلوعهْ
ومـكـابدٌ لـلـسمّ قـد  سُـقيتْ حـشاشته نقيعهْ
ومُـضـرّجٌ بـالسّيفِ آ  ثـر عزّه وأبى خضوعهْ
فقضى كما اشتهت الحميـ  ـة تـشكر الهيجا صنيعهْ
ومُـصـفّدٌ لـلـه سـلـّ  ـم أمـر ما قاسى جميعهْ
وسـبـيةٌ بـاتت بـأفـ  ـعـى الهمّ مهجتها لسيعهْ
سُلبت ومـا سُلبت محا  مـد عِـزّها الغُرّ البديعهْ

وتركوهم يا رسول الله شتّى مصارعهم :

بعضٌ بطيبـة مدفـونٌ وبعضُهـمُ  بكربلاءَ وبعـضٌ بالغـريينِ

وأرضُ طوسٍ وسامرا وقد ضَمنتْ  بغدادُ بدرين حلاّ وسط قبرينِ


الصفحة ( 169 )

ولله درّ القائل :

حُفَرٌ بطيبـة والغـري وكربلا  وبطوس والـزّورا وسامراءِ

ما جئتهمْ في حاجة إلاّ انقضتْ  وتبدّل الضّـراءُ بـالسّـرّاءِ

وقال دعبل الخُراعي رحمه الله تعالى :

قـبورٌ بـكوفانٍ وأُخـرى بطيبة وأُخـرى بـفخٍ نـالها صـلواتي
قبورٌ بجنبِ النّهر من أرض كربلا  مـُعـرّسهُمْ فـيها بـشطِّ فُـراتِ
تـُوفّوا عُـطاشى بالفُراتِ فليتني  تـوفيت فـيهم قَـبل حين وفاتي
وقـبـرٌ بـبغداد لـنفسٍ زكـيّةٍ  تـَضمّنها الـرّحمنُ في الغُرفاتِ

المؤلّف :

لئِن تَكُن أصبَحـت شتّـى قبورهمُ  فكلّها في سواد القلـب مجموعُ

كمْ حاولت طمسها الأعـداءُ جاهدةً  وقدرها فوق هام النّجمِ مرفوعُ

المجلس السّابع والتّسعون

كان نوح (عليه السّلام) أوّل اُولي العزم من الرُسل , وهم خمسة : نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمّد . ومعنى اُولي العزم : اُولو القّوة ؛ لأنّهم أمروا باظهار دعوتهم وأعلانها للناس كافّة , قال الله تعالى : ( فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرّسُلِ )(1) .

وروى المسعودي في كتاب إثبات الوصية , أنّ نوح لبث في قومه يدعوهم إلى الله فلا يزيدهم دعاؤه إلاّ فراراً منه وطغياناً , وأوحى الله إلى نوحٍ أنْ أحمل في السّفينة ( مِن كُلّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ) : أي من كُلّ جنس من الحيوانات زوجين ذكراً واُنثى . ( وَأَهْلَكَ إِلاّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ ) : وهي امرأته . ( ومَن آمن )(2) بك من غير أهلك .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الأحقاف / 35 .

(2) سورة هود / 40 .


الصفحة ( 170 )

( وَمَا آمَنَ مَعَهُ الاّ قَلِيلٌ ) . قيل كانوا ثمانين , وقيل ثمانية وسبعين , وقيل ثمانية , وقيل سبعة من رجال ونساء , وفيهم أبناؤه الثّلاثة سام وحام ويافث ، وثلاث زوجات لهم . ( وَنَادَى‏ نوحٌ ابْنَهُ ) كنعان ( وكان في معزلٍ ) عن السّفينة ( يَا بُنَيّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلاَ تُكُن مَعَ الْكَافِرِينَ قَالَ سَآوِي إلى‏ جَبَلٍ يَعْصِمُني مِنَ الْمَاءِ قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ الاّ مَن رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ . . . وَنَادَى‏ نُوحٌ رَبّهُ فَقَالَ رَبّ إِنّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنّ وَعْدَكَ الْحَقّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ قَالَ يَانُوحُ إِنّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ) الذّين وعدتك بنجاتهم ؛ لكونه على غير دينك ( إِنّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ )(1) : أي صاحب عمل غير صالح .

قال أبو فراس :

كانت مودّةُ سلمانٍ لهمْ رحماً  ولم يكُن بين نوحٍ وابنه رحمُ

وشرف مقام النّبوة يوجب تنزيه نساء الأنبياء عن الزِّنا , فيجوز في زوجة النّبي أنْ تكون كافرة كزوجة نوح وزوجة لوط , ولا يجوز أنْ تكون زانية . وأمّا قوله تعالى : ( ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً لِلّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا )(2) . فخيانة امرأة نوح أنّها كانت تنسبه إلى الجنون , وخيانة امرأة لوط أنّها كانت تدّل على أضيافه .

 وبقي نوح ومن معه في السّفينة سبعة أيام واستوت على الجودي في اليوم السّابع , وأغرق الله كُلّ حيٍّ غير نوح وأصحاب السّفينة ؛ ولذلك سُمّي نوح (عليه السّلام) آدم الثّاني . ولولا أنْ رفع الله أنواع العذاب في الدّنيا عن الاُمّة المحمّديّة كرامة لرسوله محمّد , لما كانت اُمّة نوح (عليه السّلام) أحقّ بالعذاب منها بما فعلته بعترة رسول الله ؛ من تسليطه عليها يزيد شارب الخمور ، والمُعلن بالُكفر والفجور ، واللاعب بالقرود والفهود , فأخاف ريحانة رسول الله و أحد سِبطيه حتّى اضطرّه إلى الخروج من حرم رسول الله إلى حرم الله خائفاً يترقّب , ومن حرم الله ـ الذي يأمن فيه كُلّ خائفٍ حتّى الطّير والوحش ـ وأنزله الدّعي بن الدّعي عُبيد الله بن زياد بأمر يزيد مع عياله وأطفاله بالعراء في غير حصن وعلى غير ماء , ومنعه من ماء الفُرات المُباح ، [ الذي ] يشربه البر والفاجر ، وتتمرّغ فيه خنازير السّواد وكلابه ، وآل بيت رسول الله عُطاشى ظمايا

ـــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة هود / 42 ـ 46 .

(2) سورة التّحريم / 9 .


الصفحة ( 171 )

لا يُسمح لهم منه بقطرة واحدة , وسبط رسول الله وريحانته يتلظّى عطشاً ، ويطلب شربة من الماء فيُجاب : يا حُسين , أما تنظر إلى ماء الفُرات كأنّه بطون الحيّات ؟ والله ، لا تذوق منه قطرة حتّى تذوق الموت عطشاً ! هذا واُمّة جدّه رسول الله ما بين خاذل ومُحارب له ومساعد عليه , غير فئة قليلة لا تتجاوز النّيف والسّبعين إنساناً , ولم يكفهم ذلك حتّى داسوا جسده الشّريف بحوافر الخيل , وداروا برأسه ورؤوس أصحابه في البُلدان , وحملوا نساءه وأطفاله على أقتاب الجِمال كالسّبي المجلوب ! أفلا تستحق هذه الاُمّة بفعلها هذا أنْ ينزل بها من العذاب أكثر ممّا نزل بقوم نوح ؟ بلى والله .

فـلأيهمْ تنعى الملائكُ مَن لهُ  عـقدُ الآلـه ولاءهم وولاءهَا
ألآدم تـنعى وأيـنَ خليفةُ الرّ  حـمنِ آدمُ كـي يُقيم عزاءهَا
أم هـل إلى نوحٍ وأين نبيهُ  نـوحٌ فيسعد نوحها وبكاءهَا
ولقد ثوى بثراك والسّبب الذي  عصم السّفينةَ مغرقاً أعداءهَا

 

المجلس الثّامن والتّسعون

قال الله تعالى : ( وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنّاسِ وَأَمْناً وَاتّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّى وَعَهِدْنَا إلى‏ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أنْ طَهّرَا بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرّكّعِ السّجُودِ * وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَومِ الآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتّعُهُ قَلِيلاً ثُمّ أَضْطَرّهُ إلى‏ عَذَابِ النّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبّنَا تَقَبّلْ مِنّا إِنّكَ أَنْتَ السّمِيعُ الْعَلِيمُ )(1) .

فبنى إبراهيم (عليه السّلام) البيت ونقل إسماعيل (عليه السّلام) الحجر من ذي طوى , فقال إبراهيم (عليه السّلام) لمّا فَرِغَ من بناء البيت : ( رَبّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً ) .

ـــــــــــــــــــــ

(1) سورة البّقرة / 125 ـ 127 .


الصفحة ( 172 )

روي عن الامام الصّادق (عليه السّلام) : (( مَن دخل الحرم مستجيراً به فهو آمن من سخط الله عزّ وجل ، ومَن دخله من الوحش والطّير كان آمناً من أنْ يُهاج أو يؤذى حتّى يخرج من الحرم ؛ وذلك قوله تعالى : وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنّاسِ وَأَمْناً )) . بأنْ حكم أنّ مَن عاذ به والتجأ إليه لا يخاف على نفسه ما دام فيه . وكان العرب لا يتعرّضون لمن فيه فهو آمن على نفسه وماله , وإنْ كانوا يخطفون النّاس من حوله ، وكان قبل الإسلام يرى الرّجل قاتل أبيه في الحرم فلا يتعرض له .

ألا قاتل الله بني اُميّة فإنّهم ما راعوا حُرمة الله , فأخافوا سبط رسول الله وريحانته الحسين وهو في الحرم ؛ وذلك لمّا أنفذ يزيد عمرو بن سعيد بن العاص من المدينة إلى مكّة في عسكرٍ عظيم , وولاه أمر الموسم وأمره على الحاج كلهم , وأوصاه بقبض الحسين (عليه السّلام) سرّاً وإنْ لم يتمكن منه يقتله غيلة .

 ثُمّ إنّ يزيد دسّ له مع الحاج في تلك السّنة ثلاثين رَجُلاً من شياطين بني اُميّة , وأمرهم بقتل الحسين (عليه السّلام) على أيّ حال اتّفق , فلمّا علم الحسين (عليه السّلام) بذلك , عزم على التّوجه إلى العِراق ، وكان قد أحرم بالحجّ , فطاف بالبيت وسعى بين الصّفى والمروة وقصّر من شعره وأحلّ من إحرام الحجّ وجعلها عُمرة مُفردة ؛ لأنّه لم يتمكّن من إتمام الحجّ مخافة أنْ يُقبض عليه , وجاءهُ محمّد بن الحنفيّة في الليلة التّي أراد الحسين (عليه السّلام) الخروج في صبيحتها عن مكّة , فقال له : يا أخي ، إنّ أهل الكوفة قد عرفت غدرهم بأبيك وأخيك , وقد خفت أنْ يكون حالك كحال مَن مضى , فإنْ رأيت أنْ تُقيم فإنّك أعزّ مَن بالحرم وأمنعه . فقال : (( يا أخي ، قد خفتُ أنْ يغتالني يزيد بن مُعاوية في الحرم , فأكون الذي يُستباح به حُرمة هذا البيت )) . فقال له ابن الحنفيّة : فإنْ خفت ذلك فصر إلى اليمن أو بعض نواحي البر ؛ فإنّك أمنع النّاس به ولا يقدر عليك أحد . فقال : (( أنظر فيما قُلت )) .

فلمّا كان السّحر ارتحل الحسين (عليه السّلام) , فبلغ ذلك ابن الحنفيّة فأخذ بزمام ناقته ، وقد ركبها , فقال : يا أخي ، ألم تعدني النّظر فيما سألتُك ؟ قال : (( بلى )) . قال : فما حداك على الخروج عاجلاً ؟ قال : (( أتاني رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بعد ما فارقتُك , فقال : يا حُسين اخرج ، فإنّ الله شاء أنْ يراك قتيلاً )) . فقال محمّد بن الحنفيّة : إنّا لله وإنّا


الصفحة ( 173 )

إليه راجعون , فما معنى حملُك هؤلاء النّسوة معك وأنت تخرج على مثل هذا الحال ؟ فقال : (( إنّ الله شاء أنْ يراهُن سبايا )) ؛ ولذلك كتب ابن عباس إلى يزيد بعد قتل الحسين (عليه السّلام) : وما أنسَ من الأشياء فلست بناسٍ اطرداك حُسيناً من حرم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إلى حرم الله , وتسييرك إليه الرّجال لقتله في الحرم , فما زلت بذلك وعلى ذلك حتّى أشخصته من مكّة إلى العراق , فخرج خائفاً يترقّب , فزلزلت به خيلك ؛ عداوة منك لله ولرسوله ولأهل بيته الّذين أذهب الله عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيراً .

وقد انجلى عن مكّة وهو ابنها  وبه تشرّفت الحطيمُ وزمزمُ

لم يدرِ أيـن يريح بدن ركابهِ  فكأنّما المـأوى عليه مُحرّمُ

وما اكتفى يزيد بهذا كُلّه , بل إنّه هتك حرمة الله تعالى في الحرم , وهدم الكعبة المشرّفة أيام حربه مع ابن الزّبير على يد الحُصين بن نمير , فنصب على الكعبة العرادات والمجانيق , وفرض على أصحابه عشرة آلاف صخرة كُلّ يوم يرمون بها الكعبة حتّى هدمها ؛ بغياً منه وعتوّاً على الله تعالى حتّى أخذه الله أخذ عزيز مُقتدر .

ألا يـا بـن هندٍ لا سقى الله تربةً  ثـويت بمثواها ولا اخضرّ عودُها
أتـسلبُ أثـوابَ الـخلافة هـاشماً  وتـطردُها عـنها وأنـت طريدُها
وما أنْ أرى يشفي الجرى غير دولةٍ  تُدين لها في الشّرق والغرب صيدُها

المجلس التّاسع والتّسعون

روي أنّه كان السّبب في ابتلاء الله يعقوب (عليه السّلام) بفراق ولده يوسف (عليه السّلام) : أنّ يعقوب (عليه السّلام) ذبح كبشاً ، وأنّ سائلاً مؤمناً صوّاماً غريباً اجتاز على


الصفحة ( 174 )

بابه عشيّة جمعة , فاستطعمهم وهم يسمعون فلم يُصدّقوا قوله , فلمّا يئس أنْ يُطعموه وغشيه الليل استرجع واستعبر وشكا جوعه إلى الله تعالى , وبات طاوياً وبات يعقوب وآله بطاناً , فكان يعقوب ـ بعد ذلك ـ إذا أراد الغداء أمر مُناديا فنادى : ألا مَن أراد الغداء من المساكين فليتغدّ مع يعقوب . وإذا كان صائماً أمر منادياً فنادى ألا مَن كان صائماً فليفطر مع يعقوب .

ولمّا كان مقام النّبوة أعلى المقامات عند الله تعالى , فقد يبتلي الله الأنبياء بالشّدائد في الدّنيا ؛ لأجل تركهم للأولى ويعاتبهم على ذلك .

ولكن انظر لترى الفرق بين ما جرى ليعقوب وولده , وما جرى لأمير المؤمنين علي وزوجته البضعة الزّهراء وولديه الحسنين (عليهم السّلام) حين تصدّقوا بزادهم على المسكين واليتيم والأسير ، وطووا ثلاثة أيام صائمين .

روى صاحب الكشّاف في تفسير قوله تعالى : ( يُوفُونَ بِالنّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرّهُ مُسْتَطِير * وَيُطْعِمُونَ الطّعَامَ عَلَى‏ حُبّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِير * إِنّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللّهِ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلاَ شُكُوراً )(1) . عن ابن عباس رضي الله عنه : أنّ الحسن والحسين (عليهما السّلام) مرضا فعادهما رسول الله في ناس معه , فقالوا : يا أبا الحسن لو نذرت على ولديك . فنذر عليٌ وفاطمة وفضّة جارية لهُما , إنْ برءا ممّا بهما أنْ يصوموا ثلاثة أيام . فشفيا وما معهم شيء , فاستقرض علي (عليه السّلام) من شمعون الخيبري ثلاثة أصوع من شعير , فطحنت فاطمة (سلام الله عليها) صاعاً واختبزت خمسة أقراص على عددهم , فوضعوها بين أيديهم ليفطروا , فوقف عليهم سائل فقال : السّلام عليكم أهل بيت محمّد , مسكين من مساكين المُسلمين ، أطعموني أطعمكم الله من موائد الجّنة . فآثروه وباتوا لم يذوقوا إلاّ الماء ، وأصبحوا صياماً ، فلمّا أمسوا ووضعوا الطّعام بين أيديهم , وقف عليهم يتيم فآثروه , ووقف عليهم أسير في الثّالثة ففعلوا مثل ذلك .

فليت أمير المؤمنين والزّهراء (عليهما السّلام) اللَذين تصدّقا بقوتهما وقوت ولديهما على المسكين واليتيم والأسير , لا غابا عن يتامى ولدهما الحسين (عليه السّلام) يوم كربلاء وقد

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الإِنسان / 7 ـ 9 .


الصفحة ( 175 )

باتوا ليلة الحادي عشر من المُحرّم وهم جياعى عُطاشى , بلا مُحامٍ ولا كفيل غير زينب والعليل .

ليت الاُولى اطعموا المسكين قوتَهمُ  وتالييه وهم في غـاية السّغبِ

يـرون بالطّـف أبناءً لهم أُسرتْ  يستصرخون من الآباء كلّ أبي

المجلس المئة

قال الله تعالى : ( إِذْ قَالَ يُوسُفُ لاَِبِيهِ يَا أبَتِ إِنّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ * قَالَ يَابُنَيّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى‏ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنّ الشّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوّ مُبِينٌ . . . لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسّائِلِينَ * إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبّ إلى‏ أَبِينَا مِنّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنّ أَبَانَا لَفي ضَلالٍ مبِينٍ )(1) .

روي : أنّه لمّا ولد يوسف أحبّه يعقوب حُبّاً شديداً , فلمّا رأى إخوة يوسف محبّة أبيهم له وإقباله عليه حسدوه ، ثُمّ إنّ يوسف رأى في منامه أحد عشر كوكباً والشّمس والقمر تسجد له , فقصّها على أبيه , فقال له أبوه : ( يَا بُنَيّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى‏ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً )(2) . فسمعت امرأة يعقوب ذلك , فلمّا أقبل أولاد يعقوب , أخبرتهم بالرؤيا فازدادوا حسداً , وقالوا : ما عني بالشّمس غير أبينا ولا بالقمر غيرك ولا بالكواكب غيرنا , إنّ ابن راحيل يريد أنْ يتملّك علينا . فتآمروا بينهم أنْ يفرّقوا بينه وبين أبيه , وقالوا : ( اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً ) : أي في أرض بعيدة عن أبيه فلا يهتدي إليه ( يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ ) : تنصرف محبته لكم ويحنّ عليكم ( وَتَكُونُوا مِن بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ * قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ ) : وهو يهوذا ، وكان أفضلهم وأعقلهم : ( لاَ تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبّ ) : أي في قعر البئر ( يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السّيّارَةِ ) : يأخذه بعض مارّة الطّريق

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة يوسف / 4 ـ 8 .

(2) سورة يوسف / 5 .


الصفحة ( 176 )

المُسافرين ( إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ ) . وأخذ عليهم العهود أنّهم لا يقتلونه , فأجمعوا عند ذلك أنْ يدخلوا على يعقوب ويُكلّموه في إرسال يوسف معهم إلى البرية : ( قَالُوا يَا أَبَانَا مَالَكَ لاَ تَأْمَنّا عَلَى‏ يُوسُفَ وَإِنّا لَهُ لَنَاصِحُونَ * أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدَاً ) إلى الصّحراء ( يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنّا لَهُ لَحَافِظُونَ * قَالَ إِنّي لَيَحْزُنُنِي أنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ * قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ ) : جماعة ( إِنّا إِذاً لَخَاسِرُونَ )(ا) . فاطمأنّ يعقوب إليهم ، فأرسله معهم فأخرجوه وهم يكرمونه . فلمّا وصلوا إلى الصّحراء أظهروا له العداوة , وجعل يضربه بعض إخوته فيستغيث بالآخر فيضربه , فضربوه حتّى كادوا يقتلونه ، وجعل يصيح : يا أبتاه يا يعقوب ! لو تعلم ما يُصنع بابنك بنو الإماء . فقال لهم يهوذا : أليس قد أعطيتموني موثقاً أنْ لا تقتلوه ؟ فانطلقوا به إلى الجُبّ , ( فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبّ ) : أدنوه من رأس الجُبّ ، فقالوا له : انزع قميصك . فبكى وقال : يا إخوتي لا تجردوني . فسلّ واحدٌ منهم عليه السّكين ، وقال : لئن لم تنزعه لأقتُلنّك . فنزعه , فجعلوا يدلونه في البئر وهو يتعلّق بشفير البئر , فربطوا يديه وهو يقول : يا إخوتاه لا تفعلوا ! ردّوا عليّ قميصي أتوارى به في الجُبّ . فيقولون : ادعُ الشّمس والقمر والأحد عشر كوكباً تؤنسك . فدلّوه في الجُبّ , فلمّا بلغ نصفه ، ألقوه إرادة أنْ يموت .

وكان في البئر ماء فسقط فيه , ثمّ آوى إلى صخرة فقام عليها ، فنادوه ، فظنّ أنّهم رحموه فأجابهم , فأرادوا أنْ يرضخوه بالحجارة , فمنعهم يهوذا ، ( وأوحينا إليه لَتُنَبّئَنّهُم بِأَمْرِهِمْ هذَا ) : لتخبرنّهم بفعلهم بعد هذا الوقت ، وهو قوله : ( هَلْ عَلِمْتُم مّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ ) ؟ ( وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ) إنّك يوسف .

( وَجَاءُوا أَبَاهُمْ ) : عادوا إلى أبيهم عشاء يبكون ، فلمّا سمع بكاءهم فزع وقال : ما بالكم ؟ ( قَالُوا يَا أَبَانَا إِنّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ ) : نتراكض ونترامى بالسّهام لنعرف أيُّنا السّابق ( وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذّئْبُ وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا ) : بمصدق لنا ( وَلَوْ كُنّا صَادِقِينَ * وَجَاءُوا عَلَى‏ قَميِصهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى‏ مَا تَصِفُونَ )(2) . قيل : إنّهم ذبحوا سخلة وجعلوا دمها على قميصه ولم

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة يوسف / 9 ـ 14 .

(2) سورة يوسف / 15 ـ 18 .


الصفحة ( 177 )

يُمزّقوه , ولم يخطر ببالهم أنّ الذّئب إذا أكل إنساناً مزّق ثوبه . فقال لهم : أروني القميص . فلمّا رأى القميص صحيحاً , قال : يا بَنيَّ ، والله , ما عهدت كاليوم ذئباً أحلم من هذا , أكل ابني ولم يُمزّق ثوبه ! ثمّ بكى بُكاءً طويلاً , ثمّ أخذ القميص يُقبّله ويشمّه .

 هذا يعقوب مع أنّه نبيّ ابن أنبياء ، بكى لمّا رأى قميص ولده حتّى غُشي عليه ، وهو لم يتحقق موته . ساعد الله قلب أبي عبد الله الحسين (عليه السّلام) الذي رأى ولده عليّاً الأكبر , شبيه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بخلقه وخُلقه , مُقطّعاً بالسّيوف , مُجرّحاً بالرّماح والسّهام , نادى : (( قتل الله قوماً قتلوك يا بُني , ما أجرأهم على الرّحمن وعلى انتهاك حُرمة الرّسول ! على الدّنيا بعدك العفا )) :

كنتَ السّوادَ لناظري  فعليك يبكي النّاظرُ

مَن شاءِ بعدَك فليمُتْ  فعليك كنتُ اُحاذرُ

 

المجلس الواحد بعد المئة

لمّا أذن الله تعالى بخروج يوسف (عليه السّلام) من السّجن , رأى الملك رؤيا هالته ؛ وذلك أنّه رأى ( سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنّ سَبْعٌ ) بقرات ( عجاف ) : مهازيل ، فدخلت السّمان في بطون المهازيل , ورأى ( َسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ ) قد انعقد حَبّها , ( و ) سبعاًَ ( أُخَرَ يابسَاتٍ ) فالتوت اليابسات على الخضر حتّى غلبت عليها . فقصّ الملك رؤياه على قومه ، فأشكل عليهم تعبيرها , وتذكّر الذي كان على شراب الملك رؤياه الّتي رآها في السّجن وعبّرها له يوسف , فأخبرهم بها وطلب أنْ يرسلوه إلى يوسف , فأرسلوه فسأله عن الرؤيا , فقال : أمّا البقرات السّبع العِجاف والسّنابل السّبع اليابسات ، فالسّنون المُجدبة ؛ وأمّا السّبع السّمان والسّنابل السّبع الخضر ، فإنّهنّ سبع


الصفحة ( 178 )

سنين مخصبات . فرجع الرّجل إلى الملك فأخبره بما قال يوسف , ( وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي ) : أجعله خالصاً لنفسي فأرجع إليه في تدبير مملكتي . فلمّا أخرجوه من السّجن , كتب على بابه : هذا قبر الأحياء وبيت الأحزان , وتجربة الأصدقاء وشماتة الأعداء .

ثمّ إنّ يوسف اغتسل ولبس ثيابه وقصد الملك , فلمّا دخل عليه وكلّمه , عرف الملك فضله وأمانته وعقله , ( قَالَ إِنّكَ اليَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ ) : ذو مكانة وقدر عظيم ( أمين ) : مأمون ثقة . فقال الملك : فما ترى من رؤياي أيّها الصدّيق ؟ فقال : أرى أنْ تزرع زرعاً كثيراً في السّنين المخصبة , وتخزن الطّعام بقصبه وسنبله ؛ لئلا يفسد , وليكون قصبه وسنبله علفاً للدواب , فتدفع إلى كلّ إنسان حصّته وتترك الباقي . فقال الملك : سل حاجتك . ( قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى‏ خَزَائِنِ الأَرْضِ ) : يعني على الأنابير التي فيها الطّعام ( إِنّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ) : كاتب حاسب .

فأقبل يوسف على جمع الطّعام فكبسه في الخزائن , فلمّا مضت السّنون المُخصبة وأقبلت المُجدبة , أقبل يوسف على بيع الطّعام , فباعهم في السّنة الأولى بالدّنانير والدّراهم حتّى لم يبقَ معهم شيء منها , ثمّ في السّنة الثّانية بالحُليّ والجواهر ، ثمّ في السّنة الثّالثة بالدّواب والمواشي , ثمّ في السّنة الرّابعة بالعبيد والإماء , ثمّ في السّنة الخامسة بالدّور والعِقار , ثمّ في السّنة السّادسة بالمزارع والأنهار , ثمّ في السّنة السّابعة برقابهم حتّى استرقّهم جميعاً .

وكان الملك قد فوّض إليه أمر المُلك , فقال للملك : كيف رأيت صنع الله بي فيما خوّلني ، فما ترى ؟ قال : الرأي رأيك . قال : إنّي اُشهد الله واُشهدك أنّي اعتقتهم عن آخرهم ورددت عليهم أملاكهم . وكان لا يبيع لأحدهم أكثر من حمل بعير ؛ عدلاً بين النّاس , وكان لا يمتلي شبعاً من الطّعام في تلك الأيام المجدبة , فقيل له : تجوع وبيدك خزائن الأرض ؟ فقال : أخاف أنْ أشبع فأنسى الجياع , وهذا نظير قول أمير المؤمنين علي (عليه السّلام) : (

الصفحة ( 179 )

وحسبُك داءً أنْ تبيت ببطنةٍ  وحولك أكبادٌ تحنّ إلى القدِّ

أأقنع من نفسي بأنْ يُقال أمير المؤمنين ولا اُشاركهم في مكاره الدّهر ، أو أكون اُسوة لهم في جشوبة العيش ؟ )) . واقتدى به في ذلك ولده الحسين (عليه السّلام) , فقد وجُد على ظهره يوم الطفّ أثر , فسُئل علي بن الحسين (عليه السّلام) عن ذلك , فقال : (( هذا ممّا كان يحمل الجراب على ظهره إلى بيوت الأرامل واليتامى )) . ووجد على ظهر الحسين (عليه السّلام) يوم الطفّ أثر آخر , هو أوجع القلوب من هذا الأثر , وهو أثر حوافر الخيل التي داست بحوافرها صدره الشّريف وظهره ؛ وذلك حين أمر ابن سعد عشرة فوارس أنْ يدوسوا بحوافر خيولهم صدره وظهره ؛ تنفيذاً لما أمر به ابن زياد , وهم يقولون :

نحن رضضنا الصّدر بعد الظّهرِ  بكلّ يعبوبٍ شديدِ الأسرِ

فقال ابن زياد : مَن أنتم ؟ قالوا : نحن الذين وطأنا بخيولنا جسد الحسين حتّى طحنّا جناجن صدره .

تطأ الصّواهلُ صدرَه وجبينَهُ  والأرضُ ترجفُ خيفةً وتضعضعُ

 

المجلس الثّاني بعد المئة

لمّا تمكّن يوسف بمصر وأصاب النّاس ما أصابهم من القحط , نزل بآل يعقوب ما نزل بالنّاس , فقال يعقوب لبنيه : بلغني أنّه يُباع الطّعام بمصر , وأنّ صاحبه رجل صالح فاذهبوا إليه فإنّه سيحسن إليكم إنْ شاء الله . فجهّزهم وأمسك عنده بنيامين أخا يوسف لاُمّه , فساروا حتّى وردوا مصر , فدخلوا على يوسف فعرفهم ولم يعرفوه ؛ لتغيّر لبسه وبُعد عهدهم منه ؛ لأنّه كان بين قذفهم له في الجُبّ ودخولهم عليه أربعون


الصفحة ( 180 )

سنة ، فكلّمهم بالعبرانية , فقال لهم : مَن أنتم ؟ فقالوا : نحن من أرض الشّام , أصابنا الجهد فجئنا نمتار . فقال : لعلّكم جواسيس ؟ فقالوا : لا والله , وإنّما نحن إخوة بنو أب واحد , وهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرّحمن , ولو تعلم بأبينا لكرمنا عليك , فإنّه نبي الله وابن أنبيائه وأنّه لمحزون . قال وما الذي أحزنه ؟ قالوا : كان له ابن ، كان أصغرنا سنّاً , خرج معنا إلى الصّيد فأكله الذّئب . فقال يوسف : كُلّكم من أبٍ واُمٍّ ؟ قالوا : أبونا واحد واُمهاتنا شتّى . قال : فما حمل أباكم على أنْ حبس منكم واحداً ؟ قالوا : لأنّه أخو الذي هلك من اُمّه ؛ فأبونا يتسلّى به . قال : فمَن يعلم أنّ قولُكم حقّ ؟ قالوا : إنّا ببلاد لا يعرفنا أحد . قال : فائتوني بأخيكم الذي من أبيكم وأنا أرضى بذلك . قالوا : إنّ أبانا يحزن على فراقه وسنُراوده عنه . قال : فدعوا عندي رهينة . فاقترعوا بينهم فأصابت القرعة شمعون فتركوه عنده , وقال لفتيانه : إجعلوا بضاعتهم التي جاؤوا بها ثمن الطّعام في أوعيتهم ؛ وإنّما فعل ذلك إكراماً لهم ليرجعوا إليه .

فلمّا دخلوا على يعقوب , قال : مالي لا أسمع فيكم صوت شمعون ؟ فقالوا : يا أبانا جئناك من عند أعظم النّاس ملكاً , ولم يرَ النّاس مثله حَكماً وعلماً وخشوعاً وسكينة ووقاراً , ولئن كان لك شبيه فإنّه يشبهك , ولقد أكرمنا كرامة لو أنّه بعض أولاد يعقوب ما زاد على كرامته , ولكنّا أهلُ بيتٍ خُلقنا للبلاء , إنّه اتهمنا وزعم أنّه لا يُصدّقنا حتّى ترسل معنا بنيامين , وأنّه ارتهن شمعون , وقال : ائتوني بأخيكم ( فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلاَ تَقْرَبُونِ ... فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنّا لَهُ لَحَافِظُونَ * قَالَ هَلْ ءَأَمَنُكُمْ عَلَيْهِ الاّ كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى‏ أَخِيهِ مِن قَبْلُ فَاللّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرّاحِمينَ . . . قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتّى‏ تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِنَ اللّهِ لَتَأْتُنّنِي بِهِ الاّ أنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمّا ءَاتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللّهُ عَلَى‏ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ )(1).

 فأرسله معهم وفعلوا كما قال , فلمّا دخلوا على يوسف , قالوا : هذا أخونا الّذي أمرتنا أنْ نأتيك به . فأكرمهم وأضافهم , وقال : ليجلس كلّ بني اُمّ على مائدة . فجلسوا وبقي بنيامين قائماً وحده فبكى , فقال له يوسف : ما لك لا تجلس ؟ قال : إنّك قُلت ليجلس كلّ بني اُمّ على مائدة , وليس لي فيهم ابن اُم . قال يوسف : فما كان لك ابن اُم ؟ قال : بلى . قال : فما فعل ؟ قال : زعم هؤلاء أنّ الذّئب

ــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة يوسف / 60 ـ 66 .


الصفحة ( 181 )

أكله . قال : فما بلغ من حزنك عليه ؟ قال : ولد لي أحد عشر إبناً ، كُلُهم اشتققت له إسماً من اسمه . فقال له يوسف : تعال فاجلس معي على مائدتي . فقال إخوته : لقد فضّل الله يوسف وأخاه حتّى أنّ الملك قد أجلسه معه على مائدته .

فلمّا كان الليل جاؤوهم بالفرش , وقال : لينم كلّ أخوين منكم على فراش ، وبقي بنيامين وحده , فقال يوسف : هذا ينام معي . فبات معه على فراشه وذكر له بنيامين حزنه على يوسف , فقال له : أتحب أنْ أكون أخاك عوض أخيك الذّاهب ؟ فقال بنيامين : ومَن يجد أخاً مثلك , ولكن لم يلدك يعقوب ولا راحيل ؟ فبكى يوسف وقام إليه فعانقه , وقال : ( إِنّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ )(1) أي : فلا تحزن لشيء سلف منهم .

هذا يوسف بكى لمّا جمع الله شمله بأخيه بنيامين , وكان المقام مقام فرح وسرور لا مقام حزن وبُكاء , لكن غلبت الرّقة من يوسف (عليه السّلام) فتذكّر ما سلف من فراق أبيه وأخيه فبكى , ولا أحد أعزّ على المرء بعد أبويه من الأخ لا سيّما إذا كان الأخ من أعاظم الرّجال , ولكن أين مقام يوسف الصدّيق من مقام أبي عبد الله الحسين (عليه السّلام) حين وقف على أخيه أبي الفضل العباس , فرآه مقطوع اليدين ، مطروحاً على وجه الأرض ، مرضوخ الجبين ، مشكوك العين بسهم ، مُقطّعاً بسيوف الأعداء ؟! فوقف عليه مُنحنياً وبكى بكاءً شديداً , وجلس عند رأسه يبكي حتّى فاضت نفسه الزّكية .

ثمّ حمل على القوم فجعل يضرب فيهم يميناً وشمالاً , فيفرّون من بين يديه كما تفرّ المعزى إذا شدّ فيها الذّئب , وهو يقول : (( أين تفرّون وقد قتلتم أخي ؟ أين تفرون وقد فتتم عَضدي ؟ )) .

إنـّي لأذكـر للعبـّاسِ موقفَهُ  بكربلاءَ وهام القـوم تختـطـفُ

ولا أرى مشهـداً يوماً كمشهدهِ  مع الحسين عليه الفضلُ والشّرفُ

* * *

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة يوسف / 69 .


الصفحة ( 182 )

 

المجلس الثّالث بعد المئة

لمّا جاء إخوة يوسف بأخيهم بنيامين إلى يوسف , قال له يوسف : أنا اُحب أنْ تكون عندي . فقال : لا يدعني إخوتي ؛ فإنّ أباهم قد أخذ عليهم عهد الله وميثاقه أنْ يردّوني إليه . قال : فأنا أحتال بحيلة فلا تنكر إذا رأيت شيئاً ولا تخبرهم .

( فَلَمّا جَهّزَهُم بِجَهَازِهِمْ ) أي : أعطاهم ما جاؤوا لطلبه من الميرة , أمر فجعل الصّاع في متاع أخيه وكان من ذهب , وقيل من فضة . فلمّا ارتحلوا , بعث إليهم وحبسهم , ثمّ أمر مُنادياً يُنادي : ( أَيّتُهَا الْعِيرُ إِنّكُمْ لَسَارِقُونَ ) . فقال : أصحاب العير : ( ماذَا تَفْقِدُونَ * قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ ) . وقال المُنادي : مَن جاء بالصّاع فله حمل بعير من الطّعام ( وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ ) : كفيل ضامن . فقال إخوة يوسف : ( تَاللّهِ لَقَدْ عَلِمْتُم مّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأَرْضِ وَمَا كُنّا سَارِقِينَ ) وكان حين دخلوا مصر وجدهم قد شدّوا أفواه دوابهم ؛ لئلا تأكل من الزّرع ( قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إنْ كُنتُم كَاذِبِينَ * قَالُوا جَزَاؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ ) وكان جزاء السّارق عند آل يعقوب أنْ يُستخدم ويُسترق ( فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمّ اسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَاءِ أَخِيهِ كَذلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دينِ الْمَلِكِ الاّ أنْ يَشَاءَ اللّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَن نّشَاءُ وَفَوْقَ كُلّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ * قَالُوا إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لّهُ مِن قَبْلُ )(1) .

وكانت سرقة يوسف أنّ عمّته كانت تحضنه بعد وفاة اُمّه وتحبه حُبّاً شديداً , فلمّا كبر أراد يعقوب أنْ يأخذه منها ـ وكانت أكبر ولد إسحاق وكانت عندها منطقة إسحاق وكانوا يتوارثونها بالكبر ـ فاحتالت وشدّت المنطقة على وسط يوسف وأدّعت أنّه سرقها , وكان من سنّتهم استرقاق السّارق ، فحبسته عندها بذلك السّبب . قالوا : يا أيّها العزيز ، إنّ له أباً شيخاً كبيراً فَخُذ أحدنا مكانه ، إنّا نراك من المُحسنين . قال : معاذ الله أنْ نأخذ إلاّ مَن وجدنا متاعنا عنده ؛ إنّا إذاً لظالمون .

فرجع إخوة يوسف إلى أبيهم فأخبروه بحبس بنيامين , فهاج ذلك وجده بيوسف ؛ لأنّه كان يتسلّى به ( وَقَالَ يَا أَسَفَى‏ عَلَى‏ يُوسُفَ وَابْيَضّتْ عَينَاهُ مِنَ

ـــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة يوسف / 70 ـ 77 .


الصفحة ( 183 )

الحزن ) والبُكاء ( فهو كظيم ) : مملوء من الهمّ والحزن , فقال له أولاده : ( تَاللّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتّى‏ تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ * قَالَ إِنّمَا أَشْكُوا بَثّي وَحُزْنِي إلى اللّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ) .

 هذا يعقوب (عليه السّلام) ، وهو نبيّ ابن نبي , قد بكى على فراق ولده يوسف وهو حيّ في دار الدّنيا حتّى ابيضّت عيناه وذهب بصره , وحتّى قيل له : ( تَاللّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتّى‏ تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ ) .

 ساعد الله قلب أبي عبد الله الحسين (عليه السّلام) الذي نظر إلى ولده وقرّة عينه علي الأكبر , شبيه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في خلقه وخُلقه , مُقطّعاً بالسّيوف إرباً إرباً .

وكان علي بن الحسين زين العابدين (عليه السّلام) شديد الحزن والبُكاء على مصيبة أبيه الحسين (عليه السّلام) , فقال له بعض مواليه : يا سيّدي ، أما آن لحزنك أنْ ينقضي ولبكائك أنْ يقلّ ؟ فقال له : (( ويحك , إنّ يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم كان نبيّاً ابن نبيّ ، له أثنا عشر إبناً ، فغيّب الله واحداً منهم فشاب رأسه من الحزن واحدودب ظهره من الغمّ وذهب بصره من البُكاء ، وابنه حيٌّ في دار الدّنيا . وأنا رأيت أبي وأخي وسبعة عشر من أهل بيتي صرعى مقتولين , فكيف ينقضي حزني ويقل بكائي ؟! )).

هذي المصائب لا ما كان من قدمٍ  لآل يعقوبَ من حـزنٍ ومـن كـربِ

أنّى يضـاهـي ابنَ طه أو يُماثله  في الحزن يعقوبُ في نسلٍ وفي عقبِ

 

المجلس الرّابع بعد المئة

كان هاشم بن عبد مُناف جدّ النّبي (صلّى الله عليه وآله) جواداً كريماً عظيماً في قومه ، وأسمه عمرو , وإنّما سُمّي هاشماً ؛ لأنّه أول من هشم الثّريد وأطعمه النّاس , وفيه يقول الشّاعر :

يا أيّها الرّجلُ المحوّلُ رحلَهُ  هـلاّ نـزلت بآل عبد منافِ


الصفحة (184)
هـبلتك اُمّك لو نزلت بحيّهمْ  أمنوك من جوعٍ ومن أقرافِ
الـخالطون غـنيَّهم بفقيرهمْ  والـقائلون هلُمّ للأضيافِ
عمرو العُلا هشم الثّريد لقومهِ  ورجالُ مكّة مسنتونَ عجاف!
بـسطوا إليه الرّحلتين كليهما  عند الشّتاء ورحلة الأصيافِ

وكان قد تزوج سلمى بنت عمرو من بني النجّار من أهل المدينة , فلمّا حملت بعبد المطّلب , سافر هاشم تاجراً إلى غزّة من بلاد الشّام واستخلف عنه أخاه المطّلب , ومات هاشم في سفره ذلك ودُفن بغزّة , فولدت سلمى عبد المطّلب ، واسمه شيبةُ الحمد , وإنّما سُمّي عبد المطّلب ؛ لأنّ عمّه المطّلب لمّا كبر أراد أخذه إلى مكّة , فامتنعت اُمّه وأخواله من تسليمه , فواعده مكاناً وأخذه خفية وأركبه خلفه , فكان إذا سُئل عنه يقول : هذا عبدي ، فسُمّي عبد المطّلب .

ولمّا حضرت هاشماً الوفاة , قال لعبيده : سنّدوني وائتوني بدواة وقُرطاس . فأتوه بما طلب وجعل يكتب وأصابعه ترتعد , فقال : باسمك اللهمّ , هذا كتاب كتبه عبد ذليل جاءه أمر مولاه بالرّحيل .

أمّا بعد , فإنّي كتبت إليكم هذا الكتاب وروحي بالموت تجاذب ؛ لأنّه ما لأحد من الموت مهرب ، وإنّي قد انفذت إليكم أموالي فتقاسموها بينكم بالسويّة , ولا تنسوا البعيدة عنكم التي أخذت نوركم وحوت عزّكم سلمى ، واُوصيكم بولدي الذي منها . وقولوا لخلادة وصفية ورقية يبكين عليّ ويندبنّني ندب الثّاكلات ، ثمّ بلّغوا سلمى عنّي السّلام , والسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته إلى يوم النّشور . 

ثمّ لمّا مات , جهّزوه ودفنوه في غزّة , وفيه يقول الشّاعر :

وهاشمٌ في فلاةٍ وسط بلقعةٍ  تسفي عليه الرّياح عند غزّات

ثمّ عزم عبيد هاشم وغُلمانه على الرّحيل بامواله , فلمّا أشرفوا على يثرب , بكوا بُكاء شديداً ونادوا : وا هاشماه ! وا عزّاه ! وخرج النّاس ، وخرجت سلمى وأبوها وعشيرتها , وإذا بخيل هاشم قد جزّوا نواصيها وشعورها ، وعبيد هاشم يبكون , فلمّا سمعت سلمى بموت هاشم ، مزّقت أثوابها ولطمت خدّها , وقالت : وا هاشماه ! مات


الصفحة ( 185 )

والله ، لفقدك الكرم والعز ، وا هاشماه ! يا نور عيني , مَن لولدك الذي لم تره عيناك ؟! فضجّ النّاس بالبُكاء والنّحيب . ثمّ إنّ سلمى أخذت سيفاً من سيوف هاشم وعطفت به على ركابه وعقرتها عن آخرها , وقالت لوصي هاشم : اقرأ المطّلب عنّي السّلام وقُل له : إنّي على عهد أخيه , وأنّ الرّجال بعده عليّ حرام .

هكذا فعلت سلمى بعد موت بعلها هاشم , ويحقّ لها أنْ تفعل ذلك على موت من خرج من صُلبه سيّد ولد آدم . أتدرون ما فعلت رباب زوجة أبي عبد الله الحسين (عليه السّلام) بعد رجوعها إلى المدينة ؟ فإنّها آلت على نفسها أنْ لا تستظلّ تحت سقف ، وعاشت بعد الحسين (عليه السّلام) سنة , ثمّ ماتت كمداً وحُزناً على الحسين (عليه السّلام) .

وخطبها الأشراف من قريش , فقالت : والله ، لا كان لي حمو بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) . ولمّا اُدخلت مع النّساء على يزيد بن معاوية , ورأت الرّأس الشّريف بين يديه , أخذت الرّأس ووضعته في حجرها وقبّلته , وقالت :

واحسينا فلا نسيتُ حسيناً  أقصدتـه أسنّـة الأعداءِ

غادروه بكربلاءَ صريعاً  لا سقى الله جانبي كربلاءِ

وممّا قالته في رثاء الحسين (عليه السّلام) كما عن الأغاني :

إنّ الذي كان نوراً يُستضاءُ بهِ  بـكربلاء قـتيلٌ غير مدفونِ
قد كنتَ لي جبلاً صعباً ألوذُ بهِ  وكنتَ تصحبنا بالرّحمِ والدينِ
مَن لليتامى ومَن للسائلين ومَن  يغني ويؤوي إليه كُلّ مسكينِ
والله لا أبتغي صهراً بصهركمُ  حتّى اُغيّب بين الرّمل والطّينِِ

المجلس الخامس بعد المئة

لمّا بعث اللهُ تعالى نبيّه (صلّى الله عليه وآله) بالرّسالة , وذلك يوم الاثنين في السّابع والعشرين من شهر رجب وكان عمره أربعين سنة , أنزل الله تعالى عليه : ( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ


الصفحة ( 186 )

الأَقْرَبِينَ )(1) . فجمع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بني هاشم وهم نحو أربعين رجلاً , ثمّ قال لهم : (( إنّي بُعثتُ إلى الأسود والأبيض والأحمر , وأنّ الله عزّ وجل أمرني أنْ أنذر عشيرتي الأقربين , وأنّي لا أملك لكم من الله حظّاً إلاّ أنْ تقولوا لا إله إلاّ الله )) . فقال له أبو لهب : لهذا دعوتنا ؟ ثمّ تفرّقوا عنه , فأنزل الله عليه : ( تَبّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبّ ) إلى آخر السّورة .

ثمّ دعاهم دفعة ثانية ، ثمّ قال لهم : (( أيكُم يكن أخي ووزيري ووصيي ووارثي وقاضي ديني ؟ )) . فقال أمير المؤمنين (عليه السّلام) , وهو أصغر القوم سنّاً : (( أنا يا رسول الله )) . وفي رواية أنّه قال : (( فمَن يُجيبني إلى هذا الأمر ويوازرني على القيام به ، يكُن أخي ووصيي ووزيري ووارثي وخليفتي من بعدي )) . فلم يجبه أحد منهم , فقام أمير المؤمنين (عليه السّلام) وهو أصغرهم , وقال : (( أنا يا رسول الله اُوازرك على هذا الأمر )) . فقال : (( اجلس )) حتّى قال ذلك ثلاثاً , وفي كُلّ مرّة يقوم أمير المؤمنين (عليه السّلام) وهم سكوت , فقال : (( اجلس , فأنت أخي ووصيي ووزيري ووارثي وخليفتي من بعدي )) . فنهض القوم وهم يقولون لإبي طالب مستهزئين , ليهنك اليوم أنْ دخلت في دين ابن أخيك فقد جعل ابنك أميراً عليك !

وروي أنّه جمعهم مرّة خمسة وأربعين رجلاً وفيهم أبو لهب , فظنّ أبو لهب أنّه يُريد أنْ ينزع عمّا دعاهم إليه , فقام إليه فقال له : يا محمّد , هؤلاء عمومتك وبنو عمّك قد اجتمعوا فتكلّم ، واعلم أنّ قومك ليست لهم بالعرب طاقة . فقام (صلّى الله عليه وآله) خطيباً فحمد الله وأثنى عليه , ثمّ قال : (( إنّ الرّائد لا يكذب أهله , والله الذي لا إله ألاّ هو , أنّي رسول الله إليكم حقّاً خاصة وإلى النّاس عاُمّة . والله , لتموتنّ كما تنامون , ولتبعثن كما تستيقضون , ولتحاسبن كما تعلمون , ولتجزون بالإحسان إحساناً , وبالسوء سوءاً , وأنّها الجنّة أبداً والنّار أبداً . إنّكم أوّل من اُنذرتم )) . فآمن به قوم من عشيرته , وكان أوّل من آمن به علي بن ابي طالب (عليه السّلام) .

 بُعث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يوم الاثنين , وأسلم علي (عليه السّلام) يوم الثّلاثاء , ثمّ أسلمت خديجة بنت خويلد اُمّ المؤمنين .

 روى ابن عبد البر في الإستيعاب بسنده عن عفيف الكندي قال : كنت أمرأً تاجراً ، فقدمت الحجّ فأتيت العبّاس بن عبد المطّلب لأبتاع منه بعض التّجارة , وكان أمرأً تاجراً ، فوالله ، إنّي لَعنده بمنى إذ خرج رجل من خباء قريب منه , فنظر إلى الشّمس

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الشّعراء / 214 .


الصفحة ( 187 )

فلمّا رآها قد مالت قام يُصلّي , ثمّ خرجت امرأة من ذلك الخباء الذي خرج منه ذلك الرّجل فقامت خلفه تُصلّي , ثمّ خرج غلام حين راهق الحلم من ذلك الخباء فقام معه يُصلّي , فقلت للعباس : مَن هذا يا عباس ؟ قال هذا محمّد بن عبد الله بن عبد المطّلب ابن أخي . قلت مَن هذه المرأة ؟ قال : امراته خديجة بنت خويلد . قلت : مَن هذا الفتى ؟ قال : علي بن ابي طالب (عليه السّلام) ابن عمّه . قلت : ما هذا الذي يصنع ؟ قال : يُصلّي , وهو يزعم أنّه نَبيّ , ولم يتبعه على أمره ألاّ امرأته وابن عمّه هذا الغلام , وهو يزعم أنّه سيفتح على اُمّته كنوز كسرى وقيصر . قال : فكان عفيف الكندي يقول ـ وقد أسلم بعد ذلك وحسُن اسلامه ـ : لو كان الله رزقني الإسلام يومئذٍ كنت أكون ثانياً مع علي .

وما زال علي (عليه السّلام) مع كونه أوّل مَن آمن برسول الله (صلّى الله عليه وآله) وصدّقه , مُلازماً له باذلاً في نصره مُهجته , وبسيفه قامت دعائم الإسلام وهُدّت أركان الشّرك , وحسبُك أنّه في يوم بدر قَتل نصف مَن قُتل من المُشركين ، وقتل الملائكة وسائر المُسلمين الباقي , وثبت في يوم اُحد بعدما انهزم النّاس عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يذبّ عنه ويُقاتل بين يديه بعدما قتل أصحاب اللواء كلّهم , وكُلمّا أقبل جماعة من المُشركين إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) , يقول لعلي (عليه السّلام) : (( احمل عليهم )) . فيشدّ عليهم بسيفه ويُفرّقهم ويقتل فيهم ، ونادى جبرائيل في ذلك اليوم : ( لا سيف إلاّ ذو الفقّار ولا فتى إلاّ علي ) .

وبرز إلى عمرو بن عبد ودّ يوم الخندق فقتله بعدما جبُن عنه النّاس كلّهم , والنّبي (صلّى الله عليه وآله) يدعوهم إلى مُبارزته ، وهم مُطرقون كأنّما على رؤوسهم الطّير , وفتح حصن خيبر وقتل مرحباً وقلع الباب الذي عجز الجمّ الغفير عن قلعه ؛ ولذلك لمّا قال يزيد لعلي بن الحسين (عليه السّلام) لمّا اُتي به إلى الشّام بعد قتل أبيه الحسين (عليه السّلام) : يابن الحسين , أبوك قطع رحمي وجهل حقّي ونازعني سُلطاني فصنع الله به ما قد رأيت . قال له علي بن الحسين (عليه السّلام) بعد كلام : (( يابن معاوية وهند وصخر , لقد كان جدّي علي بن ابي طالب في يوم بدر واُحد والأحزاب في يده راية رسول الله (صلّى الله عليه وآله) , وأبوك وجدّك في أيديهما رايات الكُفّار )) . ثمّ قال علي بن الحسين (عليه السّلام) : (( ويلك يا يزيد ! إنّك لو تدري ماذا صنعت وما الذي ارتكبت من أبي وأهل بيتي وأخي وعمومتي , إذاً لهربت في الجبال


الصفحة ( 188 )

وافترشت الرّماد(1) ودعوت بالويل والثّبور , أنْ يكون رأس أبي الحسين بن فاطمة وعلي منصوباً على باب مدينتكم , وهو وديعة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فيكم ؟! )) .

ألا يابن هندٍ لا سقى الله تربةً  ثويت بمثواها ولا اخضرّ عودُها

أتسلبُ أثواب الخلافـة هاشماً  وتطردُها عنهـا وأنـت طريدُها

المجلس السّادس بعد المئة  

روى الكُليني في الكافي بسنده عن الامام الصّادق (عليه السّلام) قال : بينا النّبي (صلّى الله عليه وآله) في المسجد الحرام وعليه ثياب له جدد , ألقى المُشركون عليه سِلا ناقة فملؤوا ثيابه بها ، فدخله من ذلك ما شاء الله ، فذهب إلى أبي طالب فقال له : (( يا عم , كيف ترى حَسبي فيكم ؟ )) . فقال له : وما ذاك يا بن أخي ؟ فأخبره ، فدعا أبو طالب حمزة وأخذ السّيف وقال لحمزة : خُذ السّلا . ثُمّ توجّه إلى القوم والنّبي (صلّى الله عليه وآله) معه , فأتى قريشاً وهم حول الكعبة ، فلمّا رأوه عرفوا الشرّ في وجهه , ثُمّ قال لحمزة : أمر السّلا على سبالهم : أي شواربهم . ففعل ذلك حتّى أتى على آخرهم , ثُمّ التفت أبو طالب إلى النّبي (صلّى الله عليه وآله) , فقال : يابن أخي , هذا حُسبك فينا .

ولم يزل أبو طالب مُحامياً عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وناصراً له ودافعاً عنه أذّى قريش وجبابرتهم حتّى توفّاه الله ، وهو القائل للنبي (صلّى الله عليه وآله) :

تالله لن يصلوا إليك بجمعهـمْ  حتّى اُوسّد في التّراب دفينا

ودعوتني وزعمت أنّك ناصحٌ  ولقد صدقت وكنت ثمّ أمينا

فأين كان أبو طالب وأخوه حمزة بن عبد المطّلب عن حفيدهما الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السّلام) حين تألّب عليه أحفاد اُولئك المُشركين ، فأزعجوه عن حرم جدّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إلى حرم الله ؟! وأزعجوه عن حرم الله حتّى أحلّوه بالعراء في غير

ــــــــــــــــــــــــــ

(1) وردت المفردة في مصادر اُخرى ( الرمال ) ، ولعلها الأقرب ؛ تساوقاً مع المعنى ووحدة السياق ، وكذلك مفردتي ( أنْ يكون ) فقد وردتا ( أيكون ) وهو الأقرب أيضاً . ( معهد الإمامين الحسنين ) .


الصفحة ( 189 )

حصن وعلى غير ماء , وحالوا بينه وبين ماء الفُرات , وأرادوا أنْ يحولوا بينه وبين رحله الذي فيه حرمه حتّى قال لهم : (( يا شيعة آل أبي سُفيان , إنْ لم يكُن لكُم دين ، وكُنتم لا تخافون المعاد , فكونوا أحراراً في دنياكم هذه ، وارجعوا إلى أحسابكم إنْ كنتم عرباً كما تزعمون )) . وما كان وضع السّلا على ثياب رسول الله بأوجع لقلب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وأبي طالب وحمزة من إجراء الخيل على جسد ريحانة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حتّى هشّمت الخيل بسناكبها أضلاعه ، وطحنت جنان صدره .

أبــا حـسـنٍ إنّ الـذين نـماهُمُ  أبـو طـالبٍ بـالطفّ ثاروا لطالبِ
تعاوتْ عليهم من بني حرب عصبةٌ  لـثارات يوم الفتح حرّى الجوانبِ
فـسـاموهُمُ أمّــا الـحياة بـذلةٍ  أو الـموت فاختاروا أعزّ المراتبِ
فـها هُـمْ على البوغاء ميل رقابهمْ  ولـمّا تـمل من ذلّة في الشّواغبِ

 

المجلس السّابع بعد المئة  

لمّا بُعث النّبي (صلّى الله عليه وآله) بالرّسالة وصدع بما أمره الله تعالى , اجتمعت قريش إلى دار النّدوة وتعاقدوا بينهم على أنْ لا يُكلّموا بني هاشم وبني المطّلب ولا يُبايعوهم ، أو يُسلّموا إليهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ليقتلوه . وكتبوا في ذلك صحيفة وعلّقوها في جوف الكعبة , وأخرجوا بني هاشم من بيوتهم حتّى نزلوا شعب أبي طالب ، ووضعوا عليهم الحرس . فدخل الشِّعب مؤمن بني هاشم وبني المطّلب وكافرهم عدا أبي لهب وأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطّلب ، فبقوا في الشِّعب ثلاث سنين حتّى قامت جماعة من قريش ونقضت الصّحيفة , وسلّط الله الأرضة على الصّحيفة فأكلتها ولم يبقَ منها إلاّ : باسمك اللهمّ . فكان رسول الله ، وهم بالشّعب ، إذا أخذ مضجعه ونامت العيون , جاءه أبو طالب فأنهضه عن مضجعه


الصفحة ( 190 )

وأنام عليّاً في مضجعه , فقال علي ذات ليلة : (( يا أبتي إنّي مقتول )) . فقال أبو طالب :

إصبرن يا علي فالصّبر أحجى  كـلُّ حـيٍّ مـصيره لشعوبِ
قـد بـذلناك والـبلاءُ عسيرٌ  لـفداء الـنّجيب وابن النّجيبِ
لـفداء الأغرّ ذي الحسب الثّا  قـبِ والـباع والفناء الرّحيبِ
إنْ رمتك المنون بالنّبل فاصبرْ  فـمصيبٌ منها وغيرُ مصيبِ
كلُّ حـيٍّ وإن تطاول عُمراً  آخـذٌ مـن سـهامها بنصيبِ

ولمّا حضرت أبا طالب الوفاة , جمع بني أبيه وأحلافهم من قُريش ، ووصّاهم برسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأمرهم بنصرته والذّب عنه , وقال : إنّ ابن أخي محمّداً نبيّ صادق , وأنشأ يقول :

اُوصي بنصر الأمين الخير مشهدهُ  بـعدي عـليّاً وعـمَّ الخير عبّاسا
وحـمزةَ الأسـد المخشي صولتهُ  وجـعفراً أن يـذوقوا قبله الباسا
وهـاشماً كُـلَّها اُوصي بنصرته  أنْ يأخذوا دون حرب القوم إمراسا
كـونوا فـدى لكم اُمّي وما ولدتْ  مـن دون أحمد عند الرّوع أتراسا
بـكلِّ أبـيض مصقولٍ عوارضه  تـخاله فـي سـواد الليل مقباسا

وكما حثّ أبو طالب ولده عليّاً (عليه السّلام) وحضّه على نصرة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) , أوصى عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ولديه محمّداً وعوناً وحضّهما على نصرة الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السّلام) ؛ وذلك أنّه لمّا خرج الحسين (عليه السّلام) من مكّة إلى كربلاء , ألحقه عبد الله بن جعفر بإبنيه محمّد وعون وكتب له على أيديهما كتاباً بالرّجوع , ويقول له : إنّي مشفق عليك من الوجه الذي توجّهت له أنْ يكون فيه هلاكُك واستئصال أهل بيتك , وإنْ هلكت اليوم طفئ نور الأرض فإنّك علم المهتدين ورجاء المؤمنين , فلا تعجل بالمسير فإنّي في إثر كتابي ، والسّلام . 

وصار عبد الله إلى عمرو بن سعيد أمير المدينة , فسأله أنْ يكتب للحُسين (عليه السّلام) أماناً ويُمنّيه البر والصّلة ، فكتب له وانفذه مع أخيه يحيى بن سعيد ، فلحقه يحيى وعبد الله بن جعفر بعد نفوذ ابنيه ، وجهدا


الصفحة ( 191 )

به في الرّجوع , فقال : (( إنّي رأيت رسول الله في المنام وأمرني بما أنا ماضٍ له )) . فقالا له : فما تلك الرّؤيا ؟ قال : (( ما حدّثت بها أحداً حتّى ألقى ربّي عز وجل )) . فلمّا أيس منه عبد الله بن جعفر , أمر إبنيه عوناً ومحمّداً بلزومه والمسير معه والجهاد دونه , ورجع هو إلى مكّة .

ولمّا كان يوم عاشوراء , خرج محمّد بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب , وهو يقول :

أشكو إلى الله من العدوانِ  قتالَ قومٍ في الرّدى عميانِ

قد تركـوا معالـمَ القُرآنِ  ومحكم التّنـزيل والتّبيـانِ

وأظهروا الكُفر مع الطّغيان

ثُمّ قاتل حتّى قتل عشرة أنفس ، فحمل عليه عامر بن نهشل التّميمي فقتله , وخرج أخوه عون بن عبد الله بن جعفر (عليه السّلام) ، واُمّه زينب بنت أمير المؤمنين (عليه السّلام) , وهو يقول :

إنْ تنكروني فأنا ابنُ جعفرِ  شهيدِ صدقٍ في الجنان أزهرِ

يطير فيها بجناح أخضـرِ  كفى بهذا شرفاً فـي المحشرِ

ثُمّ قاتل حتّى قتل ـ على رواية ابن شهر آشوب ـ ثلاثة فوارس وثمانية عشر راجلاً , فحمل عليه عبد الله بن قطبة الطّائي فقتله .

ولمّا رجع أهل البيت إلى المدينة , دخل بعض موالي عبد الله بن جعفر فنعى إليه ابنيه ، فاسترجع وجعل النّاس يعزّونه , فقال مولى له يسمّى أبو اللسلاس : هذا ما لقينا من الحسين ! فحذفه عبد الله بن جعفر بنعله , ثُمّ قال : يابن اللخناء , أللحُسين تقول هذا ؟! والله ، لو شهدته لأحببت أنْ لا اُفارقه حتّى اُقتل معه . والله , إنّه لممّا يسخي نفسي عنهما ويهوّن عليّ المصائب بهما , أنّهما اُصيبا مع أخي وابن عمّي مواسيين له صابرين معه.

ثُمّ أقبل على جُلسائه فقال : الحمد لله ، عزّ عليّ مصرع الحسين (عليه السّلام) ، أنْ لا أكن آسيت حُسيناً بيدي فقد آساه ولداي .

وفي عون ومحمّد يقول سُليمان بن قتّة العدوي :


الصفحة ( 192 )

عـينُ جـودي بعبرةٍ وعويلِ  وانـدُبي إنْ بكيتِ آلَ الرّسولِ
ستّةٌ كـلُّهم لـصُلبِ عـليٍّ  قـد اُصـيبوا وسـبعةٌ لعقيلِ
وانـدُبي إنْ ندبتِ عوناً أخاهُمْ  لـيس فـيما يـنوبُهمُ بخَذُولِ
فـلَعمري لقد اُصيبَ ذوو القُرْ  بَى فبكِّي على المُصابِ الطّويلِ
وسَـمِيِّ الـنَّبيِّ غُـودرَ فيهمْ  قـد عََـلَوه بـصارمٍ مصقولِ
فـإذا مـا بكيتِ عيني فجُودي  بـدموعٍ تـسيلُ كـلَّ مـسيلِ

 

المجلس الثّامن بعد المئة

لمّا اشتدت قُريش في أذى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأصحابه الذين آمنوا به بمكّة قبل الهجرة , أمر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أصحابه أنْ يخرجوا إلى الحبشة ، وأمر جعفر بن أبي طالب أنْ يخرج معهم . فخرج جعفر ومعه سبعون رجلاً من المُسلمين حتّى ركبوا البحر , فلمّا بلغ قُريشاً خروجُهم , بعثوا عمرو بن العاص وعُمارة بن الوليد إلى النّجاشي ليردّهم إليهم . وقال عمرو بن العاص للنّجاشي : أيّها الملك , إنّ قوماً منّا خالفونا في ديننا وسبّوا آلهتنا ، وصاروا إليك ، فردّهم إلينا .

فبعث النّجاشي إلى جعفر [ واصحابه ] فجاؤوا , فقال : يا جعفر ، ما يقول هؤلاء ؟ فقال جعفر : أيّها الملك ، وما يقولون ؟ قال : يسألون أنْ أردّكم إليهم . قال : أيّها الملك , سلهم أعبيدٌ نحن لهم أم أحرار ؟ فقال عمرو : لا , بل أحرار كرام . قال : فسلهم ، ألهم علينا ديون يُطالبوننا بها ؟ فقال : لا , ما لنا عليكم ديون . قال : فلكم في أعناقنا دماء تطالبوننا بها ؟ فقال عمرو : لا . فقال : فما تريدون منّا ؟ آذيتمونا فخرجنا من بلادكم . فقال عمرو بن العاص : أيّها الملك , خالفونا في ديننا وسبّوا آلهتنا ، وأفسدوا شبابنا وفرّقوا جماعتنا ، فردّهم إلينا لنجمع أمرنا . فقال جعفر : نعم أيّها الملك خالفناهم ؛ بعث الله فينا نبيّاً أمرنا بخلع الأنداد ، وترك


الصفحة ( 193 )

الإستسقام بالأزلام , وأمرنا بالصّلاة والزّكاة , وحرّم الظّلم والجور وسفك الدّماء بغير حقّها ، والزّنا والرّبا ، والميتة والدّم ولحم الخنزير , وأمرنا بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القُربى ، ونهى عن الفحشاء والمُنكر والبغي . فقال النّجاشي : بهذا بعث الله عيسى بن مريم . ثُمّ قال النّجاشي : يا جعفر ، هل تحفظ ممّا أنزل الله على نبيّك شيئاً ؟ قال : نعم . فقرأ عليه سورة مريم حتّى بلغ إلى قوله تعالى : ( وَهُزّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً * فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرّي عَيْناً )(1) . فلمّا سمع النّجاشي بهذا , بكى بُكاءً شديداً وقال : هذا والله ، هو الحقّ .

فقال عمرو بن العاص : أيّها الملك , إنّ هذا مُخالف لنا فردّهم إلينا . فرفع النّجاشي يده وضرب بها وجه عمرو , ثُمّ قال : اسكت ، والله ، لئن ذكرته بسوء لأفقدنّك نفسك . فقام عمرو بن العاص من عنده والدّماء تسيل على وجهه , وهو يقول : إنْ كان هذا كما تقول أيّها الملك فإنّا لا نتعرّض لهم .

أقول : ليتها كانت القاضية ؛ فإنّ عمراً هو الذي دبّر حرب صفّين وأفسد الأمر على أمير المؤمنين (عليه السّلام) , وهو الذي أشار برفع المصاحف حيلةً ومكراً ، وكان يوم رفع المصاحف على رؤوس الرّماح يوماً عظيماً على أمير المؤمنين (عليه السّلام) , وأعظم منه على أمير المؤمنين يوم رفع رأس ولده الحسين (عليه السّلام) ورؤوس أصحابه على رؤوس الرّماح بكربلاء , تُهدى من كربلاء إلى الكوفة ، ومن الكوفة إلى الشّام .

يقول سهل بن سعد : بينا أنا واقف بباب السّاعات إذا بالرّايات يتلو بعضها بعضاً , وإذا نحن بفارس بيده لواء منزوع السّنان ، عليه رأس من أشبه النّاس وجهاً برسول الله , فإذا من ورائه نسوة على جمال بغير وطاء , فدنوت من أولهنّ فقُلت : يا جارية , مَن أنت ؟ فقالت : أنا سُكينة بنت الحسين (عليه السّلام) . فقُلت لها : ألك حاجة إليّ ، فأنا سهل بن سعد ، ممّن رأى جدك وسمعت حديثه ؟ قالت : يا سهل , قُل لصاحب هذا الرّأس أنْ يُقدّم الرّأس أمامنا حتّى يشتغل النّاس بالنّظر إليه ، ولا ينظروا إلى حرم رسول الله .

قال سهل : فدنوت من صاحب الرّأس فقلت له : هل لك أنْ تقضي حاجتي وتأخذ منّي أربعمئة دينار ؟ قال : ما هي ؟ قُلت : تُقدّم الرّأس أمام الحرم . ففعل ذلك ودفعتُ إليه ما وعدته .

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة مريم / 25 ـ 26 .

الصفحة ( 194 )

جاؤوا برأسك يابنَ بنت محمّدٍ  مُـتـرمّلا ً بـدمائهِ تـرميلا
وكـأنّما بك يابن بنت محمّدٍ  قـتلوا جهاراً عامدين رسولا
قـتلوك عطشاناً ولمّا يرقبوا  فـي قـتلك التأويلَ والتّنزيلا
ويـكبّرون بـأنْ قُتلت وإنّما  قَـتلوا بـك التّكبيرَ والتّهليلا

المجلس التّاسع بعد المئة

روى الشّيخ رحمه الله في الأمالي بسنده , قال : كان الله عزّ وجل قد منع نبيه بعمّه أبي طالب ، فما كان يخلص إليه من قومه أمر يسوؤه مدّة حياته , فلمّا مات أبو طالب , نالت قُريش من رسول الله بغيتها وأصابته بعظيم من الأذى , فقال : (( لأسرع ما وجدنا فقدك يا عم , وصلتك رحم وجزيت خيراً يا عم )) . ثُمّ ماتت خديجة بعد أبي طالب بشهر ، فاجتمع بذلك على رسول الله حزنان حتّى عُرف ذلك فيه .

ثمّ انطلق ذوو الطّول والشّرف من قُريش إلى دار النّدوة ليأتمروا في رسول الله , وأسرّوا ذلك بينهم , فقال العاص بن وائل واُميّة بن خلف : نبني له بُنياناً نستودعه فيه فلا يخلص إليه أحد , ولا يزال في رنق من العيش حتّى يذوق طعم المنون . فقال قائل : بئس الرّأي ما رأيتم ! ولئن صنعتم ذلك ليسمعن هذا الحديث الحميم والمولى الحليف , ثُمّ لتأتين المواسم والأشهر الحُرم بالأمن فلينتزعن من أيديكم . فقال عتبة وأبو سُفيان : نُرحل بعيراً صعباً ونوثق محمّداً عليه ثُمّ نقصع البعير بأطراف الرّماح فُيقطّعه إرباً إرباً . فقال صاحب رأيهم : أرأيتم إنْ خلص به البعير سالماً إلى بعض الأفاريق , فأخذ بقلوبهم بسحره وبيانه وطلاقة لسانه ، فصبا القوم إليه واستجابت القبائل له , فيسيرون إليكم بالكتائب والمقانب ؛ فلتهلكن كما هلكت إياد ! فقال أبو جهل : لكنّي أرى لكم


الصفحة ( 195 )

رأياً سديداً ؛ وهو أنْ تعمدوا إلى قبائلكم العشر فتنتدبوا من كلّ قبيلة رجلاً بحداً , ثُمّ تُسلّحوه حُساماً عضباً ، حتّى إذا غسق الليل أتوا ابن أبي كبشة فقتلوه , فيذهب دمه في قبائل قريش ، فلا يستطيع بنو هاشم وبنو المطّلب مُناهضة قُريش فيرضون بالدّية . فقال صاحب رأيهم : أصبتَ يا أبا الحكم , هذا هو الرأي فلا تعدلوا به رأياً ، وكمّوا في ذلك أفواهكم . فخرجوا متفرّقين ، وهو قوله تعالى : ( وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ )(1) .

فدعا رسول الله عليّاً (عليه السّلام) وأخبره بذلك , وقال له : (( أوحى إليّ ربّي أنْ أهجر دار قومي وأنطلق إلى غار ثور تحت ليلتي ، وأنْ آمرك بالمبيت على مضجعي ؛ ليخفى بمبيتك عليهم أمري ، فما أنت قائل ؟ )) . فقال علي (عليه السّلام) : (( أوَ تسلمن بمبيتي هُناك يا نبيّ الله ؟ )) . قال : (( نعم )) . فتبسّم علي (عليه السّلام) ضاحكاً وأهوى إلى الأرض ساجداً شكراً لله ؛ لما بشّره بسلامته . فلمّا رفع رأسه قال له : (( امضِ فيما اُمرت ، ومُرني بما شئت , وما توفيقي إلا بالله )) . قال : (( فارقد على فراشي واشتمل ببردي الحضرمي )) . ثم ضمّه النّبي إلى صدره وبكى وجداً به , وبكى علي (عليه السّلام) جزعاً لفراق رسول الله .

هذا رسول الله لمّا أراد مفارقة أخيه وابن عمّه علي بن أبي طالب (عليه السّلام) , ضمّه إلى صدره وبكى وجداً به مع علمه بسلامته , وبكى علي (عليه السّلام) جزعاً لفراق رسول الله .

ساعد الله قلب أبي عبد الله الحسين (عليه السّلام) حين استأذنه أخوه وصاحب لوائه أبو الفضل العباس بن أمير المؤمنين في المبارزة ، وهو يعلم أنّه مقتول لا محالة , فبرز العباس وهو يقول :

لا أرهبُ الموت إذا المـوت رقى  حتّى اُوارى في المصاليت لُقا

نفسي لسبط المُصطفى الطُهر وقا  إنّي أنا العبّاس أغـدو بالسّقا

ولا أخاف الشرّ يوم المُلتقى

ولم يزل يُقاتل حتّى قُتل بعد أنْ اُثخن بالجراح فلم يستطع حراكاً , فبكى الحسين (عليه السّلام) لقتله بكاء شديداً .

ـــــــــــــــــــــ

(1) سورة الأنفال / 30 .


الصفحة ( 196 )

أحـقّ النّاس أنْ يُبكى عليه  فتىً أبكى الحسين بكربلاء
أخـوه وابنُ والـده عليٍّ  أبو الفضل المضرّج بالدّماءِ
ومـَن واساه لا يثنيه شيءٌ  وجـاد له على عطشٍ بماءِ

ويشبه إيثار أمير المؤمنين (عليه السّلام) لرسول الله بالحياة , إيثار ولده أبي الفضل العباس لأخيه الحسين (عليه السّلام) يوم طفّ كربلاء حين فداه بروحه ووقاه بمهجته ؛ وذلك لمّا ركب الحسين (عليه السّلام) المسناة يريد الفرات , وقد اشتدّ به العطش وبين يديه أخوه العباس , فاحاط القوم بالعباس فاقتطعوه عن أخيه الحسين (عليه السّلام) , فجعل العباس يُقاتلهم وحده حتّى قُتل .

واذكر أبا الفضل هل تنسى فضائلَه  فـي كربلا حين جدّ الأمرُ والتبسَا
وآسـى أخـاه وفـاداه بـمهجتهِ  وخاض في غمرات الموت منغمسَا
ففز أبا الفضل بالفضل العظيم بما  أسـديته فـعليك الفضلُ قد حُبسَا
قـضيت حقّ الاخا والدّين مُبتذلاً  لـلنفس فـي سقي أطفال له ونِسَا

 

المجلس العاشر بعد المئة

في أمالي الشّيخ الطّوسي عليه الرّحمة , أنّه : لمّا أمر الله تعالى نبيّه بالخروج من مكّة ليلة الغار وأنْ يبيت عليّاً على فراشه , أمر رسول الله أبا بكر وهنداً بن أبي هالة أنْ يقعدا له بمكان ذكره لهما في طريقه إلى الغار ، ولبث رسول الله مع علي يوصيه ويأمره بالصّبر حتّى صلىّ العشاءين , ثُمّ خرج رسول الله في فحمة العشاء الآخرة , ومضى حتّى أتى إلى هند وأبي بكر فنهضا معه حتّى وصلوا إلى الغار , ثُمّ رجع هند إلى مكّة لما أمره به رسول الله ، ودخل رسول الله وصاحبه الغار , فلمّا غلق الليل أبوابه وانقطع الأثر , أقبل القوم


الصفحة ( 197 )

على علي (عليه السّلام) يقذفونه بالحجارة ولا يشكّون أنّه رسول الله ، حتّى إذا قرب الفجر هجموا عليه ـ وكانت دور مكّة يومئذٍ لا أبواب لها ـ فلمّا بصر بهم علي (عليه السّلام) قد انتظوا السّيوف وأقبلوا عليه بها ، وكان قد تقدّمهم خالد بن الوليد بن المُغيرة , وثب علي (عليه السّلام) فهمز يده فجعل خالد يقمص قماص البكر ويرغو رغاء الجمل , وأخذ سيف خالد وشدّ عليهم به فاجفلوا أمامه إجفال النّعم إلى ظاهر الدّار , وبصروه فإذا هو علي (عليه السّلام) , فقالوا : إنّك لعلي ؟! قال : (( أنا علي )) . قالوا : فإنّا لم نردك , فما فعل صاحبك ؟ قال : (( لا عِلم لي به )) .

فأذكت قريش عليه العيون ، وركبت في طلبه الصّعب والذّلول , وأمهل علي صلوات الله عليه حتّى إذا أعتمّ من الليلة القابلة , انطلق هو وهند بن أبي هالة حتّى دخلا على رسول الله في الغار , فأمر رسول الله هنداً أنْ يبتاع له ولصاحبه بعيرين , فقال صاحبه : قد اعددت لي ولك يا نبيّ الله راحلتين . فقال : (( إنّي لا آخذهما ولا أحدهما إلاّ بالثّمن )) . قال : فما لك بذلك . فأمر عليّاً (عليه السّلام) فأقبضه الثّمن .

يقول راوي الحديث : سُئل ابن أبي رافع : أكان رسول الله يجد ما ينفقه هكذا ؟ فقال : أين يذهب بك عن مال خديجة ! وأنّ رسول الله قال : (( ما نفعني مال قطّ مثل مال خديجة )) .

وكان يفكّ من مالها الغارم والأسير ، ويحمل العاجز ، ويُعطي في النّائبة ، ويعطي فقراء أصحابه إذ كان بمكّة ، ويحمل مَن أراد منهم الهجرة .

وكانت قُريش إذا رحلت رحلتي الشّتاء والصّيف كانت طائفة من العير لخديجة , وكانت أكثر قُريش مالاً , وكان ينفق منه ما شاء في حياتها ، وورثها هو وولدها بعد مماتها .

ثُمّ إنّه (صلّى الله عليه وآله) وصّى عليّاً بحفظ ذمته وأداء أمانته , وكانت قُريش تدعو محمّداً في الجاهلية الأمين , وكانت تودعه أموالها ، وكذلك مَن يقدم مكّة من العرب في الموسم ، وجاءته النّبوة والأمر كذلك , فأمر عليّاً (عليه السّلام) أنْ يقيم منادياً بالأبطح غدوة وعشية : (( ألا مَن كان له قِبل محمّد أمانة فليأت ؛ لتؤدّى إليه أمانته )) . وأمره أنْ يبتاع رواحل له وللفواطم ومَن أراد الهجرة معه من بني هاشم , وقال له : (( إذا قضيت ما أمرتك فكن على إهبة الهجرة


الصفحة ( 198 )

إلى الله ورسوله , وانتظر قدوم كتابي إليك ولا تلبث بعده )) .

وانطلق رسول الله إلى المدينة بعد أنْ بقي في الغار ثلاثة أيام , وقال علي (عليه السّلام) يذكر ذلك :

وقيتُ بنفسي خير مَن وطئ الحصا  ومَن طاف بالبيت العتيق وبالحجرِ
محمّدَ لـمّا خـاف أنْ يمكروا به  فـوقّاه ربـي ذو الجلال من المكرِ
وبـتّ اُراعـيهم مـتى ينشرونني  وقد وطنتْ نفسي على القتلِ والأسرِ
وبـات رسـولُ الله في الغار آمناً  هُـناك وفـي حفظ الإله وفي سترِ
أقـام ثـلاثاً ثُـمّ زمّـتْ قـلائصٌ  قـلائصُ يفرين الحصا أينما يفري

ذكّرني هجوم قُريش على علي (عليه السّلام) بمكّة حين أباته ابن عمّه رسول الله على فراشه , هجوم أصحاب ابن زياد على مسلم بن عقيل بالكوفة حين أرسله ابن عمّه الحسين (عليه السّلام) ليأخذ له البيعة على أهلها , لكن هجوم قريش انتهى بخيبتهم وانتصار علي (عليه السّلام) عليهم وطردهم عن الدّار وسلامة رسول الله , وهجوم أصحاب ابن زياد انتهى بأخذ مسلم أسيراً وقتله , فإنّهم لمّا اقتحموا عليه الدّار , شدّ عليهم يضربهم بسيفه حتّى أخرجهم من الدّار , ثُمّ عادوا عليه فشدّ عليهم كذلك فاخرجهم مراراً وقتل منهم , وضربه بكر بن حمران على فمه فقطع شفته العُليا وأسرع السّيف في السُفلى وفصلت لها ثنيتاه , وضربه مُسلم في رأسه ضربة مُنكرة وثناه باُخرى على حبل العاتق كادت تطلع إلى جوفه , فلمّا رأوا ذلك , أشرفوا عليه من فوق البيت وأخذوا يرمونه بالحجارة ويلهبون النّار في القصب ويرمونها عليه , فخرج عليهم مُصلطاً سيفه في السّكة , وتكاثروا عليه بعد أنْ اُثخن بالجراح , فطعنه رجل من خلفه فخرّ إلى الأرض , فاُخذ أسيراً واُدخل على ابن زياد , فقال : اصعدوا به فوق القصر واضربوا عُنقه , ثُمّ اتبعوه جسده ، ففعل به ذلك .

فإنْ كُنت ما تدرين ما الموت فانظري  إلى هانئٍ في السّوق وابن عقيلِ

إلى بطـلٍ قـد هشّـم السّيفُ وجهَهُ  وآخر يهوي من طمـار قتـيلِ


الصفحة ( 199 )

المجلس الحادي عشر بعد المئة

في أمالي الشّيخ الطّوسي عليه الرّحمة , أنّه : لمّا هاجر النّبي إلى المدينة , نزل في بني عمرو بن عوف بقبا , فأراه صاحبه على دخول المدينة , فقال : (( ما أنا بداخلها حتّى يقدم ابن عمّي وابنتي )) : يعني عليّاً وفاطمة (عليهما السّلام) . ثُمّ كتب رسول الله إلى علي (عليه السّلام) مع أبي واقد الليثي يأمره بالمسير إليه , فلمّا أتاه الكتاب , تهيّأ للخروج وأمر مَن كان معه من ضُعفاء المؤمنين أنْ يتسلّلوا ليلاً إلى ذي طوى .

وخرج علي (عليه السّلام) بالفواطم ، وهنّ : فاطمة بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، واُمّه فاطمة بنت أسد بن هاشم ، وفاطمة بنت الزّبير بن عبد المطّلب . وتبعهم أيمن بن اُمّ أيمن مولى رسول الله وأبو واقد الذي جاء بالكتاب , فجعل أبو واقد يسوق بالرّواحل سوقاً حثيثاً , فقال علي (عليه السّلام) : (( إرفق بالنّسوة يا أبا واقد ؛ إنهنّ من الضّعائف )) . قال : إنّي أخاف أنْ يدركنا الطّلب . فقال علي (عليه السّلام) : (( أربع عليك )) : أي لا تخف .

ثُمّ جعل علي (عليه السّلام) يسوق بهنّ سوقاً رفيقاً , وهو يرتجز ويقول :

ليس إلاّ الله فارفع ظنّكَا  يكفيك ربُّ النّاس ما أهمّكَا

ما رضي أمير المؤمنين (عليه السّلام) أنْ يسوق أبو واقد بالفواطم سوقاً عنيفاً ؛ لأنهنّ من الضّعفاء , فياليت أمير المؤمنين (عليه السّلام) لا غاب عن بنات الفواطم يوم حُملن من كربلاء إلى ابن زياد بالكوفة , ومن الكوفة إلى يزيد بالشّام على أقتاب الجمال , كأنّهن من سبايا التُرك أو الدّيلم , وليس معهُنّ من ولاتهنّ وليّ ، ولا من حماتهنّ حمي غير العليل زين العابدين (عليه السّلام) ، وقد أمر به ابن زياد فغلّ بغلٍّ إلى عُنقه حتّى اُدخلوا على يزيد وهم مقرّنون في الحبال ، وزين العابدين (عليه السّلام) مغلول ! فلمّا وقفوا بين يديه على


الصفحة ( 200 )

تلك الحال , قال له علي بن الحسين (عليه السّلام) : (( أنشدك الله يا يزيد , ما ظنُّك برسول الله لو رآنا على هذه الصّفة ؟ )) . فلم يبقَ في القوم أحد إلاّ وبكى , فأمر يزيد بالحبال فقُطعت ، وأمر بفكّ الغلّ عن زين العابدين (عليه السّلام) .

يُسار بها عُنفاً بلا رفـق محرمِ  بها غير مغلولٍ يحـنّ على صعـبِ

ويحضرُها الطّاغي بناديه شامتاً  بما نال أهلَ البيت من فادح الخطبِ

 وسار علي (عليه السّلام) , فلمّا قارب ( ضجنان )(1) , أدركه الطّلب ؛ وهم ثمانية فرسان ملثّمون ومعهم مولى لحرب بن اُميّة اسمه جناح . فقال علي (عليه السّلام) لأيمن وأبي واقد : (( أنيخا الإبل واعقلاها )) . وتقدّم فأنزل النّسوة ، ودنا القوم فاستقبلهم علي (عليه السّلام) مُنتضياً سيفه , فقالوا : ظننت أنّك ـ يا غدّار ـ ناجٍ بالنّسوة ؟ ارجع لا أبا لك . قال : (( فإنْ لم أفعل ؟ )) . قالوا : لترجعن راغماً أو لنرجعن بأكثرك شعراً ( أي برأسك ) ، وأهون بك من هالك .

ودنا الفوارس من المطايا ليثوروها ، فحال علي (عليه السّلام) بينهم وبينها , فأهوى له جناح بسيفه فراغ علي (عليه السّلام) عن ضربته ، وضربه على عاتقه فقتله , وشدّ على أصحابه ـ وهو على قدميه ـ شدّة ضيغم , وهو يرتجز ويقول :

خلّوا سبيلَ الجاهد المُجاهدِ  آليتُ لا أعبدُ غيرَ الواحدِ

فتفرّق القوم عنه وقالوا : احبس نفسك عنّا يابن أبي طالب . قال : (( فإنّي منطلق إلى أخي وابن عمّي رسول الله , فمَن سرّه أنْ أفري لحمه واُريق دمه فليدنُ منّي )) . ثُمّ أقبل على أيمن وأبي واقد , وقال : (( إطلقا مطاياكما )) . ثُمّ سار ظافراً قاهراً حتّى نزل ( ضجنان ) فلبث بها يومه وليلته , ولحق به نفر من المُستضعفين من المؤمنين ، فيهم اُم أيمن مولاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) .

وبات ليلته تلك هو والفواطم ، طوراً يصلّون

ــــــــــــــــــــ

(1) مكان بين مكّة والمدينة .


الصفحة ( 201 )

وطوراً يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم حتّى طلع الفجر ، فصلّى بهم صلاة الفجر , ثُمّ سار لا يفتر عن ذكر الله هو ومَن معه حتّى قدموا المدينة .

ذكّرني دخول علي (عليه السّلام) المدينة مع الفواطم ظافراً قاهراً لم يُصب بسوء , دخول ولده زين العابدين (عليه السّلام) المدينة مع بنات الفواطم ، لكن شتّان ما بين الدّخولين , فأمير المؤمنين (عليه السّلام) قد دخل المدينة ظافراً منصوراً على أعدائه , وولده زين العابدين (عليه السّلام) دخل المدينة بنساء أهل بيته بعد رجوعه من كربلاء , وقد قُتل أبوه الحسين (عليه السّلام) وقُتلت جميع أنصاره وأهل بيته (عليهم السّلام) ، وذُبحت أطفاله وسُبيت عياله , فدخل (عليه السّلام) إلى المدينة فرآها موحشة باكية ، ووجد ديار أهله خالية تنعى أهلها وتندُب سُكانها .

مررتُ على أبيات آل محمّدٍ  فلم أرها أمثـالها يـوم حلّـتِ

فلا يُبعـد الله الدّيار وأهلهـا  وإنْ اصبحت منهُم برغم تخلّت

 

المجلس الثّاني عشر بعد المئة

لمّا هاجر النّبي من مكّة إلى المدينة ، هو وصاحبه ومولى صاحبه عامر بن فهيرة ودليلهم عبد الله بن أريقط الليثي , مرّوا على خيمة اُمّ معبد الخزاعية ، ثُمّ جاء زوجها أبو معبد , فقالت له : مرّ بنا رجل مُبارك من حاله كذا وكذا . قال : صفيه لي يا اُمّ معبد . قالت : رأيت رجلاً طاهر الوضاءة(1) ، أبلج الوجه(2) ، حسن

ـــــــــــــــــــــــــــ

(1) ظاهر الحسن .

(2) طلق الوجه .


الصفحة ( 202 )

الخلق , لم تعبه ثُجله(1) ولم تزر به صقله(2) ، وسيماً(3) قسيماً(4) , في عينيه دعـج(5) وفي أشفاره وطف(6) وفي عُنقه صطع(7) وفي صوته صحل(8) وفي لحيته كثاثة(9) , أزج(10) أقرن(11) ، أحور(12) أكحل(13) , إذا صَمُت فعليه الوِقار وإنْ تكلّم سما وعلاه البهاء(14) , أجمل النّاس وأبهاه من بعيد وأحسنه وأجمله من قريب , حلو المنطق فصل(15) لا نزر و لا هذر(16) ، كأنّ منطقه خرزات نظم يتحدّرن ربعة ، لا ييأس من طول ولا تقحمه(17) عين من قصـر ، غصن بين غصنين ، فهو أنضر(18) الثّلاثة منظراً وأحسنهم قدّاً , له رُفقاء يحفّون به إنْ قال أنصتوا لقوله ، وإنْ أمر تبادروا إلى أمره , محفود(19) محشود(20) لا عابس ولا مفند(21) .

قال أبو معبد : هو ـ والله ـ صاحب قُريش الذي ذُكر لنا من أمره بمكّة ما ذُكر , ولقد هممت بأنْ أصحبه ولأفعلنّ إنْ وجدت إلى ذلك سبيلاً .

وقيل لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السّلام) : كيف لم يصف أحد النّبي كما وصفته اُمّ معبد ؟ فقال : (( لأنّ النّساء يصفن الرّجال بأهوائهن ، فيُجدن في صفاتهن )) .

وكان أشبه النّاس برسول الله

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الثُّلجة : بضم الثّاء عظم البطن .

(2) لم تعبه دقّة ونحول .

(3) حسن الوجه .

(4) اُعطي كُلّ شيء منه قسمه من الحسن .

(5) سواد مع سعة .

(6) كثرة شعر أشفار العين .

(7) طول .

(8) بحوحة .

(9) كثرة الشّعر .

(10) دقيق الحاجبين : طويلهما .

(11) مقرون الحاجبين : متصل احدهما بالآخر .

(12) الحَوَر : اشتداد بياض العين , وسواد سوادها .

(13) يعلو جفون عينيه سواد مثل الكحل .

(14) الحسن والجمال .

(15) يفصل بين الحقِّ والباطل .

(16) لا قليل ولا كثير .

(17) تحتقره .

(18) أجمل .

(19) مخدوم .

(20) يتبعه حشد لخدمته .

(21) لا يجرأ أحد على تخطئته وتنفيد رأيه .


 

الصفحة ( 203 )

ولده الحسين وعلي بن الحسين الأكبر , وكانت الزّهراء (عليها السّلام) تقول للحُسين (عليه السّلام) وهي ترقصه :

أنتَ شبيهٌ بأبيْ  لستَ شبيهاً بِعليْ

وترقص الحسن (عليه السّلام) وتقول :

إشبه أباك يا حسنْ  واخلع عن الحقّ الرّسنْ

واعبد إلهاً ذا مننْ  ولا تـوالِ ذا الإحـنْ

ولذلك لمّا حضر رأس الحسين (عليه السّلام) بين يدي ابن زياد , فجعل ينظر إليه ويبتسم ، وكان في يده قضيب ، فجعل يضرب به ثنياه , ويقول : إنّه كان حسن الثّغر . وكان عنده أنس بن مالك ، فبكى أنس وقال : كان أشبههم برسول الله .

ولمّا برز علي الأكبر يوم كربلاء , نظر إليه الحسين (عليه السّلام) نظرة آيس منه وأرخى عينيه فبكى , ثُمّ رفع سبابتيه نحو السّماء , وقال : (( اللهمّ كُن أنت الشّهيد عليهم , فقد برز إليهم غلام أشبه النّاس خلقاً وخُلقاً ومنطقاً برسولك , وكُنّا إذا اشتقنا إلى نبيك نظرنا إليه )) .

ألا لعن الله أهل الكوفة ، فما رقّت قلوبهم لشبيه رسول الله علي الأكبر حتّى قطّعوه بأسيافهم ، ووقف عليه الحسين (عليه السّلام) وقال : (( قَتل الله قوماً قتلوك يا بُني , ما أجرأهم على الرّحمن وعلى انتهاك حُرمة الرّسول ! على الدّنيا بعدك العفا )) :

يا كوكباً ما كان أقصرَ عمرُهُ  وكذا تكون كواكبُ الأسحارِ

جاورتُ أعـدائي وجاور ربَّهُ  شتّان بين جـواره وجواري

 

المجلس الثّالث عشر بعد المئة

لمّا كانت غزوة بدر , وهي أوّل غزوات رسول الله وأشدّهما نكاية في


الصفحة ( 204 )

المشركين , وبها أذلّ الله جبابرة قُريش ، وبها تمهدت قواعد الدّين وثبت أساس الإسلام ، كان علي (عليه السّلام) قُطب رُحاها وليث وغاها , وكان عمره يومئذ خمساً وعشرين أو سبعاً وعشرين سنة , وكان المُشركون فيها نحواً من ألف ومعهم مئتا فرس يقودونها ، والمسلمون ثلاثمئة وثلاثة عشر أو أزيد بقليل ومعهم ثمانون بعيراً وفرس واحد للمقداد , فأوّل مَن برز من المُشركين عتبة بن ربيعة ، وكان رئيس القوم ، وأخوه شيبة وابنه الوليد بن عُتبة , فدعوا إلى المُبارزة ، فخرج إليهم ثلاثة من الأنصار , فقالوا لهم : ارجعوا فما لنا بكم من حاجة . ثُمّ نادوا : يا محمّد , اخرج إلينا أكفّاءنا من قومنا . فقال النّبي : (( يا بني هاشم , قوموا فقاتلوا بحقّكم الذي بعث الله به نبيكم )) . فقام حمزة بن عبد المطّلب وعلي بن أبي طالب وعُبيدة بن الحارث بن عبد المطّلب بن عبد مُناف , فبرزوا وهم مُقنّعون في الحديد فلم يعرفهم عتبة , فسألهم : مَن أنتم ؟ فانتسبوا له , فقال : أكفاء كرام . فبارز حمزة عُتبة فقتله , وبارز عليّ ـ وكان أصغر القوم سنّاً ـ الوليد فقتله , وبارز عُبيدة ـ وكان أسنّ القوم ـ شيبة فجرحه ، وضربه شيبة على ساقه فقطعها , وكرّ حمزة وعلي على شيبة فقتلاه واحتملا عُبيدة , ولمّا جيء بعُبيدة ، وإنّ مُخّ ساقه ليسيل , قال : يا رسول الله , ألست شهيداً ؟ قال : (( بلى )) . قال : أما والله , لو كان أبو طالب حيّاً لعلم أنّي أحقّ بقوله :

كذبتمْ وبيتِ الله نُخلي محمّداً  ولمّا نطاعنْ دونه ونناضلِ

وننصره حتّى نُصرّع حـولهُ  ونذهل عن أبنائنا والحلائلِ

وحُمل عُبيدة من مكانه فمات بالصّفراء . وجميع مَن قُتل في هذه الوقعة من المُشركين سبعون رجلاً ، واُسر منهم نحو من سبعين رجلاً , قَتل المسلمون النّصف وقَتل علي (عليه السّلام) ـ باتّفاق الرّواة ـ منهم خمسة وثلاثين بقدر النّصف , وقيل ستّة وثلاثين ، أكثر من النّصف بواحد ، فعدّوا معهم عيسى بن عثمان , وشرك في قتل شيبة .

وكان فيمَن قتله علي (عليه السّلام) العاص بن سعيد بن العاص بن اُميّة ، قتله مبارزة بعد أنْ أحجم عنه غيره , وطعيمة بن عدي ، وكان من رؤوس أهل الضّلال ، ونوفل بن خويلد ، وكان


الصفحة ( 205 )

من شياطين قريش وأشدّ النّاس عداوة لرسول الله ، وحنظلة بن أبي سفيان , وقُتل في هذه الوقعة أبو جهل عدو رسول الله الألد .

وقد زرعت هذه الوقعة الأضغان في قلب يزيد بن مُعاوية بقتل جدّ أبيه عتبة وأخيه شيبة وخال أبيه الوليد وأخيه حنظلة حتّى أظهرها حين جيء إليه برأس الحسين (عليه السّلام) , فجعل يقول :

لـيت أشـياخي ببدرٍ شهدوا  جزعَ الخزرج من وقع الأسلْ
لأهـلّـوا واسـتهلّوا فـرحاً  ثُـمّ قـالوا يـا يزيد لا تشلْ
قـدْ قـتلنا القَرَمَ من ساداتهمْ  وعـدلـناه بـبدرٍ فـاعتدلْ
لـعبت هـاشمُ بـالمُلك فلا  خـبرٌ جـاء ولا وحيٌ نزلْ
لـستُ من خندفَ إنْ لمْ انتقمْ  مـن بـني أحمدَ ما كان فعلْ

فقامت زينب بنت علي (عليه السّلام) وخطبت خطبتها العظيمة المشهورة , وقالت من جملتها : وتهتف بأشياخك زعمت أنّك تُناديهم ، فلتردن وشيكاً موردهم , ولتودّن أنّك شللت وبكمت ولم تكن قُلت ما قُلت وفعلت ما فعلت ! ثُمّ قالت : اللهمّ , خُذ لنا بحقّنا ، وانتقم ممّن ظلمنا ، واحلُل غضبك بمَن سفك دماءنا وقتل حُماتنا .

ثـاراتُ بـدرٍ اُدركـتْ في كربلا  لبني اُميّة من بنـي الزّهراءِ

وهذا ابنُ هندٍ من بني الطّهر فاطمٍ بثارات بدرٍ أصبحَ اليوم يثأرِ

 

المجلس الرّابع عشر بعد المئة

كان رجل يُسمّى أبا العاص بن الرّبيع ، وكان من رجال مكّة المعدودين مالاً


الصفحة ( 206 )

وأمانة وتجارة , وكان ابن اُخت خديجة اُمّ المؤمنين ، وزوّجه النّبي ابنته زينب قبل النّبوة , وولد له منها بنت اسمها اُمامة ، وهي التي أوصت الزّهراء (عليها السّلام) أميرَ المؤمنين (عليه السّلام) أنْ يتزوج بها بعدها , فقالت في جملة ما أوصته به : (( وأنْ تتزوج بعدي بابنة اُختي اُمامة ؛ فإنّها تكون لولدي مثلي )) . فتزوج بها أمير المؤمنين (عليه السّلام) بعد وفاة الزّهراء (عليها السّلام) , فلمّا أكرم الله رسوله بالنّبوة , آمنت به خديجة وبناته ومنهنّ زينب ، وبقي أبو العاص مشركاً , وكان الإسلام قد فرّق بينه وبين زينب إلاّ أنّ رسول الله كان لا يقدر وهو بمكّة أنْ يُفرّق بينهما , فلمّا دعا النّبي قومه إلى الإسلام , باعدوه وقالوا : إنّكم قد فرغتم محمّداً من همّه ؛ أخذتم عنه بناته فردّوهن عليه يشتغل بهن . فقالوا لأبي العاص : فارق بنت محمّد ونحن نزوّجك أي امرأة شئت من قُريش . فقال : لا اُفارقها وما اُحب أنّ لي بها امرأة من قُريش .

فكان رسول الله إذا ذكره يُثني عليه خيراً في صهره , فلمّا هاجر رسول الله إلى المدينة , بقيت زينب بنت رسول الله بمكّة مع أبي العاص , فلمّا سارت قُريش إلى بدر , سار أبو العاص معهم فأُسر , فلمّا بعثت أهل مكّة في فداء اُساراهم , بعثت زينب بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في فداء زوجها أبي العاص بمال , وكان فيما بعثت به قلادة كانت خديجة اُمّها ادخلتها بها على أبي العاص ليلة زفافها عليه , فلمّا رأى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قلادة ابنته زينب ، رقّ لها رقّة شديدة , وقال للمُسلمين : (( إنْ رأيتم أنْ تطلقوا لها أسيرها وتردّوا عليها ما بعثت به من الفداء , فافعلوا )) . فقالوا : نعم يا رسول الله , نفديك بأنفسنا وأموالنا . فَردّوا عليها ما بعثت به وأطلقوا لها أبا العاص بغير فداء .

أقول : إذا كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لمّا نظر إلى قلادة ابنته زينب , رقّ لها رقّة شديدة , وهي لم تُسلب منها ولم تؤخذ قهراً ، بل أرسلتها طوعاً لفداء زوجها الذي هو أسير عند أبيها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وقد خرج لمحاربته , فما كان يجري على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لو نظر إلى قلادة ابنته زينب بنت علي وفاطمة (عليهم السّلام) ، وقلادة ابنته وبضعته فاطمة الزّهراء (عليها السّلام) ، وقلائد سائر بناته بين يدي عمر بن سعد ويزيد وابن زياد ؟! وذلك لمّا قُتل الحسين (عليه السّلام) وأقبل القوم على نهب بيوت آل الرّسول (صلّى الله عليه وآله) ، واقتحموا


الصفحة ( 207 )

على النّساء يسلبونهنّ ؛ ولذلك لمّا وعد يزيد علي بن الحسين (عليه السّلام) أنْ يقضي له ثلاث حاجات ، كانت إحدى الحاجات أنْ يردّ عليهم ما اُخذ منهم . فقال يزيد : أنا اُعوّضكم عنه أضعاف قيمته . فقال (عليه السّلام) : (( أمّا مالك فلا نريده ، وهو موفّر عليك , وإنّما طلبت ما اُخذ منّا ؛ لأنّ فيه مغزل فاطمة بنت محمّد (صلّى الله عليه وآله) ، ومقنعتها وقلادتها )) . فأمر بردِّ ذلك .

سُلبتْ وما سُلبتْ محا  مدُ عزِّها الغُرّ البديعة

وهل كانت زينب تعدل عند رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وعند المسلمين اُختها فاطمة الزّهراء سيّدة نساء العالمين (عليها السّلام) ؟ وهل كان أبو العاص يعدل أمير المؤمنين (عليه السّلام) ؟ لا والله .

فَعلتمْ بأبناء النّبيِّ ورهطهِ  أفاعيلَ أدناها الخيانةُ والغدرُ

 

المجلس الخامس عشر بعد المئة  

لمّا أطلق رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أبا العاص , زوج ابنته زينب الذي اُسر يوم بدر , شرط عليه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنْ يبعث إليه زينب إلى المدينة , فلمّا خرج أبو العاص إلى مكّة , بعث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) زيد بن حارثة ورجلاً من الأنصار , فقال : (( كونا بمكان كذا حتّى تمرّ بكما زينب ، فتأتياني بها )) .

وقدم أبو العاص إلى مكّة فأرسلها مع أخيه كنانة بن الرّبيع ، وأركبها في هودج وخرج بها نهاراً , فقالت قريش : لا تخرج ابنة محمّد من بيننا على تلك الحال . فخرجوا في طلبها حتّى أدركوها بذي طوى , فروّعها هبار بن الأسود بالرّمح وهي في الهودج وكانت حاملاً , فلمّا رجعت أسقطت , ولمّا رأى كنانة القوم قد أقبلوا , برك ونثل كنانته وأخذ منها سهماً ووضعه في قوسه , وقال : والله , لا يدنو منها رجل إلاّ وضعت فيه سهماً . فجاء رؤساء قُريش وفيهم


الصفحة ( 208 )

أبو سُفيان , فقالوا : إنّك لم تصب ، خرجت بها علانية وقد عرفت مصيبتنا ببدر فيظنّ النّاس إذا خرجت بها جهاراً إنّ ذلك عن ذلّ ووهن أصابنا , ولكن ارجع ، فإذا هدأت الأصوات وتحدّث النّاس بردّها ، فاخرج بها سرّاً . فرجع كنانة ، ثُمّ خرج بها ليلاً حتّى سلّمها إلى زيد بن حارثة وصاحبه . فقدما بها على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) , فأهدر دم هبار لمّا بلغه ذلك , فلمّا كان يوم فتح مكّة , أتاه هبار مُسلماً , فقبل إسلامه وعفا عنه .

بأبي أنت واُمّي يا رسول الله ! أهدرت دم هبار ؛ لأنّه روّع ابنتك زينب حتّى أسقطت , فما كنت صانعاً لو نظرت إلى مَن روّع بناتك يوم كربلاء بعد قتل ولدك الحسين (عليه السّلام) حين هجم القوم على خيام بناتك وعيالاتك ، وانتهبوا ما فيها وأضرموا فيها النّار ؟!

 قال حميد بن مُسلم : رأيت امرأة من بكر بن وائل كانت مع زوجها في أصحاب عُمر بن سعد , فلمّا رأت القوم قد اقتحموا على نساء الحسين (عليه السّلام) في فسطاطهن وهم يسلبونهن , أخذت سيفاً وأقبلت نحو الفسطاط , وقالت : يا آل بكر بن وائل , أتُسلب بنات رسول الله ؟! لا حكم إلا لله ، يا لثارات رسول الله ! فاخذها زوجها وردّها إلى رحله .

وحـائراتٍ أطـار القومُ أعينَها  رُعباً غداة عليها خدرها هجموا
كانتْ بحيث عليها قومُها ضربتْ  سـرادقاً أرضه من عزمهم حرمُ
فغودرتْ بين أيدي القوم حاسرةً  تُسبى وليس لها مَن فيه تعتصمُ

وأقام أبو العاص بمكّة على شركه ، وزينب عند أبيها (صلّى الله عليه وآله) , فخرج أبو العاص قبل فتح مكّة بيسير تاجراً إلى الشّام بمال له ولقُريش , فلمّا رجع لقيته سريّة لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) فأخذوا ما معه وهرب , فجاءت السريّة بما أخذت منه إلى رسول الله ، وخرج أبو العاص حتّى دخل ليلاً على زينب في طلب ماله , فاستجار بها فأجارته ، فلمّا كبّر رسول الله في صلاة الصبح , صرخت زينب من صفة النّساء : أيّها النّاس , قد أجرت أبا العاص بن الرّبيع . فلمّا فرغ النّبي (صلّى الله عليه وآله) من الصّلاة , دخل


الصفحة ( 209 )

عليها وقال لها : (( اكرمي مثواه واحسني قراه )) . ثُمّ قال للسريّة الذين أصابوا مال أبي العاص : (( إنّ هذا الرجل منّا بحيث علمتهم , فإنْ تُحسنوا وتردّوا عليه الذي له , فإنّا نحب ذلك , وإنْ أبيتم فهو فيء الله الذي أفاءه عليكم , وأنتم أحقّ به )) . فقالوا : بل نردّه . فردّوه عليه ثُمّ ذهب إلى مكّة فردّ إلى النّاس أموالهم ثُمّ أسلم ورجع إلى المدينة ، فردّ النّبي (صلّى الله عليه وآله) عليه زينب .

 قال أبو العاص : كنت مستأسراً مع رهط من الأنصار ، جزاهم الله خيراً , فكانوا يؤثرونني بالخبز ويأكلون التمر , والخبزعندهم قليل ، حتّى إنّ الرّجل لتقع في يده الكسرة فيدفعها إليّ . وقال الوليد بن المغيرة : كانوا يركبوننا ويمشون .

وهذه سُنّة الإسلام في الأسير ؛ من إكرامه والرّفق به وإنْ كان كافراً . ألا قاتل الله عُبيد الله بن زياد فإنّه لم يرفق باسارى كربلاء ولم يكرمهم , وهم عترة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وسادات المُسلمين ، وأهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيراً , فأمر بزين العابدين (عليه السّلام) إمام أهل البيت ووارث علوم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) , فَغلّ بغلّ إلى عنقه وبعثه كذلك مع عمّاته وأخواته إلى يزيد بالشّام .

ليـس هـذا لـرسول اللهِ يا  اُمّة الطُّغيان والبغي جزا

جزروا جزرَ الأضاحي نسلَهُ  ثُمّ ساقوا أهله سَوق الإما

 

المجلس السّادس عشر بعد المئة

لمّا كانت وقعة اُحد , جاءت قُريش ومَن طاعها من القبائل , وخرجوا معهم بالنّساء يضربن بالطّبول والدّفوف ويُحرّضن على الحرب , فيهن هند زوجة أبي

الصفحة ( 210 )

سفيان ، وكان رئيس القوم , وكان المُشركون ثلاثة آلاف فيهم سبعمئة درع ومئتا فرس , والمُسلمون ألفاً وفيهم مئة درع والخيل فرسان , فرجع منهم ثلاثمئة من المُنافقين فبقوا سبعمئة , وكان الفتح في هذه الوقعة وانهزام المُشركين على يد أمير المؤمنين (عليه السّلام) كما في وقعة بدر , وقتل بسيفه صناديد المُشركين ورؤوس الضّلال ، وفرّج الله به الكرب عن وجه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) .

وجعل المُشركون على ميمنتهم خالد بن الوليد ، وعلى ميسرتهم عكرمة بن أبي جهل ، ولواؤهم مع بني عبد الدّار , وكان لواء النّبي (صلّى الله عليه وآله) مع علي بن أبي طالب (عليه السّلام) ، فلمّا علم أنّ لواء المُشركين مع بني عبد الدّار , أعطى لِواءه رجلاً منهم يُسمّى مُصعب بن عُمير , فلمّا قُتل ردّه إلى علي (عليه السّلام) .

واستقبل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) المدينة وجعل اُحداً ظهره , وجعل وراءه الرّماة ، وكانوا خمسين رجلاً ، وأمر عليهم عبد الله بن جُبير , وقال له : (( اثبت مكانك إنْ كانت لنا أو علينا )) . ولبس (صلّى الله عليه وآله) درعين .

وقتل علي (عليه السّلام) أصحاب اللواء ، فيما رواه ابن الأثير عن أبي رافع , وكانوا سبعة ، منهم طلحة وكان يُسمّى كبش الكتيبة وابنه أبو سعيد وأخوه خالد وعبدٌ لهم يُسمّى صوباً أخذ اللواء لمّا قتل مواليه ، فَقتله علي (عليه السّلام) وانهزم المُشركون ودخل المسلمون عسكرهم ينهبون , فلمّا رأى ذلك بعض الرّماة , اقبلوا يُريدون النّهب وثبتت طائفة مع أميرهم , فنزلت : ( مِنكُم مَن يُرِيدُ الدّنْيَا وَمِنكُم مَن يُرِيدُ الآخِرَةَ )(1) .

فرأى خالد بن الوليد قلّة مَن بقي من الرّماة فحمل عليهم فقتلهم , وحمل على أصحاب النّبي (صلّى الله عليه وآله) من خلفهم , فلمّا رأى المُشركون خيلهم تُقاتل , حملوا على المُسلمين فهزموهم .

قال ابن الأثير : ورجع رجل من الصّحابة وجماعة من هزيمتهم بعد ثلاثة أيام , فقال لهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( لقد ذهبتم فيها عريضة )) .

وباشر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الحرب بنفسه ، وجُرح وسقط لوجهه وكُسِرَت رُباعيته : أي سنّه . وثبت معه علي (عليه السّلام) يذبّ عنه ويُقاتل بين يديه ، وكان رجوع النّاس من هزيمتهم إلى النّبي (صلّى الله عليه وآله) بثبات علي ومقامه ، وتوجّه العتاب من الله تعالى إلى عامّتهم ؛ لهزيمتهم سوى علي (عليه السّلام) , وذلك قوله تعالى : ( إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى‏ أَحَدٍ وَالرّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمّا بِغَمّ لِكَيْلاَ تَحْزَنُوا عَلى‏ مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَا

ـــــــــــــــــــ

(1) سورة آل عمران / 152 .


الصفحة ( 211 )

أَصَابَكُمْ وَاللّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ )(1) وقوله تعالى : ( إِنّ الّذِينَ تَوَلّوْا مِنكُمْ يَوْمَ التّقَى الْجَمْعَانِ إِنّمَا اسْتَزَلّهُمُ الشّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللّهُ عَنْهُمْ إِنّ اللّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ )(2) .

قال ابن الأثير : فأبصر النّبي (صلّى الله عليه وآله) جماعة من المُشركين , فقال لعلي : (( احمل عليهم )) . فحمل عليهم وفرّقهم وقتل فيهم ، ثُمّ رأى جماعة اُخرى فقال له : (( احمل عليهم )) . فحمل عليهم وفرّقهم وقتل فيهم .

هذه هي المواساة ولا تقصر عنها مواساة أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) يوم كربلاء لأخيه الحسين (عليه السّلام) , وكان صاحب لواء الحسين (عليه السّلام) كما كان أميرالمؤمنين (عليه السّلام) صاحب لواء رسول الله (صلّى الله عليه وآله) , فخرج العبّاس يطلب الماء وحمل على القوم , وهو يقول :

لا أرهب الموتَ إذا المـوتُ رقى  حتّى اُوارى في المصاليت لُقا

نفسي لسبط المُصطفى الطّهر وقا  إنّي أنا العبّاس أغـدو بالسّقا

ولا أخاف الشّر يوم المُلتقى

فضربه زيد بن ورقاء على يمينه فقطعها , فأخذ السّيف بشماله فضربه حكيم بن الطُفيل على شماله فقطعها , وضربه آخر بعمود من حديد فقتله , فبكى الحسين (عليه السّلام) لِقتله بُكاءً شديداً .

واذكر أبا الفضل هل تُنسى فضائلُهُ  في كربلا حيـن جدّ الأمـرُ والتبسا

وآسـى أخـاه وفـاداه بمُهجـتِهِ  وخاض في غمرات الموت مُنغمسـا

 

المجلس السّابع عشر بعد المئة

في الكامل لابن الأثير : لمّا كان يوم اُحد وانهزم المُسلمون بمخالفة الرّماة أمر

ـــــــــــــــــــ

(1) سورة آل عمران / 153 .

(2) سورة آل عمران / 155 .


الصفحة ( 212 )

رسول الله ، كسرت رباعية رسول الله السّفلى ، والرّباعية : هي السّن . وشقّت شفته وجُرح في وجنته ، ولمّا جُرح رسول الله , جعل الدّم يسيل على وجهه وهو يمسحه , ويقول : (( كيف يفلح قوم خضّبوا وجه نبيهم بالدّم وهو يدعوهم إلى الله )) .

وترّس أبو دجانة رسول الله بنفسه ـ يعني جعل نفسه كالتّرس له ـ فكان يقع النّبل في ظهره وهو منحن عليه ، كما ترّس سعيد بن عبد الله الحنفي الحسين (عليه السّلام) يوم عاشوراء , ووقف يقيه من النّبال بنفسه ، ما زال ولا تخطّى , فما زال يرمى بالنّبل حتّى سقط إلى الأرض وهو يقول : اللهمّ , العنهم لعن عاد وثمود . اللهمّ , أبلغ نبيك عنّي السّلام وأبلغه ما لقيت من ألم الجراح , فإنّي أردت ثوابك في نصر ذرّيّة نبيك . ثُمّ قضى نحبه رضوان الله عليه , فوجد فيه ثلاثة عشر سهماً سوى ما به من ضرب السّيوف وطعن الرّماح .

وكذلك فعل عمرو بن قرظة الأنصاري , فإنّه كان لا يأتي إلى الحسين (عليه السّلام) سهم إلاّ اتّقاه بيديه ، ولا سيف إلاّ تلقّاه بمُهجته , فلم يكن يصل إلى الحسين (عليه السّلام) سوء حتّى اُثخن بالجراح , فالتفت إلى الحسين (عليه السّلام) وقال : يا بن رسول الله أوَفيت ؟ قال : (( نعم , أنت أمامي في الجنّة , فاقرأ رسول الله عنّي السّلام وأعلمه أنّي في الأثر )) . فقاتل حتّى قُتل رضوان الله عليه .

واقتدى بهما في ذلك حنظلة بن أسعد الشّبامي , فإنّه جاء فوقف بين يدي الحسين (عليه السّلام) يقيه السّهام والرّماح والسّيوف بوجهه ونحره , ثُمّ تقدّم فقاتل حتّى قُتل .

 وقاتل رسول الله يوم اُحد قتالاً شديداً , فرمى بالنّبل حتّى فني نبله ، وانكسرت سِيَة قوسه وانقطع وتره , ولما جُرح رسول الله , جعل علي (عليه السّلام) ينقل له الماء في درقته من المهراس ، والمهراس : اسم عينٍ باُحد . ويغسل الدّم فلم ينقطع , فأتت فاطمة (عليها السّلام) تُعانقه وتبكي .

فياليت عليّاً (عليه السّلام) لا غاب عن ولده الحسين (عليه السّلام) يوم كربلاء ؛ ليدفع عنه عسكر ابن سعد وينقل له الماء بدرقته من الفرات حين حال الأعداء بينه وبين الماء , كما نقل الماء بدرقته إلى رسول الله من المهراس .

وياليت فاطمة الزّهراء (عليه السّلام) التي بكت من جرح واحد أصاب أباها رسول الله , نظرت إلى ولدها وفلذة كبدها الحسين (عليه السّلام) حين


الصفحة ( 213 )

أصابه اثنان وسبعون جراحة ما بين رمية وطعنة وضربة , فكانت تُضمّد جراحاته كما ضمّدت جرح أبيها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) .

وما أدري ما كان يجري على فاطمة لو نظرت إلى الجرح الذي في صدر ولدها الحسين (عليه السّلام) ؟! وذلك حين رماه خولي بن يزيد بسهم مُحدّد مسموم له ثلاثُ شعب فوقع على صدره , فقال : (( بسم الله وبالله وعلى ملّة رسول الله صلى الله عليه وآله )) . ثُمّ أخذ السّهم فأخرجه ، فانبعث الدّم كأنّه ميزاب .

أفـاطم لـو خِلت الحسينَ مُجدّلاً  وقـد مـات عطشاناً بشطِّ فُراتِ
إذاً لـلطمت الـخدّ فـاطمُ عندهُ  وأجريتِ دمعَ العينِ في الوجناتِ
أفاطم قومي يابنة الخير و اندُبي  نـجومَ سـماوات بـأرض فلاةِ

ولمّا رجع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إلى المدينة , استقبلته فاطمة (عليها السّلام) ومعها إناء فيه ماء فغسل وجهه(1) , ولحقه أمير المؤمنين (عليه السّلام) وقد خضب الدّم يده إلى كتفه ومعه ذو الفقار ، فناوله فاطمة (عليها السّلام) ، وقال لها : (( خُذي هذا السّيف فقد صدقني اليوم )) . وأنشأ يقول :

أفـاطمُ هـاك السّيفَ غيرَ ذميمِ  فـلـستُ بـرعـديدٍ ولا بـمليمِ
لعُمري لقد اعذرت في نصر أحمدٍ  وطـاعـةِ ربٍّ بـالعباد عـليمِ
أمـيطي دمـاءَ الـقوم عنه فإنّه  سـقى آل عـبد الدّار كأس حميم

ــــــــــــــــــــــــــ

(1) هذه رواية المُفيد , وهي تدلّ على أنّ فاطمة (عليها السّلام) كانت باقية بالمدينة لم تخرج إلى اُحد , وهي الأقرب إلى الاعتبار . وما تقدّم من أنّها أتت وجعلت تُعانقه وتبكي وأحرقت حصيراً . . . إلى آخره , يدلّ على أنّها كانت باُحد ، وهي رواية ابن الأثير , ويجوز أنْ تكون خرجت إلى اُحد ثُمّ رجعت واستقبلت أباها حين رجوعه , والله أعلم .


الصفحة ( 214 )

وقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( خُذيه يا فاطمة , فقد أدّى بعلك ما عليه , وقد قَتل الله بسيفهِ صناديد قُريش )) .

كأنّي بفاطمة (عليها السّلام) لمّا أعطاها أمير المؤمنين (عليه السّلام) سيفه ذا الفقار ، وهو مُخضّب بالدّماء ، تناولته وجعلت تغسل الدّماء عنه , وهي فرحة مسرورة حين رأت ابن عمّها قد أقبل سالماً ظافراً منصوراً على أعدائه ، يحملُ اللواء بين يدي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) والجيش من خلفه وقد قتل الله بسيفه صناديد المُشركين , ولكن أين رجوع أمير المؤمنين(عليه السّلام) من حرب اُحد إلى المدينة بتلك الحالة وخطابه لفاطمة (عليها السّلام) , من رجوع ولده الحسين (عليه السّلام) يوم كربلاء من حرب الأعداء إلى الخيمة وقد خضب الدّم سيفه ويده ، وخطابه لزينب بنت فاطمة (عليهما السّلام) ؟! وذلك لمّا قُتلت أنصاره وأهل بيته ، وبقي وحيداً فريداً لا ناصر له ولا مُعين , فجعل ينادي : (( هل من ذابٍّ يذبُّ عن حرم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ؟ هل من مُوحّدٍ يخاف الله فينا ؟ هل من مُغيث يرجو الله في إغاثتنا ؟ )) . ثُمّ تقدّم إلى باب الخيمة , وقال لاُخته زينب : (( ناوليني ولدي الصّغير )) . فناولته ابنه عبد الله ، فأومى إليه ليُقبّله , فرماه حرملة بن كاهل بسهمٍ فوقع في نحره فذبحه , فقال (عليه السّلام) لزينب : (( خُذيه )) .

وفاطمة (عليها السّلام) وإنْ قُتل يوم اُحد عمُّ أبيها حمزة بن عبد المطّلب , لكن هوّن عليها مصاب حمزة سلامة أبيها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وبعلها علي ؛ أمّا زينب (عليها السّلام) فقد شاهدت قتل أخيها الحسين (عليه السّلام) وباقي إخوتها إلى تمام سبعة عشر رجلاً من أهل بيتها , ما بين كهول وشبّان ما لهم على وجه الأرض شبيه , ولم يبقَ عندها غير العليل زين العابدين (عليه السّلام) أسير ابن سعد وابن مرجانة وابن هند .

مُصيبةٌ بكتْ السّبعُ الشّداد لها  دماً ورزءٌ عظيمٌ غير محتملِ

 

المجلس الثّامن عشر بعد المئة 

لمّا كان يوم اُحد ، دعا جبير بن مطعم غلامه وحشي بن حرب , وكان حبشيّاً


الصفحة ( 215 )

يقذف بالحربة قلّما يخطئ , فقال له : اخرج مع النّاس ، فإنْ قَتلت عمّ محمّد ـ يعني حمزة ـ بعمّي طعيمة بن عدي ، فأنت عتيق .

وكانت هند جعلت لوحشي جعلاً على أنْ يقتل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، أو أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، أو حمزة , فقال : أمّا محمّد فلا حيلة لي فيه ؛ لأنّ أصحابه يطيفون به ؛ وأمّا علي فإنّه إذا قاتل كان أحذر من الذّئب ؛ وأمّا حمزة فإنّي أطمع فيه ؛ لأنّه إذا غضب لم يبصر بين يديه . وكانت هند كُلّما مرّت بوحشي أو مرّ بها , قالتّ له : اشف واشتف .

قال وحشي : إنّي والله , لأنظر إلى حمزة وهو يهدّ النّاس بسيفه ، ما يلقى شيئاً يمرّ به إلاّ قتله . قال : فهززت حربتي ودفعتها عليه ، فوقعت في أسفل بطنه حتّى خرجت من بين رجليه , وأقبل نحوي فغُلب فوقع ، فأمهلته حتّى مات فأخذت حربتي ثُمّ تنحّيت إلى العسكر .

 قال ابن الأثير : ووقعت هند وصواحباتها على القتلى يُمثّلن بهم , واتّخذت هند من آذان الرّجال وآنافهم خلاخل وقلائد , وأعطت خلاخلها وقلائدها وحشيّاً , وبقرت عن كبد حمزة فلاكتها فلم تستطع أنْ تسيغها فلفظتها , وجدعت أنفه واُذنيه ومثّلت به .

ووجد حمزة ببطن الوادي قد بُقر بطنه عن كبده ومُثّل به , فحين رآه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) , لم يرَ منظراً كان أوجع لقلبه منه , فقال : (( لولا أنْ تحزن صفيّة ـ وهي اُخت حمزة ـ أو تكون سنّة بعدي , لتركته حتّى يكون في أجواف السّباع وحواصل الطّير , ولئن أظهرني الله على قُريش , لاُمثّلن بثلاثين رَجُلاً منهم )) . وقال المُسلمون : لنُمثّلن بهم مثلة لم يُمثّلها أحد من العرب . فأنزل الله في ذلك : ( وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ )(1) . فعفا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وصبر ونهى عن المُثلة ولو بالكلب العقور .

ألا قاتل الله أهل الكوفة ؛ فإنّه لم يكفهم قتل أبي عبد الله الحسين (عليه السّلام) بن بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حتّى مثّلوا به وبأصحابه ؛ قطعوا الرّؤوس وشالوها على رؤوس الرّماح من بلد إلى بلد , وداسوا بحوافر خيلهم جسد الحسين (عليه السّلام) حتّى هشّمت الخيل أضلاعه ، وطحنت جناجن صدره .

لم يكفِ أعداهُ مَثْلُ القتلِ فابتَدرتْ  تُجري على جسمهِ الجُردَ المحاضيرا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة النّحَل / 126 .


الصفحة ( 216 )

وأقبلت صفيّة بنت عبد المطّلب اُخت حمزة , فأمر النّبي (صلّى الله عليه وآله) ابنها الزّبير أنْ يردّها ؛ لئلا ترى ما بأخيها حمزة .

 بأبي صاحب الشّفقة والرّأفة ! ما أحب أنْ تنظر صفيّة إلى أخيها حمزة وهو مقتول وقد مُثّل به ؛ خوفاً أنْ يشتّد حزنها وبكاؤها ؛ لأنّها امرأة ، ومن شأن النّساء الجزع ورقّة القلب , وأهل الكوفة مرّوا ببنات رسول الله (صلّى الله عليه وآله) على مصرع الحسين (عليه السّلام) وأصحابه , فلمّا نظر النّسوة إلى القتلى وهم جثث بلا رؤوس , صحن وضربن وجوههن , وجعلت زينب تُنادي : يا محمّداه ! هذا حسين مرملٌ بالدّماء ، مُقطّع الأعضاء ، وبناتك سبايا . فأبكت كُلّ عدو وصديق .

لـو انّ رسـولَ الله يبعث نظرةً  لـردّت إلى إنسان عينِ مُؤرقِ
وهـان عـليه يـومُ حمزةَ عمّه  بـيوم حُسينٍ وهو أعظم ما لقي
ونال شجىً من زينبٍ لم ينله من  صـفيّة إذ جـادت بدمعٍ مرقرقِ
فكمْ بين مَن للخدر عادت مصونةً  ومـَن سيّروها في السّبايا الجلّق

وأمر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بدفن الشّهداء ، فكان كُلمّا اُتي إليه بشهيد جعل حمزة معه وصلى عليهما . وفي رواية : إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) خصّه بسبعين تكبيرة .

فياليت رسول الله كان حاضراً يوم استشهد ولده الحسين (عليه السّلام) وأصحابه , فيُصلي عليه وعلى أصحابه ويأمر بدفنهم حتّى لا يبقوا ثلاثة أيام بلا دفن , وهم مطروحون على الرّمضاء مجزّرون كالاضاحي , جثث بلا رؤوس حتّى جاء بنو أسد وصلّوا عليهم ودفنوهم .

مجرّدين على الرّمضاء قد لبسوا  من المهـابة أبـراداً لهـا قشبا

مُضرّجين بمحمرّ النّجـيـع بنى  نبل العدى والقنا من فوقهم قببا

ولمّا رجع رسول الله إلى المدينة , مرّ بدارٍ من دور الأنصار ، فسمع البكاء والنّوائح , فذرفت عيناه بالبكاء وقال : (( لكن حمزة لا بواكي له )) .

فرجع سعد بن معاذ إلى دار بني عبد الأشهل فأمر نساءهم أنْ يذهبن فيبكين على حمزة , ويُقال : إنّ أهل


الصفحة ( 217 )

المدينة إلى اليوم إذا أرادوا البكاء على ميت بدؤوا بحمزة .

يُستفاد من هذا رجحان البُكاء على الشّهداء , لا سيّما شهيد كربلاء أبي عبد الله الحسين (عليه السّلام) الذّي لو كان رسول الله حيّاً لكان هو المُعزّى به والباكي عليه , وقد قال الحسين (عليه السّلام) : (( أنا قتيل العبرة ، لا يذكرني مؤمن إلاّ استعبر )) .

تبكيك عيني لا لأجل مثوبةٍ  لكنّما عيني لأجلك باكيـةْ

تبتلُّ منكـم كربلا بدمٍ ولا  تبتلُّ منّي بالدّموع الجارية

ولمّا رجع رسول الله إلى المدينة لقيته حمنة ابنة جحش , وكان قد قُتل زوجها وأخوها وخالها مع رسول الله , فنُعي لها أخاها عبد الله فاسترجعت واستغفرت له , ثُمّ نُعي لها خالها حمزة بن عبد المطّلب فاستغفرت له , ثُمّ نُعى لها زوجها مصعب بن عمير , فولولت وصاحت ، فقال : (( إنّ زوج المرأة منها لبمكان )) .

 إذاً لا لوم على الرباب ، زوجة أبي عبد الله الحسين (عليه السّلام) ، التّي لم تستظل بعده بسقف إلى أنْ ماتت بعد سنة حزناً وكمداً عليه .

فخذ لك منّي عهد صدق شهوده الـ  ـملائـك والله الشّهيـد حسيبُ

بأنّـيَ بعـد البيـن لا آلف الكـرى  ولا السّن منّي إنْ ضحكت شنيبُ

  

المجلس التّاسع عشر بعد المئة

لمّا كانت وقعة الخندق ـ وتُسمّى وقعة الأحزاب ؛ لتحزّب القبائل فيها على حرب رسول الله ـ أقبلت قُريش وقائدها أبو سفيان ، وأقبلت كنانة وأهل تهامة


الصفحة ( 218 )

وغطفان ومن تبعها من أهل نجد , واتفق المشركون مع اليهود وجاؤوا ، كما قال تعالى : ( إِذْ جَآءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنّونَ بِاللّهِ الظّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً * وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مّرَضٌ مّا وَعَدَنَا اللّهُ وَرَسُولُهُ الاّ غُرُوراً ) إلى قوله : ( وَكَفَى اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً )(1) .

فتوجّه اللوم والتّقريع والعتاب إلى النّاس ولم ينجُ منه إلاّ علي بن أبي طالب (عليه السّلام) , فأشار سلمان الفارسي بحفر خندق حول المدينة فحُفر , وعمل فيه رسول الله بيده فكان يحفر وعلي ينقل التّراب , وفرغ رسول الله من حفر الخندق قبل مجيء قريش بثلاثة أيام , وأقبلت الأحزاب وكانوا عشرة آلاف ، فهال المسلمين أمرهم , ونزلوا بجانب الخندق ، وكان المسلمون ثلاثة آلاف .

قال الواقدي وغيره : وخرج عمرو بن عبد ود ومعه جماعة ، شاهراً نفسه معلماً مدلاً بشجاعته وبأسه , وقد كان شهد وقعة بدر وجرح ونجا هارباً على قدميه , فلمّا رأوا الخندق , قالوا : إنّ هذه مكيدة ما كانت العرب تكيدها , ونظنّها من الفارسي الذي معه ، يعنون سلمان .

ثُمّ أتوا إلى مكان ضيّق من الخندق فضربوا خيلهم واقتحموه , ورسول الله جالس وأصحابه قيام على رأسه , فتقدم عمرو ودعا إلى البراز , فقال رسول الله : (( مَن لعمرو وأضمن له على الله الجنّة ؟ )) . فقام علي (عليه السّلام) فقال : (( أنا له يا رسول الله )) . قال : (( اجلس )) . حتّى قالها ثلاث , وفي كُلّ مرّة يقوم علي (عليه السّلام) والقوم ناكسوا رؤوسهم كأنّ على رؤوسهم الطّير , فقال عمرو : أيّها النّاس ، إنّكم تزعمون أنّ قتلاكم في الجنّة وقتلانا في النّار , أفما يحب أحدكم أنْ يقدم على الجنّة أو يقدم عدواً له إلى النّار ؟ فلم يقم إليه أحد إلاّ علي (عليه السّلام) , فقال له النّبي : (( يا علي , هذا عمرو بن عبد ود ، فارس يليل )) : وهو اسم وادٍ كانت له فيه وقعة مشهورة . فقال : (( وأنا علي بن أبي طالب )) .

فجعل عمرو يجول بفرسه مقبلاً ومدبراً , وجاءت عظماء الأحزاب فوقفت من وراء الخندق ومدّت أعناقها تنظر , فلمّا رأى عمرو أنّ أحداً لا يجيبه , قال :

ولـقد بـُححت من النّدا  ء بجمعكمْ هل من مبارزْ

ــــــــــــــــــــ

(1) سورة الأحزاب / 10 ـ 25 .


الصفحة ( 219 )

ووقـفت مُذ جبُن المشيـ  ـعُ موقف القرن المناجزْ
إنـّي كـذلك لـم أزلْ  مـتسرعاً نحو الهزاهزْ
إنّ الشّجاعة في الفتى  والجودَ من خيَر الغرائزْ

فقام علي (عليه السّلام) وقال : (( يا رسول الله , ائذن لي في مبارزته )) . فأذن له ثُمّ قال : (( إدن منّي يا علي )) . فدنا منه ، فنزع عمامته وعمّمه بها ودفع إليه سيفه ذا الفقار , وقال : (( اللهمَّ , احفظه من بين يديه ومن خلفه , وعن يمينه وعن شماله , ومن فوقه و من تحته )) . ومازال رافعاً يديه ورأسه نحو السّماء داعياً ربّه , قائلاً : (( اللهمَّ , إنّك أخذت منّي عبيدة يوم بدر ، وحمزة يوم اُحد ، فاحفظ عليَّ اليوم عليّاً . رَبِّ لاَ تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ )) . وقال : (( برز الإيمان كلُّه إلى الشّرك كلِّه )) .

فمرّ أمير المؤمنين (عليه السّلام) يهرول في مشيه , وهو يقول مجيباً لعمرو :

لا تـعـجلنَّ فـقـدْ أتــا  ك مجيبُ صوتك غير عاجزْ
ذو نــيّـةٍ وبـصـيـرةٍ  يـرجو بـذاك نـجاة فائزْ
إنّــي لآمــلُ أنْ اُقـيـ  ـم عـليك نـائحةَ الـجنائزْ
مـن ضـربةٍ فـوهاءَ يبـ  ـقـى ذكـرها عند الهزاهز

فقال له عمرو : مَن أنت ؟ قال : (( أنا علي بن أبي طالب )) . قال : إنّ أباك كان لي نديماً وصديقاً وأنا أكره أنْ اقتلك . قال علي (عليه السّلام) : (( ولكنني اُحب أنْ أقتلك ما دمت آبياً للحقّ )) . فقال عمرو : يابن أخي , إنّي لأكره أنْ أقتل الرّجل الكريم مثلك , فارجع وراءك خير لك .

قال ابن أبي الحديد : كان شيخنا أبو الخير يقول : والله , ما أمره بالرّجوع ابقاءً عليه بل خوفاً منه ؛ فقد عرف قتلاه ببدر واُحد وعلم أنّه إنْ ناهضه قتله , فاستحيا أنْ يظهر الفشل , فأظهر الإبقاء والرّعاء وأنّه لكاذب .

وفي رواية أنّه قال : ما خاف ابن عمّك حين بعثك إليّ أنْ أختطفك برمحي فاتركك شائلاً بين السّماء والأرض ، لا حيّاً ولا ميتاً ؟ فقال له علي (عليه السّلام) : (( قد علم ابن عمّي إنّك إنْ قتلتني


الصفحة ( 220 )

فأنا في الجنّة وأنت في النّار , وإنْ قتلتك فأنت في النّار وأنا في الجنّة )) . فقال عمرو : وكلتاهما لك تلك , إذاً قسمة ضيزى . فقال علي (عليه السّلام) : (( دع هذا يا عمرو , إنّك كنت تقول لا يعرض عليّ أحدٌ ثلاث خصال إلاّ أجبته ولو إلى واحدة , وأنا أعرض عليك ثلاث خصال )) . قال : هات . قال : (( الاُولى : أنْ تشهد أنْ لا إله إلا الله وأنّ محمّداً رسول الله صلى الله عليه وآله )) . قال : نحِّ عن هذا , وما الثّانية ؟ قال : (( أنْ تردّ هذا الجيش عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) , فإنْ يك صادقاً فأنتم أعلى به عيناً , وإنْ يك كاذباً كفاكم النّاس أمره )) . قال : إذاً تتحدّث نساء قريش أنّي جبنت وخذلت قوماً رأسوني عليهم , وما الثّالثة ؟ قال : (( أنْ تنزل إليّ فأنت راكب وأنا راجل )) . فنزل عن فرسه وعقره , وقال : هذه خصلة ما ظننت أنّ أحداً من العرب يسومني عليها .

ثُمّ تجاولا فثارت لهما غبرة وارتهما عن العيون ، إلى أنْ سمع النّاس التّكبير عالياً من تحت الغبرة فعلموا أنّ عليّاً قتله , وأنجلت الغبرة فإذا أمير المؤمنين (عليه السّلام) قد قتله ، وهو ينشد :

أنا عليٌ وابنُ عبد المطلبْ  الموتُ خيرٌ للفتى من الهربْ

وفرّ أصحابه فعبروا الخندق إلاّ رجلاً منهم يُسمى نوفلاً لحقه علي (عليه السّلام) فقتله في الخندق , ثُمّ وضع الرّأس بين يدي النّبي (صلّى الله عليه وآله) , فقال رسول الله : (( اليوم نغزوهم ولا يغزوننا )) . وقال (صلّى الله عليه وآله) : (( ضربة علي يوم الخندق تعدل عمل الثّقلين إلى يوم القيامة )) . وانهزم المشركون بقتل عمرو وكفى الله المؤمنين القتال بعلي (عليه السّلام) .

قال أبو بكر بن عياش : لقد ضرب علي (عليه السّلام) ضربة ما كان في الإسلام أيمن منها : يعني ضربة عمرو بن عبد ود . ولقد ضُرب (عليه السّلام) ضربة ما كان في الإسلام أشأم منها : يعني ضربة ابن ملجم لعنه الله . فضربة علي يوم الخندق قد أعزّت الإسلام وأرست قواعد الدّين , وردّت الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً , وكفى الله بها المؤمنين القتال . وضربة ابن ملجم رأس علي (عليه السّلام) , أذلّت الإسلام وهدّمت قواعد الدّين ، ومهدّت مُلك بني اُميّة الذين جرعوا آل بيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الغصص , ودسّوا السّم إلى الحسن بن علي (عليه السّلام) حتّى تقيّأ كبده في الطّست قطعة قطعة , وجهّزوا


الصفحة ( 221 )

الجيوش لقتال الحسين (عليه السّلام) حتّى قُتل غريباً عطشان ظامياً وحيداً فريداً بأرض كرب وبلاء .

وجرّعـتْ السّبـطـيـن بعد أبيهما  كؤوسَ شجى أفصحن عن كامن النّصبِ

وأظمتْ على الماء الحسينَ وأوردتْ  دماءَ وريـديـه سيـوفُ بنـي حـربِ

 

المجلس العشرون بعد المئة 

لمّا قتل علي (عليه السّلام) عمرو بن عبد ود يوم الخندق , أقبل نحو رسول الله ووجهه يتهلل , فقال له عمر بن الخطاب : هلا سلبته درعه , فإنّه ليس في العرب درع مثلها ؟ فقال أمير المؤمنين : (( إنّي استحييت أنْ أكشف سوأة ابن عمّي )) .

 قاتل الله أهل الكوفة فإنّهم لم يستحوا من الله ورسوله وأهل بيته يوم كربلاء , فسلبوا الحسين (عليه السّلام) درعه وثيابه , وتركوه مجرّداً على وجه الصّعيد !

عريانُ يكسوه الصّعيدُ ملابساً  أفديه مسلوبَ الرّداء مسربلا

* * *

متوسّداً حرّ الصّعيد مجرّداً  يُكسى بثوب جلالةٍ وبهاءِ

ولمّا نُعي عمرو بن عبد ود إلى اُخته , قالت : مَن ذا الذي اجترأ عليه ؟ فقالوا : علي بن أبي طالب . فقالت : لا رقأت دمعتي أنْ هرقتها عليه ؛ قتل الأبطال وبارز الأقران وكانت منيّته على يد كفو كريم من قومه , ما سمعت بأفخر من هذا يابن عامر . ثُمّ أنشأت تقول :


الصفحة ( 222 )

لـو كان قاتلَ عمرو غيرُ قاتلهِ  لـكنت أبـكي عـليه آخر الأبدِ
لـكنّ قـاتله مَـن لا يُـعاب بهِ  مـَن كان يُدعى أبوه بيضةَ البلدِ
من هاشمٍ في ذراها وهي صاعدةٌ  إلى السّماء تميت النّاس بالحسدِ
قـومٌ أبى الله إلاّ أنْ يكون لهمْ  كـرامةُ الـدّين والـدّنيا بلا لددِ

وقالتّ أيضاً في قتل أخيها وذكر علي بن أبي طالب (عليه السّلام) :

أسدان في ضيق المجال تصاولا  وكـلاهما كـفوٌ كـريمٌ بـاسلُ
فـتخالسا مـهجَ النّفوس كلاهما  وسـطَ الـمجال مخاتلٌ ومقاتلُ
وكـلاهما حضر القراعَ حفيظةً  لـم يـثنه عن ذاك شغلٌ شاغلُ
فـاذهبْ عليٌ فما ظفرت بمثلهِ  قـولٌ سـديدٌ لـيس فيه تحاملُ
والثّأرُ عـندي يا عليُّ فليتني  أدركـتُهُ والـعقلُ مـنّيَ كاملُ
ذلّـت قـريشٌ بعد مقتل فارسٍ  فـالذّل مـُهلكها وخزيٌ شاملُ

ولا تلام اُخت عمرو إذا لم تبكي على أخيها إذا كان القاتل مثل علي بن أبي طالب (عليه السّلام) , كما لا تُلام زينب بنت أمير المؤمنين (عليه السّلام) إذا بكت على أخيها مدى الليالي والأيام إذا كان القاتل مثل شمر بن ذي الجوشن .

قُلْ للمقادير قد أبدعتِ حادثةً  غريبةَ الشّكل ما كانت ولم تكنِ

أمثلَ شمـرٍ أذلّ الله جبهتـَهُ  يلقى حُسيناً بذاك المُلتقى الخشنِ

 

المجلس الواحد والعشرون بعد المئة

لمّا كانت غزاة بني قريظة ـ وهم قوم من اليهود كان بينهم وبين المسلمين مهادنة ـ


الصفحة ( 223 )

واتفق يوم الخندق جماعة من يهود بني النّضير مع قريش على حرب النّبي , وجاء منهم حيي بن أخطب إلى كعب بن أسد ـ سيّد بني قريظة ـ فطلب منه نقض العهد مع النّبي ومعاونته على حربه فأبى , فلم يزل به حتّى رضي فجاء نعيم بن مسعود إلى النّبي , فقال : إنّي أسلمت ولم يعلم بي قومي فمرني بما شئت . قال : (( خذّل عنّا , فإنّ الحرب خدعة )) .

فجاء إلى بني قريظة وكانوا ندماءه في الجاهلية , فقال : قد عرفتم حبّي لكم . قالوا : لست عندنا بمتّهم . قال : قد ظاهرتم قريشاً على حرب محمّد ولستم مثلهم ، أنتم أهل هذه البلاد وهم غرباء , فإنْ غلبهم محمّد , لحقوا ببلادهم وتركوكم , فلا تقاتلوا معهم حتّى يعطوكم رهينة . ثُمّ جاء إلى قريش وقال : بلغني أنّ بني قريظة ندموا وبعثوا إلى محمّد ، هل يرضيك أنْ نأخذ من قريش رجالاً وندفعهم إليك فتضرب أعناقهم ؟ فإنْ طلبت قريظة رهناً فلا تعطوها . فلمّا طلبت قريظة منهم الرّهن , قالوا : صدق نعيم . وأجابوهم : لا ندفع إليكم رجلاً واحداً . فقالت قريظة : الذي قاله نعيم حقٌّ .

فلمّا دخل النّبي المدينة بعد الخندق , نزل عليه جبرائيل وقال له : إنّ الملائكة لم تضع السّلاح ، والله يأمرك بالمسير إلى بني قريظة .

فأمر , فنودي : أنْ لا يُصلّي أحدٌ العصر إلاّ في بني قريظة . وقدم عليٌّ (عليه السّلام) برايته في ثلاثين رجلاً وتلاحق به النّاس , فلمّا رأوه جعلوا يقولون : جاءكم قاتل عمرو ! أقبل إليكم قاتل عمرو ! وألقى الله الرّعب في قلوبهم , وحاصرهم النّبي خمساً وعشرين ليلة , فطلبوا النّزول على حكم سعد بن معاذ ، وكان سعد جاءه سهم يوم الخندق فقطع أكحله : وهو عرق مخصوص إذا قطع لا يمكن أنْ يعيش صاحبه . فدعا الله تعالى أنْ لا يميته حتّى يقرّ عينه من بني قريظة فانقطع الدّم , فحكم فيهم بقتل الرّجال وسبي الذّراري والنّساء وقسمة الأموال . فقال النّبي : (( لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات )) . ثُمّ خرج منه الدّم حتّى مات . فقتلوا بالمدينة وكانوا تسعمئة ، وكان منهم حيي بن أخطب ؛ فلمّا رأى أنّ أميرالمؤمنين (عليه السّلام) قاتله قال : قتلة شريفة بيد شريف .

ممّا يهوّن القتل على النّفس أنْ يكون القاتل رجلاً شريفاً ؛ فلذلك قال حيي بن أخطب : قتلة شريفة بيد شريف . وكما أنّه يزيد في المصيبة , أنْ


الصفحة ( 224 )

يكون القاتلَ للرجل العظيم الشّريف رجلٌ حقير خسيس , كشمر بن ذي الجوشن الضّباني قاتل مولانا الحسين (عليه السّلام) .

وإنّي أرى الأيام شتّى صروفها  وأعظمُها تحكيمُ عبدٍ بسيّدِ

وقال حيي بن أخطب لعلي (عليه السّلام) لمّا أراد قتله : لا تسلبني حلّتي . قال : (( هي أهون عليَّ من ذلك )) .

كان القتيل يحافظ كثيراً على أنْ لا تسلب منه ثيابه بعد قتله ؛ ولذلك لمّا أيقن مولانا الحسين (عليه السّلام) بالقتل , طلب ثوباً عتيقاً لا يرغب فيه أحد ، فخرّقه ولبسه تحت ثيابه ؛ لئلا يُجرّد منه . فلمّا قُتل (عليه السّلام) , جرّدوه منه وتركوه عرياناً على وجه الصّعيد .

لله ملقىً على الرّمضاء غصّ بهِ  فـمُّ الرّدى بعد أقدامٍ وتشميرِ
تـحنو عليه الرّبى ظلا ًوتسترُهُ  عـن النّواظير أذيالُ الأعاصيرِ
تهابه الوحشُ أنْ تدنو لمصرعِهِ  وقـد أقـام ثـلاثاً غيرَ مقبورِ

 

المجلس الثّاني والعشرون بعد المئة  

لمّا كانت وقعة خيبر ، بعث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) رجلاً من المهاجرين , ثُمّ رجع منهزماً يؤنّب مَن معه ويؤنبونه . فلمّا كان الغد , أعطاها رجلاً آخر , فسار بها غير بعيد ثُمّ رجع يُجبّن أصحابه ويُجبنونه , فغضب النّبي وقال : (( لأعطينّ الرّاية غداً رجلاً يحبّ اللهَ ورسولَه ويُحبّه اللهُ ورسولُه , كرّاراً غيرَ فرّارٍ يأخذها بحقّها , لا يرجع حتّى يفتح الله على يديه )) .

فتطاولت إليها الأعناق , فلمّا أصبح قال : (( ادعوا لي عليّاً )) . فجاء علي بن أبي طالب .


الصفحة ( 225 )

وقال ساُعطي الرّايةَ اليوم صارماً  كـميّاً مـحباً لـلرسول مـواليا
يـُحـبُّ إلـهي والإلـهُ يـُحبّهُ  بـه يـفتح الله الحصونَ الأوابيا
فـأصفى بـها دون الـبريةِ كلّها  عـليّاً وسـمّاه الـوزير المؤاخيا

ثُمّ أعطاه الرّاية ، فخرج علي (عليه السّلام) يُهرول بها هرولة حتّى ركزها في أصل الحصن , فخرج إليه مرحب في عامّة اليهود , وهو يرتجز ويقول :

قد علمت خيبرُ أنّي مرحبُ  شاكي السّلاح بطلٌ مجرّبُ

أطعن أحياناً وحيناً أضربُ  إذا الليـوث أقبلـت تلتهبُ

فأجابه أمير المؤمنين (عليه السّلام) يقول :

 أنا الـذي سمّتنـي اُمـّي حيـدرهْ  كليثِ غابـاتٍ شديدٍ قسورهْ

على الأعادي مثلُ ريحٍ صرصرهْ  أكيلكم بالسّيف كيل السّندرهْ

أضرب بالسّيف رقاب الكفرهْ

فاختلفا ضربتين فضربه علي (عليه السّلام) فخرّ صريعاً ، وانهزمت اليهود ودخلوا الحصن وأغلقوا الباب , فجاء أمير المؤمنين (عليه السّلام) فاجتذب الباب حتّى قلعه فألقاه إلى ورائه ، ثُمّ جعله جسراً على الخندق حتّى عبر عليه النّاس ، ثُمّ دحا به أذرعاً من الأرض .

وقال ابن الأثير : فلمّا دنا علي (عليه السّلام) من الحصن , خرج إليه أهله فقاتلهم ، فضربه يهودي فطرح ترسه من يده , فتناول علي (عليه السّلام) باباً كان عند الحصن فتترّس به عن نفسه , فلم يزل يُقاتل حتّى فتح الله على يده ثُمّ ألقاه من يده .

قال أبو رافع مولى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : فلقد رأيتني في سبعة نفر أنا ثامنهم نجهد أنْ نقلب ذلك الباب فما نقلبه .

وأسر أميرالمؤمنين (عليه السّلام) صفية بنت حيي بن أخطب وامرأة معها , وأرسلهما مع بلال إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، فمرّ بهما بلال على قتلى اليهود , فلمّا رأتهم التي

الصفحة ( 226 )

مع صفية , صرخت وصكّت وجهها وحثت التّراب على رأسها , فقال رسول الله لبلال : (( أنزعت منك الرّحمة ؟ جئت بهما على قتلاهما ! )) .

ما هان على رسول الله أنْ يمرّ بلال بامرأتين يهوديتين على قتلاهما , وأهل الكوفة مرّوا ببنات رسول الله يوم كربلاء على مصارع الشّهداء ! فلمّا نظر النّسوة إلى الحسين (عليه السّلام) وأصحابه مطروحين على الرّمضاء , صحن وضربن وجوههنّ .

قال الرّاوي : فوالله , لا أنسى زينب بنت علي وهي تندب الحسين (عليه السّلام) وتنادي بصوت حزين وقلب كئيب : يا محمّداه ! صلّى عليك مليك السّما , هذا حُسينك مرمّل بالدّما ، مقطّع الأعضا . ومحمّداه ! بناتك سبايا ، وذرّيّتك مُقتّلة تسفي عليهم ريح الصّبا , وهذا حسين محزوز الرّأس من القفا ، مسلوب العمامة والرّدا . بأبي مَن لا هو غائب فيُرتجى ولا جريح فيداوى , بأبي المهموم حتّى قضى , بأبي العطشان حتّى مضى , بأبي من شيبته تقطر بالدّما .

فأبكت والله ، كلّ عدوٍّ وصديق .

إنْ تنعَ أعطت كلَّ قلبٍ حسرةً  أو تـدعُ صدّعت الجبال الميّدا
عبراتُها تُحيي الثّرى لو لم تكنْ  زفـراتُها تدَعُ الرّياض همودا
نادتْ فقطّعت القلوب بشجوها  لـكنّما انـتظم الـبيانُ فريدا
إنسانُ عيني يا حسينُ أخي أيا  أمـلي وعقد جماني المنضودا
مالي دعوتُ فلا تجيب ولم تكنْ  عـوّدتني من قبل ذاك صدودا

 

المجلس الثّالث والعشرون بعد المئة

كان رسول الله أرسل رسولاً إلى ملك بصرى من بلاد الشّام , فلمّا نزل مؤتة من أرض البلقاء , قتله شرحبيل بن عمرو الغسّاني , ولم يقتل لرسول الله


الصفحة ( 227 )

رسول غيره . فلمّا بلغه ذلك , عظم عليه وأرسل جيشاً إلى مؤتة ، وكانوا ثلاثة آلاف , وأمر عليهم جعفر بن أبي طالب ، فإنْ قُتل فزيد بن حارثة ، فإنْ قُتل فعبد الله بن رواحة . وقيل : بل أمر عليهم أولاً زيد بن حارثة .

فساروا حتّى نزلوا معان , فبلغهم أنّ هرقل ملك الرّوم سار إليهم في مئة ألف من الرّوم والعرب . وقيل : في مئة ألف من الرّوم ومثلها من العرب . فقالوا : نكتب إلى رسول الله ؛ فإمّا أنْ يردّنا أو يزيدنا . فشجّعهم أميرهم , وقال : ما نقاتل النّاس بعدد ولا قوّة ، ما نقاتلهم إلاّ بهذا الدّين الذي أكرمنا الله به , وما هي إلاّ إحدى الحسنيين ؛ إمّا النّصر أو الشّهادة .

فساروا والتقوا بجموع الرّوم والعرب بقرية من البلقاء تُسمّى مشارف , وانحاز المسلمون إلى قرية تُسمّى مؤتة , فاقتتلوا قتالاً شديداً ، فأخذ الرّاية جعفر بن أبي طالب فقاتل ، وهو يقول :

يا حبـذا الجنّةُ واقترابُها  طيبةٌ وباردٌ شرابُها

والرّومُ رومٌ قد دنا عذابُها  كافرةٌ بعيدة أنسابُها

عليَّ إذ لاقيتُها ضرابُها

فلمّا أشتدّ القتال , نزل عن فرس له شقراء فعقرها ـ وكان أول من عقر فرسه في الإسلام ـ ثُمّ قاتل حتّى قُتل ، فوجدوا به بضعاً وثمانين ما بين رمية وضربة وطعنة , وهي جراحات كثيرة تدلّ على شجاعة عظيمة وثبات شديد , ولكنّها لا تبلغ جراحات ابن أخيه الحسين (عليه السّلام) يوم كربلاء , فقد وجُد في قميصه مئة وبضع عشرة ما بين رمية وطعنة وضربة . وقيل : وجد في ثيابه مئة وعشرون رمية بسهم , وفي جسده الشّريف ثلاث وثلاثون طعنة برمح وأربع وثلاثون ضربة بسيف .

وقال الباقر (عليه السّلام) : (( وجُد بالحسين ثلاثمئة وبضعة وعشرون جراحة )) . وفي رواية , ثلاثمئة وستون جراحة .

ومجـرّحٍ ما غيـرّت منـه القـنا  حَسناً ولا اخلقن منه جديدا

قد كان بدراً فاغتدى شمس الضّحى  مذ ألبسته قـدَ الدّماء لبودا


الصفحة ( 228 )

ثُمّ أخذ الرّاية زيد بن حارثة , فقاتل حتّى شاط في رماح القوم , فأخذ الرّاية عبد الله بن رواحة فتردد بعض التردد , ثُمّ قال يُخاطب نفسه :

أقـسمتُ يـا نـفسُ لتنزلنّهْ  طـائـعةً أو لا لـتُـكرهنّهْ
إنْ أجلب النّاس وشدّوا الرّنهْ  مـالي أركِ تـكرهين الجنّهْ
قـد طـالما قد كنت مطمئنهْ  هـل أنت إلاّ نطفةٌ في شنّهْ

وقال أيضاً :

يا نفسُ إنْ لم تُقتلي تموتي  هذا حمامُ الموت قد صُليتِ

وما تمنيـتِ فقد اُعطيتِ   إنْ تفعلي فعلهمـا هُديـتِ

وإنْ تأخّرت فقد شُقيتِ

ثُمّ نزل عن فرسه ، وأتاه ابن عم له بعرق لحم فأكل منه , ثُم سمع الحطمة في ناحية العسكر , فقال لنفسه : وانت في الدّنيا ! ثُمّ ألقاه وأخذ سيفه , فقاتل حتّى قُتل . ثُمّ أخذ الرّاية خالد بن الوليد ورجع بالنّاس .

 قالت أسماء بنت عميس ، زوجة جعفر : أتاني رسول الله في اليوم الذي اُصيب فيه جعفر , وقد فرغت على أشغالي وغسلت أولاد جعفر ودهنتهم , فضمّهم وشمّهم وجعل يمسح على رؤوسهم , وذرفت عيناه بالدّموع فبكى , فقلت : يا رسول الله ، بلغك عن جعفر شيء ؟ قال : (( نعم , قُتل اليوم )) . فصحت ، واجتمع إليّ النّساء ، فقال : (( ألا اُبشّرك ؟ )) . قُلت : بلى بأبي أنت واُمّي ! قال : (( إنّ الله جعل لجعفر جناحين يطير بهما في الجنّة )) .

وخرج رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حتّى دخل على فاطمة (عليها السّلام) وهي تقول : (( واعمّاه ! )) . فقال : (( على مثل جعفر فلتبكي الباكية )) . ثُمّ قال : (( اصنعوا لآل جعفر طعاماً فقد شغلوا عن أنفسهم اليوم )) .

 بأبي أنت واُمّي يا رسول الله ! أخذتك الرّقة والشّفقة على يتامى ابن عمّك جعفر وبكيت لقتله , وحقّ لك ذلك ؛ لما لجعفر من الفضل العظيم والمكانة عند الله تعالى , فياليتك لا غبت عن يتامى ولدك الحسين (عليه السّلام) شهيد كربلاء حين باتوا جياعى عطاشى ليلة الحادي عشر من


الصفحة ( 229 )

المحرم بعد قتل ولدك الحسين (عليه السّلام) , فكنت تمسح على رؤوسهم ، وتأمر لهم بالطّعام , وتُسلّي بناتك ونساء ولدك الحسين (عليه السّلام) كما سلّيت زوجة ابن عمّك جعفر .

فليت الذي أحنى على ولد جعفرٍ  برقّةِ أحشـاءٍ ودمـعٍ مدفّـقِ

يرى بين أَيدي القوم أبناءَ سبطهِ  سبايا تُهادى من شقي إلى شقي

 

المجلس الرّابع والعشرون بعد المئة

لمّا أراد النّبي فتح مكّة ، سأل الله جلّ اسمه أنْ يعمي أخباره على قريش فيدخلها بغتة ، وبنى أمره على السرِّ . فكتب حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكّة يخبرهم بعزم رسول الله على فتحها , وأعطى الكتاب امرأة سوداء كانت وردت المدينة تستميح بها النّاس وتستبرّهم , وجعل لها جعلاً على أنْ توصله إلى قوم سمّاهم لها من أهل مكّة , وأمرها أنْ تأخذ على غير الطّريق , فنزل الوحي على رسول الله بذلك , فاستدعى أمير المؤمنين (عليه السّلام) وقال له : (( إنّ بعض أصحابي قد كتب إلى أهل مكّة يخبرهم بخبرنا , وقد كنت سألت الله عزّ وجل أنْ يعمي أخبارنا عليهم , والكتاب مع امرأة سوداء قد أخذت على غير الطّريق , فخذ سيفك والحقها وانتزع الكتاب منها وخلّها وسر به إليّ )) . ثُمّ استدعى الزّبير بن العوّام فقال له : (( امض مع علي بن أبي طالب في هذا الوجه )) .

فمضيا وأخذا على غير الطّريق ، فأدركا المرأة فسبق إليها الزّبير فسألها عن الكتاب الذي معها , فأنكرته وحلفت أنّه لا شيء معها وبكت , فقال الزّبير : ما أرى يا أبا الحسن معها كتاباً ، فارجع بنا إلى رسول الله لنخبره ببراءة ساحتها . فقال له أمير المؤمنين (عليه السّلام) : (( يخبرنا رسول الله أنّ معها كتاباً ويأمرني بأخذه منها , وتقول أنت أنّه لا كتاب معها ! )) . ثُمّ اخترط السّيف وتقدم


 

الصفحة ( 230 )

إليها , فقال : (( أما والله , لئن لم تخرجي الكتاب , لأكشفنك ثُمّ لأضربنّ عنقك )) . فقالت له : إذا كان لا بدّ من ذلك , فاعرض يابن أبي طالب بوجهك عنّي . فأعرض بوجهه عنها , فكشفت قناعها وأخرجت الكتاب من عقيصتها , فأخذه أمير المؤمنين (عليه السّلام) وسار به إلى النّبي ، فأمر أنْ يُنادى بالصّلاة جامعة , فنودي في النّاس , فاجتمعوا إلى المسجد حتّى صلّى بهم ، ثُمّ صعد النّبي المنبر وأخذ الكتاب بيده , وقال : (( أيّها النّاس , إنّي كنت سألت الله عزّ وجل أنْ يخفي أخبارنا عن قريش , وأنّ رجلاً منكم كتب إلى أهل مكّة يخبرهم بخبرنا , فليقم صاحب الكتاب , وإلاّ فضحه الوحي )) . فلم يقم أحد ، فأعاد رسول الله مقالته ثانية , وقال : (( ليقم صاحب الكتاب , وإلاّ فضحه الوحي )) . فقام حاطب بن أبي بلتعة ، وهو يرعد كالعصفة في يوم الرّيح العاصف , فقال : أنا يا رسول الله صاحب الكتاب , وما أحدثت نفاقاً بعد إسلامي ولا شكّاً بعد يقيني . فقال له النّبي : (( فما الذي حملك على أنْ كتبت هذا الكتاب ؟ )) . قال : يا رسول الله , إنّ لي أهلاً بمكّة وليس لي بها عشيرة ؛ فأشفقت أنْ تكون الدّائرة لهم علينا فيكون كتابي هذا كفّاً لهم عن أهلي ويداً لي عندهم , ولم أفعل ذلك لشكّ منّي في الدّين .

 فقال عمر : يا رسول الله , مرني بقتله فإنّه منافق . فقال رسول الله : (( إنّه من أهل بدر ، ولعل الله أطّلع عليهم فغفر لهم . اخرجوه من المسجد )) .

 قال : فجعل النّاس يدفعون في ظهره حتّى أخرجوه , وهو يلتفت إلى النّبي ليرقّ عليه , فأمر رسول الله بردّه , وقال له : (( لقد عفوت عنك فاستغفر ربّك ولا تعد لمثل ما جنيت )) .

وهذه كانت سجية رسول الله في العفو عن المذنبين , فطالما عفا عن مذنب استحق القتل كما عفا عن أهل مكّة حين فتحها مع أنّهم كذّبوه وطردوه وحاربوه , فقال : (( اذهبوا فأنتم الطُلقاء )) . وعفا عن ألدّ أعدائه أبي سُفيان ـ الذي طالما بغى الإسلام الغوائل ـ حينما تشفّع به العبّاس عمّ النّبي , وجعل له ميزة بها إجابة لطلب العبّاس رضي الله عنه , فقال : (( مَن دخل دار أبي سفيان فهو آمن )) . ولكن ذرّيّة أبي سفيان لم تُراعِ حُرمة رسول الله في آله وذرّيّته , ولم تجازه بالجميل على فعله .

 أمّا ابن أبي سفيان ، فقد نازع مولانا أمير


الصفحة ( 231 )

المؤمنين حقّه , وبغى عليه وحاربه وأغار على أعماله وسبّه على منابر الإسلام , ولم يدع من حرمة لله إلاّ انتهكها , ودسّ السمّ إلى ولده الحسن (عليه السّلام) ـ سبط رسول الله ـ فقتله بعد أنْ بغى عليه , وحاربه ونقض عهده ولم يفِ له بالشّروط التّي صالحه عليها ؛ وأمّا ولده يزيد ، فقد غصب الحسين (عليه السّلام) ـ سبط رسول الله ـ حقّه , وسيّر إليه الرّجال ليقتله في الحرم حتّى خرج من مكّة خائفاً يترقّب , فجيّش له ابن زياد بأمره الجيوش حتّى قتله بأرض كربلاء غريباً وحيداً ظامياً , وساق نساءه وأهل بيته سبايا من كربلاء إلى الكوفة , ومن الكوفة إلى الشّام .

أبهذا يُجازى رسول الله على عفوه عن أبي سفيان وقوله : (( مَن دخل دار أبي سفيان فهو آمن )) ؟!

ليـس هذا لرسـولِ الله يـا اُمّة الطّغيان والبغي جزا

جُزّروا جزرَ الأضاحي نسلُهُ  ثُمّ ساقوا أهله سوق الإما

 

المجلس الخامس والعشرون بعد المئة  

كان رسول الله قد هادن قريشاً في عام الحديبية عشر سنين ، ودخلت خزاعة معه , وكان بين خزاعة وعبد المطّلب حلف قبل الإسلام , وجعلت قريش بني بكر داخلة معها , وكانت بين خزاعة وبني بكر أحقاد في الجاهلية , فعَدت بنو بكر على خزاعة بموضع يُقال له الوتير وقتلوا منهم , وعاونتهم قريش سرّاً بالمال والرّجال , فجاءت خزاعة تستصرخ النّبي ، وأنشد قائلهم :

 لاهُـم إنـّي ناشدٌ محمّدا  حلفَ أبينا وأبيك الأتلدا

إنّ قريشاً أخلفوك الموعدا  ونقضوا ميثاقك المؤكّدا


الصفحة ( 232 )

هم بيّتونا بالوتير هُجّدا  نتلوا القرآنَ رُكّعاً وسُجّدا

فقام مُغضباً يجرّ رداءه , وقال : (( لا نُصرتُ إنْ لم أنصر خُزاعة مما أنصر منه نفسي )) .

وندمت قريش على ما صنعت , فأرسلت أبا سفيان ليجدد الحلف مع النّبي , فقال رسول الله : (( هل حدث عندكم شيء ؟ )) . قال : لا . قال : (( فإنّا على صلحنا لا نُغيّر ولا نُبدّل )) .

فدخل أبو سفيان على ابنته اُمّ حبيبة زوجة النّبي , فلمّا أراد الجلوس على فراش رسول الله , طوته . فقال : أرغبت بي عنه , أم رغبت به عنّي ؟ فقالت : هو فراش رسول الله وأنت مُشرك نجس . فقال : لقد أصابك بعدي شرّ . فقالت : بل هداني الله للإسلام .

ورجع أبو سفيان وتجهّز رسول الله لفتح مكّة في عشرة آلاف , وخرج بالجيش فلقيه عمّه العبّاس مهاجراً فأرجعه معه , فلمّا كانوا قريباً من مكّة , أمرهم أنْ يوقد كُلّ واحد منهم ناراً , فأوقدوا عشرة آلاف نار , وقال العبّاس : لئن بغت رسول الله قريشاً إنّه لهلاكها . فركب بغلة رسول الله وخرج لعلّه يرى أحداً يُرسل معه خبر إلى مكّة , وكان أبو سفيان قد خرج يتجسس الأخبار , فرآه العبّاس وأخبره , وقال : اذهب معي لآخذ لك أماناً , فوالله , إنْ ظفر بك رسول الله ليضربنّ عُنقك . فأردفه خلفه حتّى أدخله على رسول الله , فقال له : (( أما آن لك أنْ تعلم أنْ لا إله إلا الله ؟ )) . فقال : بأبي أنت واُمّي ! لو كان مع الله غيره لقد أغنى شيئاً . فقال : (( ألم يأن لك أنْ تعلم أنّي رسول الله ؟ )) . فقال : أمّا هذه ففي النّفس منها شيء . فقال له العبّاس : ويحك ، إشهد شهادة الحقّ قبل أنْ تُقتل . فتشهّد , فقال النّبي للعباس : (( اذهب فاحبس أبا سفيان بمضيق الوادي حتّى تمرّ عليه جنود الله )) . فقال : يا رسول الله ، إنّه يحب الفخر فاجعل له شيئاً . فقال : (( مَن دخل دار أبي سفيان فهو آمن , ومَن أغلق بابه فهو آمن )) .

فمرّت عليه القبائل , فيقول للعباس : مَن هؤلاء ؟ فيقول : بنو فلان . حتّى مرّ رسول الله في كتيبته الخضراء من المهاجرين والأنصار , فقال : مَن هؤلاء ؟ فقال العبّاس : هذا رسول الله في المهاجرين والأنصار . فقال : لقد أصبح مُلك ابن أخيك عظيماً ! فقال العبّاس : ويحك إنّها النّبوة .


الصفحة ( 233 )

فقال : نعم . وأمر رسول الله سعد بن عبادة أنْ يدخل مكّة بالرّاية ، فدخل وهو يقول :

اليومُ يومُ الملحمهْ  اليومُ تُسبى الحُرَمهْ

فسمعه العبّاس فأخبر النّبي فأمر عليّاً أنْ يلحقه ويأخذ الرّاية منه , فأخذها علي (عليه السّلام) ودخل بها .

سمعتم أنّ رسول الله أكرم أبا سفيان مع عداوته له ومحاربته إيّاه بكرامة لم يجعلها لغيره , فقال : (( مَن دخل دار أبي سفيان فهو آمن )) . فلم تحفظ ذرّيّة أبي سفيان كرامة رسول الله في ذرّيّته . ولم يأمن الحسين (عليه السّلام) ـ ابن بنت رسول الله ـ على نفسه حين خرج من المدينة إلى مكّة هارباً من طواغيت بني اُميّة , فدسّ إليه يزيد بن معاوية ثلاثين رجلاً من شياطين بني اُميّة , وأمرهم بقتل الحسين (عليه السّلام) على أيّ حال اتّفق , فاضطرّ الحسين (عليه السّلام) أنْ يخرج من مكّة لمّا علم بذلك , وكان قد أحرم بالحجّ , فطاف وسعى وقصّر ، وأحلّ من إحرام الحجّ وجعلها عمرة مفردة ؛ لأنّه لم يتمكّن من إتمام الحجِّ ؛ مخافة أنْ يُقبض عليه . وخرج من مكّة يوم التّروية لثمان مضين من ذي الحجّة , فكان النّاس يخرجون إلى منى والحسين (عليه السّلام) خارج إلى العراق .

حكى ابن صباغ المالكي في الفصول المُهمّة عن بعض الثُقات , قال : رأيت علي بن أبي طالب (عليه السّلام) في المنام , فقلت : يا أمير المؤمنين ، تقولون يوم فتح مكّة من دخل دار أبي سفيان فهو آمن , ثُمّ يتمّ لولدك الحسين (عليه السّلام) يوم كربلاء منهم ما تمّ ! فقال لي : (( أما سمعت أبيات ابن الصّيفي التّميمي في هذا المعنى ؟ )) . فقلت : لا . فقال : (( اذهب إليه واسمعها )) . فاستيقظت من نومي مُفكّراً ، ثُمّ إنّي ذهبت إلى دار ابن الصّيفي ـ وهو الحيص بيص المُلقّب بشهاب الدّين ـ فطرقت عليه الباب , فخرج إليّ فقصصت عليه الرّؤيا , فأنشد :

ملكنا فكان العفـو منّا سجيةً  فلمـّا ملكتُـم سال بـالدّم أبطـحُ

وحللتُم قتل الأسارى وطالما  غدونا عن الأسرى نعفُّ ونصفحُ


الصفحة ( 234 )

وحسبكمُ هذا التفاوتُ بيننا  وكل إناءٍ بالذي فيه ينضحُ

ولم يزالوا بالحسين (عليه السّلام) بعد ما أخافوه وأخرجوه من حرم الله وحرم جده رسول الله حتّى قتلوه غريباً شهيداً عطشان ظامياً , وقتلوا أولاده وأهل بيته وأنصاره , وسبوا نساءه وأطفاله , وداروا برأسه في البلدان .

وقد انجلى عن مكّة وهو ابنها  وبـه تشرّفت الحطيمُ وزمزمُ
لـم يدرِ أين يُريح بُدنَ ركابهِ  فـكأنّما الـمأوى عليه محرّمُ
فمشت تؤمُّ به العراق نجائبٌ  مـثل النّعام به تخبُّ وترسمُ

 

المجلس السّادس والعشرون بعد المئة

لمّا كانت غزاة حنين ، وذلك بعد فتح مكّة , خرج رسول الله في عشرة آلاف , وقيل في أثني عشر ألفاً ؛ ألفان ممّن أسلم يوم الفتح , وعشرة آلاف من أصحابه . فقال بعض أصحابه من المهاجرين : لن نغلب اليوم من قلّة .

فلمّا أتوا إلى وادي حنين , وكان ذلك قبل الفجر , وكان المشركون قد سبقوهم إلى الوادي وكمنوا فيه , حمل عليهم المشركون وانهزم المسلمون بأجمعهم , ولم يثبت مع النّبي غير عشرة أنفس ؛ تسعة من بني هاشم والعاشر أيمن بن اُمّ أيمن , فقُتل أيمن وثبتت التّسعة ؛ منهم العبّاس بن عبد المطّلب عن يمين رسول الله , وابنه الفضل عن يساره , وأبو سفيان بن الحارث ممسك بسرجه عند نفور بغلته , وأمير المؤمنين (عليه السّلام) بين يديه يضرب بالسّيف , والباقون حوله , وذلك قوله تعالى : ( وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمْ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمّ وَلّيْتُم مُدْبِرِينَ * ثُمّ أَنْزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى‏ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ )(1) : يعني عليّاً (عليه السّلام) ومَن ثبت معه من بني هاشم .

ـــــــــــــــــــــ

(1) سورة التوبة / 25 ـ 26


الصفحة ( 235 )

وأمر النّبي عمّه العبّاس ـ وكان صيتاً جهورياً ـ أنْ يُنادي النّاس ويذكّرهم العهد , ففعل فلم يرجعوا , ثُمّ نادى : أين ما عاهدتم الله عليه ؟ فرجعوا أولاً فأولا , وأقبل رجل من هوازن يُسمّى أبا جرول على جمل له , بيده راية في رأس رمح طويل أمام النّاس , إذا أدرك أحداً طعنه , وإذا فاته النّاس رفع رايته لمن وراءه من المشركين فاتبعوه , فصمد له أمير المؤمنين (عليه السّلام) فضرب عجز بعيره فصرعه ثُمّ ضربه فقتله , فكانت هزيمة المشركين بقتل أبي جرول .

ولمّا رأى النّبي شدّة القتال , قام في ركابي سرجه حتّى أشرف على جماعة النّاس , ثُمّ قال : (( الآن حمي الوطيس )) :

أنا النّبيُّ لا كذبْ أنا ابنُ عبدِ المطلبْ

فما كان بأسرع من أنْ ولّى القوم على أدبارهم ، ولحقهم المسلمون أمامهم علي (عليه السّلام) , يقتلون ويأسرن حتّى قتل علي (عليه السّلام) أربعين رجلاً .

ومن هذه الشّجاعة ورث ولده الحسين (عليه السّلام) , وعلى نهجها نهج وفي سبيلها درج , فهو ابن رسول الله وابن بضعته .

 

وهو ابنُ حيدرة البطينِ الأنزعِ الـ  ـمفني الاُلوفَ بحومة الهيجاءِ

* * *

له من عليٍّ في الحـروب شجاعةٌ  ومن أحمدٍ عند الخطـابة قيلُ

قال بعض الرّواة : والله ، ما رأيت مكثوراً قد قُتل ولده وأهل بيته وأنصاره , أربط جأشاً من الحسين (عليه السّلام) ! وإنْ كانت الرّجالة لتشدّ عليه فيشدّ عليها بسيفه , فتنكشف عنه انكشاف المعزى إذا شدّ فيها الذّئب . ولقد كان يحمل فيهم ، وقد تكملوا ثلاثون ألفاً ، فينهزمون من بين يديه كأنّهم الجراد المنتشر, ثُمّ يرجع إلى مركزه وهو يقول : (( لا حول ولا قوة إلا بالله )) . ولم يزل يُقاتل حتّى حالوا بينه وبين رحله , فصاح : (( ويلكم يا شيعة آل أبي سفيان ! إنْ لم يكن لكم دين وكنتم لا تخافون المعاد , فكونوا أحراراً في دنياكم هذه , وارجعوا إلى أحسابكم إنْ كنتم عُرباً كما تزعمون )) . فناداه شمر : ما تقول يابن فاطمة ؟ قال : (( أقول إنّي اُقاتلكم وتقاتلونني ، والنّساء ليس عليهنّ جناح , فامنعوا عتاتكم وجهّالكم وطغاتكم من التّعرض لحرمي ما دمت


الصفحة ( 236 )

حيّاً )) . قال شمر : لك ذلك يابن فاطمة .

فقصدوه بالحرب , فجعل يحمل عليهم ويحملون عليه ، وهو في ذلك يطلب شربة من ماء فلا يجد .

منعـوه مـن مـاءِ الفُـرات ووردِهِ  وأبوه ساقي الحوضِ يوم جزاءِ

حتّى قضى عطشاً كما اشتهت العِدى  بأكفِّ لا صِيـدٍ ولا أكـفـاءِ

 

المجلس السّابع والعشرون بعد المئة 

كان السّبب في غزاة تبوك ـ وهي آخر غزواته ـ أنّ النّبي بلغه أنّ هرقل ملك الرّوم ومَن معه من نصارى العرب قد عزموا على قصده , فتجهّز للقائهم , وكان النّاس في عسرة فسمّي ذلك الجيش جيش العسرة . فأمر رسول الله أهل الغنى أنْ يعينوا الفقراء , وكان المسلمون خمسة وعشرين ألفاً عدا العبيد والأتباع , وكان إذا أراد الغزو لا يخبر أحداً إلاّ في هذه الغزاة , فاخبرهم لبُعد المسافة ليستعدّوا , ولم يقع في هذه الغزاة قتال وإنّما أرسل بعض السّرايا , فحصلت منواشات يسيرة , وصالح كثير منهم على الجزية ورجع .

ولمّا خرج رسول الله إلى غزاة تبوك خلّف عليّاً (عليه السّلام) على المدينة ؛ لأنّه خاف عليها من المنافقين لبُعد المسافة ؛ ولأنّ الله تعالى أخبره أنّه لا يكون قتال . فقال المنافقون : إنّما خلّفه استثقالاً له . فلمّا بلغ ذلك أمير المؤمنين (عليه السّلام) , أخذ سلاحه ولحق بالنّبي فاخبره بقول المنافقين , فقال : (( كذبوا , إنّما خلّفتك لما ورائي فارجع فاخلفني في أهلي وأهلك , فإنّ المدينة لا تصلح إلاّ بي أو بك , فانت خليفتي في أهل بيتي ودار هجرتي ؛ أما ترضى أنْ تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي بعدي ؟ )) . فرجع .

وتخلّف عنه في هذه الغزاة كثير من المنافقين وجماعة من المؤمنين ,


الصفحة ( 237 )

منهم كعب بن مالك ومرارة بن الرّبيع وهلال بن اُميّة , من غير شكّ ولا نفاق ، كانوا يقولون نخرج غداً أو بعد غد حتّى رجع رسول الله فنهى عن كلامهم , فلم يكلّمهم أحد حتّى نساؤهم فكانت تاتيهم بالطّعام ولا تكلّمهم .

فخرجوا إلى جبل بالمدينة ثُمّ قالوا : إنّ النبي نهى عن كلامنا فلماذا يكلّم بعضنا بعضاً ؟ فتفرّقوا وحلفوا أنْ لا يكلم أحد صاحبه حتّى يموتوا أو يتوب الله عليهم . فبقوا على ذلك خمسين ليلة ، وفيهم أنزل الله تعالى : ( وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمْ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لاَ مَلْجَأَ مِنْ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ )(1) .

 وكان ممّن تخلّف عن النّبي (صلّى الله عليه وآله) أبو خيثمة ومراده أنْ يلحق به , وكانت له زوجتان وعريشان , ففرشت زوجتاه عريشيه وبرّدتا له الماء وهيّأتا له طعاماً , فلمّا نظر إليهما قال : لا والله , ما هذا بانصاف ، رسول الله قد خرج في الحرّ والرّيح يجاهد في سبيل الله وأبو خيثمة قاعد في عريشه ! فلحق برسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، فنظر النّاس إلى راكب فأخبروا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) . فقال : (( كنْ أبا خيثمة )) . فاقبل وأخبر النّبي (صلّى الله عليه وآله) بما كان , فجزاه خيراً ودعا له .

وكان ممّن تخلّف أبو ذر ؛ لأنّ جمله كان أعجف ، فلحق به بعد ثلاثة أيام . ووقف عليه جمله في الطّريق فتركه وحمل ثيابه على ظهره , فلمّا ارتفع النّهار ، نظر المسلمون إلى شخص مقبل , فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( كنْ أبا ذر )) . فقالوا : هو أبو ذر . فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( أدركوه بالماء فإنّه عطشان )) . فأدركوه بالماء .

هكذا جرت العادة , إنّ كلّ من يقبل وهو عطشان يؤتى له بالماء خصوصاً في حال الحرب إلاّ علي الأكبر , فإنّه لمّا رجع من الحرب إلى أبيه الحسين (عليه السّلام) وهو عطشان , جعل يقول : يا ابتِ , العطش قتلني وثقل الحديد أجهدني . فلم يؤت له بالماء ، لماذا ؟ ألم يكن عزيزاً على الحسين (عليه السّلام) فيامر له بالماء ؟ بلى والله , قد كان عزيزاً عليه وفلذة من كبده , ولكن الماء قد كان ممنوعاً عن الحسين (عليه السّلام) وأطفاله من قبل ثلاثة أيام .

وتدل الرّواية أنّه قد تكرّر من علي الأكبر طلب الماء من أبيه , يقول الرّاوي : فجعل علي الأكبر يشدّ على القوم ثُمّ يرجع إلى أبيه , فيقول : يا ابت , العطش . فيقول له الحسين (عليه السّلام) : (( اصبر حبيبي , فإنّك لا تمسي حتّى يسقيك رسول الله بكأسه )) .

ـــــــــــــــــــ

(1) سورة التوبة / 118 .


الصفحة ( 238 )

قضوا عطشاً يا للرجال ودونهمْ  شـرائعُ لـكن ما اُبيح ورودُها
يعزّ على المختار أحمدَ أنْ يرى  عداها عن الورد المُباح تذودُها
تـموتُ ظـماً شبّانها وكهولُها  ويفحص من حرِّ الأوام وليدُها

ووافى أبو ذر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ومعه أداوة فيها ماء , فقال رسول الله : (( يا ابا ذر ، معك ماء وعطشت ؟ )) . فقال : نعم يا رسول الله بأبي أنت واُمّي ! انتهيت إلى صخرة وعليها ماء السّماء ، قذفته فإذا هو عذب بارد , فقلت لا اشربه حتّى يشربه حبيبي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) .

لنعم الإيثار إيثار أبي ذر رضي الله عنه لرسول الله بالماء على نفسه وهو عطشان ! ولكن أين هو من إيثار أبي الفضل العبّاس لأخيه الحسين (عليه السّلام) بالماء يوم عاشوراء ؟ وذلك لمّا جاء إلى أخيه الحسين (عليه السّلام) واستأذنه في القتال , فقال له الحسين (عليه السّلام) : (( أنت حامل لوائي )) . فقال : لقد ضاق صدري وسئمت الحياة . فقال له الحسين (عليه السّلام) : (( إنْ عزمت فاستسق لنا ماء )) .

فأخذ قربته وحمل على القوم حتّى ملأ القربة , واغترف من الماء غرفة ثُمّ ذكر عطش أخيه الحسين (عليه السّلام) فرمى بها ، وقال :

يا نفسُ من بعد الحسين هوني  وبعده لا كنتِ أنْ تكوني

هذا الحسـيـنُ واردُ المنـونِ  وتشربيـن بـاردَ المعين

ثُمّ عاد ، فأخذوا عليه الطّريق ، فجعل يضربهم بسيفه وهو يقول :

لا أرهب الموتَ إذا الموت رقى  حتّى اُوارى في المصاليت لُقى

إنّي أنا العبّاسُ أغـدو بالسّقا  ولا أهاب الموتَ يـوم الملتقى

فضربه حكيم بن الطّفيل الطّائي السّنبسي على يمينه فبراها , فأخذ اللواء بشماله وهو يقول :

واللهِ إنْ قطعتمُ يميني  إنّي اُحامي أبداً عن ديني


الصفحة ( 239 )

فضربه زيد بن ورقاء الجهني على شماله فبراها , فضمّ اللواء إلى صدره ـ كما فعل عمّه جعفر , إذ قطعوا يمينه ويساره في حرب مؤتة فضمّ اللواء إلى صدره ـ وجعل العبّاس يقول :

ألا ترَون معشر الفجّارِ  قد قطعوا ببغيهم يساري

فحمل عليه رجل تميمي من أبناء ابن بن دارم فضربه بعمود على رأسه , فخرّ صريعاً إلى الأرض ونادى بأعلى صوته : أدركني يا أخي ! فانقضّ عليه أبو عبد الله كالصّقر , فرآه مقطوع اليمين واليسار ، مرضوخ الجبين ، مشكوك العين بسهم ، مرتثاً بالجراحة , فوقف عليه منحنياً وجلس عند رأسه يبكي حتّى فاضت نفسه , ثُمّ حمل على القوم فجعل يضرب فيهم يميناً وشمالاً , فيفرّون من بين يديه كما تفرّ المعزى إذا شدّ فيها الذّئب ، وهو يقول : (( أين تفرّون وقد قتلتم أخي ؟ أين تفرّون وقد فتتم في عضدي ؟ )) . ثُمّ عاد إلى موقفه منفرداً .

فـهنا لـكمْ ملك الشّريعة واتّكى  مـن فـوق قـائم سيفه فمقامُها
فـأبتْ نـقيبتُهُ الـزكيّة ريـَّها  وحشا ابنِ فاطمةٍ يشبُّ ضرامُها
وكـذلكمْ مـلأ الـمزادَ وزمَّـها  وانـصاعَ يرفلُ بالحديد همامُها
حـسمتْ يديه يدُ القضاء بمبرمٍ  ويـدُ الـقضا لم ينتفض إبرامُها
واعتاقه شرَكُ الرّدى دون السّرى  إنّ الـمنايا لا تـطيش سـهامُها

 

المجلس الثّامن والعشرون بعد المئة

لمّا أراد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الخروج إلى غزاة تبوك خطب النّاس , فقال بعد حمد


الصفحة ( 240 )

الله والثّناء عليه : (( أيّها النّاس , إنّ أصدق الحديث كتاب الله , وأولى القول كلمة التقوى ، وخير الملل ملّة إبراهيم , وخير السّنن سنة محمّد ، وأشرف الحديث ذكر الله , وأحسن القصص هذا القرآن ، وخير الاُمور أوسطها , وشرّ الاُمور محدثاتها ، وأحسن الهدى هُدى الأنبياء , وأشرف القتل قتل الشّهداء ، وأعمى العمى الضّلالة بعد الهدى , وخير الأعمال ما نفع ، وخير الهدى ما اتُّبع , وشرّ العمى عمى القلب ، واليد العُليا خير من اليد السّفلى , وما قلّ وكفى خير ممّا كثر وألهى ، وشرّ المعذرة حين يحضر الموت , وشرّ النّدامة يوم القيامة ، ومن أعظم خطايا اللسان الكذب , وخير الغنى غنى النّفس ، وخير الزّاد التّقوى , ورأس الحكمة مخافة الله والتّباعد من عمل الجاهلية , والسّكر حجر النّار ، والخمر جماع الإثم , والنّساء حبائل ابليس ، والشّباب شعبة من الجنون , وشرّ المكاسب كسب الرّبا ، وشرّ المآكل أكل مال اليتيم . والسّعيد مَن وعظ بغيره ، والشّقي مَن شقي في بطن اُمّه , وإنّما يصير أحدكم إلى موضع أربعة أذرع والأمر إلى آخره . وملاك العمل خواتيمه ، وكل ما هو آت قريب , وسباب المؤمن فسق ، وقتال المؤمن كفر , وأكل لحمه من معصية الله ، وحرمة ماله كحرمة دمه , ومَن توكّل على الله كفاه ، ومَن صبر ظفر , ومَن يعفُ يعفُ الله عنه ، ومَن كظم الغيظ يأجره الله , ومَن يصبر على الرّزية يعوّضه الله )) .

سمعتم قول النّبي : (( أشرف القتل قتل الشّهداء )) ؟ وأيّ شهيد أشرف وأفضل من شهيد كربلاء أبي عبد الله الحسين (عليه السّلام) ، ولد رسول الله وأحد سبطيه وريحانتيه ؟ وأيّ قتل أشرف من قتله ؟ وهو الذي فدى دين جده بنفسه , وأعلى منار الإيمان وأظهر فضائح المنافقين , وهدم ما بناه بنو اُميّة لهدم هذا الدّين , فكان سيّد الشّهداء وإمام أهل الشّرف والإباء حتّى قضى بسيوف الأعداء مع أهل بيته وأنصاره عطشان غريباً وحيداً فريداً , وسُبيت نساؤه وعياله وذبحت أطفاله , وداروا برأسه في البلدان من فوق عالي السّنان .

تداركتمُ بالأنفس الدّين لم يقـمْ  لواه بكمْ إلاّ وأنتـم ذبـائحُـهْ

غداة تشفّى الكفرُ منكم بموقفٍ  أذلّت رقابَ المسلمين فضائحُهْ


الصفحة ( 241 )

 

المجلس التّاسع والعشرون بعد المئة

لمّا كانت غزاة تبوك ظهر من أقوال المنافقين وأفعالهم ما لم يظهر في غيرها ، منها : أنّه تخلّف عن النّبي (صلّى الله عليه وآله) كثير من المنافقين ، ونزلت فيهم آيات كثيرة مثل قوله تعالى : ( لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قَاصِداً لاتّبَعُوكَ وَلكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشّقّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ إِنّهُمْ لَكَاذِبُونَ )(1) . وقوله تعالى : ( لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وَقَلّبُوا لَكَ الاُمور حَتّى‏ جَاءَ الْحَقّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ * وَمِنْهُم مَن يَقُولُ ائْذَن لِي وَلاَ تَفْتِنّي أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنّ جَهَنّمَ لَُمحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ )(2) . وقوله تعالى : ( فَرِحَ الْمُخَلّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ اللّهِ ) إلى قوله ( وَقَالُوا لاَتَنْفِرُوا فِي الْحَرّ قُلْ نَارُ جَهَنّمَ أَشَدّ حَرّاً )(3) . إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة التّي في سورة براءة .

ومنها ، قولهم أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إنّما خلّف عليّاً (عليه السّلام) على المدينة استثقالاً له ، فكذّبهم الله تعالى على لسان نبيه (صلّى الله عليه وآله) , فقال له : (( إنّ المدينة لا تصلح إلاّ بي أو بك ؛ أما ترضى أنْ تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيَّ بعدي ؟ )) .

 ومنها : أنّها ضلّت ناقة النّبي (صلّى الله عليه وآله) , فقال بعض المنافقين : إنّ محمّداً يخبركم الخبر من السّماء ، ولا يدري أين ناقته ! فقال : (( إنّي والله , لا أعلم إلاّ ما علّمني الله عزّ وجل , وهي في الوادي في شعب كذا قد حبستها شجرة بزمامها )) . فوجدوها كما قال (صلّى الله عليه وآله) .

وقدم رسول الله المدينة , وكان إذا قدم من سفر استُقبل بالحسن والحسين (عليهما السّلام) , وحفّ به المسلمون حتّى يدخل على فاطمة (عليها السّلام) ويقعدون بالباب , فإذا

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة التوبة / 42 .

(2) سورة التوبة / 48 ـ 49 .

(3) سورة التوبة / 81 .


الصفحة ( 242 )

خرج , مشوا معه حتّى يدخل منزله فيتفرّقون عنه .

بأبي أنت واُمّي يا رسول الله ! كنت إذا قدمت من سفر استقبلك المسلمون بولديك الحسنين (عليهما السّلام) ؛ وما ذاك إلاّ لعلم المسلمين بأنّ ولديك الحسنين (عليهما السّلام) أحبّ الخلق إليك وأشرفهم منزلة عند الله , وكنت أوّل مَن تبدأ بزيارته بضعتك فاطمة الزّهراء (عليها السّلام) ؛ لأنّها أحب النّاس إليك وأعزّهم عليك .

اُخبرك يا رسول الله بما جرى بعدك على بضعتك الزّهراء وريحانتيك الحسنين (عليهم السّلام) ؟ أمّا بضعتك الزّهراء (عليها السّلام) ، فلم تزل بعدك ناحلة الجسم ، معصبة الرّأس ، حزينة كئيبة باكية حتّى تأذّى ببكائها أهل المدينة , فبنى لها علي (عليه السّلام) بيتاً في البقيع يُسمّى بيت الأحزان , فكانت تخرج إليه وتقضي وطرها من البكاء حتّى لحقت بربّها ؛ وأمّا ولدك الحسن (عليه السّلام) ، فجرّعوه الغصص حتّى جرحوه في فخذه بمعول في ساباط المدائن حينما كان متوجّهاً إلى حرب معاوية , وكاتبوا عدوّه سرّاً وخلّوه حتّى اضطرّ أنْ يُصالح معاوية ؛ حفظاً لدمه وابقاء على شيعته ، وكانت عاقبة أمره أنْ مات شهيداً بالسّم حتّى تقيّأ كبده قطعة قطعة .

وأمّا ولدك الحسين (عليه السّلام) ، فغصبوه حقّه وأخافوه حتّى خرج من حرمك خائفاً يترقّب إلى حرم الله , ثُمّ من حرم الله إلى الكوفة , وجهّز ابن زياد إليه الجيوش بأمر يزيد , فأحاطوا به ومنعوه التوجّه في بلاد الله العريضة , ومنعوه من شرب الماء هو وعياله وأطفاله حتّى قتلوه عطشان غريباً وحيداً فريداً لا ناصر له ولا مُعين , وليتهم اكتفوا بذلك ! لا والله , لم يكتفوا بهذا حتّى أمر ابن سعد ـ تنفيذا لأمر ابن زياد ـ أنْ يُداس بدنه الشّريف بحوافر الخيل , وحمل رأسه ورؤوس أصحابه على الرّماح وطاف بها في البلدان , وساق بناتك ونساء أولادك كما تُساق السّبايا من كربلاء إلى الكوفة , ومن الكوفة إلى يزيد بالشّام .

تتهادى بهـا النّيـاقُ بلا حا  مٍ ولا عينُ كافلٍ تـرعاهَا

لابن مرجانة الدّعيِّ وطوراً  لابن هندٍ تُهدى بذلِّ سباهَا

الصفحة ( 243 )

المجلس الثّلاثون بعد المئة

كان أبو ذر الغفاري ـ واسمه جندب بن جنادة ـ من خيار أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) , الموالين لأمير المؤمنين (عليه السّلام) والهاتفين بفضائله . وفي الإستيعاب : كان من كبار الصّحابة قديم الإسلام . وقال علي (عليه السّلام) : (( وعى أبو ذر علماً عجز النّاس عنه , ثُمّ أوكأ عليه فلم يخرج شيئاً منه )) . وقال النّبي (صلّى الله عليه وآله) : (( أبو ذر في اُمّتي على زهد عيسى بن مريم (عليه السّلام) )) . وقال النّبي (صلّى الله عليه وآله) : (( ما أظلّت الخضراء ولا أقلّت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر )) . روي ذلك كلّه في الإستيعاب وغيره .

قال الامام الصّادق (عليه السّلام) : (( أرسل عثمان إلى أبي ذر مولَيَين له ومعهما مئتا دينار , فقال لهما : إنطلقا بها إلى أبي ذر فقولا له : عثمان يقرؤك السّلام ويقول لك : هذه مئتا دينار فاستعن بها على ما نابك . فقال أبو ذر : فهل أعطى أحداً من المسلمين مثلما أعطاني ؟ فقالا : لا . قال : فأنا رجل من المسلمين , يسعني ما يسع المسلمين . فقالا : إنّه يقول : هذا من صلب مالي ، و بالله الذي لا إله إلا هو ، ما خالطها حرام , ولا بعثت إليك إلاّ من حلال . فقال : لا حاجة لي فيها وقد أصبحت يومي هذا وأنا من أغنى النّاس . فقالا له : عافاك الله واصلحك ! ما نرى في بيتك قليلاً ولا كثيراً مما تستمتع به . فقال : بلى , تحت هذا الأكاف(1) الذي ترونه رغيف شعير قد أتى عليه أيام , فما أصنع بهذه الدّنانير ؟ لا والله , حتّى يعلم الله أنّي لا أقدر على قليل ولا كثير , ولقد أصبحت غنيّاً بولاية علي بن أبي طالب وعترته الهادين المهديين الرّاضين المرضيين , الذين يهدون بالحقّ وبه يعدلون .

وكذلك سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول : إنّه لقبيح بالشّيخ أنْ يكون كذّاباً . فرِدّاها عليه واعلماه أنّه لا حاجة لي فيها , ولا فيما عنده حتّى ألقى الله ربّي , فيكون هو الحاكم فيما بينه وبيني )) .

ــــــــــــــــــــ

(1) الأكاف : الجلال الذي يوضع على الحمار .


الصفحة ( 244 )

ونُفي أبو ذر أولاً إلى الشّام , فجعل يُحدّث النّاس بفضائل علي وأهل بيته (عليهم السّلام) وينتقد أعمال بني اُميّة ، فرُدّ إلى المدينة . وقيل له : أيّ البلاد أبغض إليك أنْ تكون فيها ؟ قال : الرّبذة التّي كنت فيها على غير دين الإسلام . فنفي إلى الرّبذة .

 وقال له رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في غزاة تبوك : (( يا أبا ذر ، تعيش وحدك ، وتموت وحدك ، وتُبعث وحدك )) . ودخل عليه قوم من أهل الرّبذة يعودونه , فقالوا : ما تشتكي ؟ قال : ذنوبي . قالوا : فما تشتهي ؟ قال : رحمة ربي . قالوا : فهل لك بطبيب ؟ قال : الطّبيب أمرضني .

ولمّا نُفي إلى الرّبذة , ماتت بها زوجته(1) , ومات بها ولده ، فوقف على قبره فقال : رحمك الله يا بُني , لقد كنت كريم الخلق بارّاً بالوالدين , وما عليّ في موتك من غضاضة , وما بي إلى غير الله من حاجة , وقد شغلني الإهتمام لك عن الاعتماد بك . ثُمّ قال : اللهمَّ , إنّك فرضت لك عليه حقوقاً وفرضت لي عليه حقوقاً , فإنّي قد وهبت له ما فرضت عليه من حقوقي فهب له ما فرضت عليه من حقوقك , فإنّك أولى بالحقّ والكرم منّي .

أين وقوف أبي ذر على ولده بعد موته من وقوف أبي عبد الله الحسين (عليه السّلام) على ولده علي الأكبر يوم كربلاء ؟ وذلك حين حمل على أهل الكوفة وجعل يشدّ على النّاس , فاعترضه مُرّة بن مُنقذ وطعنه بالرّمح . وقيل : بل رماه بسهم فصرعه فنادى : يا ابتاه ! عليك السّلام ، هذا جدّي رسول الله يقرؤك السّلام ، ويقول لك : (( عجّل القدوم علينا )) . واعتوره النّاس فقطّعوه بأسيافهم , فجاء الحسين (عليه السّلام) حتّى وقف عليه ، وقال : (( قتل الله قوماً قتلوك يا بُني , ما أجرأهم على الرّحمن وعلى انتهاك حُرمة الرّسول ! على الدّنيا بعدك العفا )) . وخرجت زينب بنت علي (عليه السّلام) وهي تُنادي : يا حبيباه ! ويابن أخاه ! وجاءت فأكبّت عليه , فجاء الحسين (عليه السّلام) فأخذ بيدها وردّها إلى الفسطاط ، وأقبل بفتيانه وقال : (( احملوا أخاكم )) . فحملوه من مصرعه حتّى وضعوه بين يدي الفسطاط الذي كانوا يقاتلون أمامه .

وأعضاءُ مجدٍ ما توزّعت الظّبا  بتوزيعهـا إلاّ النّـدى والمعاليا

لئن فرّقتهـا آلُ حربٍ فلم تكُنْ  لتجمع حتّى الحشر إلاّ المخاريا

ــــــــــــــــــ

(1) وقيل : زوجته بقيت بعد وفاته .


الصفحة ( 245 )

 

المجلس الواحد والثّلاثون بعد المئة

قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة : إنّ عثمان لمّا أعطى مروان بن الحكم وغيره بيوت الأموال ، واختصّ زيد بن ثابت بشيء منها , جعل أبو ذر يقول بين النّاس وفي الطّرقات والشّوارع : بشّر الكافرين بعذاب أليم . ويرفع بذلك صوته ويتلو قوله تعالى : ( وَالّذِينَ يَكْنِزُونَ الذّهَبَ وَالْفِضّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ )(1) . فرُفع ذلك إلى عثمان مراراً وهو ساكت , ثُمّ إنّه أرسل إليه : أنْ انتهِ عمّا بلغني عنك . فقال أبو ذر : أينهاني عن قراءة كتاب الله تعالى وعيب مَن ترك أمر الله ؟! فوالله ، لإنْ اُرضي الله بسخط عثمان أحبّ إليّ وخير لي من أنْ أسخط الله برضى عثمان . فاغضب عثمان ذلك , فتصابر إلى أنْ قال عثمان يوماً والنّاس حوله : أيجوز للامام أنْ يأخذ من المال شيئاً قرضاً , فاذا أيسر قضى ؟ فقال كعب الأحبار : لا بأس بذلك . فقال أبو ذر : يابن اليهوديين ، أتعلّمنا ديننا ؟! فقال عثمان : قد كثر أذاك لي وتولّعك بأصحابي , الحقْ بالشّام . فأخرجه إليها .

 وكان معاوية يومئذٍ بالشّام والياً عليها من قِبل عثمان , فكان أبو ذر ينكر على معاوية أشياء يفعلها , فبعث إليه معاوية يوماً ثلاثمئة دينار , فقال أبو ذر لرسوله : إنْ كانت من عطائي الذي حرمتمونيه من عامي هذا ، أقبلها ، وإنْ كانت صلة , لا حاجة لي فيها وردّها عليه .

 ثُمّ بنى معاوية الخضراء بدمشق , فقال أبو ذر : يا معاوية , إنْ كانت هذه من مال الله فهي الخيانة ، وإنْ كانت من مالك فهي الإسراف .

 وكان أبو ذر يقول بالشّام : والله , لقد حدثت أعمال ما أعرفها . والله , ما هي في كتاب الله ولا سنة نبيه (صلّى الله عليه وآله) . والله , إنّي لأرى حقّاً يُطفأ ، وباطلاً يحيا ، وصادقاً مكذَّباً , واثرة بغير تقىً ، وصالحاً مستأثَراً عليه .

وروي عن ابن جندل الغفاري قال : جئت يوماً إلى معاوية فسمعت صارخاً على باب داره يقول : أتتكم القطار بحمل النّار . اللهمّ , إلعن الآمرين بالمعروف التاركين

ـــــــــــــــــــ

(1) سورة التوبة / 34 .


الصفحة ( 246 )

له . اللهمّ , إلعن النّاهضين عن المنكر المرتكبين له . فازبأرّ معاوية وتغيّر لونه , وقال لي : أتعرف الصّارخ ؟ فقلت : لا . قال : من عذيري من جندب بن جنادة , يأتينا كلّ يوم فيصرخ على باب قصرنا بما سمعت . ثُمّ قال : ادخلوه عليّ . فجيء بأبي ذر بين قوم يقودونه حتّى وقف بين يديه , فقال له معاوية : يا عدو الله وعدو رسوله , تأتينا في كلّ يوم فتصنع ما تصنع ! أما إنّي لو كنت قاتل رجل من أصحاب محمّد من غير إذن أمير المؤمنين عثمان لقتلتك , ولكنّي أستأذن فيك . فقال أبو ذر : ما أنا بعدو لله ولا لرسوله , بل أنت وأبوك عدوّان لله ولرسوله ؛ أظهرتما الإسلام وأبطنتما الكفر , ولقد لعنك رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ودعا عليك مرّات أنْ لا تشبع .

 فأمر معاوية بحبسه وكتب إلى عثمان فيه , فكتب عثمان إلى معاوية : احمل جندباً إليّ على أغلظ مركب وأوعره . فوجّه به مع مَن سار به الليل والنّهار ، وحمله على شارف ـ أي ناقة صغيرة صعبة ليس عليها إلاّ قتب ـ حتّى قدم به المدينة وقد سقط لحم فخذيه من الجهد . ولمّا اُدخل أبو ذر على عثمان , قال له : أنت الذي فعلت وفعلت ؟ فقال أبو ذر : نصحتك فاستغششتني , ونصحت صاحبك فاستغشّني . قال عثمان : كذبت , ولكنّك تريد الفتنة وتحبّها . قال أبو ذر : والله , ما وجدت لي عذراً إلاّ الأمر بالمعروف والنّهي عن المُنكر . فغضب عثمان وقال : أشيروا عليّ في هذا الشّيخ الكذّاب , إمّا أنْ أضربه أو أحبسه أو أقتله أو أنفيه من أرض الإسلام ؟ فتكلّم علي (عليه السّلام) ، وكان حاضراً ، فقال : (( أشير عليك بما قال مؤمن آل فرعون : وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّاب(1) )) . فغضب عثمان .

 قال : ومنع عثمان النّاس أنْ يُجالسوا أبا ذر ويكلّموه , فمكث كذلك أياماً , ثُمّ اُتي به فوقف بين يديه , فقال عثمان : اخرج عنّا من بلادنا . فقال أبو ذر : ما أبغض إليّ جوارك , فإلى أين أخرج ؟ قال : إلى البادية . قال : أصير بعد الهجرة إعرابياً ؟! قال أبو ذر : فأخرج إلى بادية نجد . قال عثمان : بل إلى الشّرق الأبعد ، أقصى فأقصى , امضِ على وجهك هذا , فلا تعدون الرّبذة . فخرج إليها .

فلمّا حضرته الوفاة , قال لامرأته أو ابنته : إذبحي شاة من غنمك واصنعيها , فإذا نضجت فاقعدي على قارعة الطّريق ، فأوّل ركب ترينهم

ــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة غافر / 28 .


الصفحة ( 247 )

قولي : يا عباد الله الصالحين ، هذا أبو ذر صاحب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قد قضى نحبه ولقي ربّه ، فأعينوني فأجنوه(1) .

قال محمّد بن علقمة : خرجت في رهط اُريد الحجّ منهم مالك بن الحارث الأشتر حتّى قدمنا الرّبذة ، فإذا امرأة على قارعة الطّريق , تقول : عباد الله المُسلمين ! هذا أبو ذر صاحب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قد هلك غريباً ، وليس لي أحد يعينني عليه . قال : فنظر بعضنا إلى بعض , فحمدنا الله على ما ساق إلينا واسترجعنا لعظيم المصيبة , ثُمّ أقبلنا معها فجهّزناه وتنافسنا في كفنه حتّى اُخرج من بيننا بالسّواء , ثُمّ تعاونّا على غسله حتّى فرغنا منه , ثُمّ قدمنا مالك الأشتر فصلّى بنا عليه , ثُمّ دفنّاه . فقام الأشتر على قبره , ثُمّ قال : اللهمّ , إنّ هذا أبو ذر صاحب رسولك , عبدك في العابدين ، وجاهد فيك المشركين , لم يُغيّر ولم يُبدّل ، لكنّه رأى مُنكراً فغيّره بلسانه وقلبه حتّى جفي ونفي ، وحرم واحتقر , ثُمّ مات وحيداً غريباً . اللهمّ , فاقصم مَن حرمه ونفاه من مهاجره وحرم رسولك .

قال : فرفعنا أيدينا جميعاً وقلنا آمين . ثم قدّمت الشّاة التّي صنعت , فقالت : أيها الصّالحون ، قد اقسم عليكم أنْ لا تبرحوا حتّى تتغدّوا ، فتغدّينا وارتحلنا .

أفما كان يوجد يوم عاشوراء مَن يقف على قارعة طريق كربلاء , لمّا بقي الحسين (عليه السّلام) ثلاثة أيام بلا دفن فيُنادي : أيّها المسلمون , هذا إمامكم وابن بنت نبيّكم الحسين , قد قُتل غريباً ، وتُرك على وجه الصّعيد عرياناً سليباً , لم يصلَّ عليه ، ولم يُدفن فهلمّوا إلى مواراته ودفنه ؟!

 لقد تعس اُولئك المسلمون وخسروا وخابوا وما ظفروا , خذلوا ابن بنت نبيّهم وقتلوه ، وأطاعوا ابن مرجانة ونصروه .

لله ملقىً على الرّمضاء غصَّ بهِ  فـمُ الـرّدى بعد إقدامٍ وتشميرِ
تـحنو عليه الرّبى ظلاً وتسترهُ  عـن النّواظر أذيالُ الأعاصيرِ
تهابه الوحشُ أنْ تدنو لمصرعهِ  وقـد أقـام ثـلاثاً غير مقبورِ

ـــــــــــــــــــــ

(1) أي واروه في التّراب .


الصفحة (248)

المجلس الثّاني والثّلاثون بعد المئة

روى ابن أبي الحديد عن ابن عباس قال : لمّا اُخرج أبو ذر إلى الرّبذة , أمر عثمان فنودي في النّاس أنْ لا يُكلِّم أحد أبا ذر ولا يشيّعه , وأمر مروان بن الحكم أنْ يخرج به ، فخرج به وتحاماه النّاس : أي اجتنبوه . إلاّ عليّاً (عليه السّلام) وعقيلاً أخا علي ، وحسناً وحسيناً (عليه السّلام) وعمّاراً , فإنّهم خرجوا معه يشيّعونه , فجعل الحسن (عليه السّلام) يُكلّم أبا ذر , فقال له مروان بن الحكم : ايهاً يا حسن ، ألا تعلم إنّ أمير المؤمنين عثمان قد نهى عن كلام هذا الرجل ؟ فإنْ كُنت لا تعلم فاعلم ذلك . فحمل علي (عليه السّلام) على مروان ، فضرب بالسّوط بين اذني راحلته , وقال : (( تنحَّ لحاك الله إلى النّار )) .

فرجع مروان مُغضباً إلى عثمان فاخبره الخبر ، فتلظّى على علي (عليه السّلام) . ووقف أبو ذر فودّعه القوم ، ومعه ذكوان مولى اُمّ هاني بنت أبي طالب , قال ذكوان : فَحفِظتُ كلام القوم ـ وكان حافظاً ـ فقال علي (عليه السّلام) : (( يا أبا ذر ، إنّك غضبت لله فارجُ مَن غضبت له . إنّ القوم خافوك على دنياهم وخفتهم على دينك , فاترك في أيديهم ما خافوك عليه واهرب بما خفتهم عليه , فما أحوجهم إلى ما منعتهم وما أغناك عمّا منعوك , وستعلم مَن الرّابح غداً والأكثر حسداً . ولو أنّ السّماوات والأرض كانتا على عبد رتقاً ثُمّ اتقى الله ، لجعل الله له منها مخرجاً . لا يؤنسنك إلاّ الحقّ ولا يوحشنّك إلاّ الباطل . فلو قبلت دنياهم لأحبّوك ، ولو قرضت منها لأمنوك )) .

 ثُمّ قال لأصحابه : (( ودّعوا عمّكم )) . وقال لعقيل : (( ودّع أخاك )) . فتكلم عقيل , فقال : ما عسى أنْ نقول يا أبا ذر , وأنت تعلم إنّا نحبك وأنت تحبنا , فاتّقِ فإنّ التقوى نجاة ، واصبر فإنّ الصّبر كرم . واعلم إنّ استثقالك الصّبر من الجزع ، واستبطاءك العافية من اليأس , فدع اليأس والجزع .

ثُمّ تكلم الحسن (عليه السّلام) فقال : (( يا عمّاه , لولا أنّه لا ينبغي للمودّع أنْ يسكت , وللمشيّع إلاّ أنْ ينصرف , لقصُر الكلام وإنْ طال الأسف . وقد أتى القوم إليك ما ترى ، فضع


الصفحة ( 249 )

عنك الدّنيا بتذكّر فراغها ، وشدّة ما اشتدّ منها برجاء ما بعدها , واصبر حتّى تلقى نبيك (صلّى الله عليه وآله) وهو عنك راضٍ )) .

ثُمّ تكلم الحسين (عليه السّلام) , فقال : (( يا عمّاه , إنّ الله تعالى قادر أنْ يُغيّر ما قد ترى , والله كلّ يوم هو في شأن , وقد منعك القوم دنياهم ومنعتهم دينك , فما أغناك عمّا منعوك وأحوجهم إلى ما منعتهم , فاسأل الله الصّبر والنّصر ، واستعذ به من الجشع والجزع , فإنّ الصّبر من الدّين والكرم , وإنّ الجشع لا يُقدّم رزقاً ، والجزع لا يؤخّر أجلاً )) .

ثُمّ تكلم عمّار رحمه الله مُغضباً , فقال : لا آنس الله مَن أوحشك ، ولا آمن مَن أخافك . أما والله , لو أردّت دنياهم لأمّنوك ، ولو رضيت أعمالهم لأحبّوك ، وما منع النّاس أنْ يقولوا بقولك إلاّ الرّضا بالدّنيا والجزع من الموت , ومالوا إلى ما سلطان جماعتهم عليه ، والملك لمَن غلب , فوهبوا لهم دينهم ومنحهم القوم دنياهم , فخسروا الدّنيا والآخرة ، ألا ذلك هو الخُسران المبين .

فبكى أبو ذر رحمه الله وكان شيخاً كبيراً , وقال : رحمكم الله يا أهل بيت الرّحمة , إذا رأيتكم ذكرت بكم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) , مالي بالمدينة سكن ولا شجن غيركم . إنّي ثقلت على عثمان بالحجاز كما ثقلت على معاوية بالشّام , فسيّرني إلى بلد ليس لي به ناصر ولا دافع إلاّ الله . والله , ما اُريد إلاّ الله صاحباً وما أخشى مع الله وحشة .

 ولمّا نُفي أبو ذر إلى الرّبذة حضره الموت , قيل له : يا ابا ذر ، ما مالك ؟ قال : عملي . قالوا : إنّما نسألك عن الذّهب والفضة . قال : ما أصبح فلا اُمسى وما اُمسى فلا أصبح ، لنا كندوج فيه حرّ متاعنا . سمعت خليلي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول : (( كندوج المرء قبره )) : والكندوج ، شبه المخزن .

 وقيل : كانت لأبي ذر غُنيمات يعيش بها فأصابها داء فماتت , فأصاب أبا ذر وابنته الجوع وماتت أهله , قالت ابنته : أصابنا الجوع وبقينا ثلاثة أيام لم نأكل شيئاً , فقال لي أبي : يا بنية ، قومي بنا إلى الرّمل نطلب القتّ : وهو نبت له حب . فصرنا إلى الرّمل فلم نجد شيئاً , فجمع أبي رملاً ووضع رأسه عليه ، ورأيت عينيه قد انقلبتا , فبكيت وقلت له : يا ابتِ , كيف أصنع بك وأنا وحيدة .

وفي رواية , أنّ التّي كانت معه هي زوجته فبكت , فقال لها : وما يبكيك ؟ فقالت : ومالي لا أبكي ، وأنت تموت بفلاة من الأرض وليس عندي ثوب


الصفحة ( 250 )

يسعك كفناً ! فقال لها : لا تخافي ، فإنّي إذا متّ جاءك من أهل العراق مَن يكفيك أمري , فإذا أنا متّ فمدّي الكساء على وجهي , ثُمّ اقعدي على طريق العراق , فإذا أقبل ركب فقومي إليهم وقولي : هذا أبو ذر صاحب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قد توفّي .

 قالت ابنته : فلمّا مات مددت الكساء على وجهه , ثُمّ قعدت على طريق العراق ، فجاء نفر فيهم مالك الأشتر , فقلت لهم : يا معشر المسلمين , هذا أبو ذر صاحب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قد توفّي . فنزلوا ومشوا يبكون فجاؤوا فغسّلوه , وكفّنه الأشتر في حلّة قيمتها أربعة آلاف درهم , وصلّوا عليه ودفنوه .

أقول : لِمَ لا وقفت سُكينة يوم العاشر من المُحرّم على قارعة طريق كربلاء حين بقي الحسين (عليه السّلام) ثلاثة أيام بلا دفن , ونادت : يا معشر المسلمين , هذا إمامكم وابن بنت نبيكم الحسين سيّد شباب أهل الجنّة , قد قُتل غريباً وتُرك على وجه الأرض عرياناً سليباً لم يُصلَّ عليه ولم يُدفن , فهلمّوا إلى مواراته ودفنه ؟!

بلى , لمّا طعنه صالح بن وهب على خاصرته فسقط إلى الأرض على خدّه الأيمن , خرجت اُخته زينب بدل سُكينة ، ونادت : وا أخاه ! وا سيّداه ! وا أهل بيتاه ! ليت السّماء اطبقت على الأرض , وليت الجبال تدكدكت على السّهل .

ثُمّ قالت لعمر بن سعد : أيُقتل أبو عبد الله وأنت تنظر إليه ؟! فدمعت عيناه حتّى سالت دموعه على خدّيه ولحيته المشومة , وصرف وجهه عنها ولم يجبها بشيء , فنادت : ويلكم ! أما فيكم مسلم ؟! فلم يجبها أحد .

لقد تعس اُولئك المسلمون وما ينفعهم إسلامهم , وقد فعلوا بذرّيّة نبيِّهم ما فعلوا !

لم أنسَ زينب وهي تدعو بينهمْ  يا قومُ ما في جمعكم من مسلم ِ

إنّا بنات المُصطفـى ووصـيِّهِ  ومخدّراتِ بني الحطيـم وزمزم ِ

* * *


الصفحة ( 251 )

المجلس الثّالث والثّلاثون بعد المئة

ذكر المفيد عليه الرّحمة في إرشاده , من جملة غزوات أمير المؤمنين علي (عليه السّلام) غزاة ذات السّلاسل .

 قال : وإنّما سُمّيت بذلك ؛ لأنّه اُتي بالأسرى مُكتّفين بالحبال كأنّهم في السّلاسل , وكان السّبب في هذه الغزاة : إنّ إعرابياً أتى إلى النّبي (صلّى الله عليه وآله) , فقال : يا رسول الله , إنّ جماعة من العرب اجتمعوا بوادي الرّمل على أنْ يبيّتوك في المدينة . 

فأمر بالصّلاة جماعة فاجتمعوا وعرّفهم ذلك , وقال : (( مَن لهم ؟ )) . فابتدرت جماعة من أهل الصّفة(1) وغيرهم ، وعدّتهم ثمانون رجلاً , وقالوا : نحن , فولِّ علينا مَن شئت .

فاستدعى رجلاً من المهاجرين , وقال له : (( امضِ )) . فمضى فاتبعهم القوم فهزموهم وقتلوا جماعة كثيرة من المسلمين , وانهزم ذلك الرّجل وجاء إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، فبعث آخر من المُهاجرين فهزموه , فساء ذلك النّبي (صلّى الله عليه وآله) ، فقال عمرو بن العاص : ابعثني يا رسول الله , فإنّ الحرب خدعة ولعلّي أخدعهم . فانفذه مع جماعة ، فلمّا صاروا إلى الوادي , خرجوا إليه فهزموه وقتلوا من أصحابه جماعة .

 ثُمّ دعا أميرَ المؤمنين (عليه السّلام) وبعثه , وقال : (( أرسلته كرّاراً غير فرّار )) . ودعا له وخرج معه مشيّعاً إلى مسجد الأحزاب , وعلي (عليه السّلام) على فرس أشقر عليه بُردان يمانيان وفي يده قناة خطيّة , فانفذ معه جماعة منهم المرسلان أولاً وعمرو بن العاص , فسار بهم نحو العراق متنكّباً للطريق حتّى ظنّوا أنّه يُريد غير ذلك الوجه , ثُمّ أخذ بهم على طريق غامضة واستقبل الوادي من فمه , وكان يسير الليل ويكمن النّهار , فلمّا قرب من الوادي , أمر أصحابه

ــــــــــــــــــ

(1) الصّفة : سقيفة في مسجد النّبي (صلّى الله عليه وآله) كانت مسكن الغُرباء والفُقراء . وأهل الصّفة من المُهاجرين لم يكن لهم منازل ولا أموال فكانوا يسكنونها.


الصفحة ( 252 )

أنْ يخفوا أصواتهم , وأوقفهم في مكان وتقدّم أمامهم ناحية , فلمّا رأى عمرو بن العاص فعله , لم يشكّ في كون الفتح له , فقال للمرسل أولاً : إنّ هذه أرض ذات سباع ، كثيرة الحجارة , وهي أشدّ علينا من بني سليم ، والمصلحة أنْ نعلو الوادي ، وأراد فساد الحال على أمير المؤمنين (عليه السّلام) , فأمره أنْ يقول ذلك لأمير المؤمنين (عليه السّلام) فقال له ذلك , فلم يجبه أمير المؤمنين (عليه السّلام) بحرف , فرجع إلى عمرو وقال : لم يجبني .

 فقال عمرو بن العاص للمرسل ثانياً : امضِ أنت فخاطبه بذلك . ففعل فلم يجبه أمير المؤمنين (عليه السّلام) بشيء , فقال عمرو : أنضيّع أنفسنا ؟ إنطلقوا بنا نعلو الوادي . فقال المسلمون : إنّ النّبي أمرنا أنْ نُطيع عليّاً ولا نخالفه , فكيف تُريد منّا أنْ نُخالفه ؟! وما زالوا حتّى طلع الفجر فكبس المسلمون القوم وهم غافلون فامكنهم الله منهم , ونزلت على النّبي (صلّى الله عليه وآله) سورة ( وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحاً . . . ) قسماً بخيل أمير المؤمنين (عليه السّلام) .

وعرف النّبي الحال ففرح وبشرّ أصحابه بالفتح وأمرهم بالاستقبال لأمير المؤمنين (عليه السّلام) , فخرجوا والنّبي (صلّى الله عليه وآله) يتقدّمهم , فلمّا رأى أمير المؤمنين (عليه السّلام) النبيَّ (صلّى الله عليه وآله) , ترجّل عن فرسه فوقف بين يديه , فقال النّبي (صلّى الله عليه وآله) : (( لولا أنّي أشفق أنْ تقول فيك طوائف من اُمتّي ما قالت النصارى في المسيح , لقلتُ فيك اليوم مقالاً لا تمرّ بملأ إلاّ أخذوا التُراب من تحت قدميك , فإنّ الله ورسوله راضيان عنك )) .

 فياليت أمير المؤمنين (عليه السّلام) كان حاضراً يوم عاشوراء , وقد أحاطت الأعداء بولده الحسين (عليه السّلام) وأهل بيته من كلّ جانب ومكان , وهو بينهم وحيد فريد لا ناصر له ولا معين , يستغيث فلا يُغاث إلاّ بضرب السّيوف وطعن الرّماح ورشق السّهام , وهو يطلب جرعة من الماء فلا يجد إلى ذلك سبيلاً .

أبا حسـنٍ أبنـاؤك اليـوم حلّقـتْ  بقادمةِ الأسيـاف عن خطّة الخسـفِ

سلْ الطّفَّ عنهم أين بالأمس طنّبوا  وأين استقلّوا اليومَ عن عرصة الطّفِّ

* * *


الصفحة ( 253 )

المجلس الرّابع والثّلاثون بعد المئة

قال الله تعالى في سورة آل عمران : ( إِنّ مَثَلَ عِيسَى‏ عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ * الْحَقّ مِن رَبّكَ فَلاَ تَكُن مِنَ الْمُمْتَرِينَ * فَمَنْ حَاجّكَ فِيهِ مِن بَعْدِمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمّ نَبْتَهِل فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ )(1) . نزلت في وفد نجران ، ونجران : بلد بنواحي اليمن كان أهله نصارى ، فارسلوا وفداً منهم إلى النّبي (صلّى الله عليه وآله) , فلمّا وفدوا على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وحضر وقت صلاتهم , أقبلوا يضربون بالنّاقوس وصلّوا إلى المشرق , فقال أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : يا رسول الله , هذا في مسجدك ! فقال : (( دعوهم )) . فلمّا فرغوا قالوا : يا محمّد ، إلى ما تدعو ؟ قال : (( إلى شهادة أنْ لا إله إلاّ الله , وأنّي رسول الله , وأنّ عيسى عبدٌ مخلوق )) . فقالوا : هل رأيت ولداً من غير ذكر ؟ فنزلت هذه الآيات , فردّ الله عليهم قولهم في المسيح أنّه ابن الله , فقال : إنّ مثل عيسى عند الله كمثل آدم في خلقه إيّاه من غير أب ولا اُمّ . فقرأها عليهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ودعاهم إلى المُباهلة فاستنظروه إلى صبيحة غد , فقال لهم الأسقف : انظروا محمّداً في غد , فإنْ جاء بولده وأهله فاحذروا مباهلته , وإنْ غدا باصحابه فباهلوه ؛ فإنّه على غير شيء .

 فلمّا كان الغد ـ وهو الرّابع والعشرون من ذي الحجّة ـ جاء النّبي (صلّى الله عليه وآله) آخذاً بيد علي بن أبي طالب ، والحسن والحسين بين يديه ، وفاطمة خلفه . وخرج النّصارى يقدمهم أسقفهم ولم يباهلوه , وصالحوه على ألفَي حلّة وعلى أنْ يضيّفوا رسله , وعلى عارية ثلاثين درعاً وثلاثين رمحاً وثلاثين فرساً عند الحرب , وأنْ لا يأكلوا الرّبا . ثُمّ إنّ السيّد والعاقب رجعا فاسلما .

والمُراد بـ ( أَبْنَاءَنَا ) في هذه الآية : الحسن والحسين (عليهما السّلام) ، وبـ َ( نِسَاءَنَا ) : فاطمة ( عليها السّلام) ، وبـ ( أَنْفُسَنَا ) : علي (عليه السّلام) . ولا يجوز أنْ يُراد بـ َ( أَنْفُسَنَا )

ـــــــــــــــــــ

(1) سورة آل عمران / 59 ـ 61 .


الصفحة ( 254 )

النّبي (صلّى الله عليه وآله) ؛ لأنّه هو الدّاعي ولا يجوز أنْ يدعو الإنسان نفسه بل يدعو غيره , فيدلّ على أنّ عليّاً (عليه السّلام) أفضل النّاس بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ؛ حيث جعله نفس الرّسول (صلّى الله عليه وآله) .

وصحّ عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ـ كما في البحار ـ أنّه سُئل عن بعض أصحابه , فقال له قائل : فعليّ ؟ قال : (( إنّما سألتني عن النّاس ولم تسألني عن نفسي )) .

وروى مسلم في صحيحه عن عائشة : إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) خرج غداة وعليه مِرط(1) مُرجل(2) من شعر أسود , فجاء الحسن بن علي (عليه السّلام) فأدخله ، ثُمّ جاء الحسين (عليه السّلام) فدخل معه , ثُمّ جاءت فاطمة (عليها السّلام) فأدخلها ، ثُمّ جاء علي (عليه السّلام) فأدخله , ثُمّ قال : ( إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً )(3) . ورواه الزّمخشري وغيره .

 أعلمت يا رسول الله ما جرى على هذه الوجوه التّي أردت المباهلة بها ، والتّي لو دعت الله على جبل لأزاله ؟! أمّا أخوك ونفسك علي بن أبي طالب (عليه السّلام) , فقد ضربوه ـ وهو في محرابه يُصلّي ـ بسيف مسموم فلق هامته إلى محل سجوده حتّى قضى شهيداً ؛ وأمّا ابنتك الزّهراء (عليها السّلام) فما برحت بعدك مُعصبة الرأس ناحلة الجسم باكية حزينة حتّى اُلحقت بربّها ودُفنت سرّاً لم يشهد أحد جنازتها ؛ وأمّا ولدك الحسن (عليه السّلام) فقد قضى شهيداً بالسمِّ , ومُنع من دفنه عندك وإلى جانبك ؛ وأمّا ولدك الحسين (عليه السّلام) فقد قضى شهيداً بالسّيف غريباً عطشان وحيداً فريداً , يستجير فلا يُجار ، ويستغيث فلا يُغاث , وقُتلت أطفاله وسُبيت عياله , وداروا برأسه في البُلدان من فوق عالي السّنان .

جاشت على آله ما ارتاح واحدُهمْ  من قهر أعـداه حتّى مات مقهورا

قضى أخوه خضيبَ الرّأس وابنتُهُ  غضبى وسبطـاه مسموماً ومنحورا

* * *

ـــــــــــــــــــــــــــ

(1) المرط بالكسر : كساء من صوف , أو خز .

(2) فيه ألوان تخالف لونه .

(3) سورة الأحزاب / 33 .


الصفحة ( 255 )

المجلس الخامس والثّلاثون بعد المئة  

لمّا كانت حَجّة الوداع ـ وهي آخر حجّة حجّها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ـ كان معه سبعون ألفاً ، وقيل : تسعون ألفاً ، وقيل : مئة ألف ، وقيل أكثر .

 ولعلّ الذين خرجوا معه من المدينة وأطرافها كانوا سبعين ألفاً , وبلغوا مع الذي انضمّوا إليه في الطّريق تسعين ألفاً , وبلغوا في عرفات مع أهل مكّة وأطرافها ومَن جاؤوا مع علي (عليه السّلام) من اليمن مئة ألف أو أزيد .

 وخطبهم خطبة طويلة وعرّفهم مناسكهم وأحكام دينهم , وكان قد أرسل عليّاً (عليه السّلام) إلى اليمن ليُخمّس أموالها ويقبض ما صالح عليه أهل نجران من الحلل وغيرها , وأنْ يوافيه إلى الحجّ .

فأحرم النّبي (صلّى الله عليه وآله) وعقد إحرامه بسياق الهدي , وأحرم علي (عليه السّلام) كاحرام رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وساق الهدي , ولم يكُن يعلم كيف أحرم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) . وكان الذين خرجوا مع النّبي (صلّى الله عليه وآله) منهم مَن ساق الهدي ومنهم لم يسق , فأنزل الله تعالى : ( وَأَتِمّوا الْحَجّ وَالْعُمْرَةَ للّهِ )(1) .

فأمر النّبي(صلّى الله عليه وآله) مَن لم يسق الهدي أنْ يحلّ إحرامه ويجعلها عُمرة , ومَن ساق الهدي أنْ يبقى على إحرامه , وكان عليّ ممّن ساق الهدي فبقي على إحرامه . أمّا الذين لم يسوقوا الهدي فمنهم مَن أطاع ومنهم مَن خالف , وقالوا : رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أغبر أشعث ونحن نلبس الثّياب ونقرب النّساء وندهن ! فأنكر عليهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) , فرجع قوم وأصرّ قوم .

ولمّا رجع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من حجّة الوداع ووصل إلى محل يُقال له غدير خُم , أنزل الله تعالى عليه : ( يَا أَيّهَا الرّسُولُ بَلّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبّكَ ) : يعني في علي ( وَإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ )(2) . وكان ذلك يوم الثّامن عشر من ذي الحجّة ، وكان يوماً شديد الحرِّ , فأمر (صلّى الله عليه وآله) بدوحات هُناك ، والدّوحة : الشّجرة العظيمة . فكُنس ما تحتها ووضعت له الأحمال بعضها فوق بعض شبه المنبر , وأمر مُناديه فنادى الصّلاة جامعة فاجتمع النّاس , فصعد على تلك الأحمال

ــــــــــــــــــــ

(1) سورة البقرة / 196 .

(2) سورة المائدة / 67 .


الصفحة ( 256 )

وأصعد عليّاً (عليه السّلام) معه , ثُمّ خطب النّاس ووعظهم ونعى إليهم نفسه , وقال : (( إنّي مُخلّف فيكم ما إنْ تمسكتم به لن تضلّوا من بعدي ؛ كتاب الله وعترتي أهل بيتي , فإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض )) .

 ثُمّ نادى (صلّى الله عليه وآله) بأعلى صوته : (( ألست أولى بكم من أنفسكم ؟ )) . قالوا : اللهمّ بلى . فقال ـ وقد أخذ بعضدي علي (عليه السّلام) فرفعهما حتّى بان بياض أبطيهما ـ : (( فمَن كنت مولاه فهذا عليّ مولاه ، اللهمّ وال مَن والاه وعادِ مَن عاداه ، وانصر مَن نصره واخذل مَن خذله )) .

ثُمّ نزل فصلّى ركعتين ، ثُمّ زالت الشّمس فصلّى بهم الظّهر وجلس في خيمته , وأمر عليّاً (عليه السّلام) أنْ يجلس في خيمة له بازائه , ثُمّ أمر المُسلمين أنْ يدخلوا عليه فيهنئوه ويسلّموا عليه بامرة المؤمنين , ثُمّ أمر أزواجه ونساء المسلمين بذلك .

 وقال له بعض الصّحابة : بخ بخ لك يا علي ، أصبحت مولاي ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة .

وانزل الله تعالى عليه في ذلك المكان : ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً )(1) . وجاء حسان بن ثابت ـ شاعر النّبي (صلّى الله عليه وآله) ـ فاستأذنه أنْ يقول في ذلك شعراً فأذن له , فوقف على مكان مرتفع , وقال :

يُـناديهمُ يـومَ الـغدير نبيُّهمْ  بـخمٍّ وأسـمعْ بـالنّبيِّ مُناديا
فـقال فـمَن مـولاكمُ ووليُّكمْ  فقالوا ولمْ يُبدوا هناك التعاميا
إلـهُك مـولانا وأنـت وليُّنا  ولنْ تجدنْ منّا لك اليوم عاصيا
فـقال لـه قُـمْ يا عليُّ فإنّني  رضيتُك من بعدي إماماً وهاديا
فـمَن كـنت مولاه فهذا وليُّهُ  فـكونوا له أتباعَ صدقٍ مواليا
هُـناك دعـا اللهمَّ والِ وليَّهُ  وكُـنْ للذي عادى عليّاً مُعاديا

فهل درى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بما جرى على وصيّه وابن عمّه من بعده حتّى آل الأمر إلى أنْ تجرّأ عليه أشقى الأشقياء عبد الرّحمن بن ملجم المُرادي , وضربه على رأسه في مُحرابه , ضربة فلق بها هامته إلى موضع سجوده , ضربة هدّمت أركان الدّين وفتّت في عضد المُسلمين , وقرّحت قلوب المؤمنين ، وفرّحت قلوب المُنافقين ؟!

ـــــــــــــــــــ

(1) سورة المائدة / 3 .


الصفحة ( 257 )

يـا لَـقومٍ إذْ يـقتلون عليّاً  وهـو لـلمَحل بـينهمُ قتّالُ
ويُسرّون بغضَهُ وهو لا تُقـ  ـبــلُ إلاّ بـحبّه الأعـمالُ
ولـَسبطينِ تـابعيه فمسمو  مٌ عـليه ثـرى البقيعِ يُهالُ
وشهيدٍ بالطّفِّ أبكى السّماوا  تِ وكـادت له تزول الجبالُ
يـا غليلي له وقد حُرّمَ الما  ءُ عليه وهو الشّراب الحلالُ
قُطعتْ وُصلة النّبيِّ بأنْ تُقـ  ـطـعَ من آل بيته الأوصالُ
لم تُنجِّ الكهولَ سنٌّ ولا الشّبـ  ـانَ زهـدٌ ولا نـجا الأطفال
لهف نفسي يا آلَ طه عليكمْ  لـهفةً كـسبها جوى وخبالُ

 

المجلس السّادس والثّلاثون بعد المئة

أتت أسماء بنت يزيد الأنصارية إلى النّبي (صلّى الله عليه وآله) وهو بين أصحابه , فقالت : بأبي واُمّي أنت يا رسول الله ! أنا وافدة النّساء إليك , إنّ الله عزّ وجل بعثك إلى الرّجال والنّساء كافّة فآمنّا بك وبالهك ، وإنّا معشر النّساء محصورات مقصورات قواعد بيوتكم وحاملات أولادكم , وأنّكم معاشر الرّجال فُضّلتم علينا بالجمع والجماعات , وعيادة المرضى وشهود الجنائز والحجّ بعد الحجّ , وأفضل من ذلك الجهاد في سبيل الله عزّ وجل , وأنّ أحدكم إذا خرج حاجّاً أو مُعتمراً أو مُجاهداً , حفظنا لكم أموالكم وغزلنا أثوابكم وربّينا أولادكم , أفما نشارككم في هذا الأجر والخير ؟ 

فالتفت النّبي (صلّى الله عليه وآله) إلى أصحابه بوجهه كلّه , ثُمّ قال : (( هل سمعتم مسألة امرأة قط أحسن من مسألتها هذه في أمر دينها ؟ )) . فقالوا : يا رسول الله , أيّ امرأة تهتدي إلى مثل هذا ؟! فالتفت


الصفحة ( 258 )

إليها النّبي (صلّى الله عليه وآله) وقال : (( إفهمي أيتها المرأة وأعلمي من خلفك من النّساء , إنّ حُسن تبعّل المرأة لزوجها وطلبها مرضاته واتّباعها امره , يعدل ذلك كُلّه )) .

فانصرفت وهي تهلل حتّى وصلت إلى نساء قومها من العرب , وعرضت عليهنّ ما قاله رسول الله (صلّى الله عليه وآله) , ففرحن وآمنّ جميعهن ، وسُمّيت رسول نساء العرب إلى النّبي (صلّى الله عليه وآله) .

والنّساء فيهنّ كثير من العاقلات الكاملات اللواتي سبقن الرّجال بكمالهنّ وعقلهنّ وحسن أفعالهنّ , فمنهن اُمّ وهب بن حباب الكلبي , وكان من أصحاب الحسين (عليه السّلام) وكانت معه اُمّه وزوجته , فقالت اُمّه : قُم يا بُني فانصر ابن بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) . فقال : أفعل يا اُمّاه ولا اُقصّر . ثُمّ حمل ولم يزل يُقاتل حتّى قتل جماعة , ثُمّ رجع وقال : يا اُمّاه أرضيتِ ؟ فقالت : ما رضيت حتّى تُقتل بين يدي الحسين (عليه السّلام) . فقالت امرأته : بالله عليك ، لا تفجعني بنفسك . فقالت له اُمّه : يا بُني ، اعزب عن قولها وارجع فقاتل بين يدي ابن بنت نبيك تنل شفاعة جدّه يوم القيامة .

فرجع فلم يزل يُقاتل حتّى قُطعت يداه ، وأخذت امرأته عموداً وأقبلت نحوه , وهي تقول : فداك أبي واُمّي ! قاتل دون الطّيبين ، حرم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) . فاقبل كي يردّها إلى النّساء , فاخذت بجانب ثوبه وقالت : لن أعود دون أنْ أموت معك . فقال الحسين (عليه السّلام) : (( جُزيتم من أهل بيتٍ خيراً , ارجعي إلى النّساء رحمك الله )) . فانصرفت إليهنّ , ولم يزل الكلبي يُقاتل حتّى قُتل رضوان الله عليه .

فـهبّوا إلى حربٍ تقاعَس اُسدُها  تخالس طرفاً للوغى غيرَ ناعسِ
فخاضوا لظاها مُستميتينَ لا ترى  عـيونُهمُ الـفرسان غيرَ فرائسِ
ضراغمُ غيلٍ لم تهبْ رشقَ راجلٍ  بـنبلٍ ولا ترتاع من طعن فارسِ

* * *


الصفحة ( 259 )

المجلس السّابع والثّلاثون بعد المئة

في شرح رسالة ابن زيدون وغيرها , قال : حُكي عن علي بن أبي طالب (عليه السّلام) أنّه قال يوماً : (( سُبحان الله ! ما أزهد كثيراً من النّاس في خير ! عجباً لرجل يجيئه أخوه المُسلم في حاجة فلا يرى نفسه للخير أهلاً , فلو كان لا يرجو ثواباً ولا يخلف عقاباً لكان ينبغي له أنْ يُسارع إلى مكارم الأخلاق , فإنّها تدّل على سبيل النّجاح !)) . فقام إليه رجل ، وقال : يا أمير المؤمنين , أسمعته من النّبي (صلّى الله عليه وآله) ؟ قال : (( نعم , لمّا اُتي بسبايا طيء , وقفت جارية عيطاء لعساء فلمّا تكلمت , أنسيت جمالها بفصاحتها ، قالت : يا محمّد , إنْ رأيت أنْ تخلّي عنّي ولا تشمت بي أحياء العرب ؛ فإنّني ابنة سيّد قومي ، وإنّ أبي كان يفكّ العاني ، ويُشبع الجائع ويكسو العاري , ويحفظ الجار ويحمي الذّمار ، ويُفرّج عن المكروب , ويُطعم الطّعام ويُفشي السّلام ، ويعين على نوائب الدّهر , ولم يرد طالب حاجة قط . أنا ابنة حاتم الطّائي . وكان اسمها سفانة .

 فقال النّبي (صلّى الله عليه وآله) : (( يا جارية ، هذه صفة المؤمن حقّاً , ولو كان أبوك مسلماً لترحّمنا عليه . خلّوا عنها فإنّ أباها كان يحبّ مكارم الأخلاق )) . وقال فيها : (( ارحموا عزيزاً ذلّ ، وغنياً افتقر ، وعالماً ضاع بين جُهّال )) . فأطلقها ومَنّ عليها بقومها .

فاستأذنته في الدّعاء له , فأذن لها ، وقال لأصحابه : (( اسمعوا وعوا )) . فقالت : أصاب الله ببرك مواقعه ولا جعل لك إلى لئيم حاجة , ولا سلب نعمة عن كريم قوم إلاّ وجعلك سبباً في ردّها عليه .

فلمّا أطلقها أتت أخاها عديّاً بدومة الجندل , فقالت : يا أخي ، ائت هذا الرّجل قبل أنْ تعلقك حبائله , فإنّي قد رأيت هدياً ورأياً وسيغلب أهل الغلبة . رأيت خصالاً تعجبني ؛ رأيته يحب الفقير ويفكّ الأسير ويرحم الصّغير ويعرف قدر الكبير , وما رأيت أجود ولا أكرم منه , وإنّي أرى أنْ تلحق به ؛ فإنْ يكُ نبيّاً فللسابق فضله ، وإنْ يكُ مَلكاً فلنْ تزال في عزّ اليمن .

 فقدم عدي إلى النّبي (صلّى الله عليه وآله) فأسلم ، وأسلمت اُخته سفانة )) .

الصفحة ( 260 )

لا عجب إذا صدر مثل هذا ممّن بُعث ليتمم مكارم الأخلاق , وقد قال الله تعالى في حقّه : ( وَإِنّكَ لَعَلَى‏ خُلُقٍ عَظِيم )(1) . ولكنّ العجب ممّن يدّعون الإسلام , وقد حملوا الهاشميات من بنات رسول الله وبنات علي وفاطمة اُسارى من بلد إلى بلد كأنّهنّ سبايا الترك أو الدّيلم , وقابلوهن من الجفاء والغلظة بما تقشعرّ منه الجلود وتنفطر له القلوب ! فمن ذلك لمّا اُدخل نساء الحسين (عليه السّلام) وصبيانه على ابن زياد بالكوفة , وفي جملتهم زينب اُخت الحسين (عليه السّلام) , وهي مُتنكّرة وعليها أرذل ثيابها , فمضت حتّى جلست ناحية وحفّ بها إماؤها , فقال ابن زياد : مَن هذه ؟ فلم تجبه ، فأعاد القول ثانياً وثالثاً يسأل عنها . فقال له بعض إمائها : هذه زينب بنت فاطمة بنت رسول الله . فأقبل عليها ابن زياد , فقال : الحمد لله الذي قتلكم وفضحكم وأكذب اُحدوثتكم . فقالت : الحمد لله الذي أكرمنا بنبيّه محمّد , وطهّرنا من الرّجس تطهيراً ؛ إنّما يفتضح الفاسق ويكذب الفاجر وهو غيرنا . فقال ابن زياد : كيف رأيت صنع الله بأخيك الحسين وأهل بيتك ؟ قالت : ما رأيت إلاّ جميلاً , هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم , وسيجمع الله بينك وبينهم فتُحاج وتُخاصم ؛ فانظر لمَن الفلج يومئذ ، ثكلتك اُمّك يابن مرجانة !

 قال : فغضب ابن زياد وكأنّه همّ بضربها ، فقال عمرو بن حُريث : يا أمير , إنّها امرأة ، والمرأة لا تؤاخذ بشيء من منطقها . فقال لها ابن زياد : لقد شفى الله قلبي من طاغيتك الحسين والعُصاة المردة من أهل بيتك . فرقّت زينب وبكت وقالت : لعمري يابن زياد ، لقد قتلت كهلي وقطعت فرعي واجتثثت أصلي , فإنْ كان هذا شفاؤك , فقد اشتفيت .

فقال ابن زياد : هذه سجّاعة ، ولعمري لقد كان أبوها سجّاعاً شاعراً .

تُصانُ بنتُ الدّعيّ فـي كِلل الملـ  ـكِ وبنتُ الرّسول تُبتذلُ

يُرجى رضى المصطفى فوا عجباً  تُقتـل أولادُه ويحتـمـلُ

ــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة القلم / 4 .

* * *


الصفحة ( 261 )

المجلس الثّامن والثّلاثون بعد المئة

قال الله تعالى مُخاطباً لنبيه الكريم محمّد : ( وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانفَضّوا مِنْ حَوْلِك )(1) . وقال تعالى : ( وَإِنّكَ لَعَلَى‏ خُلُقٍ عَظِيم ) . وقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( حُسن الخُلق نصف الدّين )) . وقال : (( ما من شيء أثقل في الميزان من حُسن الخُلق )) . وقال : (( عليكم بحسن الخُلق ؛ فإنّ حسن الخُلق في الجنّة لا محالة , وإيّاكم وسوء الخُلق ؛ فإنّ سوء الخُلق في النّار لا محالة )) .

وكان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول : (( اللهمَّ , أحسنت خَلقي فاحسن خُلقي )) . وقال : (( إنّكم لن تسعوا النّاس بأموالكم , فسعوهم بأخلاقكم )) . وقال : (( أفضل النّاس إيماناً أحسنهم خُلقاً , وأصلح النّاس أنصحهم للنّاس , وخير النّاس من انتفع به النّاس )) . وقال : (( إنّ جبرائيل ، الرّوح الأمين ، نزل عليّ من عند رب العالمين , فقال : يا محمّد ، عليك بحسن الخُلق , فإنّه ذهب بخير الدّنيا والآخرة )) .

وكان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) جامعاً لمكارم الأخلاق مستكملاً فضائلها , كان دائم البشر سهل الخُلق ليّن الجانب , ليس بفظّ ولا غليظ ، ولا عيّاب ولا مدّاح , شديد الحياء والتواضع , يأكُل على الأرض ويجلس جِلسة العبد , ويخصف(2) نعله بيده ويرقّع ثوبه بيده , ويركب الحمار العاري ويردف خلفه ، ويحلب شاته ويخدم أهله ، ويجيب دعوة المملوك ، ويُحب المساكين ويجلس معهم ويعود مرضاهم ويُشيّع جنائزهم ولا يُحقّر فقيراً ويقبل المعذرة .

عن أبي ذر رضي الله عنه قال : كان رسول الله يجلس بين أصحابه كأنّه أحدهم , فيجيء الغريب فلا يدري أيّهم هو حتّى يسأل , فطلبنا إلى النّبي أنْ يجعل له مجلساً يعرفه الغريب إذا أتاه ،

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة آل عمران / 159 .

(2) يخرز .


الصفحة ( 262 )

فبنينا له دكّة(1) من طين , فكان يجلس عليها ونجلس بجانبيه .

عن أنس بن مالك قال : كان رسول الله إذا فقد الرّجل من إخوانه ثلاثة أيام سأل عنه ، فإنْ كان غائباً دعا له ، وإنْ كان شاهداً زاره ، وإنْ كان مريضاً عاده .

 روي : أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كان لا يدع أحداً يمشي معه إذا كان راكباً حتّى يحمله معه , فإنْ أبى قال : (( تقدّم أمامي وأدركني في المكان الذي تُريد )) .

عن علي بن أبي طالب (عليه السّلام) قال : (( ما صافح النّبي أحد قط فنزع يده من يده حتّى يكون هو الذي ينزع يده , وما فاوضه أحد قط في حاجة أو حديث فانصرف حتّى يكون الرّجل هو الذي ينصرف , وما سُئل شيئاً قط فقال لا , وما ردّ سائلاً حاجة قط إلاّ بها أو بميسور من القول , وما رؤي مُقدّماً رجله بين يدي جليس له قط )) .

عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال : غزا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إحدى وعشرين غزوة , شهدت منها تسع عشرة غزوة وغبت عن اثنتين , فبينا أنّا معه في بعض غزواته , إذ أعيا ناضحي(2) تحت الليل فبرك , وكان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في اُخريات النّاس يزجي(3) الضّعيف ويردفه ويدعو له , فانتهى إليّ وأنا أقول : يا لهف اُمّه ، ما زال النّاضح بسوء ! فقال : (( مَن هذا ؟ )) . فقلت : أنا جابر ، بأبي أنت واُمّي يا رسول الله ! قال : (( وما شأنك ؟ )) . قلت : أعيا ناضحي . فقال : (( أمعك عصا ؟ )) . قلت : نعم . فضربه ثُمّ بعثه ثُمّ أناخه ووطئ على ذراعه , وقال : (( اركب )) . فركبت وسايرته فجعل جملي يسبقه , فاستغفر لي تلك الليلة خمساً وعشرين مرّة .

عن جرير بن عبد الله قال : لمّا بُعث النّبي (صلّى الله عليه وآله) أتيته لاُبايعه ، فقال لي : (( يا جرير ، لأيّ شيءٍ جئت ؟ )) . قُلت : لاُسلم على يديك يا رسول الله . فألقى لي كساءه ثُمّ أقبل على أصحابه , فقال : (( إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه )) .

يا رسول الله , أيّ رجل أكرم من ولدك زين العابدين وسيّد السّاجدين (عليه السّلام) ؟! ولمّا اُتي

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) الدكة : ما يُقعد عليه . وهي التّي تُسمى مصطبة اليوم .

(2) النّاضح : البعير يُستقى عليه .

(3) يدفع : برفق ولين .


الصفحة ( 263 )

به إلى يزيد بن معاوية , لم يكرمه بشيء ، إلاّ أنّه قال له : يابن الحسين ، أبوك قطع رحمي وجهل حقّي ونازعني سُلطاني , فصنع الله به ما قد رأيت . فقال علي بن الحسين (عليه السّلام) : (( مَا أَصَابَ مِن مُصِيَبةٍ فِي الأرضِ وَلاَ فِي أَنفُسِكُمْ الاّ فِي كِتَابٍ مِن قَبْلِ أنْ نَبْرَأَهَا إِنّ ذلِكَ عَلَى‏ اللّهِ يَسِيرٌ(1) )) .

ألا يابنَ هندٍ لا سقى الله تربةً  ثويت بمثواها ولا اخضرّ عودُها

 

المجلس التّاسع والثّلاثون بعد المئة

لمّا كان يوم الجمل ـ وهي الحرب التّي وقعت بين علي (عليه السّلام) وبين عائشة وطلحة والزّبير بالبصرة ، وإنّما سمّيت حرب الجمل ؛ لأنّ عائشة ركبت على جمل اسمه عسكر في هودج وضعت عليه الدّروع , وكان جملها لواء أهل البصرة ـ كان مع علي (عليه السّلام) عشرون ألفاً , فيهم من الصّحابة ـ على بعض الرّوايات ـ ألف وخمسمئة , ومن البدريين ثمانون ، وممّن بايع تحت الشّجرة مئتان وخمسون . ومع عائشة ثلاثون ألفاً ، وقُتل من الفريقين عشرون ألفاً .

وزحف علي (عليه السّلام) بالنّاس ثُمّ أوقفهم من صلاة الغداة إلى صلاة الظّهر يدعوهم ويُناشدهم , ويقول لعائشة : (( إنّ الله أمركِ أنْ تقرّي في بيتك , فاتّقي الله وارجعي )) . ويقول لطلحة والزّبير : (( خبأتما نساءكما وأبرزتما زوجة رسول الله ! )) . فيقولا : إنّما جئنا نطلب بدمّ عثُمّان , وأنْ يُردّ الأمر شورى .

ودعا أمير المؤمنين (عليه السّلام) الزّبير فخرج إليه , وعلي (عليه السّلام) حاسر والزّبير عليه السّلاح ، فقال له (عليه السّلام) : (( أما تذكر يوم رآك رسول الله وأنت تتبسّم إليّ ، فقال لك : أتحب عليّاً ؟ . فقُلت له : كيف لا اُحبّه وبيني وبينه من النّسب والمودّة في الله ما ليس لغيره ! فقال : إنّك ستقاتله وأنت ظالم له . فقلتَ : أعوذ بالله من ذلك ؟ )) . قال : اللهمّ نعم . قال (عليه السّلام) :

ـــــــــــــــــــ

(1) سورة الحديد / 22 .


الصفحة ( 264 )

(( أفجئت تُقاتلني ؟ )) . قال : أعوذ بالله من ذلك . قال : (( دع هذا ، بايعتني طائعاً ثُمّ جئت محارباً , فما عدا مما بدا ؟ )) . قال : لا جرم ، والله لا قاتلتك .

ثُمّ رجع ، فلقيه عبد الله ابنه , فقال : أجبناً يا أبتِ ؟! فقال : يا بُني ، قد علم النّاس أنّي لست بجبان , ولكن ذكّرني عليّ شيئاً سمعته من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، فحلفت أنْ لا اُقاتله . فقال : دونك غلامك مكحولاً , فأعتقه كفارة ليمينك . قالت عائشة : لا والله , بل خفت سيوف ابن أبي طالب ، أما إنّها طوال حداد ، تحملها سواعد فتية أنجاد , ولئن خفتها فلقد خافها الرّجال من قبلك .

فحمي الزّبير ونزع سنان رمحه وحمل على عسكر علي (عليه السّلام) , فقال علي (عليه السّلام) : (( دعوه , فإنّه محمول عليه فأفرجوا له )) . فغاص فيهم حتّى دخل من جانب وخرج من آخر ثُمّ رجع , فقال لهم : أهذا فعل جبان ؟! فقالوا : قد اُعذرت . ثُمّ رجع إلى المدينة , فقتله ابن جرموز في الطّريق .

ونظرت عائشة إلى علي (عليه السّلام) يجول بين الصّفّين , فقالت : انظروا إليه , كأنّ فعله فعل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يوم بدر ! والله , لا ينتظر بكم إلاّ زوال الشّمس .

 ثُمّ إنّ عليّاً (عليه السّلام) دعا بمصحف وقال : (( مَن يأخذه ويقرأ عليهم : وإنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا(1) )) . فقال مسلم المجاشعي : ها أنا ذا . فقال له : (( تُقطع يمينك وشمالك وتُقتل )) . فقال : لا عليك يا أمير المؤمنين , فهذا قليل في ذات الله .

فأخذه ودعاهم إلى الله فقُطعت يده اليُمنى , فأخذه باليُسرى فقطعت , فأخذه باسنانه فقُتل , فقالت اُمّه :

يا ربِّ إنّ مسلمـاً أتاهمْ  بمحكمِ التّنزيل إذْ دعاهمْ

يتلو كتابَ الله لا يخشاهمْ  فرمّلوه رُمِّلـتْ لحاهـمْ

فقال (عليه السّلام) : (( الآن طاب الضّراب )) .

ذكّرني اجتهاد مسلم المجاشعي في نصرة أمير المؤمنين (عليه السّلام) حتّى قُطعت يداه وقُتل , اجتهاد وهب بن حباب الكلبي في نصرة ولده الحسين (عليه السّلام) حتّى قُطعت يداه وقُتل ، وكانت معه اُمّه وزوجته , فقالت اُمّه : قُم يا بُني وانصر ابن بنت رسول الله . فقال : أفعل يا اُمّاه ولا اُقصّر .

فبرز وهو يقول :

ـــــــــــــــــــــ

(1) سورة الحجرات / 9 .


الصفحة ( 265 )

إنْ تـنْكروني فأنا ابنُ iiالكلْبي  سوفَ ترَوني وترَون iiضرْبي
وحملَتي وصولَتي في iiالحربِ  أدركُ ثـأري بعد ثأرِ iiصحْبي
وأدفـعُ الـكرْبَ أمام iiالكرْبِ  ليس جهادي في الوغى باللعبِ

ثُمّ حمل ولم يزل يُقاتل حتّى قَتل جماعة , ثُمّ رجع إلى امرأته واُمّه , وقال : يا اُمّاه , أرضيت ؟ فقالت : ما رضيت حتّى تُقتل بين يدي الحسين (عليه السّلام) . فقالت امرأته : بالله عليك لا تفجعني بنفسك ! فقالت له اُمّه : يا بُني ، اعزب عن قولها وارجع وقاتل بين يدي ابن بنت نبيك ؛ تنل شفاعة جده يوم القيامة .

فرجع فلم يزل يُقاتل حتّى قُطعت يداه , واخذت امرأته عموداً واقبلت نحوه , وهي تقول : فداك أبي واُمّي ! قاتل دون الطّيبين , حرم رسول الله . فأقبل كي يردّها إلى النّساء , فأخذت بجانب ثوبه وقالت : لن أعود دون أنْ أموت معك . فقال الحسين (عليه السّلام) : (( جزيتم من أهل بيتي خيراً , ارجعي إلى النّساء رحمك الله )) . فانصرفت إليهن , ولم يزل الكلبي يُقاتل حتّى قُتل رضوان الله عليه .

نصروا ابنَ بنتِ نبيّهمْ طُوبى لهمْ  نالوا بنُصرتهِ مراتبَ ساميـهْ

قد جـاوَروه ها هُنـا بقبـورِهمْ  وقصورُهمْ يوم الجزا مُتحاذيهْ

 

المجلس الأربعون بعد المئة

لمّا كانت حرب الجمل ، وهي من الحروب العظيمة , ثبت فيها الفريقان واشرعوا الرّماح بعضهم في صدور بعض كأنّها آجام القصب , ولو شاءت الرّجال أنْ تمشي عليها لمشت . كان يُسمع لوقع السّيف أصوات كأصوات القصارين , وخرج رجل من


الصفحة ( 266 )

أهل البصرة يُقال له عبد الله بن أبزى , فتناول خُطام الجمل وشدّ على عسكر علي (عليه السّلام) , وقال :

أضربُهمْ ولا أرى أبا حسنْ  ها إنّ هذا حزنٌ من الحَزنْ

فشدّ عليه أمير المؤمنين (عليه السّلام) بالرّمح فطعنه فقتله , وقال : (( رأيت أبا حسن ؟ فكيف رأيته ؟ )) وترك الرّمح فيّه . وبرز عبد الله بن خلف الخزاعي ، وكان رئيس أهل البصرة , وطلب أنْ لا يخرج إليه إلاّ علي (عليه السّلام) , وقال :

 أبا تُرابٍ ادنُ منّي فِترا  فإنّني دانٍ إليك شِبرا

وإنّ في صدري عليك غَمرا(1)

فخرج إليه (عليه السّلام) ، فلم يمهله أنْ ضربه ففلق هامته .

ولمّا اشتد القتال وقامت الحرب على ساقها , زحف علي (عليه السّلام) نحو الجمل بنفسه في كتيبته الخضراء من المهاجرين والأنصار , وحوله بنوه ؛ حسن وحسين (عليهما السّلام) ومحمّد بن الحنفيّة (رض) , ودفع الرّاية إلى محمّد ، وقال : (( إقدم بها حتّى تركزها في عين الجمل )) .

فتقدّم محمّد فرشقته السّهام , فقال لأصحابه : رويداً حتّى تنفذ سهامهم . فأنفذ علي (عليه السّلام) يستحثّه , فلمّا أبطأ عليه جاء بنفسه من خلفه ، فوضع يده اليسرى على منكبه الأيمن , وقال له : (( إقدم لا اُمّ لك )) .

 فكان محمّد (رض) إذا ذكر ذلك يبكي , ويقول : لكأنّي أجد ريح نفسه في قفاي ، والله ، لا أنسى ذلك أبداً .

ثُمّ أدركت عليّاً (عليه السّلام) رقّة على ولده , فتناول الرّاية بيده اليسرى ، وذو الفقار مشهور في يده اليمنى ، وهو يقول :

إطعنْ بها طعنَ أبيك تُحمدِ  لا خيرَ في الحربِ إذا لمْ تُوقَدِ

بالمشرَفيِّ والقنا المُسدّدِ

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) كحقد , وزناً ومعنى .


الصفحة ( 267 )

ثُمّ حمل (عليه السّلام) فغاص في عسكر الجمل حتّى طحن العسكر , ثُمّ رجع وقد انحنى سيفه فأقامه بركبته , فقال له أصحابه وبنوه والأشتر وعمّار : نحن نكفيك يا أمير المؤمنين . فلم يجب أحداً منهم ولا ردّ إليهم بصره , وظل ينحط ويزأر زئير الأسد ثُمّ دفع الرّاية إلى محمّد , ثُمّ حمل حملة ثانية وحده ، فدخل وسطهم فضربهم بالسّيف قدماً قدماً , والرّجال تفرّ من بين يديه وتنحاز عنه يمنة ويسرى حتّى خضب الأرض بدماء القتلى , ثُمّ رجع وقد انحنى سيفه فأقامه بركبته , فاجتمع عليه أصحابه وناشدوه الله في نفسه وفي الإسلام , فقال : (( والله , ما اُريد بما ترون إلاّ وجه الله والدّار الآخرة )) . ثُمّ قال لمحمّد : (( هكذا تصنع يابن الحنفيّة )) . فقال النّاس : مَن الذي يستطيع ما تستطيعه يا أمير المؤمنين ؟!

وكان علي (عليه السّلام) يقذف محمّداً في مهالك الحرب ويكفّ حسناً وحسيناً , وقال (عليه السّلام) يوم صفّين : (( املكوا عنّي هذين الفتيين ـ يعني الحسن والحسين (عليهما السّلام) ـ فإنّي أخاف أنْ ينقطع بهما نسل رسول الله )) .

وقال محمّد لأبيه أمير المؤمنين (عليه السّلام) في تقديمه في الحرب وكفّ أخويه الحسن والحسين (عليهما السّلام) , فقال : (( أنت ابني وهذان ولدا رسول الله , فأنا أفديهما بولدي )) .

فليتك يا أمير المؤمنين لا غبت عن ولديك وقرّتي عينك الحسن والحسين (عليهما السّلام) ، اللذين كنت تكفّهما عن الحرب ؛ خوفاً عليهما ، وتفديهما بولدك محمّد ، لتنظر ما جرى عليهما من بعدك ! أمّا ولدك الحسن (عليه السّلام) فقد جرّعوه الغصص , ونازعوه حقّه حتّى دسّوا إليه السّم وقتلوه مسموماً , ومنعوا من دفنه عند جدّه ؛ وأمّا ولدك الحسين (عليه السّلام) فغصبوه حقّه وقتلوه عطشان غريباً مظلوماً , وهو يستغيث فلا يُغاث ، ويستجير فلا يُجار ، ويطلب شربة من الماء فلا يُجاب :

يـا أيّها النّبأُ العظيمُ إليك في  أبـناكَ مـنّي أعـظم الأنباءِ
إنّ اللَـذين تـسرّعا يقيانَك الـ  أرمـاحَ فـي صفّين بالهيجاءِ
فـأخذتَ في عَضديهما تُثنيهما  عـمّا أمـامك من عظيمِ بلاءِ



الصفحة ( 268 )

ذا قـاذفٌ كـبداً له قِطعاً وذا  فـي كربلاءَ مقطّع الأعضاءِ
مُلقىً على وجه الصّعيد مجرّداً  في فتيةٍ بيض الوجوه وضاءِ

 

المجلس الواحد والأربعون بعد المئة

لمّا كان يوم الجمل , لم يكن يأخذ أحد بخطام الجمل إلاّ سالت نفسه أو قُطعت يده , وأخذ بخطامه سبعون من قريش فقتلوا كُلّهم .

 ولمّا رأى أمير المؤمنين (عليه السّلام) أنّ الموت عند الجمل ، وأنّه ما دام قائماً لا تطفأ الحرب , وضع سيفه على عاتقه وعطف نحو الجمل وأمر أصحابه بذلك , ووصل (عليه السّلام) في جماعة من النّخع وهمدان إلى الجمل , فقال لرجل يُسمّى بحيرا : (( دونك الجمل )) . فضرب عجز الجمل بسيفه ، فوقع لجنبه وضرب بجرانه الأرض وعجّ عجيجاً لم يُسمع بأشد منه .

فلمّا صُرع الجمل , فرّت الرّجال كما يطير الجراد في الرّيح الشّديدة , وأمر علي (عليه السّلام) أنْ يُحرق الجمل ثُمّ يذرّى في الرّيح , وقال : (( لعنه الله من دابّة , فما أشبهه بعجل بني اسرائيل )) . ثُمّ قرأ : (( وَانظُرْ إلى‏ إِلهِكَ الّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً لنُحَرّقَنّهُ ثُمّ لَنَنسِفَنّهُ فِي الْيَمّ نَسْفاً(1) )) .

 وأمر علي (عليه السّلام) بعائشة فحُملت في هودجها إلى دار عبد الله بن خلف , وقال لأخيها محمّد بن أبي بكر : (( دونك اختك , لا يتولاها غيرك )) .

 وقالت عائشة لأخيها محمّد : أقسمت عليك أنْ تطلب عبد الله بن الزّبير قتيلاً أو جريحاً . فذهب محمّد فأتاها به ، فصاحت وبكت ثُمّ قالت : يا أخي , استأمن له من علي . فاستأمن له , فقال علي (عليه السّلام) : (( آمنته وآمنت جميع النّاس )) .

وما أحسن ما قال القائل :

ملَكنا فكان العفوُ منّا سجيةً  فلمّا ملكتمْ سال بالدّمِ أبطحُ

ــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة طه / 97 .


الصفحة ( 269 )

وحللتمُ قتلَ الاُسارَى وطالما  غدونا عن الأسرى نعفُّ ونصفحُ

وحسبُكمُ هذا التفـاوتُ بينَنا  وكلُّ إناءٍ بالـذي فيـه ينضـحُ

ثُمّ إنّه (عليه السّلام) جهّز عائشة وأرسلها إلى الحجاز , وأرسل معها أربعين امرأة من عبد القيس .

وهكذا كانت عادة أمير المؤمنين (عليه السّلام) في الصّفح والعفو عن عدوه إذا ظفر به , فقد سمعت عفوه عن ابن الزّبير مع شدّة انحرافه عنه وعداوته له حتّى قال علي (عليه السّلام) : (( ما زال الزّبير منّا أهل البيت حتّى نشأ ابنه عبد الله )) .

 وانظر كيف عفا عن عائشة لمّا ظفر بها ، وأمر أنْ تُحمل في هودجها إلى أعظم دار في البصرة , وأرسل معها أربعين امرأة , وهذا من أعظم الصّفح وأكبر الحلم !

 ألا لعن الله ابن زياد ، فما كان أبعده من الحلم والصّفح , وأقربه من اللؤم والخبث والانتقام ! فإنّه لمّا نزل الحسين (عليه السّلام) بكربلاء , كتب ابن زياد إلى عمر بن سعد : انظر فإنْ نزل الحسين وأصحابه على حكمي واستسلموا , فابعث بهم إليّ سلماً ، وإنْ أبوا فازحف إليهم حتّى تقتلهم وتمثّل بهم فإنّهم لذلك مستحقّون ! فإنْ قتلت حسيناً , فأوطئ الخيل صدره وظهره ، فإنّه عاقّ شاقّ قاطع ظلوم ! ولست أرى أنّ هذا يضرّ بعد الموت شيئاً , ولكن ـ على قول قد قلته ـ لو قد قتلته لفعلت هذا به .

تطأُ الصّواهلُ جسمَهُ وعلى القنا  من رأسهِ المرفوعِ بدرُ سماءِ

 

المجلس الثّاني والأربعون بعد المئة

لمّا كان يوم الجمل , دفع أمير المؤمنين (عليه السّلام) الرّاية إلى ابنه محمّد بن الحنفيّة , وقال له : (( تزول الجبّال ولا تزل ، عضّ على ناجذك ، أعر الله جمجمتك , تِد في الأرض قدمك ،


الصفحة ( 270 )

إرمِ ببصرك أقصى القوم وغضّ بصرك , واعلم إنّ النّصر من عند الله سبحانه )) . ثُمّ قال له : (( احمل )) . فتوقّف قليلاً , فقال له : (( احمل )) . فقال : يا أمير المؤمنين ، أما ترى السّهام كأنّها شئابيب المطر ! فدفع في صدره , وقال : (( أدركك عرق من اُمّك ! )) .

ثُمّ أخذ الرّاية منه فحمل بها ، ثُمّ دفعها إليه وقال : (( امحُ الاُولى بالاُخرى , وهذه الأنصار معك )) . وضمّ إليه خزيمة ذا الشّهادتين في جمع من الأنصار ـ كثير منهم من أهل بدر ـ فحمل حملات كثيرة أزال بها القوم عن مواقفهم وأبلى بلاء حسناً , فقال خزيمة لعلي (عليه السّلام) : أما إنّه لو كان غير محمّد اليوم لافتضح ! ولئن كنت خفت عليه الجبن وهو بينك وبين حمزة وجعفر لما خفناه عليه ، وإنْ كنت أردت أنْ تُعلّمه الطّعان , فطالما علّمته الرّجال .

وقالت الأنصار : يا أمير المؤمنين , لولا ما جعل الله للحسن والحسين , لما قدّمنا على محمّد أحداً من العرب . فقال علي (عليه السّلام) : (( أين الأنجم من الشّمس والقمر ! )) . وقال خزيمة يمدح محمّد بن الحنفيّة :

محمّد مـا في عودِك اليومَ وصمةٌ  ولا كُنتَ في الحرب الضّروسِ مُعردا
أبـوكَ الـذي لـمْ يركب الخيلَ مثلُهُ  عـلـيٌ وسـمّـاك النّبيُّ محمّدا
وأنـت بـحمدِ الله أطـولُ غـالبٍ  لـساناً وأنـداها بـما مـَلكتْ يـدا
وأطـعنُهُمْ صـدرَ الـكميِّ بـرمحهِ  وأكـسـاهُمُ لـلهامِ عَـضباً مـهنّدا
سـوى أخـويكَ السيّدينِ كـلاهُما  إمـامُ الـورى والدّاعيان إلى الهُدى

وقيل لمحمّد بن الحنفيّة : لِمَ يغرر بك أبوك في الحرب ولا يغرر بالحسن والحسين ؟ فقال : إنّهما عيناه وأنا يمينه , فهو يدفع عن عينيه بيمينه .

وما زال أولاد أمير المؤمنين (عليه السّلام) يعرفون فضل الحسنين (عليهما السّلام) , ويرعون حقّهما ويفدونهما بأنفسهم . ولمّا كان يوم كربلاء , كان مع الحسين (عليه السّلام) تسعة من إخوته ـ أولاد علي (عليه السّلام) لصلبه ـ فقاتلوا دونه قتال الأبطال , وفدوه بأنفسهم ومهجهم حتّى قُتلوا عن آخرهم ، منهم : أخوه وصاحب رايته أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) , وثلاثة إخوة للعباس من اُمّه وأبيه , وكان


الصفحة ( 271 )

آخر من قُتل منهم العبّاس ابن أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، فلمّا قُتل بكى الحسين (عليه السّلام) لقتله بكاءً شديداً . وحقّ له ذلك ؛ فإنّ موت الأخ يقصم الظّهر ولا سيّما إذا كان مثل أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) , ولنعم ما قال القائل :

أحـقُّ النّاس أنْ يُبكى عليهِ  فتىً أبكى الحسينَ بكربلاءِ
أخـوه وابنُ والـده عليٍّ  أبو الفضلِ المضرَّجُ بالدّماءِ
ومَـن واساه لا يُثنيه شيءٌ  وجـاد له على عطشٍ بماءِ

 

المجلس الثّالثّ والأربعون بعد المئة  

كان مالك بن الحارث الأشتر من خواصّ أصحاب أمير المؤمنين (عليه السّلام) , ومن ثناء أمير المؤمنين عليه ما كتبه يوم صفّين إلى أميرين من اُمراء جيشه , من جملة كتاب يقول فيه : (( وقد أمّرت عليكما وعلى مَن في حيزكما مالك بن الحارث الأشتر , فاسمعا له وأطيعا واجعلاه درعاً ومجناً(1) ؛ فإنّه ممّن لا يخاف وهنه(2) ولا سقطته(3) , ولا بطؤه عمّا الإسراع إليه أحزم ، ولا إسـراعه إلى ما البطء عنه أمثل(4) )) .

ولقد بلغ ثناء أمير المؤمنين (عليه السّلام) على مالك الأشتر في هذه الكلمات ، مع إختصارها , ما لا يبلغ بالكلام الطّويل , ولقد جمع (عليه السّلام) أصنافاً كثيرة من الثّناء والمدح بكلمة واحدة من هذا الكلام ، وهي قوله : (( لا يخاف بطؤه عمّا الإسراع إليه أحزم , ولا إسراعه إلى ما البطء عنه أمثل )) . ولقد كان الأشتر رحمه الله أهلاً لذلك , كان شديد البأس جواداً ، رئيساً حليماً ، فصيحاً شاعراً , ومن شعره قوله :

ـــــــــــــــــــــ

(1) المجن : التّرس .

(2) ضعفه .

(3) غلطه وخطأه .

(4) أفضل .


الصفحة ( 272 )

بقَّيتُ وفري وانحرفتُ عن العُلا  ولـقيتُ أضـيافي بوجهِ عبوسِ
إنْ لـمْ أشنّ على ابن هندٍ غارةً  لـمْ تخلُ يوماً من ذهابِ نفوسِ
خـيلاً كـأمثالِ السّعالى شُزّباً  تـعدو ببيضٍ في الكريهة شوسِ
حُـميَ الـحديدُ عـليهمُ فـكأنَّهُ  وَمـضانُ برقٍ أو شعاعُ شموسِ

وكان يجمع بين اللين والعنف , فيسطو في موضع السّطوة ويرفق في موضع الرّفق , وكان فارساً شجاعاً من أكابر الشّيعة وعظمائها , شديد التحقّق لولاء أمير المؤمنين (عليه السّلام) ونصره . ولمّا قنَتَ أمير المؤمنين (عليه السّلام) على خمسة : معاوية وعمرو بن العاص وأبي الأعور السّلمي وحبيب بن مسلمة وبسر بن أرطاة , قنَتَ معاوية على خمسة : علي والحسن والحسين (عليهم السّلام ) ، وعبد الله بن العبّاس ومالك الأشتر رحمهما الله .

ولمّا برز عبد الله بن الزّبير يوم الجمل ودعا إلى المبارزة , برز إليه الأشتر , فقالت عائشة : مَن برز إلى عبد الله ؟ قالوا : الأشتر . فقالت : وا ثكل اسماء ! وهي اُمّ عبد الله بن الزّبير ، اُخت عائشة . فضرب كلّ منهما صاحبه فجرحه , ثُمّ اعتنقا فصرع الأشتر عبد الله وقعد على صدره , واختلط الفريقان هؤلاء لينقذوا عبد الله وهؤلاء ليعينوا الأشتر ، وكان الأشتر طاوياً ثلاثة أيام لم يأكُل ـ وكانت هذه عادته في الحرب , وكان أيضاً شيخاً كبير السّن ـ فجعل عبد الله يُنادي من تحته : اقتلوني ومالكاً ، واقتلوا مالكاً معي ! فلم يدرِ النّاس مَن مالك ، وإنّما كان يُعرف بالأشتر , فلو قال : اقتلوني والأشتر لقتلوهما . فأفلت ابن الزّبير من تحته ولم يكد , فقال الأشتر في ذلك :

أعـائشُ لـولا أنّني كنتُ طاوياً  ثـلاثاً لألـقيتِ ابنَ اختكِ هالكا
غـداةَ يـنادي والرّجالُ تحوزُهُ  بـأضعفِ صوتٍ اقتلوني ومالكا
فـلمْ يـعرفوه إذْ دعـاهمْ وغمُهُ  خِدبٌ
(1) عليه في العجاجةِ باركا
فـنـجّاه مـنّي أكـلُهُ وشـبابُهُ  وأنّـيَ شـيخٌ لـم أكُنْ متماسكا

ــــــــــــــــــــــ

(1) شيخ أو عظيم .


الصفحة ( 273 )

ودخل الأشتر على عائشة بعد انقضاء حرب الجمل , فقالت : أنت الذي صنعت بابن اُختي ـ أي عبد الله بن الزّبير ـ ما صنعت ؟ قال : نعم , ولولا أنّي كنت طاوياً ثلاثة أيام لأرحت اُمّة محمّد (صلّى الله عليه وآله) منه . قالت : أما علمت أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) , قال : (( لا يحلّ دم مسلم إلاّ بأحد اُمور ثلاثة : كفر بعد إيمان ، أو زنى بعد إحصان ، أو قتل نفس بغير حق )) ؟ فقال : على بعض هذه الثّلاثة قاتلناه يا اُمّ المؤمنين . والله ، ما خابني سيفي قبلها ، ولقد أقسمت أنْ لا يصحبني بعدها .

وفي ذلك يقول الأشتر من جملة هذا الشّعر .

وقالتْ على أيِّ الخصالِ صرعتهُ  بقتـلٍ أتـى أمْ ردّةٍ لا أبا لكـا

أمْ المُحصَنِ الزّاني الذي حـلّ قتلُهُ  فقلتُ لها لا بدّ من بعض ذلكا

ومات الأشتر رحمه الله شهيداً ، دسّ إليه معاوية السمّ في شربة من عسل , فلمّا بلغه موته , قال : إنّ لله جنوداً من عسل . ولمّا بلغ موته إلى أمير المؤمنين (عليه السّلام) , حزن عليه حزناً شديداً ، وقال : (( مالك ، وما أدراك ما مالك ! وهل تلد النّساء مثل مالك ؟! لو كان حجراً لكان صلداً ، ولو كان جبلاً لكان فنداً(1) . رحم الله مالكاً ، فقد كان لي كما كنت لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) )) .

 ويشبه مالك في نصحه لأمير المؤمنين (عليه السّلام) وحزن أمير المؤمنين (عليه السّلام) عليه , حبيب بن مُظاهر وزُهير بن القين في نصحهما لولده الحسين (عليه السّلام) وحزنه عليهما ؛ أمّا حبيب فإنّه لمّا قُتل , هدّ مقتله الحسين (عليه السّلام) ، وقال : (( عند الله أحتسب نفسي وحماة أصحابي )) ؛ وأمّا زهير فلمّا صرع قال الحسين (عليه السّلام) : (( زُهير ، لا يبعدك الله يا زهير ، ولعن قاتلك لَعْنَ الذين مُسخوا قردة وخنازير )) .

وشدّ كثير بن عبد الله الشّعبي ومهاجر بن أوس على زهير , فقتلاه بعدما قتل مقتلة عظيمة .

نصروا ابنَ بنتِ نبيِّهمْ طوبى لهمْ  نالوا بنُصرتِهِ مراتبَ ساميهْ

ـــــــــــــــــــــــ

(1) الفند ، بالكسر : الجبل العظيم .


الصفحة ( 274 )

المجلس الرّابع والأربعون بعد المئة 

لمّا كان يوم الجمل , برز عمرو بن يثربي الضبّي ـ وكان فارس أهل الجمل وشجاعهم ـ فخرج إليه علباء بن الهيثم من أصحاب أمير المؤمنين (عليه السّلام) فقتله عمرو , ثُمّ دعا إلى البراز فخرج إليه هند الجملي فقتله عمرو , ثُمّ دعا إلى البراز , فقال زيد بن صوحان العبدي لعلي (عليه السّلام) : يا أمير المؤمنين , إنّي رأيت يداً أشرفت عليّ من السّماء وهي تقول : هلمّ إلينا . وأنا خارج إلى ابن يثربي ، فإذا قتلني فادفني بدمي ولا تغسلني , فإنّي مخاصم عند ربّي . ثُمّ خرج فقتله عمرو .

ثُمّ طلب المبارزة ، فقيل : برز إليه عمّار بن ياسر والنّاس يسترجعون ؛ لأنّه كان أضعف مَن برز إليه , فضربه عمرو فنشب سيفه في درقة عمّار ، وضربه عمّار فصرعه , ثُمّ جرّه برجله حتّى أتى به عليّاً (عليه السّلام) , فقال : يا أمير المؤمنين ، استبقني اجاهد بين يديك . فقال : (( أَبعد زيد وهند وعلباء استبقيك ؟! لاها الله )) . قال : فادن منّي اسارّك . فاعرض عنه أمير المؤمنين (عليه السّلام) , فقال : أما والله , لو وصلت إليك لعضضت أنفك عضّة أبنته منك . فأمر أمير المؤمنين (عليه السّلام) فضربت عنقه .

وقيل : لمّا برز قال للأزد : إنّي قد وترت القوم وهم قاتلي , ولست أخشى أنْ اُقتل حتّى اُصرع , فإنْ صُرعت فاستنقذوني . فقالوا له : ما نخاف عليك إلاّ الأشتر . قال : فإيّاه أخاف .

فخرج الأشتر وهو يقول :

إنّي إذا ما الحربُ أبدتْ نابَها  وغـلّقتْ يومَ الوغى أبوابَها
ومـزّقتْ مـن حَنقٍ أثوابَها  كُـنّـا قـداماها ولا أذنـابَها
لـيس العدوُّ دونَنا أحابَها  مـَن هـابَها اليومَ فلنْ أهابَها

لا طعنَها أخشى ولا ضرابَها


الصفحة ( 275 )

ثُمّ حمل عليه الأشتر فطعنه فصرعه ، وحامت عنه الأزد فاستنقذوه , فوثب وهو مشرف على الموت ، فلم يستطع أنْ يدفع عن نفسه , فطعنه رجل فصرعه ثانية ، وسحبه آخر برجله حتّى أتى به عليّاً (عليه السّلام) , فناشده الله ، وقال : يا أمير المؤمنين , اعفُ عنّي فإنّ العرب لم تزل قائلة عنك : إنّك لم تجهز على جريح قط . فعفا عنه واطلقه , فجاء إلى أصحابه ، وحضره الموت , فقيل له : دمك عند أي النّاس ؟ فقال : ضربني فلان وفلان وصاحبي الأشتر . فقالت ابنته ترثيه :

يا ضبُّ إنّك قد فُجعتَ بفارسٍ  حـامي الـحقيقة قاتلِ الأقرانِ
عمرو بن يثربي الذي فُجعتْ بهِ  كـلُّ الـقبائلِ من بني عدنانِ
لـو غـيرُ الاشترِ نالَهُ لندبتُهُ  وبكيتهُ ما دام هضب أبانِ
(1)
لـكنّه مَـنْ لا يُـعاب بـقتلهِ  أسـدُ الاُسود وفارسُ الفرسانِ

وكانت العرب إذا قُتل منها قتيل ، وكان قاتله رجلاً جليلاً ، تسلّت عنه ولم تحزن عليه , وإذا كان قاتله من الأنذال ، عظم ذلك عليها وزاد في حزنها ؛ ولذلك لمّا قتل علي (عليه السّلام) عمرو بن عبد ود ، وسألت اُخته عن قاتل أخيها , فقيل لها : علي بن أبي طالب , قالت : قتلة شريفة بيد شريف . والله , لا أبكي على أخي . وأنشأت تقول :

لو كان قاتلُ عمروٍ غيرَ قاتلِهِ  لكنتُ أبكـي عليـه آخرَ الأبدِ

لكنّ قاتلَـهُ مـَن لا يُعاب بهِ  مَن كان يُدعى أبوه بيضةَ البلدِ

ولهذا أيضاً عظُم حزن زينب بنت أمير المؤمنين (عليه السّلام) على أخيها الحسين (عليه السّلام) لمّا علمت أنّ قاتله الأنذل الرّذل ، شمر بن ذي الجوشن .

وكان مما ندبت به أخاها الحسين (عليه السّلام) أنْ قالت مُخاطبة لجدّها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : يا محمّداه ! هذا حسين بالعرا ، تسفي عليه ريح الصّبا , قَتيل أولاد البغايا . وآحزناه ! وأكرباه عليك يا أبا عبد الله !

أمثـلَ شمـرٍ أذلّ اللهُ جبهتَـهُ  يلقى حُسيناً بذاك المُلتقى الخشنِ

يا حسرةَ الدّينِ والدّنيا على قمرٍ  يشكو الخسوفَ من العسّالة اللدنِ

ـــــــــــــــــــــــــــ

(1) هَضْب ، بفتح الهاء وسكون الضّاد : جمع هضبة . وأبان : جبل .


الصفحة ( 276 )

المجلس الخامس والأربعون بعد المئة(1)

كرم محمّد بن عبد الله (صلّى الله عليه وآله) الإنسانيّة كلّها , فالغى الإضطهاد العنصري إلغاءً عمليّاً حين اختار لأقدس مهمّة زنجيّاً أسود اللون , وجعل منه مؤذّنه الذي يُنادي المؤمنين للصلوات في أوقاتها الخمس !

هذا الأسود هو بلال الحبشي الذي كان عبداً من عبيد قُريش , فلم تكد تبلغه الدّعوة الإسلاميّة حتّى كان أوّل الملبّين لها , وتعلم به قُريش ويعلم به سيّده اُميّة بن خلف , فينصحونه بالعدول عن الطّريق الذي مشى فيه فلا يقبل النّصيحة ، ويستمر مُسلماً مُخلصاً , فيأخذون في تعذيبه العذاب الأليم ، ولكنّه لا يزداد إلاّ إيماناً ، ثُمّ يفرّ بنفسه إلى المدينة مع مَن هاجر إليها ، وهُناك صار مؤذّن الرّسول .

ولقد كانت في صوته لَكْنة , فلا يستطيع أنْ يلفظ الشّين لفظاً صحيحاً ، بل تخرُج من فمه وكأنّها سين ، فيقول الرّسول (صلّى الله عليه وآله) : (( إنّ سينه عند الله شين )) .

وعلى صوت بلال الحبشي كان يهرع شيوخ المُسلمين وشُبّانهم إلى المسجد , ملبّين نداء الله ، يبعثه هذا الإنسان الأسود اللون . ولم يكُن تكريم لعنصر بلال أعظم من هذا التّكريم الذي خصّه به رسول الله ؛ ولذلك فإنّه لمّا مات النّبي , انقطع إلى أهل البيت (عليهم السّلام) مُخلصاً لهم ، وفيّاً لذكرى أبيهم الرّسول .

وتدور الأيام ، ويلقى أهل البيت (عليهم السّلام) محناً وأرزاءً ، ويبرز الأوفياء مُلتفّين حول الاسرة النبويّة , عازمين على الموت دونها ؛ إخلاصاً لمحمّد ورسالته . ويقف الحسين (عليه السّلام) في كربلاء في أقلّ من مئة من الرّجال كانوا يُمثّلون في تلك السّاعة أنبل ما في الكون من سجايا ، وهل في الكون أنبل من أنْ يبذل الإنسان دمه طواعية ؛ وفاء لرجل وثباتاً على مبدأ وإخلاصاً لعقيدة ؟

ــــــــــــــــــــــــ

(1) من المجالس التّي أضفناها على الطّبعة السّابقة .

الصفحة ( 277 )

وتبارى الرّجال في التّضحية ، ومضوا يسقطون واحداً بعد الآخر . وكان في الرّكب الحسيني رجل بسيط ، لا يُحسب إذا حُسبت البطولات ، ولا يُذكر إذا ذُكرت التّضحيات ، لا يؤبه لرأيه ولا يُعد لمُهمّة من مُهمّات الاُمور . كان يؤمر فيُلبّي الأمر ، ويُستخدم فيخدم مُسرعاً ، كان أقصى ما يعرفه الرّفاق عنه أنّه خادم أمين وتابع مُخلص ، وما فوق ذلك فليس مما يرد اسمه على البال . كان رقيقاً من اُولئك الأرقّاء السّود الذين امتلأت بهم قصور العُتاة وبيوت الطُغاة ، وكانت أيّة حشرة تلقى عناية أكثر ممّا يلقاه أيّ واحد منهم ! وكان نصيبه أنْ وصل إلى يد أبي ذر الغفاري صاحب محمّد المُخلص ، وسمع أبو ذر النّبي (صلّى الله عليه وآله) يوصي بالأرقّاء خيراً ويحضّ النّاس على تحريرهم ، ومَن أولى من أبي ذر بتنفيذ وصايا النّبي ؟ فاعتق أبو ذر العبد جون وأرسله حرّاً .

وأصابت المحنة أبا ذر وطورد واضطُهد ومات منفيّاً في الرّبذة ، وظلّ جون فقيراً مُعدماً ، فتلقّاه أهل البيت (عليهم السّلام) بالحنان والعطف ؛ فقد كانت فيه ذكريات من صاحب جدّهم رأوها جديرة بالوفاء , فاحتضنوه وألحقوه بشؤونهم ؛ يقوم على رعاية بيتهم والعناية بأطفالهم ، وقضاء حاجات رجالهم .

ومشى الحسين (عليه السّلام) إلى كربلاء ، وهذه حال جون لا شأن له أكثر من هذا الشّأن , ولا مَن يُفكّر بإنْ يكون لجون دور فوق هذا الدّور ، وكان في حسبان الجميع أنّه سيغتنم أوّل فرصة للسلامة , فينجو وينشد الخدمة من جديد في بيت جديد . ولكن جون بقي في ركب الحسين (عليه السّلام) لم يُفارقه مع المفارقين ، وثبت مع الرّجال المئة الذين ثبتوا حتّى وصلوا إلى كربلاء , وظنّ النّاس أنّ جون سينتظر السّاعة الحاسمة ثُمّ ينطلق بعدها في طريق النّجاة ، ولكن الأيام مضت وجون في مكانه لم يبرحه ، وجاء اليوم التّاسع من المُحرّم وجون قائم على خدمة الحسين (عليه السّلام) ، فها هو


الصفحة ( 278 )

يصلح له سيفه ، والحسين (عليه السّلام) يُردد تلك الأبيات الشّهيرة التّي لم تستطع معها اُخته زينب إلاّ أنْ تذرف دموعها .

أمّا جون فلم يذكر أحد أنّه انفعل أو تأثّر أو بكى ، أتراه لم يفهم ما كانت تعنيه تلك الأبيات ؟ أتراه صلب العاطفة مُتحجّر القلب إلى حدّ لا يهزّه صوت الحسين (عليه السّلام) ينعي نفسه ؟ أتراه في تلك السّاعة في شاغل عن كلّ شيء إلاّ عن نفسه ، يُفكّر كيف يُدبّر وسيلة الخلاص عصر اليوم أو صباح الغد ؟ الحقيقة كانت فوق كلّ تصوّر ، ولم يبكِ جون ولم ينفلّ ولم يتأثّر ؛ لأنّ ما كان فيه كان فوق البُكاء والإنفعال والتأثّر . كان جون وهو يصلح سيف الحسين (عليه السّلام) ، والحسين ينشد أبياته ، كان جون يستعرض في ذهنه كلّ ذلك الماضي الحافل ، كان يتذكّر النّبي محمّداً (صلّى الله عليه وآله) وهو يرفع الإنسان الأسود إلى أعلى مراتب الكرامة حين عهد إلى واحد منهم بوظيفة مؤذّن النّبي الخاص , وكان يتذكّر تلك الاُلوف من السّود التّي انطلقت حرّة تنفيذاً لوصايا محمّد ، وكان كلّ ذلك يجول في ذهن جون مولى أبي ذر الغفاري .

وها هو سيف الحسين (عليه السّلام) الآن في يده لآخر مرّة يصلحه له ليقف به الحسين غداً على أعلى قمّة في التّاريخ فيهزّ الدّنيا كلّها ؛ لتشهد كيف تكون حماية الهُدى والحقِّ والخير ، وكيف تكون البطولات التي لا تبغي إلاّ الاستشهاد ذوداً عمّا تؤمن به وتعتنقه ، وكيف يرفض الاُباة الحياة إذا لم تكن كما يريدون ؛ حياة الحرّية والسّعادة للاُمّة ، وحياة الكرامة والحقّ لهم . غداً سيلمع هذا السّيف الحديدي في كفّ الحسين (عليه السّلام) ثُمّ ينثلم إلى الأبد ، ولكن سيف الحقّ الذي جرّده الحسين (عليه السّلام) سيلمع إلى الأبد دون أنْ ينثلم . وغداً سيعلوا صوت الحسين (عليه السّلام) بنداء الحرّية ثُمّ يصمت إلى الأبد ، ولكن صوت الحرّية الذي انطلق من فم الحسين (عليه السّلام) سيظلّ مدويّاً إلى الأبد .

كان جون يلجأ إلى صمت رهيب ، وظلّ صامتاً حتّى دنا الليل ، وأصغى


الصفحة ( 279 )

بكلّ جوارحه إلى الحوار البطولي الخارق الذي جرى بين الحسين (عليه السّلام) وأنصاره ، وهو يحرّضهم على تركه وحده والإنطلاق في سواد الليل ، وهم يردّون عليه واحداً بعد واحد رافضين لأوّل مرّة في حياتهم أوامره ، ويصرّون على أنْ يلقوا المصير نفسه الذي سيُلاقيه هو .

كان جون في تلك السّاعة يجلس في زاوية دون أنْ يأبه له أحد ، وكان يودّ من كلّ قلبه لو كان لصوت الزّنوج صوت بين هذه الأصوات ، ولكنّه فضّل الصّمت المُطبق . وفي الصّباح عندما تبارى الأبطال المئة متسابقين إلى الموت ، ومسى كلّ منهم يستأذن الحسين (عليه السّلام) ويودّعه ماضياً إلى مصيره ، تقدّم جون وهو في كلّ خطوة من خطواته لا ينفكّ مُصغياً إلى صوت زميله بلال الحبشي مُتعالياً فوق كلّ أصوات البيض ؛ تكريماً من محمّد واعزازاً . وربّما خطر له في تلك اللحظات منظر بلال وهو واقف على أشرف مكان وأقدس بُقعة على ظهر الكعبة حين أمره محمّد ساعة فتح مكّة أنْ يصعد فيُنادي بالأذان ؛ الأسود الذي كان عبداً ذليلاً قبل رسالة محمّد يصعد على الكعبة ، وهو في نظر النّاس أعزّ إنسان .

دنت ساعة الوفاء لمحمّد (صلّى الله عليه وآله) ، دنت السّاعة التّي يردّ فيها هذا الزّنجي ـ جون ـ بعض الجميل لمحمّد (صلّى الله عليه وآله) ، وهل أعظم في الوفاء لمحمّد (صلّى الله عليه وآله) من أنْ يموت ذوداً عن أبنائه ونسائه وتعاليمه ؟! وتقدّم جون من الحسين (عليه السّلام) ، وقد انقلب بطلاً مغواراً ، وقد تجمّعت فيه كلّ فضائل بني جنسه ؛ تقدّم يستأذن الحسين (عليه السّلام) في أنْ يكون كغيره من رفاق الحسين (عليه السّلام) .

والتفت الحسين (عليه السّلام) إليه وقد أخذته الرّقة له والحنان عليه ، ولم يشأ أنْ يورطه فيما لا شأن له به ، فقال له : (( أنت إنّما تبعتنا للعافية ، فلا تبتلِ بطريقتنا )) . ولكن جون البطل أجاب الحسين (عليه السّلام) : أنا في الرّخاء ألحس قصاعكم ، وفي الشّدة أخذلكم ! ثُمّ أردف هذا الجواب بكلمات لم يقصد بها الحسين (عليه السّلام) ، بل أراد أنْ


الصفحة ( 280 )

يوجهها للأجيال الماضية والأجيال الحاضرة والأجيال الآتية ؛ تلك الأجيال التّي لم ترَ للزنوج الكرامة التّي لهم ، فقال : إنّ ريحي لنتن ، وإنّ حسبي للئيم ، وإنّ لوني لأسود ، فتنفّس عليّ بالجنّة ؛ فيطيب ريحي ويشرف حسبي ويبيضّ وجهي . لا والله , لا اُفارقكم حتّى يختلط هذا الدّم الأسود بدمائكم .

لقد كان جون يعلم أنّه أكرم على الحسين (عليه السّلام) من اُلوف البيض ، وإنّ الحسين (عليه السّلام) أكرم من أنْ يراه لئيم الحسب نتن الرّيح . لم يكُن جون في الواقع يخاطب الحسين (عليه السّلام) سبط محمّد مكرم الزّنوج ، بل كان يقف على ذروة من ذروات التّاريخ ليقول للادعياء المفاخرين بألوانهم وأطيابهم : إليكم هذا الذي ترونه في نظركم لئيم الحسب نتن الرّيح ، إليكم به اليوم يطاولكم شرفاً وحميّة وشجاعة ووفاء فلا تصلون إلى أخمص قدميه ؛ منكم يزيد الأبيض اللون المتحدّر من عبد مناف المضمّخ بالأطياب ، ومنكم عبيد الله بن زياد ، ومنكم شمر بن ذي الجوشن وحجّار بن أبجر وقيس بن الأشعث وعمرو بن الحجاج ، منكم قبل هؤلاء وبعد هؤلاء كثيرون وكلّهم يشعّ بياضاً ويعبق طيباً ، وكلّهم يجرّ وراءه حلقات آباء وأجداد !

اُولئك غدروا بمحمّد (صلّى الله عليه وآله) الذي أخرجهم من الظُلمات ، فداسوا تعاليمه وحشّدوا على بنيه ، اُولئك يتهيؤون الآن ليرفعوا رؤوس أبناء محمّد على رماحهم ، وهذا الزّنجي وفيٌ لمحمّد (صلّى الله عليه وآله) الذي حرّره وأكرم جنسه ، فتقدّم ليذودكم عن بنيه وبناته وتعاليمه ، وهو يتهيّأ الآن ليسفك دمه دون ذلك ، فأيّكم اللئيم الحسب ؟ النّتن الرّيح ؟ الأسود الوجه ؟ أأنتم أم هو ؟

وحقّق الحسين (عليه السّلام) رجاء جون فأذنَ له ، ومشى جون مزهوّاً ببطولته ، معتزّاً بوفائه ، يودّ لو أنّ عينَي بلال الحبشي تراه في خطواته هذه ، وأنّ زنوج الدّنيا يطلّون عليه ليروا كيف مثلّهم في موكب البطولات ، وتكلّم باسمهم على منبر التّضحيات ، وكيف شرّفهم ساعة لا شرف إلاّ للنفوس العظيمة .


الصفحة ( 281 )

لقد ضارب جون الحرّ اُولئك العبيد باعمالهم ، السّود بقلوبهم ، وكان له ما أراد ، فامتزج دمه الأسود مع أشرف دم ؛ مع دم الحسين (عليه السّلام) سبط محمّد (صلّى الله عليه وآله) ، ومع دماء أهل بيته (عليهم السّلام) . ووفّى الزّنوج لمحمّد (صلّى الله عليه وآله) الذي رفع من شأنهم وأعلى أمرهم ، وتحقّق ما أراده جون ، فلم يُنفّس عليه الحسين (عليه السّلام) بالجنّة ، ولم يبخل عليه بأنْ يثبت بإنّه كريم الحسب ، طيب الرّيح .

 

المجلس السّادس والأربعون بعد المئة(1)

مُنذ ولدت هذه المأساة ، وهي تموّن الفكر العالمي بأرفع ما وصلت إليه البطولة ، وأقصى ما بلغه الاستشهاد ، ثُمّ تموّن العاطفة بأشجى ما وصل إليه الحزن النّبيل . وبرغم القرون المتتابعة على ولادتها بقيت معانيها تتجدد في كلّ لحظة ، وبقيت مصدراً عجيباً من مصادر الوحي الغنيِّ للأقلام السّائرة في دروب الحياة إلى مُنتهى القمم الشّوامخ . من ذلك الزّمن الذي وقعت فيه إلى هذا اليوم الذي تنفصل بينه وبين يومها الأول أربعة عشر قرناً ، وهي تبدو وكأنّها على موعد مع التّجديد الرّائع في سمو المعاني وسمو الأقلام التّي يسيل في لعابها نشيد الخلود .

عظمة هذه المأساة لم تكن في اختيار الموت على الحياة ، أو مواجهة العدد القليل للعدد الهائل الكبير ، أو في الصّبر المُذهل أمام وحوش الغابات وإنْ كانت

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) من المجالس التّي أضفناها على الطّبعة السّابقة وهو بقلم الاستاذ محمّد شرارة .


الصفحة ( 282 )

هذه المعاني فصولاً خالدة من فصولها الكثيرة ، وإنّما كانت في شيء آخر . . . كانت في ذلك التّحدي المُخيف للطغيان الأحمق والظّلم البليد والجبروت الغبي . . . نعم كانت في هذا المعنى الذي ينتصب في تاريخ الشّعوب كما ينتصب المارد الجبّار ، ويلوح كما يلوح العملاق أمام الزّرازير الجبانة .

وفي عقيدتي إنّ طُغاة الحُكم الاُموي كانوا أجهل النّاس بالأخلاق العربية العامّة ، كما كانوا أغبى النّاس في معرفة النّفس العربية البسيطة ووعي أسرارها . وقد ظنّ اُولئك الأغبياء الحمقى أنّ المال وحده كافٍ في اماتة كلّ نبل وابادة كلّ شرف ، وأنّ شراء عدد من زعماء العرب في ذلك الوقت كان في القضاء على الجوهر النّبيل الذي يشعّ في قلوب البسطاء من الجماهير الكبيرة الواسعة ؛ وبالتّالي كافٍ في القضاء على الحسين (عليه السّلام) ومدرسته القائمة على تحدّي الطُغيان والوقوف في وجهه مهما ارتفع عبابه .

وفي ظُلمة هذه الغباوة اشتروا عمر بن سعد ـ الطّامع بإمارة الرّي ـ وأماثله من الزّعماء الأذلاّء الذين تهاووا على بريق الذّهب ، كما يتهاوى الفراش على لهيب النّار ؛ وبالتّالي استطاعوا أنْ يقتلوا الحسين (عليه السّلام) وأصحابه بذلك الشّكل الذي أخرج كلّ ما في نفوس الطُغاة من نذالة وحقد وجبن ، وإسفاف وازدراء بالقيم . ولكن هل استطاعوا أنْ يقضوا على تلك المدرسة النّبيلة التّي أنشأها الحسين (عليه السّلام) ، وخلق لها بتضحيته وتضحيات أصحابه وأهله المُثل العملية العُليا ؟ الجواب معروف عند كلّ مُلمّ بالتّأريخ وحركته .

لقد ووجه الحكم الاُموي بكثير من الغضب ، وكثير من الصّفعات ، كما ووجه في كثير من الأحيان بكثير من الاحتقار ؛ وفي ذلك الحوار المُذهل الذي دار بين يزيد وزينب بنت علي (عليها السّلام) ما أشعر يزيد ـ إنْ كان عنده شعور ـ بإنّ الدّنيا مُقبلة على عاصفة , وإنّ قتل الحسين (عليه السّلام) لم يكن سوى نذير يكاد يزعزع الأرض تحته .

لقد شمت الطّاغية الأحمق بقتل الحسين (عليه السّلام) أمام اُخته ، وظنّ أنّ زينب امرأة ذليلة هانت عليها الكرامة بعد قتل مَن قُتل من أهلها وذويها ، فراح يتحدّاها


الصفحة ( 283 )

ويتحدّى الكرامة الشّامخة في تلك النّفس العظيمة التّي يجب أنْ تكون مُثلاً لكلّ امرأة كريمة . فماذا كان موقف زينب (عليها السّلام) ؟ وكيف كان ردّها على شماتة الشّامت الخسيس ؟ : وإنْ جرت عليّ الدّواهي مخاطبتك ، فإنّي لأستصغر قدرك ، وأستعظم تقريعك ، وأستكبر توبيخك .

بهذه الكلمات القليلة أجابت زينب ، ولكن أيّة كلمات هذه الكلمات ؟ وأي عوالم من التّحدي تحمل في كلّ حرف من حروفها ؟ لو عضّ يزيد الحديد في تلك اللحظة لكان ذلك أهون عليه من أنْ يسمع حرفاً واحداً منها إنْ كان عنده إحساس ؛ مهما يكن شعوره فقد أدرك بالتأكيد أنّ مدرسة الحسين (عليه السّلام) باقية وأنّها ستبقى ، وأنّ السّعادة التّي تخيّلها حائمة عليه ، أو ستحوم عليه بقتل الحسين (عليه السّلام) وأصحابه لن تكون سوى نعش له ولدولته .

وقبل زينب وقف رجل في الكوفة(1) أمامَ عبيد الله بن زياد موقفاً لا يقلّ عن موقف زينب ، ودفع حياته ثمناً لموقفه ، ثُمّ تتابع الزّمن وتتابعت المواقف الخالدة ، ومعنى ذلك أنّ يزيد فشل ، وأنّ الدّرس الذي ألقاه الحسين (عليه السّلام) على الأجيال بقي ينتقل من جيل إلى جيل ، وسيبقى على تنقُّله ما دام للكرامة قيم ، وللأخلاق مُثل عُليا .

* * *

ــــــــــــــــــــــــــ

(1) هو عبد الله بن عفيف الزّدي .


الصفحة ( 284 )

المجلس السّابع والأربعون بعد المئة(1)

خلا الجوُّ لمعاوية بعد مقتل الحسن (عليه السّلام) بالسمّ ، أمّا زياد بن أبيه فقد تكفّل بالقضاء على كلّ العناصر القيادية في العراق ، مستعملاً في ذلك أبشع الوسائل .

وفي المدينة عاشت الإرستقراطية العربية في بحبوحة من العيش , عاشت في قصور ناعمة يُجلب إليها من كلّ الأقطار وسائل التّرفيه , ويعيش في غُرفاتها القيان والعبيد ، ويجلس الأمير في حاشية من صحبه وخدمه والمتزلّفين إليه .

وكانت إرستقراطية المدينة تتكوّن أساساً من الولاة السّابقين الذين فرّوا بمال بيت المال ، أو أغدق عليهم معاوية ما شاءت له سياسته ؛ ليتقاعدوا ويكفّوا يدهم عن السّياسة ، ومن كبار المحاربين ذوي الاُعطيات الضّخمة وأصحاب الثّروات الطّائلة ، ومن أبناء هؤلاء جميعاً وأتباعهم . وستصبح المدينة بعد ذلك مكانا شاعريّاً يظهر فيها الغناء والشّعر ، والموسيقى والرّقص كأزهى ما كانت عليه مدينة في عصور الازدهار القديمة .

ومن المُمكن تصوّر كيف كانت تفكّر هذه الإرستقراطية ؛ كانت أحاديث السّياسة هي الغالبة ، وكان البحث عن مواقع القُرى ومراكز التّجمع والأنصار شغلهم الشّاغل في المدينة , كذلك كان الحسين (عليه السّلام) ظاهراً كأكثر الرّجال

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) من المجالس التّي أضفناها إلى الطّبعة السّابقة . وهذا المجلس مع المجالس الثّلاثة التّي تليه ، بقلم الاستاذ أحمد عباس صالح .


الصفحة ( 285 )

شعبية ، وأظفرهم برضاء عامّة المُسلمين وقواعدهم , وكان هُناك أيضاً عبد الله بن الزّبير ، كما كان هناك سعد بن أبي وقاص ، كما كان هناك مروان بن الحكم قطب بني اُميّة الكبير ، كما كان هناك عبد الرّحمن بن خالد بن الوليد , وغير هؤلاء كثيرون من نفس الطّبقة أو أقلّ قليلاً .

وكلّ من هؤلاء كان يتطلّع إلى الخلافة وينظر إلى السّياسة ويُفكّر فيها من هذه الزّاوية , ووراءهم مباشرة يأتي الولاة الذين يستمدّون سُلطانهم في حكم أمصار ضخمة كالعراق ومصر وغيرهما من الإنضمام إلى هذا الفريق أو ذاك . والنّظام الفوقي للدولة يتكوّن عموماً من هذه الإرستقراطية التّي تصطرع فيما بينها على السّلطة , وتكوّن كلّ منها تجمّعات حولها في مواقع مختلفة تستفيد منها في تدعيم نفوذها , وتتربّص باللحظة المُناسبة للوثوب إلى السّلطة .

ولكن أقوى الأحزاب جميعاً هو الحزب الحاكم المنتصر ؛ حزب معاوية الذي لم يكن يملك النّفوذ فقط ، بل يملك القوّة الرّسمية الضّاربة أيضاً , وهي القوة الوحيدة المُنظّمة . وإذا كانت الإرستقراطية العربية المُقيمة في المدينة تملك المال الوفير ، فإنّ هذا المال لا يُقاس ببيت المال الذي يتحكّم فيه معاوية ، والذي يُجبى إليه من جميع الأمصار التّي تخضع لحكم الدّولة .

وفي هذا الصّراع العنيف من أهل السّلطة كثرت التجمعات ، وغلبت المصلحة على كلّ شيء ، ووصلت الأخلاق العامّة إلى أقصى درجة من الانحدار . ورأينا كيف يخرج الرّجل من ولاء إلى ولاء في سهولة ويسر ، وهو في ولائه الثّاني أكثر التزاماً من ولائه الأوّل ، ثُمّ لا يلبث أنْ ينتقل إلى ولاء ثالث بنفس القوّة على تعارض كلّ جبهة من هذه الجبهات ! وكان القتل هو أبسط الوسائل التّي يستعملها الحكّام في هذا الصّراع ، إذ كان التّمثيل بالجثث والصّلب على الأشجار ، وتقطيع الأيدي والأرجل ، وألوان العقاب


الصفحة ( 286 )

البدني المختلفة هي لغة الحديث اليومية ، أمّا الوقيعة والدّس والتّزلّف والخيانة والسّرقة والنّهب ، فهي السّمة العامّة لتلك المرحلة . وفي سبيل السّلطة لم يكن الرّجل ذو النّخوة يخجل من أنْ يثلم عرضه إذا كان في هذا منفعة .

وقُصّة زياد بن أبيه قصّة غريبة تدعو للتأمّل ؛ حيث نَسبه معاوية إلى أبيه ـ أبي سفيان ـ ليكون أخاه ، مُدّعياً أنّ أبا سفيان قد عاشر اُمّه سميّة , وهي زوجة رجل آخر ، فأنجب زياداً منها . وأغرب ما في هذه القصّة ، إنّ ادّعاء هذه الإخوّة تمّ في مجلس علني رسمي حتّى يتحقق الإدّعاء على رؤوس الأشهاد ، فلم يخجل منه زياد , موازناً بين مغانم هذه الإخوّة وبين ازداراء النّاس له , ففضّل اخوّة الخليفة على سلامة العرض . وزياد كان في أوّل أمره مع علي (عليه السّلام) . ثُمّ على يدي زياد لاقى العلويّون القتل والصّلب والتّقطيع بعد أنْ عمل لمعاوية ، وكان بينه وبين البشر ثأراً قديماً .

وزياد هو صاحب قصّة حجر المشهورة التّي قتل فيها ستّة من المسلمين الشّرفاء ؛ لأنّهم رفضوا أنْ يسبّوا عليّاً (عليه السّلام) أمام النّاس ، فهذا الإنتهازي الغريب الذي كان إلى جانب علي (عليه السّلام) كان يدعو النّاس فيأمرهم بأنْ يسبّوا عليّاً (عليه السّلام) حتّى إذا امتنعوا أوقع بهم أبشع أنواع العذاب .

وقصّة حجر وأصحابه أخذت من كتب التّاريخ الإسلامي صفحات كثيرة , فكان يؤتى بالرّجل منهم بعد أنْ يُحفر قبره أمامه ليعدل عن موقفه , فإذا أبى قُتل ودُفن في قبره المحفور . والذي فعله زياد هذا يقصر عمّا فعله بعده ولده عُبيد الله بن زياد .

على أنّ هناك حادثة اُخرى تُثير التأمّل ، وتكشف عمّا يستطيع أنْ يفعله


الصفحة ( 287 )

الطّموح إلى السّلطة بالإنسان وكرامته ، كما تستطيع أنْ تكشف عن أخلاقيّات معاوية ووجهة نظره إلى الحياة .

فهناك رجل اسمه عبد الله بن سلام كان والياً لمعاوية على العراق , تزوّج من امرأة هي اُرينب بنت إسحاق ، وقيل : إنّها كانت أجمل امرأة في عصرها ، وإنّ يزيد بن معاوية رآها فأحبّها حتّى أمرضه الحبُّ ، وعرف معاوية بهذه القصّة وأنّ المرأة امتنعت على ولده ، ففكّر في أنْ يُطلّقها من زوجها ليزوّجها من يزيد . فأرسل معاوية إلى عبد الله بن سلام فاستدعاه , وعندما جاء قرّبه إليه ثُمّ فاتحه في أنْ يزوّجه من ابنته , فما كان من الرّجل إلاّ أنْ طار فرحاً , ولكنّ معاوية عاد فقال : إنّه لا ينبغي أنْ يجمع إلى زواجه من ابنته زوجة اُخرى . ولم يُفكر عبد الله بن سلام إلاّ قليلاً , فطلّق امرأته اُرينب , وبعد الطّلاق فوجئ بإنّ ابنة معاوية ترفض زواجه , وأنّ معاوية رجل مُتحضّر يرفض أنْ يُرغم ابنته على زواجٍ تأباه .

أمّا اُرينب فقد رفضت طلب رسول معاوية ، وإنقاذاً للموقف سارع الحسين (عليه السّلام) بزواجها ، حتّى اذا رجع عبد الله بن سلام خائباً ردّها الحسين (عليه السّلام) دون أنْ يقربها .

مثل هذه القصّة تكشف عن المدى الذي وصلت إليه أخلاق النّاس ، وكيف استطاع الحُكم أنْ يُفسد هذه الأخلاق حتّى يهبط بها إلى هذا المستوى ! وسنجد أنّ الأخ يخذل أخاه ، والابن يعقُّ أباه ، وأنّ الخوف والطّمع هُما المُحرّكان الأساسيان في هذا المُجتمع .

وفي هذا الجوِّ المُخيف من انهيار القيم , فكّر معاوية في أنْ يورّث الخلافة في بيته ، ولم ينقضِ نصف قرن على الإسلام .

وتروي الكتب القديمة : أنّ معاوية قد اُوحي إليه بهذه الفكرة من أحد الدّهاة المُتزلّفين هو المغيرة بن شعبة ، وكان الخليفة قد غضب عليه في أمر من الاُمور ،


الصفحة ( 288 )

فاراد أنْ يشتري رضاءه بهذه الزّلفى ، وأنْ يضيف إليها إسهامه في انتزاع البيعة من الولاية التّي يحكمها .

ومثل هذه الرّواية لا تستبعد في هذه الظّروف ، والواقع يؤكدها ؛ فقد انتهى الأمر فعلاً إلى خلافة يزيد بن معاوية . ولكنّ الغريب أنّ يزيد هذا كان سكّيراً عربيداً متبطّلاً ، وقصّة غرامه باُرينب بنت إسحق تكشف عن طبيعته المتبطّلة المتفسّخة ، وأنّها لجرأة في النّفاق من المغيرة بن شعبة هذا أنْ يقترحه على معاوية خليفة للمسلمين ! وبدأ معاوية يعمل لتنفيذ الفكرة ، غير عابئ بردّ الفعل الخطير الذي سيحدثه في الرّأى العام للمسلمين ، فما من مسلم إلاّ ويعلم سيرة يزيد ، وما من مسلم إلاّ ويرفض أنْ يتحوّل الإسلام إلى كسروية أو قيصرية . ومع ذلك فقد فُرض يزيد خليفة على المسلمين وبويع بالخلافة في عهد أبيه !

ولسنا في حاجة إلى تقصّي قصّة هذه البيعة , ولا ما قيل من روايات كثيرة عن الاُسلوب الإرهابي الذي اتبعه معاوية , إلاّ أنّ الواضح أنّ الشّعب كان في وادٍ والسّلطة في وادٍ آخر . وحين يحكم السّيف ، تضيع الكرامة ويستسلم النّاس ويستدعون من أنفسهم كلّ الكوامن الخبيثة ؛ ليعايشوا السّلطة القاهرة بأسلحة من طباعها .

 

المجلس الثّامن والأربعون بعد المئة

في بعض فترات التّاريخ يبدو الواقع حادّاً شديد الحدّة ، فيُخيّل للإنسان الذي يُعايش هذا الواقع أنّ كلّ ما قرأه عن القيم الخيّرة ، والنّزوغ البشري إلى الخير ، إنْ هو إلاّ أوهام كتّابٍ حالمين لم يصطدموا بالواقع ، فعند احتدام هذا الواقع لا يستطيع الإنسان أنْ يُميّز بين الخطأ والصّواب .


الصفحة ( 289 )

وحين ينتصر الباطل في أفضع صوره ، في موقعة إثر موقعة ، ويكتسح الحكم الإرهابي أمامه كلّ العقبات ، يحدث ما يشبه الوباء العام ، وتصبح أغلبية النّاس جبناء وانتهازيين ، وقتلة ومُجرمين حتّى يصعب تصديق أنّ الطّبيعة الإنسانيّة تحتوي على أي أساس يمتّ للخير بصلة .

إنّ نفوس النّاس تنهار واحدة إثر الاُخرى ، والعدوى تنتقل انتقال الوباء المستشرى ، وتفقد البشرية إحساسها بالكرامة ، وكأنّها هي تحكُم على نفسها بالانّّحطاط إلى أبعد مدى ، تعاقب نفسها بما ترتكبه من آثام . وليست بعد ذلك صراعاً بين قوى ظالمة وقوى مظلومة ، إنّما هي في الواقع صراع بين القيم الإنسانيّة العُليا والقيم السّفلى .

ومهما تلبس القوى المُتحكّمة تصرفاتها من أردية المنطق والعدالة والسّياسة ، فإنّها في الواقع تنخر في صميم الكيان البشري ، وتوشك أنْ تودي بهذا الكيان إلى الفناء . وكلّ سلطة متحكّمة ترى دائماً ـ إلى جانب السّيف والمال ـ مفكريها الذين يفلسفون التّسلط ويبررونه ، ولقد كان معاوية يُردّد كثيراً : ( يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ )(1) . وكأنّ مُلكه قدر إلهي ، وأنّ هذا القدر قد اختاره ؛ وبناء على ذلك فكلّ سلوك له يستمد شرعيته من هذا الاختيار !

ولنا أنْ نعجب وندهش من تلك الآراء التّي تعبّر عن نفسها بوقار العلم والموضوعية ، وبمنطق حتمية التّأريخ ، لتصور المرحلة على أنّها مرحلة بناء الدّولة وأنّ معاوية كان رجل دولة ، وفي سبيل هذا البناء التزم سياسة واقعية بارعة في مقابل سياسات خيالية اتّبعها خصومه من أصحاب الدّعوة إلى العدل الاجتماعي والكرامة الإنسانيّة !

وكثير من هؤلاء المؤرّخين يرون : أنّ منطق التّطور من الوضع القبلي إلى الدّولة

ــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة البقرة / 247 .


الصفحة ( 290 )

المركزيّة هو الذي يبرّر كلّ ما حدث من جرائمٍ لإنشاء هذه الدّولة ، ومع ذلك فالدّولة لم تُعمّر بعد ذلك إلاّ ستّين عاماً ، ولم تلبث أنْ انهارت انهياراً كاملاً .

كان ( صن بات صن ) الزّعيم الرّوحي للصين الحديثة يقول عقب كلّ فشل لثورته الوطنية : هذا هو فشلنا الرّابع أو الخامس أو العاشر . . . إلى آخر سلسلة الفشل التّي تعرّضت لها الثّورة الصّينية قبل أنْ تنتصر . والواقع أنّ تأريخ البشرية جميعاً هو سلسلة من الثّورات الفاشلة ؛ حتّى تتحقّق ثورة ناضجة لا تلبث هي الاُخرى أنْ تتجمّد أو تُغتصب لتظهر ثورات اُخرى تُتابع في فشلها حتّى يتحقّق النّصر الحاسم . والثّورة ليست سابقة لأونها أبداً ؛ فالشّرارة الاُولى هي دائماً الإعلان الحاسم بوجوب نقلة اُخرى ، وهذه النّقلة قد تُنتظر طويلاً حتّى تتحقّق ، ولكن دون أنْ تظهر هذه الشّرارة فإنّ الثّورة لا تولد ، بل تصبح في حكم العدم .

والثّورة ليست مجرّد تغيير تُنشده وتعمل له مجموعة مقهورة لتلقي قهرها وتسترد حقوقها ؛ بل هي أعمق من هذا ، إنّها طريق في سلّم التّطور الأخلاقي للمجموعة البشرية , وهذا السلّم يبدأ من السّلوك الفردي في أبسط صوره إلى السّلوك الجماعي للاُمّة والإنسانيّة بشكل عام . وكان الصّراع من أجل توزيع الثّورة هو ذريعة قانون التّطور للوصول إلى مُستوى أخلاقي أعلى للمجموعة البشرية ؛ وآية ذلك إنّ قادة الثّورات لا تُحرّكهم إلى الثّورة ضغوط الحرمان أو القهر وحدها ، بل قيم إنسانيّة أعلى من القيم السّائدة ؛ بل إنّ هؤلاء القادة غالباً ما يكونون واقعين تحت ضغوط غير مادّية ، بل لعلّهم في الأغلب لا يُعانون من أي ضغط أو حُرمان مادّي .

 إنّ التركيبة النّفسية لقادة الثّورة تتناقض مع القيم الأخلاقيّة السّائدة في مجتمعهم ، فهم يحسّون بدوافع قويّة للدفاع عن المُثل التّي اُهدرت , ويشعرون باختلال الطّريق البشري إلى الارتقاء الرّوحي , وأنّهم ينذرون لإعادة


الصفحة ( 291 )

الجماعة الإنسانيّة إلى الطّريق السّوي .

وكثيراً ما يكون القائد الثّوري محكوماً عليه بالإندفاع في طريق الثّورة ؛ بحيث لا يملك التّراجع حتّى ولو أراد . إنّ طبيعته تدفعه إلى الثّورة حتّى لحظات الخطر الماحق والعذاب الرّهيب . ولسنا ندري لماذا يختار البطل الثّوري الجانب الخاسر في اللحظات الحاسمة حين يكون الإختيار بين أمرين : التّراجع الآمن ، والعذاب المحقّق ؟ وكما ينطبق هذا على الثّائر القائد ينطبق على الثّائر الجندي .

وعلى المشانق والمقاصل والصّلبان ، وفي حجرات التعذيب الحديثة والقديمة يظهر هذا الجنون المصمّم المنتحر ؛ وهو جنون يُقابل جنوناً من نوع آخر , جنون السّلطة الذي يُجافي كلّ قيمة من القيم الإنسانيّة ، جنون وحشي مصمّم يثير من الدّهشة ما يثيره من ثبات الثّائر وإصراره .

وأروع لحظات الاستشهاد لا تظهر إلاّ في لحظات الإنحدار الرّوحيّة الشّديدة , وكأنّ المجموعة البشرية تطلق كلّ امكانياتها في هذه اللحظات الشّديدة الخطورة ، عندئذٍ يصبح الصّراع الطّبقي مُجرّد ذريعة لتتخطّى البشرية هوّة الإنحدار الأخلاقي . وأمامنا الكثير من قصص الغدر والخيانة والتّوحش في تلك الفترة , لتدلّنا على مدى ما وصل إليه الإنهيار الأخلاقي في تلك الفترة التّي عزم فيها الحسين بن علي (عليه السّلام) على التّصدي للنظام .

فلقد رأى الحسين (عليه السّلام) كيف تخاذل الأنصار عن أبيه (عليه السّلام) ، ورأى ضعف النّاس إزاء السّلطة والإغراء ، ورأى غير ذلك من الحوادث الغريبة التّي تشكك الرّجل في نفسه ، ومع ذلك خرج الحسين (عليه السّلام) وهو يحسب أنّ النّاس ما زالوا يطلبون العدل الإجتماعي ، وأنّه من الطّبيعي أنْ ترفض الكرامة البشرية أنْ يُفرض عليها حاكم


الصفحة ( 292 )

سكّير عربيد في مجتمع يعتبر السّكر والعربدة معصية تستوجب عقاب الله والمُجتمع .

والحسين (عليه السّلام) من اللحظة الاُولى قد اختار دوره ، أو على الأصح قد اختاره دوره ، فطبيعته ترفض كلّ ما يحدث ، وهي ترفضه لحد الأزمة . إنّ السّيف والإرهاب يُطالبانه بالبيعة ليزيد فلا يُبايع ويأوي إلى مكّة . وفي مكّة يتقاطر حوله النّاس يدعونه إلى الخروج وطلب البيعة ، ولو لم يطلب إليه النّاس ذلك لكان قد خرج أيضاً أو لمات قهراً ، فإلى جانب الذين حضّوه على الخروج كان هناك الذين يحضّونه على ايثار السّلامة ، وكانوا من أخلص النّاصحين له ، ومع ذلك لم يقبل السّلامة .

جاءته الكتب من العراق بأنّه لو وفد عليهم لبايعوه ، فاتّخذ هذه الكتب ذريعة ليلعب دوره المقدور عليه . أرسل ابن عمّه مُسلم بن عقيل إلى أصحاب هذه الكتب يستطلع الأمر ، واستُقبل مُسلم استقبالاً حسناً ، ولم يملك الوالي هُناك أنْ يتصدى له ، بل كلّ ما فعله هو النّصح . فما إنْ علم مُستشارو الخلافة الدّهاة بموقف الوالي حتّى اقترحوا عزله وتعيين عُبيد الله بن زياد بن أبيه مكانه , فجاء عبيد الله هذا ، وهو النّموذج المُقابل لمُسلم وللثّوار ، رجل السّلطة الذي تحكمه طبيعته أيضاً ليوغل في الإثم إلى الدّرك الأسفل .

ونشبت المعركة سجالاً بين الجُبن والشّجاعة ، وبين اللؤم والنّبالة ، فهو يفرّ من وجه الجماهير ويحتمي بالقصر ، ثُمّ يظهر في صورة الجبّار حين تتفرّق الجماهير ، ويخلف العهد ويغري بالمال ويغري بالسّلطة ، ويستعمل سلاح الإرهاب والتخويف حتّى يستطيع أخيراً الظّفر بمُسلم فيقتله قتلة شنعاء ، ويُلقي بجثّته من أعلى القصر .

وتأتي كُتب مُسلم إلى الحسين (عليه السّلام) بأنّ عشرات الاُلوف ينتظرونه لمبايعته ، ويتحرك الحسين (عليه السّلام) فيبلغه ما حدث لمسلم ، وبدلاً من أنْ يتراجع مؤثراً السّلامة يُقرّر المُضي إلى العراق ؛ مُحتجّاً لنفسه ولأهله ونفره القليل بأنّه حين يدخل العراق سيلتفّ النّاس حوله ، وكان يعني أنّ وجوده بينهم سيقضي على خوفهم وتخاذلهم ويردّهم


الصفحة ( 293 )

إلى آدميتهم ، وهو بذلك يُحدّد دوره ؛ أنّه بعث الرّوح من جديد ليس أكثر .

ويمضي الحسين (عليه السّلام) وليس معه إلاّ سبعون رجُلاً ونساؤه وأطفاله ، وفي هذه اللحظة يكون الحسين (عليه السّلام) قد أدرك الموقف كلّه ، فهو يعلم أنّ جيوش عُبيد الله بن زياد قد تعترضه ، بل هي تعترضه قطعاً ، وعندئذٍ تكون النّهاية .

ولكن الحسين (عليه السّلام) كان يعلم أنّه لا بُدّ من فدية شخصيّة ، فدية تتوهّج بالدّم ، وكان هو الوحيد الذي يملك أنْ يتقدّم كفدية تهزّ الضّمير ـ شبه الميّت ـ في قلب الاُمّة .

 

المجلس التّاسع والأربعون بعد المئة

إنّ أمر الحسين (عليه السّلام) ليس حنكة سياسية وليس غفلة سياسية ، ليس واقعية اورومانتيكية ، إنّه أمر واضح تماماً يرتفع عن مستوى الغفلة أو الخيال . أذكى وأشرف رجل في عصره يقدّم نفسه ليوغل فيه أعداء القيم العليا ما شاء لهم انحدارهم ، كآخر ما يستطيع أنْ يصل إليه الشرّ ، فتكون الصّرخة التّي توقظ ضميراً خربوه بكلّ الوسائل .

وهكذا مضى الحسين (عليه السّلام) في طريقه إلى العراق ، فتخاذل عنه مَن تخاذل ، واختفى حوله صغار النّاس الذين ساروا في موكبه أول الطّريق حين علموا بخروجه إلى البيعة . لم يمضِ معه إلاّ هؤلاء الذين تمثّلت فيهم الثّورية بمعناها العميق ، ثورية التغيير الجذري للقيم ذاتها .

وتبلورت القوى الثّورية هُنا في هذه الجماعة الصّغيرة التّي تقطع الصّحراء ، مُتحدّية مُصمّمة ، ليس لها من أمل إلاّ في أنْ تعدى النّاس بالثّورة وإنْ تعدى بالذّات تلك الجيوش التّي قد تقطع عليها طريقها إلى العراق ، وهذا الأمل هو الذّريعة التّي يتذرّع بها الحسين (عليه السّلام) ليُحقق هدفه ، وهو الشّهادة في أكمل صوره .


الصفحة ( 294 )

وفي الطّريق يسأل (عليه السّلام) مجمعاً بن عبيد العامري ويجيبه : أمّا أشراف النّاس ، فقد اُعظمت رشوتهم ومُلئت فرائرهم ، فهم ألب واحد عليك ؛ وأمّا سائر النّاس فإنّ قلوبهم تهوي إليك ، وسيوفهم غداً مشهورة عليك .

وفي هذه الجملة تلخيص ذكي للقوى القائمة ، فكُبراء النّاس , هؤلاء الذين يملكون الثّروة ، لم يعد يهمّهم في شيء أنْ يخرج حفيد النّبي ، بل لعلّ خروجه يهمّهم من زاوية اُخرى ؛ وهو أنّ هذا الحفيد يُريد أنْ يُغيّر مراكز القوى , وأنْ يُعيد توزيع الثّروة ، وأنْ يمضي في نفس الطّريق الذي مضى فيه أبوه (عليه السّلام) ، فهو من هذه النّاحية عدو طبقي لا يُهمل خروجه في طلب البيعة ، إنّه الحسين بن علي ، ابن فاطمة الزّهراء ابنة رسول الله (عليهم السّلام) ، والسّلطة قوية ولتفعل ما تشاء .

ولكن السّلطة ليست بهذه البلاهة ، إنّها لا تُلقي بدمّ الحسين (عليه السّلام) على عاتقها وحدها , فمَن أراد أنْ يُدافع عن ثروته ، وعن مركزه الإجتماعي فليشترك في دمّ الحسين (عليه السّلام) . وسنرى أنّ رجالاً من هذه الطبقة اُهيب بهم أنْ يشتركوا في قتل الحسين (عليه السّلام) , وكانوا بين خوف من غضب السّلطة والشّك في ولائهم للمصلحة الطّبقية الواضحة ، وبين أنْ يأثموا بدمّ الحسين (عليه السّلام) . على أنّ الأمر لم تكن له هذه الخطورة ؛ فمن قبل قُتل علي (عليه السّلام) نفسه ، ومن بعده قُتل الحسن (عليه السّلام) مسموماً ، كما قُتل محمّد بن أبي بكر .

إنّ الإحساس بالإثم كان إحساساً هيّناً يمرّ بالخاطر مرّاً سريعاً , ولولا أنّ الحسين (عليه السّلام) بالذّات تربّى في حجر النّبي ، ولولا أنّه رجل يُمثّل الصّورة المُثلى للإسلام ، لما مرّ مثل هذا الخاطر بأحد . ومن النّاحية الاُخرى فإنّ سائر طبقات الشّعب قد بلغ بها القهر والشّك والخوف ما يجعلها تتردّد ألف مرّة في الثّورة ، وفي العراق بالذّات كان الرّجل يؤخذ بمجرد الشّبهة ، وسيرة زياد بن أبيه لم تُنسَ بعد ، فقد خطب فيهم خطبة خطيرة وردَ فيها أنّه سيأخذ البريء بالمُسيء .

لاقى شعب العراق صنوفاً من الضّغط لم يلقها شعب آخر ، جيلاً وراء جيل ،


الصفحة ( 295 )

فكيف كان يُمكن لهذا الشّعب المطعون أنْ يهب لمُساندة الحسين (عليه السّلام) والخوف يقضي على كلّ كرامة ، وقد استطاع الحُكم الاُموي أنْ يزرع الخوف وأنْ يجعله القوت اليومي للشعب العراقي ؟! وبهذه الصّورة لم يكن لخروج الحسين (عليه السّلام) إلاّ معنى واحد هو الشّهادة .

وأي سياسي آخر غير الحسين (عليه السّلام) كان يستطيع تقدير الموقف ، وأنْ يتراجع في الوقت المُناسب ، أو يرى طريقاً آخر للكفاح ؟ أمّا التراجع ، فقد كانت فرصته أمامه حين شارف أرض العراق وجاءته أنباء مقتل رسوله مُسلم بن عقيل وانفضاض النّاس من حوله ؛ ومع ذلك فقد استمع باهتمام إلى واحد من صحبه يقول : ما أنت مثل مسلم بن عقيل ، ولو قدمت الكوفة لكان النّاس إليك أسرع .

واقتنع الحسين (عليه السّلام) ، لم يفكّر ولم يتدبّر موقفه . أكان ذلك عن سوء تدبير ؟ لا يستطيع أحد أنْ يحكم هُنا بسوء تدبير الحسين (عليه السّلام) ؛ فهو مُنذ تحرّك من مكّة كان يعلم أنّ الوضع قد بلغ الحدّ الذي يدفع إلى المواجهة إلى القتال الصّريح مهما تكن القوّة التّي تُجابهه ؛ وقد تأكّد له الموقف بعد ذلك حين أرسل قيساً بن مسهر الصّيداوي فقُتل هو الآخر ، ثُمّ عاد فأرسل عبد الله بن يقطر فاُلقي من شُرفات القصر .

أيّ شيء إذن كان يتوقّعه ؟! إنّه يلحّ في الإتصال بالشّعب ، فقد وضع أمله فيه وإنْ لم يستطع الاتصال به عن طريق الكتب ؛ إذ كان رُسله يُقتلون واحداً بعد الآخر ، فليس هُناك إلاّ أنْ يتصل بهم بحدث يُزلزل كيانهم . أهذا كان تفكير الحسين (عليه السّلام) ؟

ليس من الضّروري أنْ تكون هذه الفكرة واضحة في الذّهن ، يكفي أنْ


الصفحة ( 296 )

تكون هي الموجّه لكلّ تصرّف ، وجميع تصرّفات الحسين (عليه السّلام) تؤكد أنّ مثل هذه الفكرة وراءها .

لم يكن أمامه إلاّ أنْ يتراجع ، وكان له أكثر من مُبرّر للتراجع ؛ فهؤلاء الذين كتبوا إليه يستقدمونه انفضّوا عن رسوله حتّى قُتل . وها هو ذا يرسل رُسلاً آخرين فلا يكون حظّهم خيراً من حظّه . فلماذا لم يتراجع ؟ إلاّ أنّه كان عليه عندئذ أنْ يمنح البيعة ليزيد ، وكانت هذه في رأيه أكبر الكبائر .

أيعتكف في حرم الكعبة ؟ وهل كان ليزيد أنْ يتحرّج عن قتله في قلب الحرم ؟

ليس أمامه إلاّ أنْ يمضي في طريقه , فهو يعلم تماماً أنّ ظهوره أمام الشّعب سوف يجمعهم حوله ، يعلم كيف يُحدّثهم وكيف ينزع الخوف من قلوبهم ، ولكن كيف يصل إلى مداخل العراق وعبيد الله بن زياد يرصد له الجيوش الآن ؟

إنّ الموقف لا يصعب تقديره على الرّجل العادي ، ومن المؤكّد أنّ الحسين (عليه السّلام) كان محيطاً به من كُلّ جوانبه ، وربّما خالجه ظنّ بأنّ أيّ جيش سيعترض طريقه لا يلبث أنْ يلين له حين يُخاطبه فيُزيل الغشاوة عن عينيه . هذا خاطر لازمه مع خاطر آخر لم يُفارقه ، وهو أنّه مقتول بغير شك ؛ إذ كان يُردّد أنّ الموت كُتب على ابن آدم . . .

كان يضع موته في كفّة وثقته في النّاس في كفة ، فهو لم يفقد الثّقة في الجوهر الكامن في النّفس الإنسانيّة ؛ ذلك الجوهر النّازع إلى الإرتقاء الرّوحي .

ومرّة اُخرى لم يتراجع الحسين (عليه السّلام) بل مضى في طريقه .

 

المجلس الخمسون بعد المئة  

لم يكد الحسين (عليه السّلام) يمضي إلاّ قليلاً حتّى التّقى ـ عند جبل ذي حسم ـ بجيش من ألف فارس يقوده الحرّ بن يزيد ، وهو أحد الأشراف الذين أشار إليهم مجمع بن عبيد


الصفحة ( 297 )

العامري ، بل سنرى أيضاً أنّ اختيار الرّجال الذين سيحاربون الحسين (عليه السّلام) تم بدقّة حتّى تتبلبل أفكار الشّعب ؛ فالقائد الذي قاتل الحسين (عليه السّلام) في معركته الأخيرة كان عمر بن سعد بن أبي وقاص ، ابن صحابي كبير .

ماذا يقول الشّعب عندئذ ؟ ابن علي بن أبي طالب يُقاتله ابن سعد بن أبي وقاص ؟!وأنّه لأمر مُثير للدّهشة أنْ يأتمر عمر بن سعد بن أبي وقاص بأوامر عبيد الله بن زياد ، ابن فاتح فارس وصحابي رسول الله ، يأتمر بامر ابن زياد مجهول الأب ، المشكوك في نسبه !

بل إنّ عمر لا يأتمر بامر عبيد الله فحسب ، بل يتملّق ويُدهن إليه ! فحين جيء بمُسلم بن عقيل بين يدي عبيد الله ، طلب مُسلم أنْ يفضي بكلمة إلى عمر ، وتقدّم إليه عمر ، فهمس مُسلم في اُذنه مُناشداً قرابته أنْ ينفذ وصيته التي سيفضي بها إليه ؛ وهي أنْ يردّ دَيناً عليه قد اقترضه من رجل بالكوفة ، فيبيع سيفه ودرعه ويوفي دينه ، وأنْ يرسل إلى الحسين (عليه السّلام) مَن يمنعه من المجيء ؛ مُصححاً رسالة سابقة بأنّ النّاس معه .

إنّ عمر بن سعد بن أبي وقاص لم يكتُم السرّ الأخير ، بل بادر فأفشاه لعبيد الله بن زياد ! إلى هذا المدى فقد أعاظم الرّجال كرامتهم ! فإلى أي مدى فقد الشّعب المقهور هذه الكرامة ؟

وتقدّم الحرّ بن يزيد ، فقال للحسين (عليه السّلام) أنّه اُمر بأنْ يقدم به على عبيد الله بن زياد . لم يجبه الحسين (عليه السّلام) ، بل أمر مؤذّنه أنْ يؤذّن لصلاة الظّهر ، ثُمّ خطب الجميع ؛ أصحابه وخصومه على السّواء ، أو خصومه بوجه خاص : (( أيّها النّاس , إنّي لم آتكم حتّى أتتني كتبكم ورسلكم أنْ اقدم علينا فليس علينا إمام ، لعلّ الله يجمعنا بك على الهُدى والحقّ . فقد جئتكم ، فإنْ تعطوني ما اطمئنّ إليه من عهودكم ومواثيقكم أقدم مصركم ، وإنْ لم تفعلوا ، أو كنتم لقدومي كارهين ، انصرفت عنكم إلى المكان الذي أقبلت منه )) .


الصفحة ( 298 )

وكانت لحظة صمت جماعية لا يدري أحد ما جرى في أذهانهم ، ولعلّهم كانوا جميعاً يودّون لو يُقاتلون من أجله ، ولكن الخوف والمصلحة وكلّ عروض الدّنيا كانت تقف دون ذلك .

عندئذٍ التفت الحسين (عليه السّلام) وقال للمؤذّن : (( اقم الصّلاة )) . ثُمّ التفت للحرّ بن يزيد وسأله : (( هل يُصلّي كلّ فريق على حِدة ؟ )) . فقال الحرّ : بل نُصلّي بصلاتك .

وانتهت الصّلاة خلف الحسين (عليه السّلام) , وبدأ ركب الحسين (عليه السّلام) يتّجه وجهته ، وبدأ الحرّ يتعقّبه ، وكلّما اتجه وجهة اُخرى , حاصره وردّه إلى طريق الكوفة . وأخيراً وقف الحسين (عليه السّلام) مرّة اُخرى يعظهم : (( أيّها النّاس , إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال : مَن رأى سُلطاناً جائراً ؛ مُستحلاً لحرم الله ، ناكثاً لعهد الله ، مُخالفاً لسنّة رسول الله ، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان ، فلم يُغيّر ما عليه بعمل ولا قول كان حقّاً على الله أنْ يدخله مدخله . ألا وأنّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشّيطان وتركوا طاعة الرّحمن ، وأظهروا الفساد ، وعطّلوا الحدود ، واستأثروا بالفيء ، وأحلّوا حرام الله وحرّموا حلاله . وأنا أحقّ من غيري وقد أتتني كُتبكم ورُسلكم ببيعتكم ، وأنّكم لا تُسلّمونني ولا تخذلونني ؛ فإنْ بقيتم على بيعتكم ، تصيبوا رشدكم ، وأنا الحسين بن علي ، ابن فاطمة بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، نفسي مع أنفسكم وأهلي مع أهلكم فلكم فيّ اُسوة ، وإنْ لم تفعلوا ونقضتم عهدي وخلعتم بيعتي ، فلعمري ما هي لكم بنكير ، والمغرور من اغترّ بكم ؛ فحظّكم أخطأتم ونصيبكم ضيعتم . ومَن نكث فإنّما ينكث على نفسه ، وسيغنيني الله عنكم )) .

ولكن الخطبة أعقبها صمت تام ، ثُمّ تقدّم الحرّ يُحذّره بأنّه إذا قاتل فسيُقتل . فصاح فيه الحسين (عليه السّلام) : (( أبالموت تخوفني ؟ )) . واصطبر الحسين (عليه السّلام) ومضى ، والحرّ وراءه يمنعه كلّما ابتعد عن طريق الكوفة ، والحسين (عليه السّلام) يرفض أنْ يبدأ بالقتال . وأخيراً ظهرت طلائع جيش جديد من أربعة الآف رجل مع رأسهم عمر بن سعد بن أبي وقاص لا أحد غيره ، وانتهى الأمر بين الطّرفين إلى أنْ حُصر الحسين (عليه السّلام)


الصفحة ( 299 )

وصحبه في كربلاء ، وبدا أنّ الحرب لا بدّ أنْ تقع ؛ فبعد قليل وصل شمر بن ذي الجوشن ليكون رقيباً على عمر بن سعد بن أبي وقاص إذا تخاذل . وهُنا جمع الحسين (عليه السّلام) أصحابه ، وقال لهم : (( لقد بررتم وعاونتم ، والقوم لا يريدون غيري ، ولو قتلوني لم يبتغوا غيري أحداً ؛ فإذا جنّكم الليل ، فتفرّقوا في سواده وانجَوا بانفسكم )) .

ولم يقبل واحد منهم أنْ يترك الحسين (عليه السّلام) ويهرب بحياته . ويعود الحسين (عليه السّلام) فيلحّ في هذا ، فلا يخرج من معسكره رجل واحد . وكانوا سبعين رجلاً بازاء خمسة آلاف رجل .

عرض عمر بن سعد التّسليم فرفض الحسين (عليه السّلام) ، بل الاحتكام إلى الشّعب . وحُصر الحسين (عليه السّلام) وصحبه عند كربلاء بعيداً عن الماء ؛ حيث يحميه جيش عمر بن سعد ، واشتدّ الظّمأ بالأطفال والنّساء ، وحمل الحسين (عليه السّلام) ولده عبد الله ليسقيه بنفسه ظانّاً أنّ وجوده ومعه الطّفل قد يمنع مُحاصريه من إيذائه ، ولكنّهم رشقوا الطّفل بسهم فسقط صريعاً بين يدي أبيه (عليه السّلام) . وتمالك الحسين (عليه السّلام) أمام هذا كلّه نفسه ، فإلى آخر لحظة كان يأمل في أنْ يبعث الرّوح في هذه الضّمائر الميتة .

وتقدّم الحسين (عليه السّلام) يخطب الجيش ، وهو في رداء النّبي (صلّى الله عليه وآله) ، فإذا بالجيش يحدث من الضّجيج والضّوضاء ما يُغطّي على كلامه ، ولم يتراجع الحسين (عليه السّلام) بل ظلّ صامتاً حتّى هدأت ضجّتهم ، ثُمّ انفجر قائلاً : (( أنسبوني من أنا ؟ هل يحلّ لكم قتلي وانتهاك حُرمتي ؟ ألسّت ابن بنت نبيكم ؟ أو لم يبلغكم ما قاله رسول الله لي ولأخي : هذان سيّدا شباب أهل الجنّة . ويحكم ! أتطلبونني بقتيل لكم قتلته أو مال لكم استهلكته ؟ )) .

وقد أحدثت هذه الكلمات أثرها كالسّحر ، وبدأت الرّجال من جيش عمر بن سعد تنضمّ إلى جانب الحسين (عليه السّلام) ، وكان أوّلهم الحرّ بن يزيد . وكان الموقف خطيراً ، فلو انتظر عمر قليلاً لانفرط الجيش كلّه ، كما أنّه خشي الرّقباء أنْ يبلغوا يزيد بما حدث ، فما كان إلاّ أنْ تناول سهمه ورمى به جماعة الحسين (عليه السّلام) وهو يصيح : اشهدوا لي عند الأمير أنّني أوّل من رمى الحسين .


الصفحة ( 300 )

وهكذا بدأ القتال في توتّر وسرعة لا تُتيح لكلمات الحسين (عليه السّلام) أنْ تفعل أثرها .

وقاتل الحسين (عليه السّلام) وصحبه قتالاً مجيداً حتّى سقطوا جميعاً ، وسقط الحسين (عليه السّلام) مُثقلاً بجراحه ؛ مُصاباً بمئة وعشرين طعنة . ثُمّ تقدّم شمر بن ذي الجوشن فاحتزّ رأسه ، ثُمّ وطؤوا جسده الشّريف بخيولهم حتّى رضّوا ضلوعه ومثّلوا به أشنع تمثيل ، وحملوا الرّؤوس ومضوا بها على أسنّة الرّماح إلى عبيد الله بن زياد ، ثُمّ إلى يزيد بن معاوية . وبذلك انتهت أوّل جولة للعدل مع الظّلم ، انتهت باروع استشهاد وأعظم بطولة .

وكانت شهادة الحسين (عليه السّلام) أعظم انتصار للثورة ؛ لأنّها تغلغلت في الضّمير العربي والإسلامي ، وأحيت الضّمائر التّي خنقها الإرهاب ؛ لتسقط بعد ذلك بستين عاماً ـ فقط ـ دولة بني اُميّة .

تمّ الجزء الثّاني من كتاب المجالس السَّنيّة في مصائب العترة النّبوية ، ويليه الجزء الثّالثّ , وكان الفراغ منه أوّلاً في أوائل سنة ألف وثلثمئة وأربعين بمدينة دمشق الشّام ، صانها الله من طوارق الحدثان , ووافق الفراغ من إعادة النّظر فيه ثانياً عند إرادة تمثيله للطبع هذه المرة , وتغيير بعض ترتيبه والزّيادة عليه والإنقاص منه مُنتصف ليلة الأحد الحادية والعشرين من شهر شوال المُبارك عام 1353 ، بقرية شقراء من جبل عامل ، حماه من الغوائل , ونسأله تعالى أنْ ينفع به المؤمنين ، ويحشرنا في زمرة محمّد وآله الطّاهرين صلوات الله عليه وعليهم أجمعين . وكتب بيده الفانية مؤلفه الفقير إلى عفو ربّه الغني محسن ابن المرحوم السيّد عبد الكريم الأمين الحسيني العاملي نزيل دمشق ، تجاوز الله عن سيئاته ، حامداً مُصليّاً مُسلّماً .

 

 
 
البرمجة والتصميم بواسطة : MWD