1439 / جمادی‌الاولى / 1  |  2018 / 01 / 18         الزيارات : 528900         صلاة الصبح |         صلاة الظهر والعصر |         صلاة المغرب والعشاء |

المجالسُ السَّنيّة في مناقب ومصائب العترة النبويّة ج 1

{ المجتهد الأكبر السيّد محسن الأمين (رضوان الله عليه) }
المجالسُ السَّنيّة في مناقب ومصائب العترة النبويّة ج 1

مقدّمة الطبعة الجديدة

هذا كتاب ( المجالسُ السَّنيّة ) بحلّته الجديدة تخرجه دار التعارف تعميماً لفائدته ونشراً لدعوته ، وهذا الكتاب قصد مؤلِّفه ـ أول ما قصد من تأليفه ـ أنْ يكون دليلاً للخطباء ومستنداً للذاكرين ؛ يعتمدون عليه في تنقية ما يلقون ويذكرون من سيرة الحسين (عليه السّلام) ، وقد أدّى رسالته طوال الخمسين سنة ـ التي مرّت حتّى الآن ـ على تأليفه ونشره لأول مرّة .

ولمّا كان لابدّ له من مسايرة الزمن في حياته الطويلة ليستطيع الاستمرار في أداء مهمّته ومواكباً العصور كلّها ؛ لذلك رأينا ونحن نعدّه للطبع أنْ نزيد عليه مجالس جديدة تزيده إشراقاً على إشراق ، وقد حرصنا على أنْ نشير إلى أصحاب الأقلام التي كتبت تلك المجالس ؛ ليكون المطالع على بيّنة من ذلك ، سائلين لدار التعارف ـ النّاهضة بهذه المهمّة ـ التوفيق والنجاح .

( ح )


الصفحة ( 4 )

السيّد محسن الأمين

يصعب الإلمام بكلّ جانب من جوانب حياة المجتهد الأكبر السيّد محسن الأمين إلماماً كاملاً لغير المتخصّصين المتفرّغين لمثل هذه الدراسات العميقة الواسعة ؛ فحياة السيّد محسن الأمين حياة زاخرة بأخصب ما تزخر به حياة الرجال ، حافلة بأطيب ما تحفل به حياة المُصلحين ؛ قادة الاُمم ورعاة الشعوب .

وحين تُقبل على دراسة سيرة السيّد محسن تُحار من أيّ جانب من جوانبها يمكن أنْ تقبل على تلك السيرة الفريدة ، فبينما هو أمامك إمام في الدِّين ، مجتهد في رأس المجتهدين ، عليه أنْ يتفرّغ للجواب على الإستفتاءات وحلّ المشكلات وفضّ الخصومات . إذا أمامك قائد شعبي يجعل من الدِّين طريقاً للإصلاح ، وثورة على الجمود ونقمة على البدع ؛ يصادم الجماهير بغير ما تعتقد ، ويواجه الجموع بغير ما ترى ، فيتّخذ الخرافيون أو المستغلّون هذه المصادمة وهذه المواجهة وسيلة لإثارة النّاس ، محاولين الفتّ في عضُد المنادي بالإصلاح ، وترويع الثائر على البدع ، فما يزداد إلاّ صموداً وثورة وشجاعة .

وكان كتاب ( المجالسُ السَّنيّة ) إحدى محاولاته الإصلاحيّة لشدّة ارتباط استشهاد الحسين (عليه السّلام) بحياة الشعب ، ولتأثير ما يلقى في الاحتفالات التذكاريّة الحسينيّة في نفوس النّاس ، وقد أراد أنْ تكون تلك الاحتفالات بعيدة عن الشوائب ؛ فنظّم لها عدّة مجالس ضمّنها كتابه هذا بعد أنْ قدّم له مقدّمة تبيّن نهجه واُسلوبه وغايته .

لقد عاش السيّد محسن حياة زاخرة بالعمل ، حافلة بالصلاح والإصلاح ، ثمّ توفّاه الله فظلّ حيّاً بآثاره وكتبه ومبادئه ، وهكذا تكون حياة المصلحين ، وهكذا يخلّدون أبد الدهر .

                                                                               محمّد علي صندوق 


الصفحة ( 5 )

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي فضّل المجاهدين على القاعدين درجات ، ورفع منازل الشهداء في أعالي الجنّات ، وجعل الذين قُتلوا في سبيله أحياءً عند ربّهم يُرزقون غير أموات ، وصلّى الله على سيّدنا محمّد أشرف البريّات ، وأفضل المخلوقات ، وعلى آله الأئمة الهداة ، الذين ابتلوا بأعظم البليّات ، وأفجع الرزايا والمصيبات .

وبعد ، فيقول العبد المفتقر إلى عفو ربّه الغني ، محسن ابن المرحوم السيّد عبد الكريم الأمين الحسيني العاملي ، نزيل دمشق الشام ، عفا الله عن سيّئاته : هذا كتاب ( المجالسُ السَّنيّة في مناقب ومصائب العترة النبويّة ) وهو خمسة أجزاء ؛ أربعة منها في ذكر مصيبة الحسين (عليه السّلام) التي هي أعظم مصائب أهل البيت (عليهم السّلام) . والجزء الأول من الأربعة ـ وهو هذا الجزء ـ في تاريخ مولده ومقتله ، وقدر عمره ومدّة خلافته ، وكنيته ولقبه ونقش خاتمه ، وعدد أولاده ، وصفته ونُبذ في مناقبه وسيرته ، وخُطَبه ونظم الشعر في رثائه وزيارته ، وما جرى له بعد موت معاوية ، وكيفيّة شهادته ، وما جرى بعد قتله إلى رجوع أهل بيته إلى المدينة وما يتعلّق بذلك .

والجزء الثاني والثالث والرابع : في جملة من مناقب أهل البيت (عليهم السّلام) ، وجملة من الغزوات ، والمواعظ والآداب ، وأخبار السلف المستحسنة ، وغير ذلك ممّا فيه فوائد نافعة للمستمع مع التخلّص إلى ذكر المصيبة على الطريقة المألوفة بأنسب وجه وأجمل طريق ، ناقلاً ذلك من الكتب المعتمدة المشهورة لمؤرّخي الإسلام .

والجزء الخامس فيما يتعلّق بأحوال النبي (صلّى الله عليه وآله) والزهراء (عليها السّلام) والأئمة (عليهم السّلام) ومناقبهم على أبسط وجه وأحسن ترتيب .

والله المسؤول أنْ يكون عملنا هذا خالصاً لوجهه الكريم ، مقبولاً عنده تعالى وعند نبيّه وعترته الطاهرين صلوات الله عليه وعليهم أجمعين .


الصفحة ( 6 )

مقدّمة مهمّة

لا يخفى أنّه قد قضى العقل والدِّين باحترام عظماء الرجال أحياءً وأمواتاً ، وتجديد الذكرى لمَن بذل نفسه في أسمى المقاصد وأنفع الغايات ، وجرت على ذلك جميع الاُمم في كلّ عصر وزمان .

وإنّ سيّدنا ومولانا الإمام ابن الإمام أخا الإمام أبا الأئمة ، الحسين الشهيد ابن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السّلام) ، أحد ريحانتي الرسول (صلّى الله عليه وآله) وسبطيه وخليفته في اُمّته ، من أعاظم رجال الإسلام بل من أعاظم رجال الكَون . فقد جمع إلى شريف نسبه وكريم عنصره ، وبنوّته لسيّد الأنبياء ولسيّد الأوصياء وللبضعة الزهراء سيّدة النّساء صلوات الله عليهم ، أكرم الصفات وأحسن الأخلاق وأعظم الأفعال وأجلّ الفضائل والمناقب ، وقام بما لم يُسمع بمثله قبله ولا بعده ؛ من بذل نفسه وماله وآله في سبيل إحياء الدين وإظهار فضائح المنافقين ، وأظهر من إباء الضيم وعزّة النفس ، والشجاعة والبسالة ، والصبر والثبات ، ما بهر العقول .

ومصيبته وكيفيّة شهادته من أفظع ما صدر في الكون ، مع أنّه ابن بنت النبي (صلّى الله عليه وآله) الذي لمْ يكن على وجه الأرض ابن بنت نبي غيره . وقد حزن النبي (صلّى الله عليه وآله) لتلك المصيبة قبل وقوعها ، وكذلك آله الأئمة الأطهار (عليهم السّلام) كانت سيرتهم تجديد الأحزان لذكرى تلك الفاجعة الأليمة حتّى قال الامام الرضا (عليه السّلام) : (( كان أبي إذا دخل شهر المحرّم لا يُرى ضاحكاً ، وكانت الكآبة تغلب عليه حتّى تمضي عشرة أيّام منه ، فإذا كان اليوم العاشر ، كان ذلك اليوم يوم مصيبته وحزنه )) .

وقد ندبوا (عليهم السّلام) إلى ما ندب إليه العقل في حقّ كلّ محبّ مع حبيبه ؛ من الفرح لفرحهم والحزن لحزنهم . واقتدى بهم في ذلك شيعتهم وأولياؤهم ، فجدّدوا ذكرى مصيبة الحسين (عليه السّلام) وكيفية شهادته التي تكاد أنْ تفتّت الصخور ، فضلاً عن الأكباد والقلوب ، لا سيّما في عشرة المحرّم التي وقعت فيها تلك المصائب الفادحة .

هذا ، ولكن كثيراً من الذاكرين لمصابهم قد اختلقوا أحاديث في المصائب


الصفحة ( 7 )

وغيرها لم يذكرها مؤرّخ ولا مؤلّف ، ومسخوا بعض الأحاديث الصحيحة وزادوا ونقصوا فيها ؛ لِما يرونه من تأثيرها في نفوس المستمعين الجاهلين بصحّة الأخبار وسُقمها حتّى حُفِظَتْ على الألسن ، واُودعت في المجاميع ، واشتهرت بين النّاس ، ولا رادع ، وهي من الأكاذيب التي تغضبهم (عليهم السّلام) وتفتح باب القدح للقادح ؛ فإنّهم لا يرضون بالكذب الذي لا يرضي الله ورسوله (صلّى الله عليه وآله) وقد قالوا لشيعتهم : (( كونوا زيناً لنا ، ولا تكونوا شيناً علينا )) .

وقد اكتسبوا ـ هم ومَن قَبِلها منهم وأقرّهم عليها ـ الإثم المبين ؛ فإنّ الله لا يُطاع من حيث يُعصى ، ولا يتقبّل الله إلاّ من المتّقين . والكذب من كبائر الذنوب الموبقة لا سيّما إنْ كان على النبي (صلّى الله عليه وآله) وأهل بيته الطاهرين (عليهم السّلام) .

كما أنّ ما يفعله جملة من النّاس ؛ من جرح أنفسهم بالسيوف ، أو اللطم المؤدّي إلى إيذاء البدن ، إنّما هو من تسويلات الشيطان وتزيينه سوء الأعمال ، فذلك ممّا يغضب الحسين (عليه السّلام) ويبّعد عنه لا ممّا يقرّب إليه ؛ فهو (عليه السّلام) قد قُتل في سبيل الإحياء لدين جدّه (صلّى الله عليه وآله) ، وهذه الأعمال ممّا نهى عنها دين جدّه (صلّى الله عليه وآله) ، فكيف يرضى بها وتكون مقربة إلى الله تعالى ، والله تعالى لا يُطاع من حيث يُعصى ، كما ذكرنا آنفاً ؟!

وانتحال بعض الجهّال عذراً لذلك بما ينقلونه من أنّ إحدى الطاهرات نطحت جبينها بمُقدّم المحمل حتّى رُئي الدم يجري من تحت قناعها ؛ هو من هذا البحر وعلى هذه القافية اللَذين مرّت الإشارة إليهما . وهكذا ما يجري من التمثيل والتشبيه للوقعة ؛ فإنّه في نفسه مشتمل على كثير من المحرّمات ، وموجب لهتك الحرمة ، وفتح باب القدح للذين يحاولونه بما استطاعوا ، فيكون منهيّاً عنه بقوله (عليه السّلام) : (( ولا تكونوا شيناً علينا )) . نعم ، التمثيل الخالي عن المحرّمات والشائنات لا بأس به ، ولكن أين هو ؟

فعلى مَن يريد التقرّب إلى الله تعالى ونبيّه (صلّى الله عليه وآله) وأوليائه بالبكاء والحزن لمصاب الحسين (عليه السّلام) ، أنْ لا يتعدّى ما رسمه الامام الرضا نقلاً عن أبيه (عليهما السّلام) ممّا مرّ ، وإلاّ كان من ( الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعا )(1) .

ــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الكهف / 104 .


الصفحة ( 8 )

مقتل سيّد الشهداء أبي عبد الله الحسين بن علي عليهما السّلام

ذكر مولده ومقتله ، وقدر عمره ومدّة خلافته ، وكنيته ولقبه ونقش خاتمه ، وعدد أولاده وصفته ، ونظم الشعر في رثائه ، وجملة من مناقبه ، وما جرى له بعد موت معاوية ، وتفصيل شهادته ، وما جرى بعد قتله إلى رجوع أهل بيته إلى المدينة وما يتعلّق بذلك .

وفيه مجالس :

المجلس الأول

وُلد الحسين بن علي (عليهما السّلام) بالمدينة المنوّرة عام الخندق ، في شعبان يوم الخميس أو الثلاثاء لخمس أو ثلاث خلون منه ، وقيل في آخر ربيع الأول ، وقيل لخمس خلون من جمادى الاُولى سنة ثلاث أو أربع من الهجرة .

حملت به اُمّه الزهراء صلوات الله عليها بعد ولادة أخيه الحسن (عليه السّلام) بخمسين ليلة ، فلم يكن بينهما سوى هذه المدّة ومدّة الحمل . وروى مولانا الإمام جعفر بن محمّد الصادق عن أبيه (عليهما السّلام) : (( أنّه لم يكن بينهما إلاّ طهر واحد )) . وكانت مدّة حمله ستّة أشهر .

فلمّا وُلِد جاءت به اُمّه فاطمة (عليها السّلام) إلى جدّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فاستبشر به ، وأذّن في اُذنه اليمنى وأقام في اليسرى ، وعقّ عنه كبشاً يوم السّابع ، وسمّاه حسيناً ، وأمر اُمّه أنْ تحلق رأسه وتتصدّق بزنة شعره فضّة كما فعلت بأخيه الحسن (عليه السّلام) ، فامتثلت ما أمرها به .

وقُتل (عليه السّلام) شهيداً بكربلاء من أرض العراق يوم الجمعة أو السبت أو الاثنين عاشر المحرّم سنة إحدى وستين من الهجرة ، وعمره الشريف خمس وخمسون ، أو ست وخمسون سنة وخمسة أشهر وخمسة أيّام ، أو سبعة أيّام ، أو أكثر من ذلك


الصفحة ( 9 )

بأشهر وأيام على اختلاف الروايات والأقوال المتقدّمة(1) .

عاش منها مع جدّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ست سنين أو سبع سنين وشهوراً ، ومع أبيه أمير المؤمنين (عليه السّلام) بعد وفاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ثلاثين سنة إلاّ أشهراً ، ومع أخيه الحسن (عليه السّلام) بعد وفاة أبيه نحو عشر سنين ، وبعد وفاة أخيه الحسن (عليه السّلام) نحو عشر سنين ، وقيل : خمس سنين وأشهراً ؛ للاختلاف في تاريخ وفاة الحسن (عليه السّلام) ، وهي مدّة خلافته وإمامته الثابتة بقوله (صلّى الله عليه وآله) له ولأخيه الحسن (عليهما السّلام) : (( ابني هذان إمامان قاما أو قعدا )) .

ودلّت وصيّة أخيه الحسن (عليه السّلام) إليه على إمامته ، كما دلّت وصيّة أمير المؤمنين (عليه السّلام) إلى الحسن (عليه السّلام) على إمامته ، بحسب ما دلّت وصيّة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إلى أمير المؤمنين (عليه السّلام) على إمامته .

وكان الحسين (عليه السّلام) في هذه المدّة صابراً للهدنة إلتي بينه وبين معاوية ، فالتزم الوفاء بها . فلمّا مات معاوية ، أظهر أمره بحسب الإمكان ، ولمّا وجد أنصاراً دعا إلى الجهاد ، وتوجّه بولده وأهل بيته من حرم الله وحرم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إلى العراق ؛ استنصاراً بمَن دعاه .

وقدّم أمامه ابن عمّه مسلم بن عقيل (رضي الله عنه وأرضاه) للدعوة إلى الله وللبيعة على الجهاد ، فبايعه مَن بايعه على ذلك ، وعاهدوه وضمنوا له النصرة والنصيحة . ثم نكث مَن نكث ، وخذلوه وأسلموه ، فقُتل بينهم ولم ينصروه ، وخرجوا إلى حرب الحسين (عليه السّلام) ، فحاصروه ومنعوه المسير إلى بلاد الله ، واضطرّوه إلى حيث لا يجد ناصراً ولا ملجئاً منهم ، وحالوا بينه وبين ماء الفرات وقتلوه .

فمضى (عليه السّلام) ظمآن مجاهداً صابراً محتسباً مظلوماً ، قد نُكثت بيعته واستحلّت حرمته ، ولم يوفَ له بعهده ولا رعيت فيه ذمّة ، شهيداً على ما مضى

ـــــــــــــــــــــــــــ

(1) قيل : إنّ عمرَه الشريف سبع وخمسون سنة ، وكأنّه مبني على نوع من التسامح ، بعد السّنة الناقصة سنة كاملة . ومن الغريب قول الشيخ المفيد عليه الرحمة : أنّ عُمرَه الشريف ثمان وخمسون سنة مع ذكره أنّ مولده لخمس خلون من شعبان سنة أربع من الهجرة ، وشهادته عاشر المحرّم سنة إحدى وستّين ، فإنّ عمره من هذا يكون ستاً وخمسين سنة وخمسة أشهر وخمسة أيام .


الصفحة ( 10 )

عليه أبوه وأخوه (عليهما السّلام) .

ميّتٌ تبكي له فاطمةٌ   وأبوها وعليٌّ ذو العُلا

كنيته : أبو عبد الله .

لقبه : الرشيد ، الطيّب ، الوفي ، السيّد ، الزكي ، المبارك ، التابع لمرضاة الله ، الدليل على ذات الله ، السبط .

شاعره : يحيى بن الحكم ، وجماعة .

بوّابه : أسعد الهجري .

نقش خاتمه : ( لكلِّ أجلٍ كتابْ ) .

ملوك عصره : معاوية وابنه يزيد .

له من الأولاد تسعة ؛ ستّة ذكور وثلاث بنات . فالذكور : علي الأكبر ، وعلي الأوسط ، وعلي الأصغر ، ومحمّد ، وعبد الله ، وجعفر . والبنات : زينب ، وسكينة ، وفاطمة .

وقال المفيد : له أربعة ذكور وابنتان ـ بإسقاط أحد العليّين ومحمّد وزينب ـ ، واختلف في علي الأكبر ؛ فالمشهور أنّه المقتول بكربلاء ، واُمّه ليلى بنت أبي مرّة بن عروة بن مسعود الثقفيّة .

وقال المفيد : إنّ الأكبر هو زين العابدين (عليه السّلام) ، واُمّه شاهزنان بنت كسرى يزدجرد ؛ والأصغر جاءه سهم بكربلاء فقتله ؛ وجعفر اُمّه قضاعية ، توفي في حياة أبيه ولم يعقب ؛ وعبد الله الرضيع جاءه سهم وهو في حجر أبيه فذبحه ، واُمّه واُمّ سكينة الرباب بنت امرئ القيس بن عدي ( كلبية معديّة ) ؛ وفاطمة اُمّها اُمّ اسحاق بنت طلحة بن عبد الله تيمية .

والذِكر المخلّد والثناء المؤبَّد من بين بنيه لعلي زين العابدين (عليه السّلام) ، ومنه عقبه :

ذرّيةٌ مثلُ ماءِ المُزنِ قد طهِروا   وطُيّبوا فصفتْ أوصافُ ذاتِهمُ

المجلس الثاني

قالت اُمّ الفضل زوج العبّاس بن عبد المطلب ـ واسمها لبابة ـ : يا رسول الله ، رأيت في منامي كأنّ عضواً من أعضاءك سقط في بيتي . قال (صلّى الله عليه وآله) : (( خيراً رأيت ، إنْ صدقَتْ رؤياك فإنّ فاطمة ستلد غلاماً ، فأدفعه إليك لترضعيه )) .

 فولدت فاطمة (عليها السّلام) الحسين (عليه السّلام) فكفلته


الصفحة ( 11 )

اُمّ الفضل . وقيل : كانت أمّ الفضل مربّية للحسين (عليه السّلام) ولم ترضعه ، كما أنّ اُمّ عبد الله بن يقطر كانت حاضنة للحسين (عليه السّلام) .

قالت اُمّ الفضل : فأتيت به يوماً إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، فبينما هو يقبّله إذْ بال ، فقطرت منه قطرة على ثوب النبي (صلّى الله عليه وآله) ، فقال : (( خذيه )) . فأخذته ، وقرصته قرصة بكى منها ، فقال كالمغضب : (( مهلاً يا اُمّ الفضل ، آذيتني وأبكيتِ ابني ، فهذا ثوبي يُغسل )) . وفي رواية : (( لقد أوجع قلبي ما فعلتِ به )) .

الله اكبر ! إذا كان قد بلغ حبّ النبي (صلّى الله عليه وآله) للحسين (عليه السّلام) ورأفته به أنْ تكون قرصة اُمّ الفضل له تؤذي النبي (صلّى الله عليه وآله) وتوجع قلبه ؛ فإلى أيّ حدّ بلغ الأذى بالنبي (صلّى الله عليه وآله) حين كانت السّيوف والرماح والسهام تقع في بدن ولده الحسين (عليه السّلام) حتّى اُثخن بالجراح ، وصارت السهام في درعه كالشوك في جلد القنفذ ؟!

وهل يُلام مَن بكى على الحسين (عليه السّلام) وتألّم لقتله وواسى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في الحزن والبكاء ؟ وهل يتوقّف مسلم في استحقاق قتَلة الحسين (عليه السّلام) اللّعنة ، ومَن أمر بذلك أو أعان عليه ، بعد قوله تعالى ( إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمْ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا )(1) ؟

يـا رسولَ اللهِ لو عايَنْتهمْ   وهُـمُ مـا بـين قتلٍ وسِبا
منْ رميضٍ يُمنعُ الظلُّ ومنْ   عـاطشٍ يُسقى أنابيبُ القَنا
لـرأتْ عيناكَ منهُمْ منظَراً   لـلحشَى شجْواً وللعينِ قذا

المجلس الثالث

في كتاب ( وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى ) للسمهودي الشافعي ، عن علي (عليه السّلام) قال : (( زارنا النبي (صلّى الله عليه وآله) فبات عندنا ، والحسن والحسين نائمان ، واستسقى الحسن ، فقام النبي (صلّى الله عليه وآله) وأخذ قربة لبناً ، فصبّ منها في القدح ثمّ جعل يسقيه ، فتناول الحسين فمنعه وبدأ بالحسن ، فقالت فاطمة : يا رسول الله ، كأنّه أحبّ إليك ؟ قال : إنّما استسقى أولاً . ثمّ قال رسول الله

______________________

(1) سورة الأحزاب / 57 .


الصفحة ( 12 )

صلى الله عليه وآله) : إنّي وإيّاك وهذان وهذا الراقد ( يعني عليّاً ) يوم القيامة في مكان واحد )) .

لمْ يدع النبي (صلّى الله عليه وآله) فاطمة (عليها السّلام) أنْ تسقي الحسن (عليه السّلام) لمّا استسقى ، بل قام وسقاه بنفسه ثمّ سقى الحسين (عليه السّلام) ؛ وذلك لأنّ الحسن طلب أولاً ، والماء لمَن طلب أولاً . بذلك ظهر مقدار كرامة الحسنَين (عليهما السّلام) عند النّبي (صلّى الله عليه وآله) حتّى أنّه لمْ يدع اُمّهما تسقيهما حتّى سقاهما بنفسه .

فليتك يا رسول الله حضرت يوم كربلاء ، ورأيت ولدك الحسين (عليه السّلام) ، وقد اشتدّ به العطش ، عندما منعه جيش بني اُميّة من الماء وحالوا بينه وبين ماء الفرات ، وجعل يطلب شربة من الماء فلا يجد ، وكلّما حمل بفرسه على الفرات ليشرب حملوا عليه حتّى أجلوه عنه ، فكنتَ تسقيه الماء كما سقيته في بيت اُمّه بنفسك ، ولم تدع اُمّه تنوب عنك في ذلك !

قال السمهودي : وعن علي (عليه السّلام) قال : (( زارنا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، فعملنا له خزيرة ـ وهي لحم يقطع صغاراً ويصبّ عليه ماء كثير ، فإذا نضج ذرّ عليه الدقيق ـ ، وأهدت لنا اُمّ أيمَن قعباً من لبن وصحفة من تمر ، فأكل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأكلنا معه ، ثمّ وضّأت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ـ أي غسلت يديه ـ فمسح رأسه وجبهته ولحيته بيده ، ثمّ استقبل القبلة فدعا بما شاء الله ، ثمّ أكبّ إلى الأرض بدموع غزيرة ، يفعل ذلك ثلاث مرّات ، فتهيبنا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنْ نسأله ، فوثب الحسين على ظهر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وبكى ، فقال له رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : بأبي واُمّي ، ما يُبكيك ؟ قال : يا أبتِ ، رأيتك تصنع شيئاً ما رأيتك تصنع مثله ! فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : يا بُني ، سُررتُ بكم اليومَ سروراً لم اُسرّ بكم مثله قط ، وأنّ حبيبي جبرائيل (عليه السّلام) أتاني وأخبرني أنّكم قتلى وأنّ مصارعكم شتّى ؛ فأحزنني ذلك ودعوت الله لكم بالخيَرة )) .

نعم يا رسول الله ، إنّ آلك وذريتّك قتلى ؛ بعضٌ بالسُّمِّ ، وبعض بالسّيف ، وقبورهم شتّى ؛ فأخوك وابن عمّك علي (عليه السّلام) قتلوه وهو يُصلّي في محرابه ، فكان قبره بظهر الكوفة ، وولداك الحسنان (عليهما السّلام) ، اللذان فديتهما بأبيك واُمّك ، قُتل أحدهما وهو الحسن (عليه السّلام) بالسُّمِّ الذي دُسّ إليه وقطّع كبده ، فكان قبره بالبقيع ، وأخوه الحسين (عليه السّلام) قُتل بضرب السّيوف وطعن الرماح ورمي السهام من جيش يزيد بن معاوية ، فكان قبره بكربلاء .

بعضٌ بطَيبةَ مدفونٌ وبعضُهمُ   بكربلاءَ وبعضٌ بالغريّينِ


الصفحة ( 13 )

جاشتْ على آلهِ ما ارتاح واحدهُمْ   من قهرِ أعداهُ حتّى مـات مقْهُورا

قضى أخوهُ خضيبَ الرأسِ وابنتُهُ   غضبى وسِبطاهُ مسموماً ومنْحُورا

المجلس الرابع

ممّا جاء في صفة الحسين (عليه السّلام) ، أنّه كان أشبه النّاس برسول الله (صلّى الله عليه وآله) . وقال أنس بن مالك ـ لمّا رأى رأس الحسين (عليه السّلام) بين يدي ابن زياد ـ : كان أشبههم برسول الله (صلّى الله عليه وآله) .

وعن علي (عليه السّلام) : (( كان الحسن أشبه برسول الله (صلّى الله عليه وآله) ما بين الصدر الى الرأس ، والحسين أشبه به فيما كان أسفل من ذلك )) .

وكانت الزهراء (عليها السّلام) تُرقّص الحسن (عليه السّلام) ، وتقول :

إشبهْ أباك يا حَسنْ   واخلعْ عن الحقِّ الرّسنْ

واعبدْ إلهاً ذا مِننْ   ولا تــوالِ ذا الإحـنْ

وقالت للحسين (عليه السّلام) :

أنتَ شبيهٌ بأبيْ   لستَ شبيهاً بِعليْ

وكان الحسين (عليه السّلام) يخضب بالحنّاء والكتم ، وقُتل صلوات الله عليه وقد نصل الخضاب من عارضيه .

وأقوى دليل وأوضح برهان على كمال فضل الحسنَين (عليهما السّلام) وعلوّ مقامهما وإمامتهما للمسلمين ؛ أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) باهَلَ بهما وهما صبيّان ، كما دلّ عليه قوله تعالى في آية المباهلة ( فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ )(1) . وبايع لهما النبي (صلّى الله عليه وآله) وهما صبيّان لم يبايع صبيّاً غيرهما ، وأوجب لهما الجنّة على عملهما وهما طفلان بقوله تعالى في سورة هل أتى : ( فَوَقَاهُمُ اللّهُ شَرّ ذلِكَ الْيَوْمِ وَلَقّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً * وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنّةً وَحَرِيراً )(2) .

وقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في الحسنَين (عليهما السّلام) : (( هما ريحانتاي من الدّنيا )) . وقال (صلّى الله عليه وآله) : (( الحسن

______________________

(1) سورة آل عمران / 61 .

(2) سورة الإنسان / 11 ـ 12 .


الصفحة ( 14 )

والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة )) . وقال (صلّى الله عليه وآله) فيهما : (( هذان ابناي ، فمَن أحبَّهما فقد أحبّني ، ومَن أبغضهما فقد أبغضني )) . وقال (صلّى الله عليه وآله) فيهما : (( اللهمَّ ، إنّي اُحبّهما فأحبهما )) . وقال (صلّى الله عليه وآله) : (( ابناي هذان ، إمامان قاما أو قعدا )) .

وكان النبي (صلّى الله عليه وآله) يصلّي ، فإذا سجد وثب الحسَنان (عليهما السّلام) على ظهره ، فإذا أرادوا أنْ يمنعوهما ، أشار إليهم أنْ دعُوهما ، فلمّا قضى الصلاة وضعهما في حجره وقال : (( مَن أحبّني فليُحب هذين )) .

وكان (صلّى الله عليه وآله) يجثو للحسنَين (عليهما السّلام) فيركبان على ظهره ، ويقول : (( نِعمَ الجملُ جملكما ! ونعم العدلان أنتما ! )) . وحملهما (صلّى الله عليه وآله) مرّة على عاتقه ، فقال رجل : نعم الفرس لكما ! فقال (صلّى الله عليه وآله) : (( ونِعمَ الفارسان هما ! )) .

وحجّ الحسَنان (عليهما السّلام) ماشيين ، فلم يمرّا برجل راكب إلاّ نزل يمشي ، فقال بعضهم لسعد بن أبي وقّاص : قد ثقل علينا المشي ، ولا نستحسن أنْ نركب وهذان السيّدان يمشيان . فرغب إليهما سعد في أنْ يركبا ، فقال الحسن (عليه السّلام) : (( لا نركب ، قد جعلنا على أنفسنا المشي إلى بيت الله الحرام على أقدامنا ، ولكننا نتنكّب عن الطريق )) . فأخذا جانباً من النّاس .

وكان ابن عبّاس مع علمه وجلالة قدره يمسك بركاب الحسنَين (عليهما السّلام) حتّى يركبا ، ويقول : هما ابنا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) .

وسمع النبيُّ (صلّى الله عليه وآله) بكاءهما وهو على المنبر ، فقام فزعاً . وكان (صلّى الله عليه وآله) يخطب على المنبر ، فجاء الحسَنان (عليهما السّلام) وعليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران ، فنزل (صلّى الله عليه وآله) من المنبر فحملهما ووضعهما بين يديه ، ثمّ قال : ( إنّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ )(1) .

فإذا كان بكاء الحسنَين (عليهما السّلام) ـ وهما طفلان صغيران ـ وعثورهما في ثوبيهما أزعج النبي (صلّى الله عليه وآله) كلّ هذا الإزعاج حتّى نزل عن المنبر فزعاً مدهوشاً ، وحملهما ووضعهما بين يديه ، فما كان يجري على النبي (صلّى الله عليه وآله) لو رأى ولده الحسن (عليه السّلام) يلفظ كبده قطعاً من السمّ الذي دُسّ إليه ؟! وما كان يجري عليه لو رأى ولده الحسين (عليه السّلام) وهو وحيد فريد لا ناصر له ولا معين ، يستغيث فلا يُغاث ، ويطلب شربة من الماء فلا يُجاب ، وقد أحاط به ثلاثون ألفاً يرمونه بالسّهام ويطعنونه بالرماح ، ويضربونه بالسيوف ويرشقونه بالحجارة حتّى اُثخن

________________

(1) سورة التغابن / 15 .


الصفحة ( 15 )

بالجراح ، وصارت السهام في درعه كالشوك في جلد القنفذ حتّى ذبحوه كما يُذبح الكبش ، ونساؤه وعياله تنظر إليه ؟!

أما كان النبي (صلّى الله عليه وآله) يبكي ويجزع ويتفطّر قلبه ويتصدّع ؟

يا رسـولَ اللهِ لو عاينْتهُمْ   وهُـمُ ما بيـن قتلٍ وسِبا

لرأتْ عيناك منهمْ منظراً   للحشى شجواً وللعينِ قذا

المجلس الخامس

قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( إنّ الله تعالى جعل ذرّيّة كلِّ نبيٍّ من صلبه خاصّة ، وجعل ذرّيتي من صلب علي بن أبي طالب )) .

وقال الحسين (عليه السّلام) لأصحاب ابن زياد يوم الطفّ : (( ما لكم تناصرون علَيّ ؟! أما والله ، لئن قتلتموني لتقتلنّ حجّة الله عليكم . لا والله ، ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبيٍّ أحتجّ به عليكم غيري )) .

وأجلس النبي (صلّى الله عليه وآله) الحسن (عليه السّلام) على فخذه اليمنى والحسين (عليه السّلام) على فخذه اليسرى ، وأجلس عليّاً وفاطمة (عليهما السّلام) بين يديه ، ثمّ لفّ عليهما كساءه أو ثوبه ، ثمّ قرأ ( إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً )(1) . ثمّ قال : (( هؤلاء أهل بيتي حقّاً )) .

وقال النبي (صلّى الله عليه وآله) لعلي وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السّلام) : (( أنا سِلم لمَن سالمتُم ، وحرب لمَن حاربتُم )) .

ونظر (صلّى الله عليه وآله) إلى الحسن والحسين (عليهما السّلام) ، فقال : (( مَن أحبّ هذين وأباهما واُمّهما ، كان معي في درجتي يوم القيامة )) .

وقال (صلّى الله عليه وآله) : (( حسين منّي وأنا من حسين ، أحبّ الله من أحبّ حسيناً )) . وقال (صلّى الله عليه وآله) : (( مَن أحبّ أنْ ينظر إلى أحب أهل الأرض إلى أهل السماء ، فلينظر إلى الحسين (عليه السّلام) )) .

وكان (صلّى الله عليه وآله) يخطب

______________________

(1) سورة الأحزاب / 33 .


الصفحة ( 16 )

على المنبر إذ خرج الحسين (عليه السّلام) ، فوطئ في ثوبه فسقط فبكى ، فنزل النبي (صلّى الله عليه وآله) عن المنبر ، فضمّه إليه وقال : (( قاتل الله الشيطان ! إنّ الولد لفتنة . والذي نفسي بيده ، ما دريت أنني نزلت عن منبري )) . ومرّ (صلّى الله عليه وآله) من بيت فاطمة (عليها السّلام) ، فسمع الحسين (عليه السّلام) يبكي ، فقال : (( ألم تعلمي أنّ بكاءه يؤذيني ؟ )) .

إذا كان بكاء الحسين (عليه السّلام) ـ وهو طفل صغير ـ يؤذي النبي (صلّى الله عليه وآله) ، فما كان يجري على النبي (صلّى الله عليه وآله) لو نظر إلى ولده الحسين (عليه السّلام) وهو ينادي : ((هل من ذابّ يذبّ عن حرم رسول الله ؟ هل من موحّد يخاف الله فينا ؟ هل من مغيث يرجو الله في إغاثتنا ؟ هل من معين يرجو ما عند الله في إعانتنا ؟ )) . فلا يُجاب إلاّ بضرب السّيوف وطعن الرماح ورمي السهام ، وهو في ذلك يطلب شربة من الماء فلا يجد ، وكلّما حمل بفرسه على الفرات حملوا عليه حتّى أجلوه عنه ؟!

منعوهُ شُربَ الماءِ لا شَرِبوا غداً   من كفِّ والده البطينِ الأنزعِ

المجلس السّادس

قال المدائني : خرج الحسن والحسين (عليهما السّلام) وعبد الله بن جعفر (رضي الله عنه) حجّاجاً ، ففاتتهم أثقالهم فجاعوا وعطشوا ، فمرّوا بعجوز في خباء لها فقالوا : هل من شراب ؟ قالت : نعم . فأناخوا بها ، وليس لها إلاّ شويهة في كسر الخيمة ، فقالت : اجلسوا وامتذقوا لبنها . ففعلوا ذلك ، وقالوا لها : هل من طعام ؟ قالت : لا ، إلاّ هذه الشاة ، فليذبحها أحدكم حتّى اُهيّئ لكم منها ما تأكلون .

فقام إليها أحدهم فذبحها وكشطها ، ثمّ هيّأت لهم طعاماً فأكلوا ، وأقاموا حتّى أبردوا ، فلمّا ارتحلوا قالوا لها : نحن نفر من قريش نريد هذا الوجه ، فإذا رجعنا سالمين فألمّي بنا فإنّا صانعون إليك خيراً . ثمّ ارتحلوا .

وأقبل زوجها فأخبرته عن القوم والشاة ، فغضب وقال : ويحك ! تذبحين شاتي لأقوام لا تعرفينهم ثمّ تقولين نفر من قريش !


الصفحة ( 17 )

ثم بعد مدّة ألجأتهما الحاجة إلى دخول المدينة ، فدخلاها وجعلا ينقلان البعر إليها ويبيعانه ويعيشان منه . فمرّت العجوز في بعض سكك المدينة فإذا الحسن بن علي (عليهما السّلام) جالس على باب داره ، فعرف العجوز وهي له منكرة ، فبعث غلامه فردّها فقال : (( يا أمَة الله ، أتعرفينني ؟ )) . قالت : لا . قال : (( أنا ضيفك يوم كذا وكذا )) . فقالت العجوز : بأبي أنت واُمّي ! فأمر الحسن (عليه السّلام) فاشتري لها من شياه الصدقة ألف شاة ، وأمر لها بألف دينار ، وبعثها مع غلامه إلى أخيه الحسين (عليه السّلام) فقال : (( بِكم وصلك أخي ؟ )) فقالت : بألف دينار وألف شاة . فأمر لها الحسين (عليه السّلام) بمثل ذلك ، ثمّ بعث بها مع غلامه إلى عبد الله بن جعفر فقال : بكم وصلك الحسن والحسين ؟ فقالت : بألفي شاة وألفي دينار . فأعطاها مثل ذلك.

وبنو هاشم معادن الجود والكرم ومعادن الشجاعة ، لا يباريهم في ذلك أحد ، ولا عجب من الشيء إذا جاء من معدنه . وحسبك بكرم الحسنَين (عليهما السّلام) وهما سبطا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الذي لا يباري كرمه السحاب الهاطل ، وشبلا أمير المؤمنين (عليه السّلام) أكرم النّاس وأسخاهم بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) . وقلّما يكون الكريم غير شجاع ، والشجاع غير كريم . وأمير المؤمنين (عليه السّلام) هو الذي قال : (( جنونان لا أخلاني الله منهما : الشجاعة والكرم )) .

واقتدى به ولده الحسين (عليه السّلام) في كرمه وشجاعته ، فإنّ هذا الشبل من ذلك الأسد ، وهذا الثمر من ذلك الشجر . وأعظم كرم صدر منه (عليه السّلام) يوم تلقّاه الحرّ وأصحابه وهم زهاء ألف فارس ، فسقاهم الماء مع خيولهم في تلك الأرض القفراء ، وهم قد جاؤوا لمحاربته !!

ولكن بئسما جازاه أعداؤه على ذلك ؛ فإنّهم وضعوا ـ بأمر عمر بن سعد ـ خمسة آلاف رجل على المشرعة يمنعون الحسين (عليه السّلام) وأصحابه من استسقاء الماء !!

 منعُـوهُ من مـاء الـفُـراتِ ووردِهِ   وأبوهُ ساقي الحـوضِ يومَ جزاءِ

حتّى قضى عَطشاً كما اشْتهتِ العِدى   بأكـفِّ لا صيــدٍ ولا أكفـاءِ


الصفحة ( 18 )

أمّا شجاعته (عليه السّلام) فهي التي ضُربت بها الأمثال وسارت بها الركبان ، وأنست شجاعة جميع الشجعان . وهو الذي دعا النّاس إلى البراز في يوم كربلاء فلم يزل يقتل كلَّ مَن برز إليه حتّى قتل مقتلة عظيمة . وهو الذي كان يحمل على الأعداء وقد تكملوا ثلاثين ألفاً فينهزمون بين يديه كأنّهم الجراد المنتشر ، فلمّا رأى شمر ذلك ، استدعى الفرسان فصاروا في ظهور الرجّالة ، وأمر الرماة أنْ يرموه ، فرشقوه بالسهام حتّى صار كالقنفذ ، فأحجم عنهم وحالوا بينه وبين رحله .

فقال (عليه السّلام) : (( ويلكم يا شيعة آل أبي سفيان ! إنْ لمْ يكن لكم دين ، وكنتم لا تخافون المعاد ، فكونوا أحراراً في دنياكم هذه ، وارجعوا إلى أحسابكم إنْ كنتم عُرُباً كما تزعمون )) . فناداه شمر : ما تقول يابن فاطمة ؟ قال (عليه السّلام) : (( أقول : أنا الذي اُقاتلكم وتقاتلونني ، والنّساء ليس عليهنّ جناح ، فامنعوا عتاتكم وجهّالكم وطغاتكم من التعرّض لحرمي ما دمت حيّاً )) .

قال شمر : لك ذلك . ثمّ صاح : إليكم عن حرم الرجل واقصدوه بنفسه ، فلعمري لهو كفو كريم .

قال اقصدُوني بنفسِي واتْركُوا حَرَمي   قدْ حان حَيني وقدْ لاحتْ لوائحُهُ

المجلس السّابع

مما جاء في كرم الحسنَين (عليهما السّلام) ما ذكره البيهقي في كتاب المحاسن والمساوئ ، قال : ذكروا أنّ رجلين ؛ أحدهما من بني هاشم والآخر من بني اُميّة ، قال هذا : قومي أسمح . وقال هذا : قومي أسمح . قال : فسلْ أنت عشرة من قومك ، وأنا أسأل عشرة من قومي .

فانطلق صاحب بني اُميّة ، فسأل فأعطاه كلّ واحد منهم عشرة آلاف درهم . وانطلق صاحب بني هاشم إلى الحسن بن علي (عليهما السّلام) فأمر له بمئة وخمسين ألف درهم ، ثمّ أتى الحسين (عليه السّلام) فقال : (( هل بدأت بأحد قبلي ؟ )) قال : بدأت بالحسن ، قال : (( ما كنتُ استطيع


الصفحة ( 19 )

أنْ أزيد على سيّدي شيئاً )) . فأعطاه مئة وخمسين ألفاً من الدراهم ، فجاء صاحب بني اُميّة يحمل مئة ألف درهم من عشرة أنفس ، وجاء صاحب بني هاشم يحمل ثلاثمئة ألف درهم من نفسين ، فغضب صاحب بني اُميّة فردّها عليهم فقبلوها . وجاء صاحب بني هاشم فردّها عليهما فأبيا أنْ يقبلاها ، وقالا : (( ما كنّا نبالي ، أخذتها أم ألقيتها في الطريق )) .

أقول : وفضائل الحسنَين (عليهما السّلام) لا تحصى بحدّ ولا تحصر بعدّ ، كيف ؟ وهما ولدا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وسبطاه وريحانتاه من الدنيا ، وسيّدا شباب أهل الجنّة ، خير النّاس أباً واُمّاً وجدّاً وجدّةً وخالاً وخالةً وعمّاً وعمّةً ؛ أبوهما أمير المؤمنين سيّد الأوصياء (عليه السّلام) ، واُمّهما فاطمة الزهراء بضعة الرسول وسيّدة النّساء (عليها السّلام) ، وجدّهما رسول الله (صلّى الله عليه وآله) سيّد ولد آدم ، وجدّتهما خديجة بنت خويلد أمّ المؤمنين أول نساء هذه الاُمّة إسلاماً ، التي بذلت أموالها في إحياء الدين فقام الاسلام بمالها وسيف علي بن أبي طالب . وأخوالهما وخالاتهما أبناء رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وبناته ، وعمّهما جعفر الطيّار في الجنّة ، مع ما لهما في أنفسهما من الفضائل .

ألا قاتل الله عصبة قتلتهما وظلمتهما ! حتّى قضى الحسن (عليه السّلام) شهيداً بالسمّ ، وقضى الحسين (عليه السّلام) شهيداً بالسيف غريباً ظامئاً ، وقُتلت أنصاره وأهل بيته ، وسُبيت نساؤه من كربلاء إلى الكوفة ، ومن الكوفة إلى الشام ، وطِيفَ برأسه في البلدان :

مَنْ مبلغُ المُصطفى سبطاهُ قدْ قَضَيا   بـالسمِّ هـذا وذا بالسّيفِ منْحُورا
أوصَـى وأكّـد في الدنيا وصيّتَهُ   فـأوسعوا عـهدَهُ نَـكثاً وتـغييرا
لـو كـان جدُّهُما أوصَى بظلْمِهما   لـَما اسْـتطاعُوا لِما جاؤوهُ تكْثيرا

المجلس الثامن

ممّا جاء في كرم الحسين (عليه السّلام) ، ما رواه عمرو بن دينار قال : دخل الحسين


الصفحة ( 20 )

بن علي (عليهما السّلام) على اُسامة بن زيد وهو مريض ، وهو يقول : وآغمّاه ! فقال له الحسين (عليه السّلام) : (( وما غمّك يا اُسامة ؟ )) . فقال : دَيني ، وهو ستّون ألف درهم . فقال الحسين (عليه السّلام) : (( هو علَيّ )) . فقال : إنّي أخشى أنْ أموت . فقال الحسين (عليه السّلام) : (( لنْ تموت حتّى أقضيها عنك )) . قال : فقضاها قبل موته .

وكان (عليه السّلام) يقول : (( شرّ خصال الملوك ؛ الجُبن عن الأعداء ، والقسوة على الضعفاء ، والبخل عن الإعطاء )) .

ووفد أعرابي إلى المدينة فسأل عن أكرم النّاس بها ، فدُلّ على الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهما السّلام) ، فدخل المسجد فوجده يصلّي ، فوقف بازائه وأنشأ يقول :

لمْ يَخبِ الآن مَنْ رجاكَ ومَنْ   حـرَّكَ من دون بابِك الحلَقهْ
أنـت جـوادٌ وأنـت مُعتَمَدٌ   أبـوك قـدْ كان قاتلَ الفسَقهْ
لـولا الّذي كان منْ أوائِلكُمْ   كـانتْ علينا الجَحيمُ مُنطبقهْ

فسلّم الحسين (عليه السّلام) ، وقال : (( ياقنبر ، هل بقي من مال الحجاز شيء ؟ )) قال : نعم ، أربعة آلاف دينار . فقال (عليه السّلام) : (( هاتها ، قد جاء مَن هو أحقّ بها منّا )) . ثمّ نزع بردته ولفّ الدنانير فيها وأخرج يده من شقّ الباب ؛ حياءً من الأعرابي ، وأنشأ يقول :

خُـذْهـا فـإنّي إليك معتذرٌ   واعـلَـمْ بأنّي عليك ذو شَفَقهْ
لو كان في سَيرنا الغداةَ عصاً   أمستْ سمانا عليكَ مُندفِقهْ(1) 
لـكـنَّ ريبَ الزّمان ذو غِيرٍ   والـكـفُّ مـنّي قليلةُ النّفَقهْ

فأخذها الأعرابي وبكى . فقال له الحسين (عليه السّلام) : (( لعلّك استقللت ما أعطيناك ؟ )) . قال : لا ، ولكن كيف يأكل التراب جودك ؟!

ووُجِد على ظهر الحسين (عليه السّلام)

______________________

(1) لعلّ المراد بالسّير : واحد السّيور التي تُقدّ من الجلد ، فإنّه إذا كان فيه عصا ( أي مشدوداً بطرف عصا ) ، صار سوطاً قابلاً للضرب ، فيكون كناية عن الحكم والقوّة .


الصفحة ( 21 )

يوم الطفّ أثر ، فسألوا زين العابدين (عليه السّلام) عن ذلك ، فقال : (( هذا ممّا كان ينقل الجراب على ظهره إلى منازل الأرامل واليتامى والمساكين )) .

ووُجِد على ظهره (عليه السّلام) يوم الطفّ أثر آخر ، هو أوجع للقلوب من هذا الأثر ، وهو أثر حوافر الخيل التي داست بحوافرها صدره الشريف وظهره ؛ وذلك حين أمر ابن سعد عشرة فوارس أنْ يدوسوا بحوافر خيولهم صدره وظهره ؛ تنفيذاً لِما أمر به ابن زياد . ففعلوا ، وأقبلوا إلى ابن زياد وهم يقولون :

 نحنُ رَضضْنَا الصَّدرَ بعد الظَّهْرِ   بكلِّ يعبوبٍ شديدِ الأسرِ

فقال ابن زياد : مَن أنتم ؟ قالوا : نحن الذين وطأنا بخيولنا جسد الحسين حتّى طحنّا جناجن صدره .

 تَطأُ الصّواهلُ جسمَهُ وعلى القنَا   من رأسهِ المرفوعِ بدرُ سماءِ

* * *

عقَرتْ بناتُ الأعوجيّةِ هلْ دَرتْ   ما يُستباحُ بها وماذا يُصنعُ

المجلس التاسع

ممّا جاء في كرم الحسين (عليه السّلام) ، أنّ أعرابياً جاءه فقال : يابن رسول الله ، قد ضمنت ديّة كاملة وعجزت عن أدائها ، فقلت في نفسي : أسأل أكرم النّاس ، وما رأيت أكرم من آل محمّد (صلّى الله عليه وآله) . فقال (عليه السّلام) : (( أسألك عن ثلاث مسائل ؛ فإنْ أجبت عن واحدة أعطيتك ثلث المال ، وإنْ أجبت عن اثنتين أعطيتك ثلثي المال ، وإنْ أجبت عن الكلّ أعطيتك الكلّ )) . فقال الأعرابي : يابن رسول الله ، أمثلك يسأل مثلي ، وأنت من أهل العلم والشرف ؟! فقال الحسين (عليه السّلام) : (( بلى ، سمعت جدّي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول : المعروف بقدر المعرفة )) . فقال الأعرابي : سلْ عمّا بدا لك ،

الصفحة ( 22 )

فإنْ أجبت ، وإلاّ تعلمت منك . فقال الحسين (عليه السّلام) : (( أي الأعمال أفضل ؟ )) . فقال الأعرابي : الإيمان بالله . فقال الحسين (عليه السّلام) : (( فما النجاة من المهلكة ؟ )) . فقال الأعرابي : الثقة بالله . فقال الحسين (عليه السّلام) : (( فما يزين الرجل ؟ )) . فقال الأعرابي : علم معه حلم . فقال الحسين (عليه السّلام) : (( فإنْ أخطأه ذلك ؟ )) . فقال الأعرابي : مال معه مروءة . فقال الحسين (عليه السّلام) : (( فإنْ أخطأه ذلك ؟ )) . فقال الأعرابي : فقر معه صبر . فقال الحسين (عليه السّلام) : (( فإنْ أخطأه ذلك ؟ )) . فقال الأعرابي : فصاعقة تنزل من السّماء فتحرقه ؛ فإنّه أهل لذلك . فضحك الحسين (عليه السّلام) ورمى إليه بصرّة فيها ألف دينار ، وأعطاه خاتمه وفيه فصّ قيمته مئتا درهم ، وقال الحسين (عليه السّلام) (( يا أعرابي ، إعط ِالذهب غرماءك ، واصرف الخاتم في نفقتك )) . فأخذ الأعرابي المال ، وقال : الله أعلم حيث يجعل رسالته .

وعلّم عبد الرحمن السّلمي بعض ولْد الحسين (عليه السّلام) سورة الفاتحة ، فلمّا قرأها الصبي على أبيه الحسين (عليه السّلام) ، أعطى ذلك المعلّم ألف دينار وألف حلّة وحشا فاه درّاً . فقيل له في ذلك ، فقال (عليه السّلام) : (( وأين يقع هذا من إعطائه )) : يعني تعليمه للسورة . وأنشد الحسين (عليه السّلام) يقول :

إذا جادتْ الدّنيا عليك فجُدْ بها   على النّاس طُرّاً قبل أنْ تتفلّتِ

فلا الجودُ يُفنيها إذا هي أقبلتْ   ولا البخلُ يُبقيها إذا ما تولّتِ

وقال أنس : كنت عند الحسين (عليه السّلام) فدخلت عليه جارية ، فحيّته بطاقة ريحان ، فقال لها : (( أنتِ حرّة لوجه الله تعالى )) . قال أنس : فقلت تجيئك بطاقة ريحان لا خطر لها فتعتقها ! قال (عليه السّلام) : (( كذا أدّبنا الله ، قال الله تعالى : وَإِذَا حُيّيتُم بِتَحِيّةٍ فَحَيّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدّوهَا(1) . وكان أحسن منها عتقها )) .

وقال (عليه السّلام) : (( صاحب الحاجة لم يكرم وجهه عن سؤالك ؛ فأكرم نفسك عن رَدّه )) .

ومن كرمه العظيم وسخائه العجيب ، أنّه لمّا التقى مع الحُرّ بن يزيد ـ وكان مع الحرّ زهاء ألف فارس ـ وكان الحسين (عليه السّلام) في سَحر ذلك اليوم أمر فتيانه أنْ يستقوا من الماء ويكثروا ، ففعلوا . ووقف الحرّ وخيله مقابل الحسين (عليه السّلام) في حَرّ الظهيرة ، فقال الحسين (عليه السّلام) لفتيانه : (( اسقوا القوم وارووهم من الماء ،

______________________

(1) سورة النّساء / 86 .


الصفحة ( 23 )

وارشفوا الخيل ترشيفاً )) : أي أسقوها قليلاً . وأقبلوا يملؤون القصاع والطساس من الماء ثمّ يدنونها من الفرس ، فاذا عبّ فيها ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً ، عُزلت عنه وسقوا آخر حتّى سقوها عن آخرها .

أتدرون ما كان جزاء الحسين (عليه السّلام) من الأعداء على سقيه إيّاهم الماء مع خيولهم في تلك الأرض القفراء ؟ نعم ، كان جزاؤه منهم أنْ حالوا بينه وبين ماء الفرات ، وبعث عمر بن سعد عمرو بن الحجّاج في خمسمئة فارس ، فنزلوا على الشريعة وحالوا بين الحسين (عليه السّلام) وأصحابه وبين الماء .

وقال الشيخ المفيد عليه الرحمة : وكان ذلك قبل قَتل الحسين (عليه السّلام) بثلاثة أيام .

منَعوهُ شُربَ الماءِ لا شَرِبوا غداً   من كفِّ والده البطينِ الأنزع ِ

المجلس العاشر

ذكر ابن شهر آشوب في المناقب قال : دخل الحسين (عليه السّلام) على معاوية وعنده أعرابي يسأله حاجة ، فأمسك عنه وتشاغل بالحسين (عليه السّلام) ، فقال الأعرابي لبعض مَن حضر : مَن هذا الذي دخل ؟ قالوا : الحسين بن علي (عليهما السّلام) . فقال الأعرابي للحسين (عليه السّلام) : أسألك يابن بنت رسول الله ، لمّا كلّمته في حاجتي . فكلّمه الحسين (عليه السّلام) في ذلك ، فقضى حاجته . فقال الأعرابي :

أتـيتُ الـعبشميَّ فلمْ يجدْ لي   إلـى أنْ هـزّهُ ابنُ الرسولِ
هو ابنُ المصطفى كرماً وجوداً   ومـِن بـطنِ المُطهّرة البتولِ
وإنّ لـهاشم فـضلا ًعـليكُمْ   كما فضُلَ الربيعُ على المَحولِ

فقال معاوية : يا أعرابي ، أعطيك وتمدحه ؟! فقال الأعرابي : يا معاوية ، أعطيتني من حقّه وقضيت حاجتي بقوله .

ولمّا أخرج مروانُ الفرزدقَ من المدينة أتى


الصفحة ( 24 )

الفرزدق الحسين (عليه السّلام) ، فأعطاه الحسين (عليه السّلام) أربعمئة دينار . فقيل له : إنّه شاعر فاسق . فقال (عليه السّلام) : (( إنّ خير مالك ما وقيت به عرضك ، وقد أثاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كعب بن زهير ، وقال في العبّاس بن مرداس : اقطعوا لسانه عنّي )) .

وأعظم جودٍ صدر منه (عليه السّلام) ، جوده بنفسه في سبيل الله ، وتسليمه إيّاها للقتل .

قال الشاعر :

يجودُ بالنّفسِ إنْ ضنَّ الجبانُ بها   والجودُ بالنّفسِ أقصى غاية الجودِ

فالحسين (عليه السّلام) قد جاد بنفسه وأهل بيته وعياله وأطفاله في سبيل الله ؛ فداء للدين ، ومحاماة عن شريعة جدّه سيّد المرسلين (صلّى الله عليه وآله) حتّى أصبحوا ما بين قتيل وأسير . ولولا قتل الحسين (عليه السّلام) ، ما بقي لهذا الدّين من أثر ، ولولاه ما ظهر للخاصّ والعام كفر يزيد وإلحاده .

 رأى قنا الدّينِ من بعد استقامتِها   مغموزةً وعليها صدعُ منكسرِ

فقام يجمعُ شملاً غيـرَ مُجتمعِ   منه ويجبرُ كسراً غيرَ مُنجبرِ

المجلس الحادي عشر

ممّا جاء في تواضع الحسين (عليه السّلام) ، وكرم أخلاقه : أنّه (عليه السّلام) مرّ بمساكين قد بسطوا كساء لهم وألقوا عليه كسراً ، فقالوا له : هلمّ يابن رسول الله . فجلس وأكل معهم ، ثمّ تلا : (( إنّ اللّه لا يُحِبّ المتكبّرين )) . ثمّ قال (عليه السّلام) : (( قد أجبتكم فأجيبوني )) . قالوا : نعم يابن رسول الله . فقاموا معه حتّى أتوا منزله ، فقال لجاريته : (( اخرجي ما كنتِ تدّخرين )) .

وجنى غلام له جناية توجب العقاب ، فأمر به أنْ يُضرب ، فقال : يا مولاي ( وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ ) . قال (عليه السّلام) : (( خلّوا عنه )) . فقال : يا مولاي ( وَالْعَافِينَ عَنِ النّاسِ ) . فقال (عليه السّلام) : (( قد عفوت عنك )) . فقال : يا مولاي ( وَاللّهُ يُحِبّ الْمُحْسِنِين )(1) . فقال (عليه السّلام) : (( أنت حرّ لوجه الله تعالى ، ولك ضعف ما كنت أعطيك )) .

وممّا جاء في

______________________

(1) المقاطع الثلاث كلّها من سورة آل عمران / 134 .


الصفحة ( 25 )

عبادة الحسين (عليه السّلام) : أنّه حجّ خمس وعشرين حجّة ماشياً ، وأنّ النّجائب لتقاد معه .

وقيل له يوماً : ما أعظم خوفك من ربّك ! فقال : (( لا يأمن من يوم القيامة إلاّ مَن خاف الله في الدنيا )) .

وكان إذا توضّأ تغيّر لونه وارتعدت مفاصله ، فقيل له في ذلك ، فقال (عليه السّلام) : (( حقّ لمَن وَقفَ بين يدي الملك الجبّار أنْ يصفرّ لونه وترتعد مفاصله )) .

وأمّا إباؤه للضيم ، فقد ضُربت به الأمثال ونُظمت فيه الأشعار .

قال الشاعر :

وإنَّ الاُولى بالطفِّ من آلِ هاشمٍ   تآسَوا فسنّوا للكرام التآسيا

وقال بعضهم : كأنّ أبيات أبي تمّام في محمّد بن حميد الطوسي ما قيلت إلاّ في الحسين (عليه السّلام) :

وقـدْ كان فوتُ الموتِ سهلاً فردَّهُ   إلـيه الـحفاظُ المرّ والخُلُقُ الوعرُ
ونـفسٌ تـعافُ الضّيمَ حتّى كأنّما   هو الكُفرُ يومَ الرّوعِ أو دونه الكفرُ
فـأثبتَ فـي مُسْتنقعِ الموتِ رِجلَهُ   وقال لها من دون أخمصكِ الحشرُ
تـردَّى ثيابَ الموت حُمراً فما دَجا   لها الليلُ إلاّ وهي من سندس خُضرُ

وقيل له يوم الطفّ : انزل على حكم بني عمّك . فقال : (( لا والله ، لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل ، ولا أقرّ لكم إقرار العبيد )) .

 بأبيْ أبيّ الضّيمِ لا يُعطي العِدَى   حذرَ المنيةِ منه فضـلَ قيادِ

بأبي فريداً أسلمتـهُ يـدُ الرّدَى   في دارِ غُربتهِ لجمع أعادي

ثم نادى : (( يا عباد الله ، إنّي عُذتُ بربّي وربّكم من كلّ متكبّر لا يؤمن بيوم الحساب )) . وقال (عليه السّلام) : (( موت في عزّ خير من حياة في ذلّ )) .

وكان يحمل على القوم يوم الطفّ وهو يقول :

 الموتُ خيرٌ من ركوب العارِ   والعارُ أولى من دخولِ النارِ

واللهِ من هذا وهذا جاري

* * *

يأبَى له اللهُ والعضبُ المذرّبُ والـ   ـنفسُ الأبيّةُ إلاّ عزّةً وإبا


الصفحة ( 26 )

المجلس الثاني عشر

ممّا جاء في كرم الحسين (عليه السّلام) ، عن الحسن البصري : إنّ الحسين (عليه السّلام) ذهب ذات يوم مع أصحابه إلى بستانه ـ وكان في ذلك البستان غلام للحسين (عليه السّلام) اسمه صافي ـ فلمّا قرُب من البستان ، رأى الغلام قاعداً يأكل الخبز ، فجلس الحسين (عليه السّلام) عند بعض النّخل بحيث لا يراه الغلام ، فنظر إليه الحسين (عليه السّلام) وهو يرفع الرغيف فيرمي نصفه إلى الكلب ويأكل نصفه ، فتعجّب الحسين (عليه السّلام) من فعل الغلام ، فلمّا فرغ من الأكل قال : الحمد لله ربّ العالمين ، اللهمَّ ، اغفر لي واغفر لسيّدي كما باركت لأبويه برحمتك يا أرحم الراحمين .

فقام الحسين (عليه السّلام) وقال : (( يا صافي )) . فقام الغلام فزعاً وقال : يا سيّدي وسيّد المؤمنين إلى يوم القيامة ، إنّي ما رأيتك ، فاعف عنّي . فقال الحسين (عليه السّلام) : (( اجعلني في حلّ يا صافي ؛ لأنّي دخلت بستانك بغير إذنك )) . فقال صافي : بفضلك يا سيّدي وكرمك وسؤددك تقول هذا ! فقال الحسين (عليه السّلام) : (( إنّي رأيتك ترمي نصف الرغيف إلى الكلب وتأكل نصفه ، فما معنى ذلك ؟ )) . فقال الغلام : إنّ هذا الكلب نظر إليّ وأنا كلّ فاستحييت منه ، وهو كلبك يحرس بستانك وأنا عبدك ، نأكل رزقك معاً .

فبكى الحسين (عليه السّلام) وقال : (( إنْ كان كذلك ، فأنت عتيق لله تعالى ، ووهبت لك ألفَي دينار )) . فقال الغلام : إنْ أعتقتني فأنا اُريد القيام ببستانك . فقال الحسين (عليه السّلام) : (( إنّ الكريم ينبغي له أنْ يصدّق قوله بالفعل . أوما قلت لك اجعلني في حلّ ؟ فقد دخلت بستانك بغير إذنك ؛ فصدّقتُ قولي ووهبت البستان وما فيه لك ، فاجعل أصحابي الذين جاؤوا معي أضيافاً ، واكرمهم من أجلي ؛ أكرمك الله تعالى يوم القيامة ، وبارك لك في حسن خُلقك وأدبك )) . فقال الغلام : إنْ وهبتني بستانك ، فإنّي قد سبلته لأصحابك وشيعتك .


الصفحة ( 27 )

وأعظم جود صدر منه (عليه السّلام) ؛ جوده بنفسه وأهل بيته وعياله وأطفاله في سبيل الله ؛ فداء للدين ، ومحاماة عن شريعة جدّه سيّد المرسلين (صلّى الله عليه وآله) حتّى أصبحوا ما بين قتيل وأسير . ولولا قتل الحسين (عليه السّلام) ، ما بقي لهذا الدّين من أثر ، ولولاه ما ظهر للخاصّ والعام كفر يزيد وإلحاده .

 رأى قنا الدّينِ من بعد استقامتِها   مغموزةً وعليها صدعُ منكسرِ

فقام يجمعُ شملاً غيـرَ مُجتمعِ   منه ويجبرُ كسراً غيرَ مُنجبرِ

المجلس الثالث عشر

خطب الحسين (عليه السّلام) فقال : (( أيّها النّاس ، نافسوا في المكارم وسارعوا في المغانم ، ولا تحتسبوا بمعروف لم تعجلوه ، واكسبوا الحمد بالنجح ولا تكسبوا بالمطل ذماً ؛ فمهما يكن لأحد عند أحد صنيعة له رأى أنّه لا يقوم بشكرها ، فالله له بمكافأته(1) فإنّه أجزل عطاءً وأعظم أجراً . واعلموا أنّ حوائج النّاس إليكم من نعم الله عليكم ، فلا تملّوا النعم فتحوّر نقماً . واعلموا أنّ المعروف مكسب حمداً ومعقب أجراً ، فلو رأيتم المعروف رجلاً ، رأيتموه حسناً جميلاً يسرّ الناظرين ، ولو رأيتم اللؤم ، رأيتموه سمجاً مشوّهاً تنفر منه القلوب ، وتُغضّ دونه الأبصار .

أيّها النّاس ، مَن جاد ساد ، ومَن بخل رذل ، وإنّ أجود النّاس مَن أعطى مَن لا يرجوه ، وإنّ أعفى النّاس مَن عفا عن قدرة ، وإنّ أوصل النّاس مَن وصل مَن قطعه . والاُصول على مغارسها بفروعها تسمو ، فمَن تعجّل لأخيه خيراً وجده إذا قدم عليه غداً . ومَن أراد الله تبارك وتعالى بالصنيعة

______________________

(1) الظاهر أنّه سقط هنا كلمة ، وهي : (زعيم) أو (كفيل) أو (مليء) أو نحو ذلك . ـ المؤلف ـ


الصفحة ( 28 )

إلى أخيه ، كافأه الله بها في وقت حاجته ، وصرف عنه من بلاء الدنيا ما هو أكثر منه . ومَن نفّس كربة مؤمن فرّج الله عنه كرب الدنيا والآخرة ، ومَن أحسنَ أحسن الله إليه ، والله يُحب المحسنين )) .

وخطب (عليه السّلام) أيضاً فقال : (( إنّ الحلم زينة ، والوفاء مروءة ، والصّلة نعمة ، والإستكبار صلف ، والعجلة سفه ، والسفه ضعف ، والغلوّ ورطة ، ومخالطة أهل الدناءة شرّ ، ومجالسة أهل الفسق ريبة )) .

والحسين (عليه السّلام) معدن الفصاحة والبلاغة ، ورث ذلك عن جدّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، أفصح مَن نطق بالضاد ، وعن أبيه أمير المؤمنين (عليه السّلام) الذي علّم النّاس الفصاحة والخطب . ولقد خطب في الأعداء يوم كربلاء ـ حين وقف بازائهم ، وجعل ينظر إلى صفوفهم كأنّهم السيل ـ وقال ما لا يحصى كثرةً ، فلم يسمع متكلّم قطّ قبله ولا بعده أبلغ في منطق منه .

لهُ من عليٍّ في الحروبِ شجاعةٌ   ومن أحمدٍ عند الخطابةِ قيلُ

فكان ممّا قال (عليه السّلام) : (( الحمد لله الذي خلق الدنيا فجعلها دار فناء وزوال ، متصرّفة بأهلها حالاً بعد حال ، فالمغرور مَن غرّته والشقيّ مَن فتنته ؛ فلا تغرّنكم هذه الدنيا ، فإنّها تقطع رجاء مَن ركن إليها ، وتخيب طمع مَن طمع فيها . وأراكم قد اجتمعتم على أمر قد أسخطتم الله فيه عليكم ، وأعرض بوجهه الكريم عنكم ، وأحلّ بكم نقمته ، وجنّبكم رحمته ، فنِعمَ الربّ ربّنا ، وبئس العبيد أنتم ! أقررتم بالطاعة وآمنتم بالرسول محمّد (صلّى الله عليه وآله) ثمّ إنّكم زحفتم على ذرّيّته وعترته تريدون قتلهم ! لقد استحوذ عليكم الشيطان فأنساكم ذكر الله العظيم )) .

فقال ابن سعد : ويلكم كلّموه فإنّه ابن أبيه ! ولو وقف فيكم هكذا يوماً جديداً لما انقطع ولما حصر . فتقدّم شمر فقال : يا حسين ، ما هذا الذي تقول ؟ أفهمنا حتّى نفهم . فقال (عليه السّلام) : (( أقول : اتّقوا الله ربّكم ولا تقتلوني ؛ فإنّه لا يحلّ لكم قتلي وانتهاك حرمتي ؛ فإنّي ابن بنت نبيّكم ، وجدّتي خديجة زوجة نبيكم ، ولعلّه قد بلغكم قول نبيكم : الحسن والحسين


الصفحة ( 29 )

سيّدا شباب أهل الجنّة )) . فقال له قيس بن الأشعث : ما ندري ما تقول ، ولكن انزل على حكم بني عمّك فإنّهم لن يروك إلاّ ما تحب . فقال له الحسين (عليه السّلام) : (( لا والله ، لا اُعطيكم بيدي إعطاء الذليل ، ولا أقرّ إقرار العبيد )) .

سامَوهُ أنْ يـردَ الهوانَ أو المنيـْ  ـيَة والمسوَّدُ لا يكون مَسودَا

* * *

فأبى أنْ يعيش إلاّ عزيزاً   أو تجلّى الكفاحُ وهو صريـعُ

المجلس الرابع عشر

روى صاحب كشف الغمّة : أنّه لمّا قَتل معاوية حجرَ بن عدي (رحمه الله) وأصحابه ، لقي في ذلك العام الحسين (عليه السّلام) ، فقال : يا أبا عبد الله ، هل بلغك ما صنعت بحجر وأصحابه من شيعة أبيك ؟ قال (عليه السّلام) : لا . قال : إنّا قتلناهم وكفّناهم وصلّينا عليهم . فضحك الحسين (عليه السّلام) ثمّ قال : (( خصمك القوم يوم القيامة يا معاوية . أما والله ، لو ولينا مثلها من شيعتك ما كفّناهم ولا صلينا عليهم ، وقد بلغني وقوعك بأبي حسن وقيامك به واعتراضك بني هاشم بالعيوب . وأيم الله ، لقد أوترت غير قوسك ورميت غير غرضك ، وتناولتها بالعداوة من مكان قريب . ولقد أطعت امرءاً (يريد عمرو بن العاص) ما قدم إيمانه ولا حدث نفاقه وما نظر لك ، فانظر لنفسك أو دَع )) .

وكان لمعاوية عين بالمدينة يكتب إليه بما يكون من اُمور النّاس ، فكتب إليه : إنّ الحسين بن علي أعتق جارية له وتزوّجها . فكتب معاوية إلى الحسين (عليه السّلام) : من أمير المؤمنين معاوية الى الحسين بن علي : أمّا بعد ، فإنّه بلغني أنّك تزوّجت جاريتك وتركت أكفاءك من قريش ممّا تستنجبه للولد وتمجّد به في الصهر ، فلا لنفسك نظرت ولا لولدك انتقيت .

فكتب إليه الحسين (عليه السّلام) : (( أمّا بعد ، فقد بلغني كتابك وتعييرك إيّاي بأني تزوجت مولاتي وتركت


الصفحة ( 30 )

أكفائي من قريش ، فليس فوق رسول الله منتهى في شرف ولا غاية في نسب ؛ وإنّما كانت ملك يميني خرجت عن يدي بأمر التمست فيه ثواب الله ، ثمّ ارتجعتها على سنّة نبيّه (صلّى الله عليه وآله) ، وقد رفع الله بالإسلام الخسيسة ووضع عنّا به النقيصة ، فلا لوم على امرئ مسلم إلاّ في مأثم ، وإنّما اللوم لوم الجاهلية )) .

فلمّا قرأ معاوية كتابه نبذه إلى يزيد ، فقرأه وقال : لشدّ ما فخر عليك الحسين . قال : لا ، ولكنّها ألسِنَة بني هاشم الحداد التي تفلق الصخر وتغرف من البحر .

ولم ينسَ يزيد قول أبيه ، إنّ لبني هاشم ألسنة تفلق الصخر وتغرف من البحر ؛ ولذلك لمّا قال له زين العابدين (عليه السّلام) بالشام : (( أتأذن لي أنْ أصعد هذه الأعواد فأتكلّم بكلمات لله فيهنّ رضاً ، ولهؤلاء الجلساء فيهنّ أجر وثواب ؟ )) أبى يزيد عليه ذلك ، فقال النّاس : يا أمير المؤمنين ، إئذن له فليصعد المنبر فلعلّنا نسمع منه شيئاً . فقال : إنّه إنْ صعد لم ينزل إلاّ بفضيحتي وفضيحة آل أبي سفيان . فقيل له : وما قدر ما يحسن هذا ؟ فقال : إنّه من أهل بيت زقّوا العلم زقّا . فلم يزالوا به حتّى أذِنَ له .

 فصعد المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ثمّ خطب خطبة أبكى فيها العيون وأوجل منها القلوب ، وخشي يزيد أنْ تكون فتنة ؛ فأمر المؤذّن فقطع عليه الكلام ، فلمّا قال المؤذّن : الله أكبر الله أكبر ، قال علي بن الحسين (عليه السّلام) : (( لا شيء أكبر من الله )) . فلمّا قال : أشهد أنْ لا إله إلاّ الله ، قال (عليه السّلام) : (( شهد بها شعري وبشري ، ولحمي ودمي )) . فلمّا قال المؤذّن : أشهد أنّ محمّداً رسول الله ، قال (عليه السّلام) : (( محمّد هذا جدّي أم جدّك يا يزيد ؟ فإنْ زعمت أنّه جدّك فقد كذبت وكفرت ، وإنْ زعمت أنّه جدّي ، فلِمَ قَتلت عترته ؟ )) .

ألا يابنَ هندٍ لا سقَى اللهُ تربةً   ثويتَ بمثواها ولا اخضرّ عودُها

أتسلبُ أثوابَ الإمامـة هاشمـاً   وتطـردُها عنهـا وأنت طريدُها


الصفحة ( 31 )

المجلس الخامس عشر

روى ابن عساكر في تاريخ دمشق : أنّ نافع بن الأزرق ـ وهو من رؤساء الخوارج ـ قال للحسين (عليه السّلام) : صف لي إلهك الذي تعبده . فقال (عليه السّلام) : (( يا نافع ، مَن وضَعَ دينه على القياس ، لم يزل الدهر في الالتباس ، مائلاً إذا كبا عن المنهاج ، ظاعناً بالاعوجاج ، ضالاً عن السبيل قائلاً غير الجميل . يابن الأزرق ، أصف إلهي بما وصف به نفسه ؛ لا يُدرك بالحواس ولا يُقاس بالنّاس ، قريب غير ملتصق وبعيد غير مستقصى ، يوحَّد ولا يبعَّض ، معروف بالآيات موصوف بالعلامات ، لا إله إلاّ هو الكبير المتعال )) .

فبكى ابن الأزرق وقال : ما أحسن كلامك ! فقال (عليه السّلام) : (( بلغني أنّك تشهد على أبي وعلى أخي بالكفر وعليَّ )) . قال ابن الأزرق : أما والله يا حسين ، لئن كان ذلك لقد كنتم منار الإسلام ونجوم الأحكام . فقال له الحسين (عليه السّلام) : (( إنّي سائلك عن مسألة )) . فقال : سل . فسأله عن قوله تعالى : ( وَأَمّا الجِدَارُ فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ )(1) . فقال (عليه السّلام) : (( يابن الأزرق ، مَن حفظ في الغلامين ؟ )) . فقال أبوهما . فقال الحسين (عليه السّلام) : (( أبوهما خيرٌ أمْ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ؟ )) . فقال ابن الأزرق : قد أنبأ الله تعالى عنكم أنّكم قوم خصمون .

أجل والله ، إنّ هذه الاُمّة لم تحفظ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في ولدَيه الحسنَين (عليهما السّلام) ، فجرّعت ولده الحسن (عليه السّلام) الغصص ودفعته عن مقامه ، وأسلمته إلى عدوّه حتّى قضى شهيداً بالسمّ ، ومنعت من دفنه عند جدّه ؛ وخذلت ولده الحسين (عليه السّلام) ولم تنصره ، وحاربته وقتلته هو وأولاده وأهل بيته حتّى طفله الرضيع ، وقتلت أنصاره ، وسبت نساءه من بلد الى بلد ، وهنّ عقائل بيت الوحي والنبوّة .

يا اُمّةٌ باعتْ بضائعَ دينِها   يومَ الطّفوفِ بخيبةٍ وشَقاءِ

خانتْ عهودَ محمّد في آلهِ   من بعدهِ وجزتْهُ شرَّ جزاءِ

______________________

(1) سورة الكهف / 82 .


الصفحة ( 32 )

المجلس السّادس عشر

روى ابن قتيبة في الإمامة والسياسة ، والكشي في كتاب الرجال : أنّ مروان بن الحكم كتب الى معاوية ـ وهو عامله على المدينة ـ : أمّا بعد ، فقد ذكر لي أنّ رجالاً من أهل العراق ووجوه أهل الحجاز يختلفون إلى الحسين بن علي ، وإنّه لا يؤمن وثوبه ، وقد بحثت عن ذلك فبلغني أنّه يريد الخلافة .

فكتب إليه معاوية : إيّاك أنْ تعرض للحسين في شيء ، واترك حسيناً ما تركك . وكتب معاوية إلى الحسين (عليه السّلام) : قد انتهت إليّ اُمور عنك ، إنْ كانت حقاً فإنّي أرغب بك عنها . ولعمر الله ، إنّ مَن أعطى الله عهده وميثاقه لجدير بالوفاء ، وإنّ أحقّ النّاس بالوفاء مَن كان مثلك في خطرك وشرفك ومنزلتك التي أنزلك الله بها ، ونفسك فاذكر وبعهد الله أوفِ ؛ فانّك متى تنكرني أنكرك ، ومتى تكدني أكدك ، فاتّقِ شقّ عصا هذه الاُمّة وأنْ يردهم الله على يديك في فتنة . وانظر لنفسك ولدينك ولاُمّة محمّد ، ولا يستخفنّك السفهاء والذين لا يعلمون .

فكتب إليه الحسين (عليه السّلام) : (( أمّا بعد ، فقد بلغني كتابك تذكر فيه أنّه انتهت إليك عنّي اُمور أنت لي عنها راغب وأنا بغيرها عندك جدير ، فإنّ الحسنات لا يهدي لها ولا يسدد إليها إلاّ الله تعالى ؛ وأمّا ما ذكرت إنّه رقي إليك عنّي ، فإنّه إنّما رقاه إليك الملاّقون المشّاؤون بالنميمة ، المفرّقون بين الجمع ، وكذب الغاوون ، ما أردت لك حرباً ولا عليك خلافاً ، وإنّي لأخشى الله في ترك ذلك منك ومن الأعذار فيه إليك وإلى أوليائك القاسطين الملحدين ، حزب الظلمة وأولياء الشياطين .

ألستَ القاتل حِجْر بن عدي أخا كندة وأصحابه المصلّين العابدين ، الذين كانوا ينكرون الظلم ويستفضعون البدع ، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ولا يخافون في الله لومة لائم ، ثمّ قتلتهم ظلماً وعدواناً من بعد ما أعطيتهم الأيمان المغلّظة والمواثيق المؤكّدة ، لا تأخذهم بحدث كان بينك وبينهم ؛ جرأة على الله واستخفافاً بعهده ؟!


الصفحة ( 33 )

أولست قاتل عمرو بن الحمق صاحب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، العبد الصالح الذي أبلته العبادة فنحل جسمه واصفرّ لونُه ، فقتلته بعدما أمّنته وأعطيته من العهود ما لو فهمته العصم لنزلت من رؤوس الجبال ؟!

أولست المدّعي زياد بن سميّة المولود على فراش عبيد بن ثقيف ، فزعمت أنّه ابن أبيك ؛ وقد قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : الولد للفراش وللعاهر الحَجَر . فتركت سنّة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) تعمّداً ، وتبعت هواك بغير هدىً من الله ، ثمّ سلّطته على أهل الإسلام يقتلهم ويقطّع أيديهم وأرجلهم ويسمل أعينهم ويصلبهم على جذوع النّخل ، كأنّك لست من هذه الاُمّة وليسوا منك ؟!

أولست صاحب الحضرميين الذين كتب فيهم ابن سميّة أنّهم على دين علي صلوات الله عليه ، فكتبت إليه : أنْ اقتل كلّ مَن كان على دين علي ؛ فقتلهم ومثّل بهم بأمرك ، ودين علي هو دين ابن عمّه (صلّى الله عليه وآله) الذي كان يضرب عليه أباك ويضربك ، وبه جلست مجلسك الذي أنت فيه . ولولا ذلك لكان شرفك وشرف آبائك تجشّم الرحلتين ؛ رحلة الشتاء والصيف ؟! وقلتَ فيما قلت : انظر لنفسك ولدينك ولاُمّة محمّد (صلّى الله عليه وآله) واتّق شقّ عصا هذه الاُمّة وأنْ تردهم إلى فتنة !! وإنّي لا أعلم فتنة أعظم على هذه الاُمّة من ولايتك عليها ، ولا أعظم نظراً لنفسي ولديني ولاُمّة محمّد (صلّى الله عليه وآله) أفضل من أنْ اُجاهدك ، فإنْ فعلت فإنّه قربة إلى الله ، وإنْ تركته فإنّي أستغفر الله لديني وأسأله توفيقَه لأرشاد أمري .

وقلتَ فيما قلت : إنْ أنكرتك تنكرني ، وإنْ أكِدك تكدني ! فكدني ما بدا لك ، فإنّي أرجو أنْ لا يضرني كيدك ، وأنْ لا يكون على أحد أضرّ منه على نفسك ؛ لأنّك قد ركبت جهلك وتحرصت على نقض عهدك ، ولعمري ما وفيتَ بشرط ، ولقد نقضت عهدك بقتل هؤلاء النفر الذين قتلتهم بعد الصلح والأيمان والعهود والمواثيق ، فقتلتهم من غير أنْ يكونوا قاتَلوا وقتلوا ، ولم تفعل ذلك بهم إلاّ لذكرهم فضلنا وتعظيمهم حقّنا ؛ فقتلتهم مخافة أمرٍ لعلّك لو لم تقتلهم متّ قبل أنْ يفعلوا ، أو ماتوا قبل أنْ يدركوا .


الصفحة ( 34 )

فأبشر يا معاوية بالقصاص ، واستيقن بالحساب ، واعلم أنّ لله تعالى كتاباً لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلاّ أحصاها ، وليس الله بناسٍ لأخذك بالظنّة ، وقتلك أولياءه على التهم ، ونفيك أولياءه من دورهم إلى دار الغربة ، وأخذك للناس ببيعة ابنك غلام حدث ؛ يشرب الشراب ويلعب بالكلاب ، ما أراك إلاّ خسرتَ نفسك وبترت دينك ، وغششتَ رعيّتك وأخربت أمانتك ، وسمعتَ مقالة السفيه الجاهل وأخفت الورع التّقي ، والسّلام )) . فلمّا قرأ معاوية الكتاب ، قال : لقد كان في نفسه شيء ما أشعر به . فقال يزيد : أجبه جواباً يصغر إليه نفسه ؛ تذكر فيه أباه بشرّ فعله .

ودخل عبد الله بن عمرو بن العاص ، فقال معاوية : أما رأيت ما كتب به الحسين ؟ وأقرأه الكتاب . فقال : وما يمنعك أنْ تجيبه بما يصغر إليه نفسه ؟ ـ وإنما قال ذلك في هوى معاوية ـ فقال يزيد : رأيت يا أمير المؤمنين رأيي ؟ فضحك معاوية وقال : أخطأتما ، أرأيتما لو أنّي ذهبت لعيب عليّ محقاً ، فما عسيت أنْ أقول فيه ؟ ومتى ما عبت رجلاً بما لا يعرفه النّاس لم يُحفل به وكذّبه النّاس ، وما عسيت أنْ أعيب حسيناً ! فو الله ، ما أرى للعيب فيه موضعاً .

ومناقبٍ شهِدَ العدوُّ بفضلِها   والفضلُ ما شهدتْ بهِ الأعداءُ

تفديك نفسي يا أبا عبد الله ، أنت الذي علّمت النّاس الأنَفَة والشمم والإباء ؛ أبيت أنْ تخضع لتهديد معاوية ووعيده كما أبيت أنْ تخضع وتنقاد ليزيد ، وجدت بنفسك في سبيل الدّين والعزّ والشرف حتّى قُتلت عطشان ظامئاً غريباً مظلوماً ، وآثرت المنيّة على الدنيّة وموت العزّ على حياة الذلّ ، وقلت فيما قلت : (( والله ، لو لم يكن في الدنيا ملجأ ، لما بايعت يزيد بن معاوية )) .

أرادتْ لها الويلاتُ تسليمَـهُ لها   وكيف تنالُ الشمسَ أيدي اللوامسِ

وهيهات أنْ يرضى الحسينُ بذلّةٍ   أبتها اُصولٌ زاكيـاتُ المغـارسِ


الصفحة ( 35 )

المجلس السّابع عشر

في مناقب ابن شهر آشوب ، عن عبد الله بن عمير والحاكم والعبّاس قالوا : خطب الحسن (عليه السّلام) عائشة بنت عثمان ، فقال مروان : اُزوّجها عبد الله بن الزّبير . فلما قُبض الحسن (عليه السّلام) ومضت أيام من وفاته ، كتب معاوية إلى مروان ـ وهو عامله على الحجاز ـ يأمره أنْ يخطب اُمّ كلثوم بنت عبد الله بن جعفر لابنه يزيد . فأتى عبدَ الله بن جعفر فأخبره بذلك ، فقال عبد الله : إنّ أمرها ليس إليّ إنما هو إلى سيّدنا الحسين (عليه السّلام) وهو خالها ، فأخبر الحسين (عليه السّلام) بذلك ، فقال : (( أستخير الله تعالى . اللهمَّ ، وفّق لهذه الجارية رضاك من آل محمّد (عليهم السّلام) )) .

فلمّا اجتمع النّاس في مسجد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، أقبل مروان حتّى جلس إلى الحسين (عليه السّلام) وعنده من الجِلّة وقال : إنّ أمير المؤمنين معاوية أمرني أنْ أخطب اُمّ كلثوم بنت عبد الله بن جعفر لابنه يزيد ، وأنْ أجعل مهرها حكم أبيها بالغاً ما بلغ ، مع صلح ما بين هذين الحَييّن ، مع قضاء دَين أبيها . واعلم أنّ مَن يغبطكم بيزيد أكثر ممَّن يغبطه بكم . والعَجب كيف يستمهر يزيد وهو كفو من لا كفو له وبوجهه يستسقى الغمام ؟! فردْ خيراً يا أبا عبد الله .

فقال الحسين (عليه السّلام) : (( الحمد لله الذي اختارنا لنفسه وارتضانا لدينه واصطفانا على خلقه )) ثمّ قال (عليه السّلام) : (( يا مروان ، قلت فسمعنا ؛ أمّا قولك مهرها حكم أبيها بالغاً ما بلغ ، فلعمري ، لو أردنا ذلك ما عدونا سنّة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في بناته ونسائه وأهل بيته ؛ وهو اثنتا عشرة أوقية ، يكون أربعمئة وثمانين درهماً ؛ وأمّا قولك مع قضاء دَين أبيها ، فمتى كنّ نساؤنا يقضين عنّا ديوننا ؟ وأمّا صلح ما بين هذين الحييّن ، فإنّا قوم عاديناكم في الله فلم نكنْ نصالحكم للدنيا ، فلعمري ، لقد أعيا النسب فكيف السبب ؛ وأمّا قولك العجب ليزيد كيف يستمهر ، فقد استمهر مَن هو خير من يزيد ومن أبي يزيد ومن جدّ يزيد ؛ وأمّا قولك أنّ يزيد كفو مَن لا كفو له ، فمَن كان كفوه قبل اليوم فهو كفوه اليوم ، ما زادته إمارته في


الصفحة ( 36 )

الكفاءة شيئاً ؛ وأمّا قولك بوجهه يستسقى الغمام ، فإنّما كان ذلك بوجه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ؛ وأمّا قولك مَن يغبطنا به أكثر ممَن يغبطه بنا ، فإنّما يغبطنا به أهل الجهل ويغبطه بنا أهل العقل )) . ثمّ قال (عليه السّلام) : (( فاشهدوا جميعاً أنّي قد زوّجت اُمّ كلثوم بنت عبد الله بن جعفر من ابن عمّها القاسم بن محمّد بن جعفر على أربعمئة وثمانين درهماً ، وقد نحلتها ضيعتي بالمدينة ـ أو قال : أرضي بالعقيق ـ وأنّ غلّتها في السّنة ثمانية آلاف دينار ، ففيها لهما غنى إنْ شاء الله )) .

قال : فتغيّر وجه مروان وقال : غدراً يا بني هاشم ، تأبون إلاّ العداوة . فذكّره الحسين (عليه السّلام) خطبة أخيه الحسن (عليه السّلام) عائشة وفعله ، ثمّ قال (عليه السّلام) : (( فأين موضع الغدر يا مروان ؟ )) .

فقال مروان :

أردْنا صهرَكمْ لنجدَّ ودّاً   قدْ اخلَقهُ بهِ حدثُ الزّمانِ

فلمّا جئتكمْ فجبهتُموني   وبحتمْ بالضّميرِ من الشّنانِ

فأجابه ذكوان مولى بني هاشم :

أمـاط اللهُ عنهمْ كلَّ رجسٍ   وطـهّرهُمْ بذلك في المثاني
فـما لهمُ سواهُمْ منْ نظيرٍ   ولا كـفوٌ هناك ولا مُداني
أتـجعلُ كـلَّ جـبّارٍ عنيدٍ   إلى الأخيارِ منْ أهلِ الجنانِ

وما زالت هذه الأضغان في نفس يزيد حتّى أظهرها لمّا جيء إليه برأس الحسين (عليه السّلام) ، فجعل يقول :

نفلّقُ هاماً من رجالٍ أعزّةٍ   علينا وهمْ كانوا أعقَّ وأظلما

ودعا بقضيب خيزران فجعل ينكت به ثنايا الحسين (عليه السّلام) ، ثمّ قال : يوم بيوم بدر . ثمّ قال :

لـيتَ أشـياخي ببدرٍ شهدوا   جَزعَ الخزْرجِ منْ وقْعِ الأسلْ
لأهـلّـوا واسْـتهلّوا فـرحاً   ثمّ قـالوا يـا يزيدُ لا تشلْ
قـد قـتلنا القَرمَ منْ ساداتهمْ   وعـدلـناه بـبدرٍ فـاعتَدلْ 


الصفحة ( 37 )

لـعبتْ هـاشمُ بـالمُلكِ فلا   خـبرٌ جـاء ولا وحيٌ نَزلْ
لـستُ من خِندفَ إنْ لم أنتقمْ   مِـن بني أحمدَ ما كانَ فعلْ

***
أتنكثُها شُـلّتْ يـمينُكَ إنّها   وجوهٌ لوجْهِ اللهِ طالَ سجودُهَا

المجلس الثامن عشر

قال الامام الرضا (عليه السّلام) : (( إنّ المحرّم شهر كان أهل الجاهليّة فيما مضى يحرّمون فيه الظلم والقتال ، فاستُحلّت فيه دماؤنا ، وهُتكت فيه حرمتنا ، وسُبي ذرارينا ونساؤنا ، واُضرمت النيران في مضاربنا وانتهب منها ثقلنا ، ولم ترعَ لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) حرمة في أمرنا . إنّ يوم الحسين أقرح جفوننا وأسال دموعنا ، وأذلّ عزيزنا بأرض كرب وبلاء ، وأورثنا الكرب والبلاء إلى يوم الانقضاء ؛ فعلى مثل الحسين فليبك الباكون )) . ثم قال الامام (عليه السّلام) : (( كان أبي إذا دخل شهر المحرّم لا يرى ضاحكاً ، وكانت الكآبة تغلب عليه حتّى تمضي منه عشرة أيّام ، فإذا كان اليوم العاشر ، كان ذلك اليوم يوم مصيبته وحزنه وبكائه ، ويقول : هو اليوم الذي قتل فيه جدّي الحسين (عليه السّلام) )) .

وقال الامام الرضا (عليه السّلام) : (( مَن ترك السعي في حوائجه يوم عاشوراء ، قضى الله له حوائج الدنيا والآخرة . ومَن كان يوم عاشوراء يوم مصيبته وحزنه وبكائه ، جعل الله عزّ وجلّ يوم القيامة يوم فرحه وسروره ، وقرّت بنا في الجنان عينه . ومَن سمَّ يوم عاشوراء يوم بركة وادّخر فيه لمنزله شيئاً ، لم يبارك له فيما ادّخر ، وحُشر يوم القيامة مع يزيد وعبيد الله بن زياد وعمر بن سعد لعنهم الله إلى أسفل درك من النار )) .

أقول: وأمّا اتخاذ يوم عاشوراء يوم


الصفحة ( 38 )

عيد وفرح وسرور فهي سنّة اُمويّة ، وقد اتّبعها مَن اتّبعها جهلاً بالحال ، وإلاّ فلا يُظنّ بمسلم أنّه يفرح في يوم قتل ابن بنت نبيّه (صلّى الله عليه وآله) ، الذي لو كان حياًّ لكان هو المعزّى به والباكي عليه كما بكى عليه في حياته .

يا يومَ عاشوراء كمْ لكَ لوعةً   تترقّصُ الأحشاءُ منْ إيقادِها
مـا عُدْتَ إلإَ عاد قلبي غُلّةٌ   حرّى ولو بالغتُ في إبرادِها
مـِثلُ السّليمِ مضيضةٌ آناؤهُ   خُزرُ العيونِ تعودُهُ بعيادِها
كـانتْ مآتمُ بالعراقِ تعدّها   اُمَـويّةٌ بـالشّامِ منْ أعيادِها

المجلس التاسع عشر

حكى دعبل الخزاعي قال : دخلت على سيّدي ومولاي علي بن موسى الرضا (عليه السّلام) في أيام عشر المحرّم ، فرأيته جالساً جلسة الحزين الكئيب وأصحابه من حوله ، فلمّا رآني مقبلاً ، قال لي : (( مرحباً بك يا دعبل ، مرحباً بناصرنا بيده ولسانه )) . ثم إنّه وسع لي في مجلسه وأجلسني إلى جانبه ، ثمّ قال (عليه السّلام) : (( يا دعبل ، اُحبّ أنْ تنشدني شعراً ؛ فإنّ هذه الأيام أيام حزن كانت علينا أهل البيت ، وأيام سرور كانت على أعدائنا خصوصاً بني اُميّة )) . ثمّ إنّه (عليه السّلام) نهض وضرب ستراً بيننا وبين حرمه ، وأجلس أهل بيته من وراء السّتر ليبكوا على مصاب جدّهم الحسين (عليه السّلام) ، ثمّ التفت إليّ وقال لي : (( يا دعبل ، إرث الحسين ، فأنت ناصرنا ومادحنا ما دمت حيّاً ، فلا تقصّر عن نصرنا ما استطعت )) .

قال دعبل : فاستعبرت وسالت عبرتي ، وأنشأت أقول :

أفاطمُ لو خِلتِ الحسينَ مُجدّلا   وقد مات عطْشـاناً بشطِّ فُراتِ

إذاً للطمتِ الخـدَّ فاطمُ عندَهُ   وأجريتِ دمعَ العينِ في الوجناتِ


الصفحة ( 39 )

أفـاطمُ قومي يابنةَ الخيرِ واندُبي   نـُجومَ سَـماواتٍ بـأرضِ فـَلاةِ
قـبورٌ بـكوفانٍ واُخـرَى بـطَيبةٍ   واُخـرَى بـفخٍّ نـالَها صـلواتي
قبورٌ بجنب النّهرِ من أرضِ كربَلا   مـُعـرّسُهمْ فـيها بـشطِّ فـُراتِ
تـُوفوا عـطاشَى بـالفُراتِ فليتَني   تـُوفّيتُ فـيهِم قـبلَ حـينِ وفاتي
إلـى اللهِ أشـكو لوعةً عندَ ذكرِهمْ   سَـقتني بـكأسِ الثُّكلِ والفظعاتِ
سـأبْكيهُمُ مـا حـجَّ لـله راكـبٌ   ومـا نـاح قُمريٌّ على الشّجراتِ
فـيا عينُ بـكّيهمْ وجُـودي بـعبرةٍ   فـقـدْ آنَ لـلتّسكابِ والـهَملاتِ
سـأبكيهُمُ مـا ذرَّ في الاُفقِ شارقٌ   ونـادى مـُنادي الـخيرِ للصَلواتِ
ومـا طـلُعتْ شمسٌ وحَانَ غُروبُها   وبـالـليلِ أبـْكـيهمْ وبـالغُدواتِ

وفي عيون أخبار الرضا (عليه السّلام) بسنده عن عبد السّلام بن صالح الهروي قال : دخل دعبل بن علي الخزاعي رحمه الله على أبي الحسن علي بن موسى الرضا (عليه السّلام) بمرو فقال له : يابن رسول الله ، إنّي قد قلت فيكم قصيدة وآليت على نفسي أنْ لا أنشدها أحداً قبلك . فقال (عليه السّلام) : (( هاتها )) . فأنشده :

مدارسُ آياتٍ خلتْ من تلاوةٍ   ومنزلُ وحيٍ مُقفِرُ العَرَصاتِ

فلمّا بلغ إلى قوله :

أرى فيئَهُمْ في غيرِهمْ مُتَقسَّماً   وأيديَهُمْ من فيئِهمْ صَفِراتِ

بكى أبو الحسن الرضا (عليه السّلام) وقال له : (( صدقت يا خزاعي )) .

فلما بلغ إلى قوله :

إذا وُتِروا مَدُّوا إلى واترِيهُمُ   أكفّاً عن الأوتَارِ مُنْقَبضَاتِ

جعل أبو الحسن (عليه السّلام) يقلّب كفّيه ويقول : (( أجل ، والله منقبضات )) .

فلمّا بلغ إلى قوله :

لقدْ خِفتُ في الدُّنيَا وأيامِ سَعْيهَا   وإنّي لأرجُو الأمنَ بَعدَ وفاتي

قال الرضا (عليه السّلام) : (( آمنك الله يوم الفزع الأكبر )) . ثمّ أعطاه مئة دينار من الدنانير المضروب عليها اسم الرضا (عليه السّلام) ، فقال دعبل : والله ما لهذا جئت ، ولا قلت هذه القصيدة طمعاً في شيء . وردّ الصّرة ، وسأل ثوباً من ثياب الرضا (عليه السّلام)

الصفحة ( 40 )

ليتبرّك به ، فأنفذ إليه الرضا (عليه السّلام) جبّة خزّ مع الصرّة ، فأخذهما دعبل وانصرف .

لا أضحَكَ اللهُ سِنَّ الدَّهرَ إنْ ضَحِكتْ   وآلُ أحمدَ مظلُومُونَ قدْ قُهرُوا

مُشـرَّدونَ نُفوا عَـنْ عُقـرِ دارِهُمُ   كأنّهمُ قدْ جَنَوا ما ليـسَ يُغتَفرُ

* * *

إذا العينُ قرّتْ في الحياةِ وأنتُمُ   تخافُونَ في الدّنيا فأظلمَ نُورُها

المجلس العشرون

عن معاوية بن وهب قال : دخلت يوم عاشوراء إلى دار مولاي جعفر الصادق (عليه السّلام) ، فرأيته ساجداً في محرابه ، فجلست من ورائه حتّى فرغ فأطال في سجوده وبكائه ، فسمعته يناجي ربّه وهو ساجد وهو يقول : (( اللهمّ ، يا من خصّنا بالكرامة ووعدنا بالشفاعة وحمّلنا الرسالة ، وجعلنا ورثة الأنبياء ، وختم بنا الاُمم السّالفة ، و خصّنا بالوصيّة ، وجعل أفئدة من النّاس تهوي إلينا ، اغفر اللهمَّ لي ولإخواني ولزوّار أبي عبد الله الحسين (عليه السّلام) الذين أنفقوا أموالهم في حبّه ، وأشخصوا أبدانهم ؛ رغبة في برّنا ، ورجاء لما عندك في صلتنا ، وسروراً أدخلوه على نبيّك محمّد (صلّى الله عليه وآله) ، وإجابة منهم لأمرنا ، وغيظاً أدخلوه على عدوّنا وأرادوا بذلك رضوانك . اللهمَّ ، فكافهم عنّا بالرضوان ، واكلأهم بالليل والنّهار ، وأخلفهم في أهاليهم وأولادهم الذين خلّفوا أحسن الخلف ، واكفهم شرّ كلّ جبّار عنيد وكلّ ضعيف من خلقك وشديد ، وشرّ شياطين الإنس والجنّ ، وإعطهم أفضل ما أمّلوه منك في غربتهم عن أوطانهم ، وما آثرونا به على أبنائهم وأهاليهم وقرابتهم . اللهمَّ ، إنّ أعداءنا عابوا عليهم خروجهم فلم ينههم ذلك عن النّهوض والشخوص إلينا ؛ خلافاً منهم على مَن خالفنا ، فارحم تلك الوجوه التي غيّرتها الشمس ، وارحم


الصفحة ( 41 )

تلك الخدود التي تقلّبتْ على قبر أبي عبد الله الحسين ، وارحم تلك الأعين التي جرت دموعها رحمة لنا ، وارحم تلك القلوب التي حزنت لأجلنا واحترقت بالحزن ، وارحم تلك الصّرخة التي كانت لأجلنا . اللهمَّ ، إنّي استودعك تلك الأنفس وتلك الأبدان حتّى ترويهم من الحوض يوم العطش الأكبر ، وتدخلهم الجنّة وتسهّل عليهم الحساب ، إنّك أنت الكريم الوهّاب )) .

قال : فما زال الإمام (عليه السّلام) يدعو لأهل الإيمان ولزوّار قبر الحسين (عليه السّلام) وهو ساجد في محرابه ، فلمّا رفع رأسه أتيت إليه وسلّمت عليه وتأمّلت وجهه ؛ فاذا هو كاسف اللون متغيّر الحال ظاهر الحزن ، ودموعه تنحدر على خدّيه كاللؤلؤ الرطب ، فقلت : يا سيّدي ، ممَّ بكاؤك ؟ لا أبكى الله لك عيناً ، وما الذي حلّ بك ؟ فقال لي : (( أوَ في غفلة أنت عن هذا اليوم ؟! أما علمت أنّ جدّي الحسين قد قُتل في مثل هذا اليوم ؟ )) . فبكيت لبكائه وحزنت لحزنه ، فقلت له : يا سيّدي ، فما الذي أفعل في مثل هذا اليوم ؟ فقال : (( يابن وهب ، زر الحسين (عليه السّلام) من بعيد أقصى ومن قريب أدنى ، وجدّد الحزن عليه ، وأكثر البكاء والشجو له )) . فقلت له : يا سيّدي ، لو أنّ الدعاء الذي سمعته منك وأنت ساجد كان لمَن لا يعرف الله تعالى ، لظننت أنّ النّار لا تطعم منه شيئاً . والله ، لقد تمنّيت أنّي كنت زرته قبل أنْ أحجّ . فقال لي : (( فما يمنعك من زيارته يابن وهب ولم تدع ذلك ؟ )) . فقلت : جعلت فداك ! لم أدر أنّ الأجر يبلغ هذا كلّه حتّى سمعت دعاءك لزوّاره . فقال لي : (( يابن وهب ، إنّ الذي يدعو لزوّاره في السّماء أكثر ممَّن يدعو لهم في الأرض ، فإيّاك أنْ تَدَع زيارته لخوفٍ من أحد ؛ فمَن تركها لخوف من أحد رأى الحسرة والندم . يابن وهب ، أما تُحب أنْ يرى الله شخصك ؟ أما تحب أنْ تكون غداً ممَّن يصافحه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يوم القيامة ؟ )) . قلت : يا سيّدي ، فما قولك في صومه من غير تبييت ؟ فقال لي : (( لا تجعله صوم يوم كامل ، وليكن إفطارك بعد العصر بساعة على شربة من ماء ، فإنّه في ذلك الوقت انجلت الهيجاء عن آل الرسول وانكشفت الغمّة عنهم ، ومنهم في الأرض ثلاثون قتيلاً ، يعزّ على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) مصرعهم . ولو كان حيّاً لكان هو المعزّى بهم )) .

قال :


الصفحة ( 42 )

وبكى الصادق (عليه السّلام) حتّى اخضلّت لحيته بدموعه ، ولم يزل حزيناً كئيباً طول يومه ذلك وأنا معه أبكي لبكائه وأحزن لحزنه .

مصيبةٌ أسعَرَتْ في القلب نارَ جَوَى   يُزيدُها مُستمِـرُ الذّكرِ تسعيرَا

يا آلَ أحمدَ كـمْ حلّـتْ فجائعُكُـمْ   وكاءَ عيني بدمعٍ ليسَ مَنزُورَا

المجلس الواحد والعشرون

مرّ سليمان بن قتّة العدوي رحمه الله بكربلاء بعد قتل الحسين (عليه السّلام) بثلاث ، فنظر إلى مصارعهم واتكأ على فرس له عربيّة ، وأنشأ يقول :

مَـررتُ عـلى أبـياتِ آلِ محمّد   فـلَمْ أرَهـا أمـثالَها يـومَ حُلّتِ
ألمْ ترَ أنَّ الشّمسَ أضحتْ مَريضةً   لـفقدِ حُـسينٍ والـبلادَ اقشعرّتِ
وكـانوا رجـاءً ثمّ أضحَوا رزيّةً   لـقدْ عَـظُمتْ تلك الرّزايا وجلّتِ
وتـسألُنَا قـيسٌ فـنُعطي فقيرَهَا   وتـغتابُنا قـيسٌ إذا الـنَّعلُ زلّتِ
وعـندَ غـنيٌّ قـطرةٌ من دمائِنا   سَـنطلِبُهُمْ يـوماً بها حيثُ حلّتِ
فـلا يُـبعدُ اللهُ الـدّيارَ وأهـلَها   وإنْ أصـبَحتْ منهُمْ برغمي تخلّتِ
وإنّ قـتيلَ الـطفِّ منْ آلِ هاشمٍ   أذلَّ رِقــابَ الـمُسلمينَ فـذلّتِ
وقـدْ أعـولتْ تبكي السّماءُ لفقدِهِ   وأنـجُمُنا نـاحتْ عـليهِ وصلّتِ

ومرّ ابن الهباريّة الشاعر بكربلاء ، فجلس يبكي على الحسين (عليه السّلام) وأهله ، وقال بديهاً :

أحـسينُ والمبعوثِ جدِّكَ بالهُدى   قَـسماً يكون الحقُّ عنهُ مُسائلي
لـو كنتُ شاهدَ كربلا لبذلتُ في   تَـنْفيسِ كربِكَ جُهدَ بذلِ الباذلِ
وسَـقيتُ حدَّ السّيفِ من أعدائكُمْ   عـللاً وحـدَّ الـسّمهَريِّ الذّابلِ


الصفحة ( 43 )

لـكنَّني اُخّـرتُ عنكَ لشقْوَتي   فـبلابِلي بـينَ الـغريِّ وبابلِ
هَبنيْ حُرمتُ النَّصرَ من أعدائكُمْ   فـأقلّ منْ حُزنٍ ودمعٍ سائلِ

ويقال : أنّه نام في مكانه فرأى النبي (صلّى الله عليه وآله) ، فقال له : (( جزاك الله عنّي خيراً ، أبشر فإنّ الله قد كتبك ممَّن جاهد بين يدي الحسين (عليه السّلام) )) .

يـا آلَ أحمدَ لا يخيبُ مُوحدٌ   مُـتمسكٌ مـنكُمْ بـحبلِ ولاءِ
إنْ فاتَني منْ نَصركُمْ ما فاتَني   وأطـالَ فيكُمْ لوعَتي وبُكائي
فَـلأرثينّكُمُ على طولِ المَدَى   بـقصائدٍ أعيتْ على الشّعراءِ

المجلس الثاني والعشرون

في الأغاني بسنده عن علي بن إسماعيل التميمي عن أبيه قال : كنتُ عند أبي عبد الله جعفر بن محمّد (عليه السّلام) إذ استأذن آذنه للسيّد الحميري ـ وهو إسماعيل بن محمّد ، والسيّد لقبه ـ فأمر بإيصاله ، وأقعد (عليه السّلام) حرمه خلف ستر ، ودخل فسلّم وجلس ، فاستنشده فأنشده قوله :

اُمرُرْ على جَدثِ الحُسيـْ   ـنِ وقُـلْ لأعـظُمِهِ الزكيّهْ
يـا أعظُماً لا زلتِ منْ   وطـفاءَ سـاكبةٍ رَويّهْ
وإذا مـَـررتَ بـقبرِهِ   فـأطلْ بهِ وقفَ المطيّهْ
وابـكِ الـمُطهْرَ للمُطهْـ   ـرِ والـمُـطهْرةِ الـنقيّهْ
كـبكاءِ مـُعولةٍ أتـتْ   يـوماً لـواحدها المنيّهْ

قال : فرأيت دموع جعفر بن محمّد (عليه السّلام) تتحدر على خديه ، وارتفع الصراخ من داره حتّى أمره بالإمساك ، فأمسك .

وقال الصادق (عليه السّلام) لأبي هارون المكفوف : (( يا أبا هارون ، أنشدني في الحسين (عليه السّلام) )) . قال : فأنشدته ، فقال لي : (( أنشدني كما تُنشدون )) .


الصفحة ( 44 )

فأنشدته :

اُمرُرْ على جَدثِ الحسيـْ   ـنِ وقلْ لأعظُمهِ الزكيّهْ

ما لذَّ عيـشٌ بعد رضْـ   ضِـكِ بالجيادِ الأعـوجيّهْ

المجلس الثالث والعشرون

لمّا مات معاوية ـ وذلك في النصف من رجب سنة ستّين من الهجرة ـ وتخلّف بعده ولده يزيد ، كتب يزيد إلى ابن عمّه الوليد بن عتبة بن أبي سفيان ـ وكان والياً على المدينة ـ يأمره بأخذ البيعة على أهلها وخاصّة على الحسين (عليه السّلام) ، ولا يرخص له في التأخّر عن ذلك ، ويقول : إنْ أبى عليك فاضرب عنقه وابعث إليّ برأسه .

فأحضر الوليد مروان بن الحكم واستشاره في أمر الحسين (عليه السّلام) ، فقال : إنّه لا يقبل ولو كنت مكانك لضربت عنقه . فقال الوليد : ليتني لم أك شيئاً مذكوراً . ثمّ بعث إلى الحسين (عليه السّلام) في الليل فاستدعاه ، فعرف الحسين (عليه السّلام) الذي أراد ، فدعا بجماعة من أهل بيته ومواليه ـ وكانوا ثلاثين رجلاً ـ فأمرهم بحمل السلاح ، وقال لهم : (( إنّ الوليد قد استدعاني في هذا الوقت ، ولست آمن أنْ يكلّفني فيه أمراً لا اُجيبه ، وهو غير مأمون ، فكونوا معي ، فإذا دخلت إليه فاجلسوا على الباب ، فإنْ سمعتم صوتي قد علا ، فادخلوا عليه لتمنعوه عنّي )) .

فصار الحسين (عليه السّلام) إلى الوليد ، فوجد عنده مروان بن الحكم ، فنعى إليه الوليد موت معاوية ، فاسترجع الحسين (عليه السّلام) ، ثمّ قرأ الوليد عليه كتاب يزيد وما أمره فيه من أخذ البيعة منه ليزيد . فقال الحسين (عليه السّلام) : (( إنّي أراك لا تقنع ببيعتي سرّاً حتّى اُبايعه جهراً فيعرف ذلك النّاس )) . فقال له الوليد : أجل . فقال الحسين (عليه السّلام) : (( تصبح وترى رأيك في ذلك )) . فقال له الوليد : انصرف على اسم الله حتّى تأتينا مع جماعة النّاس . فقال له مروان : والله ، لئن فارقك الحسين السّاعة ولم يبايع ، لا قدرت منه


الصفحة ( 45 )

على مثلها أبداً حتّى تكثر القتلى بينكم وبينه ، ولكن احبس الرجل فلا يخرج من عندك حتّى يبايع أو تضرب عنقه . فوثب الحسين (عليه السّلام) عند ذلك ثمّ قال : (( ويلي عليك يابن الزرقاء ! أنت تأمر بضرب عنقي ؟! كذبت والله ولؤمت )) . ثمّ أقبل على الوليد فقال : (( أيها الأمير ، إنّا أهل بيت النبوّة ومعدن الرّسالة ومختلف الملائكة ، بنا فتح الله وبنا ختم ، ويزيد رجل فاسق شارب الخمر قاتل النفس المحترمة معلن بالفسق ، ومثلي لا يبايع مثله . ولكن نصبح وتصبحون وننظر وتنظرون أيّنا أحقّ بالخلافة والبيعة )) .

ثمّ خرج ومعه مواليه وهو يتهادى بينهم ، ويتمثّل بقول يزيد بن مفرّغ الحميري الشاعر المشهور :

لا ذَعرتُ السّوامَ في فَلقِ الصبـْ   ـحِ مُغيراً ولا دُعيتُ يزيدا

يومَ اُعطـيْ مخافةَ الموتِ ضَيماً   والمنايَا يَرصدْنَني أنْ أحيدَا

حتّى أتى منزله ، فقال مروان للوليد : عصيتني . فقال : ويحك ! إنّك أشرت علي بذهاب ديني ودنياي ، والله ، ما اُحبّ أنْ أملك الدّنيا بأسرها وأنّي قتلت حسيناً . والله ، ما أظنّ أحداً يلقى الله بدم الحسين إلاّ وهو خفيف الميزان ، لا ينظر الله إليه يوم القيامة ولا يزكّيه .

كأنّي بالحسين (عليه السّلام) لمّا خرج من عند الوليد ، أحدق به إخوته وأولاده ومواليه وسائر بني هاشم وهم شاكون في السّلاح ، وهو بينهم كالقمر ما بين النجوم ، يقدمهم أبو الفضل العبّاس قمر بني هاشم ، وهو كالأسد الغضبان حتّى أتوا به إلى منزله مكرّماً لم يصبه سوء ، فأين كان بنو هاشم عن سيّدهم الحسين (عليه السّلام) يوم عاشوراء حين بقي وحيداً فريداً بين الأعداء لا ناصر له ولا معين ؟! بلى ، كانوا مطرّحين على الرمضاء مرمّلين بالدماء ، مقطّعة أعضاؤهم مبددة أوصالهم .

گضَوا حگ العـليهُمْ دونْ الخيامْ    ولا خـلّوا خواتِ حسينْ تنضامْ
لـمَنْ خـرّوا تفايضْ منهمُ الهامْ    تهاووا مثلْ مَهوى النّجمْ منْ خَرْ
گضَوا ما بين منْ گطعوا وريدهْ   وبـين الطّار راسَه وطاحت ايدهْ


الصفحة ( 46 )

وبين امْشبّح برميا شديدهْ   وبين الصّار للنشاب مكورْ

المجلس الرابع والعشرون

لمّا تهيّأ الحسين (عليه السّلام) للخروج من المدينة ، مضى في جوف الليل إلى قبر اُمّه (عليها السّلام) فودّعها ، ثمّ مضى إلى قبر أخيه الحسن (عليه السّلام) ففعل كذلك ، ثمّ رجع إلى منزله وقت الصبح .

فأقبل إليه أخوه محمّد بن الحنفيّة فقال : يا أخي ، أنت أحبّ الخلق إليّ وأعزّهم عليّ ، ولستُ أدّخر النصيحة لأحد من الخلق ، وليس أحد أحقّ بها منك ؛ لأنّك مزاج مائي ونفسي وروحي وبشري ، وكبير أهل بيتي ، ومَن وجبت طاعته في عنقي ؛ لأنّ الله قد شرّفك عليّ وجعلك من سادات أهل الجنّة . تنحَ ببيعتك عن يزيد وعن الأمصار ما أستطعت ، ثمّ ابعث رسلك إلى النّاس ، فإنْ تابعك النّاس وبايعوا لك ، حمدت الله على ذلك ، وإنْ اجتمع النّاس على غيرك ، لم ينقص الله بذلك دينك ولا عقلك ولا تذهب به مروءتك ولا فضلك . إنّي أخاف عليك أنْ تدخل مصراً من هذه الأمصار فيختلف النّاس بينهم ، فتكون لأول الأسنّة غرضاً ، فإذا خير هذه الاُمّة كلّها نفساً وأباً واُمّاً أضيعها دماً وأذلّها أهلاً .

فقال له الحسين (عليه السّلام) : (( فأين أذهب يا أخي ؟ )) . قال : تخرج إلى مكّة ، فإنْ اطمأنّت بك الدار بها فذاك ، وإنْ تكن الاُخرى جئت الى بلاد اليمن فإنّهم أنصار جدّك وأبيك ، وهم أرأف النّاس وأرقّهم قلوباً وأوسع النّاس بلاداً ، فإنْ اطمأنّت بك الدار وإلاّ لحقت بالرمال وشعوب الجبال ، وجزت من بلد إلى بلد حتّى تنظر ما يؤول إليه أمر النّاس ويحكم الله بيننا وبين القوم الفاسقين .

فقال الحسين (عليه السّلام) : (( يا أخي ، والله لو لَمْ يكن في الدّنيا ملجأ ولا مأوى لما بايعت يزيد بن معاوية )) . فقطع محمّد بن الحنفيّة عليه الكلام وبكى ، فبكى الحسين (عليه السّلام) معه ساعة ثمّ قال (عليه السّلام) : (( يا أخي جزاك الله خيراً ، فقد نصحت وأشرت بالصواب ، وأنا


الصفحة ( 47 )

عازم على الخروج إلى مكّة وقد تهيأت لذلك أنا وإخوتي وبنو أخي وشيعتي ، أمرهم أمري ورأيهم رأيي .. وأمّا أنت يا أخي ، فلا عليك أنْ تقيم بالمدينة فتكون لي عيناً عليهم ، لا تخفي عنّي شيئاً من اُمورهم )) .

ثم دعا الحسين (عليه السّلام) بدواة وبياض وكتب هذه الوصية لأخيه محمّد بن الحنفيّة :

بسم الله الرحمن الرحيم

(( هذا ما أوصى به الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهما السّلام) إلى أخيه محمّد المعروف بابن الحنفيّة : إنّ الحسين (عليه السّلام) يشهد أنْ لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له وأنّ محمّداً عبده ورسوله جاء بالحقِّ من عند الحقّ ، وأنّ الجنّة والنّار حقّ ، وأنّ السّاعة آتية لا ريب فيها وأنّ الله يبعث مَن في القبور . وإنّي لمْ أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً ، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في اُمّة جدّي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ؛ اُريد أنْ آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأسير بسيرة جدّي (صلّى الله عليه وآله) وأبي علي (عليه السّلام) . فمَن قبلني بقبول الحقّ فالله أولى بالحقّ ، ومَن ردّ عليّ هذا أصبر حتّى يقضي الله بيني وبين القوم بالحقّ وهو خير الحاكمين . وهذه وصيّتي يا أخي إليك ، وما توفيقي إلاّ بالله عليه توكّلت وإليه اُنيب )) .

ثم طوى الحسين (عليه السّلام) الكتاب وختمه بخاتمه ودفعه إلى أخيه محمّد بن الحنفيّة ، ثمّ ودّعه وخرج في جوف الليل وهو يقرأ ( فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَبُ قَالَ رَبّ نَجّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ )(1) . ولزم الطريق الأعظم ، فقال له أهل بيته : لو تنكبت الطريق ( أي سرت على غير الجادّة العظمى ) كما فعل ابن الزّبير ؛ كيلا يلحقك الطلب . فقال (عليه السّلام) : (( لا والله ، لا اُفارق الطريق الأعظم حتّى يقضي الله ما هو قاض )) .

أفديْهِ منْ خائفٍ ضاقَ الفَضاءُ بهِ   وهو الأمانُ لمَنْ فوق الثّرى جُمَعَا
مُـشرّداً لا يـَرى حِرزاً يلوذُ بهِ   إلاّ حُـساماً كلونِ الملحِ قد نصَعَا
مـستقتلاً أنْ يحلَّ الضيمُ ساحتَهُ   ومسرعاً نحو داعي العزِّ حينَ دعا

______________________

(1) سورة القصص / 21 .


الصفحة ( 48 )

المجلس الخامس والعشرون

لمّا وصل الحسين (عليه السّلام) إلى مكّة وذلك لثلاث مضين من شعبان سنة ستّين من الهجرة ، دخلها وهو يقرأ : ( وَلَمّا تَوَجّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى‏ رَبّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السّبِيلِ )(1) . وجاءه عبد الله بن عبّاس وعبد الله بن الزّبير فأشارا عليه بالإمساك ، فقال لهما : (( إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أمرني بأمر وأنا ماض فيه )) . فخرج ابن عبّاس وهو يقول : وآحسيناه ! ثم جاءه عبد الله بن عمر فأشار عليه بصلح أهل الضلال ، وحذّره من القتل والقتال ، فقال (عليه السّلام) له : (( يا أبا عبد الرحمن ، أما علمت أنّ من هوان الدّنيا على الله أنّ رأس يحيى بن زكريّا اُهدي إلى بغي من بغايا بني إسرائيل . أما تعلم أنّ بني إسرائيل كانوا يقتلون ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس سبعين نبياً ، ثمّ يجلسون في أسواقهم يبيعون ويشترون كأنْ لم يصنعوا شيئاً ، فلم يعجّل الله عليهم بل أخذهم أخذ عزيز ذي انتقام . اتقِّ الله يا أبا عبد الرحمن ، ولا تدعنّ نُصرتي )) .

وبلغ أهل الكوفة امتناعُ الحسين (عليه السّلام) من بيعة يزيد وخروجه إلى مكّة ، فاجتمعوا في منزل سليمان بن صرد الخزاعي ، وكتبوا إليه بالقدوم عليهم ووعدوه النصرة . وتواترت عليه كتبهم حتّى اجتمع عنده في نوب متفرقة اثنا عشر ألف كتاب ، وفي بعضها : أنّ النّاس ينتظرونك لا رأي لهم غيرك فالعجل العجل ثمّ العجل العجل ، وفي بعضها : قد اخضرّ الجناب وأينعت الثمار ، وأعشبت الأرض وأورقت الأشجار ، فإذا شئت فأقبلْ على جند لك مجنّد . وفي رواية : أنّهم كتبوا إليه : إنّا معك مئة ألف سيف . وهو مع ذلك يتأنّى ولا يجيبهم . ثم أجابهم بالقبول ، وأرسل إليهم ابن عمّه مسلم بن عقيل رضوان الله عليه ، فكتب إليه مسلم يخبره ببيعة ثمانية عشر ألفاً ويأمره بالقدوم . وفي رواية : أنّه بايعه منهم أربعون ألفاً على أنْ يحاربوا مَن حارب ويسالموا مَن سالم .

فأقام الحسين (عليه السّلام) بمكّة باقي شعبان وشهر رمضان وشوالاً وذا القعدة

______________________

(1) سورة القصص / 22 .


الصفحة ( 49 )

وسبعة أيام من ذي الحجّة وخرج في اليوم الثامن ؛ وذلك أنّ يزيد بن معاوية أنفذ عمرو بن سعيد بن العاص في عسكر عظيم ، وولاّه أمر الموسم وأمره على الحاجّ كلّهم ، وكان قد أوصاه بقبض الحسين (عليه السّلام) سرّاً ، وإنْ لمْ يتمكّن منه يقتله غيلة .

ثم إنّه دسّ مع الحاجّ في تلك السّنة ثلاثين رجلاً من شياطين بني اُميّة ، وأمرهم بقتل الحسين (عليه السّلام) على أيّ حال اتفق ، فلمّا علم الحسين (عليه السّلام) بذلك ، عزم على التوجّه إلى العراق ، وطاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة ، وأحلّ من إحرام الحجّ وجعلها عمرة مفردة ؛ لأنّه لم يتمكّن من إتمام الحجّ مخافة أنْ يقبض عليه . فخرج من مكّة يوم التّروية لثمان مضين من ذي الحجّة ، فكان النّاس يخرجون إلى منى ، والحسين (عليه السّلام) خارج إلى العراق . ولم يكن علم بقتل مسلم بن عقيل رحمه الله ؛ لأنّه خرج من مكّة في اليوم الذي قُتل فيه مسلم بن عقيل بالكوفة :

لا أضحكَ اللهُ سِنَّ الدّهرِ إنْ ضَحكتْ   وآلُ أحمدَ مظلُومُونَ قدْ قُهِرُوا

مُشـرَّدُونَ نُفُوا عنْ عُقـرِ دارِهِـمُ   كأنّهمْ قدْ جَنَوا ما ليـس يُغتفرُ

المجلس السادس والعشرون

لمّا عزم الحسين (عليه السّلام) على الخروج من مكّة إلى العراق ، جاءه محمّد بن الحنفيّة رضوان الله عليه في الليلة التي أراد الحسين (عليه السّلام) الخروج في صبيحتها ، فقال له : يا أخي ، إنّ أهل الكوفة قد عرفت غدرهم بأبيك وأخيك ، وقد خفتُ أنْ يكون حالك كحال مَن مضى ، فإنْ رأيت أنْ تقيم فإنّك أعزّ مَن في الحرم وأمنعه . فقال (عليه السّلام) : (( يا أخي ، قد خفت أنْ يغتالني يزيد بن معاوية في الحرم ، فأكون الذي تُستباح به حرمة هذا البيت )) . فقال له ابن الحنفيّة : فإنْ خفتَ ذلك فسرْ إلى أرض اليمن أو بعض نواحي البرّ فإنّك أمنع النّاس به ، ولا يقدر عليك أحد .


الصفحة ( 50 )

فقال (عليه السّلام) : (( أنظر فيما قلت )) . فلمّا كان السّحر ارتحل الحسين (عليه السّلام) ، فبلغ ذلك ابن الحنفيّة ، فأتاه فأخذ بزمام ناقته ـ وقد ركبها ـ فقال : يا أخي ، ألمْ تعدني النظر فيما سألتك ؟ قال (عليه السّلام) : (( بلى )) . قال : فما حداك على الخروج عاجلاً ؟ قال (عليه السّلام) : (( أتاني رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بعدما فارقتك فقال : يا حسين ، اخرج فإنّ الله شاء أنْ يراك قتيلاً )) . فقال محمّد بن الحنفيّة : إنّا لله وإنّا إليه راجعون ، فما معنى حملك هؤلاء معك وأنت تخرج على مثل هذا الحال ؟ فقال (عليه السّلام) : (( إنّ الله قد شاء أنْ يراهنّ سبايا )) . فسلّم عليه ومضى .

وسمع عبد الله بن عمر بخروجه ، فقدّم راحلته وخرج خلفه مسرعاً ، فأدركه في بعض المنازل فقال : أين تريد يابن رسول الله ؟ قال (عليه السّلام) : (( العراق )) . قال : مهلاً ، ارجع إلى حرم جدّك رسول الله (صلّى الله عليه وآله) . فأبى الحسين (عليه السّلام) ، فلما رأى ابن عمر إباءه قال : يا أبا عبد الله ، اكشف لي عن الموضع الذي كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقبّله منك . فكشف الحسين (عليه السّلام) عن سرّته ، فقبّلها ابن عمر ثلاثاً وبكى وقال : أستودعك الله يا أبا عبد الله ، فإنّك مقتول في وجهك هذا .

إنْ يقتلُـوكَ فلا عـَنْ فَقدِ معرفةٍ   الشّمسُ مَعْروفـةٌ بالعيـنِ والأثرِ

قدْ كُنتَ في مشرِقِ الدّنيا ومغْربِها   كالحمدُ لمْ تُغنِ عنهَا سائرُ السّوَرِ

المجلس السّابع والعشرون

لمّا مات معاوية وبلغ أهل البصرة مكاتبة أهل الكوفة للحسين (عليه السّلام) ، اجتمعت شيعة البصرة في دار مارية بنت منقذ العبدي ـ وكانت تتشيع ـ فتذاكروا أمر الاُمّة وما آل إليه الأمر ، فخرج بعضهم لنصرة الحسين (عليه السّلام) ، وكاتبه بعضهم يطلب قدومه .

قال السيّد ابن طاووس عليه الرحمة في كتاب الملهوف : إنّ الحسين (عليه السّلام) كتب إلى جماعة من أهل البصرة كتاباً مع مولى له اسمه سليمان ويكنّى أبا رزين ، يدعوهم إلى نصرته ولزوم


الصفحة ( 51 )

طاعته ، منهم : يزيد بن مسعود النّهشلي ، والمنذر بن الجارود العبدي ، والأحنف بن قيس وغيرهم ؛ فأمّا الأحنف فكتب إلى الحسين (عليه السّلام) يصبّره ويرجّيه ، وقال في كتابه : أمّا بعد ، فاستقم كما اُمرت ولا يستخفّنك الذين لا يوقنون ؛ وأمّا المنذر فأتى بالرسول والكتاب إلى ابن زياد في الليلة التي كان ابن زياد يريد السفر صبيحتها إلى الكوفة ؛ لأنّ المنذر خاف أنْ يكون الكتاب دسيساً من عبيد الله ، وكان ابن زياد متزوّجاً ابنته ، فصلب الرسول .

وأمّا يزيد بن مسعود فجمع بني تميم وبني حنظلة وبني سعد وبني عامر ، فلمّا حضروا قال : يا بني تميم ، كيف ترون موضعي فيكم وحسبي منكم ؟ قالوا : بخ بخ ، أنت والله فقرة الظهر ورأس الفخر ، حللت في الشرف وسطاً وتقدّمت فيه فرطاً . قال : فإنّي قد جمعتكم لأمر اُريد أنْ اُشاوركم فيه وأستعين بكم عليه . قالوا : إنّا والله نمنحك النّصيحة ونجهد لك الرأي فقُلْ نسمع . فقال : إنّ معاوية قد مات فأهون به والله هالكاً ومفقوداً ، ألا وإنّه قد انكسر باب الجور والإثم وتضعضعت أركان الظلم ، وقد كان أحدث بيعة عقد بها أمراً أظنّ أنْ قد أحكمه ، وهيهات الذي أراد ؛ اجتهد والله ففشل ، وشاور فخذل ، وقد قام ابنه يزيد شارب الخمور ورأس الفجور يدّعي الخلافة على المسلمين ، ويتأمّر عليهم بغير رضاً منهم مع قصر حلم وقلّة علم ، لا يعرف من الحقّ موطئ قدمه . فاُقسم بالله قسماً مبروراً ، لَجهاده على الدّين أفضل من جهاد المشركين . وهذا الحسين بن علي ، ابن بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ذو الشّرف الأصيل والرأى الأثيل ، له فضل لا يوصف وعلم لا ينزف ، وهو أولى بهذا الأمر ؛ لسابقته وسنّه وقِدمه وقرابته ، يعطف على الصغير ويحنو على الكبير ، فأكرم به راعي رعيّة وإمام قوم وجبت لله به الحجّة وبلغت به الموعظة . فلا تعشوا عن نور الحقّ ولا تسكّعوا(1) في وهد الباطل ، فقد كان صخر بن قيس ـ وهو الأحنف ـ انخذل بكم يوم الجمل ، فاغسلوها بخروجكم إلى ابن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ونصرته . والله ، لا يقصّر أحد عن نصرته إلاّ

______________________

(1) التسكّع : التمادي في الباطل .


الصفحة ( 52 )

أورثه الله الذلّ في ولده والقلّة في عشيرته ، وها أنا ذا قد لبست للحرب لامتها ، وأدرعت لها بدرعها . مَن لَمْ يُقتَل يمت ، ومَن يهرب لَمْ يفت ، فأحسنوا رحمكم الله ردّ الجواب .

فتكلّمت بنو حنظلة فقالوا : أبا خالد ، نحن نُبل كنانتك وفرسان عشيرتك ، إنْ رميت بنا أصبت ، وإنْ غزوت بنا فتحت ، لا تخوض والله غمرة إلاّ خضناها ، ولا تلقى والله شدّة إلاّ لقيناها ؛ ننصرك بأسيافنا ونقيك بأبداننا ، إذا شئت فقم . وتكلّمت بنو سعد بن زيد فقالوا : أبا خالد ، إنّ أبغض الأشياء إلينا خلافك والخروج من رأيك ، وقد كان صخر بن قيس أمرنا بترك القتال فحمدنا أمرنا وبقي عزّنا فينا ، فأمهلنا نراجع المشورة ويأتيك رأينا . وتكلّمت بنو عامر بن تميم فقالوا : يا أبا خالد ، نحن بنو أبيك وحلفاؤك ، لا نرضى إنْ غضبت ولا نقطن إنْ ظعنت والأمر إليك ، فادعنا نجبك ومُرنا نطعك والأمر لك إذا شئت .

فالتفت إلى بني سعد وقال : والله يا بني سعد ، لئن فعلتموها لا رفع الله السّيف عنكم أبداً ولا زال سيفكم فيكم . ثم كتب إلى الحسين (عليه السّلام) مع الحجّاج بن بدر السعدي ـ وكان متهيّئاً للمسير إلى الحسين (عليه السّلام) بعد ما سار إليه جماعة من العبديين من أهل البصرة ـ :

بسم الله الرحمن الرحيم

أمّا بعد ، فقد وصل إليّ كتابك ، وفهمتُ ما ندبتني له ودعوتني إليه من الأخذ بحظّي من طاعتك والفوز بنصيبي من نصرتك ، وإنّ الله لم يخلُ الأرض من عامل عليها بخير أو دليل على سبيل نجاة ، وأنتم حجّة الله على خلقه ووديعته في أرضه ، تفرّعتم من زيتونة أحمديّة هو أصلها وأنتم فرعها . فاقدم سعدت بأسعد طائر ، فقد ذلّلتُ لك أعناق بني تميم وتركتهم أشدّ تتابعاً في طاعتك من الإبل الظماء لورود الماء يوم خمسها ، وقد ذلّلتُ لك رقاب بني سعد وغسلتُ درن صدورها بماء سحابة مزن حين استهلّ برقها فلمع .

فلمّا قرأ الحسين (عليه السّلام) الكتاب ، قال : (( ما لك ، آمنك الله يوم الخوف وأعزّك وأرواك يوم العطش الأكبر )) .

فلمّا تجهّز المشار إليه للخروج إلى الحسين (عليه السّلام) ، بلغه قتله قبل أنْ يسير ، فجزع من انقطاعه عنه ، وبقي الحجّاج معه حتّى قُتل بين يديه .

أسفاً وهلْ يُجدي الكَئيبَ تأسّفٌ   إنْ لمْ أكُنْ يومَ الطّفوفِ لكَ الفِدا


الصفحة ( 53 )

المجلس الثامن والعشرون

لمّا كتب أهل الكوفة إلى الحسين (عليه السّلام) بالقدوم عليهم وألحّوا عليه ، أجابهم بـ : (( إنّي باعث إليكم أخي وابن عمّي وثقتي من أهل بيتي مسلم بن عقيل )) . وإنّه إنْ كتب إليه باجتماع رأيهم على مثل ما كتبوا به ، قدم إليهم عن قريب . ودعا بمسلم فأرسله مع قيس بن مسهّر الصيداوي ورجلين آخرين ، وأمره بالتقوى وكتمان أمره واللطف ، فإنْ رأى النّاس مجتمعين مستقيمين ، عجّل إليه بذلك .

فأتى مسلم المدينة فصلّى في مسجد النبي (صلّى الله عليه وآله) ، وودّع مَن أحبّ من أهله ، واستأجر دليلين فسارا به على غير الطريق ، فضلّ الدليلان وأصابهما عطش شديد فماتا بعد أنْ أشارا له إلى الطريق . وانتهى مسلم إلى الماء في موضع يُعرف بالمضيق ، وكتب إلى الحسين (عليه السّلام) : أمّا بعد ، فإنّي أقبلت من المدينة مع دليلين لي فجازا عن الطريق فضلاّ واشتدّ عليهما العطش فلم يلبثا أنْ ماتا ، وأقبلنا حتّى انتهينا إلى الماء فلم ننجُ إلاّ بحشاشة أنفسنا ، وذلك الماء بمكان يُدعى المضيق من بطن الخبت ، وقد تطيّرت من توجّهي هذا ، فإنْ رأيت أعفيتني وبعثت غيري ، والسّلام .

فأجابه الحسين (عليه السّلام) : (( أمّا بعد ، فقد خشيت أنْ لا يكون حملك على الكتابة إليّ في الاستعفاء إلاّ الجبن ، فامض لوجهك الذي وجّهتك فيه ، والسّلام )) . فقال مسلم : أمّا هذا (يعني الجُبن) فلست أتخوّفه على نفسي . ثم أقبل حتّى دخل الكوفة فنزل في دار المختار ، وأقبل النّاس يختلفون إليه ، فكلمّا اجتمع منهم جماعة ، قرأ عليهم كتاب الحسين (عليه السّلام) وهم يبكون حتّى بايعه منهم ثمانية عشر ألفاً ، فكتب إلى الحسين (عليه السّلام) يخبره بذلك ويأمره بالقدوم .

وبلغ ذلك النّعمان بن بشير الأنصاري ـ وكان والياً على الكوفة ـ فصعد المنبر وخطب النّاس وحذّرهم ، فقال له عبد الله بن مسلم الحضرمي ـ حليف بني اُُميّة ـ : إنّه لا يصلح ما ترى أيّها الأمير إلاّ الغشم ، وإنّ هذا الذي أنت عليه رأي المستضعفين . فقال : أنْ أكون من المستضعفين في طاعة الله أحبّ إليّ من


الصفحة ( 54 )

أنْ أكون من الأعزّين في معصية الله .

فكتب عبد الله بن مسلم هذا وعمارة بن عقبة وعمر بن سعد بن أبي وقّاص إلى يزيد يخبرونه بأمر مسلم ، ويشيرون عليه بعزل النّعمان وتولية غيره . فدعا يزيد سرجون الرومي مولى معاوية ـ وكان مستولياً على معاوية في حياته ـ فاستشاره يزيد ، فقال : لو نشر لك معاوية ما كنت آخذاً برأيه ؟ قال : بلى . فأخرج عهد عبيد الله بن زياد على الكوفة ، وقال : هذا رأي معاوية . فدعا يزيد مسلم بن عمرو الباهلي وأرسله إلى عبيد الله بن زياد ـ وكان والياً على البصرة ـ فضمّ إليه البصرة والكوفة ، وأمره أنْ يسير إلى الكوفة .

فتجهّز عبيد الله من وقته وسار إلى الكوفة من الغد ومعه مسلم بن عمرو الباهلي رسول يزيد ، والحصين بن تميم التميمي صاحب شرطته ، وشريك بن الحارث الأعور الهمداني وهو من الشيعة ، فتمارض شريك رجاء أنْ يتأخّر ابن زياد في السّير فيدخل الحسين (عليه السّلام) الكوفة قبله ، فتركه ابن زياد في الطريق وتقدّم فدخل الكوفة ليلاً . وكان النّاس قد بلغهم إقبال الحسين (عليه السّلام) فظنّوا حين رأوا عبيد الله أنّه الحسين (عليه السّلام) ، فكلمّا مرّ على جماعة سلّموا عليه وقالوا : مرحباً بك يابن رسول الله ، قدمت خير مقدم . فرأى من تباشرهم بالحسين (عليه السّلام) ما ساءه ، فقال بعض مَن معه لمّا كثروا : تأخروا ، هذا الأمير عبيد الله بن زياد .

وأصبح ابن زياد فنادى الصّلاة جامعة فاجتمع النّاس ، فخرج إليهم وخطبهم ووعد المحسن بالإحسان وتوعّد المسيء بأشدّ العقاب ، فبلغ ذلك مسلم بن عقيل فانتقل من دار المختار إلى دار هاني بن عروة ، وجعلت أصحابه تختلف إليه على تستّر واستخفاء . فدعا ابن زياد مولى له اسمه معقل وأعطاه ثلاثة آلاف درهم ، وأوصاه أنْ يلتمس مسلم بن عقيل وأصحابه ويظهر لهم أنّه منهم ويدفع إليهم المال ، فجاء معقل إلى مسلم بن عوسجة وهو يصلّي في المسجد ، فقال له : أنا رجل من أهل الشام أنعم الله عليّ بحبّ أهل هذا البيت ، وتباكى له ، وقال : معي ثلاثة آلاف درهم أحبّ دفعها للذي يبايع لابن بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) . فاغترّ مسلم بن عوسجة بذلك وأدخله على مسلم بن عقيل بعد أنْ أخذ عليه المواثيق المغلّظة ، فجعل معقل يختلف إليهم ويخبر ابن زياد بما


الصفحة ( 55 )

يريده .

وبلغ الذين بايعوا مسلم بن عقيل خمسة وعشرين ألف رجل ، فعزم على الخروج ، فقال هاني : لا تعجل .

هُمْ بايَعُوكَ وخانـُوا العهْدَ وانخَذلُوا   منْ بعدِ ما أوثَقوا عَهداً وأيمانَا

ما يومُكُمْ منْ بني كوفانَ إذْ نَكثـُوا   بواحدٍ لا سقَى الرحمنُ كُوفانَا

المجلس التاسع والعشرون

لمّا جاء ابن زياد إلى الكوفة وتهدد النّاس وتوعّدهم ، خاف هاني على نفسه من ابن زياد فانقطع عنه وتمارض ، فسأل عنه ابن زياد جلساءه ، فقيل : إنّه مريض . فقال : لو علمت بمرضه لعدته . ودعا بجماعة فقال لهم : ما يمنع هاني من اتياننا ؟ قالوا : ما ندري ، وقد قيل إنّه مريض . قال : بلغني أنّه قد برئ ، فألقوه ومروه أنْ لا يدع ما عليه من حقّنا . فأتوا إلى هاني وأخبروه أنّ ابن زياد قد سأل عنه ، وأقسموا عليه أنْ يذهب معهم .

فلبس هاني ثيابه وركب بغلته وأقبل معهم ، فلمّا رآه ابن زياد ، قال : أتتك بخائن رجلاه تسعى . ثمّ قال : إيه يا هاني ، جئت بمسلم بن عقيل فأدخلته دارك ، وجمعت له الجموع والسّلاح في الدور حولك ، وظننت أنّ ذلك يخفى عليّ . فأنكر هاني ذلك ، فدعا ابن زياد معقلاً ، فلمّا رآه هاني أسقط في يده ساعة ( أي : بُهت وتحيّر) ثمّ راجعته نفسه ، وجعل يعتذر إلى ابن زياد بأنّه ما دعا مسلماً إلى داره لكن جاءه يطلب منه النّزول فاستحيا من ردّه ، وقال : إنْ شئت أنْ أنطلق إليه فآمره أنْ يخرج من داري . فقال له ابن زياد : والله ، لا تفارقني أبداً حتّى تأتيني به . قال : لا والله ، لا أجيئك به أبداً ، أجيئك بضيفي تقتله ؟! فلمّا كثر الكلام بينهما ، قام مسلم بن عمرو الباهلي فخلا بهاني وجعل يناشده أنْ يدفع مسلم بن عقيل إلى ابن زياد ويقول : إنّه ابن عمّ القوم وليسوا بقاتليه ولا ضائريه ، وليس عليك بذلك مخزاة ولا منقصة ؛ إنّما تدفعه إلى السّلطان .

فقال هاني : إنّ عليّ


الصفحة ( 56 )

في ذلك الخزي والعار أنْ أدفع جاري و ضيفي وأنا حيّ صحيح شديد السّاعدين كثير الأعوان . والله ، لو لم يكن لي ناصر لم أدفعه حتّى أموت دونه . فسمع ابن زياد ذلك فقال : ادنوه مني . فأدنوه منه ، فقال : والله ، لتأتينّي به أو لأضربنّ عنقك . فقال هاني : إذاً والله ، تكثر البارقة ( يعني السّيوف ) حول دارك . فقال ابن زياد : وآ لهفاه عليك ! أبالبارقة تخوفني ؟! ـ وهاني يظنّ أنّ عشيرته سيمنعونه ـ ثمّ قال : ادنوه منّي . فاُدني منه ، فاستعرض وجهه بالقضيب ، فلم يزل يضرب به أنفه وجبينه وخدّه حتّى كسر أنفه وسالت الدماء على ثيابه ووجهه ولحيته ، ونثر لحم جبينه وخدّه على لحيته حتّى كسر القضيب ، وضرب هاني يده على قائم سيف شرطي ، وجاذبه الشرطي ومنعه ، فقال عبيد الله : أحروري سائر اليوم ؟!(1) قد حلّ دمك ، جرّوه . فجرّوه فألقوه في بيت من بيوت الدار وجعلوا عليه حرساً .

وبلغ الخبر إلى مذحج عشيرة هاني ، فأقبلوا مع ابن الحجّاج حتّى أحاطوا بالقصر ، فأمر ابن زياد شريحاً القاضي أنْ يدخل على هاني فينظر إليه ثمّ يخبر عشيرته بأنّه حيّ ، ففعل ذلك ، فقال له عمرو بن الحجّاج وأصحابه : أمّا إذا لم يُقتل فالحمد لله ، ثمّ انصرفوا .

إذا ما سَقَى اللهُ البلادَ فلا سَقَى   معاهدَ كوفانٍ بنوِّ المرازمِ

أتتْ كتبهُمْ في طيِّهنَّ كتائـبٌ   وما رُقِّمتْ إلاّ بسُمِّ الأراقمِ

المجلس الثلاثون

لما بلغ مسلم بن عقيل ما فعله عبيد الله بن زياد بهاني بن عروة ، نادى في

______________________

(1) أي : أأنت تفعل فعل الخوارج في هذا اليوم ؟! والحروري : الخارجي ؛ لأنّ الخوارج اجتمعوا في أول أمرهم في موضع يقال له : حروراء ، فسمّوا الحروريّة .   ـ المؤلّف ـ


الصفحة ( 57 )

أصحابه ـ وكانوا أربعة آلاف رجل ـ فاجتمعوا عليه ، فخرج بهم لحرب ابن زياد ، وتداعى النّاس واجتمعوا حتّى امتلأ المسجد والسّوق ، ودخل عبيد الله القصر وأغلق أبوابه فضاق به أمره ، وأقام النّاس مع مسلم يكثرون حتّى المساء وأمرهم شديد .

وبعث عبيد الله إلى أشراف النّاس فجمعهم عنده ، ثمّ أشرفوا على النّاس يُرغّبونهم ويُرهبونهم ويُخوّفونهم بأجناد الشام ، فأخذوا يتفرّقون ، وكانت المرأة تأتي ابنها وأخاها فتقول : انصرف ، النّاس يكفونك . ويجيء الرجل إلى ابنه وأخيه ويقول : غداً يأتيك أهل الشام ، فما تصنع بالحرب والشرّ ؟ انصرف . فما زالوا يتفرّقون حتّى أمسى ابن عقيل وصلّى المغرب وما معه إلاّ ثلاثون نفساً في المسجد ، فخرج متوجّهاً إلى أبواب كندة فلم يبلغها إلاّ ومعه عشرة ، ثمّ خرج من الباب فإذا ليس معه أحد .

فمضى على وجهه لا يدري أين يذهب حتّى أتى إلى باب امرأة يقال لها طوعة ، فسلّم عليها فردّت عليه السّلام ، وطلب منها ماء فسقته وجلس ، ودخلت ثمّ خرجت فقالت : يا عبد الله ، ألم تشرب ؟ قال : بلى . قالت : فاذهب إلى أهلك . فسكت ، ثمّ أعادت القول فسكت ، ثمّ أعادت القول فسكت ، فقالت في الثالثة : سبحان الله ! يا عبد الله ، قم عافاك الله إلى أهلك فإنّه لا يصحّ لك الجلوس على بابي ولا أحلّه لك . فقام وقال : يا أمة الله ، ما لي في هذا المصر أهل ولا عشيرة ، فهل لك في أجر معروف ولعلّي مكافيك بعد هذا اليوم ؟ قالت : وما ذاك ؟ قال : أنا مسلم بن عقيل ، كذّبني هؤلاء القوم وغرّوني وأخرجوني . قالت : أنت مسلم ؟! قال : نعم . قالت : ادخل . فدخل إلى بيت في دارها غير الذي تكون فيه ، وفرشت له وعرضت عليه العشاء فلم يتعشَّ .

وجاء ابنها فرآها تكثر الدخول في البيت والخروج منه ، فقال : والله ، إنّه ليريبني كثرة دخولك إلى هذا البيت وخروجك منه منذ الليلة ، إنّ لك لشأناً ! قالت له : يا بُني ، إلْه عن هذا . فقال : والله لتخبريني . قالت له : أقبل على شأنك ولا تسألني عن شيء . فألحّ عليها ، فقالت : يا بُني ، لا تخبرنّ أحداً من النّاس بشيء ممّا اُخبرك به . قال : نعم . فأخذت عليه الأيمان فحلف لها فأخبرته ، فاضطجع وسكت ، فلمّا أصبح غدا إلى عبد الرحمن بن محمّد

الصفحة ( 58 )

ابن الأشعث فأخبره ، فأقبل عبد الرحمن حتّى أتى أباه ـ وهو عند ابن زياد ـ فسارّه ، فعرف ابن زياد سراره فقال : قم فأتي به السّاعة . وبعث معه عبيد الله بن العبّاس السّلمي في سبعين رجلاً من قيس حتّى أتوا الدار التي فيها مسلم ، فلّما سمع مسلم وقع حوافر الخيل وأصوات الرجال ، علم أنّه قد اُتي فخرج إليهم بسيفه ، واقتحموا عليه الدار ، فشدّ عليهم يضربهم بسيفه حتّى أخرجهم من الدار ، ثمّ عادوا إليه فشدّ عليهم كذلك ، فاختلف هو وبكر بن حمران الأحمري ضربتين ؛ فضرب بكر فم مسلم فقطع شفته العليا وأسرع السّيف في السفلى وفصلت له ثنيتاه ، وضربه مسلم في رأسه ضربة منكرة وثنّاه باُخرى على حبل العاتق كادت تطلع إلى جوفه . فلمّا رأوا ذلك ، أشرفوا عليه من فوق البيت وأخذوا يرمونه بالحجارة ، ويلهبون النّار في أطناب القصب ثمّ يرمونها عليه من فوق البيت ، فلمّا رأى ذلك خرج مصلتا سيفه في السكّة ، فقال محمّد بن الأشعث : لك الأمان ، لا تقتل نفسك . فقال مسلم : وأيّ أمان للغدرة ؟! ثمّ أقبل يقاتلهم وهو يرتجز ويقول :

أقـسمت لا اُقـتلُ إلاّ حُرّا   وإنْ رأيتُ الموتَ شيئاً نُكرا
أكـرهُ أنْ اُخـدعَ أو اُغـرّا   أو أخـلطَ الـباردَ سخناً مُرّا
ردَّ شُـعاعُ الـنَّفسِ فاسْتَقرّا   كـلُّ امرئٍ يوماً يُلاقي شَرّا

أضـربُكُمْ ولا أخـافُ ضَرّا

فنادوه : إنّك لا تُكذب ولا تُغر . فلمْ يلتفت إلى ذلك إلى أنْ قتل منهم واحداً وأربعين رجلاً ـ على ما رواه ابن شهر آشوب ـ ، وتكاثروا عليه بعد أنْ اُثخن بالجراح ، فطعنه رجل من خلفه فخرّ إلى الأرض ، فاُخذ أسيراً .

وفي رواية المفيد : أنّه أخذ بالأمان بعد أنْ عجز عن القتال . فاُتي ببغلة فحُمل عليها واجتمعوا حوله وانتزعوا سيفه ، فكأنّه عند ذلك يئس من نفسه ، فدمعت عيناه ثمّ قال : هذا أول الغدر . فقال له محمّد بن الأشعث : أرجو أنْ لا يكون عليك بأس . فقال : وما هو إلاّ الرجاء ، أين أمانكم ؟ إنّا لله وإنّا إليه راجعون . وبكى ، فقال له عبيد الله بن العبّاس السلمي : إنّ مَن يطلب مثل الذي تطلب ، إذا نزل به مثل ما نزل بك لم يبكِ . فقال : والله ،


الصفحة ( 59 )

ما لنفسي بكيت ولا لها من القتل أرثي ، وإنْ كنت لم اُحبّ لها طرفة عين تلفاً ، ولكنّي أبكي لأهلي المقبلين ؛ أبكي الحسين وآل الحسين (عليهم السّلام) . ثمّ أقبل على محمّد بن الأشعث فقال : يا عبد الله ، إنّي أراك والله ستعجز عن أماني ، فهل عندك خير ؟ تستطيع أنْ تبعث من عندك رجلاً على لساني أنْ يبلّغ حسيناً ، فإنّي لا أراه إلاّ وقد خرج اليوم أو هو خارج غداً وأهل بيته ، ويقول له أنّ ابن عقيل بعثني إليك وهو أسير في أيدي القوم ، لا يرى أنّه يمسي حتّى يُقتل ، وهو يقول لك ارجع ـ فداك أبي واُمّي ـ بأهل بيتك ، ولا يغررك أهل الكوفة ؛ فإنّهم أصحاب أبيك الذي كان يتمنّى فراقهم بالموت أو القتل . إنّ أهل الكوفة قد كذّبوك وليس لمكذوب رأي ؟ فقال ابن الأشعث : والله ، لأفعلن ولأعلمنّ ابن زياد أنّي قد آمنتك .

لاقاكَ جمعُهُمُ في الدّارِ مُنفرداً   كما تُلاقي بُغاثُ الطَّيرِ عُقبانَا
فَـعُدتَ تـنثرُ بالهنديِّ هامَهُمُ   والرّمحُ ينظمهُمْ مثنىً ووحدانَا
حتّى غدوتَ أسيراً في أكفِهمُ   وكان منْ نُوَبِ الأيّامِ ما كانَا

المجلس الواحد والثلاثون

لمّا أسّر محمّد بن الأشعث مسلم بن عقيل ، أقبل به حتّى انتهى إلى باب قصر الأمارة وقد اشتد بمسلم العطش ، وعلى باب القصر ناس جلوس ينتظرون الإذن فيهم عمرو بن حريث ومسلم بن عمرو الباهلي ، وإذا قلّة ماء باردة موضوعة على الباب ، فقال مسلم : اسقوني من هذا الماء . فقال له مسلم بن عمرو الباهلي : أتراها ما أبردها ؟ لا والله ، لا تذوق منها قطرة حتّى تذوق الحميم في نار جهنّم . فقال له ابن عقيل : لاُمّك الثكل ! ما أجفاك وأفظّك وأقسى قلبك ! أنت يابن باهلة أولى بالحميم والخلود في نار جهنّم منّي .

ثم جلس فتساند إلى الحائط ، وبعث عمرو بن حريث غلاماً له فأتاه بقلّة عليها منديل وقدح ، فصبّ فيه ماء ، فقال له : اشرب . فأخذ كلّما شرب امتلأ القدح دماً من فمه ولا يقدر أنْ يشرب ، ففعل ذلك مرّة أو مرّتين ، فلمّا ذهب في الثالثة


الصفحة ( 60 )

ليشرب ، سقطت ثناياه في القدح ، فقال : الحمد لله ، لو كان لي من الرزق المقسوم لشربته .

كأنّما نفـسُك اختارتْ لهَا عَطشاً   لمّا دَرتْ أنْ سيقضي السّبطُ عَطشانَا

فلمْ تُطقْ أنْ تسيغَ الماءَ عنْ ظمأٍ   منْ ضربةٍ ساقَهـا بكرُ بنُ حمرانَـا

وخرج رسول ابن زياد وأمر بإدخاله إليه ، فلمّا دخل لمْ يسلّم عليه بالإمرة ، فقال له الحرسي : لِم لا تسلّم على الأمير ? قال : اسكت ويحك ! والله ، ما هو لي بأمير . فقال ابن زياد : لا عليك ، سلّمت أم لمْ تسلّم فإنّك مقتول . فقال له مسلم : إنْ قتلتني ، فلقد قتل مَن هو شرّ منك مَن هو خيرٌ منّي . فقال له ابن زياد : قتلني الله إنْ لمْ أقتلك قتلة لم يقتلها أحد في الإسلام . فقال مسلم : أما إنّك أحقّ مَن أحدث في الإسلام ما لمْ يكن ، وإنّك لا تدع سوء القتلة وقبح المثلة ، وخبث السّريرة ولؤم الغلبة لأحد أولى بها منك . فقال ابن زياد : يا عاق يا شاق ، خرجت على إمامك وشققت عصا المسلمين وألقحت الفتنة . فقال مسلم : كذبت إنّما شقّ عصا المسلمين معاوية وابنه يزيد ، وأمّا الفتنة فإنّما ألقحتها أنت وأبوك زياد بن عبيد ، عبد بني علاّج من ثقيف ، وأنا أرجو أنْ يرزقني الله الشهادة على يدي شرّ بريّته . فقال له ابن زياد : منّتك نفسك أمراً حال الله دونه وجعله لأهله . فقال له مسلم : ومَن أهله يابن مرجانة إذا لم نكن نحن أهله ؟! فقال له ابن زياد : أهله أمير المؤمنين يزيد . فقال مسلم : الحمد لله على كلّ حال ، رضينا بالله حكماً بيننا وبينكم . فقال له ابن زياد : أتظنّ أنّ لك في الأمر شيئاً ؟ فقال له مسلم : والله ، ما هو الظنّ ولكنّه اليقين .

وقال له ابن زياد : إيه ابن عقيل ، أتيت النّاس وهم جميع أمرهم ملتئم ، فشتتّ أمرهم بينهم وفرّقت كلمتهم وحملت بعضهم على بعض . قال : كلاّ لست لذلك أتيت ، ولكنّكم أظهرتم المنكر ودفنتم المعروف ، وتأمّرتم على النّاس بغير رضىً منهم ، وحملتموهم على غير ما أمركم الله به ، وعملتم فيهم بأعمال كسرى وقيصر ؛ فأتيناهم لنأمر فيهم بالمعروف وننهى عن المنكر ، وندعوهم إلى حكم الكتاب والسنّة ، وكنّا أهل ذلك . فقال له ابن زياد : وما أنت وذاك يا فاسق ؟ لِم لمْ تعمل بذلك إذ أنت بالمدينة تشرب الخمر ؟ قال مسلم : أنا أشرب الخمر ؟! أما والله ، إنّ الله


الصفحة ( 61 )

ليعلم أنّك تعلم أنّك غير صادق ، وأنّك أحقّ بشرب الخمر منّي ، وأولى مَن يلغ في دماء المسلمين ولغاً فيقتل النّفس التي حرّم الله قتلها ، ويسفك الدم الذي حرّم الله على الغضب والعداوة وسوء الظن ، وهو يلهو ويلعب كأنْ لمْ يصنع شيئاً . فأخذ ابن زياد يشتمه ويشتم عليّاً وعقيلاً والحسن والحسين (عليهم السّلام) ، وأخذ مسلم لا يكلّمه . وفي رواية : أنه قال له : أنت وأبوك أحقّ بالشتيمة ، فاقضِ ما أنت قاضٍ يا عدو الله .

ثم قال ابن زياد : اصعدوا به فوق القصر فاضربوا عنقه ، ثمّ اتبعوه جسده . ثمّ قال : أين هذا الذي ضرب ابن عقيل رأسه بالسّيف ؟ فدعي بكر بن حمران فقال له : اصعد فلتكن أنت الذي تضرب عنقه . فصعد بمسلم وهو يكبّر ويستغفر الله ويصلّي على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ويقول : اللهمَّ ، احكم بيننا وبين قوم غرّونا وكذّبونا وخذلونا . وأشرفوا به على موضع من القصر فضُربت عنقه واُتبع رأسه جثّته .

يا مُسلمُ بنَ عقيلٍ لا أغبّ ثرَى   ضـريحِكَ المُزنُ هطّالاً وهتّانا
نصرتَ سبطَ رسولِ اللهِ مُجتَهداً   وذقْـتَ في نصرِهِ للضُّرِّ ألوانا
ورامَ تقريعَكَ الرّجسُ الدّعيُّ بما   قـدْ كـان لـفَّقهُ زُوراً وبُهتانا
ألـقمتَهُ بـجوابٍ قاطعٍ حَجراً   ولـلجهولِ بهِ أوضحتَ بُرهانا

المجلس الثاني والثلاثون

لمّا قُتل ابن عقيل ، قام محمّد بن الأشعث إلى عبيد الله بن زياد فكلّمه في هاني بن عروة ـ وكان محمّد بن الأشعث وأسماء بن خارجة هما اللذان أتيا بهاني إلى ابن زياد وقالا له : أنّه قد ذكرك ، وأقسما عليه أنْ يركب معهما ، ولمْ يكن أسماء يعلم بشيء ممّا كان ، وكان ابن الأشعث عالماً به ـ فقال ابن الأشعث لابن زياد : إنّك قد عرفت منزلة هاني في المصر وبيته في العشيرة ، وقد علم قومه أنّي وصاحبي أتينا به إليك ، وأنشدك الله لما وهبته لي ، فإنّي أكره عداوة المصر وأهله .


الصفحة ( 62 )

فوعده أنْ يفعل ، ثمّ بدا له وأمر بهاني في الحال فقال : اخرجوه إلى السّوق فاضربوا عنقه .

فاُتي به إلى مكان من السّوق كان يباع فيه الغنم وهو مكتوف ، فجعل يقول : وآ مذحجاه ! ولا مذحج لي اليوم . يا مذحجاه ! أين مذحج ؟ فلمّا رأى أنّ أحداً لا ينصره ، جذب يده فنزعها من الكتف ثمّ قال : أما من عصا أو سكّين أو حجارة أو عظم يحاجز بها رجل عن نفسه ؟ ووثبوا إليه فشدّوه وثاقاً ثمّ قيل له : امدد عنقك . فقال : ما أنا بها سخي ، وما أنا بمعينكم على نفسي . فضربه مولى لعبيد الله اسمه رشيد ، فلم يصنع شيئاً ، فقال له هاني : إلى الله المعاد ، اللهمَّ إلى رحمتك ورضوانك . ثمّ ضربه اُخرى فقتله . وأمر ابن زياد بجثّتي مسلم وهاني فصلبتا في الكناسة(1) وبعث برأسيهما إلى يزيد بن معاوية .

قال سبط ابن الجوزي : كان رأس مسلم أول رأس حمل من رؤوس بني هاشم ، وجثّته أول جثّة صُلبت .

فإنْ كنتِ ما تدرينَ ما الموتُ فانظُري   إلى هانئٍ في السّوق وابنِ عقيلِ
إلى بـطلٍ قـدْ هشَّمَ السّيفُ وجهَهُ   وآخـرَ يـَهوي مـنْ طـمارِ قـتيلِ
أصـابهُما فـرخُ الـبغيِّ فـأصبحَا   أحـاديثَ مَـن يـسري بـكلِّ سبيلِ
تَـرَي جـسداً قـدْ غيّر الموتُ لونَهُ   ونـضحَ دمٍ قـدْ سـال كـلَّ مسيلِ
فـتىً كـان أحْـيا مـنْ فـتاةٍ حَييَّةٍ   وأقـطعَ مـن ذي شَـفرتينِ صقيلِ

المجلس الثالث والثلاثون

لمّا قُتل مسلم بن عقيل وهاني بن عروة رضوان الله عليهما ، أمر ابن زياد كاتبه عمرو بن نافع أن يكتب إلى يزيد ما كان من أمر مسلم وهاني ، فكتب الكاتب فأطال ـ وكان أول مَن أطال في الكتب ـ فلمّا نظر فيه عبيد الله ، كرهه وقال : ما هذا التطويل ؟ وما هذا الفضول ؟ اكتب : أمّا بعد ، فالحمد لله الذي أخذ لأمير

______________________

(1) موضع بالكوفة ، يظهر أنّه كان محلّ اجتماع النّاس .  ـ المؤلّف ـ


الصفحة ( 63 )

المؤمنين حقّه وكفاه مؤونة عدوّه . أخبر أمير المؤمنين أنّ مسلم بن عقيل لجأ إلى دار هاني بن عروة المرادي ، وإنّي جعلت عليهما المراصد والعيون ودسست إليهما الرجال وكدتهما حتّى أخرجتهما وأمكن الله منهما ، فقدّمتهما وضربت أعناقهما ، وقد بعثت إليك برأسيهما مع هانئ بن أبي حيّة الوداعي والزبير بن الأروح التميمي وهما من أهل السّمع والطاعة والنّصيحة ، فليسألهما أمير المؤمنين عمّا أحب من أمرهما ؛ فإنّ عندهما علماً وصدقاً وورعاً ، والسّلام .

فكتب إليه يزيد : أمّا بعد ، فإنّك لمْ تعد إنْ كنت كما اُحب ، عملت عمل الحازم وصلت صولة الشجاع الرابط الجأش ، وقد أغنيت وكفيت ، وصدّقت ظنّي بك ورأيي فيك ، وقد دعوت رسولَيك فسألتهما وناجيتهما فوجدتهما في رأيهما وفضلهما كما ذكرت فاستوص بهما خيراً ، وأنّه قد بلغني أنّ حسيناً قد توجّه إلى العراق ، فضع المناظر والمسالح واحترس ، واحبس على الظنّة واقتل على التهمة ، واكتب إليّ فيما يحدث من خير إنْ شاء الله .

ولمّا بلغ الحسين (عليه السّلام) مقتل مسلم وهاني ، قال : (( إنّا لله وإنّا إليه راجعون ، رحمة الله عليهما )) ، يردّد ذلك مراراً . ولقيه الفرزدق الشاعر فسلّم عليه وقال : يابن رسول الله ، كيف تركن إلى أهل الكوفة وهم الذين قتلوا ابن عمّك مسلم بن عقيل وشيعته ؟! فاستعبر الحسين (عليه السّلام) ثمّ قال : (( رحم الله مسلماً ، فلقد صار إلى رَوح الله وريحانه ، وتحيّاته ورضوانه ، أما أنّه قد قضى ما عليه وبقي ما علينا )) ، ثمّ أنشأ يقول :

فـإنْ تـكُنْ الدُّنيا تـُعدُّ نـفيسةً   فـإنّ ثـوابَ اللهِ أعـلى وأنـبلُ
وإنْ تـكُنْ الأبـدانُ للموتِ اُنشئتْ   فقتلُ امرئٍ بالسّيفِ في اللهِ أفضلُ
وإنْ تـكُنْ الأرزاقُ قِـسْماً مُقدّراً   فقلّةُ حِرصِ المرءِ في السَّعي أجملُ
وإنْ تـكُنْ الأمـوالُ للتّركِ جَمعُها   فـما بـالُ متروكٍ به المرءُ يبخلُ

* * *


الصفحة ( 64 )

المجلس الرابع والثلاثون

لمّا عزم الحسين (عليه السّلام) على الخروج من مكّة إلى العراق ، قام خطيباً في أصحابه فقال : (( الحمدُ لله وما شاء الله ولا قوّة إلاّ بالله ، وصلّى الله على رسوله ، خُطَّ الموتُ على وُلد آدمَ مَخَطَّ القَلادةِ على جيد الفتاةِ ، وما أولهني إلى أسلافي اشتياقُ يعقوبَ إلى يوسفَ ، وخُيّر لي مصرعٌ أنا لاقيه ، كأنّي بأوصالي تُقطّعها عَسْلانُ(1) الفلوات بين النّواويس وكربلاء ، فيملأنَّ منّي أكراشاً جوفاً وأجربةً سغباً ، لا مَحيصَ عن يومٍ خُطّ بالقَلَمْ ، رِضَى اللهُ رضانا أهلَ البيتِ ، نصبرُ على بلائِهِ ويُوفّينا أجورَ الصّابرين ، لنْ تَشُذَّ عن رسول اللهِ لَحمتُهُ ، بل هي مجموعةٌ لهُ في حظيرةِ القُدْسِ ، تُقرُّ بِهمْ عينُه ويُنجزُ بهم وعدَه .

مَنْ كان باذلاً فينا مُهجَتَه ، ومُوَطِّناً على لقاءِ اللهِ نفسَه فليرحل معنا ، فإنّني راحلٌ مُصبحاً إنْشاءَ اللهُ تعالى )) . ثمّ ارتحل .

وألحقه عبد الله بن جعفر بابنيه عون ومحمّد ، وكتب على أيديهما إليه كتاباً يقول فيه : أمّا بعد ، فإنّي أسألك بالله لما انصرفت حين تنظر في كتابي ، فإنّي مشفق عليك من الوجه الذي توجّهت له أنْ يكون فيه هلاكك واستئصال أهل بيتك ، وإنْ هلكت اليوم اُطفئ نور الأرض ، فإنّك علم المهتدين ورجاء المؤمنين ، فلا تعجل بالمسير فإنّي في أثر كتابي ، والسّلام .

وصار عبد الله إلى عمرو بن

______________________

(1) في إبصار العين : عسلان ، بضمّ العين وسكون السين : جمع عاسل ، وهو المهتزّ المضطرب . ويُقال للرمح والذئب ، والمراد الثاني اهـ .

أقول : لم يذكر أحد من أهل اللغة أنّ عاسلاً يجمع على عسلان ، والظاهر أنّ عسلان بالتحريك ، مصدر عسل الذئب إذا اضطرب في عدوه وهزّ رأسه ؛ ونسبة التقطيع إلى العسلان مجاز عقلي من باب الإسناد إلى السبب على حذف المضاف : أي يقطعها عسلان ذئاب الفلوات .   ـ المؤلّف ـ


الصفحة ( 65 )

سعيد فسأله أنْ يكتب للحسين (عليه السّلام) أماناً ويمنّيه البِر والصلة ، فكتب له وأنفذه مع أخيه يحيى بن سعيد ، فلحقه يحيى وعبدالله بن جعفر ـ بعد نفوذ ابنيه ـ وجهدا به في الرجوع ، فقال (عليه السّلام) : (( إنّي رأيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في المنام وأمرني بما أنا ماض له )) . فقالا له : فما تلك الرؤيا ؟ فقال (عليه السّلام) : (( ما حدّثت بها أحداً حتّى ألقى ربّي عزّ وجلّ )) . فلمّا آيس منه عبد الله بن جعفر ، أمر ابنيه عوناً ومحمّداً بلزومه والمسير معه والجهاد دونه ورجع هو إلى مكّة .

قال علي بن الحسين (عليهما السّلام) : (( خرجنا مع أبي ، فما نزل منزلاً ولا ارتحل منه إلاّ ذكر يحيى بن زكريّا )) . وقال يوماً : (( من هوان الدّنيا على الله أنّ رأس يحيى بن زكريّا اُهدي إلى بغي من بغايا بني اسرائيل )) .

ركبـُوا إلى العـزِّ المنـُوْ   نَ وجانَبُوا عيشَ الذَّليلِ

وردُوا الوغَى فقضَوا وليـْ   س تُعاب شمسٌ بالاُفولِ

المجلس الخامس والثلاثون

لمّا بلغ الحسين (عليه السّلام) إلى الحاجر(1) من بطن الرّمة(2) ، كتب كتاباً إلى جماعة من أهل الكوفة ، منهم : سليمان بن صرد الخزاعي ، والمسيّب بن نجبة ، ورفاعة بن شداد وغيرهم ، وأرسله مع قيس بن مسهّر الصيداوي ـ وذلك قبل أنْ يعلم بقتل مسلم ـ يقول فيه : (( بسم الله الرحمن الرحيم ، من الحسين بن علي إلى إخوانه من المؤمنين والمسلمين ، سلام عليكم ، فإنّي أحمد إليكم الله الذي لا إله إلاّ هو . أمّا بعد ، فإنّ كتاب مسلم بن عقيل جاءني يخبرني فيه بحسن رأيكم ، واجتماع

______________________

(1) بحاء مهملة وجيم وراء مهملة : اسم مكان بطريق الحاج العراقي .

(2) الرُمّة ، بضمّ الراء المهملة وتشديد الميم ، وقد تُخفف : قاع عظيم بنجد .  ـ المؤلّف ـ


الصفحة ( 66 )

ملئكم على نصرنا والطلب بحقّنا ، فسألت الله أنْ يحسن لنا الصّنيع وأنْ يثيبكم على ذلك أعظم الأجر ، وقد شخصت إليكم من مكّة يوم الثلاثاء لثمان مضين من ذي الحجّة يوم التّروية ، فإذا قدم عليكم رسولي ، فانكمشوا في أمركم وجدّوا ، فإنّي قادم عليكم في أيامي هذه إنْ شاء الله تعالى ، والسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته )) . وكان مسلم بن عقيل قد كتب إليه قبل أنْ يُقتل بسبع وعشرين ليلة .

فأقبل قيس بكتاب الحسين (عليه السّلام) إلى الكوفة ، وكان ابن زياد لمّا بلغه مسير الحسين (عليه السّلام) من مكّة إلى الكوفة ، بعث الحُصين بن تميم صاحب شرطته حتّى نزل القادسيّة ، فلمّا انتهى قيس إلى القادسيّة ، اعترضه الحُصين بن تميم ليفتّشه فأخرج قيس الكتاب وخرّقه ، فحمله الحُصين إلى ابن زياد فلمّا مثُل بين يديه ، قال له : مَن أنت ؟ قال : أنا رجل من شيعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وابنه الحسين (عليهما السّلام) . قال : فلماذا خرّقت الكتاب ؟ قال : لئلاّ تعلم ما فيه . قال : وممَّن الكتاب ، وإلى مَن ؟ قال : من الحسين (عليه السّلام) إلى جماعة من أهل الكوفة لا أعرف اسماءهم . فغضب ابن زياد وقال : والله ، لا تفارقني حتّى تخبرني بأسماء هؤلاء القوم أو تصعد المنبر فتسبّ الحسين بن علي وأباه وأخاه ، وإلاّ قطّعتك إرباً إرباً . فقال قيس : أمّا القوم فلا اُخبرك بأسمائهم ، وأمّا السبّ فأفعل .

فصعد قيس ، فحمد الله وأثنى عليه وصلّى على النّبي (صلّى الله عليه وآله) ، وأكثر من الترحّم على عليّ والحسن والحسين (عليهم السّلام) ، ولعن عبيد الله بن زياد وأباه ولعن عتاة بني اُميّة ، ثمّ قال : أيّها النّاس ، إنّ هذا الحسين بن علي خير خلق الله ، ابن فاطمة بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وأنا رسوله إليكم وقد خلّفته بالحاجر فأجيبوه . فأمر به ابن زياد فرُمي من أعلى القصر فتكسّرت عظامه وبقي به رمق ، فأتاه رجل يقال له عبد الملك بن عُمير اللخمي فذبحه ، فعيب عليه ، فقال : أردت أنْ اُريحه .

ويقال : أنّ عبد الملك هذا كان قاضي الكوفة وفقيهها ، وما ينفعه فقهه مع شنيع فعله !

فبلغ الحسين (عليه السّلام) قتله ، فاسترجع واستعبر ولمْ يملك دمعته ثمّ قرأ : ( فَمِنْهُم مّن قَضَى‏ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدّلُوا تَبْدِيلاً )(1) . ثمّ قال (عليه السّلام) : (( جعل الله له الجنّة ثوابا ً . اللهمَّ ، اجعل لنا ولشيعتنا منزلاً كريماً ،

______________________

(1) سورة الأحزاب / 23 .


الصفحة ( 67 )

واجمع بيننا وبينهم في مستقرٍ من رحمتك ورغائب مدخور ثوابك ، إنّك على كلّ شيء قدير )) .

يَستنْجعُـون الـرَّدى شوقاً لغايتِهِ   كأنّما الضَّربُ في أفواهها الضَّربُ

واستأثَرُوا بالرَّدى من دونِ سيِّدهمْ   قصداً وما كُـلّ إيثارٍ بـه الأربُ

المجلس السّادس والثلاثون

لمّا سار الحسين (عليه السّلام) من الحاجر ، انتهى إلى ماء من مياه العرب ، فإذا عليه عبد الله بن مطيع العدوي وهو نازل به ، فلمّا رأى الحسين (عليه السّلام) ، قام إليه فقال : بأبي أنت واُمّي يابن رسول الله ، ما أقدمك ؟ واحتمله فأنزله ، فقال له الحسين (عليه السّلام) : (( كان من موت معاوية ما قد بلغك ، فكتب إليّ أهل العراق يدعونني إلى أنفسهم )) . فقال له عبد الله : اُذكّرك الله يابن رسول الله وحرمة الإسلام أنْ تنتهك ، أنشدك الله في حرمة قريش ، أنشدك الله في حرمة العرب . فوالله ، لئن طلبت ما في أيدي بني اُميّة ليقتلنّك ، ولئن قتلوك لا يهابوا بعدك أحداً أبداً . والله ، إنّها لحرمة الإسلام تنتهك ، وحرمة قريش وحرمة العرب ، فلا تفعل ولا تأت الكوفة ولا تعرض نفسك لبني اُميّة .

وكان زهير بن القَين البجلي قد حجّ في تلك السّنة من الكوفة ـ وكان عثمانياً ـ فلمّا رجع من الحجّ ، جمعه الطريق مع الحسين (عليه السّلام) .

فحدّث جماعة من فزارة وبجيلة قالوا : كنّا مع زهير بن القَين حين أقبلنا من مكّة فكنّا نساير الحسين (عليه السّلام) ، فلم يكن شيء أبغض إلينا من أنْ نسير معه في مكان واحد أو ننزل معه في منزل واحد ، فإذا سار الحسين تخلّف زهير بن القَين ، وإذا نزل الحسين تقدّم زهير . فنزلنا يوماً في منزل لم نجد بدّاً من أنْ ننزل معه فيه ، فنزل هو في جانب ونزلنا في جانب آخر ، فبينا نحن جلوس نتغدّى من طعام لنا إذ أقبل رسول الحسين (عليه السّلام) حتّى سلّم ثمّ دخل ، فقال : يا زهير ، إنّ أبا عبد الله بعثني إليك لتأتيه . فطرح كلّ


الصفحة ( 68 )

إنسان منّا ما في يده كأنّ على رؤوسنا الطير ؛ كراهيّة أنْ يذهب زهير إلى الحسين (عليه السّلام) ، فقالت له امرأته ـ وهي دلهم بنت عمرو ـ : سبحان الله ! أيبعث إليك ابن رسول الله ثمّ لا تأتيه ؟! فلو أتيته فسمعت من كلامه ثمّ انصرفت .

فأتاه زهير على كره ، فما لبث أنْ جاء مستبشراً قد أشرق وجهه ، فأمر بفسطاطه وثقله ورحله فحوّل إلى الحسين (عليه السّلام) ، ثمّ قال لامرأته : أنت طالق ، الحقي بأهلك فإنّي لا اُحبّ أنْ يصيبك بسببي إلاّ خير ، وقد عزمت على صحبة الحسين (عليه السّلام) لأفديه بروحي وأقيه بنفسي . ثم أعطاها ما لها وسلّمها إلى بعض بني عمّها ليوصلها إلى أهلها ، فقامت إليه وبكت وودّعته وقالت : خار الله لك ، أسألك أنْ تذكرني في القيامة عند جدّ الحسين (عليه السّلام) .

وقال لأصحابه : مَن أحبّ منكم أنْ يتبعني وإلاّ فهو آخر العهد منّي ، إنّي ساُحدّثكم حديثاً : إنّا غزونا بلنجر ـ وهي بلدة ببلاد الخزر ـ ففتح الله علينا وأصبنا غنائم ففرحنا ، فقال لنا سلمان الفارسي : إذا أدركتم قتال شباب آل محمّد (صلّى الله عليه وآله) ، فكونوا أشدّ فرحاً بقتالكم معهم ممّا أصبتم من المغانم . فأمّا أنا فأستودعكم الله . ولزم الحسين (عليه السّلام) حتّى قُتل معه .

ومعشرٍ راودتهُمْ عنْ نفوسِهمُ   بيضُ الظُّبا غير بيضِ الخُرّد العُرُبِ

فأنعـَمُوا بنفوسٍ لا عديلَ لها   حتّى اُسيلتْ على الخُرصانِ والقُضُبِ

المجلس السّابع والثلاثون

روى عبد الله بن سليمان والمنذر بن المشمعل الأسديّان قالا : لمّا قضينا حجّنا لم تكن لنا همّة إلاّ اللحاق بالحسين (عليه السّلام) لننظر ما يكون من أمره ، فأقبلنا ترقل بنا ناقتانا مسرعين حتّى لحقناه بـ ( زرود ) ، فلمّا دنونا منه ، إذا نحن برجل من أهل الكوفة قد عدل عن الطريق حين رأى الحسين (عليه السّلام) ، فوقف الحسين (عليه السّلام) كأنّه يريده ثمّ تركه ومضى ، ومضينا نحوه فقال أحدنا لصاحبه : اذهب بنا إلى هذا


الصفحة ( 69 )

لنسأله فإنّ عنده خبر الكوفة . فمضينا إليه فقلنا : السّلام عليكم . فقال : وعليكما السّلام . قلنا : ممَّن الرجل ؟ قال : أسدي . قلنا له : ونحن أسديّان ، فمَن أنت ؟ قال : أنا بكر بن فلان ، وانتسبنا له ، ثمّ قلنا : أخبرنا عن النّاس من ورائك . قال : لم أخرج من الكوفة حتّى قُتل مسلم بن عقيل وهاني بن عروة ، ورأيتهما يُجرّان بأرجلهما في السّوق .

فاقبلنا حتّى لحقنا الحسين (عليه السّلام) فسايرناه حتّى نزل الثعلبيّة ممسياً ، فجئنا حين نزل فسلّمنا عليه ، فردّ علينا السّلام ، فقلنا : رحمك الله ، إنّ عندنا خبراً إنْ شئت حدّثناك علانية وإنْ شئت سرّاً . فنظر إلينا وإلى أصحابه ثمّ قال (عليه السّلام) : (( ما دون هؤلاء سرّ )) . فقلنا له : رأيتَ الراكب الذي استقبلته عشيّة أمس ؟ قال (عليه السّلام) : (( نعم ، وقد أردتُ مسألته )) . فقلنا : قد والله استبرأنا لك خبره وكفيناك مسألته ، وهو امرؤ منّا ذو رأي وصدق وعقل ، وإنّه حدّثنا أنّه لم يخرج من الكوفة حتّى قُتل مسلم وهاني ، ورآهما يُجرّان في السّوق بأرجلهما . فقال (عليه السّلام) : (( إنّا لله وإنّا إليه راجعون ، رحمة الله عليهما )) . يردّد ذلك مراراً . فقلنا له : ننشدك الله في نفسك وأهل بيتك إلاّ انصرفت من مكانك هذا ، فإنّه ليس لك بالكوفة ناصر ولا شيعة ، بل نتخوّف أنْ يكونوا عليك .

فنظر (عليه السّلام) إلى بني عقيل فقال : (( ما ترون ؟ فقد قُتل مسلم )) . فقالوا : والله ، لا نرجع حتّى نصيب ثأرنا أو نذوق ما ذاق . فأقبل علينا الحسين (عليه السّلام) وقال : (( لا خير في العيش بعد هؤلاء )) . فعلمنا أنّه قد عزم رأيه على المسير ، فقلنا له : خار الله لك . فقال (عليه السّلام) : (( رحمكما الله )) . فقال له أصحابه : إنّك والله ما أنت مثل مسلم ، ولو قدمت الكوفة لكان النّاس إليك أسرع . فسكت ، وارتجّ الموضع بالبكاء لقتل مسلم بن عقيل ، وسالت الدموع عليه كلّ مسيل .

ولا بأس أنْ يرتجّ هذا الموضع بالبكاء حزناً لقتل مسلم بن عقيل ، فمسلم هو الذي وصفه الحسين (عليه السّلام) في كتابه إلى أهل الكوفة بقوله : (( إنّي باعث إليكم أخي وابن عمّي وثقتي من أهل بيتي مسلم بن عقيل )) . وكفى بهذه الشهادة من الحسين (عليه السّلام) في جلالة قدر مسلم أنْ يكون ثقة الحسين (عليه السّلام) من أهل بيته ، ومسلم رضوان الله عليه أول قتيل من أهل البيت في نصرة الحسين (عليه السّلام) ، وجثّته أول جثّة صُلبت ، ورأسه أول رأس حُمل منهم ،


الصفحة ( 70 )

وأول رجل قُتل عطشان منهم .

يا مسلمُ بنَ عقيلٍ لا أغبَّ ثرَى   ضـريحِكَ المُزنُ هطّالاً وهتَّانَا
ولـو تكونُ بسقياهُ السَّما بَخلتْ   سـقيتُهُ من دموعِ العينِ غُدْرانَا
بـذلتَ نفسَكَ في مرضاةِ خالِقِها   حتّى قضيتَ بسيفِ البغْي ظمْآنَا

المجلس الثامن والثلاثون

لمّا نزل الحسين (عليه السّلام) ( زُبالة ) وهو متوجّه إلى الكوفة ، أتاه بها مقتل عبد الله بن يقطر ، وهو أخو الحسين (عليه السّلام) من الرضاعة ، وقيل : كانت اُمّ عبد الله هذا مربيّة للحسين (عليه السّلام) فكان عبد الله من لدات الحسين (عليه السّلام) وأقرانه في السنّ ؛ ولذلك اُطلق عليه أنّه أخوه من الرضاعة ، وإنّ الحسين (عليه السّلام) لم يرضع من غير ثدي اُمّه فاطمة (عليها السّلام) ، وكان الحسين (عليه السّلام) أرسله مع مسلم بن عقيل إلى الكوفة ، فلمّا رأى مسلم الخذلان ، بعث عبد الله بن يقطر إلى الحسين (عليه السّلام) يخبره بذلك .

وكان ابن زياد قد نظم الخيل مع الحُصين بن تميم صاحب شرطته على الطرقات بين البصرة والقادسيّة ، فلا يدعون أحداً يلج ولا أحداً يخرج ، فقبض الحُصين على عبد الله بن يقطر وأرسله إلى ابن زياد ، فقال له ابن زياد : اصعد فوق القصر والعن الكذّاب ابن الكذّاب ثمّ انزل حتّى أرى فيك رأيي . فصعد فوق القصر ، فلمّا أشرف على النّاس ، لعن عبيد الله بن زياد وأباه ودعا إلى نصرة الحسين (عليه السّلام) ، فألقاه بن زياد من أعلى القصر فمات(1) .

وكان قتل مسلم بن عقيل

______________________

(1) وقع اشتباه هنا من بعض المؤرّخين بين قصّة قيس بن مسهّر الصيداوي رسول الحسين (عليه السّلام) إلى أهل الكوفة الذي قبَضَ عليه الحُصين بن تميم وأرسله إلى ابن زياد ، فأمره أنْ يسبّ الحسين وأباه ففعل ضدّ ذلك ، فألقاه من أعلى القصر ، وبين قصّة عبد الله بن يقطر الذي أرسله ابن عقيل إلى الحسين (عليه السّلام) فقَبضَ عليه الحُصين أيضاً ، وجرى له نظير ما جرى لقيس .   ـ المؤلّف ـ


الصفحة ( 71 )

وهاني بن عروة بلغ الحسين (عليه السّلام) وهو بـ ( زرود ) ، وقيل : بلغه أيضاً بـ ( زُبالة ) ، فلمّا بلغ الحسين (عليه السّلام) خبر عبد الله بن يقطر ، أخرج إلى النّاس كتاباً فقرأه عليهم ، وفيه : (( بسم الله الرحمن الرحيم ، أمّا بعد ، فإنّه قد أتاني خبر فظيع ؛ قتل مسلم بن عقيل وهاني بن عروة وعبد الله بن يقطر ، وقد خذلَنا شيعتُنا ، فمَن أحبّ منكم الانصراف فلينصرف في غير حرج ، ليس عليه ذمام )) . فتفرّق النّاس عنه وأخذوا يميناً وشمالاً حتّى بقي في أصحابه الذين جاؤوا معه من المدينة ، ونفر يسير ممَّن انضمّوا إليه من أهل البصائر والنيّات الصادقة ، وإنّما فعل ذلك ؛ لئلاّ يتبعه مَن ليس له بصيرة نافذة ولا نيّة صادقة ولا يريد مواساته والقتال معه ، فإنّ هؤلاء لا فائدة في صحبتهم .

ولقيه الفرزدق الشاعر عائداً من الحجّ فقال : يابن رسول الله ، كيف تركن إلى أهل الكوفة وهم الذين قتلوا ابن عمّك مسلم بن عقيل وشيعته ؟! فاستعبر الحسين (عليه السّلام) ثمّ قال : (( رحم الله مسلماً ، فلقد صار إلى رَوح الله وريحانه ، وتحيّاته ورضوانه ، أما أنّه قد قضى ما عليه وبقي ما علينا )) ، ثمّ أنشأ يقول :

فـإنْ تـكُنْ الدُّنيا تـُعدُّ نـفيسةً   فـإنّ ثـوابَ اللهِ أعـلى وأنـبلُ
وإنْ تـكُنْ الأبـدانُ للموتِ اُنشئتْ   فقتلُ امرئٍ بالسّيفِ في اللهِ أفضلُ
وإنْ تـكُنْ الأرزاقُ قِـسْماً مُقدّراً   فقلّةُ حِرصِ المرءِ في السَّعي أجملُ
وإنْ تـكُنْ الأمـوالُ للتّركِ جَمعُها   فـما بـالُ متروكٍ به المرءُ يبخلُ

* * *

يابنَ النّبيِّ كَمْ احتَملْتَ فجائعاً   منْ هولِها شُمُّ الجبالِ تصدَّعُ

المجلس التاسع والثلاثون

لمّا نزل الحسين (عليه السّلام) ببطن العقبة ، لقيه شيخ من بني عكرمة يقال له عمرو بن


الصفحة ( 72 )

يؤذان ، فسأله : أين تريد ؟ فقال الحسين (عليه السّلام) : (( الكوفة )) . فقال الشيخ : أنشدك الله لمّا انصرفت ، فوالله ما تقدم إلاّ على الأسنّة وحدّ السّيوف ، وإنّ هؤلاء الذين بعثوا إليك لو كانوا كفوك مؤونة القتال ، ووطّؤوا لك الأشياء فقدمت عليهم كان ذلك رأياً ، فأمّا على هذه الحال التي تذكر ، فإنّي لا أرى لك أنْ تفعل . فقال له الحسين (عليه السّلام) : (( يا عبد الله ، ليس يخفى عليّ الرأي ، ولكنّ الله تعالى لا يُغلب على أمره )) . ثمّ قال (عليه السّلام) : (( والله ، لا يدعوني حتّى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي ، فاذا فعلوا سلّط الله عليهم مَن يذلّهم حتّى يكونوا أذلّ فِرق الاُمم )) .

ثم سار (عليه السّلام) من بطن العقبة حتّى نزل ( شراف ) ، فلمّا كان في السّحر أمر فتيانه فاستقوا من الماء فأكثروا ، ثمّ سار منها حتّى انتصف النّهار ، فبينا هو يسير إذ كبّر رجل من أصحابه ، فقال الحسين (عليه السّلام) : (( الله أكبر ، لِم كبّرت ؟ )) . قال : رأيت النّخل . فقال له جماعة من أصحابه : والله ، إنّ هذا المكان ما رأينا به نخلة قط ! فقال لهم الحسين (عليه السّلام) : (( فما ترونه ؟ )) . قالوا : نراه والله أسنّة الرماح وآذان الخيل . قال (عليه السّلام) : (( وأنا والله أرى ذلك )) . ثمّ قال (عليه السّلام) : (( ما لنا ملجأ نلجأ إليه فنجعله في ظهورنا ، ونستقبل القوم بوجه واحد ؟ )) . فقالوا له : بلى ، هذا هو ذو حُسُم(1) إلى جنبك فمل إليه عن يسارك ، فإنْ سبقتَ إليه فهو كما تريد . فأخذ إليه ذات اليسار ومِلنا معه ، فما كان بأسرع من أنْ طلعت علينا هوادي(2) الخيل فتبينّاها وعدلنا ، فلمّا رأونا عدلنا عن الطريق ، عدلوا إلينا كأنّ أسنّتهم اليعاسيب(3) ، وكأنّ راياتهم

______________________

(1) بحاء وسين مهملتين مضمومتين وميم : جبل كان النّعمان يصطاد فيه ، وفيه يقول مهلهل :

ألَيْلتَنَا بذِي حُسُمٍ أنيري   إذا أنتِ انقضيتِ فلا تَحُوري

(2) جمع هادي : وهو العنق .

(3) جمع يعسوب : وهو أمير النّحل وذكرها ، وضرب من الحجلان ، وطائر صغير .   ـ المؤلّف ـ


الصفحة ( 73 )

أجنحة الطير ، فاستبقنا إلى ذي حُسُم فسبقناهم إليه ، وأمر الحسين (عليه السّلام) بأبنيته فضُربت .

وجاء القوم زهاء(1) ألف فارس مع الحرّ بن يزيد التميمي حتّى وقف هو وخيله مقابل الحسين (عليه السّلام) في حَرّ الظهيرة ، والحسين (عليه السّلام) وأصحابه معتمّون متقلّدو أسيافهم ، فقال الحسين (عليه السّلام) لفتيانه : (( اسقوا القوم وأرووهم من الماء ، وارشفوا الخيل ترشيفاً )) : أي اسقوها قليلاً . فأقبلوا يملؤون القصاع والطساس من الماء ثمّ يدنونها من الفرس ، فإذا عبّ فيها ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً عُزلت عنه وسقوا آخر حتّى سقوها عن آخرها .

قال علي بن الطعّان المحاربي : كنت مع الحرّ يؤمئذ فجئت في آخر مَن جاء من أصحابه ، فلمّا رأى الحسين (عليه السّلام) ما بي وبفرسي من العطش ، قال : (( أنخ الراوية )) : والراوية عندي السّقاء . ثمّ قال (عليه السّلام) : (( يابن الأخ ، أنخ الجمل )) . فأنخته(2) ، فقال (عليه السّلام) : (( اشرب )) . فجعلت كلمّا شربت سال الماء من السّقاء ، فقال الحسين (عليه السّلام) : (( اخنث السّقاء )) : أي اعطفه . فلم أدر كيف أفعل ، فقام (عليه السّلام) فخنثه بيده فشربت وسقيت فرسي .

أقول : إنّ هذا لهو غاية الجود ونهاية الكرم ؛ أنْ يسقي الحسين (عليه السّلام) أعداءه الذين جاؤوا لمحاربته وهم مقدار ألف فارس ، فسقاهم الماء مع خيولهم في تلك الأرض القفراء التي لا ماء فيها ولا كلأ ! ولا عجب إذا صدر مثل هذا الجود من الحسين (عليه السّلام) ، وهو معدن الجود والكرم .

هو البحرُ منْ أيِّ النّواحي أتيتُهُ   فلجَّتُهُ المعروفُ والجودُ ساحلُهْ

ولَو لَمْ يكنْ في كفِّهِ غيرُ نفسِهِ   لجـادَ بها فليتَّـقِ اللهَ سائلُـهْ

ولكن بئسما جزى هؤلاء القوم الحسين (عليه السّلام) عن سقيه إياهم الماء وإيثارهم على نفسه ! فقد كان جزاؤهم منهم أنْ حالوا بينه وبين الماء ، ووضعوا أربعة

______________________

(1) أي قدر .

(2) الراوية في لسان أهل الحجاز : اسم للجمل الذي يستقى عليه ، وفي لسان العراق : اسم للسقاء الذي فيه الماء ؛ لذلك لَمْ يفهم مراد الحسين (عليه السّلام) حتّى قال (عليه السّلام) : (( أنخ الجمل )) .     ـ المؤلّف ـ


الصفحة ( 74 )

آلاف على المشرعة ، ومنعوه وأصحابه وعياله وأطفاله أنْ يستقوا من الماء قطرة واحدة ، وذلك قبل قتله (عليه السّلام) بثلاثة أيّام .

بأبي وغـيرِ أبي أميراً ظامـياً   منعتْهُ حربٌ منْ ورودِ فُراتِها

حتّى قضـَى عَطشاً قتيلَ أراذلٍ   تستحقرُ الشفتانِ ذمَّ صفاتِهـا

المجلس الأربعون

لمّا التقى الحُرّ مع الحسين (عليه السّلام) ، قال له الحسين (عليه السّلام) : (( ألَنا أم علينا ؟ )) . فقال : بل عليك يا أبا عبد الله . فقال الحسين (عليه السّلام) : (( لا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم )) . فلم يزل الحُرّ مواقفاً للحسين (عليه السّلام) حتّى حضرت صلاة الظهر ، فأمر الحسين (عليه السّلام) الحجّاج بن مسروق أنْ يؤذّن ، فلمّا حضرت الإقامة ، خرج الحسين (عليه السّلام) في إزار ورداء ونعلين ، فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال : (( أيّها النّاس ، إنّها معذرة إلى الله وإليكم ، إنّي لمْ آتكم حتّى أتتني كتبكم وقدمتْ عليّ رسلُكم : أنْ اقدم علينا فإنّه ليس لنا إمام ، لعلّ الله يجمعنا بك على الهدى والحقّ . فإنْ كنتم على ذلك فقد جئتكم ، فاعطوني ما أطمئنّ إليه من عهودكم ومواثيقكم ، وإنْ لمْ تفعلوا ، وكنتم لقدومي كارهين ، انصرفت عنكم إلى المكان الذي جئت منه إليكم )) . فسكتوا ، فقال (عليه السّلام) للمؤذّن : (( أقمْ )) . فأقام الصّلاة ، فقال (عليه السّلام) للحُرّ : (( أتريد أنْ تصلّي بأصحابك ؟ )) . قال : لا ، بل تُصلّي أنت ونصلّي بصلاتك . فصلّى بهم الحسين (عليه السّلام) .

فلمّا كان وقت العصر ، أمر الحسين (عليه السّلام) أنْ يتهيّؤوا للرحيل ففعلوا ، ثمّ أمر مناديه فنادى بالعصر وأقام ، فاستقدم الحسين(عليه السّلام) وقام فصلّى ثمّ سلّم وانصرف إليهم بوجهه ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثمّ قال : (( أمّا بعد ، أيّها النّاس ، فإنّكم إنْ تتّقوا وتعرفوا الحقّ لأهله ، يكن أرضى لله عنكم ، ونحن أهل بيت محمّد أولى بولاية هذا الأمر عليكم من هؤلاء المدّعين ما ليس لهم ، والسّائرين فيكم بالجور والعدوان ، وإنْ أبيتم إلاّ الكراهيّة لنا والجهل بحقّنا ، وكان رأيكم

الصفحة ( 75 )

الآن غير ما أتتني به كتبكم وقدمتْ عليّ رُسُلكم ، انصرفت عنكم )) . فقال له الحُرّ : أنا والله ، ما أدري ما هذه الكتب والرسل التي تذكر . فقال الحسين (عليه السّلام) لبعض أصحابه : (( يا عقبة بن سمعان(1) ، اخرج الخرجين اللذين فيهما كتبهم إليّ )) . فأخرج خرجين مملوءين صحفاً فنثرت بين يديه ، فقال له الحُرّ : إنّا لسنا من هؤلاء الذين كتبوا إليك ، وقد اُمرنا إذا نحن لقيناك ، لا نفارقك حتّى نقدمك الكوفة على عبيد الله . فقال له الحسين (عليه السّلام) : (( الموت أدنى إليك من ذلك )) . ثمّ قال لأصحابه : (( قوموا فاركبوا )) . فركبوا وانتظر هو حتّى ركبت نساؤه .

بأبي أنت وأمي يا أبا عبد الله ! لمْ ترضَ أنْ تركب ولا أنْ تسير قدماً واحداً قبل ركوب النّساء ، مع أنّ الذين يركبونهنّ مثل علي الأكبر والعبّاس بن أمير المؤمنين وسائر بني هاشم ! فياليتك لا غبت عن نسائك وأخواتك وبناتك يوم الحادي عشر من المحرّم حين جاؤوا إليهنّ بالجمال ، وليس معهنّ ولي ولا كافل غير ولدك زين العابدين (عليه السّلام) ـ وهو مريض لا يستطيع النّهوض ـ وابن أخيك الحسن بن الحسن الذي كان مثخناً بالجراح وأطفال صغار ، وأظنّ أنّ المتولّية لذلك كانت اُختك زينب ، فهي التي ركّبت العليل والجريح والنّساء والأطفال ، وقامت في ذلك مقام الرجال حتّى لم يبقَ مَن يُركبها ، فركبت بنفسها .

لمَنْ السّبايا المُعْجلاتُ ضَجرنّ منْ   إدلاجِ عـُجفٍ تشتكي عثراتِها

اللهُ أكـبرُ يـا لهَا مـنْ وقْـعَـةٍ   ذابتْ لها الأحشاءُ في حُرُقاتِها

______________________

(1) هو مولى الرباب ابنة امرئ القيس الكلبيّة زوجة الحسين (عليه السّلام) ، ولمّا قُتل الحسين (عليه السّلام) أخذه عمر بن سعد فقال : مََن أنت ؟ فقال : أنا عبد مملوك . فخلّى سبيله . ولم ينجُ من أصحاب الحسين (عليه السّلام) غيره ، وغير رجل آخر ؛ ولذلك كان كثير من روايات الطفّ منقولاً عنه .  ـ المؤلّف ـ


الصفحة ( 76 )

المجلس الواحد والأربعون

لمّا التقى الحسين (عليه السّلام) مع الحُرّ وأصحابه ، ومنعه الحُرّ من الرجوع ، قال الحُرّ : إنّي لمْ اُؤمر بقتالك ، إنّما اُمرت أنْ لا اُفارقك حتّى اُقدمك الكوفة ، فإذا أبيت فخذ طريقاً لا يدخلك الكوفة ولا يردّك إلى المدينة حتّى أكتب إلى الأمير عبيد الله بن زياد .

فتياسر الحسين (عليه السّلام) وسار والحُرّ يسايره ، فقال له الحُرّ : إنّي اُذكّرك الله في نفسك ، فإنّي أشهد لئن قاتلت لتُقتلن . فقال الحسين (عليه السّلام) : (( أفبالموت تخوفني ؟! وهل يعدو بكم الخطب أنْ تقتلوني ؟ وسأقول كما قال أخو الأوس لابن عمّه ، وهو يريد نصرة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فخوّفه ابن عمّه وقال : أين تذهب ؟ فإنّك مقتول . فقال :

سأمضي وما بالموتِ عارٌ على الفتَى   إذا مـا نـَوى حـقّاً وجـاهدَ مُسلمَا
وواسـَى الـرّجالَ الصّالحينَ بنفسِهِ   وفــارقَ مـثبوراً وودّعَ مـُجرمَا
اُقــدّمُ نـفسي لا اُريـدُ بـقاءَها   لـتلقَى خَميساً في الوغَى وعرمْرَمَا
فـإنْ عشتُ لمْ أندمْ وإنْ متُّ لمْ اُلَمْ   كـفَى بـكَ ذلاّ ً أنْ تـعيشَ وتُرغمَا

ولم يزل الحسين (عليه السّلام) سائراً حتّى انتهوا إلى العذيب ، فإذا هم بأربعة نفر قد أقبلوا من الكوفة لنصرة الحسين (عليه السّلام) على رواحلهم ، وهم : عمرو بن خالد الصيداوي ، ومجمع العائذي ، وابنه عبد الله ، وجنادة بن الحارث السّلماني ، ويجنبون فرساً لنافع بن هلال الجملي يقال له : الكامل ، قد اُرسل معهم . وقيل : أنّ نافعاً كان معهم ومعه فرسه ، ومعهم موليان لعمرو ، والحارث ، ودليل يقال له الطرمّاح بن عدي كان قد جاء إلى الكوفة يمتار لأهله طعاماً فسار بهم على غير الجادّة ، فأراد الحُرّ أنْ يعارضهم ، فمنعه الحسين (عليه السّلام) من ذلك ، وقال لهم الحسين (عليه السّلام) : (( هل لكم علم برسولي قيس بن مسهّر ؟ )) . قالوا : نعم ، قتله ابن زياد . فترقرقت عينا الحسين (عليه السّلام) ولم يملك دمعته ، ثمّ قال : (( مِنْهُم مّن قَضَى‏ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدّلُوا تَبْدِيلاً(1) .

______________________

(1) سورة الأحزاب / 23 .  


الصفحة ( 77 )

اللهمَّ ، اجعل لنا ولهم الجنّة نُزلاً ، واجمع بيننا وبينهم في مستقرّ من رحمتك ، ورغائب مذخور ثوابك )) . وقال الحسين (عليه السّلام) لأصحابه : (( هل فيكم أحد يعرف الطريق على غير الجادّة ؟ )) . فقال الطرمّاح : نعم يابن رسول الله ، أنا أخبر الطريق . قال (عليه السّلام) : (( سر بين أيدينا )) . فسار الطرمّاح أمامهم ، وجعل يرتجز ويقول(1) :

يا ناقَتِي لا تَذعَريْ منْ زجْري   وامضِي بنا قبلَ طُلوعِ الفجْرِ
بـخيرِ فـتيانٍ وخـيرِ سَفْرِ   آلِ رســولِ الله آلِ الـفخْرِ
الـسَّادةِ البيضِ الوجوهِ الزُّهرِ   الـطَّاعنينَ بـالرّماحِ السُّمْرِ
الـضَّاربينَ بـالسُّيوفِ البُترِ   حتّى تـحلِّي بـكريمِ النَّجْرِ
الـماجدِ الجدِّ الرحيبِ الصَّدرِ   أصـابـهُ اللهُ بـخـيرِ أمْـرِ
عـمَّـرهُ اللهُ بـقاءَ الـدَّهرِ   يـا مـالكَ النَّفعِ معاً والضُّرِّ
أيـِّدْ حـُسيناً سيّدي بالنَّصرِ   عـلى الـطُّغاةِ من بقايا الكفْرِ

ولم يزل الحسين (عليه السّلام) سائراً حتّى انتهى إلى قصر بني مقاتل فنزل به ، ثمّ

______________________

(1) في بعض الروايات : إنّه لمّا قارب الحسين (عليه السّلام) مع أصحابه الأربعة جعل يحدو بهم ويقول :

يا ناقَتي لا تَذعَري منْ زَجْري   وشـمِّري قـبلَ طُلوعِ الفجْرِ
بـخيرِ رُكـبانٍ وخـيرِ سَفْرِ   حتّى تـحلِّي بـكريمِ النَّجْرِ
الـماجدِ الحُرِّ الرّحيبِ الصَّدرِ   أتـى بـه اللهُ لـخيرِ أمـرِ

ثـَمَّـةَ أبـقاهُ بـقاءَالـدَّهرِ

وقوله : ( حتّى تحلِّي بكريم النَّجْرِ ) يدلّ على أنّه قالها قبل ملاقاة الحسين (عليه السّلام) ، فيمكن أنْ يكون أعادها ثانياً ، أو أعاد بعضها وزاد عليها ، ووقع اشتباه من الرواة فيها . ويمكن أنْ يكون قد زيد فيها من غيره ، والله أعلم .   ـ المؤلّف ـ


الصفحة ( 78 )

ارتحل منه ليلاً .

قال عقبة بن سمعان : فخفق (عليه السّلام) وهو على ظهر فرسه خفقة ، ثمّ انتبه وهو يقول : (( إنّا لله وإنّا إليه راجعون ، والحمد لله رب العالمين )) . ففعل ذلك مرتين أو ثلاثاً . فأقبل إليه ابنه علي الأكبر (عليهما السّلام) فقال : يا أبة ، جُعلت فداك ! مِمَّ حمدت واسترجعت ؟ قال (عليه السّلام) : (( يا بُني ، إنّي خفقت خفقة فعنّ لي فارس على فرس وهو يقول : القوم يسيرون والمنايا تسير إليهم . فعلمتُ أنّها أنفسنا نُعيت إلينا )) . فقال له : يا أبة ، لا أراك الله سوأً ، ألسنا على الحقّ ؟ قال (عليه السّلام) : (( بلى ، والذي إليه مرجع العباد )) . قال : إذاً لا نُبالي أنْ نموت محقّين . فقال له الحسين (عليه السّلام) : (( جزاك الله من ولد خير ما جزى ولداً عن والده )) .

أفدي القـرومَ الاُولَى سارتْ ركائبُهُمْ   والموتُ خلفَهُمُ يسري على الأثرِ

سلْ كرْبلا كَمْ حَوتْ منهُمْ بدورَ دُجىً   كـأنـّهـا فَلَكٌ للأنْجُـمِ الزُّهـرِ

المجلس الثاني والأربعون

لمّا كان الحُرّ يساير الحسين (عليه السّلام) ، لم يزل يسايره حتّى انتهوا إلى نينوى ، فجاء كتاب عبيد الله بن زياد إلى الحُرّ : أمّا بعد ، فجعجع بالحسين ( أي : ضيّق عليه ) ولا تنزله إلاّ بالعراء في غير حصن وعلى غير ماء . فمنعهم الحُرّ وأصحابه من المسير ، وأخذهم بالنّزول في ذلك المكان على غير ماء ولا قرية . فقال الحسين (عليه السّلام) : (( ألمْ تأمرْنا بالعدول عن الطريق ؟ )) . قال : بلى ، ولكن كتاب الأمير عبيد الله قد وصل يأمرني فيه بالتضييق عليك ، وقد جعل عليّ عيناً يطالبني بذلك . فقال له الحسين (عليه السّلام) : (( دعنا ـ ويحك ـ ننزل في هذه القرية أو هذه )) : يعني نينوى والغاضرية . فقال : لا أستطيع ، هذا رجل قد بعث عليّ عيناً . فقال زهير بن القَين للحسين (عليه السّلام) : إنّي والله ، لا أرى أنْ يكون بعد الذي ترون إلاّ أشدّ ممّا ترون يابن رسول الله . إنّ قتال هؤلاء السّاعة أهون علينا من قتال مَن يأتينا بعدهم ، فلعمري ليأتينا من


الصفحة ( 79 )

بعدهم ما لا قِبَل لنا به . فقال الحسين (عليه السّلام) : (( ما كنتُ لأبدأهم بالقتال )) . فقال له زهير : فسرْ بنا يابن رسول الله حتّى ننزل كربلاء ، فإنّها على شاطئ الفرات فنكون هناك ؛ فإنْ قاتلونا قاتلناهم واستعنّا الله عليهم .

قال : فدمعت عينا الحسين (عليه السّلام) ، ثمّ قال : (( اللهمَّ ، إنّي أعوذ بك من الكرب والبلاء )) . ثم قام الحسين (عليه السّلام) خطيباً في أصحابه ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثمّ قال : (( إنّه قد نزل بنا من الأمر ما قد ترون ، وأنّ الدّنيا تغيّرت وتنكّرت وأدبر معروفها ، واستمرّت حذّاءَ(1) ولم يبقَ منها إلاّ صُبابة كصبابة الإناء ، وخسيس عيش كالمرعى الوبيل . ألا ترون إلى الحقّ لا يُعمل به ، وإلى الباطل لا يُتناهى عنه ؟! ليرغب المؤمن في لقاء ربّه مُحقّاً ؛ فإنّي لا أرى الموت إلاّ سعادة والحياة مع الظالمين إلاّ برما )) .

فقام زهير بن القَين فقال : قد سمعنا ـ هداك الله يابن رسول الله ـ مقالتك ، ولو كانت الدّنيا لنا باقية ، وكنّا فيها مخلّدين ، لآثرنا النّهوض معك على الإقامة فيها . ووثب نافع بن الهلال الجملي ، فقال : مَن نكث عهده وخلع بيعته فلنْ يضرّ إلاّ نفسه ، والله مغنٍ عنه . فسر بنا راشداً معافىً ، مشرّقاً إنْ شئتَ وإنْ شئتَ مغرّباً ، فوالله ، ما أشفقنا من قَدر الله ، ولا كرهنا لقاء ربّنا ، وإنّا على نيّاتنا وبصائرنا نوالي مَن والاك ونعادي من عاداك . وقام برير بن خضير ، فقال : والله ، يابن رسول الله ، لقد مَنّ الله بك علينا ؛ أنْ نُقاتل بين يديك وتُقطّع فيك أعضاؤنا ، ثمّ يكون جدّك شفيعنا يوم القيامة .

ثم إنّ الحسين (عليه السّلام) قام وركب ، وكلمّا أراد المسير ، يمنعونه تارة ويسايرونه اُخرى حتّى بلغ كربلاء في اليوم الثاني من المحرّم ، فلمّا وصلها ، قال : (( ما اسم هذه الأرض ؟ )) . فقيل : كربلاء . فقال : (( اللهمَّ ، إنّي أعوذ بك من الكرب والبلاء )) . ثمّ أقبل على أصحابه

______________________

(1) الحذّاء ، بالحاء المهملة والذال المعجمة المشدّدة : النّاقة الخفيفة الذنب ، أو السّريعة الخفيفة ، أو السّريعة الماضية التي لا يتعلّق بها شيء ، أو الرحم التي لمْ تُوصل . فمعنى استمرّت حذّاء : أي لم يبقَ منها إلاّ مثل ذنب الأحذ ، أو حذّاء : سريعة الإدبار ، أو سريعة خفيفة ، أو قد انقطع آخرها كالرحم المقطوعة .  ـ المؤلّف ـ


الصفحة ( 80 )

فقال : (( النّاس عبيد الدّنيا ، والدين لعق على ألسنتهم يحوطونه ما درّت معايشهم ، فإذا مُحّصوا بالبلاء ، قلّ الديّانون )) . ثمّ قال : (( أهذه كربلاء ؟ )) . قالوا : نعم ، يابن رسول الله . فقال : (( هذا موضع كرب وبلاء . انزلوا ، هاهنا مناخ ركابنا ، ومحطّ رحالنا ، ومقتل رجالنا ، ومسفك دمائنا )) . فنزلوا جميعاً ، ونزل الحُرّ وأصحابه ناحية .

ثم إنّ الحسين (عليه السّلام) جمع ولده وإخوته وأهل بيته ، فنظر إليهم ساعة ثمّ قال : (( اللهمَّ ، إنّا عترة نبيّك محمّد (صلّى الله عليه وآله) ، وقد اُزعجنا وطُردنا واُخرجنا عن حرم جدّنا ، وتعدت بنو اُميّة علينا . اللهمَّ ، فخُذ لنا بحقّنا وانصرنا على القوم الظالمين )) .

هي كربلاءُ فقفْ على عرَصاتِها   ودَعْ الـجفونَ تسحُّ في عَبراتِها
سـلْها بأيِّ قِرىً تعاجلتْ الاُولَى   نـزلُوا ضُـيوفاً عند قفرِ فلاتِها
مـا بـالُها لمْ تَروِهمْ من مائِها   حتّى تـروَّتْ منْ دِما رَقَباتِها

المجلس الثالث والأربعون

لمّا نزل الحسين بأرض كربلاء ، دعا جوناً مولى أبي ذر الغفاري ، فجعل جون يصلح له سيفه استعداداً للحرب ، والحسين (عليه السّلام) يقول(1) :

يا دهرُ اُفٍّ لك منْ خليلِ   كمْ لك بالإشراقِ والأصيلِ

مِن طالبٍ وصاحبٍ قتيلِ   والدَّهـرُ لا يقـنعُ بالبديلِ

______________________

(1) في بعض الروايات : أنّ الحسين (عليه السّلام) جلس يصلح سيفه ويقول هذه الأبيات ، وفي رواية اُخرى : أنّ المُصلح للسيف هو جون ، وهو الأقرب إلى الاعتبار ؛ فإنّ موالي الحسين (عليه السّلام) وخدمه لم يكونوا ليدعوه يصلح سيفه ويعالجه بيده وهم ينظرون ، والرواية الاُولى اشتباه من قول الراوي : وعنده جون وهو يصلح سيفه ؛ فلذاك اعتمدنا على الرواية الثانية .   ـ المؤلّف ـ


الصفحة ( 81 )

وكلُّ حيٍّ سالكٌ سبيلي   ما أقربَ الوعدَ من الرحيلِ

وإنَّما الأمرُ إلى الجليلِ

فسمعت اُخته زينب بنت فاطمة (عليهما السّلام) ذلك ، فقالت : يا أخي ، هذا كلام مَن أيقن بالقتل ! فقال (عليه السّلام) : (( نعم يا اُختاه )) . فقالت زينب : وآ ثكلاه ! ينعى الحسين إليَّ نفسه ! وبكت النّسوة ، وجعلت اُمّ كلثوم تنادي : وآ محمّداه ! وآ عليّاه ! وآ اُمّاه ! وآ أخاه ! وآ حسيناه ! وآضيعتنا بعدك يا أبا عبد الله ! فعزّاها الحسين (عليه السّلام) ، ثمّ قال : (( يا اُختاه يا اُمّ كلثوم ، وأنت يا زينب ، وأنت يا فاطمة ، وأنت يا رباب ، انظرن إذا أنا قُتلت ، فلا تشققن عليّ جيباً ، ولا تخمشن عليّ وجهاً ، ولا تقلن هجراً )) .

وفي رواية عن زين العابدين (عليه السّلام) : أنّ الحسين (عليه السّلام) قال هذه الأبيات عشيّة اليوم التاسع من المحرّم .

قال علي بن الحسين (عليهما السّلام) : (( إنّي جالس في تلك الليلة التي قُتل أبي في صبيحتها ، وعندي عمّتي زينب تمرّضني ، إذ اعتزل أبي في خباء له وعنده جون مولى أبي ذر الغفاري ، وهو يعالج سيفه ويصلحه ، وأبي ينشد تلك الأبيات ، فأعادها مرّتين أو ثلاثاً حتّى فهمتها وعرفت ما أراد ، فخنقتني العبرة فرددتها ولزمت السكوت ، وعلمت أنّ البلاء قد نزل . وأمّا عمّتي ، فإنّها لمّا سمعتْ ما سمعتُ ـ وهي امرأة ، ومن شأن النّساء الرقّة والجزع ـ لم تملك نفسها أنْ وثبتْ تجرّ ثوبها حتّى انتهت إليه ، و نادت : وآ ثكلاه ! ليت الموت أعدمني الحياة ، اليوم ماتت اُمّي فاطمة وأبي علي وأخي الحسن ، يا خليفة الماضي وثمال الباقي ! فنظر إليها الحسين (عليه السّلام) ، وقال : يا اُخيّه ، لا يذهبنّ حلمك الشيطان . فقالت : بأبي واُمّي ! أتستقل ؟! نفسي لك الفداء . فردت عليه غصّته ، وترقرقت عيناه بالدموع ، ثمّ قال : لو تُرك القطا ليلاً لنام . فقالت : يا ويلتاه ! أفتغتصب نفسك اغتصاباً ، فذلك أقرح لقلبي وأشدّ على نفسي ؟! وخرّت مغشيّة عليها ، فقام إليها الحسين (عليه السّلام) فصبّ على وجهها الماء حتّى أفاقت ، فقال لها الحسين (عليه السلام) : يا اُختاه ، تعزَّي بعزاء الله ؛ فإنّ سكّان السّماوات يفنون ، وأهل الأرض كلّهم يموتون ، وجميع البريّة يهلكون ، وكلّ شيء هالكٌ إلاّ وجهه الذي خلق بقدرته ، ويبعث


الصفحة ( 82 )

الخلق ويعيدهم وهو فرد وحده . جدّي خيرٌ منّي ، وأبي خيرٌ منّي ، واُمّي خيرٌ منّي ، وأخي خيرٌ منّي ، و لي ولكلّ مسلم برسول الله (صلّى الله عليه وآله) اُسوة . ثمّ قال لها : يا اُختاه ، إنّي أقسمت عليك فأبرّي قسمي ، لا تشقّي عليّ جيباً ، ولا تخمشي عليّ وجهاً ، ولا تدعي عليّ بالويل والثبور إذا أنا هلكت )) .

اُخـتُ يـا زينبُ اُوْ   صيكِ وصايَا فاسمعي
إنّـنيْ فـي هذهِ الْـ   أرضِ مُلاقٍ مصرعي
فانظُمي حالَ اليتامَى   بـعد فقْدي واجمَعي
واصْبري فالصَّبرُ منْ   خـِيمِ كـرامِ المَنزعِ
كــلُّ حـيٍّ سـيُنَحْـ   ـحِيـهِ عن الأحياءِ حَينْ
واجمَعي شملَ اليتامَى   بـعدَ فـَقدي وانظُمِي
أطْعمِي مَن جاعَ منهُمْ   ثمّ روِّي مَـن ظَمِي
واعـلَمِي أنـِّيَ فـيْ   حـفظِهمُ طُـلَّ دمِي
لـيـتَـني بـيـنهُمُ   كالأنفِ بين الحاجبَينْ

المجلس الرابع والأربعون

لمّا بلغ عبيد الله بن زياد نزول الحسين (عليه السّلام) بكربلاء ، ندب عمر بن سعد بن أبي وقّاص لقتاله ، وكان قد ولاّه الرَّي ، فاستعفاه من قتال الحسين (عليه السّلام) ، فقال : نعم ، على أنْ تردَّ علينا عهدنا بولاية الرَّي . فشاور عمر نُصحاءه فنهوه عن ذلك ، فلمْ يقبل واختار الدّنيا على الآخرة .

وسار ابن سعد لقتال الحسين (عليه السّلام) ومعه أربعة آلاف ، وما زال ابن زياد يمدّه بالعساكر حتّى تكمّل عنده عشرون ألف فارس لستِّ ليال خلون من المحرّم ، وأتبعه ببقيّة العسكر فكمُل عنده ثلاثون ألفاً ، وأرسل ابن سعد إلى الحسين (عليه السّلام) رسولاً يسأله ما الذي جاء به ، فقال


الصفحة ( 83 )

له الحسين (عليه السّلام) : (( كتب إليّ أهل مصركم هذا أنْ اقدم ، فأمّا إذا كرهتموني ، فإنّي أنصرف عنكم )) . فانصرف إلى ابن سعد فأخبره ، فقال : أرجو أنْ يعافيني الله من أمره . وكتب إلى ابن زياد بذلك ، فلمّا قرأ الكتاب قال :

الآنَ إذْ عَلَقتْ مخالبُنا بهِ   يرجُو النَّجاةَ ولاتَ حينَ مناصِ

ثم كتب إلى ابن سعد : أنْ أعرض على الحسين أنْ يبايع ليزيد هو وجميع أصحابه ، فإذا هو فعل ذلك رأينا رأْينا . فقال ابن سعد : قد خشيتُ أنْ لا يقبل ابن زياد العافية .

وورد كتاب ابن زياد في الأثر إلى ابن سعد : أنْ حِل بين الحسين وأصحابه وبين الماء ، فلا يذوقوا منه قطرة كما صُنع بالتقي الزكي عثمان بن عفّان . فبعث عمر في الوقت عمرو بن الحجّاج الزبيدي في خمسمئة فارس فنزلوا على الشريعة ، وحالوا بين الحسين (عليه السّلام) وأصحابه وبين الماء ، فمنعوهم أنْ يستقوا منه قطرة ، وذلك قبل قتل الحسين (عليه السّلام) بثلاثة أيام .

وجاء تميم بن الحُصين الفزاري ، فنادى : يا حسين ، ويا أصحاب الحسين ، أما ترون ماء الفرات يلوح كأنّه بطون الحيّات ؟ والله ، لا ذقتم منه قطرة حتّى تذوقوا الموت جرعاً .

منعـُوهُ مـنْ مـاءِ الفـُراتِ ووردِهِ   وأبوهُ ساقِي الحوْضِ يومَ جزاءِ

حتّى قضَى عَطشاً كما اشتَهتْ العِدى   بأكـفِّ لا صِيـدٍ ولا أكـفاءِ

المجلس الخامس والأربعون

لمّا ضيّق القوم على الحسين (عليه السّلام) حتّى نال منه العطش ومن أصحابه ، قال له برير بن خضير الهمداني : يابن رسول الله ، أتأذن لي أنْ أخرج إلى القوم ؟ فأذن له فخرج إليهم ، فقال : يا معشر النّاس ، إنّ الله عزّ وجلّ بعث محمّداً بالحقّ بشيراً ونذيراً ، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً ، وهذا ماء الفرات تقع فيه خنازير السّواد وكلابه ، وقد حيل بينه وبين ابنه . فقالوا : يا برير ، قد أكثرت الكلام فاكفف ، والله ،


الصفحة ( 84 )

ليعطش الحسين كما عطش مَن كان قبله . فقال الحسين (عليه السّلام) : (( اقعد يا برير )) . ثمّ وثب الحسين (عليه السّلام) متوكّئاً على قائم سيفه ، ونادى بأعلى صوته فقال : (( اُنشدكم الله ، هل تعرفونني ؟ )) . قالوا : نعم ، أنت ابن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وسبطه . قال : (( اُنشدكم الله ، هل تعلمون أنّ جدّي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ؟ )) . قالوا : اللهمَّ نعم . قال : (( اُنشدكم الله ، هل تعلمون أنّ اُمّي فاطمة بنت محمّد (صلّى الله عليه وآله) ؟ )) . قالوا : اللهمَّ نعم . قال : (( اُنشدكم الله ، هل تعلمون أنّ أبي علي بن أبي طالب (عليه السّلام) ؟ )) . قالوا : اللهمَّ نعم . قال : (( اُنشدكم الله ، هل تعلمون أنّ جدّتي خديجة بنت خويلد أول نساء هذه الاُمّة إسلاماً ؟ )) . قالوا : اللهمَّ نعم . قال : (( اُنشدكم الله ، هل تعلمون أنّ سيّد الشهداء حمزة عمّ أبي ؟ )) . قالوا : اللهمَّ نعم . قال : (( اُنشدكم الله ، هل تعلمون أنّ الطيّار في الجنّة عمّي ؟ )) . قالوا : اللهمَّ نعم . قال : (( فاُنشدكم الله ، هل تعلمون أنّ هذا سيف رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنا متقلّده ؟ )) . قالوا : اللهمَّ نعم . قال : (( اُنشدكم الله ، هل تعلمون أنّ هذه عمامة رسول الله أنا لابسها ؟ )) . قالوا : اللهمَّ نعم . قال : (( اُنشدكم الله ، هل تعلمون أنّ عليّاً أول القوم إسلاماً وأعلمهم علماً وأعظمهم حلماً ، وأنّه وليّ كلّ مؤمن ومؤمنة ؟ )) . قالوا : اللهمَّ نعم . قال : (( فبِمَ تستحلّون دمي وأبي الذائد عن الحوض ، يذود عنه رجالاً كما يُذاد البعير الصاد(1) عن الماء ، ولواء الحمد في يد أبي

______________________

(1) قال الزمخشري في الفائق : قال النبي (صلّى الله عليه وآله) لعلي (عليه السّلام) : (( أنت الذائد عن حوضي يوم القيامة ، تذود عنه الرجال كما يُذاد البعير الصاد )) .

الصاد ( بلفظ حرف الهجاء ) : أصله الصَّيد ( بكسر الياء ) فقُلبت ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها : وهو الذي به داء الصَّيد ، وهو داءٌ يأخذ في رأس البعير لا يقدر منه أنْ يلوي عُنقه وبه شُبّه المتكبّر ، فقيل : أصيد ـ كذا يُفهَم من الفائق ـ . قال : ويجوز أنْ يروى بكسر الدال ويكون فاعلاً من الصدى ، وهو العطش ـ اهـ ـ .

وفيه : أنّ الصَّادي لا يُذاد عن الماء عادة بل يُسقى ، وفي القاموس : الصاد والصَّيد ( بالكسر ويحرّك ) : داء يصيب الإبل فتسيل اُنوفها فتسمو برأسها . وبعير صاد : أي ذو صاد ، والصَّاد : عرق بين عينَي البعير ومنه يصيبه الصَّيد ـ اهـ ـ وإنّما يُذاد لئلاّ يعدي غيره ، أو لأنّ الماء يضرّه . وبعض يقولها : الصادر ، وهو خطأ مخالف للرواية مع أنّ الصادر لا يحتاج إلى الذياد .   ـ المؤلّف ـ


الصفحة ( 85 )

يوم القيامة ؟! )) . قالوا : علمنا ذلك كلّه ، ونحن غير تاركيك حتّى تذوق الموت عطشاً .

فلمّا خطب هذه الخطبة وسمعت بناته واُخته زينب كلامه ، بكين وارتفعت أصواتهن ، فوجّه إليهنّ أخاه العبّاس وعليّاً ابنه ، وقال لهما : (( سكّتاهن ، فلعمري ليكثرن بكاؤهن )) .

يرى الفُراتَ ولا يحْظَى بموردِهِ   ليتَ الفراتَ غدا منْ بعدهِ يَبسَا

تحوطُهُ من بني عدنانَ أغلمةٌ   بيضُ الوجوهِ كرامٌ سادةٌ رُؤسا

المجلس السّادس والأربعون

لمّا رأى الحسين (عليه السّلام) نزول العسكر مع عمر بن سعد بنينوى ومددهم لقتاله ، أنفذ إلى عمر بن سعد : (( إنّي اُريد أنْ ألقاك ليلاً )) . فاجتمعا ليلاً بين العسكرين وتناجيا طويلاً ، ثمّ كتب عمر إلى ابن زياد : أمّا بعد ، فإنّ الله تعالى قد أطفأ النائرة وجمع الكلمة وأصلح أمر الاُمّة ؛ هذا الحسين قد أعطاني أنْ يرجع إلى المكان الذي منه أتى ، أو أنْ يسير إلى ثغر من الثغور فيكون رجلاً من المسلمين ، له ما لهم وعليه ما عليهم ، أو أنْ يأتي أمير المؤمنين يزيد فيضع يده في يده فيرى فيما بينه وبينه رأيه ، وفي هذا لك رضىً وللاُمّة صلاح .

وعن عقبة بن سمعان أنّه قال : والله ، ما أعطاهم الحسين (عليه السّلام) أنْ يضع يده في يد يزيد ، ولا أنْ يسير إلى ثغر من الثغور ، ولكنّه قال : (( دعوني أرجع إلى المكان الذي أقبلت منه ، أو أذهب في هذه الأرض العريضة )) .

فلمّا قرأ ابن زياد الكتاب ، قال : هذا كتاب ناصح لأميره ، مشفق على قومه . فقام شمر(1) بن ذي الجوشن وقال : أتقبل هذا منه وقد نزل بأرضك وإلى جنبك ؟! والله ، لئن رحل من بلادك ولم يضع يده في

______________________

(1) شَمِرْ كـ ( كَتِفْ ) ، والعامّة تلفظ بالكسر فالسكون ، والظاهر أنّه غلط .   ـ المؤلّف ـ


الصفحة ( 86 )

يدك ، ليكوننّ أولى بالقوّة والعزّة ولتكوننّ أولى بالضعف والعجز ، ولكن لينزل على حُكمك هو وأصحابه ، فإنْ عاقبت فأنت أولى بالعقوبة ، وإنْ عفوت كان ذلك لك . فقال له ابن زياد : نِعم ما رأيت ! الرأي رأيك ، اخرج بهذا الكتاب إلى عمر بن سعد فليعرض على الحسين وأصحابه النّزول على حكمي ، فإذا فعلوا فليبعث بهم إليّ سلماً ، وإنْ أبوا فليقاتلهم ، فإنْ فعل فاسمع له وأطع ، وإنْ أبى فأنت أمير الجيش ، فاضرب عنقه وابعث إليّ برأسه .

وكتب إلى ابن سعد : إنّي لم أبعثك إلى الحسين لتكفّ عنه ، ولا لتطاوله ، ولا لتمنّيه السّلامة والبقاء ، ولا لتعتذر عنه ، ولا لتكون له عندي شافعاً ، انظر فإنْ نزل الحسين وأصحابه على حُكمي واستسلموا فابعث بهم إليّ سِلماً ، وإنْ أبوا فازحف إليهم حتّى تقتلهم وتُمثّل بهم ؛ فإنّهم لذلك مُستحقّون . فإنْ قتلت الحسين فأوطئ بالخيل صدره وظهره ؛ فإنّه عاقّ شاقّ ظلوم ، ولستُ أرى أنّ هذا يضرّ بعد الموت شيئاً ، ولكن عليّ قولٌ قد قلتُه : لو قد قتلتُه لفعلتُ هذا به . فإنْ أنت مضيت لأمرنا جزيناك جزاء السّامع المطيع ، وإنْ أبيت فاعتزل عملنا وجُندنا ، وخلّ بين شمر بن ذي الجوشن وبين العسكر ، فإنّا قد أمّرناه بأمرنا ، والسّلام .

فلمّا قرأ ابن سعد الكتاب ، قال له : ما لك ويلك ! لا قرّب الله دارك ، وقبّح الله ما قدمت به عليّ . والله ، إنّي لأظنّك أنت الذي نهيته أنْ يقبل ما كتبتُ به إليه ، وأفسدت علينا أمراً كنّا قد رجونا أنْ يصلح . لا يستسلم والله ، حسين ؛ إنّ نفس أبيه لَبين جنبيه . فقال له شمر : أخبرني بما أنت صانع ، أتمضي لأمر أميرك وتُقاتل عدوّه ، وإلاّ فخلّ بيني وبين الجند والعسكر ؟ قال : لا ، ولا كرامة لك ، ولكن أنا أتولّى ذلك دونك ، فكُنْ أنت على الرجّالة .

سامَوهُ أنْ يـردَ الهوانَ أو المنيـْ  ـيَة والمسوَّدُ لا يكون مَسودَا

فانصاعَ لا يعْـبَأ بهمْ عن عدّةٍ   كـثُرتْ عليه ولا يخافُ عديدَا

* * *


الصفحة ( 87 )

المجلس السّابع والأربعون

لمّا كان اليوم التاسع من المحرّم ، جاء شمر حتّى وقف على أصحاب الحسين (عليه السّلام) فقال : أين بنو اُختنا ؟ يعني العبّاس وجعفر وعبد الله وعثمان أبناء علي (عليه السّلام) . فقال الحسين (عليه السّلام) : (( أجيبوه وإنْ كان فاسقاً ؛ فإنّه بعضُ أخوالكم )) : وذلك إنّ اُمّهم كانت من عشيرته . فقالوا له : ما تريد ؟ فقال لهم : أنتم يا بني اُختي آمنون ، فلا تقتلوا أنفسكم مع أخيكم الحسين ، والزموا طاعة يزيد . فقالوا له : لعنك الله ولعن أمانك ، أتؤمننا وابن رسول الله لا أمان له ؟!

وفي رواية : فناداه العبّاس بن أمير المؤمنين (عليهما السّلام) : تبّت يداك ولُعن ما جئتنا به من أمانك يا عدوّ الله ، أتأمرنا أنْ نترك أخانا وسيّدنا الحسين بن فاطمة ، وندخل في طاعة اللعناء وأولاد اللعناء ؟! فرجع شمر إلى عسكره مغضباً .

ثم نادى عمر بن سعد : يا خيل الله اركبي وبالجنّة أبشري . فركب النّاس خيولهم ، ثمّ زحف نحوهم بعد العصر ، والحسين (عليه السّلام) جالس أمام بيته محتب بسيفه إذ خفق برأسه على ركبته ، فسمعت اُخته زينب الضجّة ، فدنت من أخيها ، فقالت : يا أخي ، أما تسمع هذه الأصوات قد اقتربت ؟ فرفع الحسين (عليه السّلام) رأسه ، فقال : (( إنّي رأيت السّاعة جدّي محمّداً وأبي علياً واُمّي فاطمة وأخي الحسن ، وهم يقولون : يا حسين إنّك رائح إلينا عن قريب )) .

وقال له العبّاس : يا أخي ، أتاك القوم . فنهض ثمّ قال (عليه السّلام) : (( يا عبّاس ، اركب بنفسك أنت حتّى تلقاهم وتقول لهم : ما بالكم ؟ وما بدا لكم ؟ )) . فأتاهم في نحو عشرين فارساً فيهم زهير بن القَين وحبيب بن مظاهر ، فسألهم فقالوا : قد جاء أمر الأمير أنْ نعرض عليكم أنْ تنزلوا على حكمه أو نناجزكم . قال : فلا تعجلوا حتّى أرجع إلى أبي عبد الله فأعرض عليه ما ذكرتم . فلمّا أخبره العبّاس بقولهم ، قال له : (( ارجع إليهم ، فإنْ استطعت أنْ تؤخّرهم إلى غدوة وتدفعهم عنّا العشيّة لعلّنا نصلّي لربّنا الليلة وندعوه ونستغفره ؛ فهو يعلم أنّي كنت اُحبّ الصّلاة له ، وتلاوة كتابه ، وكثرة


الصفحة ( 88 )

الدعاء والإستغفار )) . فسألهم العبّاس ذلك ، فتوقّف ابن سعد ، فقال له عمر بن الحجّاج الزبيدي : سبحان الله ! والله ، لو أنّهم من التُرك أو الدّيلم وسألونا مثل ذلك لأجبناهم ، فكيف وهم آل محمّد ! فأجابوهم لذلك .

وفتيةٍ منْ رجالِ اللهِ قدْ صَبَروا   على الجلادِ وعانَوا كلَّ محذورِ

حتّى تـراءتْ لهُمْ عدنٌ بزينتِها   مآتماً كُـنَّ عُرْسَ الخُرَّدِ الحُورِ

المجلس الثامن والأربعون

لمّا كانت ليلة العاشر من المحرّم ، جمع الحسين أصحابه عند قرب المساء ، قال علي بن الحسين (عليهما السّلام) : (( فدنوت منه لأسمع ما يقول لهم ـ وأنا إذ ذاك مريض ـ فسمعت أبي يقول لأصحابه : أثني على الله أحسن الثناء ، وأحمده على السرّاء والضرّاء . اللهمَّ ، إنّي أحمدك على أنْ أكرمتنا بالنبوّة ، وعلّمتنا القرآن ، وفقّهتنا في الدّين ، وجعلت لنا أسماعاً وأبصاراً وأفئدة ، فاجعلنا لك من الشاكرين . أمّا بعد ، فإنّي لا أعلم أصحاباً أوفى ولا خيراً من أصحابي ، ولا أهل بيت أبرّ ولا أوصل من أهل بيتي ، فجزاكم الله عنّي خيراً ، ألا وإنّي لأظنّ يوماً لنا من هؤلاء القوم ، ألا وإنّي قد أذنتُ لكم فانطلقوا جميعاً في حلّ ليس عليكم منّي ذمام ، وهذا الليل قد غشيكم فاتّخذوه جملاً ، وليأخذ كلّ واحدٍ منكم بيد رجلٍ من أهل بيتي وتفرّقوا في سواد هذا الليل ، وذروني وهؤلاء القوم ؛ فإنّهم لا يريدون غيري )) .

فقال له إخوته وأبناؤه وبنو أخيه وأبناء عبد الله بن جعفر : ولِم نفعل ذلك ؟! لنبقى بعدك ! لا أرانا الله ذلك أبداً . بدأهم بهذا القول العبّاس بن أمير المؤمنين وأتبعه الجماعة عليه فتكلّموا بمثله ونحوه .

ثم نظر إلى بني عقيل ، فقال : (( حسبُكم من القتل بصاحبكم مسلم ، اذهبوا فقد أذنتُ لكم )) . قالوا : سبحان الله ! فما يقول النّاس لنا وماذا نقول لهم ؟! إنّا تركنا شيخنا وسيّدنا وبني عمومتنا خير الأعمام ، ولمْ نرمِ معهم بسهم ، ولمْ نطعن


الصفحة ( 89 )

معهم برُمح ، ولمْ نضرب معهم بسيف ، ولا ندري ما صنعوا ! لا والله ، ما نفعل ، ولكنّا نفديك بأنفسنا وأموالنا وأهلينا ، ونُقاتل معك حتّى نرد موردك ، فقبّح الله العيش بعدك .

وقام إليه مسلم بن عوسجة الأسدي ، فقال : أنحن نخلّي عنك وقد أحاط بك هذا العدوّ ؟! وبِم نعتذر إلى الله في أداء حقّك ؟! لا والله ، لا يراني الله أبداً وأنا أفعل ذلك حتّى أكسر في صدورهم رمحي ، واُضاربهم بسيفي ما ثبت قائمه بيدي ، ولو لمْ يكن معي سلاح اُقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة ، ولمْ اُفارقك أو أموت معك . وقام سعيد بن عبد الله الحنفي ، فقال : لا والله يابن رسول الله ، لا نخلّيك أبداً حتّى يعلم الله أنّا حفظنا فيك وصيّة رسوله محمّد (صلّى الله عليه وآله) . والله ، لو علمت أنّي اُقتل فيك ثمّ اُحيا ، ثمّ اُحرق حيّاً ثمّ اُذرّى ، يُفعل فيَّ ذلك سبعين مرّة ، ما فارقتك حتّى ألقى حمامي دونك ، وكيف لا أفعل ذلك وإنّما هي قتلة واحدة ، ثمّ أنال الكرامة التي لا انقضاء لها أبداً ؟! وقام زهير بن القَين ، وقال : والله يابن رسول الله ، لوددت أنّي قُتلت ثمّ نُشرت ألف مرّة وأنّ الله تعالى يدفع بذلك القتل عن نفسك ، وعن أنفس هولاء الفتيان من إخوانك وولدك وأهل بيتك . وتكلّم جماعة أصحابه بكلام يشبه بعضه بعضاً ، وقالوا : أنفسنا لك الفداء ! نقيك بأيدينا ووجوهنا ، فإذا نحن قُتلنا بين يديك ، نكون قد وفّينا لربّنا وقضينا ما علينا .

ووصل خبر إلى محمّد بن بشير الحضرمي في تلك الحال بأنّ ابنه قد اُسر بثغر الرّي ، فقال : عند الله أحتسبه ونفسي ، ما كنتُ اُحبّ أنْ يُؤسر وأبقى بعده . فسمع الحسين (عليه السّلام) قوله ، فقال : (( رحمك الله ، أنت في حلّ من بيعتي ، فاعمل في فكاك ابنك )) . فقال : أكلتني السّباع حيّاً إنْ فارقتك . قال : (( فأعطِ ابنك هذا هذه الأثواب البُرود يستعين بها في فداء أخيه )) . فأعطاه خمسة أثواب بُرود قيمتها ألف دينار ، فحملها مع ولده .

أبتْ الحميّةُ أنْ تُفارقَ أهلَهَا   وأبَى العزيزُ بأنْ يعيشَ ذليلا

وأقام الحسين (عليه السّلام) وأصحابه الليل كلّه وهم يصلّون ويستغفرون ، ويدعون ويتضرّعون ، وباتوا ولهم دويّ كدويّ النّحل ما بين راكع وساجد ، وقائم وقاعد .


الصفحة ( 90 )

سمـةُ العبيدِ من الخشوعِ عليهمُ   لله إنْ ضمّـتْهُمُ الأسحارُ

فإذا ترجّلتِ الضُّحى شَهدتْ لهُمْ   بيضُ القواضبِ أنّهمْ أحرارُ

فعبر إليهم في تلك الليلة من عسكر ابن سعد اثنان وثلاثون رجلاً ، فلمّا كان وقت السّحر خفق الحسين (عليه السّلام) برأسه خفقة ثمّ استيقظ ، فقال : (( رأيت كأنّ كلاباً قد شهدت لتنهشني ، وفيها كلب أبقع رأيته أشدّها عليّ ، وأظنّ أنّ الذي يتولّى قَتلي رجل أبرص . ثمّ إنّي رأيت جدّي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ومعه جماعة من أصحابه وهو يقول : يا بُني ، أنت شهيد آل محمّد ، وقد استبشر بك أهل السّماوات وأهل الصفيح الأعلى . . . ))(1) .

إيهٍ مصارعَ كربلا كَمْ غصّةٍ   جرّعـتِ آلَ محمّد كُرُباتـِها

وافـتْكِ رايةُ سِبطهِ منشورةً   فطويتِها وحَطَمتِ صدرَ قناتِها

المجلس التاسع والأربعون

لمّا أصبح الحسين (عليه السّلام) يوم عاشوراء ، عبّأ أصحابه للقتال ، وكانوا اثنين وثلاثين فارساً وأربعين راجلاً ، فجعل زهير بن القَين في الميمنة ، وحبيب بن مظاهر في الميسرة ، وأعطى الراية العبّاس أخاه ، وأمر الحسين (عليه السّلام) بفسطاط فضُرب ، وأمر بجفنة فيها مسك كثير وجعل عندها نورة ، ثمّ دخل ليطلي .

فروي أنّ بُرير بن خضير الهمداني وعبد الرحمن بن عبد ربّه الأنصاري وقفا على باب

______________________

(1) اذا وجد القارئ المجال متّسعاً ، وأراد أنْ يضمّ إلى هذا المجلس ما تقدّم في المجلس الثالث والأربعين من قوله : ( قال علي بن الحسين (عليه السلام) : إنّي لجالس . . . إلى آخره ) فلا مانع . وإذا وصل إلى قوله : ( وأبي ينشد تلك الأبيات ) ، فليقل بَدَله : ( وأبي يقول : يا دهرُ أفٍّ لك منْ خليلِ ) إلى آخر الأبيات والحديث .   ـ المؤلّف ـ


الصفحة ( 91 )

الفسطاط ليطليا بعده ، فجعل بُرير يُضاحك عبد الرحمن ، فقال له عبد الرحمن : يا بُرير ، ما هذه ساعة باطل ! فقال بُرير : لقد علم قومي أنّي ما أحببت الباطل كهلاً ولا شابّا ، وإنّما أفعل ذلك استبشاراً بما نصير إليه .

قال علي بن الحسين (عليه السلام) : (( لمّا صبحت الخيل الحسين (عليه السلام) ، رفع يديه وقال : اللهمَّ ، أنت ثقتي في كلّ كرب ، وأنت رجائي في كلّ شدّة ، وأنت لي في كلّ أمر نزلَ بي ثقة وعدّة . كم من كرب يضعف فيه الفؤاد وتقلّ فيه الحيلة ، ويخذل فيه الصّديق ويشمت فيه العدوّ أنزلته بك وشكوتُه إليك ؛ رغبةً منّي إليك عمّن سواك ، ففرّجتَه عنّي و كشفتَه ، فأنت وليّ كلّ نعمة وصاحب كلّ حسَنَة ومُنتهى كلّ رغبة )) .

وقُرّب إلى الحسين (عليه السّلام) فرسه ، فاستوى عليه وتقدّم نحو القوم في نفر من أصحابه ، وبين يديه بُرير بن خضير ، فقال له الحسين (عليه السلام) : (( كلّم القوم )) . فتقدّم بُرير فقال : يا قوم ، اتّقوا الله فإنّ ثقل محمّد (صلّى الله عليه وآله) قد أصبح بين أظهركم ، هؤلاء ذرّيّته وعترته وبناته وحرمه ، فهاتوا ما عندكم وما الذي تريدون أنْ تصنعوه بهم ؟ فقالوا : نريد أنْ نمكّن منهم الأمير ابن زياد فيرى رأيه فيهم . فقال لهم برير : أنسيتم كتبكم وعهودكم التي أعطيتموها وأشهدتم الله عليها ؟ يا ويلكم ! أدعوتم أهل بيت نبيّكم وزعمتم أنّكم تقتلون أنفسكم دونهم ، حتّى إذا أتَوكم أسلمتموهم وحلأتموهم عن ماء الفرات ، بئس ما خلّفتم نبيّكم في ذرّيّته ! ما لكم لا سقاكم الله يوم القيامة ، فبئس القوم أنتم ! فقال له نفر منهم : يا هذا ، ما ندري ما تقول .

وقال بُرير : الحمد لله الذي زادني فيكم بصيرة . اللهمَّ ، إنّي أبرأ إليك من فعال هؤلاء القوم . اللهمَّ ، ألقِ بأسهم بينهم حتّى يلقوك وأنت عليهم غضبان . فجعل القوم يرمونه بالسّهام ، فرجع إلى ورائه .

قسَتْ القلوبُ فلمْ تَملْ لهدايةٍ   تبّاً لهاتيكَ القُلوبِ القاسيَهْ

الصفحة ( 92 )

المجلس الخمسون

لمّا كان يوم عاشوراء وزحف أهل الكوفة لقتال الحسين (عليه السلام) ، تقدّم الحسين (عليه السلام) حتّى وقف بإزاء القوم فجعل ينظر إلى صفوفهم كأنّهم السّيل ، ونظر إلى ابن سعد واقفاً في صناديد الكوفة ، فحمد الله وأثنى عليه وذكَره بما هو أهله ، وصلّى على النّبي محمّد (صلّى الله عليه وآله) وعلى الملائكته والأنبياء والرُّسل ، وقال ما لا يحصى كثرة ، فلم يُسمع متكلّم قط قبلَه ولا بعدَه أبلغ في المنطق منه .

لهُ منْ عليٍّ في الحُروبِ شَجاعةٌ   ومنْ أحمدٍ عندَ الخِطابةِ قِيلُ

فكان ممّا قال : (( الحمد لله الذي خلق الدّنيا فجعلها دار فناء وزوال ، متصرّفة بأهلها حالاً بعد حال ، فالمغرور مَنْ غرّته والشقيّ مَنْ فتنته ، فلا تغرّنكم هذه الدّنيا ؛ فإنّها تقطع رجاء مَنْ ركن إليها وتخيب طمع مَنْ طمع فيها . وأراكم قد اجتمعتم على أمر قد أسخطتم الله فيه عليكم ، وأعرض بوجهه الكريم عنكم ، وأحلّ بكم نقمتة وجنّبكم رحمته ، فنعم الربّ ربّنا وبئس العبيد أنتم ! أقررتم بالطّاعة وآمنتم بالرسول محمّد (صلّى الله عليه وآله) ، ثمّ إنّكم زحفتم إلى ذرّيّته وعترته تريدون قتلهم ، لقد استحوذ عليكم الشيطان فأنساكم ذكر الله العظيم ، فتبّاً لكم ولِما تريدون . إنّا لله وإنّا إليه راجعون ، هؤلاء قوم كفروا بعد إيمانهم ، فبُعداً للقوم الظالمين )) . فقال ابن سعد : ويلكم ! كلّموه فإنّه ابن أبيه . والله ، لَو وقف فيكم هكذا يوماً جديداً ، لما انقطع ولما حصر .

فتقدّم شمر فقال : يا حسين ، ما هذا الذي تقول ؟ أفهمنا حتّى نفهم . فقال : (( أقول : اتّقوا الله ربّكم ولا تقتلوني ؛ فإنّه لا يحلّ لكم قتلي ولا انتهاك حرمتي ؛ فإنّي ابن بنت نبيّكم ، وجدّتي خديجة زوجة نبيّكم ، ولعلّه بلغكم قول نبيّكم : الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة )) . ثمّ قال : (( أمّا بعد ، فانسبوني وانظروا مَن أنا ، ثمّ ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها ، فانظروا هل يصلح ويحلّ لكم قتلي وانتهاك


الصفحة ( 93 )

حرمتي ؟ ألست ابن بنت نبيّكم وابن وصيّه وابن عمّه وأول المؤمنين بالله والمصدّق برسول الله (صلّى الله عليه وآله) وبما جاء من عند ربّه ؟! أوَليس حمزة سيّد الشّهداء عمّ أبي ؟! أوَليس جعفر الطيّار في الجنّة بجناحين عمّي ؟! أوَلمْ يبلغكم ما قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لي ولأخي : هذان سيّدا شباب أهل الجنّة ؟! فإنْ صدّقتموني بما أقول وهو الحقّ ، والله ما تعمّدتُ كذباً مُذْ علمت أنّ الله يمقتُ عليه أهلَه ، وإنْ كذّبتموني فإنّ فيكم مَن إذا سألتموه عن ذلك أخبركم ؛ سلوا جابر بن عبد الله الأنصاري ، وأبا سعيد الخدري ، وسهل بن سعد السّاعدي ، والبرّاء بن عازب ، وزيد بن أرقم ، وأنس بن مالك يخبرونكم أنّهم سمعوا هذه المقالة من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لي ولأخي ، أما في هذا حاجز لكم عن سفك دمي ؟ )) .

فقال له شِمر بن ذي الجوشن : هو يعبد الله على حرف إنْ كان يدري ما تقول . فقال له حبيب بن مظاهر : والله ، إنّي لأراك تعبد الله على سبعين حرفاً ، وأنا أشهد أنّك صادق ما تدري ما يقول ، قد طبع الله على قلبك .

ثم قال لهم الحسين (عليه السلام) : (( فإنْ كنتم في شكّ من هذا ، أفتشكّون في أنّي ابن بنت نبيّكم ؟ فوالله ، ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبيّ غيري فيكم ولا في غيركم . ويحكم ! أتطلبونني بقتيل منكم قتلتُه أو مال لكم استهلكتُه أو بقصاص من جراحة ؟! )) . فأخذوا لا يكلّمونه ، فنادى : (( يا شبث بن ربعي ، ويا حجّار بن أبجر ، ويا قيس بن الأشعث ، ويا يزيد بن الحارث ، ألم تكتبوا إليّ : أنْ قد أينعت الثّمار واخضرّت الجنان وإنّما تقدم على جند لك مجنّدة ؟ )) . فقال له قيس بن الأشعث : ما ندري ما تقول ، ولكن انزل على حكم بني عمّك فإنّهم لنْ يروك إلاّ ما تُحب . فقال له الحسين (عليه السّلام) : (( لا والله ، لا اُعطيكم بيدي إعطاء الذّليل ، ولا أقرّ لكم إقرار العبيد )) .

بأبي أبيّ الضّيمِ لا يُعطيْ العِدى   حذَرَ المنيّةِ منه فضلَ قـيادِ

بأبي فـَريداً أسلمتْهُ يَـدُ الرَّدى   في دارِ غُربتهِ لجمعِ أعادي

* * *


الصفحة ( 94 )

المجلس الواحد والخمسون

لمّا كان يوم عاشوراء ركب الحسين (عليه السلام) ناقته ـ وقيل فرسه ـ وخرج إلى النّاس فاستنصتهم ، فأبوا أنْ ينصتوا له حتّى قال لهم : (( ويلكم ! ما عليكم أنْ تنصتوا لي فتسمعوا قولي ، وإنّما أدعوكم الى سبيل الرّشاد ، فمَن أطاعني كان من المرشدين ، ومَن عصاني كان من المهلكين ، وكلّكم عاصٍ لأمري غير مستمع قولي ، فقد مُلئتْ بطونُكم من الحرام وطُبع على قلوبكم . ويلكم ! ألا تنصتون ألا تسمعون )) . فتلاوم أصحاب عمر بن سعد بينهم وقالوا : انصتوا له .

فحمد الله وأثنى عليه وذكَرَه بما هو أهله ، وصلّى على محمّد (صلّى الله عليه وآله) وعلى الملائكة والأنبياء والرُّسل وأبلغ في المقال ، ثمّ قال : (( تبّاً لكم أيّتها الجماعة وتَرْحاً ! أحين استصرختُمونا وَالهين ، فأصرخناكُم مُوجِفين مُؤدِّين مُستعدِّين ، سللتُمْ علينا سيفاً لنا في أيمانِكم ، وحششتم علينا ناراً قَدحْناها على عدوِّكم وعدوِّنا ، فأصبحتم إلْباً على أوليائكُم ويداً عليهم لأعدائِكم ، بغير عدلٍ أفشَوه فيكمْ ، ولا أملٍ أصبح لكم فيهم ، إلاّ الحرامَ من الدّنيا أنالوكُمْ ، وخسيسُ عيشٍ طمعتُم فيه ، من غيرِ حَدثٍ كان مِنّا ، ولا رأيٍ تفيَّل(1) لنا .

فهلاّ ـ لكم الويلات ـ إذ كرهتمُونا وتركتمُونا ، تجهّزتُمُوها والسّيف مِشيَمٌ(2) ، والجأش(3) طامنٌ(4) ، والرأي لمّا يُستَحصَف(5) ، ولكن أسرعتُم إليها كطَيرة الدِّبا(6) ، وتداعيتُم إليها كتداعي الفراش . فسُحقاً لكم يا عبيد طواغيت الاُمّة ، وشِذاذَ الأحزابِ ونَبَذةَ الكتاب ، ونفَثةَ الشّيطانِ وعُصبةَ الآثامِ ، ومُحرّفي الكتاب ومُطفئي السُّنّة ، وقَتَلةَ أولاد الأنبياءِ ومبيدي عترة الأوصياء ، ومُلحقي العِهار بالنَّسب ومؤذي المؤمنين ، وصُراخ أئمَّةِ المستهزئين الذين جعلوا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تفيل الرأي : أخطأ وأضعف .

(2) مغمد .

(3) الجأش : القلب والفكر .

(4) ساكن مطمئن .

(5) يستحكم .

(6) الدَبا ( بفتح الدال وتخفيف الباء ) : الجراد الصغير .     ـ المؤلّف ـ


الصفحة ( 95 )

القُرآن عضين ! ولبئس ما قدّمت لهم أنفسهم وفي العذاب هم خالدون ! وأنتم ، ابن حرب وأشياعه تعضدون ، وعنّا تخاذلون ! أجل والله ، الخَذلُ فيكم معروفٌ ، وشجتْ عليه اُصولكم وتأزّرت عليه فروعُكم ، ونبتتْ عليه قلوبكم وغشيَتْ صدوركم ، فكنتُم أخبث ثمر شَجي للناظر وأكلة للغاصب ، ألا لعنة الله على النّاكثين الذين ينقضُون الأيمان بعد توكيدها ، وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً فأنتم والله هم .

ألا إنّ الدعيّ ابن الدعيّ قد رَكزَ بين اثنتين ؛ بين السّلّة والذلّة ، وهيهات منّا الذلّة ! يأبى الله ذلك لنا ورسولُه والمؤمنون ، وجدود طابت وحجور طهُرت ، واُنوف حميّة ونفوس أبيّة لا تُؤثر طاعة اللّئام على مصارع الكرام ، ألا قد أعذَرتُ وأنذرتُ . ألا وإنّي زاحفٌ بهذه الاُسرة مع قلّة العدد وكثرة العدوّ وخذلان النّاصر )) .

ثمّ وصل (عليه السّلام) كلامه بأبيات فروة بن مسيك المرادي ، فقال :

فـإنْ نـُهزَمْ فهزّامونَ قِدماً   وإنْ نـُغلَبْ فـغيرُ مـُغلّبينَا
ومـا إنْ طـبُّنا جُبنٌ ولكنْ   مـنايانَا ودولـةُ آخَـرينَا
إذا ما الموتُ رفّعَ عن اُناسٍ   كـلا كِـلَهُ أنـاخَ بآخَرينا
فـأفنَى ذلكُمْ سَرواتِ قَومِي   كـمَا أفنَى القرونَ الأوّلينَا
فـلو خَلُد الملوكُ إذنْ خَلُدنا   ولـو بقيَ الكرامُ إذنْ بَقينا
فـقُلْ لـلشّامتينَ بنَا أفيقُوا   سَـيلقَى الشامتونَ كمَا لقينَا

ثم قال : (( أما والله ، لا تلبثون بعدها إلاّ كريث ما يركب الفرس حتّى تدور بكم دور الرّحى ، وتُقلق بكم قلق المحور ، فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلاَ تُنْظِرُون(1) . إِنّي تَوَكّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبّي وَرَبّكُم مَا مِن دَابّةٍ إِلاّ هُوَ آخِذُ بِنَاصِيَتِهَا إِنّ رَبّي عَلَى‏ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(2) )) .

ثم قال : (( ادعوا لي عمر بن سعد )) . فدُعي له ، وكان كارهاً لا يحبّ أن يأتيه ، فقال (عليه السلام) : (( يا عمر ، أنت تقتلني وتزعم أنْ يولّيك الدّعي ابن الدّعي بلاد الرّي وجُرجان ؟! والله ، لا تتهنّأ بذلك أبداً ، فاصنع ما أنت صانع فإنّك لا تفرح بعدي بدنيا ولا آخرة )) . فاغتاظ ابن سعد من كلامه ، ثمّ صرف بوجهه عنه ، ونادى بأصحابه : ما

ـــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة يونس / 71 .

(2) سورة هود / 56 .


الصفحة ( 96 )

تنظرون به ؟ احملوا بأجمعكم ، إنّما هي أكلة واحدة . ثمّ وضعَ سهماً في كَبَد قوسه فرمى به نحو عسكر الحسين (عليه السّلام) ، وقال : اشهدوا لي عند الأمير أنّي أول مَن رمى .

وأقلّت السّهام من القوم كأنّها القطر ، فلم يبق من أصحاب الحسين (عليه السلام) أحد إلاّ أصابه من سهامهم ، فقال الحسين (عليه السلام) لأصحابه : (( قوموا رحمكم الله إلى الموت الذي لا بدّ منه ، فإنّ السّهام رُسُل القوم إليكم )) . فاقتتلوا ساعة من النّهار حملة وحملة حتّى قُتل من أصحاب الحسين (عليه السلام) جماعة .

فأبَى أنْ يعيشَ إلاّ عَزيزاً   أو تَجلَّى الكِفاحُ وهو صَريعُ

المجلس الثاني والخمسون

لمّا رأى الحُرّ بن يزيد أنّ القوم قد صمّموا على قتال الحسين (عليه السلام) ، قال لعمر بن سعد : أمقاتلٌ أنت هذا الرجل ؟ قال : إي والله ، قتالاً أيسرُه أنْ تسقط الرؤوس وتطيح الأيدي . قال : فما لكم فيما عرضه عليكم رضى ؟ قال : أما لو كان الأمر إليّ لفعلتُ ، ولكنّ أميرك قد أبى .

فأقبل الحُرّ حتّى وقف من النّاس موقفاً ومعه رجل من قومه يقال له قرّة بن قيس ، فقال له : يا قرة ، هل سقيت فرسك اليوم ؟ قال : لا . قال : فما تريد أنْ تسقيه ؟ قال قرة : فظننتُ والله أنّه يريد أنْ يتنحّى فلا يشهد القتال ، فكره أنْ أراه حين يصنع ذلك ، فقلتُ له : لمْ أسقه وأنا منطلق فأسقيه . فاعتزل ذلك المكان الذي كان فيه ، فوالله لو أطلعني على الذي يُريد لخرجتُ معه إلى الحسين (عليه السلام) .

فأخذ الحُرّ يدنو من الحسين (عليه السلام) قليلاً قليلاً ، فقال له المهاجر بن أوس : ما تريد يابن يزيد ؟ أتريد أنْ تحمل ؟ فلم يُجبه وأخذه مثل الأفكل ( وهي الرعدة ) ، فقال له المهاجر : إنّ أمرك لمُريب ! والله ، ما رأيت منك في موقف قط مثل هذا ، ولو قيل لي مَن أشجع أهل الكوفة ؟ ما عدوتك ، فما هذا الذي أرى منك ؟ فقال الحُرّ : إنّي والله ، اُخيّر نفسي بين الجنّة والنّار ، فوالله لا أختار على الجنّة شيئاً ولو قُطِّعت


الصفحة ( 97 )

وحُرّقت . ثمّ ضرب فرسه قاصداً إلى الحسين (عليه السلام) ويده على رأسه وهو يقول : اللهمَّ ، إليك اُنيب فتُبْ عليّ ، فقد أرعبتُ قلوب أوليائك وأولاد بنت نبيك . وقال للحسين (عليه السلام) : جُعلتُ فداك يابن رسول الله ، أنا صاحبك الذي حبستك عن الرجوع وسايرتُك في الطريق وجعجعتُ بك في هذا المكان ، وما ظننت أنّ القوم يردّون عليك ما عرضتَه عليهم ، ولا يبلغون منك هذه المنزلة . والله ، لو علمتُ أنّهم ينتهون بك إلى ما أرى ، ما ركبتُ مثل الذي ركبت ، وإنّي قد جئتك تائباً ممّا كان منّي إلى ربّي ، مواسياً لك بنفسي حتّى أموت بين يديك ، فهل ترى لي من توبة ؟ فقال له الحسين (علهيالسلام) : (( نعم يتوب الله عليك فانزل )) . قال : أنا فارساً خيرٌ منّي راجلاً ، اُقاتلهم على فرسي ساعة وإلى النّزول يصير آخر أمري . فقال له الحسين (عليه السلام) : (( فاصنع يرحمك الله ما بدا لك )) .

فاستقدم أمام الحسين (عليه السلام) ، فقال : يا أهل الكوفة , لاُمّكم الهبل والعِبَر(1) ! أدعوتم هذا العبد الصالح حتّى إذا جاءكم أسلمتموه ! وزعمتم أنّكم قاتلوا أنفسكم دونه ثمّ عدوتم عليه لتقتلوه ! وأمسكتم بنفسه وأخذتم بكظمه وأحطتم به من كلّ جانب لتمنعوه التوجّه في بلاد الله العريضة ، فصار كالأسير في أيديكم ، لا يملك لنفسه نفعاً ولا يدفع عنها ضرّاً ، وحلأتموه ونساءه وصبيته وأهله عن ماء الفرات الجاري ، فهاهم قد صرعهم العطش ، بئسما خلّفتم محمّداً في ذرّيّته ! لا سقاكم الله يوم الظمأ .

فحمل عليه رجال يرمونه بالنبل ، فرجع حتّى وقف أمام الحسين (عليه السلام) وقال له : فإذا كنتُ أول مَن خرج عليك ، فاذَنْ لي أنْ أكون أول قتيل بين يديك ، لعلّي أكون ممَّن يُصافح جدّك محمّداً (صلّى الله عليه وآله) غداً في يوم القيامة . فحمل على أصحاب عمر بن سعد وهو يتمثّل بقول عنترة :

ما زِلتُ أرميْهمْ بغرّةِ وجْههِ   ولبانهِ حتّى تَسرْبلَ بالدَّمِ

ثم جعل يرتجز ويقول :

إنّي أنا الحُرّ ومأوَى الضَّيفِ   أضربُ في أعناقِكُمْ بالسَّيفِ

______________________

(1) العِبَر ، بكسر العين وفتح الباء : جمع عَبْرة ، بفتح العين وسكون الباء ، وهي الحزن قبل خروج الدّمع .   ـ المؤلّف ـ 


الصفحة ( 98 )

عنْ خيرِ مَنْ حلَّ بأرضِ الخيّفِ   أضربُكُمْ ولا أرَى منْ حَيفِ

وقاتل قتالاً شديداً ، وهو يرتجز ويقول :

إنّي أنا الحُرّ ونجلُ الحُرِّ   أشجـعُ منْ ذي لَبَدٍ هزبرِ

ولستُ بالجبانِ عندَ الكرِّ  لكنّني الوقّافُ عـند الفرِّ

حتّى قتل ثمانية عشر رجلاً ، وفي رواية : نيفاً وأربعين رجلاًَ ، وكان يحمل هو وزهير بن القَين ، فإذا حمل أحدهما وغاص فيهم حمل الآخر حتّى يخلّصه ، ثمّ حملت الرجّالة على الحُرّ وتكاثروا عليه حتّى قتلوه ، فاحتمله أصحاب الحسين (عليه السلام) حتّى وضعوه بين يدَي الحسين (عليه السلام) وبه رَمَق ، فجعل يمسح التراب عن وجهه ويقول : (( أنت الحُرّ كما سمّتك اُمّك ، حُرّ في الدّنيا والآخرة )) .

وروي أنّه أتاه الحسين (عليه السلام) ودمُه يشخب ، فقال : (( بخ بخ لك يا حُرّ ، أنت حُرّ كما سُمّيت في الدّنيا والآخرة )) .

نَصرُوا ابنَ بنتِ نبيِّهمْ طُوبى لهُمْ   نالُـوا بنُصرتِهِ مـراتبَ ساميهْ

قـدْ جـاورُوهُ هاهُـنا بقبورِهـمْ   وقصورُهمْ يومَ الجزا مُتحاذيهْ

المجلس الثالث والخمسون

لمّا كان اليوم العاشر من المحرّم ، جعل أصحاب الحسين (عليه السلام) يبرز الواحد منهم بعد الواحد ، فكانوا كما قيل فيهم :

قـومٌ إذا نـُودوا لدفـعِِ مُـلمَّـةٍ   والخيلُ بين مدعَّسٍ ومُكردسِ

لبسُوا القلوبَ على الدّروعِ وأقبَلُوا   يتهافتُونَ على ذهابِ الأنفـسِ

فممَّن برز وهب بن حبّاب الكلبي ، وكانت معه اُمّه وزوجته ، فقالت اُمّه : قُم يا بُني فانصر ابن بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) . فقال : أفعل يا اُمّاه ولا اُقصّر . فَبرزَ وهو يقول :


الصفحة ( 99 )

سوفَ تَرَوني وتَرَونَ ضَرْبي   وحملَتي وصولَتي في الحربِ

أدركُ ثاري بعدَ ثارِ صحْبي   وأدفعُ الـكربَ أمـامَ الكربِ

ليس جهادِي في الوغَى باللعْبِ

ثم حمل ولم يزل يُقاتل حتّى قتل جماعة ، ثمّ رجع إلى امرأته واُمّه وقال : يا اُمّاه ، أرضيت ؟ قالت : ما رضيت حتّى تُقتل بين يدَي الحسين (عليه السلام) . فقالت امرأته : بالله عليك ، لا تفجعني بنفسك . فقالت اُمّه : يا بُني ، اعزُب عن قولها ، وارجع فقاتل بين يدَي ابن بنت نبيّك تنلْ شفاعة جدّه يوم القيامة . فرجع فلمْ يزل يُقاتل حتّى قُطعت يداه ، وأخذت امرأته عموداً وأقبلت نحوه وهي تقول : فداك أبي واُمّي ! قاتل دون الطيّبين حرم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) . فأقبل كي يردّها إلى النّساء فأخذت بجانب ثوبه وقالت : لنْ أعود دون أنْ أموت معك . فقال الحسين (عليه السلام) : (( جُزيتم من أهل بيت خيراً ، ارجعي إلى النّساء رحمك الله )) . فانصرفت إليهنّ ، ولم يزل الكلبي يقاتل حتّى قُتل رضوان الله عليه .

وخرج عمرو بن قرظة الأنصاري ـ وكان له أخ اسمه علي مع عمر بن سعد في غاية العناد والشّقاق ، عكس أخيه هذا ـ فاستأذن عمرو الحسين (عليه السلام) ، فأذن له ، فبرز وهو يرتجز ويقول :

قـدْ عَلمتْ كَتـيبةُ الأنـصارِ  أنّيْ سأحمِي حوزةَ الـذمّارِ

ضربَ غُلامٍ غيرِ نكسٍ شاري   دونَ حُسينٍ مُهجتي ودارِي

فقاتل قتال المشتاقين إلى الجزاء ، وبالغ في خدمة سلطان السّماء حتّى قتل جمعاً كثيراً من حزب ابن زياد ، وجمع بين سداد وجهاد ، وكان لا يأتي إلى الحسين (عليه السلام) سهم إلاّ اتّقاه بيده ، ولا سيف إلاّ تلقّاه بمُهجته ، فلم يكن يصل إلى الحسين (عليه السلام) سوء حتّى اُثِخن بالجراح ، فالتفت إلى الحسين (عليه السلام) وقال : يابن رسول الله ، أوفيت ؟ قال : (( نعم ، أنت أمامي في الجنّة ، فأقرئ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عنّي السّلام ، واعلمه أنّي في الأثر )) . فقاتل حتّى قُتل رضوان الله عليه :

سَطَوا وأنابيبُ الرّماحِ كأنَّها   إجامٌ وهُمْ تحتَ الرِّماحِ اُسودُ

ترَى لهُمُ عندَ القِراعِ تباشُراً   كأنَّ لـهُمْ يومَ الكـرِيهةِ عيدُ


الصفحة ( 100 )

المجلس الرابع والخمسون

لمّا كان اليوم العاشر من المحرّم ، برز جون مولى أبي ذَر الغفاري ـ وكان بعد موت أبي ذَر عند الحسن (عليه السلام) ثمّ صار عند الحسين (عليه السّلام) ، فصحبه في سفره من المدينة إلى مكّة ثمّ إلى العراق ، وكان عبداً أسود ـ ، فقال له الحسين (عليه السلام) : (( أنت في إذْنٍ منّي ؛ فإنّما تبعتنا للعافية فلا تبتلِ بطريقتنا )) . فقال : يابن رسول الله ، أنا في الرّخاء ألحسُ قصاعكم ، وفي الشدّة أخذلكم ! لا والله ، لا اُفارقكم حتّى يختلط هذا الدّم الأسود مع دمائكم . ثمّ برز وهو يقول :

كيفَ ترَى الكفّارُ ضرْبَ الأسودِ   بالسّيفِ ضرْباً عنْ بَني محمّد

أذبُّ عنـهُمْ باللـسَـانِ والـيدِ   أرجو بهِ الجنّةَ يـومَ الـمَوْردِ

ثم قاتل حتّى قُتل ، فوقف عليه الحسين (عليه السلام) فقال : (( اللهمَّ ، بيّض وجهه وطيّب ريحه واحشره مع الأبرار ، وعرّف بينه وبين محمّد وآل محمّد )) .

وخرج شاب قُتل أبوه في المعركة وكانت اُمّه معه ، فقالت له : اخرج يا بُني وقاتلْ بين يدَي ابن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) . فخرج ، فقال الحسين (عليه السلام) : (( هذا شاب قُتل أبوه في المعركة ، ولعلّ اُمّه تكره خروجَه )) . فقال الشاب : اُمّي أمرتني بذلك . فبرز وهو يقول :

أمـيرِي حُسينٌ ونِعمَ الأميرْ   سـرورُ فؤادِ البَشيرِ النَّذيرْ
عـلـيٌّ وفـاطمةٌ والـداهْ   فـهلْ تعْلمونَ لهُ منْ نَظيرْ
لهُ طلعةٌ مثلُ شمْسِ الضُّحَى   لـهُ غـرّةٌ مـثلُ بدرٍ مُنيرْ

وقاتل حتّى قُتل وحُزّ رأسُه ورُمي به إلى عسكر الحسين (عليه السلام) ، فحملت اُمّه رأسه وقالت : أحسنتَ يا بُني ، يا سرور قلبي ويا قرّة عيني . ثمّ رمت برأس ابنها


الصفحة ( 101 )

رَجلاً فقتلته ، وأخذت عمود خيمة وحملت عليهم وهي تقول :

أنَا عَجوزٌ سيّديْ ضَعيفَهْ   خـاويَـةٌ باليَـةٌ نَحـِيفَهْ

أضربُكُمْ بضرْبةٍ عنيفَهْ   دونَ بنيْ فاطمةَ الشّريفَهْ

وضربت رَجلَين ، فأمر الحسين (عليه السلام) بصرفها ودعا لها .

يتَسْابقونَ إلى المنيّةِ بينهُمْ   فكأنّما هي غادةٌ مِعطارُ

المجلس الخامس والخمسون

لمّا كان يوم عاشوراء واشتدّ القتال ، صاح عمرو بن الحجّاج بالنّاس : يا حمقاء ، أتدرون مَن تقاتلون ؟ تقاتلون فرسان أهل المصر وأهل البصائر وقوماً مستميتين ، لا يبرز إليهم منكم أحد ، والله لو لمْ ترموهم إلاّ بالحجارة لقتلتموهم . فقال ابن سعد : صدقت . ثمّ أرسل إلى النّاس مَن يعزم عليهم أنْ لا يبارز رجل منكم رجلاً منهم .

وحمل شمر في الميسرة على ميسرة أصحاب الحسين (عليه السلام) ، فثبتوا له وطاعنوه ، وحملوا على الحسين (عليه السلام) وأصحابه من كلّ جانب ، وقاتلهم أصحاب الحسين (عليه السلام) قتالاً شديداً ، فأخذت خيلهم تحمل ، وإنّما هي اثنان وثلاثون فارساً ، فلا تحمل على جانب من خيل الأعداء إلاّ كشفته ، فلمّا رأى ذلك عزرة بن قيس ـ وهو على خيل الأعداء ـ بعث إلى ابن سعد : أما ترى ما تلقى خيلي هذا اليوم من هذه العدّة اليسيرة ؟! ابعث إليهم الرّجال والرّماة .

وقاتل أصحاب الحسين (عليه السلام) القوم أشدّ قتال خلقه الله حتّى انتصف النّهار ، فبعث ابن سعد الحُصين بن تميم في خمسمئة من الرّماة ، فاقتتلوا حتّى دنوا من الحسين (عليه السلام) وأصحابه ، فلمّا رأوا صبر أصحاب الحسين (عليه السلام) ، تقدّم الحُصين إلى أصحابه أنْ يرشقوا أصحاب الحسين (عليه السلام) بالنّبل ، فرشقوهم فلمْ يلبثوا أنْ عقروا خيولهم وجرحوا الرّجال ، وبقي الحسين (عليه السلام) وليس معه فارس ،


الصفحة ( 102 )

وحمل شمر حتّى بلغ فسطاط الحسين (عليه السلام) ، فطعنه بالرمح ونادى : عليّ بالنّار حتّى أحرق هذا البيت على أهله . فصاحت النّساء وخرجنَ ، وصاح به الحسين (عليه السلام) : (( أنت تحرق بيتي على أهلي ؟! أحرقك الله بالنّار )) . فقال حميد بن مسلم : أتقتل الولدان والنّساء ؟! والله ، إنّ في قتل الرّجال لما يرضى به أميرك . فلمْ يقبل ، فأتاه شبث بن ربعي فقال : أفزعنا النّساء ، ثكلتك اُمّك ! فاستحيا وانصرف .

وكان يُقتل من أصحاب الحسين (عليه السلام) الواحد والاثنان فيبين ذلك فيهم لقلّتهم ، ويُقتل من أصحاب ابن سعد العشرة فلا يبين ذلك فيهم لكثرتهم .

قَـلَّ الصّحابـةُ غـيرَ أنّ   قليلـَهُمْ غـيرُ القَلـيلِ

منْ كلِّ أبيضَ واضحِ الـ   ـحَسَبينِ مَعدُومِ المثيلِ

المجلس السّادس والخمسون

لمّا كان يوم عاشوراء وحضر وقت صلاة الظهر ، قال أبو ثمامة الصّيداوي للحسين (عليه السلام) : يا أبا عبد الله ، نفسي لنفسك الفداء ، هؤلاء قد اقتربوا منك ، ولا والله لا تُقتل حتّى اُقتل دونك ، واُحبّ أنْ ألقى الله ربّي وقد صلّيت هذه الصّلاة . فرفع الحسين (عليه السلام) رأسه إلى السّماء ، وقال : (( ذكرتَ الصّلاة جعلك الله من المصلّين الذّاكرين ، نعم هذا أول وقتها )) . ثمّ قال : (( سلوهم أنْ يكفّوا عنّا حتّى نصلّي )) . ففعلوا ، فقال لهم الحُصين بن تميم : إنّها لا تُقبل . فقال له حبيب بن مظاهر : زعمتَ لا تُقبل الصّلاة من آل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأنصارهم وتُقبل منك يا خمّار !

وقال الحسين (عليه السلام) لزهير بن القَين وسعيد بن عبد الله الحَنفي : (( تقدّما أمامي حتّى اُصلّي )) . فتقدّما أمامه في نحو نصف من أصحابه حتّى صلّى بهم صلاة الخوف ، فوصل إلى الحسين (عليه السلام) سهم ، فتقدّم سعيد بن عبد الله ووقف يقيه من النّبال بنفسه ما زال ولا تخطّى ، فما زال يُرمى

 


الصفحة ( 103 )

بالنّبل حتّى سقط إلى الأرض وهو يقول : اللهمّ العنهم لعن عاد وثمود . اللهمّ بلّغ نبيّك عنّي السّلام وأبلغه ما لقيتُ من ألم الجراح ، فإنّي أردتُ ثوابك في نصر ذرّيّة نبيّك .

وفي رواية : أنّه قال : اللهمَّ ، لا يعجزك شيء تريده ، فأبلغ محمّداً (صلّى الله عليه وآله) نصرتي ودفعي عن الحسين (عليه السلام) ، وارزقني مرافقته في دار الخلود . ثمّ قضى نحبه رضوان الله عليه ، فوُجِد فيه ثلاثة عشر سهماً سوى ما به من ضرب السّيوف وطعن الرّماح ، وفيه وفي الحُرّ وزهير يقول الشاعر :

سـعيدَ بـنَ عَـبدِ الله لا تَـنسينَهُ   ولا الحُرَّ إذ آسى زهيراً على قصرِ
فـلَو وقـفتْ صُـمُّ الجبالِ مكانهُمْ   لمادتْ على سهلٍ ودُكّتْ على وعرِ
فـمِنْ قـائمٍ يستعرضُ النَّبلَ وجهُهُ   ومِـنْ مُـقدمٍ يلقَى الأسنَّةَ بالصّدرِ

وتقدّم سويد بن عمرو بن أبي المطاع ـ وكان شريفاً كثير الصّلاة ، شجاعاً مجرّباً في الحروب ـ فجعل يرتجز ويقول :

أقـدمْ حسينُ اليومَ تلقَى أحمدَا   وشيخَكَ الحَبرَ عليّاً ذا النَّدَى
وحَـسَناً كالبدرِ وافَى الأسعدَا   وعـمَّكَ القرْمَ الهُمامَ الأرشدَا
حـمزةَ لـيْثَ الله يُدعَى أسَدا   وذا الـجناحَينِ تـبوّا مـقْعدَا

في جنّة الفردوسِ يعلُوا صعّدَا

فقاتل قتال الأسد الباسل ، وبالغ في الصّبر على الخطب النّازل حتّى سقط بين القتلى وقد اُثخن بالجراح ، فلم يزل كذلك وليس به حراك حتّى سمعهم يقولون : قُتل الحسين ، فتحامل وأخرج سكّيناً من خُفّه وجعل يُقاتل حتّى قُتل رضوان الله عليه ، فكان آخر مَن قُتل من أصحاب الحسين (عليه السّلام) .

وعانَقـُوا شَغَـفاً بيضَ الظُّبا فكأنْ   قدْ عانَقـُوا ثَمّ بيضاً خُـرّداً عـُرُبَا

ثَوَوا عَطاشَى على البوغاء تحسَبُهمْ   تحتَ الدُّجَى في الفيافي الأنجُمَ الشُّهبَا


الصفحة ( 104 )

المجلس السّابع والخمسون

لمّا كان يوم عاشوراء ، برز مسلم بن عوسجة الأسدي ، وهو صحابي رأى النّبي (صلّى الله عليه وآله) ، وكان شريفاً سريّاً عابداً متنسّكاً فارساً شجاعاً ، وكان ممَّن كاتب الحسين (عليه السلام) من الكوفة ووفّى له وأخذ البيعة له عند مجيء مسلم بن عقيل إلى الكوفة . ولمّا خَرَج مسلم لحرب ابن زياد ، عقد له على ربع مذحج وأسد ، فلمّا قُتل مسلم وهاني اختفى مدّة ثمّ أتى سرّاً إلى الحسين (عليه السلام) مع حبيب بن مظاهر ، فكانا يسيران الليل ويكمنان النّهار حتّى وصلا إليه بكربلاء واستشهدا بين يدَيه .

ولمّا خطب الحسين (عليه السلام) أصحابه ليلة العاشر من المحرّم وقال لهم : (( قد أذنتُ لكم فانطلقوا جميعاً في حلّ ليس عليكم منّي ذمام ، وهذا الليل قد غَشيكم فاتّخذوه جملاً ، وليأخذ كلّ واحد منكم بيد رجل من أهل بيتي ، وتفرّقوا في سواد هذا الليل وذروني وهؤلاء القوم ؛ فإنّهم لا يريدون غيري )) . وتكلّم إخوته وأبناؤه وبنو أخيه وسائر بني هاشم وأصحابه بما شكرهم الله تعالى عليه ورسوله (صلّى الله عليه وآله) ، وشكرهم الدّين وأهله وأبقى لهم مجداً وفخراً وثناءً وذكراً لا يبليه مرور الليالي والأيّام ، وكانوا قُدوة الرّجال في الوفاء والإباء وكرم النفوس وعلوّ الهِمم ، كان من جملة مَن تكلّم مسلم بن عوسجة فقال : أنحن نخلّي عنك وقد أحاط بك هذا العدوّ ، ولم نُعذر إلى الله في أداء حقّك ! لا والله ، لا يراني الله أبداً وأنا أفعل ذلك حتّى أكسر في صدورهم رمحي ، واُضاربهم بسيفي ما ثبت قائمه بيدي ، ولو لم يكن معي سلاح لقذفتهم بالحجارة ولم اُفارقك أو أموت معك .

ولمّا اشتدّ القتال يوم عاشوراء ، لم يزد مسلم بن عوسجة إلاّ جرأة وثباتاً وصبراً ووفاء ، فكان يحمل على القوم وهو يرتجز ويقول :

إنْ تسألُوا عنّي فإنّي ذو لَبدْ   منْ فرعِ قومٍ منْ ذُرَى بنيْ أسَدْ

فمَنْ بغانَا حائدٌ عنْ الرَّشدْ   وكـافـرٌ بدينِ جبـّارٍ صَـمدْ


الصفحة ( 105 )

فقاتل قتالاً شديداً .

ثم حمل عمرو بن الحجّاج في أصحابه على ميسرة الحسين (عليه السلام) من نحو الفرات ، وكان مسلم بن عوسجة في الميسرة ، فاضطربوا ساعة فصُرع مسلم وبقي به رمق ، وانصرف عمرو بن الحجّاج وأصحابه ، وانقطعت الغبرة فإذا مسلم صريع ، فمشى إليه الحسين (عليه السلام) ومعه حبيب بن مظاهر فقال الحسين (عليه السلام) : (( رحمك الله يا مسلم ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً(1) )) . ودنا منه حبيب فقال : عزّ عليّ مصرعك يا مسلم ، أبشر بالجنّة . فقال له مسلم قولاً ضعيفاً : بشّرك الله بخير . ثمّ قال له حبيب : لولا أنّي أعلم أنّي في الأثر من ساعتي هذه لأحببتُ أنْ توصيني بكلِّ ما أهمّك . فقال له مسلم : فإنّي اُوصيك بهذا ـ وأشار إلى الحسين (عليه السلام) ـ فقاتِل دونه حتّى تموت . فقال له حبيب : لأنعمنّك عيناً . ثمّ مات رضوان الله عليه .

صَالُوا وجالُوا وأدَّوا حقَّ سيّدِهمْ   في موقفٍ عقَّ فيه الوالدَ الوَلدُ

وشاقـَهمْ ثمرُ العُقبَى فأصبحَ في   صدورِهمْ شجرُ الخطِّي يختَضدُ

المجلس الثامن والخمسون

لمّا كان يوم عاشوراء ، خرج زهير بن القَين البجلي ، وهو من أهل الكوفة وكان شريفاً في قومه ، وكان في أول أمره عثمانيّاً ، فحجّ في تلك السّنة التي توجّه الحسين (عليه السلام) فيها إلى العراق ، فلمّا رجع من الحجّ جمعه الطريق مع الحسين (عليه السلام) ، فصار من أوليائه بعد ما كان من أعدائه .

وهكذا تكون الأعمال بخواتيمها لا بمبادئها ، فكم من رجل كان أول أعماله خيراً ثمّ خُتم له بسوء ، وكم من رجل كان أول أعماله سيّئاً ثمّ خُتم له بخير كما جرى لزهير بن القَين والحُرّ بن يزيد ؛ فزهير كان من أعداء الحسين (عليه السلام) ، والحُرّ خرج لحربه ومنعه عن الرجوع وجَعْجَعَ به ثمّ صار من أوليائه وأنصاره ، وفدياه بأنفسهما حتّى قُتِلا بين يدَيه ، ونالا كرامة الشهادة وأعظم السّعادة

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الأحزاب / 23 .


الصفحة ( 106 )

ولمّا خطب الحسين (عليه السلام) أصحابه عند ملاقاة الحُرّ ، قام زهير فقال : قد سمعنا ـ هداك الله يابن رسول الله ـ مقالتك ، والله لو كانت الدّنيا لنا باقية وكنّا فيها مخلّدين ، لآثرنا النّهوض معك على الإقامة فيها . ولمّا خطبهم الحسين (عليه السلام) ليلة العاشر من المحرّم وأذن لهم في التفرّق عنه ، قام في جملة مَن قام زهير بن القَين ، وقال : والله يابن رسول الله ، لوددتُ أنّي قُتلت ثُمّ نُشرت ألف مرّة ، وأنّ الله يدفع بذلك القَتْل عنك وعن هؤلاء الفتية من أهل بيتك .

ولمّا صفّ الحسين (عليه السلام) أصحابه للقتال يوم عاشوراء ، جعل زهيراً على الميمنة ، فبرز راكباً على فرس ذَنوب وهو شاكٍ في السّلاح ، وجعل يرتجز ويقول :

أنَـا زُهيرٌ وأنا ابنُ القَينِ   أذودُكمْ بالسّيفِ عنْ حُسينِ
إنّ حـُسيناً أحَـدُ السّبطينِ   منْ عِترةِ البَرِّ التقيِّ الزَّينِ
ذاك رَسولُ اللهِ غيرُ المَينِ   أضربكُمْ ولا أرَى منْ شَينِ

يا ليتَ نَفسيْ قُسمتْ قِسمينِ

فقاتل قتالاً شديداً حتّى قتل تسعة عشر رجلاً ثمّ قُتل رضوان الله عليه ، فقال الحسين (عليه السلام) حين صُرع زهير : (( لا يبعدك الله يا زهير )) .

وبرز حبيب بن مظاهر ( أو مظهر الأسدي ) ، وكان صحابيّاً رأى النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ، وصحب أمير المؤمنين (عليه السّلام) وشهد معه حروبه كلّها وكان من خاصّته وحملة علومه ، وكان حبيب ممَّن كاتب الحسين (عليه السلام) ، ولمّا ورد مسلم بن عقيل الكوفة وأخذت الأنصار تختلف إليه ، كان ممَّن خطب فيهم حبيب بن مظاهر ، وجعل هو ومسلم بن عوسجة يأخذان البيعة للحسين (عليه السّلام) في الكوفة . فلمّا خذل الخائنون مسلم بن عقيل ، اختفى حبيب ومسلم بن عوسجة ، فلمّا ورد الحسين (عليه السلام) كربلاء ، خرجا إليه يسيران الليل ويكمنان النّهار حتّى وصلا إليه . فلمّا كان القتال ، برز حبيب وهو يرتجز ويقول :


الصفحة ( 107 )

أنَـا حـبيبٌ وأبي مظهّرُ   فارسُ هيجاءٍ وحربٍ تسْعرُ
أنـتُمْ أعـدُّ عِـدَّةٍ وأكـثرُ   ونـحنُ أعلى حُجّةٍ وأظهرُ
وأنـتُمُ عـندَ الوفاءِ أغدَرُ   ونـحنُ أوفَى منكُمُ وأصبرُ

حـقّاً وأتْـقَى منكُمُ وأعذَرُ

فقاتل قتالاً شديداً وقتل جمعاً كثيراً ، فحمل عليه رجل من بني تميم فطعنه فذهب ليقوم فضربه الحُصين بن تميم على رأسه بالسّيف فوقع ، ونزل إليه التميمي فاحتزّ رأسه ، فهَدَّ مقتلُه الحسين (عليه السلام) وقال : (( عند الله أحتسب نفسي وحماة أصحابي )) .

جادُوا بأنْفسِهمْ عنْ نفسِ سيِّدهمْ   وقدْ رأوا لبثَهُمْ من بعدهِ عارَا

سبْعُون مولَى كريماً ما بكَى لهمُ   باكٍ ولا أحدٌ يوماً لهمْ وارَى

المجلس التاسع والخمسون

لمّا لم يبقَ مع الحسين (عليه السلام) سوى أهل بيته ، خرج علي بن الحسين الأكبر ، وكان من أصبح النّاس وجهاً وأحسنهم خلقاً ، وكان عُمرُه تسع عشرة سنة ، وقيل خمساً وعشرين سنة ، وفيه يقول الشاعر :

لمْ ترَ عينٌ نظرتْ مثلَهُ   منْ مُحتـَفٍ يمشيْ ومنْ ناعلِ

لا يُؤثرُ الدّنيا على دِينهِ   ولا يَبـيعُ الـحـقَّ بالباطـلِ

وهو أول قتيل يوم كربلاء من آل أبي طالب ، فاستأذن أباه في القتال فأذن له ، ثمّ نظر إليه نظرة آيس منه وأرخى عينيه فبكى ، ثمّ رفع سبّابتيه نحو السّماء وقال : (( اللهمَّ ، كنْ أنت الشهيد عليهم ، فقد برز إليهم غلام أشبه النّاس خَلقاً وخُلقاً ومَنطِقاً برسولك ، وكنّا إذا اشتقنا إلى نبيّك نظرنا إليه )) . ثمّ رفع صوته


الصفحة ( 108 )

وتلا : ( إِنّ اللّهَ اصْطَفَى‏ آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرّيّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ )(1) .

فشدّ عليٌ على النّاس وهو يقول :

 أنَا عليُ بنُ الحُسينِ بنِ عليْ   نحنُ وبـيتِ اللهِ أولـَى بالنَّـبيْ

تاللهِ لا يحكمُ فينا ابنُ الدَّعيْ   أضربُ بالسّيفِ اُحاميْ عن أبيْ

ضربَ غُلامٍ هاشميٍّ علويْ

فجعل يشد عليهم ثمّ يرجع إلى أبيه فيقول : يا أباه ، العطش . فيقول له الحسين (عليه السلام) : (( اصبر حبيبي ، فإنّك لا تمسي حتّى يسقيك رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بكأسه )) .

وفي رواية : أنّه قال : (( يا أبة ، العطش قتلني وثقل الحديد أجهدني ، فهل إلى شربة من الماء سبيل ؟ )) . فبكى الحسين (عليه السلام) وقال : (( يا غوثاه ! يا بُنَي ، من أين آتي لك بالماء ؟ قاتِل قليلاً فما أسرع ما تلقى جدّك محمّد (صلّى الله عليه وآله) فيسقيك بكأسه الأوفى شربةً لا تظمأ بعدها أبداً )) .

فجعل يكرّ كرّة بعد كرّة والأعداء يتّقون قتله ، فنظر إليه مرّة بن منقذ العبدي فقال : عليّ آثام العرب إنْ هو فعل مثل ما أراه يفعل ومرَّ بي إنْ لم أثكله اُمّه . فمرّ يشدّ على النّاس كما كان يفعل ، فاعترضه مرّة بن منقذ وطعنه بالرمح ، وقيل بل رماه بسهم فصرعه ، فنادى : يا أبتاه عليك السّلام ، هذا جدّي يُقرِئك السّلام ويقول لك : (( عجّل القدوم علينا )) . واعتوره النّاس فقطّعوه بأسيافهم ، فجاء الحسين (عليه السلام) حتّى وقف عليه وقال : (( قتل الله قوماً قتلوك يا بُنَي ، ما أجرأهم على الرّحمن وعلى انتهاك حُرمة الرّسول ! على الدّنيا بعدك العفا )) .

وخرجت زينب بنت علي (عليهما السّلام) وهي تنادي : يا حبيباه ! ويابن أخاه ! وجاءت فأكبّت عليه ، فجاء الحسين (عليه السلام) فأخذ بيدها وردّها إلى الفسطاط ، وأقبل بفتيانه وقال : (( احملوا أخاكم )) . فحملوه من مصرعه حتّى وضعوه بين يدَي الفسطاط الذي كانوا يقاتلون أمامه .

يا كوكباً مَا كان أقصرَ عُمرَهُ   وكذا تكونُ كواكِبُ الأسْحارِ

جاورتُ أعْدائـي وجاوَر ربَّهُ   شتّان بينَ جِـوارِهِ وجِواري

______________________

(1) سورة آل عمران / 33 ـ 34 .

الصفحة ( 109 )

المجلس الستّون

لمّا كان يوم عاشوراء ، ولمْ يبقَ مع الحسين (عليه السّلام) سوى أهل بيته ، خرج القاسم بن الحسن بن علي بن أبي طالب (عليهم السّلام) ، وهو غلام لم يبلغ الحُلم ، فلمّا نظر الحسين (عليه السّلام) إليه قد برز ، اعتنقه وجعلا يبكيان ، ثمّ استأذن عمّه في المبارزة فأبى أنْ يأذن له ، فلمْ يزل الغلام يُقبّل يدَيه ورجليه حتّى أذن له ، فخرج ودموعُه تسيل على خدّيه وهو يقول :

إنْ تنْكرُونيْ فأنَا إبنُ(1) الحَسنْ   سبطِ النّبيِّ المُصطفَى والمُؤتمَنْ

هذا حُسينٌ كالأسيرِ المُرْتهنْ   بين اُناسٍ لا سُقوْا صَوبَ المُزنْ

فقاتل قتالاً شديداً .

قال حميد بن مسلم : خرج علينا غلام كأنّ وجهُه شقّة قمر ، وفي يده سيف وعليه قميص و إزار وفي رجليه نعلان ، فمشى يضرب بسيفه ، فانقطع شِسْعُ إحدى نعليه ـ ولا أنسى أنّها كانت اليسرى ـ فوقف ليشدّها ، فقال لي عمرو بن سعد بن نُفَيل الأزدي : والله ، لأشدّنّ عليه . فقلتُ : سُبحان الله ! وما تريد بذلك ؟ والله ، لو ضربني ما بسطتُ إليه يدي ، يكفيك هؤلاء الذين تراهم قد احتوشوه . فقال : والله ، لأشدّن عليه . فشدّ عليه فما ولّى حتّى ضرب رأسه بالسيف ففلقه ، ووقع الغلام إلى الأرض لوجهه ونادى : يا عمّاه ! فجلى الحسين (عليه السّلام) كما يجلي الصقر ، ثمّ شدّ شدّة ليث أغضب فضرب عمرو بن سعد بن نُفيل بالسيف فاتّقاها بالسّاعد فقطعها من لدن المرفق ، فصاح صيحةً سمِعها أهل العسكر ، ثمّ تنحّى عنه الحسين (عليه السّلام) . وحمل أهل الكوفة ليستنقذوه فوطئت الخيل عَمراً حتّى مات ، وانجلت الغبرة فإذا بالحسين (عليه السّلام) قائم على رأس الغلام وهو يفحص برجليه ، والحسين (عليه السّلام) يقول : (( بُعداً لقوم قتلوك ، ومَن خصمهم يوم القيامة فيك جدّك وأبوك )) .

ـــــــــــــــــــــــــــ

(1) قُطعت همزة ( ابن ) للضرورة الشعرية ، على أنّ بعض المصادر ذكرت الشطر بنحو آخر ، هو ( . . . فأنا فرع الحسن ) . (موقع معهد الإمامين الحسنين)


الصفحة ( 110 )

ثم قال (عليه السّلام) : (( عزّ والله على عمّك أنْ تدعوه فلا يجيبك ، أو يجيبك فلا ينفعك ، صوتٌ والله كثُر واتره وقلّ ناصره )) . ثمّ حمله ووضع صدره على صدره ، وكأنّي أنظر إلى رجلَي الغلام يخطّان الأرض ، فجاء به حتّى ألقاه مع ابنه علي والقتلى من أهل بيته . فسألتُ عنه ، فقيل لي هو القاسم بن الحسن بن علي بن أبي طالب (عليهم السّلام) .

وصاح الحسين (عليه السّلام) في تلك الحال : (( صبراً يا بني عُمومتي ، صبراً يا أهل بيتي ، فوالله ، لا رأيتم هواناً بعد هذا اليوم أبداً )) .

تـحُوطُهُ من بنيْ عدنانَ أغلمةٌ   بيضُ الوجُوهِ كرامٌ سادةٌ رُؤسَا
وكـلُّ ذيْ طلعةٍ غرّاءَ مُشرقةٍ   من نورِ طلعتِهِ بدرُ السّما اقتبَسا
يلقَى السّيوفَ بوجهٍ شانَ طلعتَهُ   وقعُ السّيوفِ ونحرٍ بالقَنا غُرسَا

المجلس الواحد والستّون

وُلد العبّاس بن أمير المؤمنين (عليه السّلام) سنة ست وعشرين من الهجرة ، وعاش مع أبيه أمير المؤمنين (عليه السّلام) أربع عشرة سنة ، وحضر بعض الحروب فلمْ يأذن له أبوه في النّزال . قُتل مع أخيه الحسين (عليه السّلام) بكربلاء وعمره أربع وثلاثون سنة ، وكان يكنّى أبا الفضل ، ويُلقَّب بالسّقاء وقمر بني هاشم ، وقُتل معه بكربلاء ثلاثة إخوة لاُمّه وأبيه ، وكانت له يوم كربلاء مقامات مشهودة ومواقف عظيمة .

كانت له صفات عالية وأعمال جليلة امتاز بها ؛ منها أنّه كان صاحب لواء الحسين (عليه السّلام) ، واللواء هو العلم الأكبر ولا يحمله إلاّ الشجاع الشريف في العسكر ، ومنها أنّه كان أيّداً ( أي قويّاً ) شجاعاً فارساً وسيماً جسيماً ، يركب الفرس المطهَّم ورجلاه تخطّان في الأرض ، ومنها أنّه لمّا جمع الحسين (عليه السّلام) أهل بيته وأصحابه ليلة العاشر من المحرّم وخطبهم فقال في خطبته : (( أمّا بعد ، فإنّي لا أعلم أصحاباً


الصفحة ( 111 )

أوفى ولا خيراً من أصحابي ، ولا أهل بيت أبرّ ولا أوصل من أهل بيتي ، وهذا الليل قد غشيكم فاتّخذوه جملاً ، وليأخذ كلّ واحد منكم بيد رجل من أهل بيتي ، وتفرّقوا في سواد هذا الليل وذروني وهؤلاء القوم ؛ فإنّهم لا يريدون غيري )) ، قام إليه العبّاس (عليه السّلام) فقال : ولِمَ نفعل ذلك ؟! لنبقى بعدك ! لا أرانا الله ذلك أبداً . ثمّ تكلّم أهل بيته وأصحابه بمثل هذا ونحوه .

ومنها أنّه لمّا أخذ عبد الله بن حرام ، ابن خال العبّاس ، أماناً من ابن زياد للعبّاس وإخوته من اُمّه ، قالوا : لا حاجة لنا في الأمان ؛ أمان الله خير من أمان ابن سميّة ، ومنها أنّه نادى شمر : أين بنو اُختنا ؟ أين العبّاس وإخوته ؟ فلم يُجبه أحد ، فقال لهم الحسين (عليه السّلام) : (( أجيبوه وإنْ كان فاسقاً ؛ فإنّه بعض أخوالكم )) . قال له العبّاس : ما تريد ؟ فقال : أنتم يا بني اُختي آمنون . فقال له العبّاس : لعنك الله ولعن أمانك ، أتؤمننا وابن رسول الله لا أمان له ؟! وتكلّم إخوته بنحو كلامه ثمّ رجعوا .

ومنها أنّه لمّا اشتدّ العطش بالحسين (عليه السّلام) وأصحابه ، أمر أخاه العبّاس فسار في عشرين راجلاً يحملون القِرب وثلاثين فارساً ، فجاؤوا ليلاً حتّى دنوا من الماء ، وأمامهم نافع بن هلال الجملي يحمل اللواء ، فقال عمرو بن الحجّاج : مَن الرجل ؟ قال : نافع . قال : ما جاء بك ؟ قال : جئنا نشرب من هذا الماء الذي حلأتمونا عنه . قال : فاشرب هنيئاً . قال : لا والله ، لا أشرب منه قطرة والحسين عطشان هو وأصحابه . فقالوا : لا سبيل إلى سقي هؤلاء ، إنّما وُضعنا في هذا المكان لنمنعهم الماء . فقال نافع لرجاله : إملؤوا قِربكم . فملؤوها ، وثار إليهم عمرو بن الحجّاج وأصحابه ، فحمل عليهم العبّاس ونافع بن هلال فكشفوهم وأقبلوا بالماء ، ثمّ عاد عمرو بن الحجّاج وأصحابه وأرادوا أنْ يقطعوا عليهم الطريق ، فقاتلهم العبّاس وأصحابه حتّى ردّوهم ، وجاؤوا بالماء إلى الحسين (عليه السّلام) .

ومنها أنّه لمّا نشبت الحرب تقدّم أربعة من أصحاب الحسين (عليه السّلام) وهم الذين جاؤوا من الكوفة ومعهم فرس نافع بن هلال ، فشدّوا على النّاس بأسيافهم ، فلمّا وغلوا فيها عطف عليهم النّاس واقتطعوهم عن أصحابهم ، فندب الحسين (عليه السّلام) لهم أخاه العبّاس ، فحمل على القوم وحده فضرب فيهم بسيفه حتّى فرّقهم عن أصحابه ، ووصل إليهم فسلّموا عليه


الصفحة ( 112 )

وأتى بهم ولكنّهم كانوا جرحى ، فأبوا عليه أنْ يستنقذهم سالمين ، فعاودوا القتال وهو يدفع عنهم حتّى قُتلوا في مكان واحد ، فعاد العبّاس إلى أخيه وأخبره بخبرهم .

ومنها أنّه شبه عمّه جعفر الطيّار الذي قُطعت يمينه ويساره في حرب مؤتة مجاهداً في سبيل الله ، وكذلك العبّاس قُطعت يمينه ويساره مجاهداً في سبيل الله في نصرة أخيه الحسين (عليه السّلام) يوم عاشوراء :

لا تَـنسَ لـلعبّاسِ حُسنَ مَقامِهِ   فـي الرّوعِ عندَ الغارةِ الشَّعواءِ
واسَـى أخـاهُ بـها وجادَ بنفْسِهِ   فـي سَـقي أطفال لهُ ونساءِ
ردَّ الاُلوفَ على الاُلوفِ مُعارضاً   حـدّ الـسّيوفِ بـجبهةٍ غَـرّاءِ

المجلس الثاني والستّون

قال أمير المؤمنين (عليه السّلام) لأخيه عقيل ـ وكان نسّابة عالماً بأخبار العرب وأنسابهم ـ : (( ابغني امرأة قد ولدَتها الشّجعان من العرب ؛ لأتزوّجها فتلد لي غلاماً فارساً )) . فقال له : أين أنت عن فاطمة بنت حزام الكلابية ـ وهي المكنّاة اُمّ البنين ـ فإنّه ليس في العرب أشجع من آبائها ولا أفرس . فتزوّجها أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، فولدت له العبّاس ثمّ عبد الله ثمّ جعفر ثمّ عثمان . وحضر هؤلاء الإخوة الأربعة مع أخيهم الحسين (عليه السّلام) يوم كربلاء وأبلَوا في نصرته بلاءً حسناً ، وجاهدوا أمامه حتّى قُتلوا جميعهم ، وكان أحسنهم بلاءً وأعظمهم جهاداً ومواساة لأخيه الحسين (عليه السّلام) أبو الفضل العبّاس ، وهو أكبرهم وكان عمره يومئذ أربعاً وثلاثين سنة .

ولمّا رأى العبّاس (عليه السّلام) كثرة القتلى من أهله ، قال لإخوته الثلاثة هؤلاء : يا بني اُمّي ، تقدّموا لأحتسبكم عند الله . وفي رواية : حتّى أراكم قد نصحتم لله ورسوله . فتقدّم عبد الله بن علي ، وعمره خمس وعشرون سنة فقاتل قتالاً شديداً حتّى قُتل ، فتقدّم بعده


الصفحة ( 113 )

أخوه جعفر بن علي ، وعمره تسع عشرة سنة فقاتل حتّى قُتل ، فبرز بعده أخوهما عثمان بن علي ، وعمره إحدى وعشرون سنة فقام مقام إخوته وقاتل حتّى قُتل ، وبرز من بعدهم أخوهم أبو الفضل العبّاس وقاتل قتالاً شديداً ، واشتدّ العطش بالحسين (عليه السّلام) ، فركب المسنّاة يريد الفرات وبين يديه أخوه العبّاس ، فأحاط القوم بالعبّاس فاقتطعوه ، فجعل العبّاس (عليه السّلام) يُقاتلهم وحده ، فضربه زيد بن ورقاء الحنفي على يمينه فقطعها ، فأخذ السّيف بشماله وهو يرتجز ويقول :

واللهِ إنْ قَطعْتمُوا يَمينِي   إنّي اُحامي أبداً عنْ دِيني

وعنْ إمامٍ صادقِ اليقينِ   نجلِ النَّبيِّ الطّاهرِ الأمينِ

فضربه حكيم بن الطفيل على شماله فقطعها ، فقال :

يا نفسُ لا تَخشَي منَ الكفّارِ   وأبشِري برحمةِ الجبّارِ

مـعَ النبيِّ السيّدِ المُخـتارِ   قدْ قَطعُوا ببغيهمْ يَساري

فأصلِهمْ يا ربِّ حَرَّ النّارِ

فضربه آخر بعمود من حديد فقتله ، فبكى الحسين (عليه السّلام) لقتله بكاءً شديداً .

ولنعم ما قال القائل :

أحـقُّ النّاس أنْ يُبكى عليهِ   فتىً أبكى الحسينَ بكربلاءِ
أخـوهُ وابـنُ والـدِهِ عليٍّ   أبو الفضلِ المُضرّجِ بالدّماءِ
ومَـنْ واساهُ لا يُثنيهِ شيءٌ   وجـادَ لهُ على عَطشٍ بماءِ

وكانت اُمّ البنين ـ اُمّ هؤلاء الإخوة الأربعة ـ بعد قتلهم تخرج كلّ يوم إلى البقيع وتحمل معها عبيد الله ابن ولدها العبّاس ، فتندب أولادها الأربعة خصوصاً العبّاس أشجى ندبة وأحرقها ، فيجتمع النّاس و يستمعون بكاءها وندبتها ، فكان مروان


الصفحة ( 114 )

ابن الحكم ـ على شدّة عداوته لبني هاشم ـ يجئ فيمن يجئ فلا يزال يسمع ندبتها ويبكي .

رَقََّ لها الشّامتُ ممّا بها   ما حالُ مَنْ رقَّ لهُ الشّامتُ

فممّا كانت ترثي به ولدها العبّاس قولها :

يا مَنْ رأى العبّاسَ كرْ   رَ على جماهير النَّقَدْ(1)
ووراهُ مـنْ أبناءِ حيـْ   ـدَرِ كـلُّ ليثٍ ذي لُبدْ
اُنـبئتُ أنّ ابني اُصيـْ   ـبَ بـرأسهِ مقطوعَ يدْ
ويـليْ على شبليْ أمَا   لَ برأسهِ ضربُ العَمدْ
لـو كان سيفُكَ في يديـْ   ـكَ لـمَا دَنـا منهُ أحدْ(2)

ومن رثائها في أولادها الأربعة قولها :

لا تـدعونّيْ ويـكِ اُمّ الـبنينْ   تـذكّريني بـليوثِ الـعرينْ
كـانتْ بـنونٌ لـي اُدعى بهمْ   والـيوم أصبحتُ ولا منْ بنينْ
أربـعةٌ مـثلُ نـسورِ الرُّبى   قد واصلوا الموتَ بقطعِ الوتينْ
تـنازعُ الـخرصانُ أشلاءَهُمْ   وكـلُّهمْ أمـسَى صريعاً طعينْ
يـا لـيتَ شعري أكما أخبرُوا   بـأنّ عـباساً قـطيعُ اليمينْ

* * *

______________________

(1) النَقَد : جنس من الغنم قصار الأرجل قباح الوجوه ، وزاد البيت حسناً أنّ العبّاس من أسماء الأسد .   ـ المؤلّف ـ

(2) هكذا ورد البيت في مصدره الأساس ومَن أخذ عنه ، ولعل ضمائر المخاطَب في بعض مفرداته تكون الى ضمائر الغائب أقرب ؛ تساوقاً مع الأبيات المتقدّمة . (موقع معهد الإمامين الحسنين)


الصفحة ( 115 )

المجلس الثالث والستّون(1)

لما رأى العبّاس بن علي (عليه السّلام) وحدة أخيه الحسين (عليه السّلام) بعد قتل أصحابه وجملة من أهل بيته ، قال لإخوته الثلاثة من اُمّه و أبيه ؛ عبد الله وجعفر وعثمان : تقدّموا لأحتسبكم عند الله تعالى . فتقدّموا حتّى قُتِلوا ، فجاء إلى أخيه الحسين (عليه السّلام) واستأذن في القتال فقال له : (( أنت حامل لوائي )) . فقال له : ضاق صدري وسئمت الحياة . فقال له الحسين (عليه السّلام) : (( إنْ عزمت فاستسق لنا ماءً )) . فأخذ قربته وحمل على القوم حتّى ملأ القربة ، واغترف من الماء غرفة ثمّ ذكر عطش أخيه الحسين (عليه السّلام) فرمى بها ، وقال :

يانفسُ منْ بعدِ الحُسينِ هُوني   وبعدَهُ لا كُنتِ أنْ تكوني

هــذا حُسيـنٌ واردُ المَنونِ   وتشرَبينَ بـاردَ المَعـينِ

ثم عاد فأخذوا عليه الطريق ، فجعل يضربهم بسيفه وهو يقول :

لا أرهبُ الموتَ إذا الموتُ رَقَى   حتّى اُوارَى في المصاليت لقَى

إنـّي أنا العبّاسُ أغـدو بالـسّقَا   ولا أهـابُ الموتَ يـومَ المُلتقَى

ففرقهم ، فضربه حكيم بن الطفيل على يمينه فبراها ، فأخذ اللواء بشماله وهو يقول :

واللهِ إنْ قَطعتمُوا يَميني   إنّي اُحامي أبداً عنْ دِيني

______________________

(1) هذه رواية ثانية في مقتل العبّاس (عليه السّلام) وإخوته غير الرواية السّابقة في المجلس السّابق .   ـ المؤلّف ـ


الصفحة ( 116 )

فضربه زيد بن ورقاء على شماله فبراها ، فضمّ اللّواء إلى صدره وهو يقول :

ألا ترَونَ معشرَ الفُجّارِ   قدْ قطَعوا ببغيهمْ يساري

فضربه رجل بعمود على رأسه فخرّ صريعاً إلى الأرض ، ونادى بأعلى صوته : أدركني يا أخي . فانقضّ عليه أبو عبد الله (عليه السّلام) كالصقر ، فرآه مقطوع اليمين واليسار مرضوخ الجبين مشكوك العين بسهم مثخناً بالجراحة ، فوقف عليه منحنياً وجلس عند رأسه يبكي حتّى فاضت نفسه الزكيّة . ثمّ حمل على القوم فجعل يضرب فيهم يميناً وشمالاً فيفرّون منه كما تفرّ المَعزى إذا شدّ فيها الذئب .

عبّاسُ كبشَ كتيْبَتي وكنانَتي   وسَريَّ قومي بلْ أعزَّ حُصوني
يـا ساعدي في كلِّ مُعتركٍ بهِ   أسـطو وسيفَ حمايَتي بيَميني
لمَنْ اللِوا اُعطي ومَن هو جامعٌ   شَملي وفي ضنَكِ الزّحامِ يَقيني

المجلس الرابع والستّون

روي عن أبي عبد الله الصادق (عليه السّلام) أنّه قال : (( كان عمّنا العبّاس بن علي نافذ البصيرة صلب الإيمان ، جاهد مع أبي عبد الله الحسين (عليه السّلام) وأبلى بلاءً حسناً ومضى شهيداً )) . وروي عن علي بن الحسين (عليه السّلام) أنّه نظر يوماً إلى عبيد الله بن العبّاس بن علي (عليه السّلام) فاستعبر ، ثمّ قال : (( ما من يوم أشدّ على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من يوم اُحُد ؛ قُتل فيه عمّه حمزة بن عبد المطّلب أسد الله وأسد رسوله ، وبعده يوم مؤته ؛ قُتل فيه ابن عمّه جعفر بن أبي طالب ، ولا يوم كيوم الحسين (عليه السّلام) ؛ ازدلف إليه ثلاثون ألف رجل يزعمون أنّهم من هذه الاُمّة ، كلٌّ يتقرب إلى الله عزّ وجلّ بدمه ، وهو يذكّرهم بالله فلا يتّعظون حتّى قتلوه بغياً وظلماً وعدواناً )) . ثمّ قال : (( رحم الله


الصفحة ( 117 )

العبّاس ، فلقد آثر وأبلى وفدى أخاه بنفسه حتّى قُطِعت يداه . وإنّ للعبّاس عند الله تبارك وتعالى منزلة يغبطه بها جميع الشّهداء يوم القيامة )) .

ولَنعم ما قال حفيده الفضل بن محمّد بن الفضل بن الحسن بن عبيد الله بن العبّاس :

إنّـي لأذكـرُ لـلعبّاسِ مـوقفَهُ   بـكربلاءَ وهـامُ القومِ تُختطفُ
يحمي الحُسينَ ويحميهِ على ظمأٍ   ولا يُـولّي ولا يُـثْنَى فـيختلفُ
ولا أرى مـشهداً يـوماً كمشهدِهِ   مع الحُسينِ عليه الفضلُ والشرفُ
أكـرمْ بـهِ مشهداً بانتْ فضيلتُهُ   ومـا أضـاعَ لـهُ أفـعالهُ خلفُ

* * *

واذكرْ أبا الفضلِ هلْ تُنسَى فضائلُهُ   فـي كربلا حينَ جدَّ الأمرُ والتَبسا
واســَى أخـاهُ وفـاداهُ بـمُهجتِهِ   وخاضَ في غَمَرات الموتِ مُنغمسا
ففزْ أبا الفضلِ بالفضل العظيم ِبما   أسـديتهُ فـعليكَ الفضلُ قدْ حُبسا
قـضيتَ حـقَّ الإخا والدينِ مبتذلاً   لـلنفسِ فـي سَقي أطفال له ونِسا

المجلس الخامس والستّون

لمّا قُتل جميع أنصار الحسين (عليه السّلام) وأهل بيته ، خرج غلام من خباء من أخبية الحسين (عليه السّلام) ، وهو محمّد بن أبي سعيد بن عقيل بن أبي طالب ، وفي اُذنيه درّتان ، فأخذ بعود من عيدان الخباء وهو مذعور ، فجعل يلتفت يميناً وشمالاً وقرطاه يتذبذبان ، فحمل عليه هانئ بن ثبيت الحضرمي فضربه بالسيف فقتله ، فصارت اُمّه شهربانويه تنظر إليه ولا تتكلم كالمدهوشة .

ونادى الحسين (عليه السّلام) : (( هل من ذابٍّ يذبّ عن حرم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ؟ هل من موحّدٍ يخاف الله فينا ؟ هل من مغيث


الصفحة ( 118

يرجو الله في إغاثتنا ؟ هل من معين يرجو ما عند الله في إعانتنا ؟ )) . وتقدّم إلى باب الخيمة وقال لزينب : (( ناوليني وَلَدي الصغير حتّى اُودّعه )) . فاُتي بابنه عبد الله ـ واُمّه الرباب بنت امرئ القيس ـ فأخذه وأجلسه في حجره ، وأومأ إليه لِيقَبّله فرماه حرملة بن كاهل ـ أو كاهن ـ الأسدي بسهم فوقع في نحره فذبحه ، فقال (عليه السّلام) لزينب : (( خذيه )) . ثمّ تلقّى الدّم بكفّيه ، فلّما امتلأتا رمى بالدّم نحو السّماء ، ثمّ قال : (( هوّن عليّ ما نزل به أنّه بعين الله )) . وفي رواية : أنّه صَبّه في الأرض ، ثمّ قال : (( يا ربِّ ، إنْ حبَستَ عنّا النّصر من السّماء ، فاجعل ذلك لما هو خير منه )) . ثمّ حمله حتّى وضعه مع قتلى أهل بيته . وفي رواية : أنّه حفر له بجفن سيفه ورمّله بدمه فدفنه .

ومنعـطفاً أهـوَى لتقـبيلِ طفلِهِ   فقبّلَ منه قبلَهُ السّهمُ منْحرَا

لقدْ ولِدا في ساعةٍ هو والرّدَى   ومَن في نحرِهِ السّهمُ كبّرَا

* * *

صبيٌّ وهو بين يدي أبيهِ   اُصيبَ فأيُّ ذنبٍ للصَّبيِّ

المجلس السّادس والستّون

لمّا قُتل أنصار الحسين (عليه السّلام) وأهل بيته وبقي وحيداً فريداً وقد أحاط به القوم ، خرج من عند النّساء عبد الله بن الحسن بن علي (عليهم السّلام) ، وهو غلام لم يراهق ، فلحقته زينب بنت علي (عليهما السّلام) لتحبسه ، فقال لها الحسين (عليه السّلام) : (( احبسيه يا اُختي )) . فأبى وامتنع عليها امتناعاً شديداً ، وجاء يشتد إلى عمّه الحسين (عليه السّلام) حتّى وقف إلى جنبه وقال : لا اُفارق عمّي . فأهوى بحر بن كعب إلى الحسين (عليه السّلام)


الصفحة ( 119 )

بالسّيف ، فقال له الغلام : ويلك يابن الخبيثة ! أتقتل عمّي ؟! فضربه بحر بالسيف فاتّقاها الغلام بيده فأطنّها إلى الجلد فإذا هي معلّقة ، فنادى الغلام : يا عمّاه ! ـ أو يا اُمّاه ! ـ فأخذه الحسين (عليه السّلام) فضمّه إلى صدره وقال : (( يابن أخي ، اصبر على ما نزل بك واحتسب في ذلك الخير ، فإنّ الله يلحقك بآبائك الصالحين ؛ برسول الله (صلّى الله عليه وآله) وعلي وحمزة وجعفر والحسن صلّى الله عليهم أجمعين )) . فرماه حرملة بسهم فذبحه وهو في حجر عمه .

لم يُنجِّ الكهولَ سنٌّ ولا الشّبـْ   ـان زهدٌ ولا نجا الأطفال

* * *

هَـبُوا أنّكُمْ قاتلتمُ فقتلتُمُ   فما بالُ أطفال تُقاسي نبالَها

المجلس السّابع والستّون

لمّا قُتل أنصار الحسين (عليه السّلام) وأهل بيته ، دعا النّاس إلى البراز ، فلم يزل يقتل كلَّ مَن برز إليه حتّى قتل مقتلةً عظيمة ، ثمّ حمل على الميمنة وهو يقول :

القتلُ أولَى من ركوبِ العارِ   والعارُ أولى من دخولِ النّارِ

واللهِ منْ هذا وهذا جاري

ثم حمل على الميسرة وهو يقول :

أنا الحسينُ بنُ عليْ   آلـيتُ أنْ لا أنـثنـي

أحمي عيالاتِ أبي   أمضي على دينِ النّبي

ولمّا بقي في ثلاثة من أهله ، قال : (( ابغوني ثوباً لا يرغب فيه أحد أجعله تحت


الصفحة ( 120 )

ثيابي ؛ لئلاّ اُجرّد منه بعد قتلي ، فإنّي مقتول مسلوب )) . فاُتي بتبّان(1) ، قال : (( لا ، ذاك لباس مَن ضُربت عليه الذلّة ، ولا ينبغي لي أنْ ألبسه )) . فأخذ ثوباً خَلِقاً فخرّقه وجعله تحت ثيابه ، فلمّا قُتل جرّدوه منه ، ثمّ استدعى بسراويل من حبرة يمانية يلمع فيها البصر ، ففزرها ولبسها ؛ وإنّما فزرها لئلاّ يسلبها بعد قتله ، فلمّا قُتل (عليه السّلام) سلبها منه بحر بن كعب وتركه مجرّداً . وأقبل الحسين (عليه السّلام) على القوم يدفعهم عن نفسه ، والثلاثة الذين معه يحمونه حتّى قُتل الثلاثة وبقي وحده ، وقد اُثخن بالجراح في رأسه وبدنه ، فجعل يضاربهم بسيفه ، وحمل النّاس عليه عن يمينه وشماله ، فحمل على الذين عن يمينه فتفرّقوا ، ثمّ حمل على الذين عن يساره فتفرّقوا .

قال بعض الرواة : فوالله ، ما رأيت مكثوراً ( أي مغلوباً ) قط قد قُتل وُلده وأهل بيته وأصحابه ، أربط جأشاً ، ولا أمضى جناناً ، ولا أجرأ مقدماً منه . والله ، ما رأيت قبله ولا بعده مثله ؛ إنْ كانت الرجّالة لتشدّ عليه فيشدّ عليها بسيفه فتنكشف عن يمينه وعن شماله انكشاف المعزى إنْ شدّ فيها الذئب . ولقد كان يحمل فيهم ، وقد تكمّلوا ثلاثين ألفاً ، فينهزمون من بين يدَيه كأنّهم الجراد المنتشر ، ثمّ يرجع إلى مركزه وهو يقول : (( لا حول ولا قوّة إلا بالله )) .

فلمّا رأى شمر ذلك ، استدعى الفرسان فصاروا في ظهور الرجّالة ، وأمر الرّماة أنْ يرموه فرشقوه بالسّهام حتّى صار كالقنفذ ، فأحجم عنهم فوقفوا بإزائه ، وجاء شمر في جماعة من أصحابه فحالوا بينه وبين رَحله الذي فيه ثقله وعياله ، فصاح الحسين (عليه السّلام) : (( ويلكم يا شيعة آل أبي سفيان ! إنْ لمْ يكن لكم دِين وكنتم لا تخافون يوم المعاد ، فكونوا أحراراً في دنياكم هذه ، وارجعوا إلى أحسابكم إنْ كنتم عُرُباً كما تزعُمون )) . فناداه شمر : ما تقول يابن فاطمة ؟ فقال : (( أقول : إنّي اُقاتلكم وتقاتلونني والنّساء ليس عليهنّ جُناح ، فامنعوا عُتاتكم وجُهّالكم وطغاتكم من التعرّض لحَرَمي ما دمتُ حيّاً )) . فقال شمر : لك ذلك يابن فاطمة . ثمّ صاح : إليكم عن حَرَم الرجل واقصدوه بنفسه ، فلَعمري هو كفؤ

______________________

(1) تُبّان ، بوزن رُمّان : سروال صغير يستر العورة .  ـ المؤلّف ـ


الصفحة ( 121 )

كريم . فقصدوه بالحرب ، وجعل شمر يحرّضهم على الحسين (عليه السّلام) ، فجعلوا يحملون على الحسين (عليه السّلام) والحسين يحمل عليهم فينكشفون عنه ، وهو في ذلك يطلب شربة من الماء فلا يجد ، وكلمّا حمل بفرسه على الفرات ، حملوا عليه بأجمعهم حتّى أجلَوه عنه .

يرى الفراتَ ولا يحظَى بموردِهِ   ليت الفراتَ غدا منْ بعدِهِ يبسَا

المجلس الثامن والستّون

لمّا اُثخن الحسين (عليه السّلام) بالجراح وبقي كالقنفذ ، طعنه صالح بن وهب المزني على خاصرته طعنة فسقط (عليه السّلام) عن فرسه إلى الأرض على خدّه الأيمن ، ثمّ قام وخرجت اُخته زينب إلى باب الفسطاط وهي تنادي : وآ أخاه ! وآ سيّداه ! وآ أهل بيتاه ! ليت السّماء اُطبِقت على الأرض ، وليت الجبال تدكدكت على السّهل . ودنا عمر بن سعد ، فقالت : يا عمر ، أيقتل أبو عبد الله وأنت تنظر إليه ؟! فدمعت عيناه حتّى سالت دموعه على خدّيه ولحيته ، وصرف وجهه عنها ولم يُجبها بشيء ، فنادت : ويلكم ! أما فيكم مسلم ؟! فلم يُجبها أحد بشيء .

وقاتل (عليه السّلام) راجلاً قتال الفارس الشجاع يتّقي الرّمية ويفترص العورة ، ويشدّ على الخيل وهو يقول : (( أعَلى قتلي تجتمعون ؟! أما والله لا تقتلون بعدي عبداً من عباد الله ، الله اسخط عليكم لقتله مني ، وايم الله ، إنّي لأرجو أنْ يكرمني الله بهوانِكم ثمّ ينتقم لي منكم من حيث لا تشعرون ، أما والله ، لو قتلتموني لألقى اللهُ بأسَكم بينكم وسفك دماءكم ثمّ لا يرضى لكم بذلك حتّى يُضاعف لكم العذاب الأليم )) . ولمْ يزل يُقاتل حتّى أصابته عشرات الجراحات ، فوقف يستريح ساعة وقد ضعف عن القتال ، فبينا هو واقف إذ أتاه حَجر فوقع على جبهته ، فأخذ الثوب ليمسح الدّم عن جبهته فأتاه سهم مسموم له ثلاث شعب فوقع على قلبه ، فقال (عليه السّلام) : (( بسم الله وبالله وعلى ملّة رسول الله صلى الله عليه وآله )) . ثمّ رفع رأسه إلى السّماء


الصفحة ( 122 )

وقال : (( إلهي ، تعلم أنّهم يقتلون رجلاً ليس على وجه الأرض ابن بنت نبيٍّ غيره )) ، ثمّ أخذ السّهم فأخرجه من وراء ظهره ، فانبعث الدّم كأنّه ميزاب فضعف ووقف .

سهمٌ أصابَ حشاكَ يابنَ المُصطفَى   سهمٌ به كبَدُ الهدايةِ قدْ رُميْ

المجلس التاسع والستّون

لمّا قُتل جميع أنصار الحسين (عليه السّلام) وأهل بيته ولم يبقَ معه أحد ، أقبل شمر في جماعة من أصحابه فأحاطوا بالحسين (عليه السّلام) ، فضربه مالك بن النّسر الكندي على رأسه الشريف بالسّيف ـ وكان على رأسه برنس ـ فقطع البرنس ووصل السّيف إلى رأسه فامتلأ البرنس دماً ، ثمّ ألقى البرنس ودعا بخرقة فشدّ بها رأسه واستدعى بقلنسوة اُخرى فلبسها واعتمّ عليها . ورجع شمر ومَن معه عن الحسين (عليه السّلام) إلى مواضعهم ، فمكثوا هُنيهة ثمّ عادوا إليه ، فأخذ الحسين (عليه السّلام) يشدّ عليهم فينكشفون عنه ، ثمّ إنّهم أحاطوا به ، ثمّ ضارب الرجّالة حتّى انكشفوا عنه ، وكان قد ضعف عن القتال .

وتحاماه النّاس فمكث طويلاً من النّهار ، وكلّما جاءه أحد انصرف عنه ؛ كراهية أنْ يلقى الله بدمه . فصاح شمر بالفرسان والرجّالة : ويحكم ! ما تنتظرون بالرجل ؟ اقتلوه ثكلتكم اُمّهاتكم . فحملوا عليه من كلّ جانب ، فضربه زرعة بن شريك على كتفه اليسرى ، وضرب الحسين (عليه السّلام) زرعة فصرعه ، وضربه آخر على عاتِقه بالسّيف ضربة كبا بها لوجهه ، وكان قد أعيا وجعل يقوم ويكبو ، وطعنه سنان بن أنس النخعي في ترقوته ثمّ انتزع الرّمح فطعنه في بواني(1) صدره ورماه بسهم فوقع في نحره ، فسقط وجلس قاعداً فنزع السّهم من نحره ، وقرن كفيه جميعاً

______________________

(1) البواني : الأضلاع المقدّمة في الصدر .  ـ المؤلّف ـ


الصفحة ( 123 )

فكلّما أمتلأتا من دمائه خضّب بها رأسه ولحيته ، وهو يقول : (( هكذا ألقى الله مخضَّباً بدمي مغصوباً عليَّ حقّي )) .

قال هلال بن نافع : إنّي لواقف مع أصحاب عمر بن سعد إذ صرخ صارخ : أبشر أيّها الأمير ، فهذا شمر قد قتل الحسين . فخرجتُ بين الصفّين فوقفت عليه وإنّه ليجود بنفسه ، فوالله ، ما رأيت قتيلاً مضمّخاً بدمه أحسن منه ولا أنور وجهاً ، ولقد شغلني نور وجهه وجمال هيئته عن الفكرة في قتله ، فاستسقى في تلك الحال ماءً ، فسمعت رجلاً يقول : والله ، لا تذوق الماء حتّى ترد الحامية فتشرب من حميمها . فسمعته يقول : (( أنا أرد الحامية فأشرب من حميمها ؟! لا والله ، بل أرد على جدّي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأسكن معه في داره في مقعد صدق عند مليك مقتدر ، وأشرب من ماء غير آسن ، وأشكو إليه ما ارتكبتم منّي وفعلتم بي )) . فغضبوا بأجمعهم حتّى كأنْ الله لم يجعل في قلب أحد منهم من الرحمة شيئاً .

وقال سنان لخولي(1) بن زيد : احتز رأسه . فبدر خولي ليحتزّ رأسه فضعف وأرعد ، فقال له سنان ـ وقيل : شمر ـ : فتّ الله في عضدك ، ما لك ترعد ؟ ونزل سنان ـ وقيل : شمر ـ إليه فذبحه ثمّ احتزّ رأسه الشريف ، وهو يقول : والله ، إنّي لأحتز رأسك وأعلم أنّك السيّد المقدّم وابن رسول الله وخير النّاس أباً واُمّاً . ثمّ دفع الرأس الشريف إلى خولي ، فقال : احمله إلى الأمير عمر بن سعد .

رأسُ ابنِ بنْتِ محمّد ووصيِّهِ   لـلنّاظرينَ عـلى قَناةٍ يُرفعُ
والـمُسلمونَ بمَنظَرٍ وبمَسمَعٍ   لا مُـنكرٌ مـنْهُمْ ولا مُتوجِّعُ
كُحِلتْ بمَنظرِكَ العُيونُ عمايةً   وأصمَّ رزؤكَ كلَّ اُذنٍ تَسمعُ

* * *

______________________

(1) خولي ، بخاء معجمة مفتوحة وواو ساكنة ولام مكسورة وياء بهيئة المنسوب .   ـ المؤلّف ـ


الصفحة ( 124 )

المجلس السّبعون

لمّا قُتل الحسين (عليه السّلام) ، أقبل القوم على سلبه ، فأخذ قميصه إسحاق بن حوية الحضرمي ، ووُجد في قميصه (عليه السّلام) مئة وبضع عشرة ما بين رمية وطعنة وضربة ، وقيل : وُجد في ثيابه مئة وعشرون رمية بسهم ، وفي جسده الشريف ثلاث وثلاثون طعنة برمح وأربع وثلاثون ضربة بسيف .

وعن الإمام الصادق (عليه السّلام) : (( أنّه وُجد بالحسين (عليه السّلام) ثلاث وثلاثون طعنة وأربع وثلاثون ضربة )) . وعن الإمام الباقر (عليه السّلام) : (( أنّه وُجد به ثلاثمئة وبضعة وعشرون جراحة )) . وفي رواية : ثلاثمئة وستّون جراحة .

وأخذ سراويله بحر بن كعب التميمي ، وأخذ ثوبه أخ لإسحاق بن حوية ، وأخذ قطيفة له كانت من خز قيس بن الأشعث بن قيس ، وأخذ عمامته الأخنس ، وأخذ بُرنسه مالك بن النّسر وكان من خز ، فلمّا قدم على أهله أخذ يغسل عنه الدّم ، فقالت له امرأته : أسلب ابن رسول الله تُدخل بيتي ؟! اخرجه عنّي .

وأخذ نعليه الأسود بن خالد ، وأخذ درعه البتراء عمر بن سعد ، فلمّا قُتل عمر أعطاها المختار لقاتله ، وأخذ سيفه الفلافس النّهشلي ، وأخذ القوس الرجيل بن خيثمة الجعفي ، وأخذ خاتمه بجدل بن سليم الكلبي ، ومال النّاس على الفراش والحلل والإبل فانتهبوها وانتهبوا رَحله وثقله وسلبوا نساءه .

وصِيحَ في رَحلهِ نَهباً وما تَركُوا   على عقائلَ بيتِ الوَحي منْ حُجبِ

* * *

لمْ يَسلبُوه الدّرعَ إلاّ بعدَما   تركتْهُ أسهُمُ بَغيهِمْ كالقُنفذِ


الصفحة ( 125 )

المجلس الواحد والسّبعون

لمّا قُتل الحسين (عليه السّلام) ، وضعت اُمّ كلثوم يدها على اُمِّ رأسها ونادت : وآ محمّداه ! وآ جعفراه ! وآ حمزتاه ! وآ حسناه ! هذا حسين بالعرا ، صريع بكربلاء ، محزوز الرأس من القفا ، مسلوب العمامة والرّدا .

وأقبل القوم على نهب بيوت آل بيت الرّسول وقرّة عين الزهراء البتول (عليها السّلام) . قال حميد بن مسلم : رأيت امرأة من بكر بن وائل كانت مع زوجها في أصحاب عمر بن سعد ، فلمّا رأت القوم قد اقتحموا على نساء الحسين (عليه السّلام) في فسطاطهن وهم يسلبونهن ، أخذت سيفاً وأقبلتْ نحو الفسطاط ، وقالت : يا آل بكر بن وائل ، أتُسلب بنات رسول الله ؟! لا حكم إلاّ لله ، يا لثارات رسول الله ! فأخذها زوجها وردّها إلى رحله .

وانتهوا إلى علي بن الحسين زين العابدين (عليه السّلام) وهو منبسط على فراش وهو شديد المرض ، وكان مريضاً بالذرب (أي الإسهال) وقد أشرف على الموت ، ومع شمر جماعة من الرجّالة فقالوا له : ألا نقتل هذا العليل ؟ فأراد شمر قتله ، فقال له حميد بن مسلم : سبحان الله ! أتقتل الصبيان ؟! إنّما هو صبيّ وأنّه لما به . فلم يزل يدفعهم عنه حتّى جاء عمر بن سعد فصاحت النّساء في وجهه وبكين ، فقال لأصحابه : لا يدخل أحد منكم بيوت هؤلاء ولا تتعرضوا لهذا الغلام المريض ، ومَن أخذ من متاعهنّ شيئاً فليردّه . فلم يردّ أحد شيئاً .

وفي رواية : أنّهم أشعلوا النّار في الفسطاط فخرجن منه النّساء باكيات مُسلَّبات .

ونادى عمر بن سعد في أصحابه : مَن ينتدب للحسين فيوطئ الخيل ظهره وصدره ؟ فانتدب منهم عشرة ، فداسوا الحسين (عليه السّلام) بحوافر خيولهم حتّى رضّوا ظهره وصدره ، وجاء هؤلاء العشرة حتّى وقفوا على ابن زياد ، فقال أحدهم :

نحنُ رَضضْنا الصَّدرَ بعدَ الظَّهرِ   بكلِّ يَعبُوبٍ شديدِ الأسرِ


الصفحة ( 126 )

فقال ابن زياد : مَن أنتم ؟ قالوا : نحن الذين وطأنا بخيولنا ظهر الحسين حتّى طحنّا جناجن صدره . فأمر لهم بجائزة يسيرة . وهؤلاء أخذهم المختار فشدّ أيديهم وأرجلهم بسكك الحديد ، وأوطأ الخيل ظهورهم حتّى هلكوا .

ما شَفَى داءَ ضِغْنِها القتلُ حتّى   بالعَوادي عـَادتْ ترضُّ قُراهَا

وأباحـتْ بيتَ النـّبوةِ للـنَّهـْ   ـبِ وللأمرِ في يدَي لعْناهـَا

المجلس الثاني والسّبعون

لمّا كان يوم عاشوراء ، سرّح عمر بن سعد ذلك اليوم برأس الحسين (عليه السّلام) مع خولي بن يزيد إلى عبيد الله بن زياد .

قال الطبري وابن الأثير وغيرهما : فوجد القصر مغلقاً ، فأتى بالرأس إلى منزله فوضعه تحت إجّانة ودخل فراشه ، وقال لامرأته : جئتك بغنى الدّهر ، هذا رأس الحسين معكِ في الدّار . فقالت : ويلك ! جاء النّاس بالذّهب والفضّة وجئت برأس ابن بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ! والله ، لا يجمع رأسي ورأسك بيت . وقامت من الفراش فخرجت إلى الدار .

وأمر ابن سعد برؤوس الباقين من أصحاب الحسين (عليه السّلام) وأهل بيته فقُطّعت ـ وكانت اثنين وسبعين رأساً ـ وسرّح بها إلى ابن زياد ، وأقام بقيّة اليوم العاشر واليوم الحادي عشر إلى الزوال ثمّ توجّه إلى الكوفة . وحمل معه نساء الحسين (عليه السّلام) وبناته وأخواته ومَن كان معه من الصبيان وفيهم علي بن الحسين (عليهما السّلام) قد نهكته العلّة ، فقالت النّسوة : بحقّ الله إلاّ ما مررتم بنا على مصرع الحسين (عليه السّلام) . فمرّوا بهم على الحسين (عليه السّلام) وأصحابه وهم صرعى ، فلمّا نظرت النّسوة إلى القتلى ، صحن وضربن وجوههن .

قال الرّاوي : فوالله ، لا أنسى زينب بنت علي (عليهما السّلام) وهي تندب الحسين (عليه السّلام) وتنادي بصوت حزين وقلب كئيب : يا محمّداه ! صلّى عليك مليك السّماء ، هذا حسينك مرمّل بالدماء ، مقطّع الأعضاء ، 

الصفحة ( 127 )

وبناتك سبايا ، إلى الله المشتكى وإلى محمّد المصطفى وإلى علي المرتضى وإلى فاطمة الزهراء وإلى حمزة سيّد الشهداء . يا محمّداه ! هذا حسين بالعرا تسفي عليه ريح الصبا ، وآ حزناه ! وآ كرباه عليك يا أبا عبد الله ! اليوم مات جدّي رسول الله . يا أصحاب محمّد ، هؤلاء ذرّيّة المصطفى يُساقون سَوق السبايا ! وفي بعض الروايات : وآ محمّداه ! بناتك سبايا وذرّيّتك مقتّلة تسفي عليهم ريح الصّبا ، وهذا حسين محزوز الرأس من القفا ، مسلوب العمامة والرّدا ، بأبي مَن أضحى عسكره يوم الاثنين نهباً ، بأبي مَن فسطاطه مقطّع العرى ، بأبي مَن لا غائب فيرتجى ولا جريح فيداوى ، بأبي مَن نَفسي له الفدا ، بأبي المهموم حتّى قضى ، بأبي العطشان حتّى مضى ، بأبي مَن شيبته تقطر بالدما ، بأبي مَن جدّه رسول إله السما ، بأبي مَن هو سبط نبي الهدى ، بأبي محمّد المصطفى ، بأبي خديجة الكبرى ، بأبي علي المرتضى بأبي فاطمة الزهرا .

قال فأبكتْ والله كلّ عدوّ وصديق . ثم إنّ سكينة بنت الحسين (عليه السّلام) اعتنقت جسد أبيها فاجتمع عدّة من الأعراب حتّى جرّوها عنه .

ونـواعٍ خَرجتْ منْ خِدرِها   تـلزمُ الأيـديَ أكباداً وجَالا
كمْ على النَّعي لها منْ حنّةٍ   كحَنينِ النّيبِ فارقنَ الفصَالا
كبناتِ الدّوحِ تَبكي شجْوَها   وغوادي الدّمعِ تنهلّ انهلالا

المجلس الثالث والسّبعون

لمّا كان يوم عاشوراء وبعث ابن سعد بالرؤوس إلى الكوفة ، قام فصلّى على القتلى من أصحابه ودفنهم ، وترك الحسين (عليه السّلام) وأصحابه بغير دفن ، منبوذين بالعراء تسفي عليهم ريح الصبا .

إنْ يبقَ ملقىً بلا دفنٍ فإنّ لهُ   قبراً باحشاء مَن والاهُ محفورَا


الصفحة ( 128 )

فبقيت جثّة الحسين (عليه السّلام) وجثث أصحابه بلا دفن ثلاثة أيّام .

تهابُهُ الوحشُ أنْ تدنُو لمصرعِهِ   وقد أقام ثلاثاً غيرَ مقبورِ

* * *

ما إنْ بقيتَ منَ الهوانِ على الثَّرى   ملقىً ثلاثاً في رُبىً ووهـادِ

لكـنْ لكي تَقضي عليـكَ صلاتَها   زُمرُ الملائكِ فوق سبعِ شدادِ

فلمّا رحل ابن سعد عن كربلاء ، خرج قوم من بني أسد ـ كانوا نزولاً بالغاضريّة ـ إلى الحسين (عليه السّلام) وأصحابه فصلّوا على تلك الجثث الطواهر ودفنوها ؛ فدفنوا الحسين (عليه السّلام) حيث قبره الآن ، ودفنوا ابنه عليّاً الأكبر عند رجليه ، وحفروا للشهداء من أهل بيته ولأصحابه الذين صُرعوا حوله ممّا يلي رجلَي الحسين (عليه السّلام) ، فجمعوهم فدفنوهم جميعاً في حفيرة واحدة وسووا عليهم التراب ؛ ولذلك يمتنع أهل المعرفة من المرور من جهة رجلَي الحسين (عليه السّلام) ؛ خوفاً من المشي فوق قبورهم الشريفة .

وقال : إنّ أقربهم دفناً إلى الحسين (عليه السّلام) ولده علي الأكبر ، ودفنوا العبّاس بن علي (عليهما السّلام) في موضعه الذي قُتل فيه على المسنّاة بطريق الغاضريّة حيث قبره الآن ، ودفنوا بقيّة الشّهداء حول الحسين (عليه السّلام) في الحائر ، ودفنت بنو أسد حبيب بن مظاهر الأسدي عند رأس الحسين (عليه السّلام) حيث قبره الآن اعتناء بشأنه ، ودفنت بنو تميم الحُرّ بن يزيد الرياحي التميمي على نحو ميل من مدفن الحسين (عليه السّلام) حيث قبره الآن اعتناء به .

ويقال : إنّهم منعوا من قطع رأسه وحملوه من مصرعه ودفنوه هناك .

يا أقبراً بعراصِ الطفِّ هجتِ لنَا   حزناً يؤجـجُ في أحـشائنِا نارا

مازرتُ أرضَكِ إلاّ هيَّجتْ شَجناً   ومدمعاً فاض منْ عَينيَّ مِدرارا

وسار ابن سعد بسبايا أهل بيت الرسول (صلّى الله عليه وآله) ومَن تخلّف من عيال الحسين (عليه السّلام) ، وحمل نساءه على أحلاس الأقتاب بغير وطاء ، وهنّ ودائع خير


الصفحة ( 129 )

الأنبياء .

فلمّا قاربوا الكوفة اجتمع أهلها للنظر إليهنّ ، فأشرفت امرأة من الكوفيّات وقالت : من أي الاُسارى أنتن ؟ فقلن لها : نحن اُسارى آل (محمّد صلّى الله عليه وآله) . فنزلت من سطحها فجمعت لهنّ ملاء واُزراً ومقانع :

لهفَ نفسي يا آلَ طه عليكُمُ   لهفةً كسـبُها جـوىً وخَبالُ

قطعتْ وُصلةَ النّبيِّ بأنْ تُقـْ   ـطعَ من أهلِ بيتهِ الأوصالُ

المجلس الرابع والسّبعون

لمّا جيء بسبايا أهل البيت إلى الكوفة ، جعل أهل الكوفة ينوحون ويبكون .

قال بشر بن خزيم الأسدي : ونظرتُ إلى زينب بنت علي (عليهما السّلام) يومئذ فلمْ أرَ خَفِرة أنطق منها ، كأنّها تُفرع عن لسان أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، وقد أومَأت إلى النّاس أنْ اسكتوا ، فارتدّت الأنفاس وسكنتْ الأجراس ، ثمّ قالت : الحمد لله والصلاة على محمّد وآله الطاهرين ، أمّا بعد ، أتبكون ؟! فلا رقأت الدّمعة ولا قطعت الرنّة ، إنّما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوّة أنكاثاً ، تتّخذون أيمانكم دَخَلاً بينكم ، ألا وهل فيكم إلاّ الصلف النّظف والصدر الشنف ، وملق الإماء وغمز الأعداء ، أو كمرعى على دمنة أو كفضة على ملحودة ، ألا ساء ما قدّمتْ لكم أنفسُكم أنْ سخطَ الله عليكم وفي العذاب أنتم خالدون .

أتبكون وتنحبون ؟! إي والله ، فابكوا كثيراً واضحكوا قليلاً ، فلقد ذهبتم بعارها وشنارها ، ولن ترحضوها بغسل بعدها أبداً ، وأنّى ترحضون قتل سليل خاتم النبوّة ومعدن الرسالة وسيّد شباب أهل الجنّة ، وملاذ


الصفحة ( 130 )

حيرتكم ومفزع نازلتكم ، ومنار حجتكم ومِدْرَه(1) سنتكم ، ألا ساء ما تزرون وبُعداً لكم وسُحقاً ، فلقد خاب السّعي وتبّت الأيدي وخسرت الصفقة وبؤتم بغضب من الله ، وضُربتْ عليكم الذلّة والمسكنة .

ويلكم ! أتدرون أيّ كبد لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) فريتم ؟! وأيّ كريمة له أبرزتم ؟! وأيّ دم سفكتم ؟! وأيّ حُرمة له انتهكتم ؟! لقد جئتم بها صلعاء عنقاء سوداء فقماء نأناء خرقاء شوهاء كطلاع الأرض أو ملء السماء ، أفعجبتم أنْ مطرت السّماء دماً ؟ فلعذاب الآخرة أخزى وأنتم لا تُنصرون . فلا يستخفّنكم المهل ؛ فإنّه لا يحفزه البدار ولا يخاف فوت الثار وإنّ ربكم لبالمرصاد .

قال : فوالله ، لقد رأيت النّاس يومئذ حيارى يبكون وقد وضعوا أيديهم في أفواههم ، ورأيتُ شيخاً واقفاً إلى جنبي يبكي حتّى اخضلّت لحيته ، وهو يقول : بأبي أنتم واُمّي ! كهولكم خير الكهول ، وشبابكم خير الشّباب ، ونساؤكم خير النّساء ، ونسلكم خير نسل لا يُخزى ولا يبزى .

آلُ الرّسولِ ونِعمَ أكـْ   ـفاءُ العُلا آلُ الرّسـولِ

خيرُ الفُروعِ فروعُهُمْ   واُصولُهـمْ خيرُ الاُصولِ

المجلس الخامس والسّبعون

لمّا جيء بسبايا أهل البيت (عليهم السّلام) إلى الكوفة ، خطبت فاطمة الصغرى (عليها السّلام) فقالت : الحمد لله عدد الرمل والحصى وزنة العرش إلى الثرى ، أحمده واُؤمن به وأتوكّل عليه ، وأشهد أنْ لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً عبده ورسوله وأنّ

______________________

(1) المِدْرَه كـ ( منبر ) : السيّد الشريف ، والمقدّم في اللسان واليد عند الخصومة ، والقتّال .  ـ المولّف ـ


الصفحة ( 131 )

أولاده ذُبِحوا بشطّ الفرات بغير ذحل ولا ترات . اللهمَّ ، إنّي أعوذ بك أنْ أفتري عليك الكذب ، أو أنْ أقول عليك خلاف ما أنزلت عليه من أخذ العهود لوصيّة علي بن أبي طالب (عليه السّلام) ، المسلوب حقّه ، المقتول من غير ذنب كما قُتِل ولده بالأمس في بيت من بيوت الله ، فيه معشر مسلمة بألسنتهم ، تعساً لرؤوسهم ! ما دفعت عنه ضيماً في حياته ولا عند مماته حتّى قبضته إليك محمود النّقيبة طيّب العريكة ، معروف المناقب مشهور المذاهب ، لم تأخذه فيك اللهمَّ لومة لائم ولا عذلُ عاذل ، هديته اللهمَّ للإسلام صغيراً ، وحمدت مناقبه كبيراً ، ولمْ يزل ناصحاً لك ولرسولك حتّى قبضته إليك زاهداً في الدّنيا غير حريص عليها ، راغباً في الآخرة ، مجاهداً لك في سبيلك ، رضيته فهديته إلى صراط مستقيم .

أمّا بعد ، يا أهل المكر والغدر والخُيَلاء ، فإنّا أهل بيت ابتلانا الله بكم وابتلاكم بنا ، فجعل بلاءنا حسناً ، وجعل علمه عندنا وفهمه لدينا ، فنحن عَيبة علمه ووعاء فهمه وحكمته وحجّته على الأرض في بلاده لعباده ، أكرمنا الله بكرامته وفضّلنا بنبيّه محمّد (صلّى الله عليه وآله) على كثير ممَّن خلق تفضيلاً بيّناً ، فكذّبتمونا وكفرتمونا ورأيتم قتالنا حلالاً وأموالنا نهباً كما قتلتم جدّنا بالأمس ، وسيوفُكم تقطر من دمائنا أهل البيت لحقد متقدّم ، قرّت لذلك عيونكم وفرحت قلوبكم افتراءً على الله ومكراً مكرتم والله خير الماكرين . فلا تدعونّكم أنفسكم إلى الجذل بما أصبتم من دمائنا ونالت أيديكم من أموالنا ؛ فإنّ ما أصابنا من المصائب الجليلة والرزء العظيم ِ( في كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلاَ تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ )(1) .

تبّاً لكم ! فانتظروا اللعنة والعذاب ، فكأنّ قد حلّ بكم ، وتواترت من السّماء نقمات فتسحتكم بما كسبتم ، ويذيق بعضكم بأس بعض ثمّ تخلدون في العذاب الأليم يوم القيامة بما ظلمتمونا ، ألا لعنة الله على الظالمين . ويلكم ! أتدرون أي يد طاعنتنا منكم ؟! وأيّة نفس نزعت إلى قتالنا ؟! أم بأيّة رِجل مشيتم إلينا تبغون محاربتنا ؟! والله ، قست قلوبكم وغلظت أكبادكم وطُبع على أفئدتكم ، وخُتم على سمعكم وعلى بصركم غشاوة فأنتم لا تهتدون .

فتبّاً لكم ! أي ترات لرسول الله

ـــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الحديد / 22 ـ 23 .


الصفحة ( 132 )

(صلّى الله عليه وآله) قِبلكمْ ؟! وذحول له لديكم بما غدرتم بأخيه علي بن أبي طالب جدّي وبنيه وعترته الطيّبين الأخيار ؟! وافتخر بذلك مفتخر من الظالمين ، فقال :

نحنُ قتلْنا عليّاً وبني عليٍّ   بسيوفٍ هنديّةٍ ورِماحِ

وسَبيْنا نساءَهُمْ سَبيَ تُركٍ   ونَطحناهُمُ فأيُّ نِطاحِ

بفيك أيّها القائل الكثكث والأثلب ! افتخرت بقتل قوم زكّاهم الله وطهّرهم وأذهب عنهم الرجس ! فاكظم وأقع كما أقعى أبوك فإنّما لكلّ امرئ ما اكتسب وما قدّمت يداه . أحسدتمونا ـ ويلكم ـ على ما فضّلنا الله ؟!

فمَا ذنبُنا إنْ جاشَ دهراً بُحورُنا   وبحرُكَ ساجٍ ما يُواري الدّعامِصَا

ذلك فضل الله يؤتيه مَن يشاء ، ومَن لمْ يجعل الله له نوراً فما له من نور .

فارتفعت الأصوات بالبكاء والنّحيب وقالوا : حسبك يابنة الطيّبين ، فقد أحرقت قلوبنا وأنضجت نحورنا وأضرمت أجوافنا . فسكتت .

لقدْ قطعَ الأكبادَ حُزناً مُصابُها   وقدْ غادرَ الأحشاءَ تهفُو وترجفُ

فللهِ منْ خطبٍ لهُ كلُّ مهجةٍ   يحـقُّ من الوجـدِ الـمُبرَّحِ تُتلفُ

المجلس السّادس والسّبعون

لمّا جيء بسبايا أهل البيت (عليهم السّلام) إلى الكوفة ، خطبت اُمّ كلثوم بنت علي (عليه السّلام) في ذلك اليوم من وراء كلّتها رافعة صوتها بالبكاء ، فقالت : يا أهل الكوفة ، سوأة لكم ! ما لكم خذلتم حسيناً وقتلتموه ، وانتهبتم أمواله وورثتموه ، وسبيتُم نساءه ونكبتموه ؟! فتبّاً لكم وسُحقاً لكم ! أيّ دواه دهتكم ؟ وأيّ وزر على


الصفحة ( 133 )

ظهوركم حملتم ؟ وأيّ دماء سفكتموها ؟ وأيّ كريمة أصبتموها ؟ وأيّ صبية سلبتموها ؟ وأيّ أموال انتهبتموها ؟ قتلتم خير رجالات بعد النّبي (صلّى الله عليه وآله) ، ونُزعت الرّحمة من قلوبكم ، ألا إنّ حزب الله هم المفلحون وحزب الشّيطان هم الخاسرون .

ثمّ قالت :

قتلتُمْ أخيْ ظُلماً فويلٌ لاُمّكمْ   ستُجزَونَ ناراً حرُّها يتوقّدُ

سفكتُمْ دماءً حرّمَ اللهُ سفْكَهَا   وحرَّمَها القُرآنُ ثُمّ محمّد

فضجّ النّاس بالبكاء والنّحيب ، ونشر النّساء شعورهن ، ووضعن التراب على رؤوسهن ، وخمشن وجوههن ولطمن خدودهن ، ودعون بالويل والثبور ، وبكى الرجال فلم يُرَ باكٍ وباكية أكثر من ذلك اليوم .

 ثم إنّ زين العابدين (عليه السّلام) أومأ إلى النّاس أنْ اسكتوا فسكتوا ، فقام قائماً فحمد الله وأثنى عليه ، وذكر النّبي (صلّى الله عليه وآله) بما هو أهله فصلّى عليه ، ثمّ قال : (( أيّها النّاس ، مَن عرفني فقد عرفني ومَن لمْ يعرفني فأنا اُعرّفه بنفسي : أنا علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، أنا ابن من انتُهك حريمه وسُلب نعيمه وانتُهب ماله وسُبي عياله ، أنا ابن المذبوح بشطّ الفرات من غير ذحل ولا ترات ، أنا ابن مَن قُتل صبراً وكفى بذلك فخراً . أيّها النّاس ، ناشدتكم بالله هل تعلمون أنّكم كتبتم إلى أبي وخدعتموه ، وأعطيتموه من أنفسكم العهد والميثاق والبيعة وقاتلتموه وخذلتموه ؟ فتبّاً لما قدّمتم لأنفسكم وسوأة لرأيكم ! بأيّة عين تنظرون إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إذ يقول لكم : قتلتم عترتي وانتهكتم حرمتي فلستم من اُمّتي ؟! )) .

فارتفعت أصوات النّاس بالبكاء من كلّ ناحية ، وقال بعضهم لبعض : هلكتم وما تعلمون . فقال (عليه السّلام) : (( رحم الله امرأً قبل نصيحتي وحفظ وصيّتي في الله ورسوله وأهل بيته ؛ فإنّ لنا في رسول الله (صلّى الله عليه وآله) اُسوة حسنة )) .

لا غِروَ إنْ قُتلَ الحُسينُ فشيخُهُ   قدْ كان خيراً منْ حُسينٍ وأكرَما

قتيـلٌ بشطِّ النَّهرِ روحي فداؤهُ   جزاءُ الذي أرْداهُ نـارُ جهـنَّما

* * *


الصفحة ( 134 )

يا ليتَ شِعريْ ما اعتذارهمُ إلى الزْ   زَهراءِ في أبنائـِها وبناتـِها

علّقـتمُـوها بالنـَّبيِّ خـصومـةً   ستَرَون في عقباكمُ تبعاتِها

المجلس السّابع والسّبعون

لمّا جيء بالسبايا والرؤوس إلى ابن زياد في الكوفة ، جلس في قصر الإمارة وأذن للناس إذناً عامّاً ، وأمر بإحضار رأس الحسين (عليه السّلام) فوُضع بين يدَيه فجعل ينظر إليه ويبتسم ، وكان في يده قضيب فجعل يضرب به ثناياه ويقول : إنّه كان حسن الثغر . وفي رواية : أنّه قال : لقد أسرع الشيب إليك يا أبا عبد الله . ثمّ قال : يوم بيوم بدر . وكان عنده أنس بن مالك فبكى وقال : كان أشبههم برسول الله (صلّى الله عليه وآله) وكان مخضوباً بالوسمة .

وكان إلى جانبه زيد بن أرقم صاحب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وهو شيخ كبير ، فلمّا رآه يضرب بالقضيب ثناياه قال له : ارفع قضيبك عن هاتين الشّفتين ، فو الله الذي لا إله غيره ، لقد رأيت شفتي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ما لا اُحصيه كثرةً يقبلهما . ثمّ انتحب باكياً ، فقال له ابن زياد : أبكى الله عينيك ، أتبكي لفتح الله ! والله ، لولا أنّك شيخ قد خرفت وذهب عقلك لضربتُ عنقك . فنهض زيد بن أرقم من بين يديه وسار إلى منزله ، وفي رواية : أنّه نهض وهو يقول : أيّها النّاس ، أنتم العبيد بعد اليوم ؛ قتلتم ابن فاطمة وأمّرتم ابن مرجانة ! والله ، ليقتلن خياركم وليستعبدن شراركم فبُعداً لمَن رضي بالذّل والعار . ثمّ قال : يابن زياد ، لاُحدثنّك حديثاً أغلظ عليك من هذا ، رأيتُ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أقعد حسناً على فخذه اليمنى وحسيناً على فخذه اليسرى ثمّ وضع يده على يافوخيهما ، ثمّ قال : (( اللهمَّ ، إنّي أستودعك إيّاهما وصالح المؤمنين )) . فكيف كانت وديعة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عندك يابن زياد ؟!

فعلتُمْ بأبناءِ النَّبيِّ ورهطِهِ   أفاعيلَ أدناهَا الخيانةُ والغدرُ


الصفحة ( 135 )

المجلس الثامن والسّبعون

لمّا اُدخل نساء الحسين (عليه السّلام) وصبيانه على ابن زياد بالكوفة ، لبست زينب (عليها السّلام) أرذل ثيابها وتنكّرت ، ومضت حتّى جلست ناحية من القصر وحفّ بها إماؤها ، فقال ابن زياد : مَن هذه ؟ فلمْ تجبه ، فأعاد الكلام ثانياً وثالثاً يسأل عنها ، فلمْ تجبه ، فقال له بعض إمائها : هذه زينب بنت فاطمة بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) . فأقبل عليها ابن زياد فقال لها : الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم وأكذب اُحدوثتكم . فقالت زينب : الحمد لله الذي أكرمنا بنبيّه محمّد (صلّى الله عليه وآله) وطهّرنا من الرجس تطهيراً ، إنّما يُفتضح الفاسق ويكذب الفاجر وهو غيرنا . فقال : كيف رأيت فعل الله بأخيك وأهل بيتك ؟ فقالت : ما رأيت إلاّ جميلاً ، هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم وسيجمع الله بينك وبينهم فتُحاج وتُخاصم فانظر لمَن الفلج يومئذ ، هبلتك اُمّك يابن مرجانة ! فغضب ابن زياد واستشاط وكأنّه همّ بها ، فقال له عمرو بن حريث : أيّها الأمير ، إنّها امرأة لا تؤاخذ بشيء من منطقها ولا تُذم على خطئها . فقال لها ابن زياد : لقد شفى الله قلبي من طاغيتك الحسين والعصاة المَرَدة من أهل بيتك . فرقّتْ زينب وبكتْ وقالت له : لعمري لقد قتلت كهلي وأبرزت أهلي ، وقطعت فرعي واجتثثتَ أصلي ، فإنْ كان هذا شفاؤك فقد اشتفيت . فقال ابن زياد : هذه سجّاعة ، ولَعمري لقد كان أبوها سجّاعاً شاعراً . فقالت : ما للمرأة والسّجاعة ؟! إنّ لي عن السّجاعة لشغلاً ، ولكنّ صدري نفث بما قلت .

فـقُلْ لـسرايَا شَيبةِ الحمدِ ما لكُمْ   قـعدّتُمْ وقدْ سارُوا بنسوتِكمْ أسرَى
وأعـظمُ ما يُشجي الغيورَ دخولُهُا   إلى مجلسٍ ما بارحَ اللهوَ والخَمَرا
يـُقارضُها فـيهِ الـدّعيُّ مـسبّةً   ويصرفُ عنْها وجهَهُ مُعرضاً ِكبْرا


الصفحة ( 136 )

وعُرض عليه علي بن الحسين (عليهما السّلام) فقال له : مَن أنت ؟ فقال : (( أنا علي بن الحسين )) . فقال : أليس قد قتل الله علي بن الحسين ؟ فقال له علي (عليه السّلام) : (( قد كان لي أخ يسمّى عليّاً قتله النّاس )) . قال : بل الله قَتله . فقال علي بن الحسين (عليهما السّلام) : (( اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا(1) )) . فغضِب ابن زياد وقال : وبك جرأة لجوابي ، وفيك بقيّة للردّ عليّ ؟! اذهبوا به واضربوا عنقه . فتعلّقت به عمّته زينب وقالت : يابن زياد ، حسبك من دمائنا . واعتنقته وقالت : لا والله لا اُفارقه ، فإنْ قتلتَه فاقتلني معه . فنظر ابن زياد إليها وإليه ساعة ثمّ قال : عجباً للرحم ! والله ، إنّي لأظنّها ودّت أنْ قتلتها معه ، دعوه فإنّي أراه لما به . وفي رواية : أنّ علي بن الحسين (عليهما السّلام) قال لعمّته : (( اسكتي يا عمّة حتّى اُكلّمه )) . ثمّ أقبل عليه فقال : (( أبِالقتل تهدّدني يابن زياد ؟! أما علمت أنّ القتل لنا عادة وكرامتنا الشّهادة ؟! )) .

ثم أمر ابن زياد بعلي بن الحسين (عليهما السّلام) وأهل بيته فحُملوا إلى دار بجنب المسجد الأعظم .

ومـخدّراتٍ مـا اُذيـعَ حـديثُها   أضـحتْ أحـاديثاً لـمَنْ يتحدّثُ
سُبيتْ على عُجفٍ تعثّر في السّرَى   يـحـدُو بـها مـُستعجلٌ لا يلبثُ
تـعساً لـمَنْ تـَسبي بـناتَ نبيِّها   فـبـأيِّ عـُـذرٍ عـنده تـتشبّثُ

المجلس التاسع والسّبعون

لمّا قُتل الحسين (عليه السّلام) صعد ابن زياد المنبر ، فقال : الحمد لله الذي أظهر الحقّ وأهله ، ونصر أمير المؤمنين يزيد وحزبه ، وقتل الكذّاب ابن الكذّاب وشيعته . فما زاد على هذا الكلام شيئاً حتّى قام إليه عبد الله بن عفيف الأزدي ـ وكان من خيار الشّيعة وزهّادها وكانت عينُه اليسرى ذهبت في حرب الجمل والاُخرى في يوم صفّين ، وكان يُلازم المسجد الأعظم يصلّي فيه إلى الليل ثمّ ينصرف ـ فقال : يابن

ــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الزُّمر / 42 .


الصفحة ( 137 )

مرجانة ، إنّ الكذّاب ابن الكذّاب أنت وأبوك ومَن استعملك وأبوه . يا عدوّ الله ، أتقتلون أبناء النبيّين وتتكلّمون بهذا الكلام على منابر المسلمين ؟! فغضب ابن زياد وقال : مَن هذا المتكلّم ؟ فقال : أنا المتكلّم يا عدوّ الله ، أتقتل الذرّيّة الطاهرة التي قد أذهب الله عنها الرجس وطهّرها تطهيراً ، وتزعم أنّك على دين الإسلام ؟! وآغوثاه ! أين أولاد المهاجرين والأنصار ينتقمون منك ومن طاغيتك اللّعين ابن اللّعين على لسان محمّد رسول ربّ العالمين ؟ فازداد غضب ابن زياد حتّى انتفخت أوداجُه وقال : عليّ به . فتبادرت إليه الجلاوزة من كلّ ناحية ليأخذوه ، فقامت الأشراف من الأزد من بني عمّه فخلّصوه منهم وأخرجوه من باب المسجد وانطلقوا به إلى منزله .

فقال ابن زياد : اذهبوا إلى هذا الأعمى أعمى الأزد ، أعمى الله قلبه كما أعمى عينيه ، فائتوني به . فلمّا بلغ ذلك الأزد اجتمعوا واجتمعت معهم قبائل اليمن ليمنعوا صاحبهم ، وبلغ ذلك ابن زياد فجمع قبائل مضر وضمّهم إلى محمّد بن الأشعث وأمره بقتال القوم ، فاقتتلوا قتالاً شديداً حتّى قتل بينهم جماعة من العرب ، ووصل أصحاب ابن زياد إلى دار عبد الله بن عفيف فكسروا الباب واقتحموا عليه ، فصاحت ابنته : أتاك القوم من حيث تحذر . فقال : لا عليك ، ناوليني سيفي . فناولته إيّاه ، فجعل يذبّ عن نفسه ويقول :

أنا ابنُ ذي الفضلِ عفيفِ الطّاهرِ   عفيفُ شيخـي وابنُ اُمِّ عامرِ

كـمْ دارعٍ مـنْ قـومِكُمْ وحاسرِ   وبطـلٍ جـدّلـتُـهُ مـُغاورِ

وجعلت ابنته تقول : يا أبت ، ليتني كنت رجلاً اُخاصم بين يديك اليوم هؤلاء الفجرة ، قاتِلي العترة البررة . وجعل القوم يدورون عليه من كلّ جهة وهو يذبّ عن نفسه ، فليس يقدم عليه واحد ، وكلمّا جاؤوه من جهة قالت ابنته : يا أبت جاؤوك من جهة كذا حتّى تكاثروا عليه وأحاطوا به ، فقالت ابنته : وآذلاّه ! يُحاط بأبي وليس له ناصر يستعين به . فجعل يدير سيفه ويقول :

اُقسمُ لو يُفسحُ ليْ عنْ بَصرِي   ضاقَ عليكُمْ موْرِدي ومصدَري


الصفحة ( 138 )

قال : فما زالوا به حتّى أخذوه ، ثمّ حُمل فاُدخل على ابن زياد ، فلمّا رآه قال : الحمد لله الذي أخزاك . فقال له عبد الله : يا عدوّ الله ، وبماذا أخزاني ؟

اُقسمُ لو يُفسحُ ليْ عنْ بَصرِي   ضاقَ عليكُمْ موْرِدي ومصدَري

فقال له ابن زياد : يا عدوّ الله ، ما تقول في عثمان بن عفّان ؟ قال : يا عبد بني علاج ، يابن مرجانة ، ـ وشتمه ـ ما أنت وعثمان ، أساء أم أحسن وأصلح أم أفسد ؟ والله تبارك وتعالى وليّ خلقه يقضي بينهم وبين عثمان بالعدل والحقّ ، ولكن سلني عن أبيك وعنك وعن يزيد وأبيه . فقال ابن زياد : والله ، لا أسألك عن شيء أو تذوق الموت غصّة بعد غصّة . فقال عبد الله بن عفيف : الحمد لله ربّ العالمين ، أما إنّي قد كنت أسأل الله ربّي أنْ يرزقني الشّهادة من قبل أنْ تلدك اُمّك ، وسألتُ الله أنْ يجعل ذلك على يد ألعن خلقه وأبغضهم إليه ، فلمّا كفّ بصري يئستُ من الشّهادة ، والآن فالحمد لله الذي رزقنيها بعد اليأس منها ، وعرّفني الإجابة منه في قديم دعائي . فقال ابن زياد : اضربوا عنقه . فضُربت عنقه وصُلب في السّبخة .

أبـَتْ الحميّةُ أنْ تُفارقَ أهلَها   وأبَى العزيزُ بأنْ يعيشَ ذَليلا

* * *

فيا وقعةً لمْ يُوقعْ الدّهرُ مثلَها   وفادحةً تُنسى لديها فوادحُهْ

المجلس الثمانون

لمّا جيء برأس الحسين (عليه السّلام) إلى ابن زياد بالكوفة ، أمر ابن زياد فطيف به في سكك الكوفة كلّها وقبائلها ، ولمّا فرغ القوم من التطواف به في الكوفة ، ردّوه إلى باب القصر .

وكتب ابن زياد إلى يزيد يخبره بقتل الحسين (عليه السّلام) وخبر أهل بيته ، وتقدّم إلى عبد الملك بن الحارث السلمي فقال : انطلق حتّى تأتي عمرو بن


الصفحة ( 139 )

سعيد بن العاص بالمدينة ـ وكان أميراً عليها وهو من بني اُميّة ـ فتُبشّره بقتل الحسين ، وقال : لا يسبقنّك الخبر إليه .

قال عبد الملك : فركبت راحلتي وسرت نحو المدينة ، فلقيني رجل من قريش فقال : ما الخبر ؟ قلت : عند الأمير تسمعه . قال : إنّا لله وإنّا إليه راجعون قُتل والله الحسين . ولمّا دخلت على عمرو بن سعيد ، قال : ما وراءك ؟ قلت : ما يسرّ الأمير ، قُتل الحسين بن علي . فقال : اخرج فنادِ بقتله . فناديت فلم أسمع واعية قط مثل واعية بني هاشم في دورهم على الحسين بن علي حين سمعوا النّداء بقتله ، فدخلت على عمرو بن سعيد فلمّا رآني تبسّم إلي ضاحكاً ، ثمّ تمثّل بقول عمرو بن معد يكرب الزبيدي ، وقيل : إنّه لمّا سمع أصوات نساء بني هاشم ضحك وتمثّل بذلك ، فقال :

عجّتْ نِساءُ بَني زيادٍ عجّةً   كعجيجِ نِسوَتِنا غداةَ الأرنَبِ

ثم قال عمرو : هذه واعية بواعية عثمان . ثمّ صعد المنبر وخطب النّاس وأعلمهم قتل الحسين (عليه السّلام) وقال في خطبته : إنّها لدمَة بلدمة وصدمة بصدمة ، كم خطبة بعد خطبة وموعظة بعد موعظة ، حكمة بالغة فما تغني النّذر ، والله لوددت أنّ رأسه في بدنه وروحه في جسده ، أحياناً كان يسبّنا ونمدحه ، ويقطعنا ونصله كعادتنا وعادته ، ولمْ يكن من أمره ما كان ، ولكن كيف نصنع بمَن سلّ سيفه يريد قتلنا إلاّ أنْ ندفعه عن أنفسنا .

فقام عبد الله بن الصائب فقال : لو كانت فاطمة (عليها السّلام) حيّة فرأت رأس الحسين (عليه السّلام) لبكت عليه . فجبهه عمرو بن سعيد وقال : نحن أحقّ بفاطمة منك ؛ أبوها عمّنا وزوجها أخونا وابنها ابننا ، لو كانت فاطمة حيّة لبكت عينها وحرّت كبدها ، وما لامت مَن قتله ودفعه عن نفسه .

وخرجت اُمّ لقمان بنت عقيل بن أبي طالب حين سمعت نعي الحسين (عليه السّلام) حاسرةً ومعها أخواتها ؛ اُمّ هانئ وأسماء ورملة وزينب بنات عقيل بن أبي طالب تبكي قتلاها بالطفّ ، وهي تقول :

ماذا تقولونَ إنْ قال النّبيُّ لكُمْ   ماذا فعلـتُمْ وأنـتُمْ آخِـرَ الاُمَمِ

بعترَتي وبأهـلي بعدَ مُفتَقَدي   منهُمْ اُسارى وقتلى ضُرّجوا بدَمِ


الصفحة ( 140 )

المجلس الواحد والثمانون

كان ابن زياد كتب إلى يزيد كتاباً يُخبره فيه بقتل الحسين (عليه السّلام) ، فلمّا وصل إليه الكتاب أجابه يأمره بحمل رأس الحسين (عليه السّلام) ورؤوس مَن قُتل معه ، وحمل أثقاله ونسائه وعياله إلى الشام .

فأرسل ابن زياد الرؤوس مع زحر بن قيس ، ثمّ أمر بنساء الحسين (عليه السّلام) وصبيانه فجُهّزوا وأمر بعلي بن الحسين (عليهما السّلام) فغُلّ إلى عنُقه ، وفي رواية : في يدَيه ورقبته ، ثمّ سرّح بهم في أثر الرؤوس مع محفر بن ثعلبة العائدي وشمر بن ذي الجوشن ، وحملهم على الأقتاب وساروا بهم كما يسار بسبايا الكفّار ، فانطلق بهم حتّى لحقوا بالقوم الذين معهم الرؤوس ، فلم يُكلّم علي بن الحسين (عليهما السّلام) أحداً منهم في الطريق بكلمة حتّى بلغوا دمشق . فلمّا انتهوا إلى باب يزيد ، رفع محفر صوته فقال : هذا محفر بن ثعلبة أتى أمير المؤمنين باللئام الفجرة . فأجابه علي بن الحسين (عليهما السّلام) : (( ما ولدت اُمّ محفر أشرّ )) .

وسمع يزيد غراباً ينعب فأنشد :

لمّا بَـدتْ تلك الحُـمولُ وأشـرَقتْ   تلك الشُّموسُ على رُبى جَيرونِ

نعبَ الغُرابُ فقلتُ صِحْ أو لا تَصحْ   فلقدْ قضيتُ من الغـريمِ دِيوني

ولمّا قربوا من دمشق ، دنت اُمّ كلثوم من شمر فقالت له : لي إليك حاجة . فقال : ما حاجتك ؟ قالت : إذا دخلت بنا البلد فاحملنا في درب قليل النظّارة ، وتقدّم إليهم أنْ يخرجوا هذه الرؤوس من بين المحامل وينحونا عنها ؛ فقد خُزينا من كثيرة النّظر إلينا ونحن في هذه الحال . فأمر ـ في جواب سؤالها ـ أنْ تُجعل الرؤوس على الرّماح في أوساط المحامل ؛ بغياً منه وكفراً ، وسلك بهم بين النظّارة على تلك الصفة حتّى أتى بهم باب دمشق ، فوقفوا على درج باب المسجد الجامع حيث يقام


الصفحة ( 141 )

السبي .

وجاء شيخ فدنا من نساء الحسين (عليه السّلام) وعياله ، وقال : الحمد لله الذي أهلككم وقتلكم وأراح البلاد من رجالكم وأمكن أمير المؤمنين منكم . فقال له علي بن الحسين (عليهما السّلام) : (( يا شيخ ، هل قرأت القرآن ؟ )) . قال : نعم . قال : (( فهل عرفت هذه الآية : قُل لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ الْمَوَدّةَ فِي الْقُرْبَى(1) ؟ )) . قال : قد قرأت ذلك . فقال له علي (عليه السّلام) : (( فنحن القربى يا شيخ . فهل قرأت في سورة بني إسرائيل : وَآتِ ذَا الْقُرْبَى‏ حَقّهُ(2) ؟ )) . فقال : قد قرأت ذلك . فقال علي (عليه السّلام) : (( فنحن القربى يا شيخ . فهل قرأت الآية : واعْلَمُوا أَنّمَا غَنِمْتُم مِن شَيْ‏ءٍ فَأَنّ للّهِ‏ِ خُمُسَهُ وَلِلرّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى(3) ؟ )) . قال : نعم . فقال علي (عليه السّلام) (( فنحن القربى يا شيخ . ولكن هل قرأت : إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً(4) ؟ )) . قال : قد قرأت ذلك . فقال علي (عليه السّلام) : (( فنحن أهل البيت الذين خصّنا الله بآية الطهارة يا شيخ )) .

قال : فبقي الشيخ ساكتاً نادماً على ما تكلّم به ، وقال : بالله إنّكم هم ؟ فقال علي بن الحسين (عليهما السّلام) : (( تالله ، إنّا لنحن هم من غير شكّ وحقّ جدِّنا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إنّا لنحن هم )) . فبكى الشيخ ورمى عمامته ثمّ رفع رأسه إلى السّماء وقال : اللهمَّ ، إنّي أبرأ إليك من عدوّ آل محمّد . ثمّ قال : هل لي من توبة ؟ فقال (عليه السّلام) له : (( نعم ، إنْ تبتَ تاب الله عليك وأنت معنا )) . فقال : إنّي تائب . فبلغ يزيد بن معاوية حديث الشيخ فأمر به فقُتل .

وأجـلُّ يومٍ بعد يومِكَ حلَّ في الْـ   إسـلامِ مـنهُ يـشيبُ كـلُّ جَنينِ
يومٌ سَرتْ أسرَى كما شاءَ العِدى   فـيهِ الـفواطمُ مـن بني ياسينِ
لا طابَ عيشُكَ يا زمانُ ولا جَرتْ   أنـهارُ مـائِكَ لـلورَى بـمعينِ

المجلس الثاني والثمانون

عن سهل بن سعد أنّه قال : خرجت إلى بيت المقدس حتّى توسطت الشام ، فإذا أنا بمدينة مطّردة الأنهار كثيرة الأشجار وقد علّقوا السّتور والحُجب والديباج

______________________

(1) سورة الشورى / 23 .

(2) سورة الإسراء / 26 .

(3) سورة الأنفال / 41 .

(4) سورة الأحزاب / 33 .


الصفحة ( 142 )

وهم فرحون مستبشرون وعندهم نساء يلعبن بالدفوف والطبول ، فقلت في نفسي : ترى لأهل الشام عيد لا نعرفه نحن ! فرأيت قوماً يتحدّثون فقلت : يا قوم ، ألكم بالشام عيد لا نعرفه نحن ؟ قالوا : يا شيخ ، نراك غريباً . فقلت : أنا سهل بن سعد قد رأيت محمّداً (صلّى الله عليه وآله) . قالوا : يا سهل ، ما أعجب السّماء لا تمطر دماً والأرض لا تنخسف بأهلها ! قلت : ولِم ذاك ؟ قالوا : هذا رأس الحسين عترة محمّد (صلّى الله عليه وآله) يُهدى من أرض العراق . فقلت : وآ عجباً يُهدى رأس الحسين (عليه السّلام) والنّاس يفرحون ! وقلت : من أيّ باب يدخل ؟ فأشاروا إلى باب يقال له باب السّاعات ، فبينا أنا كذلك حتّى رأيت الرايات يتلو بعضها بعضاً ، فإذا نحن بفارس بيده لواء منزوع السّنان عليه رأس من أشبه النّاس وجهاً برسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، فإذا من ورائه نسوة على جمال بغير وطاء ، فدنوت من اُولاهن فقلت : يا جارية ، مَن أنت ؟ فقالت : أنا سكينة بنت الحسين . فقلت لها : ألك حاجة إليّ فأنا سهل بن سعد ممَّن رأى جدّك وسمعت حديثه ؟ قالت : يا سهل ، قُل لصاحب هذا الرأس أنْ يُقدّم الرأس أمامنا حتّى يشتغل النّاس بالنظر إليه ، ولا ينظروا إلى حرم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) . قال سهل : فدنوت من صاحب الرأس فقلت له : هل لك أنْ تقضي حاجتي وتأخذ منّي أربعمئة دينار ؟ قال : ما هي ؟ قلت : تقدّم الرأس أمام الحرم . ففعل ذلك ودفعت إليه ما وعدته .

وروي أنّ بعض فضلاء التابعين ، وهو خالد بن معدان ، لمّا شاهد رأس الحسين (عليه السّلام) بالشام ، أخفى نفسه شهراً من جميع أصحابه ، فلمّا وجدوه بعد إذ فقدوه وسألوه عن سبب ذلك ، فقال : ألا ترون ما نزل بنا ؟! ثمّ أنشأ يقول :

جاؤوا برأسِكَ يابنَ بنتِ محمّد   مـُتـرمّلاً بـدمـائِهِ تَـرمِيلا
وكـأنّما بكَ يابنَ بنتِ محمّد   قَـتلوا جَـهاراً عامِدينَ رَسُولا
قـتلُوكَ عـَطشاناً ولمّا يَرقُبوا   فـي قـتلِكَ التّأويلَ والتّنْزيلا
ويـُكبّرونَ بـأنْ قُـتلتَ وإنّما   قـتلوا بـكَ الـتّكبيرَ والتّهليلا

* * *


الصفحة ( 143 )

المجلس الثالث والثمانون

لمّا اُدخل ثقل الحسين (عليه السّلام) ونساؤه ومَن تخلّف من أهله على يزيد ، وهم مقرونون في الحبال وزين العابدين (عليه السّلام) مغلول ، ووقفوا بين يدَيه وهم على تلك الحال ، قال له علي بن الحسين (عليهما السّلام) : (( اُنشدك الله يا يزيد ، ما ظنّك برسول الله (صلّى الله عليه وآله) لو رآنا على هذه الصفة ؟ )) . فلم يبقَ في القوم أحد إلاّ وبكى ، فأمر يزيد بالحبال فقُطعت وأمر بفكّ الغلّ عن زين العابدين (عليه السّلام) ، ثم وضع رأس الحسين (عليه السّلام) بين يدَيه وأجلس النّساء خلفه ؛ لئلاّ ينظرن إليه ، فجعلت فاطمة وسكينة يتطاولان لينظرا إلى الرأس ، وجعل يزيد يتطاول ليستر عنهما الرأس ، فلما رأينَ الرأس صِحن فصاحت نساء يزيد وولولت بنات معاوية ، فقالت فاطمة بنت الحسين (عليه السّلام) : أبنات رسول الله سبايا يا يزيد ؟ فبكى النّاس وبكى أهل داره حتّى علت الأصوات .

وأمّا زينب (عليها السّلام) ، فإنّها لمّا رأته أهوت إلى جيبها فشقّته ، ثمّ نادت بصوت حزين يُقرح القلوب : يا حسيناه ! يا حبيب رسول الله ! يابن مكّة ومِنى ! يابن فاطمة الزهراء سيّدة النّساء ! يابن بنت المصطفى !

قال الراوي : فأبكت والله كلّ مَن كان حاضراً في المجلس ويزيد ساكت ، ثمّ جعلت امرأة من بني هاشم كانت في دار يزيد تندب الحسين(عليه السّلام) وتنادي : يا حبيباه ! يا سيّد أهل بيتاه ! يابن محمّداه ! يا ربيع الأرامل واليتامى ! يا قتيل أولاد الأدعياء ! فأبكت كلّ مَن سمعها .

وكان في السّبايا الرباب بنت امرئ القيس زوجة الحسين (عليه السّلام) ، وهي اُمّ سكينة بنت الحسين (عليه السّلام) واُمّ عبد الله الرضيع المقتول بكربلاء ، وهي التي يقول فيها الحسين (عليه السّلام) .

لـعَمرُكَ إنّـني لاُحبُّ داراً   تـَحلُّ بـها سَكينَةُ والرَّبابُ
اُحِـبُّهُما وأبذلُ فوقَ جهدي   ولـيس لعاذلٍ عندي عِتابُ
ولستُ لهمْ وإنْ عَتبوا مُطيعاً   حَـياتي أو يُغيّبُني التُّرابُ 


الصفحة ( 144 )

فقيل : إنّ الرّباب أخذت الرأس ووضعته في حجرها وقبّلته ، وقالت :

وآ حُسينا فلا نَسيتُ حُسيناً   أقصَدتْـهُ أسنَّـةُ الأعـداءِ

غـادَرُوهُ بكربَلاءَ صَريعاً   لا سقَى اللهُ جانِبـَي كربلاءِ

المجلس الرابع والثمانون

لمّا وُضعت الرؤوس بين يدي يزيد وفيها رأس الحسين (عليه السّلام) ، جعل يتمثل بقول الحُصين بن الحمام المُرّي :

صَبرْنا وكان الصّبرُ منّا سَجيّةً   بـأسيافِنا تَفرينَ هاماً ومِعصَمَا
أبَى قومُنا أنْ يُنصفونا فأنصَفتْ   قواضِبُ في أَيمانِنا تَقطرُ الدِّمَا
نـُفلّقُ هَـاماً منْ رجالٍ أعزّةٍ   عـلينا وهُمْ كانوا أعقَّ وأظلمَا

ودعا بقضيب خيزران وجعل ينكت به ثنايا الحسين (عليه السّلام) ، ثمّ قال : يوم بيوم بدر . وكان عنده أبو برزة الأسلمي فقال : ويحك يا يزيد ، أتنكت بقضيبك ثغر الحسين بن فاطمة ؟! أشهد لقد رأيت النّبي (صلّى الله عليه وآله) يرشف ثناياه وثنايا أخيه الحسن ويقول : (( أنتما سيّدا شباب أهل الجنّة ، فقتل الله قاتلكما ولعنه وأعدّ له جهنّم وساءت مصيراً )) . فغضب يزيد وأمر بإخراجه فاُخرج سحباً .

وفي رواية : أنّ يزيد دعا أشراف أهل الشام فأجلسهم حوله ، ثمّ دعا بعلي بن الحسين (عليهما السّلام) وصبيان الحسين (عليه السّلام) ونسائه فاُدخلوا عليه والنّاس ينظرون ، ثمّ قال يزيد لعلي بن الحسين (عليهما السّلام) : يابن الحسين ، أبوك قطع رحِمي وجهل حقّي ونازعني سُلطاني ، فصنع الله به ما قد رأيت . فقال علي بن الحسين (عليهما السّلام) : (( مَا أَصَابَ مِن مُصِيَبةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي أَنفُسِكُمْ إِلاّ فِي كِتَابٍ مِن قَبْلِ أَن نَبْرَأَهَا إِنّ ذلِكَ عَلَى‏ اللّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْ لاَ تَأْسَوْا عَلَى‏ مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللّهُ لاَ يُحِبّ كُلّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ(1) )) .

وقال علي بن الحسين (عليهما السّلام) :

______________________

(1) سورة الحديد / 22 ـ 23 .

الصفحة ( 145 )

(( يابن معاوية وهند وصخر ، لقد كان جدّي عليُّ بن أبي طالب في يوم بدر واُحُد والأحزاب في يده راية رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وأبوك وجدّك في أيديهما رايات الكفّار )) . ثمّ قال علي بن الحسين (عليهما السّلام) : (( ويلك يا يزيد ! إنّك لو تدري ماذا صنعت ، وما الذي ارتكبت من أبي وأهل بيتي وأخي وعموتي ، إذاً لهربت في الجبال ، وافترشت الرماد(1) ، ودعوتَ بالويل والثبور ، أنْ يكون رأس أبي الحسين بن فاطمة وعلي منصوباً على باب مدينتكم ، وهو وديعة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فيكم ؟! )) .

ومـا رأتْ أنبياءُ اللهِ منْ مِحنٍ   وأوصـياؤهُمُ في سالفِ الحُقَبِ
كمِحنةِ السيّدِ السجّادِ حينَ أتتْ   يزيدَ نِسوتُهُ أسْرى على النُّجبِ
أمـامَها رُفِعتْ فوقَ الأسنَّةِ منْ   حُماتِها أرؤسٌ فاقتْ سَنا الشُّهبِ

المجلس الخامس والثمانون

لمّا جيء برأس الحسين (عليه السّلام) إلى يزيد بالشام ، دعا بقضيب خيزران وجعل ينكت به ثنايا الحسين (عليه السّلام) ويقول :

لـيتَ أشـياخي ببدرٍ شَهدوا   جَزعَ الخزْرجِ منْ وقْعِ الأسلْ
لأهـلّـوا واسْـتهلّوا فـرحاً   ثمّ قـالوا يـا يزيدُ لا تشلْ
قـد قـتلنا القَرمَ منْ ساداتهمْ   وعـدلـناه بـبدرٍ فـاعتَدلْ 

لـعبتْ هـاشمُ بـالمُلكِ فلا   خـبرٌ جـاء ولا وحيٌ نَزلْ
لـستُ من خِندفَ إنْ لم أنتقمْ   مِـن بني أحمدَ ما كانَ فعلْ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وردت المفردة في مصادر اُخرى ( الرّمال ) ، ولعلها الأقرب ؛ تساوقاً مع المعنى ووحدة السياق ، وكذلك مفردتي ( أنْ يكون ) فقد وردتا ( أيكون ) وهو الأقرب أيضاً .  (موقع معهد الإمامين الحسنين)


الصفحة ( 146 )

فقامت زينب بنت علي (عليهما السّلام) فقالت : الحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على رسوله وآله أجمعين ، صدق الله كذلك حيث يقول : ( ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوءَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُون )(1) . أظننتَ يا يزيد حيث أخذت علينا أقطار الأرض وآفاق السماء ، فأصبحنا نُساق كما تُساق الإماء ، أنّ بنا هواناً على الله وبك كرامة ؟ وأنّ ذلك لعظم خطرك عنده ؟ فشمخت بأنفك ونظرت في عِطفك جذلان مسروراً ؛ حيث رأيت الدّنيا لك مستوسقة والاُمور متّسقة ، وحين صفا لك ملكنا وسلطاننا ، فمهلاً مهلاً ، أنسيت قول الله تعالى : ( ولاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ ِلأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ )(2) ؟

أمِن العدل يابن الطلقاء تخديرك حرائرك وإماءك ، وسوقك بنات رسول الله (صلّى الله عليه وآله) سبايا قد هتكت ستورهنَّ وأبديت وجوههنَّ ، تحدوا بهنّ الأعداء من بلد إلى بلد ، ويستشرفهنَّ أهل المناهل والمناقل ، ويتصفّح وجوههنّ القريب والبعيد والدّنيء والشريف ، ليس معهنَّ من حماتهنَّ حمي ولا من رجالهنّ وَلي ؟! وكيف ترتجى مراقبة ابن مَن لفط فوه أكباد الأزكياء ، ونبت لحمه بدماء الشهداء ؟! وكيف يستبطأ في بغضنا أهل البيت مَن نظر إلينا بالشنف والشنآن والإحن والأضغان ؟! ثمّ تقول غير متأثّم ولا مستعظم :

لأهلُّوا واستهلُّوا فَرحاً   ثُمّ قالوا يا يزيدُ لا تشَلْ

منحنياً على ثنايا أبي عبد الله سيّد شباب أهل الجنّة تنكتها بمخصرتك ! وكيف لا تقول ذلك وقد نكأت القرحة واستأصلت الشأفة بإراقتك دماء ذرّيّة محمّد (صلّى الله عليه وآله) ، ونجوم الأرض من آل عبد المطلب ؟! وتهتف بأشياخك زعمت أنّك تناديهم ! فلتردنّ وشيكاً موردَهم ، ولتودنّ أنّك شللت وبكمت ولم تكن قلت ما قلت وفعلت ما فعلت .

اللهمَّ ، خُذ لنا بحقّنا وانتقم ممَّن ظلمنا ، وأحلل غضبك بمَن سفك دماءنا وقتل حماتنا . فوالله ، ما فريتَ إلاّ جلدك ولا حززت إلاّ لحمك ، ولتردنّ على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بما تحمّلت من سفك دماء ذرّيّته ، وانتهكت من حرمته في عترته ولُحمته ،

______________________

(1) سورة الروم / 10 .

(2) سورة آل عمران / 178 .


الصفحة ( 147 )

( ولاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ )(1) . وحسبُك بالله حاكماً وبمحمّد (صلّى الله عليه وآله) خصيماً ، وسيعلم مَن سوّل لك ومكّنك من رقاب المسلمين أن بئس للظالمين بدلاً وأنّكم شرّ مكاناً وأضعف جنداً ! ولئن جرّت عليّ الدواهي مخاطبتك أنّي لأستصغر قدرك ، وأستعظم تقريعك ، وأستكبر توبيخك ، لكن العيون عَبرى والصدور حَرّى .

ألا فالعجب كلّ العجب لقتل حزب الله النّجباء بحزب الشيطان الطلقاء ! فهذه الأيدي تنظف من دمائنا ، والأفواه تتحلب من لحومنا ، وتلك الجثث الطواهر الزواكي تنتابها العواسل ، وتعقرها اُمّهات الفراعل(2) ، ولئن اتخذتنا مغنماً لتجدنّنا وشيكاً مغرماً حين لا تجد إلاّ ما قدّمت يداك ، وما ربّك بظلاّم للعبيد ، فإلى الله المشتكى وعليه المعوّل .

فكد كيدك واسعَ سعيك ، وناصب جهدك ، فوالله ، لا تمحو ذكرنا ولا تُميت وحينا ، ولا تدرك أمدنا ولا تدحض عنك عارها ، وهل رأيك إلاّ فَنَد ، وأيّامك إلاّ عدد ، وجمعك إلاّ بدد ، يوم يُنادي المنادي : ألا لعنة الله على الظالمين . فالحمد لله الذي ختم لأولنا بالسعادة والمغفرة ، ولآخرنا بالشهادة والرحمة ، ونسأل الله أنْ يكمل لهم الثواب ويوجب لهم المزيد ، ويحسن علينا الخلافة إنّه رحيم ودود ، وحسبنا الله ونعم الوكيل .

فقال يزيد مجيباً لها :

يـا صـيحةً تـُحمَدُ منْ صَوائحِ   مـا أهـونَ الـنَّوحِ على النَّوائحِ

* * *

فـقُلْ لـسرايا شَيبةِ الحَمدِ ما لكمْ   قـعدتُمْ وقدْ ساروا بنسوتِكُمْ أسرَى
وأعـظمُ ما يُشجي الغيورَ دخولُها   إلى مجلسٍ ما بارحَ اللهوَ والخمْرا
يـُقـارضُها فـيهِ يـزيدُ مَـسبَّةً   ويَصرفُ عنها وجهَهُ مُعرضاً كِبرا

المجلس السّادس والثمانون

لمّا اُدخل عيال الحسين (عليه السّلام) وبناته على يزيد بالشام ، نظر رجل من أهل الشام

______________________

(1) سورة آل عمران / 169 .

(2) العواسل ، جمع عاسل ، يقال عسل الذئب : إذا اضطرب في عدوه وهزّ رأسه . والفرعل كـ ( قنفذ ) : وَلد الضبع ، جمعه فراعل . واُمّهات الفراعل : الضباع .   ـ المؤلّف ـ


الصفحة ( 148 )

أحمر إلى فاطمة بنت الحسين (عليهما السّلام) فقال : يا أمير المؤمنين ، هب لي هذه الجارية . قالت فاطمة : فارتعدت وظننت أنّ ذلك جائز عندهم ، فأخذت بثياب عمّتي زينب وقلت : يا عمّتاه ! أوتمت واُستخدم ؟! وكانت عمّتي تعلم أنّ ذلك لا يكون ، فقالت عمّتي : لا حبّاً ولا كرامة لهذا الفاسق . وقالت للشامي : كذبت والله ولؤمت ، والله ما ذاك لك ولا له . فغضب يزيد وقال : كذبت ، إنّ ذلك لي ولو شئت أنْ أفعل لفعلت . قالت زينب : كلاّ والله ، ما جعل الله لك ذلك إلاّ أنْ تخرج من ملّتنا وتدين بغيرها . فاستطار يزيد غضباً وقال : إيّاي تستقبلين بهذا ! إنّما خرج من الدّين أبوك وأخوك . قالت زينب : بدين الله ودين أبي ودين أخي اهتديت أنت وجدّك وأبوك إنْ كنت مسلماً . قال : كذبتِ يا عدوّة الله . قالت له : أنت أمير تشتم ظالماً وتقهر بسلطانك . فكأنّه استحيا وسكت . فعاد الشامي فقال : هب لي هذه الجارية . فقال له يزيد : اعزب ، وهب الله لك حتفاً قاضياً .

وفي رواية : فقال الشامي : مَن هذه الجارية ؟ فقال : هذه فاطمة بنت الحسين ، وتلك زينب بنت علي . فقال الشامي : الحسين بن فاطمة وعلي بن أبي طالب ؟! فقال : نعم . فقال الشامي : لعنك الله يا يزيد ، تقتل عترة نبيّك وتسبي ذرّيّته ! والله ، ما توهّمت إلاّ أنّهم من سبي الروم . فقال يزيد : والله لألحقنّك بهم . ثمّ أمر به فضُربت عنقه .

أفَتدَّعي الإسلامَ قومٌ حاربَتْ   آلَ الـنَّبيِّ ولمْ تـُراعِ وصاتَا

وسَبتْ ذَراري أحمدٍ ونساءَهُ   أسرَى تجوبُ بها رُبىً وفلاتَا

المجلس السّابع والثمانون

لمّا جيء بسبايا أهل البيت (عليه السّلام) إلى يزيد بالشام ، أمر يزيد بمنبر وخطيب ، وأمر الخطيب أنْ يصعد المنبر فيذمّ الحسين وأباه صلوات الله عليهما ، فصعد


الصفحة ( 149 )

الخطيب المنبر فحمد الله وأثنى عليه ، ثمّ بالغ في ذمّ أمير المؤمنين والحسين الشهيد ، وأطنب في مدح معاوية ويزيد فذكرهما بكلّ جميل ، فصاح به علي بن الحسين (عليهما السّلام) : (( ويلك أيّها الخاطب ! اشتريت مرضاة المخلوق بسخط الخالق ، فتبوّأ مقعدك من النار )) . ثم قال علي بن الحسين (عليهما السّلام) : (( يا يزيد ، أتأذن لي حتّى أصعد هذه الأعواد فأتكلّم بكلمات لله فيهنّ رضىً ولهؤلاء الجلساء فيهنّ أجر وثواب ؟ )) . فأبى يزيد عليه ذلك ، فقال النّاس : يا أمير المؤمنين ، ائذن له فليصعد المنبر فلعلّنا نسمع منه شيئاً . فقال : إنّه إنْ صعد لم ينزل إلاّ بفضيحتي وفضيحة آل أبي سفيان . فقيل له : وما قدر ما يُحسن هذا ؟ فقال : إنّه من أهل بيت زقّوا العلم زقّاً . فلم يزالوا به حتّى أذِن له ، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ، ثمّ خطب خطبة أبكى فيها العيون وأوجل منها القلوب ، ثمّ قال : (( أيّها النّاس ، اُعطينا ستّاً وفُضّلنا بسبع ؛ اُعطينا العلم والحلم ، والسّماحة والفصاحة ، والشجاعة والمحبّة في قلوب المؤمنين ، وفُضلّنا بأنّ منّا النبيّ المختار محمّداً (صلّى الله عليه وآله ) ، ومنّا الصدّيق ومنّا الطيّار ، ومنّا أسد الله وأسد رسوله ، ومنّا سيّدة نساء العالمين ، ومنّا سبطا هذه الاُمّة .

مَن عرفني فقد عرفني ومَن لم يعرفني أنبأته بحسبي ونسبي . . . )) فلم يزل يقول : (( أنا . . . أنا )) حتّى ضجّ النّاس بالبكاء والنحيب ، وخشي يزيد أنْ تكون فتنة ، فأمر المؤذّن فقطع عليه الكلام ، فلمّا قال المؤذّن : الله أكبر ، الله أكبر . قال علي بن الحسين (عليهما السّلام) : (( لا شيء أكبر من الله )) . فلمّا قال : أشهد أنْ لا إله إلاّ الله ، قال علي بن الحسين (عليه السّلام) : (( شهد بها شعري وبشري ولحمي ودمي )) . فلمّا قال المؤذّن : أشهد أنّ محمّداً رسول الله . التفت (عليه السّلام) من فوق المنبر إلى يزيد فقال : (( محمّد هذا جدّي أم جدّك يا يزيد ؟ فإنْ زعمت أنّه جدّك فقد كذبت وكفرت ، وإنْ زعمت أنّه جدّي فلِم قتلت عترته ؟ )) .

ولقد أحسن ابن سنان الخفاجي حيث يقول :

يـا اُمّـةً كفرتْ وفي أفواهِها القُر   آنُ فـيهِ ضَـلالُها ورشَـادُها
أعَـلَى الـمنابرِ تُـعلِنونَ بـسبِّهِ   وبـسيفِهِ نُـصبتْ لـكُمْ أعوادُها
تـلكَ الـضَّغائنُ لمْ تَزلْ بـَدريةً   قـُتِل الـحُسينُ وما خبتْ أحقادُها

* * *
يُصلّى على المبعوثِ منْ آلِ هاشمٍ   ويـُغـزَى بـنوهُ إنّ ذا لـعجيبُ


الصفحة ( 150 )

المجلس الثامن والثمانون

دعا يزيد يوماً بعلي بن الحسين (عليهما السّلام) وعمرو بن الحسن (عليه السّلام) ، وكان عمرو غلاماً صغيراً يقال أنّ عمره إحدى عشرة سنة ، فقال له : أتصارع هذا ؟ يعني ابنه خالداً . فقال له عمرو : لا ، ولكن أعطني سكّيناً وأعطه سكّيناً ، ثمّ اُقاتله . فقال يزيد :

شَنْشنةٌ أعرفُها من أخزمِ   هلْ تلدُ الحيَّةُ إلاّ الحيَّهْ

وخرج زين العابدين (عليه السّلام) يوماً يمشي في أسواق دمشق فاستقبله المنهال بن عمرو ، فقال له : كيف أمسيت يابن رسول الله ؟ قال : (( أمسينا كمَثل بني إسرائيل في آل فرعون ؛ يُذبِّحون أبناءهم ويَستحيون نساءهم . يا منهال ، أمستْ العرب تفتخر على العجم بأنّ محمّداً عربي ، وأمستْ قريش تفتخر على سائر العرب بأنّ محمّداً منها ، وأمسينا معشر أهل بيته ونحن مغصوبون مقتولون مشرّدون ، إنّا لله وإنّا إليه راجعون ممّا أمسينا فيه يا منهال )) .

يُعظّمـونَ لهُ أعوادَ مِنبرهِ   وتحتَ أرجُلهِمْ أولادُهُ وُضِعوا

بأيِّ حـُكمٍ بَنوهُ يتْبعونكُمُ   وفخركُـمُ أنّكمْ صحبٌ لهُ تَبعُ

وكان يزيد وعد علي بن الحسين (عليهما السّلام) يوم دخولهم عليه أنْ يقضي له ثلاث حاجات ، فقال له : اذكر حاجاتك الثلاث اللاتي وعدتك بقضائهن . فقال له (عليه السّلام) : (( الاُولى : أنْ تُريني وجه سيّدي ومولاي وأبي الحسين (عليه السّلام) ، فأتزوّد منه وأنظر إليه واُودّعه ، والثانية : أنْ تردّ علينا ما اُخذ منّا ، والثالثة : إنْ كنتَ عزمتَ على قتلي ، أنّ توجّه مع هؤلاء النّساء مَن يردّهنّ إلى حرم جدّهنّ (صلّى الله عليه وآله) )) . فقال : أمّا وجه أبيك فلن تراه أبداً ؛ وأمّا قتلك فقد عفوت عنك ؛ وأمّا النّساء فما يردّهنّ غيرك إلى المدينة ؛ وأمّا ما اُخذ منكم فأنا اُعوّضكم عنه أضعاف قيمته . فقال (عليه السّلام) : (( أمّا مالَك فلا نُريده وهو موفّر عليك ، وإنّما طلبتُ ما اُخذ منّا ؛ لأنّ فيه مغزل فاطمة بنت محمّد (صلّى الله عليه وآله) ومقنعتها وقلادتها وقميصها )) .


الصفحة ( 151 )

لـقدْ تـَحمّلَ مِن أرزائِها مِحناً   لـمْ يحْتَملْها نَبيٌّ ووصيُّ نَبي
وإنّ أعـظَمَ مـا لاقاهُ مُحتَسباً   عـندَ الإلهِ فسَامَى كلَّ مُحتَسبِ
حملُ الفواطِمِ أسرَى للشآمِ على   عُجفِ النِّياقِ تُقاسي نَهسةَ القَتَبِ

المجلس التاسع والثمانون

لمّا رجع أهل البيت (عليهم السّلام) من الشام إلى المدينة ، قالوا للدليل : مُر بنا على طريق كربلاء . فلمّا وصلوا إلى موضع المصرع ، وجدوا جابر بن عبد الله الأنصاري ، وجماعة من بني هاشم ، ورجالاً من آل الرسول (صلّى الله عليه وآله) قد وردوا لزيارة قبر الحسين (عليه السّلام) ، فتوافوا في وقت واحد وتلاقوا بالبكاء والحزن واللطم ، وأقاموا المآتم واجتمع عليهم أهل ذلك السّواد ، وأقاموا على ذلك أياماً .

وعن الأعمش عن عطيّة العوفي قال : خرجت مع جابر بن عبد الله الأنصاري (رضي الله عنه) زائراً قبر الحسين (عليه السّلام) ، فلمّا وردنا كربلاء ، دنا جابر من شاطئ الفرات فاغتسل ثمّ ائتزر بإزار وارتدى بآخر ، ثمّ فتح صرّة فيها سعد فنثرها على بدنه ، ثمّ لمْ يخطُ خطوة إلاّ ذكر الله تعالى ، حتّى إذا دنا من القبر قال : المسنيه يا عطيّة . فألمسته إيّاه ، فخرّ على القبر مغشيّاً عليه ، فرششت عليه شيئاً من الماء ، فلمّا أفاق قال : يا حسين ! ( ثلاثاً ) ثمّ قال : حبيب لا يُجيب حبيبه . ثمّ قال : وأنّى لك بالجواب وقد شُخبت أوداجك على أثباجك وفُرّق بين بدنك ورأسك ، أشهد أنّك ابن خير النبيّين وابن سيّد المؤمنين ، وابن حليف التّقوى وسليل الهدى ، وخامس أصحاب الكسا وابن سيّد النّقبا وابن فاطمة سيّدة النّساء ، وما لك لا تكون هكذا وقد غذّتك كفّ سيّد المرسلين ، وربيت في حجر المتّقين ، ورضعت من ثدي الإيمان وفطمت بالإسلام ، فطبت حيّاً وطبت ميتاً ، غير أنّ قلوب المؤمنين غير طيّبة بفراقك ، ولا شاكّة في حياتك ، فعليك سلام الله ورضوانه ، وأشهد أنّك مضيت على ما مضى عليه أخوك يحيى بن زكريّا (عليه السّلام) .

 ثمّ جال ببصره


الصفحة ( 152 )

حول القبر وقال : السّلام عليكم أيّتها الأرواح التي حلّت بفِناء الحسين (عليه السّلام) وأناختْ برحله ، أشهد أنّكم أقمتم الصّلاة وآتيتم الزكاة ، وأمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر ، وجاهدتم الملحدين وعبدتم الله حتّى أتاكم اليقين . والذي بعث محمّداً بالحقّ لقد شاركناكم فيما دخلتم فيه .

قال عطيّة : فقلت لجابر : فكيف ولمْ نهبط وادياً ولمْ نعلُ جبلاً ولمْ نضرب بسيف ، والقوم قد فُرّق بين رؤوسهم وأبدانهم ، واُوتمت أولادهم ، واُرملت الأزواج ؟! فقال لي : يا عطيّة ، سمعت حبيبي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول : (( مَن أحبّ قوماً حُشر معهم ، ومَن أحبّ عمل قوم اُشرك في عملهم )) . والذي بعث محمّداً (صلّى الله عليه وآله) بالحقّ ، إنّ نيّتي ونيّة أصحابي على ما مضى عليه الحسين (عليه السّلام) وأصحابه .

قال عطيّة : فبينما نحن كذلك وإذا بسواد قد طلع من ناحية الشام ، فقلت : يا جابر ، هذا سواد قد طلع من ناحية الشام . فقال جابر لعبده : انطلق إلى هذا السّواد واتنا بخبره ؛ فإنْ كانوا من أصحاب عمر بن سعد فارجع إلينا لعلّنا نلجأ إلى ملجأ ، وإنْ كان زين العابدين فأنت حُرّ لوجه الله تعالى .

قال : فمضى العبد فما كان بأسرع من أنْ رجع وهو يقول : يا جابر ، قُم واستقبل حرم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، هذا زين العابدين (عليه السّلام) قد جاء بعمّاته وأخواته . فقام جابر يمشي حافي الأقدام مكشوف الرأس إلى أنْ دنا من زين العابدين (عليه السّلام) ، فقال الإمام : (( أنت جابر ؟ )) . قال : نعم يابن رسول الله . فقال : (( يا جابر ، هاهنا والله قُتلت رجالنا وذُبِحت أطفالنا ، وسُبيت نساؤنا وحُرقت خيامنا )) .

ولكَـمْ مَررتُ بكـربلا مُتمَثلاً   شُهداءَها صَرعى على رَبواتِها

فوقفْتُ واسْتوقَفتُ فيها عُصبةً   وقَفوا نواظرَهُمْ عـلى عبَراتِها

المجلس التسعون

لمّا رجع علي بن الحسين (عليهما السّلام) بعمّاته وأخواته من الشام ، مرّوا على كربلاء ثمّ انفصلوا عنها طالبين المدينة .

قال بشير بن جذلم : فلمّا قربنا منها ، نزل علي بن


الصفحة ( 153 )

الحسين (عليهما السّلام) فحطّ رحله وضرب فسطاطه وأنزل نساءه ، وقال : (( يا بشير ، رحم الله أباك لقد كان شاعراً ، فهل تقدر على شيء منه ؟ )) . قلت : بلى يابن رسول الله ، إنّي لشاعر . قال : (( فادخل المدينة وانعَ أبا عبد الله )) .

قال بشير : فركبت فرسي وركضت حتّى دخلت المدينة ، فلمّا بلغت مسجد النّبي (صلّى الله عليه وآله) ، رفعت صَوتي بالبكاء وأنشأت أقول :

يا أهلَ يثربَ لا مُقامَ لكُمْ بها   قُتل الحُسينُ فأدمُعي مِدرارُ

الجسمُ منهُ بكربلاءَ مُضرّجٌ   والرأسُ منهُ على القناةِ يُدارُ

ثم قلت : يا أهل المدينة ، هذا علي بن الحسين (عليهما السّلام) مع عمّاته وأخواته قد حلّوا بساحتكم ونزلوا بفنائكم ، وأنا رسوله إليكم اُعرّفكم مكانه . قال : فما بقيت بالمدينة مخدّرة ولا محجّبة إلاّ برزن من خدورهن ، مكشوفة شعورهن ، مخمشة وجوههن ، ضاربات خدودهن يدعين بالويل والثبور ، ولمْ يبقَ بالمدينة أحد إلاّ خرج وهم يضجّون بالبكاء ، فلم أرَ باكياً أكثر من ذلك اليوم ولا يوماً أمرّ على المسلمين منه بعد وفاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وسمعتُ جارية تنوح على الحسين (عليه السّلام) وتقول :

نـعَى سيّدي نـاعٍ نـَعاهُ فأوجَعا   وأمـرَضَـني نـاعٍ نـَعاهُ فـأفجَعا
فـعينَيَّ جـُودا بـالدموعِ وأسـكبا   وجـُودا بـدمعٍ بـعدَ دمْعِـكُما مَعا
على مَنْ دهَى عرشَ الجليلِ فزَعْزعا   فـأصبحَ هـذا المجدُ والدّينُ أجدَعا
عـلى ابـن نـبيِّ اللهِ وابنِ وصيِِّهِ   وإنْ كـان عـنَّا شاحطَ الدّارِ أشْسَعا

ثم قالت : أيّها الناعي ، جدّدت حزننا بأبي عبد الله (عليه السّلام) ، وخدشت منّا قروحاً لمّا تندمل ، فمَن أنت رحمك الله ؟ فقلت : أنا بشير بن جذلم ، وجّهني مولاي علي بن الحسين (عليهما السّلام) وهو نازل بموضع كذا وكذا مع عيال أبي عبد الله الحسين (عليه السّلام) و نسائه . قال : فتركوني مكاني وبادروني ، فضربت فرسي حتّى رجعت إليهم ، فوجدت النّاس قد أخذوا الطريق والمواضع ، فنزلت عن فرسي وتخطّأت رقاب النّاس حتّى قربت من باب الفسطاط ، وكان علي بن الحسين (عليهما السّلام) داخلاً


الصفحة ( 154 )

فخرج ومعه خرقة يمسح بها دموعه وخلفه خادم معه كرسي ، فوضعه له وجلس عليه وهو لا يتمالك من العبرة ، وارتفعت أصوات النّاس بالبكاء من كلّ ناحية يعزّونه ، فضجّت تلك البقعة ضجّة شديدة ، فأومأ بيده أنْ اسكتوا ، فسكنت فورتهم ، فقال : (( الحمد لله ربّ العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدّين بارئ الخلائق أجمعين ، الذي بعُد فارتفع في السّماوات العُلا وقَرُب فشهد النّجوى ، نحمده على عظائم الاُمور وفجائع الدهور ، وألم الفجائع ومضاضة اللواذع ، وجليل الرزء وعظيم المصائب الفاظعة الكاظّة الفادحة الجائحة .

أيّها القوم ، إنّ الله وله الحمد ابتلانا بمصائب جليلة وثلمة في الإسلام عظيمة ؛ قُتل أبو عبد الله وعترته ، وسُبي نساؤه وصبيته ، وداروا برأسه في البلدان من فوق عامل السّنان ، وهذه الرزيّة التي لا مثلها رزيّة .

 أيّها النّاس ، فأيّ رجالات منكم يُسرّون بعد قتله ؟! أم أيّ فؤاد لا يحزن من أجله ؟! أم أيّ عين منكم تحبس دمعها وتضنّ عن انهمالها ؟! فلقد بكتْ السّبع الشّداد لقتله ، وبكتْ البحار بأمواجها ، والسّماوات بأركانها والأرض بأرجائها ، والأشجار بأغصانها والحيتان في لُجج البحار ، والملائكة المقرّبون وأهل السّماوات أجمعون .

أيّها النّاس ، أيّ قلب لا ينصدع لقتله ؟! أم أيّ فؤاد لا يحنّ إليه ؟! أم أيّ سمع يسمع هذه الثّلمة التي ثلمت في الإسلام ولا يصم ؟!

أيّها النّاس ، أصبحنا مطرودين مشرّدين مذودين شاسعين عن الأمصار من غير جرم اجترمناه ، ولا مكروه ارتكبناه ، ولا ثلمة في الإسلام ثلمناها ، ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين إنْ هذا إلاّ اختلاق ! والله ، لو أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) تقدّم إليهم في قتالنا كما تقدّم إليهم في الوصاية بنا ، لما زادوا على ما فعلوا بنا ، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون من مصيبة ما أعظمها وأوجعها ، وأكظّها وأفظعها ، وأمرّها وأفدحها ، فعند الله نحتسب فيما أصابنا وما بلغ بنا ، إنّه عزيز ذو انتقام )) .

ثم دخل زين العابدين (عليه السّلام) المدينة فرآها مُوحشة باكية ، ووجد ديار أهله خالية تنعى أهلها وتندب سكّانها .


الصفحة ( 155 )

مَررتُ علـى أبياتِ آلِ محمّدٍ   فلَمْ أرَها أمثالـَها يـَوم حُـلَّتِ

فـلا يُبعدُ الله الـدّيارَ وأهلَها   وإنْ أصبحتْ منهم برغم تخَلَّتِ

المجلس الواحد والتسعون

قال الصادق (عليه السّلام) : (( البكّاؤون خمسة : آدم ، ويعقوب ، ويوسف ، وفاطمة بنت محمّد ، وعلي بن الحسين (عليه السّلام) ؛ فأمّا آدم (عليه السّلام) فبكى على الجنّة ؛ أمّا يعقوب فبكى على يوسف (عليه السّلام) حتّى ذهب بصره ، وحتّى قيل له : تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنْ الْهَالِكِينَ ؛ وأمّا يوسف فبكى على يعقوب (عليه السّلام) حتّى تأذّى به أهل السّجن فقالوا : إمّا أنْ تبكي بالنّهار وتسكت بالليل ، وإمّا أنْ تبكي بالليل وتسكت بالنّهار ، فصالحهم على واحد منهما ؛ وأمّا فاطمة بنت محمّد (صلّى الله عليه وآله) فبكت على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حتّى تأذّى بها أهل المدينة ، وقالوا لها : قد آذيتنا بكثرة بكائك ، فكانت تخرج إلى مقابر الشهداء فتبكي حتّى تقضي حاجتها ثمّ تنصرف ؛ وأمّا علي بن الحسين (عليه السّلام) فبكى على أبيه الحسين أربعين سنة ، وما وُضع بين يدَيه طعام إلاّ بكى حتّى قال له مولىً له : جُعلت فداك يابن رسول الله إنّي أخاف عليك أنْ تكون من الهالكين . قال : إنّما أشكو بثّي وحُزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون ، إنّي لم أذكر مصرع بني فاطمة إلاّ خنقتني العبرة )) .

وعن الصادق (عليه السّلام) أنّه بكى على أبيه الحسين (عليه السّلام) أربعين سنة صائماً نهاره قائماً ليله ، فإذا حضره الإفطار جاء غلامه بطعامه وشرابه فيضعه بين يدَيه ، فيقول : (( قُتل ابن رسول الله جائعاً ، قُتل ابن رسول الله عطشان )) . فلا يزال يكرّر ذلك ويبكي حتّى يبل طعامه من دموعه ثمّ يمزج شرابه بدموعه ، فلم يزل كذلك حتّى لحق بالله عزّ وجل .


الصفحة ( 156 )

وفي رواية : أنّه كان إذا حضر الطعام لإفطاره ، ذكر قتلاه وقال : (( وآ كربلاء ! )) يُكرّر ذلك ويقول : (( قُتل ابن رسول الله جائعاً ، قُتل ابن رسول الله عطشان )) حتّى يبل بالدموع ثيابه .

وحدّث مولى له : أنّه برز يوماً إلى الصحراء ، قال : فتبعته فوجدته قد سجد على حجارة خشنة ، فوقفت وأنا أسمع شهيقه وبكاءه ، وأحصيت عليه ألف مرّة وهو يقول : (( لا إله إلاّ الله حقّاً حقّاً ، لا إله إلاّ الله تعبّداً ورقّاً ، لا إله إلاّ الله إيماناً وصدقاً )) . ثمّ رفع رأسه من سجوده وإذا لحيته ووجهه قد غمرا بالماء من دموع عينيه ، فقلت : يا سيّدي ، أما آن لحزنك أنْ ينقضي ولبكائك أنْ يقل ؟ فقال لي : (( ويحك ! إنّ يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم كان نبيّاً ابن نبي ، له اثنا عشر ابناً ، فغيّب الله واحداً منهم فشاب رأسه من الحزن ، واحدودب ظهره من الغمّ ، وذهب بصره من البكاء ، وابنه حيّ في دار الدّنيا ! وأنا رأيت أبي وأخي وسبعة عشر من أهل بيتي صرعى مقتولين ، فكيف ينقضي حزني ويقلّ بكائي ؟! )) .

لله أعباءُ صبرٍ قدْ تَحمَّلهَا   لمْ يحْتملْها نـبيٌّ ووصـيُّ نبي

هذي المصائِبُ لا ما كان في قِدمٍ   لآلِ يعـقوبَ منْ حُزنٍ ومن كُربِ(1)

المجلس الثاني والتسعون

لمّا قُتل الحسين (عليه السّلام) ، أتى عبد الله بن الزّبير فدعا ابن عبّاس إلى بيعته فامتنع ابن عبّاس ، وظنّ يزيد أنّ امتناع ابن عبّاس تمسّك منه ببيعته ، فكتب إليه : أمّا بعد ، فقد بلغني أنّ الملحد ابن الزّبير دعاك إلى بيعته والدخول في طاعته لتكون له على الباطل ظهيراً وفي المآثم شريكاً ، وأنّك اعتصمت ببيعتنا وفاءً منك لنا وطاعة لله لما عرَّفك من حقِّنا ، فجزاك الله عن ذي رحم خير ما يجزي الواصلين لأرحامهم ، الموفين بعهودهم ، فما أنسَ من الأشياء فلست بناسٍ بِرّك وتعجيل صلتك بالذي

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ورد البيتان في المجالس بهذا النحو :

هذي المصائبُ لا مصائب آلِ يَعـْ   ـقوبَ وإنْ صدعَ الهوى إلمامَها

لقدْ تحـمّلَ مـنْ أرزائـِها مِحـناً   لمْ يحْتملْها نـبيٌّ ووصـيُّ نبيْ

وفيهما من الخلل العروضي ما لا يخفى ، وقد اعتمدنا تثبيتهما على مصدرهما الأساس بعد أن وجدناهما ضمن قصيدة للمرحوم عبد الحسين شكر متألفة من 37 بيتاً .  (موقع معهد الإمامين الحسنين)


الصفحة ( 157 )

أنت له أهل من القرابة من الرّسول ، فانظر مَن طلع عليك من الآفاق ممَّن سحرهم ابن الزّبير بلسانه وزُخرف قوله ، فأعلمهم برأيك ؛ فإنّهم منك أسمع ولك أطوع ، والسّلام .

فكتب إليه ابن عبّاس : أمّا بعد ، فقد جاءني كتابك تذكر فيه دعاء ابن الزّبير إيّاي إلى بيعته والدخول في طاعته ، فإنْ يكن ذلك كذلك ، فإنّي والله ما أرجو بذلك برّك ولا حمدك ، ولكنّ الله بالذي أنوي به عليم . وزعمت أنّك غير ناسٍ برّي وتعجيل صلتي ، فاحبس أيّها الإنسان برّك وتعجيل صلتك فإنّي حابس عنك ودّي ، فلَعمري ما تؤتينا ممّا لنا قِبلك من حقِّنا إلاّ اليسير ، وأنّك لتحبس عنّا منه العريض الطويل . وسألت أنْ أحثّ النّاس إليك وأنْ اُخذّلهم عن ابن الزّبير ، فلا ولاء و لا سرور ولا حباء ، إنّك تسألني نصرتك وتحثّني على ودّك وقد قتلت حسيناً (عليه السّلام) وفتيان عبد المطّلب مصابيح الهدى ونجوم الأعلام ، غادرتْهم خيولك بأمرك في صعيد واحد مرمّلين بالدّماء ، مسلوبين بالعراء ، لا مكفّنين ولا موسّدين ، تسفي عليهم الرياح وتنتابهم عرج الضّباع حتّى أتاح الله بقوم لم يشركوا في دمائهم كفّنوهم وأجنوهم ، وجلست مجلسك الذي جلست ! فما أنسى من الأشياء فلستُ بناسٍ طرادك حسيناً (عليه السلام) من حرم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إلى حرم الله وتسييرك إليه الرجال لتقتله في الحرم ، فما زلتَ بذلك وعلى ذلك حتّى أشخصته من مكّة إلى العراق ، فخرج خائفاً يترقّب ، فزلزلت به خيلك ؛ عداوةً منك لله ولرسوله ولأهل بيته الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً ، اُولئك لا كآبائك الجلاّف الجفاة أشباه الحمير . فطلب إليكم الحسين (عليه السلام) الموادعة وسألكم الرّجعة ، فاغتنمتم قلّة أنصاره واستئصال أهل بيته ، فتعاونتم عليه كأنّكم قتلتم أهل بيت من الترك ، فلا شيء أعجب عندي من طلبتك وُدّي وقد قتلتَ ولد أبي وسيفك يقطر من دمي ، وأنت أحد ثأري ! وإنشاء الله لا يبطل لديك دمي ولا تسبقني بثأري ، وإنْ سبقتني في الدّنيا فقبل ذلك ما قُتل النبيّون وآل النبيّين فيطلب الله بدمائهم ، فكفى بالله للمظلومين ناصراً ومن الظالمين منتقماً .

ألا وإنّ من أعجب الأعاجيب ، وما عسى أنْ أعجب ، حملك بنات عبد المطّلب وأطفالاً صغاراً من ولده إليك بالشام كالسبي المجلوب ، تُري النّاس أنّك


الصفحة ( 158 )

قهرتنا ، وأنت تمنّ علينا وبنا مَنّ الله عليك ! ولعمر الله ، فلئن كنت تصبح آمناً من جراحة يدي إنّي لأرجو أنْ يعظّم الله جرحك من لساني ونقضي وإبرامي . والله ، ما أنا بآيس من بعد قتلك ولد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنْ يأخذك أخذاً أليماً ، ويُخرجك من الدّنيا مذموماً مدحوراً ، فعش لا أباً لك ما استطعت ، فقد والله أرداك ما اقترفت ، والسّلام على من اتّبع الهدى .

فلمّا وصل الكتاب إلى يزيد ، غضب غضباً شديداً وهمّ أنْ يقتل ابن عبّاس ، ولكن شغلته عنه قضيّة ابن الزّبير ، ثمّ أخذه الله أخذ عزيز مقتدر .

نصرتَ ابنُ عبّاسٍ حسينَ بنَ فاطمٍ   بحدِّ لسانٍ ما عنْ السّيفِ يَنقصُ

دعـتْكَ إليه شِيـمةٌ هـاشـمـيّةٌ   فحقّاً لأنتَ الهاشميُّ المُخـلَصُ

المجلس الثالث والتسعون

روى الشيخ الطوسي رحمه الله في الأمالي قال : بلغ المتوكّل جعفر بن المعتصم أنّ أهل السّواد يجتمعون بأرض نينوى لزيارة قبر الحسين (عليه السّلام) ، فيصير إلى قبره منهم خلق كثير ، فأنفذ قائداً من قوّاده وضمّ إليه جنداً كثيفاً ليحرث قبر الحسين (عليه السّلام) ويمنع النّاس من زيارته والاجتماع إلى قبره . فخرج القائد إلى الطفّ وعمل بما أمر ، وذلك في سنة سبع وثلاثين ومئتين ، فثار أهل السّواد به واجتمعوا عليه وقالوا : لو قُتلنا عن آخرنا لما أمسك مَن بقي منّا عن زيارته ، ورأوا من الدلائل ما حملهم على ما صنعوا ، فكتب بالأمر إلى الحضرة ، فورد كتاب المتوكّل إلى القائد بالكفّ عنهم والمسير إلى الكوفة مظهراً أنّ ذلك في مصالح أهلها .

فمضى الأمر على ذلك حتّى كانت سنة مئتين وسبع وأربعين ، فبلغ المتوكّل أيضاً مصير النّاس من أهل السّواد والكوفة إلى كربلاء لزيارة قبر الحسين (عليه السّلام) ، وأنّه قد كثر جمعهم


الصفحة ( 159 )

لذلك وصار لهم شوق كثير ، فأنفذ قائداً في جمع كثير من الجند ، وأمر منادياً ينادي : أنْ برئت الذمّة ممَّن زار قبر الحسين (عليه السّلام) ، وأمر بنبش القبر وحرث أرضه ، وانقطع النّاس عن الزيارة .

ما كفى ما فعلته بنو اُميّة من قتل الحسين (عليه السّلام) وأهل بيته وأنصاره ، ورضّ جسده الشريف ، وسبي نسائه وذراريه من بلد إلى بلد ، وحمل رأسه ورؤوس أصحابه فوق الرماح حتّى جاءت بنو العبّاس فبنت على ما أسّسته بنو اُميّة وزادت عليه ، ورامت أنْ تدرس قبر الحسين (عليه السّلام) وتعفي أثره ، وتمنع النّاس من زيارته ! ( يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاّ أَن يُتِمّ نُورَهُ )(1) .

بنَى لهمُ الماضُونَ آساسَ هذهِ   فعلَوا على آساسِ تلك القواعدِ

ألا ليسَ فعلُ الأولينَ وإنْ عَلا   على قُبحِ فعلِ الآخرينَ بزائدِ

وكان بعض المحبّين قد حضر لزيارة الحسين (عليه السّلام) حين أمر المتوكّل بحرث القبر الشريف ، فلم تمكنه الزيارة ، فتوجّه نحو بغداد وهو يقول :

تاللهِ إنْ كـانت اُمـيّةُ قـدْ أتتْ   قَـتلَ ابـنِ بـنتِ نبيِّها مظلُوما
فـلقدْ أتـاكَ بـنو أبـيهِ بمثلِها   هــذا لَـعمركَ قـبرُهُ مـهدُوما
أسِـفوا على أنْ لا يكونوا شايَعوا   فــي قـتلِهِ فـتتبَّعُوهُ رَمـيْما

* * *
تـَتبَّعوكُمْ ورامُـوا محوَ فضلِـكُمُ   وخـيَّبَ اللهُ مـَن في ذلكُمْ طَمعا
أنَّى وفي الصلواتِ الخمسِ ذكركُمُ   لـدَى الـتَّشهدِ لـلتوحيدِ قدْ شفَعا

المجلس الرابع والتسعون

روي عن الصادق (عليه السّلام) أنّه قال : (( ما اكتحلت هاشميّة ولا اختضبت ، ولا رئي في دار هاشمي دخان خمس سنين حتّى قُتل عبيد الله بن زياد )) .

وعن فاطمة بنت

______________________

(1) سورة التوبة / 31 .


الصفحة ( 160 )

علي أمير المؤمنين عليها وعلى أبيها السّلام أنّها قالت : ما تحنّأت امرأة منّا ، ولا أجالت في عينها مروداً ، ولا امتشطت حتّى بعث المختار برأس عبيد الله بن زياد .

ولمّا قتل ابراهيمُ بن مالك الأشتر عبيد الله بن زياد ، بعث برأسه ورؤوس قوّاده ـ وفيها رأس الحُصين بن تميم ـ إلى المختار بالكوفة ، فقدموا عليه وهو يتغدّى فحمد الله على الظفر ، فلمّا فرغ من الغداء قام فوطئ وجه ابن زياد بنعله ، ثمّ رمى بها إلى غلامه وقال : اغسلها ، فإنّي وضعتها على وجه بَحسٍ كافر . ووُضعت الرؤوس في المكان الذي وضع فيه رأس الحسين (عليه السّلام) ورؤوس أصحابه ، ونصب المختار رأس ابن زياد في المكان الذي نصب فيه رأس الحسين (عليه السّلام) .

وروى ابن الأثير في الكامل عن الترمذي في جامعه : أنّه لمّا وُضع رأس ابن زياد أمام المختار ، جاءت حيّة دقيقة فتخلّلت الرؤوس حتّى دخلت في فم عبيد الله بن زياد ثمّ خرجت من منخره ، ودخلت في منخره وخرجت من فيه ، فعلت هذا مراراً ، ثمّ بعث المختار برأس عبيد الله بن زياد إلى علي بن الحسين (عليهما السّلام) وكان يومئذ بمكّة ، فاُدخل عليه وهو يتغدّى ، فسجد شكراً لله ، وقال : (( الحمد لله الذي أدرك لي ثأري من عدوّي ، وجزى الله المختار خيراً . اُدخلت على ابن زياد وهو يتغدّى ، ورأس أبي بين يدَيه ، فقلتُ : اللهمَّ ، لا تُمتني حتّى تريني رأس ابن زياد )) .

وكان قتل ابن زياد وأشياعه في يوم عاشوراء ، في اليوم الذي قُتل فيه الحسين (عليه السّلام) ، ولمْ يُقتل من أهل الشام بعد وقعة صفين مثلما قُتل في هذه الوقعة ؛ قُتل منهم سبعون ألفاً .

أيا ابنَ زيادٍ بـُؤ بما قدْ جنيتهُ   وذُقْ حدَّ ماضي الشّفرتينِ صَقيلِ

جزى اللهُ خيراً شرطةَ اللهِ إنّهُمْ   شفـَوا بعـُبـيدِ اللهِ كـلَّ غلـيلِ

المجلس الخامس والتسعون

روى الشيخ الطوسي في الأمالي بإسناده عن المنهال بن عمرو ، قال : دخلت على


الصفحة ( 161 )

علي بن الحسين (عليهما السّلام) منصرفي من مكّة ، فقال : (( يا منهال ، ما صنع حرملة بن كاهلة ؟ )) . فقلت : تركته حيّاً بالكوفة . فرفع يدَيه جميعاً ثمّ قال : (( اللهمَّ ، أذقه حرّ الحديد . اللهمَّ ، أذقه حرّ النّار )) . فقدمت الكوفة وقد ظهر المختار بن عبيدة الثقفي ، وكان لي صديقاً ، فكنت في منزلي أياماً حتّى انقطع النّاس عنّي وركبت إليه فلقيته خارجاً من داره ، فقال : يا منهال ، لمْ تأتنا في ولايتنا هذه ، ولم تهنّئناها ، ولمْ تشركنا فيها ! فأعلمته أنّي كنت بمكّة وأنّي قد جئت الآن .

وسايرته ونحن نتحدث حتّى أتى الكناس ( وهي الساحة التي يجتمع فيها النّاس بالكوفة ) فوقف كأنّه ينتظر شيئاً ، وقد كان اُخبر بمكان حرملة بن كاهلة فوجّه في طلبه ، فلمْ يلبث أنْ جاء قوم يركضون وقوم يشتدّون حتّى قالوا : أيّها الأمير البشارة ، قد اُخذ حرملة بن كاهلة . فما لبثنا أنْ جيء به ، فلمّا نظر إليه قال لحرملة : الحمد لله الذي أمكنني منك . ثمّ قال : الجزّار الجزّار . فاُتي بجزّار ، فقال له : اقطع يدَيه . فقُطعتا ، ثمّ قال : النّار النّار . فاُتي بنار وقصب فاُلقي إليه فأشعل فيه النّار ، فقلت : سبحان الله ! فقال لي : يا منهال ، إنّ التسبيح لحسن ، ففيم سبّحت ؟ فقلت : أيّها الأمير ، دخلت في سفرتي هذه منصرفي من مكّة على علي بن الحسين (عليهما السّلام) ، فقال لي : (( يا منهال ، ما فعل حرملة بن كاهلة الأسدي ؟ )) . فقلت : تركته حيّاً بالكوفة . فرفع يدَيه جميعاً فقال : (( اللهمَّ ، أذقه حرّ الحديد . اللهمَّ ، أذقه حرّ النّار )) . فقال لي : أسمعت علي بن الحسين يقول هذا ؟ فقلت : والله ، لقد سمعته . قال : فنزل عن دابّته وصلّى ركعتين فأطال السجود ثمّ قام فركب ، وقد احترق حرملة .

وركبت معه وسرنا ، فحاذيت داري فقلت : أيّها الأمير ، إنْ رأيت أنْ تشرّفني وتكرمني وتنزل عندي وتحرم بطعامي . فقال : يا منهال ، تُعلمني أنّ علي بن الحسين (عليهما السّلام) دعا بأربع دعوات فأجابه الله على يدَي ، ثمّ تأمرني أنْ كلّ ؟! هذا يوم صوم شكراً لله عزّ وجلّ على ما فعلته بتوفيقه .

وحرملة هذا رمى يوم الطفّ ثلاثة من آل بيت الرسول (صلّى الله عليه وآله) ؛ أحدهم أبو بكر بن الحسن ، فإنّه خرج إلى الحرب وقاتل حتّى قُتل ، رماه حرملة هذا بسهم فقتله ، والثاني عبد الله الرضيع ، وذلك لمّا


الصفحة ( 162 )

أخذه أبوه الحسين (عليه السّلام) وأجلسه في حجره وأومأ إليه ليقبّله ، فرماه حرملة بن كاهلة بسهم فوقع في نحره فذبحه ، فقال (عليه السّلام) لزينب : (( خذيه )) . ثمّ تلقّى الدم بكفّيه ، فلمّا امتلأتا رمى بالدم نحو السماء ، ثمّ قال : (( هوّن عليّ ما نزل بي أنّه بعين الله )) .

والثالث عبد الله بن الحسن ، فإنّه خرج من عند النّساء وهو غلام ، فلحقته زينب وامتنع امتناعاً شديداً ، وجاء يشتد إلى عمّه الحسين (عليه السّلام) حتّى وقف إلى جنبه وقال : لا اُفارق عمّي . فأهوى بحر بن كعب إلى الحسين (عليه السّلام) بالسيف ، فقال الغلام : ويلك يابن الخبيثة ! أتقتل عمّي ؟! فضربه بحر بالسيف فاتّقاها الغلام بيده فأطنّها إلى الجلد فإذا هي معلّقة ، فنادى الغلام : يا عمّاه ! ـ أو يا اُمّاه ! ـ فأخذه الحسين (عليه السّلام) فضمّه إلى صدره وقال : (( يابن أخي ، اصبر على ما نزل بك واحتسب في ذلك الخير ، فإنّ الله يلحقك بآبائك الصالحين ؛ برسول الله وعلي وحمزة وجعفر والحسن صلّى الله عليهم أجمعين )) . فرماه حرملة بسهم فذبحه وهو في حجر عمّه ، فرفع الحسين (عليه السّلام) يدَيه وقال : (( اللهمَّ ، امسك عنهم قطر السّماء ، وامنعهم بركات الأرض . اللهمَّ ، فإنْ متّعتهم إلى حين ، ففرّقهم فرقاً واجعلهم طرائق قدداً ولا ترض الولاة منهم أبداً ؛ فإنّهم دعونا لينصرونا ثمّ عدوا علينا فقتلونا )) .

هَـبُوا أنّكُمْ قاتلتمُ فقتلتُمُ   فما بالُ أطفال تُقاسي نبالَها


الصفحة ( 163 )

وليكن هذا آخر الجزء الأول من كتاب المجالسُ السَّنيّة في ذكرى مناقب ومصائب العترة النبويّة ، ويليه الجزء الثاني .

ووافق الفراغ منه أولاً ضحى يوم السبت الثاني عشر من شهر ذي القعدة الحرام ، عام ألف وثلاثمئة واثنين وأربعين من الهجرة بمدينة دمشق الشام ، صانها الله تعالى عن طوارق الحدثان . ووافق الفراغ من إعادة النظر فيه ثانياً ، عند إرادة تمثيله للطبع للمرّة الثانية وتغيير بعض ترتيبه والزيادة عليه والإنقاص منه ، ضحى يوم الجمعة الخامس عشر من شهر ذي الحجّة الحرام عام الف وثلثمئة وخمسين من الهجرة بقرية شقراء من جبل عامل ، حماه الله من الغوائل . ووافق الفراغ من إعادة النظر فيه ثالثاً ، عند إرادة تمثيله للطبع هذه المرّة ، في اليوم الرابع عشر من شهر رمضان المبارك عام 1364 من الهجرة بمنزلي في دمشق الشام ، وقاها الله من حوادث الأيام ، في شارع الأمين حماه الله من كلّ ما يضرّ ويشين .

وكتب بيده الفانية مؤلّفه الفقير إلى عفو ربّه الغني محسن ابن المرحوم السيّد عبد الكريم الأمين الحسيني العاملي ، نزيل دمشق ، تجاوز الله عن سيّئاته حامداً مصلّياً مسلّماً ، وكان الفراغ من تجديده وإعادة طبعه للمرّة الخامسة على يد حسن الأمين ، ولد المؤلف ، في الثامن من ذي الحجّة عام 1382 في بيروت .

والحمد لله رب العالمين

 

 
 
البرمجة والتصميم بواسطة : MWD