1439 / جمادی‌الآخرة / 4  |  2018 / 02 / 21         الزيارات : 570321         صلاة الصبح |         صلاة الظهر والعصر |         صلاة المغرب والعشاء |

الحسين ريحانة النبي

{ انطون بارا }
الحسين ريحانة النبي

 

الاهداء

  

إلى من بكتْ عليه ملائكةُ السماء .

إلى من بكتْ عليه السمواتُ العلى .

إلى من بكت عليه الجنُّ والإنسُ والوحشُ في الفلا .

إلى من ضريحه مبعث العَبرة والبكاء .

إلى من نظر إليه الرسول (ص) ففاضتْ عيناهُ بالدموع .

إلى من أصبحِ قبلة الرزايا .

إلى من قبَّل ثغره خاتم الأنبياء .

إلى من صار كتف النبي (ص) له مرتقى .

إلى من تربته جُعلت للشفاء .

إلى من هو سفينة للنجاة .

إلى من تزيّن عرش الله باسمه .

إلى من غدا مدرسة للعظماء .

إلى من تحت قبته يستجاب الدعاء .

إلى من مرقده للآمال يرتجى .

إلى أبي عبد الله وسيد الشهداء .

أهدي هذا المجهود المتواضع رمزاً للولاء .

فسلام عليك يوم ولدت ويوم استشهدت ويوم تبعث حيا .

 

 

 

 

 

 

 

 

المقدمة

 

أهزوجة حب لقمر كربلاء

ما سر هذا الألق الروحي الجاذب للنفوس النزّاعة لقدسية كربلاء... وكيف نفهم ما تعنيه ثورة سيّد الشهداء إذا لم نكن حسينيين قلباً قالباً..؟!

ومن رحاب حبّ الشهيد الحسين (عليه السلام) تطلّ المحبّة الفوّاحة ناشرة ضياءها بين السطور، ساطعة أنوارها خلف الكلمات، توحي لمسطرها روعة ما قام به سبط النبي، وتصوّر لسريرته النقية هلع السرائر والحنايا من هول الفاجعة.

ملحمة إنسانية روحانية لم يشهد لها التاريخ شبيهاً رقت درجات فوق مستوى الملحمة؛ لأنّها استمدت عزمها من عزمة عترة النبي وآل بيته الأخيار، فكانت هزَّة مهَّدت لثورة روحيّة تذكِّر المسلمين خاصّة والمؤمنين عامّة،بمعنى أنه ينتصب المؤمن كالطود الصلب في وجه المتاجرين بالدين وموقظي الفتنة لأغراض دنيويّة ليست بذات قيمة حيال استمرارية صفاء الشريعة والسنّة قرناً بعد قرن مجللة بالغار وهادية بالحقّ؛ لأنّ خير الأمم أُمّة هُدِيتْ إلى الحقّ فهدت به... والتزمته بالعدل(1).

ومن هذا الفهم لأهمّيّة هداية الحقّ ننظر إلى اجتهاد الشيخ كمال معاش في كتابه (الحسين ريحانة النبي) حيث قدّم إضافة متواضعة لخدمة أهداف كربلاء ليكون من الحائزين لنعمة المنافحة عن هيوليّة حركته العظيمة التي وزّعت سناها على توالي القرون كما توزّع بلّورة صافية ضوء الشمس المنعكس عليها، فتتداعى إليها القلوب، وتشخص ناحيتها الأبصار... تيمناً بقول الرسول (صلى الله عليه وآله) : (إنّما مثلُ أهلِ بيتي فيكم كمثل سفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها هلك - أو غرق -)(2).

والمقصود في هذا القول الكريم ليس من ركبها ركوباً مادّياً في حينها أو تخلّف عنها في ساعتها، بل يشمل هذا المغزى كافّة الأجيال التالية التي تستلهم سيرة أهل البيت، وتسير على هديها، فتكون كمن تركب سفينتها لتنجو في أي وقت صحت عزيمتها، ومن ينافح عن مصداقيّة حركة الحسين بقلمه وفكره ووجدانه بعد أربعة عشر قرناً من حدوث الملحمة يكون كمن شارك فيها حقاً، باسترجاعه لمبادئها ورفضه لمنطق الهدم، وبذلك يكون بمقياس المعنى النبوي المقصود مشاركاً، كالقاسم وأخيه العباس وأخوته وآل عقيل وعابس والحجاج وسويد وبرير والحر وكل الذين جاهدوا جهاداً مادّياً إلى جانب الحسين، وسقوا غرسه الشهادة في صحراء كربلاء بدمائهم الزكية، وقد أخرج ابن ماجة وأبو يعلى عن الحسين (عليه السلام) قوله: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: ما من مسلم تصيبه مصيبة وإن قدم عهدها فيحدث لها استرجاعاً إلاّ أعطاه الله ثواب ذلك).

والمؤلف الشيخ كمال يهدي سطوره المتواضعة إلى من تربته جعلت للشفاء، إلى من نظر إليه الرسول (صلى الله عليه وآله) ففاضت عيناه بالدموع، ويؤكّد في مقدّمته حقيقة خالدة بقوله: إنّ الإمام الحسين (عليه السلام) لم يكن رجل حرب أو مجرّد بطل مواقف وميادين فحسب، بل نتج عن نهضته الرائدة مسيرة عباديّة جهادية سياسيّة تظللت في ظل مبادئ مقدسة مستوحاة من روح نصوص الشريعة الإلهية، وهذا القول يتّفق مع ما أوردته في كتابي (الحسين في الفكر المسيحي)(3)، من أن واقعة كربلاء لم تكن موقعة عسكرية انتهت بانتصار وانكسار، بل كانت رمزاً لموقف أسمى لا دخل له بالصراع بين القوّة والضعف، بين العضلات والرماح بقدر ما كانت صراعاً بين الشكّ والإيمان، بين الحقّ والظلم.

يقول الحسين (عليه السلام): (إنّما خرجت لطلب الإصلاح في أمّة جدّي.. أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر). وفي هذا الإعلان انسجام الإنسان مع الحقّ، وقد آثر الحسين صلاح أُمّة جدّه الإنسانيّة الهاديّة بالحق، العادلة به على حياته، فكان في عاشوراء رمزاً لضمير الأديان على مرّ العصور، فاستشهاده وسيرته عنوان صريح لقيمة الثبات على المبدأ ولعظمة المثالية في أخذ العقيدة وتمثلها.

فالشكر كل الشكر للشيخ كمال معاش على مسعاه، (وقُل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون)(4).

 

انطون بارا

الكويت 27 / 7 / 2001 م

 

 مقدّمة المؤلف 

 عندما نتأمل شخصية الإمام الحسين (عليه السلام)  في التاريخ نراها شخصية متميزة سواء في أخلاقه أو أفعاله أو أقواله أو صمته أو مواقفه، كل ذلك يدفعنا إلى تأمّلات ثاقبة من خلال أحاديثه العطرة والتي هي بلسم للقلوب، لاشك أنّ القرآن الكريم معجزة النبي محمد (صلى الله عليه وآله)، بينما الحسين (عليه السلام) هو صوت القرآن وحركته التي قادها وجسّدها على أرض الواقع بطف كربلاء حركة قرآنية ورسالية وثورة إنسانية.

ومن الخطأ أن نفكر بأنّ الحسين (عليه السلام) كان حكراً على طائفة، وإنما هو إمام لكل المسلمين؛ لأنه استشهد من أجل دين الله، ودفاعاً عن حقوق العباد، بل هو حامل رسالة جده الحبيب المصطفى محمد (صلى الله عليه وآله)، فهو للعالم أجمع بمختلف أديانه ومذاهبه وطوائفه وطبقاته، إنّه لملايين البشر؛ لأنّ البشرية عقدتْ آمالها على شخصيّته وإنسانيته (عليه السلام)، لأنّ رسالته رسالة إنسانية قبل كل شيء.

ولم يكن الإمام الحسين (عليه السلام) رجل حرب، أو مجرد بطل مواقف وميادين فحسب، كما لم تكن واقعة كربلاء حادثة عابرة في التأريخ، وإنما اقترن الحسين (عليه السلام) وحركة نهضته الرائدة بهدف سام أعلى نتجت منه مسيرة عبادية جهادية سياسية تظللت في ظل مبادئ مقدسة مستوحاة من روح نصوص الشريعة الإلهية والرسالة المحمدية. لقد أراد الحسين (عليه السلام) أن يحررنا من عبودية الطاغوت إلى عبودية الله سبحانه وتعالى ليُعبِّر عن إرادته وكرامته، ولكي نتنفس الحرية بكل طلاقة كما قال أبوه علي (عليه السلام): (ولا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حراً)(5).

وقد سار الإمام الحسين (عليه السلام) على نهج جده رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأبيه أمير المؤمنين (عليه السلام)، لينقذ الأمّة من براثن الجهل والظلمات، إلى عالم النور.

وبدورنا نقدم هذه الأوراق الحسينية المتواضعة إلى سيدي ومولاي حجة الله على الأرض أبي عبد الله الحسين بن علي (عليه السلام) ليكون لنا ذخراً وشرفاً وشفاعة في يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

  

المؤلف

6 / ذو القعدة / 1421هـ

 


1-لاحظ نصوص الآيات الواضحة لقوله تعالى: (وممن خَلقْنا أُمةٌ يهدون بالحق وبه يعدلون). سورة الأعراف: الآية 181.

2-كنزل العمال: ج 12 ص 98 ح 34169، مقتل الحسين للخوارزمي: ج 1 ص 104.

3-الحسين في الفكر المسيحي: ص 173 وما بعدها.

4-سورة التوبة: الآية 105.

5-نهج البلاغة: ص 401، من وصية له لابنه الحسن (عليهما السلام) رقم 31/ 87.

شخصية الحسين (عليه السلام)

 

الإمام الحسين (عليه السلام) شخصية مثالية متميزة ليس لها في الوجود نظير، فقد تغذى في حجر جده المصطفى (صلى الله عليه و آله وسلم) العطف والحب والحنان، وفي ظل أُمه فاطمة الزهراء (عليها السلام) وجد الأُمومة الرؤوفة، وهي مهجة قلب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وترعرع مع أبيه علي (عليه السلام)، ومنه تلقى الرعاية والعناية والمعرفة، وعاش مع أُخوته وأولاده أعواماً مليئة بالحب المتبادل والاحترام المقدس.

وبعبارة أُخرى أنه تخرج من جامعة الحبيب المصطفى مـحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته (عليهم السلام)، حيث شملتهم العناية الإلهية بقولـه تعالى: > إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً <(1).

وحديث الكساء أكبر شاهد على مكانتهم ومنزلتهم عند الله تعالى، وكتب وأحاديث أهل السنة تصرح بذلك والتي منها: عن أُم سلمة أنَّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) جَلَّلَ على الحسن والحسين وعليٍّ وفاطمة كساءً، ثم قال: اللهم هؤلاء أهل بيتي وخاصَّتي، أذهب عنهم الرجس وطهِّرهم تطهيرا، فقالت أم سلمة: وأنا معهم يا رسول الله؟ قال: إنكِ إلى خير. قال: هذا حديث حسن، وهو أحسن شيءٍ رُويَ في هذا الباب(2).

وعن جابر بن عبد الله الأنصاري عن فاطمة الزهراء (عليها السلام): قالت:... فقال الله عز وجل: يا ملائكتي ويا سُكانَ سماواتي إنِّي ما خلقتُ سماءً مَبنْيَّةً ولا أرضاً مَدْحِيَّةً ولا قَمَراً مُنيراً ولا شَمْساً مُضيئةً ولا فَلَكاً يَدُور ولا بَحْراً يَجْري وَلا فُلْكاً يَسْري إلاَّ في مَحَبَّةِ هؤلاءِ الخَمْسَةِ الذين هُمْ تحت الكِساءِ. فَقَال الأمينُ جَبرائيل: يا رَبِّ وَمَنْ تحت الكِساء؟ فقال عَزَّ وَجَلَّ: هم أهلُ بيتِ النبوَّةِ وَمَعْدِنُ الرِّسالةِ، هُمْ فاطمةُ وأَبوها وَبَعْلُها وَبَنُوها...(3)

وأحاديث الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في حق ولديه الحسن والحسين شاهدة على علاقة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بهما، ومنها التي رواها أهل السنة في صحاحهم وكتبهم، منها:

عن الحسين بن علي (عليهما السلام) قال: دخلت على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وعنده أُبيّ بن كعب. فقال لي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): مرحباً بك يا أبا عبد الله، يا زين السماوات والأرض. قال أُبيّ: وكيف يكون يا رسول الله زين السماوات والأرض أحد غيرك؟ قال: يا أُبيّ والذي بعثني بالحق نبيّاً، إن الحسين بن علي في السماء أكبر منه في الأرض، وإنه المكتوب على يمين العرش، أنه مصباح هدى وسفينة نجاة، وإمام غير وهن، وعز وفخر، وعلم وذخر. وإن الله عزّ وجلّ ركّب في صلبه نطفة مباركة طيبة زكيّة، خُلقت من قبل ان يكون مـخلوق في الأرحام، ما يدعو بهنَّ مـخلوق إلاّ حشره الله عزّ وجلّ معه، وكان شفيعه في آخرته، وفرّج الله عنه كربه، وقضى بها دينه، ويسَّر أمره، وأوضح سبيله، وقوّاه على عدوّه، ولم يهتك ستره...(4)

عن أنس بن مالك قال: كتب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لرجل عهداً، فدخل الرجل يسلِّم على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يصلّي، فرأى الحسن والحسين يركبان على عنقه مرَّة ويركبان على ظهره مرَّةويمران بين يديه ومن خلفه. فلما فرغ (صلى الله عليه وآله وسلم) من الصلاة قال له الرجل: ما يقطعان الصلاة؟ فغضب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال: (صلى الله عليه وآله وسلم)ناوِلْني عَهْدَك فأخذه ومزَّقه، ثم قال: (صلى الله عليه وآله وسلم)من لم يرحم صغيرنا، ولم يُوَقِّر كبيرنا، فليس منّا ولا أنا منه(5).

عن مدرك بن زياد قال: كنت مع ابن عباس في حائطٍ، فجاء الحسن والحسين فسألا الطعام، فأكلا ثم قاما، فأمسك لهما ابن عباس الركاب، فقلت: أتمسك الركاب لهذين وأنت أكبر منهما؟ فقال: ويحك هذان ابنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أوَليس هذا مما أنعم الله عليَّ به أن أمسك لهما وأسوّي عليهما(6).

وقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (صلى الله عليه وآله وسلم)سمّى هارون ابنيه شبراً وشبيراً، وإني سمّيت ابني الحسن والحسين بما سمّى به هارون ابنيه(7).

في حديث أسماء بنت عميس في مـجيء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى بيت فاطمة، عندما ولد الحسين (عليه السلام). قالت أسماء: فجاءني النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: يا أسماء هلّمي بابني. فدفعته في خرقة بيضاء. فأذَّن في أذنه اليمنى وأقام في اليسرى، ووضعه في حجره وبكى!

قالت أسماء، قلت: فداك أبي وأمي ممَّ بكاؤك؟ قال: على ابني هذا. قلت: ولد الساعة وتبكيه؟! قال: يا أسماء تقتله الفئة الباغية من بعدي، لا أنالهم الله شفاعتي. ثم قال: يا أسماء لا تخبري فاطمة بهذا، فإنها قريبة عهد بولادة. ثم قال لعليّ: أي شيء سمَّيت ابني؟ فقال: ما كنت لاسبقك باسمه يا رسول الله... قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): ولا أنا اسبق باسمه ربّي.

ثم هبط جبرئيل (عليه السلام) فقال: يا مـحمد العليّ الأعلى يقرأ عليك السلام، ويقول: عليّ منك بمنزلة هارون من موسى ولا نبيّ بعدك، فسمّ ابنك هذا باسم ابن هارون. قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): وما اسم ابن هارون؟ قال: شبير. قال: لساني عربيّ يا جبرئيل. قال: سمّه الحسين...(8).

وقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (عليه السلام)الحسن والحسين اسمان من أسماء أهل الجنة ما سمّيت العرب بهما في الجاهلية(9).

عن أبي رافع، عن أبيه قال: رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أذن في أُذن الحسين حين ولدته فاطمة (رضي الله عنها)(10).

عن عبد العزيز بإسناده، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) جالساً فأقبل الحسن والحسين، فلما رآهما (صلى الله عليه وآله وسلم) قام لهما، واستبطأ بلوغَهُما، فاستقبلهما وحملهما على كتفيْه وقال: (عليه السلام)نِعْمَ المطيُّ مطيُّكما، ونِعْمَ الراكبان أنتما(11)

عن ابن عباس قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حامل الحسين بن علي على عاتقه فقال رجل: نِعْمَ المركب ركبت يا غلام، فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (عليه السلام)ونِعْمَ الراكب هو(12).

عن جابر قال: دخلت على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو يصلي والحسن والحسين على ظهره، وقلت: نعم الجمل جملكما، ولما فرغ قال: (عليه السلام)نعم. نعم العدلان أنتما(13).

وقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (عليه السلام)إن الحسن والحسين ريحانتاي من الدنيا(14).

وقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (عليه السلام)خيرُ رجالكم علي بن أبي طالب، وخيرُ شبابكم الحَسَن والحُسَيْن، وخير نسائكم فاطمة بنت مـحمد(15).

عن جعفر بن مـحمد، عن أبيه قال:(صلى الله عليه وآله وسلم)بايع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر وهم صغار، ولم يُبايع قطّ صغيرٌ إلا هم(عليهم السلام)(16).

وروي عن جعفر بن مـحمد الصادق (عليه السلام) أنه قال: اصطرع الحسن والحسين (عليهما السلام) بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إيهاً حسن، فقالت فاطمة (عليها السلام): يا رسول الله استنهضت الكبير على الصغير، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): هذا جبرائيل (عليه السلام) يقول للحسين: إيهاً حسين خذ الحسن(عليه السلام)(17).

فشخصية الحسين (عليه السلام) وهو فتىً كانت بلا حدود، وقد ورثها من جده وأبيه وأُمه وأخيه (عليهم السلام)، فكانت قوته وجرأته قد ظهرت منذ صباه، فقد ورد عن الحسين بن علي (عليه السلام) أنّه قال: أتيت عمر بن الخطاب وهو يخطب على المنبر فصعدت إليه، فقلت له: انزل عن منبر أبي واذهب إلى منبر أبيك. فقال عمر: لم يكن لأبي منبر، منبر أبيك والله لا منبر أبي، ثم قال لي: من علمك هذا؟ فقلت: والله ما علمني أحد. فقال: لا تزال تأتينا، فجئت يوماً وهو خال بمعاوية وابن عمر على الباب فرجعت، فلقيني فقال: ألم أقل لك تأتينا؟ قلت: قد جئت وأنت خال بمعاوية وابن عمر على الباب قال: أفأنت مثل ابن عمر؟ وهل أنبت على رؤوسنا الشعر إلاّ الله ثم أنتم، إذا جئت فلا تستأذن(عليهم السلام)(18).

كل هذا إشارة إلى أهليتهم للإمامة والخلافة وهم صغار؛ لقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (عليه السلام)الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا(عليه السلام) وقول الحسين (عليه السلام) لعمر كلام خطير للغاية، حيث نبهه على عدم التصدي للخلافة؛ لأنّ صعود المنبر معناه تزعم الخلافة.

عن هشام بن مـحمد قال: لما أُجري الماء على قبر الحُسَيْن. نضب بعد أربعين يوماً، وامتحى أثر القبر فجاء أعرابي من بني أسد فجعل يأخذ قبضة قبضة ويشمّه حتى وقع على قبر الحسين وبكى، وقال: بأبي وأُمي ما كان أطيبك وأطيب تربتك ميتاً، ثم بكى، وانشأ يقول:

أرادوا ليخفوا قبره عن وليِّه      فطيب تراب القبر دلّ على القبر(19)

وأما نظمه (عليه السلام) فمن ذلك ما نقله عنه ابن أعثم صاحب كتاب الفتوح، وهو أنـّه (عليه السلام) لما أحاطت به جموع ابن زياد (لعنه الله)(20) وقتلوا من قتلوا من أصحابه، ومنعوهم الماء كان له ولد صغير فجاءه سهم فقتله، فرمله الحسين (عليه السلام)، وحفر له بسيفه، وصلى عليه، ودفنه وقال شعراً منه:

غدر القوم وقدماً رغبوا      عن ثواب الله رب الثقلين

قتلوا قدماً علياً وابنه      حسن الخير كريم الأبوين
حسداً منهم وقالوا اقبلوا      نقتل الآن جميعاً للحسين

خيرة الله من الخلق أبي      ثم أُمّي فأنا ابن الخيرتين

فضة قد صفيت من ذهب      فأنا الفضة وابن الذهبين

من له جد كجدي في الورى      أو كشيخي فأنا ابن القمرين

فـاطم الزهراء أُمّـي وأبي      قاصم الكفر ببدر وحنين(21)


1-سورة الأحزاب : الآية 33.

2-المعجم الصغير: ج 1 ص 176 ح 177؛ سنن الترمذي: ج 5 ص 699 ح 3871، ص 663 ح 3787؛ سير أعلام النبلاء: ج 4 ص 384؛ بغية الطلب: ج 6 ص 2580؛ انظر المعجم الكبير وفيه وحامتي: أي خاصة الرجل من أهله وولده وذوي قرابته، حامة الإنسان: خاصته ومن يقرب منه، لسان العرب: ج 12 ص 153 م.

3-مفاتيح الجنان: ص 405 حديث الكساء؛ ينابيع المودة: ص 125.

4-فرئد السمطين: ج2 ص 155، ح 447.

5-ذخائر العقبى: ص 229.

6-فرائد المسطين: ج 2 ص 72 ح 395.

7-المعجم الكبير: ج 3 ص 97 - 2778؛ كنز العمال: ج 12 ص 117 - 34271، انظر: مسند الإمام أحمد بن حنبل: ج 2 ص 159 ح 769، الاستيعاب في معرفة الأصحاب: ج1 ص 384؛ أنساب الأشراف: ج 3 ص 144؛ المعجم الكبير: ج 3 ص 96 ح 2773؛ الأغاني: ج 16 ص 145؛ أسد الغابة: ج 2 ص 24؛ ذخائر العقبى: 208؛ تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 118 ح 3411؛ بُغية الطلب: ج 6 ص 2566.

8-فرائد السمطين: ج 2 ص 103 ح 412.

9-الصواعق المحرقة: ص 192.

10-المستدرك على الصحيحين: ج 3 ص 179.

11-ذخائر العقبى: ص 226.

12-سنن الترمذي: ج 5 ص 661 ح 3784؛ سير أعلام النبلاء ج 4 ص 385  رقم:270؛ ينابيع المودة: ص 262، ص 194؛ أسد الغابة: ج 2 ص 16.

13-سير أعلام النبلاء: ج 4 ص 385؛ ينابيع المودة: ص 263؛ مقتل الحسين للخوارزمي: ج 1 ص 99؛ بغية الطلب: ج 6 ص 2574.

14-الإصابة في تمييز الصحابة: ج 1 ص 332؛ الفصول المهمة: ص 152؛ ينابيع المودة: ص 193؛ تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 129 ح 3419؛ كنز العمال: ج 12 ص 113 ح 34251؛ النهاية: ج 2 ص 288.

15-تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 167 ح 3505؛ كنز العمال: ج 12 ص 102 ح 34191.

16-العقد الفريد: ج 4 ص 351؛ تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 180 ح 3517.

17-الفصول المهمة: ص 169؛ الإصابة في تمييز الصحابة: ج 1 ص 332؛ ذخائر العقبى: ص 233؛ تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 165ح 3500؛ سير أعلام النبلاء: ج 4 ص 405 رقم:270؛ مقتل الحسين للخوارزمي: ج 1 ص 105؛ أسد الغابة: ج 2 ص 26؛ نور الأبصار: ص 221

18-تهذيب التهذيب: ج3 ص 436؛ الإصابة في تمييز الصحابة: ج 1 ص 333، ينابيع المودة: ص 197؛ تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 175 ح 3517؛ مقتل الحسين للخوارزمي: ج 1 ص 145؛ سير أعلام النبلاء: ج 4 ص 405 - 270، وفيه: (صلى الله عليه وآله وسلم)أي بُنيّ، لو جعلت تأتينا وتغشانا، تهذيب الكمال: ج 6 ص 404؛ بغية الطلب: ج 6 ص 2584.

19-تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 245 ح 3547؛ سير أعلام النبلاء: ج 3 ص 317 وفيه: (صلى الله عليه وآله وسلم)انمحى بدل امتحى؛ كفاية الطالب: ص 397؛ تهذيب الكمال: ج 6 ص 444؛ بغية الطلب: ج 6 ص 2657.

20-اللعن في اللغة: هو الطرد والإبعاد من الخير، ولعنهم الله: أي طردهم وأبعدهم من رحمته، واللعن في القرآن الكريم بمعنى الطرد من رحمة الله، وقيل اللعن: هو العذاب، وقيل: الدعاء. واللعين: هو الشيطان لأنّه أبعد من رحمة الله. وهناك فرق بين السب واللعن لغوياً، مع أن كثيراً من الناس خلطوا بينهما حيث اعتبروا اللعن هو السب.

وأما السب: بمعنى الشتم، أي شتمه شتماً وجيعاً، أي نال من عرضه، وحتى النظر يأتي بمعنى السب إذا كان نظر شامت. وفي القرآن الكريم يوجد أكثر من أربعين آية في اللعن. وإن دلّ على شيءٍ فإنّما يدلّ على مشروعية اللعن وجوازه، بل ورد الاستحباب به، ومن الآيات قوله تعالى: >إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذاباً مهيناً<. سورة الأحزاب: الآية 57، >إنّ الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعدما بيّنّاهُ للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهُمُ اللاعنون< سورة البقرة: الآية 159، >ألا لعنة الله على الظالمين< سورة هود: الآية 18. وأما الروايات في اللعن منها:

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله 2 : (صلى الله عليه وآله وسلم)ملعون ملعون من سب أباه، ملعون ملعون من سب أُمه، ملعون ملعون من عمل عمل قوم لوط، ملعون ملعون من أغرى بين بهيمتين، ملعون ملعون من غيَّر تخوم الأرض، ملعون ملعون من كمه أعمى عن الطريق تاريخ بغداد: ج 4 ص 330 ح 2146؛ ميزان الاعتدال: ج 1 ص 106 ح 420.

عن أبي يحيى قال: كنت يوماً مع الحسن والحسين، فسبهما مروان سبَّاً قبيحاً، حتى قال: والله إنكم أهل بيت ملعونون، فقال الحسن والحسين، أو أحدهما: (صلى الله عليه وآله وسلم)والله، والله، والله لقد لعنك الله على لسان نبيه وأنت في صلب الحكم فسكت مروان. المطالب العالية: ج 4 ص 329 ح 4522.

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله 2: (صلى الله عليه وآله وسلم)لعن الله الراشي والمرتشي في الحكم تاريخ بغداد: ج 10 ص 254 ح 5370.

عن عائشة قالت قال رسول الله 2: (صلى الله عليه وآله وسلم)شارب الخمر ملعون في التوراة والإنجيل والقرآن. كتاب فردوس الأخبار: ج 2 ص 507 ح 3427.

عن جابر قال: لعن رسول الله 2 آكل الربا ومُوكِلَهُ وكاتبه وشاهديْه وقال: (صلى الله عليه وآله وسلم)هم سواء. صحيح مسلم: ج 3 ص 407 ح 1598 - باب لعن آكل الربا ومؤكله.

عن أبي سعيد: لعن رسول الله 2 الفاعل والمفعول به، وأنا منهم بريء. ميزان الاعتدال: ج 2 ص 50 ح 2780.

قال رسول الله 2 : (صلى الله عليه وآله وسلم)من تغوط على ضفة نهر يُتَوضأ منه ويُشرب فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين تاريخ بغداد: ج 8 ص 356 ح 4456.

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله 2: (صلى الله عليه وآله وسلم)من لم تكن عنده صدقة، فليلعن اليهود، فإنّها صدقة له تاريخ بغداد: ج 1 ص 258 ح 87.

راجع كتابنا أهل البيت (عليه السلام) امتداد القرآن، الفصل الخامس، مشروعية اللعن [ المؤلف ].

21-الفصول المهمة: ص 177؛ مقتل الحسين لأبي مـخنف: ص 134 وفيه: (صلى الله عليه وآله وسلم)بعد جدي فأنا ابن الخيرتين كتاب الفتوح: ج 5 ص 210؛ نور الأبصار: ص 242

أخلاق الحسين(عليه السلام)

 

 من صفات المعصوم القائد والإمام الاتصاف بالخلق الرفيع، وهذه ميزة متجسدة في خلق الإمام أبي عبد الله الحسين بن علي (عليهما السلام)، باعتباره صاحب مسيرة كبرى لتركيز إسلام جده رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وفيما يلي بعض ما روي في هذا الباب:

روي عن الحسن بن علي قال (عليهما السلام):وفد أعرابي المدينة فسأل عن أكرم الناس بها، فدُلَّ على الحسين (عليه السلام)، فدخل المسجد فوجده مصلياً فوقف بإزائه وأنشأ:

لم يخب الآن من رجاك ومن      حرَّك من دون بابك الحلقه

أنـت جـواد وأنت معـتـمد      أبوك قد كان قاتل الفسقه

لو لا الذي كان من أوائلكم      كانت علينا الجحيم منطبقه

قال: فسلَّم الحسين (عليه السلام) وقال: يا قنبر، هل بقي من مال الحجاز شيء؟ قال: نعم، أربعة آلاف دينار. فقال: هاتها قد جاء من هو أحقٌّ بها منّا، ثم نزع برديه ولفَّ الدنانير فيها، وأخرج يده من شقِّ الباب حياءً من الأعرابيِّ وأنشأ:

خذها فإنّي إليك معتذر      واعلم بأنّي عليك ذو شفقه

لو كان في سيرنا الغاة عصا      أمست سمانا عليك مندفقه

لكنَّ ريب الزمان ذو غير      والكف منِّي قليلة النفقه

قال: فأخذها الأعرابيُّ وبكى، فقال له: لعلك استقللت ما أعطيناك. قال: لا ولكن كيف يأكل التراب جودك؟، وولى وهو يقول:

مطهرون نقيات جيوبهم      تجري الصلاة عليهم أينما ذكروا

وأنتم أنتم الأعلون عندكم      علم الكتاب وما جاءت به السور

من لم يكن علوياً حين تنسبه      فماله في جميع الناس مفتخر(1)

ومن أخلاقه (عليه السلام): مرَّ الحسين بمساكين يأكلون في الصفة. فقالوا: الغداء، فنزل وقال: (صلى الله عليه وآله وسلم)إن الله لا يحب المتكبرين(عليهم السلام) فتغدّى معهم، ثم قال لهم: (صلى الله عليه وآله وسلم)قد أجبتكم فأجيبوني(عليهم السلام)، قالوا: نعم، فمضى بهم إلى منزلـه فقال للرباب: (صلى الله عليه وآله وسلم)أخرجي ما كنت تدّخرين(عليهم السلام) (2).

قال أنس: كنت عند الحسين (عليه السلام) فدخلتْ عليه جارية فحيته بطاقة ريحان، فقال لها: (عليه السلام)أنت حر لوجه الله(عليه السلام) فقلت له: تجيئك  جارية تحييك بطاقة ريحان لا خطر لها فتعتقها؟ قال: (عليه السلام)كذا أدّبنا الله، قال الله: > وإذا حييتم بتحية فحيّوا بأحسن منها أو ردُّوها < وكان أحسن منها عتقها(عليه السلام)(3).

عن علي بن موسى، عن آبائه (عليهم السلام): (عليه السلام)أنّ الحسين بن علي دخل المستراح فوجد لقمة ملقاة فدفعها إلى غلام له فقال: يا غلام اذكرني هذه اللقمة إذا خرجت، فأكلها الغلام، فلما خرج الحسين قال: يا غلام اللقمة. قال: أَكلتها يا مولاي. قال: أنت حر لوجه الله تعالى. فقال له رجل: اعتقته يا سيدي؟ قال: نعم، سمعت جدي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: من وجد لقمة ملقاة فمسح منها ما مسح وغسل منها ما غسل وأكلها لم يسغها في جوفه حتى يعتقه الله من النار، ولم أكن لأستعبد رجلاً أعتقه الله من النار(عليه السلام)(4).

رويَ أنّ أعرابياً من البادية قصد الحسين (عليه السلام) فسلَّم عليه فرد (عليه السلام)، فسأله حاجة وقال: سمعت جدك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: (عليه السلام)إذا سألتم حاجةً فاسألوها من أحد أربعة، إما من عربي شريف، أو مولى كريم، أو حامل القرآن، أو ذي وجه صبيح(عليه السلام) فأما العرب فشرفت بجدك، وأما الكرم فدأبكم وسيرتكم، وأما القرآن ففي بيوتكم نزل، وأما الوجه الصبيح فإنّي سمعت جدك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: (عليه السلام)إذا أردتم أن تنظروا إليّ فانظروا إلى الحسن والحسين(عليه السلام) فقال الحسين له: (صلى الله عليه وآله وسلم)ما حاجتك؟(عليهم السلام) فكتبها على الأرض، فقال له الحسين: (عليه السلام)سمعت أبي علياً (عليه السلام) يقول قيمة كل امرئ ما يحسنه، وسمعت جدي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: المعروف بقدر المعرفة، فأسألك عن ثلاث خصال. فإن أجبتني عن واحدة فلك ثلث ما عندي، وإن أجبتني عن اثنتين فلك ثلثا ما عندي، وإن أجبتني عن الثلاث فلك كل ما عندي، وقد حملت إليَّ صرة مـختومة وأنت أولى بها(عليه السلام) فقال: سل عما بدا لك، فإن أجبت وإلاّ تعلمت منك، فأنت من أهل العلم والشرف، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم.

فقال الحسين: (عليه السلام)أي الأعمال أفضل؟(عليه السلام).

قال: الإيمان بالله والتصديق برسوله.

قال: (عليه السلام)فما نجاة العبد من الهلكة؟(عليه السلام).

قال: الثقة بالله.

قال: (عليه السلام)فما يزين المرء؟(عليه السلام).

قال: علم معه حلم.

قال: (عليه السلام)فإن أخطأه؟(عليه السلام).

قال: فمال معه كرم.

قال: (عليه السلام)فإن أخطأه ذلك؟(عليه السلام).

قال: فقر معه صبر.

قال: (عليه السلام)فإن أخطأه ذلك؟(عليه السلام).

قال: فصاعقة تنزل عليه من السماء فتحرقه، فضحك الحسين (عليه السلام)، ورمى له بالصرّة وفيها ألف دينار، وأعطاه خاتمه وفيه فص قيمته مائتا درهم، وقال: (عليه السلام)يا أعرابي أعط الذهب إلى غرمائك، واصرف الخاتم في نفقتك(عليه السلام) فأخذ ذلك الأعرابي وقال: الله أعلم حيث يجعل رسالته(5).

هذه الأخلاق العالية لم تصدر من إنسان عادي، بل هي أخلاق الأنبياء والأوصياء، وإنّها لدليل على أهليته للإمامة والخلافة والرئاسة.

ومن أخلاقه (عليه السلام): لما التقى الحسين (عليه السلام) وأصحابه مع الحر بن يزيد التميمي حتى وقف هو وخيله مقابل الحسين في حَرّ الظهيرة والحسين وأصحابه معتمون متقلدو أسيافهم، فقال الحسين لفتيانه: (عليه السلام)اسقوا القوم وارووهم من الماء، ورشِّفوا الخيل ترشيفاً(عليه السلام) فقام فتيانه فرشفوا الخيل ترشيفاً، فقام فتية وسقوا القوم من الماء حتى أرووهم، وأقبلوا يملؤون القصاع والأتوار والطِّساس من الماء ثم يدنونها من الفرس، فإذا عبَّ فيه ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً عزلت عنه، وسقوا آخر حتى سقوا الخيل كلها. ولما حضر وقت الصلاة قال الحسين (عليه السلام) للحر: (عليه السلام)أتريد أن تصلي بأصحابك؟(عليه السلام).

قال: لا، بل تصلّي ونصلّي بصلاتك(6).

نعم، هذه أخلاق الحسين (عليه السلام) يسقي أعداءه الماء، ويرشف خيلهم اقتداءً بأبيه علي (عليه السلام) في واقعة صفين عندما استولى (عليه السلام) على الماء سمح لهم بالسقي والشرب، بعكس معاوية وأصحابه حينما كانوا مستولين على الماء منعوا علياً وأصحابه منه، وهكذا في واقعة الطف لما أمر عبيد الله بن زياد جيش عمر بن سعد بأن يمنعوا الماء عن الحسين وأصحابه وأهل بيته، وقد تم ذلك بالفعل. عندما أقبل الحر بن يزيد على أهل الكوفة وهو عند الحسين فقال: لأُمكم الهَبل والعُبـْر، دعوتموه حتى إذا أتاكم أسلمتموه فصار في أيديكم كالأسير! قد حلأتموه ونساءه وأصحابه عن ماء الفرات الجاري الذي يشربه اليهود والنصارى والمجوس، وتتمرغ فيه خنازير السواد، لبئسما خلفتم به مـحمداً في ذريته، فدعوا هذا الرجل يمضي في بلاد الله، أما أنتم مؤمنون؟ وبنبوة مـحمد مصدقون؟ وبالمعاد موقنون؟ لا أسقاكم الله يوم الظماء(7).

وكتب ابن زياد إلى عمر بن سعد يأمره أن يمنع الحسين ومن معه الماء، فأرسل عمر بن سعد عمرو بن الحجاج على خمسمائة فارس، فنزلوا على الشريعة وحالوا بين الحسين وبين الماء، وذلك قبل قتل الحسين بثلاثة أيام، ونادى ابن حصين الأزديّ: يا حسين، أما تنظر إلى الماء؟ لا تذوق منه قطرة حتى تموت عطشاً، فقال الحسين: اللهم اقتله عطشاً ولا تغفر له أبداً، قال فمرض فيما بعد فكان يشرب الماء القُلّة ثم يقيء ثم يعود فيشرب،... فمازال كذلك حتى مات. وذكر البلاذري: فمات ابن حصين بالعطش، كان يشرب حتى يبغر(8) فيما يروى، فمازال ذاك دأبه حتى لفظ نفسه(9).

ويقال: إنّ عمرو بن الحجاج قال: يا حسين، هذا الفرات تلغ فيه الكلاب، وتشرب منه الحمير والخنازير، والله لا تذوق منه جرعة حتى تذوق الحميم في نار جهنم(10).

ونادى المهاجر بن أوس التميمي: يا حسين، ألا ترى إلى الماء يلوح كأنّه بطون الحيّات،(11) والله لا تذوقه أو تموت، فقال الحسين: (عليه السلام)إنّي لأرجو أن يوردنيه الله، ويحلئكم(12) عنه(عليه السلام)(13).

هذا موقف معسكر يزيد بن معاوية من الحسين (عليه السلام) وأهل بيته وأصحابه لما منعوهم الماء، وإن دل على شيء إنما يدل على قساوة قلوبهم إضافة إلى مروقهم من الدين، فبالأمس كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يتحمل عطش ولده الحسين (عليه السلام) لما طلب منه الماء، وهذا ما رويَ عن جابر قال: كنا مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ومعه الحسين بن علي فعطش فطلب له النبي ماء فلم يجده فأعطاه لسانه فمصه حتى رويَ(14).


 

1- تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 185 ح 3517؛ مناقب آل أبي طالب: ج 4 ص 65؛ بغية الطلب:ج 6 ص 2593.

2- تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 181 ح 3517.

3- الفصول المهمة: ص 175.

4- مقتل الحسين للخوارزمي: ج 1 ص 148؛ ذخائر العقبى: ص 231.

5- مقتل الحسين للخوارزمي: ج 1 ص 156.

6- أنساب الأشراف: ج 3 ص 169؛ تاريخ الطبري: ج 4 ص 302؛ الكامل في التاريخ: ج 2 ص 551؛ الأخبار الطوال: ص 249.

7- أنساب الأشراف: ج 3 ص 189؛ تاريخ الطبري: ج 4 ص 326؛ الكامل في التاريخ: ج 2 ص 564؛ مقتل الحسين للخوارزمي: ج 1 ص 252.

8- يبغر: أي كان يشرب إلى أن يمتلئ جوفه من الماء فما يروى، ولا يسكن عطشه.

9- لفظ أنفاسه: أي حتى مات، يقال: لفظ فلان نفسه.

10- أنساب الأشراف: ج3 ص181؛ الكامل في التاريخ: ج2 ص556؛ تاريخ الطبري: ج4 ص311.

11- المضبوط في جل المصادر (الحيتان) وهو جمع حوت، والكلام كناية عن شعشعة الماء وتموجه.

12- يحلئكم: أي يطردكم عنه ويمنعكم عن وروده.

13- أنساب الأشراف: ج 3 ص 181.

-14 مقتل الحسين للخوارزمي: ج 1 ص 152.

كلمات الحسين (عليه السلام)

 

ومن كلماته (عليه السلام) التي دوَّت في تاريخ البشرية وكانت مدرسة للأجيال ولكل الأحرار والمفكرين والعظماء، بل مدرسة لا يمكن التخلي عنها هي:

قوله (عليه السلام) (عليه السلام)الناس عبيد الدنيا، والدين لعق على ألسنتهم يحوطونه ما درَّتْ معائشهم، فإذا مـحّصوا بالبلاء قلَّ الديانون. ثم قال لهم: (عليه السلام)أهذه كربلاء؟(عليه السلام). قالوا: نعم. فقال: (عليه السلام)هذه موضع كرب وبلاء، هاهنا مناخ ركابنا، ومـحط رحالنا، ومسفك دمائنا(عليه السلام)(1).

وقولـه (عليه السلام)  - مـخاطباً أصحابه بعد أن حمد الله وأثنى عليه - :(عليه السلام)أيها الناس خط الموت على ولد آدم مـخط القلادة على جيد الفتاة، وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف، وخُيِّر لي مصرع أنا لاقيه، كأنّي بأوصالي تقطّعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء، فيملأن مني أكراشاً جوفاً، وأجربة سغباً، لا مـحيص عن يوم خط بالقلم، رضى الله رضانا أهل البيت، نصبر على بلائه ويوفينا أُجور الصابرين، لن تشذ عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لحمته، هي مـجموعة لنا في حضرة القدس، تقرّ بهم عينه، وينجز لهم وعده، فمن كان باذلاً فينا مهجته وموطّناً على لقاء الله نفسه فليرحل معي، فأنا راحل مصبحاً إن شاء الله تعالى(عليهم السلام)(2).

وقوله (عليه السلام) - لما خرج من منزله ذات ليلة وأتى قبر جده (صلى الله عليه وآله وسلم) - :(عليه السلام)السلام عليك يا رسول الله، أنا الحسين بن فاطمة فرخك وابن فرختك، وسبطك والثقل الذي خلّفته في أُمتك، فاشهد عليهم يا نبي الله أنهم قد خذلوني وضيعوني ولم يحفظوني، وهذه شكواي إليك حتى ألقاك صلّى الله عليك(عليه السلام)(3).

وقوله (عليه السلام) - في وصية إلى أخيه مـحمد بن الحنفية - :(عليه السلام)بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به الحسين بن علي بن أبي طالب لأخيه مـحمد بن الحنفية، المعروف بابن الحنفية أنّ الحسين بن علي يشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأنّ مـحمداً عبده ورسوله، جاء بالحق من عنده، وأنّ الجنة حق، والنار حق، وانّ الساعة آتية لا ريب فيها، وأنّ الله يبعث من في القبور، وأنّي لم أخرج أشراً، ولا بطراً، ولا مفسداً، ولا ظالماً، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أُمّة جدّي مـحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) أُريد أن آمر بالمعروف، وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدُي مـحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وسيرة أبي علي بن أبي طالب، فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق، ومن ردَّ عليَّ هذا، أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق، وهو خير الحاكمين(عليهم السلام)(4).

وقولـه (عليه السلام) - للوليد بن عتبة والي المدينة عندما طلب من الحسين (عليه السلام) البيعة ليزيد - :(عليه السلام)أيها الأمير إنّا أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ومـختلف الملائكة ومهبط الرحمة، بنا فتح الله، وبنا ختم، ويزيد رجل فاسق شارب الخمر قاتل نفس معلن بالفسق، فمثلي لا يبايع لمثله، ولكن نصبح وتصبحون، وننظر وتنظرون أيّنا أحقّ بالخلافة والبيعة(عليه السلام)(5).

وقولـه (عليه السلام): (عليه السلام)ويزيد رجل فاسق معلن بالفسق، يشرب الخمر، ويلعب بالكلاب والفهود، ونـحن بقـية آل الرسول، لا والله لا يـكون ذلك أبداً(عليه السلام)(6).

وقوله (عليه السلام) - لما نزل عمر بن سعد بالحسين وأيقن انهم قاتلوه -:(عليه السلام)أمّا بعد، إنه قد نزل من الأمر ما قد ترون، وإن الدنيا قد تغيرت وتنكرت وأدبر معروفها، واستمرت جداً فلم يبق منها إلاّ صُبابة كصُبابة الإناء وخسيس عيش كالمرعى الوبيل، ألا ترون أنّ الحق لا يُعمل به، وأنّ الباطل لا يُتناهى عنه، ليرغب المؤمن في لقاء الله مُحقّاً، فإنّي لا أرى الموت إلاّ سعادة والحياة مع الظالمين إلاّ برماً(عليه السلام)(7).

وقال (عليه السلام): (عليه السلام)أيها الناس اعلموا أنّ الدنيا دار فناء وزوال متغيرة بأهلها من حال إلى حال، معاشر الناس عرفتم شرائع الإسلام، وقرأتم القرآن، وعلمتم أنّ مـحمداً رسول الملك الديّان، ووثبتم على قتل ولده ظلماً وعدواناً، معاشر الناس أما ترون إلى ماء الفرات يلوح كأنه بطون الحيَّات يشربه اليهود والنصارى والكلاب والخنازير، وآل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) يموتون عطشاً(عليه السلام).

وقوله (عليه السلام) -  يعظ به أهل العراق - : (عليه السلام)الحمد لله خلق الدنيا فجعلها دار فناء وزوال متصرّفة بأهلها حالاً بعد حال، فالمغرور من غرته، والشقي من فتنته، فلا تغرّنكم هذه الدنيا فإنّها تقطع رجاء من ركن إليها، وتخيب طمع من طمع فيها، وأراكم قد اجتمعتم على أمر قد أسخطتم الله فيه عليكم، وأعرض بوجهه الكريم عنكم، وأحلّ بكم نقمته، وجنَّبكم رحمته، فنعم الرب ربنا، وبئس العبيد أنتم، أقررتم بالطاعة وآمنتم بالرسول مـحمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، ثم إنّكم زحفتم على ذرّيته وعترته تريدون قتلهم، لقد استحوذ عليكم الشيطان فأنساكم ذكر الله العظيم، فتبّاً لكم ولما تريدون، إنّا لله وإنّا إليه راجعون، هؤلاء قوم كفروا بعد إيمانهم، فبعداً للقوم الظالمين،... اتقوا الله ربكم ولا تقتلوني فإنه لا يحل لكم قتلي، ولا انتهاك حرمتي، فإني ابن نبيكم، وجدتي خديجة زوجة نبيكم، ولعله قد بلغكم قول نبيكم: (عليه السلام)الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة(عليه السلام)(8).

وقوله (عليه السلام) -  في احتجاجه على أهل الكوفة: (عليه السلام)أما بعد فانسبوني فانظروا من أنا؟ ثم ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها فانظروا هل يصلح ويحل لكم قتلي وانتهاك حرمتي؟ ألست أنا ابن بنت نبيكم وابن وصيه وابن عمه وأوّل المؤمنين بالله والمصدّق برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وبما جاء به من عند ربه؟ أوليس حمزة سيد الشهداء عمي؟ أوليس الشهيد جعفر الطيار في الجنة عمي؟ أو لم يبلغكم ما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لي ولأخي: هذان سيدا شباب أهل الجنة؟ فإن صدقتموني بما أقول وهو الحقّ والله ما تعمّدت كذباً مذ علمت أنّ الله يمقت عليه أهله، وإن كذبتموني فإن فيكم من إن سألتموه عن ذلك أخبركم، سلوا جابر بن عبد الله الأنصاري وأبا سعيد الخدري وسهل بن سعد الساعدي والبراء بن عازب أو زيد بن أرقم أو أنس بن مالك يخبروكم أنهم سمعوا هذه المقالة من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لي ولأخي. أما في هذا حاجز لكم عن سفك دمي؟ فإن كنتم في شك من هذا فتشكون في أني ابن بنت نبيكم؟ فو الله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبي غيري فيكم ولا في غيركم، ويحكم أتطلبوني بقتيل منكم قتلته، أو مال لكم استهلكته، أو بقصاص من جراحة؟... لا والله لا أعطيهم بيدي إعطاء الذليل، ولا أُقرّ إقرار العبيد(عليه السلام)(9).

وقولـه (عليه السلام): (عليه السلام)ألا وإنّ الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين، بين السلة والذلة، وهيهات منا الذلة، يأبى الله ذلك لنا ورسوله والمؤمنين، حجور طابت وحجور طهرت، أُنوف حميّة ونفوس أبية من أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكـرام، ألا قـد أعذرت وأنذرت، ألا وإنـي زاحف بهذه الأُسرة مع قلة العدد وكثرة العدو، وخذلان الناصر، وخذلة الأصحاب(عليه السلام)(10).

وقولـه (عليه السلام) لعبد الله بن الزبير: (عليه السلام)أما أنا فلا أُبايع أبداً؛ لأن الأمر كان لي بعد أخي الحسن فصنع معاوية ما صنع، وكان حلف لأخي الحسن أن لا يجعل الخلافة لأحد من ولده وأن يردّها عليَّ إن كنت حياً، فإن كان معاوية خرج من دنياه ولم يف لي ولا لأخي بما ضمن فقد جاءنا ما لا قرار لنا به، أتظن أبا بكر أني أُبايع ليزيد، ويزيد رجل فاسق معلن بالفسق يشرب الخمر ويلعب بالكلاب والفهود ونحن بقية آل الرسول، لا والله لا يكون ذلك أبداً(عليه السلام)(11).

وقولـه (عليه السلام) لمروان بن الحكم: (عليه السلام)ويحك أتأمرني ببيعة يزيد وهو رجل فاسق لقد قلت شططاً من القول يا عظيم الزلل، لا ألومك على قولك لأنّك اللعين الذي لعنك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأنت في صلب أبيك الحكم بن أبي العاص؛ فإن من لعنه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يمكن له ولا منه إلاّ أن يدعو إلى بيعة يزيد(عليه السلام)(12).

وقوله (عليه السلام) اللهم أنت ثقتي في كل كرب، ورجائي في كُلِّ شدة، وأنت فيما نزل بي ثقة، وأنت وليُّ كلِّ نعمة، وصاحبُ كلِّ حسنة. وقال لعُمر وجندِه لا تعجلوا، والله ما أتيتكُم حتى أتتني كتبُ أماثلكم بأنَّ السُّنَّةَ قد أُميتت، والنفاق قد نجم، والحدود قد عُطِّلت؛ فاقدم لعلَّ يُصلح بك الأُمّة، فأتيتُ؛ فإذْ كرهتُم ذلك، فأنا راجع، فارجعوا إلى أنفسكم؛ هل يصلح لكم قتلي، أو يحلُّ دمي؟ ألستُ ابنَ بنتِ نبيكم وابنَ ابنِ عمه؟ أوَليس حمزةُ والعباسُ وجعفر عمومتي؟ ألم يبلغكم قولُ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فيَّ وفي أخي: (عليه السلام)هذان سيِّدا شباب أهل الجنة(عليه السلام)(13).

وقولـه (عليه السلام): لما جمع أصحابه بعد رجوع عمر: (عليه السلام)أما بعد فإني لا أعلم أصحاباً أوفى ولا خيراً من أصحابي، ولا أهل بيت أبرّ ولا أوصل من أهل بيتي، فجزاكم الله جميعاً عني خيراً، ألا وإنّي لأظنّ يومنا من هؤلاء الأعداء غداً، وإنّي قد أذنت لكم جميعاً فانطلقوا في حلّ ليس عليكم مني ذِمام، هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملاً، وليأخذ كل رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي، فجزاكم الله جميعاً، ثم تفرّقوا في سوادكم ومدائنكم حتى يفرّج الله، فإنّ القوم يطلبونني، ولو أصابوني لهوا عن طلب غيري(عليهم السلام)(14).

لذا ورد: أنّ الفرزدق لقيه (عليه السلام) وهو متوجه إلى الكوفة فقال له: يا ابن رسول الله كيف تركن إلى أهل الكوفة وهم الذين قتلوا ابن عمّك مسلم بن عقيل؟ فترحَّم على مسلم بن عقيل وقال: أما إنّه صار إلى رحمة الله تعالى ورضوانه، وقضى ما عليه، وبقي ما علينا، وأنشد يقول:

وإن تكن الدنيا تعدّ نفيسة      فإنّ ثواب الله أعلى وأنبل

وإن تكن الأبدان للموت أُنشئت      فقتل امرئ بالسيف في الله أفضلُ

وإن تكن الأرزاق قسماً مقدراً      فقلّة حرص المرء في الكسب أجمل

وإن تكن الأموال للترك جمعها      فما بال متروك به المرء يبخل(15)


1- مقتل الحسين للخوارزمي: ج 1 ص 237؛ بغية الطلب: ج 6 ص 2613.

2- نفس المصدر: ج 2 ص 5.

3- مقتل الحسين للخوارزمي: ج 1 ص 186؛ الاستيعاب في معرفة الأصحاب: ج 1 ص 396؛ الفصول المهمة: ص 180؛ مقتل الحسين لأبي مـخنف: ص 24.

4- كتاب الفتوح: ج 5 ص 33.

5- مقتل الحسين للخوارزمي: ص 184؛ كتاب الفتوح: ج 5 ص 18.

6- نفس المصدر: ص 182.

7- مـجمع الزوائد: ج 9 ص 195؛ المعجم الكبير: ج 3 ص 114 ح 2842، العقد الفريد: ج 4 ص 348؛ تاريخ الطبري: ج 4 ص 305، مقتل الحسين للخوارزمي: ج 2 ص 5؛ تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 217 ح 3543؛ سير أعلام النبلاء: ج 4 ص 423 - 270 حلية الأولياء: ج 2 ص 39 - 132؛ ذخائر العقبى: ص 255؛ حياة الصحابة: ج 3 ص 541؛ استشهاد الحسين: ص 97.

8- مقتل الحسين، للخوارزمي: ج 1 ص 252.

9- تاريخ الطبري: ج 4 ص 323؛ الكامل في التاريخ: ج 2 ص 561؛ أنساب الأشراف: ج 3 ص 188 وفيه: ((ولا أفر فرار العبيد))؛ مقتل الحسين للخوارزمي: ج 1 ص 253.

10- مقتل الحسين، للخوارزمي: ج 2 ص 7؛ تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 219 ح 3543؛ بغية الطلب: ج 6 ص 2588.

11- مقتل الحسين، للخوارزمي: ج 1 ص 182.

12- كتاب الفتوح: ج 5 ص 24.

13- سير أعلام النبلاء: ج 4 ص 417 رقم: 270.

14- الكامل في التاريخ: ج 2 ص559؛ مقاتل الطالبيين: ص112؛ استشهاد الحسين: ص110.

15- الفصول المهمة: ص 178؛ كتاب الفتوح: ج 5 ص 125؛ بغية الطالب: ج 6 ص 2595؛ نور الأبصار: ص 242.

الحسين(عليه السلام) ثمرة النبوة

 

أصبح الحسين (عليه السلام) المثل الأعلى للفداء والتضحية ونبراساً للحق، ومناراً للهدى تستضيء به الأُمة الإسلامية من أجل بناء مـجتمع إسلامي متكامل.

فقد جسَّد قول جده الرسول الأكرم مـحمد (صلى الله عليه وآله وسلم): (عليه السلام)حسين مني وأنا من حسين أحبّ الله من أحبّ حسيناً(عليه السلام)(1)، وقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (عليه السلام)حسين منّي(عليه السلام) بدليل آية المباهلة: > فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم... <(2) وأما قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): (عليه السلام)وأنا من حسين(عليه السلام)، يريد أنّ بقاء شريعته كان بسبب نهضة ولده الحسين (عليه السلام)، ولولا هذه النهضة المباركة لأعاد الأُمويون المسلمين إلى الجاهلية الأولى، وهذا يظهر واضحاً جلياً من خلال سيرتهم، فهذا يزيدهم الطاغي نراه مـجاهراً بكفره، ومظهراً لشركه بقوله:

لـيـت أشياخي ببدرٍ شـهدوا      جزَعَ الخزرج من وقع الأسلْ

قد قتلنا القوم من ساداتهم      وعـدلـنا مـيْل بـدرٍ فـاعـتدلْ

فـأهــلّوا واسـتهـلّوا فـرحاً      ثم قالوا: يـا يـزيـد لا تـشلْ

لستُ من خندف إن لم أنتقم      من بني أحمد ما كان فعلْ

لعـبـت هـاشـم بـالمـلك فـلا      خبرٌ جـاء ولا وحي نـزل(3)

هذا هو المروق من الدين، وقول من لا يرجع إلى الله وإلى دينه ولا إلى كتابه ولا إلى رسوله، ولا يؤمن بالله ولا بما جاء من عند الله، ثم من أغلظ ما انتهك وأعظم ما اخترم سفكه دم الحسين بن علي وابن فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مع موقعه من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ومكانه منه، ومنزلته من الدين والفضل، وشهادة رسول الله له ولأخيه بسيادة شباب أهل الجنة نعم، عمل كل ذلك اجتراءً على الله، وكفراً بدينه، وعداوةً لرسوله، ومـجاهدةً لعترته، واستهانةً بحرمته، فكأنّما يقتل به وبأهل بيته قوماً من كفار أهل الترك والديلم، لا يخاف من الله نقمةً، ولا يرقب منه سطوةً، فبتر الله عمره، واجتثَّ أصله وفرعه، وسلبه ما تحت يده، وأعدَّ له من عذابه وعقوبته ما استحقه بمعصيته(4).

ولكن الحسين (عليه السلام) بتلك الدماء الزاكية زلزل عروش الظالمين، وهدَّم طغيانهم، ورست قواعد الدين الحنيف حتى يومنا هذا، وكل ما عندنا من إسلام ومسلمين بفضل تضحية وبطولة الإمام الحسين (عليه السلام)، وأصبح الإسلام مـحمدي الوجود وحسيني البقاء، وهذا ما أكّده وأجمع عليه روَّاد الفكر وحملة العلم في أرجاء المعمورة، حتى قال رئيس جامع الأزهر الشيخ مـحمد عبده: لولا الحسين لما بقي لهذا الدين من أثر. إضافة إلى انعدام الرؤية الواضحة في تمييز الحق، فثورة الحسين هي السبب في بقاء الدين، حيث وقف (عليه السلام) أمام أئمة الفسق والجور والفساد في أرجاء العالم الإسلامي الذين عاثوا في الأرض فساداً، أمثال يزيد بن معاوية المتكبِّر الخميِّر صاحب الديوك والفهود والقرود، وأخذه البيعة له على خيار المسلمين بالقهر والسطوة والوعيد والإخافة والتهديد والرهبة.

فلا يلام الشيعة الإمامية - أتباع مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) - بتـعظيمهم الشعائر الحسينية في أيام عاشوراء، كإقامة الـمراسم التـي تذكِّرنا بثورة الحسين (عليه السلام).

ونرى في مقابل ذلك كتب معاوية إلى سائر الأمصار طالباً منهم أن يفدوا عليه ليرى رأيهم في بيعة يزيد، وممن حضر - يزيد بن المقُفّع قام فقال: أمير المؤمنين هذا، وأشار إلى معاوية، فإن هلك فهذا، وأشار إلى يزيد، فمن أبى فهذا، وأشار إلى سيفه، فقال معاوية: اجلس فأنت سيد الخطباء(5).

كتب يزيد بن معاوية إلى الوليد بن عتبة في صحيفة صغيرة كأنّها أُذن فأرة: أما بعد، فخذ الحسين بن علي وعبد الرحمن بن أبي بكر وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمر بن الخطاب أخذاً عنيفاً ليست فيه رخصة، فمن أبى عليك منهم فاضرب عنقه، وابعث إليَّ برأسه(6).

وكتب الحر إلى ابن زياد يعلمه بنزول الحسين (عليه السلام) بأرض كربلاء: فانظر ما ترى في أمره. فكتب عبيد الله بن زياد كتاباً إلى الحسين (عليه السلام) يقول فيه: أما بعد، إنّ يزيد بن معاوية كتب إليَّ أن لا تغمض جفنك من المنام، ولا تشبع بطنك من الطعام أو يرجع الحسين على حكمي، أو تقتله والسلام.

هذا منطق يزيد بن معاوية وعندما أُدخل نساء الحسين والرأس بين يديه جعلت فاطمة وسكينة تتطاولان لتنظرا إلى الرأس، وجعل يزيد يستره عنهما، فلما رأينه صرخن وأعلن بالبكاء، فبكت لبكائهن نساء يزيد وبنات معاوية، فولولن وأعلن، فقالت فاطمة -  وكانت أكبر من سكينة (رضي الله عنهما) - : بنات رسول الله سبايا يا يزيد يسرك هذا؟(7).

هذا ونرى في مقابل تلك الشعائر موجة إلحادية بكل قواها تحاول طمس معالم الدين والعودة إلى الجاهلية الأُولى، وهذا ما حدث بعد رحيل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وما صرَّح به أبو سفيان صخر بن حرب في دار عثمان عقيب الوقت الذي بويع فيه عثمان، ودخل داره ومعه بنو أُمية فقال أبو سفيان: أفيكم أحد من غيركم؟ وقد كان عَمِيَ، قالوا: لا، قال يا بني أُمية تَلَقَّفُوها تلقُّف الكرة، فو الذي يحلف به أبو سفيان ما زلت أرجوها لكم، ولتصيَرنَّ إلى صبيانكم وراثة... فقام عمار في المسجد فقال: يا معشر قريش، أما إذ صرفتم هذا الأمر عن أهل بيت نبيكم هاهنا مرة وهنا مرةً فما أنا بآمِنٍ من أن ينزعه الله منكم فيضعه في غيركم كما نزعتموه من أهله، ووضعتموه في غير أهله.

وقام المقداد فقال: ما رأيت مثل ما أودى به(8) أهل هذا البيت بعد نبيهم، فقال له عبد الرحمن بن عوف: وما أنت وذاك يامقداد بن عمرو؟ فقال: إنّي - والله - لأُحبّهم لحبّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إيّاهم، وإنّ الحق معهم وفيهم، يا عبد الرحمن أعجب من قريش -  وإنّما تطوُّلُّهم على الناس بفضل أهل هذا البيت -  قد اجتمعوا على نزع سلطان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بعده من أيديهم، أما ولايم الله يا عبد الرحمن لو أجد على قريش أنصاراً لقاتلتهم كقتالي إيّاهم مع النبي (عليه الصلاة والسلام) يوم بدر(9).

ولما رأى عمر بن الخطاب نزاع القوم على خلافة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). قال: هيهات لا يجتمع اثنان في قرن، والله لا ترضى العرب أن يؤمّروكم ونبيُّها من غيركم، ولكن العرب لا تمتنع أن تولِّي أمرها من كانت النبوة فيهم وولي أمرهم منهم، ولنا بذلك على من أبى من العرب الحجة الظاهرة والسلطان المبين، من ذا ينازعنا سلطان مـحمد وإمارته ونحن أولياؤه وعشيرته(10).

وذكر ابن عساكر في تأريخه: لما دخل أبو سفيان على عثمان بعدما عمى وقال: هل هنا أحد؟ فقالوا: لا. فقال: اللهم اجعل الأمر أمر جاهلية، والملك غاصبيَّة، واجعل أوتاد الأرض لبني أُميَّة.

وجاء في الاستيعاب عن الحسن: أنَّ أبا سفيان دخل على عثمان حين صارت الخلافة إليه فقال: صارت إليك بعد تيم وعديّ، فأَدرها كالكرة، وأجْعَلْ أَوتادَها بني أُمية، فإنّما هو الملك ولا أَدري ما جَنّة ولا نار(11).

أبو سفيان بن حَرْب وأشياعه من بني أميّة، الملعونين في كتاب الله، ثم المعلومنين على لسان رسول الله في عِدّة مواطن، وعدّة مواضع، لماضي علم الله فيهم وفي أمرهم، ونفاقهم وكفر أحلامهم؛ فحارب مـجاهداً، ودافع مكابداً، وأقام منابذاً، حتى قهره السيف، وعلا أمر الله وهم كارهون؛ فتقول بالإسلام غير منطوٍ عليه، وأسرَّ الكفر غير مقلع عنه، فعرفه بذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والمسلمون، وميّز له المؤلفة قلوبهم، فقبله وولده على علم منه؛ فمّما لعنهم الله به على لسان نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وأنزل به كتاباً قوله: >والشَّجَرةُ الملعُونَةَ في القُرآنِ ونُخوِّفُهُم فما يزيُدهُمْ إلاَّ طُغياناً كَبيراً< (12) ولا اختلاف بين أحد أنه أراد بها بني أميّة.

ومنه قول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد رآه مقبلاً على حمار، ومعاويةَ يقودُ به، ويزيد ابنه يسوق به: (لعن الله القائد والراكب والسائق).

ومنه ما يرويه الرواة من قوله: يا بني عبد مناف تلقّفوها تلقّف الكرة، فما هناك جنة ولا نار. وها كفر صُراح يلحقه به اللعنة من الله كما لحقت الذين الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عَصَوْه وكانوا يعتدون<(13).

ومنه ما يروون من وقوفه على ثنيّة أحُد بعد ذهاب بصره، وقوله لقائده: ها هنا ذببنا مـحمداً وأصحابه(14).

ومن خطبة لعلي (عليه السلام) لما رفع أهل الشام المصاحف على الرماح: (عليه السلام)عباد الله، إنّي أحقّ من أجاب إلى كتاب الله، ولكنَّ معاوية وعمرو بن العاص وابن أبي معيط وحبيب بن مسلمة وابن أبي سرح ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن، أنا أعرف بهم منكم، قد صحبتهم أطفالاً، وصحبتهم رجالاً، فكانوا شرّ أطفال وشرّ رجال، إنّها كلمة حق يراد بها الباطل، إنّهم - والله - ما رفعوها ثم لا يرفعونها ولا يعملون بما فيها، وما رفعوها لكم إلاّ خديعة ووهن ومكيدة، أعيروني سواعدكم وجماجمكم ساعةً واحدة، فقد بلغ الحق مقطعه، ولم يبق إلاّ أن يقطع دابر الذين ظلموا(عليه السلام)(15).

ومن كتاب لقيس بن سعد بن عبادة أمير الخزرج إلى معاوية: أما بعد، فإنّما أنت وثني ابن وثني، دخلت في الإسلام كرها، وأقمت فيه فرقاً، وخرجت منه طوعاً، ولم يجعل الله لك فيه نصيباً، لم يقدم إيمانك ولم يحدث نفاقك، ولم تزل حرباً لله ولرسوله وحزباً من أحزاب المشركين، وعدواً لله ولنبيه وللمؤمنين من عباده.

ولو سارت الأُمة الإسلامية في خطى الإمام الحسين (عليه السلام) الذي سار على نهج جده رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لكان خيراً للأُمة الإسلامية في نهضتها ومسيرتها.

لعلَّ البعض يتصوّر أنّ نهضته وثورته كانت مـجرد فتنة وقعت بين الظالم يزيد بن معاوية المعلن بالفسق والفجور وبين سبط الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).

هذا التصور ناشئ من عدم الرؤية التأريخية، فعليه أن يكون جاداً في البحث الدقيق في مـجاري التأريخ وأحداثها التي حدثت في الأُمة الإسلامية بعد رحيل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

فكل من كانت له بصيرة نافذة يرى الحسين (عليه السلام) ريحانة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وفلذة كبده وسيد شباب أهل الجنة، وقد ترعرع في حجر النبوة والإمامة، وأما يزيد فقد نشأ في أحضان الغواني والفجور والخمور، فلما عُرض على الحسين (عليه السلام) البيعة ليزيد رفض الحسين (عليه السلام) من البداية قائلاً: (عليه السلام)إنّا أهل بيت النبوة وموضع الرسالة ومـختلف الملائكة، ويزيد رجل فاسق فاجر قاتل النفس المحترمة، ومثلي لا يبايع مثله(عليه السلام) هذه الكلمات التي هزَّت عرش يزيد الفجور الذي أباح المدينة ثلاثة أيام بقيادة مسلم بن عقبة المري الذي أخاف المدينة ونهبها، وقَتل أهلها، وبايعه أهلها على أنّهم عبيد ليزيد، وسماها نتنه، وقد سماها رسول الله طَيْبه، وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (عليه السلام)مَنْ أخاف أهل المدينة أخافه الله، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين(عليه السلام) فسمى مسلم هذا لعنه الله بمجرم ومسرف لما كان من فعله. وكانت وقعة الحرة عظيمة قتل فيها خلق كثير من الناس من بني هاشم وسائر قريش والأنصار، وراح ضحيتها أكثر من أربعة آلاف من سائر الناس ممن أدركه الإحصاء دون من لم يعرف. وافْتُضَّ فيها ألف عذراء، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون. ورميه الكعبة بالمجانيق، فتواردت أحجار المجانيق والعرادات(16) على البيت، ورمي مع الأحجار بالنار والنفط ومشاقات الكتان... وانهدمت الكعبة، واحترقت البنية، ووقعت صاعقة فأحرقت من أصحاب المجانيق(17).

وكان سبب خلع أهل المدينة له أنّ يزيد أسرف في المعاصي. وأخرج الواقدي من طرق أنّ عبد الله بن حنظلة بن الغسيل قال: والله ما خرجنا على يزيد حتى خفنا أن نرمى بالحجارة من السماء! إنّه رجل ينكح أُمهات الأولاد والبنات والأخوات، ويشرب الخمر، ويَدَعُ الصلاة(18).

وذكر أبو إسحاق الاسفرايني في كتابه: وأما ما كان من أمر يزيد بن معاوية، فإنه أقام بدمشق خليفة مكان أبيه، وأطاعة جميع العربان... وطغى وتجبّر وعمّ ظلمه سائر الأماكن والبلاد، وصار يقتل الأنفس، وينهب الأموال، وبسلبها، وظهر منه الجور والظلم في سائر الأفعال، وقد كان ابن زياد أظلم وأطغى من يزيد، فنزل البصرة بعسكره، وأقام بالكوفة نائباً، يحكم من تحت أمره، وأقام هو بالبصرة بالظلم والجور، وقتل النفس، ونهب الأموال، وقتل جميع الرجال والأبطال، وعم ظلمه سائر العباد(19).

وإقدامه على قتل سيد شباب أهل الجنة الحسين بن علي (عليهما السلام) وريحانة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وإخوته وأولاده وأصحابه وسبي نسائه، فأصبح الحسين من أعظم الثائرين انتصاراً وبطولة وتضحية ومدرسة وشعاراً، وراحت كل الأقلام إسلاميةً وغيرها تشيد بكتاباتها بعظمة الحسين (عليه السلام)، أمثال: (انطون بارا) الكاتب المسيحي في كتابه (الحسين في الفكر المسيحي)، يقول: رؤيا الفكر المسيحي لثورة الحسين. دلالة كافية على إنسانية هذه الثورة، لأنّ هذه الثورة إنسانيةٌ أولاً وآخراً، فالفكر المسيحي يُقدِّس آل البيت (عليهم السلام) كما المسلم. إنّ الفكر المسيحي العربي يستمد تراثه الفكري من تراث عربي إسلامي. كيف أمكن الربط بين ثورة الإمام الحسين وبين فكر أهل الكتاب، إذ لم يسبق هذا الربط أي اهتمام فكري مسيحي بعلم من أعلام الإسلام.

فشخصية الحسين مـحيط واسع من المُثُلِ الأدبية والأخلاق النبوية، وثورته فضاء واسع من المعطيات الأخلاقية والعقائدية، ولعلَّنا نتمثل أهم سِمَةٍ من سمات العظمة في هذه الشخصية من قول جده الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): (عليه السلام)حسين مني وأنا من حسين(عليه السلام) فارتقت إنسانية السبط إلى حيث نبوة الجد (عليه السلام)أنا من حسين(عليه السلام) وهبطت نبوة الجدَّ إلى حيث إنسانية السبط (عليه السلام)حسين مني(عليه السلام).

وإذا كان العالم المسيحيُّ الغربي له مآخذ على الإسلام فإنّما ينظر إلى هذه المآخذ من كُوَى مثالب عهود بني أُميَّة والتشويهات التي استهدفت أُمة الإسلام فيما بعدها، حيث نظر الحكام إلى الدنيا والملك بالشكل الذي صوَّره معاوية بعد احتلاله الكوفة؛ إذ قال: إنّي لم أُقاتلكم لكي تُصلُّوا أو تصوموا... بل قاتلتكم لكي أتأمر عليكم(20).

هذا المظهر الخاجي لجوهر الصراع الذي استشرى بعد ذلك بين أهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وبين ذرَّية أبي سفيان، فأهل البيت يرون أنّ الخلافة مركب يقود إلى الآخرة وفق أحكام الله، وبنو أُميَّة يتطلعون إليها باعتبارها مركباً يقود للجاه والسلطان وانقياد الدنيا وفق أهواء النفس ومطالبها. وبين أحكام الله وبين أهواء النفس أحدث الانقسام المربع في جسد أُمّة الإسلام، والتفّ الأبناء حــول الرمـز الأقـرب لما تهيأت له أنفسهم >منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة<(21) فالفكر المسيحي الغربي لا يعي هذا التناقض الصارخ بين الحق المقهور وبين الباطل المنتصر.

كيف صارت الشهادة التي أقدم عليها الحسين (عليه السلام) وآل بيته وصحبه الأطهار رمزاً للحق والعدل، وكيف صار الذبيح بأرض كربلاء نوراً لا ينطفئ لكل متطلع باحث عن الكرامة التي خص بها سبحانه وتعالى، والسيرة العطرة لحياة سيد شباب أهل الجنة، واستشهاده الذي لم يسجل التاريخ شبيهاً له، كانا عنواناً صريحاً لقيمة الثبات على المبدأ.

أحد القساوسة قال: (لو كان الحسين لنا لرفعنا له في كل بلدٍ بيرقاً، ولنصبنا له في كل قرية مِنبراً، ولدعونا الناس إلى المسيحية باسم الحسين)(22).

ونقل لي عندما كنت في لبنان عن بولس سلامه صاحب ملحمة الغدير عن طريق ولده بأنّ والده عندما كان يقرأ واقعة الطف كانت دموعه تسيل على خده مع أنّه مسيحي، وعالم المكتبات مليء بكتب تتحدث عن شخصية الإمام الحسين (عليه السلام) وثورته التي جاءت لخلاص الإنسان من عبودية الطغاة إلى عبودية الله تعالى.

وشتان بين الشجرتين: شجرة طيِّبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، وشجرة خبيثة أُجتثَّت من فوق الأرض مالها من قرار، وما أبعد ما بين الشجرتين: شجرة مباركة زيتونة، والشجرة الملعونة في القرآن: >وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلاّ فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن<(23) بتأويل من النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) بلا اختلاف بين اثنين في أنّهم -  بنو أميَّة -  هم المراد من الشجرة الملعونة كما ورد ذلك في كتب الحديث والتاريخ(24).

وعن سعيد بن المسيب قال: رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بني أُميَّة على المنابر فساءه ذلك، فأوحى الله إليه إنما هي دنيـا أعطوهـا فقـرت عينـه، وهـي قـولـه: > وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس <(25) يعني بلاء للناس(26).

ومن الرؤيا التي رآها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فوجم لها، فما رُئي ضاحكاً بعدها، فأنزل الله: >وما جعلنا الرؤيا التي أرْيناك إلا فتنة للناس<.

فذكروا أنه رأى نفراً من بني أميّة ينزون على منبره(27).


1- سنن الترمذي: ج 5 ص 658 ح 3775.

2- سورة آل عمران: الآية 61.

3- ينابيع المودة: ص 379؛ تاريخ الطبري: ج 5 ص 623.

4- تاريخ الطبري: ج 11 ص 358.

5- العقد الفريد: ج 4 ص 338.

6- كتاب الفتوح: ج 5 ص 10.

7- الفصول المهمة: ص 188، ص 192؛ نور الأبصار: ص 231.

8- أودى به: ذهب به.

9- مروج الذهب: ج 2 ص 360.

10- تاريخ الطبري: ج 2 ص 457.

11- الاستيعاب في معرفة الأصحاب: ج 4 ص 1679.

12- سورة الإسراء: الآية 60.

13- سورة المائدة: الآية 78.

14- تاريخ الطبري: ج 5 ص 621؛ تاريخ اليعقوبي: ج 2 ص 232.

15- تاريخ الطبري: ج 5 ص 49.

16- العرادات: جمع عرادة، وهي آلة من آلات الحرب، وهي منجنيق صغير، والمنجنيق: سلاح قديم يعتمد على رمي الحجارة.

17- مروج الذهب: ج 3 ص 81؛ تاريخ الخلفاء: ص 209.

18- تاريخ الخلفاء: ص 209.

19- نور العين في مشهد الحسين: ص 10.

20- روى أبو الحسن المدائني: أنّه قد خرج على معاوية قوم من الخوارج بعد دخوله الكوفة وصلح الحسن (عليه السلام)، فخطب معاوية أهل الكوفة فقال: يا أهل الكوفة، أتروْني قاتلتكم على الصلاة والزكاة والحجّ وقد علمت أنّكم تصلُّون وتزكّون وتحجّون، ولكنّني قاتلتكم لأتأمر عليكم وعلى رقابِكم... وكل شرط شرطته - أي للحسن (عليه السلام) - فتحت قدميَّ هاتين. شرح نهج البلاغة: ج16 ص14، ترجمة الحسن بن علي (عليه السلام).

21- سورة آل عمران: الآية 152.

22- الحسين في الفكر المسيحي: ص 24.

23- سورة الإسراء: الآية 60.

24- التسهيل لعلوم التنزيل: ج 2 ص 174؛ الكشاف: ج 2 ص 455؛ الدر المنثور: ج 5 ص 309 ــ ص 310؛ تفسير البيضاوي: ج 1 ص 575؛ مسند الإمام أحمد بن حنبل: ج 2 ص 522؛ مـجمع الزوائد: ج 5 ص 240؛ الخلفاء الراشدون: ص 209 ــ 210.

25- سورة الإسراء: الآية 60.

26- تاريخ مدينة دمشق: ج 57 ص 266 ح 11989؛ شواهد التنزيل: ج 2 ص 457.

27- تاريخ الطبري: ج 5 ص 621.

الحسين (عليه السلام) شبيه الرسول(صلى الله عليه و آله وسلم)

 

عن عليّ (رضي الله عنه) قال: (عليه السلام)من سرّه أن ينظر إلى أشبه الناس برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ما بين عنقه إلى وجهه فلينظر إلى الحسن بن عليّ، ومن سرّه أن ينظر إلى أشبه الناس برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ما بين عنقه إلى كعبه خلقاً ولوناً فلينظر إلى الحسين بن عليّ(عليه السلام)(1).

عن عليّ (عليه السلام) قال: الحسين أشبهُ برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من صدره إلى قدميه(عليهم السلام)(2).

عن أنس بن مالك قال: كنت عند ابن زياد فجيء برأس الحسين فجعل يقول بقضيب له في أنفه ويقول: ما رأيت مثل هذا حسناً قلت: أما إنه كان من أشبههم برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)(3).

عن أنس قال: كان الحسن والحسين أشبههم برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)(4).

عن ابن الضحّاك قال: كان جسد الحسين شبه جسد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)(5).

وقال سفيان بن عُيَيْنَة: قلت لعُبَيد الله بن أبي يزيد: رأيتَ الحُسين بن عليّ؟ قال: نعم، أسود الرأس واللحية إلاّ شُعيرات هاهنا في مُقَدَّم لحيته، فلا أدري أخضب وترك ذلك المكان شَبَهاً برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أو لم يكن شابَ غير ذلك(6).


1- المعجم الكبير: ج 3 ص 95 - 2768 - 2769؛ سنن الترمذي: ج 5 ص 660 ح 3779؛ الاستيعاب في معرفة الأصحاب: ج 1 ص 384؛ أنساب الأشراف: ج 2ص 453 ح 289؛ تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 126 ح 3416؛ بغية الطلب: ج 6 ص 2574.

2- سير أعلام النبلاء: ج 4 ص 402 - 270؛ الاستيعاب في معرفة الأصحاب: ج 1 ص 396 - هامش الإصابة -؛ مقتل الحسين للخوارزمي: ص 90؛ سنن الترمذي: ج 5 ص 659 ح 3778؛ تهذيب الكمال: ج 6 ص 400؛ نور الأبصار: ص 220.

3- المعجم الكبير: ج 3 ص 118 ح 2854؛ سنن الترمذي: ج 5 ص 659 ح3778؛ تهذيب الكمال: ج 6 ص 400، ومعنى يقول: القول هنا يطلق على الفعل؛ كفاية الطالب: ص 396؛ كتاب التاريخ الكبير:ج 2 ص 381 ح 2846؛ بغية الطلب: ج 6 ص 2577 و ص 2632.

4- الإصابة في تمييز الصحابة: ج 1 ص 333؛ حياة الحيوان الكبرى: ج 1 ص 185.

5- مـجمع الزوائد : ج 9 ص 188.

6- تهذيب الكمال: ج 6 ص 400؛ سير أعلام النبلاء: ج 4 ص 402 رقم: 270.

ســــجـود النبــي (صلى الله عليه وآله وسلم)

روى ابن حازم بسنده قال: خرج علينا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) للصلاة وهو حامل أحد ابنيه الحسن أو الحسين، فتقدّم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم وضعه عند قدمه اليمنى، فسجد سجدة أطالـها، فـرفعت رأسي من بين الناس فإذا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ساجد وإذا الغلام راكب على ظهره، فعدت فسـجدت، فلمـا انصرف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قــال الناس: يـا رسول الله، لقـد سجـدت فـي صلاتك هذه سـجدة ما كنت تسجدها، أفشيء أُمرت به أو كان يوحى إليك؟ قال: (عليه السلام)كلّ ذلك لم يكن، ولكن ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته(عليه السلام)(1).

عن عبد الله قال: كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يصلي، فإذا سجد وثب الحسن والحسين على ضهره، فإذا منعوهما أشار إليهم أن دعوهم، فلما قضى الصلاة، وضعهما في حجره فقال: من أَحبني فليحب هذين(2).

عن أبي بُريدة قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يخطبنا إذ جاء الحسن والحسين (عليهما السلام) عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران فنزل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من المنبر فحملهما ووضعهما بين يديه ثم قـال: (عليه السلام)صدق الله >إنّما أموالكم وأولادكم فتنة<(3) فنظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما(عليه السلام)(4).

عن أبي سعيد قال: جاء الحسين يشتدّ ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يصلّي فالتزم عنق رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقام به، وأخذ بيده، فلم يزل ممسكها حتى رجع(5).

عن زينب بنت جحش قالت: قام النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) يصلّي واحتضنه -  يعني الحسين -  فكان إذا ركع وسجد وضعه، وإذا قام حمله، فلما جلس جعل يدعو ويرفع يديه ويقول، فلما قضى الصلاة قلت: يا رسول الله، لقد رأيتك تصنع اليوم شيئاً ما رأيتك تصنعه. قال: (عليه السلام)إنّ جبريل أتاني فأخبرني أنّ ابني يقتل. قلت: فأرني إذاً فأتاني بتربة حمراء(عليه السلام)(6)

كلّ ذلك إشارة إلى منزلة ومكانة الإمام الحسين (عليه السلام) عند رسول الله (ص)، وعلى المسلمين أن يحافظوا على ما كان يكنّه النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) لولده الحسين (عليه السلام)، حيث قال (صلى الله عليه وآله وسلم): (عليه السلام)حسين منّي وأنا من حسين، أحبّ الله من أحبّ حسيناً، حسين سبط من الأسباط(عليه السلام)(7) والإسلام الذي وصلنا إلى هذا اليوم هو ببركة ثورة الحسين (عليه السلام) في كربلاء، لأنّ الإسلام مـحمدي الوجود وحسيني البقاء.


1- المستدرك على الصحيحين: ج 3 ص 165 وبذيله تلخيص للحافظ الذهبي - كتاب معرفة الصحابة - قال الحاكم: هذا آخر ما أدى إليه اجتهاد من ذكر مناقب أهل بيت رسول الله 2 ما يصح منها بالأسانيد المستدرك على الصحيحين: ج 3 ص 180؛ تهذيب التهذيب: ج 2 ص 346.

2- فرائد السمطين: ج 2 ص 107 ح 414.

3- سورة التغابن: الآية 15.

4- سنن الترمذي: ج 5 ص 658 ح 3774؛ تهذيب التهذيب: ج 2 ص 346؛ ذخائر العقبى: ص 228؛ تهذيب الكمال: ج 6 ص 403؛ ينابيع المودة: ص 263؛ تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 161 ح 3490؛ سير أعلام النبلاء: ج 4 ص 385 رقم: 269؛ أسد الغابة: ج 2 ص 16؛ مقتل الحسين للخوارزمي: ج 1 ص 94.

5- مـجمع الزوائد: ج 9 ص 189.

6- مـجمع الزوائد: ج 9 ص 191.

7- أنساب الأشراف: ج 2 ص 453؛ سير أعلام النبلاء: ج 4 ص 404 - 270؛ الفصول المهمة: ص 169.

أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)

 

رحمتُ الله وبركاته عليكم أهل البيت(1): فروع النبوة والرسالة، وينابيع السماحة والبسالة، صوفة آل أبي طالب، وسراة بني لؤي(2) بن غالب، الذين حياهم الروح الأمين، وحلاّهم الكتاب المبين، لولا هم ما عبد الرحمن، ولا عهد الإيمان، وعقد الأمان(3).

عن أنس بن مالك قال: سُئل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أي أهل بيتك أحبّ إليك؟ قال: (صلى الله عليه وآله وسلم)الحسن والحسين(عليهم السلام)، وكان يقول لفاطمة: (عليه السلام)ادعي ابني فيشمّهما ويضمّهما إليه(عليه السلام)(4).

عن جابر بن عبد الله قال: رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في حَجَّته يوم عرفة وهو على ناقته القصواء يخطب، فسمعته يقول: (عليه السلام)يا أيّها الناس إني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلُّوا: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي(عليهم السلام)(5).

عن أنس بن مالك، أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يمرّ بباب فاطمة (رضي الله عنها) ستّة أشهر إذا خرج لصلاة الفجر يقول: (صلى الله عليه وآله وسلم)الصلاة يا أهل البيت إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً(عليهم السلام)(6).

قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (عليه السلام)اللهمّ إنّك جعلت صلواتك ورحمتك ومغفرتك ورضوانك على إبراهيم وآل إبراهيم، اللهمّ إنّهم مني وأنا منهم، فاجعل صلواتك ورحمتك ومغفرتك ورضوانك عليَّ وعليهم -  يعني عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً(عليه السلام)(7).

قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (عليه السلام)إنّ لكلّ نبيّ أب عصبة ينتمون إليها، إلاّ ولد فاطمة فأنا وليُّهم، وأنا عصبتُهم، وهم عترتي، خُلِقوا من طينتي، ويل للمكذّبين بفضلهم، من أحبَّهم أَحبهُ الله، ومن أبغضَهُم أبغضَهُ الله(عليه السلام)(8).

عن أبي بَرْزَة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : (عليه السلام)لا تزول قدما عبدٍ حتى يُسأل عن أربعة، عن جسده فيما أبلاهُ، وعُمُرِهِ فيما أَفْنَاه، وماله من أين اكتسبَهُ وفيما أنفقه، وعن حُبِّ أهل البيت(عليهم السلام) فقيل: يا رسول الله فما علامة حُبِّكُمْ؟ فضرب بيده على منكب علي (رضي الله عنه)(9).

وأنشد الشيخ أبو بكر بن فضل الله الحلي الواعظ في المعنى لبعضهم:

ياحبّذا دوحة في الخلد ثابتة      ما في الجنان لها شبه من الشجر

المصطفى أصلها والفرع فاطمة      ثم اللقاح عليٌّ سيّد البشر
والهاشميان سبطاها لها ثمر      والشيعة الورق الملتفّ بالثمر

هذا حديث رسول الله جاء به      أهل الرواية في العالي من الخبر

إنّي بحبّهم أرجو النجاة غداً      والفوز مع زمرة من أحسن الزمر(10)

عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بإذنيَّ وإلاّ فصّمتا وهو يقول: (عليه السلام)أنا شجرة، وفاطمة حملها، وعلي لقاحها، والحسن والحسين ثمرتها، والمحبّون أهل البيت ورقها من الجنّة حقّاً حقّاً(عليه السلام)(11).

وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : (عليه السلام)إن الله تعالى اصطفى العرب من جميع الناس، واصطفى قريشاً من العرب، واصطفى بني هاشم من قريش، واصطفاني من قريش، واختارني في نفر من أهل بيتي عليّ وحمزة وجعفر والحسن والحسين(عليه السلام)(12).

عن أُمّ سَلَمة قالت: خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى صرحة هذا المسجد فقال: (عليه السلام)ألا لا يحلّ هذا المسجد لجُنُب ولا حائضٍ إلاّ لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وعليّ وفاطمة والحَسَن والحُسَيْن، ألاَ قد بيّنت لكم الأسماء أن تضلّوا(عليه السلام)(13).

عن ابن مسعود قال: بينما نحن جلوس عند النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إذ دخل عليه فتية من قريش، فتغيرّ لونه، ورئي في وجهه كآبة، فقلنا: يا رسول الله، لا نزال نرى في وجهك شيئاً نكرهه، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (عليه السلام)إنّا أهل بيت اختار الله تعالى لنا الآخرة على الدنيا، وإن أهل بيتي سيلقون بعدي تطريداً وتشريداً(عليه السلام)(14).

وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (عليه السلام)إنّما مثلُ أهلِ بيتي فيكم كمثل سفينة نوح من رَكبها نجا، ومن تخلّف عنها هلك(عليه السلام)(15). فإذا كان ركوب سفينة نوح نجاة من الغرق فسفينة الحسين (عليه السلام) نجاة من النار؛ لأنهّ (عليه السلام) من أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

قالت عائشة خرج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) غداة وعليه مِرْط مُرَحَّلٌ من شعر أسود، فجاء الحسن بن عليّ فأدخله، ثم جاء الحسين فدخل معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء عليّ فأدخله، ثم قال: >إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً<(16).

عن ابن عباس قال: خرج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قبل موته بأيام يسيرة إلى سفر له، ثم رجع وهو متغير اللون مـحمرّ الوجه، فخطب خطبة بليغة موجزة، وعيناه تهملان دموعاً قال فيها: (عليه السلام)أيها الناس، إني خلّفت فيكم الثقلين، كتاب الله وعترتي وأرومتي ومزاج مائي وثمرتي ولن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض، ألا وإني انتظرهما، ألا وإني لا أسألكم في ذلك إلاّ ما أمرني ربي أن أسألكم به المودّة في القربى، فانظروا لا تلقوني على الحوض وقد أبغضتم عترتي وظلمتموهم، ألا وإنه سترد عليّ في القيامة ثلاث رايات من هذه الأُمة، راية سوداء مظلمة، فتقف عليّ، فأقول من أنتم؟ فينسون ذكري، ويقولون أهل التوحيد من العرب، فأقول: أنا أحمد نبي العرب والعجم، فيقولون: نحن من أُمتك يا أحمد، فأقول لهم: كيف خلفتموني من بعدي في أهلي وعترتي وكتاب ربّي؟ فيقولون: أما الكتاب فضيّعناه ومزّقناه، وأما عترتك فحرصنا على أن ننبذهم عن جديد الأرض، فأُولي وجهي عنهم، فيصدرون ظماء عطاشى مسودّة وجوههم، ثم ترد عليَّ راية أُخرى أشدّ سواداً من الأُولى، فأقول لهم: من أنتم؟ فيقولون كالقول الأول، بأنهم من أهل التوحيد، فإذا ذكرت لهم اسمي عرفوني وقالوا: نحن أُمتك، فأقول لهم: كيف خلفتموني في الثقلين الأكبر والأصغر؟ فيقولون أما الأكبر فخالفناه، وأما الأصغر فخذلناه ومزّقناهم كل ممزق. فأقول لهم: إليكم عنّي، فيصدرون ظماء عطاشى مسودّة وجوههم، ثم ترد عليّ راية أُخرى تلمع نوراً، فأقول لهم من أنتم؟ فيقولون: نحن أهل كلمة التوحيد والتقوى، نحن أُمّة مـحمد، ونحن بقيّة أهل الحق الذين حملنا كتاب ربنا فحللنا حلاله وحرمنا حرامه، وأجبنا ذرية مـحمد فنصرناهم بما نصرنا به أنفسنا، وقاتلنا معهم، وقتلنا من ناواهم، فأقول لهم: أبشروا، فأنا نبيكم مـحمد، ولقد كنتم في دار الدنيا كما وصفتم، ثم اُسقيهم من حوضي فيصدرون رواء. ألا وإنّ جبرئيل قد أخبرني بأنّ أُمّتي تقتل ولدي الحسين بأرض كرب وبلاء، ألا فلعنة الله على قاتله وخاذله آخر الدهر(عليه السلام)(17).

عن زيد بن أرقم قال: جاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى بيت فاطمة، فأخذ بعضادتي الباب وفي البيت عليّ وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) فقال: (عليه السلام)أنا حربٌ لمن حاربتم، وسلمٌ لمن سالمتم(عليه السلام)(18).


1- سورة هود: الآية 73.

2- من أجداد النبي 2.

3- دُرر السّمط في خبر السّبط: ص 61.

4- سنن الترمذي: ج 5 ص 657 ح 3772؛ ذخائر العقبى: ص 214؛ كنز العمال: ج 12 ص 116 ح 34265.

5- سنن الترمذي: ج 5 ص 662 ح 3786.

6- المستدرك على الصحيحين: ج 3 ص 158؛ شواهد التنزيل: ج 2 ص 11 ح 637.

7- كنز العمال: ج 12 ص 101 ح 34186.

8- كنز العمال: ج 12 ص 98 ح 34161، وص 114 ح34253؛ مقتل الحسين: ج 1 ص 89.

9- المعجم الأوسط: ج 3 ص 104 ح 2212.

10- كفاية الطالب : ص 383.

11- تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 168 ح 3506؛ انظر: كفاية الطالب: ص 383؛ بغية الطلب: ج 6 ص 2582.

12- تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 172 ح 3513.

13- تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 166 ح 3502؛ كنز العمال: ج 12 ص 101 ح 34183.

14- الفصول المهمة: ص 171.

15- كنز العمال: ج 12 ص 98 ح 34169؛ مقتل الحسين للخوارزمي: ج1 ص 104.

16- صحيح مسلم: ج 5 ص 37 ح 2424 باب فضائل أهل بيت النبي 2؛ سنن الترمذي: ج 5 ص 663 ح 3787؛ سنن الكبرى: ج5. مرط: كساء. المرحل: هو الموشى المنقوش عليه صور ورحال الإبل؛ ينابيع المودة : ص 197.

17- مقتل الحسين، للخوارزمي: ج 1 ص 164.

18- مقتل الحسين للخوارزمي: ج 1 ص 99؛ انظر سنن الترمذي: ج 5 ص 699 ح 3870؛ ينابيع المودة: ص 193؛ سير أعلام النبلاء: ج 14 ص 386 رقم: 269؛ تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص157  ح 3481؛ تاريخ بغداد: ج 7 ص 137؛ بقية الطلب: ج 6 ص 2576، وفيه: أنا حرب لمن حاربكم، سلم لمن سالمكم.

مــحبّة الحســـين (عليه السلام) 

 

لقد احتل الإمام الحسين (عليه السلام) الصدارة عند جده رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأصبح مـحطّ مـحبّته، والكثير من أحاديث الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) تدلّ على منزلة ومكانة وعظمة الإمام الحسين (عليه السلام)، منها:

عن أبي أيّوب الأنصاري قال: دخلت على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والحَسَن والحُسَيْن يلعبان بين يديه في حجره، فقلت: يا رسول الله أتحبهما؟ قال: (عليه السلام)وكيف لا أُحبّهما وهما ريحانتاي من الدنيا أشمّهما(عليه السلام)(1).

عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) للحسين بن علي: (عليه السلام)من أحبّ هذا فقد أحبّني(عليه السلام)(2).

عن علي (عليه السلام): أنَّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): أخذ بيد الحسن والحسين فقال: (عليه السلام)من أحبني وأحبّ هذين وأباهما وأُمّهما كان معي في درجتي يوم القيامة(عليه السلام)(3).

عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه كان يأخذه والحسن ويقول: (عليه السلام)اللّهمّ إنّي أُحبهما فأحبّهما(عليه السلام)(4).

عن سلمان (رضي الله عنه) قال سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: (عليه السلام)الحسن والحسين ابناي، من أحبّهما أحبّني، ومن أحبّني أحبّه الله، ومن أحبه أدخله الجنة، ومن أبغضهما أبغضني، ومن أبغضني أبغضه الله، ومن أبغضه الله أدخله النار(عليه السلام)(5).

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (عليه السلام)من أحبهما فقد أحبني، ومن أبغضهما فقد أبغضني -  يعني حسناً وحسيناً - (عليه السلام)(6).

عن أبي هريرة قال: خرج علينا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ومعه الحسن والحسين هذا على عاتقه وهذا على عاتقه، وهو يلثم -  أي يقبل -  هذا مرةً وهذا مرة حتى انتهى إلينا، فقال له رجل: يا رسول الله، إنك تحبهما؟ فقال: (عليه السلام)نعم، من أحبهما فقد أحبني، ومن أبغضهما فقد أبغضني(عليه السلام)(7).

عن أبي هريرة قال: دخل الاقرع بن حابس على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فرآه يُقَبِّل إمّا حسناً أو حسيناً. فقال تُقبّله، ولي عشرة من الولد ما قبلت واحداً منهم. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (عليه السلام)إنّه من لا يَرحم لا يُرحم(عليه السلام)(8).

عن البراء قال: إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أبصر حسناً وحسيناً فقال: (عليه السلام)اللهمّ إني أحبهما فأحبهما(عليه السلام)(9).

عن البراء بن عازب قال: رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حامل الحسين بن علي على عاتقه وهو يقول: (عليه السلام)اللهم إني أُحبه فأحبه(عليه السلام)(10).

عن أُسامة بن زيد قال: طرقت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ذات ليلة في بعض الحاجة فخرج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو مشتمل على شيء لا أدري ما هو، فلمّا فرغت من حاجتي قلت: ما هذا الذي أنت مشتمل عليه؟ قال: فكشفه فإذا حسن وحسين(عليهما السلام) على وركَيْه فقال: (عليه السلام)هذان ابناي وابنا ابنتي، اللهمّ إني أُحِبُّهما فأَحِبَّهُما وأَحِبَّ من يُحبُّهما(عليه السلام)(11).

عن أبي هريرة قال: ما رأيت الحسين بن علي إلا فاضت عيناي دموعاً... فجلس رسول الله في المسجد.. فأتى حسين يشتد حتى وقع في حجره ثم أدخل يده في لحية رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فجعل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يفتح فم الحسين فيدخل فاه في فيه ويقول: (صلى الله عليه وآله وسلم)اللهم إني أحبه فأحبه(عليهم السلام)(12).

وقال يونس بن أبي إسحاق بسنده: بينما عبد الله بن عمرو بن العاص جالس في ظِلّ الكعبة إذ رأى الحسين بن علي مقبلاً فقال: هذا أحبّ أهل الأرض إلى أهل السماء اليوم(عليهم السلام)(13).

عن رجاء بن ربيعة قال: كنت في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذ مرّ الحسين بن علي فسلم، فرد عليه القوم السلام وسكت عبد الله بن عمرو، ثم رفع ابن عمرو صوته بعد ما سكت القوم فقال: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، ثم أقبل على القوم فقال: ألا أُخبركم بأحب أهل الأرض إلى أهل السماء؟ قالوا: بلى. قال: هو هذا المقفى -  أي الذاهب المولى -  والله ما كلمته كلمة ولا كلمني كلمة منذ ليالي صفين، ووالله لأن يرضى عني أحب إليَّ من أن يكون لي مثل أُحد... -  فلما اجتمع ابن عمرو بالحسين (عليه السلام) بعد ما أذن له -  فقال الحسين (عليه السلام): (عليه السلام)أكذاك يا ابن عمرو، أتعلم أنّي أحبّ أهل الأرض إلى أهل السماء؟(عليه السلام) قال: إي وربّ الكعبة، إنّك لأحب أهل الأرض إلى أهل السماء. قال: (عليه السلام)فما حملك على أن قاتلتني وأبي يوم صفين؟ والله لأبي خير منّي(عليه السلام)(14).

عن زيد بن أبي زياد قال: خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من بيت عائشة فمر على بيت فاطمة فسمع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حسيناً يبكي، فقال: (عليه السلام)أَلَمْ تَعْلَمِي أنَّ بُكاءَهُ يُؤْذيني؟(عليه السلام)(15).

فعلاقة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بولده الحسين (عليه السلام) علاقة متميزة وفريدة مليئة بالحب والعطف والحنان، حتى أن بكاءه كان يؤذيه، ومن خلال الحديث الشريف نرى أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يتحمل سماع بكاء ولده الحسين (عليه السلام)، أسفي عليك يا رسول الله لو كنت حاضراً في كربلاء كي ترى ماذا صنعت أُمتك بولدك الحسين (عليه السلام)، حيث داست كل القيم والمبادئ، وأدارت ظهرها لك يا رسول الله ولأحاديثك، كأنّها وضعت أصابعها في آذانها كما صنعت الجاهليّة الأُولى حيث وضعـوا أصـابعهم في آذانـهم حتى لا يـســمعوا كـلام الله، تعالى: >وإِنِّي كلما دَعَوْتُهُم لتغِفرَ لَهُم جَعَلوا أصابعَهُم في ءَاذَانِهم واستغْشَوا ثيابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكبْرَوُا استِكْبار<(16) إنّها تجربة جاهلية ثانية، حيث أعرضوا عن القرآن الناطق.

لقد وصل الأمر بهم أنّهم لم يكتفوا بقتل الحسين (عليه السلام) و إخوته وأولاده وأصحابه وسبي نسائه وحرق خيامه، بل حرموهم الماء حتى وصل بهم العطش إلى الموت، ولم يرحموا حتى الطفل الرضيع، فهذا عبد الله الرضيع. عندما عرضه الحسين (عليه السلام) ليسقوه شربة ماء وكان يبكي من شدة العطش فكان مصيره الذبح من الوريد إلى الوريد، حتى صيروه كالطير المذبوح، بل راحوا يصبون حقدهم بحزّ الرؤوس، بدءاً برأس الحسين (عليه السلام) نكاية به وبغضاً لأبيه، ولجدّه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهذا يظهر جليّاً من قولهم للحسين (عليه السلام) لما طلب منهم الماء: لا تذوق الماء حتى تموت عطشاناً بغضاً لأبيك، وكان جدّه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يطيل النظر  إلى ولده الحسين (عليه السلام)، وكانت دموعه تسيل على خدّه وهو يقول (صلى الله عليه وآله وسلم): (عليه السلام)حسين منّي وأنا من حسين(عليه السلام).

هل هذا جزاء الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي أنقذهم من دياجير الظلمات إلى عالم النور؟! وكما قالت فاطمة (عليها السلام) في خطبتها المعروفة في مسجد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): وكنتم على شفا حفرة من النار(17)، مذقة الشارب، ونهزة الطامع(18)، وقبسة العجلان(19)، وموطئ الأقدام(20)، تشربون الطرْق، وتقتاتون القد(21)، أذلّة خاسئين، تخافون أن يتخطّفكم الناس من حولكم(22) فأنقذكم الله تبارك وتعالى بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد اللتيا والتي(عليهم السلام)(23) (24).

إنّ فاطمة (عليها السلام) جاءت إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهي تبكي فقال: (عليه السلام)ما يبكيك؟ قالت: ضاع مني الحسين فلا أجده(عليه السلام) فقام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد أغرورقت عيناه، وذهب ليطلبه، فلقيه يهودي فقال: يا مـحمد ما لك تبكي؟ فقال: (عليه السلام)ضاع ابني(عليه السلام) فقال: لا تحزن فإني رأيته على تلّ كذا نائماً...(25).

عن يعلى بن مرّة العامري قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : (عليه السلام)حسين منّي وأنا من حسين، أحبّ الله من أحبّ حسيناً، حسين سبط من الأسباط(عليه السلام)(26).

عن يعلى العامريِّ قال: إنّه خرج مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى طعام دعوا له. قال فاستقبل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أمام القوم وحسين مع الغلمان يلعب، فأراد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يأخذه فطفق الصبي يفرّ هاهنا مرة وهاهنا مرة، فجعل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يضاحكه حتى أخذه. قال: فوضع إحدى يديه تحت قفاه والأُخرى تحت ذقنه، فوضع فاه على فيه يقبّله، فقال: (عليه السلام)حُسينٌ منّي وأنا من حُسينٍ، أحَبَّ اللهُ من أحَبَّ حُسَيناً، حُسينٌ سبط من الأسباط(عليه السلام)(27).

عن عائشة قالت: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) جائعاً لا يقدر على ما يأكل. فقال لي: (عليه السلام)هات ردائي(عليه السلام) فقلت: أين تريد؟ قال: (عليه السلام)إلى فاطمة ابنتي فأنظر إلى الحسن والحسين فيذهب ما بي من جوع(عليه السلام) فخرج، حتى دخل على فاطمة، فقال: (صلى الله عليه وآله وسلم)يا فاطمة أين ابناي؟(عليهم السلام) فقالت: (صلى الله عليه وآله وسلم)يا رسول الله، خرجا من الجوع وهما يبكيان(عليهم السلام) فخرج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في طلبهما، فرأى أبا الدرداء فقال: (عليه السلام)يا عويمر، هل رأيت ابني(عليه السلام) قال: نعم يا رسول الله، هما نائمان تحت ظِلّ حائط بني جدعان. فانطلق النبي فضمّهما وهما يبكيان وهو يمسح الدموع عنهما، فقال له أبو الدرداء: دعني أحملهما. فقال: (عليه السلام)يا أبا الدرداء، دعني امسح الدموع عنهما، فو الذي بعثني نبيّاً لو قطرت قطرة في الأرض لبقيت المجاعة في أُمّتي إلى يوم القيامة(عليه السلام).

ثم حملهما وهما يبكيان وهو يبكي، فجاء جبرئيل فقال: السلام عليك يا مـحمد، ربّ العزّة يقرئك السلام ويقول: ما هذا الجزع؟ فقال: (عليه السلام)يا جبرئيل ما أبكي من جزع، بل أبكي من ذلّ الدنيا(عليه السلام).

فقال جبرئيل: إن الله تعالى يقول: أيسرّك أن أُحوّل لك أُحداً ذهباً، ولا ينقص لك ممّا عندي شيء؟ قال: (عليه السلام)لا(عليه السلام) قال: لِمَ؟ قال: (عليه السلام)لأنّ الله لم يحبّ الدنيا، ولو أحبّها لما جعل للكافر أكلة(عليه السلام) فقال جبرئيل: يا مـحمد ادعُ بالجفنة المنكوسة التي في ناحية البيت، فدعا بها، فلما حملت إذا فيها ثريد ولحم كثير، فقال: كل يا مـحمد وأطعم ابنيك وأهل بيتك. قالت: فأكلوا وشبعوا...(28).


1- تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 130 ح 3422؛ سير أعلام النبلاء: ج 4 ص 403 رقم: 270؛ كفاية الطالب: ص 379.

2- مـجمع الزوائد: ج 9 ص 188.

3- الرياض النضرة في مناقب العشرة: ج 2 ص 189؛ كنز العمال: ج 12 ص 96 رقم: 34161، ص 103 ح 34196؛ ينابيع المودة: ص 192؛ بغية الطلب: ج 6 ص 2578 وفيه: (صلى الله عليه وآله وسلم)كان معي في الجنّة، المرء مع من أحبّ، المرء مع من أحبّ، المرء مع من أحبّ.

4- صحيح البخاري: ج 3 ص 1369 ح 3537 باب مناقب الحسن والحسين (رضي الله عنهما)؛ تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 155 ح 3476؛ الاستيعاب في معرفة الأصحاب - هامش الإصابة : ج 1 ص 376.

5- المستدرك على الصحيحين: ج 3 ص 166 - كتاب معرفة الصحابة؛ ينابيع المودة: ص 198 و ص 262؛ سير أعلام النبلاء: ج 4 ص 404 رقم: 270.

6- مسند الإمام أحمد بن حنبل: ج 13 ص 260 ح 7876؛ السنن الكبرى: ج 5 ص 49؛ تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 152 ح 3469.

7- المستدرك على الصحيحين: ج 3 ص 166 - كتاب معرفة الصحابة -؛ الصواعق المحرقة: ص 192، مسند الإمام أحمد بن حنبل: ج 15 ص 420 ح 9673 - 2 / 440؛ مقتل الحسين للخوارزمي: ج 1 ص 91.

8- مقتل الحسين للخوارزمي: ج 1 ص 102.

9- سنن الترمذي: ج 5 ص 661 ح 3782؛ ينابيع المودة: ص 193.

10- الفصول المهمة: ص 170؛ الاستيعاب في معرفة الأصحاب: ج 1 ص 399؛ المستدرك على الصحيحين: ج 3 ص 177؛ كنز العمال: ج12 ص 125 ح 34311؛ نور الأبصار: ص 221.

11- سنن الترمذي: ج 5 ص 656 ح 3769؛ كنز العمال: ج 12 ص 114 ح 34255؛ الصواعق المحرقة: ص 191؛ ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى: ص 211؛ مقتل الحسين للخوارزمي: ج 1 ص 92؛ أسد الغاية: ج 2 ص 162.

12- المستدرك على الصحيحين: ج 3 ص 178؛ مقتل الحسين، للخوارزمي: ج 1 ص 149.

13- تهذيب التهذيب: ج 2 ص 346؛ تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 179 ح 3517؛ الإصابة في تمييز الصحابة: ج 1 ص 333؛ تهذيب الكمال: ج 6 ص 406.

14- مـجمع الزوائد: ج 9 ص 189.

15- أنساب الأشراف: ج 3 ص 144؛ مـجمع الزوائد: ج 9 ص 204؛ الفصول المهمة: ص 169؛ المعجم الكبير: ج 3 ص 116 - 2847 -؛ ينابيع المودة: ص 266؛ تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص171 ح 3512؛ سير أعلام النبلاء: ج 4 ص 405 رقم: 270؛ ذخائر العقبى: ص 246؛ كفاية الطالب: ص 389؛ نور الأبصار: ص 221.

16- سورة نوح: الآية 7.

17- شفا كل شيء: طرفه وشفيره، أي كنتم على شفير جهنم مشرفين على دخولها لشرككم وكفركم.

18- أي كنتم قليلين أذلاّء يتخطّفكم الناس بسهولة.

19- والقبسة - بالضم - شعلة من نار يقتبس من معظمها، والإضافة إلى العجلان لبيان القلّة والحقارة.

20- ووطئ الأقدام: مثل مشهور في المغلوبيّة والمذلّة.

21- الطرق: ماء السماء الذي تبول فيه الإبل وتبعر، والقد: يقد من جلدٍ غير مدبوغ، والمقصود وصفهم بخباثة المشرب وجشوبة المأكل لعدم اهتدائهم إلى ما يصلحهم في دنياهم ولفقرهم.

22- الخاسئ: المبعد المطرود، والتخطف: استلاب الشيء وأخذه بسرعة اقتبس من قوله تعالى : >واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطّفكم الناس فَأَواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيّبات لعلّكم تشكرون< سورة الأنفال: الآية26.

     وفي نهج البلاغة عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّ الخطاب في تلك الآية لقريش خاصّة، فالمراد بالناس سائر العرب أو الأعمّ.

23- اللتيا والتي: وهما كنايتان عن الواهية الصغيرة والكبيرة.

24- الاحتجاج: ص 97، احتجاج فاطمة الزهراء J على القوم.

25- مقتل الحسين للخوارزمي: ج 1 ص 144.

26- أنساب الأشراف: ج 3 ص 142؛ الفصول المهمة: ص 169؛ ينابيع المودة: ص 264، ص193 ؛ سنن الترمذي: ج 5 ص 658 ح 3775؛ سير أعلام النبلاء: ج 4 ص 404 - 270؛ ذخائر العقبى: ص 231؛ أسد الغابة: ج 2 ص 26.

27- سنن الترمذي: ج 5 ص 658 ح 3775؛ مسند الإمام أحمد بن حنبل: ج 29 ص 102 ح17561؛ تهذيب التهذيب: ج 2 ص 346؛ المستدرك على الصحيحين: ج 3 ص 177 - كتاب معرفة الصحابة؛ كنزل العمال: ج 12 ص 129 رقم: 34328، ص 115 ح34264؛ مقتل الحسين للخوارزمي: ج 1 ص 146؛ الصواعق المحرقة: ص 192؛ ينابيع المودة: ص 264؛ ذخائر العقبى: ص 231؛ تهذيب الكمال: ج 6 ص 402؛ بغية الطلب: ج 6 ص 2583، نور الأبصار: ص 220، كتاب التاريخ الكبير: ج 8 ص 414 ح 3536، باب يعلى؛ فرائد السمطين: ج 2 ص 130 ح 429.

28- مقتل الحسين للخوارزمي: ج 1 ص 129.

جــنّة الـحسين (عليه السلام)
 

عن أبي سعيد الخُدْري قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):(عليه السلام) الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنّة(عليه السلام)(1).

عن ابن عمر قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (عليه السلام)الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنّة، وأبوهما خير منهما(عليه السلام)(2).

عن حذيفة قال: رأينا في وجه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) تباشير السرور، فقلنا: يا رسول الله، لقد رأينا اليوم في وجهك تباشير السرور، فقال: (عليه السلام)ومالي لا أُسرّ وقد أتاني جبريل فبشّرني أنّ حسناً وحسيناً سيّدا شباب أهل الجنّة، وأبوهما أفضل منهما(عليه السلام)(3).

عن جابر بن عبد الله قال: من سرَّه أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى الحسين بن عليّ فإني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقوله(4).

عن جابر، أنه قال -  وقد دخل الحسين المسجد - : (عليه السلام)من أحبَّ أن يَنظُرَ إلى سيِّدِ شباب ِ أهل الجنّة، فلينظر إلى هذا(عليه السلام) سمعته من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)(5).

عن علي (عليه السلام) قال: (صلى الله عليه وآله وسلم)شكوت إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حسد الناس إيّاي، فقال: يا عليّ، إنّ أول أربعة يدخلون الجنّة أنا وأنت والحسن والحسين وذرارينا خلف ظهورنا، وأزواجنا خلف ذرارينا. قال عليّ: قلت: يا رسول الله، فأين شيعتنا؟ قال: (صلى الله عليه وآله وسلم)شيعتكم من ورائكم(عليه السلام)(6).

عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): لمّا أُسري بي إلى السماء رأيت على باب الجنة مكتوباً بالذهب لا إله إلاّ الله، مـحمد حبيب الله، علي ولي الله، فاطمة أَمة الله، الحسن والحسين صفوة الله، على مبغضيهم لعنة الله، مهما ذكر الله(عليهم السلام)(7).

قال رســول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (عليه السلام)بي أنذرتم، ثم بعلي بن أبي طالب اهتديتم، وقرأ > إنما أنت منذر ولكل قوم هاد<(8) وبالحسن أُعطيتم الإحسان، وبالحسين تسعدون، وبه تشقون، ألا وإنّ الحسين باب من أبواب الجنة من عانده حرّم الله عليه رائحة الجنة(عليه السلام)(9).

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (عليه السلام)لمّا استقرّ أهل الجنة قالت الجنة: يا ربّ أليس وعدتني أن تزينني بركنين من أركانك؟ قال: ألم أُزينك بالحسن والحسين؛ قال: فماست الجنة ميساً(10) كما تميس العروس في خدرها(عليهم السلام)(11).

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (عليه السلام)هلم يا بلال وناد في الناس واجمعهم لي في المسجد، فلما اجتمعوا قام على قدميه، وخطب الناس بخطبة أبلغ فيها، حمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ومستحقّه، ثم قال: يا معشر المسلمين، هل أدلُّكم على خير الناس جدَّاً وجدَّة؟(عليه السلام) قلنا: بلى يا رسول الله. قال: (عليه السلام)الحسن والحسين جدّهما رسول الله خاتم المرسلين، وجدّتهما خديجةُ بنت خُوَيلد سيدة نساء أهل الجنة. ألا أدُلُّكم على خير الناس أباً وأُمّاً؟(عليه السلام) قالوا: بلى يا رسول الله. قـال (صلى الله عليه وآله وسلم): (عليه السلام)الحسن والحسين أبوهما علي بن أبي طالب، وأُمُّهما فاطمة بنت خديجة وهي سيدة نساء العالمين. هل أدلُّكم على خير الناس عمَّاً وعمةً؟(عليه السلام) قالوا: بلى يا رسول الله، قال: (عليه السلام)الحسن والحسين عمّهما جعفر بن أبي طالب، وعمتهما أُمُّ هانئ بنت أبي طالب. أيها الناس عل أدلُّكم على خير الناس خالاً وخالةً؟(عليه السلام) قالوا: بلى يا رسول الله. قال: (عليه السلام)الحسن والحسين خالهما القاسم بن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وخالتهما زينب بنت رسول الله(عليه السلام) ثمّ قال: (عليه السلام)اللهمّ إنّك تعلمُ أنَّ الحسن والحسين في الجنة، وجدهما في الجنة، وجدتهما في الجنة، وأباهما في الجنة، وأُمهما في الجنة، وخالهما في الجنة، وخالتهما في الجنة، وعمّهما في الجنة، وعمتهما في الجنة، ومن يحبهما في الجنة، ومن يبغضهما في النار(عليهم السلام)(12).

هذه الأحاديث تدلّ على مكانة الحسين (عليه السلام) عند الله تعالى وعند رسوله لشموله بالعناية الإلهيّة الخاصّة، وأنها رسالة إلى العالم ليقتدوا برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في مـحبّته وعلاقته بولده الحسين (عليه السلام)؛ لأنه يحمل رسالة جده (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأنّ نهج الحسين (عليه السلام) هو نهج جده رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فالمحبة له في الواقع هو حفظ الرسالة من الانحراف، وأكثر من ذلك جعل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) مساواة النظر إليه هو نفس النظر إلى ولد الحسين (عليه السلام).

لقد ترك الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) هذه الأمانة الإلهيّة السماويّة في أعناقنا من خلال وصاياه، ولكن سرعان ما انقلبت الأُمّة على سبط النبوّة والإمامة، وأرادوا الحطّ من شأن الحسين (عليه السلام) في واقعة الطفّ ومـخالفة المشيئة الإلهيّة، > ويأبى الله إلاّ أن يتمّ نوره ولو كره الكافرون <(13).


1- سنن الترمذي: ج 5 ص 656 ح3768؛ مسند الإمام أحمد بن حنبل: ج 18 ص 138 ح 11594 - المسند: 3 /62، ص 301 - 11777 - المسند: 3 / 82؛ ص 161 ح 11618 -؛ المستدرك على الصحيحين: ج 3 ص 166، كتاب معرفة الصحابة؛ الاستيعاب في معرفة الأصحاب: ج 1 ص 391؛ الفصول المهمة: ص 152؛ كنز العمال: ج 12 ص 112 ح 34246 ؛ الصواعق المحرقة: ص 191؛ تاريخ بغداد: ج 2 ص 184 وص 185، ج 4 ص 207 وج 6 ص 372 و ج 9 ص 232؛ ينابيع المودة: ص 262؛ تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 130 ح 3423؛ سير أعلام النبلاء: ج 4 ص 403 رقم: 270؛ الاستيعاب في معرفة الأصحاب: ج 1 ص 376، هامش الإصابة؛ السنن الكبرى: ج 5 ص 50 ح 8169 /9؛ المعجم الأوسط: ج 3 ص 2211؛ مقتل الحسين للخوارزمي: ج 1 ص 92؛ ذخائر العقبى: ص 225؛ أسد الغابة: ج 2 ص 15؛ بغية الطلب: ج 6 ص 2578؛ فرائد السمطين: ج 2 ص 98 ح 409.

2- المستدرك على الصحيحين: ج 3 ص 167، كتاب معرفة الصحابة؛ كنز العمال: ج 2 ص 112 ح 34247 وص 115 ح 34259 -؛ الصواعق المحرقة: ص 191؛ تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 133 ح 3429.

3- كنز العمال: ج 2 ص 107 ح 34017 وص 113 ح 34249 وص 102 ح 34192؛ تاريخ بغداد: ج 10 ص 231؛ ينابيع المودة: ص 195؛ حلية الأولياء: ج 4 ص 190، وفيه: (صلى الله عليه وآله وسلم)وإنّ فاطمة سيدة نساء أهل الجنة؛ السنن الكبرى: ج 5 ص 95 ح 8365 / 1؛ كفاية الطالب: ص 380؛ ذخائر العقبى: ص 224.

4- مـجمع الزوائد: ج 9 ص 190؛ ميزان الاعتدال: ج 2 ص 40 رقم: 2737 -؛ مقتل الحسين للخوارزمي: ج 1 ص 147؛ ينابيع المودة: ص 262؛ تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 137 ح 34166؛ ذخائر العقبى: ص 225؛ بغية الطلب: ج 6 ص 2583، نور الأبصار: ص 220.

5- سير أعلام النبلاء: ج 4 ص 403 رقم: 270.

6- تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 169 ح 3508؛ كنز العمال: ج 12 ص 98 ح 34166 وص 104 ح 34205؛ مقتل الحسين للخوارزمي: ج 1 ص 109.

7- كفاية الطالب: ص 381؛ مقتل الحسين للخوارزمي: ج 1 ص 108.

8- سورة الرعد: الآية 7.

9- مقتل الحسين للخوارزمي: ج 1 ص 145.

10- الميس: التبختر،ماس يميس ميساً: تبختر واختال، لسان العرب: ج 6 ص 224 (صلى الله عليه وآله وسلم)ميس أي: إنَّ الجنّة تبخترت وافتخرت بتزيّنها بالحسن والحسين .

11- تاريخ بغداد: ج 2 ص 238؛ مقتل الحسين للخوارزمي: ج 1 ص 103.

12- ذخائر العقبى: ص226؛ كفاية الطالب: ص378؛ مقتل الحسين للخوارزمي: ج1 ص 112.

13- سورة التوبة: الآية 32.

إبراهيم فداءٌ للحسين (عليه السلام)
 

لقد قدّم الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) ابنه إبراهيم فداءً لولده الحسين (عليه السلام) وهو ابن ابنته فاطمة الزهراء (عليها السلام) وهذا إن دلَّ على شيءٍ فإنما يدل على مكانة الإمام الحسين (عليه السلام) على الرسالة والرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد جاءت كتب التاريخ والحديث ملأى بالروايات التي تشير إلى ذلك، منها:

عن أبي العباس قال: كنت عند النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلى فخذه الأيسر ابنه إبراهيم وعلى فخذه الأيمن الحسين بن عليّ، تارةً يقبّل هذا وتارة يقبل هذا، إذ هبط عليه جبرائيل (عليه السلام) بوحي من رب العالمين، فلما سرى عنه قال: (عليه السلام)أتاني جبرائيل من ربي فقال: يا مـحمد، إنّ ربّك يقرأ عليك السلام ويقول لك: لست أجمعهما لك، فافدِ أحدهما بصاحبه، فنظر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى إبراهيم فبكى ونظر إلى الحسين فبكى، ثم قال: إن إبراهيم أُمّه أَمة ومتى مات لم يحزن عليه غيري، وأُمّ الحسين فاطمة وأبوه علي ابن عمّي لحمي ودمي، ومتى مات حزنت ابنتي وحزن ابن عمي وحزنتُ أنا عليه، وأنا أُوثر حزني على حزنهما، يا جبرئيل، تقبض إبراهيم فديته بإبراهيم(عليه السلام) قال: فقبض بعد ثلاث، فكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا رأى الحسين مقبلاً قبَّله وضمه إلى صدره ورشف ثناياه وقال: (عليه السلام)فديت من فديته بابني إبراهيم(عليه السلام)(1).

عن أنس قال: لقد رأيت إبراهيم وهو يكيد بنفسه(2) بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فدمعت عينا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال: (عليه السلام)تدمع العين ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يُرضي الرب، وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون(عليه السلام)(3).


1- تاريخ بغداد: ج 2 ص 204.

2- يكيد بنفسه: أي يجود بها، لسان العرب: ج 3 ص 383، كيد.

3- الاستيعاب في معرفة الأصحاب: ج 1 ص 57؛ ذخائر العقبى: ص 264.

إمامة الـحسين (عليه السلام)

 

الإمامة هي امتداد النبوة، وكما أن النبوة منصب عظيم من قبل الله تعالى كذلك الإمامة، فلابد أن تحمل الإمامة شرائط النبوة لكل من تصداها والتي منها العصمة. وقد ذهبت الإمامية إلى أن الأئمة كالأنبياء في وجوب عصمتهم عن جميع القبائح والفواحش من الصغر إلى الموت عمداً وسهواً؛ لأنّهم حفظة الشرع والقوامون به حالهم في ذلك كحال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)؛ ولأنّ الحاجة إلى الإمام إنما هي للانتصاف للمظلوم من الظالم ورفع الفساد وحسم مادّة الفتن، وأن الإمام لطف من قبل الله تعالى ليمنع القاهر من التعدّي، ويحمل الناس على فعل الطاعات واجتناب المحرّمات. وذهب أهل السنّة إلى جواز إمامة الفسّاق والعصاة والسرّاق كما قال الزمخشري، وهو من أفضل علمائهم، فأيّ عاقل يرضى لنفسه الانقياد الديني والتقرّب إلى الله تعالى بامتثال أوامر من كان يفسق طول وقته، وهو غائص في المعاصي وأنواع الفواحش(1).

وقد أشار الله تعالى في كتابه إلى عصمة الإمامة: > وإذ ابتلى إبراهيم ربُّهُ بكلماتٍ فأَتَمهُنَّ قال إنّي جاعلك للناس إماماً قال ومن ذّريّتي قال لا ينال عهدي الظالمين <(2) فإنّه دالّ على كون الإمامة من عهد الله تعالى، وعلى اعتبار عصمة الإمام حين الإمامة وقبلها؛ لأنّ كل عاصٍ ظالم لقوله تعالى: > ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون <(3).

عن ابن عباس قال: معناها أنّه كائن لا ينال عهده من هو في رتبة ظالم، ولا ينبغي أن يوليه شيئاً من أمره.

وعن مـجاهد في قوله لا ينال عهدي الظالمين قال: لا أجعل إماماً ظالماً يقتدى به(4).

فالإمام يجب أن يكون معصوماً عن الضلال والمعصية، وإلاّ كان غير مهتد بنفسه كما يدلّ عليه قوله تعالى: > وجعلناهم أئّمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات <(5) فأفعال الإمام خيرات يهتدي إليها لا بهداية من غيره، بل باهتداء من نفسه بتأييد إلهي وتسديد رباني، ومن ليس بمعصوم فلا يكون إماماً هادياً إلى الحق.

والمراد بالظالمين مطلق من صدر عنه ظلم، من شرك أو معصية وإن كان منه في برهة من عمره، سواء في الجاهليّة أو الإسلام ثم تاب وصلح، فلابدّ أن لا يكون ظالماً في جميع عمره.

وإبراهيم (عليه السلام) حينما سأل الإمامة لبعض ذرّيتّه أجابه المولى سبحانه: أنه لا ينال عهدي الظالمين من عبد صنماً أو وثناً لا يكون إماماً للناس ولو تاب بعد ذلك وأصلح.

وفي الدرّ المنثور عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: (عليه السلام)لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق(عليه السلام)(6).

فأئمة أهل البيت (عليهم السلام) هم المعنيون بهذه الآية الشريفة، وقد صرَّحت الأحاديث الشريفة من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأن الأئّمة من بعده اثنا عشر خليفة، وقد جاء في صحيح مسلم عن جابر بن سَمُرَةَ يقول: سمعتُ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: (عليه السلام)لا يزال الإسلام عزيزاً إلى اثني عشر خليفة(عليه السلام) ثم قال كلمةً لم أفْهَمْهَا. فقلت لأبي: مَا قال؟ فقال: (عليه السلام)كلّهم من قريش(عليه السلام)(7).

وهذا الحديث شاهد على وجود الإمامة حتى قيام الساعة، ومصداقيّة هذا الحديث الشريف هم أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، أولّهم الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) وآخرهم الإمام المهدي (عجل الله تعالى وجوده الشريف) بينما أهل السنّة طبَّقوا الاثني عشر خليفة وجعلوا مصداقيّتها في الخلفاء الأربعة وخامسهم عمر بن عبد العزيز، ثم توقفوا أكثر من ثلاثة عشر قرناً لم يظهر لهم خليفة سادس، فتبيّن أنّ مصداقيّة الاثني عشر خليفة كلّهم من قريش في أئمة أهل البيت (عليهم السلام).

وقد ثبت أنه لا يوجد أحد أحقّ وأولى بهذا الأمر من علي بن أبي طالب (عليه السلام) حيث توفرت فيه شرائط النبوة والتي منها العصمة، ولم يدعِ أحدٌ من الصحابة العصمة إلاّ علياً (عليه السلام)، وقد صرح أبو بكر بذلك عندما قال: أما والله ما أنا بخيركم، ولقد كنت لمقامي هذا كارهاً، ولوددت أن فيكم من يكفيني، أفتظنّون أنّي أعمل فيكم بسنّة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)؟ إذن لا أقوم بها، إن رسول الله كان يُعصم بالوحي، وكان معه ملك، وإنّ لي شيطاناً يعتريني، ولقد قلّدت أمراً عظيماً ما لي به طاقة ولا يد.(8).

وذكر أبو إسحاق الاسفرايني في كتابه: لما مرض معاوية أرسل خلف ولده يزيد فقال يزيد: ومن يكون الخليفة من بعدك فقال له: يا يزيد أنت الخليفة، ثم أوصاه بعدة وصايا منها:

وأوصيك يا بني بالحسين وأولاده وأخوته وأولاد إخوته وجميع عشيرته وجميع بني هاشم، الوصية التامة، لأن الخلافة يا بني ليست لنا وإنما هي له ولأبيه وجده من قبله ولأهل بيته من بعده، ولا تستخلف يا يزيد إلا مدة يسيرة حتى يبلغ الحسين مبالغ الرجال، ويمضي إلى مكة في أحسن حال، ويكون هو الخليفة أو من يشاء من أهل بيته، وترجع الخلافة إلى أهلها لأننا يا بني ليس لنا خلافة بل نحن عبيد له ولأبيه وجده، ولا تنفق يا ولدي نفقة إلا وللحسين نصفها، واحذر يا ولدي من غضبه عليك، فإنه إن غضب عليك يغضب عليك الله ورسوله، فإن جده رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) هو الشفيـع يــوم القيامة في الأولين والآخرين، وله الشفاعة العظمى من الأنس والجن أجمعين، ولواء الحمد بيده، وأمه فاطمة الزهراء (رضي الله عنها) هي سيدة النساء، وجدته خديجة الكبرى، وهم الذين أظهروا الدين وهدانا الله بـهم لـى الصراط المستقيم، فاحذر يا بني من غضبهم فإن بغضبهم يغضب الله عليك ورسوله(9).

وإنكار إمامة أهل البيت (عليهم السلام) إنكار للنبوّة، وإنكار النبوّة إنكار لربوبيّة الربّ كما قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (عليه السلام)يا علي، من أنكر إمامتك فقد أنكر نبوتي، ومن أنكر نبوتي فقد أنكر ربوبيّة الربّ(عليه السلام)(10) والقرآن الكريم عبَّر عن إنكار الإمامة بالانقلاب لقولـه تعالى: > وما مُحمدٌ إلاّ رَسولٌ قَدْ خلَتْ مِن قبلهِ الرُّسلُ أفإِن مات أو قُتل انقلبتُم على أعقابِكم <(11) لأنّ الإمامة أصل من أُصول الدين.

وقد نصَّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على إمامة الحسن والحسين (عليه السلام) حيث قال (صلى الله عليه وآله وسلم): (عليه السلام)الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا(عليه السلام) وقال تعالى: >والذين يقولون ربّنا هب لنا من أزواجنا وذرِّياتنا قرَّة أعين<(12) ولا يسبق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في فضيلة، وليس أحقّ بهذا الدعاء بهذه الصيغة منه وذرِّيّته، فقد وجبت لهم الإمامة.

ويستدلُّ على إمامتهما بما رواه الفريقان من نصِّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على إمامة الاثني عشر، وإذا ثبت ذلك فكلُّ من قال بإمامة الاثني عشر قطع بإمامتهما، ويدلُّ أيضاً ما ثبت بلا خلاف أنّهما دعوا الناس إلى بيعتهما والقول بإمامتهما.

ويستدلُّ أيضاً بأنَّ طريق الإمامة لا يخلو إمّا أن يكون هو النصُّ أو الوصف والاختيار، وكلُّ ذلك قد حصل في حقّهما، فوجب القول بإمامتهما.

ويستدلُّ أيضاً بما قد ثبت بأنّهما خرجا وادَّعيا ولم يكن في زمانهما غير معاوية ويزيد، وهما قد ثبت فسقهما، بل كفرهما(13)، فيجب أن تكون الإمامة للحسن والحسين (عليهما السلام).

ومن كلام لعلي (عليه السلام): واللهِ ما معاويةُ بأَدهى مِنِّي؛ ولكنَّهُ يَغْدِرُ وَيَفْجُرُ، ولوْلا كراهيةُ الغَدْرِ لكنتُ من أدهى الناسِ، ولكنْ كُلُّ غُدَرََةٍ فُجَرَةٌ، وكل فُجَرَةٍ كُفَرَةٌ؛ ولِكُلِّ غادِرٍ لواءٌ يُعْرَفُ بهِ يَوْمَ القيامةِ(عليهم السلام)(14).

ومن كلامٍ لعلي (عليه السلام) لأصحابه في بيان حقيقة معاوية بن أبي سفيان حيث وصفه قائلاً: أَما إِنَّهُ سَيَظْهَرُ عَلَيْكُم بَعْدي رَجُلٌ رَحْبُ البُلْعُوم مُنْدَحِقُ البَطْنِ، يَأْكُلُ ما يِجِدُ، وَيَطْلُبُ مالا يَجِدُ، فَاقْتُلُوهُ، وَلَنْ تَقْتُلُوهُ! أَلاَ وَإِنَّهُ سَيَأمُرُكُم بسبِّي والبَراءَ مِنِّي، فأمَّا السَّبُّ فَسُبُّونِي(15) فإِنّّهُ لي زَكَاةٌ وَلكُمْ نَجاةٌ، وَأَمّا البَراءَةُ فلا تَتَبرّءوا مِنِّي فإنِّي وُلدِْتُ على الفطرةِ، وَسَبقْتُ إلى الإيمانِ والهِجْرَةِ(عليهم السلام)(16).

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): يطلع من هذا الفجّ رجل من أمتي، يُحشر على غير ملتي(عليهم السلام) فطلع معاوية(17).

وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (صلى الله عليه وآله وسلم)إذا رأيتم معاوية على منبري، فاقتلوه(عليهم السلام).

وفي الحديث المرفوع المشهور أنه قال: (صلى الله عليه وآله وسلم)إن معاوية في تابوت من نار في أسفل درك منها ينادي: يا حنّان يا منّان، الآن وقد عصيتُ قبلُ وكنتُ من المفسدين(عليهم السلام).

ويستدلُّ أيضاً بإجماع أهل البيت (عليهم السلام) لأنهم أجمعوا على إمامتهما وإجماعهم حجّة.

ويستدلُّ بالخبر المشهور أنّه قال (عليه السلام): (صلى الله عليه وآله وسلم)ابناي هذان إمامان قاما وقعدا(عليهم السلام) لأنّه أوجب لهما الإمامة سواء نهضا بالجهاد أو قعدا عنه، وسواء دعيا إلى أنفسهما أو تركا ذلك.؛ فبالعصمة والنصوص وكونهما أفضل الخلق يستدلُّ على إمامتهما.

وكانت الخلافة في أولاد الأنبياء (عليهم السلام) وما بقي لنبيّنا ولد سواهما، ويمكن البرهنة على إمامتهما ببيعة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لهما؛ لأنه لم يبايع صغيراً غيرهما، وبنزول آيات من القرآن بحقّهما وبإيجاب ثواب الجنّة على عملهما مع ظاهر الطفوليّة منهما وذلك بقوله تعالى: >ويطعمون الطعام<(18) فعمّهما بهذا القول مع أبويهما وبإدخالهما فـي الـمباهلة. قـال ابن علاّن المعتزليُّ: هذا يدلُّ على أنّهما كانا مكلّفين في تلك الحال؛ لأنَّ الـمباهلة لا تـجوز إلاّ مع البالغين.

وقال أصحـابنا: إنَّ صغـر السنِّ عـن حدِّ البلوغ لا ينافـي كمال الـعقل، وبــلوغ الـحـلم حــدُّ لتــعلّق الأحـكـام الشـرعية، فـكان ذلـك لخرق العادة، فثبت بذلك أنّهما كانا حجّة الله لنبيّه في المباهلة مع طفوليّتهما، ولو لم يكونا إمامين لم يحتجَّ الله بهما مع صغر سنّهما على أعدائه، ولم يتبيّن في الآية ذكر قبول دعائهما، ولو أنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وجد من يقوم مقامهم غيرهم لباهل بهم، أوجمعهم معهم، فاقتصاره عليهم يبيّن فضلهم ونقص غيرهم.

وقد قدَّمهم في الذكر على الأنفس ليبيّن لطف مكانهم، وقرب منزلتهم، وليؤذن بأنّهم مقدَّمون على الأنفس معدُّون بها، وفيه دليل لا شيء أقوى منه هو أنّهم أفضل خلق الله.

واعلم أنَّ الله تعالى قال في التوحيد والعدل: >قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم<(19) وفي الـنبوَّة والإمـامة >قل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم<(20) وفي الشرعيّات >قل تعالوا أتل ما حرَّم ربّكم<(21) وقد أجمع المفسّرون بأنَّ المراد بأبنائنا الحسن والحسين (عليهما السلام).

قال أبو بكر الرازيُّ: هذا يدلُّ على أنّهما ابنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأنَّ ولد الابنة ابنٌ على الحقيقة(22).

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (صلى الله عليه وآله وسلم)من مات لا يعرف إمامه مات ميتة جاهلية(عليهم السلام). الإمام هو خليفة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وممثله في أُمته في تبليغ أحكام الشريعة، فإذا غفل المسلم معرفة إمامه ولم يستهد به ضلّ عن نهج الإمام، ومات كافراً منافقاً. وقد أشعر الحديث بضرورة وجود الإمام ووجوب معرفته مدى الحياة؛ لأنّ إضافة الإمام إلى الزمان تستلزم استمراريّة الإمامة وتجدّدها عبر الأزمنة والعصور.

قال الله عز وجل: > أَطيعوا اللهَ وأَطيعُوا والرسُولَ وأُولي الأَمْرِ مِنكُمْ <(23) فكان علي صلوات الله عليه، ثم صار من بعده حسن، ثم حسين، ثم من بعده علي بن الحسين، ثم من بعده مـحمد بن علي، وهكذا يكون الأمر، إن الأرض لا تصلح إلاّ بإمام، ومن مات لا يعرف إمامه مات ميتة جاهلية، وأحوج ما يكون أحدكم إلى معرفته إذا بلغت نفسه ها هنا، وأهوى بيده إلى صدره. يقول: حينئذ لقد كان على أمر أحسن(عليه السلام)(24).

وقد كان عمرو بن عبيد اجتمع مع هشام بن الحكم، وهشام يذهب إلى القول بأن الإمامة نصٌّ من الله ورسوله على علي بن أبي طالب (رضي الله تعالى عنه) وعلى مَنْ يلي عصره من ولده الطاهرين كالحسن والحسين ومن يلي أيامهم، وعمرو يذهب إلى أن الإمامة اختيار من الأُمّة في سائر الأعصار، فقال هشام لعمرو بن عبيد: لم خلق الله لك عينين؟ قال: لأنظر بهما إلى ما خلق الله من السماوات والأرض وغير ذلك، فيكون ذلك دليلاً عليه، فقال هشام: فلم خلق الله لك سمعاً؟ قال: لأسمع به التحليل والتحريم والأمر والنهي، فقال له هشام: لم خلق الله لك لساناً؟ فقال عمرو: لأَعبّر به عما في قلبي، وأُخاطب به من افترض عليَّ أمره ونهيه. قال هشام: فلم خلق الله لك قلباً؟ قال عمرو: لتكون هذه الحواسّ مؤدّية إليه، فيكون مميّزاً بين منافعها ومضارّها. قال هشام: فكان يجوز أن يخلق الله سائر حواسّك ولا يخلق لك قلباً تؤدّي هذه الحواسّ إليه؟ قال عمرو: لا، فقال هشام: ولم؟ قال: لأنّ القلب باعث لهذه الحواسّ على ما يصلح له، فلو لم يخلق الله فيها انبعاثاً من نفسها استحال أن لا يخلق لها باعثاً يبعثها على ما خلقت له إلا بخلق القلب، فيكون هو الباعث لها على ما تفعله، والمميز لها بين مضارّها ومنافعها، ويكون الإمام من الخلق بمنزلة القلب من سائر الحواسّ إذا كانت الحواسّ راجعة إلى القلب لا إلى غيره، ويكون سائر الخلق راجعين إلى الإمام لا إلى غيره، فلم يأت عمرو بفرق يعرف(25).

وأئمّة أهل البيت (عليهم السلام) لا يفتون برأيهم كما يفتي الناس في أُمور الدين، وقد جاء عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنه قال: (عليه السلام)يا جابر، لو كنّا نفتي الناس برأينا وهوانا لكنّا من الهالكين، ولكنّا نفتيهم بآثار من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأُصول علم عندنا نتوارثها كابراً عن كابر(26)، نكنزها كما يكنز هؤلاء ذهبهم وفضّتهم(عليه السلام)(27).

عن سلمان المحمّدي قال: دخلت على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وإذا الحسين على فخذه وهو يقبل عينيه ويلثم فاه ويقول: (عليه السلام)إنك سيّد ابن سيّد أخو سيّد أبو السادة، إنّك إمام ابن إمام أخو إمام أبو الأئمة، إنك حجّة ابن حجّة أخو حجّة أبو حجج تسعة من صلبك تاسعهم قائمهم(عليه السلام)(28).

عن أبي المهزم قال: كنّا مع جنازة امرأة، ومعنا أبو هريرة، فجيء بجنازة رجل فجعله بينه وبين المرأة، فصلى عليها، فلما أقبلنا أعيا الحسين (عليه السلام) فقعد في الطريق، فجعل أبو هريرة ينفض التراب عن قدميه بطرف ثوبه، فقال الحسين (عليه السلام): يا أبا هريرة، وأنت تفعل هذا(عليهم السلام) فقال أبو هريرة: دعني - فو الله - لو علم الناس منك ما أعلم لحملوك على رقابهم(29).


1- دلائل الصدق: ج 2 ص 3 (صلى الله عليه وآله وسلم)بتصرّف.

2- سورة البقرة: الآية 124.

3- سورة البقرة: الآية 229.

4- تفسير الدر المنثور: ج 1 ص 118.

5- سورة الأنبياء: الآية 73.

6- تفسير الدر المنثور: ج 1 ص 118.

7- صحيح مسلم: ج 4 ص 101، كتاب الإمارة، ح 1821، رقم 7؛ فرائد السمطين: ج 2 ص 147 ح 442.

8- تاريخ الطبري: ج 2 ص 450، ص 460؛ الطبقات الكبرى: ج 3 ص 183، ص 212؛ الكامل في التاريخ: ج 2 ص 15، ذكر استقالة أبي بكر من البيعة؛ الإمامة والسياسة: ج 1 ص 16؛ الرياض النضرة في مناقب العشرة: ج 1 ص 253؛ شرح نهج البلاغة: ج 1 ص 169؛ العقد الفريد: ج 4 ص 61؛ الأخبار الموفقيات ص 579 ح 379.

9- نور العين في مشهد الحسين: ص 5.

10- بحار الأنوار: ج 42 ص 191 ح1.

11- سورة آل عمران: الآية 144.

12- سورة الفرقان: الآية 74.

13- انظر شرح نهج البلاغة: ج 2 ص 233، قيل لعلي (عليه السلام)، حين أراد أن يكتب الكتاب بينه وبين معاوية وأهل الشام: أَتُقرّ أنّهم مؤمنون مسلمون؟! فقال علي (عليه السلام): (صلى الله عليه وآله وسلم)ما أقرّ لمعاوية ولأصحابه أنّهم مؤمنون ولا مسلمون.

وذكر المسعودي: وكان يسمّى يزيد الخمير، وكتب إلى ابن الزبير:

ادعوا إلهيك في السماء فإنّني      أدعو عليك رجال عكَّ وأشْعر
كيف النجاة أبا خُبَيْب منهم      فاحتل لنفسك قبل اتْي العسكر
وذكر أيضاً: وكان يزيد صاحب طرب وجوارح وكلاب وقُرُود وفهود ومنادمة على الشراب وجلس ذات يوم على شرابه، وعن يمينه ابن زياد، وذلك بعد قتل الحسين (عليه السلام)، فأقبل على ساقيه فقال:

اسقني شربةً تروِّي مُشَاشِي      ثم مِلْ فاسق مثلها ابن زياد
صاحب السرّ والأمانة عندي      لتسديد مغنمي وجهادي
ثمّ أمر المغنين فغنّوا له. مروج الذهب: ج 3 ص 79. جوارح: أي طيور جوارح كالنسر والعقاب والبازي وسواها. المشاش: النفس.

14- نهج البلاغة: ص 318 رقم 200 قال ابن أبي الحديد في شرح النهج: ج 10 ص 211 رقم 193: والفجرة والكفرة: الكثير الفجور والكفر، وقوله (عليه السلام): لكل غادر لواء يُعرف به يوم القيامة؛ مرويّ عن النبي 2.

15- كلام الإمام (عليه السلام) يحمل على الترخيص وليس الالزام، فترخيص الإمام (عليه السلام) لأصحابه بالسب كاشف عن التخيير، فيظهر لهم سب الإمام (عليه السلام) حتى يدفع عن نفسه القتل والضرر، لأهمية الملاك.

16- نهج البلاغة: ص92 ج رقم 57، عن أبي عبيدة قال: كتبَ معاويةُ إلى علي بن أبي طالب: يا أبا الحسن! إن لي فضائل كثيرةً، وكان أبي سيداً في الجاهلية، وصرتُ ملكاً في الإسلام، وأنا صهرُ رسول الله 2 وخال المؤمنين، وكاتبُ الوحي، فقال علي: أبا الفضائل تفخَرُ عليَّ ابن آكلةِ الأكبار؟ ثم قال: اكتب يا غلام:

وحمزةُ سيدُ الشهداء عَميِّ      محمد النبيُّ أخي وصهري

يطير مع الملائكة ابن أُمي      وجعفر الذي يُمسي ويُضحي

منوط لحمُها بدمي ولحمي      وبنت محمد سَكْني وعِرسي

فأيكم له سهمٌ كسهمي      وسبطا أحمدٍ ولداي منها

صغيراً ما بلغتُ أوان حِلْمي      سَبَقْتُكُم إلى الإسلام طُراً

فقال معاوية: أخفوا هذا الكتابَ لا يقرأ أهل الشام، فيميلون إلى ابن أبي طالب. كنز العمال: ج 13 ص 112 ح 36366.

17- تاريخ الطبري: ج 5 ص 621.

18- سورة الدهر: الآية 7.

19- سورة آل عمران: الآية 64.

20- سورة آل عمران: الآية 61.

21- سورة الأنعام: الآية 151.

22- بحار الأنوار: ج 43 ص 277.

23- سورة النساء: الآية 59.

24- ينابيع المودّة: ص 137.

25- مروج الذهب: ج 4 ص 115.

26- كابر عن كابر: أي ورثته عن آبائي وأجدادي كبيراً عن كبير في العزِّ والشرف.

27- بحار الأنوار: ج 2 ص 172 ح 3.

28- مقتل الحسين للخوارزمي: ج 1 ص 146؛ انظر: ينابيع المودة: ص 198، وفيه: (صلى الله عليه وآله وسلم)خديه بدل عينيه.

29- كفاية الطالب: ص 381.

الحسين(عليه السلام) وعالم الرؤيا

 

عن أُم الفضل بنت الحارث أنها دخلت على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالت: يا رسول الله أني رأيت البارحة حُلماً منكراً. قال: (صلى الله عليه وآله وسلم)وما هو؟(عليهم السلام) قالت: إنه شديد. قال: وما هو؟ قالت: رأيت كأنّ قطعة من جسدك قُطعت ووُضِعت في حجري، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (صلى الله عليه وآله وسلم)رأيت خيراً، تلد فاطمة إن شاء الله غلاماً فيكون في حجرك(عليهم السلام) فولدت فاطمة الحسين (عليه السلام) فكان في حجري كما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فدخلت يوماً إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فوضعته في حجره، ثم حانت منّي التفاتة فإذا عينا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) تهريقان من الدموع، فقلت: يا نبيّ الله، بأبي أنت وأُمي ما لك تبكي؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): (عليه السلام)أتاني جبرئيل (عليه السلام) فأخبرني أن أُمتي ستقتل ابني هذا(عليه السلام) فقلت: هذا؟! فقال: (عليه السلام)نعم وأتاني بتُربةٍ من تُربته حمراء(عليه السلام)(1).

عن ابن عباس قال: رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فيما يرى النائم بنصف النهار وهو قائم أشعث أغْبر بيده قارورة فيها دم، فقلت: بأبي أنت وأُمي يا رسول الله ما هذا؟ فقال: (عليه السلام)دم الحسين وأصحابه لم أزل ألْتَقِطُهُ منذ اليوم(عليه السلام) فأحصي ذلك اليوم فوجدوه وقد قتل في ذلك اليوم، فاستشهد الحسين كما قال له (صلى الله عليه وآله وسلم) بكربلاء من أرض العراق بناحية الكوفة، ويعرف الموضع أيضاً بالطفّ. قتله سنان بن أنس النخعي، وقيل غيره(2).

وقد ذكر ابن أعثم في كتابه رؤيا الحسين (عليه السلام) قال: وسار الحسين حتى نزل الثعلبيّة وذلك في وقت الظهيرة، فنزل وترك أصحابه؛ ثم وضع الحسين (عليه السلام) رأسه ونام؛ ثم انتبه من نومه باكياً فقال له ابنه علي الأكبر: ما لك تبكي يا أبت لا أبكى الله لك عيناً، فقال الحسين (عليه السلام): يا بُنيّ، إنها ساعة لا تكذب فيها الرؤيا، أعلمك أني رأيت فارساً على فرس حتى وقف عليَّ فقال: يا حسين إنّكم تسرعون المسير والمنايا بكم تسرع إلى الجنة، فعلمت أنّ أنفسنا قد نعيت إلينا، فقال له ابنه: يا أبت ألسنا على الحق؟ قال: بلى يا بُني، والذي ترجع العباد إليه فقال عليٌّ (رضي الله عنه): إذاً لا نبالي بالموت، فقال الحسين (عليه السلام): جزاك الله عني يا بُنيّ خيراً جزى به ولد عن والد(3).

عن سلمى الأنصارية قالت: دخلت على أُم سلمة زوج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهي تبكي، فقلت: ما يبكيك؟ قالت: رأيت الآن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في المنام وعلى رأسه ولحيته التراب، فقلت: مالك يا رسول الله؟ قال: (عليه السلام)شهدت قتل الحسين آنفاً(عليه السلام)(4).

عن الشعبي قال: رأيت في النوم كأن رجالاً نزلوا من السماء معـهم حراب يتتبعون قتلة الحسين (رضي الله عنه) فما لبثت أن نزل المختار فقـتـلهم(5).

هذا وقد التقيت قريباً بأحد الأُخوة اليمنيّين فسرد لي قصّة رآها في عالم الرؤيا، وهي كالآتي:

رأيت في عالم الرؤيا في يوم مقتل سيدنا الحسين (عليه السلام) -  أي يوم العاشر من شهر مـحرم -  أني مسافر من أرض إلى أرض، فوجدت نفسي في صحراء كبيرة، ورأيت جيشاً قد سدَّ الأرض - أي ملأها -  خيولاً وأسلحة ورجالاً، ورأيت في الجهة المقابلة رجلاً على فرس ووراءه نساء وأطفال سمعته يقول: (صلى الله عليه وآله وسلم)هل من مغيث يغيثنا، هل من مـجير يجيرنا، هل من موحدٍ يخاف الله فينا، هل من ذابٍّ يذبُّ عن حرم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)(عليهم السلام) فقلت في نفسي هذا سيدي الحسين (عليه السلام)، هؤلاء هم آل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، فجئت إليه وقلت له لبيك وسعديك يا ابن رسول الله  سأُقاتل عنكم مـخافةً من الله، وحبّاً لنبيكم، ومـخافة من النار، فقال: خذ بارك الله فيك، وأعطاني سيفاً لم أر أحسن منه، وكان شديد اللمعان، فنظرت إلى وجه سيدي الحسين (عليه السلام) ولـه لحية سوداء شديدة السواد شبيه بسواد الكحل، إلاّ أنه به شعرات بيض يشعّ منها نور عجيب كنور المصباح الأبيض، وحانت مني التفاتة إلى جبهته الكريمة فرأيت نوراً يسطع منها كنور الشمس، بل أقوى، فأحرق عيني، فصرخت بأعلى صوتي: قد عميت عيني، فمسح بيده اليمنى الكريمة على عيني، فردَّ لي بصري، وأصبح بصري قوياً، وقال لي: قاتل بارك الله فيك(عليهم السلام) فقاتلت الأعداء قتال المستميتين، وقد قتلت منهم ما يقارب الثلاثين فارساً، وكنتُ أضربهم بالسيف فيموتون، وهم يضربونني وتخرج الدماء منّي ولكني لا أموت.

وكان سيدي الحسين (عليه السلام) يقاتل على الجهة اليمنى، فحال الفرسان بيني وبين الحسين (عليه السلام)، فرأيتهم أحاطوا به، فحاولت أن أمضي إليه لأخلصه منهم، وهم يحيطون بي من كل مكان، فرأيتهم قد أثخنوه بالجراح، وسقط بأبي وأُمي على الأرض. والعجيب في الأمر أن جواد سيّدنا الحسين (عليه السلام) لا يفرّ عنه ولا يهرب، وكان الجواد متعلّقاً بسيدنا الحسين (عليه السلام) كتعلق الأُمّ بولدها، وبقي يدافع عنه ويضرب برجليه كل فارس يقترب من جسد الحسين (عليه السلام)، ورأيتُ نوراً يخرج من الجواد، وكان قد أصيب بجراحات كثيرة يخرج منها نور، وبدا لي كأنّه ليس من خيول الأرض، حيث إنه كان مطيعاً لسيدنا الحسين (عليه السلام)، وكانت دموعه تسيل على خديه، ويكثر النظر إلى السماء وينظر إلى سيدنا الحسين وهو مُلقىً على الأرض، فيأتيه ويشم جراحات الحسين (عليه السلام)، ثمّ يلطّخ جبينه بدمه (عليه السلام).

انشغلت بالقتال ولم أر الجواد، وجعلت أنظر إلى الحسين (عليه السلام) وقد اشترك في قتله ثلاثة، أحدهم ضربه برمح، والآخر بسيف ضربات، ثمّ نزل الثالث -  وكان الإمام (عليه السلام) ملقىً على الأرض -  فضرب برجله صدر الحسين (عليه السلام)، ثم أمسك برأس الحسين وذبحه كما تذبح الشاة، فجئت إلى الرجل وأمسكته من رقبته ودفعته عن جسد سيدي الحسين (عليه السلام)، وقلت: لعنك الله أتدري من قتلت؟! هذا سيد شباب أهل الجنة، هذا ابن سيد المرسلين وحبيب ربّ العالمين، كأنّي أُلهمت وقلت ذلك على الطبيعة، فقال: أعطوني مالاً، وقالوا: اقتله فقتلته فاستيقظتُ من النوم مرعوباً مـحزوناً، وقد توقّف شعر رأسي، وأصابني حزن وبكاء عظيم. بعد ذلك أعطاني الله قوة عجيبة في بصري، فصرت أرى النملة السوداء في الغرفة الظلماء، كأنما في وضح النهار، وصرت أرى أُموراً عجيبة.

واستمرّ في حديثه قائلاً: كنت أبكي على سيدنا الحسين (عليه السلام) في ذات ليلة، وكانت ليلة جمعة، فدعوت الله عزّ وجلّ أن يبلّغ روحه مني السلام، وأنا في أرض بعيدة لا أستطيع زيارة قبر سيدنا الحسين (عليه السلام)، وفي عالم الرؤيا جاءني رجل مرتدياً عمامةً مثل عمامتكم ولباسكم في المنام، وقال لي: أتريد أن تزور الحسين؟

قلت: نعم. قال: قم، فأخذ بيدي وذهب بي إلى مكان في منزلي لا يوجد فيها أثاث ولا فرش، بل أرض خالية. قال لي: انظر، فإذا أنا بحفرة في وسط المنزل فقال لي انظر هذا قبر الحسين (عليه السلام)، بحبك للحسين وآله يسّر لك قبره وأنت في بيتك، فنزلت إلى هذه الحفرة، فوجدت فيها حفرة ثانية داخل تلك الحفرة الأُولى، فنزلت، فرأيت جسداً بدون رأس، ولمسته بيديَّ هاتين، فرأيت أنه لا يوجد موضع من جسده إلاّ وفيه ضربة سيف، أو طعنة برمح، وكان مقطّع الأعضاء قطعة قطعة.

والعجيب في الأمر أنّ هذه الأوصال المقطعة مـخيطة بخيوط سود، ويخرج منها دم قانٍ كأنّه قتل في هذه الساعة، وتفوح منه رائحة طيّبة أطيب من رائحة المسك، لم أشمّ مثلها قبل ذلك اليوم.

فجعلت أبكي عليه، واجتمع أهلي على صوت بكائي، وكان ضمن من اجتمع من أهلي هو خالي، وكان يشكو ألماً في رجله اليمنى لا يستطيع المشي، فقلت لهم وأنا أبكي داخل القبر: انظروا ما فعل بنو أُميّة لعنهم الله، لقد قطعوا جسده الشريف تقطيعاً وأنا في حالة بكاء شديد، لقد فصلوا رأسه عن بدنه، فبكى أهلي بكاءً شديداً، فاستيقظت من نومي، وقد زاد حزني وبكائي وحبي للحسين وآل الحسين (عليه السلام).

وفي الصباح جاء خالي لزيارتنا، فإذا هو سالم معافى، فأخبرت أهلي بهذه الرؤيا، فازدادوا يقيناً وحباً لآل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)(6).

وأما الدليل الشرعي على الرؤيا في المنام فقد تطرق القرآن الكريم وأشار إليها، منها قولـه تعالى : >إذ قال يُوسُفُ لأَبيه يا أبتِ إني رأيت أَحدَ عشر كوكباً والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين قال يا بني لا تقصص رؤياك على أخوتك فيكيدوا لك كيداً إنَّ الشيطانَ للإنسان عدوٌ مبين<(7) و:>فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أَنَّي أذبُحك فانظر ماذا ترى قال يا أبتِ افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين<(8) و:>وما جعلنا الرُّؤيا التي أريناك إلاَّ فتنةً للناسِ والشجرةَ الملعونةَ في القُرآن<(9).

وذكر مسلم في صحيحه عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : (عليه السلام)من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل بي(عليه السلام)(10).

ولما كان الحسين (عليه السلام) ملاحقاً من قبل عمّال يزيد بن معاوية لرفضه بيعة يزيد راح يشكو من ظلمه إلى قبر جده رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

وقد ذكر أحمد بن أعثم في كتابه قائلاً: وخرج الحسين بن علي من منزله ذات ليلة وأتى إلى قبر جده (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: (صلى الله عليه وآله وسلم)السلام عليك يا رسول الله! أنا الحسين بن فاطمة، أنا فرخك وابن فرختك وسبطك في الخلق الذي خلفت على أُمّتك، فاشهد عليهم يا نبي الله أنهم قد خذولني وضيّعوني، وأنهم لم يحفظوني، وهذا شكواي إليك حتى ألقاك، صلى الله عليك وسلم(عليهم السلام). ثمّ وثب قائماً، وصفّ قدميه، ولم يزل راكعاً وساجداً.

ورجع الحسين إلى منزله مع الصبح. فلمّا كانت الليلة الثانية خرج إلى القبر أيضاً، فصلى ركعتين، فلما فرغ من صلاته جعل يقول: اللهمّ إن هذا قبر نبيّك مـحمد،وأنا ابن بنت نبيّك، وقد حضرني من الأمر ما قد علمت، اللهمّ إنّي أُحبّ المعروف وأكره المنكر، وأنا أسألك - يا ذا الجلال والإكرام - بحقّ هذا القبر ومن فيه ما اخترت لي من أمري هذا ما هو لك رضى(عليهم السلام).

قال: ثم جعل الحسين يبكي حتى إذا كان في بياض الصبح وضع رأسه على القبر فأغفى ساعة، فرأى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد أقبل في كتيبة من الملائكة عن يمينه وعن شماله ومن بين يديه ومن خلفه، حتّى ضمّ الحسين (عليه السلام) إلى صدره، وقبّل بين عينيه، وقال: (صلى الله عليه وآله وسلم)يا بني يا حسين(عليهم السلام)، كأنك عن قريب أراك مقتولاً مذبوحاً بأرض كرب وبلاء بين عصابة من أمتي، وأنت في ذلك عطشان لا تُسقى، وظمآن لا تُروى، وهم مع ذلك يرجون شفاعتي، ما لهم لا أنالهم الله شفاعتي يوم القيامة، فما لهم عند الله من خلاق، حبيبي يا حسين إنّ أباك وأُمّك وأخاك قد قدموا عليّ، وهم إليك مشتاقون، وإنّ لك في الجنة درجات لن تنالها إلاّ بالشهادة(عليهم السلام). قال: فجعل الحسين ينظر في منامه إلى جده (صلى الله عليه وآله وسلم)، ويسمع كلامه، وهو يقول: (صلى الله عليه وآله وسلم)يا جدّاه، لا حاجة لي في الرجوع إلى الدنيا أبداً، فخذني إليك، واجعلني معك إلى منزلك(عليهم السلام). قال: فقال له النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): (صلى الله عليه وآله وسلم)يا حسين، إنّه لابدّ لك من الرجوع إلى الدنيا حتى ترزق الشهادة، وما كتب الله لك فيها من الثواب العظيم...(عليهم السلام).

قال: فانتبه الحسين من نومه فزعاً مذعوراً، فقص رؤياه على أهل بيته وبني عبد المطّلب، فلم يكن ذلك اليوم في شرق ولا غرب أشدّ غماً من أهل بيت الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولا أكثر منه باكياً وباكية(11).


1- المستدرك على الصحيحين: ج 3 ص 176، كتاب معرفة الصحابة؛ الفصول المهمة: ص 170؛ البداية والنهاية: مـجلد 3 ج 6 ص 262؛ ينابيع المودة: ص 261؛ مقتل الحسين للخوارزمي: ج 1 ص 159؛ تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 196 ح 3537؛ كفاية الطالب: ص 377؛ تهذيب الكمال: ج 6 ص 397؛ الخصائص الكبرى: ج 2 ص 125؛ نور الأبصار: ص 221.

2- المعجم الكبير: ج 3 ص 110 ح 2822؛ الصواعق المحرقة: ص 193؛ الاستيعاب في معرفة الأصحاب: ج 1 ص 395 ح 556؛ ذخائر العقبى: ص 253؛ الخصائص الكبرى: ج 2 ص 126؛ تهذيب الكمال: ج 6 ص 439؛ سير أعلام النبلاء: ج 4 ص 427 رقم: 270 تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 237 ح 3547؛ أسد الغابة: ج 2 ص 30؛ بغية الطلب: ج 6 ص 2635؛ تاريخ الخلفاء: ص 208؛ مـجمع الزوائد: ج 9 ص 196.

3- كتاب الفتوح: ج 5 ص 123.

4- سنن الترمذي: ج 5 ص 657 ح 3771؛ تهذيب التهذيب: ج 2 ص 356؛ الخصائص الكبرى: ج 2 ص 126؛ كفاية الطالب: ص 390؛ الصواعق المحرقة: ص 193؛ ذخائر العقبى: ص 253؛ أسد الغابة: ج 2 ص 29؛ تاريخ مدينة دمشق : ج 14 ص 238 ح 3547؛ سير أعلام النبلاء: ج 4 ص 427 رقم: 270؛ مطالب السؤول في مناقب آل الرسول: ص 250؛ تاريخ الخلفاء: ص 208؛ بغية الطلب: ج 6 ص 2644.

5- المعجم الكبير: ج 3 ص 113 ح 2833.

6- التقيت به ليلة الثامن من شهر ربيع الأول سنة 1422 هـ المصادف ليلة الجمعة (المؤلف).

7- سورة يوسف: الآية 4 و 5.

8- سورة الصافات: الآية 102.

9- سورة الإسراء: الآية 60.

10- صحيح مسلم: ج 4 ص 451 ح 2266، باب قول النبي (عليه الصلاة والسلام): (صلى الله عليه وآله وسلم)من رآني في المنام فقد رآني؛ بغية الطلب: ج 6 ص 2644 وفيه: (صلى الله عليه وآله وسلم)لا يتصوّر بي.

11- كتاب الفتوح: ج 5 ص 26.

إرادة الله شـــــاءت

 

لمّا هلك معاوية بن أبي سفيان طلب يزيد بن معاوية من عماله في جميع الأمصار تجديد البيعة له، ولكنّ الحسين (عليه السلام) رفض بيعة يزيد لكونه متلبّساً بالفسق والفجور والخمور، إضافة إلى أنه ليس أهلاً للخلافة والإمامة؛ لكونه من الشجرة الملعونة في القرآن الكريم، وشجب المسلمون هذا العمل الشنيع، ومصادر كتبهم تصرح بذلك.

ولهذا الأمر قرر الحسين (عليه السلام) الخروج إلى العراق، وقد نصحه بعض الصحابة والتابعين بعدم الخروج إلى العراق إلاّ أنه (عليه السلام) رفض ذلك، لأنّه لا يريد مـخالفة الإرادة الإلهيّة، فكان خروج الإمام الحسين (عليه السلام) مستنداً إليها، أي إنه سار بأمر من قبل الله تعالى كما تصرح أحاديث الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) وإخبار جبرائيل النبيَّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بذلك، ولقد أشرنا إلى بعض تلك الروايات من طرق أهل السنة في واقعة فاجعة الطفّ.

وإليك بعض النصائح التي وجهت إليه، منها:

عن الشعبي قال: إنّ ابن عمر كان بماء له فقدم المدينة فأُخبر بخروج الحسين فلحقه على مسيرة ثلاث ليال من المدينة، فقال له: أين تريد؟ قال: (عليه السلام)العراق(عليه السلام) قال: لا تأتهم؛ لأنّك بضعة من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، والله لا يليها منكم أحد أبداً، وما صرفها الله عنكم إلاّ للذي هو خير لكم. فقال له الحسين: (عليه السلام)هذه بيعتهم وكتبهم(عليهم السلام) فاعتنقه ابن عمر وبكى وقال: أستودعك الله من قتيل والسلام(1).

ومن وصايا مـحمّد بن الحنفيّة إلى الحسين (عليه السلام) عند خروجه: أشير عليك أن تنجو بنفسك عن يزيد بن معاوية، وعن الأمصار ما استطعت... فقال له الحسين (عليه السلام) (صلى الله عليه وآله وسلم)يا أخي، والله لو لم يكن في الدنيا ملجأ ولا مأوى لما بايعت يزيد بن معاوية(عليهم السلام) وقد قال (صلى الله عليه وآله وسلم): (صلى الله عليه وآله وسلم)اللهمّ لا تبارك في يزيد(عليهم السلام) ثم قال: (صلى الله عليه وآله وسلم)وإني قد عزمت على الخروج إلى مكة(عليهم السلام)(2).

وعن ابن سعد بسنده قال: فجاءه أبو سعيد الخدري فقال: يا أبا عبد الله، إني لكَ ناصحٌ ومُشفِقٌ، وقد بلغني أنه كاتَبَكَ قومٌ من شيعتك فلا تخرجْ إليهم، فإني سمعتُ أباك يقول بالكوفة: (صلى الله عليه وآله وسلم)والله لقد مَلِلْتُهم ومَلُّوني، وأبغضتهم وأبغضوني، وما بلوتُ منهم وَفَاءً، ولا لهم ثَبَاتٌ ولا عَزْمٌ ولا صَبْرٌ على السيف(عليهم السلام)(3).

وأتاه عبد الله بن عباس ومعه جماعة من أهل ذوي الحنكة والتجربة والمعرفة بالأُمور فقال له: يا ابن عم، إنّ الناس قد أرجفوا بأنّك سائر إلى العراق؟ فقال: (عليه السلام)نعم(عليه السلام) قال ابن عباس: فإني أُعيذك بالله من ذلك، أتذهب -  رحـمك الله - إلى قوم قد قتلوا أميرهم، وضبطوا بلادهم، ونفوا عدوهم... فـلا آمن أن يغـرّوك ويكذّبوك ويـخذلوك ويُستـنفروا إليك فيكونوا أشدّ الناس عليك.

قال الحسين (عليه السلام): وإني استخير الله وأنظر.

ثم عاد ابن عباس إليه فقال: يا ابن عم، إنّي أتصبّر فلا أصبر، إنّي أتخوّف عليك الهلاك، إن أهل العراق غدر فأقم بهذا البلد، فإنك سيد أهل الحجاز... إلاّ فإن في اليمن جبالاً وشعاباً وحصوناً ليس لشيء من العراق مثلها، واليمن أرض طويلة عريضة، ولا بيك بها شيعة فَأَتِها، ثم ابثث دعاتك وكتبك يأتك الناس.

فقال له الحسين: (صلى الله عليه وآله وسلم)يا ابن عم، أنت الناصح الشفيق ولكني قد أزمعت المسير ونويته(عليهم السلام) فقال ابن عباس: فإن كنت سائراً فلا تسر بنسائك وأصبيتك، فوالله إني لخائف أن تقتل...

ثم خرج ابن عباس من عنده، فمرَّ بابن الزبير وهو جالس فقال له: قرّت عينُك يا ابن الزبير بشخوص الحسين عنك وتخليته إيّاك والحجاز، ثم قال:

يــا لَـكِ من قُــبّـــرةٍ بـمـعمَرِ

خَلا لكِ الجَوُّ فبيضي واصفُري      ونَقِّري ما شئتِ أن تُنقِّري(4)

قالوا: ولما كتب أهل الكوفة إلى الحسين (عليه السلام) بما كتبوا به فاستحفّوه للشخوص، جاءه عمرو بن عبد الرحمن المخزومي بمكّة فقال له: بلغني أنّك تريد العراق، وأنا مشفق عليك من مسيرك؛ لأنك تأتي بلداً فيه عماله وأُمراؤه، ومعهم بيوت الأموال، وإنما الناس عبيد الدينار والدرهم! فلا آمن عليك أن يقاتلك من وعدك نصره، ومن أنت أحب إليه ممن يقاتلك معه وذلك عند البذل وطمع الدنيا، فقال له الحسين (عليه السلام): جزاك الله خيراً من ناصح نصحت، ويقضي الله(عليهم السلام)(5).

وكتب إليه عبد الله بن جعفر يُحذِّره ويُناشده الله، فكتب إليه: (صلى الله عليه وآله وسلم)إنّي رأيتُ رؤيا، رأيت فيها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأمرني بأمرٍ أنا ماضٍ له(عليهم السلام)(6).

وقالوا: وعرض ابن الزبير على الحسين (عليه السلام) أن يقيم بمكّة فيبايعه ويبايعه الناس، كأنما أراد بذلك أن لا يتّهمه، وأن يعذر في القول، فقال الحسين: (عليه السلام)لأن أُقتل خارجاً من مكّة بشبر أحبّ إليَّ من أن أُقتل فيها، ولأن أُقتل خارجاً منها بشبرين أحب إليَّ من أن أُقتل خارجاً منها بشبر(عليه السلام) (7).

فقام ابن الزبير وخرج من عنده، فقال الحسين (عليه السلام) لجماعة كانوا عنده من خواصه: إن هذا الرجل - يعني ابن الزبير -  ليس في الدنيا شيء أحب إليه من أن أخرج من الحجاز، وقد علم أن الناس لا يعدلون بي مادمت فيه إني خرجت منه لتخلوا له(8).

وهذه النصحية عكس نصيحته عندما رأى اختلاف أهل مكة إلى الحسين (عليه السلام) لما وردها، لأنه أراد أن يتخلص منه حتى يتوجه أهل مكة إليه، فقدم إليه نصيحة مغشوشة كما ذكرها المسعودي في تاريخه.

وبلغ ابن الزبير أنه -  يعني الحسين -  يريد الخروج إلى الكوفة وهو أثقل الناس عليه، قد غمّه مكانه بمكّة؛ لأنّ الناس ما كانوا يعدلونه بالحسين، فلم يكن شيء يُؤتاه أحبّ إليه من شخوص الحسين عن مكة، فأتاه فقال: أبا عبد الله ما عندك؟ فو الله لقد خفت في ترك جهاد هؤلاء القوم على ظلمهم واستذلالهم الصالحين من عباد الله، فقال الحسين: (عليه السلام)قد عزمتُ على إتيان الكوفة(عليه السلام) فقال: وفَّقَكَ الله، أما لو أن لي بها مثل أنصارك ما عدلْتُ عنها، ثمّ خاف أن يتّهمه(9)...

وخرج الحسين (عليه السلام) وعبد الله بن الزبير من ليلتها إلى مكّة، فقدما مكّة، فنزل الحسين دار العباس بن عبد المطّلب، ولزم ابن الزبير الحِجْر، ولبس المَعَافريَّ، وجعل يُحَرِّض الناس على بني أُميَّة، وكان يغدو ويروح إلى الحسين، ويشير عليه أن يقدم العراق، ويقول: هم شيعتك وشيعة أبيك، وكان عبد الله بن عباس ينهاه عن ذلك ويقول لا تفعل(10).

قال الحسين (عليه السلام) لابن عباس: (صلى الله عليه وآله وسلم)فإنـي مسـتوطن هذا الحرم - يـعني مكّة - ومقيم فيه أبداً ما رأيت أهله يحبّوني وينصروني، فإذا هم خذلوني، استبدلت بهم غيرهم، واستعصمت بالكـلمة التي قالها إبراهيم الخليل (عليه السلام) يوم أُلقي في النار: حسبي الله ونعم الوكيل، فكانت النار عليه برداً وسلاماً(عليهم السلام)(11).

فلما أصبح الحسين (عليه السلام) وإذا برجل من الكوفة يكنى أبا هرة الأزدي، أتاه فسلّم عليه، ثمّ قال: يا ابن بنت رسول الله، ما الذي أخرجك عن حرم الله، وحرم جدّك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)؟ فقال الحسين (عليه السلام): (صلى الله عليه وآله وسلم)يا أبا هرة إنّ بني أُميّة أخذوا مالي فصبرت، وشتموا عرضي فصبرت، وطلبوا دمي فهربت، وأيم الله يا أبا هرة لتقتلني الفئة الباغية، وليلبسهم الله ذلاً شاملاً وسيفاً قاطعاً، وليسلطن الله عليهم من يذلّهم حتى يكونوا أذلّ من قوم سبأ إذ ملكتهم امرأة منهن فحكمت في أموالهم وفي دمائهم(عليهم السلام)(12).

وقالوا: وكان زهير بن القين البَجَلي بمكّة -  وكان عثمانيّاً -  فانصرف من مكة متعجّلاً، فضمّه الطريق وحسيناً، فكان يسايره ولا ينازله، ينزل الحسين في ناحية وزهير في ناحية، فأرسل الحسين إليه في إتيانه، فأمرته امرأته دملم بنت عمرو أن يأتيه فأبى، فقالت: سبحان الله، أيبعث إليك ابن بنت رسول الله فلا تأتيه؟! فصار إليه ثمّ انصرف إلى رحله، قال لامرأته: أنت طالق، فالحقي بأهلك فإني لا أُحب أن يصيبك بسببي إلاّ خير، ثمّ قال لأصحابه: من أحبّ منكم أن يتبعني وإلاّ فإنّه آخر العهد، وصار مع الحسين(13).

هذا الرجل لقد وصل به الموقف الحسيني إلى طلاق زوجته، هذا هو العشق الإلهي للشهادة من أجل نصرة الإسلام، فكلّ واحد منّا إمّا أن ينضمّ إلى معسكر الحسين (عليه السلام) أو إلى معسكر يزيد بن معاوية؛ لأنّه صراع بين الحقّ والباطل والخير والشرّ ولا ثالث لهما، أليس كذلك؟

وكان موقف الحرّ واضحاً للعيان في واقعة الطف يوم عاشوراء، وذلك لمّا زحف عمر نحو الحسين أتاه الحرّ بن يزيد فقال له: أصلحك الله، أمقاتل أنتَ هذا الرجل؟ قال له: إي إي والله قتالاً أيسره أن تسقط الرؤوس وتطيح الأيدي... فأقبل يدنو نحو الحسين قليلاً قليلاً، وأخذتْه رِعدة، فقال له رجل من قومه يقال له المهاجر بن أَوْس: والله إنّ أمرك لمريب! والله ما رأيت منك في موقف قطّ مثل ما أراه الآن! ولو قيل مَنْ أشجعُ أهل الكوفة لما عدوتُك. فقال له: إنّي - والله - أُخيّر نفسي بين الجنّة والنار، ووالله لا أختار على الجنّة شيئاً ولو قطّعت وحُرّقت، ثمّ ضرب فرسه فلحق بالحسين (عليه السلام) فقال له جعلني الله فداك يا ابن رسول الله أنا صاحبك الذي حبستُك عن الرجوع، وسايرتك في الطريق، وجـعجـعت بك في هذا المكان، والله الذي لا إله إلا هو ما ظننت أن القوم يردّون

عليك ما عرضتَ عليهم أبداً، ولا يبلغون منك هذه المنزلة، فقلت في نفسي لا أبالي أن أطيع القوم في بعض أمرهم، ولا يرون أني خرجت من طاعتهم، وإني لو سولت لي نفسي أنهم يقتلونك ما ركبت هذا منك، وإني قد جئتك تائباً مما كان منِّي إلى ربي، ومواسياً لك نفسي، حتى أموت بين يديك، أفترى ذلك لي توبة. قال: نعم يتوب الله عليك ويغفر لك، ما اسمك قال: أنا الحرّ بن يزيد قال: أنت الحرّ كما سمتك أمك، أنت الحرّ إن شاء الله في الدنيا والآخرة أنزل قال: أنا لك فارساً خير مني راجلاً، أقاتلهم على فرسي ساعة وإلى النزول ما يصير آخر أمري قال الحسين: فاصنع يرحمك الله ما بدا لك.

ثم قال: يا ابن رسول الله كنت أول خارج عليك، فأذن لي أن أكون أوّل قتيل بين يديك، فلعلي أن أكون مما يصافح جدّك مـحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) غداً في القيامة. فقال له الحسين (عليه السلام): إن شئت فأنت ممن تاب الله عليه وهو التواب الرحيم(14).

قال الراوي: هذا ما كان من أمر الحسين ونزوله بأرض كربلاء وأما ما كان من أمر ابن زياد، فإنه أتاه رجل من عسكر الحر من غير علمه وقال اعلم أيها الأمير أن الحسين نزل في أرض كربلاء... فعند ذلك اطلق منادياً في الكوفة: يا معشر الناس من يأت برأس الحسين، فله ملك الري عشر سنين، وأرسل في البصرة منادياً بمثل ذلك، فقام إليه عمر بن سعد، وقال: أنا آتيك برأسه. فقال له: امضِ وامنعه من شرب الماء وائتني برأسه. فقال: سمعاً وطاعة فعند ذلك، عقد له الراية والإمرة على ستة آلاف فارس.

وسار قاصداً كربلاء، لقتال الإمام الحسين (عليه السلام) وهناك ينبري لنا في ميدان الطف، موقف (الحر بن يزيد الرياحي) الذي سيبقى عالقاً في ذاكرة تاريخ الأحرار في العالم، لما لموقفه من أثر بالغ لفعله في النفوس، حيثُ أن الحُرَّ تَركَ وراء ظهره زعامة قبيلته (تميم) ومنصبه الدنيوي فهو (قائد لشرطة بن زياد) ووجيه من وجهاء الكوفة، وشجعاتها، لم يَمُت للإمام الحسين (عليه السلام) بصلة قربى سوى الدين.. فتراه إنحازَ لمعسكر ابن بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ليختم حياته بنصرته، والذود عن حرم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مضحياً بحياته دونهم، ليبقى خالداً ما بقي في الحياة نبض لقلب.

بينما نرى لـ (عمر بن سعد) موقفاً مغايراً لموقف الحر، بالرغم من أن لعمر هذا صلة قرابة بالإمام الحسين (عليه السلام) ولكن الدنيا أغرته، فأعمت بصيرته واستسلم لها طائعاً لضعف إيمانه بالله والدين الحنيف، فرضيَّ بعافيتها وقدمها على سعادة الآخرة، طمعاً بملكِ الري، الذي وعده به (ابن زياد) فتهالَك دونه، وقاد البغاة لقتال الإمام الحسين (عليه السلام) في يوم عاشوراء، وبلغ ولوغه في الإثم، أن يحرق الخيام، ويسبي عيال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ويحمل رأس الحسين، على قناة، إلى الكوفة، أملاً في إمارة الري، فلا بلغ مناه وأذله الله في الدنيا والآخرة.

وشتان ما بين موقف الحر العظيم في نبذة الانحراف والإنصياع إلى أوامر السلطة الباغية، وموقف ابن سعد الوضيع، الذي تبع هوى نفسه قائلاً:

فو الله ما أدري وإني لواقـف      أفكـر في أمري على خطرين

أأترك ملك الري والري منيتي      أم أرجع مـأثوماً بقتل حسين

فإن صدقوا فيما يقولون إنني      اتوب إلى الرحمن من سنتين

وإن كـذبـوا فـزنـا بـدنـيا دنية      ومـلـك عـقيم دائم الحجـلـين

ألا إنـما الــدنيا لخير معجلٍ      وما عاقل باع الوجود بدين(15)

وهكذا سقته تلك النفس الأمارة بالسوءِ الذلةِ والهوان، فنبذه ابن زياد صاحبه وانكر وعده له واقتصاص المختار منه ثأراً للإمام الحسين (عليه السلام) فمضى إلى جهنم بوجهٍ كالحٍ، وهذا مصير كل مَن يبيع آخرته بدنياه، وشتان ما بين الموقفين، فأين الثرى من الثريا، وهل مِن مُعتبر.

أيـنَ مَنْ خـانـوا حسيناً أينُهم      سَــجّلَ الـتـاريـخُ عـاراً فـعـلَـهُـمْ

هل ترى يا صاحبي قبراً لهم      فوق هذي الأرض في عرضٍ وطول


1- أنساب الأشراف: ج 2 ص 466؛ مقتل الحسين للخوارزمي: ج 1 ص 221؛ الخصائص الكبرى: ج 2 ص 125؛ ذخائر العقبى: ص 256؛ بغية الطلب: ج 6 ص 2604؛ تاريخ الخلفاء: ص 206.

2- كتاب الفتوح: ج 5 ص 30.

3- سير أعلام النبلاء: ج 4 ص 411 رقم: 270؛ تهذيب الكمال: ج 6 ص 413.

4- أنساب الأشراف: ج 2 ص 465 ح 293؛ الأخبار الطوال: ص 244؛ بغية الطلب: ج6 ص 2611.

5- أنساب الأشراف: ج 2 ص 465، أنه (عليه السلام) أجاب ابن عباس بما أقنعه، وأنّه لو لم يخرج لكانوا يستحلّون به حرمة الكعبة!! الفصول المهمة: ص 185؛ تهذيب الكمال: ج 6 ص 415؛ الأخبار الطوال: ص 244؛ الفصول المهمة: ص 183؛ تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 202 ح 3542.

6- سير أعلام النبلاء: ج 4 ص 414 رقم: 270.

7- أنساب الأشراف: ج 2 ص 467، هذا الحديث أيضاً دالّ على أنه (عليه السلام) كان يعلم بأنه يقتل، وإنما خرج من مكة لئلا يقتل فيها فيستحلّ به حرمة الحرم.

8- الفصول المهمة: ص 184.

9- مروج الذهب: ج 3 ص 67.

10- تهذيب الكمال: ج 6 ص 415.

11- كتاب الفتوح: ج 5 ص 44.

12- المصدر نفسه: ص 123.

13- أنساب الأشراف: ج 2 ص 470.

14- الكامل في التاريخ: ج 2 ص 563؛ تاريخ الطبري: ج 4 ص 324؛ مقتل الحسين للخوارزمي: ج 2 ص 9.

15- الفصول المهمة: ص 187؛ مطالب السؤول في مناقب آل الرسول: ص 261.

 فــاجــعـة الطـــــفّ

 

قال الشيخ كمال الدين بن طلحة: مصرع الحسين (عليه السلام) يسكب المدامع من الأجفان، ويجلب الفجائع، ويثير الأحزان، ويلهب النيران الموجودة في أكباد ذوي الإيمان، بما أجرته الأقدار للفجرة من الإجتراء، وفتكها واعتدائها على الذريّة النبويّة بسفح دمائها وسفكها، واستبائها مصونات نسائها وهتكها. كيف لا وهم رجال الذرّيّة النبويّة بنجيعها مـخضوبة، وأبدانها على التراب مسلوبة، ومـخدّرات حرائرها سبايا منهوبة، فكم كبيرة من جريمة ارتكبوها واجترموها، وكم من نفس معصومة ازهقوها واخترموها، وكم من كبد حرّى ضعوها ورود الماء المباح وحرموها، ثم احتزوا رأس سبط رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)(1).

هذا مع علمهم بأنها الذريّة النبويّة المسؤول لها المودة بصريح القرآن وصحيح الاعتقاد، فلو نطقت السماء والأرض لرثت لها ورثتها، ولو اطلعت عليها مردة الكفر لبكتها وندبتها، ولو حضرت مصرعها عتاة الجاهلية لابكتها ونعتها، ولو شهدت وقعتها بغاة الجبابرة لاغاثتها ونصرتها.

فيا لها مصيبة أنزلت الرزية بقلوب الموحّدين فأورثتها، وبليّة أحلّت الكآبة بنفوس المؤمنين سلفاً وخلفاً فاحزنتها، فوا لهفتاه لذرية نبوية طل دمها، وعترة مـحمدية فل مـخذمها، وعصبة علوية خذلت فقتل مقدمها، وزمرة هاشمية استبيح حرمها واستحل مـحرمها(2).

لذا ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: (عليه السلام)قام عندي جبريل من قبل فحدّثني أن الحسين يقتل بشطّ الفرات، وقال: هل لك أن أُشمّك من تربته؟ قلت: نعم، فمد يده فقبض قبضة من تراب فأعطانيها فلم أملك عيني أن فاضتا(عليه السلام)(3).

عن ابن سُحَيم عن أبيه قال: سمعت أنس بن الحارث يقول: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: إن ابني هذا -  يعني الحسين -  يقتل بأرض يقال لها كربلاء، فمن شهد ذلك منكم فلينصره(عليهم السلام).

قال: فخرج أنس بن الحارث إلى كربلاء، فقُتل مع الحسين (عليه السلام) (4).

عن ابن عباس قال: كان الحسين جالساً في حجر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال جبريل: أتحبُّه؟ فقال: (عليه السلام)وكيف لا أُحبه وهو ثمرة فؤادي؟(عليهم السلام) فقال: أما إن أُمتك ستقتله، ألا أُريك من موضع قبره؟ فقبض قبضة فإذا تربته حمراء(5).

عن أُمّ سلمة أنّها قالت: كان جبرئيل (عليه السلام) عند النبي والحسين بن علي معي، فغفلت عنه، فذهب إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وجعله النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على فخذه، فقال له جبرئيل: أتحبّه يا مـحمد؟ فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (عليه السلام)نعم(عليه السلام) فقال: أما إن أُمّتك ستقتله، وإن شئت أريتك تربة الأرض التي يقتل فيها، فبسط جناحيه إلى الأرض وأراه أرضاً يقال لها كربلاء، تربة حمراء بطفّ العراق(6).

عن أُمّ الفضل قالت: قال لي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والحسين في حجره: (عليه السلام)إنّ جبريل (عليه السلام) أخبرني أنّ أُمّتي تقتل الحسين(عليه السلام)(7).

عن عبد الله بن عمرو قال: إن معاذ بن جبلة أخبره قال: خرج علينا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مصفرّ اللون فقال: (صلى الله عليه وآله وسلم)أنا مـحمد أُوتيت جوامع الحكم فواتحها وخواتمها، فأطيعوني مادمت بين أظهركم... يزيد لا بارك الله في يزيد، ثمّ ذرفت عيناه بالدموع(عليهم السلام) ثمّ قال: (عليه السلام)نعي إليَّ الحسين، ثمّ أُتيت بتربته وأُخبرت بقتله وقاتله أو قتلته، والذي نفسي بيده لا يقتل بين ظهراني قوم لا يمنعونه إلاّ خالف الله بين صدورهم وقلوبهم، وسلّط عليهم شرارهم، وألبسهم شيعاً(عليه السلام) ثم قال: (عليه السلام)آه لفـراخ آل مـحمـد مـن خــليفة مســتخلف مترف يقتل خلفي وخلف الخلف(عليه السلام)(8).

وعن يحيى الحضرمي قال: إنّه سار مع عليّ (رضي الله عنه) وكان صاحب مطهرته، فلمّا حاذى نينوى وهو منطلق إلى صفين فنادى علي: (عليه السلام)صبراً أبا عبد الله، صبراً أبا عبد الله(عليه السلام) وهو بشطّ الفرات، فقلت: وما ذاك؟ قال: (عليه السلام)دخلت على النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ذات يوم وإذا عيناه تذرفان قلت يا نبي الله أغضبك أحد، ما شأن عينيك تفيضان؟ قال: بل قام من عندي جبريل (عليه السلام) آنفاً فأخبرني أنّ الحسين يقتل بشطّ الفرات. قال: فقال: هل لك أن أُشمك من تربته؟ قلت: نعم. قال: فمدّ يده فقبض قبضة من تراب فأعطانيها فلم أملك عيني أن فاضتا(عليه السلام)(9).

ذكر الحاكم الجشمي: أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) لما سار إلى صفين نزل بكربلاء وقال لابن عباس: (عليه السلام)أتدري ما هذه البقعة؟(عليه السلام) قال: لا. قال: (عليه السلام)لو عرفتها لبكيت بكائي(عليه السلام) ثمّ بكى بكاءً شديداً، ثمّ قال: (عليه السلام)مالي ولآل أبي سفيان(عليه السلام) ثمّ التفت إلى الحسين وقال: (عليه السلام)صبراً يا بني، فقد لقي أبوك منهم مثل الذي تلقى بعده(عليه السلام)(10).

عن أنس بن مالك قال: استأذن مَلَكُ القَطْرِ والمطر ربّه عزّ وجلّ أن يزور النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، فإذن له، فجاءه وهو في بيت أُمّ سلمة، فقال: (عليه السلام)يا أُمّ سلمة احفظي علينا الباب، لا يدخل علينا أحد(عليه السلام) فبينما هم على الباب إذ جاء الحسين ففتح الباب، فجعل يتقفز على ظهر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) -  يعلو رقبة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ويعبث به والملك ينظر -  يلتثمه ويقبّله، فقال له الملك: أتحبه يا مـحمد؟ قال: (عليه السلام)إي والله إنّي لأُحبّه(عليه السلام) قال: أما إنّ أُمتك ستقتُلهُ وإن شئت أن أُريك من تربة المكان الذي يقتل فيها، قال: فقبض قبضة من المكان الذي يقتل فيه فأتاه بسِهْلة حمراء، فأخذته أُمّ سلمة فجعلته في طرف ثوبها قال: فكنّا نسمع يقتل بكربلاء(11).

عن عائشة قالت: دخل الحسين بن علي (رضي الله عنهما) على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو يوحى إليه، فنزا على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو منكبّ، وهو على ظهره، فقال جبرئيل لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أتحبّه يا مـحمد؟ قال: (عليه السلام)يا جبريل ومالي لا أُحبّ ابني(عليه السلام) قال: فإنّ أُمّتك ستقتله من بعدك، فمدّ جبريل (عليه السلام) يده فأتاه بتربة بيضاء، فقال: في هذه الأرض يقتل ابنك هذا، واسمها الطفّ(12)، فلما ذهب جبريل (عليه السلام) من عند رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والتزمه في يده يبكي فقال: (عليه السلام)يا عائشة، إن جبريل أخبرني أن ابني حسين مقتول في أرض الطفّ، وأن أُمّتي ستفتن بعدي(عليه السلام) ثمّ خرج إلى أصحابه فيهم علي وأبو بكر وعمر وعمار وأبو ذرّ وهو يبكي، فقالوا: ما يبكيك يا رسول الله؟ فقال: (عليه السلام)أخبرني جبريل (عليه السلام) أن ابني الحسين يقتل بعدي بأرض الطفّ، وجاءني بهذه التربة، وأخبرني أنّ فيها مضجعه(عليه السلام)(13).

عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: لمّا ثقل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في مرضه والبيت غاصّ بمن فيه قال: ادعوا لي الحسن والحسين فجاءا، فجعل يلثمهما حتى أُغمي عليه، فجعل عليٌ يرفعهما عن وجه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ففتح عينيه وقال: دعهما يتمتعا مني واتمتع منهما فستصيبهما بعدي أثرة...(عليهم السلام)(14).

عن الأصبغ بن نباتة عن علي (عليه السلام) قال: أتينا مع علي بن أبي طالب فمررنا بأرض كربلاء، فقال علي (عليه السلام): (عليه السلام)ههنا مناخ ركابهم وموضع رحالهم ومهراق دمائهم، فتية من آل مـحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) يقتلون في هذه العرصة تبكي عليهم السماء والأرض(عليه السلام)(15).

عن عليّ (رضي الله عنه) قال: (عليه السلام)ليقتلنّ الحسين قتلاً، وإني لأعرف التربة التي يقتل فيها قريباً من النهرين(عليه السلام)(16).

لمّا أُحيط بالحسين بن علي قال: (عليه السلام)ما اسم هذه الأرض؟(عليه السلام) قيل: كربلاء فقال: (صلى الله عليه وآله وسلم)صدق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (عليه السلام)إنها أرض كَرْبٍ وبَلاء(عليه السلام)(17).

عن أبي وائل، عن أُمّ سلمة قالت: كان الحسن والحسين (رضي الله عنهما) يلعبان بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في بيتي، فنزل جبريل (عليه السلام) فقال: يا مـحمد، إنّ أُمّتك تقتل ابنك هذا من بعدك، وأومأ بيده إلى الحسين، فبكى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وضمّه إلى صدره، ثمّ قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (عليه السلام)يا أُمّ سلمة، وديعةٌ عِنْدَكِ هذه التربةُ(عليه السلام) فشمّها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال: (عليه السلام)وَيْحَ كُرْب وبلاء(عليه السلام) قالت: وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (عليه السلام)يا أُمّ سلمة إذا تحوَّلت هذه التربة دماً فاعلمي أنَّ ابني قد قُتل(عليه السلام) قال: فجعلتها أُم سلمة في قارورة، ثمّ جعلت تنظر إليها كلّ يوم وتقول: إنّ يوماً تحوّلين دماً ليوم عظيم(18).

وكان أوّل صارخة صرخت في المدينة أُمّ سلمة، زوج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان دفع إليها قارورة فيها تربة؛ وقال لها: إنّ جبرائيل أعلمني أنّ أُمّتي تقتل الحسين. وأعطاني هذه التربة وقال لي: إذا صارت دماً عبيطاً فاعلمي أنّ الحسين قد قتل وكانت عندها. فلّما حضر ذلك الوقت، جعلت تنظر إلى القارورة في كلّ ساعة، فلمّا رأتها قد صارت دماً صاحت: واحسيناه وابن رسول الله؛ فتصارخن النساء من كلّ ناحية، حتى ارتفعت المدينة بالرجّة التي ما سمع بمثلها قطّ(19).

قالت أُمّ سلمة: فأصبته يوم قتل الحسين (عليه السلام)، وقد كانت ليلة قتل الحسين سمعت قائلاً يقول:

أيّها القاتلون جهلاً حسيناً       أبشروا بالعذاب والتذليلِ

كل أهل السماء يدعو عليكم      مـن نـبيٍّ ومَلـك وقـبـيلِ

قد لعنتم على لسان ابن داود      وموسى وحامل الإنجيل

قالت: فبكيت وفتحت القارورة فإذا الحصيات قد جرت دماً(20).

عن شهرْ بن حَوْشب قال: كنت عند أُمّ سلمة زوج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حين أتاها قتل الحسين، فقالت: قد فعلوها! ملأ الله بيوتَهم وقبورَهم ناراً، ووقعت مغشيَّةً عليها فقمنا(21).

وعن بن أبي عمّار عن أُمّ سلمة قال: سمعت الجنّ تنوح على الحسين بن عليّ (رضي الله عنهما)(22).

عن الفقيمي قال: كان الجصّاصون إذا خرجوا من السحر سمعوا نوح الجن على الحسين (رضي الله عنه):

مسح الرسول جبينه      فله بريق في الخدود

أبواه في عليا قريش      وجدُّه خير الجدود(23)

أما بلاؤه في القتال فقد أبلى بلاءً حسناً، ولم يتمكّنوا منه حتى أُثخن بالجراح وسقط على الأرض، فحزّوا رأسه يوم عاشوراء عام 61 هـ، ولمّا وضع الرأس بين يدي عبيد الله بن زياد أنشد قاتله سنان بن أنس النخعي لعنه الله تعالى:

املأ ركابي فضّة أو ذهبا      إنّي قتلت السيد المحجّبا

ومن يصلّي القبلتين في الصبا      وخيرهم إذ يذكرون النسبا

قـتـــلت خيــر النـــاس أُمّاً وأبا

فقال له عمر بن سعد: أشهد أنّك مـجنون، ما صَحْت قط، أدخلوه إليّ، فلمّا دخل حذفه بالقضيب وقال: يا أحمق أتتكلّم بهذا الكلام؟ والله، لو سمعك ابن زياد لضرب عنقك!

وأرسل عـمر بن سعد -  خذله الله -  بالرأس إلى ابن زياد مع ســنان بـن أنس قاتل الحسين (عليه السلام)، فلمّا وضع الرأس بين يدي عبــيد الله بن زياد - وأنشـد الأبيـات -، فغضـــب عبــيـد الله بــن زيـاد من قـوله وقـال: إذا علمت ذلك فلم قـتلتـه؟ والله، لانـلت منّي خيراً ولألحقنّك به، ثمّ قدّمه وضرب عنقه(24).

عن ابن أبي نُعْمٍ قال: إنّ رجلاً من أهل العراق سأل ابن عمر عن دم البعوض يُصيبُ الثوْبَ؛ فقال ابن عمر: اُنظروا إلى هذا يسأل عن دم البعوض وقد قتلوا ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد سمعتُ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: (عليه السلام)هُمَا رَيْحانتايَ من الدنيا(عليه السلام)(25).

وروى أنّه سأله عن المحرم بقتل الذباب فقال: يا أهل العراق، تسألون عن قتل الذباب وقد قتلتم الحسين بن بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)(26).

وأُخذ ثَقَل الحُسين، وأخذ رجل حليَّ فاطمة بنت الحسين وبكى، فقالت: لم تبكي؟ فقال: أأَسلبُ بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا أبكي؟ قالت: فدعه، قال: أخاف أن يأخذه غيري(27).

عن الزهري قال: إنه لم يُرفع تلك الليلة التي صبيحتها قُتل الحسين بن علي بن أبي طالب حجرٌ في بيت المقدس إلاّ وُجد تحته دم عبيط(28). قال عبد الملك: صدقت، حدثني الذي حدثك، وإني وإياك في هذا الحديث لقرينان(29).

وممّا ظهر يوم قتله من الآيات:

عن أُمّ سلمة قالت: لمّا قتل الحسين بن علي مُطرنا مطراً كالدم على البيوت والجدر. قالت وبلغني أنه كان بخراسان والشام والكوفة.

وعن مروان -  مولى هند بنت المهلَّب -  قال: حدّثني بوّاب عبيد الله بن زياد، أنّه لمّا جيء برأس الحسين فوضع بين يديه رأيت حيطان دار الإمارة تسايل دماً(30).

عن مـحمد بن سيرين قال: لم تر هذه الحمرة التي في آفاق السماء حتى قتل الحسين بن علي (رضي الله تعالى عنهما)(31).

وعن هشام بسنده قال: تعلم هذه الحمرة في الأُفق مِمَّ؟ هو من يوم قتل الحسين (عليه السلام)(32).

عن أبي قبـيل قـال: إنّ السماء أظـلمت يوم قـتل الحسين حـتى رأوا الكواكب(33).

عن الأسود بن قيس قال: أحمرّت آفاق السماء بعد قتل الحسين ستّة أشهر يُرى ذلك في آفاق السماء، كأنّها الدم(34).

عن معمر قال: أوّل ما عُرف الزُّهري تكلَّم في مـجلس الوليد بن عبد الملك فقال الوليد: أيكم يعلم ما فعلت أحجار بيت المقدس يوم قتل الحسين بن علي؟ فقال الزهري: بلغني أنه لم يُقلبَ حجر إلاّ وجد تحته دم عبيط(35)

أرسل عبد الملك إلى رأس الجالوت، فقال: هل كان في قتل الحسين علامة؟ قال: نعم، ما كشف عن حجر إلاّ وجد تحته دم عبيط(36).

عن أبي بكر الشاهد بسنده قال: أرسل عبد الملك إلى ابن رأس الجالوت فقال: هل كان في قتل الحسين علامة؟ قال ابن رأس الجالوت: ما كشف يومئذٍ حجر إلاّ وجد تحته دم عبيط(37).

عن ابن سيرين قال: لم تبك السماء على أحد بعد يحيى بن زكريا إلاّ على الحسين بن علي (عليه السلام)(38).

عن عيسى بن الحرث الكندي قال: لما قتل الحسين مكثنا سبعة أيام إذا صلّينا العصر نظرنا إلى السماء على أطراف الحيطان كأنّها الملاحف المعصفرة، ونظرنا إلى الكواكب يضرب بعضها بعضاً(39).

وذهبوا برأسه إلى عبيد الله بن زياد فوضعوه بين يديه فجعل ينكت بقضيب في يده على ثناياه وعنده أنس بن مالك جالس فقال له: يا هذا، ارفع قضيبك قد طالما رأيت رسول الله يُقبِّل هذه الثنايا(40).

عن أنس قال: لما قُتل الحسين جيء برأسه إلى عبيد الله بن زياد، فجعل ينكت بقضيب على ثناياه، وقال: إن كان لحسن الثغر، فقلت: أما والله لأسوءنّك، فقلت: لقد رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يُقبّل موضع قضيبك من فيه(41).

وروى ابن أبي الدنيا: أنّه كان عنده زيد بن أرقم فقال له: ارفع قضيبك، فو الله لطالما رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقبل ما بين هاتين الشفتين، ثم جعل زيد يبكي فقال ابن زياد: أبكى الله عينيك لولا أنّك شيخ قد خرفت لضربت عنقك. فنهض وهو يقول: أيها الناس، أنتم العبيد بعد اليوم، قتلتم ابن فاطمة، وأمرَّتم ابن مرجانة، والله ليقتلنّ خياركم، ويستعبدون شراركم، فبعداً لمن رضي بالذّلة والعار(42).

وقال سبط بن الجوزي وغيره: المشهور أنّه جمع أهل الشام وجعل ينكت الرأس بالخيزران، وليس العجب إلاّ من ضرب يزيد ثنايا الحسين بالقضيب، وحمل آل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على أقتاب الجمال، أي موثقين في الحبال والنساء مكشفات الرؤوس والوجوه(43).

وقال ابن الجوزي: وحكمته أنّ غضبنا يؤثّر حمرة الوجه، والحق تنزه عن الجسمية. فأظهر تأثير غضبه على من قتل الحسين (عليه السلام) بحمرة الأُفق إظهاراً لعظم الجناية. قال: وأنين العباس وهو مأسور ببدر منع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) النوم، فكيف بأنين الحسين (عليه السلام)؟ ولمّا أسلم وحشي قاتل حمزة قال له النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): (عليه السلام)غيِّب وجهك عنّي فأني لا أُحبُّ أن أرى من قتل الأحبّة(عليه السلام) هذا والإسلام يجبّ ما قبله، فكيف بقلبه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يرى من ذبح الحسين (عليه السلام) وأمر بقتله، وحمل أهله على أقتاب الجمال؟(44).

ولمّا بلغ أهل المدينة قتل الحسين (عليه السلام) خرجت زينب ابنة عقيل بن أبي طالب في نساء من بني هاشم خرجن معها وهي حاسرة تلوي ثوبها وتقول:

مـاذا تـقـولـون إنْ قـال النبيُّ لكم      مـاذا فـعـلـتـم وأنـتـم آخـِرُ الأُمم

بعتَرتِي وبـأهـلـي بـعد مُـفْـتَـقَـدِي      منهم أُسارى وقتلى ضُرِّجُوا بِدَم

ما كان هذا جزائي إذ نَصَحْتُ لكم      أن تخْلفوني بَشرٍّ في ذوي رَحمي والحرم(45)

ضَيَّـعـتـُم حـقــنـا واللهُ أوجـبـه      وقد رعى الفيل حق البيت والحرم(46)

      عن أبي المعالي بسنده قال عن أشياخ له قالوا: غزونا بلاد الروم فوجدنا في كنيسة من كنائسها مكتوباً:

أترجو أُمّةٌ قتلت حُسيناً      شفاعةَ جدّه يومَ الحساب

فقلنا للروم : من كتب هـذا في كنيـسـتكم؟ قـالوا: قبل مبعث نبيكم بثلاثمائة عام(47).

وحكى الشيخ نصر الله بن يحيى مشارف الصاغة وكان من الثقاة الخيِّرين، قال: رأيت علي بن أبي طالب (عليه السلام) في المنام، فقلت: يا أمير المؤمنين، تقولون يوم فتح مكة من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ثمّ يتم ولدك الحسين يوم كربلاء منهم ماتم، فقال لي (عليه السلام): (عليه السلام)أما سمعت أبيات ابن الصيفي التميمي في هذا المعنى؟(عليه السلام) فقلت: لا. فقال: (عليه السلام)اذهب إليه واسمعها(عليه السلام). فاستيقظت من نومي مفكراً، ثمّ إنّي ذهبت إلى دار ابن الصيفي وهو الحيص بيص الشاعر الملّقب بشهاب الدين، فطرقت عليه الباب فخرج عليَّ فقصصت عليه الرؤيا، فأجهش بالبكاء، وحلف بالله إن كان سمعها مني أحد، وإن نظمتها إلاّ في ليلتي هذه، ثم أنشد:

ملكنا فكان العفو منا سجيّة      فـلـما ملكـتم سال بالـدم أبـطح

وحللتم قتل الأسارى وطالما      غدونا على الأسرى نعف ونصفح

وحسبكم هذا التفاوت بيننا      وكل إناء بالذي فيه ينضح(48)

وقد رثاه الناس بمراث كثيرة، ومن أحسن ما أورده الحاكم النيسابوري:

جاؤوا برأسك يا ابن بنت مـحمد      مـتــزمّلاً بـدمـائـه تـزمـيـلا

فـكـأنّمـا بك يا ابـن بنـت مـحمد      قتلوا جهاراً عامدين رسولا

قـتـلـوك عـطـشـانـاً ولم يترقّبوا      فـي قـتـلك التنزيلَ والتأويلا

ويـكـبّرون بـأن قُتـلـت وإنّمـا      قتلوا بك التكبير والتَّهليلا(49)

وللإمام الشافعي (150 -  204 هـ) قصائد عدّة في مدح ورثاء آل البيت، ومن قصائده المعروفة في رثاء الحسين ما مطلعها:

تأوُّه قلبـي والفـؤاد كئيـب      وأرق نومي فالسهاد عجيب

فمن مبلغ عني الحسين رسالة      وإن كـرهتها أنفس وقلوب

ذبيح بـلا جرم كأنّ قـميصـه      صبيغ بماء الأرجوان خضيب

فللسيف إعوال وللرمح رنة      وللخيل من بعد الصهيل نحيب

تـزلـزلـت الـدنـيا لآل مـحـمـد     وكادت لهم صم الجبال تذوب

وغارت نجوم واقشعرت كواك      بوهـتك اسـتار وشق جيوب

لئن كان ذنبي حب آل مـحمد      فذلك ذنب لست عنه أتوب(50)

وقال أبو دهبل الجمحي:

وإِنَّ قَتيِلَ الطَّفِّ مِنْ آلِ هاشمٍ      أذلَّ رقاباً من قريش فذلَّت

وكانوا رجاءً ثمّ اضحوا رزيّة     لقد عظمت تلك الرازيا وجلّت

وعـند غـنيٍ قَطَرةٌ من دمائـنا     سنجزيهمُ يوماً بها حيثُ حلّت

مَرَرْتُ على أبياتِ آلِ مُحمَّدٍ     فلم أر من أمثالها يوم حلّت(51)

عن عليّ بن الحسين (عليه السلام) قال: لمّا قُتل الحسين بن علي (عليه السلام) جاء غراب، فوقع في دمه، وتمرّغ ثمّ طار، فوقع بالمدينة على جدار فاطمة بنت الحسين بن عليّ بن أبي طالب -  وهي الصغرى -  ونعب الغراب فرفعت رأسها فنظرت إليه، فبكت بكاء شديداً، وأنشأت تقول:

نعب الغراب فقلت مـن      تنعاه ويــلك يا غـراب

قال الإمام فـقـلـت مـن؟      قال الموفـّق لـلصـواب

قلت: الحسين؟ فقال لي      ملقى عى وجه الـتراب

إنّ الحسين بكربلا بين      الأســـنــّة والــضــراب

فــابك الحســـين بعبرة      تُرضي الإله مع الثواب

ثـمّ اســتقـلّ به الجـناح      فــلم يــطق ردّ الجـواب

 ومن الغريب إذ يرى البعض أنّ مقتل الحسين (صلى الله عليه وآله وسلم) كان خروجاً عن طاعة يزيد بن معاوية لأنه في رأيهم اجتهد وأخطأ وله أجر واحد، أو كما قال القاضي الأندلسي ابن العربي بأن الحسين قتل بسيف جدّه!

ومن المعروف أنّ يزيد بن معاوية كان مستبدّاً طاغياً، ومارقاً نزقاً، قتل الإمام الحسين بن علي سبط رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، واستباح المدينة، وضرب الكعبة بالمنجنيق، وهو لا يمكن تبريره لا بسنّة نبويّة ولا بحنكة سياسيّة؛ لأنّ قتل الحسين (عليه السلام) كان في الحقيقة مـحاولة فاشلة لاغتيال فكر أهل البيت وتشويه مبادئهم التي هي فكر ومبادئ الإسلام الحنيف.

يبقى سؤال يطرح نفسه دوماً وهو: لماذا يقيم المسلمون المآتم بذكرى عاشوراء منذ قرون عديدة وإلى اليوم؟ لقد قتل الحسين ومات يزيد فهل هناك فائدة من إعادة الماضي وتكرار الخلاف؟

الجواب: هو أنّ الحقيقة والواقع غير ذلك، فمازال المرء يجد أمامه دوماً حسيناً ويزيد في كل زمان ومكان، وهما يتصارعان، وهو صراع بين الحقّ والباطل، وإنّ هذا النزاع هو في الواقع تجسيد للصراع بين الخير والشر الذي ما زال قائماً، وعلينا أن نختار أحد الموقفين إمّا اتّخاذ موقف الحسين أو يزيد.

لقد خرج الحسين واعداً ومتحدّياً وداعياً بحقيقة هدفه، فكان بطلاً، وبذلك سجّل أوّل قوّة تحدٍّ، وأوّل نموذج صادق ثوري في تأريخ المسلمين، قدم حياته وهو مظلوم، وتحول مقتله إلى شهادة، وتحوّلت الشهادة إلى مدرسة ومشعل حرّيّة ينير درب الثائرين(52).


1- الفصول المهمة: ص 187؛ مطالب السؤول في مناقب آل الرسول: ص 261.

2- مطالب السؤول في مناقب آل الرسول: ص 261.

3- المعجم الكبير: ج 3 ص 105 ح 2811؛ كنز العمال: ج 12 ص 127 ح 34321؛ تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 189 ح 3520.

4- ذخائر العقبى: ص 250؛ تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 224 ح 3543؛ كنز العمال: ج 12 ص 126 ح 34314؛ كفاية الطالب: 386؛ الخصائص الكبرى: ج 2 ص 125.

5- مـجمع الزوائد: ج 9 ص 194؛ المعجم الكبير: ج 3 ص 106 ح2813؛ كنز العمال: ج 12 ص 126 ح 34313 وح 34315؛ الصواعق المحرقة: ص 192؛ البداية والنهاية: مـجلد 3 ج 6 ص 261.

6- الفصول المهمة: ص 170؛ نور الأبصار: ص 221.

7- المستدرك على الصحيحين: ج 3 ص 179 كتاب معرفة الصحابة؛ كنز العمال: ج 12 ص 123 ح 34300، ص 127 ح 34319؛ الصواعق المحرقة: ص 192.

8- مقتل الحسين للخوارزمي: ج 1 ص 160.

9- تهذيب التهذيب: ج 2 ص 347؛ مـجمع الزوائد: ج 9 ص 190؛ مقتل الحسين للخوارزمي: ج 1 ص 170؛ الخصائص الكبرى: ج 2 ص 126؛ تهذيب الكمال: ج 6 ص 407؛ سير أعلام النبلاء: ج 4 ص 407 رقم: 270؛ تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 187 ح 3517 وح 3518 و 3519؛ إحقاق الحق: ج 8 ص 148؛ ذخائر العقبى: ص 253؛ بغية الطلب: ج 6 ص 2596.

10- مقتل الحسين للخوارزمي: ج 1 ص 162.

11- المعجم الكبير: ج 3 ص 106 ح 2813، البداية والنهاية مـجلد 3 ج 6 ص 260؛ العقد الفريد: ج 4 ص 350؛ مـجمع الزوائد: ج 9 ص 190 - 193؛ مقتل الحسين للخوارزمي: ج 1 ص 160؛ سير أعلام النبلاء: ج 4 ص 408 رقم: 270؛ الخصائص الكبرى: ج 2 ص 125؛ تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 189 ح 3521 وح 3522 وح 3523؛ تهذيب الكمال: ج 6 ص 408؛ ذخائر العقبى: ص 251؛ بغية الطلب: ج 6 ص 2600؛ النهاية: ج 2 ص 428، وفيه: (صلى الله عليه وآله وسلم)السِّهْلة رملٌ خَشِن ليس بالدُّقاق النَّاعِم.

12- الطف: سمي به لأنه طرف البر مما يلي الفرات والمعركة جرت يومئذٍ قريباً منه؛ لسان العرب: ج 9 ص 221 (صلى الله عليه وآله وسلم)طفف.

13- مـجمع الزوائد: ج 9 ص 190؛ المعجم الكبير: ج 3 ص 107 ح 2815؛ البداية والنهاية مـجلد 3 ج 6 ص 261؛ الصواعق المحرقة: ص 192 أخرجه ابن سعد.

14- مقتل الحسين للخوارزمي: ج 1 ص 114.

15- الصواعق المحرقة: ص 192؛ شرح نهج البلاغة: ج 3 ص 169؛ الفصول المهمة: ص 171؛ الأخبار الطوال: ص253؛ الخصائص الكبرى: ج2 ص 126 إحقاق الحق : ج 8 ص 143؛ مطالب السؤول في مناقب آل الرسول: ص 262؛ بغية الطلب: ج 6 ص 2625؛ نور الأبصار: ص 221.

16- مـجمع الزوائد: ج 9 ص 193؛ المعجم الكبير: ج 3 ص 110 ح2824؛ سير أعلام النبلاء: ج 4 ص 409 رقم:270؛ إحقاق الحق: ج 8 ص 149.

17- مـجمع الزوائد: ج 9 ص 195؛ المعجم الكبير: ج 3 ص 2812؛ الفصول المهمة: ص 188؛ ذخائر العقبى: ص 255؛ سير أعلام النبلاء: ج 4 ص 423 رقم: 270؛ تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 220 ح 3543؛ بغية الطلب: ج 6 ص 2598.

18- تهذيب التهذيب: ج 2 ص 347؛ مـجمع الزوائد: ج 9 ص 192؛ المعجم الكبير: ج 3 ص 108 ح 2817؛ الكامل في التاريخ: ج 2 ص 582؛ مقتل الحسين للخوارزمي: ج 1 ص 163؛ ذخائر العقبى: ص 252؛ كفاية الطالب: ص384؛ بغية الطلب: ج 6 ص 2599.

19- تاريخ اليعقوبي: ج 2 ص 245.

20- الصواعق المحرقة: ص 193؛ الكامل في التاريخ: ج 2 ص 580؛ تاريخ الطبري: ج 4 ص 358؛ بغية الطلب: ج 6 ص 2650؛ استشهاد الحسين: ص 157.

21- سير أعلام النبلاء: ج 4 ص 429 - 270؛ تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 238.

22- مـجمع الزوائد: ج 9 ص 202، البداية والنهاية: مـجلد 3 ج 6 ص 263، المعجم الكبير: ج 3 ص 122 ح 2868؛ كفاية الطالب: ص 399؛ تهذيب الكمال: ج 6 ص 441؛ الإصابة في تمييز الصحابة: ج 1 ص 335؛ الخصائص الكبرى: ج 2 ص 127؛ سير أعلام النبلاء: ج 4 ص 429 - 270؛ تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 239 وص242 ح 3547؛ ذخائر العُقبى: ص 255 وفيه: (صلى الله عليه وآله وسلم)لمّا قتل الحسين (رضي الله عنه) ناحت عليه الجنُّ ومُطِرنا دماً؛ حياة الصحابة: ج 3 ص 743.

23- سير أعلام النبلاء: ج 4 ص 428 رقم: 270؛ تاريخ الخلفاء: ص 208؛ بغية الطلب: ج 6 ص 2651 وفيه: (صلى الله عليه وآله وسلم)فله بياض في الخدود.

24- أنساب الأشراف: ج 2 ص 502؛ مـجمع الزوائد: ج 9 ص 197؛ المعجم الكبير: ج 3 ص 117 ح 2852؛ العقد الفريد: ج 4 ص 348؛ الاستيعاب في معرفة الأصحاب: ج 1 ص 393؛ مروج الذهب: ج 3 ص 73؛ الفصول المهمة: ص 190؛ الكامل في التاريخ: ج 2 ص 573؛ مقتل أبي مـخنف: ص 201؛ تهذيب الكمال: ج 6 ص 428؛ سير أعلام النبلاء: ج 4 ص 422 رقم:270؛ تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 252 ح 3547 أسد الغابة: ج 2 ص 28 وفيه أوقر بدل املأ؛ كتاب الفتوح: ج 5 ص 221؛ مطالب السؤول في مناقب آل الرسول: ص 265 بغية الطلب: ج 6 ص 2571؛ نور الأبصار: ص 229؛ استشهاد الحسين: ص 145؛ مقاتل الطالبيين: ص 119.

25- صحيح البخاري: ج 5 ص 2234 ح 5648، كتاب الأدب، باب رحمة الولد؛ سنن الترمذي: ج 5 ص 657 ح 3770؛ أنساب الأشراف: ج 3 ص 227؛ المعجم الكبير: ج 3 ص 127؛ الفصول المهمة: ص 170؛ الصواعق المحرقة: ص 196؛ تهذيب الكمال: ج 6 ص 400؛ الإصابة في تمييز الصحابة: ج 1 ص 332؛ سير أعلام النبلاء: ج 4 ص 402 رقم:270؛ تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 130 ح 3421؛ مقتل الحسين للخوارزمي: ج 1 ص 90؛ أسد الغابة: ج 2 ص 26؛ مطالب السؤول في مناقب آل الرسول: ص 250؛ بغية الطلب: ج 6 ص 2576؛ نور الأبصار: ص 221؛ حياة الحيوان الكبرى: ج 1 ص 185.

26- الفصول المهمة: ص 170؛ مقتل الحسين للخوارزمي: ج 1 ص 91؛ مطالب السؤول في مناقب آل الرسول: ص 250؛ بغية الطلب: ج 6 ص 2577 وفيه: (صلى الله عليه وآله وسلم)وقال النبي 2: هما ريحانتاي من الدنيا؛ فرائد السمطين: ج 2 ص 109 ح 415.

27- سير أعلام النبلاء: ج 4 ص 418 رقم: 270.

28- دم عبيط: طري شديد الحمرة.

29- مـجمع الزوائد: ج 9 ص 199؛ المعجم الكبير: ج 3 ص 119 ح 2856؛ العقد الفريد: ج 4 ص 353؛ سير أعلام النبلاء: ج 4 ص 426 رقم:270؛ كفاية الطالب: ص 400؛ الخصائص الكبرى: ج 2 ص 126؛ تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 229 ح 3545.

30- تهذيب الكمال: ج 6 ص 433؛ ذخائر العقبى: ص 249؛ سير أعلام النبلاء: ج 4 ص 425 رقم:270؛ تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 229 ح 3545؛ بغية الطلب: ج 6 ص 2636.

31- حلية الأولياء: ج 2 ص 276 رقم: 193 ابن سيرين؛ تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 228 ح 3545. وفيه : (صلى الله عليه وآله وسلم)لم تكن ترى؛ بغية الطلب: ج 6 ص 2639؛ تاريخ الخلفاء: ص 207.

32- سير أعلام النبلاء: ج 4 ص 424 رقم: 270؛ المحاسن والمساوئ: ص 63.

33- أنساب الأشراف: ج 2 ص 505؛ تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 227 ح 3545.

34- عن الأسود بن قيس قال: أحمرّت آفاق السماء بعد قتل الحسين ستّة أشهر يُرى ذلك في آفاق السماء كأنّها الدم.

35- تهذيب الكمال: ج 6 ص 434؛ بغية الطلب: ج 6 ص 2637؛ نور الأبصار: ص 233.

36- كفاية الطالب: ص 399.

37- تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 229 ح 3545.

38- كفاية الطالب: ص 393؛ سير أعلام النبلاء: ج 4 ص 424 رقم: 270؛ بغية الطلب: ج 6 ص 2634.

39- مـجمع الزوائد: ج 9 ص 200؛ أنساب الأشراف: ج 3 ص 209؛ تهذيب الكمال: ج 6 ص 433؛ سير أعلام النبلاء: ج 4 ص 424 رقم:270؛ تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 227 ح 3545؛ تاريخ الخلفاء ص 207.

40- أنساب الأشراف: ج 3 ص 207؛ المعجم الكبير: ج 3 ص 125 ح2878؛ تاريخ الطبري: ج 4 ص 293؛ الكامل في التاريخ: ج 2 ص 577؛ البداية والنهاية: مـجلد 3 ج 6 ص 265؛ مروج الذهب: ج 3 ص 73؛ الفصول المهمة: ص 191؛ سير أعلام النبلاء: ج 4 ص 423 رقم: 270؛ الأخبار الطوال: ص 259؛ كتاب الفتوح: ج 5 ص 240.

41- تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 235 ح 3545؛ سير أعلام النبلاء: ج 4 ص 426 رقم: 270؛ بغية الطلب: ج 6 ص 2633؛ جواهر العقدين في فضل الشرفين: ص 410.

42- الأخبار الطوال: ص 260؛ أسد الغابة: ج 2 ص 21؛ بغية الطلب: ج 6 ص 2631؛ نور الأبصار: ص 229؛ الصواعق المحرقة: ص 198؛ جواهر العقدين في فضل الشرفين: ص 410؛ الاتحاف بحب الأشراف: ص 53.

43- الصواعق المحرقة: ص 198؛ الكامل في التاريخ: ج 2 ص 574.

44- الصواعق المحرقة: ص194.

45- مروج الذهب: ج 3 ص 80؛ تاريخ الطبري: ج 4 ص 294؛ الكامل في التاريخ: ج 2 ص 579؛ مقتل أبي مـخنف: ص 161؛ مقتل الحسين للخوارزمي: ج 2 ص 76؛ تهذيب الكمال: ج 6 ص 429؛ كفاية الطالب: ص 397؛ تذكرة الخواص: ص 267؛ كتاب الفتوح: ج 5 ص 245.

46- مقتل الحسين، للخوارزمي: ج 2 ص 76؛ جواهر العقدين في فضل الشرفين: ص 422.

47- تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 242 ح 3547؛ ذخائر العقبى: ص 248؛ جواهر العقدين في فضل الشرفين: ص 421؛ بغية الطلب: ج 6 ص 2653؛ الاستيعاب في معرفة الأصحاب: ج 1 ص 395 ح 556؛ كفاية الطالب: ص 394؛ الخصائص الكبرى: ج 2 ص 127؛ تهذيب الكمال: ج 6 ص 442 وفيه: (صلى الله عليه وآله وسلم)فقالوا: منذ كم وجدتم هذا الكتاب في هذه الكنيسة؟ قالوا: قبل أن يبعث نبيّكم بستّمائة عام؛ مقتل الحسين للخوارزمي: ج2 ص 93 وفيه: فوجدنا في الحائط صخرة فيها مكتوب:

اترجو أُمّة قتلت حسيناً      شفاعة جده يوم الحساب

فلا والله ليس لهم شفيع      وهم يوم القيامة في العذاب

 48- الفصول المهمة: ص 194؛ بغية الطلب: ج 6 ص 2656؛ نور الأبصار: ص 232؛ حياة الحيوان الكبرى: ج 1 ص 185.

49- أنساب الأشراف: ج 3 ص 221؛ تهذيب التهذيب: ج 2 ص 353؛ المعجم الكبير: ج 3 ص 124 ح 2875؛ البداية والنهاية: مـجلد 3 ج 2 ص 264.

50- مقتل الحسين، للخوارزمي: ج 2 ص 126؛ تراجيديا كربلاء: ص 57؛ جواهر العقدين في فضل الشرفين: ص 424.

51- أنساب الأشراف: ج 3 ص 220؛ الكامل في التاريخ: ج 2 ص 580؛ الاستيعاب في معرفة الأصحاب: ج 1 ص 294؛ مروج الذهب: ج 3 ص 220؛ تهذيب الكمال: ج 6 ص 447؛ الاستيعاب في معرفة الأصحاب - هامش الإصابة -: ج 1 ص 379؛ أسد الغابة: ج 2 ص 29؛ تاريخ مدينة دمشق: ج14 ص259 ح3547؛ سير أعلام النبلاء: ج 4 ص 429 رقم: 270؛ جواهر العقدين في فضل الشرفين: ص 422؛ بغية الطلب: ج 6 ص 2668؛ مقاتل الطالبيين: ص 121، أي وجدتها موحشة خالية بعد أن رأيتها مؤنسة مأهولة.

52- تراجيد يا كربلاء: ص 18.

رأس الـحسين (عليه السلام)

 

واقعة الطفّ كان لها صدى عالمياً ولشناعتها فقد استنكرها الجميع من مسلمين وغيرهم، ولم يرتضها العقل البشري، لأنها لم تنسجم مع قوانين الكون ومبادئه الإنسانية، وقد أحدثت هذه الجريمة زلزالاً في عالم الكون، وقد نقل لنا التاريخ شواهد كثيرة منها:

دخل على يزيد بن معاوية رأس الجالوت فرأى الرأس بين يديه فقال: أيّها الخليفة، رأس من هذا؟ قال: هذا رأس الحسين. قال: فمن أُمّه؟ قال: فاطمة بنت مـحمد (صلى الله عليه وآله وسلم). قال: فبم استوجب القتل؟ قال: أهل العراق كتبوا إليه ودعوه أن يجعلوه خليفة فقتله عاملي عبيد الله بن زياد، فقال رأس الجالوت: ومن أحق منه بالخلافة وهو ابن بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)؟ فما أكفركم؟! وقال: اعلم يا يزيد، أن بيني وبين داود مائة وثلاثة جّداً واليهود يعظّموني، ولا يرون التزويج إلا برضاي، ويأخذون التراب من تحت أقدامي، ويتبركون به، وأنتم بالأمس كان نبيكم بين أظهركم، واليوم وثبتم على ولده فقتلتموه، فتباً لكم ولدينكم، فقال يزيد: لولا أن بلغني عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: (صلى الله عليه وآله وسلم)من قتل معاهداً كنت خصمه يوم القيامة(عليهم السلام) لقتلتك لتعرّضك، فقال رأس الجالوت: يا يزيد، يكون خصم من قتل معاهداً ولا يكون خصم من قتل ولده، ثمّ قال رأس الجالوت: يا أبا عبد الله، اشهد لي عند جدّك فأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ مـحمداً عبده ورسوله، فقال له يزيد: الآن خرجت من دينك ودخلت في دين الإسلام، فقد برئنا منك، ثم أمر بضرب عنقه(1).

عن أبي الأسود قال: لقيت رأس الجالوت(2) فقال: إن بيني وبين داود سبعين أباً، وإن اليهود إذا رأوني عظَّموني، وعَرفوا حقي، وأوجبوا حِفْظي، وإن ليس بينكم وبين نبيكم إلا أب واحد قتلتم ابنه(3).

وعن زيد بن أرقم قال: كنت عند عبيد الله بن زياد لعنه الله إذ أُتي برأس الحسين بن علي، فوضع في طست بين يديه، فأخذ قضيباً فجعل يفتر به عن شفته وعن أسنانه، فلم أر ثغراً أحسن منه كأنّه الدرّ، فلم أتمالك أن رفعت صوتي بالبكاء، فقال: ما يبكيك أيّها الشيخ؟ قلت: يبكيني ما رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقبِّل بعض موضع هذا القضيب ويلثمه ويقول: (عليه السلام)اللّهُمّ إُنّي أُحبّه فأَحِبَّه(عليه السلام)(4).

عن المنهال بن عمر قال: أنا والله رأيت رأس الحسين حين حمل وأنا بدمشق، وبين يدي الرأس رجل يقرأ سورة الكهف حتى بلــغ قــوله تعالى: >أَم حَسِبْتَ أنَّ أصحــابَ الكَــهْفِ والرقيم كانوا من آياتِنا عَجَبا<(5). فانــطق الله الــرأس بلســان ذرب، فقال: أعجب من أصحاب الكهف قتلي وحملي(عليهم السلام)(6).

عن عليّ بن الحسين زين العابدين أنّه قال: (عليه السلام)لمّا أُتي برأس الحسين (عليه السلام) إلى يزيد كان يتّخذ مـجالس الشرب، ويأتي برأس الحسين فيضعه بين يديه ويشرب عليه، فحضر ذات يوم أحد مـجالسه رسول ملك الروم، وكان من أشراف الروم وعظمائها فقال: يا ملك العرب رأس من هذا؟ فقال له يزيد: مالك ولهذا الرأس؟ قال: إني إذا رجعت إلى ملكنا يسألني عن كل شيء رأيته، فأحببت أن أخبره بقصة هذا الرأس وصاحبه، فقال يزيد: رأس الحسين بن علي بن أبي طالب، فقال: ومن أُمّه؟ قال: فاطمة الزهراء. قال: بنت من؟ قال: بنت رسول الله فقال الرسول: أف لك ولدينك، ما دين أخسّ من دينك، اعلم أنّي من أحفاد داود وبيني وبينه آباء كثيرة والنصارى يعظّموني، ويأخذون التراب من تحت قدمي تبركاً؛ لأني من أحفاد داود، وأنتم تقتلون ابن بنت رسول الله وما بينه وبين رسول الله إلاّ أُمّ واحدة، فأي دين هذا؟

ثمّ قال له الرسول: يا يزيد، هل سمعت بحديث كنيسة الحافر؟ فقال يزيد: قل حتى اسمع، فقال: إنّ بين عمان والصين بحراً مسيرته سنة ليس فيه عمران إلاّ بلدة واحدة في وسط الماء طولها ثمانون فرسخاً وعرضها كذلك، وما على وجه الأرض بلدة أكبر منها، ومنها يحمل الكافور والياقوت والعنبر وأشجار العود، وهي في أيدي النصارى لا ملك لأحد فيها من الملوك، وفي تلك البلدة كنائس كثيرة، أعظمها كنيسة الحافر في مـحرابها حقّة من ذهب معلّقة فيها حافر يقولون: إنّه حافر حمار كان يركبه عيسى، وقد زُيّنت حوالي الحقة بالذهب والجواهر والديباج والابرسيم، وفي كل عام يقصدها عالم من النصارى، فيطوفون حول الحقة ويزورونها ويقبّلونها ويرفعون حوائجهم إلى الله ببركتها، هذا شأنهم ودأبهم بحافر حمار يزعمون انه حافر حمار كان يركبه عيسى نبيهم، وأنتم تقتلون ابن بنت نبيكم، لا بارك الله فيكم ولا في دينكم.

فقال يزيد لأصحابه: اقتلوا هذا النصراني، فإنّه يفضحنا إن رجع إلى بلاده، ويشنع علينا، فلما أحسّ النصراني بالقتل قال يا يزيد: أتريد قتلي؟!

قال نعم.

قال: فاعلم أنّي رأيت البارحة نبيكم في منامي وهو يقول لي: يا نصراني أنت من أهل الجنة. فعجبت من كلامه حتى نالني هذا، فأنا أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأن مـحمداً عبده ورسوله، ثمّ أخذ الـرأس وضـمّه إليـه، وجـعل يبكي حتى قتل(عليهم السلام)(7).

روي أنّه كان في مـجلس يزيد هذا حبر من أحبار اليهود فقال: يا أمير المؤمنين، من هذا الغلام؟ قال: علي بن الحسين. قال: فمن الحسين؟ قال: ابن عليّ بن أبي طالب. قال: فمن أُمّه. قال: فاطمة بنت مـحمّد، فقال له الحبر: يا سبحان الله! فهذا ابن بنت نبيّكم قتلتموه في هذه السرعة، بئسما خلفتموه في ذرّيّته، فو الله لو ترك نبيّنا موسى بن عمران فينا سبطاً لظننت أنا كنا نعبده من دون ربنا، وأنتم فارقتم نبيكم بالأمس فوثبتم على ابنه وقتلتموه، سوأة لكم من أُمّة، فأمر يزيد به فوجئ بحلقه ثلاثاً، فقام الحبر وهو يقول: إن شئتم فاقتلوني، وإن شئتم فذروني، إني أجد في التوراة: من قتل ذريّة نبي فلا يزال ملعوناً أبداً ما بقي، فإذا مات أصلاه اللهُ نار جهنّم.

قال بعض العلماء: إن اليهود حرموا الشجرة التي كان منها عصا موسى أن يخبطوا بها، وإن يوقدوا منها النار، تعظيماً لعصا موسى، وإن النصارى يسجدون للصليب لاعتقادهم فيه أنه من جنس العود الذي صلب عليه عيسى، وان المجوس يعظمون النار لاعتقادهم فيها إنها صارت برداً وسلاماً على إبراهيم بنفسها، وهذه الأمة قد قتلت أبناء نبيها، وقد أوصى الله تعالى بمودتهم ومولاتهم، فقال عزَّ من قائل: >قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى<(8).

وخرج علي بن الحسين ذات يوم فجعل يمشي في سوق دمشق فاستقبله المنهال بن عمرو الضبابي فقال: (صلى الله عليه وآله وسلم)كيف أمسيت يا بن رسول الله؟ فقال: أمسيت -  والله -  كبني إسرائيل في آل فرعون، يُذبِّحون أبناءهم، ويستحيون نساءهم، يا منهال أمست العرب تفتخر على العجم بأن مـحمداً (صلى الله عليه وآله وسلم) عربي، وأمست قريش تفتخر على سائر العرب بأنّ مـحمداً قرشي منها، وأمسينا آل بيت مـحمد ونحن مغصوبون مظلومون مقهورون مقتولون مشردون مطرودون، فإنا لله وإنا إليه راجعون على ما أمسينا يا منهال(عليهم السلام)(9).


 

1- مقتل الحسين لأبي مـخنف: ص 202.

2- الجالوت: الجالية من اليهود أي الذين جلوا عن أوطانهم ببيت المقدس، ورأس الجالوت: رئيسهم، وكان من ولد داود (عليه السلام)؛ العقد الفريد: ج 4 ص 351.

3- العقد الفريد: ج 4 ص 351؛ جواهر العقدين في فضل الشرفين: ص 414.

4- تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 236 ح 3545؛ سير أعلام النبلاء: ج 4 ص426 رقم: 270.

5- سورة الكهف: الآية 9.

6- الخصائص الكبرى: ج 2 ص 127.

7- مقتل الحسين للخوارزمي: ج 2 ص 72؛ الصواعق المحرقة: ص 198؛ جواهر العقدين في فضل الشرفين: ص 413.

8- سورة الشورى: الآية 23. مقتل الحسين للخوارزمي: ج 2 ص 101.

9- مقتل الحسين للخوارزمي: ج 2 ص 71 .

جزاء من قتل الحسين(عليه السلام)

 

إن من صفات الله تعالى العدل فلذلك جَعل يومَ المعاد يوماً للجزاء ولإحقاق الحق وإن الله تعالى يمهل ولا يهمل فإن لم ينتقم لعباده الصلحاء في دار الدُنيا فهو مقتص لهم من خصومهم في الآخرةِ وأنه ناصرٌ مؤيَد لعبادهِ الصالحين. فقد روي أن قومَ نبي الله صالح قد عقروا ناقته فأنزل الله عذابه الرباني عليهم بعد ثلاثة أيام (فعقروها فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعدٌ غير مكذوب)(1).

عقروا ناقة نبيه فأنزل غضبه عليهم منتصراً لنبيه، فكيف لا ينصرُ مَن يُنبري للثأر من قتله أولاد الأنبياء والأوصياء.. وهو ينتقمُ لمِن ضحى بدمه وآل بيته وأولاده من أجل بسط شريعة الله على الأرض والحكمُ بدستوره.. إن الله غضب للإمام الحسين فكسفت الشمس لمصرعه ومطرت السماء دماً عبيطاً... وكادت الأرض أن تميدَ بأهلها واشتد غضبه على البغاة العصاة يوم رفعوا رؤوس آل البيت على أسنة الرماح يطوفون بهم البلدان وسبي بنات وحفيدات المصطفى نكاية بآل مـحمد الذي هدم أصنامهم وقتل رجالهم العتاة البغاة الخارجين عن إرادة السماء.

عن السُّدِّي قال: أتيت كربلاء لأبيع التمر بها، فعمل لنا شيخ من طيّء طعاماً، فتعشّينا عنده، فذكرنا قتل الحسين، فقلت: ما شَرِكَ أحدٌ في قتل الحسين إلاّ مات بأسوأ ميتَة. قال: ما أكذبكم يا أهل العراق! أنا ممَّن شَرِكَ في ذلك. فلم يبرح حتى دنا من المصباح وهو متَّقد بنفط، فذهب يُخرج الفتيلة بأصبعه، فأخذتِ النارُ فيها، فذهب يُطفئها بريقه، فأخذت النار في لحيته، فغدا فألقى نفسه في الماء، فرأيته كأنَّه حُمَمَة(2)

وعـن أبـي رجاء العطـاردي أنـه كـان يقول: لا تسبُّوا علياً ولا أهل بيــت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، إن جاراً لنا من بني الـهُجيـم قـدم مـن الكـوفة فـقـال: ألـمْ تَروْا هذا الفاسق ابن الفاسق، إن الله قتله -  يعني الحسين رضي الله عـنه - فرماهُ الله بكوكبين في عينيه، وطمس الله بصره. قال: أبو رجاء: فأنا رأيته - لعنه الله - (3).

وعن هشام بن الكلبي عن أبيه قال: كان رجل يقال له: زُرْعة، شهد قتل الحسين، فرمى الحسينَ بسهم فأصاب حنكَه، وكان الحسين دعا بماء ليشرب، فرماه، فحال بينه وبين الماء، فقال: اللهم أظِمئْه. قال: فحدثني مَنْ شهد موته وهو يصيح من الحرِّ في بطنه ومن البرد في ظهره، وبين يديه الثلج والمراوح، وهو يقول: اسْقُوني، أهلكَني العطش، فيؤتى بالعُسِّ العظيم فيه السويق والماء واللبن، لو شربه خمسة لكفاهم، فيشربه ثم يعود فيقول: اسقوني، أهلكني العطش. قال: فانقَدَّ بطنُه كانقداد البعير(4).

عن أبي مـحمد الهلالي قال: شرك منا رجلان في دم الحسين بن علي (رضـي الله عنـهما) فـأما أحـدهما فـابتلي بـالعطش فكان لو شرب راويةً ما رَوِىَ...(5).

وعن أبي زُرْعة بسنده قال: جاء رجل يبشر الناس بقتل الحسين، فرأيته أعمى يقاد(6).

قال الحجاج: من كان له بلاء فليقم، فقام قوم يذكروا، وقام سنان بن أنس فقال: أنا قاتل حسين، فقال: بلاء حسن، ورجع إلى منزله، فاعُتقل لسانه وذهب عقله، فكان يأكل ويحدث في مكانه(7).

وقال الأعمش: أحدث رجل من أهل الشام على قبر الحسين بن عليّ، فأبرص من ساعته(8).

وعنه أيضاً قال: تغوط رجل من بني أسد على قبر الحسين بن علي، قال: فأصاب أهل ذلك البيت خبل وجنون وجُذام ومرض وفقر(9).

وروى سبط بن الجوزي: أن شخصاً علّق رأس الحسين (عليه السلام) في لبب فرسه فرؤي بعدَ أيام ووجهه أشد سواداً من القار، ومات على أقبح حالة. ويقال: إن رجلاً أنكر ذلك، فوثبت النار على جسده، فحرقته.

وعن الزهري أنّه لم يبق أحد ممّن قتل الحسين إلاّ عوقب في الدنيا قبل الآخر، أما بالقتل أو سواد الوجه أو تغيير الخلقة، أو زوال الملك في مدة يسيرة(10).


1- سورة هود: الآية 65.

2- سير أعلام النبلاء: ج 4 ص 425 رقم:270؛ تاريخ مدينة دمق: ج 14 ص 231،ص 234 ح 3545؛ ذخائر العقبى: ص 248؛ تهذيب الكمال: ج 6 ص 436؛ كفاية الطالب: ص 393؛ بغية الطلب: ج 6 ص 2641.

3- سير أعلام النبلاء: ج 4 ص 425 رقم: 270؛ ذخائر العقبى: ص 248؛ تهذيب الكمال: ج 6 ص 436، وفيه: (صلى الله عليه وآله وسلم)بلهجيم بدل: الهجيم؛ كفاية الطالب: ص 400؛ بغية الطلب: ج 6 ص 2642؛ تاريخ الخلفاء ص 207.

4- ذخائر العقبى: ج 246؛ سير أعلام النبلاء: ج 4 ص 424، وفيه: (صلى الله عليه وآله وسلم)ظَمِّئه بدل أظِمئْه؛ تهذيب الكمال: ج 6 ص 430؛ كفاية الطالب: ص 391؛ بغية الطلب: ج 6 ص 2620.

5- ذخائر العقبى: ص 247؛ تهذيب الكمال: ج 6 ص 438؛ بغية الطلب: ج 6 ص 2621.

6- تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 227 ح 3545؛ تهذيب الكمال: ج 6 ص 433.

7- تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 231 و234 ح 3545.

8- تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 244 ح 3547؛ تهذيب الكمال: ج 6 ص 444.

9- تاريخ مدينة دمشق: ص 244 ح 3547؛ تهذيب الكمال: ج 6 ص 444.

10- نور الأبصار: ص 233.

زيارة قبر الحسين(عليه السلام)

 

زيارة قبور الشهداء والأولياء والعظماء والأنبياء والخلفاء والعلماء والمصلحين عملٌ مـحبوبُ عقلاً وشرعاً؛ لأنّ تقديس العظماء والأبطال بعد موتهم نزعة فطريّة وسنّة عقلائيّة سائدة في كل أنحاء العالم وبين جميع الأُمم والشعوب على مـختلف المستويات منذ أقدم العصور، فمنذ عصر حمورابي وإلى هذا اليوم ينصبون التماثيل والنصب التذكارية في الساحات كالجندي المجهول الذي يرمز إلى التضحية والفداء، وحتى الشعوب غير المسلمة تنحت التماثيل لرجالها الصالحين والمصلحين في الساحات العامة؛ وذلك تكريماً لهم، وزيارة الملوك والرؤساء والقادة ووضــع أكلــيل الــزهور عــلى قبورهم، تعظيماً لهم.

فحرمة الإنسان ميتاً كحرمته حياً كما وردَ في الحديث الشريف قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): حرمة المسلم ميتاً كحرمته حياً سويا(عليهم السلام)(1).

ومن ذلك الحديث النبوي نستنبط أن للأمواتِ حقّ الزيارة علينا مثلما كانوا أحياءً يرزقون فقد جُبلت البشرية على ذلك وقد وردت أحاديث نبويّة تحثُ على زيارتهم فالأموات ينتظرون منّا الصدقة والعمل الصالح والعلم الذي ينتفعُ به وزيارتهم وقراءة الفاتحة ترحماً على أرواحهم يعتبرُ عملاً صالحاً.. نكافأُ عليه بالأجر والثواب. فلِمَ لا نقتفي الأثرَ في حصاد الفضائل ومنها زيارة الأولياء الصالحين.

والأُمّة الإسلامية تمتلك رصيداً كبيراً من عمالقة الدنيا وأفذاذ التاريخ وعظماء الرجال تمجّدهم، وتستعيد ذكرياتهم، وتقف على مراقدهم وقفة المستلهم لمعاني الخير وروح البطولة والعطاء. فإذا كانت زيارة قبور العظماء والأبطال وأضرحة الشهداء سيرة عقلائيّة وسنّة نبويّة لا تخص قوماً أو أُمّة فلا يلام أتباع مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) عندما يزورون أئمتهم، بالأخصّ رمز الإنسانية والحريّة والإباء سبط هذه الأُمّة وسيد شباب أهل الجنّة الحسين بن علي (عليه السلام)، وهو أبو الأحرار وقدوة الأبطال والمثل الأعلى؛ لذا نرى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته (عليهم السلام) يشيرون في أحاديثهم إلى زيارة القبور لما فيها من آثار تربويّة واجتماعية. وقد ذكر العلاّمة الأميني في كتابه (الغدير: ج 5 ص 93) عشرات المصادر من صحاح المسلمين ومسانيدهم تؤكّد شرعية زيارة القبور، ونحن نشير إلى بعضها:

عن ابن عمر قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (عليه السلام)من زار قبري، وجبت له شفاعتي(عليه السلام)(2).

وعنه أيضاً: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (عليه السلام)من حجّ فزار قبري بعد موتي كان كمن زارني في حياتي(عليهم السلام)(3).

وقال سليمان بن سحيم رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في النوم فقلت: يا رسول الله هؤلاء الذين يأتونك ويسلمون عليك أتفقه سلامهم؟ قال: (عليه السلام)نعم. وأرد عليهم(عليه السلام)(4).

عن أبي هريرة قال: زار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قبر أمه، فبكى وأبكى من حَوْلَهُ(5).

عن جعفر بن مـحمد بن أبيه: (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّ فاطمة بنت مـحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) كانت تزور قبر عمّها حمزة في الأيّام فتصلّي وتبكي عنده(عليهم السلام)(6).

وقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : (عليه السلام)من زار قبر والديه أو أحدهما في كل جمعةٍ غفر له وكتب برّاً(عليه السلام)(7).

قال ابن أبي مليكة: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) (عليه السلام)زوروا موتاكم، وسلّموا عليهم، وصلّوا عليهم، فإن لكم فيهم عبرة(عليه السلام)(8).

وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (عليه السلام)ما الميت في قبره إلا كالغريق المتغوّث، ينتظر دعوة تلحقه من أبيه أو أخيه أو صديق له، فإذا لحقته كان أحبّ إليه من الدنيا وما فيها(عليه السلام)(9).

وأردف الغزالي في كتابه: زيارة القبور مستحبّة على الجملة للتذكر والاعتبار، وزيارة قبور الصالحين مستحبّة لأجل التبرك مع الاعتبار(10).

عن ابن بُريدة، عن أبيه قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يُعلِّمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقولوا: (صلى الله عليه وآله وسلم)السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون، وأنتم لنا فرط، ونحن لكم تبعاً، نسأل الله لنا ولكم العافية(عليهم السلام)(11).

عن عائشة أنّها قالت: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كلما كان ليلتها من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يخرج من آخر الليل إلى البقيع، فيقول: (صلى الله عليه وآله وسلم)السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وأَتاكم ما تُوعدون غداً مؤجَّلون، وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد(عليهم السلام)(12).

ونحن نقتدي برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو أعظم قدوة لنا؛ والتاريخ يشهد بأنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يزور قبور البقيع وشهداء أُحد، بل يحث المسلمين على زيارة القبور من أجل العظة والعبرة. هذه الخصوصية لمجرد أنّه يحمل هوية مسلم، فكيف بالحسين (عليه السلام) وهو ابن أوّل من أسلم، وقد أسلم كثيراً من الناس ببركة ثورته الإنسانية بواقعة الطف، وهو سيد الشهداء وسبط رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأبو الأئمة أبو عبد الله الحسين بن علي (عليه السلام)، ويكفينا قول جده رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (عليه السلام)حسين مني وأنا من حسين(عليه السلام). فزيارة الحسين (عليه السلام) هو زيارة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وشفاعة الحسين (عليه السلام) هو شفاعة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، لأنه بضعته (صلى الله عليه وآله وسلم).

من الروايات التي أشارت إلى زيارة قبر الحسين (عليه السلام) منها:

عن أبي الحسن علي بن موسى الرضا عن آبائه (عليهم السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): كأني بالقصور قد شيدتْ حول قبر الحسين، ولا تذهب الأيام والليالي حتى يسار إليه من الآفاق، وذلك عند انقطاع ملك بني مروان(عليه السلام)(13).

سئل جعفر بن مـحمد، عن زيارة قبر الحسين. فقال: أخبرني أبي قال: من زار قبر الحسين بن علي (عليهما السلام) عارفاً بحقه كتبه الله في عليّين، ثمّ قال: إن حول قبره سبعين ألف ملك شعثاً غبرا يبكون عليه إلى أن تقوم الساعة(14).

عـن أنـس بـن مالك قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (عليه السلام)إن موسى بن عمــران سأل ربه عز وجل زيارة قبر الحسين بن علي، فزاره في سبعين ألف من الملائكة(عليه السلام)(15).

عن عطية العوفي قال: خرجت مع جابر بن عبد الله الأنصاري زائراً قبر الحسين بن علي فلما وردنا كربلاء، دنا جابر من شاطئ الفرات، فاغتسل، ثمّ اتزر بإزار وارتدى بآخر، ثمّ فتح صرّة فيها سعد فنثره على بدنه، ثمّ إنّه لم يخط خطوة إلاّ ذكر فيها الله تعالى حتى إذا دنا من القبر قال: المسنيه يا عطية، فألمسته، فخر على القبر مغشياً عليه، فرششت عليه شيئاً من الماء، أفاق قال: يا حسين، يا حسين، يا حسين، ثلاثاً، ثمّ قال: حبيب لا يجيب حبيبه، وأنّى لك بالجواب وقد شخبت أوداجك على أثباجك، وفرّق بين رأسك وبدنك، فأشهد أنك ابن خاتم النبيين، وابن سيد الوصيّين، وحليف التقى، وسليل الهدى، وخامس أصحاب الكساء وابن سيد النقباء، وابن فاطمة سيدة النساء...

قال عطية: ثمّ جال ببصره حول القبر فقال: السلام عليكم أيتّها الأرواح الطيبة التي بفناء الحسين أناخت برحله، أشهد أنكم قد أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وأمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر وعبدتم الله حتى أتاكم اليقين(16).

فزيارة الحسين (عليه السلام) لها الخصوصيّة المتميّزة، فعند وقوفك أمام ضريحه المقدّس بكلّ خشوع واحترام تأخذك الهيبة، وتشدّك بالدين الحنيف، حيث تتجسد أمامك رسالة الأنبياء، ومواقفهم الرساليّة، ومواجهتهم لفراعنة عصرهم، ووقوفك أمام ضريحه المقدس سرعان ما ينقلك إلى عصر النبوّة والرسالة، عصر جبرائيل، عصر نزول القرآن، عصر إسلام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وبوقوفك أمام ضريحه المقدّس تستلهم منه الشجاعة والشهامة والبطولة والإباء، ووقوفك أمام ضريحه المقدس يذكّرك بفرعون عصره يزيد بن معاوية، يزيد الخمر والفجور، ذلك الذي رفع لواء جاهلية جدّه أبو سفيان، جاهلية ملؤها القساوة والأنانية والعصبية العمياء والحقد لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته الطاهرين (عليهم السلام).

نعم سيدي يا أبا عبد الله موقفك يذكّرني بموقف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أمام فرعون عصره أبي سفيان، حيث أصبح هو وأحفاده لعنة التاريخ، ولازالت لعنة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) سُنّة جارية إلى هذا اليوم تأخذ مـجراها، كما نصَّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ذلك في أحاديثه. منها:

ما ذكره الطبري في تاريخه: قد رأى (صلى الله عليه وآله وسلم) أبا سفيان مقبلاً على حمار، ومعاوية يقود به، ويزيد ابنه يسوق به. قال (صلى الله عليه وآله وسلم): (عليه السلام)لعن الله القائد والراكب والسائق(عليه السلام)(17).

وعن البراء بن عازب قال: أقبل أبو سفيان ومعه معاوية. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (عليه السلام)اللَّهُمّ العن التابع والمتبوع، اللَّهُمّ عليك بالأُقيعس(عليه السلام) فقال ابن البراء لأبيه: من الأُقيعِس؟ قال: معاوية. وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (عليه السلام)إذا رأيتم معاوية يخطب على منبري، فاقتلوه(عليه السلام). قال أبو سعيد الخدري: فلم نفعل ولم نفلح(18).

عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (صلى الله عليه وآله وسلم)إذا رأيتم معاوية بن أبي سفيان يخطب على منبري فاضربوا عنقه(عليهم السلام). قال: الحسين فما فعلوا ولا أفلحوا.

عن ابن قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (صلى الله عليه وآله وسلم)يموت معاوية على غير الإسلام(عليهم السلام).

عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (صلى الله عليه وآله وسلم)يموت معاوية على غير مِلَّتي(عليهم السلام)(19).

سيدي -  أبا عبد الله -  بقتلك استقام دين جدك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وبزيارتك يا سيدي ثبتت أركان العقيدة، وبزيارتك سيدي معانٍ جسام، فبها نتحدّى الباطل والمنكر، وهذا ما يخشاه كل ظالمٍ وطاغٍ وسفّاك، فزيارتك سيدي تذكّرنا بعظمة الله تعالى، بل بتقرّبك إليه سبحانه وتعالى.

أما كيفية زيارة الإمام الباقر (عليه السلام) لجده الإمام الحسين بن علي (عليهما السلام) نشير إلى مقتطفات من زيارته (عليه السلام) مراعاةً للاختصار:

عن مـحمد بن علي (عليهما السلام) قال: فإذا أتيت قبر أبي عبد الله -  يعين الحسين بن علي (عليهما السلام) -  فاغتسل من الفرات موضع الدالية، ثم إئت وعليك السكينة والوقار حتى تنتهي إلى باب الحير، ثمَّ قل:

(بسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

السلام عليك يا أبا عبد الله ورحمك الله يا أبا عبد الله، ولعن الله من قتلك وانتهك حرمتك، أشهد أنّ الذين خالفوك وحاربوك وقتلوك ملعونون على لسان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

والسلام عليك وعلى أبيك وأمك، وأشهد أنك قد بلغت من الله ما أمرت به، ولم تخشى أحداً غيره، وعبدته حتى أتاك اليقين.

أشهد أنكم كلمة التقوى، وأبواب الهدى، والعروة الوثقى، والحجة على من بقي ومن تحت الثرى.

اللهمَّ العن الذين بدّلوا دينك، واتهموا رسولك، وصدّوا عن سبيلك، ورغبوا عن أمرك.

أشهد أنك قد أقمت الصلاة، وآتيت الزكاة، وأمرت بالمعروف، ونهيت عن المنكر، وتلوت القرآن حقّ تلاوته.

السلام على ملائكة الله المقرَّبين، السلام على أنبياء الله المرسلين، الذين هم في خلقه مقيمين.

اللهمَّ صلِّ على مـحمد وعلى آل مـحمد ولا تجعله آخر العهد من زيارة قبر وليّك وابن رسولك وصلى الله عليه وعلى آله ورحمة الله وبركاته(20).

فسلام عليك يوم ولدت ويوم استشهدت ويوم تُبعث حَيَّا. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


1- تهذيب الأحكام: ج 1 ص 419 ح 43.

2- سنن الدارقطني: ج 2 ص 278، باب المواقيت؛ إحياء علوم الدين: ج 4 ص 490؛ الوفا بأحوال المصطفى: ص 817 ح 1530.

3- السنن الكبرى: ج 5 ص 245؛ باب زيارة قبر النبي 2؛ سنن الدار قطني: ج 2 ص 278 وفيه (صلى الله عليه وآله وسلم)وفاتي بدل موتي؛ الوفا بأحوال المصطفى: ص 816 ح 1529.

4- إحياء علوم الدين: ج 4 ص 490.

5- صحيح مسلم: ج 2 ص 365 ح 976، باب استئذان النبي 2 ربّه عزّ وجلَّ في زيارة قبر أُمّه.

6- إحياء علوم الدين: ج 4 ص 490 وص 491.

7- المصدر نفسه.

8- المصدر نفسه.

9- إحياء علوم الدين: ج 4 ص 490 وص 491.

10- إحياء علوم الدين: ج 4 ص 490.

11- السنن الكبرى، للبيهقي: ج 4 ص 79؛ صحيح مسلم: ج 2 ص 365 ح 975.

12- صحيح مسلم: ج 2 ص 363 ح 974، باب ما يقال عند دخول القبور والدعاء لأهلها. بقيع الغرقد: مقبرة لأهل المدينة سميت بذلك لغرقد كان فيه وهو ما عظم من العوسج، لسان العرب: ج 3 ص 325، غرقد. وإطلاق لفظ الأهل على ساكن المكان من حي وميت؛ السنن الكبرى: ج 4 ص 79.

13- مقتل الحسين للخوارزمي: ج 2 ص 166.

14- فرائد السمطين: ج 2 ص 174 ح 461؛ ذخائر العقبى: ص 151؛ مقتل الحسين للخوارزمي: ج 2 ص 169.

15- مقتل الحسين للخوارزمي: ج 2 ص 169.

16- المصدر نفسه: ص 167.

17- تاريخ الطبري: ج 5 ص 622.

18- النصائح الكافية: ص 72؛ وقعة صفين: ص 217، انظر كتاب الفتوح: ج 5 ص 24: أقبل الحسين على مروان وقال: ويحك أتأمرني ببيعة يزيد وهو رجل فاسق! لقد قلت شططاً من القول يا عظيم الزلل لا ألومك على قولك لأنك اللعين الذي لعنك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأنت في صلب أبيك الحكم بن أبي العاص، فإن من لعنه رسول الله 2 لا يمكن له ولا منه إلاّ أن يدعو إلى بيعة يزيد ثم قال:إليك عني يا عدو الله فإنّا أهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والحقّ فينا، وبالحق تنطق ألسنتنا، وقد سمعت جدّي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: (صلى الله عليه وآله وسلم)الخلافة محرّمة على آل أبي سفيان، وعلى الطلقاء أبناء الطلقاء، فإذا رأيتم معاوية على منبري فافقروا بطنه، فوالله لقد رآه أهل المدينة على منبر جدّي فلم يفعلوا ما أُمروا به، قاتلهم الله بابنه يزيد، زاده الله في النار عذاباً.

19- وقعة صفين: ص 216 - 218.

20- فرائد السمطين: ج 2 ص 175 ح 462.

مقتطفات من قصيدة للشاعر الشهير السيد حيدر الحليّ

كفاني ضنى أن أرى في الحسين
فأغضبت الله في قتلـه
عشية أنهضها بغيها
بجمع من الأرض سدّ الفروج
وسامته يركب أحدى اثنتين
وأما يرى مذعناً أو تموت
فقال لها اعتصمي بالإبا
إذا لم تجد غير لبس الهوان
رأى القتلَ صبراً شعار الكرام
فشَّمَر للحرب عن معركٍ
تزيد الطلاقة في وجهه
ولمّا قضى للعلا حقّها
ترجل للموت عن سابق
عفيراً متى عاينته الكماة
فما أجلت الحرب عن مثله
تريب المحيا تظنّ السما
غريباً أرى يا غريب الطفوف
اتقضى فداك حشى العالمين
ألست زعيم بني غالب

 

 

شفت آل مروان أضغانهـا
وأرضت بذلك شيطانهـا
فجاءته تركب طغيانها
فغطى النجود وغيطانها
وقد صرت الحرب أسنانها
نفسٌ أبى العزّ إذعانها
فنفس الأبيّ وما زانها
فبالموت تنزع جثمانها
وفخراً يُزيّن لها شأنها
به عَرَك الموت فرسانها
إذا غيّر الخوف ألوانها
وشيّد بالسيف بنيانها
له أخلت الخيل ميدانها
يختطف الرعب ألوانها
صريعاً يجبن شجعانها
بأنّ على الأرض كيوانها
توسّد خدّك كثبانها
خميص الحشاشة ظمئانها
ومطعام فهر ومطعانها([1])

 

 

 

مقتطفات من ملحمة الغدير لشاعر المسيحيّة بولس سلامة

وقف الظامئ الحسين ونادى
 

 

يا جنود العراق عُرا كلماتي
 

أوَليس الرسول جدِّي، وأُمّي
 

 

خير بنتِ وأطهر الزوجات
 

وأسمها يُمْن كلّ فاطمة في الأر
 

 

ض تأتي في الأعصر المقبلات
 

أُمّها جدّتي خديجة كانت
 

 

وردة المشرقين في السيّدات
 

بيتها مهبط النبوّة، إذ جبريـ
 

 

ـل يأتي بالوحي والآيات
 

شهدت للرسول والجوّ خنَّـ
 

 

ـاقٌ فكانت باكورة المسلمات
 

أوَليس الضرغام حمزة عمّي
 

 

أسد الله كاشف الكربات
 

كفّه ما تشاء سمر العوالي
 

 

  قلبه للسماح والمكرمات
 

أوَلستُ الحسين نجل عليّ
 

 

وعليٌّ أُنشودة للحداة
 

يذكرون اسمه فتخشع أُسد البيـ
 

 

ـد، من هيبةٍ لذاك الرفات
 

أعلم الناس، أطهر الناس كفّاً
 

 

وأعزُّ الفرسان في الصهوات
 

أوّل المسلمين يحمل بند الحمـ
 

 

ـد، يومَ الأشرار في الغمرات
 

يمنع الحوض غب هولٍ وحشر
 

 

يوم تأتي النفوس مبتردات
 

وهو مولى لكلّ من قال هيّا
 

 

لفلاحٍ، ومن دعا لصلاة
 

أيّ شيء أنتم فلولا جدودي
 

 

ما عرفتم (منى) ولا (عرفات)
 

ليس غيري في الأرض سبط
 

 

نبي فلماذا تطفون نور الهداة
 

كذّبوني إذا قدرتم، فنور الشمـ
 

 

ـس دون الوضاء من بيّناتي([2])
 

 

 

مقتطفات من القصيدة العينية للشاعر الكبير مـحمد مهدي الجواهري

فِداءٌ لمَثواكَ مِنْ مَضجعِ
بأعبقَ من نَفَحاتِ الجِنا
ورَعياً ليَومِكَ يومِ (الطُفوفِ)
وحُزناً عليكَ بِحَبسِ النُفوسِ
وصَوناً لمجدِك مِنْ أن يُنال
تعاليتَ من مُفزِعٍ للحتُوفِ
شَمَمتُ ثَراكَ فَهَبَّ النسيمُ
وعفّرتُ خدّي بحَيثُ استرا
وخِلتُ وقد طارَتِ الذّكرَياتُ
وطُفْتُ بِقَبْركَ طَوْفَ الخَيالِ
كأنَّ يَداً من وَراءِ الضّريـ
تَمُدُّ إلى عَالَمٍ بالخُنو
لتُبدِلَ مِنهُ جَديبَ الضّميرِ
ويا بنَ التي لم يَضَعْ مِثلُها
ويابنَ البطـين بِلا بِطنَةٍ
ويا غُصْنَ (هاشم) لم يَنفَتِحْ
تَمَثّلتُ (يَومَكَ) في خاطِري
وجدّتُكَ في صُورةٍ لم أُرَعْ
 وأن تُطعِمَ المَوتَ خَيْرَ البنينَ

 

تَنوَّوَ بالأبلجِ الأروَع
نِ رَوحاً، ومن مِسكها أضوَعِ
وسقياً لأرضِكَ مِن مَصْرَعِ
على نهجِكَ النيِّرِ المَهيَعِ
بما أنتَ تأباهُ مِنْ مُبدَعِ
وبُورِكَ قَبرُكَ مِن مَفزَعِ
نَسيمُ الكَرامةِ مِن بلقَعِ
حَ خَدٌّ تَفَرَّى ولمْ يَضْرَعِ
بِروحِي إلى عالَمٍ أرْفَعِ
بِصَومَعَةِ المُلهِمِ المُبدعِ
ـحِ حَمراءَ (مَبْتُورَةَ الإصبِعِ
عِ والضّيمِ ذيِ شَرَقٍ مُترعِ
بآخَر مُعشوشِبٍ مُمرِعِ
كَمِثلِكَ حَملاً ولم يُرضعِ
ويابن الفَتَى الحاسِرِ الأنزَعِ
بأزهر مِنكَ ولم يُفرعِ
وَوَددتُ (صَوْتَك) في مَسمَعي
بأعظَمَ مِنها ولا أروعِ
 مِنَ (الأكهلين) إلى الرُّضَّعِ

 

وقال الفرزدق في الحسين (عليه السلام) : هذا الحسين بن فاطمة الزهراء بنت مـحمّد (عليهم السلام) هذا والله ابن خيرة الله، وأفضل من مشى على وجه الأرض بعد مـحمّد 2. ثمّ أنشد أبياتاً في مدح آل بيت رسول الله (عليهم السلام):

هذا الذي تعرف البطحاء وطأته
 

 

والبيت يعرفه والحل والحرمُ
 

هذا ابن خير عباد الله كلّهم
 

 

هذا التقي النقي الطاهر العلمُ
 

هذا حسين رسول الله والده
 

 

أمست بنور هداه تهتدي الأُممُ
 

هذا ابن فاطمة الزهراء عترتها
 

 

في جنة الخلد مـجريا بها القلمُ
 

إذا رأته قريش قال قائلها
 

 

إلى مكارم هذا ينتهي الكرمُ
 

يكاد يمسكه عرفان راحته
 

 

ركن الحطِيم إذا ما جاء يستلمُ
 

بكفّه خيزران ريحه عبق
 

 

بكف أروع في عرنينه شممُ
 

يغضى حياءً ويغضى من مهابته
 

 

فلا يكلّم إلاّ حين يبتسمُ
 

ينشقّ نور الدجى عن نور غرته
 

 

كالشمس تنجاب عن إشراقها الظلمُ
 

مشتقّة من رسول الله نبعته
 

 

طابت أرومته الخيم والشيم
 

إن عدّ أهل الندى كانوا أئمّتهم
 

 

أو قيل من خير أهل الأرض قيل هُمُ
 

لا يستطيع جواد بعد جودهم
 

 

ولا يدانيهم قوم وإن كرموا
 

فجدّه من قريش في أرومتها
 

 

مـحمّد وعليٌّ بعده عَلم([3])
 

 

 

وأنشد بعض الشعراء في الحسين بن علي (عليه السلام) ريحانة رسول ربّ العالمين

ولا البارد العذب الفرات أسيغه
 

 

ولا ظلّ يهنيني الغداة طعام
 

يقولون لي صبراً جميلاً وسلوة

 

ومالي إلى الصبر الجميل حرام
 

لقد هدَّ جسمي رزء آل مـحمّد
 

 

وتلك الرزايا والخطوب عظام
 

وأبكت جفوني بالفرات مصارع
 

 

لآل النبيّ المصطفى وعظام
 

عظام بأكناف الفرات زكيّة
 

 

لهنّ علينا حرمة وذمام
 

فكم حرّة مسبية فاطميّة
 

 

وكم من كريم قد علاه حُسام
 

لآل رسول الله صلّت عليهم
 

 

ملائكة بيض الوجوه كرام
 

أفاطم أشجاني بنوك ذووا العلا
 

 

فشبت وإنّي صادق لغلام
 

وأصبحت لا التذّطيب معيشة
 

 

كأنّ عليَّ الطيّبات حرام
 

وكيف اصطباري بعد آل مُـحمّد
 

 

وفي القلب منهم لوعة وسقام([4])
 

 

 

مقتطفات من القصيدة العينية للشاعر السيد مـحمد رضا القزويني

توارثتُ حُبَّكَ عبرَ الدموع

فأودعتُه في حنايا الضلوع

وما أنْ ذكرتُكَ بالوجدِ إلاَّ

وحرَّم ذِكرُك طيبَ الهجوم

فيا من ورِثتَ كيان الرسو

ل وسرَّ البتول وحبَّ الجموع

وأشرقتَ نوراً بعمقِ الزما

ن فهامَ الزّمانُ بذاك الطلوع

وألفاكَ طِفلاً بحجرِ النبيّ

فبأهى السماءَ بذاك الرضيع

يُحيط بجنبيهِ أهلُ الكساءِ

وكلٌّ يقبّلُهُ في خشوع

فهاجَ الملائكُ في بَهجة

وطافوا من العرش طوف الخضوع

وجبريلُ يهبط بالبُشريات

وفطرسُ يسأله عن شفيع

فناداه دونكَ مهدَ الحسين

تَنَلْ عنده بانفراجٍ سريع

فيا أيها المهد ماذا حويتَ

فأمَّلَهُ كلُّ قلب مروع

لقد عرفتكَ مَلاكُ السما

وما سوف تلقى بُعيد الشفيع

فقلبُ النبي سعيدٌ به

وبالحسن السبطِ زهيرِ الربيع

فنادى النبي وسمع الزما

ن يصيحُ له بين تلك الجموع

(إمامان قاما هما في الخطوب

وإن قعدا) عند أمرٍ فضيع

فيا من حملتَ جمالَ النبيِّ

وهيبةَ حيدرةٍ في الطلوع

ومنْ فاطم كلَّ معنى الجلالِ

وسراً تكامَنَ بين الضلوع

تقاسمتَ والمُجتبى في الحياة

دَورَيْن فازدهرا في الربوع

فذاك أتم له حجة

بصُلعٍ أميَّةَ غير خَنوع

بأن معاويةَ لم يُرِدْ

لهذي الرسالة غير النزوع

سوى أن يُحكَّمَ فوق الرقابِ

وإن فاضَ أنهارها بالنجيع

فيجتثَّ ما قد بناه الرسول

ويُرغمَ أصحابَهُ بالخضوع

فلما تراءى لدى المسلمين

وبانت جرائمهم للجميع

وإن يزيداً تولّى الزِمامَ

يُحيط به كل وغدٍ ضليع

نهضتَ على قِلَّةِ الناصرين

لتنقِذَ ديناً هوى للهجوع

وقدَّمت لله أبهى الوجوه

من الغرر الزهِر غيرَ جزوع

من الصَّحب لا مثلهم في الصحاب

عهدنا لموسى ولا في اليسوع

ولا عرفَ الدهرُ من عصبة

تسارع للموت سيرَ الولوع

وأبناك كلّ عَلٍ أشوسٍ

أطل عليهم كزهر طليع

فقدَّمتَهم كرماً للإله

ولم تُبقِ حتى دماء الرضيع

تراموا حواليك شُمَّ الأنوف

من كل أزهرَ شهمٍ صريع

فشيَّدتَ صرحك ترقى به

إلى العرش في خير سد منيع

فيا من أُصيبت به أمةٌ

بما لم تُصبه بأمرٍ فجيع

فقد قطَّعوا فيك قلبَ النبي

وداسوا لفاطمَ خيرَ الضلوع

وأنت تصارعُ حرَّ الظّما

وسيفاً علاك لوغد وضيع

سألتُ الملاكَ ملاكَ السماءِ

من الوافدين لمهد الرضيع

فهلاّ عرفتِ الحسيَن الذبيحَ

على الأرض ظلَّ برأس قطيع

ووعد الإله لآت لنا

ومهديُّنا عازم للطلوع

وثاراتنُا من دماء الحسين

وكلِّ شهيد بقتل فجيع

هنالك حيث يعود الحسين

يفوح لنا مثل زهر الربيع

 

([1])  رياض المدح والرثاء: ص 61.

([2])  عيد الغدير: ص 190.

([3])  كتاب الفتوح: ج 5 ص 126. ثم أقبل الفرزدق على ابن عمّه فقال: والله لقد قلت فيه هذه الأبيات غير متعرّض إلى معروفه غير أنّي أردت الله والدار الآخرة.

([4])  كفاية الطالب: ص 401؛ تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 260؛ وفيه: أنشدنا محمد بن الفضل الفُرَاوي قال: أنشدت لبعض الشعراء في مرثية الحسين بن علي (عليه السلام).

 

 
 
البرمجة والتصميم بواسطة : MWD