1439 / جمادی‌الآخرة / 4  |  2018 / 02 / 21         الزيارات : 570333         صلاة الصبح |         صلاة الظهر والعصر |         صلاة المغرب والعشاء |

اُصول الخطـابـة الحسينيّة

{ ضياء الساري }
اُصول الخطـابـة الحسينيّة

الصفحة (1)

 

اُصول الخطـابـة الحسينيّة

 

كيف تكون خطيباً ناجحاً ؟

تأليف : ضياء الساري


الصفحة (2)

هوية الكتاب

اسم الكتاب : ................................................. اُصول الخطابة الحسينيّة

اسم المؤلّف : ........................................................... ضياء الساري

الناشر : .......................................................................... المؤلّف

المطبعة : .......................................................................... علمية

الطبعة : ........................... الأولى / ربيع الثاني / 1423 هـ ـ 2002م

عدد المطبوع : .............................................................1000 نسخة

حقوق الطبع محفوظة للمؤلِّف


الصفحة (3)

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 


الصفحة (4)

الإهداء

إلى السيّدة الطاهرة التي آمنت وصدّقت بولاية أمير المؤمنين (عليه السّلام) وأوفت بأحسن الوفاء لها ، بأولادها الأربع الصالحين ، فاستحقت أن تكون أوّل الصادقين للولاية ، والنموذج الذي يُقتدى به . . .

إليكِ يا سيدتي اُمّ البنين اُقدّم هذا العمل المتواضع ، وأدعو الله أن يتقبّل بأحسن القبول .


الصفحة (5)

 

اللّهم كن لوليك الحجّة بن الحسن ، صلواتك عليه وعلى آبائه ، في هذه الساعة وفي كلّ ساعة ، وليّاً وحافظاً ،

وقائداً وناصراً ، ودليلاً وعيناً ، حتّى تسكنه أرضك طوعاً ، وتمتّعه فيها طويلاً ، برحمتك يا أرحم الراحمين .

 


الصفحة (6)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي علّم بالقلم ، علّم الإنسان ما لم يعلم ، والصلاة والسّلام على خيرته من خلقه محمّد وآله الأصفياء ، واللّعنة الدائمة على أعدائهم وظالميهم إلى يوم الجزاء .

وبعد ، فإنّ للنهضة الحسينيّة الإصلاحية أكبر الأثر في المحافظة على روح الإسلام ، وصون اُصوله وفروعه ، وقيمه ومُثُلِهِ ، وحقائقه ومسلّماته من الانحراف والتميّع ، فلولاها ـ والاُمور بالأسباب ـ لساد دين الاُمويّين ، وصارت بدعهم سنناً ، وأهواءهم قيماً ، ورموزهم وجهاء يُتَقَرّب إلى الله (عزّ وجلّ) ، ولبات الأبيض أسودَ ، والناقة جملاً ، واختلط الحابل بالنابل ، ولخرج الناس من النور أمواجاً ولدخلوا في الظلمات أفواجاً ، ولنُقض الغرض الذي لأجله بُعث خاتم النبيين ؛ وهو إخراج الناس من الظلمات إلى النور .

فكانت الصرخة الحسينيّة المدوّية : (( على الإسلام السّلام إذا بُليت الاُمّة براعٍ مثل يزيد )) ، فأتت على قواعد الاُمويّين ، وخرّ عليهم السقف من فوقهم ، وصارت أحلامهم كسرابٍ بقيعةٍ يحسبه الضمآن ماءً ، وما انجلت غبرة المعركة إلاّ وقد انتصر الدم على السيف .

قال الشاعر الموالي :

لمْ أدرِ أينَ رجالُ المسلمينَ مضوا       وكيفَ  صارَ  يزيدٌ  بينهمْ  ملكا

إلى أن يقول :


الصفحة (7)

قد أصبحَ الدينُ منهُ يشتكي سقماً       ومـا  إلى أحدٍ غيرِ الحسينِ شكا
فما رأى السبطُ للدّينِ الحنيفِ شفا      إلاّ  إذا دمـهُ فـي كـربلا سُفكا
بـقتلهِ  فـاحَ للإسلامِ نشرُ هدىً      فـكـلّما  ذكـرتهُ المسلمونَ ذكا

ثمّ حملوا مَنْ بقي من أهل البيت مع الأطفال والنساء ـ وهنّ بنات الرسول والرسالة ـ أسرى ، فساقوهم سوق الإماء ، وهم يعتبرون هذا ـ بزعمهم ـ تتمّة الانتصار ، وما أدروا ـ لا دروا ـ أنّهم إنّما يحملون على النوق الموطّدين والموطّدات ، والناشرين والناشرات لأهداف أبي عبد الله الحسين (عليه السّلام) .

فهذا الإمام علي بن الحسين (عليهما السلام) يقول في مجلس يزيد : (( أيّها الناس ، أنا ابن مكّة ومنى ، أنا ابن زمزم والصفا ، أنا ابن من حمل الركن بأطراف الردى . . . إلى أن قال : أنا ابن المرمّل بالدما ، أنا ابن ذبيح كربلاء ، أنا ابن من بكى عليه الجن في الظلماء ، وناحت عليه الطير في الهواء ))(1) .

وتلك العقيلة زينب (عليها السلام) تقول موبخّةً يزيد في مجلسه : فكد كيدك ، واسعَ سعيك ، وناصب جهدك ، فوالله لا تمحو ذكرنا ، ولا تميت وحينا ، ولا يرحض عنك عارها . وهل رأيك إلاّ فند ، وأيّامك إلاّ عدد ، وجمعك إلاّ بدد ، يوم ينادي المنادي ألا لعنة الله على الظالمين(2) .

وهكذا توالت الخطب في الكوفة ودمشق وما بينهما حتّى

ــــــــــــــ

(1) مقتل الحسين (عليه السّلام) ـ للمقرّم / 454 .
(2)
المصدر نفسه / 464 .


الصفحة (8)

انقلب السحر على الساحر ، وعرف الناس ما أخفاه يزيد عنهم ، وأنّ الذي قُتل في كربلاء هو الإمام الحسين (عليه السّلام) ريحانة رسول الله ، وأنّ هؤلاء الأُسارى هم أهل بيته لا خوارج كما كانوا يقولون ، فخاف يزيد انقلاب الأمر عليه فجعل الاعتذار والإحسان لأهل البيت ، وأُخرجوا من الشام إلى المدينة ، ولكنّهم حتّى بعد أن رجعوا إلى المدينة ما هدأت فورتهم ، ولا سكنت أنّتهم ، يبكون الإمام الحسين (عليه السّلام) ، ومَنْ استشهد معه .

فهذا الإمام السجّاد (عليه السّلام) ـ البكّاء ـ يمر بدور الشهداء ويبكي ، وينظر إلى الطعام والشراب ويبكي ، ويمشي في الأسواق وهو يبكي ، وهكذا النساء في مجالس العزاء والحزن ، حتّى روي أنّه ما اكتحلت علويّة وما تزيّنت حتّى قُتل ابن زياد .

ثمّ كان للشعراء والراثين بعد ذلك أبلغ الأثر في الإبقاء على حرارة الفاجعة ، بعد أن رغّبهم وحثّهم على ذلك أئمّة أهل البيت (عليهم السّلام) , حتّى جاء في الأثر : (( من قال فينا بيتاً من الشعر بنى الله له بيتاً في الجنّة )) .

فتسابق الشعراء في النظم وأكثروا منه ، حتّى صار أدبُ الطفّ وشعراء الحسين (عليه السّلام) من الكثرة بحيث لا يخلو منهم زمان أو مكان ، وأصبح البكاء والتباكي والتوجّع ، بل التفجّع عرفاً بين أهل الإيمان ، وهم الفئة التي عُرفت باتّباع أهل البيت (عليهم السّلام) ؛ فألّفت الكتب ، ودوّنت القصائد ، وتعددت المقاصد ، حتّى صار الراثي يقرأ على الناس ـ إضافةً إلى رثاء الإمام الحسين (عليه السّلام) ـ بعض


الصفحة (9)

الفضائل وأحاديث النبي وآله (عليهم السّلام) ، وهكذا إلى أن أصبح الرثاء يمارس بشكل مستمر حتّى أنّك لا تجد محفلاً يخلو منه .

وبهذا صار المنبر الحسيني الشريف بروّاده ركناً من أركان المجتمع الإسلامي لا يمكن بحال من الأحوال أن يُغفل أو يُتجاهل ؛ كيف ومنه يستمعون إلى الحديث والتأريخ ، والسيرة والأدب ، ويتعلّمون مسائل الحلال والحرام ، وينصتون إلى فضائل ومناقب النبي وآله (عليهم السّلام) ، ويأخذون كلّ ما به صلاح دينهم ودنياهم ، حتّى إن بعض المجتمعات الإسلاميّة تنحصر ثقافتهم الدينيّة بأعواد المنبر فحسب ؟

ومن هنا انبثقت الحاجة إلى تأسيس منهج واضح متكامل ، يتكفّل بتعبيد الطريق للناشئة من أهل المنبر ، وينقل ما في صدور الأساتذة الخطباء الكبار إلى السطور لتعمّ الفائدة .

والحقّ أنّ هذا الكتاب الذي بين يديك ـ عزيزي القارئ ـ اُصول الخطابة الحسينيّة خطوةٌ جيّدة جريئة في هذا الطريق ، قام بتأليفه أحد المعنيّين بالخطابة والتبليغ ، وأحد المتخرّجين الأوائل من معهد الإمامين الحسنين (عليهما السلام) ، وأحد الأساتذة الفضلاء الذين جمعوا بين الحوزة والجامعة ، ذاك هو الشيخ ضياء الساري (دام علاه) .

فنحن إذ نبارك له هذا الجهد الميمون النافع ،


الصفحة (10)

نلتمسه المزيد ممّا فيه حفظ العقيدة والمذهب ، وتقوية الشعائر ، وجلاء البصائر ، والحمد لله ربّ العالمين .

معهدُ الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للخطابة

26 من ذي القعدة الحرام 1422 هـ


الصفحة (11)

مقدّمة المؤلِّف

ضرورة المنهج في الخطابة

إنّ كلَّ أمّة تحتاج في تربية أبنائها بمقوماتها السلوكية والعقائدية إلى وسائل التأثير في الجماعات ، وعلى الرغم من أنّ تلك الوسائل تنوّعت وتطوّرت عبر مراحل الأزمنة المختلفة ؛ فإنّ الخطابة تحتلّ المكانة البارزة فيها ، إذ لا يمكن الاستغناء عنها بأيّ حالٍ من الأحوال ؛ لأنّ روح الخطابة تكمن في المواجهة المباشرة بين دعاة الاُمّة والناس ، فهي من وسائل التأثير الناطقة ، والمعبّرة من ضمير الاُمّة .

الخطابة بمعناها العام لا تختلف عن بقية العلوم والفنون باحتياجها إلى منهج رصين يقتدي به السالكون في طريقها ؛ إذ لا يتصوّر التقدّم والتطوّر في فنٍ أو علم إذا لم يكن له منهاج .

فالعشوائيّة والارتجاليّة واللامنهجيّة لا يستثمر منها شيء ، وإن أعطت ثمرة فإنّها لا تبلغ الثمرة العظيمة من عطاء البرمجة ضمن منهاج متين في أصوله وقواعده ، والواقع شاهد على ذلك بأنّ تطوّر العلوم الطبيعيّة جاء نتيجة التطوّر في منهاج البحث العلمي المرتبط في كلّ علم .

فالخطابة لها منهاج ، وعلى الرغم من تعدد فروعها فهي تشترك في اُصول عامّة .

أمّا الخطابة الحسينيّة فهي من جهة لها خصوصيّات انفردت بها عن بقيّة أنواع الخطابة ، وهي من جهة اُخرى تشترك مع الخطابة العامّة في الاُصول والقواعد العامّة ؛ لهذا سعينا في هذا البحث للجمع بين الجهتين , لغرض تبلور


الصفحة (12)

منهاج خاصّ للخطابة الحسينيّة يعين السالكين لهذا السبيل المقدّس على استقطاب قدراتهم وقابلياتهم لبلوغ مرامهم الرسالي على أفضل وجه .


الصفحة (13)

الباب الأول

 

الخطابة

 

1 ـ تعريف الخطابة

2 ـ الغاية من الخطابة

3 ـ كيف نحصل على الخطابة


الصفحة (14)

تعريف الخطابة

الخطابة : مصدر خطب يخطب ، أي صار خطيباً ، وهي على هذه صفة راسخة في نفس المتكلّم ، يقتدر بها على التصرّف في فنون القول ؛ لمحاولة التأثير في نفوس السامعين ، وحملهم على ما يراد منهم بترغيبهم وإقناعهم .

فالخطابة : مرامها التأثير في نفس السامع ، وإثارة إحساسه للأمر الذي يراد منه ، ليذعن للحكم إذعاناً ، ويسلّم به تسليماً(1) .

الغاية من الخطابة

وقعت الكثير من الموجودات عنواناً لتوحيد الله تعالى وطاعته ، كجعل آدم (عليه السّلام) وهو بشر عنواناً لطاعته حينما أمر الباري الملائكة بالسجود له [ بقوله : ] ﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوْا لآِدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ أَبَى‏ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ﴾(2) .

ووقوع الناقة ـ وهي حيوان ـ عنوان لتوحيده تعالى في آية نبي الله صالح (عليه السّلام) [ حيث قال تعالى : ] ﴿ وَإِلَى‏ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللّهَ مَا لَكُمْ مِن إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيّنَةٌ مِنْ رَبّكُمْ هذِهِ نَاقَةُ اللّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللّهِ وَلاَ تَمَسّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾(3) .

وتعظيم الكعبة وهي حجر ، ففي جميع ذلك لم يكن امتثال الأمر

ــــــــــــــ

(1) الخطابة ـ اُصولها ، تأريخها / 12 .
(2)
سورة البقرة /34 .
(3)
سورة الأعراف /73 .


الصفحة (15)

بقصد الخضوع للشيء المعنون في الأمر ، إنّما هو امتثال لإرادة الله تعالى .

فالإتيان بالعمل طبق تلك الإرادة هو عنوان للتوحيد ، والإعراض عنه هو عنوان للكفر والعصيان ، فكلّ شيء له نسبة إلى الباري (عزّ وجلّ) يعظّم ويمجّد باعتباره عنواناً لتوحيده تعالى .

والأمر كذلك في الدعوة إلى سيّد الشهداء ، فهو رمز للتوحيد وكلمة الله ؛ لنسبته إليه بإمامته المنصوص عليها في قول النبيّ (صلّى الله عليه وآله) : (( هذا ـ يعني الحسين (عليه السّلام) ـ إمام ابن إمام ، أخو إمام ، أبو أئمّة تسعة ))(1) .

ولوظيفته الإلهية في هداية الناس إلى الحقّ المطلق في قول النبيّ (صلّى الله عليه وآله ) : (( حسين منّي وأنا من حسين ، أحبّ الله مَنْ أحبّ حسيناً ، حسين سبط من الأسباط ))(2) .

فالمناداة باسمه , والدعوة له ، والتصريح بحقّه ، ونشر رسالته ، وبيان مظلوميّته إنّما هي دعوة للتوحيد . [ قال تعالى : ] ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمّنْ دَعَا إِلَى اللّهِ وَعَمِلََ صَالِحاً وَقَالَ إِنّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾(3) .

ولمّا كانت ثورة الإمام غير محصورة في زمن محدّد ، فالدعوة له خالدة ؛ لأنّ النصرة التي أرادها الإمام (( أما من مغيث يغيثنا لوجه الله ، أما من ذابّ يذبّ عن حرم رسول الله ))(4) ، في حاضره أن

ــــــــــــــ

(1) حياة الإمام الحسين بن علي 1 / 95 .
(2)
المصدر نفسه 1 / 94 .
(3)
سورة فصلت /33 .
(4)
الملهوف على قتلى الطفوف / 159 .


الصفحة (16)

يجرّد السيف ويُقاتل معه في سبيله ، ونصرة فيما بعد أن تبيّن حقيقة ثورته الإلهية للأجيال في قبال مَنْ سعى لطمس حقيقة تلك الثورة .

فالنصرة باقية وخالدة ، وغايتها حثّ الناس على التوحيد عن طريق أهل البيت (عليهم السّلام) ، وتكفّلت الخطابة الحسينيّة جزءاً كبيراً من هذه المسؤوليّة المقدّسة .

كيف نحصل على الخطابة

لم تكن الخطابة سهلة المنال ، بل تحتاج إلى احتمال المشاق ، وإلى الجدّ والسعي الحثيث والمثابرة ، وبهذا يمكن بلوغ هذه النعمة العظيمة .

أمّا طريق تحصيلها تتلخّص في :

أ ـ قابلية تلائم الخطابة

أن يكون الخطيب خالياً من العيوب الكلاميّة ، من فأفأة ونحوها ، وأن يكون ثابت الجنان ، ذكيّ القلب ، طلق اللسان ، فإذا اجتمعت فيه القابلية فلا يحتاج إلاّ إلى التعلّم والممارسة(1) .

ب ـ دراسة اُصول الخطابة

للخطابة الحسينيّة اُصول وقواعد يجب على الذي يسير في طريقها أن يتعرّف عليها ؛ ليصل إلى غايته العظيمة . وقيل : مَنْ ترك الاُصول حُرم الوصول .

ــــــــــــــ

(1) الخطابة ـ اُصولها ، تاريخها ـ محمد أبو زهرة / 17 .


الصفحة (17)

ج ـ الاطّلاع على الكثير من العلوم

ويتلخّص ذلك في جهتين :

الأولى : أن يكون الخطيب من طلبة العلوم الإسلاميّة الذين يتلقّون العلوم ـ علوم أهل البيت (عليهم السّلام) ـ في المدارس والحوزات الرسميّة ؛ ولاستقطاب قدراته وقابلياته ، ولحفظ وصيانة وقته أن يتلقّى الدروس من أساتذة يعدّون من أهل الاختصاص . فالخطيب عليه أن يواصل دراسته الحوزويّة ، وأن يتقن على نحو الاختصاص الفقه والعقائد .

الثانية : أن يوسّع الخطيب دائرة ثقافته واطلاعه على العلوم المختلفة ؛ كالتعرّف على بعض أساسيات العلوم الطبيعية ، وعلم النفس ، والاجتماع ، والتعرّف على الفرق والمذاهب الإسلاميّة ، والتاريخ الإسلامي ، والتعرّف أيضاً على بعض الحضارات العالميّة ، وأن يتابع الأحداث العالميّة ، كما عليه متابعة التطوّرات العلميّة في مختلف العلوم .


الصفحة (18)

علاقة الخطابة بعلم النفس

تعلّم علوم العربية والمنطق ، والإحاطة بمسائل الفقه والعقائد ، وامتلاك بعض المؤهّلات لا تجدي نفعاً إذا لم يحسن الخطيب أساليب التعامل مع الفرد والمجتمع ؛ فإنّ غرض الخطيب منهم هو أن يؤسس فيهم موطن الولاء للدين والمذهب ، وهذا لا يأتي من مجموعة تصرّفات شخصيّة وارتجاليّة ، وإنّما تحتاج إلى خطوة علميّة دقيقة نابعة من منهج مخطّط له سلفاً .

فالخطيب وهو مقبل على المجتمع يواجه أشكالاً وأنماطاً متعدّدة من السلوك والآراء ، التي قد تخالف في البعض منها ما يحمله الخطيب من معتقدات ومبادئ سلوكيّة ، فالخطيب يجب أن يعدّ ويهيّأ لمواجهة جميع ذلك .

علم النفس الاجتماعي يزوّد الخطيب من جهته بقواعد مهمّة ، يمكنه منها تحليل سلوك الفرد وهو في المجتمع ؛ فإنّ سلوكه وهو مندمج في مجتمعه غير سلوكه وهو منفرد مع ذاته ، كما إنّه يقوم بدراسة السلوك الجماعي؛ فدراسة فروع علم النفس ، خاصة علم النفس الاجتماعي أمر لا بدّ منه ، ولا يمكن للخطيب أن يستغني عنه .

كيف يستغني عنه وهو الذي لا يستغني عنه كلّ مَنْ كان له وظيفة مباشرة مع المجتمع ، كالسياسي ، والمفكّر ، والعسكري ؟


الصفحة (19)

لقد سجّل التاريخ الكثير من المواقف التي استفاد منها السياسيّون والقادة العسكريّون ، والمفكّرون من الدراسات النفسيّة للمجتمع ، الذي هم على مواجهة مباشرة معه ، وبلغوا أهدافهم بمساعدتها .

حينما أراد نابليون بونابرت احتلال مصر عام (1798) م ، وانتزاعها من سلطنة المماليك استغل التوجيهات النفسيّة والعقائديّة للمصريين ؛ فقد ادّعى إنّه قدم لينتشل المصريّين من ظلم المماليك ، وخلع على نفسه لقب حامي الإسلام ، بل تطرّف في تبجّحه ونفاقه فادّعى إنّه مسلم ، وإنّه يحارب النصرانيّة في روما التي أرادت أن تحارب المسلمين ، وحينما كان له ما أراد لم يمضِ وقت طويل حتّى كانت خيول الغزاة الآفاقين تدوس الجوامع ، وتضرب الثوار بكلّ قسوة وعنف(1) .

فيجب أن تكون لدى الخطيب معرفة وثيقة بأحوال المجتمع الذي قصده بالتبليغ ، المعرفة الوثيقة بعاداتهم ، تقاليدهم ، لغتهم ، أوضاعهم الاقتصاديّة ، ثقافتهم وغير ذلك .

وعلم النفس الاجتماعي يزوّده بالاُصول والقواعد والأساليب التي لا بدّ أن يأتي الخطيب بها إلى المجتمع .

والجدير بالذكر أنّ مهمّة الخطيب لا تنحصر في حدود أهل المذهب ، كما إنّ وظيفة التبليغ أوسع من الخطابة .

ــــــــــــــ

(1) الحرب النفسيّة معركة الرأي والمعتقد 1 / 75 .


الصفحة (20)

د ـ التعرّف على أساليب الخطباء

ينبغي للخطيب المبتدئ الإكثار من الاستماع إلى أساليب الخطباء المتميّزين في نهجهم الخطابي ، وأن يكون في مراسه الخطابي محاكياً لأساليبهم ، أو مقتبساً منهم ، أو سائراً في مثل دربهم ؛ فهو إذا فعل ذلك ستجتمع عنده أساليب كثيرة متغايرة يستطيع الاستفادة منها عند الحاجة إليها .

ﻫ ـ المران والممارسة

إنّ الفطرة والاطّلاع ، والعلم باُصول الخطابة ، والتعرّف على أساليب الخطباء لا تكفي في تكوين الخطيب ؛ لأنّ الخطابة ملكة وعادة نفسيّة لا تتكّون دفعة واحدة ، بل لا بدّ لمريدها من المعاناة والممارسة والمران ؛ لكي ينمّي مواهبه إن كانت فيه فطرتها ، ولكي يطبّ لعيوبه إن كان فيه عيوبها(1) .

فعلى المريد للخطابة أن يروّض نفسه على الخطابة الجيّدة حتّى تصير له شأناً وطبيعة ، فإذا صار له ذلك فليحذر من إهمال المران ، والمواصلة ، والممارسة ؛ فإنّ ذلك آفة تستولي على الطبيعة ، وتخلّ في القابليّة .

أمّا ما يتعرّض له الخطيب المبتدئ من مكاره ؛ كمقابلة الناس له بالسخرية والاستهزاء ، أو يكون المخاطبون ممّنْ يتقصون عوراته ، ويتسقّطون هفواته ، فليست هذه أسباباً واقعيةً تصدّه

ــــــــــــــ

(1) المصدر نفسه / 20 .


الصفحة (21)

عن المران والممارسة ؛ فما من خطيب إلاّ وكانت له البداية صعبة ، غير أنّ هذه الصعوبة تزول بالممارسة والتدريب .

وينبغي أن نلفت انتباه الخطيب المبتدئ إلى مراعاته مراحل المران ، والممارسة ؛ فإنّ لها مراحلَ سنتكلم عنها في أبحاث قادمة إن شاء الله تعالى .


الصفحة (22)

 


الصفحة (23)

الباب الثاني

إعداد الخطبة

 

1 ـ كيف نكتب الخطبة

2 ـ الإيجاد

3 ـ الأدلّة

4 ـ إثارة الأهواء والميول

5 ـ التفنيد


الصفحة (24)

كيف نكتب الخطبة

من أوّل الصعوبات التي تواجه الخطيب المبتدئ عدم معرفته للنحو الذي تكتب به الخطبة ، علاوة على عدم معرفته اختيار موضوع مناسب لها .

ولتسهيل هذه المهمّة نتّبع الخطوات التالية :

أولاً : الإيجاد

يراد من ذلك إعمال الفكر لاستنباط الموضوع والوسائل التي من شأنها تقوية مضمون الموضوع واجتذاب إقناع السامع ، وإثارة حماسه إلى ما يدعو إليه الخطيب .

إنّ عمل الخطيب أن يقدّم الحقائق ، فعليه أن يكون عند تقديمها بحالٍ لا تمنع من قبول كلامه ، بل يجب أن يكون بحالٍ تجذب الناس إليه ، وتدفعهم إلى الإنصاف له وتقبّله بقبول حسن(1) .

أمّا كيف يختار موضوعه عند جولان فكرهِ ؟!

ينبغي للخطيب أن يكون مثله مثل الطبيب بالنسبة إلى المريض ، يشخّص المرض الواقعي ، ويعالجه علاجاً واقعيّاً ، وخلاف ذلك يكون سبباً لانصراف المريض عنه .

الخطيب كذلك ، مهمّته إصلاح الفاسد من اُمور المسلمين ، وتقوية الخير وتثبيته في نفوسهم ، فينبغي أن يتوجّه في اختار موضوع خطبته إلى المشاكل الواقعيّة في حياة المسلمين المخاطبين ؛ المشاكل الاجتماعيّة ، العقائديّة ، الأخلاقيّة وغيرها ، يختار ذلك ويضع لها الحول الإسلاميّة ؛ فإنّه إن فعل هذا

ــــــــــــــ

(1) المصدر نفسه / 24 .


الصفحة (25)

كان داعياً إلى إقبال المخاطبين عليه .

ثانياً : الأدلّة

بعد أن وضع الخطيب تفكيره على الموضوع الواقعي فإنّه يلجأ إلى تنسيقه وترتيبه بإيجاد الشواهد والأدلّة المقويّة له ، بحيث تكون هذه الوسائل باعثة على تقوية اعتقاد المخاطبين بالفكرة المطروحة في الخطبة ، وهذه الوسائل التي يعبّر عنها ( بالمواضيع ) هي المصادر التي يمكن للخطيب أن يتّخذ منها ما يستدلّ به على دعواه ، وتنقسم إلى قسمين :

أ ـ المواضع الذاتية

وهي الوسائل أو الأدلّة التي تكون من ذات الموضوع لا من شيء خارج عنه ، وهي على أنواع :

1 ـ التعريف

يلجأ الخطيب إلى التعريف في حالات :

أ ـ لتحرير محلّ النزاع بين فريقين مختلفين في معرفة مفهوم الشيء .

ب ـ عند مدح شيء ، أو ذمّه فيعرّفه بصفاته ؛ كقول أمير المؤمنين (عليه السّلام) : (( أما إنّه سيظهر عليكم بعدي رجل رحب البلعوم ، مندحق البطن ، يأكل ما يجد ويطلب ما لا يجد ، فاقتلوه ، ولن تقتلوه ))(1) .

ــــــــــــــ

(1) نهج البلاغة / الخطبة 57 .


الصفحة (26)

ج ـ عندما يريد إيضاح أمر اُشكل فهمه على السامعين ، فيعمد إلى تعريفه لتجتذب القلوب إليه ، ويوضّح للسامعين ما أشكل عليهم أمره .

وطرق التعرف كثيرة ، منها بيان أهم خواصه ، كقول أمير المؤمنين (عليه السّلام) : (( والمتّقون هم أهل الفضائل ، منطقهم الصواب ، وملبسهم الاقتصاد ، ومشيهم التواضع ... )) .

أو بالاستعارات أو التشبيه ، أو بيان أنواعه وأقسامه ، كقول أمير المؤمنين (عليه السّلام) : (( الرزق رزقان ؛ رزق تطلبه ، ورزق يطلبك ، فإن لم تأته أتاك ... ))(1) .

2 ـ المقابلة

هو أن يعقد الخطيب المقابلة بين شيئين ليبيّن الحقّ فيهما ؛ فإنّ الأشياء تتميّز بأضدادها وتُعرف بنظائرها . فالمقابلة أمر معيّن للاستدلال الخطابي ، وتعطي الكلام حلاوة ورونقاً ، ويكون ذلك بأمرين :

أ ـ أن يذكر الخطيب الشيء ومقابله ، ويذكر صفاتهما ، ومن ذلك يتبيّن الحُسن منهما ، كما في قول أمير المؤمنين (عليه السّلام) للأشعث بن قيس في فضل الصبر : (( إن صبرت جرى عليك القدر وأنت مأجور ، وإن جزعت جرى عليك القدر وأنت موزور )) .

ب ـ أن يبرهن على بطلان المقابل فيثبت الشيء المطلوب ، كما فعل أمير المؤمنين (عليه السّلام) عندما ناقشه الخوارج ، واعترضوا عليه بإباحة أموال أهل الجمل دون النساء والذريّة ، فقد قال : (( إنّما أبحت لكم أموالهم

ــــــــــــــ

(1) الخطابة ـ اُصولها ، تاريخها / 27 .


الصفحة (27)

بدلاً عمّا كانوا أغاروا عليه من بيت مال البصرة قبل قدومي عليهم .

والنساء والذريّة لم يقاتلونا ، وكان لهم حكم الإسلام بحكم دار الإسلام ، ولم يكن منهم ردّة عن الإسلام ، ولا يجوز استرقاق من لم يكفر . وبعد , لو أبحت لكم النساء أيُّكم يأخذ عائشة في سهمه ؟! )) . فخجل القوم(1) .

3 ـ التشابه وضرب الأمثال

يعمد إليهما الخطيب لتقريب الاُمور التي يدعو إليها من نفوس المخاطبين ؛ ليأخذوها قضية مسلّمة لا يناقشون فيها ، ولا ينظرون إليها نظرة فاحصة كاشفة ؛ فيعقد صلة ومقارنة بين الفكرة الجديدة وبين الأمر المعروف عند المخاطبين والمقبول عندهم ، فيقبلوا الجديد بقبول القديم ، أو يلجأ إلى المقارنة بين الأمر الذي يدعو المخاطبين إليه والأمر الذي تسلّم به جماعات اُخرى(2) .

وينبغي الترفّع عن ضرب الأمثال العاميّة الساذجة .

ــــــــــــــ

(1) المصدر نفسه / 34 .
(2)
المصدر نفسه / 35 .


الصفحة (28)

4 ـ العلّة والمعلول

التعليل روح الاستدلال ، فالعلّة الباعثة على الفعل ، والغاية المنشودة منه طريق للحكم عليه بأنّه خير أو شرّ ، وبأنّه صحيح أو باطل ، وبأنّه سائغ أو غير سائغ ؛ لذلك يعمد الخطباء إلى ذكر الباعث على الأفعال ، والدوافع إليها ؛ ليتخذ منها سنداً في الحكم عليها(1) .

كقول أمير المؤمنين (عليه السّلام) : (( ... هَذَا أَخُو غَامِدٍ قَدْ وَرَدَتْ خَيْلُهُ الأَنْبَارَ , وَقَدْ قَتَلَ حَسَّانَ بْنَ حَسَّانَ الْبَكْرِيَّ , وَأَزَالَ خَيْلَكُمْ عَنْ مَسَالِحِهَا .

وَلَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ الرَّجُلَ مِنْهُمْ كَانَ يَدْخُلُ عَلَى الْمَرْأَةِ الْمُسْلِمَةِ , وَالأُخْرَى الْمُعَاهِدَةِ ؛ فَيَنْتَزِعُ حِجْلَهَا وَقُلُبَهَا , وَقَلائِدَهَا وَرُعُثَهَا , مَا تَمْتَنِعُ مِنْهُ إِلاّ بِالاسْتِرْجَاعِ وَالاسْتِرْحَامِ , ثُمَّ انْصَرَفُوا وَافِرِينَ مَا نَالَ رَجُلاً مِنْهُمْ كَلْمٌ , وَلا أُرِيقَ لَهُمْ دَمٌ .

فَلَوْ أَنَّ امْرَأً مُسْلِماً مَاتَ مِنْ بَعْدِ هَذَا أَسَفاً مَا كَانَ بِهِ مَلُوماً , بَلْ كَانَ بِهِ عِنْدِي جَدِيراً . فَيَا عَجَباً عَجَباً وَاللَّهِ يُمِيتُ الْقَلْبَ وَيَجْلِبُ الْهَمَّ مِنَ اجْتِمَاعِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ عَلَى بَاطِلِهِمْ وَتَفَرُّقِكُمْ عَنْ حَقِّكُمْ ! فَقُبْحاً لَكُمْ وَتَرَحاً حِينَ صِرْتُمْ غَرَضاً يُرْمَى ؛ يُغَارُ عَلَيْكُمْ وَلا تُغِيرُونَ , وَتُغْزَوْنَ وَلا تَغْزُونَ , وَيُعْصَى اللَّهُ وَتَرْضَوْنَ ! ))(2) .

ــــــــــــــ

(1) المصدر نفسه / 32 .
(2)
نهج البلاغة / الخطبة 27 .


الصفحة (29)

5 ـ التعميم ثمّ التخصيص

هو أن يبتدئ الخطيب بقضيّة مسلّم بها ، أو في منزلة المسلّم بها للتقرير ، ثمّ يذكر بعض الجزئيات .

مثال ذلك قول النبي (صلّى الله عليه وآله) في خطبة الوداع : (( ... وإنّ رِبا الجاهليّة موضوع ، وإنّ أوّل رِباً أبدأ به رِبا عمّي العباس بن عبد المطلب ، وإنّ دماء الجاهليّة موضوعة ، وإنّ أوّل دمٍ أبدأ به دم عامر بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب )) .

فتراه (صلّى الله عليه وآله) يبتدئ بحكم عام ، فيسقط الربا كلّه ، ثمّ يخص رِبا العباس بالإسقاط ، ليبيّن للناس إنّه يبتدأ بتنفيذ الأحكام على أقرب الناس إليه فيكون ذلك أسوة حسنة ، وهكذا في الدماء(1) .

6 ـ التجزئة

وهذه مقابل للتعميم والتخصيص ، وهي منهج خطابي يعمد إليه الخطيب عندما يريد المبالغة في إثبات الحكم ، والحرص على تأكيده ، وتقريره في نفوس السامعين .

فالتجزئة لا يعمد إليها إلاّ في مقام الإطناب ، ولا يتّجه إليها الخطيب في مقام الإيجاز . ولها طريقان :

أ ـ أن تُتبع الجزئيات ليستنبط منها جميعاً حكماً واحداً .

ب ـ أن تُتبع الجزئيات ليخص واحداً من بينها بحكم ؛ لزيادة

ــــــــــــــ

(1) المصدر نفسه / 31 .


الصفحة (30)

التنبيه على خصائصه ، وللحث على الأخذ به ، أو التنفير منه(1) .

ب ـ المواضع العرضية

وهي مصادر خارجة عن ذات الموضوع ؛ وذلك لأنّ المخاطب أحياناً لا يدرك ما في ذات الموضوع من خصائص ومزايا وثمرات ، فيصعب عليه أن يقتنع بأدلّة تستمد قوّتها من تلك الخصائص ، فيستعان على إقناعه باُمور خارجة عن ذات الموضوع .

وهذه الاُمور هي عند المخاطب صادقة ، وهو لها مذعن ؛ فيبيّن الخطيب أنّ تلك الاُمور تؤيده ، وتحثّ على ما يدعو إليه ، فيسلّم المخاطَب بما قدّم له من غير جدل ، ويذعن لها من غير نقاش(2) .

وأكثر تلك المواضع قوةً وأثراً هي :

1 ـ الدين

وهو أكثر الاُمور سيطرة على القلوب ، خصوصاً قلوب العامّة ؛ فإنّه لهم المرشد الأمين ، والمربي للوجدان ، والموقظ للضمائر ، والمسلّي لمَنْ نزلت بهم الهموم ، والمتدينون لا يخضعون لشيء كما يخضعون لدينهم ، ولا يصدعون إلاّ بحكمه .

فإذا أيّد الخطيب في جماعة متدينة قضاياه بالدين ، وربط بينها وبين دينها بصلة أجابت الجماعة نداءه ، ولبته في حماسة وقوة(3) .

ــــــــــــــ

(1) المصدر نفسه / 29 .
(2)
المصدر نفسه / 39 .
(3)
المصدر نفسه / 39 .


الصفحة (31)

2 ـ العادات

لكلّ جماعة من الناس عادات تسودها ، وتسيطر عليها ، وهي متمكّنة من نفوسها ، ومستولية عليها . فإذا كان لعادات الجماعة هذه القوّة يجب على الخطيب أن يعتمد عليها في مقام التأثير ، بأن يقرّب ما يدعو إليه بما يألفون من عادات ، وما اصطلحوا عليه من عرف ؛ ليسكنوا إلى الأمر ، ويخضعوا له ، ويطمئنوا إليه ؛ لأنّ إقبال الناس يكون شديداً على الاُمور التي تكون من جنس ما يألفون(1) .

3 ـ أقوال النبي وأهل بيته (عليهم السّلام)

وذلك باب واسع له روعة وهزّة في النفوس ؛ فإنّ المخاطَب يقبل أقوالهم بقوّة ، مسلّماً لها من غير اعتراض . وهذه الأقوال تعطي للخطبة قوّة في تأييد المعنى المراد إيصاله إلى المخاطبين .

4 ـ حوادث التاريخ

تحتل الحوادث التاريخية مكاناً مهمّاً في قلوب المخاطبين ، فهي فرصة للخطيب أن يدفع عن نفوسهم الملل والتضجّر . إضافة إلى هذا ، فإنّها من المؤيّدات القويّة ، والشواهد المساعدة على تثبيت المدّعى في قلوب السامعين ؛ وذلك بتصوير المدّعى بأنّه أمرٌ واقعي ، وليس ضرباً من المثالية والخيال ، بأنّ له نظائرَ من الواقع بحدث تأريخي .

ــــــــــــــ

(1) المصدر نفسه / 40 .


الصفحة (32)

5 ـ المصادر والمواثيق

قد لا يكفي ذكر الشواهد والوسائل المؤيّدة فقط ، بل تحتاج إلى ذكر المصادر التي استمد منها الخطيب ما نقله من المؤيّدات ، ويكون ذلك خاصة إذا ما نقل من كتب ومصادر المخالفين ، أو عند ذكر أمر لم يسبق للمخاطبين التعرّف عليه ، وإنّه ممّا يثير في نفوسهم التساؤلات .

6 ـ الشعر

فهو علاوة على إمكانيّة الاستدلال به على تثبيت المدّعى وتقويته في نفوس السامعين ، إنّه يفتح باباً عظيماً لانشراح صدورهم ، ويزيل عنهم الملل والتعب ، وينشّطهم على المواصلة والمتابعة لما يلقيه الخطيب .


الصفحة (33)

إثارة الأهواء والميول

مرمى الإقناع الخطابي ليس هو الإلزام والإفحام فقط ، بل مرماه حمل المخاطَب على الإذعان والتسليم ، وإثارة عاطفته ، وجعله يتعصّب للفكرة التي يدعو لها الخطيب ، ويتقدّم لفدائها بالنفس والنفيس عند الاقتضاء .

ولا يكون ذلك بالدلائل المنطقية لتساق جافة ، ولا بالبراهين العقلية تقدّم عارية ، بل بذلك وبإثارة العاطفة ، ومخاطبة الوجدان ، وإنّ الخطيب قد يستغني عن الدلائل العقلية ، ولا يمكنه في أية حال الاستغناء عن المثيرات العاطفية ، بل إنّ أكثر ما يعتمد عليه الخطيب في حمل السامعين على المراد منهم مخاطبة الوجدان ، والتأثير في عواطفهم .

وهناك جملة من القواعد التي توصل إلى المراد من الخطبة مباشرة من غير وساطة(1) :

1 ـ البغض والمحبّة

إذا كان غرض الخطيب تأليف القلوب وجمعها على محبّة شخص ، فيبيّن لهم :

أ ـ ما تحلّى به من السجايا ، وما امتاز به من المواهب .

ب ـ إخلاصه وتواضعه ، ولين جانبه في سلوكه مع الناس .

ج ـ بيان ما في الالتفاف حوله من خير .

أمّا إذا كان غرض الخطيب إثارة البغض على شخص ، وإبعاد القلوب عنه , فيبيّن لهم :

ــــــــــــــ

(1) المصدر نفسه / 90 .


الصفحة (34)

أ ـ ما طبع عليه من قبح الخصال , في لفظ نزيه وعبارات رفيعة لا تخدش الضمير الاجتماعي .

ب ـ بيان أعماله السيئة ، وماضيه السيّئ .

ج ـ خبث سريرته ، وعدم إخلاصه للجماعة .

د ـ بيان ما في الالتفاف حوله من عاقبة سيئة ، وإعزاز للباطل ، وإذلال للحقّ(1) .

2 ـ الرغبة والنفور

إذا كان غرض الخطيب إثارة الرغبة في أمر من الاُمور :

أ ـ أن يبيّن منافعه وثمرته التي تعود على الجماعة عند الأخذ به .

ب ـ تصوير الشيء بصورة تأخذ بالقلوب ، وتستولي على الأفهام والعقول .

ج ـ كون الشيء قريب المتناول ، وفي قدرة الناس .

د ـ بيان أنّ الأخذ به هو الرفعة إلى أسمى مراتب الإنسانيّة .

أمّا إثارة النفور من أمر :

أ ـ بيان المضار الناجمة عن ملابسته .

ب ـ تصوير الأمر بصورة تنفر منه النفوس .

ج ـ تحقيره وتحقير الآخذين به ، وإنّهم من صغار الناس(2) .

ــــــــــــــ

(1) المصدر نفسه / 90 .
(2)
المصدر نفسه / 91 .


الصفحة (35)

3 ـ الفرح والحزن

ـ دواعي الفرح :

أ ـ كون الشيء له ثمرات عظيمة ، وعاقبة حسنة .

ب ـ إنّه بعيد المنال ، غير ميسور الحصول إلاّ بالجدّ والاجتهاد .

ج ـ الإشارة إلى شغف طائفة من الناس لطلبه ، وإنّه المحبوب عندهم ، والغاية المنشودة ، والأمل المطلوب .

ـ وأمّا دواعي الحزن :

أ ـ ذكر المحنة وأثارها في النفس ، وآلام وقعها .

ب ـ ذكر وقع المحنة في نفوس المؤمنين الصالحين والأولياء .

ج ـ بسط القول فيما أتى الله تعالى المفقود من مزايا وصفات أختص بها(1) .

4 ـ الأمل واليأس

الأمل : رغبة مستقبلية ولذّة مرجوّة ، فمَنْ أراد أن يثيرها فعليه أن يتبع هذه الخطوات :

أ ـ بيان المزايا والثمرات في تلك الرغبة المرجوّة ، وتصويرها بصورة كونها هي السعادة .

ب ـ إنّها سهلة التناول ، قريبة من ذي الهمة .

ج ـ العمل والجدّ يخفيان المستحيل ، ويكثران من الممكن ، ويجعلان كلّ شيء في قدرة الإنسان إلاّ ما اختصّت به الأقدار ، وعلا

ــــــــــــــ

(1) المصدر نفسه / 92 .


الصفحة (36)

عن مغالبة الإنسان .

د ـ توجيه الناس إلى الاستعانة بالله تعالى ، والثقة به ، والاطمئنان إلى تأييده ونصرته .

أمّا في إثارة اليأس ، وهو إذا رأى الخطيب إنّ الناس تمضي إلى شيء أشبه بالوهم ، فهو مضطر أن يلقي في نفوسهم القنوط من هذه الناحية :

أ ـ أن يبيّن لهم إنّ سبيل المجد هو ما كان عمليّاً ، لا ما كان خيالياً ، وإنّ التمسك بما هم آخذون به أقرب إلى الخيال ، وليحذر أن يكون في ذلك مصادمة لإحساسهم ، بل يمهّد لهم بأنّ ما يعتقدون به إنّه مشاركهم في آمالهم ، وإنّ إحساسه من إحساسهم ، ثمّ يعقّب بعدة استثناءات حتّى يستدرجهم إلى ما يريد ، ويأخذهم إلى ما ينبغي .

ب ـ أن يبيّن لهم المخاطر والمشاقّ التي تكتنف مَنْ يبغي تلك المطالب ويسعى إليها .

ج ـ ضرب الأمثال بمَنْ جهدوا أنفسهم ولم يصلوا إلى مبتغاهم ، ولم ينالوا أملهم ، مع انصرافهم عن العمل المجدي النافع ؛ وعليه أن يوجّه الناس إلى العمل المنتج المثمر(1) .

ــــــــــــــ

(1) المصدر نفسه / 96 .


الصفحة (37)

5 ـ الغضب والخوف

إذا أراد الخطيب إثارة الحماسة والنخوة ، والإباء والحميّة وغيرها على الدين ، أو العرض أو غيره ؛ فهو يعمد إلى إثارة الغضب ليوقظ تلك السجايا من نومتها ، وينبهها من غفلتها .

والطريق لذلك :

أ ـ أن يذكر الإهانة ، ويعظمها ، ويصوّرها في صورة مذكية للحفائظ ، مثيرة للهمم .

ب ـ أن يذكر العار الذي يلحق الاُمّة إن لم تتحضّر لدفع تلك الإهانة بالذود عن حماها ، والذبّ عن حياضها .

ج ـ أن يذكر الأمثال بذكر الأشباه والنظائر ، ويجعل لهم الأحرار من الناس مثلاً يُحتذى به ، وذوي الهمم اُسوة يُقتدى بها(1) .

مثال ذلك قول أمير المؤمنين (عليه السّلام) : (( أَيُّهَا الْقَوْمُ الشَّاهِدَةُ أَبْدَانُهُمْ , الْغَائِبَةُ عَنْهُمْ عُقُولُهُمْ , الْمُخْتَلِفَةُ أَهْوَاؤُهُمْ , الْمُبْتَلَى بِهِمْ أُمَرَاؤُهُمْ , صَاحِبُكُمْ يُطِيعُ اللَّهَ وَأَنْتُمْ تَعْصُونَهُ , وَصَاحِبُ أَهْلِ الشَّامِ يَعْصِي اللَّهَ وَهُمْ يُطِيعُونَهُ ! لَوَدِدْتُ وَاللَّهِ أَنَّ مُعَاوِيَةَ صَارَفَنِي بِكُمْ صَرْفَ الدِّينَارِ بِالدِّرْهَمِ ؛ فَأَخَذَ مِنِّي عَشَرَةَ مِنْكُمْ وَأَعْطَانِي رَجُلاً مِنْهُمْ ))(2) .

أمّا الخوف ، وهو فيما إذا كانت الاُمّة في انحراف عن الجادّة فيلقي في نفوسهم

ــــــــــــــ

(1) المصدر نفسه / 100 .
(2)
نهج البلاغة / الخطبة 95 .


الصفحة (38)

الرعب ليستقيموا ، ويسلكوا سبيل الصواب .

أ ـ أن يبيّن لهم سوء العاقبة لما يفعلون ، وأنّ الطامة الكبرى في طريقهم غير القويم .

ب ـ أن يبيّن لهم بأنّ فوات كثير من رغباتهم وطلباتهم من استمرارهم على غيهم ، وأنّ الحرمان هو النتيجة الأولى لسلوكهم .

ج ـ أن ينيط عقاباً خاصاً يقع بالمستمر على غيّه الموغل في إثمه ، وقد يقع التخويف بسوء العاقبة يوم القيامة(1) .

6 ـ الرحمة

لغرض إثارة بواعث الرحمة في نفوس السامعين ، واستدرار عطفهم على طائفة من الطوائف أو شخص من الأشخاص ، أو تحريك هممهم لعمل إنساني جليل فيه المواساة للآخرين يتبع :

أ ـ أن يذكر بأنّ الجميع أفراداً وجماعات مُعرَّضة للمصاب .

ب ـ كون بني الإنسان كالجسد الواحد .

ج ـ مَنْ لا يَرحم لا يُرحم .

د ـ أن يصوّر الحادثة تصويراً يثير الرغبة في المعاونة .

ﻫ ـ تصوير الداعي للرحمة في قوله ، وعلامات وجهه ، ونفحات صوته ، وحركاته وإشاراته(2) .

ــــــــــــــ

(1) الخطابة ـ اُصولها ، تاريخها / 101 .
(2)
المصدر نفسه / 103 .


الصفحة (39)

التفنيد

يحتاج الخطيب في بعض الأحيان إلى تفنيد وإبطال ما يدّعيه المخالفون وأهل العناد والغي ؛ فالتفنيد مقام خطير لا يناله إلاّ مَنْ اُوتي حظّ عظيم من البديهية ، والعلم الغزير ، والاستيلاء على أساليب القول . فالتفنيد هو إزالة تأثير حجج الخصم من نفوس السامعين .

وللتفنيد طريقان :

أ ـ أن يتصدّى لنقض براهين الخصم قبل استعراضها ؛ وذلك بأن يفنّد كلّ ما يتصوّره دليلاً لخصمه ، ويفرض كلّ الفروض ثمّ يهدمها فرضاً فرضاً حتّى لا يبقى أمر ثابت سوى دعواه ، ويعمد إلى هذا بعد أن يشبع السامعين بدلائل إيجابيّة على صدق دعواه ؛ ليكون التعقيب قطعاً لطريق الإثبات على الخصم ، ومهاجمة له في صميم استدلاله .

ب ـ أن يعرض أدلّة الخصم ، ثمّ يبيّن ما فيها من غلط وتلبيس ، ويبطل ما يتّجه إليه من نظر(1) .

أوجه الردّ على الخصم :

أ ـ إبطال مقدّمة دليل خصمه .

ب ـ إقامة دليل على نقيض دعواه ، والموازنة بين الدليلين ، وإثبات أنّ دليله أقوم حجّة ، وأسدّ منهجاً .

ج ـ المنع وعدم التسليم ببيان أن لا دليل على ما يقول(2) .

ــــــــــــــ

(1) المصدر نفسه / 127 .
(2)
المصدر نفسه / 129 .


الصفحة (40)

فائدة

أ ـ إذا أراد الخطيب استخدام التفنيد فعليه ألاّ يفاجئ السامعين بالتصريح بما يعتقده كلّه ، بل يشككهم فيما يعتقدون وفيما يفعلون ، أو يصرّح لهم ببعض ما تتّجه براهينه حتّى إذا آنس منهم رشداً ، وأدرك منهم ميلاً خاطبهم بكلّ ما في نفسه ، وقد يكتفي ببيان ذلك القدر إن لم تكن النفوس قد تهيّأت ، والعقول قد استيقظت لإدراكه كلّه(1) .

ب ـ أن لا يصرّح الخطيب باسم صاحب الرأي المخالف ، خاصّة إذا كان له أتباع من الحاضرين والسامعين ؛ فإنّ التصريح به علاوة على أنّه يغلق كلّ سبيل يؤدّي إلى إقناعهم وكسب موقفهم ، فإنّه يهيّج روح التعصّب عندهم ، ويؤزّم موقفهم على الخطيب ، ويؤجّج روح العداوة في قلوبهم .

فالأفضل بالخطيب أن يقرع حجّة الخصم بالحجّة ، ويبيّن للمخالفين مواضع الضعف في معتقداتهم وأفعالهم من غير إثارة أسماء وألقاب تتفاعل معها نفوسهم .

ــــــــــــــ

(1) المصدر نفسه / 121 .


الصفحة (41)

الباب الثالث

التنسيق والأداء

 

1 ـ كيفية التنسيق والأداء

2 ـ المقدّمة

3 ـ محور الموضوع

4 ـ الخاتمة

5 ـ خصائص ألفاظ الخطابة

6 ـ كيفية الإلقاء

7 ـ نموذج خطابي

8 ـ الدعاء


الصفحة (42)

كيفية التنسيق والأداء

من بعد تهيئة مكوّنات الخطبة في هذه المرحلة , يستعدّ الخطيب لتنظيم أجزاء الخطبة وإحكام تركيبها ، وربط بعضها ببعض ، ووضع أدلّتها في شكل منتج ؛ فالتنسيق هو في الحقيقة بناء الخطبة ونظام عقدها ، بجعل معانيها متساوقة ، فيأخذ بعضها بحجز بعض .

1 ـ المقدّمة

إذا أراد الخطيب أن يجعل لخطبته افتتاحاً ، وجب أن يعني به تمام العناية ، وأن يجمّله بكلّ وسائل التجميل المناسبة التي تجذب الأفكار إليه ، وتهيئ الأسماع ، وتجعل النفوس تتقبله بقبول حسن ؛ فإنّ الفكرة الأولى عن شيء ، أو عن أمر ، أو عن شخص ، تثبت وتقرّ بالنفس ، ومحوها يحتاج إلى عناء شديد ، فإن كانت حسنة صعب تهجينها ، وإن كانت سيئة صعب تزيينها .

وللمقدّمة أحوال :

أ ـ أن يفتح خطبته بمقدّمة تشير إلى الموضوع وموافقة له .

ب ـ أن تكون قصيرة موجزة ؛ كي لا يضيع الذهن بغير المطلوب .

ج ـ أن لا يفاجئ السامعين بما يزعجهم .

د ـ أن تكون قيّمة ، تألف وتشغف بها الأسماع ، فيها جديد للإثارة ، ولفت الأنظار(1) .

ــــــــــــــ

(1) المصدر نفسه / 107 .


الصفحة (43)

2 ـ محور الموضوع

وهو الحصيلة التي يريد الخطيب إيصالها إلى المخاطبين ، وتركيز أذهانهم فيه ، والتفاعل معه ، والأخذ به . فمع تركيبه وتنسيقه وترتيب أدلّته فإنّه يجب أن يكون مُشخّصاً واضحاً ، سهلاً يفهمه الجميع ؛ فإن لم يكن كذلك لم يثمر ثمرته المرجوّة ، وألقى في نفس السامع روح التبرّم ، وكان ذلك طريقاً لورود السأم في قلبه .

3 ـ الخاتمة

تنتهي الخطبة الحسينيّة بذكر مصاب أهل البيت (عليهم السّلام) ، وهذا من أهم مميّزات هذا النوع من الخطابة ؛ فالخاتمة وإن كانت جزءاً من مكونات الخطبة ، لكنّها في شعور وإحساس المخاطب الحسيني هي روح الخطبة ؛ لأجلها تجتمع الناس ، وهي تبقى في وجدان السامع يترقّب الخطيب بلوغها ؛ ليعبّر عن ولائه ومشاعره تجاه صاحب المصاب ، وهي ميدان عظيم به يتفاضل الخطباء .

وينبغي للخاتمة هنا أن تتّصف بالاُمور التالية ؛ لتؤدي غرضها في التأثير :

أ ـ وحدة المناسبة بينها وبين الموضوع ؛ أن يكون الربط بينهما واضحاً صحيحاً قريباً .

ب ـ الغرض من الخاتمة هو إثارة عواطف المخاطبين , وتأجيجها باتّجاه الأمر الذي يراد تفاعلهم معه . فيجب أن لا يقتحم الخطيب هذا الجزء من غير تمهيد له بقصّة ، أو بأيّ شيء آخر ؛ فإنّ


الصفحة (44)

التمهيد يستقطب مشاعر الحاضرين ، ويهيّئ عواطفهم ، ويجعلها حاضرة الاستجابة مع الحدث المطروح .

ج ـ تصوير الفاجعة والمصاب بنحو يأخذ أثره في نفوس وقلوب السامعين ، وكلّما كان أكثر إبداعاً كان أشدّ تأثيراً على القلوب ، فليحسن الخطيب فن تصوير الحدث .

د ـ يجب على الخطيب أن يعتمد على المصادر التاريخية الموثوقة المعتبرة في نقل وقائع الحدث المذكور في الخاتمة ، وخاصّة في مورد ما جرى على أهل البيت من المصائب .

أمّا ما يذكر من تصوير بعض الاُمور والأحداث على غير ما هي في الواقع ، وإن كان البعض منها يؤدّي دوره في التأثير على عواطف الناس ، فإنّه يعدّ تشويهاً للحقائق .

وأيّ حقائق ؟ الحقائق المرتبطة بأهل البيت (عليهم السّلام) الذين طهّرهم الله تعالى من كلّ رجز , فإن ظنَّ أنّ هذا سبيل لتقريب القلوب منهم (عليهم السّلام) فإنّه طلب للحقّ من غير سبيله ، وأهل البيت أجلّ من أن يطلب لهم الحقّ من طريق الباطل .

كما لا يغيب عن الخطيب والأديب الحسيني بأنّ كلّ ما يقوله يتحمّل مسؤوليته أمام الله تعالى ، وسيُسأل عنه . نعم ، لا بأس أن يصوّر الحدث التاريخي الموثّق بذكر الملازمات القريبة منه ، التي لا يكذّبها الواقع ، وهي من صلب الواقع ، وإن لم تذكر مع المنقول من الحدث .

جاء رجلٌ مرتعباً إلى الشيخ العلاّمة محمد علي ابن الشيخ الوحيد البهبهاني (رحمه الله) من حلم رآه في ليلته الماضية ؛ رأى كأنّه يقطع


الصفحة (45)

بأسنانه بدن سيّد الشهداء ثمّ يأكله .

اهتز الشيخ بهذه الرؤيا ، ثمّ سأله عن عمله ، فأخبره بأنّه (يقرأ المراثي) ، فنصحه الشيخ بترك ذلك ، أو أنّه يعيد النظر فيما يقرأه ويقوله ؛ بأن يعتمد على الصحيح والموثوق عند ذكر المصائب ، فقد كان يمزج الباطل بالحقّ ، والموضوع بالصحيح ؛ ظناً منه أنّه يحسن عملاً(1) .

خصائص ألفاظ الخطابة

1 ـ ألاّ تكون الألفاظ مبتذلة ، أو مستقلة إلى درجة العامّيّة ؛ فيحسن بالخطيب أن ينتقي ألفاظ الخطبة من غير أن يغرب فيبتعد عن المفهوم المألوف ، ومن غير أن ينزل فينطق بالمبتذل ، أو العاميّ في حضرة مَنْ يفهم الفصحى(2) .

ولقد دأب كبار الخطباء على مزج وجمع الألفاظ من العاميّ والفصيح ، مع مراعاة جمال الألفاظ فيهما معاً .

2 ـ إنّ كلّ جماعة عندها طائفة من الألفاظ إذا ذكرت أثارت خيالات تهزّ النفس بالسرور والاطمئنان ، أو بالسخط والغضب ، فالخطيب الماهر مَنْ يقتبس من هذه الألفاظ ما يكون له الأثر الكبير فيما يريد(3) .

3 ـ أن يكون اللفظ واضحاً مكشوفاً ، وقريباً معروفاً ، من السهل إدراك معناه ، والوصول إلى مرماه ، لا يبعد عن مألوف السامعين ، وإلاّ

ــــــــــــــ

(1) حكايت ها وهدايت ها در آثار شهيد مطهري / 319 . (فارسي)
(2)
الخطابة ـ اُصولها ، تاريخها / 143 .
(3)
المصدر نفسه / 143 .


الصفحة (46)

كان غريباً يعلو على مداركهم(1) .

كيفية الإلقاء

المرحلة هنا هي مرحلة أداء ما كتب وخطط له بالمواجهة المباشرة مع الحاضرين ، ولا شكّ إنّها مرحلة ليست سهلة على الخطيب خاصّة المبتدئ ، وبهذا الميدان يتفاضل أيضاً الخطباء.

فهناك عوامل كثيرة تتظافر في إنجاح الخطيب في إلقائه ، منها :

1 ـ النطق

النطق الحسن هو الدعامة الأولى للإلقاء الجديد ، وإذا اعترى النطق ما يفسده ضاع الإلقاء ، فضاعت معه الخطبة وآثرها ، وفقد الخطيب ما يسمو إليه من وراء البيان ، ولا شيء يذهب بالمعنى الجيد أكثر من النطق الرديء ، وكثيراً ما يُفهم المعنى على غير وجهه ؛ لأنّ النطق قلبه ولم يصوّره تصويراً صادقاً .

والنطق الجيد يحتاج إلى أركان , هي :

أ ـ النطق الجيد

تجويد النطق بأن تخرج الحروف من مخارجها الصحيحة ، وليس معنى ذلك أن يتشادق أو يتكلّف بما يثير سخرية السامع ، أو يثقل القول عليهم .

ب ـ مجانبة اللحن

النطق بما توجبه قواعد العربي في أواخر الكلمات ، ويراعي ذلك مراعاة تامّة في مجلس يحضره مَنْ يفهم ذلك ، ويتابع على

ــــــــــــــ

(1) المصدر نفسه / 142 .


الصفحة (47)

الخطيب أقواله وألفاظه وعباراته .

ج ـ التمهّل في الإلقاء

يعدّ التمهّل من أمارات قدرة الخطيب على التحكّم في الجوانب الفنيّة في الخطابة ، وإن من أشدّ ما يعترض الخطيب المبتدئ هو عدم قدرته في البدء على التحكم في أقواله وإلقائه .

[ وعليه ] يجب مراعاة وملاحظة العناصر المهمّة في الإلقاء الجيّد :

أ ـ يراد من التمهّل في الإلقاء أن لا يكون الخطيب سريعاً في أقواله متعجّلاً ؛ فإنّ السرعة إضافة على دلالتها على فقدان سيطرة الخطيب ، وعدم رباطة جأشه ، فإنّها تشوّه مخارج الحروف ، وتخلط بعضها ببعض ؛ لأنّ عضلات الفم واللسان لا تأخذ الوقت الكافي للانتقال من لفظ إلى لفظ .

ب ـ الخطيب السريع في نطقه لا يعطي السامع الفرصة الكافية لفهم ما يسمع ، وتذوّق ما فيه من صقل اللفظ وجودة المعنى ، فإذا قرعت أذنه عبارة قبل أن يتذوّق ما في الأولى من جمال يعروه التعب ، ويسكن قلبه السأم ، وينصرف عن الإصغاء .

ج ـ الإسراع المفرط يجعل الخطيب يهمل الوقوف عند المقاطع الحسنة .

وممّا يجب الالتفات إليه أنّ التمهّل ليس معناه النطق هادئاً هدوءاً تاماً فتعدم الخطبة الحياة والقوّة ، بل يجب أن يكون في نغمات الصوت ورنّاته ، وملامح الخطيب ونظراته ، والتغيّر النسبي في التمهّل


الصفحة (48)

والسرعة ، ما يعطي الخطبة الحرارة والقوّة والحياة(1) .

فعلى الخطيب أن يلاحظ مقاطع الخطبة فيسرع حيث تحتاج إلى السرعة ، ويتمهّل حيث تحتاج إلى التمهّل ، فالجمع بينهما يعطي للخطبة قوّة وحياة .

2 ـ تصوير المعاني بالنطق تصويراً معبراً

ويكون ذلك بالاُمور التالية :

أ ـ ألاّ يجعل صوته نمطيّاً يكون على وتيرة واحدة ، وبشكل واحد لا تغيّر فيه ولا تبديل ؛ فإنّ ذلك يلقي في نفس السامع سآمة ومللاً ، ووراءهما النفور والانصراف(2) .

ب ـ وممّا يحتاج إلى التغيّر والتبدّل في الصوت ، التصرّف في فنون القول بأن تتعاقب على المعنى ، أو المعاني ضروب مختلفة من التعبير.

فالجملة الاستفهامية تختلف في نغمة إلقائها عن جملة التمني ، وهذه تختلف عن جملة التعجّب ، وكما للأمر صيغة تدلّ عليه تختلف عن صيغة الخبر ، فليجعل المتكلّم من نغمات صوته ما يدلّ على ذلك التغاير وهذا التفاوت .

وإذا كانت اللغة قد جعلت صيغ الأمر هي التي تدلّ على الدعاء أو الالتماس ، فقد تركت للمتكلّم واجب إشعار السامعين بالتغاير بينهما ، فليجعل لهجة الأمر تختلف عن لهجة الدعاء ؛ فإنّ لكلّ منهما مقصداً خاصاً يفهم من فحوى الكلام ، ومن صوت

ــــــــــــــ

(1) المصدر نفسه / 168 .
(2)
المصدر نفسه / 171 .


الصفحة (49)

الخطاب(1) .

ج ـ كما تختلف الجمل في معانيها تختلف الكلمات أيضاً في معانيها ، وكلّ معنى يحتاج إلى نغمة صوتية معبرة عنه ، كما احتاج إلى لفظ دالّ عليه .

فالإشفاق والتوجّع ، والكآبة والتردّد ، والفرح والحزن ، والضحك والدهشة ، والشكوى واليأس كلّها ذات معاني تحتاج إلى أصوات تناسبها ، وتساعد الألفاظ في الدلالة عليها .

هذا وكلّ جملة فيها كلمة ذات معنى رئيسي هو عمود الجملة ، والمقصد الذي سيقت له ، فقول أمير المؤمنين (عليه السّلام) : (( أعجب ما في الإنسان قلبه ، وله مواد في الحكمة ، وأضداد من خلافها )) . فكلمة ( قلبه ) هي ذات المعنى الرئيس فيه ، فعند النطق بها يجب أن تُعطى شعاراً صوتياً يدلّ على شرفها , ويوجه الأنظار إليها .

وعلى الخطيب أن يراعي المعتاد من الناس في محادثاتهم في رفع أصواتهم أو انخفاضها ، فهي الحاكية الصادقة ؛ فإنّه إن فعل ذلك كان صادراً في نغماته عن إحساسهم ومشاعرهم وذوقهم العام(2) .

د ـ على الخطيب أن يقوم بتقطيع الخطبة إلى مقاطع مختلفة متنوعة من حيث المضامين ، ويجب أن يختار المقاطع التي يقف عليها ، بحيث يكون وقوفه عند نهاية جزء تام من المعنى الذي يريده ، وأن يكون المقطع ذا رنين قويّ يملأ النفس ويوجّهها نحو الغرض

ــــــــــــــ

(1) المصدر نفسه / 172 .
(2)
المصدر نفسه / 172 .


الصفحة (50)

الذي يريده الخطيب(1) .

وهذا العمل له أثر كبير على جلب اهتمام وانتباه السامع ؛ لأنّه يفتح المجال له في متابعة الخطيب في استدراجه للموضوع والمضامين ، والمحتوى الذي يريد إيصاله ، بخلاف فيما لو كانت الخطبة غير مقطّعة ؛ فإنّ المطالب تندمج بعضها ببعض ، فيضيع مراد الخطيب من ذهن السامع .

هـ ـ تجميل الكلام في بعض الأحوال بعبارات تثير انتباه السامع ، خاصّة إذا كانت معبّرة عن واقعة ، ومن الخطباء مَنْ يجمّل خطبهم ببعض المداعبات ، فيحسن أن يكون ذلك منهم بقدر محدود ؛ ليستريح بها السامعون فيستجمعوا نشاطهم ويبعد سأمهم(2) .

وينبغي أن نلفت الانتباه هنا أن ذكر المداعبات في المجلس ليس أمراً مسموحاً به لكلّ خطيب ، فينبغي أن يبتعد عنه الخطيب المبتدئ ؛ فإنّ ذلك يحتاج إلى فذلكة عظيمة ، ولا تكون إلاّ للخطيب الماهر الذي يحسن استخدامها .

ــــــــــــــ

(1) المصدر نفسه / 151 .
(2)
المصدر نفسه / 149 .


الصفحة (51)

نموذج خطابي

نعرض الآن نموذجاً خطابياً قصيراً ، وقد سبق القول بأنّ الأولى بالخطيب المبتدئ أن يتبنّى مثل هذه المحاضرات لسهولة تحضيرها وأدائها ، ومثل هذه المحاضرات قائم على بيان فكرة واحدة معبّرة ، هي محور الموضوع ، يراد طرحها وتأييدها بالأدلّة المقوّية لها ، كما تقدّم في بيان المواضع .

أولاً : لا بدّ أن نلفت الانتباه هنا بأنّ الخطيب لا بدّ أن يبدأ الخطبة بالبسملة لا بشيء آخر ؛ فإنّ كلّ كلام لا يبدأ بالبسملة فهو أبتر . والبسملة يمكن للخطيب أن يعاذ في خطبته من الشيطان ، وأن يؤيّد برحمة الرحمن ؛ فأوّل القول : بسم الله الرحمن الرحيم .

ثانياً : في هذه الخطبة القصيرة محور يتناول تأثير الأموال في عقائد الناس وسلوكهم ، ويؤكّد على خصوص جانب واحد منها ، هو تأثير الأموال السلبي ، وعليه فلا بدّ أن نختار افتتاحية للموضوع تتناول هذه القضية .

نفتتح قوله تعالى : ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصّدّقَنّ وَلَنَكُونَنّ مِنَ الْصّالِحِينَ ، فَلَمّا آتَاهُم مِن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ، فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى‏ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ﴾(1) .

ــــــــــــــ

(1) سورة التوبة / 75 ـ 77 .


الصفحة (52)

ثالثاً : المقدمة

لا يمكن صدور هذا العالم من غير غاية ؛ لأنّ الخالق له حكيم عليم ، فكلّ شيء له غاية ، وإنّ عدم علمنا على وجه التفصيل لخصوصيات الحكمة والغاية في الكثير من الموجودات لا يعدّ دليلاً على عدم وجود الغاية ، فالغاية ما كانت عند الخالق .

حكي أنّ المنصور كان جالساً فألحّ عليه الذباب حتّى أضجره ، فقال : انظروا مَنْ بالباب من العلماء ؟ فقالوا : مقاتل بن سليمان . فدعا به ثمّ قال له : هل تعلم لأيّ حكمة خلق الله الذباب ؟

قال : ليذلّ به الجبابرة .

قال : صدقت .

فلكلّ شيء غاية ، فما غاية خلق الإنسان ؟

يصرح القرآن الكريم بأنّ الإنسان كغيره من الموجودات لم يخلق عبثاً ؛ [ حيث يقول تعالى : ] ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ ﴾(1) .

غاية خلق الإنسان أن يعبد الله وحدّه لا شريك له .

أمّا العبادة فتحتاج إلى مقوّمات حتّى يستطيع الإنسان أن يمارس أعماله على نحو مطابق لغاية خلقه ، فخلقت لذلك السماء والأرض ، والنبات والحيوان ، وأعطيت له الصحة ، وشرع له الزواج ، ورزق الأولاد ، فجميع ذلك من مقوّمات العبادة .

ــــــــــــــ

(1) سورة المؤمنون / 165 .


الصفحة (53)

رابعاً : محور الموضوع

لمّا كانت الغاية هي عبادة الله ، وإنّ ما أُعطي للإنسان إنّما مقوّمات للعبادة ، فعليه أن يوظّفها في ذكر الله وطاعته ، والأموال من جملة الأشياء التي أُعطيت للإنسان .

الأموال طريقها الصحيح أن توظّف في ذكر الله تعالى ، لكن تجد البعض يُسيء استعمالها . كيف ؟ الأموال تأخذ دوراً عظيماً في تأثيرها على سلوك الناس ، فقد يكون البعض في حال الفقر متوجّها إلى خالقه وربّه بالعبادة ، وأداء وظائفه الشرعيّة .

أمّا لو أُعطي من الأموال لم يكن من أمره غير الانحراف عن جادّة الصواب ، فتكون الأموال سبباً لزيغه ونكوصه .

وهذا الأمر ليس ضرباً من الخيال ، وإنّما الواقع شاهد على ذلك ، وخير دليل عليه ما نطقت به الآية الكريمة ، فهي حاكية عن أمرٍ وقع في عهد النبيّ (صلّى الله عليه وآله) .

كان ثعلبة بن حاطب رجلاً فقيراً ، مؤمناً مواظباً على الطاعة ، يصلّي مع النبيّ (صلّى الله عليه وآله) جميع صلاته اليوميّة في المسجد ، فجاء إلى النبيّ (صلّى الله عليه وآله) يوماً فقال : ادعُ الله أن يرزقني مالاً .

فقال : (( يا ثعلبة ، قليل تؤدّي شكره خير من كثير لا تطيقه ، أما لك في رسول الله أسوة حسنة ؟! والذي نفسي بيده لو أردت أن تسير الجبال معي ذهباً وفضة لسارت )) .

الصفحة (54)

ثمّ أتاه بعد ذلك فقال : يا رسول الله ، ادع الله أن يرزقني مالاً . والذي بعثك بالحقّ ، لئن رزقني الله مالاً لأعطين كلَّ ذي حقّ حقّه .

التفت إلى قول ثعلبة إنّه يعرف أنّ الأموال موضعها الصحيح أن توظّف في طاعة الله تعالى .

فقال (صلّى الله عليه وآله) : (( اللّهمّ ارزق ثعلبة مالاً )) .

فاتّخذ غنماً , فنمت كما ينمو الدود ، فضاقت عليه المدينة فتنحّى عنها ، فنزل وادياً من أوديتها ، ثمّ كثرت نمواً حتّى تباعد من المدينة ، فاشتغل بذلك عن الجمعة ، وبعث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) المصدق ليأخذ الصدقة , فأبى وبخل ، وقال : ما هذه إلاّ اُخت الجزية !

فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( يا ويح ثعلبة ! يا ويح ثعلبة ! )) . فأنزل الله تعالى هذه الآيات(1) .

﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصّدّقَنّ وَلَنَكُونَنّ مِنَ الْصّالِحِينَ ، فَلَمّا آتَاهُم مِن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ، فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى‏ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ﴾(2) .

فتأمّل في عاقبة ثعلبة كيف انقلب على عقبيه , يوم كان فقيراً كان مواظباً على طاعة الله ، ولمّا أتاه الله الأموال قسا قلبه واتّبع أهواءه ؛ حبّاً في الدنيا ، فلم يستعمل ما أوتي من المال في طاعة الله ، مع علمه السابق على أنّ الأموال طريقها هو ذكر الله تعالى .

ــــــــــــــ

(1) الميزان في تفسير القرآن 9 / 69 .
(2)
سورة التوبة / 75 ـ 77 .


الصفحة (55)

خامساً : الخاتمة

هذا نموذج والواقع فيه نماذج كثيرة . إنّ الأموال قد تدفع الكثير على فعل القبيح ، وارتكاب الجرائم ، وما طمعهم في ذلك إِلاّ حبّ الدنيا وشهواتها .

ألم تعلم بالذين قاتلوا الإمام الحسين (عليه السّلام) , ألم يعلموا أنّه ابن رسول الله ؟! ألم يعلموا أنّه إمام لا يجوز الخروج عن طاعته ؟! فعلوا أعظم جناية قتلوه ومَنْ كان معه من أهل بيته وأصحابه ، وكان الدافع في ذلك حبّ الأموال ، حبّ الدنيا .

الشاهد على ذلك ، لمّا خرج الإمام الحسين (عليه السّلام) متوجّهاً إلى الكوفة والتقى في طريقه مع الحرّ بن يزيد ومَنْ كان معه أتى بعد ذلك ابنَ زياد رجل من عسكر الحرّ من غير علمه ، وقال : اعلم أيّها الأمير ، أنّ الحسين نزل في أرض كربلاء وضايقناه ، ولولا كنّا لرجع إلى المدينة ، فعند ذلك أطلق منادياً في الكوفة : يا معشر الناس ، مَنْ يأت برأس الحسين فله ملك الريّ عشر سنين .

فقام إليه عمر بن سعد ، وقال : أنا آتيك برأسه . فقال : امض وامنعه من شرب الماء وائتني برأسه . فقال : سمعاً وطاعة .

فعند ذلك عقد له راية وأمّره على ستة آلاف فارس ، ثمّ أمره بالمسير ، فخرج من عنده وأتى داره ، فدخل عليه أولاد المهاجرين والأنصار الذين كانوا بالكوفة , وقالوا :


الصفحة (56)

ويلك يابن سعد ! لا تخرج إلى حرب الحسين . فقال : لست أفعل .

ثمّ جعل يفكّر في ملك الريّ وحرب الحسين ، فاختارت نفسه ملك الريّ على حرب الحسين ، ثم جعل يقول :

فـو اللهِ ما أدري وإنّي لحائرٌ       اُفكّرُ في أمري على خطرينِ
أأتركُ ملكَ الريّ والريّ مُنيتي       أم أصبحُ مأثوماً بقتلِ حسينِ(1)

واختار قتل الحسين حبّاً في ملك الريّ مع علمه أن قتاله إثم ، فخرج لقتاله ووقف أمام الحسين (عليه السّلام) يوم العاشر من المحرّم ، فانفرد من الجيش ووضع سهماً في كبد قوسه ، ثمّ رمى نحو الإمام ، والتفت إلى أصحابه قائلاً : اشهدوا لي عند الأمير أنّي أوّل مَنْ رمى(2) . قال ذلك لينال الجائزة .

أقول : هذا سهم ، ثمّ ترادفت السهام على أبي عبد الله الحسين ، وعلى أهل بيته وأصحابه . وهناك سهم نحر الطفل الرضيع من الوريد إلى الوريد ، وهناك سيف وقع على رأس علي الأكبر ، وهناك عمود وقع على رأس أبي الفضل العباس .

وأمّا الحسين لمّا أُثخن بالجراح [ وأصبح ] كالقنفذ طعنه صالح بن وهب المزني (لعنه الله) على خاصرته طعنة سقط الحسين (عليه السّلام) عن فرسه إلى الأرض على خدّه الأيمن ، ثمّ قام (صلوات الله عليه) .

ــــــــــــــ

(1) إكسير العبادات في أسرار الشهادات 2 / 148 .
(2)
الملهوف على قتلى الطفوف / 108 .


الصفحة (57)

قال الراوي : وخرجت زينب من باب الفسطاط وهي تنادي : وا أخاه ! وا سيداه ! وا أهل بيتاه ! ليت السماء أطبقت على الأرض ، وليت الجبال تدكدكت على السهل(1) .

فنختار هنا أبياتاً من الشعر تتناسب وتتلائم مع هذه المصيبة ، بحيث تكون الأبيات ذات معنى عميق يعبّر عن حقيقة الفاجعة المؤلمة ، وتهيّج مشاعر وأحاسيس السامعين .

ملاحظات

1 ـ على الخطيب أن يكتب جميع تفاصيل الخطبة التي يعزم على إلقائها ؛ فإنّ ذلك ضامن لسداد رأيه ، كما ينبغي له أن يحفظها ، ويردّدها بصوته قبل الإلقاء على الناس بحسب ما يراه مناسباً ؛ فإنّ ذلك يتيح له فرصة التعرّف على الاُمور التي تقتضي الوقوف عندها ، أو الاُمور التي تحتاج إلى التغيير والتعديل ، ويستمر على هذا المنهج حتّى إذا صارت له الخطابة ملكة ، وعُدّ في صفوف الخطباء اكتفى بدراسة الموضوع دراسة وافية .

ثمّ كتب العناصر أو لم يكتبها إن أسعفته ذاكرة قوّية ، أو كانت الخطبة قصيرة لا عناصر لها , ألقى الخطبة مكتفياً بذلك التحضير الذي يعدّ أقل أنواعه كلفة ، ولا يكتفي به إلاّ أعظم الخطباء قدرة(2) .

ــــــــــــــ

(1) الملهوف على قتلى الطفوف / 17 .
(2)
الخطابة ـ اُصولها ، تاريخها / 16 .


الصفحة (58)

2 ـ الافتتاح بهذه الآية الكريمة مثلاً على الرغم من اختيار محور واحد منها ، لكنّها في الواقع تحتوي على محاور عديدة يمكن للخطيب البحث فيها ، والاعتماد عليها في توسيع المحاضرة وتطويلها ، والتوسّع في ذلك يعتمد على قدرات وقابليات الخطيب ، ولكنّ الأولى بالمبتدئ ـ كما قلنا ـ تبنّي المحاضرات القصيرة ، حتّى إذا اكتملت قابلياته يتوسّع شيئاً فشيئاً .

3 ـ الأفضل للخطيب المبتدئ أن يستفيد من أجهزة تسجيل الصوت والصورة ؛ ليطّلع بنفسه على أدائه ، ويشخّص مواطن الضعف والقوّة فيه .


الصفحة (59)

الدعاء

الدعاء في آخر الخطبة جزء ضروري من أجزائها . ينبغي أن يكون بنحو حسن كبقية أجزاء الخطبة ، وإنّ كثيراً من الخطباء المبتدئين حينما ينتهي إلى الدعاء يبدو عليه الاضطراب والتخبّط في أقواله ، حتّى إنّ البعض يصاحب أقواله الأخطاء التي في بعضها مثار للسخرية ، وتدنّي لمهابة الخطيب .

والسبب في ذلك أنّ الخطيب لم يهيّئ له صيغة خاصّة للدعاء كتهيئة أجزاء الخطبة الاُخرى ؛ فلكي تتلافى هذه المشكلة ينبغي بالخطيب أن يتوجّه إلى صيغة الدعاء الصحيحة ، وتكون على النحو التالي :

1 ـ التمجيد لله (تعالى) والصلاة على النبيّ وآله .

2 ـ الدعاء بالفرج لصاحب العصر والزمان ، الإمام الحجّة بن الحسن (عليه السّلام) ، والدعاء بالكون معه لنصرته ، والاستشهاد بين يديه .

3 ـ الدعاء بالنصر للإسلام والمسلمين ، والدعاء بالهلاك لأعداء الإسلام .

4 ـ الترحّم لعلماء الاُمّة الماضين ، والدعاء بالتوفيق ، والحفظ لدعاة وقادة الاُمّة ، وعلمائها الموجودين .

5 ـ الدعاء للمؤمنين الحاضرين في المجلس ، والسامعين له بقضاء الحوائج ، وتيسير المطالب ، وشفاء المرضى ، وقضاء الدين ، ودفع البلاء ، والحفظ من كلّ سوء ، وحسن العاقبة .

6 ـ الدعاء للمؤسسين بقبول الأعمال والتوفيق .


الصفحة (60)

7 ـ ثمّ قراءة الفاتحة على أرواح الأموات ـ أموات الجميع ـ , ثمّ الصلاة على النبيّ وآله الطاهرين .


الصفحة (61)

الباب الرابع

الصوت

 

1 ـ الصوت

2 ـ صوت الإنسان

3 ـ خصائص الصوت

4 ـ عيوب الصوت

5 ـ التحكم في الصوت

6 ـ الإشارات

7 ـ الجلوس


الصفحة (62)

الصوت

إنّ للأصوات أثراً كبيراً في حسن وقع الكلام أو قبحه ، وليس المرجع في ذلك جمالها وقبحها ، ولكن عمقها وركوزها ورياضتها على تصوير المعاني ، وجودة نقل الخواطر ؛ فإنّ الألفاظ والأصوات متعاونات في الدلالة على المعاني النفسيّة ، فألفاظ التألّم والحزن والغم مثلاً إذا سمعتها مجردة ما أثارت في نفسك شيئاً .

أمّا إذا سمعتها من متألم ، واشترك صوت متأثر بالآلام مع اللفظ ، أثارت في نفسك خواطر الأسى ومواضع الحزن ، وأحسست بالألم العميق ، تشترك فيه مع مَنْ حكى لك آلام نفسه في نغمات صوته .

وليعلم الخطيب أنّه لا شيء كالصوت يعطي الألفاظ قوّة حياةٍ ، وإنّه إذا أحسن استخدامه خلق جواً عاطفياً يظُلّ السامعين ، وبه يستولي عليهم(1) .

أمّا جمال الصوت وقبحه فله وقع آخر في النفس من نوع آخر . فمن الناس مَنْ يسمع الإنسان صوته محدّثاً أو قارئاً أو خطيباً فيشعر بنغماته تثير ارتياحه ، وبرنينه يهزّ إحساسه ، وبعمقه يصل إلى أبعد غور في نفسه ، وبتشكيله بأشكال مختلفة يتّضح المعنى ، وينكشف المبهم ، ومن الناس مَنْ تسمع منه أجمل العبارات ، وأجود الألفاظ الدالّة على المعاني ، فترى العبارات قد فقدت جزءاً كبيراً من بهجتها ، وذهب من المعاني أكثر روعتها(2) .

ــــــــــــــ

(1) المصدر نفسه / 170 .
(2)
الخطابة ـ اُصولها ، تاريخها / 170 .


الصفحة (63)

فلمّا كان الإنسان مجبولاً بفطرته على الميل نحو الجميل والنفور عن القبيح ، فيمكن أن يكون الصوت سبباً لقبول الدعوة إذا كان حسناً ، ويمكن أن يكون سبباً للنفور والابتعاد عنها إذا كان قبيحاً .

قيل : إنّ رجلاً مسلماً كان يؤذّن في المسجد يومياً ، جاءه رجل يهودي يشكره على الخدمة الجليلة التي أسداها له , فأنكر المسلم ذلك ؛ لأنّه لم يسبق بمعرفته ، ولم يقدّم له أيّ خدمة استحقت الشكر والثناء ، غير أنّ اليهودي أجابه : بأنّ له بنتاً اعتنقت الدين الإسلامي , وأصرّت عليه قبال محاولاته المتكرّرة في إرجاعها لليهودية , ولمّا سمعت ذلك الصوت المزعج من ذلك المؤذّن دخل في قلبها الاشمئزاز والنفور ؛ ممّا خفّف وطأة إصرارها على الإسلام حتّى عادت فيما بعد إلى اليهودية ! فَكان هذا العمل من هذا المؤذّن استحق الشكر في نظر اليهودي ؛ لأنّه صنع ما لم يصنعه(1) .

وقد ورد في الفقه الإسلامي استحباب أن يتقدّم للأذان مَنْ كان صوته جميلاً ؛ لأنّ طبع الإنسان ميّال إلى الجميل ، وكذلك في قراءة القرآن أمام الناس ؛ فإنّ اللحن الحسن والصوت الجميل لهما أثر في القلوب .

إنَّ من أبرز الاُمور التي ميّزت الخطابة المنبرية عن غيرها تضمّنها لجزء واسع من الأداء الصوتي ، فعلى الخطيب أن يراعي

ــــــــــــــ

(1) حكايت ها وهدايت ها در آثار شهيد مطهري / 320 . (فارسي)


الصفحة (64)

هذين الأمرين :

أ ـ أن يتقن أطوار الخطابة الحسينيّة المختلفة ، ويستفيد منها بحسب أذواق الحاضرين ، فإنّ لكلّ جماعة ذوقاً ينبغي مراعاته والقراءة على طبقه ؛ فإنّ ذلك ضامن لامتلاك نفوسهم وعواطفهم .

ب ـ أنَّ المنبر الحسيني كما إنّه وسيلة للهداية والإصلاح ، فهو عبرة تمتزج العواطف مع أهل البيت (عليهم السّلام) تعبيراً عن الولاء والإخلاص لهم ؛ ولهذا فإنّ غالبية الناس لا يفرّطون بهذه الدموع ، فيرجّحون غالباً المنبر الذي فيه ذلك ، وإن كان بسيطاً في موضوعه على المجلس الذي يخلو من ذكر مصائب أهل البيت (عليهم السّلام) ، وإن كان المتحدّث يأتي بالجديد والغريب .

إضافة إلى ذلك أنّ الناس يرجّحون الخطيب الذي يتمتّع بصوت حسن ، وأداء جيد على الخطيب الذي ليس لديه حظّ من ذلك ؛ لما تقدّم في أنّ الخطيب مهمّته تقريب القلوب من صاحب المصاب .

فالخطيب الذي ليس لديه ما ترغب به الناس أن لا يقحم نفسه معهم ؛ فإنّ النتيجة سوف لا تكون بصالحه ، والتجربة شاهد على ذلك ، إلاّ إذا علم توافقهم مع ما عنده .

صوت الإنسان

إنّ مصدر حدوث الصوت في الإنسان هما الحبلان الصوتيّان في الحنجرة ، والحبلان الصوتيّان غشاءان عضليّان مثبّتان بين الغضروف العلوي والخلفي للحنجرة ، وبينهما فتحة ضيّقة ، ويتحكّم في شدّ وارتخاء هذين الغشاءين عضلات خاصة ، فإذا كان الإنسان صامتاً فإنَّ الحبلين الصوتيين يكونان مرتخيين ، وإذا تحدّث الإنسان فإنّ الحبلين


الصفحة (65)

الصوتيين يصبحان مشدودين ، وتضيق الفتحة بينهما ، وعندما يندفع الهواء بين الحبلين الصوتيين فإنّهما يهتزّان ، وبمساعدة الحلق واللسان ، والشفتين والأسنان يتشكّل صوت الإنسان وتُسمع الكلمات .

خصائص الصوت

وهي ثلاث :

أ ـ القوّة (شدّة الصوت)

هي سعة اهتزازات الآلة الصوتية ، وهي تتعلّق بالقوّة التي يطرد فيها الهواء الرئتين ، كما إنّ قوّة الصوت الخارج من أوتار العود مرجعها قوّة ضرب الأنامل .

ب ـ النبرة (درجة الصوت)

وهي في درجة شدّ الأوتار ، أو ما ينجم عنها من تغيّر في مدى الاهتزاز ، وهذا الشدّ تقوم به عضلات الحنجرة التي تشدّ أو ترخى ، والتي قد يصيبها الشلل كما في بعض الأمراض العصبية فيبحّ الصوت أو ينطفئ .

ج ـ الرنّة (نوع الصوت)

وهي التي تميّز الأصوات بعضها عن بعض ؛ لأنّها تتعلّق بتجويف الفم ، وتختلف في كلّ واحد باختلاف هذا التجويف ؛ إذ لا علاقة للرنّة في قوّة الصوت ونبرته ، وقد يصل الإنسان بالتمرين إلى تبديل رنّة صوته ، كما يفعل المقلّدون في محاكاة غيرهم من الناس ، أو محاكاة أصوات الحيوانات .


الصفحة (66)

عيوب الصوت وعلاجها

عيوب الصوت كأن تكون رنّات الصوت مزعجة ، أو لا تكون من القوّة بحيث تسترعي الانتباه ، أو يكون بالخطيب ضيق نفس بحيث لا يستطيع أن يقول كلاماً مفيداً من غير أن يقطع النفس بيانه ، ويفسد عليه استرساله ، وهذه العيوب بعضها يعالج بالمران ، وبعضها يستعان عليه بالطبّ مع المران .

وقد وضعوا بعض المحاولات في تحسين رنّة الصوت أو قوّته ، كما إنّه ليس هناك أنفع أثراً من المران .

فإذا كنت تحسّ أنّ كلامك مضطرب ، ونبرات صوتك تثير السخرية للسامع ، أو لا تسترعي التفاته ، فجرّب التمرينات التالية عشر دقائق كلّ يوم لمدّة شهر :

أ ـ خذ نفساً عميقاً ثمّ الهث بسرعة ونشاط حتّى تتعب ، ثمّ حاول أن تضحك وأن تستنشق الهواء ببطء عدّة مرّات ، وحاول عند الزفير أن تكرّر كلمتي (هوت) (هات) ، ولا تيأس أذا أجهدتك هذه التمرينات في الأيام الأولى ؛ فإنّ ذلك يدلّ على أنّ عضلة الحجاب الحاجز عندك في حاجة إلى تنشيط .

ب ـ لتنشيط عضلات الفكّين حوّل رأسك في حركات دائرية ، ثمَّ تثاءب وأَدر فكَّيك ببطء من جانب إلى جانب ، ثمَّ اقرأ في همس وبسرعة حتّى تتعب الأوتار .

إنّ بعض العيوب ترجع إلى ضعف نبرات الصوت ، وإلى سوء نطق الحروف التي تتكوّن بتحريك اللسان والشفتين ، والأسنان وسقف


الصفحة (67)

الحلق والفكين في أوضاع مختلفة ، وهذه التمرينات مفيدة لتلافي هذه العيوب .

ج ـ إذا كنت ( أخنب ) ، كلامك يبدو من أنفك ، فإنّ ذلك يرجع إلى أنّك تسدّ أنفك أثناء الحديث ، فتحرم نفسك بذلك من تكبّر وترشّح مهم للصوت .

حاول أن ( تدندن ) لبضع دقائق ، وأن تعود إخراج الصوت من الأنف بالإكثار من ترديد كلمات تنتهي بالحرفين ( م ، ن ) أو المقطع ( إنچ ) .

د ـ إذا كان الصوت ضعيفاً فعلاجه بتقوية الرئتين بالصياح كما فعل ( ديموستين ) ؛ فقد كان ضعيف الصوت ، فلمّا أراد أن يصبح خطيباً راض نفسه ، فصعد على الجبال الوعرة ، ووقف قرب ساحل البحر ، محاولاً أن يكون صوته أعلى من صخب أمواج البحر . وقد كان له ما أراد بتلك المحاولات(1) .

التحكّم في الصوت

أ ـ أن يجعل الخطيب صوته مناسباً لسعة المكان ، ولعدد السامعين ، فلا ينخفض حتّى يصير همساً في آذانهم ، ولا يعلو حتّى يكون صياحاً ، بل يكون بين هذا وذاك .

ب ـ وعند الابتداء يبتدئ بصوت منخفض ، ثمّ يعلو شيئاً فشيئاً ؛ فإنّ العلوّ بعد الانخفاض سهل ، ووقعه على السامعين مقبول ،

ــــــــــــــ

(1) كيف تكسب الثروة والقيادة .


الصفحة (68)

أمّا الانخفاض بعد الارتفاع فلا يحسن وقعه(1) .

ج ـ على الخطيب أن يوازن بين الزمن الذي تستغرقه خطبته والمجهود الصوتي الذي يجب بذله ، وليجعل هذا على قدر تلك المدّة ؛ وإلاّ أصابه الإعياء قبل الوصول إلى الغاية ، وهذه مشكلة حقيقية يعاني منها الكثير من الخطباء ، خاصّة الخطباء المبتدئين ، فإنّ صوته لا يعينه على إتمام خطبته ، وكثيراً ما تتغيّر نبرة الصوت في آخر الخطبة فيبحّ ممّا لا يسعفه على إتمام الخطبة إلاّ بعناء ومشقّة .

ــــــــــــــ

(1) الخطابة ـ اُصولها ، تاريخها ـ محمد أبو زهره / 170 .


الصفحة (69)

الإشارات

الإشارات هي المخاطبة الصامتة ، أو هي لغة التفاهم العامّة ، وهي في كثير من الأحيان صوت الشعور وعبارة الوجدان . فالغاضب ينغض جبينه ، ويعبس وجهه ، ويقبض أصابعه بدافع شعوري من غير إرادة ؛ لهذا كان للإشارة أثر في إثارة الانتباه والشعور ، وتقوية الدلالة ؛ لأنّ للمعنى ثلاث دلالات :

1 ـ لفظيّة

2 ـ صوتيّة

3 ـ إشارات بيانيّة

والإشارات البيانيّة بعضها شعوري اندفاعي لا يكون بالإرادة ، بل بدافع الإحساس الوقتي للخطيب الذي يثيره موقفه الخطابي ، كتحريك الحاجبين للدهشة ، وبعضها إرادي قصدي يعمد إليه الخطيب للتأثير .

والإشارات على نحو عام ذات أثر في تأكيد الكلام في نفس السامع وتقويته ، غير أنّه يجب أن يلاحظ إنّ للإشارات قيوداً لا تحسن إلاّ بها :

أ ـ يجب أن تكون ملائمة للمعنى ، موافقة له ؛ يشعر السامعون بقوّة دلالتها عليها ، وإلاّ كانت حركات عابثة لا معنى لها .

ب ـ أن تكون الإشارة مقارنة للقول أو تسبقه قليلاً ؛ لتكون ممهّدة ومنبّهة له ، فينتبه السامعون ويترقّبونه ليجئ في وقت الحاجة إليه فيثبت بأحسن ثبات .

ج ـ لا يصح أن تتكرّر الإشارة ؛ فإنّ في تكرارها ما يدعو إلى السأم والملل ، وما يوهن موقف الخطيب ، ويضعف تأثير قوله ، ويذهب


الصفحة (70)

بسمت الخطيب ومهابته عند السامعين ، فعلى الخطيب أن يتقيّد في اعتدال استخدام الإشارات وبحسب الحاجة(1) .

د ـ الإشارات عادة وبحسب المألوف تكون باليدين ، وبتعبيرات الوجه ، ولا تليق بتحريك تمام البدن .

الجلوس

الهيئة التي تتلائم مع الخطابة المنبرية هي الجلوس ، فعلى الخطيب أن يحسن جلوسه على المنبر الذي لا بدّ أن يكون مرتفعاً ؛ ليشرف على السامعين ، وليصل صوته إليهم ليتمكنوا من رؤيته ؛ فإنّ الرؤية تعين على حسن الاستماع .

وقبل الشروع في الخطبة في أوّل ارتقائه المنبر يحسن بالخطيب النظر قليلاً إلى المستمعين حتّى يتمّ سكوتهم ، ويلفت انتباههم نحوه ، أو يدعوهم إلى الصلاة على النبي وآله الطاهرين .

ــــــــــــــ

(1) المصدر نفسه / 173 .


الصفحة (71)

الباب الخامس

الحالة النفسيّة للخطيب

 

1 ـ الحالة النفسيّة للخطيب

2 ـ آثار الانفعال

3 ـ رباطة الجأش

4 ـ أسباب المخاوف وعلاجها

5 ـ تأثير العادات على الخطيب

6 ـ أسباب الشرود الذهني عند السامع


الصفحة (72)

الحالة النفسيّة للخطيب

إنَّ جميع أعمال الإنسان تحتاج إلى عنصر نفسي نابع من ذات الإنسان ، به يؤدي تلك الأعمال بمستواها الطبيعي والمألوف ، وكلّما ازدادت الأعمال تعقيداً احتاجت إلى قوّة نفسية مقابلة لها . فالفوز والفشل ، والنصر والهزيمة منبعهم الأول هو ذات الإنسان نفسه .

فالجندي مثلاً إذا كان مهزوماً في أعماق نفسه فإنّه لا ينال النصر على أعدائه ، ولو كانت بين يديه الأسلحة الفتّاكة ؛ فالمنهزم في ذاته يعجز عن أداء أبسط الأعمال .

وإذا كان للعامل النفسي هذا الدور والتأثير العظيم في أعمال الإنسان ، فقد دأب أساتذة الفنّ على تصحيحه ، وتقويته في نفوس المتعلّمين .

ففي الفنون القتاليّة مثلاً يمارس المتعلّم الحركات القتاليّة أمام خصم مفترض ، وفي الوقت نفسه يخضع لعمليّة نفسيّة تزرع وتحفر في ذاته الثقة بقدراته وقابليّاته ، بحيث توثق أركان النصر على أعدائه في أعماق نفسه ، قبل المباراة معهم في الواقع .

ومن هذا نستطيع القول أنّ الخطابة شأنها في ذلك كشأن تلك الفنون ، تحتاج في تربية الخطيب المبتدئ إلى جانبين :

أ ـ تعليم اُصول وقواعد فن الخطابة الحسينيّة .

ب ـ تدريب العامل النفسي عند الخطيب .

الغالبيّة من المبتدئين يساورهم الخوف حينما يرتقي المنبر ، وتضطرب نفسه ، ويختلّ سلوكه ، ويتخبّط في أدائه .

فالبعض لا يقوي


الصفحة (73)

على التغلّب على هذه العقدة ، فينهزم عن هذا الميدان بانهزام ذاته ، أو إنّ البعض لا يتجرّأ منذ البدء على الممارسة العمليّة في الخطابة ؛ لتوغّل الخوف في أعماقه ، أمّا البعض الآخر يقاوم تلك المخاوف ويصارعها إلى أن ينال مراده .

ولمّا كانت لهذه المخاوف هذا التأثير العظيم على سير الخطيب ، ينبغي أن يقف الخطيب المبتدئ على أسباب وآثار تلك المخاوف ، وكيفية علاجها .

آثار الانفعال

عندما يتعرّض الخطيب لموقف فيه آثاره للمخاوف تحدث في جسمه عدّة تغيّرات فسيولوجية هامّة تؤثر على وضعه النفسي ؛ فيؤدّي به إلى اضطراب ملحوظ .

ومن هذه التغيّرات :

أ ـ التغيّرات الحاصلة في الدورة الدمويّة

عندما ينفعل الإنسان بنحو عام عند تعرّضه لموقف فيه إثارة للمخاوف ، يزداد سرعة خفقان القلب كما تزداد شدّته . وقد لوحظ أنّ سرعة النبض تزيد أثناء الانفعال من (72) إلى (150) نبضة في الدقيقة ، وينتج عن سرعة نبضات القلب وشدّتها زيادة في كمية الدم التي يرسلها القلب إلى أجزاء البدن المختلفة ؛ وهذا يؤدّي إلى ازدياد ضغط الدم .

ويحدث أثناء الانفعال انقباض الأوعية الدمويّة الموجودة في الأحشاء ، واتّساع في الأوعية الدمويّة الموجودة في الجلد وفي الأطراف ؛ ويؤدّي ذلك إلى اندفاع الدم الموجود من الأحشاء إلى


الصفحة (74)

الأجزاء الخارجية في البدن وإلى الأطراف ؛ ولذلك يحمر وجه الإنسان , ويشعر بالحرارة تتدفق في وجهه وفي بدنه(1) .

ب ـ التغيّرات التي تحصل في الغدد

يزداد نشاط العرق أثناء الانفعال ممّا يسبب تصبب العرق بشدّة ، وخاصة في الجبهة وفي اليدين ، ويقلّ نشاط الغدد اللعابية ممّا يسبب جفاف الحلق(2) .

ج ـ تغيّرات اُخرى

يلاحظ أثناء الانفعال أيضاً اضطراب في التنفّس ، واتّساع في شعبتي القصبة الهوائيّة ، كما يحدث اتّساع في بؤبؤ العين ، ويزداد التوتر العضلي(3) .

د ـ تغيّرات في نبرة الصوت

ويحدث الانفعال تغيّراً هاماً في نبرات الصوت ، ويعبّر عادة عن حالة الشعور بالفشل واليأس بخفوت الصوت وببطء الكلام , ويعبّر عن حالة التهيّج والتحمّس بارتفاع الصوت وحدّته .

إنّ الانفعال يحدث عادة حالة من التوتّر في البدن ، ويمتدّ هذا التوتّر إلى الأوتار الصوتيّة ، والحجاب الحاجز ، ويؤدّي ازدياد توتّر الأوتار الصوتيّة والحجاب الحاجز إلى ازدياد حدّة الصوت

ــــــــــــــ

(1) علم النفس ـ الدكتور اُميمة علي خان / 124 .
(2)
المصدر نفسه .
(3)
المصدر نفسه / 125 .


الصفحة (75)

وعلوّه وارتفاعه ، كما يشاهد في حالات الخوف أو الغضب(1) .

ﻫ ـ تأثيرات الانفعال في العمليّات العقليّة

لا تسلم العمليّات العقليّة من أسباب الانفعال ؛ فهي تتأثّر كما يتأثّر أعضاء البدن ، ومن تأثيرات الانفعال :

أ ـ حصول النسيان : لا يتذكَّر أحياناً حتّى الأشياء التي انطباعها قويّ في ذاكرته .

ب ـ فقدان القدرة على تنظيم الفكر : تبدو أفكاره وحركاته غير مترابطة ، فترى مثلاً المناقش الهادئ الرزين يلجأ حين يفحم ويرتج عليه إلى الصياح ، أو اللحاح ، أو المكابرة ، وإذا به أضحى عاجزاً عن الفهم ، عاجزاً عن إخفاء ما تنطوي عليه نفسه من شكّ وارتياب ، أو خوف أو بغض(2) .

ج ـ الحبسة في اللسان : وهي ثقل النطق عليه ، وهي ناتجة من عدم وضوح ما يريد أن يقوله ، أو من الحياء والخجل(3) .

د ـ إدخال بعض الكلام في بعض : ومنشأ هذا العيب في بعض الأحوال إنّ الألفاظ بسبب سعة المخيّلة تسبق القصد ، فالمتكلّم يستعمل اللفظ ثمّ يتركه إلى سواه قبل أن يتمّ تكوّنه(4) .

تبين لنا في هذا الكلام أهم ما يعتري الخطيب المبتدئ ، الذي يعاني من الخجل

ــــــــــــــ

(1) المصدر نفسه / 127 .
(2)
اُصول علم النفس ـ أحمد عزّت / 166 .
(3)
الخطابة ـ اُصولها ، تاريخها / 63 .
(4)
المصدر نفسه .


الصفحة (76)

والخوف والاضطراب ، ولكن المبتدئين يختلفون في نسبة تأثّرهم بذلك من جهة الشدّة ؛ لاختلاف طبائعهم .

رباطة الجأش

نستطيع القول الآن بعد بيان ما تقدّم بأنَّ الخطيب لا يكون خطيباً حقّاً إلاّ ببلوغ مرحلة الاستقرار النفسي ، والثقة بها ورباطة الجأش ، بحيث تزول عن نفسه المخاوف التي كانت تنتابه في مرحلة البدء أثناء مقابلة الناس وهو على المنبر .

فالخطيب المقتدر هو الذي لا يتعلّق في نفسه وجل ولا اضطراب ، إنّما يتلذّذ في أدائه حينما يكون على المنبر أكثر من بقيّة أحواله العاديّة .

فالخطيب الذي يُقال عنه خطيب هو الذي يقف أمام الجالسين مطمئن النفس ، غير مضطرب ولا وجل ، وإلاّ لم يستطع ملاحظة السامعين ، ولم يؤثّر كلامه فيهم . وهم إن أحسّوا بضعفه واضطرابه صغر في نظرهم ، وهان هو وكلامه في أعينهم ، فيذهب كلامه هباءً منثوراً .

ولا بدّ أن نلفت الانتباه [ إلى ] أنّ قولنا : ( الذي بلغ مرحلة الثبات والاستقرار النفسي ورباطة الجأش حقّ عليه القول بأنّه خطيب ) , قولنا هذا يتفق مع إتقان وأحكام الجانب الأول من علم قواعد فنّ الخطابة وأدائها بالنحو الصحيح ؛ وإلاّ فالكثير ممّنْ ارتقى المنبر ساعدته قواه النفسيّة وثقته بها على الظهور بالثبات ورباطة الجأش ، ولكنّه طبق المحاكمة مع قواعد فنّ الخطابة لم يكن خطيباً بالمعنى الذي يراد من فنّ الخطابة .


الصفحة (77)

أسباب المخاوف وعلاجها

1 ـ إنّ السبب العميق الذي يبعث الفرد على الشعور بالنجاح أو الفشل هو ما يحمله من صورة ذهنيّة عن نفسه ، فالذي تمتلئ نفسه بالمخاوف إنّما تتمركز في ذهنه صورة الفشل والنقص ، فلن ينفع طبيب ولا دواء لمعالجة هذا الخوف المتمكّن في أعماق الذات إلاّ إذا تغلّب الفرد على شعوره بالنقص والفشل ؛ فإنّ سرّ النجاح عند اُولئك الذين ليسوا أكثر خبرة ومعرفة من غيرهم ، هو كامن في الصورة التي يحملونها في أذهانهم لأنفسهم ، لقد تمثّلوا في أنفسهم رجالاً ناجحين .

أمّا اُولئك الذين توفّرت لهم مؤهّلات النجاح ، ومع ذلك أخفقوا ، فالأغلب أنّ نفوسهم حافلة بالمخاوف والشكوك ، وأنّ أسباب تلك المخاوف إيحاءات وهميّة غير واقعيّة يتفاعل معها الفرد الخائف فتثبط عزيمته عن مواجهة المواقف(1) .

فخلع صورة الفشل من أعماق النفس واستبدالها بالثقة بالقدرات والطاقات ، وإحلال محلّها الثقة بالنجاح , خطوة أولى في معالجة تلك المخاوف .

حدِّث نفسك دائماً بأنّك تخطب أمام جمهور غفير ، وبخطاب بليغ ، حدِّث نفسك دائماً بأنّ التوفيق رفيق لك لا يفارقك ، ولا تدع غير هذا يتسرّب إلى ذهنك فيثبط عزيمتك ويخذلك .

ــــــــــــــ

(1) كيف تكسب الثروة والقيادة .


الصفحة (78)

2 ـ بعد التغلّب على المخاوف النفسيّة ، وخلع صورة الفشل أن يشخّص المبتدئ هدفه منذ البدء ـ هدفه في الخطابة ـ ، وأن يعتقد به اعتقاداً راسخاً .

3 ـ أن يجمع المبتدئ عزمه وإرادته ، ويحمل نفسه على الخوض في ميدان الممارسة العملية ؛ فإنّ أنفع طريق لقتل وخلع تلك المخاوف الكامنة في الذات هو اقتحام الأمر المخوف بعد القناعة بغلبته ، كما قال أمير المؤمنين (عليه السّلام) : (( إذا هبت أمراً فقع فيه ؛ فإنّ شدّة توقّيه أعظم ممّا تخاف منه ))(1) .

فالذي اعتقد بهدف وغاية الخطابة ما عليه إلاّ أن يمارس في الواقع ما يصبو إليه ، فقد اقترن مع النكوص الحرمان ، ومع الشجاعة والاقتحام التوفيق والنجاح ، كما قال أمير المؤمنين (عليه السّلام) : (( قُرنت الهيبة بالخيبة ، والحياء بالحرمان ))(2) .

وعليك أن تكون أصعب من الصعوبات التي تواجهك أثناء الممارسة العمليّة ؛ فإن كنت كذلك سهلت الاُمور ، وذلَّ لك كلّ شيء . أمّا لو كنت خلاف هذا ، صار كلّ شيء أقوى من قواك ، فيتعذّر عليك التغلّب عليه , وكان الفشل عاقبة أمرك .

4ـ جُبل الإنسان على حبّ ذاته ومتعلّقاتها ، ففي جانب من هذا الحبّ يحرص أن تظهر علاقاته الاجتماعيّة بصورة تتلاءم وتتناسب مع هذا الحبّ ؛ فهو يجلب لها كلّ ما يزين صورته ويحسّنها أمام الناس ، ويدفع عنها ما يسيء إليها ويخدشها .

وكلّما ارتفع شأن الفرد ومنزلته في اُمور الحياة الاجتماعيّة تكوّرت حوله هالة عظيمة من

ــــــــــــــ

(1) نهج البلاغة 18 / 177 .
(2)
نهج البلاغة 18 / 131 .


الصفحة (79)

المخاوف ، فيراقب سلوكه ضمن المجتمع مراقبة شديدة يخاف أن تخدش هذه المنزلة ، فيشدّد العزم ويجتهد على الحفاظ عليها ، فيحذر ويتجنّب أصغر الاُمور التي لا تعدّ في الحياة العاديّة ما يسيء إليه ، ويرفض أيضاً من الآخرين أيّ سلوك يظنّ فيه ما يخدش تلك المنزلة .

البعض من الخطباء المبتدئين يأتي إلى الخطابة وهو يحمل هذه الصورة ، صورته ضمن المجتمع ، فتنشأ عنده مخاوف من هذا السبب حينما يرتقي المنبر تعتلج في صدره مخاوف الفشل ، وما يترتب على هذا الفشل من الظهور أمام الآخرين بصورة تقدح في منزلته بينهم ، فتأخذ هذه الصورة من ذاته مأخذاً عظيماً تسبب له الاضطراب والحيرة والقلق .

أمّا علاج هذا التوهّم : ينبغي للخطيب المبتدئ أن يقلع سبب هذا التوهّم ، فالمبتلي به عليه أن يصحح نظرته اتّجاه بعض أنماط السلوك الاجتماعي .

أولاً : أن لا يبالغ الفرد مهما كان شأنه بقيمته ومنزلته ؛ فهو في مجال تعلّم الخطابة ، فعليه أن يعرف أنّ شأنه في ذلك شأن المتعلّم الذي ليس له في البدء غير استعداد التعلّم ، وهذا لا يقدح أصلاً في مقامه ، ولا في شأنه ، أمّا أن يضع نفسه أعلى من ذلك فعليه أن يتحمّل أسباب الفشل .

ثانياً : الإنسان ما عدا مَنْ عصمهم الله تعالى ممزوج بالنقص والعيوب ، ولكنّها متفاوتة بين الأفراد نوعاً وشدّة ، فكما إنّ الإنسان فيه


الصفحة (80)

القابلية على النكوص فيه القابلية على التكامل والعلوّ , ولا يخرج ذلك إلاّ بالتجربة والعمل ؛ فبالعمل المناسب للنكوص يتراجع الفرد ، وبالعمل المناسب للنجاح يعلو الفرد ويسمو .

فالنقص والعيب في القابليات والقدرات ليست اُموراً قادحة في الفرد ، ولا مُحِطّة لقيمته ، فهي ليست ما يشكّل خطراً في الوضع الاجتماعي إذا نظر إليها الفرد نظرة واقعية .

ثالثاً : لا يحكم الخطيب المبتدئ على نفسه بالفشل القطعي إذا لم يوفّق في محاولة واحدة أو عدّة محاولات ؛ فإنّ الخطابة منهجها التكرار والمواصلة فلا تظهر الثمرة فيها دفعة واحدة .

ولنعلم أنّ كثيراً ممّن تفوّقوا في كثير من الاختصاصات العلميّة والفنيّة إنّما اتّخذوا من الفشل منطلقاً .

لم يقعد بهم الفشل إلى اليأس والقنوط والتراجع ، إنّما حفّز إرادتهم وشجَّعهم على المواصلة والجدّ والسعي والمثابرة ، فنالوا أهدافهم ، وتفوّقوا على أقرانهم ، ولعلَّ هذا هو المستفاد من قول أمير المؤمنين (عليه السّلام) : (( سيئة تسوءك خير عند الله من حسنة تعجبك ))(1) .

فقد يخرج الفشل كوامن الطاقات ، وقد يخلد الفوز والنجاح إلى الكسل والغرور والجمود ؛ فعليك أن تتقبّل الفشل كما تتقبّل النجاح ، كلاهما يدفعان بك إلى العمل والنشاط والمثابرة .

5 ـ من الأسباب المهمّة التي تنشأ الاضطراب في نفس الخطيب

ــــــــــــــ

 (1) نهج البلاغة 18 / 174 .


الصفحة (81)

المبتدئ هو عدم إتقانه وإحكامه للجوانب الفنيّة في الخطابة ، فينشأ عنده شعور بالمخاوف من عدم أدائه بالنحو الصحيح حال ارتقائه المنبر ، وهذا أمر طبيعي في بداية الممارسة ، فلا يكون داعياً لتعظيمه حتّى لا يصير عقدة في النفس يصعب علاجها فيما بعد .

فعلى الخطيب المبتدئ أن يوطّد نفسه على الصبر ، ويعمل حتّى تزول منه الأخطاء ، وتثبت عنده القدرة على الأداء الصحيح .

6 ـ على الخطيب المبتدئ أن يراعي مراحل الممارسة العمليّة للخطابة ويتدرّج فيها ، فلا يتجاوز مرحلة إلاّ بعد إتقانها وإحكامها بنحو تام ؛ فإنّ عدم مراعاة ذلك لا يثمر إلاّ الفشل ، ويكون سبباً لتعظيم المخاوف عند البعض .

وإذا أردنا تميّز مراحل الخطابة فهي على النحو التالي :

أ ـ مرحلة أداء ( القريض ) بالنحو المتعارف عليه عند أهل الفن وذوق الناس .

ب ـ مرحلة الجمع بين ( القريض ) , وقليل من ذكر ( مصائب سيّد الشهداء ) .

ج ـ مرحلة أداء خطبة كاملة من ( قريض ـ موضوع ـ وخاتمة ) .

ولا بدّ أن نلفت الانتباه إلى الاُمور التالية :

أ ـ على الخطيب المبتدئ أن يتبنّى في البدء المحاضرات القصيرة ؛ فهي أيسر له من حيث الإعداد والأداء ، ويستمر على هذا النحو إلى أن تكتمل عنده ملكة الخطابة .


الصفحة (82)

ب ـ أن يتتلمذ عند أهل الخبرة من أستاذ في الخطابة ، أو خطيب متكامل ، وأمام حضور محدود من المستمعين ؛ فإنّه أخفّ وطأة على النفس .

ج ـ يجب على الخطيب المبتدئ أن يمارس فعاليته في الخطابة في بدء الممارسة في محافل أعدّت للتدريب ، وأمام مجموعة من المستمعين الذين لديهم خبرة في فنّ الخطابة ؛ لغرض الانتفاع بتوجيهاتهم ، ولا يخرج من دائرة التدريب إلى الممارسة الفعلية في التبليغ إلاّ بعد إذن أستاذ الخطابة أو أهل الخبرة .

7 ـ وقد تعود أسباب الخوف والاضطراب إلى عوامل وراثية وتربوية نشأ الفرد عليها حتّى كبر ، فمرحلة الطفولة تلعب دوراً كبيراً في صياغة شخصيّة الفرد من حيث يشعر أو لا يشعر ، فعلاقة الطفل بوالديه وإخوته لها أثر بالغ في تكوين اتّجاهاته وانفعالاته النفسيّة ، وكذلك المجتمع الذي عاش فيه ، وما عند المجتمع من تقاليد وأعراف وقوانين وأحداث تؤثّر في تربية الفرد .

وخلاصة الكلام هنا : مَنْ شبَّ على الهرب من المشاكل والصعوبات , استقبل عهد الرجولة خائفاً خانعاً منطوياً(1) .

فعلى الفرد الذي يعاني من أزمة الخوف أن يراجع اتّجاهاته النفسيّة ، ويعيد بناء شخصيّته بما يتلاءم مع متطلبات الشخصيّة السويّة .

ما تقدّم كان توسلاً بالأسباب الطبيعيّة يلجأ إليها الخطيب لإصلاح

ــــــــــــــ

(1) علم النفس / 150 .


الصفحة (83)

شأنه ، وإنّماء قابلياته ورفع عيوبه ، ولا ينبغي له أن يعتمد عليها من غير أن يرجع إلى مسبب الأسباب ؛ فإنّ الاعتماد عليها فقط يعدّ من أوثق عرى الشيطان .

فعلى الخطيب أن يتوكّل على الله ( تعالى ) في جميع أموره ، ويتضرّع إليه بصدق النيّة ، وإخلاص العمل ، طالباً منه تعالى التوفيق والتسديد ، وإنزال السكينة على القلب ، وإلهام العلم ، وبلوغ المطالب السامية المقدّسة المطلوبة لوجهه تعالى وحده لا شريك له .


الصفحة (84)

تأثير العادات على الخطيب

غالباً ما تنعكس على الخطيب المبتدئ ما اعتاد عليه من السلوك في أفعاله وأقواله وهو في حال أداء خطبة منبريّة ، فالذي اعتاد على سرعة الكلام في سلوكه العادي يبدو منه ذلك وهو على المنبر ، ومَنْ كان يغلب عليه الهدوء يظهر أيضاً منه ذلك ، وهكذا في الإشارات والحركات .

فعلى الخطيب هنا أن يلاحظ أنّ قواعد فنّ الخطابة تقتضي أن ينتزع من سلوكه ما تطبّع عليه من عادات تخالف هذا الفنّ ، ونحن نعلم أنّ العادات إذا انطبعت في شخصيّة الفرد تلبّست بها وملكته ، وظهرت في سلوكه شاء أم أبى . فترك العادة القبيحة ليس في متناول الفرد إلاّ إذا جدّ واجتهد في الخلاص منها .

وهناك طرق يمكن للخطيب الذي عنده عادات تخالف فنّ الخطابة التوسّل بها لاستبدالها بطبائع هذا الفنّ ، منها :

1 ـ تحويل العادة اللاإراديّة إلى عادة إراديّة :

إنّ العادات تصدر من الفرد من غير احتياج إلى توجيه شعوره ووعيه الكامل ؛ لأنّها تنساب منه لشدّة التصاقها بشخصيّته . فعلى الفرد هنا أن يقوم بنحو متعمد على ممارسة العادة السيّئة ، وتوجيه الشعور إليها بالتحكّم في الاستجابة لها ، وذلك بتغيّر نوع الاستجابة(1) .

2 ـ استبدال استجابة قديمة باستجابة جديدة :

أ ـ أفضل طريقة للتخلّص من العادات السيّئة هو استبدالها بعادة

ــــــــــــــ

(1) بتصرف من كتاب علم النفس ومشكلات الفرد .


الصفحة (85)

اُخرى جيدة .

ب ـ ممارسة العادة الجديدة بكلّ حماس .

ج ـ عدم السماح للعادة السيّئة بالعودة ، وذلك من خلال الإكثار من ممارسة العادة الجديدة ، وتكرارها بصفة دائمة ؛ لغرض تعزيزها بصفة منتظمة ودائمة ؛ فالعادات التي لا تعزز تنطفئ(1) .

ــــــــــــــ

(1) المصدر نفسه .


الصفحة (86)

أسباب الشرود الذهني عند السامع

مهمّة الخطيب أن يجذب ويحافظ على انتباه مستمعيه ـ الذي هو توجيه شعورهم وتركيزه ـ نحوه ؛ استعداداً للتفاعل معه . وليس ذلك أمراً سهلاً ؛ فإنّ الخطيب ليس كالمعلّم ، فالمعلّم بوسعه أن يقول لتلميذه عند شرود ذهنه ( انتبه ) أو غير ذلك , ولا يستطيع ذلك الخطيب ؛ لاختلاف الحال بين الخطابة والتدريس .

فيحتاج الخطيب التعرّف على العوامل التي تبعث على الشرود الذهني عند السامع ، وهي ما توجب الملل والسأم في نفسه والانصراف .

وهناك جملة من العوامل هي :

أ ـ عدم السير على اُصول وقواعد فنّ الخطابة باعث على انصراف السامعين عن الخطيب ، ومن ذلك كون الصوت على وتيرة واحدة ، أو السرعة الزائدة وغير ذلك .

فعلى الخطيب أن يتقن ويحكم هذه الاُصول ؛ لينال اهتمام الحاضرين وتفاعلهم معه .

واعلم أنّ مع إتقان هذه الاُصول يبقى التفاوت بين الخطباء ؛ لاختلاف قدراتهم وقابلياتهم في كيفية توظيف تلك القواعد على المصاديق ، والنماذج التي فيها التأثير على السامعين .

ب ـ ينبغي للخطيب الذي يريد إبقاء انتباه سامعيه أن لا يستطرد في موضوعه كثيراً ؛ فإنّ الاستطراد غالباً ما يكون مدعاة إلى حيود الانتباه عن الموضوع الأصلي .

مثال ذلك : الإتيان بشواهد كثيرة متعاقبة على محور واحد ، كما لو كان الحديث عن الصبر مثلاً وأتى بقصتين متتاليتين ، وأعقبهما بأحاديث شريفة ، أو الإتيان بتقسيمات أمر


الصفحة (87)

فتكثر تشعّباته ، أو مع كثرة هذه التشعّبات يدخل في إبطال بعض وتأييد البعض الآخر ؛ فإنّ ذلك ممّا يوجب ضياع المراد من ذهن السامع ، فيذهب عنه انتباهه وتشوّقه .

ج ـ بسبب الولاء لأهل البيت (عليهم السّلام) عمل محبّوهم على إبقاء جذوة ذكرهم خالدة على مرّ العصور ؛ ولأجل ذلك ضحّوا بالغالي والعزيز من الأرواح والأموال .

وممّا بقي خالداً بهذا الولاء العظيم مجالس ذكر مصاب سيّد الشهداء (عليه السّلام) ، حتّى صارت تلك المجالس أماكن شريفة للذكر يقصدها المؤمنون قاصدين القرب من الباري (عزّ وجلّ) ، فعلى الخطيب أن يستوعب ذلك جيّداً فيعمل على تقويته وتثبيته .

ففي جانب من هذه المهمّة الملقاة على عاتق الخطيب أن يعرف أحوال الحاضرين الروحية والبدنية ؛ ففي أيّام محرّم التي تحتلّ أهميّة خاصة في قلوب وعناية محبّي أبي عبد الله (عليه السّلام) تكثر المجالس , فيحضر العامل والفلاح والكاسب ، كما يحضرها الشيخ الكبير والشاب ، ويحضرها صحيح البدن وسقيمه ، فجميع هؤلاء على الرغم ما فيهم من عناء عملهم اليومي ، وما فيهم من وضع صحي , يأتون إلى المجالس ؛ لغرض الحفاظ على خلود ذكر سيّد الشهداء (عليه السّلام) ، ولغرض الانتفاع بما يقوله الخطيب في أمر دينهم ودنياهم .

فعلى الخطيب هنا أن يلاحظ ذلك فلا يطيل في مجلسه إلى الحد الذي يوجب نفورهم عن المجالس ؛ فإنّ الإطالة قد تعمل على


الصفحة (88)

إخماد تلك الروح الحسينيّة ، وهو خلاف مهمّة الخطيب ووظيفته .

فمراعاة الوقت مع أحوال الحاضرين وتلائمه وتناسبه معهم يجلب انتباههم ، ويكسب إقبالهم على الخطيب ، ويثبت النفوس على الولاء ، ويشجعهم على الحضور والمواصلة ، وخلاف ذلك التجربة والواقع شاهدان على فشله ، فقد يُسهب الخطيب في كلامه إلى الحد الذي ينفر منه الحاضرون .

وخلاصة ذلك : إنّ من العوامل المهمّة في جلب انتباه السامعين هو عدم الإطالة عن الحدّ المسموح به من رغبتهم ، والمطابقة بين المدّة الزمنية للمجلس مع أحوال الحاضرين الروحيّة والبدنيّة .

د ـ من العوامل الباعثة على انتباه السامع هو ما يحمله من تهيؤ ذهني للخطابة ، ويراد من ذلك بأنّ السامع يتمركز في بؤرة شعوره إحساس بأنّ الخطيب سيتناول في خطبته موضوعاً يشبع نفسه بالرضا والقبول ، فكلّ سامع يطلب في أعماقه أن يرضيه الخطيب بالحديث عن شيء يثير انتباهه واهتمامه وتفاعله .

فإذا فعل الخطيب ذلك فقد حاز على انتباه سامعيه ، وإلاّ فقد خسرهم وصار على طرف مخالف لتوجيههم وانتباههم .

فعلى الخطيب أن يختار الموضوعات التي تتضمّن احتمالاً قويّاً في جلب انتباه السامعين ، كما أن يكون دقيقاً في اختيار تفاصيل الموضوع .


الصفحة (89)

ومن الجدير بالذكر أنّ الموضوعات المعقّدة ، والموضوعات الساذجة والمتكرّرة لا تثير انتباه السامعين ، بل هي من أقوى الأسباب الباعثة على انصرافهم وإعراضهم .

أخيراً نودّ أن نذكّر بأنّ بعض أبحاث علم النفس أشارت إلى أن الاستماع الطبيعي لكلّ سامع (10) دقائق ، وبعدها يحتاج المتكلّم إلى تزويد المخاطبين بالمثيرات التي تحافظ على انتباه السامع وتوجهه .


الصفحة (90)

 


الصفحة (91)

الباب السادس

صفات الخطيب

1 ـ آداب الخطيب

2 ـ صفات الخطيب الكامل

3 ـ الصفات المتفاوتة

4 ـ توجيهات عامة


الصفحة (92)

صفات الخطيب

بعد أن اكتملت مراحل الخطابة ، ومضى عليها الخطيب المبتدئ , فإنّ هناك جملة من الاُمور المكمّلة له ينبغي الاتّصاف بها :

آداب الخطيب

وهي الآداب التي يظهر بها الخطيب عند الخطبة :

أ ـ سداد الرأي

وهو يكون بدراسته للموضوع الذي يخطب فيه دراسة تامّة ؛ فإنّ الرأي المحكم لا يكون إلاّ بدراسة عميقة ، وإحاطة تامّة ، واطّلاع واسع ، وعلم غزير ، وفكر قويم .

وليس معنى ذلك إنّه لا يخطب إلاّ إذا كان محضّراً مهيّأ للكلام ، بل المراد أن لا يتكلّم إلاّ في موضوع سبقت له دراسته والإحاطة به ؛ حتّى يكون كلاماً مسدّداً ؛ سواء كان يلقي الخطبة بعد تهيئة ، أم يلقي الكلام ارتجالاً من غير سابقة تحضير ، وإن كان المرتجل لا يحسن ارتجاله في كلّ الأحوال .

فعلى الخطيب ألاّ يخوض في حديث ليس له به علم ؛ حتّى لا يشطّ فيبدي رأياً فطيراً ، والرأي الفطير مبتسر لا ينال الحقّ من كلّ نواحيه ، وقد يكون مع الحقّ على طريق نقيض .

واعلم أنّ سداد الرأي دعامة الخطيب الأولى ؛ لكي يثق الجمهور بفكره ويتّجه إلى رأيه(1) .

ــــــــــــــ

(1) الخطابة ـ اُصولها ، تاريخها ـ محمد أبو زهرة / 48 .


الصفحة (93)

ب ـ صدق اللهجة

وهو أن يظهر الخطيب مخلصاً فيما يدعو إليه ، حريصاً على الحقيقة فيما يعمل ؛ فإنّه إن ظهر كذلك وثق الناس به وصدّقوه فيما يدعو إليه ، وأحسّوا بأنّه شريف تجب إجابته لشرفه وشرف ما يدعو إليه .

ومن أجل أن يكون الإخلاص بادياً يجب أن يكون من حاله ما يطابق مقاله ، فلا يتجافى عمله عن قوله ، بل يكون أكثر الناس أخذاً بقوله .

ومن علامات صدق اللهجة ألاّ يسرف في مدح ولا ذمّ ، ولا في وعد ولا وعيد ؛ فإنّ الإسراف مظنّة الكذب ، والاعتدال مظنّة الصدق . وأن يكون نزيه اللسان مستقيم العمل ؛ فلا يكون فاحشاً في تعبيره , ولا متّجهاً إلى الألفاظ الماجنة في خطبته(1) .

ج ـ التودّد مع السامعين

أن يكون الخطيب متواضعاً لهم ، وأن يكون ممّن يألِفون ويُؤلَفون ، فلا يكون جافياً خشناً قاسياً ، وإن لم يكن هناك ما يقتضي مدحهم فلا يذكرهم بسوء , وأن يبيّن لهم أنّه يسعى في مصلحتهم ، وأنّه يؤثرهم على نفسه ، وأن لا يكون له غرض شخصي ؛ فإنّ الغرض الشخصي يدخل الريبة إلى قوله فيتجافى السامعون عنه(2) .

ــــــــــــــ

(1) المصدر نفسه / 51 .
(2)
المصدر نفسه / 52 .


الصفحة (94)

صفات الخطيب الكامل

بعد بيان ما يجب أن يدرع به الخطيب عند ملاقاة السامعين ، وما يجب أن يلاقيهم به ، وجب أن نذكر صفات الخطيب الكامل أو القريب منه التي رسخت في نفسه الخطابة حتّى صارت ملكة فيه أو كالملكات ، والتي بمجموعها يمتاز الخطباء عن غيرهم من المتكلّمين ، والتي هي القدرة على كلّ ما يوضع في عنق الخطيب من تكاليف البيان ، وهذه هي :

أ ـ قوّة الملاحظة

يدرك بها أحوال السامعين عند إلقاء خطبته ، أهم مقبلون عليه فيسترسل في قوله ويستمر في نهجه ، أم هم معرضون عنه فيتّجه إلى ناحية اُخرى يراها أقرب إلى قلوبهم ، وأدنى إلى مواطن التأثير فيهم ؟

يجب أن تكون نظرات الخطيب إلى سامعيه نظرات فاحصة كاشفة ، يقرأ من الوجوه خطرات القلوب ، ومن اللمحات ما تكنّ نفوسهم نحو قوله ؛ ليجدّد من نشاطهم ، ويذهب بفتورهم ، ولتصل روحه بأرواحهم ، ونفسه بنفوسهم(1) .

ب ـ حضور البديهية

وهي تسعفه بالعلاج المطلوب إن وجد من القوم إعراضاً ، والدواء الشافي إن وجد منهم اعتراضاً . وقد يلقي الخطيب خطبته ، فيعقّب

ــــــــــــــ

(1) المصدر نفسه / 56 .


الصفحة (95)

بعض السامعين معترضاً ، أو طالباً الإجابة عن مسألة ، أو أيّ حدث مفاجئ ؛ فإذا لم تقدّم البديهة الحاضرة كلاماً قيّماً يسدّ به الخلّة ويدفع به الزلّة ، ضاعت الخطبة وأثرها(1) .

ج ـ طلاقة اللسان

اللسان أداة الخطيب الأولى ، فلا بد أن تكون الأداة سليمة كاملة ؛ ليتسنّى له استعمالها على أكمل وجه وأتمّه(2) .

ومن طلاقة اللسان ، أن تكون عنده قوّة البيان من غير تلعثم في أقواله ، أو تردّد في عباراته .

د ـ رباطة الجأش

تحدّثنا عن ذلك بالتفصيل .

هـ ـ القدرة على مراعاة مقتضى الحال

مراعاة مقتضى الحال لبّ الخطابة وروحها ، فلكلّ مقام مقال ، ولكلّ جماعة من الناس لسان تخاطب به ، فلكلّ مقام نوع من الأساليب .

ففي مقام التحميس والتهديد مثلاً نختار الأساليب الفخمة والعبارات الضخمة ، وفي بعض مقامات التأبين وإظهار الألم والأسى نختار العبارات السهلة الرقيقة المؤثرة .

ولكلّ قوم خطاب ؛ فالعامّة نختار لهم العبارات الساذجة حتّى لا تعلو على أفهامهم ، ولا تسمو على مداركهم ،

ــــــــــــــ

(1) المصدر نفسه / 56 .
(2)
المصدر نفسه / 57 .


الصفحة (96)

والعلماء يخاطبون بعبارات منتقاة دقيقة محكمة . ولكلّ خطيب عبارات تستحسن منه ؛ فمن الخطباء مَنْ لا يجمل منهم الهزل ، ولا يليق بهم إلاّ الجدّ ، فلا يصح أن يكون في كلامهم إلاّ ما هو مقبول منهم(1) .

الصفات المتفاوتة

هذه جملة من الصفات التي يتفاوت الخطباء في الاتّصاف بها ، وهي تختلف عن الصفات السابقة ، فتلك ممّا يجب الاتّصاف بها ، أمّا هذه فهي من المكمّلات للخطيب ، وهي اُمور :

أ ـ قوّة العاطفة

لا يؤثّر إلاّ المتأثر ، ولا يثير الحماسة في قلوب السامعين إلاّ مَنْ امتلأ حماسةً فيما يدعو إليه ، واعتقاداً بصدقه ؛ لأنّ ما يخرج من القلب يدخل القلوب من غير استئذان ، وكما أنّ الماء الذي علا سطحه ينساب في المجرى المنخفض ، كذلك ذو العاطفة العالية ، والحماسة الشديدة هو الذي ينحدر من فيه الشعور ألفاظاً ، والعواطف عبارات وأساليب تلهب الحسّ ، وتوقظ الضمير ، وتثير الحميّة ، وتحفّز الهمّة .

لا بدّ أن تكون حماسة الخطيب أقوى من حماسة سامعيه ؛ ليفيض عليهم ، ويروي غلّتهم ، وإلاّ أحسّوا بفتور نفسه فضاع أثر قوله(2) .

ــــــــــــــ

(1) المصدر نفسه / 149 .
(2)
المصدر نفسه / 58 .


الصفحة (97)

ب ـ النفوذ وقوة الشخصية

هذه هبة يهبها الله تعالى للخطباء المخلصين ، فترى كلّ مَنْ يلقاه يحسّ بقوّة روحه وعظم نفسه ، فتستمد كلماته من قوّة إخلاصه . صوته يهز النفس هزّات روحيّة ، تجعلها تلقف عباراته فتنطبع فيها مكبرة(1) .

ج ـ حسن الهيئة

أن يظهر الخطيب أمام السامعين بمظهر مألوف من حيث الملابس والهيئة ؛ فإن لم يرتدِ ما يزيده هيبة في القلوب فلا يظهر إليهم بما يحطّ منزلته عندهم ، خاصة إذا واجههم في أوّل لقائه ؛ فإنّ ذلك له أثر عظيم في نفوس الناس .

د ـ سعة الاطّلاع

يجب أن يكون الخطيب ملمّاً بكلّ ما له صلة بالجماعة التي يخاطبها ؛ ليعرف نواحي التأثير ، والمواطن التي يطرق حسّها من ناحيتها .

فالخطيب الديني يجب أن يكون ملمّاً بالاجتماع والاقتصاد ، والسياسة والشرائع ؛ ليستطيع أن يصل إلى قلوب السامعين ، ويربط صلاحهم الدنيوي في كلّ نواحيه بصلاح دينهم وقلوبهم .

فالخطيب يجب أن

ــــــــــــــ

(1) المصدر نفسه / 59 .


الصفحة (98)

يكون ملمّاً بكلّ ما له صلة بالجماعات ، وطرق التأثير فيها ، والابتعاد عمّا ينفّرها ؛ لكيلا يجعل قلوبها عنه متجافية(1) .

ــــــــــــــ

(1) المصدر نفسه / 60 .


الصفحة (99)

المنهج الخاص للخطيب

من الصعوبات التي يعاني منها الخطيب المبتدئ الذي تسلّط عمليّاً على قواعد الخطابة عدم استقراره على منهج واضح وخاص له ؛ ممّا يبدو عليه الاضطراب والتخبّط في خطبه ، وقد يحدو بالبعض لأجل التخلّص من هذه المعاناة باللجوء إلى تقليد الآخرين منهجاً ، وقد يصل بهم التقليد إلى أقصى درجاته ، وذلك بالظهور بصورة البديل عن المقلَّد حتّى في نبراته وحركاته .

ولاشكّ إنّ هذا الاُسلوب ممّا يزري بالخطيب ، ويحطّ من منزلته ، كما إنّه علامة تدلّ على عدم قدرته على اتّخاذ منهج خاص له ؛ فإنّ من مكمّلات الخطيب أن ينتقي منهجاً خاصّاً يتميّز به عن غيره ؛ لأجل استقطاب قدراته ، ومنعها من التشتت .

إضافة إلى إتاحة فرصة عظيمة له ، وذلك بفتح ميدان واسع لإظهار إبداعاته وطموحاته في التجديد .

أمّا المقصود من المنهج هو :

أولاً : أن يتميّز الخطيب بأسلوبه الخطابي الخاصّ ، ويتميّز بطريقة إلقاء خاصّة .

ثانياً : أن يكون له اتّجاه خاصّ في انتقاء المواضيع ، فهناك فروع عديدة ومتنوّعة يمكن أن تكون مواضيعَ للخطابة ، فقد ينحى البعض منحى الوعظ والإرشاد الأخلاقي ، أو يقوم بعرض المفاهيم المختلفة بطريقة علميّة أو تاريخيّة، أو عرفانيّة أو غير ذلك ، وقد توجد إمكانيّة للبعض على جمع كلّ ذلك في خطبة واحدة .


الصفحة (100)

ولا شك أنّ اختيار المنهج الخاصّ لا يأتي اعتباطاً ، وإنّما تتحكّم به عوامل عديدة ، أهمّها قابلية الخطيب وقدراته العلميّة والفنيّة ، فهذه هي التي تدفعه إلى سلوك هذا المنهج ، ولا يستطيع سلوك غيره .


الصفحة (101)

توجيهات عامّة للخطيب

1 ـ لم يكن الدين الإسلامي نظريّة ، أو شريعة عائمة في المثاليّة ، بل أراد الله تعالى لدينه أن يكون حقيقة متجسّدة في الواقع من حيث الفكر والعمل ، وتجسّد هذا الواقع في رسوله الكريم وأهل بيته الطاهرين ، وأمرنا أن نقتدي بهم ، وحذّر من مجانبتهم ؛ لما في المجانبة من الزيغ عن طريق الحقّ ، والولوج في الباطل والضلالة .

فعلى الخطيب أن يبيّن للناس معالم الدين الإسلامي ، وأصوله ومفاهيمه بما ظهر في واقعه الحقيقي المتمثل بأهل البيت (عليهم السّلام) ؛ فكلّ شيء في اُمور الحياة صغر أو كبر يجب أن يؤخذ منهم . لكن لا ينبغي انحصار المعرفة بهم باُمور ليست من الأهميّة بالمقارنة مع اُمور اُخرى ، كما في الإسهاب في الحديث عن كُنى وألقاب الأئمّة أمام حاضرين تربّوا على الولاء لهم .

لا يقول أحدٌ إنّ ذلك ليس ضرورياً ومهمّاً ؛ إنّما المطلوب مراعاة الأهميّة في اختيار موضوع الخطبة ، وملاحظة المناسبة بينه وبين الحاضرين من حيث المعرفة به .

كما إنّ لهم (عليهم السّلام) مقامات ومنازل عظيمة ، فينبغي أن لا يتحدّث الخطيب عن ذلك أمام حاضرين لم تأنس عقولهم وأذهانهم بها فينكرونها ، كما يلزم الأخذ بالصحيح والمحقّق فيما ورد عنهم (عليهم السّلام) .


الصفحة (102)

ويجب على الخطيب أن لا يهمل مصائب أهل البيت (عليهم السّلام) ويبقى مع اتّصال مع معطيات واقعة الطفّ ، ويشدّ الناس إلى الاستفادة من دروسها ، بتصوير مآسيها شعراً ونثراً ؛ استمراراً على ما مضى عليه الأئمّة (عليهم السّلام) في إحياء ذكرى سيّد الشهداء .

2 ـ يجب على الخطيب الاعتدال في التصرّف أمام الناس من حيث ملاحظة الحكم في سلوكه حتّى في الاُمور المباحة ، فلا يحسن برجل الدين الانفلات والتحلل ، وعدم المبالاة بأيّ تصرف بحجّة أنّه حلال ، بل ينبغي له الاتّزان ، ومراعاة الحشمة والوقار ، وفرض احترامه على الآخرين باعتداله ومتانة تصرفاته ، وتجنّب كلّ تصرّف ينافي ذلك ؛ لأنّه في موقع المسؤولية ، والمنتظر منه أن يكون قدوة في أقواله وأفعاله ، ومربّياً للمجتمع الذي يعيش فيه(1) .

3 ـ الارتفاع بالمنبر عن كونه سلعة تحدّد خدماتها باُسلوب المساومة ، ولو كان ذلك مشروعاً لا غبار عليه من الناحية الشرعيّة ، ولكن فيه جفاف لا يلتقي مع شفافية الرسالة التي يؤديها المنبر ، وأن لا يكون المنبر وسيلة لجمع الأموال(2) .

4 ـ أن لا نخلع ذاتنا على الموضوع عن طريق التحدّث عمّا يخصّنا ، أو يخصّ تجاربنا الذاتية ممّا له صلة بالأنا ؛ فإنّ ذلك

ــــــــــــــ

(1) رسالة أبوية / 65 .
(2)
تجاربي مع المنبر / 120 .


الصفحة (103)

ممّا يستثقله السامع فينبغي أن نحسب له ألف حساب(1) .

5 ـ التورّع عن نسبة الأقوال والأفعال إلى المعصومين (عليهم السّلام) وغيرهم كذباً ؛ فإنّ الكذب على المعصومين من أعظم الكبائر ، والكذب على غيرهم كبيرة ؛ سواء على الأشخاص التاريخيِّين ، أو على مؤلّفي المصادر ، أو على أيّ مؤمن ومؤمنة .

وأوضح اُسلوب يتّخذه في هذا الصدد أن يقول : ( قيل ) ، أو ( روى ) ، أو ( يُقال ) ونحو ذلك ، حتّى إنّه لا ينبغي له ذكر أحد من أسماء المؤلفين ما لم يحرز باليقين وجوده في كتابه ، وصحة انتساب الكتاب إليه باليقين ، أو بدليل معتبر(2) .

6 ـ أن يتورّع من نسبة الأقوال والأفعال إلى المعصومين (عليهم السّلام) وغيرهم باعتبار لسان الحال ؛ شعراً كان ما يقوله الخطيب ، أم نثراً فصيحاً كان الكلام أم درجاً ما لم يعلم ، أو يطمئن بأنّ لسان حالهم هو كذلك فعلاً(3) .

7 ـ أن يتورّع الخطيب عن ذكر الاُمور النظريّة والتاريخيّة أو غيرها ممّا تثير شبهات حول الاُمور الاعتقاديّة في أذهان السامعين ، ويكون هو قاصراً أو عاجزاً عن ردّها ومناقشتها ، أو غافلاً عن ذلك ؛ بل يجب أن يختار ما يقوله بدقة وإحكام ، وإلاّ فسوف يكون هو المسؤول عن عمله فيقع في الحرام من حيث يعلم أو لا يعلم .

ــــــــــــــ

(1) المصدر نفسه / 125 .
(2)
أضواء على الثورة الحسينيّة ـ الشهيد محمد صادق الصدر / 108 .
(3)
المصدر نفسه / 108 .


الصفحة (104)

وينبغي أن يلتفت إلى أنّ هذا ممّا لا يفرّق فيه بين أن يكون مرتبطاً بحوادث الإمام الحسين (عليه السّلام) أو غير مرتبط ، أو كان مسلّم الصحة في اعتقادهم أو غير مسلّم(1) .

8 ـ أن يدع الخطيب التشكيك فيما تسالم العامّة عليه ، أعني جمهور الناس على صحته ، فضلاً عن إنكاره بصراحة ؛ فإنّه ينبغي أن يستهدف هدايتهم وتوجيههم نحو الطاعة والعقيدة ، ومن الواضح أنّهم إذا وجدوا مثل هذا التشكيك في كلامه سوف يفقدونه ويسقط من أنظارهم ، فيسبب ذلك عدم سماعهم لمواعظه وإرشاده ، أو بعده عنهم أو مقاطعتهم له عمليّاً(2) .

9 ـ أن يدع ما أمكن من التفلسف فيه من الحوادث ، أعني التعرّض إلى الحكم والأسباب التي اقتضتها ، ما لم يحرز في نفسه الإصابة لذلك ، وإلاّ فليدع ذلك إلى أهله , وهو خير له في الدنيا والآخرة من أن يكلّف نفسه ما لا يطيق ، أو أن يكلّف السامعين بالردّ فيتورّط بالحرام من حيث لا يعلم ، وذلك لا يفرق أيضاً فيما يخصّ كربلاء وحركة الإمام علي (عليه السلام)، أو اُمور الشريعة الأخرى .

10 ـ أن لا يروي الخطيب اُموراً مستحيلة بحسب القانون الطبيعي حتّى وإن ثبت لديه بطريق معتبر ؛ لأنّها على أيّ حال ستكون صعبة التحمّل على السامعين ، ولعلّ أوضح مثال ذلك ما يذكره بعض

ــــــــــــــ

(1) المصدر نفسه / 108 .
(2)
المصدر نفسه / 111 . 

الصفحة (105)

الخطباء عن علي بن الحسين الأكبر (سلام الله عليه) أنّه حين ضرب على رأسه بعمود تناثر مخّه ، وفي بعض المصادر سال مخّه على كتفيه ، ثمّ يقول الخطباء : إنّه في آخر رمق من حياته دعا أباه الحسين (عليه السّلام) فبادر بالذهاب إليه ، فأخبره قائلاً : هذا جدّي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قد سقاني بكأسه الأوفى شربة لا أضمأ بعدها أبداً .

مع العلم واليقين أنّ مَنْ تناثر مخّه فهو ميت لا محالة ، ولا يستطيع الكلام ولا بكلمة واحدة ، فضلاً عن الانتظار مدّة إلى أن يصل إليه أبوه ؛ فإنّ تلف المخّ طبيّاً يعني الوفاة ، وعدم إمكان استمرار الحياة بكلّ تأكيد ؛ فيكون ما يقوله الخطباء من كلام بعد ذلك ممتنعاً بحسب القانون الطبيعي ، إلاّ أن يقول أنّ مخّه لم يتناثر عندئذ تكون له قدرة الكلام(1) .

أذكر ما سمعته من أحد الخطباء أنّ طالباً للعلوم الدينية في النجف الأشرف انقطع عن أهله الذين هم خارج العراق ، وضاقت به أوضاعه الماديّة فعاش أيّاماً في حيرة ودهشة ؛ بين أن يمدّ يده إلى العلماء والتجّار ، أو أن يكون عزيزاً كريماً ويتحمّل مشاقّ الوضع الماديّ .

بينما هو على هذه الحال ذهب إلى ضريح الإمام علي (عليه السّلام) في وقت صلاة الظهر والناس مجتمعة للزيارة والصلاة ، وفيهم عالم عظيم الشأن إمام الجماعة ، فجلس عند الضريح الطاهر متوسّلاً لله بصاحب القبر ، بينما هو يدعو ويتوسّل وإذا ( قنديل ) مطليّ بالذهب معلّق في السقف تنقطع السلسلة المعلّق بها شيئاً فشيئاً وينزل في

ــــــــــــــ

(1) المصدر نفسه / 109 .


الصفحة (106)

حجره ، ففزعت الناس إليه وتناهبوه ، وأخذوه لينالوا البركة منه .

فعاد في الحال إلى الضريح قائلاً : سيّدي , عطيتك أخذوها منّي ! فهبّت رياح قويّة من خارج المرقد ودخلت إلى الضريح ، فأخذت هذا ( القنديل ) من أيدي الناس وأرجعته إلى هذا الطالب .

فلمّا رأى إمام الجماعة هذه الكرامة جاء قرب هذا الطالب مخاطباً الناس بترك هذا ( القنديل ) له ؛ فإنّه من عطاء الإمام إليه ، ثمّ التفت إلى الطالب بالمدح والثناء بأنّه أفضل من العلماء ، وأفضل منه خاصّة ؛ لأنّهم في حجب عن الله تعالى ، بحيث لم تكن لهم كرامة مثلما كانت لهذا الطالب .

إنَّ حكاية مثل هذه الاُمور استخفاف بعقول الجالسين ، وفيه دلالة على عدم نقاهة فهم الخطيب منها .

11 ـ إنّ مسؤوليّة الخطيب عظيمة ، ودوره كبير في إدامة تعاليم الإسلام ، فهو الحلقة الموصلة بين الفقهاء والمراجع وبين الناس ، فعليه أن يقوّي صلة الناس بمراجع وعلماء وحماة الدين المخلصين الذين هم روح لدوام التشيّع ، لكن من غير أن تكون دعوة لخصوص شخصيّة منهم ، وإنّما دعوة عامّة من غير تشخيص مصداق خاص .

أمّا إذا وجدت بعض المفارقات غير المتعمدة فإنّه لا يعني سلب الثقة من الكلّ والإعراض عن الكلّ ، كما إنّه ينبغي أن لا يذكر الخطيب ذلك إلى الناس بأيّ نحو وصورة كانت .

12 ـ أن لا يكون المنبر وسيلة للتبليغ إلى فئة خاصّة أو مجموعة خاصّة ، بل حصر المنبر في حدود اختصاصه ، وعدم الخروج به عن


الصفحة (107)

وظيفته الإسلاميّة التي هي التبليغ للإسلام عن طريق اتّباع مذهب أهل البيت (عليهم السّلام) .

13 ـ إقامة مجالس العزاء لا تنحصر في أيّام محرّم ورمضان ، وإنّما تقام في مناسبات عديدة ومتنوّعة . فعلى الخطيب أن يراعي في موضوع الخطبة المجانسة مع مناسبة إقامة المجلس ، فقد يعدّ الخروج عن تلك المطابقة مذموماً عند الحاضرين والمقيمين للمجلس .

وممّا ذكر في هذا المقام : توفي بالسكتة القلبية أحد التّجار المؤمنين ، وكان سيّداً محترماً ، ورعاً تقيّاً نقيّاً ، أقام له ذووه مجلس الفاتحة ، حضره عدد كبير من علماء الدين والتّجار والكسبة والمؤمنين .

ودعي لإلقاء كلمة هذا المجلس أحد الوعّاظ وكان مسنّاً محترماً ، قد حزَّ في نفسه انتشار الفساد والآثام والخطايا في المجتمع ، ولا يترك فرصة تمرّ إلاّ وتطرق إلى شيوع الفحشاء والأعراض الناتجة عن ذلك .

ارتقى هذا الخطيب المنبر وفي نيّته الحديث عن موت الفجأة ؛ ليلائم بحثه مقتضى الحال ، فبدأ كلامه بالرواية التالية :

عن الإمام أبي جعفر الباقر (عليه السّلام) قال : (( وجدنا في كتاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إذا ظهر الزنا من بعدي كثُر موت الفجأة )) .

لقد وقع هذا الواعظ المحترم وبشكل لا شعوري تحت تأثير إحساسه الانتقادي ، وجعل من ظهور الزنا الذي جاء ذكره في الحديث محوراً


الصفحة (108)

أساسياً لبحثه ، وتحدّث عنه بإسهاب ، فتأثّر من حديثه المعاكس للبلاغة ، المخالف لشأن المجلس هذا ذوو المتوفى والحاضرون ؛ حيث تكلّم طيلة الفترة تقريباً عن شيوع الزنا وموت الفجأة بوصفه عقاباً على انتشار الخطايا(1) .

فأسباب إقامة المجالس كثيرة ومتنوّعة ، كما إنّ المؤسّسين لها دوافعهم في إقامة تلك المجالس مختلفة ، فالخطيب عليه أن يعرف خصوصيات الغرض من إقامة المجالس قبل أن يرتقي المنبر ؛ ليتطابق مقاله مع الحال .

14 ـ إنّ كلَّ عملٍ يُراد به وجه الله يقعد الشيطان في طريقه لإفساده ، أو قطع صاحبه عنه ، وفي الخطابة يسعى الشيطان إلى إفساد نيّة الخطيب ، أو يدفعه إلى الغرور والتعالي ؛ بأن يغلق قلبه وأذنيه عن كلّ نصيحة تسدى له ، أو توجيه يهدى إليه ؛ لأنّه يرى نفسه صار خطيباً بمقام أعلى وأسمى من أن يقدّم له ذلك ، ويعدّ النصيحة والتوجيه حسداً من الآخرين لمقامه ، أو يتّهم الآخرين بعدم معرفة أساليب النقد .

ولا شك أنّ هذا مرض من أمراض القلب ؛ فعلى الخطيب أن يقوّي علاقته بربّه ، ويتوكّل عليه ، ويتعوّذ به من الشيطان ؛ ليحميه من جميع الأمراض التي تفسد إخلاصه .

فإذا وفّقك الله تعالى وصرت خطيباً حسينيّاً فلا تعجبك نفسك ؛ فإنّ ذلك من فرص الشيطان .

ــــــــــــــ

(1) البيان وفن الخطابة / 128 .


الصفحة (109)

الباب السابع

تجارب الخطباء

 

1 ـ الخطيب الشيخ محمد سعيد المنصوري

2 ـ الخطيب السيد جاسم الطويرجاوي

3 ـ الخطيب الشيخ أحمد الوائلي


الصفحة (110)

تجارب الخطباء

دلّت الأبحاث النفسيّة الحديثة أنّه لا يرجى كثير نفع من وراء تعلّم القواعد ، أو تعلّم الإرشاد والوعظ من دون ذكر الأمثال ، ولاشك أنَّ ذلك له أثر ، لكنه ضئيل وضعيف في تكوين شخصيّة الإنسان ؛ فالقاعدة الأولى في خصوص ما نحن فيه من الخطباء يجب على الخطيب أن يتعرّف على الشخصيّات المتميّزة في الخطابة ، فيبذل الجهد على التخلّق بطريقتهم ، ويخلق بينه وبين منهجهم صلّة وثيقة .

فالجواب هنا : التعرّف على كيفية بلوغ الخطباء المتميّزين إلى مرحلة النضج الخطابي والانتفاع بتجاربهم ؛ فإنّ معرفة ذلك من التوفيق ، كما ورد في الحديث : (( مِنَ التوفيق حفظ التجربة )) . التجربة التي تكون عند الشخص نفسه ، والتجارب التي تكون عند الآخرين .

والآن نستعرض مجموعة من تجارب الخطباء ؛ لغرض الانتفاع بها .


الصفحة (111)

سماحة الخطيب الشيخ محمد سعيد المنصوري

س: كيف وفقتم لاختيار نهج الخطابة الحسينيّة ؟

ذلك ما يرجع به الفضل للوالد (رحمه الله تعالى) ، حيث هو الذي اختار لي هذا السبيل ، كما اختار لي اُستاذاً كبيراً في علمه وفنّه ، وهو المرحوم الخطيب السيّد محمد سعيد الغريفي العرفاني ، وقام (رحمه الله) بتوفير جميع ما أحتاجه من مستلزمات الحياة والخطابة ، وأنا كنت في سنٍّ لا اُميّز فيه بين هذا العمل الشريف وغيره من المهن المتعدّدة ، وكان أيضاً يمتحنني بين فترة وأخرى بالشعر والنثر ، وكيفية الأداء ؛ إذ كان من ذوي الثقافات العالية ، فأصبحتُ من هذا وذلك ممّن لا بأس بهم .

أمّا نِعْمَ الخطيب أو جيد لا عيب فيه , فتلك درجة لم ينلها غيري حتّى أدّعي بها ، ومَنْ ادّعى ذلك كذّبته شواهد الامتحان ، والقاعدة الكلّية ؛ لما ذكرنا في الحكمة المشهورة : ( جلَّ مَنْ لا عيب فيه ) ، والكمال المطلق لله سبحانه .

س : ما هي الصعوبات التي واجهتكم في التجارب الأولى ، وكيف تغلبتم عليها ؟

الصعوبات في التجارب الأولية كثيرة ، وأهمّها الحفظ حسب الصورة الصحيحة ، والإحكام والإتقان لجميع النواحي المطلوبة ، فمثلاً التأكّد من صحة وزن الشعر ، وانسجام المعنى خصوصاً عند الاصطفاء والانتخاب من القصيدة ما يتلائم والوقت ، ثمّ حسن الأداء كلّ حسب ما يقتضيه معنى الشعر ، ثمّ التمكّن تماماً من السيطرة على


الصفحة (112)

المجلس ، فإذا فقد كلّ ذلك سيطر على الخطيب الخجل ، وكان نصيبه الفشل .

فعليه ، التغلّب على ما ذكرتم لا يمكن إلاّ بضبط ما بينّاه ، وكثرة الممارسة هي التي تجعل الصعب سهلاً ، والشديد من الاُمور هيّناً ، ومَنْ تردّد في شيء أعطي حكمته .

س : ما هي المعاناة النفسيّة عند مواجهة الجمهور في التجربة الأولى ؟ وكيف يمكن التغلب عليها ؟

المعاناة النفسيّة دائماً يكون سببها إصابة المرء بالخجل ، الذي من بعضه ما يسببه عدم الثقة بالنفس ، ومتى فقد الإنسان الثقة بنفسه فقد ركناً مهمّاً من أركان النجاح في الخطابة ، وغيرها ممّا يزاوله من الأعمال .

وعلاج ذلك : أن يحاول إرجاع خجله إلى الحياء ؛ لأنّ الفرق بين الحياء والخجل كالفرق بين الغبطة والحسد . الخجل يذهب بكلّ القدرات بعد علمنا بأنّه وليد عدم الثقة بالنفس ، أمّا الحياء فهو صفة عالية ، وحالة محبوبة سامية .

إنّ الله يحبّ من عباده المؤمن الحيي ، لماذا ؟ لأنّه كلّما بالغ في الشكر في العبادة ؛ في الحمد ، في الذكر ، يرى نفسه مقصّراً ، يحاول أن يقوم بعبادة أشدّ ، ويشكر أكثر ، ويحمد أوفر .

فإذاً الحياء يأخذ بيد الإنسان في الأكمل من الأعمال والأجمل ، والخجل يخرس لسان الإنسان حتّى فيما هو أعلم وأدرى به من غيره .

فإن استطاع الخطيب الخلاص من هذه الحالة واستبدالها بما ذكرنا ، فليس هناك أيّ شك لدينا من أنّه بعد برهة قليلة سيصبح من الخطباء اللامعين والناجحين ، وإلاّ فالترك خير له من المحاولة ؛ لأنّ المحاولات مع الخجل لا تجدي نفعاً .


الصفحة (113)

س : هل استفدتم من مناهج الخطباء في بدء الممارسة العلميّة ؟

نعم ، كلّ ما عندنا منهم (رحمهم الله) ، إلاّ ما خرج بالدليل ؛ استفدنا منهم ومن حكاياتهم وأساليبهم وطرقهم ، هذا وإن كانت الدروس منتشرة ومبعثرة لكن بإمكان الطالب الذكي أن يأخذها من الأشجار والبراري ، والبحار والقفار ، والطيور والوحوش ، والجامدات والناطقات .

فذا الكون جامعة الجامعات ، وذا الدهر أستاذها الأكبر ، وأمّا البليد فلو واكب الدروس ليلاً ونهاراً ، واختلف على تعلميه الأساتذة الماهرون لما نال من ذلك إلاّ السقوط ، ولما زاده إلاّ الهبوط والعياذ بالله .

س : ما هو النهج الذي تميزتم به في الخطابة المنبريّة ؟

هو أولاً : الالتزام بعدم الإسهاب في كلّ حاجة من حوائج المنبر ، لا سيّما الشعر والنثر مطبقاً بذلك قولهم (عليهم السّلام) : خير الاُمور الوسط حيث التناهي غلط .

ثانياً : هو نفس نهج الخطباء مع شيء من التغيير ، عندما أذكر قصّة ، أو حكاية ، أو أيّ موضوع ، عدا ما لأهل البيت (عليهم السّلام) من أقوال وروايات ، أأتي بمضمونه لا بنصه .

ثالثاً : أمتلك في هذا الجانب شيئاً من القدرة في إنشاء الشعر والحمد لله ، فأستطيع أن أطيل في الخبر القصير ، وأختصر في الخبر الطويل مع حسن البيان ، وطلاقة اللسان ، مع الاحتفاظ بأصل المعنى .

س : بعد هذا العمر المبارك في الخطابة هل يمكن أن تذكروا لنا المراحل التي مررتم بها حتّى بلغتم النضج في المنهج الخطابي لكم ؟


الصفحة (114)

المراحل التي مررنا بها من أشدّها دراسة اللغة ، وحفظ قواعدها ، وما نمتحن به منها ، وحفظ الأشعار والأخبار ، والتطبيق والأداء .

وإنّي اعتبر المرحلة الأولى في الخطابة من أشدّ المراحل التي مرّت بي ومررت بها ، ولكن كلّما انتقلت من مرحلة إلى المراحل التالية تخفّ الوطأة ، ويهون الأمر حتّى أصبحت خطيباً قدر الإمكان .

س : ما هي نصيحتكم للخطيب المبتدئ ؟

النصيحة للخطيب المبتدئ أن يكتب خير ما يسمع ، ويحفظ خير ما يكتب ، ويتكلّم بخير ما يحفظه ، وأن لا يعجب بنفسه ولا بزيّه ، ولا بصوته ؛ فإنّ العجب آفة التوفيق ، وأن لا يترك المزاولة والممارسة لعلمه ؛ فإنّ الترك آلة النسيان ، وأن يتأثّر بالشيء الذي يذكره حتّى يؤثر في غيره ؛ فإنّ ما يخرج من القلب يقع في القلب .


الصفحة (115)

فضيلة الخطيب السيّد جاسم الطويرجاوي

طلبت الملائكة بما فيهم جبرائيل (عليه السّلام) الخدمة للإمام الحسين (عليه السّلام) ، وقد أدرك هذا المعنى الشاعر أبو نؤاس لمّا سُئل عن سبب تركه مدح الإمام الرضا (عليه السّلام) ...

فعلامَ تركت مدح ابن موسى      والـخصال التي تجمعنَ فيهِ
قـلت  لا أستطيع مدح إمامٍ      كـان  جـبريلُ خادماً لأبيه

فالخطيب خادم الحسين (عليه السّلام) ، فالإنسان الذي يتصدّى لهذه الخدمة يجب أن يتحلّى باُمور :

1 ـ الصبر على المكاره

2 ـ يحبّ لغيره ما يحبّ لنفسه

3 ـ صادق اللهجة

4 ـ أن يعبّر عن أهل البيت (عليهم السّلام) بأفعاله وأقواله

5 ـ حاول أيّها الخطيب أن تستقطب المجتمع وتجعله مرتبطاً بك ، مشدوداً إليك ، ولا يكون العكس ، بمعنى لا تركض وراء عطاء الآخرين ، لا تعمل لإرضاء الآخرين ؛ اجعل الناس تتشرّف بقراءتك ، تتشرّف بصوتك ، وأن تكون لك الهيمنة ، ولا تترك للآخرين أن يفرضوا عليك شيئاً ؛ اقرأ هكذا ولا تقرأ هكذا .

أقول : أن تكون لك الهيمنة ، ولكن من غير غطرسة وتكبر ورياء ، وإنّما هيمنة مع التواضع ، والحبّ للناس من الأعماق .


الصفحة (116)

وممّا يوصى به : أن تقرأ عند الغني والفقير ، لا تفرّق بين هذا وذاك ، اقرأ في كلّ مكان تُدعى له ، اقرأ في الشاعر ، في السوق ، على ظهر البعير ، لكن بحسب المناسب ما لم يكن فيه سخرية واستهزاء .

6 ـ وممّا أذكره إنّي تشرّفت في زيارة الإمام موسى بن جعفر (عليه السّلام) , وكانت أوّل زيارة لي ، واقترنت هذه الزيارة مع شهادة الإمام موسى بن جعفر (عليه السّلام) ، وهناك جمع غفير من الزائرين مستعد لسماع مجلس عزاء الشيخ ( كاظم نوح ) .

دخلت وطلبت منه الرخصة لأرتقي المنبر بدلاً عنه . التفتْ إلى أخلاق الشيخ , لم يمانع ولم يبادرني بأيّ سؤال ، وإنّما شجّعني على ذلك . هكذا يجب أن تكون أخلاق الخطيب الحسيني .

7 ـ وممّا أذكره إنّ أحد الخطباء قرأ في مجلس وأبكى القلوب والعيون بمصاب أبي عبد الله (عليه السّلام) ، ولمّا انتهى المجلس بادره شخص من الحاضرين ينتقده على ما قرأ ، ووصف المجلس بعديم الفائدة ، وقدحه بكلمة عاميّة نابية . استقبل الخطيب هذا الكلام بقلب رحب ، وتغافل عنه ، وأوعده أن يوفّق في المرّة القادمة .

التفتْ إنَّ الخطيب خادم الحسين (عليه السّلام) لا يغيظه أمر شخص .

8 ـ اخلص لمَنْ تخدمه ، فالمخدوم أخلص لك بدمه .

9 ـ أن لا تتعامل مع قضية الحسين (عليه السّلام) بالمال ؛ ليكن شعارك الحسين .


الصفحة (117)

10 ـ نافس الخطباء الآخرين ، واجتهد أن تكون بمنزلتهم ومقامهم العالي ، ولكن لا تنافسهم حسداً(1) .

تجارب الدكتور الشيخ أحمد الوائلي

كتاب الشيخ ( تجاربي مع المنبر ) غني بالتجارب والنصائح والتوجيهات ، وينبغي لكلّ خطيب الاستفادة منها ، ونذكر هنا ما نراه مناسباً لهذا المقام ممّا ندم على عدم فعله .

1ـ هو إنّي لم أكمل الدورات الدراسيّة المتعلّقة بالعلوم الإسلاميّة : الفقه واُصول الفقه والفلسفة ، وكلّ مشتقّات العربية إلخ ؛ فقد كان ينبغي عدم الاكتفاء بدورات عاديّة غير مكثّفة ، بل لا بدّ من إحاطة تامّة بتلك العلوم التي تعتبر أساساً ضروريّاً للمنبر ، خصوصاً وأنا في يومها في دور الصبا ، ومعه تسهل الصعاب ، ويستوعب الذهن ، وترتفع الهمّة ، وليس هناك شواغل ممّا جدّ بعد ذلك .

لقد برهنت لي تجاربي أنّ الخطيب ينبغي أن يكون على دراية تامّة بالعقائد والأحكام ، وما هو لصق بأفق المعرفة الإسلاميّة ؛ وبدون ذلك سيبقى الشعور بالنقص ، بل سيكون عرضة لتبكيت بعض مَنْ يُحسبون على أهل العلم لسبب وآخر .

وفي الوقت نفسه لا بدّ من الأخذ بنصيب وافر من العلوم الحديثة ، والإلمام بلغتين رئيسيتين على الأقل ؛ لشدّة الحاجة لذلك في

ــــــــــــــ

 (1) في حديث له في معهد الحسنين للخطابة بتاريخ 17 / جمادى الثاني / 1419 .


الصفحة (118)

ميادين مختلفة(1) .

2 ـ ومن الاُمور التي ندمت عليها ، وأعتقد أنّها جنت على منهج كان ينبغي أن يكون سائداً ، تلك قضية تعدد المجالس باليوم الواحد ، ممّا يكون على حساب الأصالة ومكانة الخطيب ، وتحويل المأتم إلى ممّارسة خالية من الفائدة ؛ ذلك إنّ اقتصار الخطيب على مجلس يعطيه الفرصة للإجادة ، والاستيعاب للموضوع ، ويصعد به إلى مستوى المحاضر المحترم الذي يقصد ويستفاد منه ، وفي الوقت نفسه يجعل المجلس مدرسة تربّي وتبني .

وسيقول البعض ـ وهو على حقّ ـ إنّ المجلس الواحد ليس له ذلك المردود المادي الذي يسدّ حاجة الخطيب ويكفل معاشه ، والمفروض أنّه حبس نفسه على هذه المهنة ، ولا طريق له للتعيّش بسواها ، وهذا هو سرّ المشكلة ؛ فإنّه يعدّد ليحصل على أكبر قدر من المال يسدّ حاجته .

ومع إيماني بصحة ذلك ، فإنّي أقول : إنَّ هذا منهج لو دأب الخطباء على تبنّيه لربّما أصبح سائداً ، وارتفع معه أجر الخطيب ، وترتّبت عليه باقي الإيجابيّات ، ولا بدّ من تضحية بادئ الأمر(2) .

تجربة اُخرى للشيخ

3 ـ كانت في مدرسة المحروم آية الله الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء ، وكان عنده مجلس يعقد في كل يوم جمعة ، ويسميه النجفيّون ( عادة ) ، وكنت يومئذ صبيّاً أرتدي الكوفيّة ، ولم ألبس

ــــــــــــــ

(1) تجاربي مع المنبر ـ الشيخ الوائلي / 115 .
(2)
المصدر نفسه / 116 .


الصفحة (119)

العِمة بعد ، فحضرت في يوم الجمعة , فجلس الشيخ , واتّفق أن تأخّر الخطيب ذلك اليوم ، وهو المرحوم الشيخ حسن ابن الشيخ كاظم السبق ، فأشار بعض الحضور إليّ ، ونبّه الشيخ بأنّي ممّنْ يقرؤون التعزية ، فقال لي الشيخ : تفضّل واقرأ لنا . ففرحت بهذا الطلب ، وشعرت باعتزاز بأنّي اقرأ في مجلس كاشف الغطاء ، فشرعت بالقراءة .

وأذكر أنّي صدّرت مجلسي بالحديث القدسي : (( لولا شيوخ ركّع ، وأطفال رضّع ، وبهائهم رتع ، لصببت عليكم البلاء صبّاً )) . وشرحت الفقرات الثلاث ، وجعلت فقرة الأطفال آخر فقرة ؛ لأتخلَّص منها للرضيع ، ثمّ ذكرت أنّ الحسين (عليه السّلام) في آخر رجعة طلب رضيعه فناولته إيّاه زينب ، وهي في حالة حزن شديد ، فسلاّها الحسين (عليه السّلام) بقوله : (( تعزّي بعزاء الله ، ولا يذهبنَّ بحلمك الشيطان ، واعلمي أنّ أهل السماء يموتون ، وأهل الأرض لا يبقون ...)) إلخ .

هكذا قرأت الرواية ، وكان الشيخ (رحمه الله) بكّاءً وجهوري الصوت ، فلّما فرغت مسح دموعه ، وقال : ادنُ يا بُني ، إنّي أرجو لك أن تكون شيئاً ، وبارك الله فيك ، ولكن يا بُني إنّ الأثر الذي ذكرته ليس كما ذكرت ، بل اعكس تُصب ؛ إنّ الحسين (عليه السّلام) لا يقول : اعلمي أنّ أهل السماء يموتون ؛ لأنّ أهل السماء ليسوا من جنس مَنْ يموت ، إنّهم من المجرّدات ، وأخذ الشيخ (تغمّده الله برحمته) يشرح وينصب كالسيل ،


الصفحة (120)

وكان درساً من أروع الدروس نبّهني أن أضبط النصوص الواردة عن أهل بيت العصمة (عليهم السلام)(1) .

ــــــــــــــ

(1) تجاربي مع المنبر ـ الشيخ أحمد الوائلي / 107 .


الصفحة (121)

الباب الثامن

آراء العلماء في الخطابة الحسينيّة

 

1 ـ آية الله العظمى السيّد أبو القاسم الخوئي

2 ـ آية الله العظمى السيّد عبد الأعلى السبزواري

3 ـ آية الله العظمى السيّد محسن الحكيم

4 ـ آية الله العظمى السيّد الإمام الخميني

5 ـ آية الله العظمى السيّد محمد الشاهرودي

6 ـ آية الله العظمى الشيخ حسين وحيدر الخراساني

7 ـ آية الله العظمى الشيخ جعفر السبحاني

8 ـ آية الله العظمى الشيخ مكارم الشيرازي

9 ـ آية الله الشيخ علي الهمداني

10 ـ آية الله العظمى السيّد محمد مفتي الشيعة

11 ـ آية الله الشيخ محمد هادي آل راضي

12 ـ آية الله الشيخ باقر الإيرواني


الصفحة (122)

آراء العلماء في إقامة مجالس العزاء على أبي عبد الله الحسين (عليه السّلام)

وجّهت أسئلة مختلفة إلى المراجع بشأن إقامة مجالس العزاء على سيّد الشهداء (عليه السّلام) ، وكانت الأجوبة على الصور التالية :

آية الله العظمى السيّد أبو القاسم الخوئي (قدّس سرّه)

باسمه تعالى : إنّ منع إقامة الشعائر المذهبيّة ، من جملتها مجالس العزاء لأهل البيت الطاهرين ، فضلاً على أنّه لا أساس له ؛ فإنّه مخالف لصريح الروايات ، وليس هناك منافاة بين ترويج هدف سيّد الشهداء وسائر الأئمّة (عليهم السّلام) ، وبين ذكر مصابهم ، بل ذكر مصابهم وإظهار التأثّر والحزن لها يؤكّد هدفهم(1) .

آية الله العظمى السيّد عبد الأعلى السبزواري (قدّس سرّه)

باسمه تعالى : إنّ من أهم وسائل النجاة وأقواها سبباً ، التوسّل بإقامة الشعائر الحسينيّة ، وبتعظيمها ؛ لأنّ هذا النحو من الأعمال هو من الشعائر الإلهيّة(2) .

ــــــــــــــ

(1) كلجيني از كتاب ( الدعاة الحسينيّة ) / 191 .
(2)
المصدر نفسه / 198 .


الصفحة (123)

آية الله العظمى السيّد محسن الحكيم (قدّس سرّه)

في سؤال وجه إليه حول إقامة مجالس العزاء في بلاد الهند وباكستان ، وما يظهر فيها من الضرب على الصدور ، والضرب على الرأس بالسيف وغيرها من الاُمور . فهل هذا جائز ؟

الجواب :

باسمه تعالى : لا مانع من ذلك إذا لم يكن فيه ضرر ، وكان بعنوان حفظ العزاء ، ولم يكن سبباً لإيجاد العداء(1) .

آية الله العظمى السيّد الإمام الخميني (قدّس سرّه)

باسمه تعالى : إقامة مجالس العزاء على سيّد الشهداء ، ومجالس الدعاء ، وبيان المسائل هي من الشعائر الدينيّة التي لا تختصّ بزمان معين(2) .

آية الله العظمى السيّد محمد الشاهرودي (حفظه الله)

سؤال طرح عليه : ما هو رأي جنابكم الشريف في الشعار الحسيني إن استوجب الإضرار بالنفس ، كما في حالة اللطم العنيف ، أو البكاء الشديد ؟

أجاب :

إقامة الشعائر الحسينيّة أمر محبوب ومستحسن ، ومرغوب لله تعالى ، بل هو من شعائر الله ﴿ وَمَن يُعَظّمْ شَعَائِرَ اللّهِ فَإِنّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ ﴾ .

ــــــــــــــ

(1) المصدر نفسه / 167 .
(2)
المصدر نفسه / 185 .


الصفحة (124)

ولا نظن إنّ البكاء الشديد واللطم يكون مضرّاً بالنفس ، وإن كان موجباً للإدماء والخدش ، ولا دليل على حرمة الإضرار بالبدن ما لم يودِّ إلى قتل النفس ، أو نقص العضو ، أو فقدان بعض الحواس(1) .

آية الله العظمى الشيخ حسين وحيد الخراساني(حفظه الله)

بسم الله الرحمن الرحيم

إقامة مجالس العزاء على سيّد الشهداء (عليه السّلام) ، والأئمّة المعصومين (عليهم السّلام) ، وذكر مناقبهم ومصائبهم هو إحياء لأمر آل محمد (صلّى الله عليه وآله) ، واستحبابه مستفاد من الروايات المتواترة(2) .

آية الله الشيخ جعفر السبحاني (دام ظله)

إنَّ إقامة مجالس العزاء لسيّد الشهداء (عليه السّلام) هي إحدى السنن الإسلاميّة التي أكدّ عليها أئمتنا قولاً وفعلاً ، فقد وطَّن المسلمون ، وخاصة الشيعة أنفسهم مع أهل البيت (عليهم السّلام) أيّام العزاء في عهود المحن التي مرّت عليهم في عهدي الدولة الأمويّة ، والعباسيّة ، وغيرهما .

إنَّ نهضة وثورة الإمام الحسين تتجدّد بإقامة مجالس العزاء ، وبتنظيم الشعائر والمراثي ؛ لقد بكى يعقوب (عليه السّلام) على فراق ولده

ــــــــــــــ

(1) أجوبة المسائل الاعتقاديّة / 75 .
(2)
كلجيني از كتاب ( الدعاة الحسينيّة ) / 232 .


الصفحة (125)

يوسف (عليه السّلام) سنوات طويلة ، والقرآن اعتبر عمله هذا عملاً إنسانيّاً عاطفياً .

فعلى أتباع الإمام الحسين (عليه السّلام) أن تجري من عيونهم دموع لفراق شهداء الطفّ قروناً طويلة ، ولتكن تلك الدموع معبّرة عن رسالة وهدف الإمام .

ويجب أن تقام تلك المراسم بأفضل صورة وأشرفها ، ويجب الامتناع عن إقامة الأعمال التي لا تتناسب مع شأن الإمام وثورته(1) .

آية الله العظمى الشيخ ناصر مكارم الشيرازي (دام ظلّه)

مراسم العزاء لإمام الأحرار وسيّد الشهداء (عليه السّلام) وأصحابه الذين ضحّوا بكلّ شيء في سبيل الله , في كربلاء ، في ساحة الصراع بين الحقّ والباطل ، والذين اختاروا الشهادة والموت الأحمر على الحياة السوداء والعار ، تعتبر من الوظائف القطعيّة لجميع المسلمين .

فكلّ نوع من المراسم التي تبيّن الأهداف المقدّسة للإمام الحسين (عليه السّلام) وأصحابه ، كما إنّ تعظيم تلك الشعائر الإسلاميّة التي تُقام بنحو صحيح هو من جهة الشرع أمر محبوب ، وفي بعض الأحيان يكون واجباً البكاء والإبكاء ، لبس السواد ، الإطعام , وغير ذلك .

وخلاصة الكلام : كلّ عمل يُحيي تلك الذكرى يكون سبباً لبقاء ودوام نهضة الإمام وثورته ، ويكون سبباً لمواجهة أعدائها هو مطلوب ومحبوب ، ولكن يجب الامتناع والتحذير من الأعمال التي تصدر من

ــــــــــــــ

(1) المصدر نفسه / 228 .


الصفحة (126)

بعض الأفراد الجهلاء ، والتي يخلعون عليها اسم العزاء ، هذه الأعمال التي تُقلّل من شأن ومنزلة هذه الثورة والنهضة .

نسأل الله تعالى أن يجعلنا من أتباع مذهب مصلح الإنسانيّة , آمين ربّ العالمين(1) .

ــــــــــــــ

(1) المصدر نفسه / 227 .


الصفحة (127)

آراء العلماء والمجتهدين في الخطابة الحسينيّة ووصاياهم للخطيب

يقول فضيلة الشيخ أحمد الرحماني الهمداني : كان آية الله الآخوند ملاّ علي الهمداني (رحمه الله) يعقد مجلس العزاء في مدرسته الدينيّة ، لمدّة ثلاثة أيّام بمناسبة وفاة سيّدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (عليها السلام) ، وفي هذا المجلس كان يصعد المنبر وعّاظ من المدرسة ومن خارجها .

أتذكّر جيّداً في اليوم الثالث من هذه المجالس ، صعد المنبر المرحوم الحاج الشيخ محمود مفتّح وقرأ مقاطع من خطبة الزهراء (عليها السلام) ، وبعد وفقت أنا لقراءة قسم من مقدّمة هذه الخطبة حول مجيء السيّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) مع النسوة المؤمنات إلى المسجد ؛ إذ أمرتهنَّ بضرب ستار بينهنَّ وبين الرجال في المسجد ، وكيف أبكت السيّدة ببكائها الحاضرين في المسجد .

كنت أقرأ الخطبة بصوت عال ولحن حزين ، ومن دون ترجمة , حتّى ضجَّ الناس بالبكاء . وفي ذلك اليوم بكى آية الله الهمداني ، والعلماء الكرام بكاءً شديداً على مصيبة فاطمة المظلومة بنت النبيّ محمد (عليها وعلى أبيها آلاف التحية والسّلام) .

وبعد اختتام المجلس دخل آية الله الهمداني مكتبة المدرسة ودخلنا خلفه ، فأطرى عليَّ كثيراً ، وكنت مبتدئاً في القراءة المنبريّة حينذاك ، ثمّ سألني سماحته : أتريد أن تصبح منبريّاً ؟


الصفحة (128)

قلت : يجتمع الإخوة ليالي الخميس ويصعدون المنبر ، كناية إنّي معهم .

فقال : إذا أردت أن تصبح خطيباً لا تنسى شيئين :

الأول : اصعد المنبر بنفس القصد والنيّة التي تصلّي بها ركعتي صلاة لله تعالى .

الثاني : اعلم أنّ الناس الجالسين تحت المنبر قد وضعوا أشرف أجزائهم تحت اختيارك ؛ وهو العقل ، فانظر ماذا تصنع في عقولهم(1) .

آية الله العظمى الگلبايگاني (قدّس سرّه)

كان آية الله الگلبايگاني شديد الحبّ والولاء للإمام الحسين (عليه السّلام) ، فكان يجمع أهله وعياله ليلة عاشوراء في بيته ويقوم بنفسه فيقرأ لهم مقتل الحسين (عليه السّلام) ، وما جرى عليه وعلى أهل بيته وأنصاره من المصائب في كربلاء ، وكان يقول : أريد بهذا أن يسجّلني ربّي واحداً من أحبّاء الحسين ، والخطباء الذاكرين لمصيبته(2) .

ــــــــــــــ

(1) قصص وخواطر / 336 .
(2)
قصص وخواطر / 327 .


الصفحة (129)

آية الله العظمى السيّد محمد مفتي الشيعة

الأمر الأول :

كان السيّد البروجردي (رحمه الله) يوصي الخطباء والمبلغين بالالتزام بتعاليم الشريعة ، ويوصيهم بالتقوى والاستقامة ؛ لأنّ الناس إنّما يعرفون دينهم بواسطة العلماء ، فإذا صلح العلماء صلحت الناس واستقامت ، أمّا إذا لم يؤدِّ العلماء الوظيفة الملقاة على عاتقهم فإنّه لا يمكن حينئذ لوم الناس وذمّهم .

فالخطيب أو المبلغ يجب أن يكون عاملاً بعلمه ، مؤدّياً وظيفته الشرعيّة ؛ لتتّخذه الناس قدوة ، وليكن بتقواه حجّة عليهم .

الأمر الثاني :

الخطابة ليست وظيفة ولا عملاً يرتجى منها جمع المال ، والتكسّب بها ، إنّما هي وظيفة إلهية قصدها حثّ الناس على الالتزام بالدين ، والعمل على طبق دستور الشريعة .

فعلى الخطيب أن يترفّع عن مستوى النزول بها إلى المعاملة والمتاجرة ؛ فإنّ التجربة خير شاهد على فشل وعدم توفيق اُولئك الذين اتّخذوا منها وسيلة إلى مطامعهم الشخصيّة ، والتجربة شاهد على قلّة احترام الناس لمَنْ يظهر لهم بلون المتاجرة .

فائدة : تجربة خطيب

كان السيّد حسن الأصفهاني خطيباً يقرأ في الصحن الحيدري ، نُقل أنّ أخاه السيّد رضا الأصفهاني تحدّث عنه بشأن موقفه اتّجاه عطاء


الصفحة (130)

الناس مقابل خطابته ، فذكر أنّه لم يأخذ من الناس أجرة إلاّ في مرّتين ندم عليهما كثيراً .

الموقف الثاني : كان يقرأ في الصحن الحيدري ، فجاءه رجل بعد انتهاء المجلس ، وألحّ عليه بقبول شيء من المال فلم يقبل , وبعد إصرار الرجل قبل السيّد ، ومدّ يده إليه فوضع فيها (10 فلوس) ، أخذها السيّد وأدخلها في جيبه ، فرأى في المنام مولاتنا فاطمة الزهراء (سلام الله عليها) وهي تقول له : (( أمددت يدك إلى غيرنا ؟! )) . وكانت هذه خاتمة لأخذ العطاء من الناس .


الصفحة (131)

آية الله الشيخ محمد هادي آل راضي

إنّ الخطابة التي كان لكم الشرف القيام بها ، وأداء واجباتها ليست شيئاً منفصلاً عن أهم الواجبات الشرعيّة الإلهية التي حثّ عليها الشارع المقدّس ، وهي عبارة عن التبليغ ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، وعلى كل واحد منكم أن يتبنّى هذا الشيء .

إنّ كلّ الدراسات الحوزويّة التي نمارسها في هذه الحوزة المباركة بمختلف مرحلها تعتبر مقدّمات للعمل الذي تقومون به ، كلّها مقدّمات للتبليغ ، مقدّمات لنشر الأحكام الإلهية .

فالاُمور التي أحبّ أن أذكرها ، وهي نافعة للمسيرة الخطابيّة هي :

1 ـ الاهتمام بالدراسة الحوزويّة بشكلها الجدّي دون السطحي ؛ فإنّ البعض من الخطباء أهمل ذلك ، أو تغافل عنه .

فالدراسة الحوزويّة تفتح آفاقاً واسعة لم تنفتح لغيرها ، وتساعد الخطيب على البحث والتدقيق ، وتمدّه بالقدرة على التمييز بين الغث والسمين ممّا وصل إلينا من النصوص والروايات وغير ذلك .

الخطيب الذي لا يتعمّق في الدراسة الحوزويّة لا يخرج عن كونه ناقلاً لآراء الآخرين ، ومقلّداً لهم ، في حين ينبغي عليه أن يكون له رأي خاص به .

2 ـ حفظ النصوص على ظهر القلب ـ الروايات والنصوص التأريخيّة ـ وإلقاؤها كما هي ، والاجتناب عن أدائها بالمعنى ؛ فإنّ نقله كما هو يكون له وقع في النفوس أكثر من وقعة لو نقل بمعناه .


الصفحة (132)

3 ـ مراعاة مقولة ( لكلّ مقام مقال ) .

الملاحظ على بعض الخطباء إنّه يهيّئ محاضرة ويلقيها ، بغض النظر عن مستويات الجالسين .

الخطيب فنان يؤثر في السامعين ، ويتأثّر به السامعون ، فالأمر ليس سهلاً ؛ فعلى الخطيب مراعاة الكم من الحضور ، والكيف ، والوقت ، والمناسبة التي ارتقى من أجلها المنبر .

نقل لي أحد الخطباء المعروفين في النجف الأشرف ما وقع معه ، فقال : كان عندي في إحدى السنوات الماضية في أيّام محرّم مجلس في مدينة البصرة ، وفي نفس هذه الأيّام علمت بقدوم المجتهد الخطيب السيّد صالح الحلّي إلى البصرة ، فاغتنمت الفرصة في وقت ، وذهبت للحضور في مجلس سيّد صالح .

فكان المجلس بسيطاً في موضوعه ، ممّا بعث في نفسي أن ألوم السيّد على ذلك ، وحينما كشفت له ذلك أجابني : يدركك الموت ولن تكون خطيباً .

ففوجئت بكلامه ولم أعرف معناه ، وبعد فترة طويلة حضرتُ مجلس سيّد صالح في بيت صاحب الكفاية ، وحضر المجلس علماء ومجتهدون وأفاضل ، ولم أكن أتوقع أن يكون المجلس على هذه الصورة . لم أفهم من كلام السيّد شيئاً ؛ لعلو المعنى ، ودقّة العبارات ، فحينها فهمت معنى ما قاله لي في البصرة ؛ فقد راعى السيّد في المجلسين المستوى العلمي والثقافي للجالسين ، وقد أحسن صنعاً في عمله هذا .

اختلف المقام فاختلف المقال .


الصفحة (133)

4 ـ أن لا يدخل الخطيب في مواضيع لم تكن ناضجة عنده من الناحية العلميّة .

5 ـ أن لا تطرح الشبهات والأسئلة من دون أجوبة واضحة وشافية لها ، كما أن لا يطرح الخطيب شبهات ثمّ يؤجل الجواب إلى وقت آخر .

6 ـ أن يتحدّث الخطيب باُسلوب العصر .

7 ـ يكثر من مطالعاته العلميّة والأدبيّة .

8 ـ الإخلاص لله تعالى بأن يجعل هدفه الوحيد من خطابته وجه الله وحده لا شريك له ، وأن يمنع الشوائب التي تفسد إخلاصه من الولوج إلى قلبه(1) .

ــــــــــــــ

(1) في حديث له ألقاه سماحته في معهد الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للخطابة بتاريخ 18 / جمادى الأول / 1419 .


الصفحة (134)

آية الله الشيخ باقر الإيرواني

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين ، وصلّى الله على أشرف خلقه محمد وعلى أهل بيته الطيّبين الطاهرين .

إذا كان مذهب أهل البيت (عليهم السّلام) قد أُرسيت قواعده على يد الرسول الكريم (صلّى الله عليه وآله) وأهل بيته ، وجهود أصحابه النجباء ، أمناء الله على حلاله وحرامه ، الذين لولاهم لاندرست آثار النبوّة ؛ فإنّ بقاءه إلى يومنا هذا كان بفعل عاملين :

1 ـ الحوزات العلميّة

2 ـ المنبر الحسيني

فلولا الحوزات العلميّة لكان المذهب في طريقه إلى الفناء ؛ ولذا نلحظ أهل المناطق التي يضعف فيها التواجد الحوزوي هم على غير المذهب سلوكاً وعملاً ، وإن كانوا يتوافقون معه قلباً . ولولا المنبر الحسيني المنادي بصوت المذهب ومظلوميّة أهل البيت (عليهم السّلام) لما كان الحقّ والواقع واصلين إلى كثير من الآذان .

ونحن كما نحسّ بضرورة التواجد الحوزوي نحسّ بنفس الدرجة بضرورة وإجراء بعض التعديلات عليه ؛ تبعاً لحاجة الزمن ، كذاك نحسّ بضرورة تقوية المنبر الحسيني وإجراء بعض التعديلات عليه .


الصفحة (135)

وإذا كان من الضروري لرجل الحوزة الإلمام بالحقول المختلفة للعلوم القديمة والحديثة ؛ تجاوباً مع متطلبات العصر ، فنفس الضرورة نحسّ بها في المنبر الحسيني ، ولا أظنّ أنّ الجهود التي يحتاج إلى بذلها رجل المنبر بأقل ممّا يحتاج إلى بذلها رجل الحوزة .

وتبقى المسؤولية على عاتقنا معاً لتكريس جهود متفاعلة لتخريج أكبر عدد صالح وناجح في قضايا المنبر . نسأله تعالى أن يوفقنا جميعاً لما يحبّ ويرضى ، إنّه هو السميع المجيب .


الصفحة (136)

فهرس المصادر والمراجع

1 ـ الخطابة ـ اُصولها ، تأريخها في أزهر عصورها عند العرب ـ محمد أبو زهرة ، مطبعة العلوم / القاهرة .

2 ـ علم النفس ـ الدكتور اُميمة علي خان ، مطبعة العاني / بغداد .

3 ـ اُصول علم النفس ـ الدكتور أحمد عزّت راجح ، المكتب المصري الحديث .

4 ـ علم النفس ومشكلات الفرد ـ الدكتور عبد الرحمن محمد عبوي ، جامعة الإسكندرية .

5 ـ كيف تكسب الثروة والقيادة ـ دايل كارتيجي .

6 ـ الميزان في تفسير القرآن ـ محمد حسين الطباطبائي ، مطبعة خورشيد / طهران .

7 ـ تجاربي مع المنبر ـ الدكتور أحمد الوائلي ، مطبعة أمير/ قم .

8 ـ أضواء على الثورة الحسينيّة ـ الشهيد محمد الصدر ، دار الأضواء / بيروت .

9 ـ رسالة أبويّة ومسائل تهمّ طلبة الحوزة ـ آية الله العظمى السيّد محمد سعيد الطباطبائي ، دار الزهراء / بيروت .

10 ـ البيان وفنّ الخطابة ـ محمد تقي فلسفي ، مؤسسة البعثة / بيروت .

11 ـ حكايت ها ، وهدايت ها در آثار شهيد مطهري ـ محمد جواد صاحبي .

12 ـ كلجيني از كتاب ( الدعاة الحسينيّة ) ـ آية الله الشيخ محمد علي نخجواني .

13 ـ قصص وخواطر ـ عبد العظيم المهندي البحراني ، انتشارات نويد إسلام .


الصفحة (137)

14 ـ حياة الإمام الحسين بن علي (عليهما السلام) ـ باقر شريف القرشي ، مكتبة الداوري / قم .

15 ـ الملهوف على قتلى الطفوف ـ ابن طاووس .

16 ـ شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد .

17 ـ أجوبة المسائل العقائديّة ـ آية الله العظمى السيّد محمد الشاهرودي .

18 ـ إكسير العبادات في أسرار الشهادات ـ الدربندي ، دار ذوي القربى .

19 ـ الحرب النفسيّة معركة الرأي والمعتقد ـ صلاح نصر ، دار القاهرة .

20 ـ القرآن الكريم .

 
 
البرمجة والتصميم بواسطة : MWD