1439 / ربیع‌الاول / 5  |  2017 / 11 / 24         الزيارات : 483687         صلاة الصبح |         صلاة الظهر والعصر |         صلاة المغرب والعشاء |

السيدة زينب (عليها السّلام) رائدة الجهاد في الإسلام

{ باقر شريف القَرَشي }
السيدة زينب (عليها السّلام) رائدة الجهاد في الإسلام

الصفحة (1)

السيدة زينب (عليها السّلام)

رائدة الجهاد في الإسلام

عرضٌ وتحليلٌ

تأليف : باقر شريف القَرَشي


الصفحة (2)

 

الطبعة الاُولى / 1420 هـ ـ 2000 م

 


الصفحة (3)

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 


الصفحة (4)

 

بسم الله الرحمن الرحيم

( إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحاً وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ )

سورة آل عمران / 33 ـ 34

( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً )

سورة الأحزاب / 33


 ( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ )

سورة الشورى / 23


الصفحة (5)

الإهداء

إلى ريحانة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وسيّد شباب أهل الجنّة الإمام الحسين (عليه السّلام) , أرفع إلى مقامه الرفيع هذه الدراسة عن شقيقته وشريكته في نهضته ، والمطالبة بثأره , حفيدة الرسول السيّدة زينب (عليها السّلام) ، راجياً أن يتفضل عليّ بالقبول ، ويمنحني السعادة والشفاعة يوم ألقى الله .

 


الصفحة (6)

 


الصفحة (7)

تقديم

ـ 1 ـ

السيّدة زينب حفيدة الرسول (صلّى الله عليه وآله) , هي أوّل سيّدة في دنيا الإسلام صنعت التأريخ ، وأقامت صروح الحقّ والعدل ، ونسفت قلاع الظلم والجور ، وسجّلت في مواقفها المشرّفة شرفاً للإسلام وعزاً للمسلمين على امتداد التأريخ .
لقد أقامت سيّدة النساء صروح النهضة الفكرية ، ونشرت الوعي السياسي والديني في وقت تلبّدت فيه أفكار الجماهير , وتخدّرت وخفي عليها الواقع ؛ وذلك من جرّاء ما تنشره وسائل الحكم الاُموي من أنّ الاُمويِّين أعلام الإسلام وحماة الدين وقادة المتّقين ، فأفشلت مخطّطاتهم , وأبطلت وسائل إعلامهم ، وأبرزت بصورة إيجابية واقعهم الملوّث بالجرائم والموبقات وانتهاك حقوق الإنسان ، كما دلّلت على خيانتهم وعدم شرعيّة حكمهم ، وأنّهم سرقوا الحكم من أهله ، وتسلّطوا على رقاب المسلمين بغير رضاً ومشورة منهم .

لقد أعلنت ذلك كلّه بخطبها الثورية الرائعة التي وضعت فيها النقاط على الحروف ، وسلّطت الأضواء على جميع مخطّطاتهم السياسيّة وجرّدتها من جميع المقوّمات الشرعيّة .


الصفحة (8)

ـ 2 ـ

وتجسّدت في حفيدة الرسول (صلّى الله عليه وآله) جميع الصفات الكريمة والنزعات الشريفة ؛ فكانت أروع مثلٍ للشرف والعفاف والكرامة , ولكلّ ما تعتزّ به المرأة وتسمو به في دينا الإسلام .
لقد ورثت العقيلة من جدّها الرسول (صلّى الله عليه وآله) ومن أبيها الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) جميع ما امتازوا به من المثل الكريمة ، والذي كان من أبرزها الإيمان العميق بالله تعالى ، فقد ضارعتهما العقيلة في هذه الظاهرة .

وقد روى المؤرّخون عن إيمانها صوراً مذهلة , كان منها أنّها صلّت ليلة الحادي عشر من محرّم ، وهي أقسى ليلة في تأريخ الإسلام ، صلاة الشكر لله تعالى على هذه الكارثة الكبرى التي حلّت بهم ، والتي فيها خدمة للإسلام ورفع لكلمة التوحيد .
وكان من عظيم إيمانها وإنابتها إلى الله تعالى أنّها في اليوم العاشر من المحرّم وقفت على جثمان أخيها ، وقد مزّقته سيوف الكفر , ومثّلت به العصابة المجرمة ، فقالت كلمتها الخالدة التي دارت مع الفلك وارتسمت فيه قائلةً : « اللّهمّ تقبّل هذا القربان ، وأثبه على عمله ... » .
تدول الدول وتفنى الحضارات وهذا الإيمان أحقّ بالبقاء وأجدر بالخلود من هذا الكوكب الذي نعيش عليه .

ـ 3 ـ

وأقسى كارثة مدمّرة مُني بها العالم الإسلامي في جميع مراحل تأريخه


الصفحة (9)

إقصاء أهل بيت النبوة ومعدن الرحمة عن المسرح السياسي ، وتسليم قيادة الاُمّة ومقدّراتها إلى غيرهم ؛ فقد اندفع قادة الانقلاب بعد وفاة النبي (صلّى الله عليه وآله) ـ فيما أجمع عليه المؤرّخون ـ رافعين عقيرتهم قائلين : « لا تجتمع النبوّة والخلافة في بيتٍ واحدٍ ... » .
ولم يحفلوا بوصايا النبي (صلّى الله عليه وآله) في حقّ أهل بيته من أنّهم سفن نجاة الاُمّة وأعلام هدايتها وباب حطّتها ، وقال فيهم : (( لا تتقدّموهم فتهلكوا ، ولا تعلّموهم فإنّهم أعلم منكم )) .
وقرنهم بمحكم التنزيل فقال مكرّراً : (( إنّي تركت فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي أبداً ؛ كتاب الله حبل ممدودٌ من السماء إلى الأرض ، وعترتي أهل بيتي ، ولن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض , فانظروا كيف تخلفوني فيهما ... ))(1) .
إنّ الإمعان والتدبّر في الوثائق السياسيّة التي ذكرها المؤرّخون بعد وفاة النبي (صلّى الله عليه وآله) تبدو فيها بصورة واضحة حقيقة المؤامرة ودوافعها التي دُبّرت ضدّ أهل البيت (عليهم السّلام) ، والتي كان من أظهرها الحسد لعترة النبي (صلّى الله عليه وآله) على ما منحهم الله من الفضل , وما خصّهم من المنزلة والكرامة , مضافاً إلى التهالك على السلطة والاستيلاء على مقدّرات الدولة .

وتُلقي هذه الدراسة الأضواء على ذلك بصورة أمينة وبعيدة عن المؤثّرات التقليديّة .


ـ 4 ـ

وحُرمت الاُمّة بجميع شرائحها من الانتهال من نمير علوم أهل البيت (عليهم السّلام) الذين

ـــــــــــــــــــــــــــ
(1) المراجعات / 49 ، نقلاً عن كنز العمّال 1 / 44 ، والترمذي ، وحفلت مصادر الحديث بتخريج الرواية وتصحيحها .


الصفحة (10)

هم خزنة علم النبي (صلّى الله عليه وآله) وسدنة حكمته ، فكان سيّد العترة وعملاق الفكر الإسلامي الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) بمعزلٍ تام عن الحياة السياسيّة والعملية طيلة حكم الخلفاء ، ولمّا آل إليه الأمر وتقلّد زمام الحكم ثارت عليه الرأسمالية القرشية التي ناجزت الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) ، كما ثار عليه الطامعون والمنحرفون عن نهج الحقّ ؛ فجرّعوه الغصص والآلام , وشغلوه حتّى عن نفسه , ومُني العالم الإسلامي بخسارة عظمى ، فلم يُفسح المجال لهذا الإمام الملهم العظيم أن ينشر علومه بين الناس .

ومن المؤسف حقّاً أنّ الأئمّة (عليهم السّلام) من بعده واجهوا المصير الذي لاقاه جدّهم الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ؛ فقد عمد الاُمويّون والعباسيّون إلى حجبهم عن الأوساط الشعبيّة حتّى لا تعرف قدراتهم العلميّة ، وكلّ هذه الضربات القاسية التي عانتها الاُمّة من جراء فصل القيادة العامّة عن أهل البيت (عليهم السّلام) .

ـ 5 ـ

ومن النتائج المؤسفة والمحزنة بعد إقصاء العترة الطاهرة عن شؤون الحكم أن آلت الخلافة الإسلاميّة التي هي ظلّ الله في الأرض إلى (بني اُميّة) ، الذين هم الشجرة الملعونة في القرآن ؛ فاتّخذوا مال الله دِوَلاً , وعباد الله خِوَلاً ، وأشاعوا الجور والظلم بين الناس ، واستهدفوا المصلحين ورجال الوعي بالإعدام والتنكيل .

فقد أعدم معاوية بن أبي سفيان أعلام الإسلام وحماته , أمثال : حجر بن عدي وأصحابه المجدّدين ، وعمرو بن الحمق الخزاعي وغيرهم ، وتتبّع أخوه اللاشرعي الإرهابي زياد بن أبيه شيعة الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) الذين يمثّلون الوعي الديني والسياسي في المجتمع الإسلامي ؛ فنفّذ في معظمهم الإعدام ، وأخلد الكثيرين منهم


الصفحة (11)

في ظلمات السجون . وسار على هذه السياسة الخرقاء السوداء عمّاله وولاته , وسائر ملوك بني اُميّة من بعده ؛ فأوعزوا إلى رجال أمنهم وأجهزة حكمهم بمطاردة شيعة آل البيت (عليهم السّلام) , وإبادتهم تحت كلّ حجر ومدر .
لقد كانت سياستهم شعلة من النار تحرق المصلحين , وتبيد المؤمنين , وتحمي الفاسقين , وتساند الظالمين .

ـ 6 ـ

وظهر على مسرح السياسة الإسلاميّة بعد هلاك معاوية ولده يزيد ، وهو فيما أجمع عليه المؤرّخون : حاكم ظالم ، جاهلي ، لم يؤمن بالله طرفة عين ، قد خلد إلى الفسق والفجور واقتراف كلّ ما حرّم الله من إثم ، وقد أعلن كفره وإلحاده ومروقه عن الدين بقوله :

لَـعِبَت هاشمُ بالمُلكِ فلا      خبرٌ جاءَ ولا وحيٌ نزل

 

وقد تفجّرت سياسته في جميع مراحل حكمه بكلّ ما خالف كتاب الله وسنّة نبيّه ؛ من إشاعة المنكر والفجور ، واستعباد المسلمين ، وإرغامهم على ما يكرهون .. .

لقد سلّطه أبوه معاوية على جميع مقدّرات الدولة الإسلاميّة ، ومكّنه من رقاب المسلمين مع علمه وإحاطته التامّة بنزعاته الجاهليّة , وتحلّله من جميع القيم والأعراف الإنسانيّة ، فهو المسؤول أمام الله وأمام التأريخ والاُمّة عن موبقات هذا الوغد الجاهلي الذي حوّل حياة المسلمين إلى جحيم لا يُطاق .

ـ 7 ـ

وليس في العالم الإسلامي مَنْ يستطيع أن يقول كلمة الحقّ ، ويغيّر


الصفحة (12)

مجرى التأريخ غير سبط رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وريحانته , ووارث علمه الإمام الحسين (عليه السّلام) ؛ ففجّر ثورته الكبرى التي أعزّ الله بها الإسلام ، وأوضح بها الكتاب ، وجعلها عبرة لأولي الألباب ، تمدّ المسلمين على امتداد التأريخ بالعزّة والكرامة , والتمرّد على الظلم ، ومصارعة الطغاة ، ومناجزة المستبدين .
لقد كانت ثورة الإمام الحسين (عليه السّلام) من أهم الثورات الإصلاحية التي عرفها التأريخ الإنساني ؛ فقد هزّت الضمير العالمي وذلك بفصولها المروّعة ، ومآسيها الخالدة في دنيا الأحزان ، كما أنّها تحمل عطاءً فكرياً ودروساً مشرقة لجميع شعوب العالم لإنقاذها من ويلات الاستعمار والاستعباد ، وستبقى حيّةً مشرقةً حتّى يرث الله الأرض ومَنْ عليها .

ـ 8 ـ

وكانت الأحداث المفزعة التي مُني بها العالم الإسلامي في أيام معاوية وولده يزيد بمرأى ومسمع من الإمام الحسين (عليه السّلام) ؛ فقد رأى باطلاً يُحيا ، وصادقاً يُكذَّب ، وكاذباً يُصدَّق ، ومفسداً يُعظّم ، وأثرة بغير تُقى .

قد عُطلت حدود الله ، وجمدت أحكام الإسلام . لا آمر بمعروف ، ولا ناهٍ عن منكر ، فلم يستطع سبط رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الصبر على هذه الكوراث التي مُني بها العالم الإسلامي ؛ فأعلن (سلام الله عليه) ثورته الكبرى على الحكم الاُموي , مستهيناً بالموت ، عازماً على الشهادة ، وأعلن كلمته الخالدة التي هي وسام شرف وفخر للإسلام ، ونشيد لأحرار العالم في كلّ زمان ومكان قائلاً : (( لا أرى الموت إلاّ سعادة ، والحياة مع الظالمين إلاّ برماً ... )) .

واستقبل الموت هو وأهل بيته وأصحابه بثغورٍ باسمة , ونفوس


الصفحة (13)

مطمئنة ؛ لإنقاذ المسلمين من استعباد الاُمويِّين وظلمهم ، وإعادة الحياة الإسلاميّة إلى مجراها الصحيح .

ـ 9 ـ

وساهمت حفيدة الرسول (صلّى الله عليه وآله) السيدة زينب (عليها السّلام) في الثورة الحسينيّة ، وشاركت في جميع ملاحمها وفصولها مشاركة إيجابيّة وفاعلة ؛ فقد وقفت إلى جانب شقيقها في أوّل مرحلة من مراحل جهاده ، وهي على علم لا يُخامره أدنى شك من شهادته ، وما يجري عليه وعليها من صنوف الكوارث والخطوب .

أخبرها بذلك أبوها الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) باب مدينة علم النبي (صلّى الله عليه وآله) ، كما أسرّ إليها بذلك أخوها الإمام الحسين (عليه السّلام) ، فانطلقت (سلام الله عليها) بإرادة وعزم وتصميم إلى مساندة أخيها , ومشاركته في ثورته الكبرى التي غيّرت مجرى التأريخ ، وأمدّت العالم الإسلامي بجميع عوامل النهوض والارتقاء .
لقد آمنت حفيدة الرسول (صلّى الله عليه وآله) بثورة أخيها أبي الأحرار ، وجاهدت جهاداً لم يعرف التأريخ مثله في مرارته وأهواله ، وتبنّت جميع مُخطّطات الثورة وأهدافها ، وهي التي أبرزت قيمها الأصيلة في خطبها التأريخية في أروقة الحكم الاُموي ؛ فبلورت الرأي العام ، وأوجدت وعياً أصيلاً كان من نتائجه الثورات الشعبيّة المتلاحقة التي أطاحت بالحكم الاُموي , وأزالت ذلك الكابوس المظلم عن الاُمّة الإسلاميّة .

ـ 10 ـ

وليس في العالم الإسلامي وغيره امرأة تضارع سيّدة النساء السيّدة زينب


الصفحة (14)

في قوّة شخصيتها ، وصلابة عزيمتها ، وعظيم إيمانها ؛ فقد رأت ما حلّ بأهلها من الرزايا والكوارث التي تميد من هولها الجبال ، وهي صامدة قد تسلّحت بالصبر ، وسلّمت أمرها إلى الله تعالى .
رأت حفيدة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الشباب الذين هم كالبدور من أبنائها ، وأبناء إخوتها وعمومتها , قد تقطّعت أوصالهم على صعيد كربلاء ، رأت الأطفال الأبرياء من أهل البيت يُذبحون بوحشية لا مثيل لها بأيدي اُولئك القُساة الممسوخين .
رأت حرائر النبوّة قد أشرفن على الهلاك من ألم العطش القاتل وهنّ يندبن بذوب أرواحهنّ قتلاهنّ ، وهي (سلام الله عليها) تسلّيهنّ وتأمرهنّ بالخلود إلى الصبر .
رأت أخاها سيّد الشهداء الذي هو عندها أعزّ من الحياة قد أحاطت به أوغاد البشرية ، وهم يوسعونه ضرباً بسيوفهم ورماحهم ونبالهم حتّى احتزّوا رأسه الشريف .

رأت هجوم الكفرة العتاة بعد مقتل أخيها على خيام النساء وقد أضرموا النار فيها ، والمخدّرات من بنات الرسول يتراكضن في البيداء خوفاً من الحريق , وقد تكالب على نهبهن أعداء الله ... كلّ هذه المصائب والرزايا قد حلّت بحفيدة النبي (صلّى الله عليه وآله) ، فما استكانت ولا وهنت وإنّما زادتها إيماناً وتماسكاً وتسليماً لأمر الله .

ـ 11 ـ

إنّ كارثة كربلاء وما جرى على بنات رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من صنوف الأسر والذلّ والتنكيل تستدعي أن ننظر إلى الوثائق السياسيّة , وإلى الأحداث التي


الصفحة (15)

جرت بعد وفاة النبي (صلّى الله عليه وآله) مباشرة ؛ فإنّها المصدر الأساسي لِما حلّ بأهل البيت (عليهم السّلام) من عظيم الرزايا والخطوب .
إنّ مؤتمر السقيفة ونظام الشورى هما من أهمّ العوامل التي أدّت إلى استيلاء بني اُميّة على كرسي الحكم ، وتسلّطهم على رقاب المسلمين ، وإبادتهم لعترة النبي (صلّى الله عليه وآله) ؛ فلولا السقيفة والشورى لما حلم الاُمويّون بأيّ منصب من مناصب الدولة الإسلاميّة ؛ فقد أذلّهم الإسلام منذ فجر تأريخه ، واستهان بهم المسلمون لأنّهم من ألدّ أعدائهم الذين ناجزوهم الحرب ، وجهدوا على محو دين الله ، وحاولوا قتل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) .
إنّ الأجهزة الحاكمة بعد وفاة النبي (صلّى الله عليه وآله) قرّبت الاُسرة الاُمويّة , وأزالت عنهم كابوس الذلّ والهوان الذي ضربه عليهم الإسلام ؛ فمنحتهم الثراء العريض , وقلّدتهم معظم المناصب في الدولة الإسلاميّة .

وكان من أعظم المنتفعين منهم الذئب الجاهلي معاوية بن أبي سفيان ؛ فقد أسندوا إليه ولاية الشام ، وزادوا في رقعة سلطانه ، ومنحوه كلّ تسديد وتأييد ، تتوافد الأخبار إلى الخليفة الثاني أنّ معاوية يسرف في أموال المسلمين ، ويُشيّد القصور ، ويقترف كلّ ما حرّم الله ؛ فيلبس الحرير ، ويشرب ويأكل في أواني الذهب والفضة وذلك محرّم في الإسلام ، فيعتذر عنه ويقول : ذاك كسرى العرب !

وليس ـ والحمد لله ـ في شريعة الإسلام كسروية ولا قيصرية ، فجميع المسلمين سواء أمام القانون لا يفضّل بعضهم على بعض إلاّ بالتقوى وعمل الخير ، ثمّ هل يُباح لكسرى العرب أن يقترف ما حرّم الله وتنتفي عنه المسؤولية الشرعيّة ؟! ومتى كان معاوية كسرى العرب ؛ فقد أذلّه الإسلام وأسقطه اجتماعياً ، ووسمه وأفراد اُسرته بالشجرة المعلونة في القرآن ، كما وسمهم الرسول (صلّى الله عليه وآله) بالطلقاء ؟!


الصفحة (16)

وعلى أيّ حال ، فإنّ أدنى تأمّل في أحداث كربلاء وما عانته عترة النبي (صلّى الله عليه وآله) من الويلات والكوارث يستند بصورة أوّلية لا تقبل الجدل والشك إلى مؤتمر السقيفة والشورى ؛ فهما مصدران لكلّ كارثة جرت على آل البيت (عليهم السّلام) ، كما هما السبب في كلّ فتنة مُني بها المسلمون على امتداد التأريخ .

ـ 12 ـ

إنّ أعظم خدمة تؤدّي للاُمّة ، وأكثر عائدة عليها بفضل ، هي إبراز القيم الأصيلة والمثل العليا لأهل البيت (عليهم السّلام) ، وإشاعة فضائلهم ومآثرهم بين الناس ؛ فإنّ لها التأثير المباشر في نشر الفضيلة وتهذيب الأخلاق وتنمية السلوك نحو الأفضل ؛ فإنّهم (سلام الله عليهم) أشعة من نور الله في كلامهم وسيرتهم وسلوكهم ، وهم سفن نجاة هذه الاُمّة , وعُدلاء الذكر الحكيم حسبما تواترت الأخبار بذلك عن جدّهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) .
إنّ حياة أهل البيت (عليهم السّلام) مدرسة من مدارس التقوى والإيمان , والجهاد والكفاح , قد وهبوا حياتهم لله تعالى ، وأخلصوا كأعظم ما يكون الإخلاص له ؛ فلا تقرأ سيرة أحدٍ منهم إلاّ تجد ملفّ حياته حافلاً بتقوى الله وطاعته ، صياماً في النهار ، وقياماً بالصلاة وتلاوة الكتاب بالليل .

كما أنّ البارز في سيرتهم إشاعة العلم والحكمة والآداب بين الناس ، والبرّ بالفقراء ، والعطف على [البائسين] ، ومقارعة الباطل ، ومناجزة الظلم ، ومقاومة حكّام الجور ؛ فقد تبنّوا (سلام الله عليهم) قضايا المسلمين , فناجزوا حكّام عصورهم الذين أشاعوا الظلم والفساد في الأرض ، فتعرّضوا جميعاً إلى التنكيل والاضطهاد من الحاكمين حتّى استشهدوا


الصفحة (17)

جميعاً بين مقتول ومسموم .

 ـ 13 ـ

ومن بين أهل البيت (عليهم السّلام) الذين رفعوا كلمة الله عاليةً في الأرض سيّدة النساء السيّدة زينب ، فهي أوّل سيّدة مجاهدة في الإسلام ، وقد عانت أشقّ وأقسى أنواع المحن والخطوب ؛ فقد سُبيت بعد مقتل أخيها من كربلاء إلى الكوفة ، ومعها باقي بنات رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، واُدخلن على ابن مرجانة الذي هو أقذر إرهابي مجرم عرفه التأريخ , فجرت مشادّة بينه وبين السيّدة زينب , فاستهانت به واحتقرته ، فاستشاط الخبيث الدنس غضباً , وهمّ بضرب حفيدة النبي (صلّى الله عليه وآله) ، إلاّ أنّه امتنع ؛ فقد عذله بعض الحاضرين مخافة الفتنة والاضطراب .

ثمّ حُملن إلى الشام سبايا فاُدخلن على يزيد حفيد أبي سفيان ، فخطبت السيّدة زينب في بلد يزيد خطابها التأريخي الخالد الذي نعت فيه قتله لسيّد الشهداء , وأسره لبنات رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، يتصفّح وجوههنَّ القريب والبعيد ، وقد بلورت فيه الرأي العام ، وأيقظت الجماهير من سباتها ، وجرّدت الحكم القائم من كلّ شرعيّة , ودعت المسلمين إلى الإطاحة به .
لقد تجرّعت حفيدة الرسول (صلّى الله عليه وآله) الغصص والمصائب التي تذوب من هولها الجبال ، كلّ ذلك من أجل الإسلام والحفاظ على مبادئه وقيمه , ومناهضة الظلم والاستبداد .

إنّ السيّدة زينب (سلام الله عليها) بمواقفها البطولية وكفاحها المشرّف ضدّ الظلم والطغيان يجب أن تكون قدوة فذّة لجميع السيّدات من نساء العالمين ، وأن يتّخذنَّها قائدة لمقارعة الظلم ونشر العدل في الأرض .


الصفحة (18)

ـ 14 ـ

وفي ختام هذا التقديم أرجو أن أكون قد أدّيت في هذه الدراسة عن حفيدة النبي (صلّى الله عليه وآله) بعض فروض المحبّة والولاء لأهل بيت النبوّة الذين فرض الله مودّتهم في كتابه الكريم ، وأن أكون قد ساهمت في إبراز بعض قيم هذه السيّدة الجليلة التي هي أسمى وأرفع امرأة في الإسلام بعد اُمّها سيّدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (عليها السّلام) . آملاً من الله تعالى أن تنالني شفاعتها يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلاّ مَنْ أتى الله بقلب سليم .

كما أرى أنّ من الحقّ عليّ أن أشيد بسماحة أخي حجة الإسلام والمسلمين العلاّمة الكبير الشيخ هادي شريف القرشي ؛ ففي ذرى عطفه ورعايته ألّفت هذا الكتاب وغيره ، والله تعالى هو الذي يتولّى جزاءه كما يجازي المحسنين من عباده ، إنّه تعالى وليّ التوفيق .

النجف الأشرف
18 / شعبان/ 1414 هـ
باقر شريف القرشي


الصفحة (19)

النسب الوضّاح

ليس في دنيا الإسلام وغيره نسب أرفع ولا أسمى من نسب السيّدة زينب (سلام الله عليها) ؛ فقد تفرّعت من دوحة النبوّة والإمامة ، والتقت بها جميع أواصر الشرف والكرامة ، فهي فرع زاكٍ من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ومن الإمام علي (عليه السّلام) ، وهما من أفضل ما خلق الله من بني الإنسان ، فتبارك هذا النسب الوضّاح , وتعالت تلك الاُسرة الكريمة التي أعزّ الله بها العرب والمسلمين ، وجعلها مصدر الوعي والإلهام للمسلمين على امتداد التأريخ .
إنّ الاُسرة العلوية هي أسمى اُسرة عرفها التأريخ بجهادها ونضالها , وتبنّيها لحقوق الإنسان وقضايا مصيره ، ومقاومتها للظلم والطغيان ، فليس في اُمم العالم وشعوب الأرض مثل اُسرة العلويِّين في دفاعهم عن حقوق المظلومين والمضطهدين ، وقد استشهد المئات منهم من أجل حرية الإنسان وكرامته .
وعلى أيّ حال ، فهذه لمحة موجزة عن الاُصول الكريمة التي تفرّعت منها سيّدة النساء زينب (عليها السّلام) .

الجدّ

أمّا جدّ السيّدة زينب فهو سيّد الكائنات رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، الذي فجّر ينابيع العلم والحكمة في الأرض ، وأسس معالم الحضارة والتطوّر ، وبنى مجتمعاً كريماً تسوده


الصفحة (20)

العدالة والقانون ، وسحق خرافات الجاهليّة وعاداتها , ودمّر أصنامها وأوثانها ، ودعا إلى توحيد الله خالق الكون وواهب الحياة ، وجاء بالخير العميم لاُمّته ، ولكلّ ما تسمو به من التقاليد والعادات ، فما أعظم عائدته عليها وعلى البشرية جمعاء !

لقد أرسله الله تعالى رحمةً للعالمين ، ومنار هداية لخلقه أجمعين ، فكان (صلوات الله عليه) كما قال الله تعالى : ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ )(1) . فهو رحمة للناس جميعاً على اختلاف ألسنتهم وألوانهم ، حريص على هدايتهم وإسعادهم ، قال تعالى : ( لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ )(2) .
لقد تشرّفت الإنسانيّة برسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وأشرقت الدنيا بدعوته ، وتوطّدت أركان العدالة بدينه ، فهو (صلّى الله عليه وآله) القائد الملهم لقضايا الفكر والوعي في الأرض .
هذا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، ونبي الرحمة جدّ سيّدة النساء زينب (عليها السّلام) ، وقد ورثت منه خصائصه ومميزاته ، والتي منها الدفاع عن الحقّ ، ورفع كلمة الله عالية في الأرض .

الجدّة

أمّا جدّة السيّدة زينب فهي اُمّ المؤمنين وسيّدة نساء النبي (صلّى الله عليه وآله) خديجة الكبرى التي نصرت الإسلام في أيام محنته وغربته ، وجاهدت في سبيل الله كأعظم ما يكون الجهاد ، وقد بذلت جميع ما تملكه في نصرة الإسلام ، وكانت من أثرى قريش ، فلم تعد بعد ثرائها العريض تملك ما تجلس عليه سوى حصير بال ، فكانت (رضوان الله عليها) من أهم الدعائم لإقامة دين الإسلام ، وهي التي أمدّت النبي (صلّى الله عليه وآله) ومَنْ كان

ـــــــــــــــــــ
(1) سورة الأنبياء / 107 .
(2)
سورة التوبة / 128 .


الصفحة (21)

معه طوال المدّة التي اعتقلتهم فيها طغاة قريش في (الشِّعب) ، وكانت تهوّن على النبي (صلّى الله عليه وآله) المصاعب والمصائب التي كان يعانيها من جهّال قريش وأوغادها .

وكان النبي (صلّى الله عليه وآله) يشكر أياديها البيضاء ، وما أسدته عليه من عظيم اللطف والفضل ؛ فكان يذكرها دوماً بعد وفاتها ويترحّم عليها ، وكان إذا ذبح شاة بعث بأطيب ما فيها إلى صديقاتها ؛ وفاءً لها .

وكانت عائشة يثقل عليها ذلك ، فكانت تندّد بها وتقول لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) : ما تذكر من عجوز حمراء الشدقين قد أبدلك الله خيراً منها ؟! فيردّ النبي (صلّى الله عليه وآله) ويقول : (( ما أبدلني الله خيراً منها ؛ آمنت بي حين كفر بي الناس ، وواستني بمالها حين حرمني الناس ، ورُزقتُ منها الولد وقد حُرمته من غيرها )) .

لقد رزقه الله منها سيّدة نساء العالمين الصدّيقة فاطمة الزهراء (عليها السّلام) التي هي نفحة من روح الله تعالى . إنّ السيّدة خديجة أسمى امرأة مجاهدة في الإسلام , هي جدّة الصدّيقة زينب (عليها السّلام) .

وقد ورثت صفات جدّتها التي منها الاندفاع في نصرة الحقّ , والذبّ عن المثل العليا ، وقد ظهرت هذه الصفات بوضوح عند العقيلة ؛ فقد وقفت إلى جانب أخيها الإمام الحسين (عليه السّلام) , فهي شريكته في نهضته وجهاده ، وهي التي أمدّت ثورته الجبّارة الخالدة بعناصر البقاء والخلود .

الاُمّ

أمّا اُمّ السيدة زينب فهي البتول الطاهرة فاطمة الزهراء (سلام الله عليها) ، سيّدة نساء العالمين في فضلها وعفّتها وطهارتها من الزيغ والرجس ، وهي بضعة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وريحانته , وأعزّ أبنائه وبناته عنده .

وبلغ من عظيم حبّه لها أنّه إذا سافر جعلها آخر مَنْ يودّعها ؛ لتكون صورتها ماثلة أمامه ، كما أنّه إذا قدِم من سفره كان أوّل مَنْ يستقبلها(1) ؛ وذلك لسموّ مكانتها وعظيم شأنها .

وقد عنى بها عناية بالغة , فغذّاها

ـــــــــــــــــــــ
(1) مسند أحمد بن حنبل 5 / 275 ، مستدرك الصحيحين 3 / 156 ، سنن البيهقي 1 / 26 .


الصفحة (22)

بمكرماته ، وأفاض عليها أشعة من روحه التي ملأ سناها الكون ، وغرس في نفسها عناصر حكمته وفضائله ، فكانت صورة تحكيه ومثالاً صادقاً عنه ، ويقول الرواة : إنّها كانت من أشبه الناس به هدياً وحديثاً ومنطقاً(1) .
وكانت فيما أجمع عليه الرواة من أشفق الناس وأخلصهم لأبيها وأبرّهم به ؛ فإذا رأته متأثراً أو حزيناً ذابت أسى وموجدة .

ومن أمثلة ذلك ما رواه أبو نعيم بسنده عن أبي ثعلبة ، قال : قَدِم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من غزاة له المسجد , فصلّى فيه ركعتين ـ وكان يعجبه إذا قَدِم أن يدخل المسجد فيصلّي فيه ركعتين ـ ثمّ خرج فأتى فاطمة (عليها السّلام) , فبدأ بها قبل بيوت أزواجه , فجعلت تقبّل وجهه وعينيه وتبكي ، فقال لها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( ما يبكيك ؟ )) .

قالت : (( أراك قد شحب لونك )) .

فقال لها : (( يا فاطمة ، إنّ الله عزّ وجلّ بعث أباك بأمر لم يبقَ على ظهر الأرض مدر ولا شعر إلاّ أدخله به عزّاً أو ذلاً(2) ، حيث سطع الليل ))(3) .

تكريم وتعظيم

وأحاط النبي (صلّى الله عليه وآله) بضعته الطاهرة بهالة من التقديس والتكريم ؛ إظهاراً لعظيم شأنها ، وسموّ مكانتها عند الله تعالى وعنده ، وقد نقل الرواة عنه كوكبة من الأحاديث في ذلك , كان منها ما يلي :

ـــــــــــــــــــــ
(1) صحيح الترمذي 2 / 319 رواه بسنده عن عائشة ، ورواه الحاكم في مستدرك الصحيحين بسنده عنها 3 / 154 ، ورواه البخاري في الأدب المفرد / 141 ، ورواه أبو عمرو في الاستيعاب 2 / 751 .
(2)
معنى الحديث أنّ البيوت التي دخلها العزّ هي التي آمنت بالإسلام ، وأمّا البيوت التي دخلها الذلّ فهي التي لم تؤمن بالإسلام وبقيت على كفرها وضلالها .
(3)
حلية الأولياء 2 / 30 ، كنز العمّال 1 / 77 ، مجمع الزوائد 8 / 262 .

الصفحة (23)

1 ـ قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( يا فاطمة ، إنّ الله عزّ وجلّ يغضب لغضبك ، ويرضى لرضاك ))(1) .
2 ـ قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لفاطمة : (( إنّ الربّ يغضب لغضبك ، ويرضى لرضاك ))(2) .
3 ـ قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( يا فاطمة ، إنّ الله ليغضب لغضبك ويرضى لرضاك ))(3) .
ومعنى هذه الأحاديث التي تقاربت في مؤدّاها أنّ لسيّدة النساء (سلام الله عليها) منزلة سامية عند الله ؛ فقد أناط رضاه برضاها ، وأناط غضبه بغضبها ، وهذه أسمى وأرفع منزلة يصل إليها القدّيسون من عباد الله . لقد انتهت سيّدة النساء إلى هذه المكانة عند الله تعالى ؛ وذلك لِما تتمتّع به من طاقات هائلة من الإيمان والتقوى حتّى كان ذلك من عناصرها ومقوماتها .
4 ـ قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( فاطمة بضعة منّي ، فمَنْ أغضبها أغضبني ))(4) .
5 ـ قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( فاطمة بضعة منّي ، يؤذيني ما آذاها ، ويصيبني ما أصابها ))(5) .
6 ـ قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( فاطمة بعضة منّي ، يريبني ما أرابها ، ويؤذيني ما

ـــــــــــــــــــــــ
(1) ذخائر العقبى / 39 ، ومثله رواه الحاكم في مستدرك الصحيحين وعلّق عليه : ( هذا حديث صحيح الإسناد ) كما جاء في اُسد الغابة 5 / 522 ، الإصابة 8 / 159 .
(2)
ميزان الاعتدال ـ الذهبي 2 / 72 .
(3)
كنز العمال 6 / 219 .
(4)
صحيح البخاري ـ كتاب بدء الخلق في باب مناقب قرابة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) 3 / 1361 ، ح 3510 ، ط 5 .
(5)
صحيح الترمذي 2 / 319 ، مسند أحمد بن حنبل 4 / 5 .


الصفحة (24)

آذاها ))(1) .
7 ـ قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( إنّ فاطمة شجن منّي ، يبسطني ما يبسطها ، ويقبضني ما يقبضها ))(2) .
وحكت هذه الأحاديث بصورة واضحة أنّ مَنْ يخدش عاطفة الزهراء (عليها السّلام) ، أو يُسيء إليها بأيّ لون من ألوان الإساءة فقد واجه أباها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بذلك ؛ لأنّها كنفسه ، وأنّها بمقتضى هذه الأحاديث نسخة لا ثاني لها في فضائلها ومواهبها .
8 ـ روت عائشة أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) قال في مرضه الذي توفّي فيه لفاطمة (عليها السّلام) : (( يا فاطمة ، ألا ترضين أن تكوني سيّدة نساء العالمين ، وسيدة نساء هذه الاُمّة ، وسيّدة نساء المؤمنين ؟ ))(3) .
9 ـ روى عمران بن حصين أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) قال : (( ألا تنطلق بنا نعود فاطمة ؛ فإنّها تشتكي ؟ )) .

فقلت : بلى . فانطلقنا حتّى إذا انتهينا إلى بابها فسلّم واستأذن ، فقال : (( أدخل أنا ومَنْ معي ؟ )) .

قالت : (( نعم . ومَنْ معك يا أبتاه , فوالله ما عليّ إلاّ عباءة ؟ )) .

فقال : (( اصنعي بها كذا )) . فعلّمها كيف تستتر ، فقالت : (( والله ما على رأسي من خمار )) . فأخذ ملاءة كانت عليه فقال : (( اختمري بها )) .

ثمّ أذنت لهما فدخلا ، فقال : (( كيف تجدينك يا بُنيّة ؟ )) . قالت : (( إنّي لوجعة ، وإنّه ليزيدني أنّه ما لي طعام آكله )) .

قال : (( يا بُنيّة ، أما ترضين إنّك سيدة نساء العالمين ؟ )) .

قالت : (( يا أبتِ ، فأين مريم ابنة عمران ؟ )) .

قال : (( تلك سيدة نساء عالمها ، وأنت سيّدة نساء العالمين . أما والله زوّجتك سيّداً في الدنيا والآخرة ))(4) .

ــــــــــــــــــــــــ
(1) صحيح الترمذي 2 / 319 . صحيح مسلم .
(2)
كنز العمّال 6 / 219 . مستدرك الصحيحين 3 / 154 .
(3)
مستدرك الصحيحين 3 / 156 .
(4)
حلية الأولياء 2 / 42 . مشكل الآثار 1 / 50 . ذخائر العقبى / 43 .


الصفحة (25)

10 ـ روى الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) قال لفاطمة (سلام الله عليها) : (( ألا ترضين أن تكوني سيّدة نساء أهل الجنّة ، وابنيك سيّدا شباب أهل الجنّة ؟ ))(1) .
11 ـ روى أنس بن مالك أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) قال : (( خير نساء العالمين أربع ؛ مريم بنت عمران ، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون ، وخديجة بنت خويلد ، وفاطمة بنت محمّد (صلّى الله عليه وآله) ))(2) .
وكثير من أمثال هذه الروايات دُوّنت في الصحاح والسنن وغيرهما , وهي تشيد بفضل سيّدة النساء ، وأنّ الله تعالى قد قلّدها أسمى أوسمة الشرف ، وفضّلها على جميع نساء العالمين .
وهذه البتول سيّدة نساء العالمين هي اُمّ السيّدة زينب (سلام الله عليها) ، وهي التي تولّت تربيتها ونشأتها ؛ فغذّتها بمعارف الإسلام وحكمه وآدابه ، وغرست في أعماق نفسها الإيمان بالله والانقطاع إليه حتّى صار ذلك من مقوّماتها وذاتياتها ، فكانت نسخة لا ثاني لها في فضائلها وصفاتها ، فلم يُرَ مثلها في نساء المسلمين وغيرهم في كمالها وآدابها وسائر نزعاتها .

الأب

أمّا أبو الصدّيقة الطاهرة زينب (عليها السّلام) فهو الإمام أمير المؤمنين , رائد الحكمة والعدالة في الإسلام ، أخو النبي (صلّى الله عليه وآله) , وباب مدينة علمه ، ومَن كان منه بمنزلة هارون من موسى ، وهو ـ فيما أجمع عليه الرواة ـ أوّل مَنْ آمن برسول الله (صلّى الله عليه وآله) , واعتنق مبادئه

ـــــــــــــــــــــــ
(1) كنز العمّال 7 / 111 .
(2)
تفسير ابن جرير 3 / 180 .


الصفحة (26)

وأهدافه ، وقام إلى جانبه قوّة ضاربة يحمي دعوته ويصون رسالته , ويخمد بسيفه نار الحروب التي أشعلتها قريش لتطفئ نور الله , وتقضي على الإسلام في مهده ، فوهب (سلام الله عليه) روحه لله تعالى ، فحصد ببتّاره رؤوس الطغاة من القرشيّين وأنصارهم المشركين .
لقد كان الإمام أبرز بطل في جيوش المسلمين نازل ببسالة وصمود قوى الكفر والإلحاد ، وأنزل بها الخسائر حتّى فُلّت وشُلّت جميع فعاليتها العسكرية , وباءت بالهزيمة والخسران . ولولا جهاد الإمام وكفاحه لما قام الإسلام على سوقه عبل الذراع , مفتول الساعد ، فما أعظم عائدته على الإسلام والمسلمين !
وكان من عظيم إيمان الإمام ونصرته للإسلام مبيته على فراش النبي (صلّى الله عليه وآله) ووقايته له بنفسه حينما أجمعت قريش على قتله ، وكانت هذه المواساة الرائعة أعظم نصر للإسلام ؛ فقد نجا النبي (صلّى الله عليه وآله) من أقسى مؤامرة دُبّرت لاغتياله ، فقد فشلت وأنقذ الله تعالى نبيّه من تلك الوحوش الكاسرة التي أرادت أن تطفئ نور الإسلام وتعيد الظلام للأرض .
لقد صحب الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) منذ نعومة أظفاره النبي (صلّى الله عليه وآله) ، وتخلّق بطباعه وأفكاره ، وتغذّى بحِكَمه وعلومه ، فكان باب مدينة علمه ، وقد أثرت عنه من العلوم ما يبهر العقول .

يقول العقاد : إنّه فتح ما يربو على ثلاثين علماً لم تكن معروفة قبله ؛ كعلم الكلام والفلسفة والقضاء والحساب وغيرها ، وهو القائل : (( سلوني قبل أن تفقدوني )) . ولم يفه أحدٌ بمثل هذه الكلمة غيره .

وقد أخبر عن علمه وإحاطته بأسرار الكون والفضاء ، فقال : (( سلوني عن طرق السماء , فإنّي أعرف بها من طرق الأرض )) . كما تحدّث عن درايته بما احتوت عليه الكتب السماويّة من أحكام قائلاً : (( لو ثُنيت لي الوسادة لأفتيت أهل الإنجيل بإنجيلهم ، وأهل الزبور بزبورهم ، وأهل الفرقان بفرقانهم ،


الصفحة (27)

وأهل القرآن بقرآنهم )) .

لقد كان الإمام (عليه السّلام) أعظم عملاق في الميادين العلميّة عرفته الإنسانيّة بعد النبي (صلّى الله عليه وآله) ، ويدلّ على طاقاته العلميّة الهائلة كتابه نهج البلاغة الذي هو من أعظم ما تملكه الإنسانيّة من تراثٍ بعد القرآن الكريم .
ومن مظاهر شخصيّة الإمام (عليه السّلام) زهده في الدنيا وعدم احتفائه بأيّ زينةٍ من زينة الحياة ، فقد تقلّد الحكم وتشرفت الدولة الإسلاميّة بقيادته ، فزهد في جميع مظاهر السلطة ، وجعل الحكم وسيلة لإقامة الحقّ والعدل ونشر المساواة بين الناس ، ولم يستخدم السلطة لتنفيذ رغباته والظفر بالثراء العريض .

ومن المقطوع به إنّه ليس في تأريخ الشرق العربي وغيره حاكم كالإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) قد عنى بالصالح العام ، وتجرّد عن كلّ منفعة شخصية له ، وهو القائل لابن عباس ، وكان يصلح نعله الذي هو من ليف : (( يابن عباس ، ما قيمة هذا النعل ؟ )) .
[ قال ابن عباس : ] لا قيمة له يا أمير المؤمنين .
[ فقال الإمام (عليه السّلام) ] : (( والله , لهي أحبّ إليّ من إمرتكم إلاّ أن اُقيم حقّاً ، أو أدفع باطلاً )) .
لقد تبنّى العدل الخالص والحقّ المحض في جميع مراحل حكمه ؛ فالقريب والبعيد عنده سواء ، والقوي عنده ضعيف حتّى يأخذ منه الحقّ ، والضعيف عنده قوي حتّى يأخذ له بحقّه . وقد أوجد في أيام خلافته وعياً سياسياً أصيلاً وهو التمرّد على الظلم , ومقارعة الجبابرة والطغاة .

وكان أبرز مَنْ تغذّى بهذا الوعي ولده أبو الأحرار الإمام الحسين (عليه السّلام) , وبطلة الإسلام ابنته سيدة النساء زينب (عليها السّلام) ، وكوكبة من مشاهير أصحابه ؛ كحجر بن عدي , وعمرو بن الحمق الخزاعي , وميثم التمّار , وغيرهم من بُناة المجد الإسلامي الذين ثاروا على الظالمين .
وعلى أي حال ، فهذا العملاق العظيم هو أبو الصدّيقة الطاهرة زينب (عليها السّلام) ، فقد غذّاها بمثله ومكوّناته النفسية ، وأفرغ عليها أشعة من روحه الثائرة على الظلم


الصفحة (28)

والطغيان ، فكانت تحكيه في انطباعاته واتجاهاته ، فقارعت الظالمين ، وناجزت الطغاة المستبدّين ، وأذلّت الجبابرة المتكبّرين وألحقت بهم الخزي والدمار .

لقد وقفت حفيدة الرسول (صلّى الله عليه وآله) ، ومفخرة الإسلام إلى جانب أخيها أبي الأحرار حينما فجّر ثورته الكبرى التي هي أعظم ثورة إصلاحية عرفها التأريخ الإنساني . وقد شابهت بذلك أباها رائد العدالة الاجتماعية حينما وقف إلى جانب جدّها الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) حينما أعلن دعوته الخالدة الهادفة إلى تحرير الفكر البشري من عوامل الانحطاط والتأخّر ، وإنارته بالعلوم والعرفان , ودفعه إلى إقامة مجتمع متوازن في سلوكه وإرادته .
لقد كانت هذه السيّدة العظيمة في سيرتها وسلوكها من أشبه الناس بأبيها الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ؛ فقد تبنّت بصورة إيجابية جميع أهدافه ومخطّطاته ومواقفه التي منها نصرته للإسلام في أيام محنته وغربته .

وكذلك هذه السيّدة العملاقة نصرت الإسلام حينما عاد غريباً في ظلّ الحكم الاُموي الذي استهدف قلع جذور الإسلام ولفّ لوائه ، وإعادة الحياة الجاهليّة بأوثانها وأصنامها ، ولكنّها مع أخيها (سلام الله عليها) قد أفسدت مخطّطات الاُمويِّين ، وأعادت للإسلام نضارته ومجده .

جدّها لأبيها

أمّا جدّ السيدة الزكية زينب لأبيها فهو حامي الإسلام وبطل الجهاد المقدّس ، أبو طالب (مؤمن قريش) الذي نافح عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وجاهد في سبيله كأعظم ما يكون الجهاد ، ولولا حمايته للنبي وقيامه بدور مشرق في الذبّ عنه لأتت عليه قريش وقضت على الدعوة في مهدها .
لقد كان أبو طالب من أوثق المسلمين إيماناً ، ومن أكثرهم إخلاصاً لدين


الصفحة (29)

التوحيد ، وهو القائل :

ولقد علمتُ بأنّ دينَ محمّدٍ      من خيرِ أديانِ البريةِ دينا

 

وحكى هذا البيت إيمانه العميق بأنّ دين النبي (صلّى الله عليه وآله) من خير أديان البرية ؛ ولهذا اندفع كأعظم قوّة ضاربة إلى حماية النبي (صلّى الله عليه وآله) وحراسته من ذئاب الاُسر القرشية التي أجمعت أن تلفّ لواء الإسلام وتطوي رسالته .
لقد وقف هذا العملاق العظيم محامياً عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وهو القائل :

واللهِ لن يصلوا إليكَ بجمعهم      حتى  أُوسّد في الترابِ دفينا

 

وظلّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) تحت حراسة أبي طالب وحمايته ينشر دعوته ويذيع مبادئه آمناً عزيزاً مُهاباً ، وقد جنّد أولاده لخدمة النبي (صلّى الله عليه وآله) وألزمهم بالذبّ عنه ، فكان ولده الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) من أقوى حرسه ، ومن أكثرهم دفاعاً عنه ، فخاض أعنف الحروب وأقساها لحمايته ونشر مبادئه وأهدافه .
ولمّا انتقل هذا الصرح العظيم إلى حضيرة القدس حزن عليه النبي (صلّى الله عليه وآله) كأعظم ما يكون الحزن ؛ فلقد فَقَدَ بموته المحامي والناصر ، وأعزّ ما كان يحنو عليه ويعطف ، وأطلق على العام الذي توفي فيه مع اُمّ المؤمنين خديجة (عام الحزن)(1) .

وقد أجمعت قريش بعد موت أبي طالب على قتل النبي (صلّى الله عليه وآله) ،

ـــــــــــــــــــــــــ
(1) من العجيب ما ذكره بعض السذّج من المؤلّفين أنّ أبا طالب حامي الإسلام مات غير مسلم ، وليس ذلك إلاّ من وضع الاُمويّين الذين كادوا للإسلام وطعنوا في أعظم حماته ورجاله . ولو مات غير مسلم لما حزن عليه النبي (صلّى الله عليه وآله) ؛ فإنّه لا يخضع بأيّ حالٍ من الأحوال لأي مؤثّر لا يمتّ إلى الحقّ والواقع بصلة . فحزنه عليه مع كونه غير مسلم موجب للطعن بشخصيّة النبي (صلّى الله عليه وآله) ، ولولاه لأقبرت قريش الدعوة الإسلاميّة من أوّل بزوغها , فجزاه الله عن الإسلام خيراً , وأجزل له المزيد من رحمته .


الصفحة (30)

فاضطر (صلّى الله عليه وآله) إلى [الخروج] من مكّة في غلس الليل البهيم بعد أن ترك أخاه وابن عمّه الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) في فراشه ، فرحم الله أبا طالب , فما أعظم عائدته على الإسلام والمسلمين ، وما أكثر ألطافه وأياديه على النبي (صلّى الله عليه وآله) !
إنّ هذا العملاق العظيم هو جدّ سيّدة النساء زينب (عليها السّلام) لأبيها ، وقد ورثت منه خصائصه وذاتياته التي من أبرزها التفاني في الحق ونكران الذات .

جدّتها لأبيها 

وجدّة السيدة زينب (عليها السّلام) لأبيها هي السيدة الزكية فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف زوجة أبي طالب ، وهي من سيّدات النساء في إيمانها وطهارتها ، وقد برّت بالنبي (صلّى الله عليه وآله) ، وتولّت تربيته , وكانت ترعاه وتعطف عليه أكثر ممّا تعطف على أبنائها ، وقدّمت له أعظم الخدمات .

وقد قطع (صلّى الله عليه وآله) شوطاً من حياته تحت رعاية هذه السيدة الزكية التي ما تركت لوناً من ألوان الرعاية والبرّ إلاّ قدّمتها إلى الرسول (صلّى الله عليه وآله) ، وكانت من أعزّ الناس عنده ، ولمّا فُجع بوفاتها ألبسها قميصه واضطجع معها في قبرها ، فبُهر أصحابه وقالوا له : يا رسول الله ، ما رأيناك صنعت بأحدٍ ما صنعت بهذه ؟!
فأخبرهم النبي (صلّى الله عليه وآله) عن عظيم برّها ومعروفها قائلاً : (( إنّه لم يكن أحدٌ بعد أبي طالب أبرّ بي منها ، إنّما ألبستها قميصي لتُكسى من حلل الجنّة ، واضطجعت معها في قبرها ليهوّن عليها ))(1) .
هذه الاُصول العملاقة التي اتّسمت بالإيمان والشرف والكرامة , وبكلّ ما

ـــــــــــــــــــــــ
(1) توجد ترجمتها في طبقات ابن سعد ، الاستيعاب ، أعيان الشيعة ، أعلام النساء ، تنقيح المقال ، وغيرها .


الصفحة (31)

يسمو به الإنسان من القيم والمبادئ الكريمة ، قد تفرّعت منها بطلة الإسلام وصانعة التأريخ زينب (عليها السّلام) ، فقد ورثت جميع نزعات آبائها وخصائصهم وصفاتهم حتّى صارت صورة مشرقة عنهم .

إخوانها 

ويجدر بنا بعد هذا العرض الموجز لشؤون الاُسرة الكريمة التي تفرّعت منها سيّدة النساء زينب (عليها السّلام) أن نذكر ـ بإيجاز ـ إخوانها الذين عاشرتهم , وهم الذين ملؤوا فم الدنيا بفضائلهم ومآثرهم ، وفيما يلي ذلك :

1 ـ الإمام الحسن (عليه السّلام

هو ريحانة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وسيّد شباب أهل الجنّة وسبطه الأوّل ، وكانت ولادته في النصف من شهر رمضان المبارك للسنة الثالثة من الهجرة(1) ، وقد شوهدت في طلعته شمائل النبوّة وأنوار الإمامة ، وهو أوّل مولود سعدت به الاُسرة النبوية ، فقد عمّها السرور بهذا المولود المبارك .

وقد سارع النبي (صلّى الله عليه وآله) إلى بيت بضعته وحبيبته السيدة فاطمة الزهراء (عليها السّلام) فهنّأها بوليدها ، وأجرى عليه مراسيم الولادة الشرعيّة فأذّن في اُذنه اليمنى وأقام في اليسرى ، فكان أوّل صوت اخترق سمعه صوت جدّه العظيم داعية الله في الأرض ، واُنشودة ذلك الصوت : (( الله أكبر ، لا إله إلاّ الله )) .
وهل في دنيا الوجود كلمات هي أسمى وأعظم من هذه الكلمات ، وقد غرسها النبي (صلّى الله عليه وآله) في قلب وليده لتكون منهجاً له في حياته ؟
وفي اليوم السابع من ولادته عقّ عنه النبي (صلّى الله عليه وآله) بكبش ، وحلق رأسه ،

ــــــــــــــــــــ
(1) الإصابة 1 / 338 ، الاستيعاب 1 / 368 ، حياة الإمام الحسن (عليه السّلام) 1 / 59 .


الصفحة (32)

وتصدّق بزنة شعره فضّة على المساكين(1) ، وكان ذلك سنّة في الإسلام لكلّ وليد .

تسميته 

وأقبل النبي (صلّى الله عليه وآله) على الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، فقال له : (( هل سمّيت الوليد المبارك ؟ )) .
فأجابه الإمام بأدبٍ واحترام قائلاً : (( ما كنت لأسبقك يا رسول الله .. )) . وانبرى النبي (صلّى الله عليه وآله) قائلاً : (( ما كنت لأسبق ربّي )) .
وهبط الوحي على النبي (صلّى الله عليه وآله) وهو يحمل تسميته من السماء ، قائلاً : (( سمّه حسناً ))(2) .
وكفى بهذا الاسم جمالاً وعظمةً أنّ الخالق العظيم هو الذي اختاره لسبط النبي وريحانته .

كنيته وألقابه 

وكنّاه النبي (صلّى الله عليه وآله) ( أبا محمّد ) ، ولا كنية له غيرها . أمّا ألقابه فهي : السبط ، الزكي ، المجتبى ، السيّد ، التقي(3) .

ملامحه

أمّا ملامحه فكانت تحكي ملامح جدّه الرسول (صلّى الله عليه وآله) ، تقول عائشة : مَنْ أحبّ

ــــــــــــــــــــ
(1) حياء الإمام الحسن (عليه السّلام) 1 / 64 .
(2)
تأريخ الخميس 1 / 47 .
(3)
حياة الإمام الحسن (عليه السّلام) 1 / 65 .


الصفحة (33)

أن ينظر إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فلينظر إلى هذا الغلام , يعني الحسن (عليه السّلام)(1) .
ويقول أنس بن مالك : لم يكن أحد أشبه بالنبي (صلّى الله عليه وآله) من الحسن بن علي(2) .
لقد كان الإمام الحسن (عليه السّلام) صورة مشرقة عن جدّه الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) لا في ملامحه وصورته فحسب ، وإنّما كان يحكيه في نزعاته وصفاته , ومعالي أخلاقه التي امتاز بها على سائر النبيّين .

مظاهر شخصيّته 

ونتحدّث ـ بإيجاز ـ عن بعض مظاهر شخصية الإمام الحسن (عليه السّلام) ، وهي :
الحلم : من ذاتيات الإمام السبط ( الحلم ) ، فقد كان من أحلم الناس ، وقد تعرّض لموجات عاتية من الإساءة من الاُسرة الاُمويّة التي اُترعت نفوسها بالحقد والكراهية لآل النبي (صلّى الله عليه وآله) ، فما قابل الإمام أحداً بإساءة , وإنّما كظم غيظه .

وقد شهد مروان بن الحكم وهو من أخبث الناس وأشدّهم عداوة للإمام الحسن (عليه السّلام) بعظيم حلمه ، فقد أسرع بعد وفاته إلى حمل جثمانه ، فقيل له : أتحمل جثمانه وكنت تجرّعه الغصص ؟! فأجاب : إنّي أحمل جثمان مَنْ كان يوازي حلمه الجبال .
لقد كان الحلم من أبرز عناصره النفسيّة ، وقد أجمع الرواة على أنّه كان من أوسع الناس صدراً ، وأنّه ما جازى مَنْ أذنب في حقّه ، وإنّما قابله بالبرّ والإحسان ؛ شأنه في ذلك [شأن] جدّه الرسول (صلّى الله عليه وآله) الذي وسع الناس جميعاً بمعالي أخلاقه .
الجود : وكان الإمام السبط من أندى الناس كفاً ، ومن أكثرهم برّاً وإحساناً للفقراء ، وكان لا يرى للمال قيمة سوى ما يرد به جوع جائع أو يكسو عريانَ .

وقد حفلت مصادر التأريخ والتراجم بذكر بوادر كثيرة من كرمه وسخائه ، وقد لُقّب (عليه السّلام)

ـــــــــــــــــــ
(1) الفتوح 2 / 340 .
(2)
فضائل الأصحاب / 126 ، حياة الإمام الحسن (عليه السّلام) 1 / 66 .


الصفحة (34)

بـ (كريم أهل البيت) ، وهم من معادن الكرم والجود .
سمو الأخلاق : ومن عناصر الإمام الحسن (عليه السّلام) سمو الأخلاق ، فكان آية من آيات الله العظام في هذه الظاهرة الفذة .

ومن معالي أخلاقه أنّه كان يوقّر ويحترم كلّ مَنْ قصده , ولا يُفرّق بين القريب والبعيد ، وكان يواسي الناس في مصائبهم , ويشاركهم في مسرّاتهم ، ويوقّر الكبير , ويحنو على الصغير ، ويعطف على الضعيف ، وكان للمسلمين أباً رؤوفاً ، وكهفاً حصيناً ، يلجأ إليه غارمهم ، ويفزع إليهم مظلومهم .

وقد شابه جدّه الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) في سموّ أخلاقه التي مدحه الله تعالى بها ، قال الله عزّ وجلّ : ( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ )(1) .
هذه بعض صفات الإمام الحسن (عليه السّلام) ، وقد ألمحنا إلى الكثير منها في كتابنا (حياة الإمام الحسن) .
مع السيدة زينب (عليها السّلام)

نشأت سيدة النساء زينب (عليها السّلام) مع أخيها الإمام الحسن (عليه السّلام) , وقطعت شوطاً من حياتها مع هذا الإمام العظيم ريحانة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وسيّد شباب أهل الجنّة ، وتطبّعت بأخلاقه وآدابه ، وكان يجلّها كثيراً ، ويحدب عليها ويقابلها بمزيد من الرعاية والعناية ؛ فقد رأى جدّه وأبويه قد أحاطوها بكلّ تبجيل واحترام ، وأشادوا بمواهبها وفضائلها ، وقدّموها على بقيّة السيّدات من نساء أهلها وقومها .

هذه لمحة موجزة عن علاقة الإمام الحسن بشقيقته السيدة زينب (عليها السّلام) .

2 ـ الإمام الحسين (عليه السّلام)

أمّا الإمام الحسين فهو الشقيق الثاني لسيّدة النساء زينب (عليها السّلام) ، وقد نشأت معه وتطبّعت بطباعه ، وكانت بينهما أعمق المودّة ، وهو عندها أعزّ من الحياة ، وكانت تشاركه في آماله وآلامه ، وهي من أبرّ أهله به ، وقد احتلت عواطفه

ــــــــــــــــــ
(1) سورة القلم / 4 .


الصفحة (35)

ومشاعره ؛ وذلك بما تملكه من أصالة الرأي ، وسمو الآداب ، ومعالي الأخلاق ؛ فقد تجسّدت فيها مواريث النبوّة والإمامة ، وكانت صورة صادقة لاُمّها بضعة الرسول (صلّى الله عليه وآله) ، وسيّدة نساء العالمين السيدة الزكية فاطمة الزهراء (سلام الله عليها) .
لقد كانت سيدة النساء زينب (عليها السّلام) موضع أسرار أخيها الإمام الحسين (عليه السّلام) , والعالمة بجميع شؤونه ، وكان يستشيرها في جميع اُموره . وقد رافقته في ثورته الخالدة وأمدّتها بعناصر البقاء والخلود ، ولولا جهادها وجهودها ومواقفها المشرّفة في أروقة بلاط الحكم الاُموي لضاعت ثورة أخيها وذهبت أدراج الرياح .

وبلغ من سموّ مكانتها عند الحسين (عليه السّلام) أنّه لمّا ودّعها الوداع الأخير يوم الطفّ طلب منها أن لا تنساه من الدعاء في نافلة الليل(1) .

3 ـ العباس (عليه السّلام)

هو (قمر بني هاشم) ، وفخر الإسلام ، ومجد المسلمين ، وهو أخو سيّدة النساء زينب لأبيها ، واُمّه : اُمّ البنين ، وهي من سيّدات نساء المسلمين في فضلها وشرفها وطهارتها ، تزوّجها الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) بعد وفاة الصدّيقة فاطمة الزهراء (سلام الله عليها) .

وقد قامت بدور إيجابي في خدمة السبطين وشقيقتهما السيّدة زينب ؛ فكانت تقدّمهم في الرعاية والعطف على أبنائها ؛ لأنّهم ذرية رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الذي ألزم الله المسلمين بمودّتهم ومحبّتهم .

وكان أوّل مولود لها أبو الفضل العباس (عليه السّلام) ، وقد ترعرع ونشأ مع أخويه سيّدي شباب أهل الجنّة الحسن والحسين (عليهما السّلام) , فغذّياه بالفضائل والآداب ، وغرسا في نفسه تقوى الله ، فكان من أروع أمثلة الإيمان .

وكانت علاقته مع أخيه الإمام الحسين (عليه السّلام) وثيقة للغاية ؛ فكان منذ نعومه أظفاره يتسابق لخدمته ، ويبادر لقضاء حوائجه ، ولا يُفارقه في حلّه وترحاله ، وكان من أشفق الناس عليه وأبرّهم به .

ـــــــــــــــ
(1) زينب الكبرى / 60 .


الصفحة (36)

وكان العباس (عليه السّلام) من أحبّ الناس لاُخته العقيلة زينب (عليها السّلام) ؛ فقد وجدت فيه من الرعاية والبرّ والعطف ما لم تجده في السادة من إخوتها لأبيها ؛ فقد كان ملازماً لخدمتها كما كان ملازماً لخدمة أخيه الإمام الحسين (عليه السّلام) ، وقد قدّم لها جميع ألوان البرّ والإحسان .

ولمّا ارتحلت مع أخيها أبي الشهداء من المدينة إلى مكة ثمّ إلى كربلاء كان العباس (عليه السّلام) هو الذي يقوم بخدمتها , ولم يدع أحداً من السادة العلويِّين أن يتولّى رعايتها سواه . ولمّا استشهد (سلام الله عليه) في كربلاء ذابت نفسها عليه أسىً وحسرات ، وودّت أنّ المنية قد وافتها قبله ، وشعرت بالوحدة والضياع من بعده .

4 ـ محمّد بن الحنفيّة 

ومحمد ابن الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) هو المعروف بـ (ابن الحنفيّة)(1) ، وكان من أفذاذ العلويِّين ومن ساداتهم ، وكان يجلّ ويعظّم السيدة زينب (عليها السّلام) ؛ لأنّها حفيدة النبي (صلّى الله عليه وآله) , و [ابنة] سيّدة نساء العالمين , كما كانت تُكنّ له أعظم الودّ والإخلاص .

وكان محمّد من المعارضين لابن الزبير والناقمين عليه ، ولا يراه أهلاً لقيادة الاُمّة , فامتنع عن بيعته ، وتبعه على ذلك بقيّة الهاشميّين ، فأمر بحبسهم في (قبة زمزم) , وضرب لهم أجلاً مسمّى فإن لم يبايعوه فيه وإلاّ أحرقهم بالنار . ودلّ ذلك على تجرّده من كلّ نزعة إسلاميّة وإنسانيّة ، وقد شابه بذلك قرينه يزيد بن معاوية , ولو تمّ له الأمر لزاد على جرائمه .
وأرسل محمّد رسالة إلى المجاهد العظيم بطل الإسلام المختار الثقفي عرّفه

ــــــــــــــــــــ
(1) اسم اُمّه خولة بنت جعفر بن حنفيّة ، ولد في خلافة أبي بكر ، وقيل : في خلافة عمر . يُكنّى أبا القاسم . روى عن أبيه وعن جماعة من الصحابة ، وذهب فريق من المسلمين إلى إمامته , كان منهم كثير عزّة ، وله فيه أشعار . وقال بإمامته السيد الحميري , إلاّ أنه عدل عنه وقال بإمامة الإمام الصادق (عليه السّلام) . توفّي سنة 73 هـ ، وقيل : سنة ثمانين ، وقيل غير ذلك . تهذيب التهذيب 9 / 354 .


الصفحة (37)

فيها بما جرى عليه من ابن الزبير ، وكتب في آخرها : يا أهل الكوفة ، لا تخذلونا كما خذلتم حسيناً .

ولمّا انتهت إليه أجهش بالبكاء وقرأها على أهل الكوفة وخاطبهم قائلاً : هذا كتاب مهديّكم وسيّد أهل بيت نبيّكم ، وقد تركهم الرسول ينتظرون القتل والحريق . وأخذ يتهدّد ابن الزبير قائلاً : لستُ أبا إسحاق إن لم أنصرهم ، وأسرب الخيل إثر الخيل كالسيل حتّى يحلّ بابن الكاهلية الويل .

وجهّز جيشاً قوامه ألف فارس بقيادة عبد الله الجدلي , ثمّ أتبعه بثلاثة آلاف فارس ، وأخذوا يجدّون السير حتّى انتهوا إلى (مكة) وهم ينادون : ( يا لثارات الحسين ) .
وهجموا على (قبة زمزم) , فرأوا الحطب قد وضع عليها , ولم يبق من الأجل الذي حدّده الطاغية لإحراقهم سوى يومين , فأخرجوهم من القبّة وطلبوا من محمّد أن يناجزوا ابن الزبير الحرب , فأعرب له محمّد عن سموّ ذاته وطهارة نفسه قائلاً : لا أستحلّ القتال في حرم الله .

ويقول كثير عزّة ـ وهو من الكيسانيّة ـ يخاطب ابن الزبير :

يـخبّرُ مَـنْ لاقـيت أنّـك عـائذٌ      بـل  العائذُ المظلومُ في حبسِ عارمِ
ومَنْ يرَ هذا الشيخَ في الخيفِ من منى      مـن  الـناسِ يـعلم أنّه غيرُ ظالمِ
سـمـيُّ نـبي اللهِ وابـنُ وصـيِّهِ      وفـكّاكُ أغـلالٍ وأقـضى المغارمِ

 

وتعتقد الكيسانيّة إمامته , وأنّه مقيم بجبل (رضوى) . [و] إلى هذا أشار كثير عزّة بقوله :

وسبط لا يذوق الموتَ حتّى      يـقود  الخيلَ يقدمها اللواءُ
تـغيّب  لا يُرى فيهم زماناً      برضوى  عندهُ عسلٌ وماءُ

 

توفي سنة (81 هـ) , وقيل غير ذلك(1) . وبهذا ينتهي بنا المطاف عن بعض أشقّاء العقيلة .

ـــــــــــــــــــ
(1) وفيات الأعيان 3 / 110 ـ 113 ، طبقات ابن سعد ، حلية الأولياء ، الأعلام ـ الزركلي .


الصفحة (38)

الصفحة (39)

ولادتها ونشأتها

ازدهرت حياة الاُسرة النبويّة بالسبطين الكريمين الإمامين الحسن والحسين (عليهما السّلام) ، فكانا كالقمرين في ذلك البيت الكريم الذي أذن الله أن يرفع ويُذكر فيه اسمه . وقد استوعبا قلب جدّهما الرسول (صلّى الله عليه وآله) مودّةً ورحمةً وحناناً ، فكان يرعاهما برعايته ، ويغدق عليهما بإحسانه , ويفيض عليهما من مكرمات نفسه التي استوعب شذاها جميع آفاق الوجود .
لقد كان النبي (صلّى الله عليه وآله) يكنّ في دخائل نفسه أعمق الودّ لسبطيه ، فكان يقول : (( هما ريحانتي من الدنيا ))(1) .
وبلغ من عظيم حبّه لهما أنّه كان على المنبر يخطب ، فأقبل الحسن والحسين وعليهما قميصان أحمران ، وهما يمشيان ويعثران , فنزل عن المنبر فحملهما ووضعهما بين يديه , وقال : (( صدق الله إذ يقول : ( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ )(2) . لقد نظرت إلى هذين الصبيِّين وهما يمشيان ويعثران فلم أصبر حتّى قطعت حديثي ورفعتهما ))(3) .

ــــــــــــــــــ
(1) كنز العمّال 7 / 110 ، صحيح البخاري ـ كتاب الأدب ، مجمع الزوائد 9 / 181 . تأريخ ابن عساكر 13 / 39 .
(2)
سورة الأنفال / 28 .
(3)
صحيح الترمذي 2 / 306 ، مسند أحمد بن حنبل 5 / 354 ، اُسد الغابة 2 / 12 ، صحيح النسائي 1 / 201 ، سنن البيهقي 3 / 218 .


الصفحة (40)

وكان يقول لسيّدة النساء فاطمة (عليها السّلام) : (( ادعي ابنيَّ )) . فيشمّهما ، ويضمّهما إليه(1) .
وفي تلك الفترة السعيدة التي عاشتها الاُسرة النبويّة وهي مترعة بالولاء والعطف من الرسول (صلّى الله عليه وآله) عَرَضَ للصدّيقة الطاهرة سيدة نساء العالمين فاطمة (عليها السّلام) حملٌ ، فأخذ النبي (صلّى الله عليه وآله) ينتظره بفارغ الصبر ليبارك به لحبيبته فاطمة ، ولباب مدينة علمه الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) . أمّا ذلك الحمل فهو :

الوليدة المباركة

ووضعت الصدّيقة الطاهرة فاطمة الزهراء (عليها السّلام) وليدتها المباركة التي لم تولد مثلها امرأة في الإسلام إيماناً وشرفاً وطهارةً وعفةً وجهاداً ، وقد استقبلها أهل البيت وسائر الصحابة بمزيدٍ من الابتهاج والفرح والسرور ، وأجرى الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) على وليدته المراسيم الشرعيّة ؛ فأذّن في أذنها اليمنى ، وأقام في اليسرى .
لقد كان أوّل صوت قرع سمعها هو : (( الله أكبر ، لا إله إلا الله )) , وهذه الكلمات اُنشودة الأنبياء ، وجوهر القيم العظيمة في الأكوان .
وانطبعت هذه الاُنشودة في أعماق قلب حفيدة الرسول فصارت عنصراً من عناصرها ، ومقوّماً من مقوّماتها .

وجوم النبي (صلّى الله عليه وآله) وبكاؤه

وحينما علم النبي (صلّى الله عليه وآله) بهذه المولودة المباركة سارع إلى بيت بضعته ، وهو خائر القوى حزين النفس فأخذها ودموعه تتبلور على سحنات وجهه الكريم ، وضمّها إلى صدره وجعل يوسعها تقبيلاً ، وبهرت سيّدة النساء فاطمة (عليها السّلام) من بكاء أبيها ،

ـــــــــــــــــ
(1) تيسير الوصول ـ ابن الدبيغ 3 / 276 .


الصفحة (41)

فانبرت قائلةً : (( ما يبكيك يا أبتي , لا أبكى الله لك عيناً ؟ )) .
فأجابها بصوت خافت حزين النبرات : (( يا فاطمة ، اعلمي أنّ هذه البنت بعدي وبعدك سوف تنصبّ عليها المصائب والرزايا ))(1) .
لقد استشفّ النبي (صلّى الله عليه وآله) ما يجري على حفيدته من الرزايا القاصمة التي تذوب من هولها الجبال ، وسوف تُمتحن بما لم تمتحن به أيّ سيّدة من بنات حواء .

ومن الطبيعي أنّ بضعته وباب مدينة علمه قد شاركا النبي في آلامه وأحزانه ، وأقبل سلمان الفارسي الصديق الحميم للاُسرة النبويّة يُهنئ الإمام أمير المؤمنين بوليدته المباركة , فألفاه حزيناً واجماً ، وهو يتحدّث عمّا تعانيه ابنته من المآسي والخطوب(2) ، وشارك سلمان أهل البيت في آلامهم وأحزانهم .

تسميتها

وحملت زهراء الرسول وليدتها المباركة إلى الإمام فأخذها وجعل يقبّلها ، والتفتت إليه فقالت له : (( سمّ هذه المولودة )) .
فأجابها الإمام بأدبٍ وتواضع : (( ما كنت لأسبق رسول الله )) .
وعرض الإمام على النبي (صلّى الله عليه وآله) أن يسمّيها ، فقال : (( ما كنت لأسبق ربّي )) .

ــــــــــــــ
(1) الطراز المذهّب / 38 .
(2)
بطلة كربلاء / 21 .


الصفحة (42)

وهبط رسول السماء على النبي (صلّى الله عليه وآله) ، فقال له : سمّ هذه المولودة (زينب) ؛ فقد اختار الله لها هذا الاسم . وأخبره بما تعانيه حفيدته من أهوال الخطوب والكوارث , فأغرق هو وأهل البيت في البكاء(1) .

كُنيتها

وكُنّيت الصديقة الطاهرة زينب بـ (اُمّ كلثوم) ، وقيل : إنّها تُكنى بـ (اُمّ الحسن)(2) .

ألقابها

أمّا ألقابها فإنّهم تنّم عن صفاتها الكريمة ، ونزعاتها الشريفة , وهي :

عقيلة بني هاشم

و(العقيلة) : هي المرأة الكريمة على قومها ، والعزيزة في بيتها . والسيّدة زينب أفضل امرأة وأشرف سيّدة في دنيا العرب والإسلام ، وكان هذا اللقب وساماً لذريّتها ؛ فكانوا يلقّبون بـ (بني العقيلة) .

العالمة

وحفيدة الرسول (صلّى الله عليه وآله) من السيدات العالمات في الاُسرة النبويّة ، فكانت ـ فيما يقول بعض المؤرّخين ـ مرجعاً للسيّدات من نساء المسلمين ، يرجعنَ إليها في شؤونهنَّ الدينية .

عابدة آل علي

وكانت زينب من عابدات نساء المسلمين ، فلم تترك نافلة من النوافل

ـــــــــــــــ
(1) زينب الكبرى / 16 ـ 17 .
(2)
المصدر السابق / 17 .


الصفحة (43)

الإسلاميّة إلاّ أتت بها .

ويقول بعض الرواة : إنّها صلّت النوافل في أقسى ليلة وأمرّها وهي ليلة الحادي عشر من المحرّم .

الكاملة

وهي أكمل امرأة في الإسلام في فضلها وعفّتها , وطهارتها من الرجس والزيغ .

الفاضلة

وهي من أفضل نساء المسلمين في جهادها وخدمتها للإسلام , وبلائها في سبيل الله .

هذه بعض ألقابها التي تدلّل على سموّ ذاتها وعظيم شأنها .

سنة ولادتها

أمّا السنة التي وُلدت فيها عقيلة آل أبي طالب ، فقد اختلف المؤرّخون والرواة فيها ، وهذه بعض أقوالهم :
1 ـ السنة الخامسة من الهجرة في شهر جمادى الأولى .
2 ـ السنة السادسة من الهجرة .
3 ـ السنة التاسعة من الهجرة .

وفنّد هذا القول [الأخير] الشيخ جعفر نقدي ، فقال : وهذا القول غير صحيح ؛ لأنّ فاطمة (عليها السّلام) توفيت بعد والدها في السنة العاشرة أو الحادية عشر على اختلاف الروايات ، فإذا كانت ولادة السيّدة زينب في السنة التاسعة وهي كبرى بناتها , فمتى كانت ولادة اُمّ كلثوم ؟ ومتى حملت بالمحسن واسقطته لستة أشهر ؟

وقال : والذي يترجّح عندنا هو أنّ ولادة زينب كانت في السنة الخامسة من الهجرة . وذكر مؤيدات اُخرى لِما ذهب إليه(1) .

نشأتها

نشأت الصدّيقة الطاهرة زينب (عليها السّلام) في بيت النبوّة ومهبط الوحي والتنزيل ، وقد

ــــــــــــــ
(1) زينب الكبرى / 18 .


الصفحة (44)

غذّتها اُمّها سيّدة نساء العالمين بالعفّة والكرامة ومحاسن الأخلاق والآداب ، وحفّظتها القرآن ، وعلّمتها أحكام الإسلام ، وأفرغت عليها أشعة من مُثُلها وقيمها حتّى صارت صورة صادقة عنها .
لقد قطعت شوطاً من طفولتها في بيت الشرف والكرامة والرحمة والمودّة ، فقد شاهدت أباها الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) يشارك أمّها زهراء الرسول في شؤون البيت ، ويعينها في مهامه ، ولم تتردّد في أجواء البيت أيّة كلمة من مرّ القول وهجره .

وشاهدت جدّها الرسول (صلّى الله عليه وآله) يغدق عليهم بفيض من تكريمه وتبجيله , وعطفه وحنانه ، كما شاهدت الانتصارات الباهرة التي أحرزها الإسلام في الميادين العسكرية ، والقضاء على خصومه القرشيّين وأتباعهم من عبدة الأوثان والأصنام ؛ فقد ساد الإسلام ، وارتفعت كلمة الله عاليةً في الأرض ، ودخل الناس في دين الله أفواجاً أفواجاً .
لقد ظفرت حفيدة الرسول (صلّى الله عليه وآله) بأروع وأسمى ألوان التربية الإسلاميّة ؛ فقد شاهدت أخاها الإمام الحسين (عليه السّلام) يعظّم أخاه الإمام الحسن (عليه السّلام) ويبجّله ، فلم يتكلّم بكلمة قاسية معه ، ولم يرفع صوته عليه , ولم يجلس إلى جانبه .

وشاهدت إخوتها من أبيها وهم يعظّمون أخويها الحسن والحسين (عليهما السّلام) ، ويقدّمون لهما آيات التكريم والتبجيل ، وكانت هي بالذّات موضع احترام إخوتها ، فكانت إذا زارت أخاها الإمام الحسين (عليه السّلام) قام لها إجلالاً وإكباراً , وأجلسها في مكانه .

وكانت إذا أرادت الخروج لزيارة قبر جدّها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) خرج معها أبوها الإمام أمير المؤمنين , وأخوها الحسنان ، ويبادر الإمام أمير المؤمنين إلى إخماد ضوء القناديل التي على المرقد المعظّم ، فسأله الإمام الحسن (عليه السّلام) عن ذلك ، فقال له : (( أخشى أن ينظر أحد إلى شخص اُختك الحوراء ))(1) .

ـــــــــــــ
(1) زينب الكبرى / 22 .


الصفحة (45)

لقد اُحيطت عقيلة بني هاشم بهالة من التعظيم والتبجيل من أبيها وإخوتها ؛ فهي حفيدة النبي (صلّى الله عليه وآله) ، ووريثة مُثُله وقيمه وآدابه ، كما كانت لها المكانة الرفيعة عند العلماء والرواة ، فكانوا إذا رووا حديثاً عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) في أيام الحكم الاُموي يقولون : روى أبو زينب ، ولم يقولوا : روى أبو الحسنين ؛ وذلك إشادة بفضلها وعظيم منزلتها(*) .

قدرتها العلميّة

كانت حفيدة الرسول (صلّى الله عليه وآله) في فجر الصبا آيةً في ذكائها وعبقرياتها ؛ فقد حفظت القرآن الكريم ، كما حفظت أحاديث جدّها الرسول (صلّى الله عليه وآله) فيما يتعلّق بأحكام الدين وقواعد التربية واُصول الأخلاق ، وقد حفظت الخطاب التأريخي الخالد الذي ألقته اُمّها سيّدة النساء فاطمة (عليها السّلام) في (الجامع النبوي) احتجاجاً على أبي بكر لتقمّصه للخلافة ، ومصادرته لـ (فدك) التي أنحلها إيّاها أبوها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) .

وقد روت خطبة اُمّها التي ألقتها على السيّدات من نساء المسلمين حينما عُدنها في مرضها الذي توفّيت فيه ، كما روت عنها كوكبة من الأحاديث .
قد بُهر الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) من شدّة ذكائها ، فقد قالت له : أتحبّنا يا أبتاه ؟ فأسرع الإمام قائلاً : (( وكيف لا اُحبّكم وأنتم ثمرة فؤادي ؟! )) .
فأجابته بأدب واحترام : يا أبتاه ، إنّ الحبّ لله تعالى ، والشفقة لنا(1) .
وعجب الإمام (عليه السّلام) من فطنتها ، فقد أجابته جواب العالم المنيب إلى الله تعالى .

ـــــــــــــ

(*) لا يخفى ما في هذا الرأي والتحليل من مسامحة ؛ ذلك أنّ الرواة حينما يطلقون كنية (أبو زينب) بدلاً من (أبو الحسَنين) هو تمويهاً منهم أمام السلطة الاُمويّة الحاكمة التي منعت الرواية عن أمير المؤمنين (عليه السّلام) , وتوعّدت بمعاقبة الراوي بأقسى العقوبات وأشدّها إذا ما علمت أنّه يروي عنه (عليه السّلام) . انظر في ذلك : الإرشاد للشيخ المفيد 1 / 310 , أمالي المرتضى 1 / 112 وغيرهما من اُمّهات المصادر المعتبرة . (موقع معهد الإمامين الحسنين) 
(1)
زينب الكبرى / 35 .


الصفحة (46)

وكان من فضلها واعتصامها بالله تعالى أنّها قالت : مَنْ أراد أن لا يكون الخلق شفعاءه إلى الله فليحمده ؛ ألم تسمع إلى قوله : سمع الله لمَنْ حمده ؟ فخف الله لقدرته عليك ، واستحِ منه لقربه منك(1) .
وممّا يدلّ على مزيد فضلها أنّها كانت تنوب عن أخيها الإمام الحسين (عليه السّلام) في حال غيابه , فيرجع إليها المسلمون في المسائل الشرعيّة ؛ ونظراً لسعة معارفها كان الإمام زين العابدين (عليه السّلام) يروي عنها ، وكذلك كان يروي عنها عبد الله بن جعفر ، والسيّدة فاطمة بنت الإمام الحسين (عليه السّلام) .

ولمّا كانت في الكوفة في أيام أبيها كان لها مجلس خاص تزدحم عليها السيّدات , فكانت تلقي عليهنَّ محاضرات في تفسير القرآن الكريم ، كما كانت المرجع الأعلى للسيّدات من نساء المسلمين ، فكنّ يأخذنَ منها أحكام الدين وتعاليمه وآدابه .

ويكفي للتدليل على فضلها أنّ ابن عباس حبر الاُمّة كان يسألها عن بعض المسائل التي لا يهتدي لحلّها ، كما روى عنها كوكبة من الأخبار ، وكان يعتزّ بالرواية عنها ، ويقول : حدّثتنا عقيلتنا زينب بنت علي .

وقد روى عنها الخطاب التأريخي الذي ألقته اُمّها سيّدة النساء فاطمة (عليها السّلام) في جامع أبيها (صلّى الله عليه وآله) .

وقد نابت عن ابن أخيها الإمام زين العابدين (عليه السّلام) في أيام مرضه ، فكانت تجيب عمّا يرد عليه من المسائل الشرعيّة ، وقد قال (عليه السّلام) في حقها : (( إنّها عالمة غير معلّمة )) .

وكانت ألمع خطيبة في الإسلام ؛ فقد هزّت العواطف ، وقلبت الرأي العام وجنّدته للثورة على الحكم الاُموي ، وذلك في خطبها التأريخية الخالدة التي ألقتها في الكوفة ودمشق ، وهي تدلّل على مدى ثرواتها الثقافية والأدبية .
لقد نشأت حفيدة الرسول (صلّى الله عليه وآله) في بيت الوحي ومركز العلم والفضل ، فنهلت من نمير علوم جدّها وأبيها وأخويها ، فكانت من أجلّ العالمات ، ومن أكثرهنَّ

ـــــــــــــــ
(1) أعيان الشيعة 7 / 140 .


الصفحة (47)

إحاطة بشؤون الشريعة وأحكام الدين .

اقترانها بابن عمّها

ولمّا تقدّمت سيّدة النساء زينب في السن , انبرى الأشراف والوجوه إلى خطبتها والتشرّف بالاقتران بها ، فامتنع الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) من إجابتهم ، وتقدّم لخطبتها فتىً من أنبل فتيان بني هاشم وأحبّهم إلى الإمام وأقربهم إليه ، وهو ابن أخيه (عبد الله بن جعفر) , من أعلام النبلاء والكرماء في دنيا العرب والإسلام ، فأجابه الإمام إلى ذلك ورحّب به .

ونعرض ـ بإيجاز ـ إلى بعض شؤونه :

أبوه جعفر

أمّا جعفر فقد كان ـ فيما يقول الرواة ـ من أشبه الناس خلقاً وخُلقاً بالنبي (صلّى الله عليه وآله)(1) . يقول فيه أبو هريرة : ما احتذى النعال , ولا ركب المطايا ، ولا وطئ التراب بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أفضل من جعفر بن أبي طالب(2) .

وهو من السابقين للإسلام , وقد رآه أبوه أبو طالب يُصلّي مع أخيه الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) خلف النبي (صلّى الله عليه وآله) , فقال له : صل جناح ابن عمّك ، وصلِّ عن يساره . وكان علي يصلّي عن يمينه(3) . وله هجرتان ؛ هجرة إلى الحبشة ، وهجرة إلى المدينة(4) .
وكان من أبرّ الناس بالفقراء والضعفاء ، وقد برّ بأبي هريرة وأحسن إليه أيام بؤسه وفقره ، وقد تحدّث عن ذلك ، قال : كنت لألصق بطني بالحصباء من الجوع ، وإن كنت لأستقرئ الرجل الآية وهي معي كي ينقلب بي فيطعمني .

وكان أبرّ الناس للمسكين جعفر بن أبي طالب ؛ كان ينقلب فيطعمنا ما كان في بيته , حتّى كان ليخرج

ـــــــــــــــــ
(1) الاستيعاب 1 / 242 ، وجاء فيه : أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) قال له : (( أشبهت خَلقي وخُلُقي يا جعفر )) .
(2)
الاستيعاب 1 / 243 .
(3 , 4)
اُسد الغابة 1 / 287 .


الصفحة (48)

إلينا العكة التي ليس فيها شيء فنشقّها فنلعق ما فيها(1) .
وقدم إلى المدينة من هجرته إلى الحبشة , فاستبشر به رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وفرح ؛ فقد صادف قدومه فتح خيبر ، فقال (صلّى الله عليه وآله) : (( ما أدري بأيّهما أنا أشدّ فرحاً ؛ أبقدوم جعفر أم بفتح خيبر ؟ ))(2) .
واختطّ له النبي (صلّى الله عليه وآله) داراً إلى جنب المسجد ، وكان أثيراً عنده ؛ لا لأنّه ابن عمّه فحسب ، وإنّما لإيمانه الوثيق وتفانيه في نشر كلمة الإسلام ، وإشاعة مبادئه وأحكامه . بعثه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في جيش إلى مؤتة في السنة الثامنة من الهجرة فاستشهد فيها .

ويقول الرواة : إنّ اللواء كان بيده اليمنى , فقطعت , فرفعه بيده اليسرى ، فلمّا قطعت رفعه بيديه ، فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( وإنّ الله عزّ وجلّ أبدله بيديه جناحين يطير بهما في الجنّة حيث شاء ))(3) ؛ ولهذا لقّب بـ (ذي الجناحين) , وبـ (الطيار) .
وحزن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) على جعفر , فقصد داره ليواسي زوجته وأبناءه بمصابهم الأليم ، فقال لزوجته أسماء : (( ائتيني ببني جعفر )) . فأتته بهم ، فجعل يوسعهم تقبيلاً ودموعه تتبلور على سحنات وجهه الكريم ، وفهمت أسماء نبأ شهادة زوجها , فقالت له : يا رسول الله ، أبَلَغك عن جعفر وأصحابه شيء .
فأجابها بنبراتٍ تقطر أسىً وحزناً قائلاً : (( نعم ، اُصيب هذا اليوم )) .

ـــــــــــــــ
(1) المصدر السابق .
(2)
الاستيعاب 1 / 242 ، كان قدوم جعفر إلى يثرب في السنة السابعة من الهجرة .
(3)
الاستيعاب 1 / 242 .


الصفحة (49)

وأخذت أسماء تنوح على زوجها ، وأقبلت السيّدات من نساء المسلمين يعزينها بمصابها الأليم ، وأمر النبي (صلّى الله عليه وآله) أن يُصنع طعام لآل جعفر(1) , وأقبلت سيّدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (عليها السّلام) على أسماء تعزّيها وهي باكية العين ، وقد رفعت صوتها قائلة : (( وا عمّاه ! )) .
وطفق رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول : (( على مثل جعفر فلتبك البواكي ))(2) .
لقد كانت شهادة جعفر من أقسى النكبات على النبي (صلّى الله عليه وآله) ؛ فقد فَقَدَ بشهادته أعزّ أبناء عمومته وأخلصهم إليه .

الاُمّ أسماء

أمّا اُمّ عبد الله فهي السيّدة الشريفة أسماء بنت عميس ، وهي من السابقات إلى اعتناق الإسلام ، هاجرت مع زوجها الشهيد الخالد جعفر الطيار إلى الحبشة ، وقد ولدت فيها عبد الله وعوناً ومحمداً ، ثمّ هاجرت إلى المدينة . ولمّا استشهد جعفر تزوّجها أبو بكر فولدت له محمداً ، وهو من أعلام الإسلام ، ثمّ توفي أبو بكر فتزوّجها الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) فولدت له يحيى(3) .

وقد أخلصت لأهل البيت (عليهم السّلام) فكانت من حزبهم ، ولها علاقة وثيقة مع سيّدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (عليها السّلام) ؛ فقد قامت بخدمتها ، وقد عهدت إليها في مرضها أن لا تدخل عليها عائشة بنت أبي بكر ، فجاءت عائشة عائدة لها فمنعتها أسماء ، فاغتاظت وشكتها إلى أبي بكر , فعاتبها ، فأخبرته بعدم رضاء الزهراء في زيارتها(4) .
لقد كانت أسماء من خيرة نساء المسلمين في عفّتها وطهارتها وولائها لأهل

ـــــــــــــــــ
(1) (2) اُسد الغابة 1 / 289 .
(3)
المصدر السابق 5 / 395 .
(4)
حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 1 / 271 .


الصفحة (50)

بيت النبوّة ، كما كانت من الراويات للحديث ، ويقول المؤرّخون : إنّها روت عن النبي (صلّى الله عليه وآله) ستّين حديثاً .
وعلى أيّ حال ، فإنّ أسماء حينما تزوّجها الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) قامت بخدمة الحسنين واُختهما زينب (عليها السّلام) ، وصارت لهم اُمّاً رؤوماً ، ترعاهم كما ترعى أبناءها ؛ لأنّهم البقية الباقية من ذرية رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وقد أخلصوا لها كأعظم ما يكون الإخلاص , وشكروا لها رعايتها وعطفها .

عبد الله

ونعود للحديث عن عبد الله بن جعفر ، فقد كان فذّاً من أفذاذ الإسلام وسيّداً من سادات بني هاشم ، يقول فيه معاوية : هو أهلٌ لكلّ شرفٍ ، والله ما سبقه أحدٌ إلى شرف إلاّ وسبقه(1) .

وكان يُسمّى (بحر الجود)(2) ، ويُقال : لم يكن في الإسلام أسخى منه(3) . مدحه نصيب فأجزل له في العطاء ، فقيل له : تُعطي لهذا الأسود مثل هذا ؟! فقال : إن كان أسود فشِعره أبيض ، ولقد استحق بما قال أكثر ممّا نال . وهل أعطيناه إلاّ ما يبلى ، وأعطانا مدحاً يروى وثناءً يبقى(4) !

وعوتب على كثرة برّه وإحسانه إلى الناس ، فقال : إنّ الله عوّدني عادة ، وعوّدت الناس عادة ، فأخاف إن قطعتها قُطعت عني(5) . وأنشد :

لستُ أخشى قلّةَ العدمِ      ما  اتّقيتُ اللهَ في كرمي
 كـلّما  أنـفقتُ يـخلفهُ      ليَ ربُّ واسعُ النعمِ
(6)

 

ونقل الرواة بوادر كثيرة من كرمه وسخائه ، وقد وسع الله عليه لدعاء

ــــــــــــــــــ
(1) تهذيب التهذيب 5 / 171 .
(2)
اُسد الغابة 3 / 134 .
(3
ـ 5) الاستيعاب 3 / 881 ، 882 ، 288 .
(6)
عمدة الطالب / 37 ـ 38 .


الصفحة (51)

النبي (صلّى الله عليه وآله) له , فكان من أثرى أهل المدينة ، ومضافاً إلى سخائه فقد كان من ذوي الفضيلة ؛ فقد روى عن عمّه الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) وعن الحسن والحسين (عليهما السّلام) .

أبناؤه

ورُزق هذا السيد الجليل من سيدة النساء زينب (عليها السّلام) كوكبة من السادة الأجلاء , وهم :

1 ـ عون

وكان من أبرز فتيان بني هاشم في فضله وكماله ، صحب خاله الإمام الحسين (عليه السّلام) حينما هاجر من يثرب إلى العراق , ولازمه في رحلته ، فلمّا كان يوم العاشر من المحرّم ، اليوم الخالد في دنيا الأحزان ، تقدّم إلى الشهادة بين يدي خاله ، فبرز إلى حومة الحرب وهو يرتجز :

إن  تـنكروني فأنا ابنُ جعفرْ      شهيدُ  صدق في الجنانِ أزهرْ
يـطيرُ  فـيها بجناحٍ أخضرْ      كفى بهذا شرفاً من محشرْ
(1)

 

لقد عرّف نفسه بهذا الرجز ؛ فقد انتسب إلى جدّه الشهيد العظيم جعفر الذي قُطعت يداه في سبيل الإسلام ، ويكفيه بذلك شرفاً وفخراً ، وجعل الفتى يُقاتل قتال الأبطال غير حافل بتلك الوحوش الكاسرة ، فحمل عليه وغد خبيث هو عبد الله الطائي فقتله(2) .

ورثاه سليمان بن قتّة بقوله :

وانـدبي  إن بـكيتِ عـوناً أخـاهُ      لـيـس فـيـما يـنوبهم بـخذولِ
فـلعمري  لـقد أصـبتِ ذوي القر      بى فبّكي على المصابِ الطويلِ
(3)

 

ـــــــــــــــــــــ

(1) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 3 / 258 ، نقلاً عن الفتوح .
(2)
الإرشاد / 268 .
(3)
مقاتل الطالبيّين / 91 .


الصفحة (52)

2ـ علي الزينبي
3 ـ محمّد
4 ـ عباس
5 ـ السيدة اُمّ كلثوم(1)  
وبلغت هذه السيدة [أي اُمّ كلثوم] مبلغ النساء ، وكانت فريدة في جمالها وعفافها واحترامها عند أهلها وعامّة بني هاشم ، وأراد معاوية أن يتقرّب إلى بني هاشم , ويعزّز مكانته في نفوس المسلمين في أن يخطبها لولده يزيد ، فكتب إلى واليه على يثرب مروان بن الحكم كتاباً جاء فيه :
أمّا بعد ، فإنّ أمير المؤمنين أحبّ أن يردّ الإلفة ، ويسلّ السخيمة ، ويصل الرحم ؛ فإذا وصل إليك كتابي فاخطب إلى عبد الله بن جعفر ابنته اُمّ كلثوم على يزيد ابن أمير المؤمنين ، وارغب إليه في الصداق ...
وظنّ معاوية أنّ سلطته المزيّفة وما يبذله من الأموال الطائلة تُغري السادة العلويِّين الذين تربّوا على الكرامة والشرف وكلِّ ما يسمو به الإنسان ، ولم يعلم أنّ سلطته وأمواله لا تساوي عندهم قلامة أظفر .
ولمّا انتهى كتاب معاوية إلى مروان خاف جانب الإمام الحسين (عليه السّلام) ؛ لأنّه يعلم أنّه يفسد عليه الأمر ، وسافر الحسين فاغتنم مروان فرصة سفره فبادر مسرعاً إلى عبد الله بن جعفر ، فعرض عليه كتاب معاوية وجعل يحبّذ له الأمر ، ويطالبه بالإسراع فيه ؛ لأنّ في ذلك إصلاحاً لذات البين ، واجتماعاً للكلمة .

ولم يخف عن عبد الله الأمر ، فقال لمروان : إنّ خالها الحسين في ينبع(2) ، وليس لي من سبيل أن

ـــــــــــــــــ
(1) زينب الكبرى / 126 .
(2)
ينبع : تبعد عن المدينة بسبع مراحل ، فيها عيون ماء عذب غزيرة ، قيل : إنّها لبني الحسن ، وقيل : إنّها حصن به نخيل وزرع ، وبها وقوف الإمام عليّ (عليه السّلام) يتولاّها ولده ، جاء ذلك في معجم البلدان 5 / 45 .


الصفحة (53)

أقدم على هذا الأمر من دون أخذ رأيه وموافقته .
ولمّا رجع الإمام الحسين (عليه السّلام) إلى يثرب خفّ إليه عبد الله بن جعفر مسرعاً , فعرض عليه الأمر وما أجاب به مروان ، فالتاع الإمام الحسين (عليه السّلام) من ذلك ؛ إذ كيف تكون ابنة اُخته عند فاجر بني أُميّة ، حفيد أبي سفيان !

فانطلق الإمام (عليه السّلام) إلى شقيقته زينب (عليها السّلام) وأمرها بإحضار ابنتها اُمّ كلثوم , فلمّا مثلت أمامه قال لها : إن ابن عمّك القاسم بن محمّد بن جعفر أحقّ بك ، ولعلك ترغبين في كثرة الصداق .
واستجابت الفتاة لرأي خالها ، ورحّبت اُمّها العقيلة بذلك ، ورضي أبوها عبد الله برغبة الإمام الحسين ، وقدّم لها الإمام مهراً كثيراً .
وكتم الإمام الأمر ، فلمّا كانت ليلة الزواج أقام دعوة عامّة دعا فيها جمهرة كبيرة من أبناء المدينة ، وكان من جملة المدعوين مروان ، وقد ظنّ أنّه دُعي لتلبية ما رغب فيه معاوية من زواج السيّدة اُمّ كلثوم بابنه يزيد ، فقام خطيباً فأثنى على معاوية وما قصده من جمع الكلمة وصلة الرحم ، ولمّا أنهى كلامه قام الإمام الحسين (عليه السّلام) فأعلن أنّه زوّج السيّدة اُمّ كلثوم بابن عمّها القاسم بن محمّد بن جعفر .

ولمّا سمع مروان تميّز غيظاً وغضباً , وفقد صوابه ، فقد أفشل الإمام رغبته ، فرفع عقيرته قائلاً : أغدراً يا حسين !(1)
وخرج مروان يتعثّر بأذياله ، وانتهى الأمر إلى معاوية فحقد على الحسين (عليه السّلام) ، وساءه ذلك ؛ فقد فشلت محاولاته في خداع العلويِّين ، وخداع المسلمين بمصاهرة ولده للاُسرة النبويّة .

ــــــــــــــ
(1) زينب عقيلة بني هاشم / 27 .


الصفحة (54)

الصفحة (55)

عناصرها النفسيّة

وما من صفةٍ كريمةٍ أو نزعةٍ شريفةٍ يفتخر بها الإنسان ، ويسمو بها على غيره من الكائنات الحيّة إلاّ وهي من عناصر عقيلة بني هاشم . وسيّدة النساء زينب (عليها السّلام) قد تحلّت بجميع الفضائل التي وهبها الله تعالى لجدّها الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) ، وأبيها الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، واُمّها سيّدة نساء العالمين (عليها السّلام) ، وأخويها الحسن والحسين (عليهما السّلام) سيدي شباب أهل الجنّة وريحانتي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ؛ فقد ورثت خصائصهم ، وحكت مميّزاتهم ، وشابهتهم في سموّ ذاتهم ومكارم أخلاقهم .
لقد كانت حفيدة الرسول بحكم مواريثها وخصائصها أعظم وأجلّ سيّدة في دنيا الإسلام ؛ فقد أقامت صروح العدل ، وشيّدت معالم الحق ، وأبرزت قيم الإسلام ومبادئه على حقيقتها النازلة من ربّ العالمين ، فقد جاهدت هي واُمّها زهراء الرسول كأعظم ما يكون الجهاد ، ووقفتا بصلابة لا يُعرف لها مثيل أمام التيارات الحزبية التي حاولت بجميع ما تملك من وسائل القوة أن تلقي الستار على قادة الاُمّة وهداتها الواقعيين الذين أقامهم الرسول (صلّى الله عليه وآله) أعلاماً لاُمّته ، وخزنة لحكمته وعلومه .

فقد أظهرت زهراء الرسول بقوّة وصلابة عن حقّ سيد العترة الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) , رائد العدالة الاجتماعية في الإسلام ، فناهضت حكومة أبي بكر في خطابها التأريخي الخالد ، وسائر مواقفها المشرّفة التي وضعت فيها الأساس المشرق لمبادئ شيعة أهل البيت (عليهم السّلام) ؛ فهي المؤسّسة الأولى بعد أبيها (صلّى الله عليه وآله) لمذهب أهل البيت (عليهم السّلام) .

وكذلك وقفت ابنتها العقيلة أمام الحكم الاُموي الأسود الذي


الصفحة (56)

استهدف قلع الإسلام من جذوره ومحو سطوره ، وإقصاء أهل البيت (عليهم السّلام) عن واقعهم الاجتماعي والسياسي ، وإبعادهم عن المجتمع الإسلامي ؛ فوقفت حفيدة الرسول (صلّى الله عليه وآله) مع أخيها أبي الأحرار في خندق واحد ، فحطّم أخوها بشهادته , وهي بخطبها في أروقة بلاط الحكم الاُموي , ذلك الكابوس المظلم الذي كان جاثماً على رقاب المسلمين .
وعلى أي حال ، فإنّا نعرض بصورة موجزة لبعض العناصر النفسيّة لحفيدة الرسول (صلّى الله عليه وآله) ، وما تتمتّع به من القابليات الفذة التي جعلتها في طليعة نساء المسلمين ، وفيما يلي ذلك :

الإيمان الوثيق

وتربّت عقيلة بني هاشم في بيت الدعوة إلى الله تعالى ، ذلك البيت الذي كان فيه مهبط الوحي والتنزيل ، ومنه انطلقت كلمة التوحيد وامتدت أشعتها المشرقة على جميع شعوب العالم واُمم الأرض ، وكان ذلك أهمّ المعطيات لرسالة جدّها العظيم .
لقد تغذّت حفيدة الرسول (صلّى الله عليه وآله)بجوهر الإيمان وواقع الإسلام ، وانطبع حبّ الله تعالى في عواطفها ومشاعرها حتّى صار ذلك من مقوّماتها وذاتياتها ، وقد أحاطت بها المحن والخطوب منذ نعومة أظفارها ، وتجرّعت أقسى وأمرّ ألوان المصائب ، كلّ ذلك من أجل رفع كلمة الله عالية خفّاقة .
إنّ الإيمان الوثيق بالله تعالى والانقطاع الكامل إليه كانا من ذاتيات الاُسرة النبويّة ومن أبرز خصائصهم .

ألم يقل سيد العترة الطاهرة الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) في دعائه : (( ما عبدتك طمعاً(*) في جنّتك ، ولا خوفاً من نارك ، ولكنّي وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك )) ؟

ـــــــــــــــ

(*) ورد كلام الإمام (عليه السّلام) هنا بهذا النحو ( عبدتك لا طمعاً في ... ) , وما أثبتناه فهو من جلّ المصادر الاُخرى . (موقع معهد الإمامين الحسنَين)


الصفحة (57)

وهو القائل : (( لو كشف لي الغطاء ما ازددت يقيناً )) .
أمّا سيّد شباب أهل الجنّة الإمام الحسين (عليه السّلام) ، فقد أخلص لله تعالى كأعظم ما يكون الإخلاص ، وذاب في محبّته , وقد قدّم نفسه والكواكب المشرقة من أبنائه وإخوته وأبناء عمومته قرابين خالصة لوجه الله ، وقد طافت به المصائب والأزمات التي يذوب من هولها الجبال ، وامتحن بما لم يمتحن به أحدٌ من أنبياء الله وأوليائه ، كلّ ذلك في سبيل الله تعالى .

فقد رأى أهل بيته وأصحابه الممجّدين صرعى ، ونظر إلى حرائر النبوّة وعقائل الوحي وهنّ بحالة تميد من هولها الجبال ، وقد أحاطت به أرجاس البشرية وهم يوسعونه ضرباً بالسيوف وطعناً بالرماح ؛ ليتقرّبوا بقتله إلى سيّدهم ابن مرجانة . لقد قال وهو بتلك الحالة كلمته الخالدة ، قال : (( لك العتبى يا ربّ ، إن كان يرضيك هذا فهذا إلى رضاك قليل )) .

ولمّا ذُبح ولده الرضيع بين يديه قال : (( هوّن ما نزل بي أنّه بعين الله ))(1) . أرأيتم هذا الإيمان الذي لا حدود له ؟ أرأيتم هذا الانقطاع والتبتل إلى الله ؟
وكانت حفيدة الرسول زينب (سلام الله عليها) كأبيها وأخيها في عظيم إيمانها وانقطاعها إلى الله ؛ فقد وقفت على جثمان شقيقها الذي مزّقته سيوف الشرك وهو جثة هامدة بلا رأس ، فرمقت السماء بطرفها وقالت كلمتها الخالدة التي دارت مع الفلك وارتسمت فيه : اللّهمّ تقبّل منّا هذا القربان(2) .

ـــــــــــــــــــــ
(1) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 3 / 276 .
(2)
المصدر السابق / 304 .


الصفحة (58)

إنّ الإنسانيّة تنحني إجلالاً وخضوعاً أمام هذا الإيمان الذي هو السرّ في خلودها وخلود أخيها . لقد تضرّعت بطلة الإسلام بخشوع إلى الله تعالى أن يتقبّل ذلك القربان العظيم الذي هو ريحانة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) , فأيّ إيمان يُماثل هذا الإيمان ؟ وأيّ تبتّل إلى الله تعالى يُضارع هذا التبتّل ؟
لقد أظهرت حفيدة الرسول بهذه الكلمات الخالدة معاني الوراثة النبويّة ، وأظهرت الواقع الإسلامي وأنارت السبيل أمام كلّ مصلح اجتماعي ، وأنّ كلّ تضحية تُؤدّى للاُمّة يجب أن تكون خالصة لوجه الله غير مشفوعة بأيّ غرض من أغراض الدنيا .
ومن عظيم إيمانها الذي يبهر العقول ويحيّر الألباب أنّها أدّت صلاة الشكر إلى الله تعالى ليلة الحادي عشر من المحرّم على ما وفّق أخاها ووفّقها لخدمة الإسلام ورفع كلمة الله . لقد أدّت الشكر في أقسى ليلة وأفجعها ، والتي لم تمرّ مثلها على أيّ أحدٍ من بني الإنسان .

لقد أحاطت بها المآسي التي تذوب من هولها الجبال ؛ فالجثث الزواكي من أبناء الرسول وأصحابهم أمامها لا مغسّلين ولا مكفّنين ، وخيام العلويات قد أحرقها الطغاة اللئام ، وسلبوا ما على بنات رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من حُلي وما عندهنّ من أمتعة , وهنَّ يعجنَ بالبكاء لا يعرفنَ ماذا يجري عليهنَّ من الأسر والذلّ ، إلى غير ذلك من المآسي التي أحاطت بحفيدة الرسول (صلّى الله عليه وآله) , وهي تؤدّي صلاة الشكر لله تعالى على هذه النعمة التي أضفاها عليها وعلى أخيها .
تدول الدول وتفنى الحضارات وهذا الإيمان العلوي أحقّ بالبقاء ، وأجدر بالخلود من هذا الكوكب الذي نعيش فيه .


الصفحة (59)

الصبر

من النزعات الفذّة التي تسلّحت بها مفخرة الإسلام وسيّدة النساء زينب (عليها السّلام) هي الصبر على نوائب الدنيا وفجائع الأيام ، فقد تواكبت عليها الكوارث منذ فجر الصبا ، فرُزئت بجدّها الرسول (صلّى الله عليه وآله) الذي كان يحدب عليها ، ويفيض عليها بحنانه وعطفه ، وشاهدت الأحداث الرهيبة المروعة التي دهمت أباها واُمّها بعد وفاة جدّها ؛ فقد اُقصي أبوها عن مركزه الذي أقامه فيه النبي (صلّى الله عليه وآله) ، وأجمع القوم على هضم اُمّها حتّى توفيت وهي في روعة الشباب وغضارة العمر ، وقد كوت هذه الخطوب قلب العقيلة إلاّ أنّها خلدت إلى الصبر .

وتوالت بعد ذلك عليها المصائب ، فقد رأت شقيقها الإمام الحسن الزكي (عليه السّلام) قد غدر به أهل الكوفة حتّى اضطر إلى الصلح مع معاوية الذي هو خصم أبيها وعدوّه الألدّ ، ولم تمض سنين يسيرة حتّى اغتاله بالسمّ ، وشاهدته وهو يتقيأ دماً من شدّة السمّ حتّى لفظ أنفاسه الأخيرة .

وكان من أقسى ما تجرّعته من المحن والمصاعب يوم الطفّ ؛ فقد رأت شقيقها الإمام الحسين (عليه السّلام) قد استسلم للموت لا ناصر له ولا معين ، وشاهدت الكواكب المشرقة من شباب العلويِّين صرعى قد حصدتهم سيوف الاُمويِّين ، وشاهدت الأطفال الرضّع يُذبحون أمامها .

إنّ أي واحدة من رزايا سيّدة النساء زينب لو ابتُلي بها أيّ إنسان مهما تدرّع بالصبر وقوّة النفس لأوهنت قواه ، واستسلم للضعف النفسي , وما تمكن على مقاومة الأحداث ، ولكنّها (سلام الله عليها) قد صمدت أمام ذلك البلاء العارم ، وقاومت الأحداث بنفس آمنة مطمئنة راضية بقضاء الله تعالى , وصابرة على بلائه ، فكانت من أبرز المعنيين بقوله تعالى : ( وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * اُولئك عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ )(1) .

ـــــــــــــــــــــ
(1) سورة البقرة / 155 ـ 157 .


الصفحة (60)

وقال تعالى : ( إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ )(1) ، وقال تعالى : ( وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ )(2) .

لقد صبرت حفيدة الرسول (صلّى الله عليه وآله) وأظهرت التجلّد وقوّة النفس أمام أعداء الله ، وقاومتهم بصلابة وشموخ ، فلم يشاهد في جميع فترات التأريخ سيّدة مثلها في قوّة عزيمتها وصمودها أمام الكوارث والخطوب .
يقول الحجّة الشيخ هادي آل كاشف الغطاء في صبرها وعظيم محنتها :

 لـلهِ  صـبرُ زيـنبَ العقيلهْ      كـم شـاهدت مصائباً مهولهْ
 رأت مِـنَ الخطوبِ والرزايا      أمـراً  تـهونُ دونـهُ المنايا
 رأت  كـرامَ قـومِها الأماجد      مـجزّرينَ  فـي صعيدٍ واحد
 تـسفي  على جسومِها الرياحُ      وهـي  لـذؤبانِ الـفلا تُباحُ
 رأت رؤوسـاً بـالقنا تُـشالُ      وجـثـثاً  أكـفانُها الـرمالُ
 رأت  رضـيعاً بالسهامِ يفطمُ      و صـبيةً بـعدَ أبيهم اُيتموا
 رأت شـمـاتةَ الـعدو فـيها      وصـنعهُ  مـا شاءَ في أخيها
 وإنّ من أدهى الخطوبِ السودِ      وقـوفها بـين يـدي يـزيدِ

 

وقال السيد حسن البغدادي :

 يـا  قـلبَ زينبَ ما لاقيتَ من محنٍ      فـيكَ الـرزايا وكلّ الصبرِ قد جمعا
 لو  كانَ ما فيكَ من صبرٍ ومن محنٍ      في قلبِ أقوى جبالِ الأرضِ لانصدعا
 يـكفيكَ  صـبراً قـلوبَ الناسِ كلّهمُ      تـفـطّرت  لـلذي لاقـيتهُ جـزعا

 

لقد قابلت العقيلة ما عانته من الكوارث المذهلة والخطوب السود بصبر يذهل كلّ كائن حي .

ـــــــــــــــــــــ
(1) سورة الزمر / 10 .
(2)
سورة النحل / 96 .


الصفحة (61)

العزّة والكرامة

من أبرز الصفات النفسيّة الماثلة في شخصية سيدة النساء زينب (عليها السّلام) هي العزّة والكرامة ؛ فقد كانت من سيّدات نساء الدنيا في هذه الظاهرة الفذّة ، فقد حُملت بعد مقتل أخيها من كربلاء إلى الكوفة سبيّة , ومعها بنات رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قد نُهب جميع ما عليهنّ من حُلي وما عندهنّ من أمتعة ، وقد أضرّ الجوع بأطفال أهل البيت وعقائلهم ، فترفّعت العقيلة أن تطلب من اُولئك الممسوخين ـ من شرطة ابن مرجانة ـ شيئاً من الطعام لهم .

ولمّا انتهى موكب السبايا إلى الكوفة , وعلمنَ النساء أنّ السبايا من أهل بيت النبوّة , سارعنَ إلى تقديم الطعام إلى الأطفال الذين ذوت أجسامهم من الجوع ، فانبرت السيّدة زينب مخاطبة نساء أهل الكوفة قائلة : الصدقة محرّمة علينا أهل البيت .
ولمّا سمع أطفال أهل البيت (عليهم السّلام) من عمّتهم ذلك ألقوا ما في أيديهم وأفواههم من الطعام ، وأخذ بعضهم يقول لبعض : إنّ عمّتنا تقول : الصدقة حرام علينا أهل البيت .
أيّ تربية فذّة تربّى عليها أطفال أهل البيت (عليهم السّلام) ! إنّها تربية الأنبياء والصدّيقين التي تسمو بالإنسان فترفعه إلى مستوى رفيع يكون من أفضل خلق الله .
ولمّا سُيّرت سبايا أهل البيت (عليهم السّلام) من الكوفة إلى الشام لم تطلب السيدة زينب طيلة الطريق أيّ شيء من الإسعافات إلى الأطفال والنساء مع شدّة الحاجة إليها ؛ فقد أنفت أن تطلب أيّ مساعدة من اُولئك الجفاة الأنذال الذين رافقوا الموكب .
لقد ورثت عقيلة بني هاشم من جدّها وأبيها العزّة والكرامة , والشرف والإباء ، فلم تخضع لأيّ أحدٍ مهما قست الأيام وتلبّدت الظروف ، إنّها لم تخضع إلاّ إلى الله تعالى .

الشجاعة 

ولم يشاهد الناس في جميع مراحل التأريخ أشجع ولا أربط جأشاً ولا أقوى جناناً من


الصفحة (62)

الاُسرة النبويّة الكريمة ؛ فالإمام أمير المؤمنين (سلام الله عليه) عميد العترة الطاهرة كان من أشجع خلق الله ، وهو القائل : (( لو تضافرت العرب على قتالي لما ولّيت عنها )) .

وقد خاض أعنف المعارك وأشدّها قسوة ، فجندل الأبطال وألحق بجيوش الشرك أفدح الخسائر ، وقد قام الإسلام عبل الذراع مفتول الساعد بجهاده وجهوده ، فهو معجزة الإسلام الكبرى ، وكان ولده أبو الأحرار الإمام الحسين (عليه السّلام) مضرب المثل في بسالته وشجاعته ؛ فقد حيّر الألباب وأذهل العقول بشجاعته وصلابته وقوّة بأسه .

فقد وقف يوم العاشر من المحرّم موقفاً لم يقفه أيّ أحدٍ من أبطال العالم ؛ فإنّه لم ينهار أمام تلك النكبات المذهلة التي تعصف بالحلم والصبر ، فكان يزداد انطلاقاً وبشراً كلّما ازداد الموقف بلاءً ومحنةً . فإنّه بعدما صُرعَ أصحابه وأهل بيته زحف عليه الجيش بأسره ـ وكان عدده فيما يقول الرواة ثلاثين ألفاً ـ فحمل عليهم وحده , وقد طارت أفئدتهم من الخوف والرعب ، فانهزموا أمامه كالمعزى إذا شدّ عليها الذئب ـ على حدّ تعبير بعض الرواة ـ وبقي صامداً كالجبل يتلقى الطعنات والسهام من كلّ جانب ، لم يوهن له ركن ولم تضعف له عزيمة .

يقول العلوي السيّد حيدر :

فـتـلـقّى الـجـمـوعَ فـــرداً      ولكن كلُّ عضو في الروعِ منهُ جموعُ
رمـحهُ  مـن بـنانهِ و كـأنّ مـن      عـزمـهِ حــدُّ سـيـفهِ مـطبوعُ
زوّج  الـسـيفَ بـالنفوسِ ولـكن      مـهرُها  الـموت والخضابُ النجيعُ

 

ولمّا سقط (سلام الله عليه) على الأرض جريحاً قد أعياه نزف الدماء تحامى الجيش الاُموي من الإجهاز عليه ؛ خوفاً ورعباً منه . يقول السيد حيدر :

عـفيراً متى عاينتهُ الكماة      يـختطف  الرعبُ ألوانَها
فما أجلت الحربُ عن مثلهِ      صـريعاً يـجبّنُ شجعانَها

 

الصفحة (63)

وتمثّلت هذه البطولة العلوية بجميع صورها وألوانها عند حفيدة الرسول وعقيلة بني هاشم السيدة زينب (سلام الله عليها) ؛ فإنّها لمّا مثلت أمام الإرهابي المجرم سليل الأدعياء ابن مرجانة احتقرته واستهانت به ، فاندفع الأثيم يظهر الشماتة بلسانه الألكن قائلاً : الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم ، وكذّب اُحدوثتكم .
فانبرت حفيدة الرسول بشجاعة وصلابة قائلة : الحمد لله الذي أكرمنا بنبيّه ، وطهّرنا من الرجس تطهيراً ، إنّما يُفتضح الفاسق ويُكذب الفاجر ، وهو غيرنا يابن مرجانة ...(1) .
لقد قالت هذا القول الصارم الذي هو أمض من السلاح ، وهي والمخدّرات من آل محمّد في قيد الأسر ، وقد رفعت فوق رؤوسهنَّ رؤوس حماتهنَّ ، وشهرت عليهنَّ سيوف الملحدين . لقد أنزلت العقيلة ـ بهذه الكلمات ـ الطاغية من عرشه إلى قبره ، وعرّفته أمام خدمه وعبيده أنّه المفتضح والمنهزم ، وأنّ أخاها هو المنتصر .

ولم يجد ابن مرجانة كلاماً يقوله سوى التشفّي بقتل عترة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، قائلاً : كيف رأيت صنع الله بأخيك(2) ؟
وانطلقت عقيلة بني هاشم ببسالة وصمود ، فأجابت بكلمات الظفر والنصر لها ولأخيها قائلة : ما رأيت إلاّ جميلاً ، هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل ، فبرزوا إلى مضاجعهم ، وسيجمع الله بينك وبينهم ، فتُحاجّ وتُخاصم ، فانظر لمَنْ الفلج يومئذ ، ثكلتك أُمّك يابن مرجانة !
أرأيتم هذا التبكيت الموجع ؟ أرأيتم هذه الشجاعة العلوية ؟ فقد سجّلت

ـــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ الطبري 6 / 263 .
(2)
زينب الكبرى / 61 .


الصفحة (64)

حفيدة الرسول (صلّى الله عليه وآله) بموقفها وكلماتها فخراً للإسلام وعزّاً للمسلمين , ومجداً خالداً للاُسرة النبويّة .
أمّا موقفها في بلاط يزيد ، وموقفها مع الشامي وخطابها الثوري الخالد فقد هزّ العرش الاُموي ، وكشف الواقع الجاهلي ليزيد ومن مكّنه من رقاب المسلمين ، وسنعرض لخطابها وسائر مواقفها المشرّفة في البحوث الآتية .

الزهد في الدنيا

ومن عناصر سيّدة النساء زينب (عليها السّلام) الزهد في الدنيا ؛ فقد بذلت جميع زينتها ومباهجها مقتدية بأبيها الذي طلّق الدنيا ثلاثاً لا رجعة له فيها ، ومقتدية باُمّها سيّدة نساء العالمين , زهراء الرسول .

فقد كانت ـ فيما رواه المؤرّخون ـ لا تملك في دارها سوى حصير من سعف النخل , وجلد شاة ، وكانت تلبس الكساء من صوف الإبل ، وتطحن بيدها الشعير ، إلى غير ذلك من صنوف الزهد والإعراض عن الدنيا . وقد تأثّرت عقيلة الرسول (صلّى الله عليه وآله) بهذه الروح الكريمة فزهدت في جميع مظاهر الدنيا ، وكان من زهدها أنّها ما ادّخرت شيئاً من يومها لغدها حسب ما رواه عنها الإمام زين العابدين (عليه السّلام)(1) .

وقد طلقت الدنيا وزهدت فيها وذلك بمصاحبتها لأخيها أبي الأحرار ؛ فقد علمت أنّه سيستشهد في كربلاء , أخبرها بذلك أبوها ، فصحبته وتركت زوجها الذي كان يرفل بيته بالنعيم ومتع الحياة ، رفضت ذلك كلّه وآثرت القيام مع أخيها لنصرة الإسلام والذبّ عن مبادئه وقيمه ، وهي على علم بما تشاهده من مصرع أخيها ، وما يجري عليها بالذّات من الأسر والذلّ .

لقد قدّمت على ذلك خدمة لدين الله تعالى .

ـــــــــــــــــــــ
(1) صحيح الترمذي 2 / 319 ، وقريب منه رواه الحاكم في مستدركه 3 / 149 ، وابن الأثير في اُسد الغابة 5 / 523 ، والخطيب في تأريخ بغداد 7 / 36 ، وغيرهم .


الصفحة (65)

أحداث مروّعة(*)

وقطعت عقيلة بني هاشم شوطاً من حياة الصبا في كنف جدّها الرسول (صلّى الله عليه وآله) , وفي ذرى عطفه ، وهي ناعمة البال قريرة العين ، يتلقّاها بمزيدٍ من الحفاوة والتكريم ، وترى أبويها وقد غمرتهما المودّة والاُلفة والتعاون ، فكانت حياتهما أسمى مثل للحياة الزوجية في الإسلام .

وقد نشأت في ذلك البيت الذي سادت فيه تلاوة كتاب الله العزيز ، وآداب الإسلام وأحكامه وتعاليمه ؛ فكان مركزاً للتقوى ومعهداً لمعارف الإسلام . كما شاهدت الانتصارات الرائعة التي أحرزها الإسلام في الميادين العسكرية ، واندحار القبائل القرشية التي ناهضت الإسلام وناجزته بجميع ما تملك من قوّة ؛ فقد اندحرت وأذلّها الله ؛ فقد فتحت مكة وطُهّر بيتها الحرام من الأصنام والأوثان التي كانت تُعبد من دون الله تعالى .
ولعلّ من أهمّ ما شاهدته العقيلة في أدوار طفولتها هو احتفاء جدّها الرسول (صلّى الله عليه وآله) بأبيها واُمّها وأخويها ؛ فقد كانوا موضع اهتمامه وعنايته .وقد أثرت عنه كوكبة من الروايات أجمع المسلمون على صحتها ، وهذه بعضها :
1 ـ روى زيد بن أرقم : أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال لعليّ وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السّلام) : (( أنا حربٌ لمَنْ حاربتم ، وسلم لمَنْ سالمتم ))(1) .

ـــــــــــــــــــــ

(*) يبدو أنّ هذا العنوان قد وقع هنا سهواً من قِبل المؤلِّف أو الناسخ ؛ إذ لا توجد بينه وبين الموضوع الذي تصدّره أيّةُ علاقة ؛ اللهمَّ إلاّ إذا قلنا بشموليّته للعنوان وموضوعه الذي يأتي في أواخر الصفحة (67) وإن كان هذا بعيداً عنه . (موقع معهد الإمامين الحسنَين)
(1) مسند أحمد 1 / 77 ، صحيح الترمذي 2 / 301 ، تهذيب التهذيب 10 / 430 ، وجاء فيه أنّ نصر بن عليّ حدّث بهذا الحديث ، فأمر المتوكّل بضربه ألف سوط ، فكلّمه فيه جعفر بن عبد الواحد , وجعل يقول له : إنّه من أهل السنّة . فلم يزل يترجّاه حتّى تركه .


الصفحة (66)

2 ـ روى أحمد بن حنبل بسنده : أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) أخذ بيد الحسن والحسين ، وقال : (( مَنْ أحبّني وأحبّ هذين وأباهما واُمّهما كان معي في درجتي يوم القيامة ))(1) .
3 ـ روى أبو بكر قال : رأيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) خيّم خيمة ، وهو متكئ على قوس عربية ، وفي الخيمة عليّ وفاطمة والحسن والحسين ، فقال : (( معاشر المسلمين ، أنا سلم لمَنْ سالم أهل الخيمة ، وحرب لمَنْ حاربهم ، ووليّ لمَنْ والاهم ، لا يحبّهم إلاّ سعيد الجدّ ، ولا يبغضهم إلاّ شقي الجدّ , ردئ الولادة ))(2) .
4 ـ روى ابن عباس أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) قال : (( النجوم أمانٌ لأهل الأرض من الغرق ، وأهل بيتي أمان لاُمّتي من الاختلاف ، فإذا خالفتها قبيلة من العرب اختلفوا فصاروا حزب إبليس ))(3) .
5 ـ روى زيد بن أرقم أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال : (( إنّي تاركٌ فيكم الثقلين ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي ، أحدهما أعظم من الآخر ؛ كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض ، وعترتي أهل بيتي ، ولن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض ، فانظروا كيف تخلفوني فيهما ))(4) .
6 ـ روى أبو سعيد الخدري ، قال : سمعت النبي (صلّى الله عليه وآله) يقول : (( إنّما مثل أهل بيتي فيكم كسفينة نوح ؛ مَن ركبها نجا ، ومن تخلّف عنها غرق . وإنّما مثل أهل بيتي

ـــــــــــــــــــــ
(1) الرياض النضرة 2 / 252 .
(2)
مستدرك الحاكم 3 / 149 ، كنز العمال 6 / 116 ، الصواعق المحرقة / 111 . نصّ الحديث : (( النجوم أمان لأهل الأرض , وأهل بيتي أمان لاُمّتي )) .
(3)
صحيح الترمذي 2 / 308 ، اُسد الغابة 2 / 12 ، وما يقرب من هذا الحديث روي في كنز العمّال 1 / 48 ، مجمع الهيثمي 9 / 163 .
(4)
مجمع الزوائد 9 / 168 ، مستدرك الحاكم 2 / 43 ، تأريخ بغداد 2 / 19 ، ذخائر العقبى / 20 .


الصفحة (67)

فيكم مثل باب حطّة في بني إسرائيل ؛ مَن دخله غفر له ))(1) .
7 ـ روى أبو برزة ، قال : صلّيت مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) سبعة أشهر ، فإذا خرج من بيته ، أتى باب فاطمة (عليها السّلام) ، فقال : (( السلام عليكم ، إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ))(2) .
رأت العقيلة هذا الاحتفاء البالغ من جدّها الرسول (صلّى الله عليه وآله) لأبيها واُمّها وأخويها ، ووعت الغاية من صنوف هذا التكريم والتعظيم ، وأنّه ليس مجرّد عاطفة وولاء لهذه الاُسرة الكريمة ، وإنّما هو للإشادة بما تتمتّع به من الصفات الفاضلة ، والقابليات الفذّة التي ترشّحهم لقيادة الاُمّة ، وتطويرها فكرياً واجتماعياً .

وأنّه لا يمكن بأيّ حال من الأحوال أن تحتلّ اُمّته مركزاً كريماً تحت الشمس ، وتكون رائدة لاُمم العالم وشعوب الأرض إلاّ بقيادة السادة من عترته الذين وعوا الإسلام ، والتزموا بحرفية الرسول (صلّى الله عليه وآله) .

خطوب مروّعة

ولم تدم الحالة الهانئة للاُسرة النبويّة , فقد دهمتهم كارثة مروّعة ؛ فقد بدت على الرسول (صلّى الله عليه وآله) طلائع الرحيل عن هذه الدنيا تلوح أمامه ، فكان القرآن الكريم قد نزل عليه مرتين , فاستشعر بدنوّ الأجل المحتوم منه(3) ، وأخبر بضعته الزهراء (عليها السّلام) ، فقال لها :

ـــــــــــــــــــــ
(1) ذخائر العقبى / 24 ، روى أنس بن مالك : أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) كان يمرّ ببيت فاطمة ستّة أشهر إذا خرج إلى الفجر , ويقول : (( الصلاة يا أهل البيت )) , ويتلو الآية الكريمة . جاء ذلك في مجمع الزوائد 9 / 169 ، أنساب الأشراف 1 / 157 ، القسم الأوّل .
(2)
الخصائص الكبرى 2 / 368 .
(3)
تأريخ ابن كثير 5 / 223 .


الصفحة (68)

(( إنّ جبرئيل كان يعارضني بالقرآن في كلّ سنة مرّة ، وأنّه عارضني بهذا العام مرّتين ، وما أرى ذلك إلاّ اقتراب أجلي ))(1) .
وتقطّع قلب زهراء الرسول ألماً وحزناً ، وشاعت الكآبة والحزن عند أهل البيت وذوت عقيلة بني هاشم من هذا النبأ المريع ، وطافت بها وهي في فجر الصبا تيارات من الأسى .
ونزلت على النبي (صلّى الله عليه وآله) سورة النصر , فكان يسكت بين التكبير والقراءة , ويقول : (( سبحان الله وبحمده ، أستغفر الله وأتوب إليه )) .
وذهل المسلمون ، وفزعوا إليه يسألونه عن هذه الحالة الراهنة ، فأجابهم : (( إنّ نفسي قد نُعيت إليّ ))(2) .
وكادت نفوس المسلمين أن تزهق من هذا النبأ المريع ؛ فقد وقع عليهم كالصاعقة ، فلا يدرون ماذا سيجري عليهم لو خلت الدنيا من منقذهم ومعلّمهم وقائدهم .

رؤيا العقيلة

ورأت العقيلة في منامها رؤياً أفزعتها وأذهلتها , فأسرعت إلى جدّها الرسول (صلّى الله عليه وآله) تقصّها عليه ، ولمّا مثلت عنده أجلسها في حجره , وجعله يوسعها تقبيلاً ، فقالت له : يا جدّاه ، رأيت رؤياً البارحة .
ـ (( قصّيها عليّ )) .
ـ رأيت ريحاً عاصفاً اسودّت الدنيا منها وأظلمت ، ففزعتُ إلى شجرة عظيمة فتعلّقت بها من شدّة العاصفة ، فقلعتها الرياح وألقتها على الأرض ، فتعلّقت بغصنٍ

ـــــــــــــــــــــ
(1) مناقب ابن شهرآشوب 1 / 167 .
(2)
زينب الكبرى / 19 .


الصفحة (69)

قويّ من تلك الشجرة فقطعتها الرياح ، فتعلّقت بفرع آخر فكسرته الرياح أيضاً ، وسارعت فتعلّقت بأحد فرعين من فروعها فكسرته العاصفة أيضاً ، ثمّ استيقظت من نومي .
فأجهش النبي (صلّى الله عليه وآله) بالبكاء ، وفسّر لها رؤياها قائلاً : (( أمّا الشجرة فجدّك ، وأمّا الفرع الأوّل فاُمّك ، والثاني أبوك عليّ ، والفرعان الآخران هما أخواك الحسنان ، تسودّ الدنيا لفقدهم , وتلبسين لباس الحداد في رزيتهم ))(1) .
وساد الحزن والأسى في البيت النبوي ، وصدقت رؤيا العقيلة , فلم تمض أيام حتّى رُزئت بجدّها واُمّها ، وتتابعت عليها بعد ذلك الرزايا ، فقد استشهد أبوها وأخواها ، ولبست عليهم لباس الحزن والحداد .

حجة الوداع

ولمّا علم النبي (صلّى الله عليه وآله) أنّ لقاءه بربّه قريب ، رأى أن يحجّ إلى بيت الله الحرام ليلتقي بالمسلمين ويضع لهم الخطوط السليمة لنجاتهم ، ويقيم فيهم القادة والمراجع الذين يقيمون فيهم الحقّ والعدل .
وحجّ النبي (صلّى الله عليه وآله) لهذا الغرض ، وهي حجّته الأخيرة الشهيرة بـ (حجّة الوداع) ، وقد أشاع بين حجّاج بيت الله أنّ التقاءه بهم في هذا العام هو آخر التقاء بهم ، وأنّه سيسافر إلى الفردوس الأعلى ، وجعل يطوف بين الجماهير ويعرّفهم سبل النجاة ، ويرشدهم إلى ولاة اُمورهم من بعده قائلاً : (( أيّها الناس ، إنّي تركت فيكم الثقلين ؛ كتاب الله ، وعترتي أهل بيتي ))(2) .

ـــــــــــــــــــــ
(1) صحيح الترمذي 2 / 308 .
(2)
تاريخ اليعقوبي 2 / 91 ـ 92 .

الصفحة (70)

ثمّ وقف النبي (صلّى الله عليه وآله) عند بئر زمزم , وخطب خطاباً رائعاً وحافلاً بما تحتاج إليه الاُمّة في مجالاتها الاجتماعية والسياسيّة ، وقال فيما يخصّ القيادة الروحية والزمنية للاُمّة : (( إنّي خلّفت فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلوا ؛ كتاب الله ، وعترتي أهل بيتي , ألا هل بلّغت )) .
فانبرت الجماهير بصوتٍ واحدٍ قائلين : اللهمّ نعم(1) .
لقد عيّن الرسول (صلّى الله عليه وآله) القيادة العامّة لاُمّته , وجعلها مختصة بأهل بيته ؛ فهم ورثة علومه ، وخزنة حكمته الذين يعنون بالإصلاح الاجتماعي ، ويؤثرن مصلحة الاُمّة على كلّ شيء .

مؤتمر غدير خم

وقفل النبي (صلّى الله عليه وآله) بعد أداء مراسيم الحج إلى يثرب , وحينما انتهى موكبه إلى (غدير خم) نزل عليه الوحي برسالةٍ من السماء أن ينصب الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) خليفةً من بعده ، ومرجعاً عاماً للاُمّة . لقد نزل عليه الوحي بهذه الآية : ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ )(2) .
ففي هذه الآية إنذار خطير إلى الرسول (صلّى الله عليه وآله) ؛ إذ إنّه إن لم يقم بهذه المهمة فما بلّغ رسالة ربّه ، وضاعت جميع جهوده وأتعابه في سبيل هذا الدين . فانبرى (صلّى الله عليه وآله) فحطّ أعباء المسير ، ووضع رحله في رمضاء الهجير ، وأمر قوافل الحجّ أن تفعل مثل ذلك ، وكان الوقت قاسياً في حرارته , فكان الرجل يضع طرف ردائه تحت قدميه

ـــــــــــــــــــــ
(1) الغدير 2 / 34 .
(2)
سورة المائدة / 67 . نصّ على نزول هذه الآية في يوم الغدير الواحدي في أسباب النزول , والرازي في تفسيره ، وغيرهما .


الصفحة (71)

ليتّقي به حرارة الأرض ، وقام النبي (صلّى الله عليه وآله) فصلّى بالناس ، وبعد أداء فريضة الصلاة أمر بأن يوضع له منبر من حدائج الإبل ، فصُنع له ذلك فاعتلى عليه ، واتّجهت الجماهير بعواطفها وقلوبها نحو النبي (صلّى الله عليه وآله) ، فخطب خطاباً مهمّاً أعلن فيه ما لاقه من عناء شاق في سبيل هدايتهم ، وتحرير إرادتهم ، وإنقاذهم من خرافات الجاهليّة وعاداتها .

ثم ذكر طائفة من أحكام الإسلام وتعاليمه ، وألزمهم بتطبيقها على واقع حياتهم ، ثمّ التفت إليهم فقال : (( انظروا كيف تخلفوني في الثقلين )) .
فناداه منادٍ من القوم : ما الثقلان يا رسول الله ؟
فأجابه : (( الثقل الأكبر : كتاب الله ، طرف بيد الله عزّ وجلّ وطرف بأيديكم ، فتمسّكوا به لا تضلّوا ، والآخر الأصغر : عترتي ، وإنّ اللطيف الخبير نبّأني أنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض ، فسألت ذلك لهما ربّي ، فلا تقدموهما فتهلكوا ، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا )) .
ثمّ أخذ بيد وصيّه وباب مدينة علمه وناصر دعوته الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ليفرض ولايته على جميع المسلمين , فرفعها حتّى بان بياض إبطيهما ، ونظر إليهما القوم , ورفع النبي (صلّى الله عليه وآله) صوته قائلاً : (( أيّها الناس ، مَنْ أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ )) . فانبرت قوافل الحجّاج رافعة عقيرتها : الله ورسوله أعلم .
ووضع النبي (صلّى الله عليه وآله) القاعدة الأصلية التي تصون المسلمين من الانحراف قائلاً : (( إنّ الله مولاي ، وأنا مولى المؤمنين ، وأنا أولى بهم من أنفسهم ، فمَنْ كنت مولاه فعليّ مولاه )) .


الصفحة (72)

وكرّر هذا القول ثلاث مرّات أو أربع , ثمّ قال : (( اللّهمّ وال مَنْ والاه ، وعاد مَنْ عاداه ، وأحبّ مَنْ أحبّه ، وأبغض مَنْ أبغضه ، وانصر مَنْ نصره ، واخذل مَنْ خذله ، وأدر الحقّ معه حيث دار . ألا فليبلغ الشاهد الغائب )) .
لقد أدّى النبي (صلّى الله عليه وآله) رسالة ربّه ؛ فنصب الإمام أمير المؤمنين خليفةً من بعده ، وقلّده منصب الإمامة والمرجعية العامة ، وأقبل المسلمون يهرعون صوب الإمام وهم يبايعونه بالخلافة , ويهنئونه بإمرة المسلمين وقيادتهم ، وأمر النبيّ اُمّهات المؤمنين أن يهنئنَ الإمام بهذا المنصب العظيم ففعلنَ ، وأقبل عمر بن الخطاب نحو الإمام فصافحه وهنّأه ، وقال له : هنيئاً يابن أبي طالب ، أصبحت وأمسيت مولاي ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة(1) .
وفي ذلك اليوم الخالد نزلت الآية الكريمة : ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِيناً )(2) .
قد تمّت نعمة الله الكبرى على المسلمين بولاية بطل الإسلام ورائد العدالة الاجتماعية في الأرض الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، وقد خطا النبي (صلّى الله عليه وآله) الخطوة الأخيرة في أداء رسالته ، فصان اُمّته من الزيغ والانحراف ؛ فنصب لها القائد والموجّه , ولم يتركها فوضى ـ كما يزعمون ـ تتلاعب بها الفتن والأهواء , وتتقاذفها أمواج من الضلال .

إنّ وثيقة الغدير من أروع الأدلّة وأوثقها على اختصاص الخلافة والإمامة بباب مدينة علم النبي الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، وهي جزء من رسالة الإسلام وبند من أهم بنوده ؛ لأنّها تبنّت القضايا المصيرية للعالم الإسلامي على امتداد التأريخ .

ـــــــــــــــــــــ
(1) مسند أحمد 4 / 281 .
(2)
سورة المائدة / 3 . نصّ على نزول هذه الآية في يوم الغدير الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد 8 / 29 ، السيوطي في الدر المنثور ، وغيرهما من أعلام أهل السنّة .


الصفحة (73)

لقد وعت سيّدة النساء زينب (عليها السّلام) وهي في فجر الصبا هذه البيعة لأبيها ، وأنّ جدّها قد قلّده بهذا المنصب الخطير لسلامة الاُمّة وتطورها ، والبلوغ بها إلى أعلى المستويات من التقدّم ، والقيادة العامة لشعوب العالم واُمم الأرض ، ولكنّ القوم قد سلبوا أباها هذا المنصب ، وجعلوه في معزل عن الحياة الاجتماعية والسياسيّة ، وقد أخلدوا بذلك للاُمّة المحن والخطوب ، وتجرّعت حفيدة النبي (صلّى الله عليه وآله) بالذّات أهوالاً من المصائب والكوارث كانت ناجمة ـ من دون شك ـ عن هذه المؤامرة التي حيكت ضدّ أبيها ، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون .

مرض النبي (صلّى الله عليه وآله)

ولمّا قفل النبي (صلّى الله عليه وآله) بعد حجة الوداع راجعاً إلى يثرب بدأت صحّته تنهار يوماً بعد يوم ، فقد ألمّ به المرض ، وأصابته حمّى مبرحة حتّى كأنّ به لهباً منها ، وكانت عليه قطيفة فإذا وضع أزواجه وعوّاده عليها أيديهم شعروا بحرّها(1) .

وقد وضعوا إلى جواره إناءً فيه ماء بارد , فكان يضع يده فيه ويمسح به وجهه الشريف ، وكان (صلّى الله عليه وآله) يقول : (( ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلته بـ (خيبر) ، فهذا أوان وجدت انقطاع أبهري من ذلك السم ))(2) ؛ فقد قدّمت له امرأة يهودية في خيبر ذلك الطعام الذي سمّته فأثّر فيه .
ولمّا اُشيع مرض النبي (صلّى الله عليه وآله) هرع المسلمون إلى عيادته ، وقد خيّم عليهم الأسى والذهول ، فنعى (صلّى الله عليه وآله) إليهم نفسه , وأوصاهم بما يسعدون ويفلحون به قائلاً : (( أيّها الناس ، يوشك أن اُقبض قبضاً سريعاً فينطلق بي ، وقدّمت إليكم القول

ـــــــــــــــــــــ
(1) البداية والنهاية 5 / 226 .
(2)
حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 1 / 202 .


الصفحة (74)

معذرة إليكم ، ألا إنّي مخلّفٌ فيكم كتاب الله عزّ وجلّ وعترتي أهل بيتي )) .
ثمّ أخذ بيد وصيّه وخليفته الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، فقال لهم : (( هذا علي مع القرآن ، والقرآن مع علي لا يفترقان حتّى يردا عليّ الحوض ))(1) .
لقد قرّر النبي (صلّى الله عليه وآله) أهم القضايا المصيرية لاُمّته ، فعيّن لها القائد العظيم الذي يحقّق لها جميع أهدافها وما تصبو إليه في حياتها .

سرية اُسامة

ورأى النبي (صلّى الله عليه وآله) وهو في المرحلة الأخيرة من حياته التيارات الحزبية التي صمّمت على إقصاء عترته عن قيادة الاُمّة ، فرأى أنّ خير وسيلة يتدارك بها الموقف أن يزجّ بجميع أصحابه في بعثة عسكرية , حتّى إذا وافاه الأجل المحتوم تكون عاصمته خالية من العناصر المضادّة لوليّ عهده ؛ فأسند قيادة البعثة إلى اُسامة بن زيد ، وهو شاب في مقتبل العمر ، وكان من بين الجنود أبو بكر وعمر , وأبو عبيدة الجراح وبشير بن سعد(2) .

وقال النبي (صلّى الله عليه وآله) لاُسامة : (( سِر إلى موضع قتل أبيك فأوطئهم الخيل ؛ فقد ولّيتك هذا الجيش , فاغزُ صباحاً على أهل أبنى(3) , وحرّق عليهم ، وأسرع السير لتسبق الأخبار ، فإن أظفرك الله عليهم فاقلل اللبث فيهم ، وخذ معك الأدلاء , وقدّم العيون والطلائع معك )) .
ومُني الجيش بالتمرّد وعدم الطاعة ، فلم يلتحق أعلام الصحابة بوحداتهم

ـــــــــــــــــــــ
(1) الصواعق المحرقة / 124 .
(2)
كنز العمّال 5 / 312 ، طبقات ابن سعد 4 / 46 ، تأريخ الخميس 2 / 46 .
(3)
ابنى : ناحية بالبلقاء من أرض سوريا ، بين عسقلان والرملة ، تقع بالقرب من مؤتة ، وهي التي استشهد فيها زيد بن حارثة وجعفر الطيّار .


الصفحة (75)

العسكرية ، ولمّا علم النبي (صلّى الله عليه وآله) بذلك تألّم ، فخرج مع ما به من المرض , فحثّ الجند على المسير , وعقد بنفسه اللواء لاُسامة ، وقال له : (( اغزُ بسم الله , وفي سبيل الله ، وقاتل مَنْ كفر بالله )) .
فخرج اُسامة بلوائه معقوداً ودفعه إلى بريده ، وعسكر بـ (الجرف) ، وتثاقل جمع من الصحابة عن الالتحاق بالمعسكر ، وأظهروا الطعن والاستخفاف باُسامة القائد العام للجيش .

يقول له عمر : مات رسول الله وأنت عليَّ أمير ؟!
وانتهت كلماته إلى النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ، وقد أخذت منه الحمّى مأخذاً عظيماً ، فخرج وهو معصّب الرأس قد برح به المرض ، فصعد المنبر والتأثّر بادٍ عليه ، فقال : (( أيّها الناس ، ما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري اُسامة ، ولئن طعنتم في تأميري اُسامة لقد طعنتم في تأميري أباه من قبله . وأيم الله ، إنّه كان خليقاً بالإمارة , وإنّ ابنه من بعده لخليقٌ بها )) .
ثمّ نزل عن المنبر ودخل بيته والتأثّر بادٍ عليه(1) , وجعل يوصي أصحابه بالالتحاق بالجيش قائلاً : (( جهّزوا جيش اُسامة , نفّذوا جيش اُسامة , لعن الله مَنْ تخلّف عن جيش اُسامة )) .
ولم ترهف عزائم القوم هذه الأوامر المشدّدة ؛ فقد تثاقلوا عن الالتحاق بالجيش , واعتذروا للرسول بشتّى المعاذير ، وهو (صلّى الله عليه وآله) لم يمنحهم العذر ، وإنّما أظهر لهم السخط وعدم الرضا ؛ فقد استبانت له بصورة جلية نيّاتهم وتآمرهم ، كما عرفوا قصده بهذا الاهتمام البالغ من إخراجهم من يثرب .

ـــــــــــــــــــــ
(1) السيرة الحلبية 3 / 34 .


الصفحة (76)

رزية يوم الخميس

وأحاط النبي (صلّى الله عليه وآله) علماً بالتحرّكات السياسيّة من بعض أصحابه , وأنّهم عازمون ومصرّون على صرف الخلافة عن أهل بيته ، وإفساد ما أعلنه غير مرّة من أنّ عترته الأزكياء هم ولاة أمر المسلمين من بعده ، فرأى (صلّى الله عليه وآله) أن يحكم الأمر ويحمي اُمّته من الفتن والزيغ ، فقال لمَنْ حضر في مجلسه : (( ائتوني بالكتف والدواة أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده أبداً ))(1) .
حقّاً إنّها فرصة من أثمن الفرص وأندرها في تأريخ الإسلام ، إنّه التزام واضح وصريح من سيّد الكائنات أنّ اُمّته لا تُصاب بنكسة وانحراف بعد هذا الكتاب .
ما أعظم هذه النعمة على المسلمين ، إنّه ضمان من سيد الأنبياء أن لا تضلّ اُمّته في مسيرتها وتهتدي إلى سواء السبيل في جميع مراحل تأريخها ، واستبان لبعض القوم ماذا يكتب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، إنّه سينصّ على خلافة عليّ من بعده ، ويعزّز بيعة يوم الغدير ، وتضيع بذلك أطماعهم ومصالحهم ، فردّ عليه أحدهم قائلاً بعنف : حسبنا كتاب الله .
ولو كان هذا القائل يحتمل أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) يوصي بحماية الثغور , أو بالمحافظة على الشؤون الدينية ما ردّ عليه بهذه الجرأة ، ولكنّه علم قصده أنّه سيوصي بأهل بيته وينصّ على خلافة عليّ من بعده .
وكثر الخلاف بين القوم ؛ فطائفة حاولت تنفيذ ما أمر به النبي (صلّى الله عليه وآله) ، وطائفة اُخرى أصرّت على معارضتها والحيلولة بين ما أراده النبي (صلّى الله عليه وآله) . وانطلقت بعض السيّدات فأنكرن على القوم هذا الموقف المتّسم بالجرأة على النبي (صلّى الله عليه وآله) وهو في الساعات الأخيرة من حياته ، فقلن لهم : ألا تسمعون ما يقول رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ؟!
فثار عمر وصاح فيهنّ ؛ خوفاً أن يفلت الأمر منه ومن حزبه ، فقال للسيدات :

ـــــــــــــــــــــ
(1) الرواية أخرجها البخاري ومسلم ، والطبراني في الأوسط ، وغيرهم .


الصفحة (77)

إنكنّ صويحبات يوسف ؛ إذا مرض عصرتنَّ أعينكنَّ ، وإذا صح ركبتنَّ عنقه .
فنظر إليه النبي (صلّى الله عليه وآله) بغضبٍ وغيظٍ ، وقال له : (( دعوهنّ فإنّهنّ خير منكم )) .
وبدا صراع رهيب بين القوم ، وكادت أن تفوز الجهة التي أرادت تنفيذ أمر النبي (صلّى الله عليه وآله) ، فانبرى أحدهم فأفشل ما أراده النبي (صلّى الله عليه وآله) , وحال بينه وبين ما أراد من إسعاد اُمّته ، فقال ـ ويا لهول ما قال ـ : إنّ النبيّ ليهجر(1) .
ألم يسمع هذا القائل كلام الله تعالى الذي يُتلى في آناء الليل وأطراف النهار وهو يعلن تكامل النبي في جميع مراحل حياته ؛ فقد زكّاه وعصمه من الهجر وغيره من ألوان الزيغ والانحراف ، وإنّه أسمى شخصية في تكامله وسموّ ذاته ، قال تعالى : ( مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى )(2) ، وقال تعالى : ( إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ * وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ )(3) .
إنّ القوم لم يخامرهم أدنى شك في عصمة النبي وتكامل ذاته ، ولكن حبّ الدنيا والتهالك على السلطة دفهم للجرأة على النبي (صلّى الله عليه وآله) ، ومقابلتهم له بمرّ القول والطعن بشخصيته .
وكان ابن عباس إذا ذكر هذا الحادث الرهيب يبكي حتّى تسيل دموعه على خديه كأنّها نظام اللؤلؤ ، وهو يصعد آهاته ويقول : يوم الخميس ! وما يوم الخميس ! قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( ائتوني بالكتف

ـــــــــــــــــــــ
(1) نصّ على هذه الحادثة المؤلمة جميع الرواة والمؤرّخين في الإسلام ، ذكرها : البخاري في صحيحه عدّة مرّات ، إلاّ أنّه كتم اسم قائلها , وفي نهاية غريب الحديث ، وشرح النهج 3 / 114 (صُرّح باسم القائل) .
(2)
سورة النجم / 2 ـ 5 .
(3)
سورة التكوير / 19 ـ 22 .


الصفحة (78)

والدواة أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده أبداً )) . فقالوا : إنّ رسول الله يهجر(1) .
حقّاً إنّها رزية الإسلام الكبرى ؛ فقد حيل بين المسلمين وسعادتهم ونجاتهم من الزيغ والضلال .
لقد وعت السيّدة زينب هذا الحادث الخطير ، ووقفت على أهداف القوم من إبعاد أبيها عن المركز الذي نصبه جدّها فيه ، فقد جرّ هذا الحادث وغيره ممّا صدر من القوى المعارضة لأهل البيت الكوارث والخطوب لهم ، وما كارثة كربلاء إلاّ من نتائج هذه الأحداث .

لوعة الزهراء (سلام الله عليها)

ونخب الحزن قلب بضعة الرسول ، وبرح بها الألم القاسي , وذهبت نفسها شعاعاً حينما علمت أنّ أباها مفارق لهذه الحياة ؛ فقد جلست إلى جانبه وهي مذهولة كأنّها تعاني آلام الاحتضار , وسمعته يقول : (( واكرباه ! )) .
فأسرعت وهي تجهش بالبكاء قائلة : (( وا كربي لكربك يا أبتي ! )) .
وأشفق الرسول (صلّى الله عليه وآله) على بضعته ، فقال لها مسلّياً : (( لا كرب على أبيك بعد اليوم ))(2) .
وهامت زهراء الرسول في تيّارات مروعة من الأسى والحزن , فقد أيقنت أنّ أباها سيفارقها ، وأراد النبي (صلّى الله عليه وآله) أن يسلّيها ويخفّف لوعة مصابها , فأسرّ إليها بحديثٍ ، فلم تملك نفسها أن غامت عيناها بالدموع ، ثم أسرّ إليها ثانياً ، فقابلته

ـــــــــــــــــــــ
(1) مسند أحمد 1 / 355 ، وغيره .
(2)
حياة الإمام الحسن (عليه السّلام) 1 / 112 .


الصفحة (79)

ببسمات فيّاضة بالبشر والسرور ، فعجبت عائشة من ذلك , وراحت تقول : ما رأيت كاليوم فرحاً أقرب من حزن .
وأسرعت عائشة فسألت زهراء الرسول عما أسرّ إليها أبوها ، فأشاحت بوجهها الكريم عنها , وأبت أن تخبرها ، ولكنّها أخبرت بعض السيّدات بذلك ، فقالت : (( أخبرني أنّ جبرئيل كان يعارضني بالقرآن في كلّ سنة مرّة ، وأنّه عارضني في هذا العام به مرّتين ، ولا أراه إلاّ قد حضر أجلي )) .
وكان هذا هو السبب في لوعتها وبكائها ، أمّا سبب سرورها وابتهاجها ، فقالت : (( أخبرني أنّكِ أوّل أهل بيتي لحوقاً بي ، ونِعمَ السلف أنا لك ، ألا ترضين أن تكوني سيّدة نساء هذه الاُمّة ؟ ))(1) .
ونظر إليها النبي (صلّى الله عليه وآله) وهي خائرة القوى ، منهدّة الركن ، فأخذ يخفّف عنها لوعة المصاب قائلاً : (( يا بُنيّة ، لا تبكي ، وإذا متّ فقولي : إنّا لله وإنّا إليه راجعون ؛ فإنّ فيها من كلّ ميّت معوضة )) .
وأجهشت بضعة الرسول بالبكاء قائلةً : (( ومنك يا رسول الله ؟ )) .
(( نعم ، ومنّي ))(2) .
واشتدّ المرض برسول الله (صلّى الله عليه وآله) والزهراء إلى جانبه , وهي تبكي وتقول لأبيها : (( يا أبت ، أنت كما قال القائل فيك :

ـــــــــــــــــــــ
(1) المصدر السابق / 113 .
(2)
أنساب الأشراف 1 / 133 ، القسم الأوّل .


الصفحة (80)

وأبـيضَ يُستسقى الغمامُ بوجهه      ثمال اليتامى عصمة للأراملِ ))

 

فقال لها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( هذا قول عمّك أبي طالب )) . وتلا قوله تعالى : ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ )(1) .
وتقطّع قلب زهراء الرسول ألماً وحزناً على أبيها ، فانكبّت عليه ومعها الحسنان ، فألصقت صدرها بصدره وهي غارقة في البكاء ، فأجهش النبي (صلّى الله عليه وآله) بالبكاء ، وهو يقول : (( اللّهمّ أهل بيتي ، وأنا مستودعهم كلّ مؤمن )) .
وجعل يردّد ذلك ثلاث مرّات حسبما يرويه أنس بن مالك(2) .
أمّا حفيدة الرسول زينب فقد شاركت اُمّها في لوعتها وأحزانها ، وقد ذابت نفسها حزناً وموجدة على اُمّها التي هامت في تيّارات مذهلة من الأسى والشجون على أبيها الذي هو عندها أعزّ من الحياة .

إلى الفردوس الأعلى

وبعدما أدّى النبي العظيم رسالة ربّه إلى المسلمين ، وأقام صروح الإسلام ، وعيّن القائد العام لاُمّته الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، فقد اختاره الله تعالى إلى جواره لينعم في الفردوس الأعلى ، فقد هبط عليه ملك الموت ، فاستأذن بالدخول عليه ، فخرجت إليه زهراء الرسول فأخبرته أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) مشغول بنفسه عنه ، فانصرف ثمّ عاد بعد قليل يطلب الإذن ، فأفاق النبي (صلّى الله عليه وآله) من إغمائه ، والتفت إلى بضعته فقال لها : (( يا بُنية ، أتعرفينه ؟ )) .

ـــــــــــــــــــــ
(1) أنساب الأشراف 1 / 133 ، القسم الأوّل .
(2)
حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 1 / 216 .


الصفحة (81)

ـ (( لا يا رسول الله )) .
ـ (( إنّه معمّر القبور ، ومخرّب الدور ، ومفرّق الجماعات )) .
وجمدت بضعة الرسول ، وأخرسها الخطب ، ولم تملك نفسها أن رفعت صوتها ودموعها تتبلور على وجهها الشريف قائلةً : (( وا أبتاه لخاتم الأنبياء ! وا مصيبتاه لممات خير الأتقياء , ولانقطاع سيّد الأصفياء ! وا حسرتاه لانقطاع الوحي من السماء ! فقد حُرمت اليوم كلامك )) .
وتصدّع قلب النبي (صلّى الله عليه وآله) على بضعته , وأشفق عليها ، فقال لها مسلّياً : (( لا تبكي ؛ فإنّك أوّل أهلي لحوقاً بي ))(1) .
وسكنت روعتها لمّا أخبرها أنّها لا تبقى بعده إلاّ قليلاً .. وأذن النبي (صلّى الله عليه وآله) لملك الموت ، فلمّا مثلَ أمامه ، قال له : يا رسول الله ، إنّ الله أرسلني إليك ، وأمرني أن اُطيعك في كلّ ما أمرتني ؛ إن أمرتني أن أقبض نفسك قبضتها ، وإن أمرتني أتركها تركتها .
فبُهر النبي (صلّى الله عليه وآله) وقال له : (( أتفعل يا ملك الموت ذلك ؟! )) .
ـ بذلك اُمرت أن اُطيعك في كلّ ما أمرتني .
وهبط جبرئيل على النبي (صلّى الله عليه وآله) ، فقال له : يا أحمد ، إنّ الله قد اشتاق إليك(2) .
واختار النبي (صلّى الله عليه وآله) جوار ربّه والرحيل عن هذه الدنيا ، فأذن لملك الموت بقبض روحه العظيمة ، وفي هذه اللحظات ألقى الحسنان بأنفسهما على جدّهما وهما يذرفان الدموع , والنبي (صلّى الله عليه وآله) يوسعهما تقبيلاً ، وأراد الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) أن ينحّيهما عنه , فأبى النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ، وقال له :

ـــــــــــــــــــــ
(1) درّة الناصحين / 66 .
(2)
طبقات ابن سعد 2 / 48 .


الصفحة (82)

(( دعهما يتمتّعان منّي وأتمتّع منهما ؛ فسيصيبهما بعدي أثرة )) .
والتفت النبي (صلّى الله عليه وآله) إلى عوّاده فأوصاهم بعترته قائلاً : (( قد خلّفت فيكم كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، فالمضيّع لكتاب الله كالمضيع لسنّتي ، والمضيّع لسنّتي كالمضيّع لعترتي ، إنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض ))(1) .
والتفت النبي (صلّى الله عليه وآله) إلى باب مدينة علمه الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، فقال له : (( ضع رأسي في حجرك فقد جاء أمر الله ؛ فإذا فاضت نفسي فتناولها وامسح بها وجهك ، ثم وجّهني إلى القبلة وتولّ أمري ، وصلّ عليّ أوّل الناس ، ولا تفارقني حتّى تواريني في رِمسي ، واستعن بالله عزّ وجلّ ))(2) .
وأخذ الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) رأس النبي (صلّى الله عليه وآله) فوضعه في حجره ، ومدّ يده اليمنى تحت حنكه , وشرع ملك الموت بقبض روحه الطاهرة ، والرسول يعاني آلام الموت وقسوته حتّى فاضت روحه العظيمة , فمسح بها الإمام وجهه(3) .
لقد ارتفع ذلك اللطف الإلهي الذي أضاء العقول وحرّر الأفكار ، وأقام مشاعل النور في جميع بقاع الأرض . لقد سمت روح النبي (صلّى الله عليه وآله) إلى بارئها ، وهي أقدس روح سمت إلى السماء منذ خلق الله هذه الأرض . لقد أشرقت الآخرة لقدومه ، وأظلمت الدنيا لفقده ، وما أصيبت الإنسانيّة بكارثة أقسى وأعظم من فقد الرسول العظيم .

ـــــــــــــــــــــ
(1) مقتل الحسين ـ الخوارزمي 1 / 114 .
(2)
حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 1 / 220 .
(3)
المناقب 1 / 29 ، وتضافرت الأخبار بأنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) توفّي ورأسه الشريف في حجر الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، جاء ذلك في كنز العمّال 2 / 55 ، طبقات ابن سعد ، وغيرهما .


الصفحة (83)

تجهيزه (صلوات الله عليه وعلى آله)

وانبرى الإمام أمير الؤمنين (عليه السّلام) وهو خائر القوى ، منهدّ الركن إلى تجهيز جثمان سيد الأنبياء (صلّى الله عليه وآله) فغسّل الجسد الطاهر ، وهو يقول بذوب روحه : (( بأبي أنت واُمّي ! لقد انقطع بموتك ما لم ينقطع بموت غيرك من النبوّة والأنباء وأخبار السماء ، خصصت حتّى صرت مسلّياً عمّن سواك ، وعممت حتّى صار الناس فيك سواء . ولولا أنّك أمرت بالصبر ، ونهيت عن الجزع لأنفذنا عليك ماء الشؤون ، ولكان الداء مماطلاً ، والكد مخالفاً ))(1) .
وكان العباس واُسامة يناولانه الماء من وراء الستر(2) .

وكان بدن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) تفوح منه روائح الطيب ، والإمام (عليه السّلام) يقول : (( بأبي أنت واُمّي يا رسول الله ! طبت حيّاً وميّتاً ))(3) . وبعد الفراغ من غسله أدرجه الإمام في أكفانه ووضعه على السرير . وأوّل مَنْ صلّى على الجثمان العظيم هو الله تعالى من فوق عرشه ، ثمّ جبرئيل ، ثمّ إسرافيل ، ثمّ الملائكة زمراً زمراً(4) .
وبعد ذلك صلّى عليه الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، ثمّ أقبل المسلمون للصلاة عليه ، فقال لهم الإمام : (( لا يقوم عليه إمام منكم ، هو إمامكم حيّاً وميّتاً )) . فكانوا يدخلون رسلاً رسلاً فيصلون عليه صفاً واحداً , ليس لهم إمام ، وأمير المؤمنين واقف إلى جانب الجثمان , وهو يقول : (( السلام عليك أيّها النبي ورحمة الله وبركاته . اللّهمّ إنّا نشهد أنه قد بلّغ ما

ـــــــــــــــــــــ
(1) نهج البلاغة ـ محمّد عبده 2 / 255 .
(2)
وفاء الوفاء 1 / 227 ، البداية والنهاية 5 / 63 .
(3)
حلية الأولياء 4 / 77 .
(4)
المصدر السابق .


الصفحة (84)

اُنزل إليه , ونصح لاُمّته ، وجاهد في سبيل الله حتّى أعزّ الله دينه , وتمّت كلمته ... اللّهمّ فاجعلنا ممّن يتّبع ما اُنزل إليه , وثبّتنا بعده , واجمع بيننا وبينه ... )) .
وكانت الجماهير تقول : آمين(1) . وقد نخب الحزن قلوبهم فقد مات مَنْ دعاهم إلى الحقّ ، وحرّرهم من خرافات الجاهليّة وأوثانها ، وأقام لهم دولة تدعو إلى إنصاف المظلوم ، وردع الظلم ، وإشاعة الرفاهية والرخاء والأمن بين الناس .

مواراة الجثمان المقدّس

وبعد أن فرغ المسلمون من الصلاة على الجثمان العظيم وودّعوه الوداع الأخير ، قام الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) فوارى الجسد الطاهر في مثواه الأخير , ووقف على حافة القبر وهو يروي ثراه بدموع عينيه ، ويقول : (( إنّ الصبر لجميل إلاّ عنك ، وإنّ الجزع لقبيح إلاّ عليك ، وإنّ المصاب بك لجليل ، وإنّه قبلك وبعدك لجلل ))(2) .
لقد مادت أركان العدل , وانطوت ألوية الحقّ ؛ فقد غاب عن هذه الحياة سيّد الكائنات الذي غيّر مجرى التأريخ ، وأقام صروح الوعي والفكر في دنيا العرب والإسلام .

فجيعة الزهراء (عليها السّلام)

وكان أكثر أهل بيت النبي (صلّى الله عليه وآله) جزعاً وأشدّهم مصاباً بضعة الرسول (صلّى الله عليه وآله) وحبيبته فاطمة الزهراء (عليها السّلام) ؛ فقد أشرفت على الموت وهي تبكي أمرّ البكاء وأقساه ، وتقول : (( وا أبتاه ! وا رسول الله ! وا نبيّ الرحمتاه ! الآن لا يأتي الوحي ، الآن ينقطع

ـــــــــــــــــــــ
(1) كنز العمّال 4 / 54 .
(2)
نهج البلاغة ـ محمّد عبده 3 / 224 .

الصفحة (85)

عنّا جبرئيل . اللّهمّ ألحق روحي بروحه ، واشفعني بالنظر إلى وجهه ، ولا تحرمني أجره وشفاعته يوم القيامة ))(1) .
وقالت بذوب روحها : (( وا أبتاه ! إلى جبرئيل أنعاه ، وا أبتاه ! جنّة الفردوس مأواه ، وا أبتاه , وا أبتاه ! أجاب رباً دعاه )) .
وأحاطت بالاُسرة النبويّة موجات من الأسى والحزن على هذا المصاب العظيم كما أحاطت بها تيّارات من الفزع والخوف ؛ لأنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قد وتر الأقربين والأبعدين , فخافوا من انقضاض العرب عليهم ، يقول الإمام الصادق (عليه السّلام) : (( لمّا مات النبي (صلّى الله عليه وآله) بات أهل بيته كأن لا سماء تظلّهم , ولا أرض تقلّهم ؛ لأنّه وتر الأقرب والأبعد )) .
لقد عانت حفيدة النبي (صلّى الله عليه وآله) زينب (عليها السّلام) وهي في سنّها المبكّر هذه المصيبة الكبرى وما تنطوي عليها من أبعاد ، وما ستعانيه هي وأهلها من فوادح الرزايا بعد وفاة جدّها , كما فقدت بموته العطف والحنان الذي كان يغدقه عليها , وكان عمرها الشريف خمس سنين .

وقد غزت قلبها هذه المحنة الشاقة ؛ فقد رأت جدّها يوارى في مثواه الأخير ، ورأت أباها بادي الهمّ والحزن على فراق ابن عمّه ، وشاهدت اُمّها الرؤوم وهي ولهى قد ذابت من الأسى ، وهي تندب أباها بأشجى ما تكون الندبة ، ومنذ ذلك اليوم لازمها الأسى والحزن حتّى لحقت بالرفيق الأعلى .

ـــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ الخميس 2 / 192 .


الصفحة (86)

 


الصفحة (87)

في عهد الخلفاء

لا يستطيع أيّ كاتب مهما كان بارعاً في تصوير دقائق النفوس ، وكشف أسرار المجتمع وأحداث التأريخ أن يصوّر بدقّة عمق الكوارث والأوبئة التي داهمت الاُمّة الإسلاميّة بعد وفاة نبيّها العظيم ، كما صوّرها القرآن الكريم ، قال تعالى : ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ... )(1) .
إنّه تصوير هائل للأزمات المفجعة والنكبات السود التي مُني بها العالم الإسلامي ، إنّه انقلاب على الأعقاب ، وانسلاخ عن العقيدة الإسلاميّة ، وتدمير لشريعة الله ، فأيّ زلزال مدمّر كهذا الزلزال الذي عصف بالاُمّة الإسلاميّة وأخلد لها الفتن والكوارث على امتداد التأريخ .
وكان من أقسى ما فُجعت به الاُمّة إبعاد العترة الطاهرة عن المسرح السياسي وتحويل القيادة إلى غيرها ، الأمر الذي نجم عنه فوز الاُمويِّين وغيرهم بالحكم ، وإمعانهم بوحشية قاسية في ظلم العلويِّين ومطاردتهم ، ومجزرة كربلاء كانت من النتائج المباشرة لصرف الخلافة عن أهل البيت (عليهم السّلام) .
وعلى أيّ حال ، فإنّا نعرض ـ بإيجاز ـ لبعض تلك الأحداث ، والتي منها حكومة الخلفاء الذين عاصرتهم حفيدة الرسول (صلّى الله عليه وآله) ؛ فإنّ بها ترتبط ارتباطاً موضوعياً بالكشف عن حياتها وما عانته من كوارث وأهوال ، وفيما يلي ذلك :

ـــــــــــــــــــــ
(1) سورة آل عمران / 144 .


الصفحة (88)

مؤتمر السقيفة

أمّا مؤتمر السقيفة فهو مصدر الفتنة الكبرى التي مُني بها المسلمون والتي كان من جرّائها الأحداث المروّعة التي رُزئ بها أهل البيت (عليهم السّلام) . يقول الإمام محمّد حسين آل كاشف الغطاء :

تاللهِ  مـا كـربلا لولا (سقيفتُهمْ)      ومثل هذا الفرعِ ذاك الأصل أنتجه

 

ويقول بولس سلامة :

وتوالت  تحتَ السقيفةِ أحدا      ثٌ أثـارت كوامناً وميولا
نزعات تفرّقت كغصونِ الـ      ـعوسج الخفيّ شائكاً مدخولا

 

لقد أسرع الأنصار إلى عقد مؤتمرهم في (سقيفة بني ساعدة) لترشيح أحدهم لمنصب الخلافة , وإقامة حكومة تضمن مصالحهم وترعى شؤونهم . لقد عقدوا مؤتمرهم في وقت كان جثمان الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) لم يوارَ في مثواه الأخير ، وأكبر الظنّ إنّما قاموا بهذه السرعة الخاطفة بذلك ؛ لأنّهم خافوا من استيلاء المهاجرين على الحكم ، فقدر رأوا تحرّكهم السياسي في صرف الخلافة عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) وكراهيتهم له .
وعلى أيّ حال ، فقد خطب سعد بن عبادة زعيم الخزرج في الأنصار ، وكان منطق خطابه الإشادة بنضال الأنصار وجهادهم في نصرة الإسلام وقهر القوى المعادية لهم ، فهم الذين حملوا النبي (صلّى الله عليه وآله) ونصروه في أيام محنته ، فإذاً هم أولى بمركز النبي (صلّى الله عليه وآله) , وأحقّ بمنصبه من غيرهم .

كما حفل خطابه بالتنديد بالاُسر القرشية التي ناهضت النبي (صلّى الله عليه وآله) , وناجزته الحرب حتّى اضطر للهجرة إلى يثرب ، فهم خصومه وأعداؤه , ولا حقّ لهم بأيّ حالٍ في التدخّل بشؤون الدولة ومصيرها .

وقام زعيم آخر من الأنصار هو الحبّاب بن المنذر ، فحذّر الأنصار من القرشيّين ،


الصفحة (89)

وأهاب بهم أن يجعلوا لهم نصيباً في الحكم ، قائلاً : لكنّنا نخاف أن يليها بعدكم مَنْ قتلنا أبناءهم وآباءهم وإخوانهم .
وتحقّق تنبؤ الحبّاب ؛ فإنّه لم يكن ينتهي حكم الخلفاء حتّى آل الأمر إلى الاُمويِّين , فأمعنوا في إذلال الأنصار , وإشاعة البؤس والفقر فيهم ، وقد انتقم منهم معاوية كأشرّ وأقسى ما يكون الانتقام .

ولمّا وليَ الأمر من بعده يزيد جهد في الوقيعة بهم ، فأباح أموالهم ودماءهم وأعراضهم لجيوشه في واقعة (الحرّة) التي اُنتهكت فيها جميع ما حرّمه الله .
وعلى أيّ حال ، فقد تجاهل سعد وغيره من الأنصار الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) الذي هو من النبيّ بمنزلة هارون من موسى ، وأبو سبطيه ، وباب مدينة علمه ، وسيّد عترته .

ولا نرى أيّ مبرر لسعد في إغضائه وتجاهله حقّ الإمام (عليه السّلام) ، فقد فتح باب الشرّ على الاُمّة ، وأخلد لها المصاعب والفتن على امتداد التأريخ .

مباغتة الأنصار

وحينما كان الأنصار في سقيفتهم يدبّرون أمرهم ويتداولون الرأي في شؤون الخلافة , إذ خرج من مؤتمرهم عويم بن ساعدة الأوسي ومعن بن عدي حليف الأنصار ، وكانا من أولياء أبي بكر , ومن أعضاء حزبه ، وكانا يحقدان على سعد ، فانطلقا مسرعَين إلى أبي بكر فأخبراه بالأمر .

ففزع أبو بكر وأسرع ومعه عمر وأبو عبيدة الجرّاح وسالم مولى أبي حذيفة وآخرون من المهاجرين(1) ، فكبسوا الأنصار في ندوتهم ، فذُهل الأنصار وأُسقط ما بأيديهم ؛ لأنّهم أحاطوا ندوتهم بسريّة وكتمان ، وتغيّر لون سعد ، فقد انهارت جميع مخطّطاته ، وفشلت جميع تدابيره .

ـــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ الطبري 3 / 62 .


الصفحة (90)

خطاب أبي بكر

واستغلّ أبو بكر الموقف ، وأراد صاحبه عمر أن يفتح الحديث مع الأنصار ، فنهره أبو بكر ؛ لعلمه بشدّته وهي لا تساعد في مثل هذا الموقف الملبّد الذي يجب أن تستعمل فيه الأساليب السياسيّة والكلمات الناعمة لكسب الموقف .

فبادر أبو بكر فخاطب الأنصار بكلمات معسولة وبسمات فيّاضة بالبشر ، قائلاً : نحن المهاجرون أوّل الناس إسلاماً ، وأكرمهم أحساباً ، وأوسطهم داراً ، وأحسنهم وجوهاً ، وأمسّهم برسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وأنتم إخواننا في الإسلام ، وشركاؤنا في الدين ، نصرتم الإسلام وواسيتم فجزاكم الله خيراً ، فنحن الاُمراء وأنتم الوزراء .

لا تدين العرب إلاّ لهذا الحيّ من قريش ، فلا تنفسوا على إخوتكم المهاجرين ما فضّلهم الله به ، فقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين , يعني عمر بن الخطّاب وأبا عبيدة بن الجراح(1) .
ولم يعرض هذا الخطاب إلى وفاة النبي (صلّى الله عليه وآله) التي هي أعظم كارثة مُني بها المسلمون ، فكان الواجب أن يُعزّي المسلمين بوفاة منقذهم ونبيّهم ، كما أنّ الواجب يقضي بتأخير المؤتمر إلى بعد مواراة النبي (صلّى الله عليه وآله) حتّى يجتمع جميع المسلمين وينتخبوا عن إرادتهم وحرّيتهم مَنْ شاؤوا .
وشيء آخر في هذا الخطاب أنّه لم يمعن إلاّ بطلب الإمرة والسلطان ؛ فقد طلب من الأنصار أن يتنازلوا عن الخلافة إلى المهاجرين ، وأنّهم سينالون عوض ذلك الوزارة ، إلاّ أنّه لمّا تمّ الأمر لأبي بكر أقصاهم ولم يمنحهم أيّ منصبٍ من مناصب الدولة .
وممّا يؤخذ على هذا الخطاب أنّه تجاهل بصورة كاملة أهل البيت (عليهم السّلام) الذين هم

ـــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ الطبري 3 / 62 .


الصفحة (91)

وديعة النبي في اُمّته ، والثقل الأكبر فيها ، فلم يُشر إليهم أبو بكر بقليل ولا بكثير .

بيعة أبي بكر

وانبرى حزب أبي بكر إلى تأييده ، فكان من أعظم المناصرين له عمر بن الخطاب ، وسارع إلى بيعته مع بقية أعضاء حزبه خوفاً من تطوّر الأحداث ، واشتدّ عمر في إرغام الناس على بيعة أبي بكر ، وقد لعبت درّته شوطاً في الميدان ، وقد سمع الأنصار يقولون : قتلتم سعداً ! فجعل يقول بعنف : اقتلوه ! قتله الله ؛ فإنّه صاحب فتنة(1) .
وبعدما تمّت البيعة لأبي بكر بهذه السرعة الخاطفة أقبل به حزبه يزفّونه زفاف العروس إلى مسجد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، ولم يشترك أبو بكر ولا أيّ فرد من حزبه في تشييع جثمان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ومواراته ؛ فقد انشلغوا بالمُلك والسلطان وتدبير اُمورهم .
لقد أُهمل في بيعة أبي بكر رأي العترة الطاهرة التي هي عديلة القرآن الكريم ، فلم يُعنَ بها , ولم يُؤخذ رأيها ، ومنذ ذلك اليوم واجهت جميع ألوان الرزايا والنكبات ، وما كارثة كربلاء وغيرها من مآسي العترة الطاهرة إلاّ وهي متفرّعة من يوم السقيفة حسبما نصّت عليه الوثائق التاريخية والدراسات العلميّة .

امتناع الإمام (عليه السّلام) عن البيعة

والتاع الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) من بيعة أبي بكر ، واعتبرها تعدّياً صارخاً عليه ، فقد كان محلّه من الخلافة محلّ القطب من الرحى ، ينحدر عنه السيل ولا يرقى إليه

ـــــــــــــــــــــ
(1) العقد الفريد 3 / 62 .


الصفحة (92)

الطير على حدّ تعبيره ، وقد تخلّف عن بيعة أبي بكر وأعلن معارضته لها ، وقد شاع ذلك بين المسلمين . ومَنْ يقرأ نهج البلاغة يجد فيه لواحات من تذمّره وأساه على ضياع حقّه .

إرغامه على البيعة

وأجمع أبو بكر وسائر أعضاء حزبه على إرغام الإمام على البيعة لأبي بكر وحمله بالقوّة عليها ، فأرسلوا إليه شرطتهم فكبسوا داره وأخرجوه منها بالقسر والقوّة ، وجاءوا به إلى أبي بكر ، فصاحوا به : بايع أبا بكر ...
فأجابهم الإمام بمنطقه الفيّاض وحجّته الحاسمة ، قائلاً : (( أنا أحقّ بهذا الأمر منكم ، لا اُبايعكم وأنتم أولى بالبيعة لي ؛ أخذتم هذا الأمر من الأنصار واحتججتم عليهم بالقرابة من النبي (صلّى الله عليه وآله) ، وتأخذونه منّا أهل البيت غصباً !
ألستم زعمتم للأنصار أنّكم أولى بهذا الأمر منهم لما كان محمّد (صلّى الله عليه وآله) منكم ، فأعطوكم المقادة , وسلّموا إليكم الإمارة ، وأنا أحتجّ عليكم بمثل ما احتججتم به على الأنصار ؛ نحن أولى برسول الله (صلّى الله عليه وآله) حيّاً وميّتاً ، فأنصفونا إن كنتم تؤمنون ، وإلاّ فبوءوا بالظلم وأنتم تعلمون )) .
وأعلن الإمام بهذا الخطاب الرائع أنّه أولى بمركز النبي (صلّى الله عليه وآله) ، وأحقّ بخلافته من غيره ، فهو أقرب الناس وألصق بالرسول (صلّى الله عليه وآله) من المهاجرين الذين فازوا بالحكم لقربهم من النبي ، فهو ابن عمّه وأبو سبطيه ، ولا يملك أحد من القرب إلى النبي غيره .

وثار ابن الخطاب بعد أن أعوزته الحجّة والبرهان ، فاندفع بعنفٍ قائلاً : إنّك لست متروكاً حتّى تبايع .


الصفحة (93)

فزجره الإمام (عليه السّلام) قائلاً : (( احلب حلباً لك شطره ، واشدد له اليوم أمره ، يردده عليك غداً )) .
وكشف الإمام الوجه في اندفاع ابن الخطاب وتهالكه على نصرة أبي بكر ؛ فإنّه يأمل أن ترجع إليه الخلافة والملك بعد أبي بكر .
وثار الإمام (عليه السّلام) وهتف قائلاً : (( والله يا عمر ، لا أقبل قولك ولا أبايعه )) .
وخاف أبو بكر من تطوّر الأحداث ، وخشي أن ترجع إلى المسلمين حوازب أحلامهم فيقصوه عن منصبه ، فخاطب الإمام بناعم القول : إن لم تبايع فلا اُكرهك .
وانبرى أبو عبيدة بن الجراح وهو من أبرز حزب أبي بكر ، فخاطب الإمام قائلاً : يابن عمّ ، إنّك حدث السن ، وهؤلاء مشيخة قومك ، ليس لك مثل تجربتهم ومعرفتم بالاُمور ، ولا أرى إلاّ أبا بكر أقوى على هذا الأمر منك ، وأشدّ احتمالاً واضطلاعاً به ، فسلّم لأبي بكر هذا الأمر ؛ فإنّك إن تعش ويطل بك بقاء فأنت لهذا الأمر خليق ، وبه حقيق ؛ في فضلك ودينك , وعلمك وفهمك , وسابقتك ونسبك وصهرك .
وليس في هذا القول إلاّ الخداع والتضليل ؛ فإنّ التقدّم في السن ليس له أيّ ترجيح في منصب الخلافة التي تتطلّب الطاقات الخلاّقة بما تحتاج إليه الاُمّة في الميادين السياسيّة والاقتصادية والقضائية ، ولا يملك أحد المسلمين ذلك غير الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) .
وأثارت مخادعة أبي عبيدة كوامن الألم في نفس الإمام ، فانبرى يخاطب المهاجرين قائلاً :


الصفحة (94)

(( الله الله يا معشر المهاجرين ، لا تخرجوا سلطان محمّد في العرب عن داره وقعر بيته إلى دوركم وقعر بيوتكم ، ولا تدفعوا أهله عن مقامه في الناس وحقّه ؛ فوالله يا معشر المهاجرين لنحن أحقّ الناس به ؛ لأنّا أهل البيت ، ونحن أحقّ بهذا الأمر منكم .

ما كان فينا القارئ لكتاب الله ، الفقيه في دين الله ، العالم بسنن رسول الله ، المضطلع بأمر الرعية ، الدافع عنهم الاُمور السيئة ، القاسم بينهم بالسوية ؟ والله إنّه لفينا ، فلا تتّبعوا الهوى فتضلّوا عن سبيل الله فتزدادوا من الحقّ بُعداً ))(1) .
وحفلت هذه الكلمات بالصفات الرفيعة الماثلة في أهل بيت النبوّة من الفقه بدين الله ، والعلم بسنن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، والإحاطة بما تحتاج إليه الاُمّة في مجالاتها الاقتصادية والسياسيّة ولا تتوفّر بعض هذه الصفات في غيرهم ، ولو أنّ القوم استجابوا لنداء الإمام لجنّبوا العالم الإسلامي الكثير من المشكلات والأزمات ولكنّهم انسابوا وراء أطماعهم وشهواتهم وتهالكهم على الإمرة والسلطان .
وعلى أيّ حال ، فقد رجع الإمام (عليه السّلام) إلى داره لم يبايع أبا بكر ، وقد أحاطت به موجات من الأسى على ضياع حقّه وحرمان الاُمّة من قيادته ، وقد التاعت سيّدة النساء زينب وغزاها الحزن على ما حلّ بأبيها من الآلام والكوارث ؛ فقد رأته جالساً في بيته يساور الهموم والأحزان ، وحوله اُمّها سيّدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (عليها السّلام) وهي تبكي أباها , وتندبه بأشجى ما تكون الندبة ، وقد شاركت زوجها في مصابه على ضياع حقّه ، ونهب مركزه ومقامه .

إجراءات صارمة

وقضت سياسة أبي بكر أن يقابل الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) بجميع الإجراءات الصارمة ؛

ــــــــــــــــ
(1) الإمامة والسياسة 1 / 11 ـ 12 .


الصفحة (95)

لأنّه الممثّل الوحيد للقوى المعارضة لحكومته . ومن بين تلك الوسائل التي سلكها أبو بكر :

1 ـ إسقاط الخمس

أمّا الخمس فهو حقّ مفروض لآل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) نصّ عليه القرآن الكريم ، قال تعالى : ( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ )(1) ، وأجمع الرواة أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) كان يختصّ بسهم من الخمس ويخصّ أرحامه بسهم آخر منه ، وكانت هذه سيرته إلى أن اختاره الله إلى جواره .

ولمّا ولي أبو بكر أسقط سهم النبي , وسهم ذي القربى ، ومنع بني هاشم من الخمس(2) ؛ وبذلك فقد قضى على أهم مورد اقتصادي لهم . وقد أرسلت سيّدة النساء فاطمة (عليها السّلام) إلى أبي بكر تسأله أن يدفع إليها ما بقي من خمس (خيبر) ، فأبى أن يدفع إليها شيئاً(3) ؛ وبذلك فقد ترك شبح الفقر على آل النبي ، وحجب عنهم ما فرضه الله لهم .

2 ـ الاستيلاء على تركة النبيّ (صلّى الله عليه وآله)

واستولى أبو بكر على جميع ما تركه الرسول (صلّى الله عليه وآله) من بلغة العيش وحازه إلى بيت المال ، وبذلك فقد فرض حصاراً اقتصادياً على آل الرسول (صلّى الله عليه وآله) حتّى لا يتمكّنون من القيام بأيّ حركة ضدّه .

3 ـ تأميم فدك

وأمّم أبو بكر (فدكاً) وصادرها من أهل البيت ، ومنعهم من أخذ وارداتها ،

ـــــــــــــــــــــ
(1) سورة الأنفال / 41 .
(2) الكشّاف 2 / 158 ـ 159 (في تفسير آية الخمس) .
(3) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 1 / 260 .


الصفحة (96)

وقد ضيّق عليهم بذلك غاية التضييق ، ومنع عنهم جميع وسائل العيش .

الزهراء (عليها السّلام) مع أبي بكر

والتاعت بضعة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من أبي بكر ؛ فقد سدّ عليها جميع نوافذ الحياة الاقتصادية ، فخرجت (سلام الله عليها) غضبى , فلاثت خمارها ، واشتملت بجلبابها ، وأقبلت في لمّة من حفدتها ونساء قومها تطأ ذيولها ، ما تخرم مشيتها مشية أبيها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حتّى دخلت على أبي بكر وهو في جامع أبيها ، وكان في حشد من المهاجرين والأنصار وغيرهم ، فنيطت دونها ملاءة .

فوقفت مفخرة الإسلام فأنّت أنّة أجهش لها القوم بالبكاء , وارتجّ المجلس ، فأمهلتهم حتّى إذا سكن نشيجهم وهدأت فورتهم افتتحت خطابها الخالد بحمد الله والثناء عليه ، وانحدرت في خطابها كالسيل ، فلم يُسمع أخطب ولا أبلغ منها ، وحسبها أنّها بضعة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الذي أفاض عليها بمكرمات نفسه ، وغذّاها بحكمه وآدابه .
وتحدّثت في خطابها عن معارف الإسلام ، وفلسفة تشريعاته ، وعلل أحكامه ، وعرضت إلى الحالة الراهنة التي كانت عليها اُمم العالم وشعوب الأرض قبل أن يشرق عليها نور الإسلام ؛ فقد غرقت الاُمم بالجهل والانحطاط خصوصاً (الجزيرة العربية) ؛ فقد كانت في أقصى مكان من الذلّ والهوان ، وكانت الأكثرية الساحقة تقتاد القِدّ ، وتشرب الطَرق ، وترسف في قيود الفقر والبؤس إلى أن أنقذها الله بنبيّه محمّد (صلّى الله عليه وآله) ، فرفعها إلى واحات الحضارة وجعلها سادة الاُمم والشعوب ، فما أعظم عائدته على العرب والمسلمين !
وعرضت سيّدة نساء العالمين في خطبتها إلى فضل ابن عمّها الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، وعظيم جهاده في نصرة الإسلام ، وذبّه عن حياض الدين ، في حين أنّ المهاجرين من قريش بالخصوص كانوا في رفاهية من العيش وادعين آمنين ، لم


الصفحة (97)

يكن لهم أيّ ضلع في نصرة القضية الإسلاميّة والدفاع عنها , فلم يُؤثر عن أعلامهم أنّهم قتلوا مشركاً , أو برزوا ببسالة وصمود إلى مقارعة الأقران في الحروب ، وإنّما كانوا ينكصون عند النزال ، ويفرّون من القتال ـ على حدّ تعبيرها ـ وكانوا يتربّصون الدوائر بأهل بيت النبوّة , ويتوقعون بهم نزول الأحداث .
وأعربت مفخرة الإسلام في خطابها عن أسفها البالغ على ما مُني به المسلمون من الزيغ والانحراف , والاستجابة لدواعي الهوى والغرور , وذلك بإقصائهم لأهل البيت (عليهم السّلام) عن مركز القيادة العامة , وتنبّأت عمّا سيحلّ بهم من الكوارث والخطوب التي تدع فيئهم حصيداً ، وجمعهم بديداً من جرّاء إبعادهم لأهل بيت النبوّة عن مقامهم الذي نصبهم فيه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) .
ثمّ عرضت إلى حرمانها من إرث أبيها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، فقالت : (( وأنتم تزعمون أن لا إرث لي من أبي ! أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ . وَيهاً أيّها المسلمون ! أاُغلب على تراث أبي ؟! )) .

ثمّ وجهت خطابها إلى أبي بكر : (( يابن أبي قُحافة , أفي كتاب الله أن ترث أباك ولا أرث أبي ؟ لقد جئت شيئاً فريّاً ! أفعلى عمد تركتم كتاب الله ونبذتموه وراء ظهوركم إذ يقول : ( وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ ) ؟ وقال فيما اقتصّ من خبر يحيى بن زكريّا ، إذ يقول : ( فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آَلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً ) , وقال : ( وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ ) , وقال : ( يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ ) ,


الصفحة (98)

وقال : ( إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ ) .
وزعمتم أن لا حظوة لي ولا إرث من أبي ، ولا رحم بيننا ، أفخصّكم الله بآية أخرج منها أبي ؟ أم تقولون : إنّ أهل ملّتَين لا يتوارثان ، أو لست أنا وأبي من أهل ملّة واحدة ؟ أم أنتم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من أبي وابن عمّي ؟ )) .
وبعدما أدلت بهذه الحجج الدامغة المدعمة بآيات من القرآن الكريم التي فنّدت فيها مزاعم أبي بكر من أنّ الأنبياء لا يورثون ، التفتت إليه , فوجّهت إليه هذه الكلمات اللاذعة قائلةً : (( فدونكها مرحولةً مزمومةً تكون معك في قبرك ، وتلقاك يوم حشرك ، فنِعمَ الحَكَم الله ، ونِعمَ الزعيم محمّد ، والموعد القيامة ، وعند الساعة يخسر المبطلون ، و( لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ) ، ( مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ ) )) .
ثمّ اتّجهت نحو فتيان المسلمين تستنهض هممهم ، وتوقظ عزائمهم للمطالبة بحقّها والثورة على الحكم القائم ، قائلة : (( يا معشر النقيبة ، وأعضاد الملّة ، وحضنة الإسلام ، ما هذه الغَميزة في حقّي والسِنَة عن ظُلامتي ؟ أما قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : المرء يُحفظ في وُلده ؟ لَسرعان ما أحدثتم , وعجلان ذا إهالةً !

أتقولون : مات محمّد ؟ لعمري ، خطب جليل استوسع وهيُه ، واستنهر فتقه ، وفقد راتقه ، وأظلمت الأرض لغيبته ، واكتأبت خيرة الله لمصيبته ، وخشعت الجبال ، وأكدت الآمال ، واُضيع الحريم ،


الصفحة (99)

وأُزيلت الحرمة ، فتلك نازلة أعلن بها كتاب الله في أفنيتكم ، ممساكم ومصبحكم ، هتافاً هتافاً : ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ) )) .
وأخذت سيّدة النساء تحفّز الأنصار ، وتذكّرهم بجهادهم المشرق في نصرة الإسلام وحماية مبادئه وأهدافه وكفاحهم لأعدائه القرشيّين ، طالبة منهم الثورة ضدّ الحكم القائم وإرجاع الحقّ إلى عترة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قائلة : (( إيهاً بني قيلة(1) ! أأُهضَم تراث أبي وأنتم بمرأى منّي ومسمع , ومنتدى ومجمع ، تلبسكم الدعوة ، وتشملكم الخُبرة ، وأنتم ذوو العُدّة والعدد , والأداة والقوّة ، وعندكم السلاح والجُنّة(2) , تُوافيكم الدعوة فلا تجيبون ، وتأتيكم الصرخة فلا تُغيثون , وأنتم موصوفون بالكِفاح ، معروفون بالخير والصلاح ، والنُخبة التي انتُخبت ، والخيرة التي اختيرت لنا أهل البيت ؟!

قاتلتم العرب ، وتحمّلتم الكدّ والتعب ، وناطحتم الأمم ، وكافحتم البُهم ، فلا نبرح أو تبرحون ، نأمركم فتأتمرون ، حتّى إذا دارت بنا رحى الإسلام ، ودرّ حَلَب الأيّام ، وخضعت نُعرة الشرك ، وسكنت فورة الإفك ، وخمدت نيران الكفر ، وهدأت دعوة الهرج ، واستوسق نظام الدين ، فأنّى جرتم(3) بعد البيان ، وأسررتم بعد الإعلان ، ونكصتم بعد الإقدام ، وأشركتم بعد الإيمان ؟!

ـــــــــــــــــــــ
(1) بنو قيلة : هم الأوس والخزرج من الأنصار .
(2) الجنّة (بالضم) : ما يستتر به من السّلاح .
(3) جرتم : أي ملتم .


الصفحة (100)

بؤساً لقوم ( نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِين ) )) .
ولمّا رأت وهن الأنصار وتخاذلهم عن إجابة الحقّ ، وجّهت لهم أعنف القول , وأشدّ العتب والتقريع , قائلة لهم : (( ألا وقد قلتُ ما قلتُ , هذا على معرفة منّي بالجذلة التي خامرتكم ، والغدرة التي استشعرتها قلوبكم ، ولكنّها فيضة النفس ، وبثّة الصدر ، ونفثة الغيظ ، وتقدمة الحجّة ، فدونكموها فاحتقبوها دبرة الظهر ، نقبة الخفّ ، باقية العار ، موسومة بغضب الله ، وشنار الأبد ، موصولة بـ ( نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ * إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ ) , عين الله ما تفعلون , ( وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ) .
وأنا ابنة نذير لكم بين يدي عذاب شديد ، فـ ( اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ * وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ ) ))(1) .
وهذا أروع خطاب ثوري عرفه التأريخ الإسلامي ؛ فقد وضعت فيه مفخرة الإسلام النقاط على الحروف ، ووضعت المسلمين أمام الأمر الواقع ، وكشفت لهم عمّا سيواجهونه من الويلات والكوارث والأزمات من جراء تخاذلهم عن نصرة الإسلام أمام هذه المحنة الحازبة .

وقد وجلت القلوب وخشعت الأبصار ، وأوشكت الثورة أن تحدث على أبي بكر ويُقصى عن منصبه إلاّ أنّه سيطر على الموقف بلباقة مذهلة فقد قابل بضعة الرسول بكلّ حفاوة وتكريم ، وتصاغر أمامها ، وأظهر لها أنّه لم يتقلّد منصب الحكم ، ولم يتّخذ معها الإجراءات القاسية

ـــــــــــــــــــــ
(1) أعلام النساء 3 / 208 ، بلاغات النساء / 12 ـ 19 .


الصفحة (101)

عن رأيه الخاص ، وإنّما كان عن رأي المسلمين واتّفاقهم .

متى ولا نعلم أنّه حتّى استشار أحداً في تقمّصه للخلافة ، ومصادرته لتركة النبي (صلّى الله عليه وآله) ، وتأميمه لفدك وغيرها ؛ مما أوجب التضييق الاقتصادي على العترة الطاهرة ؟!
وعلى أي حال ، فقد حفظت السيّدة زينب وهي في عهد الصبا هذا الخطاب الخالد ، وهي إحدى رواته ، وكان ذلك آية في نبوغها فقد روته بحرفيته ، وكانت مع اُمّها حينما أدلت بهذا الخطاب الذي هو أحد الركائز المهمّة في مذهب أهل البيت (عليهم السّلام) ، وقد رجعت معها وهي تجرّ أذيال الخيبة ، قد مزّق الأسى فؤادها ؛ فلم يرع أبو بكر مكانتها ، ولم يستجب المسلمون لمطالبها ، وقد استولت عليها الآلام والهموم على ما تُمنى به الاُمّة من الكوارث والأزمات من جراء إقصاء أهل البيت (عليهم السّلام) عن القيادة العامة للعالم الإسلامي .

اعتذار مرفوض

وجهد أبو بكر وعمر على إرضاء زهراء الرسول وتطييب خاطرها على ما اقترفاه في حقّها ، فاستأذنا بالدخول عليها فأبت أن تأذن لهما ، وعرضا على الإمام (عليه السّلام) رغبتهما الملحّة في مقابلة سيّدة النساء ، فانطلق الإمام نحو الصدّيقة والتمس منها إجابتهما ، فسمحت لهما بالدخول ، فلمّا مثلا عندها أشاحت بوجهها عنهما ، وقدّما إليها اعتذارهما ، فقالت : (( أرأيتكما إن حدّثتكما حديثاً عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) تعرفانه وتعملان به ؟ )) .
فأجابا : نعم .
فقالت : (( نشدتكما الله ، ألم تسمعا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول : رضا فاطمة من رضاي ، وسخط فاطمة من سخطي ، فمَنْ أحبّ فاطمة ابنتي فقد أحبّني ، ومَنْ أرضى

الصفحة (102)

فاطمة فقد أرضاني ، ومَنْ أسخط فاطمة فقد أسخطني ؟ )) .
فقالا : نعم ، سمعناه من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) .
فانبرت حبيبة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وهي مغيظة محنقة , فخاطبت أبا بكر وشاركت معه صاحبه قائلة : (( إنّي اُشهد الله وملائكته أنّكما أسخطتماني وما أرضيتماني ، ولئن لقيت النبي لأشكونّكما إليه )) .
وفزع أبو بكر وقال رافعاً عقيرته : أنا عائذ بالله تعالى من سخطه وسخطك يا فاطمة . ووجّهت إليه أعنف القول قائلة : (( والله ، لأدعونّ الله عليك في كلّ صلاة اُصليها ))(1) .
وخرج أبو بكر ولم يظفر برضا زهراء الرسول (صلّى الله عليه وآله) , وكان ذلك من أعظم الصدمات التي واجهها في أيام حكومته . ومن الطبيعي أنّ عقيلة بني هاشم قد شاركت اُمّها البتول في سخطها على أبي بكر ، وعدم رضائها عنه .

مآسي البتول (عليها السّلام)

وطافت موجات قاسية من الآلام والأحزان ببضعة الرسول ووديعته ؛ فقد استغرق الأسى قلبها الرقيق المعذّب , وغشيتها سُحب قاتمة من اللوعة والحزن على فقد أبيها الذي كان عندها أعزّ من الحياة ، وكانت تزور بلهفة جسده الطاهر , فتطوف حوله

ـــــــــــــــــــــ
(1) الإمامة والسياسة 1 / 14 ، الطبعة الأولى .


الصفحة (103)

وهي ذاهلة اللبّ , منهدّة الكيان , فتلقي بنفسها عليه ، وتأخذ حفنة من ترابه الطاهر فتضعه على عينيها ، وهي تبكي أمرّ البكاء وأقساه ، وتقول :

مـاذا عـلى مَن شمّ تربةَ أحمدٍ      أن لا يـشمَ مدى الزمانِ غواليا
صُـبّت عـليّ مصائبٌ لو أنّها      صُـبّت على الأيام صرنَ لياليا
قل  للمغيّبِ تحتَ أطباقِ الثرى      إن كنتَ تسمعُ صرختي و ندائيا
قـد كنتُ ذات حمى بظلِ محمّدٍ      لا أخـتشي ضيماً و كانَ جماليا
فـاليوم  أخـضعُ للذليلِ وأتّقى      ضـيمي وأدفـعُ ظالمي بردائيا
فـإذا  بـكت قـمريةٌ في ليلها      شجناً على غصنٍ بكيتُ صباحيا
فـلأجعلنَّ الحزنَ بعدكَ مؤنسي      ولأجعلنّ الدمعَ فيك وشاحيا
(1)

 

وحكت هذه الأبيات ما عانته زهراء الرسول من لوعة وشجون على فراق أبيها الذي استوعب حبّه عواطفها ومشاعرها ، وقد بلغ من عظيم حزنها عليه أنّه لو صبّت مصائبها على الأيام لخلعت ضياءها ولبست السواد القاتم .
كما صوّرت هذه الأبيات الرقيقة مدى عزّتها وعظيم مكانتها في أيام أبيها سيّد الكائنات ؛ فقد كانت من أعزّ وأمنع نساء المسلمين ، ولكنّها بعد فقد أبيها تنكّر لها أصحابه ، وأجمعوا على هضمها والغضّ من شأنها حتّى صارت تخضع للذليل ، وتتّقي الظالمين لها بردائها ، إذ ليس عندها قوّة تحميها ولم تكن تأوي إلى ركن شديد .

وقد خلدت بضعة الرسول (صلّى الله عليه وآله) ووديعته إلى الأسى والحزن ، وقد وجدت في البكاء راحة نفسية لها ، وبلغ من عظيم وجدها على أبيها أنّ أنس بن مالك استأذن عليها ليعزّيها بمصاب أبيها ، وكان ممّن وسّد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في مثواه الأخير ,

ـــــــــــــــــــــ
(1) مناقب ابن شهرآشوب 2 / 131 .


الصفحة (104)

فقالت له : (( هذا أنس بن مالك ؟ )) .
ـ نعم يا بنت رسول الله .
فانبرت وهي تلفظ قطعاً من قلبها المذاب قائلة : (( كيف طابت نفوسكم أن تحثّوا التراب على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ؟! ))(1) .
وغرق أنس في البكاء ، وانصرف وقد نخب الأسى فؤاده .

وبلغ من عظيم حزن الصدّيقة على أبيها أنّها كانت تُطالب الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) أن يريها القميص الذي غُسّل فيه أباها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، فإذا جاء به إليها تأخذه بلهفة وتوسعه تقبيلاً وشمّاً ؛ لأنّها تجد فيه رائحة أبيها الذي غاب في مثواه . وخلدت زهراء الرسول إلى البكاء في وضح النهار وفي غلس الليل ، وظلّ شبح أبيها يطاردها في كلّ فترة من حياتها القصيرة الأمد .

وكانت ابنتها الصدّيقة الطاهرة زينب في حزن بهيم , تنظر إلى اُمّها وقد أشرفت على الموت من كثرة البكاء على أبيها , فكانت تشاركها في أحزانها وآلامها ولوعتها .
وثقل على أتباع أبي بكر بكاء الصدّيقة على أبيها , فشكوا ذلك إلى الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، وطلبوا منه أن يجعل لبكائها وقتاً خاصاً ، فعرض الإمام عليها ذلك فأجابته ؛ فكانت في نهارها تمضي إلى خارج المدينة وتصحب معها ولديها الحسن والحسين وزينب (عليهم السّلام) , فتجلس تحت شجرة من الأراك ، وتأخذ باللوعة والبكاء على أبيها طيلة النهار , فإذا أوشكت الشمس أن تغرب قفلت مع أبنائها إلى الدار .

وعمد القوم إلى تلك الشجرة فقلعوها , فكانت تبكي في حرّ الشمس ، فسارع الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) فبنى لها بيتاً سمّاه (بيت الأحزان) ، وظل هذا البيت رمزاً لأساها وغضبها على القوم على مرّ العصور .

ويقول الرواة : إنّ الإمام قائم آل محمّد (عجّل الله تعالى فرجه) قال

ـــــــــــــــــــــ
(1) سنن ابن ماجة / 18 ، المواهب اللدنية 2 / 381 .


الصفحة (105)

في هذا البيت :

 أم تـراني اتخذت لا وعُلاها      بعد بيت الأحزانِ بيتَ سرورِ

 

وكانت بضعة رسول الله وحبيبته مع أطفالها يمكثون طيلة النهار في ذلك البيت الحزين ، وهي تناجي أباها وتندبه وتبكيه ، فإذا جاء الليل أقبل الإمام (عليه السّلام) فأرجعها مع أطفالها إلى الدار .
واستولى الحزن على بضعة الرسول وذاب جسمها ، وقد فتكت بها الأمراض فلازمت فراشها ، ولم تتمكّن من النهوض والقيام ، وكانت ابنتها العقيلة إلى جانبها تقوم بخدماتها ورعايتها ، وبادرت السيّدات من نساء المسلمين إلى عيادتها , فقلن لها : كيف أصبحت من علّتك يا بنت رسول الله ؟
فرمقتهنَّ بطرفها , وأجابتهنَّ بصوتٍ خافت مشفوع بالأسى والحسرات قائلة : (( أجدني كارهة لدنياكنَّ ، مسرورة لفراقكنَّ ، ألقى الله ورسوله بحسرات ، فما حُفِظ لي الحق ، ولا رُعيت منّي الذمّة ، ولا قُبلت الوصية ، ولا عُرِفت الحرمة ))(1) .
أجل ، لم يُحفظ حقّها ، ولم تُرعَ ذمّتها ؛ فقد أصرّ القوم على هضمها والتنكّر لها ، وانصرفن النسوة وقد غامت عيونهنَّ بالدموع ، وعرضن على أزواجهن كلمات زهراء الرسول وغضبها عليهم ، وقد عرفوا مدى تقصيرهم في حقّها .

وهرعت بعض اُمّهات المؤمنين إلى عيادتها , فقلنَ لها : يا بنت رسول الله ، صيّري لنا في حضور غسلك حظّاً(2) .

ـــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ اليعقوبي 2 / 95 .
(2) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 1 / 27 .


الصفحة (106)

فلم تجبهنَّ إلى ذلك ، وقالت : (( لا حاجة لي في حضوركنَّ )) .

إلى جنة المأوى

وذوت بضعة الرسول (صلّى الله عليه وآله) كما تذوي الأزهار ، ومشى إليها الموت سريعاً وهي في شبابها الغضّ الإهاب ، وبدت لها طلائع الرحيل عن هذه الحياة التي استهانت بها ، وطلبت حضور ابن عمّها أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، فعهدت إليه بوصيتها ، وأهم ما فيها :
1 ـ أن يواري جثمانها المقدّس في غلس الليل البهيم .
2 ـ أن لا يحضر جنازتها أحد من الذين هضموها وظلموها ؛ فإنّهم أعداؤها وأعداء أبيها على حدّ تعبيرها .
3 ـ أن يعفي موضع قبرها ويخفيه ؛ ليكون رمزاً لغضبها على القوم , غير قابل للتأويل والتصحيح على ممر الأجيال الصاعدة .

وضمن لها الإمام جميع ما عهدت به إليه ، وانصرف عنها وهو غارق في الأسى والشجون .
وطلبت بضعة الرسول (صلّى الله عليه وآله) من أسماء بنت عميس أن يُصنع لها سرير يواري جسدها الطاهر ؛ فقد كانت العادة بوضع الأموات على لوحة تبدو فيها أجسامهم ، وكرهت ذلك سيّدة النساء ، فعملت لها أسماء سريراً يُستر مَنْ فيه , كانت قد رأته حينما كانت في الحبشة .

فلمّا نظرت إليه ابتسمت , وهي أوّل ابتسامة شوهدت لها منذ أن لحق أبوها بالرفيق الأعلى(1) .
وفي آخر يوم من حياة الصدّيقة أصبحت وقد ظهر عليها بعض التحسّن ، وبدا عليها الفرح والسرور ؛ فقد علمت أنّ هذا اليوم هو خاتمة حياتها ، وفيه تلتحق بأبيها الذي هو عندها أعزّ من الحياة ، وعمدت الصدّيقة إلى أطفالها فغسلتهم ,

ـــــــــــــــــــــ
(1) مستدرك الحاكم 3 / 162 .


الصفحة (107)

وصنعت لهم من الطعام ما يكفيهم يومهم ، ثمّ أمرت ولديها الحسن والحسين (عليهما السّلام) أن يخرجا لزيارة قبر جدّهما ولا يشاهدا وفاتها ، وألقت عليهما وعلى بنتها زينب نظرة الوداع , وقلبها الزاكي يذوب ألماً وحزناً ، وخرج الحسنان وقد هاما في تيارات من الهواجس , وأحسّا ببوادر مخيفة أغرقتهما بالهموم والأحزان .
والتفتت وديعة النبي (صلّى الله عليه وآله) إلى أسماء بنت عميس ، وكانت تتولّى تمريضها وخدمتها ، فقالت لها : (( يا اُمّاه )) .
ـ نعم يا حبيبة رسول الله .
ـ (( اسكبي لي غسلاً )) .
فسارعت أسماء وأتتها بالماء , فاغتسلت فيه ، وقالت لها : (( ايتيني بثيابي الجدد )) . فأحضرتها لها ، وقالت لها : (( اجعلي فراشي في وسط البيت )) .
وذعرت أسماء ، وعلمت أنّ الموت قد دنا من وديعة النبي (صلّى الله عليه وآله) ، وصنعت لها ما أرادت , فاضطجعت في فراشها ، واستقبلت القبلة , ونادت أسماء قائلة بصوت خافت : (( يا اُمّاه ، إنّي مقبوضة الآن ، وقد تطهّرت فلا يكشفني أحد )) .
وأخذت تتلو آيات القرآن الكريم حتّى صعدت روحها الطاهرة إلى الله تحفّها ملائكة الرحمن ، ويستقبلها أبوها التي كرهت الحياة من بعده .
لقد سمت تلك الروح إلى جنان الخلد فأشرقت الآخرة بقدومها ، وأظلمت الأرض لفقدها ، فما أضلّت سماء الدنيا مثلها في قداستها وطهرها ، وقد انقطع بموتها آخر مَنْ كان في الدنيا من نسل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) .


الصفحة (108)

وكانت زينب إلى جانب اُمّها , وقد رأتها جثة هامدة قد انقطعت عنها الحياة , فذابت أسى ، وعجّت بالبكاء والعويل .
وقفل الحسنان (عليهما السّلام) من مسجد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إلى الدار فلم يجدا اُمّهما فيها , فبادرا يسألان أسماء قائلين : (( أين اُمّنا ؟ )) .
فأجابتهما , وهي غارقة في البكاء قائلة : يا سيّدي , إنّ اُمّكما قد ماتت , فأخبرا بذلك أباكما .
وكانت هذه المفاجأة كالصاعقة , فهرعا إلى جثمان اُمّهما ، فوقع عليها الحسن (عليه السّلام) وهو يقول : (( يا اُمّاه , كلّميني قبل أن تفارق روحي بدني )) . وألقى الحسين (عليه السّلام) بنفسه عليها وهو يعجّ بالبكاء قائلاً : (( يا اُمّاه , أنا ابنك الحسين كلّميني قبل أن ينصدع قلبي )) .
وأخذت أسماء توسعهما تقبيلاً , وتواسيهما بمصابهما الأليم ، وطلبت منهما أن يُخبرا أباهما بموت سيّدة النساء ، وسارعا نحو مسجد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وقد علا صوتهما بالبكاء , فاستقبلهما المسلمون قائلين : ما يبكيكما يا بني رسول الله ، لعلّكما نظرتما قبر جدكما فبكيتما ؟
فأجابا : (( أوَ ليس قد ماتت اُمّنا فاطمة ! )) .
وهزّ النبأ المؤلم مشاعرهم ؛ فقد ندموا على تقصيرهم تجاه بضعة الرسول (صلّى الله عليه وآله) ؛ فقد ماتت وهي ساخطة عليهم ؛ لأنّهم لم يحفظوا مكانتها من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) .
ولمّا علم الإمام (عليه السّلام) بموت الصدّيقة تصدّع قلبه , وودّ مفارقة الحياة ، ورفع صوته


الصفحة (109)

قائلاً : (( بمَنْ العزاء يا بنت محمّد ؟ كنتُ بكِ أتعزّى ، ففيم العزاء من بعدك ؟! )) .
وخفّ مسرعاً نحو البيت وهو يذرف أحرّ الدموع ، وألقى نظرة على جثمان حبيبة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وهو يقول :

لكلّ اجتماعٍ من خليلينِ فرقةٌ      وكلّ  الذي دونَ الفراقِ قليلُ
وإنّ افتقادي فاطماً بعد أحمدٍ      دليلٌ  على أن لا يدومَ خليلُ

 

وكانت العقيلة زينب إلى جانبها اُمّها وهي تعجّ بالبكاء , قد ذاب قلبها ؛ فقد فقدت جميع آمالها ، وليس شيء أوجع على الطفل من فراق اُمّه .
وهرع الناس من كلّ صوب نحو بيت الإمام ، وقد ساد فيهم وجوم رهيب ، وعهد الإمام (عليه السّلام) إلى سلمان الفارسي أن يخبر الجماهير بأنّ مواراة جثمان بضعة الرسول قد اُجّل هذه العشية , فقفلوا إلى منازلهم .

وأقبلت عائشة وهي تريد الدخول إلى بيت الإمام (عليه السّلام) لتشاهد جثمان حبيبة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) , فحجبتها أسماء ومنعتها من الدخول قائلة : قد عهدت إليّ أن لا يدخل عليها أحد(1) .
ولمّا مضى شطر من الليل قام الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) فغسّل الجسد الطاهر ، ومعه الحسنان (عليهما السّلام) , وأسماء , وزينب وهي تنظر إلى جثمان اُمّها وقد نخب الحزن قلبها ، وتبكي عليها كأقسى وأمرّ ما يكون البكاء .

وبعد الفراغ من الغسل أدرجها في أكفانها ، ودعا بأطفالها الذين لم ينتهلوا من حنان اُمّهم ؛ ليلقوا عليها نظرة الوداع ، فألقوا بنفوسهم على جثمان اُمّهم وهم يوسعونها تقبيلاً , وقد مادت الأرض من كثرة صراخهم وبكائهم ، وبعد انتهائهم من الوداع عقد الإمام (عليه السّلام) عليها الرداء ، ولمّا حلّ

ـــــــــــــــــــــ
(1) مناقب ابن شهر آشوب 3 / 365 .


الصفحة (110)

الهزيع الأخير من الليل قام فصلّى على الجسد الطيب ، وعهد إلى مَنْ كان معه من خلّص صحابة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أمثال سلمان الفارسي وبني هاشم فحملوا الجثمان المقدّس إلى مثواه الأخير ، وأودعها في قبرها ، وأهال عليها التراب ، وعفى موضع قبرها ؛ ليكون دليلاً حاسماً على غضبها ونقمتها على مَنْ غصب حقّها .

ووقف الإمام الثاكل الحزين على حافة القبر وهو يروي ثراه بدموع عينيه ، وقد طافت به موجات من الحزن والألم القاسي ، فأخذ يؤبّن زهراء الرسول بهذه الكلمات التي تحكي لوعته وأساه على هذا الرزء القاصم ، وقد وجّه خطابه إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يعزّيه قائلاً : (( السلام عليك يا رسول الله عني وعن ابنتك النازلة في جوارك , السريعة اللحاق بك .

قلّ يا رسول الله عن صفيتك صبري ، ورقّ عنها تجلّدي ، إلاّ أنّ في التأسّي بعظيم فرقتك وفادح مصيبتك موضع تعزٍّ ؛ فلقد وسّدتك في ملحودة قبرك ، وفاضت بين نحري وصدري نفسك ، إنّا لله وإنّا إليه راجعون . لقد استرجعت الوديعة ، وأخذت الرهينة ؛ أمّا حزني فسرمد ، وأمّا ليلي فمسهّد إلى أن يختار الله لي دارك التي أنت بها مقيم ، وستنبئك ابنتك بتضافر اُمّتك على هضمها ، فأحفها السؤال ، واستخبرها الحال ، هذا ولم يطل العهد , ولم يخل منك الذكر ، والسلام عليكما سلام مودّعٍ لا قالٍ ولا سئم ؛ فإن أنصرف فلا عن ملالة ، وإن اُقم فلا عن سوء ظنٍ بما وعد الله الصابرين ))(1) .
وحكت هذه الكلمات الحزن العميق والألم الممض الذي في نفس الإمام (عليه السّلام) ؛ فقد أعلن شكواه إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) على ما مُنيت به حبيبته من الخطوب والنكبات ، ويطلب منه أن يلحّ في السؤال منها لتخبره بما جرى عليها من الظلم في الفترة القصيرة التي عاشتها بعده .

ـــــــــــــــــــــ
(1) نهج البلاغة ـ محمّد عبده 2 / 207 .


الصفحة (111)

كما أعلن الإمام عن أساه وشجاه على فقده لبضعة الرسول ، فهو في حزن دائم وليل مسهّد ، لا تنطفئ عنه نار اللوعة عليها حتّى يلتحق إلى جوار الله ، وإنّه إذ ينصرف عن قبرها المقدّس فليس ذلك عن سأم ولا عن ملالة وكراهية ، ولكن استجابة لتعاليم الإسلام الآمرة بالخلود إلى الصبر ، ولولا ذلك لأقام عنده ولا يريم عنه .
وعاد الإمام إلى داره بعد أن وارى جثمان سيّدة نساء العالمين في مثواها الأخير ، وقد نخب الحزن فؤاده ينظر إلى أطفاله وهم يبكون اُمّهم أمرّ البكاء ، وأشجاه خصوصاً العقيلة زينب فكادت تندب اُمّها بذوب روحها تبكي عليها صباحاً ومساءً قد خلدت إلى الأسى والحزن .
لقد قطعت عقيلة بني هاشم دور طفولتها الحزينة وقد طافت بها الآلام القاسية والرزايا الموجعة ؛ فقد فقدت جدّها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الذي كان يفيض عليها بعطفه وحنانه ، ولم تمض بعد وفاته إلاّ أيام يسيرة حتّى فقدت اُمّها الرؤوم التي عاشت في هذه الدنيا وعمرها كعمر الزهور ، وفاجأها الموت وهي في شبابها الغضّ الأهاب ؛ فقد صُبّت عليها الكوارث والمصائب ، والتي كان من أقساها جحد القوم لحقّها , وإجماعهم على هضمها وهي ابنة نبيّهم الذي برّ بدينهم ودنياهم .
لقد وعت حفيدة الرسول (صلّى الله عليه وآله) وهي في سنّها الباكر الأهداف الأساسية التي دعت القوم إلى هضم اُمّها وجحد حقوقها وإقصاء أبيها عن قيادة الاُمّة ، كلّ ذلك طمعاً بالحكم والظفر بالإمرة والسلطان .

وفاة أبي بكر

ولم يطل سلطان أبي بكر فقد ألمّت به الأمراض بعد مضي ما يزيد على سنتين من حكمه ، وقد قلّد صاحبه عمر شؤون الخلافة ، وقد لاقى معارضة شديدة من أعلام


الصفحة (112)

الصحابة , كان من بينهم طلحة ؛ فقد قال له : ماذا تقول لربّك وقد ولّيت علينا فظّاً غليظاً ، تفرق منه النفوس ، وتنفض منه القلوب ؟(1) .
وسكت أبو بكر , فاندفع طلحة يشجب عهده لعمر قائلاً : يا خليفة رسول الله ، إنّا كنّا لا نحتمل شراسته وأنت حيّ تأخذ على يده ، فكيف يكون حالنا معه وأنت ميّت وهو الخليفة ؟

وسارع أكثر المهاجرين والأنصار إلى أبي بكر وهم يعلنون رفضهم وسخطهم وكراهيتهم لخلافة عمر , قائلين : نراك استخلفت علينا عمراً وقد عرفته وعلمت بوائقه فينا وأنت بين أظهرنا ، فكيف إذا ولّيت عنّا ؟! وأنت لاق الله عزّ وجلّ فسائلك ، فما أنت قائل ؟
فأجابهم أبو بكر : لئن سألني الله لأقولنّ استخلفت عليهم خيرهم من نفسي(2) .
وكان الأجدر به أن يستجيب لعواطف أكثر المسلمين ورغباتهم إلاّ أنّه لم يحفل بهم ، وأقام صاحبه خليفة من بعده ، وتوفّي أبو بكر وانتهت بذلك خلافته القصيرة الأمد ، وقد حفلت بأحداث رهيبة كان من بينها معاملة العترة الطاهرة التي هي وديعة النبي (صلّى الله عليه وآله) في اُمّته كأشخاص عاديّين ؛ فقد جرّد عنها هالة التقديس الذي أضفاه عليها النبي (صلّى الله عليه وآله) ، كما فتحت الباب للحكومات التي تلت حكومة الخلفاء إلى ظلم آل البيت (عليهم السّلام) والإمعان في قتلهم تحت كلّ حجر ومدر .

ولعلّ أقسى ما جرى عليهم من الكوارث فاجعة كربلاء الخالدة في دنيا الأحزان ؛ فقد استشهد الإمام الحسين

ـــــــــــــــــــــ
(1) شرح نهج البلاغة 1 / 55 .
(2) شرح نهج البلاغة 6 / 343 ، دار إحياء الكتب العربية .


الصفحة (113)

ريحانة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بصورة مروّعة , ومُثّل بجثمانه المقدّس بوحشية لم يعهد لها مثيل ، وسُبيت عائلته ومعها حفيدة الرسول وعقيلة بني هاشم من كربلاء إلى الشام .

كلّ هذه الرزايا كانت ناجمة عن إقصاء أهل البيت (عليهم السّلام) عن مركز القيادة العامة للمسلمين .

في عهد عمر

وتولّى عمر بعد وفاة أبي بكر شؤون الدولة الإسلاميّة ، وقد قبض على الحكم بيد من حديد ، وساس البلاد بعنفٍ حتّى تحامى لقاءه أكابر الصحابة ؛ فإنّ درّته ـ فيما يقول المؤرّخون ـ كانت أهيب من سيف الحجّاج ، حتّى إنّ ابن عباس مع قربه للنبي (صلّى الله عليه وآله) , ومكانته العلميّة لم يستطع أن يجهر برأيه في حلّية المتعة إلاّ بعد وفاته , كما تحاماه أهله وعياله فلم يستطع أحد منهم أن يجهر برأيه أو يفرض إرادته عليه .
وعلى أيّ حال , فقد نهج عمر في سياسته منهجاً خاصاً لا يتّفق في كثير من بنودها مع سياسيّة أبي بكر ، خصوصاً في السياسة المالية ؛ فقد كان السائد في سياسة أبي بكر المساواة بين المسلمين إلاّ أنّ عمر عدل عنها ، وميّز بعض المسلمين على بعض ؛ ففضّل العرب على الموالي ، وقريشاً على سائر العرب ، وقد أدّى ذلك إلى إيجاد الطبقية بين المسلمين(1) .

اعتزال الإمام (عليه السّلام)

واعتزل الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) عن الحياة الاجتماعية والسياسيّة طيلة خلافة عمر كما اعتزل في أيام أبي بكر ، وقد انطوت نفسه على حزن عميق وأسى مرير على

ـــــــــــــــــــــ
(1) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 1 / 284 .


الصفحة (114)

ضياع حقّه وسلب تراثه ؛ فقد جهد القوم على الغضّ من شأنه ، وعزله عن جميع ما يتعلّق بأمر الدولة ، حتّى ألصق خده بالتراب على حدّ تعبير بعض المؤرّخين .

يقول محمّد بن سليمان في أجوبته عن أسئلة جعفر بن مكي : إنّ عليّاً وضعه الأوّلون ـ يعني الشيخين ـ وأسقطاه وكسرا ناموسه بين الناس ، فصار نسياً منسيّاً(1) .
وقد صار جليس بيته تساوره الهموم ، ويسامر النجوم ، ويتوسّد الأرق ، ويتجرّع الغصص ، قد كظم غيظه ، وأسلم أمره إلى الله . وانطوت نفوس أبنائه على حزن لاذع وأسىً عميق على عمر ؛ فقد روى المؤرّخون أنّ الحسين (عليه السّلام) خفّ إلى عمر وكان على المنبر يخطب , فصاح به : (( انزل ، انزل عن منبر أبي واذهب إلى منبر أبيك )) .
وبهت عمر ، واستولت عليه الحيرة ، وراح يقول : صدقت , لم يكن لأبي منبر . وأخذه فأجلسه إلى جنبه , وجعل يفحص عمّن أوعز إليه بذلك قائلاً : مَنْ علّمك ؟
ـ (( والله ما علّمني أحد )) .
شعور طافح بالأسى والألم انبعث عن إلهام وعبقرية ، رأى الإمام الحسين (عليه السّلام) منبر جدّه الملهم الأوّل لقضايا الفكر الإنساني , وأنّه لا يليق أن يرقاه غير أبيه باب مدينة علم النبي (صلّى الله عليه وآله) , ورائد العلم والحكمة في دنيا الإسلام .
وعلى أيّ حال , فقد كان هذا الشعور سائداً عند ذرّية رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، ولم يقتصر على الإمام الحسين (عليه السّلام) وإنّما كان شاملاً للعقيلة زينب كما يدلّل على ذلك

ـــــــــــــــــــــ
(1) نهج البلاغة 9 / 28 .


الصفحة (115)

خطابها الرائع في البلاط الاُموي ؛ فقد قالت ليزيد : وسيعلم مَنْ سوّل لك ومكّنك من رقاب المسلمين ... وهذه الكلمات صريحة فيما ذكرناه .
وقد بحثنا عن شؤون عمر وأيام حكومته في كتابنا (حياة الإمام الحسين) ، فلا نعيد تلك البحوث .

اغتيال عمر

وبقي عمر على دست الحكم يتصرّف في شؤون الدولة حسب رغباته وميوله ، وكان فيما يقول المؤرّخون : شديد البغض والكراهية للفرس ، يبغضهم ويبغضونه ؛ فقد حظر عليهم دخول يثرب إلاّ مَنْ كان سنّه دون البلوغ(1) .

وتمنّى أن يحول بينهم وبينه جبل من حديد ، وأفتى بعدم إرثهم إلاّ مَنْ ولد منهم في بلاد العرب(2) ، وكان يُعبّر عنهم بالعلوج(3) .
وقد قام باغتياله أبو لؤلؤة وهو فارسي ، أمّا السبب في اغتياله له فهو أنّه كان فتى متحمّساً لوطنه واُمّته ، ورأى عمر قد بالغ في احتقار الفرس وإذلالهم ، وقد خفّ إليه يشكو ممّا ألمّ به من ضيق وجهد من جرّاء ما فرض عليه المغيرة من ثقل الخراج ، وكان مولى له ، فزجره عمر وصاح به : ما خراجك بكثير من أجل الحِرف التي تُحسنها .
وألهبت هذه الكلمات قلبه , فأضمر له الشرّ ، وزاد في حنقه عليه أنّه اجتاز على عمر فسخر منه , وقال له : بلغني أنّك تقول : لو شئت أن أصنع رحى تطحن بالريح لفعلت .

ـــــــــــــــــــــ
(1) شرح نهج البلاغة 1 / 185 .
(2) الموطّأ 2 / 12 .
(3) شرح نهج البلاغة 12 / 185 .


الصفحة (116)

ولذعته هذه السخرية , فخاطب عمر : لأصنعنّ لك رحى يتحدّث الناس بها .
وفي اليوم الثاني قام بعملية الاغتيال(1) ، فطعنه ثلاث طعنات إحداهن تحت السرّة فخرقت الصفاق(2) ، وهي التي قضت عليه ، ثمّ هجم على مَنْ في المسجد فطعن أحد عشر رجلاً ، وعمد إلى نفسه فانتحر(3) ، وحُمل عمر إلى داره وجراحاته تنزف دماً ، فقال لمَنْ حوله : مَنْ طعنني ؟
ـ غلام المغيرة .
ـ ألم أقل لكم : لا تجلبوا لنا من العلوج أحداً فغلبتموني ؟(4) .
وأحضر أهله له طبيباً , فقال له : أيّ الشراب أحبّ إليك ؟
ـ النبيذ .
فسقوه منه فخرج من بعض طعناته صديداً ، ثم سقوه لبناً فخرج من بعض طعناته ، فيئس منه الطبيب ، وقال له : لا أرى أن تُمسي(5) .

الشورى

ولمّا أيقن عمر بدنوّ الأجل المحتوم منه أخذ يطيل التفكير فيمَنْ يتولّى شؤون

ـــــــــــــــــــــ
(1) مروج الذهب 2 / 212 .
(2) الصفاق : الجلد الأسفل الذي تحت الجلد .
(3) شرح نهج البلاغة 12 / 185 .
(4) شرح نهج البلاغة 12 / 187 .
(5) الاستيعاب (المطبوع على هامش الإصابة) 2 / 461 .


الصفحة (117)

الحكم من بعده ، وقد تذكّر أعضاء حزبه الذين شاركوه في تمهيد الحكم لأبي بكر ، فأخذ يُبدي حسراته عليهم ؛ لأنّهم جميعاً قد اقتطفتهم المنيّة ، فقال بأسى وأسف : لو كان أبو عبيدة حيّاً لاستخلفته ؛ لأنّه أمين هذه الاُمّة ، ولو كان سالم مولى أبي حذيفة حيّاً لاستخلفته ؛ لأنّه شديد الحبّ لله تعالى .
لقد استعرض الأموات وتمنّى أن يقلّدهم الحكم , ولم يعرض لسيّد العترة الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) , ولا للصفوة الطاهرة من صحابة النبي (صلّى الله عليه وآله) أمثال عمّار بن ياسر الطيّب ابن الطيّب ، ولا لأبي ذرّ ، ولا لرؤساء الأنصار من الذين ساهموا في بناء الإسلام واستشهد أبناؤهم في سبيله .
لقد تمنّى حضور أبي عبيدة وسالم يقلّدهما منصب رئاسة الدولة ، مع العلم أنّهما لم يكن لهما أيّة سابقة تُذكر في خدمة الإسلام .
لقد رأى عمر أن يجعلها شورى بين المسلمين وانتخب مَنْ يمثّلهم ، وهم ستة :
1 ـ الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) .
2 ـ عثمان بن عفان الاُموي .
3 ـ طلحة .
4 ـ عبد الرحمن بن عوف .
5 ـ الزبير .
6 ـ سعد بن أبي وقاص .
وقد اختار عمر هؤلاء النفر لصرف الخلافة عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ؛ فقد كان معظم أعضائها من المنحرفين عن الإمام والموالين لبني اُميّة ، ولم يكن مع الإمام سوى الزبير , وهو لا يغني شيئاً . وقد جمع عمر أعضاء الشورى ، وقدّم في كلّ

 الصفحة (118)

واحد منهم سوى الإمام , فانصرف عنه ، فقال عمر لمَنْ حضر عنده : والله إنّي لأعلم مكان رجل لو ولّيتموه أمركم لحملكم على المحجّة البيضاء .
فقالوا له : مَنْ هو ؟
ـ هذا المولّي من بينكم .
ـ ما يمنعك من ذلك ؟
ـ ليس إلى ذلك من سبيل(1) .
ودعا عمر بأبي طلحة الأنصاري فعهد إليه بما يحكم أمر الشورى , فقال له : يا أبا طلحة ، إنّ الله أعزّ بكم الإسلام , فاختر خمسين رجلاً من الأنصار , فالزم هؤلاء النفر بإمضاء الأمر وتعجيله . والتفت إلى المقداد فعهد إليه بمثل ما عهد إلى أبي طلحة ، ثمّ قال له : إذا اتفق خمسة وأبى واحد منهم فاضربوا عنقه ، وإن اتّفق أربعة وأبى اثنان فاضربوا عنقيهما ، وإن اتّفق ثلاثة على رجل ورضي ثلاثة منهم برجلٍ آخر فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف , واقتلوا الباقين إن رغبوا عمّا اجتمع عليه الناس .
والتاع الإمام (عليه السّلام) وعرف أنّها مكيدة دُبّرت ضدّه ؛ فقد قال لعمّه العباس : (( يا عمّ ، لقد عُدلت عنّا )) .
وسارع العباس قائلاً : مَنْ أعلمك بذلك ؟
وكشف الإمام (عليه السّلام) الغطاء عمّا دبّره عمر ضدّه قائلاً : (( لقد قرن بي عثمان ، وقال : كونوا مع الأكثر ، ثمّ قال : كونوا مع عبد الرحمن ،

ـــــــــــــــــــــ
(1) شرح نهج البلاغة 12 / 195 .


الصفحة (119)

وسعد لا يخالف ابن عمّه عبد الرحمن ، وعبد الرحمن صهر لعثمان , وهم لا يختلفون ؛ فإمّا أن يولّيها عبد الرحمن عثمان , أو يولّيها عثمان عبد الرحمن )) .
وصدق تفرّس الإمام ؛ فقد ولاّها عبد الرحمن لعثمان إيثاراً لمصالحه ، وابتغاءً لرجوعها إليه من بعده .
إنّ أدنى تأمّل في وضع الشورى يتّضح منه صرف الخلافة عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، ووضعها عند القوى المنحرفة عنه .
وعلى أيّ حال ، فإنّ الشورى بأسلوبها الهزيل قد ألقت الاُمّة في شرّ عظيم ، وفرّقت كلمتها ، وأشاعت الطمع والتهالك على الحكم والسلطان بين أبنائها ، وقد أعلن هذه الظاهرة معاوية بن أبي سفيان ؛ فقد قال لأبي الحصين : بلغني أنّ عندك ذهناً وعقلاً , فأخبرني عن شيء أسألك عنه .
ـ سلني عمّا بدا لك .
ـ أخبرني ما الذي شتّت شمل أمر المسلمين وملأهم وخالف بينهم ؟
ـ قتل الناس عثمان .
ـ ما صنعت شيئاً .
ـ مسير عليّ إليك وقتاله إياك .
ـ ما صنعت شيئاً .
ـ مسير طلحة والزبير وعائشة وقتال عليّ إيّاهم .
ـ ما صنعت شيئاً .
ـ ما عندي غير هذا .
وطفق معاوية يبيّن أسباب الخلاف والفرقة بين المسلمين قائلاً : أنا اُخبرك ؛ إنّه لم يُشتّت بين المسلمين ولا فرّق أهواءهم إلاّ الشورى التي جعلها عمر إلى ستة نفر .
وأضاف يقول :


الصفحة (120)

ثمّ جعلها ـ عمر ـ شورى بين ستّة نفر ، فلم يكن رجل منهم إلاّ رجاها لنفسه ورجاها له قومه ، وتطلّعت إلى ذلك نفسه(1) .
لقد شاعت الأطماع السياسيّة بشكل سافر عند بعض أعضاء الشورى وغيرهم ، فاندفعوا إلى خلق الحزبية في المجتمع الإسلامي للوصول إلى كرسي الحكم والظفر بخيرات البلاد .
وعلى أيّ حال , فقد ذكرنا بصورة موضوعية وشاملة آفات الشورى في كتابنا (حياة الإمام الحسين) ، وقد ألمحنا إليها في هذه البحوث ؛ وذلك لأنّها تُلقي الأضواء على الحياة الاجتماعيّة والسياسيّة في ذلك العصر الذي عاشت فيه عقيلة بني هاشم ، والتي أدّت إلى ما عانته من الأهوال والكوارث التي تذهل كلّ كائن حيّ .

انتخاب عثمان وحكومته

واجتمع أعضاء الشورى في بيت المال ، وقيل في بيت مسرور بن مخرمة ، وتداولوا الحديث عمّن أحقّ بأمر المسلمين ، وكثر الجدل فيما بينهم ، فانبرى الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) فحذّرهم من الخلاف والفتنة إن استجابوا لعواطفهم ، ولم يؤثروا المصلحة العامة للمسلمين , قائلاً : (( لم يسرع أحد قبلي إلى دعوة حقّ , وصلة رحم , وعائدة كرم ، فاسمعوا قولي وعوا منطقي عسى أن تروا هذا الأمر من بعد هذا اليوم تنتطي فيه السيوف ، وتخالف منه العهود , حتّى يكون بعضكم أئمّة لأهل الضلال , وشيعة لأهل الجهالة )) .
ولم يعوا منطق الإمام ونصيحته ؛ فقد استجابوا لعواطفهم ، وكان الاُمويّون قد حفوا بأهل الشورى وهم يقدّمون لهم الوعود المعسولة إن انتخبوا عميدهم عثمان .

ـــــــــــــــــــــ
(1) العقد الفريد 3 / 73 ـ 74 .


الصفحة (121)

وانقضت الثلاثة أيام التي حدّدها عمر ولم ينتخب أعضاء الشورى أحداً منهم ، فحذّرهم أبو طلحة الأنصاري وجعل يتهدّهم ويتوعدّهم إن لم ينتخبوا أحداً منهم ، انبرى طلحة فوهب حقّه لعثمان ؛ لأنّه كان شديد الكراهية للإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ؛ لأنّه نافس ابن عمّه أبا بكر على الخلافة .

ووهب سعد بن أبي وقّاص حقّه لابن عمّه عبد الرحمن بن عوف ، وأصبح رأيه هو الفيصل ؛ لأنّ عمر وضع ثقته به ، وكان رأيه مع عثمان ؛ لأنّه صهره , وقد زهّده القرشيون في الإمام وحرّضوه على انتخاب عثمان ؛ لأنّه يحقّق رغباتهم وأطماعهم .

وأمر عبد الرحمن مسوراً بإحضار أمير المؤمنين (عليه السّلام) وعثمان بن عفان , فلمّا حضرا عنده في الجامع النبوي التفت إلى الحاضرين فقال لهم : أيّها الناس ، إنّ الناس قد اجتمعوا على أن يرجع أهل الأمصار إلى أمصارهم , فأشيروا عليّ .
وانبرى الطيّب ابن الطيّب عمّار بن ياسر فأشار عليه بما يضمن للاُمّة مصالحها ويصونها من الاختلاف والفرقة قائلاً : إن أردت أن لا يختلف المسلمون فبايع علياً .
وأيّد المقداد مقالة صاحبه عمّار , فقال : صدق عمّار ، إن بايعت علياً سمعنا وأطعنا .
وشجبت الاُسر القرشيّة المعادية للإسلام والحاقدة عليه مقالة عمار ، ورشحّت عميد الاُمويِّين عثمان بن عفان ، وقد كان الممثل لها عبد الله بن أبي سرح فخاطب ابن عوف قائلاً : إن أردت أن لا تختلف قريش فبايع عثمان .
وكأنّ شؤون الخلافة ومصير المسلمين موكول إلى قريش وهي التي حاربت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) , وناهضت دعوته , وعذّبت أنصاره حتّى هرب منها ، وتابعته إلى يثرب


الصفحة (122)

بجيوش مكثفة لاستئصال دعوته ومحو دينه ، ولكنّ الله تعالى ردّ كيدهم وأفشل خططهم ، ونصر نبيّه العظيم ، ولولا سماحة النبي (صلّى الله عليه وآله) ورأفته لأجرى عليهم حكم بني قريضة ، ولكنّه عفا عنهم وجعلهم من الطلقاء .
وعلى أيّ حال , فقد اندفع عبد الله بن أبي ربيعة فأيّد مقالة ابن سرح قائلاً : إن بايعت عثمان سمعنا وأطعنا . وانبرى الصحابي الجليل عمّار بن ياسر فردّ على ابن أبي سرح قائلاً : متى كنت تنصح للمسلمين ؟
وصدق عمّار , فمتى كان ابن أبي سرح ينصح المسلمين وهو من ألدّ أعداء رسول الله (صلّى الله عليه وآله) , وقد أمر بقتله ولو كان متعلّقاً بأستار الكعبة(1) ؟
واحتدم الجدال بين الهاشميين وخصومهم الاُمويِّين ، وانبرى ابن الإسلام البار عمّار بن ياسر فجعل يدعو لصالح المسلمين قائلاً : أيّها الناس ، إنّ الله أكرمنا بنبيّه ، وأعزّنا بدينه , فإلى متى تصرفون هذا الأمر عن أهل بيت نبيّكم ؟
وانبرى رجل من مخزوم فقطع على عمّار كلامه قائلاً : لقد عدوت طورك يابن سميّة ، وما أنت وتأمير قريش لأنفسها !
وطفحت الروح الجاهليّة على هذه الكلمات ، فليس فيها إلاّ الدعوة إلى الباطل ؛ فقد اعتبر المخزومي أمر الخلافة وشؤونها إلى قريش التي ما آمنت بالله وكفرت بقيم الإسلام ، فأيّ حقّ لها في خلافة المسلمين ؟ وقبله أعلن أحد أعلام القرشيين : أبت قريش أن تجتمع النبوّة والإمامة في بيت واحد .
إنّ أمر الخلافة بيد جميع المسلمين يشترك فيه ابن سميّة وغيره من الضعفاء

ـــــــــــــــــــــ
(1) الاستيعاب 2 / 375 .


الصفحة (123)

الذين أعزّهم الله بدينه ، وليس لأيّ قرشي الحقّ في التدخّل بشؤون المسلمين لو كان هناك منطق وحساب .
وعلى أيّ حال , فقد احتدم النزاع بين القوى الإسلاميّة وبين القرشيّين ، فخاف سعد أن يفلت الأمر من أيديهم وتفوز الاُسرة النبويّة بالحكم فالتفت إلى عبد الرحمن قائلاً له : يا عبد الرحمن ، افرغ من أمرك قبل أن يفتتن الناس .
والتفت عبد الرحمن إلى الإمام (عليه السّلام) فقال له : هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه , وفعل أبي بكر وعمر ؟
فرمقه الإمام بطرفه وأجابه بمنطق الإسلام قائلاً : (( بل على كتاب الله وسنّة رسوله ، واجتهاد رأيي )) .
إنّ ابن عوف يعلم علماً جازماً أنّ الإمام لا يسوس المسلمين بسيرة الشيخين , ولا يحفل بها ، وإنّما يسوسهم بكتاب الله وسنّة نبيّه , ورأيه المشرق الذي هو امتداد ذاتي لرأي النبي (صلّى الله عليه وآله) ، وإنّما شرط عليه ذلك لصرف الخلافة عنه .
ولو كان الإمام ممّن يبغي الحكم والسلطان لوافق على هذا الشرط ثمّ خالفه ، ولكنّه (سلام الله عليه) في جميع أدوار حياته واكب الصدق والحقّ , ولم يحد عنهما مهما كانت الظروف .
وعلى أيّ حال ، فإنّ عبد الرحمن لمّا يئس من إجابة الإمام اتّجه صوب عثمان فعرض عليه شروطه فأجابه بلا تردّد ، فصفق بكفّه على يده وقال له : اللّهمّ إنّي قد جعلت ما في رقبتي من ذاك في رقبة عثمان .
والتاع الإمام فخاطب ابن عوف : (( والله , ما فعلتها إلاّ لأنّك رجوت منه ما رجا صاحبها من صاحبه ، دقّ الله بينكما عطر منشم )) .


الصفحة (124)

لقد رجا ابن عوف من بيعته لعثمان أن يكون خليفة من بعده كما كان ذلك بالنسبة للشيخين ، واتّجه الإمام صوب القرشيّين فقال لهم : (( ليس هذا أوّل يوم تظاهرتم فيه علينا ، فصبر جميل , والله المستعان على ما تصفون )) .

ولذع منطق الإمام ابن عوف فراح يهدّده : يا عليّ ، لا تجعل على نفسك سبيلاً . وغادر الإمام المظلوم قاعة الاجتماع وهو يقول : (( سيبلغ الكتاب أجله )) .
والتفت الصحابي العظيم عمّار بن ياسر فخاطب ابن عوف : يا عبد الرحمن ، أما والله لقد تركته ، وإنّه من الذين يقضون بالحقّ وبه كانوا يعدلون .
وانبرى المقداد فرفع صوته قائلاً : تالله , ما رأيت مثل ما أُتي إلى أهل هذا البيت بعد نبيّهم ! وا عجباً لقريش ! لقد تركت رجلاً ما أقول ولا أعلم أنّ أحداً أقضى بالعدل , ولا أعلم ولا ولا أتقى منه ! أما والله لو أجد أعواناً !

وصاح به عبد الرحمن : اتّق الله يا مقداد ؛ فإنّي خائف عليك الفتنة .

وانتهت بذلك مأساة الشورى التي وضعها عمر لصرف الخلافة عن أهل بيت النبوّة ومنحها لبني اُميّة ، وقد رأت عقيلة الوحي السيدة زينب (عليها السّلام) أضغان القرشيّين وحقدهم على أبيها ، وأنّهم قد عملوا جاهدين على إطفاء نور الله ، والإجهاز على رسالة الإسلام الهادفة لتطوير الوعي الاجتماعي ، وإشاعة الخير والهدى بين الناس .


الصفحة (125)

لقد خلقت الشورى العمرية الفتن والضغائن بين المسلمين , وحجبت الاُسرة النبويّة عن القيادة العامة للعالم الإسلامي ، وسلّطت عليهم شرار خلق الله ؛ فأمعنوا في ظلمهم والتنكيل بهم .

وما كارثة كربلاء وما عانته عقيلة بني هاشم السيّدة زينب (عليها السّلام) من صنوف الظلم والكوارث التي هي ـ من دون شك ـ من النتائج المباشرة لأحداث الشورى والسقيفة , فإنّهما الأساس لكلّ ما لحق بآل النبي (صلّى الله عليه وآله) من الكوارث والخطوب .

حكومة عثمان

وتسلّم عثمان قيادة الاُمّة ، وقد احتفّ به بنو اُميّة وآل أبي معيط ، وأخذوا يتصرّفون في شؤون الدولة حسب رغباتهم وميولهم ، ولا شأن لعثمان في جميع المناحي السياسيّة والاقتصادية ؛ فقد كان بمعزل عنها ، وقد سيطر عليها وتسلّم قيادتها مروان بن الحكم الوزغ بن الوزغ ، والذي يسمّيه معاصروه بالخيط الباطل ؛ وذلك لخبثه وسوء سريرته ، فكان وزيره ومستشاره . وقد هام عثمان بحبّ اُسرته ، وتفانى في الولاء لهم فكان يقول : لو كانت مفاتيح الجنّة بيدي لأعطيتها لبني اُميّة(1) .

وقد أسند مناصب الدولة لهم ، كما عيّنهم ولاة في معظم الأقاليم الإسلاميّة ، ووهبهم الثراء العريض فكانوا في طليعة الرأسماليين في العالم الإسلامي ، وقد عرضنا في بعض كتبنا(2) بصورة موضوعية وشاملة إلى الهبات المالية الهائلة التي منحها عثمان لاُسرته ، كما عرض لها الحجّة الأميني , والدكتور طه حسين , والعقّاد وغيرهم .

وقد أدّت هباته ومنحه الامتيازات الخاصة لهم إلى نقمة المسلمين ,

ـــــــــــــــــــــ
(1) مسند أحمد 1 / 62 .
(2)
حياة الإمام الحسن ، وحياة الإمام الحسين (عليهما السّلام) .


الصفحة (126)

وشيوع السخط والتذمّر عليه في معظم الأقاليم الإسلاميّة .

الجبهة المعارضة

ونقمت على عثمان وسخطت على سياسته معظم الصحابة وأعلام الإسلام , وفي طليعتهم :
1 ـ أبو ذرّ الغفاري
2 ـ عمّار بن ياسر
3 ـ السيّدة عائشة
4 ـ طلحة
5 ـ الزبير
6 ـ عبد الرحمن بن عوف
7 ـ عبد الله بن مسعود ، وغيرهم من أقطاب الإسلام وحماته

وقد نكّل عثمان بالكثيرين من معارضيه ؛ فقد نفى الصحابي العظيم أبا ذرّ الغفاري إلى الشام ، ثمّ نفاه إلى الربذة ، وهي صحراء قاحلة خالية من جميع مقوّمات الحياة ، وقد أنهكه الجوع حتّى توفي غريباً جائعاً مظلوماً ، كما نكّل بالصحابي الجليل عبد الله بن مسعود ، وقطع عنه مرتبه فلم يسعفه شيء حتّى أهلكه الفقر وفي يد عثمان ذهب الأرض وخيراتها .

كما نكّل بأعظم صحابي وأجلّ مجاهد إسلامي , وهو الطيّب ابن الطيّب عمّار بن ياسر ؛ فقد ضربه ضرباً مبرحاً حتّى أصابه فتق واُغمي عليه .
وقد رفعت السيدة عائشة قميص رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وهي تقول : هذا قميص رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لم يبلَ وعثمان قد أبلى سنّته ! كما أفتت بحلّية قتله فقالت : اقتلوا نعثلاً فقد كفر .

وقد اشتدّت عليه المعارضة وقويت وامتدّت إلى معظم الأقاليم الإسلاميّة ، وقد استجارت المعارضة بالعراق ومصر وغيرها لإنقاذ المسلمين من


الصفحة (127)

عثمان وبطانته ، فخفّت بعض الكتائب العسكريّة فزحفت إلى يثرب ، وأحاطت بدار عثمان وطلبت منه إبعاد مروان وإقصاء بني اُميّة عنه , أو الاستقالة من منصبه ، فوعدهم بتنفيذ أهم متطلباتهم , وهي إقصاء بني اُميّة , إلاّ أنّه خان بوعده ، وكتب إلى ولاته على الأقطار بالتنكيل بمَنْ استجاب للمعارضة ممّن قدموا إلى يثرب .
وقبض الثوار في أثناء رجوعهم إلى مدنهم على رسائله التي بعثها إلى ولاته في التنكيل بهم , ففزعوا وقفلوا راجعين إلى يثرب ، وعرضوا عليه رسائله وطالبوه بالاستقالة الفورية من منصبه فلم يستجب لهم ، وأصرّ على الاحتفاظ بكرسي الحكم ، فعمدوا إلى الإجهاز عليه فقتلوه شرّ قتلة ، وتركوا جسده مرمياً على مزبلة من مزابل يثرب ؛ استهانة به ، ولم يسمحوا بمواراته إلاّ أنّ الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) توسّط في دفنه , فاستجاب له الثوار على كره , فدفنوه في حش كوكب .
لقد انتهت حكومة عثمان , وقد أخلدت للمسلمين المصاعب والفتن وألقتهم في شرّ عظيم ؛ فقد اتّخذت عائشة قتله وسيلة لتحقيق مآربها وأطماعها السياسيّة , فراحت تُطالب الإمام بدمه ، وهي التي أفتت بقتله وكفره ، كما اتّخذ الذئب الجاهلي معاوية بن هند قتل عثمان ورقة رابحة للتمرّد على حكومة الإمام والمطالبة بدمه .
وعلى أيّ حال , فقد رأت حفيدة النبي (صلّى الله عليه وآله) السيّدة زينب (عليها السّلام) هذه الأحداث الجسام ووعت أهدافها السياسيّة , فكان لها أعمق الأثر في نفسها ؛ فقد كان لها من المضاعفات السيئة ما اهتز من هولها العالم الإسلامي ، والتي كان من نتائجها كارثة كربلاء التي رُزئت فيها السيدة زينب ؛ فقد عانت من الكوارث والخطوب ما تذوب من هولها الجبال .

حكومة الإمام (عليه السّلام)

وبعدما أطاح الثوار بحكومة عثمان أحاطوا بالإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) وهم يهتفون


الصفحة (128)

بحياته ، ويعلنون ترشيحه لقيادة الاُمّة فليس غيره أولى وأحق بهذا المركز الخطير ، فهو ابن عمّ النبي (صلّى الله عليه وآله) وأبو سبطيه ، ومَنْ كان منه بمنزل هارون من موسى ، وهو صاحب المواقف المشهورة في نصرة الإسلام والذبّ عنه ، وليس في المسلمين مَنْ يساويه في فضائله وعلومه وعبقرياته ، إلاّ أنّ الإمام رفض دعوتهم ولم يستجب لهم ؛ لعلمه بما سيواجهه من الأزمات السياسيّة ، فإنّ منهجه في عالم الحكم يتصادم مع رغبات الاُسر القرشيّة التي تريد السيطرة على السلطة وإخضاعها لرغباتها الخاصة .

فقال (عليه السّلام) للثوار : (( لا حاجة لي في أمركم , فمَنْ اخترتم رضيت به )) .

فهتفوا بلسان واحد : ما نختار غيرك .

وعقدت القوات المسلحة مؤتمراً خاصاً عرضت فيه ما تواجهه الاُمّة من الأخطار إن بقيت بلا إمام يدير شؤونها ، وقد قرّرت إحضار المدنيّين وإرغامهم على انتخاب إمام المسلمين ، فلمّا حضروا هدّدوهم بالتنكيل إن لم ينتخبوا إماماً وخليفة للمسلمين ، ففزعوا إلى الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) وأحاطوا به رافعين عقيرتهم : البيعة , البيعة .

فامتنع الإمام (عليه السّلام) من إجابتهم ، فأخذوا يتضرّعون إليه قائلين : أما ترى ما نزل بالإسلام ، وما ابتلينا به من أبناء القرى ؟!

فأجابهم الإمام بالرفض الكامل قائلاً : (( دعوني والتمسوا غيري )) . ثمّ أعرب لهم الإمام (عليه السّلام) عمّا ستعانيه الاُمّة من الأزمات قائلاً : (( أيّها الناس ، إنّا مستقبلون أمراً له وجوه وله ألوان , لا تقوم به القلوب ، ولا تثبت له العقول )) .


الصفحة (129)

لقد كشف الإمام عمّا سيواجهه المسلمون من الأحداث المروّعة التي تعصف بالحلم وتميد بالصبر ، الناجمة من الحكم المباد الذي عاث فساداً في الأرض ؛ فقد أقام عثمان اُسرته حكّاماً وولاةً على الأقاليم الإسلاميّة فاستأثروا بأموال المسلمين واحتكروها لأنفسهم ، وإنّهم حتماً سيقاومون كلّ مَنْ يريد الإصلاح الاجتماعي ؛ فلذلك امتنع الإمام من إجابة القوم .

ثمّ عرض الإمام على القوات المسلحة وعلى الصحابة وغيرهم منهجه فيما إذا ولي اُمورهم قائلاً : (( إنّي إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم ، وإن تركتموني فإنّما أنا كأحدكم ، ألا وإنّي من أسمعكم وأطوعكم لمَنْ ولّيتموه )) . واستجاب الجميع لما عرضه الإمام عليهم قائلين : ما نحن بمفارقيك حتّى نبايعك .

وأجّلهم الإمام إلى الغد لينظر في الاُمور ، ولمّا أصبح الصبح هرعت الجماهير إلى الجامع الأعظم ، فأقبل الإمام (عليه السّلام) فاعتلى أعواد المنبر فخطب الناس ، وكان من جملة خطابه : (( أيّها الناس ، إنّ هذا أمركم ليس لأحد فيه حقّ إلاّ مَنْ أمّرتم ، وقد افترقنا بالأمس وكنت كارهاً لأمركم فأبيتم إلاّ أن أكون عليكم ، ألا وإنّه ليس لي أن آخذ درهماً دونكم ، فإن شئتم قعدت لكم , وإلاّ فلا آخذ على أحد )) .
وتعالى هتاف الجماهير بالتأييد والرضا قائلين : نحن على ما فارقناك عليه بالأمس . وطفق الإمام قائلاً : (( اللّهمّ اشهد عليهم )) .

وقد اتّجهت الناس كالموج صوب الإمام لتبايعه ، وأوّل مَنْ بايعه طلحة , فبايعه


الصفحة (130)

بيده الشلاّء التي سرعان ما نكث بها عهد الله , فتطيّر منها الإمام وقال : (( ما أخلفه أن ينكث ))(1) .
ثمّ بايعه الزبير وهو ممّن نكث بيعته ، وبايعته القوات العسكريّة ، كما بايعه مَنْ بقي من أهل بدر والمهاجرين والأنصار كافة(2) .

ولم يظفر أحد من خلفاء المسلمين بمثل هذه البيعة في شمولها ، وقد فرح بها المسلمون وابتهجوا , ووصف الإمام (عليه السّلام) مدى سرورهم بقوله : (( وبلغ من سرور الناس ببيعتهم إيّاي أن ابتهج بها الصغير , وهدج إليها الكبير ، وتحامل نحوها العليل ، وحسرت إليها الكعاب )) .
لقد ابتهج المسلمون ، وعمّت الفرحة الكبرى جميع الأوساط الإسلاميّة بخلافة الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) رائد العدالة الاجتماعيّة ، والمتبنّي لحقوق الإنسان الذي شارك البؤساء والمحرومين في سغبهم ومحنهم ، القائل : (( أأقنع من نفسي بأن يُقال : أمير المؤمنين , ولا اُشاركهم في مكاره الدهر ، أو أكون اُسوة لهم في جشوبة العيش ؟! )) .

وجوم القرشيّين

واستقبلت قريش خلافة الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) بكثير من الوجوم والقلق والاضطراب كما استقبلوا نبوّة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ؛ فإنّ الروح الجاهليّة بما تحمل من عادات وتقاليد وكراهية للحقّ لم تزل مائلة فيهم , ولم يغيّر الإسلام من طباعهم أيّ شيء .
وقريش تعرف الإمام جيداً ؛ فهو الذي حصد رؤوس أعلامهم بسيفه ، ومحق

ـــــــــــــــــــــ
(1) العقد الفريد 3 / 93 .
(2)
حياة الإمام الحسن (عليه السّلام) 1 / 376 .


الصفحة (131)

كبرياءهم في سبيل الإسلام الذي ناهضوه ، وقد خفّ إليه الاُمويّون وفي طليعتهم الوليد فقال للإمام : إنّك قد وترتنا جميعاً ؛ أمّا أنا فقتلت أبي صبراً يوم بدر ، وأمّا سعيد فقتلت أباه يوم بدر ، وكان أبوه من نور قريش ، وأمّا مروان فشتمت أباه ، وعبت على عثمان حين ضمّه إليه , فنبايع على أن تضع عنّا ما أصبنا ، وتعفو عنّا عمّا في أيدينا ، وتقتل قتلة صاحبنا .
فردّ الإمام عليه مقالته التي لا بصيص فيها من نور الحقّ قائلاً : (( أمّا ما ذكرت من وتري إيّاكم فالحقّ وتركم ؛ وأمّا وضعي عنكم عمّا في أيديكم فليس لي أن أضع حقّ الله ؛ وأمّا إعفائي عمّا في أيديكم فما كان لله وللمسلمين فالعدل يسعكم ؛ وأمّا قتلي قتلة عثمان فلو لزمني قتالهم اليوم لزمني قتالهم غداً ، ولكن لكم أن أحملكم على كتاب الله وسنّة نبيّه ، فمَنْ ضاق عليه الحقّ فالباطل عليه أضيق ، وإن شئتم فالحقوا بملاحقكم ))(1) .
إنّ الاُمويِّين أرادوا المساومة فيما نهبوه من أموال المسلمين وما اختلسوه من بيت المال ، وهيهات أن يستجيب لهم رائد الحقّ والعدالة في دنيا الإسلام الذي لا تساوي السلطة عنده قيمة حذائه الذي كان من ليف ، وقد انصرفوا عنه وقلوبهم مترعة بالحقد والكراهية له .
وعلى أيّ حال , فقد فزع القرشيّون من حكومة الإمام (عليه السّلام) وخافوا على مصالحهم ونفوذهم وامتيازاتهم التي ظفروا بها في عهد الخلفاء .

لقد أيقنوا أنّ الإمام سيعاملهم معاملة عادية ، ولا يميّزهم على أيّ أحد من المسلمين ، وقد كان سيء الظنّ بهم ، وقد أعرب عن مدى استيائه منهم بقوله : (( ما لي ولقريش ! لقد قاتلتهم كافرين , ولأقتلنهم مفتونين . والله لأبقرنّ الباطل

ـــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ اليعقوبي 2 / 155 .


الصفحة (132)

حتى يظهر الحقّ من خاصرته ، فقل لقريش فليضج ضجيجها )) .
لقد حقدت قريش على الإمام كما حقدت على ابن عمّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وقد صرفت الخلافة تارة عنه إلى تيم ، وإلى عدي اُخرى ، وإلى بني اُميّة ثالثة .

وقد جهدت على محاربته وإشاعة التمرّد في أيام خلافته ، وقد ظهرت بوادر ذلك في حرب الجمل وصفين .

إجراءات حاسمة

وقام الإمام رائد العدالة الاجتماعيّة بإجراءات حاسمة ضدّ الحكم المباد كان منها :

1 ـ مصادرة الأموال المنهوبة

وأوّل عمل قام به الإمام أنّه أصدر أوامره بمصادرة القطائع التي اقتطعها عثمان ، وباسترجاع الأموال التي استأثر بها لنفسه ، والأموال التي منحها لبني اُميّة وآل أبي معيط ؛ لأنّها أُخذت بغير وجه مشروع ، وقد صودرت أموال عثمان حتّى سيفه ودرعه .

وقد كتب عمرو بن العاص إلى معاوية رسالة جاء فيها : ما كنت صانعاً فاصنع إذا قشّرك ابن أبي طالب من كلّ مال تملكه كما تُقشّر عن العصا لحاها .
وعمّ الذعر والخوف جميع الرأسماليين القرشيّين الذين أقطعهم عثمان ووهبهم الثراء العريض ؛ فقد خافوا من مصادرتها وتأميمها للدولة كما صنع الإمام بأموال عثمان ؛ فلذا أعلنوا التمرّد والبغي على حكومة الإمام (عليه السّلام) .

2 ـ عزل الولاة

وقام رائد العدالة الاجتماعيّة بعزل ولاة عثمان ؛ لأنّهم أظهروا الجور والفساد


الصفحة (133)

في الأرض ؛ فقد عزل معاوية بن هند ، وقد نصحه جماعة من المخلصين له وطلبوا منه إبقاء معاوية , فأبى وامتنع من المداهنة في دينه ، وكيف يُبقي الإمام في جهاز حكمه هذا الذئب الجاهلي ، ويقرّه على عمله وهو رأس المنافقين ومصدر قوّتهم .
وكذلك عزل غير معاوية من ولاة عثمان ، ولم يُبقِ واحداً منهم والياً على قطر من الأقطار .

3 ـ المساواة بين المسلمين

وأعلن الإمام (عليه السّلام) المساواة العادلة بين جميع المسلمين ، مساواة في العطاء , ومساواة في الحقوق وغيرهما من الشؤون الاجتماعيّة ، وقد عوتب على مساواته في العطاء ، فأجاب : (( أَتَأْمُرُونِّي أَنْ أَطْلُبَ النَّصْرَ بِالْجَوْرِ فِيمَنْ وُلِّيتُ عَلَيْهِ ؟! وَاللَّهِ لا أَطُورُ بِهِ مَا سَمَرَ سَمِيرٌ , وَمَا أَمَّ نَجْمٌ فِي السَّمَاءِ نَجْماً . لَوْ كَانَ الْمَالُ لِي لَسَوَّيْتُ بَيْنَهُمْ , فَكَيْفَ وَإِنَّمَا الْمَالُ مَالُ اللَّهِ ؟ أَلا وَإِنَّ إِعْطَاءَ الْمَالِ فِي غَيْرِ حَقِّهِ تَبْذِيرٌ وَإِسْرَافٌ , وَهُوَ يَرْفَعُ صَاحِبَهُ فِي الدُّنْيَا وَيَضَعُهُ فِي الآخِرَةِ , وَيُكْرِمُهُ فِي النَّاسِ وَيُهِينُهُ عِنْدَ اللَّهِ ... )) .
وهكذا سلك عليّ في أيام حكومته مسلكاً مشرقاً لا التواء ولا منعطف فيه ؛ فطبّق العدل ونشر المساواة ، فلم يؤثر أيّ أحد من أبنائه وأرحامه على غيرهم ، ولم يمنحهم أيّ امتياز في دولته .

وكان من بوادر عدله أنّه دخل بيت المال فقسّمه , فجاءت طفلة إمّا للحسن أو للحسين , فتناولت منه شيئاً , فلمّا بصر بها أسرع إليها فأخذه منها وأرجعه إلى بيت المال ، فقال له أصحابه : يا أمير المؤمنين ، إنّ لها فيه حقّاً .
فأنكر عليهم ذلك , وقال :


الصفحة (134)

(( إذا أخذ أبوها منه فليعطها منه ما شاء ))(1) .
لقد تحرّج في سلوكه كأشدّ وأقسى ما يكون التحرّج , وأرهق نفسه إرهاقاً شديداً ، فلم يرَ الناس مثل عدله في جميع فترات التاريخ .
على خطّة العدل والشرف غذّى أبناءه ، وقد رأت ابنته حفيدة الرسول زينب (عليها السّلام) هذه السيرة المشرقة التي تأخذ بأعماق القلوب قد سار عليها أبوها , فكانت من عناصر تربيتها ومن مقوّمات ذاتها ، وهي التي خلقت له الخصوم والأعداء .

ـــــــــــــــــــــ
(1) أنساب الأشراف 1 / 160 ، القسم الأوّل .

الصفحة (135)

التمرّد على حكومة الإمام (عليه السّلام)

وثارت القوى المنحرفة عن الحقّ والمعادية للإصلاح الاجتماعي على حكومة الإمام رائد الحقّ والعدالة في دنيا الإسلام ، وقد أرادوا منه أن يعدل عن منهجه ، ويسير وفق مخطّطاتهم الهادفة إلى ضمان مصالحهم ، ومنحهم الامتيازات الخاصة فأبى (عليه السّلام) إلاّ أن يسير بسيرة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، ويطبّق قانون الإسلام وتعاليم القرآن .

ونشير إلى بعض هؤلاء المتمرّدين الذين شقّوا صفوف المسلمين ، وأغرقوا البلد في المحن والاضطراب ، وأشاعوا بين المسلمين الحزن والحداد ، وهم :

طلحة والزّبير

وبايع طلحة والزّبير الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، وانعقدت بيعته في أعناقهما ، ولكنّ الأطماع السياسيّة والشورى العمرية التي نفخت فيهما روح الطموح ، وساوت بينهما وبين بطل الإسلام وأخي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) هي التي دفعتهما إلى إعلان التمرّد ، وقد خفّا إلى الإمام (عليه السّلام) وقد أترعت نفوسهما بالأطماع والكيد للإسلام ، فقالا للإمام : هل تدري على ما بايعناك يا أمير المؤمنين ؟
فأسرع الإمام قائلاً : (( نعم , على السمع والطاعة ، وعلى ما بايعتم عليه أبا بكر وعمر وعثمان )) .
فرفضا ذلك ، وقالا :


الصفحة (136)

لا ، ولكن بايعناك على أنّا شريكاك في الأمر .
فرمقهما الإمام بطرفه ، وأوضح لهما ما ينبغي أن يكونا شريكين له قائلاً : (( لا ، ولكنّكما شريكان في القول والاستقامة ، والعون على العجز والأولاد )) .

لقد أعربا عن أطماعهما وأنّ بيعتهما للإمام لم تكن من أجل صالح المسلمين وجمع كلمتهم ، وقاما مغضبين ، فقال الزّبير في ملأ من قريش : هذا جزاؤنا من عليّ ، قمنا له في أمر عثمان حتّى أثبتنا عليه الذنب ، وسبّبنا له القتل وهو جالس في بيته , وكُفي الأمر ، فلمّا نال بنا ما أراد جعل دوننا غيرنا .

وقال طلحة : ما اللوم إلاّ أنّا كنّا ثلاثة من أهل الشورى كرهه أحدنا(1) وبايعناه ، وأعطيناه ما في أيدينا ومنعنا ما في يده ، فأصبحنا قد أخطأنا ما رجونا .

والشيء المؤكّد أنّهما لم يعرفا عليّاً ، ولم يعيا أهدافه في عالم الحكم ، ولو عرفاه ما نازعاه ، أو أنّهما عرفاه وحالت أطماعهما وجشعهما على منازعته ، وانتهى حديثهما إلى الإمام (عليه السّلام) , فاستدعى مستشاره عبد الله بن عباس فقال له : (( بلغك قول الرجلين ؟ )) .

ـ نعم , أرى أنّهما أحبّا الولاية فولّ البصرة الزّبير ، وولّ طلحة الكوفة .

ولم يرتضِ الإمام رأي ابن عباس ، فقال مفنّداً لرأيه : (( ويحك ! إنّ العراقين ـ البصرة والكوفة ـ بهما الرجال والأموال ، ومتى تملّكا رقاب الناس يستميلا السفيه بالطمع ، ويضربا الضعيف بالبلاء ، ويقويا على القوي بالسلطان . ولو كنت مستعملاً أحداً لضرّه ونفعه لاستعملت معاوية على الشام ،

ـــــــــــــــــــــ
(1) يريد به سعد بن أبي وقّاص , فإنّه امتنع عن بيعة الإمام (عليه السّلام) , والذي دفعه على ذلك حقده له .


الصفحة (137)

ولولا ما ظهر لي من حرصهما على الولاية لكان لي فيهما رأي )) .
لقد كان الإمام (عليه السّلام) عالماً بأطماعهما وما انطوت عليه نفوسهما من التهالك على الإمرة والسلطان ، ولو كان يعلم نزاهتهما واستقامتهما لولاّهما البصرة والكوفة .

ولمّا علم طلحة والزّبير أنّ الإمام لا يولّيهما على قطر من أقطار المسلمين خفّا إليه طالبين منه الإذن بالخروج قائلين : ائذن لنا يا أمير المؤمنين .

ـ (( إلى أين ؟ )) .

ـ نريد العمرة .

فرمقهما الإمام بطرفه ، وعرّفهما ما يريدان قائلاً لهما : (( والله ما العمرة تريدان , بل الغدرة ونكث البيعة )) . فأقسما له بالأيمان المغلّظة أنّهما لا يخلعان بيعته ، وأنّهما يريدان أن يعتمرا بالبيت الحرام ، وطلب منهما الإمام أن يُعيدا له البيعة ثانياً ففعلا دون تردد ، ومضيا منهزمين إلى مكة يثيرا الفتنة ، ويلحقا بعائشة ليتّخذوها واجهة لتمرّدهما على الحقّ وشقّ كلمة المسلمين .

تمرّد عائشة

ويجمع المؤرّخون على أنّ عائشة في طليعة مَنْ أشعل نار الثورة على عثمان ؛ فقد أفتت بقتله ومروقة من الدين ، وكانت تسمّيه نعثلاً ، ولمّا أحاط به الثوار خرجت إلى مكة ، وبعد أدائهما لمناسك الحج قفلت راجعة إلى يثرب ، وهي تجدّ في السير لتنظر ما آل إليه أمر عثمان ، فلمّا انتهت إلى سرف لقيها رجل من أخوالها كان قادماً من المدينة ، فأسرعت قائلة : مهيم(1) .

ـــــــــــــــــــــ
(1) مهيم : كلمة استفهام , من معانيها : ما وراؤك .


الصفحة (138)

ـ قتلوا عثمان .
وأسرعت قائلة : ثمّ صنعوا ماذا ؟
ـ واجتمعوا على بيعة عليّ فجازت بهم إلى خير مجاز .
ولمّا سمعت أنّ الخلافة قد آلت إلى الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) انهارت أعصابها , وتحطّمت قواها ، وهتفت وهي حانقة , وبصرها يشير إلى السماء ثمّ ينخفض فيشير إلى الأرض , قائلة : والله , ليت هذه انطبقت على هذه إن تمّ الأمر لابن أبي طالب ! قُتل عثمان مظلوماً ، والله لأطلبنّ بدمه .
وبُهر عبيد من منطقها ، فقال لها باستهزاء وسخرية : ولِمَ ؟ فوالله إنّ أوّل مَنْ أمال حرفه لأنت ، ولقد كنت تقولين : اقتلوا نعثلاً فقد كفر !
وانبرت عائشة تبرّر هذا التناقض في كلامها وسلوكها ، فقالت له : إنّهم استتابوه ثمّ قتلوه ، وقد قلت وقالوا ، وقولي الأخير خير من قولي الأوّل .
وهي حجّة واهية لا واقع لها ، فهل أنّها كانت حاضرة حينما أحاط الثوار بعثمان فأعلن لهم توبته فلم يحفلوا بها , وعدوا عليه فقتلوه كما تقول ؟!

ولم يخفَ على ابن خالها هذا التناقض الصريح في قولها ، فراح يردّ عليها :

فمـنكِ  البداء ومنكِ الغِيَرْ     ومنكِ الرياح ومنكِ المطرْ
وأنـتِ أمرتِ بقتلِ الإمام      وقُـلتِ لـنا إنّـه قد كفرْ
 فهبنا
(1) أطعناكِ في قتلِه      وقـاتِلُه  عـندنا مَنْ أمرْ

 

ـــــــــــــــــــــ

(1) في رواية : ( ونحن ) .


الصفحة (139)

ولـم يسقُطِ السقفُ من فوقنا      ولـم  تنكسف شمسُنا والقمرْ
وقد بايعَ الناسُ ذا تُدرَأٍ
(1)      يُـزيلُ الـشبا ويقيمُ الصَّعرْ
و يـلبسُ لـلحربِ أثـوابها      وما مَنْ وفى مثلُ مَنْ قد غدرْ

 

وغاظها قوله فأعرضت عنه , وقفلت راجعة إلى مكة(2) وهي كئيبة حزينة ؛ لأنّ الخلافة آلت إلى باب مدينة علم النبي (صلّى الله عليه وآله) وأبي سبطيه , وراحت تندب عثمان ؛ فقد اتّخذت قتله ورقة رابحة للإطاحة بحكم الإمام ، يقول شوقي :

أثأرُ  عثمانَ الذي شجاها      أم غصّةٌ لم ينتزع شجاها
ذلـك  فتقٌ لم يكن بالبالِ      كيدُ  النساءِ موهنُ الجبالِ

 

إنّ دم عثمان لا يصلح بأيّ حال من الأحوال أن يكون من بواعث ثورتها على حكومة الإمام ؛ فقد كانت هناك أسباب وثيقة دعتها إلى هذا الموقف الذي لا تُحمد عليه ، وقد ذكرناها بالتفصيل في كتابنا (حياة الإمام الحسن) .

الزحف إلى البصرة

وانضمّ طلحة والزّبير إلى عائشة ومعهما جميع رجال الحكم المُباد من ولاة عثمان وغيرهم من المعادين لحكومة الإمام (عليه السّلام) ، وقد قرّر زعماء الفتنة الزحف إلى البصرة لاحتلالها ، ونادى المنادي في مكة : أيّها الناس ، إنّ اُمّ المؤمنين وطلحة والزّبير شاخصون إلى البصرة ، فمَنْ كان يريد إعزاز الإسلام , وقتال المحلّين , والطلب بدم عثمان ، ولم يكن عنده مركب

ـــــــــــــــــــــ
(1) ذو تُدرأٍ : أي ذو عزيمة ومنعة . الشبا : المكرون . الصعر : ميل في الوجه أو في أحد الشفتين ، والمراد أنّه يقيم الشيء الملتوي .
(2)
تاريخ الطبري 3 / 454 ، وغيره .


الصفحة (140)

ولا جهاز , فهذا جهازه وهذه نفقته .
وزوّدوا الجند بالسلاح والعتاد والأموال ، وقد كان قسم من النفقات من يعلي بن اُمية والي عثمان ؛ فقد أعان بأربعمئة ألف , وحمل سبعين رجلاً(1) .
واعتلت عائشة على جملها ولم ترغب فيه ، وصادفوا في الطريق العرني , وكان عنده جمل اُعجب به أتباع عائشة ، فقالوا للعرني : يا صاحب الجمل , تبيع جملك ؟
ـ نعم .
ـ بِكَم ؟
ـ بألف درهم .
ـ مجنون أنت ، جمل يباع بألف درهم !
ـ نعم ، جملي هذا .
ـ وممّ ذلك ؟
ـ ما طلبت عليه أحداً إلاّ أدركته ، ولا طلبني وأنا عليه قطّ إلاّ فتّه .
ـ لو تعلم لمَنْ نريده لأحسنت بيعنا .
ـ لمَنْ تريده ؟
ـ لاُمّك .
ـ قد تركت اُمّي في بيتها قاعدة ما تريد براحاً .
ـ إنّما نريده لاُمّ المؤمنين عائشة .
ـ هو لكم ، خذوه بغير ثمن .
ـ لا , ارجع معنا إلى الرحل نعطيك ناقة ونزيدك دراهم .

ـــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ الطبري 3 / 454 ، وغيره .


الصفحة (141)

ورجع معهم فأعطوه ناقة مهرية , وزادوه أربعمئة أو ستمئة درهم(1) .
واعتلت عليه عائشة وقد احتفى بها أنصارها من الاُمويِّين وغيرهم من الطامعين في الحكم .

ماء الحوأب

وسارت قافلة عائشة تجدّ في السير لا تلوي على شيء ، فاجتازت على مكان يُقال له الحوأب ، فتلقّت كلاب الحيّ القافلة بهرير وعواء ، فذعرت عائشة من شدّة ذلك النباح ، فقالت لمحمد بن طلحة : أيّ ماء هذا ؟
ـ ماء الحوأب .
فذعرت عائشة ، وقالت : ما أراني إلاّ راجعة .
ـ لِمَ يا اُمّ المؤمنين ؟
ـ سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول لنسائه : (( كأنّي بإحداكنَّ قد نبحتها كلاب الحوأب(2) ، وإيّاك أن تكوني يا حُميراء )) .
فردّ عليها محمّد وقال لها : تقدّمي رحمك الله ، ودعي هذا القول . ولم تقتنع عائشة , وذاب قلبها أسى على ما فرّطت في أمرها .

ـــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ الطبري 3 / 475 .
(2)
روى ابن عباس عن النبي (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال يوماً لنسائه وهنّ جميعاً عنده : (( أيّتكنّ صاحبة الجمل الأدبب , تنبحها كلاب الحوأب ، يُقتل عن يمينها وشمالها قتلى كثيرة كلّهم في النار ، وتنجو بعد ما كادت ؟ )) . جاء ذلك في شرح النهج 2 / 497 ، وهذا الحديث من أعلام النبوّة ، ومن إخباره بالمغيّبات .


الصفحة (142)

وعلم طلحة والزّبير بإصرارها على الرجوع إلى يثرب , فأقبلا يلهثان ؛ لأنّها متى انفصلت عن الجيش تفرّق وذهبت آمالهما أدراج الرياح ، فتكلّما معها في الأمر فامتنعت من إجابتهما ، فجاؤوا لها بشهود اشتروا ضمائرهم فشهدوا عندها أنّه ليس بماء الحوأب . وهي أوّل شهادة زور تُقام في الإسلام(1) ، وبهذه الشهادة الكاذبة استطاعوا أن يحرفوها عمّا صمّمت عليه .

في ربوع البصرة

وأشرفت قافلة عائشة على البصرة ، فلمّا علم ذلك عثمان بن حنيف والي البصرة أرسل إلى عائشة أبا الأسود الدؤلي ليسألها عن قدومها ، ولمّا التقى بها قال : ما أقدمك يا اُمّ المؤمنين ؟

ـ أطلب بدم عثمان .

فردّ عليها من منطقه الفيّاض قائلاً : ليس في البصرة من قتلة عثمان أحد .

ـ صدقت , ولكنّهم مع علي بن أبي طالب بالمدينة ، وجئت أستنهض أهل البصرة لقتاله ، أنغضب لكم من سوط عثمان ولا نغضب لعثمان من سيوفكم ؟!

فردّ عليها أبو الأسود ببالغ الحجّة قائلاً : ما أنتِ من السوط والسيف , إنّما أنتِ حبيبة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، أمرك أن تقرّي في بيتك وتتلي كتاب ربّك , وليس على النساء قتال ، ولا لهنّ الطلب بالدماء ، وأنّ عليّاً لأولى منكم وأمسّ رحماً ؛ فإنّهما ابنا عبد مناف ؟!

ولم تقنع عائشة وأصرّت على محاربة الإمام (عليه السّلام) ، وقالت لأبي الأسود : لست بمنصرفة حتّى أمضي لما قدمت إليه ، أفتظنّ [يا] أبا الأسود أنّ أحداً يقدم

ـــــــــــــــــــــ
(1) مروج الذهب 2 / 342 ، تاريخ اليعقوبي 2 / 181 .


الصفحة (143)

على قتالي ؟

فأجابها أبو الأسود : أما والله لتقاتلنَ قتالاً أهونه الشديد .

ثمّ تركها وانصرف صوب الزّبير , فقابله وذكّره بماضي جهاده وولائه للإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) قائلاً له : يا أبا عبد الله ، عهد الناس بك وأنت يوم بويع أبو بكر آخذ بقائم سيفك تقول : لا أحد أولى بهذا الأمر من ابن أبي طالب ، وأين هذا المقام من ذاك ؟

فأجابه الزّبير : نطلب بدم عثمان .

ونظر إليه أبو الأسود فأجابه بسخرية : أنت وصاحبك ولّيتماه فيما بلغنا .

ورأى الزّبير في كلام أبي الأسود النصح والسداد فانصاع لقوله ، إلاّ أنّه طلب منه مواجهة طلحة , وعرض الأمر عليه ، فمضى أبو الأسود مسرعاً نحو طلحة وكلّمه في الأمر فلم يجد منه أيّة استجابة ، وقفل أبو الأسود راجعاً إلى ابن حنيف فأخبره بنيّة القوم وإصرارهم على الحرب .

وعقد الفريقان هدنة مؤقتة ، وكتبا في ذلك وثيقة وقّعها كلا الطرفين على أن لا يفتح أحدهما على الآخر باب الحرب حتّى يستبين في ذلك رأي الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) .

مظاهرة نسوية لتأييد عائشة

وقامت بعض السيّدات من النساء بمظاهرة لتأييد عائشة وهنَّ يجبنَ في شوارع يثرب ويضربنَ بالدفوف ، وقد رفعنَ أصواتهنَّ بهذا النشيد : ما الخبر ، ما الخبر ، إنّ عليّاً كالأشقر ، إن تقدّم عقر ، وإن تأخّر نحر .


الصفحة (144)

ولمّا سمعت ذلك اُمّ المؤمنين السيدة اُمّ سلمة خرجت هي وحفيدة الرسول العقيلة زينب (عليها السّلام) تحفّ بها إماؤها , فجعلت توبّخهنّ ، وقالت لهنّ : إن تظاهرتنَ على أبي فقد تظاهرتنَ من قبل على جدّي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) . فاستحيت النساء وتفرّقنَ ، وعادت السيدة زينب (عليها السّلام) إلى بيتها(1) .

نقض الاتفاق

وعمل حزب عائشة إلى نقض الهدنة ؛ فقد هجموا على والي البصرة ابن حنيف , وكان مقيماً في دار الإمارة , فاعتقلوه ونكّلوا به ، فنتفوا شعر رأسه ولحيته وحاجبيه ، ونهبوا ما في بيت المال ، وثارت الفتنة في البصرة ؛ فقد قتلوا خزّان بيت المال وبعض الشرطة ، ووقعت معركة رهيبة بين أنصار الإمام (عليه السّلام) وحزب عائشة ، وقد حملوها على جمل ، وسُمّيت تلك الوقعة بيوم الجمل الأصغر ، وقد استشهد فيها جمع من المسلمين(2) .

زحف الإمام (عليه السّلام) إلى البصرة

وزحف الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) بجيوشه إلى البصرة للقضاء على هذا الجيب المتمرّد الذي ينذر بانتشار التمرّد وسقوط الحكم ، وحينما انتهى إلى البصرة بعث عبد الله بن عباس وزيد بن صوحان إلى عائشة وطلحة والزّبير يدعوهم إلى السلم وعدم إراقة الدماء ، فلم يستجيبوا لدعوته وأصرّوا على التمرّد والبغي ومناجزة الإمام (عليه السّلام) .

وأرسل الإمام فتىً نبيلاً وأمره أن يحمل كتاب الله تعالى ويدعوهم إلى تحكيمه ، فأخذ الفتى الكتاب العزيز وجعل يلوّح به أمام عسكر عائشة , وهو يدعوهم إلى العمل بما فيه ويدعوهم إلى السلم والوئام ، فحملوا عليه فقطعوا

ـــــــــــــــــــــ
(1) زينب الكبرى / 25 .
(2)
عرضنا لهذه الأحداث بصورة مفصّلة في كتابنا حياة الإمام الحسن (عليه السّلام) .


الصفحة (145)

يمينه ، فأخذ المصحف بيساره , وجعل يدعوهم إلى السلم والعمل بما في الكتاب ، فحملوا عليه فقطعوا يساره ، فأخذ المصحف بأسنانه ، وجعل يناديهم : الله في دمائنا ودمائكم .
فانثالوا عليه يرشقونه بسهامهم حتّى سقط إلى الأرض جثة هامدة ، ولم تُجْدِ معهم هذه الدعوة الكريمة , وأصرّوا على الحرب .

إعلان الحرب

ولم تُجب مع عائشة وحزبها دعوة الإمام (عليه السّلام) إلى السلم وعدم إراقة الدماء ؛ فقد أصرّوا على الحرب والتمرّد على الحقّ ؛ فاضطرّ الإمام إلى مناجزتهم ، فعبّأ جنوده ، ونظرت إليه عائشة وهو يجول بين الصفوف , فقالت : انظروا إليه كأنّ فعله فعل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يوم بدر ! أما والله ما ينتظر بكم إلاّ زوال الشمس .

ومع علمها بأنّ فعله كفعل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) , كيف ساغ لها أن تحاربه ؟!وخاطبها الإمام (عليه السّلام) , فقال لها : (( يا عائشة ، عمّا قليل ليصبحنَّ نادمين ))(1) .

وأعطى الإمام خطته العسكريّة لجنوده ، فقال لهم : (( أيّها الناس ، إذا هزمتموهم فلا تجهزوا على جريح ، ولا تقتلوا أسيراً ، ولا تتّبعوا مولّياً ، ولا تطلبوا مدبراً ، ولا تكشفوا عورة ، ولا تمثّلوا بقتيل ، ولا تهتكوا ستراً ، ولا تقربوا من أموالهم إلاّ ما تجدونه في معسكرهم من سلاح أو كراع , أو عبد أو أمة ، وما سوى ذلك فهو ميراث لورثتهم على كتاب الله )) .
ومثّلت هذه الوصية الشرف والرأفة والرحمة ، كما وضعت الأصول الفقهية في حرب المسلمين بعضهم مع بعض ، كما أعلن ذلك بعض الفقهاء .

ـــــــــــــــــــــ
(1) حياة الإمام الحسن (عليه السّلام) 1 / 447 .


الصفحة (146)

واعتلت عائشة جملها المسمّى بعسكر وأخذت كفّاً من حصباء فرمت به أصحاب الإمام (عليه السّلام) , وقالت : شاهت الوجوه . فأجابها رجل من شيعة الإمام : يا عائشة ، وما رميت إذ رميت ولكنّ الشيطان رمى .

وتولّت عائشة القيادة العامة للقوات المسلحة ، فكانت هي التي تصدر الأوامر للجيش . وبدأ القتال كأشدّه ، وقد حمل الإمام (عليه السّلام) على معسكر عائشة وقد رفع العلم بيسراه ، وشهر بيمينه ذا الفقار الذي طالما كشف به الكرب عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) .

واشتدّ القتال ، وقد بان الانكسار في جيش عائشة , وقد قُتل طلحة والزّبير والكثيرون من قادة عسكر عائشة ، وأخذت عائشة تبثّ في نفوس عسكرها روح التضحية والنضال ، وقد دافعوا عنها بحماس بالغ ، وقد شاعت القتلى بين الفريقين .

عقر الجمل

وأحاط أصحاب عائشة بجمل اُمّهم ، فدعا الإمام (عليه السّلام) عمّار بن ياسر ومالك الأشتر ، وأمرهما بعقر الجمل قائلاً : (( اذهبا فاعقرا هذا الجمل ؛ فإنّ الحرب لا يخمد ضرامها ما دام حيّاً ؛ فإنّهم قد اتّخذوه قبلة لهم )) .
وانطلق الأشتر وعمّار ومعهما فتية من مراد ، فوثب فتى يُعرف بمعمر بن عبد الله إلى الجمل فضربه على عرقوبه فهوى إلى الأرض , وله صوت منكر لم يُسمع مثله ، وتفرّق أصحاب عائشة حينما هوى الصنم الذي قدّموا له آلاف القتلى ، وأمر الإمام (عليه السّلام) بحرقه وذرّ رماده في الهواء ؛ لئلا تبقى منه بقيّة يفتتن بها الغوغاء ، وبعدما فرغ من ذلك قال : (( لعنه الله من دابة ، فما أشبهه بعجل بني إسرائيل ! )) .


الصفحة (147)

ثمّ مدّ بصره نحو الرماد الذي تناهبته الريح وتلا قوله تعالى : ( وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً )(1) .
وانتهت بذلك حرب الجمل التي أثارتها الأحقاد والأطماع ، وقد أشاعت بين المسلمين الضغائن والفتن , وألقتهم في شرّ عظيم .

العفو العام

وأصدر الإمام (عليه السّلام) أوامره بالعفو العام عن جميع أعدائه وخصومه ، وطلبت عائشة من الإمام أن يعفو عن ابن أختها عبد الله بن الزّبير وهو من ألدّ أعدائه فعفا عنه ، وكذلك عفا عن مروان بن الحكم ، وقد توسّط في أمره الحسن والحسين (عليهما السّلام) ، وآمن الأسود والأحمر ـ على حدّ تعبير اليعقوبي ـ ، ولم ينكّل بأيّ أحد من خصومه وأعدائه .

تسريح عائشة

وسرّح الإمام (عليه السّلام) عائشة وردّها إلى يثرب ، ولم يعرض لها بأيّ مكروه أو أذى ، وقد غادرت البصرة ونشرت في ربوعها الحزن والحداد والثكل ، وتصدّعت الوحدة بين المسلمين ، وشاعت بينهم الكراهية والبغضاء .
وعلى أيّ حال , فقد وعت سيّدة النساء زينب (عليها السّلام) هذه الأحداث , وعرفت ما تحمله الاُسر القرشيّة من العداء العارم والبغض الشديد لأبيها (عليه السّلام) ، وأنّها قد شنّت الحرب عليه كما شنّته على أخيه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من قبل .

تمرّد معاوية

ومهّدت عائشة الطريق إلى معاوية ، وفتحت له أبواب المعارضة لحكومة الإمام

ـــــــــــــــــــــ
(1) سورة طه / 97 .


الصفحة (148)

أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، فلولاها لما تمكّن ابن هند من مناجزة الإمام ورفضه لبيعته .
وقد اتّخذ معاوية دم عثمان ورقة رابحة للمطالبة بدمه ، ومن المؤكّد زيف هذه الدعوى وعدم واقعيتها ؛ فقد استنجد به عثمان حينما حوصر وطلب منه أن يسعفه بقوّة عسكرية لرفع الحصار عنه فلم يستجب له حتّى أجهز عليه الثوار .

إنّ الذي دعا معاوية إلى التمرّد على حكومة الإمام (عليه السّلام) هو ما يعلمه من سيرة الإمام وسياسته الهادفة إلى إقامة الحقّ وتدمير الباطل ؛ فالإمام لا يُبقي معاوية في جهاز الحكم لحظة واحدة ، ويُجرّده من جميع أمواله التي اختلسها من بيت مال المسلمين ، ويُحاسبه حساباً عسيراً على جميع تصرّفاته المجافية لروح الإسلام ؛ من لبس الحرير والديباج , واستعمال أواني الذهب والفضة ، والإسراف الفظيع في بناء القصور ، ولا يقرّ شرعيّة دعم عمر له وثنائه عليه ومبالغته في تأييده ؛ فهو الذي لم يحاسبه على أعماله التي تصادمت مع تعاليم الإسلام , وقال فيه : إنّه كسرى العرب . واعتبر الإمام ذلك تعدٍّ على سياسة العدل التي تبنّاها في جميع مراحل حكمه وحياته .

وعلى أيّ حال , فقد بعث الإمام إلى معاوية جرير بن عبد الله البجلي وزوّده برسالة يدعوه فيها إلى مبايعته والدخول في طاعته ، إلاّ أنّ معاوية أصرّ على غيّه ورفض الاستجابة لدعوة الحقّ والوئام ؛ فقد توفّرت عنده القوّة العسكريّة التي يستطيع بها على محاربة الإمام .

زحف معاوية لصفّين

وبعدما توفّرت لمعاوية الإمكانيات العسكريّة والقوى المكثفة زحف بها إلى صفّين وأقام فيها ، وكان أوّل عمل قام به احتلال الفرات , واعتبر ذلك أوّل الفتح ؛ لأنّه حبس الماء على عدوّه ، وظلّت جيوشه مقيمة هناك تصلح أمرها وتنظّم قواها لتستعدّ إلى حرب وصيّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وباب مدينة علمه .


الصفحة (149)

مسير الإمام (عليه السّلام) إلى صفّين

وتهيّأ الإمام (عليه السّلام) للخروج إلى صفّين ، وأمر الحارث بن الأعور أن ينادي في الناس بالخروج إلى معسكرهم في النخيلة , فعجّت الكوفة بالنفار ، وخرج الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) تحفّ به البقية الخيرة من صحابة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وفي طليعتهم الصحابي العظيم عمّار بن ياسر .
ولزمت جيوش الإمام (عليه السّلام) في زحفها السريع الفرات حتّى انتهت إلى صفّين ، فلم يجدوا شريعة يستقون منها الماء إلاّ وعليها الحرس الكثير وهم يُمانعونهم أشدّ الممانعة من الوصول إليه ، فأخبروا الإمام (عليه السّلام) , فدعا صعصعة بن صوحان وأمره بمقابلة معاوية ليسمح لجنوده بورود الماء ، وسار إليه صعصعة وعرض عليه مقالة الإمام ، فامتنع من إجابته , واعتبر ذلك أوّل الفتح .

وحملت جيوش الإمام حتّى احتلت الفرات وانهزمت جيوش معاوية ، وطلب أصحاب الإمام منه أن يمنع الماء عن عسكر معاوية فأبى (عليه السّلام) ، وأبى أن يكيل لهم الصاع بالصاع ، وقابلهم مقابة المحسن الكريم إلى أعدائه وخصومه.

الحرب

وأوفد الإمام إلى معاوية رسل السّلام رجاءً في الصلح وحقن الدماء ، فردّهم بعنف وأعلمهم أنّه مصمّم على الحرب ، ورجعت كتائب السلام إلى الإمام ، وعرّفته برفض معاوية لدعوته وإصراره على الحرب .

ولم يجد الإمام بدّاً من الحرب ، فأصدر تعاليمه لعموم جيشه بعدم قتل المدبر ، وعدم الإجهاز على الجريح ، وعدم المُثلة بأيّ قتيل منهم ، وعدم أخذ أموالهم إلاّ ما وجد في معسكرهم ، وغير ذلك من صنوف الشرف والرحمة التي لم يعهد لها نظير في عالم الحروب .

وبدت الحرب بين جيش الإمام (عليه السّلام) وجيش معاوية , فكانت كتائب من عسكر

الصفحة (150)

الإمام تخرج إلى فرق من أهل الشام فيقتتل الفريقان نهاراً كاملاً أو طرفاً منه ، ولم يرغب الإمام (عليه السّلام) أن تقع حرب عامة بين الفريقين ؛ رجاء أن يجيب معاوية إلى الصلح .
وخرج الزعيم الكبير مالك الأشتر يتأمّل في رايات أهل الشام فإذا هي رايات المشركين التي خرجت لحرب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فراح يقول لأصحابه : أكثر ما معكم رايات كانت مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، ومع معاوية رايات كانت مع المشركين على عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، فما يشكّ في قتال هؤلاء إلاّ ميّت القلب .
وخطب الصحابي العظيم عمّار بن ياسر فجعل يبيّن للمسلمين واقع معاوية , وأنّه جاهلي لا إيمان له ، وأنّه معاد لله ورسوله .
وعلى أيّ حال ، فلم تقع حرب عامة بين الفريقين ، وقد سئم الجيش العراقي هذه الحرب وآثر العافية ، كما سئم ذلك جيش أهل الشام .

الحرب العامة

ولمّا رأى الإمام (عليه السّلام) أنّه لا أمل في الإصلاح وجمع الكلمة عبّأ أصحابه وتهيّأ للحرب العامة ، وفعل معاوية مثل ذلك ، وبدأ الهجوم العام ، وبذلك فقد استعرت نار الحرب واشتدّ أوارها ، وقد خيّم الذعر والفزع على كلا الجيشين ، وقد انكشفت ميمنة الإمام وتضعضع قلب جيشه إلاّ أنصار ربيعة قد ثبتت في الميدان ، وأخذت على عاتقها أن تقوم بحماية الإمام ونصرة الحقّ .
وقد استشهد في المعركة بطل الإسلام المجاهد العظيم عمّار بن ياسر ، وقد حزن عليه الإمام كأشدّ ما يكون الحزن ، وكذلك استشهد غيره من أعلام الإسلام وكان لفقدهم أثر كبير في انهيار الجيش العراقي .

هزيمة معاوية

وبدا الانكسار في جيش ابن هند وكاد أصحابه يبلغون فسطاطه ، وهمّ بالفرار إلاّ أنّه


الصفحة (151)

تذكر قول ابن الإطنابة :

 أبت  لي عفّتي وحياءُ نفسي      وإقدامي على البطلِ المشيحِ
 وإعطائي على المكروهِ مالي      وأخذي الحمدَ بالثمنِ الربيحِ
 وقولي  كلّما جشأت وجاشتْ      مكانك  تحمدي أو تستريحي

 

فردّه هذا الشعر إلى الثبات وعدم الهزيمة كما كان يتحدّث بذلك أيام العافية .

مكيدة رفع المصاحف

ولم تكن مكيدة رفع المصاحف وليدة الساعة , ولم تأت عفواً ، وإنّما كانت نتيجة مؤامرة سرّية بين عمرو بن العاص وبعض قادة الجيش العراقي , وعلى رأسهم الخائن العميل الأشعث بن قيس . لقد رفع أهل الشام المصاحف على أطراف الرماح وهم يدعون الجيش العراقي إلى تحكيم كتاب الله ، فاندفعت كتائب من عسكر الإمام (عليه السّلام) وهم يهتفون : لقد أعطى معاوية الحقّ ؛ دعاك إلى كتاب الله فاقبل منه .
لقد استجاب لهذه الدعوة الكاذبة السذّج , والسائمون من الحرب , والطامعون في الحكم , وعملاء الحكم الاُموي ، وجعل الأشعث بن قيس يشتدّ كالكلب رافعاً صوته ليُسمع الجيش : ما أرى الناس إلاّ قد رضوا ، وسرّهم أن يجيبوا القوم إلى ما دعوهم إليه من حكم القرآن ، فإن شئت أتيت معاوية فسألته ما يريد .
وأخذ الأشعث يلحّ على الإمام (عليه السّلام) وهو يمتنع من إجابته وكثرة إلحاحه ، وقد استجابت له فرق من الجيش فلم يجد الإمام بُدّاً من إجابته ، فمضى مسرعاً نحو معاوية فقال له : لأي شيء رفعتم هذه المصاحف ؟


الصفحة (152)

والأشعث يعلم لِمَ رفعوا المصاحف ولاذوا بها , فأجابه معاوية : لنرجع نحن وأنتم إلى أمر الله عزّ وجلّ في كتابه ؛ تبعثون منكم رجلاً ترضون به ونبعث منّا رجلاً ، ثمّ نأخذ عليهما أن يعملا بما في كتاب الله لا يعدوانه ، ثم نتّبع ما اتّفقنا عليه .
وهل ابن هند يؤمن بكتاب الله ويتّبع ما حكم به ؟! أوَليس خروجه على السلطة الشرعيّة مجافية لتعاليم القرآن ؟!
وعلى أيّ حال , فقد انبرى الخائن الأشعث يصدّق مقالة معاوية قائلاً : هذا هو الحقّ .
وانبرى الإمام (عليه السّلام) فزيّف دعوة التحكيم ، وعرّف الجماهير أنّها خدعة ومكيدة ، وأنّ معاوية وحزبه لا يؤمنون بالقرآن ، وأنّهم على ضلالهم القديم .

وأصرّ جيش الإمام على الاستجابة لدعوة معاوية , وهدّدوه بالقتل إن رفض ما أرادوه ؛ فاستجاب (عليه السّلام) مرغماً مكرهاً على ذلك ، وقد أشرفت بعض قطعات جيشه بقيادة الزعيم الكبير مالك الأشتر على الفتح ، ولم يبقَ بينها وبين القبض على معاوية إلاّ مقدار حلبة شاة ، فطلب منه الإمام (عليه السّلام) في تلك الساعة الحرجة أن يسحب الجيش ويوقف القتال ، فلم يستجب أوّلاً إلى ذلك ، فأمره الإمام (عليه السّلام) ثانياً بالانسحاب ؛ لأنّ جيشه قد أحاط به وأعلنوا العصيان وهدّدوه بالقتل ، فاستجاب الأشتر وانسحب عن ميدان القتال .
وعلى أيّ حال , فقد أوقف القتال ، وكان ذلك فوزاً ساحقاً لمعاوية ؛ فقد سلم من الخطر المحدق به ، ومُني جيش الإمام بالتمرّد والعصيان ، وشاعت في جميع قطعاته التفرقة والخلاف .

انتخاب الأشعري

وأصرّ المتمرّدون على انتخاب الأشعري ليكون ممثلاً للجيش العراقي ، فرفض


الصفحة (153)

الإمام ذلك ورشّح عبد الله بن عباس أو مالك الأشتر فلم يستجيبوا له وأرغموه ثانياً على انتخابه فخلّى بينهم وبين رغباتهم ، وقد ذابت نفسه أسى وحسرات على ذلك ؛ فقد أيقن بانتهاء حكومته وفوز معاوية بالحكم .
وانتخب الشاميون عمرو بن العاص ممثّلاً لهم ، وهو أدهى سياسي في ذلك العصر ، وبذلك فقد عُقدت هدنة مؤقتة راح فيها معاوية يبني جيشه ويُصلح شؤونه . وأمّا جيش الإمام فقد مُني بالتفكّك والانحلال والتخاذل ، وانتشرت في جميع قطعاته الفكرة الهدّامة , وهي فكرة الخوارج كما سنتحدّث عن ذلك .

اجتماع الحكمين

وأوفد معاوية إلى الإمام (عليه السّلام) رسله يستنجزه الوفاء بالتحكيم ، وإنّما طلب منه ذلك لعلمه بما اُصيب به جيش الإمام من التخاذل والفتن والانحلال ، وأجابه الإمام إلى ذلك ؛ فأوفد أربعمئة رجل عليهم شريح بن هانئ الحارثي وهو من أجلّ أصحاب الإمام ، كما كان معهم عبد الله بن عباس حبر الاُمّة ، ومعهم قاضي التحكيم الخامل الغبي أبو موسى الأشعري , فأرشاه ابن العاص بالولائم , وقابله بمزيد من الحفاوة والتكريم ليجعله طوع إرادته ، وقد اتّفق معه على أن يعزل كل صاحبه ويرشّحا عبد الله بن عمر .

وقدّم ابن العاص الأشعري فاعتلى المنبر فخلع عليّاً عن منصبه , وكذلك خلع معاوية ورشّح ابن عمر ، وقام بعده ابن العاص فأقرّ صاحبه وخلع عليّاً . ولمّا أعلن ابن العاص خلعه لعليّ وإقامته لمعاوية انطلق صوبه الأشعري فقال له : ما لك عليك لعنة الله ؟! ما أنت إلاّ كمثل الكلب تلهث . فصاح ابن العاص : لكنّك مثل الحمار يحمل أسفاراً .
نعم ، هما كلب وحمار ، وهرب الأشعري إلى مكة يصحب معه الخزي والعار


الصفحة (154)

بعدما أحدث الفتنة والانشقاق بين جيش الإمام (عليه السّلام) ، وقد أكثر شعراء ذلك العصر في ذمّه . يقول فيه أيمن بن خزيم الأسدي :

لـو  كانَ للقومِ رأيٌ يعصمونَ بهِ      مـن  الضلالِ رموكم بابنِ عباسِ
لـلـهِ  درّ أبـيـهِ أيّـما رجـلٍ      ما  مثلهُ لفصالِ الخطبِ في الناسِ
لـكن  رموكم بشيخٍ من ذوي يمنٍ      لم  يدرِ ما ضرب أخماسٍ بأسداسِ
إن يـخلُ عمرو به يقذفهُ في لججٍ      يـهوي  بهِ النجمُ تيساً بين أتياسِ
أبـلغ لـديكَ عـلياً غـير عاتبه      قولَ امرئ لا يرى بالحقِّ من باسِ
مـا  الأشـعري بمأمونٍ أبا حسنٍ      فاعلم هُديتَ وليس العجزُ كالراسِ
فـاصدم بصاحبكَ الأدنى زعيمهمُ      إنّ ابـنَ عـمِّكَ عباسٌ هو الآسي

 

لقد امتحن الإمام (عليه السّلام) كأشدّ وأقسى ما يكون الامتحان بهؤلاء الأوغاد الذين وقفوا أمام الإصلاح الاجتماعي ، ومكّنوا الظالمين والمنحرفين من الاستبداد باُمور المسلمين .

فتنة الخوارج

وتمرّد الخوارج على الإمام (عليه السّلام) وألزموا بأمر التحكيم ، وهم الذين أرغموه على ذلك وهدّدوه بالقتل إن لم يوقف القتال مع معاوية ، وأخذوا يعيثون في الأرض فساداً ؛ فقد رحلوا عن الكوفة وعسكروا في النهروان ، فاجتاز عليهم الصحابي الجليل عبد الله بن خبّاب بن الأرت فأحاطوا به قائلين : مَنْ أنت ؟
ـ رجل مؤمن .
ـ ما تقول في عليّ بن أبي طالب ؟
ـ إنّه أمير المؤمنين ، وأوّل المسلمين إيماناً بالله ورسوله .
ـ ما اسمك ؟


الصفحة (155)

ـ عبد الله بن خباب بن الأرت صاحب رسول الله .
ـ أفزعناك ؟
ـ نعم .
ـ لا روع عليك , حدّثنا عن أبيك بحديث سمعه عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لعلّ الله أن ينفعنا به .
ـ نعم ، حدّثني عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال : (( ستكون فتنة بعدي يموت فيها قلب الرجل كما يموت بدنه ، يُمسي مؤمناً ويُصبح كافراً )) .
فهتفوا جميعاً : لهذا الحديث سألناك , والله لنقتلنّك قتلة ما قتلنا بمثلها أحداً . وعمدوا مصرّين على الغيّ والعدوان , فأوثقوه كتافاً وأقبلوا به وبامرأته ، وكانت حبلى قد أشرفت على الولادة ، فأنزلوهما تحت نخل , فسقطت رطبة منها , فبادر بعضهم إليها فوضعها في فيه ، فأقبل إليه بعضهم منكراً عليه قائلاً : بغير حلّ أكلتها ! فألقاها بالوقت من فيه .

واخترط بعضهم سيفه فضرب به خنزيراً لأهل الذمّة فقتله ، فصاح به بعضهم : إنّ هذا من الفساد في الأرض ! فبادر الرجل إلى الذمّي فأرضاه ، ولمّا نظر عبد الله بن خباب احتياط هؤلاء في هذه الاُمور سكن روعه , وقال لهم : لئن كنتم صادقين فيما أرى ما عليَّ منكم بأس ؛ ووالله ما أحدثت حدثاً في الإسلام ، وإنّي لمؤمن , وقد آمنتموني وقلتم لا روع عليك .
فلم يعنَ هؤلاء الأخباث الذين هم صفحة خزي وعار على البشرية ، فجاؤوا به وبامرأته فأضجعوه على شفير النهر و ووضعوه على ذلك الخنزير الذي قتلوه , ثمّ ذبحوه ، وأقبلوا على امرأته وهي ترتعد من الخوف , فقالت لهم مسترحمة :


الصفحة (156)

إنّما أنا امرأة ، أما تتّقون الله ؟
فلم يعنوا باسترحامها , وأقبلوا عليها كالكلاب فقتلوها وبقروا بطنها ، وانعطفوا على ثلاث نسوة فقتلوهنّ ، وفيهنّ اُمّ سنان الصيداوية , وكانت قد صحبت النبي (صلّى الله عليه وآله) ، ولم يقف شرّ هؤلاء الأرجاس عند هذا الحدّ ، وإنّما أخذوا يذيعون الذعر وينشرون القتل والفساد في الأرض .

واقعة النهروان

وبعدما أعلن الخوارج تمرّدهم على حكومة الإمام (عليه السّلام) ، ورفعوا شعارهم ( لا حكم إلاّ لله ) , ولكنّه لم يعد في جميع تصرفاتهم وشؤونهم ظلاً وواقعاً لهذا الشعار ؛ فقد كان شعارهم الحقيقي لا حكم إلاّ للسيف والفساد .
ولمّا أراد الإمام (عليه السّلام) الخروج إلى محاربة معاوية ، وعبّأ أصحابه وجنوده لذلك ، أشار عليه بعض أصحابه بمناجزة الخوارج ؛ فإنّ خطرهم أعظم من خطر معاوية ، وإنّهم إذا نزحوا من الكوفة يُحدثون القتل والدمار فيها .

فاستصوب الإمام (عليه السّلام) رأيهم , وتحرّكت قوات الإمام لقتالهم ، وقبل أن تندلع نار الحرب وجّه الإمام (عليه السّلام) إليهم الحارث بن مرّة يطلب منهم قتلة عبد الله بن خباب ليقتصّ منهم , فأجابوا جميعاً : إنّا كلّنا قتلناهم ، وكلّنا مستحلّ لدمائكم ودمائهم .
وأقبل الإمام (عليه السّلام) بنفسه فوجّه لهم خطاباً رائعاً يدعوهم فيه إلى الطاعة ورفض التمرّد ، فلم يفهموا خطاب الإمام ونصيحته ، وطلبوا منه أن يشهد على نفسه بالكفر ويتوب إلى الله تعالى على قبوله للتحكيم ، فامتنع الإمام من إجابتهم ؛ فإنّه لم يقترف أيّ ذنب في أمر التحكيم , وإنّما هم أرغموه على ذلك .
ولمّا يئس الإمام (عليه السّلام) من إرجاعهم إلى الحقّ عبّأ جنوده لحربهم ، وفعل الخوارج مثل ذلك ، وهتف بعضهم :


الصفحة (157)

هل من رائح إلى الجنّة ؟
فأجابوه جميعاً : الرواح إلى الجنّة ، وهم يهتفون بشعارهم ( لا حكم إلاّ لله ) . وحملوا حملة منكرة على جيش الإمام ، وما هي إلاّ ساعة حتّى قُتلوا عن آخرهم , ولم يفلت منهم إلاّ تسعة ، وبذلك فقد انتهت حرب النهروان , وقد أعقبت هي وحرب صفّين تمرّد الجيش العراقي ؛ فقد مُني بالتمرّد والانحلال والسئم من الحرب ، وأصبح الإمام (عليه السّلام) يدعوهم فلا يستجيبون له ، كما فقد الإمام في هذين الحربين أعلام أصحابه وخيارهم الذين يعتمد على إخلاصهم وتفانيهم في الولاء له .
وعلى أيّ حال , فقد رجع الجيش من النهروان إلى الكوفة , وجبن عن ملاقاة معاوية ، وأخذ الإمام (عليه السّلام) يدعوهم إلى حربه فامتنعوا من إجابته .

اُفول دولة الحقّ

وأفلت دولة الحقّ التي تبنّت حقوق الإنسان وقضاياه المصيرية ، وواكبت العدل الاجتماعي والعدل السياسي ، وأقامت صروح الحقّ ومعاقل الشرف والفضيلة لكلّ إنسان .
ولم يعهد الشرق في جميع مراحل تأريخه حكماً نزيهاً وعادلاً كحكم الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) الذي لم يخضع في جميع فتراته لأيّة عاطفة لا تتّصل بالحقّ ؛ فقد تجرّد حكمه عن كلّ نزعة يؤول أمرها إلى التراب .

وقد نقمت عليه كأشدّ ما يكون الانتقام الرأسمالية القرشيّة ؛ فقد خافت على مصالحها , وخافت على أموالها التي استولت عليها بغير حقّ ، فوضعت الحواجز والسدود أمام مخطّطاته السياسيّة الهادفة إلى الإصلاح الشامل ، واتّهمته بالتآمر على قتل عثمان عميد الاُسرة الاُمويّة ، واتّخذت من قتله ورقة رابحة لفتح أبواب الحرب عليه ، فكانت حرب الجمل وصفين والنهروان .

وقد انهارت حكومة الإمام (عليه السّلام) ، وبقي في أرض الكوفة يصعّد زفراته وآهاته ، وقد استفحل شرّ معاوية وقوي سلطانه , واتّسع نفوذه ,


الصفحة (158)

وزادت قواته العسكريّة وتسلّحت بجميع المعدّات الحربية في ذلك العصر ، وأخذ معاوية يشنّ الغارات على معظم الأقاليم الإسلاميّة الخاضعة لحكم الإمام ، فكانت جيوشه تقتل وتنهب الأموال ؛ وذلك لإسقاط هيبة حكومة الإمام , وأنّها لا تقدر على حماية الأمن العام للمواطنين .

وقد انتهت الغارات إلى الكوفة والإمام (عليه السّلام) يدعو جيشه لحماية البلاد وصدّ العدوان الغادر على الناس فلم يستجيبوا له ؛ فقد خلدوا إلى الراحة وسئموا الحرب وشاعت في أوساطهم أوبئة الخوف من معاوية . وأخذ الإمام الممتحن يناجي ربّه ويدعوه أن ينقذه من ذلك المجتمع الذي لم يعِ مبادئه وسياسته الهادفة إلى نشر العدل وإشاعة المساواة بين الناس .
وتوالت المحن الشاقة يتبع بعضها بعضاً على الإمام (عليه السّلام) ، وكان من أشقّها عليه الغارات المتّصلة التي تشنّها قوات معاوية على أطراف البلاد الإسلاميّة ، وترويعها للنساء والأطفال والعُجّز ، والإمام مسؤول عن توفير الأمن لهم وحمايتهم من كلّ أذى أو مكروه ، ولكنّه لم يجد سبيلاً لذلك ؛ لأنّ جيشه قد تمرّد عليه ، وسرت فيه أوبئة الخوف وأفكار الخوارج ممّا جعلته أعصاباً رخوة لا حراك فيها ولا حياة .

وكان من بين الذين اعتنقوا مبادئ الخوارج الأثيم المجرم عبد الرحمن بن ملجم ، فنزح مع عصابة من الخواج إلى مكة , وعقدوا فيها مؤتمراً عرضوا فيه ما لاقاه حزبهم من القتل والتنكيل ، وما مُني به العالم الإسلامي من الفتن والخطوب ، وعزوا ذلك إلى الإمام (عليه السّلام) ومعاوية وابن العاص , فصمّموا على اغتيالهم , فقال ابن ملجم : أنا أكفيكم عليّ بن أبي طالب .

وقال عمرو بن بكير التميمي : أنا أكفيكم عمرو بن العاص . وضمن الحجّاج بن عبد الله الصريمي اغتيال معاوية ، واتّفقوا على يوم معيّن وهو يوم الثامن عشر من شهر رمضان سنة أربعين من الهجرة ، كما عيّنوا ساعة الاغتيال وهي ساعة خروجهم إلى صلاة الصبح .

وقفل ابن ملجم إلى الكوفة ، وهو يحمل معه الشرّ والشقاء لجميع سكّان الأرض ، والتقى بقطام وكان هائماً في حبّها ، وكانت تعتنق فكرة الخوارج ؛ فقد قُتل أبوها وأخوها في واقعة النهروان ، وعرض عليها الزواج ،


الصفحة (159)

فشرطت عليه مهراً وهو ثلاثة آلاف درهم ، وعبد وقينة ، وقتل الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، واتّفقا على هذا المهر المشؤوم , وفيه يقول الفرزدق :

ولـم  أرَ مـهراً سـاقهُ ذو سماحةٍ      كـمهرِ قـطامٍ مـن فصيحٍ وأعجمِ
ثـلاثـة آلافٍ وعـبـد وقـيـنة      وضـرب عـليّ بـالحسامِ المسمّمِ
فـلا مهرَ أغلى من عليّ وإن غلا      ولا فتكَ إلاّ دونَ فتك ابن ملجمِ 
(1)

 

ولمّا أطلّت ليلة الثامن عشر من شهر رمضان المبارك اضطرب الإمام (عليه السّلام) ، وجعل يمشي في صحن الدار وهو محزون النفس خائر القوى ، وهو ينظر إلى الكواكب ويتأمّل فيها فيزداد قلقه , وهو يقول : (( ما كذبتُ ولا كُذّبت ، إنّها الليلة التي وُعدت فيها )) .
وصادفت تلك الليلة ليلة الجمعة ، وقد أحياها بالصلاة وتلاوة كتاب الله ، ولمّا عزم على الخروج إلى الجامع ليؤدّي الصلاة صاحت في وجهه وزّ اُهديت إلى الإمام الحسن (عليه السّلام) ، فتنبّأ عن وقوع الحادث العظيم قائلاً : (( لا حول ولا قوّة إلاّ بالله ، صوائح تتبعها نوائح ))(2) .
وأقبل الإمام (عليه السّلام) على الباب ليفتحه فعسر عليه ؛ لأنّها كانت من جذوع النخل لا من الساج , فاقتلعها فانحلّ إزاره , فشدّه وهو يقول :

اشدد 

حيازمكَ للموتِ      فـإنّ الـموتَ لاقيكا
ولا تجزع من الموتِ      إذا حـلّ بناديكا
(3)

 

وخرج الإمام (عليه السّلام) , فلمّا انتهى إلى بيت الله جعل على عادته يوقظ الناس لصلاة الصبح ، وشرع الإمام في أداء الصلاة ، فلمّا استوى من السجدة الأولى هوى عليه

ـــــــــــــــــــــ
(1) مستدرك الحاكم 3 / 143 .
(2)
مروج الذهب 3 / 291 .
(3)
حياة الإمام الحسن (عليه السّلام) 1 / 557 .


الصفحة (160)

الوغد الأثيم ابن ملجم بسيفه وهو يهتف بشعار الخوارج : ( الحكم لله لا لك ) .
وضرب الإمام (عليه السّلام) على رأسه فقدّ جبهته الشريفة ، وانتهت الضربة القاسية إلى دماغه المقدّس الذي ما فكّر إلاّ في إقامة العدل وتدمير الظلم وإسعاد البؤساء والفقراء .
ولمّا أحسّ الإمام (عليه السّلام) بلذع السيف , رفع صوته قائلاً : (( فزت وربّ الكعبة )) .
لقد فزت يا إمام المتّقين ويعسوب الدين ، فأيّ فوز أعظم من فوزك ؟ لقد أقمت الإسلام بسيفك ، وجاهدت في سبيل الله كأعظم ما يكون الجهاد ، وحطّمت الشرك وأفكار الجاهليّة وتقاليدها ، ورفعت كلمة الله مع ابن عمّك رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عالية في الأرض .
لقد فزت أيّها الإمام العظيم ، فأنت أوّل حاكم في دينا الإسلام طلّقت الدنيا ثلاثاً فلم تغرّك مباهجها ، ولم تخدعك السلطة ، فلم تبنِ لك بيتاً ، ولم تدّخر لعيالك وأبنائك شيئاً من حطام الدنيا .
لقد فزت , فقد كانت نهايتك المشرّفة في أقدس بيت من بيوت الله ، وفي أعظم شهر من شهور الله ، فبداية حياتك في الكعبة , ونهايتها في هذا الجامع العظيم ، ولسانك يلهج بذكر الله .
ولمّا رُفع الإمام (عليه السّلام) صريعاً في محرابه هتف معرّفاً بقاتله قائلاً : (( قتلني ابن اليهودية عبد الرحمن بن ملجم فلا يفوتنّكم )) .
وهرع الناس من كلّ جانب , قد أذهلهم الخطب وأضناهم المصاب ، وبلغ بهم الحزن إلى قرار سحيق ، فوجدوا الإمام صريعاً في محرابه , فأخذوا يندبونه بذوب أرواحهم , ولم يستطع الإمام (عليه السّلام) الصلاة بالناس ، فصلّى وهو جالس والدم ينزف منه ، وأمر ولده الإمام الحسن فصلّى بالناس ، وحُمل الإمام إلى منزله ، واُلقي القبض على الوغد ابن ملجم فجيء به مخفوراً إلى الإمام (عليه السّلام) , فقال له بصوت خافت :


الصفحة (161)

(( لقد جئت شيئاّ إدّاً ، وأمراً عظيماً ! ألم أشفق عليك واُقدّمك على غيرك في العطاء , فلماذا تجازيني بهذا الجزاء ؟ )) .
والتفت الإمام (عليه السّلام) إلى ولده الحسن (عليه السّلام) فأوصاه بالبرّ والإحسان بابن ملجم قائلاً : (( يا بُني ، ارفق بأسيرك وارحمه ، واشفق عليه )) .
فبُهر الحسن (عليه السّلام) وقال : (( يا أبتاه ، قتلك هذا اللعين ، وفجعنا بك ، وأنت تأمرنا بالرفق به ! )) . فأجابه الإمام (عليه السّلام) بما انطوت عليه نفسه من المُثل العليا قائلاً : (( يا بُني ، نحن أهل بيت الرحمة والمغفرة ؛ أطعمه ممّا تأكل ، واسقه ممّا تشرب ، فإن أنا متّ فاقتصّ منه بأن تقتله ، ولا تمثّل بالرجل ؛ فإنّي سمعت جدّك رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول : إيّاكم والمُثلة ولو بالكلب العقور . وإن أنا عشت فأعلم ما أفعله به ، وأنا أولى بالعفو ؛ فنحن أهل بيت لا نزداد على المذنب إلينا إلاّ عفواً وكرماً )) .
أيّ نفس ملائكية هذه النفس التي توصي بالبرّ والإحسان لقاتلها ؟!

السيّدة اُمّ كلثوم مع ابن ملجم

وبكت السيّدة اُمّ كلثوم , وأخذت تندب أباها بأشجى ما تكون الندبة ، وأكبر الظنّ أنّها العقيلة الزينب , فقالت للباغي الأثيم ابن ملجم : يا عدو الله ، قتلت أمير المؤمنين ! فردّ عليها الباغي الزنيم : لم أقتل أمير المؤمنين , ولكن قتلت أباك . فردّت عليه : والله , إنّي لأرجو أن لا يكون عليه بأس . فأجابها ابن ملجم بصلف وشماتة :


الصفحة (162)

فلِمَ تبكين إذاً ؟ عليَّ تبكين ؟! والله لقد أرهقت السيف ، ونفيت الخوف ، وخسئت الأجل ، وقطعت الأمل ، وضربته ضربة لو كانت بأهل عكاظ ـ وقيل : بربيعة أو مضر ـ لأتت عليهم . والله , لقد سممته شهراً , فإن أخلفني فأبعده سيفاً وأسحقه(1) !
لك الويل أيّها الأثيم ! فقد عمدت لاغتيال أقدس إنسان بعد الرسول (صلّى الله عليه وآله) ، أراد أن يُقيم الحقّ ويوزّع خيرات الله في الأرض على المحرومين والمضطهدين ، لقد خسرت صفقتك وبئت بغضب الله وعذابه الدائم .

العقيلة مع أبيها

وهرعت عقيلة بني هاشم السيدة زينب (عليها السّلام) إلى أبيها وهي تبكيه وتندبه ، وقد ذابت نفسها حزناً وألماً ، وطلبت منه أن يحدّثها بالحديث الذي سمعته من المرأة الصالحة اُمّ أيمن عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عمّا يجري عليها من الكوارث والخطوب ، ولم يكن عند الإمام (عليه السّلام) قوّة على الكلام , فقال لها : (( الحديث كما حدّثتك اُمّ أيمن ، وكأنّي بك وبنساء أهلك سبايا بهذا البلد ، أذلاّء خاشعين , تخافون أن يتخطفكم الناس ، فصبراً صبراً ؛ فوالذي فلق الحبّة وبرأ النسمة ، ما لله على ظهر الأرض يومئذ وليّ غيركم وغير محبّيكم وشيعتكم .

ولقد قال لنا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حين أخبرنا بهذا الخبر : إنّ إبليس (لعنه الله) في ذلك اليوم ـ أي يوم قتل الحسين ـ يطير فرحاً , فيجول الأرض كلّها بشياطينه وعفاريته ، فيقول : يا معاشر الشياطين ، قد أدركنا من ذرّيّة آدم الطلبة ، وبلغنا في هلاكهم الغاية ، وأورثناهم النار ، ألا مَنْ اعتصم بهذه العصابة فاجعلوا شغلكم بتشكيك الناس فيهم , وحملهم على عداوتهم ، وإغرائهم بهم وأوليائهم حتّى تستحكم ضلالة الخلق

ـــــــــــــــــــــ
(1) أنساب الأشراف 1 / 216 ، القسم الأوّل .


الصفحة (163)

وكفرهم ، ولا ينجو منهم ناج . ولقد صدّق عليهم إبليس ـ وهو كذوب ـ أنّه لا ينفع مع عداوتكم عمل صالح ، ولا يضرّ مع محبّتكم وموالاتكم ذنب غير الكبائر ))(1).

وصاياه

وجعل الإمام (عليه السّلام) وهو في الساعات الأخيرة من حياته يوصي أبناءه , وفي طليعتهم سيّدا شباب أهل الجنّة الإمام الحسن والحسين (عليهما السّلام) بمكارم الأخلاق والزهد في الدنيا .

ومن بنود وصيّته هذه الوصايا الخالدة ، قال (عليه السّلام) : (( اُوصيكما بتقوى الله ، وأن لا تبغيا الدنيا وإن بغتكما ، ولا تأسفا على شيء زُوي عنكما ، وقولا للحقّ ، واعملا للأجر ، وكونا للظالم خصماً , وللمظلوم عوناً .
اُوصيكما وجميع ولدي وأهلي ومَنْ بلغه كتابي بتقوى الله ونظم أمركم ، وصلاح ذات بينكم ؛ فإنّي سمعت جدّكما (صلّى الله عليه وآله) يقول : صلاح ذات البين أفضل من عامّة الصلاة والصيام .

الله الله في الأيتام فلا تغبّوا أفواههم(2) ، ولا يضيعوا بحضرتكم . الله الله في جيرانكم ؛ فإنّهم وصيّة نبيّكم ، ما زال يوصي بهم حتّى ظننا أنّه سيورّثهم . والله الله في القرآن , لا يسبقكم بالعمل به غيركم . الله الله في الصلاة ؛ فإنّها عمود دينكم . الله الله في بيت ربّكم لا تخلوه ما بقيتم ؛ فإنّه إن تُرك لم تُناظروا ـ أي لم ينظر إليكم بالكرامة ـ . الله الله في الجهاد بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم في سبيل الله ، وعليكم بالتواصل والتباذل(3) ، وإيّاكم والتدابر والتقاطع ، لا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؛ فيتولّى عليكم شرارُكم ثمّ تدعون فلا يُستجاب لكم )) .
ثمّ وجّه وصيته إلى آله وذويه قائلاً :

ـــــــــــــــــــــ
(1) كامل الزيارات / 266 .
(2)
لا تغبوا أفواههم : أي لا تقطعوا صلتكم عنهن ، وصلوا أفواههم بالطعام دوماً .
(3)
التباذل : العطاء والصلة .


الصفحة (164)

(( يا بني عبد المطلب ، لا ألفينكم تخوضون دماء المسلمين خوضاً تقولون : قُتل أمير المؤمنين ، قُتل أمير المؤمنين(1) ؛ ألا لا تقتلنَّ بي إلاّ قاتلي . انظروا إذا أنا متّ من ضربته هذه فاضربوه ضربة بضربة ، ولا يُمثّل بالرجل ؛ فإنّي سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول : إيّاكم والمُثلة ولو بالكلب العقور ))(2) .
وحفلت هذه الوصية بالقيم الخالدة التي هي من أروع ما خلّفه الأنبياء والمصلحون لاُممهم وشعوبهم .

إقامة الحسن (عليه السّلام) من بعده

وأقام الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) خليفة على المسلمين من بعده ولده الأكبر سبط رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الإمام الحسن (عليه السّلام) ، وأجمعت الشيعة على ذلك .

وذهب بعض أهل السُنّة إلى أنّ الإمام (عليه السّلام) لم يستخلف أحداً من بعده ، مستدلّين على ذلك بما رواه شعيب بن ميمون الواسطي أنّه قيل لعليّ : ألا تستخلف ؟ فقال : إن يرد الله بالاُمّة خيراً يجمعهم على خيرهم . وهذه الرواية من موضوعات شعيب ومن مناكيره كما نصّ على ذلك ابن حجر(3) .
إنّ الإمام الحسن (عليه السّلام) هو أفضل إنسان في المجتمع الإسلامي ، فهو سيّد شباب أهل الجنّة ، وإمام إن قام أو قعد على حدّ تعبير رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وقد توفّرت فيه جميع الصفات الكريمة والنزعات الرفيعة ، فكيف لا يُرشّحه الإمام لهذا المنصب الخطير ؟ ومَنْ هو أحقّ به منه ؟!

ـــــــــــــــــــــ
(1) يشير بذلك إلى مصرع عثمان الذي اتّخذ الاُمويّون دمّه ورقة رابحة في سبيل أطماعهم السياسيّة .
(2)
نهج البلاغة 3 / 85 .
(3)
تهذيب التهذيب 4 / 357 .


الصفحة (165)

الوصية الأخيرة للإمام (عليه السّلام)

أمّا الوصية الأخيرة للإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) فقد روتها عقيلة بني هاشم السيّدة زينب (عليها السّلام) , قالت : كان آخر عهد أبي إلى أخوي الحسن والحسين (عليهما السّلام) , أنّه قال لهما : (( يا بنيَّ ، إذا أنا متّ فغسّلاني ، ثمّ نشّفاني بالبردة التي نُشّف بها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وفاطمة (عليها السّلام) ، وحنّطاني وسجّياني على سريري ، ثمّ انظروا حتّى إذا ارتفع لكما مقدّم السرير فاحملا مؤخّره ))(1) .

إلى جنّة المأوى

ولمّا أدلى الإمام (عليه السّلام) بوصاياه أخذ يُعاني آلام الموت وهو يتلو آيات الذكر الحكيم , ويُكثر من الدعاء والاستغفار ، ولمّا دنا منه الأجل المحتوم كان آخر ما نطق به : (( لمثل هذا فليعمل العاملون ))(2) . ثمّ فاضت روحه الزكية إلى جنّة المأوى .

لقد ارتفع ذلك اللطف الإلهي الذي أضاء الدنيا بعدله وعمله وكماله ، فما أظلّت سماء الدنيا قطّ أفضل ولا أسمى منه ما عدا أخاه وابن عمّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) .
لقد مادت أركان العدل ، وانطمست معالم الحقّ ، ومات أبو الغرباء والبؤساء .
سيّدي أبا الحسن ، لقد مضيت إلى عالم الخلود ، وأنت مكدود مجهود ، قد جُهل حقّك ، واُبعدت عن مقامك الذي أقامك فيه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وقد تظافرت الاُسر القرشيّة على حربك ، ووضعت الحواجز والسدود أمام مخطّطاتك الإصلاحية ، كما فعلت مثل ذلك مع ابن عمّك رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون .

ـــــــــــــــــــــ
(1) زينب الكبرى / 38 .
(2)
سورة الصافّات / 61 .

الصفحة (166)

تجهيزه ودفنه (عليه السّلام)

وقام الإمام الحسن (عليه السّلام) مع بقية إخوانه بتجهيز أبيه ، فغسّلوا الجسد الطاهر وأدرجوه في أكفانه وصلّوا عليه ، وفي الهزيع الأخير من الليل حملوا الجثمان المقدّس إلى مقرّه الأخير ، وكانت معهم العقيلة زينب(1) وهي تذرف الدموع , وقد نخب الحزن فؤادها ، ودفنوا الجثمان المعظّم في النجف الأشرف حيث مقرّه الآن كعبة للوافدين , وجامعة من أهم الجامعات في الإسلام .
لقد شاهدت السيّدة زينب الكوارث والخطوب التي أحاطت بأبيها , فملأت قلبها الزاكي أسى وحزناً ، وعرفتها بما تكنّه قريش من الحقد والحسد لأبيها ، وسائر أبناء الاُسرة النبويّة .

عهد الإمام الحسن (عليه السّلام)

وفي صبيحة اليوم الذي وارى فيه الإمام الحسن (عليه السّلام) جثمان أبيه انبرى إلى جامع الكوفة يحفّ به إخوته وسائر بني هاشم ، وقد اكتظّ الجامع بمعظم قطعات الجيش وقادة الفرق والوجوه والأشراف ، فاعتلى المنبر فابتدأ خطابه بتأبين أبيه عملاق الفكر الإسلامي ، وكان تأبينه منسجماً تمام الانسجام مع سموّ شخصية أبيه ؛ فقد وصفه بأبلغ وأروع ما يكون الوصف .

وصفه بهذه الكلمات الذهبية : (( لقد قُبض في هذه الليلة رجل لم يسبقه الأوّلون بعمل ، ولم يُدركه الآخرون بعمل )) .
ومعنى ذلك أنّ أباه نسخة فريدة لا مثيل لها في تأريخ الإنسانيّة في جميع الأزمان والآباد ؛ فإنّ من المحقّق أنّه ليس في ميدان الإصلاح الاجتماعي والسياسي زعيم كالإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) في نزاهته وتجرّده من جميع النزعات المادية ؛ فقد

ـــــــــــــــــــــ
(1) زينب الكبرى / 38 .


الصفحة (167)

تقلّد زمام الحكم وكان معظم الشقّ خاضعاً لحكمه ، وكانت الأموال تُجبى له كالسيل فلم يؤثر نفسه وأهله بشيء منها ، ولم يخلّف صفراء ولا بيضاء سوى سبعمئة درهم كان قد ادّخرها من راتبه ليشتري بها عبداً يستعين به أهله في حاجاتهم إلاّ أنّه عدل عن ذلك ، وأمر ولده الحسن (عليه السّلام) بإرجاعها إلى بيت المال ، كما أعلن ذلك الإمام الحسن (عليه السّلام) في خطابه .

استمعوا له ، قال (عليه السّلام) : (( وما خلّف صفراء ولا بيضاء إلاّ سبعمئة درهم فضلت من عطائه أراد أن يبتاع بها خادماً لأهله ، وقد أمرني أن أردّها إلى بيت المال )) .
وكان ذلك حقّاً هو منتهى السموّ والعظمة ، ومنتهى التجرّد عن الدنيا والزهد في جميع مظاهرها وملاذّها .
ولمّا أنهى الإمام الحسن (عليه السّلام) خطابه الرائع بايعه الجمهور , وكانوا أصنافاً , وهم :
1 ـ قادة الفرق والزعماء ، وهؤلاء كان معظمهم مع معاوية ؛ فقد استمالهم بأمواله وذهبه ، ووعدهم بالمناصب العالية إن انضموا إليه .
2 ـ الخوارج ، وهم من ألدّ أعدائه وأعداء أبيه ، وكانوا يكيدون له في وضح النهار وغلس الليل .
3 ـ المؤمنون من شيعته ممّن عرفوا حقّه ، ودانوا له بالولاء والطاعة ، وهم قلّة قليلة .
وعلى أيّ حال , فقد علم معاوية ما مُني به جيش الإمام الحسن (عليه السّلام) من الضعف والانحلال والتمرّد على قيادته ، فكتب إلى الإمام (عليه السّلام) يستنجزه الحرب ، وزحف بجيوشه الذين تسودهم الطاعة والإخلاص له , فانتهى إلى المدائن فعسكر فيها .

ولمّا اُذيع ذلك سرت أوبئة الرعب والخوف في نفوس جيش الإمام (عليه السّلام) ، وقد دعاهم إلى مناجزة معاوية فلم يستجب له سوى بعض المؤمنين من أصحابه ، وجعل يستحثّ الناس على الخروج لحرب معاوية ، وبعد جهد شاق خرج معه أخلاط من الناس ـ على حدّ تعبير الشيخ المفيد ـ متباينون في أفكارهم وميولهم ، وأخذوا


الصفحة (168)

يجدّون في السير لا يلوون على شيء حتّى انتهوا إلى المدائن فعسكروا فيها .

حوادث رهيبة

ومُني الإمام الحسن (عليه السّلام) بحوادث مروّعة حينما كان في مسكن , كان من أقساها وأفجعها ما يلي :

1 ـ خيانة القائد العام

وكان عبيد الله بن العباس قائداً لجميع القوات المسلّحة في جيش الإمام (عليه السّلام) ، ولمّا تيقّن أنّ الدنيا قد تنكّرت للإمام انحرف عنه ومال إلى معسكر معاوية بعد أن تسلّم الرشوة منه ، وقد اضطرب جيش الإمام (عليه السّلام) وماج بالفتن ، وكانت خيانته من أفجع النكبات التي مُني بها الإمام (عليه السّلام) .

2 ـ تسلل الوجوه إلى معاوية

وتسلّل الوجوه والأشراف في جيش الإمام (عليه السّلام) إلى معاوية بعد أن تسلّموا منه الأموال .

3 ـ خيانة ثمانية آلاف

والتحق بمعسكر معاوية ثمانية آلاف جندي مع قادتهم ، وأكبر الظنّ أنّهم من أتباع الخائن العميل الأشعث بن قيس ، وقد بان الانكسار والضعف بجيش الإمام (عليه السّلام) بعد خيانة هذا العدد الكبير منهم .

4 ـ خيانة ربيعة

وتعتبر قبائل ربيعة العمود الفقري في جيش الإمام (عليه السّلام) ؛ فقد أقبل زعيمها خالد بن معمر إلى معاوية فقال له : اُبايعك عن ربيعة كلّها . فبايعه على ذلك .

وفيه يقول الشاعر مخاطباً معاوية :

معاوي أكرم خالدَ بن معمّرٍ      فـإنّك  لولا خالدٌ لم تؤمّرِ

 

ولمّا انتهى الخبر إلى الإمام الحسن (عليه السّلام) انهارت قواه , واتّجه صوب الجيش


الصفحة (169)

فقال لهم : (( يا أهل العراق ، أنتم الذين أكرهتم أبي على القتال والحكومة ثمّ اختلفتم عليه ، وقد أتاني أنّ أهل الشرف منكم قد أتوا معاوية فبايعوه ، فحسبي منكم ! لا تغرّوني في نفسي وديني ))(1) .
وكذلك بايع معاوية سرّاً عثمان بن شرحبيل زعيم بني تميم(2) .

5 ـ نهب أمتعة الإمام (عليه السّلام)

وعمدت تلك العصابة التي انمحت عن نفوسها جميع أفانين الشرف والكرامة إلى نهب أمتعة الإمام (عليه السّلام) وأجهزته ، وأكبر الظنّ أنّ للخوارج ضلعاً كبيراً في هذه الجريمة .

6 ـ محاولة اغتيال الإمام (عليه السّلام)

ولم تقف محنة الإمام الحسن (عليه السّلام) في جيشه عند حدّ ؛ فقد عظم بلاؤه إلى أكثر من ذلك ؛ فقد قدم المرتشون والخوارج على اغتياله وذلك في عدّة محاولات ، وهي :

1 ـ إنّه كان يصلّي فرماه شخص بسهم
2 ـ طعنه الجرّاح بن سنان في فخذه
3 ـ طعنه بخنجر في أثناء الصلاة

واتّضحت للإمام (عليه السّلام) بعد هذه الاعتداءات الصارخة على حياته أنّه ليس عنده جيش يركن إليه لمناجزة معاوية .

7 ـ الحكم عليه بالكفر

ومن بين المحن الشاقة التي امتحن بها الإمام الحسن (عليه السّلام) أنّ بعض العناصر في جيشه حكموا عليه بالشرك والإلحاد ، وأكبر الظنّ أنّهم الخوارج الذين لا نصيب لهم

ـــــــــــــــــــــ
(1) أنساب الأشراف 1 / 223 ، القسم الأوّل .
(2)
حياة الإمام الحسن (عليه السّلام) 2 / 127 .


الصفحة (170)

من الإيمان والإسلام .
وعلى أيّ حال , فقد انبرى الجرّاح بن سنان نحو الإمام وهو رافع صوته قائلاً : أشركت يا حسن كما أشرك أبوك من قبل !
إنّ مجتمعاً يضمّ أمثال هؤلاء الأوغاد لهو مجتمع غير سليم .

ضرورة الصلح

ودرس الإمام الحسن (عليه السّلام) الموقف من جميع جوانبه ووجوهه , ورأى أنّه بين محذورين ؛ وهما :
الأول : أن يناجز معاوية ويفتح معه باب الحرب ، وهذا ما يطلبه ويبغيه لإنقاذ العالم الإسلامي من هذا العدو الظالم الذي يكيد له في الليل إذا يغشى , وفي النهار إذا تجلّى ؛ فحربه أمر لازم وضروري , ولكن ذلك لا سبيل له ، ولا تساعده الحكمة وعمق النظر ؛ وذلك لما يلي :
1 ـ إنّه ليس عند الإمام (عليه السّلام) قوّة عسكرية يستطيع أن يخوض بها الحرب ؛ فإنّ الأكثرية الساحقة من جيشه قد استجابت لمعاوية ، وآثرت السلم والعافية .
2 ـ إنّ معاوية قد أرشى معظم قادة الفرق في جيش الإمام (عليه السّلام) ، فصاروا طوع إرادته ، وضمنوا إنجاز ما يريد من اغتيال الإمام (عليه السّلام) أو تسليمه له أسيراً .
3 ـ إنّ من المؤكد أنّ معاوية هو الذي ينجح في الحرب ـ حسب الفنون العسكريّة ـ فإذا استشهد الإمام (عليه السّلام) فإنّه لا يستشهد وحده , وإنّما يستشهد معه جميع أفراد اُسرته وخلّص شيعته ، ولا تستفيد القضية الإسلاميّة من تضحيتهم شيئاً ؛ فإنّ دهاء معاوية وما يتمتّع به من وسائل المكر والخداع يجعل تبعة ذلك على الإمام (عليه السّلام) ، وبذلك يخسر العالم الإسلامي أهم رصيد روحي وفكري .
4 ـ إنّ الإمام إذا لم يستشهد واُخذ أسيراً لمعاوية ، فإنّ من المحقّق أنّه يمنّ عليه ويوصمه مع بقية أهل البيت (عليهم السّلام) بالطلقاء ، ويسجّل له بذلك يداً على العلويِّين ,


الصفحة (171)

ويمحو عنه وعن الاُمويِّين وصمة الطلقاء التي أسداها عليهم النبي (صلّى الله عليه وآله) حينما فتح مكة .
الثاني : أن يصالح معاوية على ما في الصلح من قذى العين وشجى الحلق ، وهذا هو المتعيّن في عرف السياسة وقوانين الحكمة ، وله مرجّحاته الواقعية والظاهرية التي أشرنا إليها .
وكان من أعظم فوائد الصلح ومن أهم ثمراته إبراز الواقع الاُموي الذي خفي على المسلمين ؛ فقد تظاهر الاُمويِّين بالإسلام ، وأشاعوا أنّهم حماة الدين ، وأقرب الناس إلى النبي (صلّى الله عليه وآله) وأمسّهم رحماً به ، وبعد الصلح انكشف زيفهم ، وظهر واقعهم الجاهلي ؛ فقد تفجّرت سياسة معاوية بكلّ ما خالف كتاب الله وسنّة نبيّه ؛ فقد أعلن بعد الصلح مباشرة أمام الحشود فخاطب أهل العراق قائلاً : إنّي ما قاتلتكم لتصلّوا ولا لتصوموا ولا لتزكّوا ولا لتحجّوا وإنّما قاتلتكم لأتأمّر عليكم وقد أعطاني الله ذلك ، وإنّي قد أعطيت الحسن بن عليّ شروطاً لا أفي بواحد منها وها هي تحت قدمي .
ولو لم يكن للصلح من فائدة إلاّ إبراز حقيقة معاوية وتجريده من كلّ إطار ديني لكفى ؛ فقد أبرز معاوية واقعه بهذا الخطاب ، فهو لم يُقاتل أهل العراق من أجل الطلب بدم عثمان ، ولا من أجل ظاهرة إسلاميّة ، وإنّما قاتلهم من أجل الإمرة والسلطان ، ولو كان يملك ذرّة من الشرف والكرامة لما فاه بذلك ، ولما أعلن نقضه للعهود والمواثيق التي أعطاها للإمام الحسن (عليه السّلام) .
وعلى أيّ حال ، فإنّا قد بسطنا القول بصورة موضوعية وشاملة في بيان ضرورة الصلح ، وإنّه هو المتعيّن على الإمام (عليه السّلام) شرعاً وسياسة في كتابنا ( حياة الإمام الحسن (عليه السّلام) ) ، كما استوفينا البحث من الشروط التي شرطها الإمام (عليه السّلام) على معاوية والتي لم يفِ بشيء منها ، فمَنْ أراد الإلمام بهذه البحوث عليه بمراجعة هذا الكتاب .


الصفحة (172)

السفر إلى يثرب

وأخذ الإمام الحسن (عليه السّلام) يتهيّأ للسفر إلى يثرب ، ويترك البلد الذي خذله وخذل أباه من قبل ، ولمّا تمّت وسائل النقل خرج أهل الكوفة إلى توديعه وهم ما بين باك وآسف يندبون حظّهم التعيس ؛ فقد أصبحت بلدهم مصراً من الأمصار بعد أن كانت عاصمة الدولة الإسلاميّة ، وأصبحت القطع السورية من الجيش تدخل مصرهم وتسيطر عليهم ، ويُقام في بلدهم حكم إرهابي لا يعرف الرحمة ولا الرأفة .
وعلى أيّ حال , فقد انتهى الإمام (عليه السّلام) إلى يثرب فخفّ أهلها إلى استقباله ؛ فقد أقبل إليهم الخير وحلّت في ديارهم السعادة .
وعلى أيّ حال , فقد أفلت دولة الحقّ وقامت على أنقاضها دولة الباطل ، وكان ذلك من أعظم النكبات التي عانتها حفيدة الرسول (صلّى الله عليه وآله) وعقيلة بني هاشم السيّدة زينب ، فكانت عالمة بمجريات الأحداث ونتائجها التي كان منها ما عانته من الرزايا والخطوب في كربلاء .


الصفحة (173)

حكومة معاوية

واستقبل المسلمون حكومة معاوية بكثير من الوجوم والقلق والاضطراب واعتبروها نكسة للإسلام ، ونصراً حاسماً للقوى المعادية له والحاقدة عليه ، وفي طليعتها الاُسرة الاُمويّة ومَنْ شايعها من القبائل القرشيّة ؛ فقد انتعشت الأفكار الجاهليّة وعادت لها الحياة من جديد ، وانطوت الديمقراطية الإسلاميّة وما تنشده من التقدّم والتطوّر للإنسان في مجالاته الاجتماعيّة والاقتصادية والسياسيّة .

يقول السيد مير علي الهندي : ومع ارتقاء معاوية الخلافة في الشام عاد حكم التوليغارشية الوثنية السابقة ، فاحتلّ موقع ديمقراطية الإسلام ، وانتعشت الوثنية بكلّ ما يرافقها من خلاعات ، وكأنّها بُعثت من جديد ، كما وجدت الرذيلة والتبذّل الخُلقي لنفسها متّسعاً في كلّ مكان ارتادته رايات حكم الاُمويِّين من جند الشام(1) .
لقد وقعت الاُمّة فريسة تحت أنياب معاوية فساسها سياسة سوداء تفجّرت بكلّ ما خالف كتاب الله وسنّة نبيّه ، فأشاع فيها البؤس والحرمان والقتل والدمار .

ونعرض ـ بإيجاز ـ لبعض نزعاته وصورة عن سياسته :

عداؤه للنبيّ (صلّى الله عليه وآله)

وورث معاوية عداءه للرسول (صلّى الله عليه وآله) من أبيه أبي سفيان الذي هو من ألدّ أعدائه

ـــــــــــــــــــــ
(1) روح الإسلام / 296 .


الصفحة (174)

وخصومه ، وقد ناجزه الحرب في بدر واُحد وغيرهما ، وقد حاول جاهداً أن يلفّ لواء الإسلام ويُطفئ نور الله ، ولكنّ الله تعالى ردّ كيده ونصر رسوله وأعزّ جنده .
وأمّا اُمّ معاوية فهي الباغية هند ، وهي التي عُرفت بالعداء العارم للاُسرة العلوية ، وهي التي حرّضت وحشيّاً على قتل سيّد الشهداء حمزة فقتله ، وبعد قتله مثّلت به شرّ تمثيل .
ولا يقلّ معاوية في عدائه للنبيّ (صلّى الله عليه وآله) عن أبويه ؛ فقد اُترع بالكراهية والبغض له ، وكان من حقده له أنّه سمع المؤذّن يؤذّن : أشهد أنّ محمداً رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، فلم يملك إهابه واندفع قائلاً : لله أبوك يابن عبد الله ! لقد كنت عالي الهمّة ، ما رضيت لنفسك إلاّ أن يُقرن اسمك باسم ربّ العالمين(1) .
وكان من حقده على النبي (صلّى الله عليه وآله) ما حدّث به مطرف بن المغيرة و قال : وفدت مع أبي على معاوية , فكان يتحدّث عنده ثم ينصرف إليّ وهو يذكر معاوية وعقله , ويعجب بما يرى منه . وأقبل ذات ليلة وهو غضبان , فأمسك عن العشاء , فانتظرته ساعة وقد ظننت أنّه شيء حدث فينا أو في عملنا ، فقلت له : ما لي أراك مغتماً هذه الليلة ؟
ـ يا بُني ، جئتك من أخبث الناس .
ـ ما ذاك ؟
ـ خلوت بمعاوية فقلت له : إنّك قد بلغت مُناك يا أمير المؤمنين , فلو أظهرت عدلاً ، وبسطت خيراً ؛ فإنّك قد كبرت ، ولو نظرت إلى إخوتك من بني هاشم فوصلت أرحامهم ، فوالله ما عندهم اليوم شيء تخافه .
فثار معاوية وقال :

ـــــــــــــــــــــ
(1) شرح نهج البلاغة 10 / 101 .


الصفحة (175)

هيهات ، هيهات ! ملك أخو تيم فعدل ، وفعل ما فعل , فوالله ما عدا أن هلك فهلك ذكره إلاّ أن يقول قائل : أبو بكر ، ثمّ ملك أخو عدي فاجتهد وعمره عشر سنين ، فوالله ما عدا أن هلك فهلك ذكره إلاّ أن يقول قائل : عمر ، ثمّ ملك أخونا عثمان فملك رجل لم يكن أحد في مثل نسبه ، فعمل به ما عمل ، فوالله ما عدا أن هلك فهلك ذكره ، وإنّ أخا هاشم يصرخ به في كلّ يوم خمس مرّات أشهد أنّ محمّداً رسول الله ، فأيّ عمل يبقى بعد هذا ـ لا اُمّ لك ـ إلاّ دفناً دفناً ؟!(1)
وتحكي هذه البادرة مدى حقده وبغضه للنبي (صلّى الله عليه وآله) ، وأنّه يسعى جاهداً لمحو ذكره وإطفاء نوره .

بغضه لآل النبيّ (صلّى الله عليه وآله)

وكان معاوية من أبغض الناس وأحقدهم على آل النبي (صلّى الله عليه وآله) ، وقد قام بما يلي :

1 ـ ستر فضائلهم

وأوعز معاوية إلى جميع عمّاله وولاته بستر فضائل آل النبي (صلّى الله عليه وآله) وحجبها عن الناس ، وقد حجّ بيت الله الحرام بعد عام الصلح , فقام إليه جماعة من الناس سوى ابن عباس , فبادره معاوية قائلاً : يابن عباس ، ما منعك من القيام كما قام أصحابك إلاّ لموجدة عليّ بقتالي إيّاكم يوم صفّين . يابن عباس ، إنّ ابن عمّي عثمان قُتل مظلوماً .
فردّ عليه ابن عباس : فعمر بن الخطاب قُتل مظلوماً ، فسلّم الأمر إلى ولده ؟ وهذا ابنه ـ وأشار إلى عبد الله بن عمر ـ .
فأجابه معاوية :

ـــــــــــــــــــــ
(1) شرح نهج البلاغة 2 / 297 .


الصفحة (176)

إنّ عمر قتله مشرك .
فانبرى ابن عباس قائلاً : فمَنْ قتل عثمان ؟
ـ قتله المسلمون .
وامسك ابن عباس بزمامه قائلاً : فذلك أدحض لحجّتك ؛ إن كان المسلمون قتلوه وخذلوه فليس إلاّ بحقّ .
ووجم معاوية ثمّ قال : إنّا كتبنا إلى الآفاق ننهى عن ذكر مناقب عليّ وأهل بيته , فكفّ لسانك يابن عباس .
فأجابه ابن عباس ببليغ منطقه : أفتنهانا عن قراءة القرآن ؟
ـ لا .
ـ أفتنهانا عن تأويله ؟
ـ نعم .
ـ فنقرأه ولا نسأل عمّا عنى الله به ؟
ـ نعم .
ـ فأيّهنّ أوجب علينا قراءته أو العمل به ؟
ـ العمل به .
ـ فكيف نعمل به حتّى نعلم ما عنى الله بما أنزل علينا ؟
ـ سل عن ذلك مَنْ يتأوّله على غير ما تتأوّله أنت وأهل بيتك .
ـ إنّما نزل القرآن على أهل بيتي , فأسأل عنه آل أبي سفيان وآل أبي معيط ؟
ـ فاقرؤوا القرآن ، ولا ترووا شيئاً ممّا أنزل الله فيكم , وممّا قاله رسول الله فيكم ، وارووا ما سوى ذلك .


الصفحة (177)

وسخر منه ابن عباس , وتلا قوله تعالى : ( يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ )(1) .
وصاح به معاوية : اكفف نفسك ، وكفّ عنّي لسانك ، وإن كنت فاعلاً فليكن سرّاً ، ولا تسمعه أحداً علانية .
لقد جهد معاوية في ستر فضائل أهل البيت (عليهم السّلام) ومحو ذكرهم حتّى لا يبقى لهم أيّ رصيد شعبي في الأوساط الإسلاميّة .

2 ـ اضطهاد الشيعة

واضُطهدت الشيعة اضطهاداً مريراً وقاسياً في أيام معاوية ؛ فقد انتقم منهم كأقسى وأشدّ ما يكون الانتقام ، وكان ما عانوه منه لا يُوصف لشدّة قسوته ومرارته .

وهذه صورة موجزة لما عانوه :

أ ـ القتل الجماعي

وعهد معاوية إلى الجلاّدين من شرطته بقتل الشيعة وإبادتهم ؛ فقتل المجرم بسر بن أرطأة بعد التحكيم ثلاثين ألفاً عدا مَنْ أحرقهم بالنار(2) ، وقتل سمرة بن جندب ثمانية آلاف من أهل البصرة(3) ، وأمّا زياد ابن أبيه فقد اقترف أفظع الجرائم ؛ فقطع الأيدي والأرجل , وسمل العيون , وأنزل بالشيعة جميع صنوف العذاب .

كما صفّى معاوية جميع العناصر الواعية من الشيعة , وكان منهم :

ـــــــــــــــــــــ
(1) سورة التوبة / 32 .
(2)
حياة الإمام الحسن (عليه السّلام) 2 / 343 .
(3)
شرح نهج البلاغة 2 / 6 .


الصفحة (178)

1 ـ حجر بن عدي وجماعته
2 ـ عمرو بن الحمق الخزاعي
3 ـ رشيد الهجري
4 ـ أوفى بن حصن
5 ـ عبد الله الحضرمي وجماعته
6 ـ جويرية العبدي
7 ـ عبد الرحمن العنزي
8 ـ صيفي بن فسيل .
وقد ذكرنا بصورة مفصّلة كيفية شهادتهم , وما لاقوه من التنكيل من معاوية ؛ لمحبّتهم لأهل البيت (عليهم السّلام) .

ب ـ ترويع النساء

وروّع معاوية جمهرة من سيّدات نساء الشيعة , كان من بينهنّ :
1 ـ الزرقاء بنت عدي
2 ـ اُمّ الخير البارقية
3 ـ سودة بنت عمارة
4 ـ اُمّ البراء بنت صفوان
5 ـ بكارة الهلالية
6 ـ أروى بنت الحارث
7 ـ عكرشة بنت الأطرش
8 ـ الدرامية الحجونية
لقد لاقين هذه السيّدات التوهين والتقريع والترويع من معاوية ؛ لولائهنّ لأهل البيت (عليهم السّلام) .


الصفحة (179)

جـ ـ هدم دور الشيعة

وأوعز معاوية إلى عمّاله بهدم دور الشيعة فقاموا بهدمها(1) ، وتركوهم بلا مأوى يأوون إليه .

د ـ حرمان الشيعة من العطاء

وكتب معاوية إلى عمّاله نسخة واحدة بحرمان الشيعة من العطاء , وهذا نصها : وانظر إلى مَنْ قامت عليه البيّنة أنّه يحبّ عليّاً وأهل بيته فامحوه من الديوان , وأسقطوا عطاءه ورزقه(2) .
وقام عملاؤه بالفحص في سجلاتهم , فمَنْ وجدوه يتعاطف مع أهل البيت (عليهم السّلام) محوا اسمه ، وأسقطوا عطاءه .

هـ ـ رفض شهادة الشيعة

وعمد معاوية إلى إذلال الشيعة وتجريحهم فأوعز إلى ولاته بعدم قبول شهادة الشيعة في دور القضاء وغيره(3) ؛ مبالغة في التوهين بهم .

و ـ إبعاد الشيعة إلى خراسان

ومن الإجراءات القاسية التي اتّخذها زياد بن أبيه عمدة ولاة معاوية , وأخوه اللاّشرعي ضدّ شيعة أهل البيت (عليهم السّلام) , وكسر شوكتهم أنّه أجلى خمسين ألفاً منهم من الكوفة إلى خراسان , المقاطعة الشرقية في فارس(4) .

وقد عمل المبعدون على نشر التشيّع

ـــــــــــــــــــــ
(1) شرح نهج البلاغة 11 / 44 .
(2)
المصدر نفسه .
(3)
حياة الإمام الحسن (عليه السّلام) 2 / 178 .
(4)
تاريخ الشعوب الإسلاميّة 1 / 147 .


الصفحة (180)

في تلك البلاد حتّى تحوّلت إلى جبهة قوية للمعارضة ضدّ الحكم الاُموي ، وقد استغلّها أبو مسلم الخراساني فجنّدها وحارب بها الاُمويِّين حتّى أطاح بدولتهم .
هذه بعض الإجراءات الرهيبة التي اتّخذها معاوية ضدّ الشيعة ، وهي تمثّل مدى حقده وعدائه لأهل البيت (عليهم السّلام) .
أمّا البحث عن نزعاته الشريرة وسائر أعماله المجافية لروح الإسلام والقانون فقد ذكرناها بصورة مفصّلة في الجزء الثاني من كتابنا ( حياة الإمام الحسن (عليه السّلام) ) فلا حاجة لذكرها .

اغتيال الإمام الحسن (عليه السّلام)

وأكبر موبقة اقترفها معاوية ضدّ الإسلام والمسلون اغتياله لسبط رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الإمام الحسن (عليه السّلام) ، الذي أعطاه عهداً بأن تكون الخلافة له من بعده إلاّ أنّه خان بعهده ، وراح يُنشئ دولة اُمويّة تنتقل بالوراثة إلى أبنائه وأعقابه .

وقد وصفه (الميجر أوزبورن) بأنّه مخادع , وذو قلب خال من كلّ شفقة ، وأنّه كان لا يتهيّب من الإقدام على أيّة جريمة من أجل أن يضمن مركزه ؛ فالقتل إحدى وسائله لإزالة خصومه ، وهو الذي دبّر تسميم حفيد الرسول (صلّى الله عليه وآله) ، كما تخلّص من مالك الأشتر قائد عليّ بنفس الطريقة(1) .
واستعرض الطاغية السفّاك المجرمين ليعهد إلى أخسّهم باغتيال ريحانة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، فلم يجد أحداً خليقاً باقتراف هذه الجريمة سوى جعدة بنت الأشعث ، فهي من بيت جُبل على الجريمة , وطُبع على الغدر والخيانة ؛ فأرسل إلى مروان بن الحكم سمّاً فاتكاً كان قد جلبه من ملك الروم ، وأمره بإغراء جعدة بالأموال وزواج ولده يزيد إن استجابت له ، وعرض عليها مروان ذلك فاستجابت له ,

ـــــــــــــــــــــ
(1) روح الإسلام / 295 .


الصفحة (181)

فأخذت السمّ ودسّته للإمام (عليه السّلام) ، وكان صائماً في وقت شديد الحرّ ، وما إن وصل السمّ إلى جوف الإمام (عليه السّلام) لاحتّى تقطّعت أمعاؤه ، فالتفت (عليه السّلام) إلى الخبيثة الماكرة وقال لها : (( قتلتيني قتلك الله ! والله لا تصيبين منّي خلفاً ، لقد غرّك ـ يعني معاوية ـ وسخر منك , يخزيك الله ويخزيه ))(1) .
وأخذ ريحانة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يعاني من شدّة السمّ وقسوته , وكان يتقيّأ قطعاً من الدم في طشت ، فدخلت عليه شقيقته سيّدة النساء العقيلة فأمر برفع الطشت ؛ لئلا ترى ما فيه فيذوب قلبها ، فنظرت العقيلة إلى أخيها وهو مصفرّ الوجه , قد فتك السمّ به ، فانهارت قواها , وطافت بها موجات مذهلة من الألم والحزن ؛ فقد علمت أنّ أخاها سيفارقها عمّا قريب .
وأخذ الإمام (عليه السّلام) يقبّل إخوته وخلّص أصحابه , وهو يوصيهم بمكارم الأخلاق ، ومحاسن الأعمال ، وتقوى الله ، والاجتناب عن معاصيه . واشتدّت حالته , وأخذ يتلو آيات من كتاب الله العزيز , ويطلب من الله تعالى أن يجعله في أعلى مراتب المتّقين والصالحين . ووافاه الأجل المحتوم ولسانه يلهج بذكر الله ، وقد سمت روحه العظيمة إلى بارئها وهي مليئة بالآلام التي عانتها من معاوية العدوّ الماكر للإسلام .

وقام الإمام الحسين (عليه السّلام) بتجهيز جثمان أخيه ، وبعد الانتهاء من مراسيم الغسل والتكفين رأى الإمام (عليه السّلام) أن يدفن أخاه بجوار جدّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، فمنعته بنو اُميّة , وقد استعانوا بعائشة ؛ فقد خرجت على بغل وهي تقول : لا يُدفن الحسن بجوار جدّه أو بيتي هذه .وأومأت إلى شعر رأسها وصاحت بالهاشميّين : لا تدخلوا بيتي مَنْ لا اُحبّ .

وكادت الفتنة أن تقع وتُراق الدماء ، فعدل الإمام (عليه السّلام) عن دفن أخيه بجوار جدّه , ودفنه في البقيع ، وقد ذكرنا الأحداث التي رافقت دفن الإمام الحسن (عليه السّلام) في كتابنا (حياة الإمام الحسن) فلا نرى حاجة لذكرها .

ـــــــــــــــــــــ
(1) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 2 / 317 .

الصفحة (182)

البيعة ليزيد (لعنه الله)

وختم معاوية حياته الملوّثة بالجرائم والموبقات بفرض ولده يزيد خليفة على المسلمين ، وقد استخدم جميع الوسائل المنحطّة في جعل الخلافة في أبنائه وتحويلها إلى ملك عضوض لا محلّ فيه لأي قيمة من القيم الدينية .
وقد ورث يزيد صفات جدّه أبي سفيان وأبيه معاوية من النفاق والغدر , والطيش والعداء للإسلام . يقول السيد مير علي الهندي : وكان يزيد غدّاراً كأبيه , ولكن ليس داهية مثله ، كانت تنقصه القدرة على تغليف تصرفاته القاسية بستار من اللباقة الدبلوماسية الناعمة ، وكانت طبيعته المنحلّة ، وخُلقه المنحطّ لا تتسرّب إليهما شفقة ولا عدل ؛ كان يقتل ويعذّب نشداناً للمتعة واللذّة التي يشعر بهما وهو ينظر إلى آلام الآخرين ، وكان بؤرة لأبشع الرذائل ، وها هم ندماؤه من الجنسين خير شاهد على ذلك , لقد كانوا من حثالة المجتمع(1) .
لقد كان يزيد مستهتراً بعيداً عن جميع القيم الإنسانيّة , لا يحفل بما يقترفه من الموبقات والرذائل ، وحسبه أنّه حفيد أبي سفيان وابن معاوية الذئب الجاهلي . ووصفه المؤرّخون بأنّه كان مُعرّى من كلّ صفة إنسانيّة ، وأنّه جاهلي بما تحويه هذه الكلمة من معنى .
ومن مظاهر استهتاره ولعه بشرب الخمر ، ويعزو بعض المؤرّخين سبب وفاته إلى أنّه شرب خمراً كثيراً حتّى أولد فيه انفجاراً في دماغه ، ومن أنّه كان ولعاً بالقرود ، فكان له فهد يجعله بين يديه ويُكنّيه بأبي قيس ، ويسقيه فضل كأسه ، ويقول : هذا شيخ من بني إسرائيل أصابته خطيئة فمُسخ .

وكان يحمله على أتان وحشية ويرسله مع الخيل في حلبة السباق ، فحمله يوماً فسبق الخيل , فسرّ بذلك ,

ـــــــــــــــــــــ
(1) روح الإسلام / 296 .


الصفحة (183)

وجعل يقول :

 تمسّك أبا قيس بفضل زمامها      فليس عليها إن سقطت ضمانُ
 فقد  سبقت خيلَ الجماعة كلَّها      وخـيلَ أمـير المؤمنين أتانُ

 

وأرسله مرّة في حلبة السباق فطرحته الريح فمات , فحزن عليه حزناً شديداً , وأمر بتكفينه ودفنه ، وأوعز إلى أهل الشام أن يعزّوه بمصابه الأليم بهذا الفقيد العزيز , ورثاه بهذه الأبيات :

 

 كـم  مـن كرامٍ وقوم ذو محافظةٍ      جـاؤوا لـنا لـيعزّوا في أبي قيسِ
 شـيخ  الـعشيرة أمضاها و أحملها      على الرؤوس وفي الأعناق والريسِ
 لا  يـبعد الله قـبراً أنـت سـاكنه      فـيه جـمالٌ وفيه لحيةُ التيسِ
(1)

 

وشاع بين الناس ولعه بالقرود ، وقد هجاه [الشاعر] ابن تنوخ بقوله :

 

يزيد  صديق القرد ملّ جوارنا      فـحنّ  إلى أرض القرود يزيدُ
فـتبّاً لـمَنْ أمسى علينا خليفةً      صحابته الأدنون منه قرودُ
(2)

 

وكان كلفاً بالصيد لاهياً به ، وكان يُلبس كلاب الصيد الأساور من الذهب والجلال المنسوجة منه , ويهب لكلّ كلب عبداً يخدمه(3) .
لقد كان يزيد عنواناً لكلّ رذيلة وموبقة , وهو أخبث إنسان على وجه الأرض ، وأصبح علماً للانحطاط الخُلقي والظلم الاجتماعي ، وحيث ما ذكر اسمه فإنّه مثال للفساد والاستبداد , والتهتك والخلاعة ، وقد ذكرنا المزيد من صفاته ونزعاته في كتابنا (حياة الإمام الحسين) .

ـــــــــــــــــــــ
(1) جواهر المطالب لمناقب الإمام علي بن أبي طالب (عليه السّلام) / 143 .
(2)
أنساب الأشراف 2 / 2 .
(3)
الفخري / 45 .


الصفحة (184)

 


الصفحة (185)

الحكم الأسود

وخيّم على العالم الإسلامي حكم إرهابي عنيف لا يخضع لعرف ولا لقانون ، ولا يستجيب لأيّة عاطفة إنسانيّة ، شعاره الظلم والاستبداد واللامبالاة . هذا هو السمت الظاهر والواقع لحكم يزيد بن معاوية الذي بُلي به المسلمون ، وامتحنوا امتحاناً عسيراً .
لقد عانت عقيلة بني هاشم السيّدة زينب في عهد هذا الطاغية أشقّ وأقسى ألوان المصائب والكوارث ، كما تعرّضت الاُسرة النبويّة إلى الإبادة الشاملة ؛ فقد جُزروا كالأضاحي ، ومثّلت الجيوش الاُمويّة أشرّ تمثيل بأجسامهم الطاهرة .

كلّ ذلك كان بمرأى من حفيدة الرسول (صلّى الله عليه وآله) ؛ فذابت نفسها أسى وحسرات ، ولم تقتصر محنتها على ذلك , وإنّما تعدّت إلى ما هو أقسى وأشجّ ؛ فقد سُبيت مع عقائل الوحي ومخدّرات الرسالة ، يُطاف بهنّ من بلد إلى بلد ، فتارة يمثلنَ أمام ابن مرجانة ، واُخرى في مجلس يزيد ، فلم تبقَ محنة من محن الدنيا ، ولا فاجعة من فواجع الدهر إلاّ جرت على حفيدة الرسول (صلّى الله عليه وآله) في عهد هذا الطاغية الأثيم .
وعلى أيّ حال , فقد تسلّم يزيد بعد هلاك أبيه قيادة الدولة الإسلاميّة وهو في غضارة العمر وريعان الشباب , لم تصقله التجارب ، ولم تُهذّبه الأيام ، قد استسلم لشهواته وملذّاته التي كان البارز منها سفك الدماء , وإشاعة الفزع والخوف بين الناس .
ولم يكن الطاغية حينما وافت المنية أباه في دمشق ، وإنّما كان في رحلات


الصفحة (186)

الصيف في حوارين الثنية ، فأرسل إليه الضحّاك بن قيس رسالة يعزّيه فيها بوفاة أبيه , ويهنّئه بالخلافة ، ويطلب منه الإسراع إلى عاصمته يتولّى شؤون الحكم ، وحينما انتهت إليه الرسالة أسرع نحو عاصمته ، ومعه أخواله وبنو اُميّة , والمغنّون والعابثون من أصحابه , وقد شعث في الطريق ، فأقبل الناس يسلّمون عليه ويعزّونه , وقد عابوا عليه ما هو فيه , فانتقدوه وقالوا : هذا الأعرابي الذي ولاّه معاوية أمر الناس , والله سائل عنه(1) .
ومضى صوب قبر أبيه فجلس عنده وهو باكي العين , وأنشأ يقول :

جـاءَ الـبريدُ بقرطاسٍ يخبّ به      فأوجسَ  القلبُ من قرطاسهِ فزعا
قـلنا  لـكَ الويل ماذا في كتابكمُ      قالَ الخليفَ أمسى مدنفاً وجعا
(2)

 

ثمّ سار نحو القبّة الخضراء في موكب رسمي تحفّ به بنو اُميّة وأخواله وشرطته .

خطابه في أهل الشام

وخطب يزيد في أهل الشام خطاباً أعلن فيه عن عزمه على خوض حرب مدمّرة مع أهل العراق , جاء فيه : يا أهل الشام ، فإنّ الخير لم يزل فيكم ، وسيكون بيني وبين أهل العراق حرب شديدة ، وقد رأيت في منامي كأنّ نهراً يجري بيني وبينهم دماً عبيطاً ، وجعلت أجهد في منامي أن أجوز ذلك النهر فلم أقدر على ذلك , حتّى جاءني عبيد الله بن زياد فجازه بين يدي وأنا أنظر إليه .
وانبرى أهل الشام فأعلنوا دعمهم الكامل له قائلين :

ـــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ الإسلام ـ الذهبي 1 / 267 .
(2)
تاريخ ابن الأثير 3 / 266 .


الصفحة (187)

يا أمير المؤمنين , امض بنا حيث شئت ، وأقدم بنا على مَنْ أحببت ، فنحن بين يديك ، وسيوفنا تعرفها أهل العراق في يوم صفّين .
وشكرهم يزيد على ولائهم ، وأثنى على إخلاصهم(1) .

وقد كشف خطابه عن تصميمه على حرب أهل العراق ؛ وذلك لعلمه بكراهيتهم له ، وتجاوبهم الكامل مع الإمام الحسين (عليه السّلام) .

مع المعارضة في يثرب

وكان يزيد يتحرّق غيظاً وغضباً على الجبهة المعارضة له في يثرب , والتي كانت لا تراه أهلاً لولاية أمير المسلمين .

أمّا أعلام المعارضة فهم :

1 ـ الإمام الحسين (عليه السّلام)

وهو ابن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وريحانته ، وكان يتمتّع بنفوذ واسع النطاق في معظم الأقاليم الإسلاميّة .

2 ـ عبد الله بن الزّبير

وهو من أعلام المعارضة ، إلاّ أنّه لم تكن له شعبية ولم يتمتّع بصفة فاضلة ، وكان يرى أنّه أفضل من يزيد وأحقّ بالبيعة والخلافة منه .

أوامره المشدّدة إلى الوليد

وأصدر الطاغية أوامره المشدّدة إلى الوليد بن عتبة عامله على يثرب بإرغام المعارضين له على أخذ البيعة منهم ، فإن امتنعوا نفّذ فيهم حكم الإعدام .

وقد جاء في رسالته : إذا أتاك كتابي فاحضر الحسين بن عليّ وعبد الله بن الزّبير فخذهما بالبيعة ،

ـــــــــــــــــــــ
(1) حياة الإمام الحسين (عليه السلام) 2 / 244 .


الصفحة (188)

فإن امتنعا فاضرب [ عنقيهما ] وابعث إليّ [ برأسيهما ] ، وخذ الناس بالبيعة , فمَنْ امتنع فأنفذ فيه الحكم ، وفي الحسين بن عليّ وعبد الله بن الزّبير , والسّلام(1) .

فزع الوليد

ولمّا انتهت رسالة يزيد إلى الوليد فزع فزعاً شديداً ؛ فإنّ التنكيل بالمعارضين وإنزال العقاب الصارم بهم ليس بالأمر السهل ؛ فإنّ معاوية مع ما يتمتّع به من القابليات الدبلوماسية لم يستطع إرغام الإمام الحسين (عليه السّلام) على أخذ البيعة منه ليزيد , فكيف يستطيع الوليد تنفيذ ذلك .
ورأى الوليد أن يعرض الأمر على مروان ـ عميد الاُسرة الاُمويّة ـ ويستشيره في الأمر ، فبعث خلفه وأطلعه على رسالة يزيد .

فقال له مروان : ابعث إليهم في هذه الساعة فتدعوهم إلى البيعة والدخول في طاعة يزيد ، فإن فعلوا قبلت منهم ذلك ، وإن أبوا قدّمهم واضرب أعناقهم قبل أن يدروا بموت معاوية ؛ فإنّهم إن علموا ذلك وثب كلّ رجل منهم فأظهر الخلاف ودعا إلى نفسه ، فعند ذلك أخاف أن يأتيك من قبلهم ما لا قِبَل لك به ، إلاّ عبد الله بن عمر فإنّه لا ينازع في هذا الأمر أحداً ، مع أنّي أعلم أنّ الحسين بن عليّ لا يُجيبك إلى بيعة يزيد ولا يرى له عليه طاعة . والله لو كنت في موضعك لم أراجع الحسين بكلمة واحدة حتّى أضرب رقبته كائناً في ذلك ما كان .

وعظم ذلك على الوليد ؛ فقد اختار له مروان هلاك دينه ودنياه ، فقال له : يا ليت الوليد لم يولد ، ولم يك شيئاً مذكوراً !
وسخر منه مروان ، وراح يندّد به قائلاً : لا تجزع ممّا قلت لك ؛ فإنّ آل أبي تراب هم الأعداء من قديم الدهر ولم

ـــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ اليعقوبي 2 / 215 .


الصفحة (189)

يزالوا ، وهم الذين قتلوا الخليفة عثمان بن عفان ، ثمّ ساروا إلى أمير المؤمنين ـ يعني معاوية ـ فحاربوه .
ونهره الوليد ونصحه قائلاً : ويحك يا مروان عن كلامك هذا ! وأحسن القول في ابن فاطمة ؛ فإنّه بقيّة النبوّة(1) . واتّفق رأي الوليد ومروان على استدعاء الإمام الحسين (عليه السّلام) وابن الزّبير , وعرض الأمر عليهما والنظر في رأيهما .

استدعاء الحسين (عليه السّلام)

وأرسل الوليد في منتصف الليل(2) عبد الله بن عمرو بن عفان خلف الإمام الحسين (عليه السّلام) وابن الزّبير ، ومضى الفتى يدعوهما فوجدهما في الجامع النبوي فعرض عليهما الأمر فأجاباه إلى ذلك وأمراه بالانصراف ، والتفت ابن الزّبير إلى الإمام (عليه السّلام) فقال له : ما تراه بعث إلينا في هذه الساعة التي لم يكن يجلس فيها ؟
فأجابه الإمام : (( أظنّ أنّ طاغيتهم ـ يعني معاوية ـ قد هلك , فبعث إلينا بالبيعة قبل أن يفشو بالناس الخبر )) . واستصوب ابن الزّبير رأي الإمام (عليه السّلام) قائلاً : وأنا ما أظنّ غيره ، فما تريد أن تصنع ؟

ـ (( أجمع فتياني في الساعة ثمّ أسير إليه ، وأجلسهم على الباب )) .
وانبرى ابن الزّبير يبدي مخاوفه على الإمام (عليه السّلام) قائلاً :

ـــــــــــــــــــــ
(1) الفتوح 5 / 12 ـ 13 ، ذكرنا عرضاً مفصّلاً للأسباب التي دعت مروان إلى هذا الموقف مع المعارضة في كتابنا ( حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) ) .
(2)
البداية والنهاية 8 / 160 .


الصفحة (190)

إنّي أخاف عليك إذا دخلت .
ـ (( لا آتيه إلاّ وأنا قادر على الامتناع ))(1) .
واتّجه الإمام الحسين (عليه السّلام) صوب الوليد ، فلمّا التقى به نعى إليه معاوية , فاسترجع الإمام (عليه السّلام) وقال له : (( لماذا دعوتني ؟ )) .
ـ دعوتك للبيعة .
فطلب منه الإمام تأجيل البيعة قائلاً : (( إنّ مثلي لا يُبايع سرّاً ، ولا يجتزئ بها منّي سرّاً ، فإذا خرجت إلى الناس ودعوتهم للبيعة دعوتنا معهم , فكان الأمر واحداً )) .
لقد أراد الإمام (عليه السّلام) أن يعلن رأيه أمام الجماهير في رفضه البيعة ليزيد ، وعرف مروان قصده , فصاح بالوليد : لئن فارقك ـ يعني الحسين ـ الساعة ولم يبايع لا قدرت منه على مثلها أبداً حتّى تكثر القتلى بينكم وبينه ؛ احبسه فإن بايع وإلاّ ضربت عنقه .
ووثب أبيّ الضيم كالأسد ، فقال للوزغ ابن الوزغ : (( يابن الزرقاء ! أأنت تقتلني أم هو ؟ كذبت والله ولؤمت ))(2) . وأقبل على الوليد فأخبره عن عزمه وتصميمه على رفضه الكامل لبيعة يزيد قائلاً : (( أيّها الأمير , إنّا أهل بيت النبوّة ، ومعدن الرسالة ، ومختلف الملائكة ، ومحلّ الرحمة ، بنا فتح الله وبنا ختم ، ويزيد رجل فاسق ، شارب الخمر ، وقاتل النفس المحرّمة ، معلن بالفسق ، ومثلي لا يبايع مثله ، ولكن نصبح وتصبحون ، وننظر وتنظرون أيّنا أحق بالخلافة والبيعة ))(3) .

ـــــــــــــــــــــ
(1)(2) تاريخ ابن الأثير 3 / 264 .
(3)
حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 2 / 255 .


الصفحة (191)

وكان هذا أوّل إعلان من الإمام الحسين (عليه السّلام) بعد هلاك معاوية في رفضه البيعة ليزيد .

لقد أعلن ذلك في بيت الإمارة من دون مبالاة ولا خوف من السلطة ، كيف يبايع حفيد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يزيد الفاسق , شارب الخمر , وقاتل النفس المحرّمة ؟

ولو بايعه فأقرّه إماماً على المسلمين ، عرّض العقيدة الإسلاميّة إلى الانهيار والدمار , وعصف بها في متاهات سحيقة من محامل هذه الحياة .
واستاء مروان من موقف الإمام (عليه السّلام) , ووجّه لوماً وعتاباً إلى الوليد قائلاً : عصيتني ! لا والله لا يمكّنك مثلها من نفسه أبداً .
وردّ عليه الوليد ببالغ الحجّة قائلاً : ويحك يا مروان ! أشرت عليّ بذهاب ديني ودنياي . والله ما أحبّ أن أملك الدنيا بأسرها وإنّي قتلت حسيناً . سبحان الله ! أأقتل حسيناً أن قال : لا أُبايع ؟! والله ما أظنّ أحداً يلقى الله بدم الحسين إلاّ وهو خفيف الميزان , لا ينظر الله إليه يوم القيامة ، ولا يزكّيه , وله عذاب أليم .
وسخر منه مروان وراح يقول : إذا كان هذا رأيك فقد أصبت(1) .

مغادرة الإمام (عليه السّلام) يثرب

وعزم الإمام (عليه السّلام) على مغادرة يثرب ليلوذ بالبيت الحرام ، وينشر دعوته فيه .

وداعه لقبر جدّه (صلّى الله عليه وآله)

وخفّ الإمام الحسين (عليه السّلام) إلى قبر جدّه وهو حزين كئيب , يشكو إلى الله ما ألمّ به من الخطوب قائلاً :

ـــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ الطبري 5 / 340 .


الصفحة (192)

(( اللّهمّ إنّ هذا قبر نبيّك محمّد (صلّى الله عليه وآله) ، وأنا ابن بنت محمّد ، وقد حضرني من الأمر ما قد علمت . اللّهمّ إنّي أحبّ المعروف وأنكر المنكر ، وأنا أسألك يا ذا الجلال والإكرام بحقّ هذا القبر ومَنْ فيه إلاّ ما اخترت لي ما هو لك رضاً , ولرسولك رضاً ))(1) .
ويُلمس في هذا الدعاء مدى انقطاعه الكامل إلى الله تعالى ، وحبّه العارم إلى إقامة المعروف وتدمير الباطل ، وهو يسأل الله بلهفة أن يختار له الصالح في دينه ودنياه .
وتوجّه الإمام (عليه السّلام) في غلس الليل البهيم إلى قبر اُمّه سيّدة نساء العالمين فودّعها الوداع الأخير ، ووقف قبال قبرها الشريف ، وتمثّلت أمامه ذكريات عواطفها الفيّاضة وشدّة حنوّها عليه فانفجر بالبكاء ، وذابت نفسه أسى وحسرات ، ثم ودّع القبر وداعاً حارّاً وانصرف إلى مرقد أخيه الزكي الإمام أبي محمّد (عليه السّلام) , فأخذ يروي ثراه بدموع عينيه , وقد طافت به الآلام ، ثمّ قفل راجعاً إلى منزله .

ـــــــــــــــــــــ
(1) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 2 / 259 .


الصفحة (193)

إلى مكّة

وبعدما أعلن الإمام (عليه السّلام) رفضه الكامل لبيعة الطاغية يزيد عزم على مغادرة يثرب والتوجّه إلى مكة المشرّفة ليبثّ دعوته فيها ، وقد دعا العقيلة اُخته السيدة زينب (عليها السّلام) وعرّفها بعزمه وما سيجري عليه من الأحداث ، وطلب منها أن تشاركه في محنته فاستجابت له ، وصمّمت على مساعدته في نهضته وثورته التي يقيم فيها الحقّ ويدحر الباطل ، كما دعا أولاده وزوجاته , وإخوته وبني عمومته إلى مصاحبته , فلبّوا جميعاً ولم يتخلّف منهم أحد إلاّ لعذر قاهر .
ولمّا أصبحوا جاء الموالي بالإبل فحملوا عليها الخيام وأدوات المياه والأرزاق وغيرها , وأعدّوها للسفر ، وخرجت حفيدة الرسول السيدة زينب تجرّ أذيالها ونفسها مترعة بالهموم والآلام , وقد أحاطت بها جواريها ، وكان إلى جانبها أخوها أبو الفضل العباس قمر بني هاشم ، فكان هو الذي يتولّى رعايتها وخدماتها , وقد مُلئت نفسه إجلالاً وإكباراً وولاءً لها .

واستقلّت الإبل بعترة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) , وحدا بهم الحادي إلى مكّة المكرّمة ، وقد خيّم الحزن والأسى على المدنيّين حينما رأوا آل النبي (صلّى الله عليه وآله) قد نزحوا عنهم إلى غير مئاب .
وكان سيد الشهداء (عليه السّلام) يتلو في طريقه قوله تعالى : ( رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ )(1) .

ـــــــــــــــــــــ
(1) سورة القصص / 21 .


الصفحة (194)

لقد شبّه خروجه بخروج نبي الله موسى بن عمران على فرعون زمانه ، وكذلك هو خرج على طاغية عصره حفيد أبي سفيان ليقيم الحقّ وينشر العدل بين الناس ، وسلك (عليه السّلام) في سفره الطريق العام من دون أن يتجنّب عنه كما فعل ابن الزّبير مخافة أن يدركه الطلب من قبل السلطة في يثرب ، فامتنع وأجاب : (( لا والله لا فارقت هذا الطريق أبداً أو أنظر إلى أبيات مكة ، أو يقضي الله في ذلك ما يحبّ ويرضى )) .
لقد رضي بما كتب الله وقدّر له ، لم تضعف همّته ولم توهن عزيمته ، ولم يبالِ بالأحداث المروعة التي سيواجهها ، وكان يتمثّل في أثناء مسيرته بشعر يزيد بن المفرغ :

لا ذعرتُ السوام في فلق الصبـ      ـحِ مُغيراً  ولا دعـيت يـزيدا
يوم  اُعطى مخافة الموت ضيماً      والمنايا ترصدنني أن أحيدا
(1)

 

لقد كان على ثقة أنّ المنايا ترصده لا تحيد عنه ما دام مصمّماً على عزمه الجبّار في أن يعيش عزيزاً ولا يخضع لحكم يزيد .

احتفاف الحجاج والمعتمرين بالإمام (عليه السّلام)

وانتهى الإمام (عليه السّلام) إلى مكة المكرّمة ليلة الجمعة لثلاث ليال مضين من شعبان(2) , وقد حطّ رحله في دار العباس بن عبد المطلب(3) ، وقد استقبله المكّيون استقبالاً حافلاً ، وجعلوا يختلفون إليه بكرةً وعشيةً وهم يسألونه عن أحكام دينهم ، كما يسألونه عن موقفه تجاه الحكم القائم .

ـــــــــــــــــــــ
(1) خطط المقريزي 2 / 285 .
(2)
تاريخ الطبري 6 / 190 .
(3)
تاريخ ابن عساكر 13 / 68 .


الصفحة (195)

وأخذ القادمون إلى بيت الله الحرام من الحجاج والمعتمرين يختلفون إليه ويطوفون حوله ، ويتبرّكون بتقبيل يده ويلتمسون منه العلم والحديث ، ولم يترك الإمام لحظة واحدة من الوقت تمرّ دون أن يبثّ الوعي الاجتماعي والسياسي في نفوس القادمين إلى بيت الله الحرام ، ويدعوهم إلى اليقظة والحذر من الحكم الاُموي الهادف إلى استعباد المسلمين وإذلالهم .

فزع السلطة المحلّيّة

وفزعت السلطة المحلية في مكة من قدوم الإمام (عليه السّلام) ، وخافت أن يتّخذها مقرّاً سياسياً لدعوته ومنطلقاً لإعلان الثورة على حكومة يزيد ، وقد خفّ حاكم مكة عمرو بن سعيد الأشدق إلى الإمام (عليه السّلام) ، وقال له : ما أقدمك ؟
ـ (( عائذاً بالله وبهذا البيت ))(1) .
لقد جاء الإمام (عليه السّلام) إلى مكة عائذاً ببيت الله الحرام الذي مَنْ دخله كان آمناً من كلّ ظلم واعتداء . ولم يحفل الأشدق بكلام الإمام (عليه السّلام) ، وإنّما رفع رسالة إلى يزيد أحاطه بها علماً بمجيء الإمام إلى مكّة واختلاف الناس إليه ، وازدحامهم على مجلسه , وإجماعهم على تعظيمه ، وأنّ ذلك يشكّل خطراً على الدولة الاُمويّة .

واضطرب يزيد حينما وافته رسالة عامله الأشدق ، فرفع إلى ابن عباس رسالة يُمنّي فيها الإمام الحسين (عليه السّلام) بالسلامة إن استجاب لبيعته , ويتهدّده إن لم يستجب لذلك .

وقد أجابه ابن عباس : أنّ الحسين إنّما نزح عن يثرب لمضايقة السلطة المحلّيّة له ، كما وعده أن يلقى الإمام ويعرض عليه ما طلبه منه ، وقد ذكرنا ذلك في (حياة الإمام الحسين ـ نصّ رسالة يزيد وجواب ابن عباس) .

ـــــــــــــــــــــ
(1) انظر تذكرة الخواصّ / 248 .


الصفحة (196)

إعلان التمرّد في العراق

وبعدما هلك معاوية أعلن العراقيون رفضهم لبيعة يزيد وخلعهم لطاعته ، فكانت أندية الكوفة تعجّ بمساوئ معاوية وابنه الخليع يزيد ، وذهب المستشرق (كريمر) إلى أنّ الأخيار والصلحاء من الشيعة ينظرون إلى يزيد نظرتهم إلى ورثة أعداء الإسلام(1) .
وعلى أيّ حال ، فإنّ أهل الكوفة لم يرضوا بحكم يزيد وأجمعوا على خلع بيعته ، وقد عقدت الشيعة مؤتمراً عاماً في بيت سليمان بن صرد الخزاعي ، وهو من أكابر زعمائهم ، وألقوا الخطب الحماسية التي أظهرت مساوئ الاُمويِّين وما اقترفوه من الظلم والجور ضدّ شيعة أهل البيت ، ودعوا إلى البيعة للإمام الحسين (عليه السّلام) .

وكان من جملة الخطباء سليمان بن صرد ، وقد جاء في خطابه : إنّ معاوية قد هلك ، وإنّ حسيناً قد قبض على القوم بيعته , وقد خرج إلى مكة ، وأنتم شيعته وشيعة أبيه ، فإن كنتم تعلمون أنّكم ناصروه ومجاهدو عدوّه فاكتبوا إليه ، وإن خفتم الوهن والفشل فلا تغرّوا الرجل من نفسه .
وتعالت أصواتهم من كلّ جانب ، وهم يقولون بحماس بالغ : نقتل أنفسنا دونه ، نقاتل عدوّه . وأظهروا بالإجماع دعمهم الكامل للحسين (عليه السّلام) ، ورغبتهم الملحّة في نصرته والدفاع عنه ، وأجمعوا على إرسال وفد إليه يدعونه للقدوم إليهم .

وفود أهل الكوفة للإمام (عليه السّلام)

وأرسلت الكوفة وفوداً متعدّدة إلى الإمام (عليه السّلام) يدعونه إلى القدوم إلى مصرهم ؛ لينقذهم

ـــــــــــــــــــــ
(1) العقيدة والشريعة في الإسلام / 69 .


الصفحة (197)

من ظلم الاُمويِّين وجورهم ، ويعلنون دعمهم الكامل له ، وكان من بين الوافدين عبد الله الجدلي(1) .

رسائل أهل الكوفة

وعمد أهل الكوفة إلى كتابة جمهرة من الرسائل إلى الإمام (عليه السّلام) يحثّونه على القدوم إليهم ؛ لينقذ الاُمّة من شرّ الاُمويِّين .

وكان من بين تلك الرسائل رسالة بعثها جماعة من شيعة الإمام ، وجاء فيها بعد البسملة : من سليمان بن صرد ، والمسيب بن نجيّة ، ورفاعة بن شداد ، وحبيب بن مظاهر وشيعته والمسلمين من أهل الكوفة . أمّا بعد ، فالحمد لله الذي قصم عدوّك الجبّار العنيد ـ يعني معاوية ـ الذي انتزا على هذه الاُمّة فابتزّها أمرها ، وغصبها فيئها , وتأمّر عليها بغير رضاً منها ، ثمّ قتل خيارها واستبقى شرارها ، وجعل مال الله دولة بين جبابرتها وأغنيائها ، فبُعداً له كما بعدت ثمود !
إنّه ليس علينا إمام فاقبل لعلّ الله يجمعنا بك على الحقّ . واعلم أنّ النعمان بن بشير في قصر الإمارة لسنا نجتمع معه في جمعة ولا نخرج معه إلى عيد ، ولو بلغنا أنّك قد أقبلت إلينا أخرجناه حتّى نلحقه بالشام إن شاء الله ، والسّلام عليك ورحمة الله وبركاته(2) .
كما وردت إليه رسائل من الانتهازيين وشيوخ الكوفة ، كان منها ما أرسله شبث بن ربعي اليربوعي ، ومحمد بن عمر التميمي ، وحجّار بن أبجر العجلي ، ويزيد بن الحارث الشيباني ، وعزرة بن قيس الأحمسي ، وعمرو بن الحجّاج الزبيدي ، وهذا نصّها :

ـــــــــــــــــــــ
(1) مقاتل الطالبيّين / 95 .
(2)
أنساب الأشراف / 157 .

الصفحة (198)

أمّا بعد , فقد اخضرّ الجناب ، وأينعت الثمار ، وطمت الجمام(1) ، فاقدم على جند لك مجنّدة ، والسّلام عليك(2) .
وأعربت هذه الرسالة عن شيوع الأمل وازدهار الحياة ، وتهيئة البلاد عسكرياً للأخذ بحقّ الإمام (عليه السّلام) ومناجزة خصومه ، وقد وقّعها اُولئك الأشخاص الذين لا يؤمنون بالله ، وكانوا في طليعة القوى العسكريّة التي زجّها ابن مرجانة لحرب الإمام (عليه السّلام) .
وعلى أيّ حال , فقد توافدت الرسائل يتبع بعضها بعضاً على الإمام حتّى اجتمع عنده في نوب متفرّقة اثنا عشر ألف كتاب ، ووردت عليه قائمة فيها مئة وأربعة ألف اسم يعربون فيها عن نصرتهم واستعدادهم الكامل لطاعته حال ما يصل إلى مقرّهم .
ولكن بمزيد الأسف لقد انطوت تلك الصحيفة وتبدّلت الأوضاع إلى ضدّها ، وإذا بالكوفة تنتظر الحسين (عليه السّلام) لتثب عليه فتريق دمه ودماء أهل بيته وأصحابه , وتسبي عياله ، وهكذا شاءت المقادير ولا رادّ لأمر الله تعالى وقضائه .

إيفاد مسلم إلى العراق

وعزم الإمام (عليه السّلام) على أن يلبّي طلب أهل الكوفة ويستجيب لدعوتهم ، فأوفد إليهم ممثّله العظيم ابن عمّه مسلم بن عقيل ليعرّفه باتجاهاتهم وصدق نيّاتهم ، فإن رأى منهم عزيمة مصمّمة فيأخذ منهم البيعة .

وزوّده بهذه الرسالة : (( من الحسين بن علي إلى مَنْ بلغه كتابي هذا من أوليائه وشيعته بالكوفة , سلام عليكم . أمّا بعد , فقد أتتني كتبكم وفهمت ما ذكرتم من محبّتكم لقدومي عليكم ، وأنا باعث إليكم بأخي وابن عمّي وثقتي من أهلي مسلم بن عقيل ؛ ليعلم لي كُنه

ـــــــــــــــــــــ
(1) الجمام : الآبار .
(2)
أنساب الأشراف / 158 ـ 159 .


الصفحة (199)

أمركم ، ويكتب إليّ بما يتبيّن له من اجتماعكم ؛ فإن كان أمركم على ما أتتني به كتبكم وأخبرتني به رسلكم أسرعت القدوم إليكم إن شاء الله ، والسّلام ))(1) .

مسلم في بيت المختار

وسار مسلم يطوي البيداء حتّى انتهى إلى الكوفة فنزل في بيت المختار الثقفي(2) ، وهو من أشهر أعلام الشيعة ، ومن أحبّ الناس وأنصحهم وأخلصهم للإمام الحسين (عليه السّلام) .
وفتح المختار أبواب داره لمسلم ، وقابله بمزيد من الحفاوة والتكريم , ودعا الشيعة لمقابلته ، فهرعوا إليه من كلّ حدب وصوب وهم يظهرون له الولاء والطاعة ، وكان مسلم يقرأ عليهم رسالة الإمام الحسين (عليه السّلام) وهم يبكون ، ويبدون تعطّشهم لقدومه والتفاني في نصرتهم له ؛ ليعيد في مصرهم حكم الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، وينقذهم من جور الاُمويِّين وظلمهم.

البيعة للحسين (عليه السّلام)

وانهالت الشيعة على مسلم تبايع للإمام الحسين (عليه السّلام) ، وكان حبيب بن مظاهر هو الذي يأخذ منهم البيعة للحسين (عليه السّلام)(3) ، وكان عدد المبايعين أربعين ألفاً ، وقيل أقلّ من ذلك(4) .

رسالة مسلم للحسين (عليه السّلام)

وازداد مسلم إيماناً ووثوقاً بنجاح الدعوة ، وبُهر من العدد الهائل الذين بايعوا

ـــــــــــــــــــــ
(1) الأخبار الطوال / 210 .
(2)
الحدائق الوردية 1 / 125 ، (مخطوط) .
(3)
حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 2 / 347 .
(4)
وفي رواية البلاذري أنّ جميع أهل الكوفة معه .


الصفحة (200)

الحسين (عليه السّلام) فكتب له : أمّا بعد ، فإنّ الرائد لا يكذب أهله ، وقد بايعني من أهل الكوفة ثمانية عشر ألفاً(1) ، فعجّل حين يأتيك كتابي هذا ؛ فإنّ الناس كلّهم معك ليس لهم في آل معاوية رأي ولا هوى .
لقد حكت مسلم هذه الرسالة أنّ هناك إجماعاً عاماً على بيعة الإمام (عليه السّلام) , وتلهّفاً حارّاً لقدومه ، وقد حمل الرسالة جماعة من أهل الكوفة وعليهم البطل عابس الشاكري ، وعند ذلك تهيّأ الإمام الحسين (عليه السّلام) للخروج من مكة إلى العراق .

فزع يزيد

وفزع يزيد حينما وافته الأنباء من عملائه بمجيء مسلم بن عقيل إلى الكوفة وأخذه البيعة للإمام الحسين (عليه السّلام) ، واستجابة الجماهير لبيعة الإمام .

وشعر يزيد بالخطر الذي يهدّد ملكه , فاستدعى سرجون الرومي ، وكان مستودع أسرار أبيه , ومن أدهى الناس ، وعرض عليه الأمر قائلاً : ما رأيك ؟ إنّ حسيناً قد توجّه إلى الكوفة ، ومسلم بن عقيل بالكوفة يبايع للحسين ، وقد بلغني عن النعمان ـ وهو والي الكوفة ـ ضعف وقول سيِّئ ، فما ترى مَنْ استعمل على الكوفة ؟
وأخذ سرجون يُطيل التأمّل حتّى توصّل إلى نتيجة حاسمة , فقال له : أرأيت أنّ معاوية لو نُشر أكنت آخذ رأيه .
ـ نعم .
فأخرج سرجون عهد معاوية لعبيد الله بن زياد على الكوفة , وقال له : هذا رأي معاوية , وقد مات ، وقد أمر بهذا الكتاب(2) .

ـــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ الطبري 6 / 224 .
(2)
تاريخ ابن الأثير 3 / 268 .


الصفحة (201)

واستجاب يزيد لرأي مستشار أبيه ، فعهد بولاية الكوفة إلى ابن زياد .

ولاية ابن زياد على الكوفة

وكان يزيد ناقماً على ابن زياد , وأراد عزله عن ولاية البصرة(1) ؛ وذلك لموقف أبيه زياد من يزيد ؛ فقد عذل أباه معاوية عن ترشيحه للخلافة من بعده .
وعلى أيّ حال , فقد عهد يزيد بولاية البصرة والكوفة إلى ابن زياد ، وبذلك فقد خضع العراق بأسره لحكمه ، وكتب إليه ما يلي : أمّا بعد , فقد كتب إليّ شيعتي من أهل الكوفة يخبرونني أنّ ابن عقيل بالكوفة يجمع الجموع لشقّ عصا المسلمين ، فسر حين تقرأ كتابي هذا حتّى تأتي الكوفة فتطلب ابن عقيل كطلب الخرزة حتّى تثقفه فتوثقه , أو تقتله أو تنفيه ، والسّلام(2) .
وبعث إليه برسالة اُخرى يطلب فيها الإسراع منه إلى الكوفة ، وقد جاء فيها : إن كان لك جناحان فطر إلى الكوفة(3) .
وحمل رسالة يزيد مسلم بن عمرو الباهلي إلى ابن زياد ، وأخذ يجدّ في السير حتّى انتهى إلى البصرة , فسلّم الرسالة إلى ابن زياد وقد طار فرحاً ؛ فقد تمّ له الحكم على جميع العراق بعدما كان مهدّداً بالعزل عن ولاية البصرة .

ابن زياد في الكوفة

وسار ابن زياد إلى الكوفة وقد قطع الطريق بسرعة خاطفة فكان يسير ليلاً ونهاراً ؛ مخافة أن يسبقه الحسين إليها ، وقد صحب معه خمسمئة رجل من أهل البصرة كان

ـــــــــــــــــــــ
(1) البداية والنهاية 8 / 152 .
(2)
حياة الإمام الحسين (عليه السلام) 2 / 354 .
(3)
سير أعلام النبلاء 3 / 201 .


الصفحة (202)

فيهم شريك بن الأعور الحارثي , وهو من خلّص أصحاب الإمام الحسين (عليه السّلام)(1) .

وقد لبس ثياباً يمانية وعمامة سوداء ليوهم مَنْ رآه أنّه الحسين (عليه السّلام) ، ودخل الكوفة ممّا يلي النجف ، وأسرع نحو قصر الإمارة وهو فزع مذعور ؛ مخافة أن يعرفه الناس ، وساءه كأشدّ ما يكون الاستياء من تباشير الناس بقدومه ظانّين أنّه الحسين (عليه السّلام) .
وانتهى ابن مرجانة إلى باب القصر فوجده مغلقاً ، والنعمان بن بشير حاكم الكوفة قد أشرف من أعلى القصر , وقد توهّم أنّ القادم هو الحسين (عليه السّلام) ؛ لأنّ أصوات الجماهير قد تعالت بالترحيب به والهتاف بحياته .

فانبرى مخاطباً له : ما أنا بمؤدّ إليك أمانتي يابن رسول الله ، وما لي في قتالك من إرب .
ولمس ابن مرجانة الضعف والانهيار في كلام النعمان , فصاح به : افتح لا فتحت ! فقد طال ليلك . ولمّا تكلّم عرفه الناس , فصاحوا : إنّه ابن مرجانة وربّ الكعبة ! وجفل الناس وخافوا وهربوا مسرعين إلى دورهم .

وبادر ابن زياد في ليلته فاستولى على المال والسلاح ، وأنفق ليله ساهراً قد جمع حوله عملاء الحكم الاُموي , وهم يحدّثونه عن الثورة ويعرّفونه بأعضائها البارزين ، ويضعون أمامه المخطّطات الرهيبة للقضاء عليها .
وقام ابن زياد في الصباح الباكر فأمر عملاءه بجمع الناس في المسجد الأعظم ، فاجتمعت الجماهير الحاشدة وقد خيّم عليها الذعر والخوف ، وخرج ابن زياد متقلّداً سيفه , ومعتمّاً بعمامة , فاعتلى المنبر وخطب الناس .

وكان من جملة خطابه : أمّا بعد ، فإنّ أمير المؤمنين يزيد ـ أصلحه الله ـ ولاّني مصركم وثغركم وفيئكم ، وأمرني بإنصاف مظلومكم , وإعطاء محرومكم ، والإحسان إلى سامعكم

ـــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ الطبري 6 / 199 .


الصفحة (203)

ومطيعكم ، وبالشدّة على مريبكم ، فأنا لمطيعكم كالوالد البارّ الشفيق ، وسيفي وسوطي على مَنْ ترك أمري وخالف عهدي ، فليبق امرؤ على نفسه , الصدق يُنبئ عنك لا الوعيد(1) .
وقام بنشر الإرهاب وإشاعة الخوف بين الناس ، ويقول بعض المؤرّخين : إنّه لمّا أصبح ابن زياد ـ بعد قدومه إلى الكوفة ـ صال وجال , وأرعد وأبرق ، وأمسك جماعة من أهل الكوفة فقتلهم في الساعة(2) .
وفي اليوم الثاني أمر بجمع الناس وخرج إليهم بزيّ غير ما كان يخرج به ، فخطب خطاباً عنيفاً تهدّد فيه وتوعد ، وقال : أمّا بعد ، فإنّه لا يصلح هذا الأمر إلاّ في شدّة من غير عنف , ولين من غير ضعف ، وأن آخذ البريء بالسقيم ، والشاهد بالغائب ، والولي بالولي .
فردّ عليه رجل من أهل الكوفة يُقال له أسد بن عبد الله المرّي قائلاً : أيّها الأمير ، إنّ الله تبارك وتعالى يقول : ( وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ) , إنّما المرء بجده ، والفرس بشدّه ، وعليك أن تقول وعلينا أن نسمع ، فلا تقدم فينا السيّئة قبل الحسنة .
واُفحم ابن زياد , فنزل عن المنبر ودخل قصر الإمارة(3) .

مسلم في بيت هانئ

وبعدما كان مسلم في بيت المختار اضطر إلى تغيير مقرّه ؛ فقد شعر بالخطر الذي داهمه بقدوم الطاغية ابن مرجانة ، فهو يعلم أنّ هذا الوغد لا يتحرّج من اقتراف أيّ جريمة في سبيل الوصول إلى أهدافه .

ـــــــــــــــــــــ
(1) مقاتل الطالبيّين / 97 .
(2)
الفصول المهمّة / 197 .
(3)
حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 2 / 160 .


الصفحة (204)

والتجأ مسلم إلى دار الزعيم الكبير زعيم الكوفة هانئ بن عروة فهو سيّد مراد ، وعنده من القوّة ما يضمن حماية مسلم ، فاتّخذ داره معقلاً للثورة ومركزاً للدعوة ، وقد قابله هانئ بمزيد زائد من الحفاوة والتكريم ، وأخذ الكوفيون يتوافدون على مسلم زرافات ووحداناً ، وهم يلحّون عليه أن يكتب إلى الإمام الحسين (عليه السّلام) بالمجيء إليهم .

التجسّس على مسلم (عليه السّلام)

وأوّل بادرة وأخطرها قام بها ابن زياد هي التجسّس على مسلم (عليه السّلام) ، ومعرفة نشاطاته السياسيّة , والوقوف على نقاط القوّة والضعف عنده .

وقد اختار للقيام بهذه المهمّة معقلاً مولاه , وكان فطناً ذكياً ، فأعطاه ثلاثة آلاف درهم وأمره أن يتّصل بالشيعة ويعرّفهم أنّه من أهل الشام ، وأنّه من موالي ذي الكلاع الحميري ، وإنّما أمره بالانتساب للموالي ؛ لأنّ الصبغة السائدة لهم هي الولاء لأهل البيت (عليهم السّلام) ، وقال له : إذا التقيت بأحد من الشيعة فقل له : إنّه ممّن أنعم الله عليه بحبّ أهل البيت ، وقد سمع أنّه قدم رجل منهم إلى الكوفة يدعو للإمام الحسين ، وعنده مال يريد أن يلقاه ليوصله إليه حتّى يستعين به على حرب عدوّه .

ومضى معقل في مهمّته , فدخل الجامع الأعظم وجعل يسأل عمّن له معرفة بمسلم , فأرشدوه إلى مسلم بن عوسجة ، وهو من ألمع شخصيات الشيعة في الكوفة ، فانبرى إليه يُظهر الإخلاص والولاء لأهل البيت (عليهم السّلام) قائلاً : إنّي أتيتك لتقبض منّي هذا المال ، وتدلّني على صاحبك لاُبايعه ، وإن شئت أخذت بيعتي قبل لقائي إيّاه .
وخدع مسلم بقوله ، فقال له : لقد سرّني لقاؤك إيّاي لتنال الذي تنال , والذي تحبّ ، وينصر الله بك أهل نبيّه ، وقد ساءني معرفة الناس إيّاي من قبل أن يتمّ ؛ مخافة هذا الطاغية وسطوته . ثمّ أخذ منه البيعة والمواثيق المغلّظة على النصيحة


الصفحة (205)

وكتمان الأمر(1) .
وفي اليوم الثاني أدخله على مسلم , فبايعه وأخذ منه المال وأعطاه إلى أبي ثمامة الصائدي ، وكان موكّلاً بقبض المال ليشتري به السّلاح والكلاع .

وكان هذا الجاسوس الخطير معقل أوّل داخل على مسلم وآخر خارج منه ، وقد أحاط بجميع أسرار الثورة , ونقلها إلى ابن زياد حتّى وقف على جميع مخطّطات الثورة وأعضائها .

اعتقال هانئ

وعرف ابن زياد أنّ أهم أعضاء الثورة هانئ بن عروة الزعيم الكبير , وفي بيته مسلم بن عقيل ، فأرسل وفداً خلفه كان منهم حسّان بن أسماء بن خارجة زعيم فزارة ، ومحمّد بن الأشعث زعيم كندة ، وعمرو بن الحجّاج وهو من زعماء مذحج ، ولمّا التقوا به قالوا له : ما يمنعك من لقاء الأمير ؛ فإنّه قد ذكرك وقال : لو علم أنّه شاكٍ لعدته .
فاعتذر لهم وقال : الشكوى تمنعني . فلم يقنعوا بذلك ، وأخذوا يلحّون عليه في زيارته ، فاستجاب لهم على كره وسار معهم ، فلمّا كان قريباً من القصر أحسّت نفسه بالشرّ ، فقال لحسان بن أسماء : يابن الأخ ، إنّي والله لخائف من هذا الرجل , فما ترى ؟

فقال له حسان : يا عمّ ، والله ما أتخوّف عليك شيئاً ، ولم تجعل على نفسك سبيلاً . وأخذ القوم يلحّون عليه بمقابلة ابن مرجانة فاستجاب لهم , ولمّا مثل أمامه استقبله ابن مرجانة بعنف ، وقال له : أتتك بخائن رجلاه .
وذعر هانئ فقال له :

ـــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ ابن الأثير 3 / 269 .


الصفحة (206)

ما ذاك أيها الأمير ؟
فصاح به الطاغية : إيه يا هانئ ! ما هذه الأمور التي تتربّص في دارك لأمير المؤمنين وعامة المسلمين ؟ جئت بمسلم بن عقيل فأدخلته دارك ، وجمعت له السلاح والرجال في الدور حولك ، وظننت أنّ ذلك يخفى عليّ ؟
فأنكر هانئ وقال : ما فعلت ذلك ، وما مسلم عندي .
ـ بلى ، قد فعلت .
وطال النزاع واحتدم الجدال بينهما ، فرأى ابن زياد أن يحسم النزاع , فدعا الجاسوس معقلاً ، فلمّا مثل أمامه قال لهانئ : أتعرف هذا ؟
ـ نعم .
وأسقط ما في يدي هانئ , وأطرق برأسه إلى الأرض ، ولكن سرعان ما سيطر على الموقف ، فقال لابن مرجانة : قد كان الذي بلغك ، ولن أضيع يدك عندي(1) ؛ تشخص لأهل الشام أنت وأهل بيتك سالمين بأموالكم ؛ فإنّه جاء حقّ مَنْ هو أحقّ من حقّك وحقّ صاحبك(2) .
وثار ابن زياد فرفع صوته : والله ، لا تفارقني حتّى تأتيني به ـ أي بمسلم ـ .
وسخر منه هانئ ، وردّ عليه : لا آتيك بضيفي أبداً .

ـــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ ابن الأثير 3 / 271 .
(2)
مروج الذهب 3 / 7 .


الصفحة (207)

وطال الجدال بين هانئ وبين ابن مرجانة ، فانبرى مسلم بن عمر الباهلي وهو من خدام السلطة إلى ابن زياد طالباً منه أن يتخلّى بهانئ ليقنعه , فسمح له بذلك , فاختلى به وقال له : يا هانئ ، اُنشدك الله أن لا تقتل نفسك وتدخل البلاء على قومك ؛ إنّ هذا الرجل ـ يعني مسلماً ـ ابن عمّ القوم ، وليسوا بقاتليه ولا ضائريه ، فادفعه إليه ، فليس عليك بذلك مخزاة ولا منقصة ، إنّما تدفعه إلى السلطان .
ولم يحفل هانئ بهذا المنطق الرخيص ؛ فهو على علم لا يخامره شكّ أنّ ابن زياد لو ظفر بمسلم لقطّعه إرباً ، ومن الطبيعي أنّ ذلك يعود بالعار والخزي على هانئ ، فكيف يسلّم وافد آل محمّد إلى هذا الإنسان الممسوخ ؟

وقال هانئ : بلى والله ، عليَّ في ذلك أعظم العار أن يكون مسلم في جواري وضيفي وهو رسول ابن بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) , وأنا حيّ صحيح الساعدين ، كثير الأعوان ، والله لو لم أكن إلاّ وحدي لمّا سلّمته أبداً .
وحفل كلام هانئ بمنطق الأحرار الذين وهبوا حياتهم للمُثل العليا والقيم الكريمة . ولمّا يئس الباهلي من هانئ قال لابن زياد : أيّها الأمير ، قد أبى أن يسلّم مسلماً أو يُقتل(1) .
والتفت الطاغية إلى هانئ فصاح به : أتأتيني به أو لأضربنّ عنقك .
فلم يعبأ به هانئ ، وقال : إذن تكثر البارقة حولك(2) .
فثار ابن مرجانة وقال :

ـــــــــــــــــــــ
(1) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 2 / 375 .
(2)
البارقة : السيوف .


الصفحة (208)

والهفا عليك ! أبالبارقة تخوّفني ؟
وصاح بغلامه مهران وقال له : خذه . فأخذ بضفيرتي هانئ ، وأخذ ابن زياد القضيب فاستعرض به وجهه ، وضربه ضرباً قاسياً حتّى كسر أنفه ، ونثر لحم خديه وجبينه على لحيته حتّى تحطّم القضيب , وسالت الدماء على ثيابه ، وعمد هانئ إلى قائم سيف شرطي محاولاً اختطافه ليدافع به عن نفسه فمنعه منه , فصاح به ابن زياد : أحروري أحللت بنفسك ، وحلّ لنا قتلك ؟!
ثمّ أمر ابن زياد باعتقاله في أحد بيوت القصر(1) ، وانتهى خبره إلى اُسرته من مذحج ، وهي من أكثر قبائل الكوفة عدداً إلاّ أنّها لم تكن متماسكة ، وقد شاعت الانتهازية في جميع أفرادها .
وعلى أيّ حال , فقد سارعت مذحج بقيادة العميل الخائن عمرو بن الحجّاج وقد رفع عقيرته لتسمعه السلطة قائلاً : أنا عمرو بن الحجّاج , وهذه فرسان مذحج ووجوهها ، لم نخلع طاعة ولم نفارق جماعة .
ولم يعنَ به ابن زياد ولا بقومه ، فالتفت إلى شريح القاضي فقال له : ادخل على صاحبهم فانظر إليه ثمّ اخرج إليهم فأعلمهم أنّه حيّ . وخرج شريح فدخل على هانئ , فلمّا نظر إليه صاح مستجيراً : يا للمسلمين ! أهلكت عشيرتي ! أين أهل الدين ؟ أين أهل المصر ؟ والتفت هانئ إلى شريح فقال له : يا شريح ، إنّي لأظنّها أصوات مذحج وشيعتي من المسلمين ، إنّه إن دخل عليّ عشرة أنفر أنقذوني .

ـــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ ابن الأثير 3 / 271 .


الصفحة (209)

[ ولم ] يحفل شريح بكلام هانئ ، وإنّما مضى منفّذاً لأمر سيّده ابن مرجانة , فخاطب مذحج قائلاً : قد نظرتُ إلى صاحبكم وإنّه حيّ لم يُقتل .
وبادر عمرو بن الحجّاج قائلاً : إذا لم يُقتل فالحمد لله(1) .
وولّوا منهزمين كأنّما اُتيح لهم الخلاص من سجن , وقد صحبوا معهم الخزي والعار , وانطلقت الألسنة بذمّهم . وقد ذمّهم شاعر أخفى اسمه حذراً من بطش الاُمويِّين ونقمتهم , قال :

فإن كنتِ لا تدرينَ ما الموت فانظري      إلـى  هـانئٍ في السوقِ وابنِ عقيلِ

إلـى بـطلٍ قـد هشّمَ السيفُ وجههُ      وآخـر  يـهوى من طمارِ قتيلِ(2)
 أصـابهما  فـرخُ الـبغيّ فـأصبحا      أحـاديثَ  مَـنْ يـسيري بكلّ سبيلِ
تـرى جـسداً قـد غيّرَ الموتُ لونهُ      ونـضحُ دمٍ قـد سـالَ كـلّ مسيلِ
فـتىً  كـان أحـيا مـن فتاةٍ حييَّةٍ      وأقـطع  مـن ذي شـفرتينِ صقيلِ
أيـركـبُ أسـماءُ الـهماليجَ آمـناً      وقـد طـلبتهُ مـذحجٌ بـذحولِ
(3)
تـطـوفُ حـواليهِ مـرادٌ وكـلّهم      عـلى رقـبةٍ مـن سـائلٍ ومسولِ
فــإن أنـتمُ لـم تـثأروا بـأخيكمُ      فـكونوا  بـغايا أُرضيت بقليلِ
(4)

 

لقد تنكّرت مذحج لزعيمها الكبير فلم تفِ له حقوقه ومعروفه الذي أسداه عليها ، وتركته أسيراً بيد ابن مرجانة يمعن في إرهاقه والتنكيل به حتّى أعدمه في

ـــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ ابن الأثير 3 / 271 .
(2)
الطمار : اسم لغرفة شيّدت فوق قصر الإمارة وفي أعلاها قُتل مسلم .
(3)
الهماليج : جمع هملاج ، نوع من البرذون .
(4)
مروج الذهب 2 / 70 ، والشاعر مجهول .


الصفحة (210)

وضح النهار بمرأى ومسمع منهم .

ثورة مسلم (عليه السّلام)

ولمّا علم مسلم بما جرى على هانئ بادر لإعلان الثورة على ابن زياد ، فأوعز إلى عبد الله بن حازم أن ينادي في أصحابه وقد ملأ بهم الدور , فاجتمع إليه أربعة آلاف ، وقيل : أربعون ألفاً(1) ، وكانوا ينادون بشعار المسلمين يوم بدر : ( يا منصور أمت ) .

وأسند القيادات العامة في جيشه إلى أحبّ الناس لأهل البيت (عليهم السّلام) , وهم :
1 ـ عبد الله بن عزيز الكندي , جعله على ربع كندة .
2 ـ مسلم بن عوسجة , جعله على ربع مذحج .
3 ـ أبو ثمامة الصائدي , جعله على ربع قبائل بني تميم وهمدان .
4 ـ العباس بن جعدة الجدلي , جعله على ربع المدينة .
واتّجه مسلم بجيشه نحو قصر الإمارة فأحاطوا به(2) .
وكان ابن مرجانة قد خرج من القصر ليخطب في الناس على أثر اعتقاله لهانئ ، ولمّا دخل الجامع الأعظم قام خطيباً فقال : أمّا بعد يا أهل الكوفة ، فاعتصموا بطاعة الله ورسوله ، وطاعة أئمّتكم , ولا تختلفوا ولا تفرّقوا فتهلكوا وتُذلّوا , وتندموا وتُقهروا ، فلا يجعلنَّ أحد على نفسه سبيلاً , وقد اُعذر مَنْ أنذر .
وما أتمّ الطاغية خطابه حتّى سمع الصيحة وأصوات الناس قد علت , فسأل عن ذلك فقيل له : الحذر الحذر ! هذا مسلم بن عقيل قد أقبل في جميع مَنْ بايعه .

ـــــــــــــــــــــ
(1) تهذيب التهذيب 2 / 351 .

(2) تاريخ ابن الأثير 3 / 271 .


الصفحة (211)

واختطف الرعب لونه فأسرع الجبان يلهث كالكلب من شدّة الخوف , فدخل القصر وأغلق عليه أبوابه(1) .
وامتلأ المسجد والسوق من أصحاب مسلم ، وضاقت الدنيا على ابن زياد , وأيقن بالهلاك ؛ إذ لم تكن عنده قوّة تحميه سوى ثلاثين رجلاً من الشرطة , وعشرين رجلاً من الأشراف والوجوه الذين هم عملاء السلطة(2) .

حرب الأعصاب

ولم يجد الطاغية وسيلة يلجأ إليها لإنقاذه سوى حرب الأعصاب ، فأوعز إلى عملائه بإشاعة الخوف والرعب بين أصحاب مسلم ، وانبرى للقيام بهذه المهمة مَنْ يلي من عملائه , وهم :
1 ـ كثير بن شهاب الحارثي
2 ـ القعقاع بن شور الذهلي
3 ـ شبث بن ربعي التميمي
4 ـ حجّار بن أبجر .
5 ـ شمر بن ذي الجوشن الضبابي(3)
وأسرع هؤلاء العملاء إلى صفوف جيش مسلم فأخذوا ينشرون الخوف والأراجيف ، ويظهرون لهم الحرص والولاء لهم .

وكان ممّا قاله كثير بن شهاب : أيّها الناس ، الحقوا بأهاليكم ولا تعجلوا بالشرّ ، ولا تعرّضوا أنفسكم للقتل ؛ فإنّ هذه جنود أمير المؤمنين ـ يعني يزيد ـ قد أقبلت ، وقد أعطى الله الأمير

ـــــــــــــــــــــ
(1) البداية والنهاية 8 / 154 .
(2)
تاريخ ابن الأثير 3 / 271 .
(3)
المصدر السابق 3 / 272 .


الصفحة (212)

ـ يعني ابن زياد ـ العهد لئن أقمتم على حربه ولم تنصرفوا من عشيّتكم أن يحرم ذرّيتكم العطاء ، ويفرّق مقاتلكم في مغازي أهل الشام من غير طمع ، وأن يأخذ البريء بالسقيم , والشاهد بالغائب حتّى لا تبقى فيكم بقيّة من أهل المعصية إلاّ أذاقها وبال ما جنت أيديها(1) .
وكان هذا الكلام كالصاعقة على رؤوس أهل الكوفة ؛ فقد سرت فيهم أوبئة الخوف وانهارت معنوياتهم ، وجعل بعضهم يقول لبعض : ما نصنع بتعجيل الفتنة ، وغداً تأتينا جموع أهل الشام ؟! ينبغي لنا أن نُقيم في منازلنا ، وندع هؤلاء القوم حتّى يصلح الله ذات بينهم(2) .
وكانت المرأة تأتي ابنها أو أخاها أو زوجها وهي مصفرّة الوجه من الخوف فتخذّله وتقول له : الناس يكفونك(3) . وقد نجح ابن زياد في هذه الخطّة إلى حدّ بعيد .

هزيمة جيش مسلم (عليه السّلام)

ومُني جيش مسلم بهزيمة ساحقة بعد حرب الأعصاب والدعايات المضلّلة ، لقد انهزم جيشه من دون أن يكون قباله أيّة قوّة عسكرية .

ويقول المؤرّخون : إنّ مسلماً كلّما انتهى إلى زقاق انهزم جماعة من أصحابه ، وهم يقولون : ما لنا والدخول بين السلاطين(4) .
ولم يمضِ قليل من الوقت حتّى انهزم معظمهم يصحبون الخزي والعار ، وصلّى ابن عقيل صلاة العشاء في الجامع الأعظم ، فكان مَنْ بقي من جيشه يفرّون

ـــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ الطبري 6 / 208 .
(2)
حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 2 / 384 .
(3)
تاريخ أبي الفداء 1 / 300 .
(4)
حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 2 / 385 .

الصفحة (213)

في أثناء الصلاة ، وما أنهى مسلم صلاة العشاء حتّى انهزموا جميعاً قادةً وجنوداً ، ولم يبقَ منهم أحد يدلّه على الطريق ، وبقي حيراناً لا يدري إلى أين مسراه ومولجه ؛ فقد أمسى طريداً مشرّداً , لا مأوى يأوي إليه ، ولا قلب يعطف عليه .

في ضيافة طوعة (رضي الله عنها)

وسار مسلم في أزقة الكوفة وشوارعها ، ومضى هائماً على وجهه في جهة كندة يلتمس داراً ليبقى فيها بقيّة الليل , وقد خلت المدينة من المارة ؛ فقد أسرع جنده إلى دورهم وأغلقوا عليهم الأبواب ؛ مخافة أن تعرفهم مباحث الأمن وعيون ابن زياد فتخبر السلطة بأنّه كان مع ابن عقيل فتلقي عليه القبض .
وسار مسلم وهو خائر القوى , قد أحاطت به تيارات مذهلة من الهموم والأفكار ، وقد انتهى في مسيرته إلى باب سيّدة يُقال لها : (طوعة) , وهي سيّدة مَنْ في المصر رجالاً ونساءً ؛ وذلك بما تملكه من شرف ونبل ، وكانت اُمّ ولد للأشعث بن قيس , أعتقها فتزوّجها أسيد الحضرمي فولدت له ولداً يُقال له : بلال ، وكانت طوعة تنتظره خوفاً عليه من الأحداث الرهيبة ، ولمّا رآها مسلم بادر إليها فسلّم عليها فردّت عليه السّلام ، وقالت له : ما حاجتك ؟
ـ اسقني ماءً .
فبادرت المرأة إلى دارها وجاءته بالماء فشرب منه ثمّ جلس ، فارتابت منه , وقالت له : ألم تشرب الماء ؟
ـ بلى .
ـ اذهب إلى أهلك , إنّ مجلسك مجلس ريبة(1) .

ـــــــــــــــــــــ
(1) تهذيب التهذيب 1 / 151 .


الصفحة (214)

وسكت مسلم , فأعادت عليه القول وهو ساكت فلم يجبها ، فذعرت منه وقالت له : سبحان الله ! إنّي لا اُحلّ لك الجلوس على باب داري .
ولمّا حرّمت عليه الجلوس لم يجد بُدّاً من الانصراف عنها ، فقال بصوت خافت حزين النبرات : ليس لي في هذا المصر منزل ولا عشيرة ، فهل لك في أجر ومعروف ، ولعلّي مكافئك بعد هذا اليوم ؟
وشعرت المرأة بأنّ الرجل غريب , وأنّه على شأن كبير يستطيع أن يُجازيها على معروفها وإحسانها ، فقالت له : وما ذاك ؟
ـ أنا مسلم بن عقيل , كذّبني القوم وغرّوني .
فدهشت المرأة وقالت له : أنت مسلم !
ـ نعم(1) .
وانبرت السيّدة بكلّ خضوع وتقدير , فسمحت لضيفها الكبير بالدخول إلى دارها , وقد حازت الشرف والفخر ، وعرضت عليه الطعام فأبى أن يأكل ؛ فقد مزّق الأسى قلبه ، وتمثّلت أمامه الأحداث الرهيبة التي سيواجهها ، وكان أهمّ ما شغل فكره كتابه إلى الإمام الحسين (عليه السّلام) بالقدوم إلى الكوفة .
ولم يمضِ قليل من الوقت حتّى جاء بلال ابن السيّدة طوعة , فرأى اُمّه تكثر الدخول والخروج إلى البيت الذي فيه مسلم , فاستراب من ذلك ، فسألها عنه فلم تجبه , فألحّ عليها فأخبرته بالأمر بعد أن أخذت عليه العهود والمواثيق بكتمان الأمر .

ـــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ ابن الأثير 3 / 272 .


الصفحة (215)

وطارت نفس الخبيث فرحاً وسروراً ، وقد أنفق ليله ساهراً يترقّب طلوع الشمس ليخبر السلطة بمقام مسلم عندهم ، وقد تنكّر هذا الوغد الخبيث للأخلاق العربية التي تلزم بقرى الضيف وحمايته من كلّ سوء ، ولكن هذا القزم على غرار أهل الكوفة الذين طلّقوا المعروف ثلاثاً ، راح مسرعاً وقد ملك الفرح فؤاده نحو قصر الإمارة ، وكان بحالة من الارتباك تلفت النظر ، فلمّا دخل القصر بادر إلى عبد الرحمن بن محمّد بن الأشعث ، وهو من أخبث اُسرة عرفها التأريخ , فأعلمه بمكان مسلم ، فأمره بالسكوت لئلاّ يفشي بالخبر فينقله غيره إلى ابن مرجانة فتفوت جائزته .

وأسرع عبد الرحمن إلى أبيه محمّد بن الأشعث فأخبره بالأمر ، وفطن ابن زياد إلى خطورة الأمر , فالتفت إلى ابن الأشعث فقال له : ما قال لك عبد الرحمن ؟
ـ أصلح الله الأمير , البشارة العظمى .
ـ ما ذاك ؟ مثلك مَنْ بشّر بخير .
ـ إنّ ابني هذا يخبرني أنّ مسلم بن عقيل في دار طوعة .
وفرح ابن مرجانة , وتمّت بوارق آماله وأحلامه ، فراح يمدّ الأشعث بالمال والجاه قائلاً : قم فآتني به ، ولك ما أردت من الجائزة والحظّ الأوفى .
لقد تمكّن ابن مرجانة سليل البغايا والأدعياء من الظفر بفخر هاشم ومجد عدنان ليجعله قرباناً إلى اُمويّته اللصيقة .

الهجوم على مسلم (عليه السّلام)

وندب ابن مرجانة لحرب مسلم ، عمرو بن الحرث المخزومي صاحب شرطته ومحمّد بن الأشعث ، وضمّ إليهما ثلاثمئة رجل من صناديد الكوفة وفرسانها ، وأقبلت تلك الوحوش الكاسرة مسرعة لحرب القائد العظيم الذي أراد أن يحرّرهم


الصفحة (216)

من الذلّ والعبودية , ويُقيم فيهم عدالة الإسلام وحكم القرآن .
ولمّا سمع مسلم حوافر الخيل وزعقات الرجال علم أنّه قد اُتي إليه ، فبادر إلى فرسه فأسرجه وألجمه , وصبّ عليه درعه وتقلّد سيفه ، وشكر السيّدة طوعة على حسن ضيافتها ورعايتها له .
واقتحم الجيش عليه الدار فشدّ عليهم يضربهم بسيفه ففرّوا منهزمين ، ثمّ عادوا عليه فأخرجهم منها ، وانطلق نحوهم في السكة شاهراً سيفه لم يختلج في قلبه خوف ولا رعب ، وقد أبدى من البطولات النادرة ما لم يشاهد مثله في جميع فترات التأريخ ، وقد قتل منهم واحداً وأربعين رجلاً(1) ، وكان من قوّته النادرة أن يأخذ الرجل بيده ويرمي به من فوق البيت(2) , وليس في تاريخ الإنسانيّة مثل هذه البطولة ، ولا مثل هذه القوّة الخارقة .
وجعل أنذال أهل الكوفة يصعدون فوق بيوتهم ويرمونه بالحجارة وقذائف النار(3) , وفشلت جيوش ابن مرجانة من مقاومة البطل العظيم ؛ فقد أشاع فيهم القتل ، وطلب محمّد بن الأشعث من سيّده ابن مرجانة أن يمدّه بالخيل والرجال , فلامه الطاغية وقال : سبحان الله ! بعثناك إلى رجل واحد تأتينا به فثلم في أصحابك هذه الثلمة العظيمة(4) !
وثقل ذلك على ابن الأشعث ، وقال لابن مرجانة : أتظنّ أنّك أرسلتني إلى بقّال من بقّالي الكوفة ، أو إلى جرمقاني من جرامقة

ـــــــــــــــــــــ
(1) الدرّ النضيد / 164 .
(2)
المحاسن والمساوئ ـ البيهقي 1 / 43 .
(3)
حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 2 / 394 .
(4)
الفتوح 5 / 63 .


الصفحة (217)

الحيرة ؟(1) وإنّما بعثتني إلى أسد ضرغام , وسيف حسام , في كفّ بطل همام , من آل خير الأنام(2) .
وأمدّه ابن مرجانة بقوى مكثّفة , فجعل البطل العظيم يحصد رؤوسهم بسيفه ، وهو يرتجز :

أقـسمتُ لا أُقتل إلاّ حرّا      وإن رأيتُ الموتَ شيئاًً نُكرا
أو  يُـخلطُ الباردُ سخناً مرّا      ردّ  شـعاعُ الشمسِ فاستقرا
كـلّ امرئٍ يوماً يُلاقي شرّا      أخافُ أن أُكذب أو اُغرّا
(3)

 

ولمّا سمع الخائن العميل محمّد بن الأشعث هذا الشعر من مسلم رفع صوته قائلاً : إنّك لا تُكذب ولا تُخدع ، إنّ القوم بنو عمّك ، وليسوا بقاتليك ولا ضارّيك .
فلم يحفل به مسلم , ومضى يُقاتلهم أعنف القتال وأشدّه ، ففرّوا منهزمين لا يلوون على شيء ، واعتلوا فوق منازلهم يرمونه بالحجارة ، فأنكر عليهم مسلم قائلاً : ويلكم ! ما لكم ترمونني بالحجارة كما تُرمى الكفار ، وأنا من أهل بيت الأبرار ؟ ويلكم ! أما ترعون حقّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وذريّته ؟
وضاق بابن الأشعث أمر مسلم , فصاح بالجيش : ذروه حتّى اُكلّمه . فدنا منه ، وقال له : يابن عقيل ، لا تقتل نفسك , أنت آمن ، ودمك في عنقي .
ولم يعنَ به مسلم ؛ فقد عرفه وعرف قومه أنّهم لا وفاء ولا دين لهم ،

ـــــــــــــــــــــ
(1) الجرامقة : قوم من العجم صاروا إلى الموصل .
(2)
الفتوح 5 / 93 .
(3)
حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 2 / 395 ، نقلاً عن الطبري / 63 ، الفتوح 5 / 94 ـ 95 .


الصفحة (218)

وأجابه : يابن الأشعث ، لا اُعطي بيدي أبداً وأنا أقدر على القتال ، والله لا كان ذلك أبداً .
وحمل مسلم على ابن الأشعث فولّى منهزماً يُطارده الرعب والخوف ، واشتدّ العطش بمسلم فجعل يقول : اللّهمّ إنّ العطش قد بلغ منّي .
وتكاثرت عليه الجموع , فصاح بهم ابن الأشعث : إنّ هذا هو العار والفشل أن تجزعوا من رجل واحد هذا الجزع ! احملوا عليه بأجمعكم حملة واحدة . فحملوا عليه ضرباً بأسيافهم وطعناً برماحهم ، وضربه الوغد الأثيم بكر بن حمران ضربة منكرة على شفته العليا , وأسرع السيف إلى الأسفل ، وضربه مسلم ضربة أردته إلى الأرض .

أسره (عليه السّلام)

وبعدما أثخن مسلم بالجراح وأعياه نزف الدم انهارت قواه وضعف عن المقاومة ، فوقع أسيراً بأيدي اُولئك الفجرة الكفّار , وانتزعوا منه سيفه , وحملوه أسيراً إلى ابن مرجانة .

وكان من أعظم ما رُزئ به مسلم أن يدخل أسيراً على أقذر إرهابي عرفه التأريخ ، ولمّا دخل لم يسلّم عليه بالإمرة وإنّما سلّم على الجميع ، فأنكر عليه بعض خدّام السلطة ذلك ، فأجابه أنّه ليس لي بأمير .

فتميّز ابن مرجانة غيظاً وغضباً ، وقال له : سلّمت أو لم تسلّم فإنّك مقتول .

فردّ عليه مسلم بجواب أخرجه من إهابه ، وجرت مناورات كلامية بينهما ، وكانت أجوبة مسلم كالسهام على ابن مرجانة ، فلجأ إلى سبّه وسبّ العترة الطاهرة والافتراء عليهم ، ثمّ أمر أن يُصعد به من أعلى القصر ويُنفّذ فيه حكم الإعدام ، وقد استقبل مسلم الموت بثغر باسم ، وكان يُسبّح الله ويستغفره .

وأشرف به الجلاّد على موضع الحذائيّين فضرب عنقه ،


الصفحة (219)

ورمى برأسه وجسده إلى الأرض ، وانتهت بذلك حياة هذا المجاهد العظيم الذي وهب حياته لله ، واستشهد دفاعاً عن الحقّ ودفاعاً عن حقوق المظلومين والمضطهدين .
ثمّ أمر الطاغية السفّاك بإعدام الزعيم الكبير هانئ بن عروة ، فأُخرج من السجن في وضح النهار , وجعل يستنجد باُسرته , وكانوا بمرأى ومسمع منه فلم يستجب له أحد منهم ، وضربه الجلاّد بالسيف فلم يصنع به شيئاً ، فرفع هانئ صوته قائلاً : اللّهمّ إلى رحمتك ورضوانك ، اللّهمّ اجعل هذا اليوم كفارة لذنوبي ؛ فإنّي إنّما تعصّبت لابن بنت نبيّك محمّد (صلّى الله عليه وآله) .

وضربه الجلاّد ضربة اُخرى فهوى إلى الأرض وجعل يتخبّط بدمه الزاكي ، ولم يلبث قليلاً حتّى فارق الحياة وقد مضى شهيداً دون مبادئه وعقيدته .
وعهد الطاغية الجلاّد إلى زبانيته بسحل جثة مسلم وهانئ في الشوارع والأسواق ، فعمدوا إلى شدّ أرجلهما بالحبال وأخذوا يسحلونهما في الطرق(1) ؛ وذلك لنشر الخوف والإرهاب ، وليكونا عبرةً لكلّ مَنْ تحدّثه نفسه بالخروج على حكم يزيد .
ثمّ قام ابن مرجانة باعتقالات واسعة لجميع العناصر الموالية لأهل البيت (عليهم السّلام) ، كما أعدم جاعة منهم ، وذكرنا تفصيل ذلك في كتابنا ( حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) ) .
لقد سمعت حفيدة الرسول (صلّى الله عليه وآله) السيّدة زينب (عليها السّلام) هذه المآسي المروّعة التي جرت على ابن عمّها مسلم ، فكوت قلبها وأضافتها إلى همومها ومصائبها ، وأيقنت أنّ شقيقها وبقيّة أهلها سيواجهون المصير الذي واجهه ابن عمّها .

ـــــــــــــــــــــ
(1) أنساب الأشراف 1 / 155 ، القسم الأوّل .


الصفحة (220)

 


الصفحة (221)

إلى العراق

ورافقت عقيلة بني هاشم أخاها أبا الأحرار في مسيرته الخالدة ؛ لتكون معه في خندق واحد ، وتشاركه في جهوده وجهاده لحماية الإسلام ، وإنقاذ المسلمين من جور الاُمويِّين وظلمهم .
وقبل أن تُغادر العقيلة الحجاز استأذنت من زوجها عبد الله بن جعفر أن يسمح لها بالسفر مع شقيقها سيّد الشهداء , فأذن لها في ذلك , وقبل أن يسافر الإمام دخل عليه عبد الله بن عباس ليعدله عن السفر إلى العراق ، فقال له الإمام (عليه السّلام) : (( يابن عباس ، ما تقول في قوم أخرجوا ابن بنت نبيّهم من وطنه وداره , وقراره وحرم جدّه ، وتركوه خائفاً مرعوباً ، لا يستقر في قرار , ولا يأوي إلى جوار ، يريدون بذلك قتله وسفك دمه ، ولم يشرك بالله شيئاً ، ولم يرتكب منكراً ولا إثماً ؟ )) .

 فأجابه ابن عباس بصوت حزين النبرات قائلاً : جُعلت فداك يا حسين ! إن كان لا بدّ لك من المسير إلى الكوفة فلا تسري بأهلك ونسائك .
فقال له الإمام الحسين (عليه السّلام) : (( يابن العمّ ، إنّي رأيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في منامي وقد أمرني بأمر لا أقدر على خلافه ؛ إنّه أمرني بأخذهنَّ معي . يابن العمّ ، إنّهنَّ ودائع رسول الله ، ولا آمن عليهن أحداً )) .
ويقول بعض الرواة : إنّ حفيدة الرسول (صلّى الله عليه وآله) السيدة زينب قالت لابن عباس


الصفحة (222)

وهي باكية العين : يابن عباس ، تشير على شيخنا وسيّدنا أن يخلّفنا هاهنا ويمضي وحده ؟! لا والله ، بل نحيا معه ونموت معه ، وهل أبقى الزمان لنا غيره ؟
وأجهش ابن عباس في البكاء وجعل يقول : يعزّ والله عليَّ فراقك يابن العمّ(1) .
لقد كان من أروع ما خطّطه الإمام في ثورته الكبرى حمله عقيلة بني هاشم وسائر مخدّرات الرسالة معه إلى العراق ؛ فقد كان على علم بما يجري عليهنَّ من النكبات والخطوب ، وما يقمنَ به من دور مشرّف في إكمال نهضته ، وإيضاح تضحيته وإشاعة مبادئه وأهدافه .

وقد قمنَ حرائر النبوّة بإيقاظ المجتمع من سباته ، وأسقطنَ هيبة الحكم الاُموي ، وفتحنَ باب الثورة عليه ؛ فقد ألقين من الخطب الحماسية ما زعزع كيان الدولة الاُمويّة .
لقد كان خروج العقيلة وسائر بنات رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ضرورة ملحّة لا غنى عنها ؛ فقد أخلدنَ نهضة أبي الأحرار .

يقول الإمام كاشف الغطاء : وهل تشكّ وترتاب في أنّ الحسين لو قُتل هو وولده ، ولم يتعقّبه قيام تلك الحرائر في تلك المقامات بتلك التحدّيات لذهب قتله جباراً ، ولم يطلب به أحد ثأراً ، ولضاع دمه هدراً ؟

فكان الحسين يعلم أنّ هذا عمل لا بدّ منه ، وأنّه لا يقوم به إلاّ لتلك العقائل , فوجب عليه حتماً أن يحملهنَّ معه لا لأجل المظلومية بسبيهنَّ فقط ، بل لنظر سياسي وفكر عميق ، وهو تكميل الغرض ، وبلوغ الغاية من قلب الدولة على يزيد ، والمبادرة إلى القضاء عليها قبل أن تقضي على الإسلام ، ويعود الناس إلى جاهليتهم الأولى(2) .
ويقول الدكتور أحمد محمود صبحي : ثمّ رفض ـ يعني الحسين (عليه السّلام) ـ إلاّ أن

ـــــــــــــــــــــ
(1) زينب الكبرى / 94 .
(2)
السياسة الحسينيّة / 46 ـ 47 .


الصفحة (223)

يصحب معه أهله ؛ ليُشهد الناس على ما يقترفه أعداؤه ممّا لا يبرّره دين ، ولا وازع من إنسانيّة ، فلا تضيع قضيّته مع دمه المراق في الصحراء ، فيُفترى عليه أشدّ الافتراء حين يعدم الشاهد العادل على ما جرى بينه وبين أعدائه .
تقول الدكتورة بنت الشاطئ : أفسدت زينب اُخت الحسين على ابن زياد وبني اُمية لذّة النصر ، وسكبت قطرات من السمّ الزعاف في كؤوس الظافرين ، وإنّ كلّ الأحداث السياسيّة التي ترتّبت بعد ذلك من خروج المختار , وثورة ابن الزّبير , وسقوط الدولة الاُمويّة , وقيام الدولة العباسية , ثمّ تأصّل مذهب الشيعة إنّما كانت زينب هي باعثة ذلك ومثيرته(1) .
اُريد أن أقول : ماذا يكون الحال لو قُتل الحسين (عليه السّلام) ومَنْ معه جميعاً من الرجال إلاّ أن يسجّل التأريخ هذه الحادثة الخطيرة من وجهة نظر أعدائه ؟ فيضيع كلّ أثر لقضيته مع دمه المسفوك في الصحراء(2) .
إنّ من ألمع الأسباب في استمرار خلود مأساة الإمام الحسين (عليه السّلام) واستمرار فعالياتها في نشر الإصلاح الاجتماعي هو حمل عقيلة الوحي وبنات الرسول (صلّى الله عليه وآله) مع الإمام الحسين (عليه السّلام) ؛ فقد قمنَ ببلورة الرأي العام ، ونشرنَ مبادئ الإمام الحسين وأسباب نهضته الكبرى ، وقد قامت السيدة زينب (عليها السّلام) بتدمير ما أحرزه يزيد من الانتصارات ، وألحقت به الهزيمة والعار .

وسنوضح ذلك بمزيد من البيان في البحوث الآتية :

خطاب الحسين (عليه السّلام) في مكة

وأمر الإمام الحسين (عليه السّلام) بجمع الناس من أهالي مكة ومن المعتمرين والحجّاج فيها ،

ـــــــــــــــــــــ
(1) بطلة كربلاء / 176 ـ 180 .
(2)
نظرية الإمامة لدى الشيعة الاثنى عشرية / 343 .


الصفحة (224)

فقام فيهم خطيباً فقال : (( الحمد لله ، وما شاء الله ولا قوّة إلاّ بالله ، وصلّى الله على رسوله وسلّم . خُطّ الموت على ولد آدم مخطّ القلادة على جيد الفتاة ، وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف ، وخُيّر لي مصرع أنا لاقيه ، كأنّي بأوصالي تقطّعها عُسلان(1) الفلوات بين النواويس وكربلاء ، فيملأنّ منّي أكراشاً جُوفاً , وأجربةً سغباً ، لا محيص عن يوم خُطّ بالقلم ، رضا الله رضانا أهل البيت ، نصبر على بلائه ويُوفّينا أجر الصابرين .

لن تَشُذّ عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لحمته ، وهي مجموعة له في حظيرة القدس ، تقرّ بهم عينه وينجز بهم وعده . مَنْ كان باذلاً فينا مهجته ، ومُوَطّناً على لقاء الله نفسه , فليرحل معنا ؛ فإنّني راحل مُصبحاً إن شاء الله تعالى ))(2) .
ونعى الإمام نفسه في هذا الخطاب التأريخي الخالد ، واعتبر الشهادة في سبيل الله زينة للإنسان كالقلادة التي تكون زينة للفتاة ، كما أعلن عن شوقه العارم لملاقاة الله تعالى ، وأنّ اشتياقه للذين استشهدوا في سبيل الله كاشتياق يعقوب إلى يوسف . وأخبر (عليه السّلام) عن البقعة الطاهرة التي يستشهد فيها , وهي ما بين النواويس وكربلاء , فيها تُقطّع أوصاله ويُراق دمه الزاكي .
وعلى أيّ حال , فقد حلّلنا هذا الخطاب وذكرنا أبعاده في كتابنا (حياة الإمام الحسين) .

ـــــــــــــــــــــ
(1) العسلان : هي الذئاب .
(2)
كشف الغمّة 2 / 241 .


الصفحة (225)

السفر إلى العراق

وقبل أن يغادر الإمام (عليه السّلام) مكة مضى إلى البيت الحرام فأدّى له التحية بطوافه وصلاته ، وبقي فيه حتّى أدّى صلاة الظهر ثمّ خرج مودّعاً له(1) .
وخرج الإمام (عليه السّلام) من مكة وهو يحمل معه مخدّرات الرسالة وعقائل النبوّة ، وكان خروجه في اليوم الثامن من ذي الحجّة سنة ستّين من الهجرة(2) ، وخيّم الحزن والأسى على أهل مكة وعلى حجاج بيت الله الحرام ، وكان الإمام لا ينزل منزلاً إلاّ حدّث أهل بيته عن مقتل يحيى بن زكريا(3) .
وسار موكب الإمام لا يلوي على شيء حتّى انتهى إلى موضع يُسمّى بـ «الصفاح» , فالتقى بالشاعر الكبير الفرزدق فسلّم على الإمام ، وقال له : بأبي أنت واُمّي يابن رسول الله ! ما أعجلك عن الحج ؟
فأجابه الإمام عن سبب خروجه : (( لو لم أعجل لأُخذت )) .
إنّ السبب في خروج الإمام (عليه السّلام) قبل أن يتمّ العمرة هو أنّ السلطة قد عهدت إلى عصابة منها باغتيال الإمام ولو كان متعلّقاً بأستار الكعبة ؛ فلذا سارع الإمام بالخروج من مكة .

وبادر الإمام (عليه السّلام) فسأل الفرزدق , فقال له : (( من أين أقبلت يا أبا فراس ؟ )) .
ـ من الكوفة .
ـ (( بيّن لي خبر الناس ؟ )) .
ـ على الخبير سقطت ؛ قلوب الناس معك وسيوفهم مع بني اُميّة ، والقضاء ينزل من السماء ، والله يفعل ما يشاء ، وربّنا كلّ يوم هو في شأن(4) .

ـــــــــــــــــــــ
(1) و (3) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 3 / 53 ـ 54 .
(2)
خطط المقريزي 2 / 286 .
(4)
حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 3 / 60 .


الصفحة (226)

واستصوب الإمام (عليه السّلام) كلام الفرزدق , فقال له : (( صدقت ، لله الأمر من قبل ومن بعد ، يفعل الله ما يشاء وكلّ يوم ربّنا في شأن ؛ إن نزل القضاء بما نحبّ فنحمد الله على نعمائه ، وهو المستعان على أداء الشكر ، وإن حال القضاء دون الرجاء فلم يتعدّ مَنْ كان الحقّ نيّته والتقوى سريرته ))(1).
وواصل الإمام مسيرته الخالدة بعزم وثبات , لم يثنه عن عزيمته قول الفرزدق في تخاذل الناس عنه وتجاوبهم مع بني اُميّة .

مع أبي هرّة

وسار الإمام (عليه السّلام) مع موكبه حتّى انتهى إلى ذات عرق , فخفّ إليه أبو هرّة فقال له : يابن رسول الله ، ما الذي أخرجك من حرم الله وحرم جدّك رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ؟
فأجابه الإمام بتأثّر قائلاً : (( ويحك يا أبا هرّة ! إنّ بني اُميّة أخذوا مالي فصبرت ، وشتموا عِرضي فصبرت ، وطلبوا دمي فهربت . وأيم الله , لتقتلني الفئة الباغية ، وليلبسنّهم الله ذُلاّ شاملاً , وسيفاً قاطعاً ، وليسلّطنّ الله عليهم مَنْ يذلّهم حتّى يكونوا أذلّ من قوم سبأ إذ ملكتهم امرأة منهم فحكمت في أموالهم ودمائهم ))(2) .
وانصرف الإمام (عليه السّلام) وهو حزين من هؤلاء الناس الذين لا يملكون وعياً لنصرة الحقّ والدفاع عن الإسلام .

فزع السيدة زينب (عليه السّلام)

وكانت السيدة زينب (عليها السّلام) فزعة حزينة قد ذابت نفسها أسى وحسرات ؛ فقد علمت

ـــــــــــــــــــــ
(1) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 3 / 60 .
(2)
المصدر السابق 5 / 64 .


الصفحة (227)

ما سيجري على أهلها من القتل , فخفّت إلى أخيها حينما كانوا في الخزيمية ، وهي تقول له بنبرات مشفوعة بالبكاء : يا أخي , إنّي سمعت هاتفاً يقول :

 ألا يـا عـين فاحتفلي بجهد      فمَنْ يبكي على الشهداءِ بعدي
عـلى قـومٍ تـسوقهمُ المنايا      بـمقدارٍ  إلـى إنجازِ وعدي

 

فأجابها أبيّ الضيم (عليه السّلام) غير حافل بما سيلقاه من النكبات والخطوب : (( يا اُختاه ، كلّ الذي قضى فهو كائن ))(1) .
لقد أراد الإمام (عليه السّلام) من شقيقته أن تتسلّح بالصبر ، وأن تقابل الرزايا والمصائب برباطة جأش وعزم حتّى تقوى على أداء رسالته .

النبأ المروّع بشهادة مسلم (عليه السّلام)

وانتهى النبأ المروّع بشهادة البطل مسلم بن عقيل إلى الإمام الحسين (عليه السّلام) حينما كان في زرود ؛ فقد أقبل رجل من أهل الكوفة , فلمّا رأى الحسين (عليه السّلام) عدل عن الطريق , فتبعه بعض أصحاب الإمام فالتقيا به وانتسبا له ، وسألاه عن خبر الكوفة ، فقال : إنّه لم يخرج منها حتّى قُتل مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة ، ورآهما يُجرّان بأرجلهما في الأسواق .

وأسرعا إلى الإمام (عليه السّلام) فقالا له : رحمك الله ، إنّ عندنا خبراً إن شئت حدّثناك به علانية وإن شئت سرّاً .
ونظر الإمام إلى أصحابه فقال : (( ما دون هؤلاء سرّاً )) . وأخبراه بما سمعاه من الرجل من شهادة مسلم وهانئ ، فكان هذا النبأ كالصاعقة على العلويِّين , فانفجروا بالبكاء على فقيدهم العظيم حتّى ارتجّ الموضع من شدّة البكاء ، والتفت الإمام إلى بني عقيل فقال لهم :

ـــــــــــــــــــــ
(1) المناقب ـ لابن شهرآشوب 5 / 127 .


الصفحة (228)

(( ما ترون ؟ فقد قُتل مسلم )) .
ووثبت الفتية كالأسود الضاربة ، وهم يعلنون استهانتهم بالموت , وتصميمهم على الشهادة قائلين : لا والله ، لا نرجع حتّى نصيب ثأرنا أو نذوق ما ذاق مسلم .
وراح الإمام (عليه السّلام) يقول : (( لا خير في العيش بعد هؤلاء )) .
وتمثّل (عليه السّلام) بهذين البيتين :

سأمضي وما بالموتِ عارٌ على الفتى      إذا  مـا نـوى حـقّاًً و جاهد مسلما
فـإن متُّ لم أندم وإنْ عشت لم أُلمْ      كـفى بكَ عاراً أن تذلَّ وتُرغما
(1)

 

لقد مضى إلى ساحات الجهاد مرفوع الرأس ، وهو على يقين لا يخامره شكّ في أنّه يسير إلى الفتح الذي لا فتح ولا ظفر مثله .

رؤيا الإمام الحسين (عليه السّلام)

وخفق الإمام الحسين (عليه السّلام) وقت الظهيرة فرأى رؤياً أفزعته ، فانتبه مذعوراً , فأسرع إليه ولده مفخرة الإسلام علي الأكبر قائلاً : يا أبتِ ، ما لي أراك فزعاً ؟
ـ (( رأيت رؤيا أفزعتني )) .
ـ خيراً رأيت .
ـ (( رأيت فارساً وقف عليَّ وهو يقول : أنتم تسرعون والمنايا تسرع بكم إلى الجنّة . فعلمت أنّ أنفسنا نُعيت إلينا ))(2) .

ـــــــــــــــــــــ
(1) الدرّ النظيم / 167 .
(2)
تاريخ الإسلام ـ الذهبي 2 / 346 .


الصفحة (229)

وبادر عليّ قائلاً : ألسنا على الحقّ ؟
أجل يا فخر هاشم أنتم معدن الحقّ , وأصله ومنتهاه ، وأجابه أبوه قائلاً : (( بلى والذي إليه مرجع أمر العباد )) .
وطفق عليّ يلقي كلمته الذهبية الخالدة قائلاً : يا أبتِ ، لا نبالي الموت .
ووجد الإمام الحسين (عليه السّلام) في ولده البارّ خير عون له على أداء رسالته الكبرى ، فشكره على ذلك قائلاً : (( جزاك الله يا بُني خير ما جزى به ولداً عن والده ))(1) .

الالتقاء بالحرّ

وانتهى ركب الإمام إلى شراف وفيها عين للماء ، فأمر الإمام فتيانه أن يستقوا من الماء ويكثروا منه ففعلوا ذلك ، ثمّ سارت قافلة الإمام (عليه السّلام) تطوي البيداء ، فبادر رجل من أصحاب الإمام فكبّر ، فاستغرب الإمام (عليه السّلام) وقال له : (( لِمَ كبّرت ؟ )) .
ـ رأيت النخل .
وأنكر عليه رجل ممّن خبر الطريق وعرفه , فقال له : ليس ها هنا نخل ، ولكنّها أسنة الرماح وآذان الخيل .
وتأمّلها الإمام الحسين (عليه السّلام) فقال : (( وأنا أرى ذلك )) .

وعرف الإمام أنّها طلائع الجيش الاُموي جاءت لإلقاء القبض عليه ، فقال لأصحابه : (( أما لنا ملجأ نلجأ إليه نجعله في ظهورنا ونستقبل القوم من وجه واحد ؟ )) .

ـــــــــــــــــــــ
(1) مقاتل الطالبيّين / 111 .

الصفحة (230)

فقال له بعض أصحابه : هذا ذو حسم(1) إلى جنبك تميل إليه عن يسارك ، فإن سبقت له فهو كما تريد .

ومال ركب الإمام (عليه السّلام) إليه ، فلم يسيروا إلاّ قليلاً حتّى أدركهم جيش مكثّف بقيادة الحرّ بن يزيد الرياحي ، وكان ابن مرجانة قد عهد إليه أن يجوب في صحراء الجزيرة للتفتيش عن الإمام (عليه السّلام) ، وكان عدد ذلك الجيش ألف فارس بقيادة الحرّ بن يزيد الرياحي ، ووقفوا قبال الإمام (عليه السّلام) , وكان الوقت شديد الحرّ , وقد أشرفوا على الهلاك من شدّة العطش ، فرقّ عليهم الإمام (عليه السّلام) وغضّ نظره من أنّهم جاؤوا لقتاله وسفك دمه ، فأمر أصحابه وأهل بيته أن يسقوهم الماء ، ويرشفوا خيولهم .

وقام أصحاب الإمام فسقوا القوم عن آخرهم ، ثمّ انعطفوا إلى الخيل فجعلوا يملؤون القصاع والطساس فإذا عبّ فيها ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً عزلت وسقي الآخر حتّى سقوها جميعاً(2) .
لقد تكرّم الإمام (عليه السّلام) بإنقاذ هذا الجيش الذي جاء لحربه ، ولم تهزّ هذه الأريحية ولا هذا النبل نفس هذا الجيش ، ولم يتأثّروا بهذا الخلق الرفيع ؛ فقد أحاطوا بالفرات في كربلاء وحرموا ذرّية نبيّهم من الماء , ولم يسقوهم قطرة حتّى توفّوا عطاشى .

خطاب الإمام (عليه السّلام)

وخطب الإمام (عليه السّلام) في قطعات ذلك الجيش ، فقال بعد حمد الله والثناء عليه : (( أيّها الناس ، إنّها معذرة إلى الله عزّ وجلّ إليكم . إنّي لم آتكم حتّى أتتني كتبكم ، وقدمت بها عليَّ رسلكم , أن أقدم علينا فإنّه ليس لنا إمام ، ولعلّ الله أن يجمعنا بك على الهدى ؛ فإن كنتم على ذلك فقد جئتكم ، فأعطوني ما اطمئن به

ـــــــــــــــــــــ
(1) ذو حسم (بضمّ الحاء وفتح السين) : جبل هناك .
(2)
تاريخ الطبري 6 / 226 .


الصفحة (231)

من عهودكم ومواثيقكم ، وإن كنتم لمقدمي كارهين انصرفت عنكم إلى المكان الذي جئت منه إليكم )) .
وأحجموا عن الجواب ؛ فإنّ الأكثرية الساحقة منهم قد كاتبوا الإمام (عليه السّلام) وبايعوه على يد سفيره مسلم بن عقيل (عليه السّلام) .
وحلّ وقت الصلاة فأمر الإمام مؤذّنه الحجّاج بن مسروق أن يؤذّن ويقيم لصلاة الظهر ، وبعد فراغه قال الإمام (عليه السّلام) للحرّ : (( أتريد أن تصلّي بأصحابك ؟ )) .

فقال : بل نصلّي بصلاتك .

وأتمّوا بالإمام (عليه السّلام) فصلّى بهم صلاة الظهر ، وبعد أدائه للصلاة قام فيهم خطيباً فحمد الله وأثنى عليه , ثمّ قال : (( أيّها الناس ، إنّكم إن تتّقوا الله وتعرفوا الحقّ لأهله يكن أرضى لله ، ونحن أهل البيت أولى بولاية هذا الأمر من هؤلاء المدّعين ما ليس لهم ، والسائرين فيكم بالجور والعدوان ، فإن أنتم كرهتمونا وجهلتم حقّنا , وكان رأيكم الآن على غير ما أتتني به كتبكم انصرفت عنكم )) .
ولم يعلم الحرّ بشأن الكتب التي بعثها أهل الكوفة للإمام (عليه السّلام) ، فقال له : ما هذه الكتب التي تذكرها ؟
فأمر الإمام (عليه السّلام) عقبة بن سمعان بإحضارها ، وكانت قد ملئت خرجين , فنثرها بين يدي الحرّ فبُهر منها ، وقال : لسنا من هؤلاء الذين كتبوا إليك .
وأراد الإمام (عليه السّلام) أن يتّجه إلى يثرب , فقال له الحرّ : قد اُمرت أن لا اُفارقك إذا لقيتك حتّى اُقدمك الكوفة على ابن زياد .

وتأثّر الإمام (عليه السّلام) وصاح به : (( الموت أدنى إليك من ذلك )) .
وجرت مشادّة عنيفة بين الإمام والحرّ ؛ فقد حال الحرّ من توجّه الإمام إلى يثرب ، وكان الوضع أن ينفجر باندلاع نار الحرب , إلاّ أنّ الحرّ ثاب إلى الهدوء وقال للإمام (عليه السّلام) : إنّما لم اُؤمر بقتالك , وإنّما اُمرت أن لا اُفارقك حتّى اُقدمك الكوفة ، فإذا أبيت فخذ طريقاً لا يدخلك الكوفة ولا يردّك إلى المدينة .

واتّفقا على ذلك , فتياسر


الصفحة (232)

الإمام (عليه السّلام) عن طريق العذيب والقادسية(1) . وأخذت قافلة الإمام (عليه السّلام) تطوي البيداء ، وكان الحرّ يُتابعه عن كثب , ويراقبه كأشدّ ما تكون المراقبة .
وفزعت حفيدة الرسول كأشدّ ما يكون الفزع وأيقنت بنزول الرزء القاصم ، وأنّ أخاها مصمّم على الشهادة ومناجزة الحكم الاُموي .

خطبة الإمام (عليه السّلام)

ولمّا انتهى موكب الإمام إلى (البيضة) ألقى الإمام خطاباً على الحرّ وأصحابه ، وقال فيه : (( أيّها الناس ، إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال : مَنْ رأى سلطاناً جائراً , مستحلاً لحرم الله ، ناكثاً لعهد الله ، مخالفاً لسنّة رسول الله ، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان ، فلم يغيّر ما هو عليه بفعل ولا قول كان حقّاً على الله أن يدخله مدخله .
ألا إنّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان ، وتركوا طاعة الرحمن ، وأظهروا الفساد ، وعطّلوا الحدود ، واستأثروا بالفيء ، وأحلّوا حرام الله ، وحرّموا حلاله ، وأنا أحقّ ممّنْ غيَّر . وقد أتتني كتبكم ، وقدمت عليَّ رسلكم ببيعتكم أنّكم لا تسلموني ولا تخذلوني ؛ فإن أقمتم على بيعتكم تصيبوا رشدكم ، وأنا الحسين بن علي وابن فاطمة بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) , نفسي مع أنفسكم ، وأهلي مع أهليكم ، ولكم فيَّ اُسوة .

وإن لم تفعلوا ونقضتم عهدكم وخلعتم بيعتي ، فلعمري ما هي لكم بنكر ؛ لقد فعلتموها بأبي وأخي وابن عمّي مسلم ، فالمغرور مَنْ اغترّ بكم ، فحظّكم أخطأتم ، ونصيبكم ضيّعتم ، ومَنْ نكث فإنّما ينكث على نفسه ، وسيغني الله عنكم )) .
وحفل هذا الخطاب الرائع باُمور بالغة الأهمية ذكرناها في كتابنا (حياة الإمام الحسين) .

ـــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ ابن الأثير 3 / 280 .


الصفحة (233)

ولمّا سمع الحرّ خطاب الإمام (عليه السّلام) ووعاه أقبل عليه , فقال له : إنّي اُذكّرك الله في نفسك ؛ فإنّي أشهد لئن قاتلت لتقتلن .

فأجابه الإمام (عليه السّلام) : (( أبالموت تخوّفني ؟ وهل يعدو بكم الخطب أن تقتلوني ؟! وما أدري ما أقول لك ، ولكنّي أقول كما قال أخو الأوس لابن عمّه وهو يريد نصرة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : أين تذهب فإنّك مقتول . فقال له :

سأمضي وما بالموتِ عارٌ على الفتى      إذا مـا نـوى خـيراًً وجـاهدَ مسلما
وواسـى  الـرجالَ الـصالحينَ بنفسهِ      وخـالفَ مـثبوراً و فـارقَ مـجرما
فـإن عـشتُ لم أندم و إن متُّ لم أُلمْ      كـفى  بـكَ ذلاً أن تعيشَ وتُرغما
))(1)

 

ولمّا سمع الحرّ مقالة الإمام (عليه السّلام) عرف أنّه مصمّم على الشهادة في سبيل أهدافه النبيلة . والتاعت السيّدة زينب (عليها السّلام) حينما سمعت مقالة أخيها , وأيقنت أنّه مصمّم على الموت والشهادة في سبيل الله .

مع الطرمّاح

وصحب الطرمّاح الإمام (عليه السّلام) في أثناء الطريق ، وأقبل الإمام على أصحابه فقال لهم : (( هل فيكم أحد يخبر الطريق على غير الجادة ؟ )) .

فقال له الطرماح : أنا أخبر الطريق .

فقال (عليه السّلام) له : (( سر بنا )) .

فسار بهم الطرماح وجعل يحدو بالإبل بصوت حزين قائلاً :

يا ناقتي لا تذعري من زجري      وامضي  بنا قبلَ طلوعِ الفجرِ
بـخيرِ  فـتيانٍ وخـيرِ سفرِ      آلِ  رسـولِ اللهِ أهـلِ الفخرِ
الـسادةِ البيض الوجوهِ الزهرِ      الـطاعنينَ  بـالرماحِ السمرِ

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1)


الصفحة (234)

الـضاربينَ  بـالسيوفِ الـبترِ      حـتى  تـحلّى بـكريمِ الـنجرِ
بـماجـدِ الجـدِّ رحيبِ الصدرِ      أتــى بــهِ اللهُ لـخيرِ أمـرِ
عـمّـرهُ اللهُ بـقـاءَ الـدهـرِ      يـا مـالكَ الـنفعِ معاً و الضرِّ
أمـدد حـسيناً سـيّدي بالنصرِ      عـلى الـطغاةِ مـن بقايا الكفرِ
عـلى الـلعينينِ سـليلَي صخرِ      يـزيـد لا زالَ حـليفَ الـخمرِ
والـعودِ  والـصنجِ معاً والزمرِ      وابن زيادِ العهرِ وابنِ العهرِ
(1)

 

وأسرعت الإبل في سيرها على نغمات هذا الشعر الحزين ، وقد فاضت عيون السيّدات من بنات رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وفي طليعتهن السيدة زينب بالبكاء , وهنّ يدعون للإمام (عليه السّلام) بالنصر والتأييد على أعدائه .

رسالة ابن زياد للحرّ

وسارت قافلة الإمام تطوي البيداء ، وهي تارة تتيامن واُخرى تتياسر ، وجنود الحرّ يذودون الركب عن البادية ويدفعونه تجاه الكوفة والركب يمتنع عليهم ، وإذا براكب قد أقبل وهو رسول من قِبل ابن زياد إلى الحرّ , فسلّم الخبيث الدنس على الحرّ ولم يسلّم على الحسين (عليه السّلام) ، وناول الحرّ رسالة من ابن مرجانة جاء فيها : أمّا بعد ، فجعجع بالحسين حين يبلغك كتابي ويقدم عليك رسولي ، فلا تنزله إلاّ بالعراء في غير حصن وعلى غير ماء ، وقد أمرت رسولي أن يلزمك فلا يُفارقك حتّى يأتيني بإنفاذك أمري ، والسّلام(2) .
وقرأ الحرّ الكتاب على الإمام الحسين (عليه السّلام) ، وقد أراد أن يستأنف سيره متّجهاً صوب قرية أو ماء , فمنعه الحرّ . وانبرى زهير بن القين وهو من أفذاذ أصحاب الإمام (عليه السّلام) , فقال له : يابن رسول الله ، إنّ قتال هؤلاء الساعة أهون علينا من قتال مَنْ يأتينا

ـــــــــــــــــــــ
(1) مقاتل الطالبيّين / 111 .
(2)
أنساب الأشراف / 240 .


الصفحة (235)

من بعدهم ما لا قِبل لنا به .

فقال له الحسين (عليه السّلام) : (( ما كنت لأبدأهم بقتال )) .

وتابع زهير حديثه قائلاً : سر بنا إلى هذه القرية حتّى ننزلها فإنّها حصينة ، وهي على شاطئ الفرات ، فإن منعونا قاتلناهم ؛ فقتالهم أهون علينا من قتال من يجيء بعدهم .

ولكنّ الحرّ أصرّ على الإمام (عليه السّلام) أن ينزل في ذلك المكان ولا يتجاوزه ، ولم يجد الإمام بدّاً من النزول فيه ، والتفت إلى أصحابه فقال لهم : (( ما اسم هذا المكان ؟ )) .
فقالوا له : كربلاء .
وفاضت عيناه بالدموع وقال : (( اللّهمّ إنّي أعوذ بك من الكرب والبلاء ))(1) .
وطافت به الذكريات ، ومثل أمامه ما قاله جدّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأبوه الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) من أنّ دمه الزاكي سيُراق في هذه الأرض , وفيها تتقطّع أوصاله ، وتُسفك دماء أهل بيته وأصحابه ، وخلد الإمام إلى الصبر واستسلم لقضاء الله .
ونهض أصحاب الإمام (عليه السّلام) وأهل بيته فنصبوا الخيام لمخدّرات الرسالة وعقائل الوحي كما نصبوا الخيام لهم , وأسرع فتيان بني هاشم وأمامهم سيّدهم أبو الفضل العباس فأنزلوا السيّدات من المحامل وجاؤوا بهنَّ إلى خيامهن ، وقد أحسّت حفيدة الرسول (صلّى الله عليه وآله) السيدة زينب (عليها السّلام) بالأخطار الهائلة والكوارث التي ستجري عليها وعلى أهلها في هذه الأرض .

ـــــــــــــــــــــ
(1) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 3 / 91 .


الصفحة (236)

 


الصفحة (237)

في كربلاء

وذاب قلب الصدّيقة الطاهرة زينب أسى وحسرات ، واستولى عليها الألم العاصف ؛ فقد أيقنت أنّها ستُشاهد في هذه الأرض مصرع أخيها وأهل بيته ، وستجري عليها من النكبات والخطوب ما تذوب من هولها الجبال ، وقد خلدت إلى الصبر وسلّمت أمرها إلى الله تعالى .
وحينما استقرّ الإمام الحسين (عليه السّلام) في كربلاء جمع أهل بيته وأصحابه فألقى عليهم نظرة حنان وعطف ، ورفع يديه بالدعاء يناجي ربّه ، ويشكو إليه ما ألمّ به من المحن والخطوب قائلاً : (( اللّهمّ إنّا عترة نبيّك محمّد (صلّى الله عليه وآله) , قد اُخرجنا وطُردنا وأُزعجنا عن حرم جدّنا ، وتعدّت بنو اُميّة علينا ، اللّهمّ فخذ لنا بحقّنا وانصرنا على القوم الظالمين )) .
ثمّ أقبل على تلك الصفوة فقال لهم : (( الناس عبيد الدنيا ، والدين لعق على ألسنتهم , يحوطونه ما درّت معائشهم ، فإذا محّصوا بالبلاء قلّ الديّانون )) .
وحكت هذه الكلمات الذهبية واقع الناس واتّجاهاتهم , فهم في جميع مراحل التأريخ عبيد الدنيا ، أمّا الدين فإنّما يجري على ألسنتهم , فإذا محّصوا بالبلاء مالوا عنه وتنكّروا له .
ثمّ خاطب أصحابه قائلاً : (( أمّا بعد , فقد نزل بنا ما قد ترون ، وأنّ الدنيا قد تغيّرت وتنّكرت ، وأدبر


الصفحة (238)

معروفها ، ولم يبقَ منها إلاّ صبابة كصبابة الإناء ، وخسيس عيش كالمرعى الوبيل(1) .
ألا ترون إلى الحقّ لا يُعمل به ، وإلى الباطل لا يُتناهى عنه ؟! ليرغب المؤمن في لقاء الله ؛ فإنّي لا أرى الموت إلاّ سعادة , والحياة مع الظالمين إلاّ برماً ))(2) .
والتاعت سيدة النساء زينب حينما سمعت خطاب أخيها وهو مصمّم على الموت , فقد اعتبره سعادة ، واعتبر الحياة والعيش مع الظالمين برماً .
وحينما أنهى الإمام (عليه السّلام) خطابه هبّ أصحابه وأهل بيته وهم يعلنون الدعم الكامل له ، ويهزؤون بالحياة ، ويسخرون من الموت من أجله ، فشكرهم الإمام (عليه السّلام) وأثنى عليهم .

خطبة ابن مرجانة

وحينما انتهى النبأ بنزول الإمام في كربلاء وإحاطة الحرّ به ، دعا ابن مرجانة الناس إلى الجامع الأعظم فامتلأ منهم ، فقام فيها خطيباً فقال : أيّها الناس ، إنّكم بلوتم آل أبي سفيان فوجدتموهم كما تحبّون ، وهذا أمير المؤمنين يزيد قد عرفتموه ؛ حسن السيرة ، محمود الطريقة ، محسناً إلى الرعية ، يُعطي العطاء في حقّه ، وقد أمنت السبل على عهده ، وكذلك كان أبوه معاوية في عصره .

وهذا ابنه يزيد يُكرم العباد ، ويغنيهم بالأموال ، وقد زادكم في أرزاقكم مئة مئة ، وأمرني أن اُوفّرها عليكم ، واُخرجكم إلى حرب عدوّه الحسين ، فاسمعوا له وأطيعوا(3) .
لقد منّاهم بالأموال التي يعبدونها من دون الله فاستجابوا له ، وخرجوا

ـــــــــــــــــــــ
(1) المرعى الوبيل : هو الطعام الوخيم الذي يخاف وباله .
(2)
تاريخ ابن عساكر 13 / 74 ، من مصوّرات مكتبة الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) .
(3)
الأخبار الطوال / 253 .


الصفحة (239)

كالكلاب لحرب ريحانة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وسيّد شباب أهل الجنة .

انتخاب ابن سعد للقيادة العامة

وانتخب الوغد الأثيم عبيد الله بن زياد عمر بن سعد قائداً عامّاً لقوّاته المسلّحة ، وكان ابن سعد من أخسّ الناس ومن أرذلهم ، ولا يملك أيّ رصيد من الشرف والكرامة ، وكان ضعيف النفس , خائر العزيمة ، لقد انتخبه ابن زياد لأفظع جريمة منذ خلق الله الأرض .

فقاد الجيوش لحرب ابن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) , وأحاط به من كلّ جانب ، وفرض عليه الحصار , فاستولى على جميع الطرق مخافة أن يصل إليه أيّ إمداد من الخارج . كما عهد إلى أربعة آلاف فارس بقيادة المجرم عمرو بن الحجّاج فاحتلوا نهر الفرات وجميع الشرائع والأنهر المتفرّعة منه ، وقد حيل بين الإمام الحسين (عليه السّلام) وبين الماء قبل قتله بثلاثة أيام(1) .

وقد عانت العقيلة أعظم المحن ؛ فقد أحاطت بها الأطفال وحرائر الرسالة وهم يعجّون من ألم الظمأ ، وهي تصبّرهم وتمنّيهم بوصول الماء إليهم . لقد ذاب قلبها رحمةّ وحناناً على أطفال أخيها الذين ذبلت شفاههم وذوى عودهم .

يقول أنور الجندي :

و  ذئـابُ الـشرورِ تـنعمُ بـالما      ءِ وأهـلُ الـنبي مـن غـيرِ مـاءِ
يـا  لـظلمِ الأقـدارِ يـظمأ قـلب الـ      ـليثِ و الـليثُ مـوثقُ الأعضاءِ
وصغارُ الحسينِ يبكونَ في الصحرا      ء يـا  ربِّ أيـنَ غـوثُ الـقضاءِ

 

إنّ جميع الشرائع والمذاهب لا تُبيح منع الماء عن الأطفال والنساء ؛ فالناس جميعاً شركاء فيه ، ولكن شريعة آل أبي سفيان التي تحكي طباع الاُسر القرشيّة التي أبت أن تجتمع الخلافة والنبوّة في بيت واحد هي التي حرّمت الماء على آل الرسول (صلّى الله عليه وآله) .

ـــــــــــــــــــــ
(1) مرآة الزمان في تواريخ الأعيان / 89 .


الصفحة (240)

الإمام (عليه السّلام) مع ابن سعد

وطلب الإمام (عليه السّلام) من ابن سعد الاجتماع به ، فأجابه الباغي اللئيم على كره , وعقد الإمام (عليه السّلام) معه اجتماعاً مغلقاً حضره أبو الفضل العباس وعلي الأكبر ، ومع ابن سعد ابنه حفص وغلام له ، فقال له الإمام (عليه السّلام) : (( يابن سعد ، أتقاتلني ؟ أما تتقي الله الذي إليه معادك ؛ فإنّي ابن مَنْ قد علمت ؟ ألا تكون معي وتدع هؤلاء فإنّه أقرب إلى الله تعالى ؟ )) .
وألقى ابن سعد معاذيره الواهية قائلاً : أخاف أن تُهدم داري .
ـ (( أنا أبنيها )) .
ـ أخاف أن تؤخذ ضيعتي .
ـ (( أنا أخلف عليك خيراً منها )) .
ـ إنّ لي بالكوفة عيالاً ، وأخاف عليهم من القتل مع ابن زياد .
ولمّا رأى الإمام (عليه السّلام) إصراره على الغيّ والعدوان ، ولا ينفع معه النصح والإرشاد , راح يدعو عليه قائلاً : (( ما لك ؟ ذبحك الله على فراشك ، ولا غفر لك يوم حشرك ، فوالله إنّي لأرجو أن لا تأكل من برّ العراق إلاّ يسيراً )) .
وولّى ابن سعد وهو يقول للإمام بسخرية : إنّ في الشعير كفاية .
واستجاب الله دعاء الإمام المظلوم في هذا الوضر الخبيث ؛ فقد ذبحته جنود البطل العظيم المختار بن يوسف (نضّر الله مثواه) وهو على فراشه ، وسيقت روحه الخبيثة إلى نار جهنم خالداً فيها مع أمثاله من المجرمين وأسياده الاُمويِّين .
وكانت العقيلة على علم بجميع ما يجري من الأحداث ، وأيقنت أنّ أخاها سيلاقي حتفه على يد هذه العصابة المجرمة التي لم تؤمن بالله ، والتي ساقتها الأطماع إلى اقتراف أفظع جريمة في الأرض .


الصفحة (241)

المأساة الخالدة

ولم تبقَ كارثة من كوارث الدنيا ولا رزية من رزايا الدنيا إلاّ جرت على حفيدة الرسول (صلّى الله عليه وآله) وعقيلة بني هاشم في كربلاء ؛ فقد أحاطت بها المصائب يتبع بعضها بعضاً ؛ فقد شاهدت أعداء الله وجيوش آل أبي سفيان قد اجتمعت على إبادة أهلها ، وقد احتلّوا ماء الفرات ومنعوا ذرّية رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من الانتهال منه ، وقد عجّت أطفال أهل البيت (عليهم السّلام) ونساؤهم بالصراخ والعويل من شدّة الظمأ ، وقد أحاطوا بالعقيلة يطلبون منها الماء وهي حائرة مذهولة تأمرهم بالصبر ، كيف الصبر والعطش قد مزّق قلوبهم ؟!
وقد زحفت جيوش الاُمويِّين نحو الإمام الحسين (عليه السّلام) في ليلة التاسع من المحرّم ، كان سيّد الشهداء جالساً أمام بيته محتبياً بسيفه , إذ خفق برأسه ، فسمعت اُخته العقيلة أصوات الجيش قد تدانت نحو أخيها , فانبرت إليه وهي مذهولة مرعوبة فأيقظته ، وقالت له : إنّ العدو قد دنا منّا .

فقال لها : (( إنّي رأيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في المنام فقال : إنّك تروح إلينا )) .
وكانت هذه الكلمات كالصاعقة على رأس العقيلة , فقد خرقت قلبها الرقيق المعذّب ، فلطمت وجهها وقالت : يا وليتاه(1) !

ـــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ ابن الأثير 3 / 384 .


الصفحة (242)

وكان أبو الفضل العباس (عليه السّلام) إلى جانب أخيه لا يفارقه ، فقال له : يا أخي , أتاك القوم .
وطلب منه الإمام (عليه السّلام) أن يتعرّف على خبرهم , فقال له : (( اركب بنفسي أنت يا أخي حتّى تلقاهم ، فتقول لهم : ما بدا لكم ؟ وما تريدون ؟ )) .
وبادر قمر بني هاشم ومعه عشرون فارساً نحو القوم ، وفيهم حبيب بن مظاهر , وزهير بن القين ، فسألهم العباس عن زحفهم ، فقالوا له : جاء أمر الأمير أن نعرض عليكم النزول على حكمه أو نناجزكم(1) .
وقفل أبو الفضل (عليه السّلام) إلى أخيه فعرّفه ما عرضوه عليهم ، فقال (عليه السّلام) له : (( ارجع إليهم , فإن استطعت أن تؤخّرهم إلى غدوة لعلّنا نصلّي لربّنا هذه الليلة وندعوه ونستغفره ؛ فهو يعلم أنّي اُحبّ الصلاة , وتلاوة كتابه , وكثرة الدعاء والاستغفار )) . وكان ذكر الله والدعاء والصلاة من أهمّ ما يصبوا إليه الإمام (عليه السّلام) في هذه الحياة(2) .
وقفل قمر بني هاشم راجعاً إلى تلك الوحوش الكاسرة , فعرض عليهم مقالة أخيه ، وتردّد القوم في إجابته ، فأنكر عليهم عمرو بن الحجّاج الزبيدي إحجامهم ، وقال : سبحان الله ! والله لو كان من الديلم ثمّ سألكم هذه المسألة لكان ينبغي أن تجيبوه .
ولم يزد ابن الحجّاج على ذلك ، ولم يقل : إنّه ابن رسول الله ؛ خوفاً أن يُنقل كلامه إلى ابن مرجانة فينال العقاب والحرمان . وأيّد ابن الأشعث مقالة ابن الحجّاج , فقال له ابن سعد :

ـــــــــــــــــــــ
(1) أنساب الأشراف / 184 .
(2)
تاريخ ابن الأثير 3 / 285 .


الصفحة (243)

أجبهم إلى ما سألوا ، فلعمري ليصبحنك بالقتال غداً .
واستجاب ابن سعد إلى تأجيل الحرب بعد أن رضيت به الأكثرية من قادة جيشه ، وأوعز ابن سعد إلى رجل من أصحابه أن يعلن ذلك أمام معسكر الحسين (عليه السّلام) , فدنا منه وقال رافعاً صوته : يا أصحاب الحسين بن عليّ ، قد أجّلناكم يومكم هذا إلى غد ، فإن استسلمتم ونزلتم على حكم الأمير وجّهنا بكم إليه ، وإن أبيتم ناجزناكم .
واُرجئ القتال إلى اليوم الثاني المصادف يوم العاشر من المحرّم .

الإمام (عليه السّلام) يأذن لأصحابه بالتفرّق

وجمع سيّد الشهداء أصحابه وأهل بيته في غلس الليل , وطلب منهم أن يتفرّقوا في سواده ليلقى مصيره المحتوم وحده ، فقال لهم : (( اُثني على الله أحسن الثناء ، وأحمده على السرّاء والضرّاء . اللّهمّ إنّي أحمدك على أن أكرمتنا بالنبوّة ، وعلّمتنا القرآن ، وفهّمتنا في الدين ، وجعلت لنا أسماعاً وأفئدة ، ولم تجعلنا من المشركين .
أمّا بعد ، فإنّي لا أعلم أصحاباً أوفى ولا خيراً من أصحابي , فجزاكم الله جميعاً عنّي خيراً ، ألا وإنّي لأظنّ يومنا من هؤلاء الأعداء غداً ، وإنّي قد أذنت لكم جميعاً , فانطلقوا في حلّ ليس عليكم منّي ذمام ، وهذا الليل قد غشيكم فاتّخذوه جملاً ، وليأخذ كلّ رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي ، فجزاكم الله جميعاً خيراً ، ثمّ تفرّقوا في سوادكم ومدائنكم حتّى يفرّج الله ؛ فإنّ القوم إنّما يطلبونني ، ولو أصابوني للهوا عن طلب غيري ))(1) .
لقد جعل الإمام أصحابه وأهل بيته أمام الأمر الواقع , وهي الشهادة التي لا بدّ

ـــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ ابن الأثير 3 / 285 .


الصفحة (244)

منها في مصاحبته ، وليس شيء آخر غيرها ، قد سمح لهم بالتفرّق عنه في سواد الليل فيتخذونه ستاراً لهم دون كلّ عين ، كما عرّفهم أنّه هو المطلوب للحكم الاُموي دون غيره , فإذا قتلوه فلا إرب لهم في غيره .
وعلى أيّ حال ، فإنّ الإمام (عليه السّلام) لم يكد ينتهي من خطابه حتّى هبّت الصفوة الطاهرة من أهل بيته وأصحابه وهي تعلن ولاءها الكامل له ، وأنّهم جميعاً يلاقون المصير الذي يلقاه ، وقد بدأهم بالكلام قمر بني هاشم وفخر عدنان أبو الفضل العباس (عليه السّلام) قائلاً : لِمَ تفعل ذلك ؟ لنبقى بعدك ؟! لا أرانا الله ذلك أبداً(1) .
وتتابعت أصوات أصحابه والفتية من بني هاشم وهم يرحّبون بالموت والشهادة في سبيله ، حقّاً لقد كانوا من خيرة بني آدم صدقاً ووفاءً وشهامةً ونبلاً .

لوعة السيدة زينب (عليها السّلام)

وفزعت عقيلة بني هاشم كأشدّ ما يكون الفزع وأقساه حينما سمعت أخاها وبقية أهلها يُعالج سيفه ويصلحه , وهو ينشد هذه الأبيات التي ينعى فيها نفسه :

يـا دهرُ أُفّ لكَ من خليلِ      كم لكَ بالإشراقِ والأصيلِ
مـن طالبٍ وصاحبٍ قتيلِ      والـدهرُ لا يـقنعُ بالبديلِ
وكـلُّ حـيٍّ سـالكٌ سبيلِ      ما أقربُ الوعد إلى الرحيلِ

وإنّـما الأمـرُ إلى الجليلِ

 

وكان مع الإمام (عليه السّلام) في خيمته الإمام زين العابدين (عليه السّلام) والعقيلة ؛ أمّا الإمام زين العابدين (عليه السّلام) فإنّه لمّا سمع هذه الأبيات خنقته العبرة ولزم السكوت ، وعلم أنّ البلاء قد نزل ، وأمّا العقيلة (عليها السّلام) فقد أيقنت أنّ أخاها عازم على الموت ، فأمسكت قلبها الرقيق

ـــــــــــــــــــــ
(1) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 3 / 167 .


الصفحة (245)

المعذّب ووثبت وهي تجرّ ذيلها وقد غامت عيناها بالدموع , فقالت لأخيها : وا ثكلاه ! وا حزناه ! ليت الموت أعدمني الحياة . يا حسيناه ! يا سيّداه ! يا بقيّة أهل بيتاه ! استسلمتَ للموت ويئستَ من الحياة ؟! اليوم مات جدّي رسول الله ، اليوم ماتت أُمّي فاطمة الزهراء ، وأبي عليّ المرتضى ، وأخي الحسن الزكيّ ، يا بقيّة الماضين وثمال الباقين(1) !
وذاب قلب الإمام (عليه السّلام) أسىً وحزناً ، والتفت إلى شقيقته فقال لها الإمام بحنان : (( يا اُخيّة ، لا يذهبنّ بحلمك الشيطان )) .
وسرت الرعدة والفزع بقلب الصدّيقة وطافت بها آلام مبرحة فخاطبت أخاها بأسى والتياع قائلة : أتغتصب نفسك اغتصاباً ؟! فذاك أطول لحزني وأشجى لقلبي .
ولم تملك صبرها بعدما أيقنت أن أخاها وبقيّة أهلها سيستشهدون لا محالة ، فعمدت إلى جيبها فشقّته ، ولطمت وجهها ، وخرّت إلى الأرض فاقدة لوعيها(2) .

وأثّر منظرها الرهيب في نفس الإمام (عليه السّلام) فالتاع كأشدّ ما تكون اللوعة ، ورفع يديه بالدعاء أن يلهم شقيقته الصبر والسلوان ، وأن يعينها على تحمّل المحن الشاقّة التي أحاطت بها .

إحياء الليل بالعبادة

وأقبل الإمام (عليه السّلام) مع أهل بيته وأصحابه على العبادة ؛ فقد علموا أنّ تلك الليلة هي آخر ليالي حياتهم ، ولم يذق أيّ واحد منهم طعم الرقاد ؛ فقد اتّجهوا بقلوبهم وعواطفهم نحو الله وهم يمجّدونه , ويتلون كتابه , ويقيمون الصلاة , ويسألونه العفو والغفران .

ـــــــــــــــــــــ
(1) مقاتل الطالبيّين / 113 .
(2)
حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 3 / 173 .

الصفحة (246)

وكانوا يترقّبون بشوق لا حدّ له طلوع الفجر ؛ ليكونوا قرابينَ للإسلام , وفداءً لابن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) .

وكان حبيب بن مظاهر ، وهو من ألمع أصحاب الحسين (عليه السّلام) ، وقد خرج إلى أصحابه وهو يضحك ، فأنكر عليه بعض أصحابه وقال له : يا حبيب ، ما هذه ساعة ضحك ! فأجابه حبيب عن إيمانه العميق قائلاً : أيّ موضع أحقّ من هذا بالسرور ؟ والله ما هو إلاّ أن تميل علينا هذه الطغاة بسيوفهم فنعانق الحور العين(1) .
وداعب برير عبد الرحمن الأنصاري , فاستغرب من مداعبته قائلاً : ما هذه ساعة باطل !
انظروا إلى جواب برير فقد قال : لقد علم قومي أنّي ما أحببت الباطل كهلاً ولا شاباً ، ولكنّي مستبشر بما نحن لاقون , والله ما بيننا وبين الحور العين إلاّ أن يميل علينا هؤلاء بأسيافهم ، وددت أنّهم مالوا علينا الساعة(2) .
أيّ إيمان هذا الذي تسلّح به أصحاب الحسين (عليه السّلام) ؛ فقد فاقوا جميع شهداء الحقّ والفضيلة في جميع الأعصار والآباد .

رؤيا الإمام الحسين (عليه السّلام)

وخفق الإمام الحسين (عليه السّلام) خفقة ثمّ انتبه ، والتفت إلى أصحابه وأهل بيته فقال لهم : (( أتعلمون ما رأيت في منامي ؟ )) .
ـ ما رأيت يابن رسول الله ؟
(( رأيت كأنّ كلاباً قد شدّت عليَّ تنهشني , وفيها كلب أبقع أشدّها عليَّ ، وأظنّ

ـــــــــــــــــــــ
(1) رجال الكشي / 53 .
(2)
تاريخ الطبري 6 / 241 .


الصفحة (247)

الذي يتولّى قتلي رجل أبرص من هؤلاء القوم . ثمّ إنّي رأيت جدّي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ومعه جماعة من أصحابه وهو يقول لي : أنت شهيد آل محمّد ، وقد استبشرت بك أهل السماوات وأهل الصفيح الأعلى ، فليكن إفطارك عندي الليلة ، عجّل ولا تؤخّر . هذا ما رأيت ، وقد أزف الأمر واقترب الرحيل من هذه الدنيا ))(1) .
وخيّم على أهل البيت (عليهم السّلام) حزن عميق ، وأيقنوا بنزول الرزء القاصم والاقتراب من دار الآخرة .

فزع عقائل الوحي

وفزعت عقائل الوحي ، وخيّم عليهنَّ الذعر والخوف ، ولم يهدأن في تلك الليلة ؛ فقد طافت بهنَّ موجات من الهواجس وتمثّل أمامهنَّ المستقبل المليء بالخطوب والكوارث ، وقد خلدنَ إلى الدعاء والبكاء ، وكان من أشدّهنَّ عقيلة النبوّة السيّدة زينب ؛ فقد كانت تراقب الأحداث وهي على علم لا يخامره شكّ أنّ المسؤولية الكبرى سوف تنتقل عن كاهل الحسين (عليه السّلام) إليها لو قُتل ، كما علمت أنّه لا يبقى من أهلها أحد ، لقد فزعت وذهلت من الأحداث الجسام التي أحاطت بها .

العقيلة (عليها السّلام) مع الهاشميّين والأصحاب

ولم تهدأ عقيلة الرسالة ؛ فقد هامت في تيارات مذهلة من الأسى والشجون ، فكانت على علم أنّ ليلة العاشر من المحرّم هي آخر ليلة لأهلها وهم على قيد الحياة ، وقد وجلت على أخيها , فمضت تراقب خيم الهاشميّين والأصحاب لتسمع ما يدور عندهم من حديث .

فانبرت إلى خيمة أخيها قمر بني هاشم وقد اجتمع بها فتيان بني هاشم , وقد أحاطوا بسيّدهم أبي الفضل ، فسمعته يخاطب

ـــــــــــــــــــــ
(1) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 3 / 177 .


الصفحة (248)

الهاشميّين قائلاً : إخوتي وبني إخوتي وأبناء عمومتي ، إذا كان الصباح فما تصنعون ؟

فهبّوا جميعاً قائلين : الأمر إليك .
ـ إنّ أصحابنا وأنصارنا قوم غرباء ، والحمل ثقيل لا يقوم إلاّ بأهله ، فإذا كان الصباح كنتم أوّل مَنْ يبرز للقتال ، فنسبق أنصارنا إلى الموت ؛ لئلاّ يقول الناس : قدّموا أصحابهم .
ولم ينتهِ من مقالته حتّى هبّوا قائلين : نحن على ما أنت عليه .
ثمّ مضت العقيلة إلى خيمة حبيب بن مظاهر عميد أصحاب الإمام وقد أحاط به الأصحاب ، فسمعت يحدّثهم قائلاً : يا أصحابي ، إذا كان الصباح ماذا تفعلون ؟
ـ الأمر إليك .
إذا صار الصباح كنّا أوّل مَنْ يبرز إلى القتال ، نسبق بني هاشم إلى الموت ، فلا نرى هاشمياً مضرّجاً بدمه ؛ لئلاّ يقول الناس : قد بدؤوهم إلى القتال ، وبخلنا عليهم بأنفسنا .
واستجابت الصفوة الطاهرة لمقالة زعيمهم حبيب ، وراحوا يقولون : نحن على ما أنت عليه .
وسُرّت زينب بوفاء الأنصار وتصميمهم على نصرة أخيها والذبّ عنه حتّى النفس الأخير من حياته ، وانطلقت العقيلة إلى أخيها فأخبرته بما سمعت من الهاشميّين والأنصار من الذود عنه ، وحمايته من كلّ سوء ومكروه .

وأخبرها الإمام (عليه السّلام) أنّهم من أنبل الناس ، ومن أكثرهم شهامة وإيماناً ، وأنّ الله تعالى قد اختارهم من بين عباده لنصرته ، والوقوف معه لمناجزة القوى المنحرفة والمعادية للإسلام .


الصفحة (249)

يوم عاشوراء

ويوم عاشوراء من أفجع الأيام وأقساها وأشدّها محنة على العقيلة زينب (عليها السّلام) وعلى أهل البيت (عليهم السّلام) ، فلم تبقَ رزيّة من رزايا الدهر إلاّ جرت عليهم ، ونتحدّث ـ بإيجاز ـ عن فصول هذه المأساة الخالدة في دنيا الأحزان .

خطاب الإمام الحسين (عليه السّلام)

ولمّا تهيّأت عساكر ابن سعد لحرب الإمام ، فرأى (عليه السّلام) من الواجب أن يعظهم ويرشدهم حتّى يكونوا على بصيرة من أمرهم ، فخطب فيهم خطاباً مؤثّراً ، وقد نشر كتاب الله العظيم ، واعتمّ بعمامة جدّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، ولبس لامته ، فقال لهم : (( تبّاً لكم أيّتها الجماعة وترحاً ! حين استصرختمونا والهين فأصرخناكم موجفين(1) ، سللتم علينا سيفاً لنا في أيمانكم ، وحششتم(2) علينا ناراً اقتدحناها على عدوّنا وعدوّكم ، فأصبحتم إلباً(3) لأعدائكم على أوليائكم , بغير عدل أفشوه فيكم , ولا أمل أصبح لكم فيهم .
مهلاً ـ لكم الويلات ! ـ تركتمونا والسيف مشيم(4) ، والجأش طامن ، والرأي لمّا يستحصف ، ولكن أسرعتم إليها كطيرة الدّبا(5) ، وتداعيتم إليها كتهافت الفراش .

ـــــــــــــــــــــ
(1) موجفين : أي مسرعين في السير إليكم .
(2)
حششتم النار التي توقد .
(3)
إلباً : أي مجتمعين .
(4)
مشيم السيف : غمده .
(5)
الدّبا : الجراد قبل أن يطير .


الصفحة (250)

فسحقاً لكم يا عبيد الاُمّة ، وشذاذ الأحزاب ، ونبذة الكتاب ، ومحرّفي الكلم ، وعصبة الأثام ، ونفثة الشيطان ، ومطفئ السنن !
أهؤلاء تعضدون وعنّا تتخاذلون ؟! أجل والله غدر فيكم قديم ، وشجت إليه اُصولكم , وتأزّرت(1) عليه فروعكم ، فكنتم أخبث شجر شجى للناظر , وأكلة للغاصب .
ألا وإنّ الدعيّ ابن الدعيّ قد ركز بين اثنتين ؛ بين السلّة(2) والذلّة ، وهيهات منّا الذلّة ! يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون ، وحجور طابت وطهرت ، واُنوف حميّة , ونفوس أبيّة من أن تؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام .
ألا وإنّي زاحف بهذه الأسرة مع قلّة العدد وخذلان الناصر )) . ثمّ أنشد أبيات فروة بن مسيك المرادي :

فـإن  نُهزم فهزّامون قدماً      وإن  نُُـغلَب فـغيرُ مغَلّبينا
ومـا إن طِـبُّنا جبنٌ ولكن      مـنايانا  ودولـةُ آخـرينا
إذا ما الموتُ رفّع عن أُناس      كـلاكـله أنـاخَ بـآخرينا
فـأفنى ذلكم سروات قومي      كـما  أفنى القرونَ الأوّلينا
فـلو  خلدَ الملوكُ إذاً خلدنا      ولـو بقي الكرامُ إذاًً بقينا
فـقل  للشامتينَ بنا أفيقوا      سيلقى  الشامتونَ كما لقينا

 

(( أما والله لا تلبثون بعدها إلاّ كريث ما يُركب الفرس حتّى يدور

ـــــــــــــــــــــ
(1) تأزّرت : أي نبتت عليه فروعكم .
(2)
السلّة : استلال السيوف .


الصفحة (251)

بكم دور الرحى ، وتقلق بكم قلق المحور ؛ عهد عهده إليّ أبي عن جدّي ، (فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلاَ تُنْظِرُونِ) , (إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) )) .
ورفع يديه بالدعاء على اُولئك السفكة المجرمين قائلاً : (( اللّهمّ احبس عنهم قطر السماء ، وابعث عليهم سنين كسِنيِّ يوسف ، وسلّط عليهم غلام ثقيف يسومهم كاساً مصبرةً ؛ فإنّهم كذّبونا وخذلونا ، وأنت ربّنا عليك توكّلنا وإليك أنبنا وإليك المصير ))(1) .
لقد انفجر أبو الأحرار في خطابه كالبركان ، وأبدى من صلابة العزم وعزّة النفس ما لم يشاهد مثله ؛ فقد استهان بالموت ، ولا يخضع لاُولئك الأقزام الذين سوّدوا وجه التأريخ ، وكانوا سوءة عار لمجتمعهم .

استجابة الحرّ

واستيقظ ضمير الحرّ حينما سمع خطاب الإمام (عليه السّلام) , وجعل يتأمّل ويفكّر في مصيره ، وأنّه لا محالة يصير إلى النار خالداً فيها ، واختار الدار الآخرة والالتحاق بآل النبي (صلّى الله عليه وآله) .

وقبل أن يتوجّه إلى الإمام الحسين (عليه السّلام) أسرع نحو ابن سعد فقال له : أمقاتل أنت هذا الرجل ؟
فأجابه بلا تردد ليظهر أمام قادة الفرق إخلاصه لسيّده ابن مرجانة قائلاً : إي والله ، قتالاً أيسره أن تسقط فيه الرؤوس وتطيح الأيدي .
فقال له الحرّ برنّة المستريب :

ـــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ ابن عساكر 13 / 74 ـ 75 .


الصفحة (252)

أفما لكم في واحدة من الخصال التي عرضها عليكم رضاً ؟

فأجابه ابن سعد : لو كان الأمر لي لفعلت ، ولكن أميرك أبى ذلك .

وأيقن الحرّ أنّ القوم مصمّمون على حرب ابن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، فمضى يشقّ الصفوف وقد سرت الرعدة بأوصاله , فأنكر عليه ذلك المهاجر بن أوس ، وهو من شرطة ابن زياد , فقال له : والله إنّ أمرك لمريب ! والله ما رأيت منك في موقف قطّ مثل ما أراه الآن ، ولو قيل لي : مَن أشجع أهل الكوفة ؟ لما عدوتك .
وكشف له الحرّ عن عزمه فقال له : إنّي والله اُخيّر نفسي بين الجنّة والنار ، ولا أختار على الجنّة شيئاً ولو قُطّعت واُحرقت . ولوى بعنان فرسه صوب الإمام (عليه السّلام)(1) ، وهو مُطرق برأسه إلى الأرض حياءً وندماً على ما فرّط في حقّ الإمام ، ولمّا دنا منه رفع صوته قائلاً : اللّهمّ إليك اُنيب ؛ فقد أرعبت قلوب أوليائك وأولاد نبيك . يا أبا عبد الله ، إنّي تائب فهل لي من توبة ؟
ونزل عن فرسه ووقف قبال الإمام (عليه السّلام) ودموعه تتبلور على سحنات وجهه قائلاً : جعلني الله فداك يابن رسول الله !أنا صاحبك الذي حبستك عن الرجوع ، وجعجعت بك في هذا المكان ، ووالله الذي لا إله إلاّ هو ما ظننت أنّ القوم يردّون عليك ما عرضت عليهم أبداً ، ولا يبلغون منك هذه المنزلة أبداً ، فقلت في نفسي : لا اُبالي أن اُطيع القوم في بعض أمرهم ، ولا يرون أنّي خرجت من طاعتهم ,

ـــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ الطبري 6 / 244 .


الصفحة (253)

وأمّا هم فيقبلون بعض ما تدعوهم إليه ، ووالله لو ظننت أنّهم لا يقبلونها منك ما ركبتها منك . وإنّي قد جئتك تائباً ممّا كان منّي إلى ربّي ، مواسياً لك بنفسي حتّى أموت بين يديك ، أفترى لي توبة ؟
واستبشر به الإمام (عليه السّلام) ، ومنحه الرضا والعفو ، وقال له : (( نعم ، يتوب الله عليك ويغفر ))(1) .
وانطلق الحرّ بعد أن منحه الإمام (عليه السّلام) العفو وقبل توبته ، فخطب في أهل الكوفة ودعاهم إلى التوبة ، ونُغَب عليهم حصارهم للإمام ، ومنعه مع أهل بيته وأصحابه عن ماء الفرات الذي هو حقّ مشاع للجميع ، ولم يستجيبوا له ، ورموه بالنبال .

الحرب

وارتبك ابن سعد من التحاق الحرّ بالإمام (عليه السّلام) ، وخاف أن يحصل التمرّد في جيشه ، فزحف الباغي الأثيم نحو معسكر الحسين (عليه السّلام) , وأخذ سهماً فأطلقه صوب الإمام ، وقد رفع صوته قائلاً : اشهدوا لي عند الأمير أنّي أوّل مَنْ رمى الحسين .
وفتح ابن سعد من السهم الذي أطلقه باب الحرب ، وطلب من الجيش أن يشهدوا له عند سيّده ابن مرجانة بأنّه أوّل مَنْ رمى معسكر ابن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) .
وتتابعت السهام كأنّها المطر على معسكر الإمام الحسين (عليه السّلام) ، فلم يبقَ أحد منهم إلاّ أصابه سهم ، فالتفت الإمام إلى أصحابه قائلاً : (( قوموا يا كرام ، فهذه رسل القوم إليكم )) .
وتقدّمت طلائع الحقّ من أصحاب أبي الأحرار إلى ساحة الشرف والمجد وهي تعلن ولاءها للإسلام ، وتفانيها في الذبّ عن إمام المسلمين وسيّد شباب أهل

ـــــــــــــــــــــ
(1) الكامل في التاريخ 3 / 289 .


الصفحة (254)

الجنّة ، وبذلك بدأت المعركة واحتدم القتال كأشدّه وأعنفه .
ومن المقطوع به أنّه لم تكن مثل المعركة في جميع الحروب التي جرت في الأرض ؛ فقد تقابل اثنان وثلاثون فارساً وأربعون راجلاً مع عشرات الاُلوف ، وقد أبدى أصحاب الإمام من الشجاعة والبسالة ما يبهر العقول ويحيّر الألباب .

مصارع أصحاب الإمام (عليه السّلام)

وشنّت قوات ابن سعد هجوماً عاماً وعنيفاً على أصحاب الإمام (عليه السّلام) , وخاضوا معهم معركة رهيبة ، وقد ثبت لهم أصحاب الإمام (عليه السّلام) , فهزموا جموعهم بقلوب أقوى من الحديد ، وأنزلوا بهم أفدح الخسائر ، وقد استشهد في هذه الحملة نصف أصحاب الإمام (عليه السّلام) .

ثمّ بدأت بعد ذلك المبارزة بين العسكرين ، فكان الرجل من أصحاب الإمام يبرز ويُقاتل ثمّ يُقتل ، وهكذا حتّى فنوا عن آخرهم ، وقد أبلوا في المعركة بلاءً يقصر عنه كلّ وصف وإطراء ؛ فقد خاضوا تلك المعركة الرهيبة ولم تضعف لأيّ رجل منهم عزيمة ولم تلن لهم قناة ، وقد سمت أرواحهم الطاهرة إلى الرفيق الأعلى وهي أنضر ما تكون تفانياً في مرضاة الله تعالى وطاعته .

وإنّ أعطر ما نقدّمه لهم من تحية كلمات الإمام الصادق (عليه السّلام) عملاق الفكر الإسلامي في حقّهم , قال مخاطباً لهم : (( بأبي أنتم واُمّي ! طبتم وطابت الأرض التي فيها دفنتم ، وفزتم فوزاً عظيماً )) .

مصارع أهل البيت (عليهم السّلام)

وبعدما نالت الشهادة الصفوة الطاهرة من أصحاب الإمام (عليه السّلام) هبّ أبناء الاُسرة النبويّة شباباً وأطفالاً إلى التضحية والفداء ، فكانوا كالليوث وكالصاعقة على جيوش الكفر والضلال ، وأخذ بعضهم يودّع البعض الآخر وهم يذرفون الدموع على وحدة سيّدهم أبي الأحرار ؛ حيث يرونه وحيداً قد أحاطت به من كلّ جانب جيوش الاُمويِّين


الصفحة (255)

ليتقرّبوا بقتله إلى ابن مرجانة ، وفي طليعة الذين استشهدوا من آل البيت (عليهم السّلام) :

عليّ الأكبر (عليه السّلام)

وكان عليّ الأكبر شبيه جدّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في ملامحه وفي أخلاقه التي امتاز بها على سائر النبيّين ، وكانت الاُسرة النبويّة والصحابة إذا اشتاقوا إلى رؤية رسول الله (صلّى الله عليه وآله) نظروا إلى وجه عليّ الأكبر ، وكان دنيا من الفضائل والمواهب والعبقريات ؛ فقد تسلّح بكلّ فضيلة وأدب ، وكان أعزّ أبناء الإمام الحسين (عليه السّلام) لعمّته العقيلة وسائر بني عمومته وأعمامه .

وهو أوّل هاشمي اندفع بحماس بالغ إلى الحرب ، وكان عمره الشريف ثماني عشر سنة(1) ، وقد وقف أمام أبيه طالباً منه الرخصة لمناجزة أعداء الله ، فلمّا رآه الإمام (عليه السّلام) ذابت نفسه أسى وحسرات ، وأشرف على الاحتضار ؛ فقد رأى فلذة كبده قد ساق نفسه إلى الموت ، فرفع الإمام شيبته الكريمة نحو السماء ، وهو يقول بنبرات قد لفظ فيها شظايا قلبه : (( اللّهمّ اشهد على هؤلاء القوم , فقد برز إليهم غلام أشبه الناس برسولك محمّد (صلّى الله عليه وآله) خَلقاً وخُلقاً ومنطقاً ، وكنّا إذا اشتقنا إلى رؤية نبيّك نظرنا إليه . اللّهمّ امنعهم بركات الأرض ، وفرّقهم تفريقاً ، ومزّقهم تمزيقاً ، واجعلهم طرائق قدداً ، ولا ترضي الولاة عنهم أبداً ؛ فإنّهم دعونا لينصرونا ثمّ عدوا علينا يقاتلوننا )) .
والتفت الإمام (عليه السّلام) إلى المجرم الأثيم عمر بن سعد عبد ابن مرجانة ، فصاح به : (( ما لك ؟! قطع الله رحمك , ولا بارك لك في أمرك ، وسلّط عليك مَنْ يذبحك بعدي على فراشك كما قطعت رحمي ، ولم تحفظ قرابتي من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) )) . وتلا قوله تعالى : ( إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحاً وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) .

ـــــــــــــــــــــ
(1) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 3 / 244 .


الصفحة (256)

وشيّع الإمام (عليه السّلام) ولده بدموع مشفوعة بالأسى والحزن ، وخلفه عمّته العقيلة وسائر عقائل الوحي ، وقد علا منهم الصراخ والعويل على شبيه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) .
وانطلق فخر هاشم إلى ساحة الحرب وقد امتلأ قلبه حزماً وعزماً ، ووجهه الشريف يتألق نوراً ؛ فقد حكى بهيبته هيبة جدّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وبشجاعته شجاعة جدّه الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، وتوسّط حراب الأعداء وسيوفهم وهو يرتجز قائلاً :

 أنا عليُّ بنُ الحسين بنِ علي      نحن وربُّ البيت أولى بالنبي

تالله  لا يحكم فينا ابنُ الدعي

 

أنت يا شرف هذه الاُمّة أولى بالنبي وأحق بمقامه من هؤلاء الأدعياء الذين سلّطتهم عليكم الطغمة الحاكمة من قريش التي أبت أن تجتمع الخلافة والنبوّة فيكم .
والتحم عليّ الأكبر (عليه السّلام) مع أعداء الله ، وقد ملأ قلوبهم خوفاً ورعباً , وأبدى من البسالة والشجاعة ما يقصر عنه كلّ وصف ؛ فقد ذكّرهم ببطولات جدّه الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، ومحطّم أوثان القرشيّين ، وقد قتل مئة وعشرين فارساً(1) سوى المجروحين ، وألحّ عليه العطش وأضرّ به ، فقفل راجعاً إلى أبيه يشكو ظمأه القاتل قائلاً : يا أبتِ ، العطش قد قتلني ، وثقل الحديد قد أجهدني ، فهل إليّ شربة ماء من سبيل أتقوى بها على الأعداء ؟

والتاع الإمام (عليه السّلام) ، فقال له بصوت خافت ، وعيناه تفيضان دموعاً : (( واغوثاه ! ما أسرع الملتقى بجدّك فيسقيك بكأسه شربة لا تظمأ بعدها أبداً )) .
وأخذ لسانه فمصّه ليريه شدّة عطشه , فكان كشقّة مبرد من شدّة العطش .

ـــــــــــــــــــــ
(1) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 3 / 246 .


الصفحة (257)

يقول الحجّة الشيخ عبد الحسين صادق في رائعته :

يـشـكو لـخـيرِ أبٍ ظمـأه وما  اشتكى      ظمـأ الحشا إلاّ إلى الظامي الصدي
كــلٌّ حـشـاشته كـصـاليةِ الـغضا      ولـسـانُـه ظـمـأ كـشـقةِ مـبـردِ
فـانـصاعَ  يـؤثـرهُ عـلـيهِ بـريقهِ      لــو كــانَ ثـمةَ ريـقه لـم يـجمدِ

 

لقد كان هذا المنظر الرهيب لعليّ الأكبر من أفجع وأقسى ما رُزئ به أبو الأحرار ؛ فقد رأى ولده الذي هو من أنبل وأشرف ما خلق الله ، وهو في غضارة العمر وريعان الشباب قد أشرف على الهلاك من شدّة العطش ، وهو لم يستطع أن يسعفه بجرعة ماء ليروي عطشه .
وقفل فخر الإسلام عليّ الأكبر (عليه السّلام) راجعاً إلى حومة الحرب ، قد فتكت الجراح بجسمه ، وفتّت العطش فؤاده ، وجعل يُقاتل كأشدّ ما يكون القتال وأعنفه حتّى ضجّ العسكر من كثرة مَنْ قتل منهم .

ولمّا رأى ذلك الوضر الخبيث مرّة بن منقذ العبدي قال : عليَّ آثام العرب إن لم أثكل أباه . وأسرع الخبيث الدنس إلى شبيه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فطعنه بالرمح في ظهره , وضربه ضربة منكرة على رأسه ففلق هامته ، واعتنق فرسه يظنّ أنّه يرجعه إلى أبيه , إلاّ أنّ الفرس حمله إلى معسكر الأعداء فأحاطوا به من كلّ جانب , ومزّقوا جسده الشريف بالسيوف ، ونادى فخر هاشم ومجد عدنان رافعاً صوته : عليك منّي السّلام أبا عبد الله ، هذا جدّي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قد سقاني بكأسه شربة لا أظمأ بعدها أبداً ، وهو يقول : (( إنّ لك كأساً مذخورة )) .
وحمل الأثير هذه الكلمات إلى أبيه الثاكل الحزين فقطّعت قلبه , ومزّقت أحشاءه ، ففزع إليه وهو خائر القوى , منهدّ الركن ، فانكب عليه فوضع خدّه على خدّه وهو جثة هامدة , قد قطّعت شلوه السيف إرباً إرباً ، وأخذ الإمام (عليه السّلام) يذرف أحرّ الدموع على ولده الذي لا يشابهه أحد في كمال فضله ، وجعل يلفظ شظايا قلبه


الصفحة (258)

بهذه الكلمات : (( قتل الله قوماً قتلوك يا بُني ، ما أجرأهم على الله وعلى انتهاك حرمة الرسول ! على الدنيا بعدك العفا ))(1) .
وما كاد الخبر يبلغ الخيام حتّى هرعت حفيدة الرسول (صلّى الله عليه وآله) زينب من خدرها ، وكان ذلك أوّل ما خرجت إلى المعركة فأكبت بنفسها على ابن أخيها الذي كان أعزّ ما عندها من أبنائها , وجعلت تضمّخه بدموعها وقد انهارت قواها ، وانبرى إليها الإمام (عليه السّلام) وجعل يعزّيها بمصابها الأليم ، وهو يردّد هذه الكلمات : (( على الدنيا بعدك العفا )) .
وأخذ الإمام (عليه السّلام) بيد اُخته وردّها إلى الفسطاط ، وأمر فتيانه بحمل ولده إلى الفسطاط .
لقد كان علي بن الحسين (عليه السّلام) الرائد والزعيم لكلّ حرّ شريف مات أبيّاً على الضيم في دنيا الإباء ، فسلام الله عليه غادية ورائحة , ونودعه بالأسى والحزن ، ونردّد كلمات أبيه : (( على الدنيا بعدك العفا )) .

مصارع آل البيت (عليهم السّلام)

وبرزت الفتية من آل الرسول (صلّى الله عليه وآله) وهي تذرف الدموع على وحدة سيّدهم أبي الأحرار ، وكان من بينهم القاسم بن الحسن ، وكان كالقمر في بهائه وجماله , وقد ربّاه عمّه وغذّاه بمواهبه وآدابه ، وأفرغ عليه أشعة من روحه حتّى صار صورة عنه ، وكان أحبّ إليه من أبناء إخوته وأعمامه .

وكان القاسم يتطلّع إلى محنة عمّه ، وينظر إلى جيوش الكفر قد أحاطت به وقد ذابت نفسه أسىً وحسرات ، وجعل يردد :

ـــــــــــــــــــــ
(1) العفا : التراب .


الصفحة (259)

لا يُقتل عمّي وأنا أنظر إليه(1) .
واندفع بلهفة نحو عمّه يطلب منه الإذن ليكون فداءً له ، فاعتنقه عمّه وعيناه تفيضان دموعاً ، وجعل القاسم يُقبّل يديه طالباً منه الإذن ، فسمح له بعد إلحاحه وترجّيه ، وبرز القاسم إلى حومة الحرب وهو بشوق عارم إلى الشهادة ، ولم يضف على جسده لامة الحرب ، وإنّما صحب معه سيفه .

والتحم مع اُولئك القرود , فجعل يحصد رؤوسهم بسيفه ، وبينما هو يُقاتل إذ انقطع شسع نعله , فأنف سليل النبوّة أن تكون أحد رجليه بلا نعل , فوقف يشدّه متحدّياً الوحوش الكاسرة التي لا تساوي نعله ، واغتنم هذه الفرصة الوغد الخبيث عمرو بن سعد الأزدي ، فقال : والله لأشدنَّ عليه .

فأنكر عليه حميد بن مسلم وقال له : سبحان الله ! وما تريد بذلك ؟! يكفيك هؤلاء القوم الذين ما يبقون على أحد منهم . فلم يعن به ، وشدّ الخبيث عليه فعلاه بالسيف على رأسه الشريف ، فهوى الفتى إلى الأرض صريعاً كما تهوي النجوم , ونادى رافعاً صوته : يا عمّاه !
وذاب قلب الإمام (عليه السّلام) وأسرع إليه , فعمد إلى القاتل الأثيم فضربه بالسيف فاتّقاها بساعده فقطعها من المرفق وطرحه أرضاً ، فحملت خيل أهل الكوفة لاستنقاذه , إلاّ أنّه هلك تحت حوافرها .

وانعطف الإمام نحو ابن أخيه فجعل يقبّله والفتى يفحص بيديه ورجليه ، وهو يعاني آلام الاحتضار , فخاطبه الإمام (عليه السّلام) : (( بُعداً لقوم قتلوك ، ومَنْ خصمهم يوم القيامة فيك جدّك ! عزّ والله على عمّك أن تدعوه فلا يجيبك ، أو يجيبك فلا ينفعك صوته . والله هذا يوم كثر واتره ، وقلّ ناصره )) .

ـــــــــــــــــــــ
(1) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 3 / 255 .


الصفحة (260)

وحمله الإمام والفتى يفحص برجليه كالطير المذبوح(1) , وجاء به فألقاه بجوار ولده عليّ الأكبر وسائر الشهداء من أهل البيت (عليهم السّلام) ، وأخذ يطيل النظر إليهم , وجعل يدعو على السفكة المجرمين قائلاً : (( اللّهمّ أحصهم عدداً ، ولا تغادر منهم أحداً ، ولا تغفر لهم أبداً . صبراً يا بني عمومتي ، صبراً يا أهل بيتي ، لا رأيتم هواناً بعد هذا اليوم أبداً )) .
وكلّ هذه المناظر المفجعة التي تميد بالصبر وتعصف كانت بمرأى من عقيلة بني هاشم (عليها السّلام) ، فكانت تستقبل في كلّ لحظة فتى من الاُسرة النبويّة وهو مضرّج بدمائه ، لها الله ولأخيها على هذه الرزايا التي تميد من هولها الجبال .

مصرع عون (عليه السّلام)

وبرز إلى حومة الحرب عون بن عبد الله بن جعفر ، واُمه الصدّيقة الطاهرة زينب بنت أمير المؤمنين (عليها السّلام) ، فجعل يُقاتل على صغر سنه قتال الأبطال وهو يرتجز :

 إن تـنكروني فأنا ابنُ جعفرْ      شهيدِ صدقٍ في الجنانِ أزهرْ
 يـطيرُ فـيها بجناحٍ أخضرْ      كـفى  بهذا شرفاً من معشرْ

 

أنت أيّها الشهم حفيد الشهيد الخالد جعفر الطيار الذي قُطعت يداه في سبيل الدعوة الإسلاميّة ، فأبدله الله بهما جناحين يطير بهما في الفردوس الأعلى .
وجعل الفتى يُقاتل قتال الأبطال , فحمل عليه الوغد الأثيم عبد الله بن قطبة الطائي فقتله , وحُمل إلى المخيّم فاستقبلته اُمّه الصدّيقة الطاهرة ، ونظرت إليه وهو جثة هامدة فاحتسبته عند الله .
وحلّ بعده أبناء الاُسرة الهاشمية فاستشهدوا جميعاً قرابين للإسلام ، وفداءً لريحانة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) .

ـــــــــــــــــــــ
(1) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 3 / 256 .

الصفحة (261)

مصرع أبي الفضل (عليه السّلام)

وكان أبو الفضل العباس (عليه السّلام) من أحبّ الناس وأخلصهم للإمام الحسين (عليه السّلام) , فقد ربّاه وغذّاه بمكارم أخلاقه ومحاسن صفاته ، وعلّمه أحكام الدين حتّى صار من أفاضل العلماء . وكان ملازماً لأخيه في حلّه وترحاله ، وواساه في أقسى المحن والخطوب ، وكانت أُخوّته لأبي عبد الله مضرب المثل عند جميع الناس .

وكانت أسارير النور بادية على وجهه الكريم حتّى لُقّب بقمر بني هاشم ، وكان من الأبطال البارزين في الإسلام ، فكان إذا ركب الفرس المطهّم تخطّان رجلاه في الأرض ، وقد أسند إليه الإمام الحسين (عليه السّلام) يوم الطفّ قيادة جيشه ودفع إليه رايته .

وكان أبو الفضل هو المتعهّد لرعاية الصدّيقة سيدة النساء زينب (عليها السّلام) ، وقد احتلّ قلبها فكانت تكنّ له أعمق الودّ والولاء . ولمّا رأى قمر بني هاشم وحدة أخيه وقتل أصحابه وأهل بيته الذين قدّموا أرواحهم قرابين للإسلام انبرى يطلب الرخصة من أخيه ليلاقي مصيره المشرق ، فقال له الإمام (عليه السّلام) بصوت خافت : (( أنت صاحب لوائي )) .
لقد كان الإمام يشعر بالقوّة والمنعة ما دام أبو الفضل حيّاً , وألحّ عليه أبو الفضل قائلاً : لقد ضاق صدري من هؤلاء المنافقين ، واُريد أن آخذ ثأري منهم .
وطلب منه الإمام (عليه السّلام) أن يسعى لتحصيل الماء إلى الأطفال الذين صرعهم العطش ، فانعطف فخر بني هاشم نحو اُولئك الأنذال فجعل يعظهم ويطلب منهم أن يرفعوا الحصار عن الماء ؛ فقد أشرفت عائلة آل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) على الموت .

فأجابه الرجس الأثيم شمر بن ذي الجوشن قائلاً :


الصفحة (262)

يابن أبي تراب ، لو كان وجه الأرض كلّه ماءً وهو تحت أيدينا لما سقيناكم منه قطرة إلاّ أن تدخلوا في بيعة يزيد .
وقفل أبو الفضل راجعاً إلى أخيه فأخبره بعتوّ القوم وإجماعهم على حرمان أهل البيت (عليهم السّلام) من الماء ، وسمع الأبيّ الشهم صراخ الأطفال وهم ينادون : العطش ، العطش ! الماء ، الماء !
وذاب قلب أبي الفضل حينما رأى الأطفال قد ذبلت شفاههم وأشرفوا على الهلاك ، فسرى الألم العاصف في محيّاه , واندفع ببسالة لإغاثتهم ، فركب جواده وأخذ معه القربة ، فاقتحم الفرات غير حافل بالقوى المكثفة التي تقدّر بأربعة آلاف جندي مسلّح قد احتلّوا حوض الفرات , فانهزموا من بين يديه ؛ فقد ذكّرهم ببطولات أبيه فاتح خيبر ومحطّم أوثان القرشيّين .

وانتهى إلى الماء وكان قلبه الشريف قد تفتّت من العطش , فاغترف من الماء ليشرب منه إلاّ أنّه تذكّر عطش أخيه ومَنْ معه من النساء والأطفال , فرمى الماء من يده ، فامتنع أن يروي غليله من الماء .

وقد سجّل بذلك شرفاً للعلويّين تردّده الأجيال مقروناً بالإكبار والتعظيم لهذه الأُخوّة النادرة التي لم يحدّث التأريخ بمثلها . لقد رمى أبو الفضل الماء من يده وهو يقول :

يا نفسُ من بعدِ الحسينِ هوني      وبـعدهُ  لا كـنتِ أن تكوني
هـذا  الـحسينُ واردُ المنونِ      وتـشـربينَ بـاردَ الـمعينِ

تالله مـا هـذا فـعالُ ديـني

 

إنّ الإنسانيّة بكلّ إجلال وإكبار لتحيّي هذه الروح العظيمة التي تألّقت في دنيا الإسلام وهي تلقي على الأجيال أسمى أمثلة للكرامة الإنسانيّة . أي إيثار أنبل من هذا الإيثار ؟ أيّ اُخوّة أسمى من هذه الاُخوّة ؟


الصفحة (263)

واتّجه فخر هاشم بعد أن ملأ القربة نحو المخيّم والتحم مع الأرجاس ؛ فقد أحاطوا به من كلّ جانب ليمنعوه من إيصال الماء إلى عطاشى أهل البيت (عليهم السّلام) ، وقد أشاع فيهم بطل الإسلام القتل وهو يرتجز :

لا  أرهـب الموتَ إذا الموتُ زقا      حـتى  أوارى في المصاليتِ لقى
نفسي لسبطِ المصطفى الطهرِ وقى      إنّـي أنـا الـعباس أغدوا بالسقا

ولا أخـاف الـشرَّ يـوم الملتقى

 

لقد أعلن قمر الهاشميّين عن بطولاته النادرة , فهو لا يرهب الموت ، ويسخر من الحياة دفاعاً عن الحقّ , ودفاعاً عن إمام المسلمين وريحانة الرسول (صلّى الله عليه وآله) .
وانهزمت جيوش الاُمويِّين أمامه ، ولكن الوضر الجبان زيد بن الرقّاد الجهني كمن له من وراء نخلة , ولم يستقبله بوجهه , فضربه على يده فقطعها ، فلم يحفل بها أبو الفضل وراح يرتجز :

واللهِ إن قـطعتمُ يميني      إنّي اُحامي أبداً عن ديني
وعـن إمامٍ صادقِ اليقينِ      نجلِ النبيّ الطاهرِ الأمينِ

 

ودلّل بهذا الرجز عن الأهداف العظيمة التي ناضل من أجلها وهي الدفاع عن الدين ، والدفاع عن إمام المسلمين وريحانة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، ولم يبعد قمر بني هاشم وفخر عدنان حتّى كمن له من وراء نخلة رجس من أرجاس المجرمين ، وهو الحكيم بن الطفيل الطائي , فضربه على يساره فبراها ، وحمل الشهم النبيل القربة بأسنانه ، وجعل يركض بالماء إلى عطاشى آل النبي غير حافل بما كان يعانيه من نزف الدماء وآلام الجروح وشدّة الظمأ .

وهذا منتهى ما وصلت إليه الإنسانيّة في جميع أدوارها من الرحمة والحنان والوفاء ، وبينما هو يركض إذ أصاب القربة سهم غادر فاُريق ماؤها , ووقف البطل حزيناً ؛ فقد كان إراقة الماء أشدّ عليه من ضرب السيوف وطعن الرماح .


الصفحة (264)

وشدّ عليه رجس فعلاه بعمود من حديد على هامة رأسه ففلق هامته فهوى إلى الأرض ، وهو يؤدي تحيّته ووداعه الأخير إلى أخيه قائلاً : عليك منّي السّلام أبا عبد الله .
وحمل الأثير كلماته إلى أخيه فمزّقت أحشاءه ، وانطلق وهو خائر القوى ، منهدّ الركن حتّى انتهى إلى أخيه وهو يعاني آلام الاحتضار ، فألقى بنفسه عليه وجعل يوسعه تقبيلاً قائلاً : (( الآن انكسر ظهري ، وقلّت حيلتي )) .
وجعل أبو الأحرار يطيل النظر في أخيه وهو شاحب اللون وتمثّلت أمامه مُثل أبي الفضل التي لا ندّ لها في جميع مراحل التأريخ ؛ فليس هناك اُخوّة تضارع اُخوّة أبي الفضل لأخيه أبي الأحرار ؛ فقد أبدى من الوفاء والولاء لأخيه ما يفوق حدّ الوصف . وقام الثاكل الحزين عن أخيه بعد ما فارقته الحياة وهو لا يتمكّن أن يقلّ قدميه من الأسى والحزن , وقد بان عليه الانكسار ، واتّجه صوب المخيّم وهو يكفكف دموعه , فاستقبلته سكينة بلهفة قائلة : أين عمي ؟
فأجابها بنبرات مشفوعة بالبكاء والعبرات بشهادته ، وذعرت حفيدة الرسول سيدة النساء زينب (عليها السّلام) ، فوضعت يدها على قلبها الذي مزّقته كوارث كربلاء ، وصاحت : وا أخاه ! وا عباساه ! وا ضيعتنا بعدك !
وشارك الإمام (عليه السّلام) شقيقته في النياحة على أخيه ، ورفع صوته : (( وا ضيعتنا بعدك يا أبا الفضل ! )) . لقد شعر الإمام وشقيقته بالضياع والغربة بعد أن فقد أبا الفضل ، وكانت هذه الكارثة من أفجع الكوارث التي رُزئت بها حفيدة الرسول .


الصفحة (265)

فسلام عليك يا أبا الفضل يوم ولدت ، ويوم استشهدت ، ويوم تبعث حيّاً .

مصرع الرضيع (عليه السّلام)

ومن الفجائع التي مُنيت بها سيدة النساء مصرع الرضيع ؛ فقد اُغمي عليه من شدّة الظمأ ، فجاءت به اُمّه إلى السيّدة زينب مستجيرة بها , وعرضته على أخيها فأخذه وجعل يوسعه تقبيلاً ، وقد غارت عيناه وذبلت شفتاه من شدّة العطش ، فحمله الإمام (عليه السّلام) إلى الجيش الاُموي لعلّهم يسقونه جرعة من الماء ، فلم ترقَّ قلوب اُولئك الممسوخين ، وانبرى إليه الرجس الخبيث حرملة بن كاهل ، فسدّد له سهماً وجعل يفتخر أمام أصحابه قائلاً : خذ هذا فاسقه .
واخترق السهم ـ يالله ـ رقبة الطفل ، فلمّا أحسَّ بحرارة السهم أخرج يديه من القماط ، وجعل يُرفرف على صدر أبيه كالطير المذبوح ، وانحنى رافعاً رأسه إلى السماء فمات على ذراع أبيه .

أيّ صبر كان صبر أبي عبد الله ! كيف استطاع أن يتحمّل هذه الرزايا والكوارث التي تميد من هولها الجبال ؟!
والتفت الإمام إلى شقيقته فناولها ولده المذبوح(1) ، ورفع الإمام (عليه السّلام) يديه وكانتا مملوءتين من دم طفله , فرمى به إلى السماء وقال : (( هوّن ما نزل بي إنّه بعين الله )) . ولم تسقط من ذلك الدم الطاهر قطرة واحدة إلى الأرض كما روى ذلك الإمام الباقر (عليه السّلام) .

الفاجعة الكبرى

ووقف أبو الأحرار في الميدان وقد أحاطت به جيوش الاُمويِّين , وهو ثابت الجنان ,

ـــــــــــــــــــــ
(1) اللهوف / 50 .


الصفحة (266)

لم يوهن عزيمته مصارع أصحابه وأهل بيته , وكان كالطود الشامخ ، وقد روى الإمام زين العابدين (عليه السّلام) صمود أبيه قال : (( كان كلّما يشتدّ الأمر يشرق لونه ، وتطمئن جوارحه )) .

فقال بعضهم : انظروا كيف لا يُبالي بالموت ! وقال عبد الله بن عمّار : فوالله ما رأيت مكثوراً قط قد قُتل ولده وأصحابه أربط جأشاً منه ، ولا أمضى جناناً منه ! ووالله ما رأيت قبله ولا بعده مثله(1) .
وحمل أبيّ الضيم على أرجاس البشرية فجعل يُقاتلهم أعنف قتال وأشدّه ، وحمل على الميمنة وهو يرتجز :

القتل أولى من ركوبِ العارِ      والعارُ أولى من دخولِ النارِ

 

وحمل على الميسرة وهو يرتجز :

أنـا الحسين بن علي      آلـيـت أن لا أنـثني
أحـمي  عـيالات أبي      أمضي على دين النبي

 

أجل أنت الحسين (عليه السّلام) ، وأنت ملأت فم الدنيا شرفاً ومجداً ، فلم تُشاهد اُمم العالم وشعوب الأرض مثلك يا مفخرة الإسلام ؛ فقد صمدت أمام الأهوال والكوارث التي لا يطيق حملها أيّ مصلح على وجه الأرض ، وقد مضيت على دين جدّك الرسول مُجدداً له ، ولولاك لما أبقى الاُمويّون والقرشيون أيّ ظلّ لدين الله .

وداعه لعقائل الوحي

ومضى الحسين (عليه السّلام) يودّع عقائل النبوّة ، وسيّدات نساء الدنيا ، ويأمرهنَّ بالخلود إلى الصبر ، ونظر إلى شقيقته زينب وهي غارقة بالدموع فعزّاها وأمرها بالصبر ، وأن

ـــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ ابن كثير 8 / 188 .


الصفحة (267)

تقوم برعاية أطفاله ، ولمّا أراد الخروج أحطنَ به السيدات ليتزوّدن منه ، وهنّ يذرفن أحرّ الدموع ، والتفت الإمام زين العابدين (عليه السّلام) إلى عمّته زينب ، فقال لها : (( عليَّ بالعصا والسيف )) .
ـ ما تصنع بهما ؟
ـ (( أمّا العصا فأتوكّأ عليها ، وأمّا السيف فأذبّ به عن ابن رسول الله )) . وكانت الأمراض قد ألّمت به , فنهاه الإمام الحسين (عليه السّلام) وأمسكته عمّته زينب .
وأمر الإمام (عليه السّلام) حرم الرسالة بلبس الاُزر ، والاستعداد للبلاء ، والتسليم لقضاء الله ، وقال لهن : (( استعدوا للبلاء ، واعلموا أنّ الله تعالى حاميكم وحافظكم , وسينجيكم من شرّ الأعداء ، ويجعل عاقبة أمركم إلى خير ، ويعذّب عدوّكم بأنواع العذاب ، ويعوّضكم عن هذه البلية بأنواع النعم والكرامة ، فلا تشكّوا ، ولا تقولوا بألسنتكم ما ينقص قدركم )) .
إنّه هذا الإيمان ، وهذا الصبر أجدر بالخلود من هذا الكوكب الذي نعيش عليه . إنّ هذه الرزايا تتصدّع من هولها الجبال ، وتميد بحلم أيّ مصلح كان ، وقد تجرّعها أبيّ الضيم من أجل رفع كلمة التوحيد التي جهدت الاُسر القرشيّة على إطفاء نورها .

مناجاته مع الله

واتّجه الإمام العظيم في تلك اللحظات الحاسمة من حياته إلى الله تعالى ، فأخذ يناجيه ويتضرّع إليه ، ويشكو إليه ما ألمّ به من الخطوب قائلاً : (( صبراً على قضائك يا رب ، لا إله سواك ، يا غياث المستغيثين ما لي ربّ سواك ، ولا معبود غيرك ، صبراً على حكمك . يا غياث مَنْ لا غياث له ، يا دائماً


الصفحة (268)

لا نفاد له ، يا محيي الموتى ، يا قائماً على كلّ نفس ، احكم بيني وبينهم وأنت خير الحاكمين ))(1) .
أرأيتم هذا الإيمان الذي تفاعل مع شعور الإمام وعواطفه ؟ فقد صبر على قضائه ، وفوّض إليه جميع ما نزل به من الخطوب . يقول الدكتور الشيح أحمد الوائلي :

يا  أبا الطفّ و ازدهى بالضحايا      مـن أديمِ الطفوفِ روضخميلُ
نـخبةٌ  مـن صـحابةٍ و شقيقٌ      و رضـيـعٌ مـطوّقٌ وشـبولُ
والـشبابُ  الفتيان جفّ ففاضت      طـلعةٌ  حـلوةٌ ووجـهٌٍ جـميلُ
و تـوغلتَ تـستبينَ الـضحايا      وزواكـي  الـدماءِ مـنها تسيلُ
و مـشت في شفاهكَ الغرِّ نجوى      نـمَّ عـنها الـتحميدُ والـتهليلُ
لكَ عتبي يا ربّ إن كانَ يرضيـ      ـك فهـذا إلــى رضـاكَ قـليلُ

 

الهجوم عليه

وهجمت على سبط رسول الله (صلّى الله عليه وآله) العصابة المجرمة التي تحمل رجس الأرض وخبث اللئام ، فحملوا عليه من كلّ جانب ضرباً بالسيوف وطعناً بالرماح .

ويقول بعض المؤرخين : إنّه لم يُضرب أحد في الإسلام كما ضُرب الحسين ؛ فقد وجد به مئة وعشرون جراحة , ما بين ضربة سيف , وطعنة رمح , ورمية سهم(2) .
ومكث أبو الأحرار مدّة من الزمن على وجه الأرض وقد فتكت الجراحات بجسمه ، وقد هابه الجميع ونكصوا من الإجهاز عليه .

يقول السيّد حيدر :

ـــــــــــــــــــــ
(1) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 3 / 288 .
(2)
الحدائق الوردية 1 / 126 .


الصفحة (269)

فما أجلت الحربُ عن مثله      صـريعاً يُـجبِّن شجعانَها

 

خروج العقيلة (عليها السّلام)

وخرجت حفيدة الرسول من خبائها وهي تندب أخاها بأشجى ما تكون الندبة ، وتقول بذوب روحها : ليت السماء وقعت على الأرض ! وصاحت بالخبيث الدنس عمر بن سعد قائلة : يا عمر ، أرضيت أن يُقتل أبو عبد الله وأنت تنظر إليه ؟! فأشاح الخبيث بوجهه عنها ودموعه تسيل على لحيته المشؤومة(1) .
ولم تعد العقيلة الطاهرة تقوى على النظر إلى أخيها وهو بتلك الحالة , فانصرفت إلى خبائها لترعى المذاعير من النساء والأطفال .

الإجهاز على الإمام (عليه السّلام)

أحاط أعداء الله بالإمام من كلّ جانب وهم يوسعونه ضرباً بالسيوف وطعناً بالرماح ورمياً بالحجارة ، فصاح بهم : (( أعلى قتلي تجتمعون ؟! أما والله لا تقتلون بعدي عبداً من عباد الله . وأيم الله , إنّي لأرجو أن يُكرمني الله بهوانكم ثمّ ينتقم لي منكم من حيث لا تشعرون )) .
والتفت الخبيث عمر بن سعد إلى شبث بن ربعي فقال : انزل فجئني برأسه . فامتنع وقال : أنا بايعته ثمّ غدرت به ، ثمّ أنزل فأحتز رأسه ! لا والله لا أفعل ذلك . فأنكر ابن سعد كلامه وقال :

ـــــــــــــــــــــ
(1) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 3 / 290 .


الصفحة (270)

إذاً أكتب إلى ابن زياد . ولم يعتن شبث بذلك ، وقال : اكتب له(1) .
وبادر المجرم الخبيث شمر بن ذي الجوشن , وكان من أعدى المجرمين على الإمام (عليه السّلام) , فاحتز رأسه الشريف كما في بعض الروايات(2) .
لقد استشهد الإمام العظيم من أجل أن يرفع كلمة الله في الأرض ويطيح بدولة الظلم والبغي التي أقامتها الأحقاد القرشيّة على الإسلام . لقد قدّم الإمام (عليه السّلام) روحه ثمناً للقرآن ، وثمناً لكلّ ما تسمو به الإنسانيّة من شرف وعزّ وإباء .
لقد رفع الإمام (عليه السّلام) راية الإسلام عالية خفّاقة وهي ملطّخة بدمه ودم الشهداء من أهل بيته وأصحابه الممجّدين ، وهي تضيء في رحاب الكون وتفتح الآفاق الكريمة لشعوب العالم واُمم الأرض .

العقيلة (عليها السّلام) أمام الجثمان المقدّس

وانبرت حفيدة الرسول (صلّى الله عليه وآله) إلى جثمان أخيها ، وقد رأت ـ ويا لهول ما رأت ـ رأت الجثمان المقدّس وقد مزّقته سيوف البغاة ورماحهم ، وقد مُثِّل به كأفظع وأقسى ما يكون التمثيل ، لقد كان منظراً تلجم منه الألسن ، وتجمد منه الدماء ، وتهلع منه القلوب .

لقد وقفت العقيلة أمامه بجلال وحشمة وقد أحاط بها الأعداء ، فرمقت السماء بطرفها وقالت هذه الكلمات التي ارتسمت مع الفلك ثمّ دارت فيه ، وهي تشعّ بروح الإيمان والإخلاص إلى الله تعالى قائلة : اللّهمّ تقبّل منّا هذا القربان .

ـــــــــــــــــــــ
(1) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 3 / 291 .
(2)
مقتل الخوارزمي 2 / 36 ، وغيره .


الصفحة (271)

لقد رضيت بما عانته حفيدة الرسول (صلّى الله عليه وآله) من أهوال هذه الكارثة التي تذوب من هولها الجبال ؛ لأنّها في ذات الله تعالى الذي هامت في الإنابة إليه .
لقد تجلّت معاني الوراثة النبويّة في سيدة النساء زينب (عليها السّلام) ، وبرزت في شخصيتها معالم شخصية جدّها الرسول (صلّى الله عليه وآله) , ووصيّة أبيها الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) .

حرق الخيام

وأوعزت القيادة العامة إلى الجند بحرق خيام آل النبي (صلّى الله عليه وآله) , فحملوا أقبسة من النار وهم ينادون : احرقوا بيوت الظالمين(1) .
لقد كان بيت الإمام (عليه السّلام) ـ حسب ما يزعمون ـ بيت الظلم , وبيت ابن مرجانة وسيده يزيد حفيد أبي سفيان بيت العدل ! فيالله أمام هذا الظلم الذي لم يقع نظيره في تأريخ الاُمم والشعوب !
وتنصّ بعض المصادر إلى أنّ عمر بن سعد أمر بحرق الخيام بما فيها من النساء والأطفال ، وقد حاول الشمر ذلك , إلاّ أنّ شبث بن ربعي عذله ومنعه عن ذلك .
وعلى أيّ حال ، فحينما التهبت النار في خيم آل النبي فررن بنات الرسالة وعقائل الوحي من خباء إلى خباء ، أمّا اليتامى فقد علا صراخهم وتعلّق بعضهم بأذيال عمّته الحوراء لتحميه من النار ، وهام بعضهم على وجهه لا يلوي على شيء .
لقد كان ذلك المنظر من أفجع وأقسى ما مرّ على آل النبي (صلّى الله عليه وآله) ، ولم يغب عن

ـــــــــــــــــــــ
(1) التاريخ المظفري / 228 .


الصفحة (272)

ذهن الإمام زين العابدين (عليه السّلام) طيلة المدّة التي عاشها بعد أبيه ، وكان يذكره مشفوعاً بالأسى والحزن ، وهو يقول : (( والله ما نظرت إلى عمّاتي وأخواتي إلاّ وخنقتني العبرة ، وتذكّرت فرارهنَّ يوم الطفّ من خيمة إلى خيمة , ومن خباء إلى خباء ، ومنادي القوم ينادي : احرقوا بيوت الظالمين )) .

سلب حرائر الوحي

وعمد أراذل أهل الكوفة ، وعبيد ابن مرجانة إلى سلب حرائر النبوّة وعقائل الوحي ؛ فسلبوا ما عليهنَّ من حلي وحلل ، وعمد بعض الأنذال إلى السيدة اُمّ كلثوم فسلب قرطيها ، وأسرع وغد خبيث نحو السيدة فاطمة بنت الحسين فانتزع خلخالها وهو يبكي ، فقالت له السيدة : ما لك تبكي ؟
ـ كيف لا أبكي وأنا أسلب ابنة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) .
ولمّا رأت ذلك أنكرت عليه ، وطلبت منه أن لا يسلبها , فأجابها : أخاف أن يأخذه غيري(1) .
وعمد الأرجاس إلى نهب جميع ما في الخيام من ثقل ومتاع ، كما عمدوا إلى ضرب بنات رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بكعوب رماحهم وهنَّ يلذن بعضهنَّ ببعض من الرعب ، وقد سقطت السيدة فاطمة بنت الإمام الحسين مغشياً عليها من شدّة الضرب ، فلمّا أفاقت رأت عمّتها السيدة اُمّ كلثوم تبكي عند رأسها(2) .
إنّ مأساة بنات الوحي وعقائل الرسالة تذوب من هولها الجبال .

ـــــــــــــــــــــ
(1) مسير أعلام النبلاء 3 / 204 .
(2)
حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 3 / 302 .


الصفحة (273)

إنقاذ العقيلة لزين العابدين (عليه السّلام)

وهجم الفجرة الجفاة على الإمام زين العابدين (عليه السّلام) , وكان مريضاً قد أنهكته العلّة ، فأراد الخبيث الأبرص شمر بن ذي الجوشن قتله , فنهره حميد بن مسلم وقال له : سبحان الله ! أتقتل الصبيان ؟ إنّما هو مريض .
فلم يعنَ به الخبيث ، ورام قتل الإمام (عليه السّلام) إلاّ أنّ العقيلة سارعت نحوه فتعلّقت به ، وقالت : لا يُقتل حتّى اُقتل دونه(1) .
فكفّ اللئيم عنه ، ولولا السيدة زينب لمُحيت ذرّية أخيها الحسين (عليه السّلام) .

ليلة الحادي عشر

وأقسى ليلة مرّت على حفيدة الرسول (صلّى الله عليه وآله) هي ليلة الحادي عشر من المحرّم ؛ فقد أحاطت بها جميع رزايا الدنيا ومصائب الأيام ؛ فقد تسلّحت بالصبر وقامت برعاية أيتام أخيها ؛ فقد سارعت تلتقط الأطفال الذين هاموا على وجوههم من الخوف ، وتجمّع العيال في تلك البيداء الموحشة وهي تسلّيهم وتصبّرهم على تحمل تلك الرزايا ، وأمامها الأشلاء الطاهرة قد تناثرت في البيداء , واُحرقت أخبيتها ، وقد أحاط بها أرجاس البشرية ووحوش الأرض .

العقيلة تؤدّي صلاة الشكر

وقامت العقيلة في تلك الليلة القاسية فأدّت صلاة الشكر لله تعالى على ما حلّ بها وبأهلها من الكوارث والخطوب ، طالبة من الله أن يتقبّل ما مُنيت به من الرزايا ، وأن

ـــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ القرماني / 108 .


الصفحة (274)

يثيبها على ذلك , ويتقبّل ما جرى عليها وعلى أخيها من المصائب(1) . كما أدّت وردها من صلاة الليل ، وقد استولى عليها الضعف فأدّت الصلاة من جلوس(2) .

العقيلة (عليها السّلام) تندب أخاها

ونظرت حفيدة الرسول (صلّى الله عليه وآله) إلى جثمان أخيها وهو مقطّع الأعضاء قد فُصل عنه الرأس الشريف ، فلم تملك نفسها , وصاحت بصوت يُذيب القلوب : يا محمّداه ! هذا حسين بالعراء ، مرمّل بالدماء ، مقطّع الأعضاء ، وبناتك سبايا ، وذرّيتك مقتّلة(3) .
ووجم القوم مبهوتين ، وفاضت دموعهم ، وبكى العدو والصديق(4) ؛ فقد استبان عظم الجريمة التي اقترفوها , وودّوا أنّ الأرض قد خاست بهم .

العقيلة (عليها السّلام) تخفّف لوعة زين العابدين (عليه السّلام)

وجزع الإمام زين العابدين (عليه السّلام) كأشدّ ما يكون الجزع حينما رأى جثمان أبيه وجثت أهل بيته وأصحابه منبوذة بالعراء , لم ينبرِ أحد إلى مواراتها ، وبصرت به العقيلة وهو يجود بنفسه ، فقالت له : ما لي أراك تجود بنفسك يا بقيّة جدّي وإخوتي ؟ فوالله إنّ هذا لعهد من الله إلى جدّك وأبيك ، ولقد أخذ الله ميثاق اُناس لا تعرفهم فراعنة هذه الأرض ، وهم معروفون في أهل السماوات ، إنّهم يجمعون هذه الأعضاء المُقطّعة والجسوم

ـــــــــــــــــــــ
(1) زينب الكبرى / 62 .
(2)
حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 3 / 309 .
(3)
خطط المقريزي 2 / 280 ، البداية والنهاية 8 / 193 .
(4)
جواهر المطالب في مناقب عليّ بن أبي طالب / 140 .


الصفحة (275)

المضرّجة فيوارونها ، وينصبون بهذا الطفّ علماً لقبر أبيك سيّد الشهداء , لا يُدرس أثره ، ولا يُمحى رسمه على كرور الليالي والأيام ، وليجهدنَّ أئمّة الكفر وأشياع الضلال في محوه وطمسه فلا يزداد أثره إلى علوّاً(1) .
وأزالت سيّدة النساء ما ألمّ بابن أخيها من الحزن العميق ؛ فقد أحاطته علماً بما سمعته من جدّها وأبيها من قيام جماعة من المؤمنين بمواراة الجثث الطاهرة ، وسينصب لها علم لا يُمحى أثره حتّى يرث الله الأرض ومَنْ عليها . وقد جدّ الأقزام من ملوك الاُمويِّين وإخوانهم العباسيّين على محو تلك المراقد العظيمة فلم تزدد إلاّ علوّاً ، وبقيت شامخة على الدهر كأعزّ مرقد على وجه الأرض .
لقد مضت ذكرى أبي الأحرار تملأ الدنيا إشراقاً وفخراً كأسمى ذكرى تعتزّ بها الإنسانيّة في جميع أدوارها .

ـــــــــــــــــــــ
(1) كامل الزيارات / 221 .


الصفحة (276)

الصفحة (277)

سبايا آل البيت (عليهم السّلام) في الكوفة

وحُملت عقائل النبوّة وحرائر الوحي سبايا إلى الكوفة ومعهنَّ الأيتام ، وقد ربطوا بالحبال , وحملوا على جمال بغير وطاء ، وقد عزفت أبواق الجيش وخفقت راياتهم ، وكان منظراً رهيباً تهلع منه القلوب .

وقد وصفه مسلم الجصّاص يقول : دعاني ابن زياد لإصلاح دار الإمارة بالكوفة , فبينما أُجصص الأبواب ، وإذا بالزعقات قد ارتفعت من جميع الكوفة ، فقلت لأحد خدام القصر : ما لي أرى الكوفة تضجّ ؟
ـ الساعة يأتون برأس خارجي خرج على يزيد .
ـ مَنْ هذا الخارجي ؟
ـ الحسين بن عليّ .
وكان هذا النبأ كالصاعقة على رأسه ؛ فقد أخذ يلطم على وجهه حتّى خشي على عينيه أن تذهبا ، وغسل يديه من الجص وخرج من القصر .

يقول : فبينما أنا واقف والناس يتوقّعون وصول السبايا والرؤوس إذ أقبل أربعون جملاً تحمل النساء والأطفال ، وإذا بعلي بن الحسين على بعير بغير غطاء , وأوداجه تشخب دماً ، وهو يبكي ويقول :

يا اُمةَ السوءِ لا سقياً لربعكمُ      يـا اُمـةً لم تراعِ جدّنا فينا
لو  أنّنا ورسول اللهِ يجمعنا      يوم  القيامة ما كنتم تقولونا

 

الصفحة (278)

تسيّرونا على الأقتابِ عاريةً      كأنّنا  لم نشيّد فيكمُ دينا(1)

 

وتحدّث حذيم بن شريك الأسدي عن ذلك المنظر المؤلم , [حيث] يقول : قدمت إلى الكوفة سنة (61هـ) عند مجيء علي بن الحسين من كربلاء إلى الكوفة ، ومعه النسوة وقد أحاطت بهم الجنود ، وقد خرج الناس ينظرون إليهم , وكانوا على جمال بغير غطاء ، فجعلت نساء أهل الكوفة يبكين ويندبن , ورأيت عليّ بن الحسين قد أنهكته العلّة وفي عنقه الجامعة ، ويده مغلولة إلى عنقه ، وهو يقول بصوت ضعيف : (( إنّ هؤلاء يبكون وينوحون من أجلنا , فمَنْ قتلنا ؟! )) .
وانبرت إحدى السيدات , فسألت إحدى العلويات وقالت لها : من أيّ الأسارى أنتن ؟ فأجابتها العلوية : نحن اُسارى أهل البيت .
وكان هذا النبأ كالصاعقة عليها , فصرخت وصرخت اللاتي كنّ معها ، ودوّى صراخهن في أرجاء الكوفة ، وبادرت المرأة إلى بيتها فجمعت ما فيه من اُزر ومقانع فجعلت تناولها إلى العلويات ليتسترنَ بها عن أعين الناس ، كما بادرت سيدة اُخرى فجاءت بطعام وتمر ، وأخذت تلقيه على الصبية التي أضناها الجوع ، ونادت السيدة اُمّ كلثوم من خلف الركب : إنّ الصدقة حرام علينا أهل البيت(2) .
ولمّا سمعت الصبية التي تربّت بآداب أهل البيت مقالة عمّتهم رمى كلّ واحد ما في يده أو ما في فمه من الطعام ، وراح يقول لمَنْ معه : إنّ عمّتي تقول : الصدقة حرام علينا أهل البيت .

ـــــــــــــــــــــ
(1) مقتل الحسين (عليه السّلام) ـ عبد الله نور الله ، (مخطوط) .
(2)
حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 3 / 335 .


الصفحة (279)

خطاب العقيلة زينب (عليها السّلام)

وحينما رأت حفيدة الرسول (صلّى الله عليه وآله) زينب الجموع الزاخرة التي ملأت الشوارع والأزقة ، وقد أحاطت بها , اندفعت إلى الخطابة لبلورة الرأي العام ، وإظهار المصيبة الكبرى التي داهمت العالم الإسلامي بقتل ريحانة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) , وتحميل الكوفيّين مسؤولية هذه الجريمة النكراء ؛ فهم الذين نقضوا ما عاهدوا الله عليه من نصرة الإمام الحسين (عليه السّلام) والذبّ عنه ، ولكنّهم خسروا ذلك , وقتلوه ثمّ راحوا ينوحون ويبكون كأنّهم لم يقترفوا هذا الإثم العظيم .

وهذا نصّ خطابها : الحمد لله ، والصلاة على جدّي محمّد وآله الطيّبين الأخيار . أمّا بعد يا أهل الكوفة ، يا أهل الختل(1) والغدر ، أتبكون ؟! فلا رقأت الدمعة ، ولا هدأت الرنّة ، إنّما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوّة أنكاثاً ، تتّخذون أيمانكم دخلاً بينكم . ألا وهل فيكم إلاّ الصلف والنطف ، والصدر الشيف ، وملق الإماء ، وغمز الأعداء , أو كمرعى على دمنة ، أو كفضّة على ملحودة ، ألا ساء ما قدّمتم لأنفسكم أن سخط الله عليكم وفي العذاب أنتم خالدون !
أتبكون وتنتحبون ؟! إي والله فابكوا كثيراً واضحكوا قليلاً ؛ فلقد ذهبتم بعارها وشنارها ، ولن ترحضوها بغسل بعدها أبداً ، وأنّى ترحضون قتل سليل خاتم النبوّة ، ومعدن الرسالة ، وسيد شباب أهل الجنّة ، وملاذ خيرتكم ، ومفزع نازلتكم ، ومنار

ـــــــــــــــــــــ
(1) في نسخة : ( الغدر ) .


الصفحة (280)

حجّتكم ، ومدرة سنّتكم ؟! ألا ساء ما تزرون ، وبعداً لكم وسحقاً ! فلقد خاب السعي ، وتبّت الأيدي ، وخسرت الصفقة ، وبؤتم بغضب من الله ، وضُربت عليكم الذلّة والمسكنة .
ويلكم يا أهل الكوفة ! أتدرون أيّ كبد لرسول الله فريتم , وأيّ كريمة له أبرزتم , وأيّ دم له سفكتم , وأيّ حرمة له انتهكتم ؟! لقد جئتم بها صلعاء عنقاء , سوداء فقماء ـ وفي بعضها : خرقاء شوهاء ـ كطلاع الأرض وملء السماء . أفعجبتم أن مطرت السماء دماً ، ولعذاب الآخرة أخزى وأنتم لا تُنصرون ؟ فلا يستخفنّكم المهل ؛ فإنّه لا يحفزه البدار , ولا يخاف فوت الثار ، وإنّ ربّكم لبالمرصاد(1) .
لقد قرعتهم عقيلة الرسول بخطابها البليغ ، وعرّفتهم زيف إسلامهم ، وكذب دموعهم ، وأنّهم من أحطّ المجرمين ؛ فقد اقترفوا أفضع جريمة وقعت في الأرض ؛ فقد قتلوا المنقذ والمحرّر الذي أراد لهم الخير ، وفروا بقتله كبد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) , وانتهكوا حرمته ، وسبوا عياله ، فأيّ جريمة أبشع من هذه الجريمة ؟!

اضطراب الرأي العام

واضطرب أهل الكوفة من خطاب سليلة النبوّة ، ووصف حذيم الأسدي مدى الأثر البالغ الذي أحدثته العقيلة في خطابها , يقول :

ـــــــــــــــــــــ
(1) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 3 / 335 .


الصفحة (281)

لم أرَ والله خفرة أنطق منها ، كأنّما تُفرغ عن لسان الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، ورأيت الناس بعد خطابها حيارى ، واضعي أيديهم على أفواههم ، ورأيت شيخاً قد دنا منها يبكي حتّى اخضبّت لحيته , وهو يقول : بأبي أنتم واُمّي ! كهولكم خير الكهول ، وشبابكم خير الشباب ، ونسلكم لا يبور ولا يخزى أبداً(1) .
ورأى الإمام زين العابدين (عليه السّلام) الوضع الراهن لا يساعد على استمرارها في الخطاب ، فقطع عليها خطبتها قائلاً : (( اسكتي يا عمّة ، فأنت بحمد الله عالمة غير معلّمة ، وفهمة غير مفهمة ))(2) .

خطاب السيدة فاطمة (عليها السّلام)

وانبرت السيدة فاطمة بنت الإمام الحسين (عليه السّلام) فخطبت أبلغ خطاب وأروعه ، وكانت طفلة , وقد برزت فيها معالم الوراثة النبويّة ، فقالت : الحمد لله عدد الرمل والحصى ، وزنة العرش إلى الثرى ، أحمده واُؤمن به وأتوكّل عليه ، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له ، وأنّ محمّداً (صلّى الله عليه وآله) عبده ورسوله ، وأنّ ذرّيّته ذُبحوا بشطّ الفرات , بغير ذخل ولا ترات .
اللّهمّ إنّي أعوذ بك أن أفتري عليك الكذب ، وأن أقول عليك خلاف ما أنزلت من أخذ العهود لوصيّة عليّ بن أبي طالب (عليه السّلام) ، المسلوب حقّه ، المقتول بغير ذنب ـ كما قُتل ولده بالأمس ـ في بيتٍ من بيوت الله ، فيه معشر مسلمة بألسنتهم .

 تعساً لرؤوسهم !

ـــــــــــــــــــــ
(1) نور الأبصار / 276 .
(2)
الاحتجاج ـ الطبرسي 2 / 304 ـ 305 .


الصفحة (282)

ما دفعت عنه ضيماً في حياته ولا عند مماته , حتّى قبضته إليك محمود النقيبة ، طيّب العريكة ، معروف المناقب ، مشهور المذاهب ، لم تأخذه اللّهمّ فيك لومة لائم , ولا عذل عاذل .

هديته يا ربّ للإسلام صغيراً ، وحمدت مناقبه كبيراً ، ولم يزل ناصحاً لك ولرسولك صلواتك عليه وآله حتّى قبضته إليك ، زاهداً في الدنيا غير حريص عليها ، راغباً في الآخرة ، مجاهداً لك في سبيلك ، رضيته فاخترته وهديته إلى صراط مستقيم .
أمّا بعد يا أهل الكوفة ، يا أهل المكر والغدر والخُيَلاء ، فإنّا أهل بيت ابتلانا الله بكم ، وابتلاكم بنا ، فجعل بلاءنا حسناً ، وجعل علمه عندنا وفهمه لدينا ، فنحن عيبة علمه , ووعاء فهمه وحكمته ، وحجّته على أهل الأرض في بلاده لعباده ؛ أكرمنا الله بكرامته , وفضّلنا بنبيّه محمّد (صلّى الله عليه وآله) على كثير ممّن خلق تفضيلاً بيّناً .
فكذّبتمونا وكفّرتمونا ، ورأيتم قتالنا حلالاً , وأموالنا نهباً ، كأنّنا أولاد ترك أو كابل ، كما قتلتم جدّنا بالأمس ، وسيوفكم تقطر من دمائنا أهل البيت ؛ لحقد متقدّم , قرّت لذلك عيونكم ، وفرحت قلوبكم ؛ افتراء على الله ومكراً مكرتم والله خير الماكرين .
فلا تدعُوَنّكم أنفسكم إلى الجذل بما أصبتم من دمائنا , ونالت أيديكم من أموالنا ؛ فإنّ ما أصابنا من المصائب الجليلة والرزايا العظيمة ( فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلاَ تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ) .


الصفحة (283)

تبّاً لكم ! فانتظروا اللعنة والعذاب ، فكأنّ قد حلّ بكم ، وتواترت من السماء نقمات ، فيسحتكم بعذاب , ويذيق بعضكم بأس بعض , ثمّ تخلّدون في العذاب الأليم يوم القيامة بما ظلمتمونا ، ألا لعنة الله على الظالمين .
ويلكم ! أتدرون أيّة يدٍ طاعنتنا منكم , وأيّة نفس نزعت إلى قتالنا ؟! أم بأيّة رجل مشيتم إلينا تبغون محاربتنا ؟! قست والله قلوبكم ، وغلظت أكبادكم ، وطُبع على أفئدتكم ، وخُتم على أسماعكم وأبصاركم [سوّل لكم الشيطان وأملى لكم , وجعل على بصركم] غشاوةً فأنتم لا تهتدون .
فتبّاً لكم يا أهل الكوفة ! أيّ ترات لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) قِبَلكم , وذحول له لديكم بما غدرتم بأخيه علي بن أبي طالب (عليه السّلام) جدّي وبنيه وعترة النبيّ الأخيار صلوات الله وسلامه عليهم ؟!

وافتخر بذلك مفتخركم فقال :

نحن قتلنا عليّاً وبني علي      بـسيوف  هنديّة ورماحِ
وسبَينا نساءهم سبيَ تركٍ     و نطـحناهم فـأيّ نطاحِ

 

بفيك أيّها القاتل الكثكث والأثلب(1) ، افتخرت بقتل قوم زكّاهم الله وأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً ! فاكظم واقع كما

ـــــــــــــــــــــ
(1) الكثكث : التراب . الأثلب : فتات الحجارة والتراب .


الصفحة (284)

أقعى أبوك ، فإنّما لكلّ امرئ ما اكتسب وما قدّمت يداه . أحسدتمونا ـ ويلاً لكم ! ـ على ما فضّلنا الله !

فما  ذنبنا إن جاش دهراًً بحورنا      وبحرُك ساجٍ لا يواري الدعامصا

 

( ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ * وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ )(1) .
تحدّثت سليلة النبوّة في خطابها الرائع البليغ عن اُمور بالغة الأهمية ذكرناها بالتفصيل في كتابنا (حياة الإمام الحسين) .

صدى خطابها

وأثّر خطاب السيدة الزكية فاطمة في نفوس الجماهير ؛ فقد وجلت منه عيونهم , ووجلت قلوبهم ، وعرفوا عظيم ما اقترفوه من الإثم , فاندفعوا ببكاء قائلين : حسبك يابنة الطاهرين ؛ فقد أحرقت قلوبنا ، وأنضجت نحورنا ، وأضمرت أجوافنا .
وأمسكت السيدة عن الكلام ، وتركت جماهير الكوفيّين في محنتهم وشقائهم .

خطاب السيّدة اُمّ كلثوم (عليها السّلام)

وانبرت حفيدة الرسول السيدة اُمّ كلثوم(2) إلى الخطابة , فأومأت إلى الناس

ـــــــــــــــــــــ
(1) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 3 / 339 .
(2)
ذهب السيد المقرّم وغيره إلى أنّ السيّدة اُمّ كلثوم هي السيدة زينب (عليها السّلام) .


الصفحة (285)

بالسكوت ، فلمّا سكنت الأنفاس بدأت بحمد الله والثناء عليه ، ثمّ قالت : مه يا أهل الكوفة ، سوءاً لكم ! ما لكم خذلتم حسيناً وقتلتموه , وانتهبتم أمواله وورثتموه , وسبيتم نساءه ونكبتموه ؟! فتبّاً لكم وسحقاً !
ويلكم ! أتدرون أيّ دواه دهتكم , وأيّ وزر على ظهوركم حملتم , وأيّ دماء سفكتموها ؟! قتلتم خير رجالات بعد النبي (صلّى الله عليه وآله) ، ونُزِعت الرحمة من قلوبكم ، ألا إنّ حزب الله هم الغالبون , وحزب الشيطان هم الخاسرون .
واضطرب الكوفيّون من خطابها , فنشرت النساء شعورهن , ولطمن الخدود ، ولم يرَ أكثر باكٍ ولا باكية مثل ذلك اليوم .

خطاب الإمام زين العابدين (عليه السّلام)

وانبرى إلى الخطاب الإمام زين العابدين (عليه السّلام) , فقال بعد حمد الله والثناء عليه : (( أيّها الناس ، مَنْ عرفني فقد عرفني ، ومَنْ لم يعرفني فأنا أُعَرِّفه بنفسي ؛ أنا علي بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب ، أنا ابن المذبوح بشطّ الفرات من غير ذحل ولا ترات(1) ، أنا ابن مَنْ انتُهك حريمه , وسُلب نعيمه , وانتُهب ماله , وسُبي عياله ، أنا ابن مَنْ قُتل صبراً وكفى بذلك فخراً .
أيّها الناس ، ناشدتكم الله هل تعلمون أنّكم كتبتم إلى أبي

ـــــــــــــــــــــ
(1) الترات : هو مَنْ ظلم حقّه .


الصفحة (286)

وخدعتموه ، وأعطيتموه من أنفسكم العهد والميثاق والبيعة وقاتلتموه وخذلتموه ؟! فتبّاً لِما قدّمتم لأنفسكم , وسوءاً لرأيكم ! بأيّة عين تنظرون إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إذ يقول لكم : قتلتم عترتي وانتهكتم حرمتي فلستم من أُمّتي ؟! )) .
وجرّدهم بهذه الكلمات من الإسلام ، ودلّهم على جرائمهم وآثامهم التي سوّدت وجه التأريخ ، وقد علت أصواتهم بالبكاء ، ونادى مناد منهم : هلكتم وما تعلمون .
واستمر الإمام في خطابه قائلاً : (( رحم الله امرأً قَبِل نصيحتي وحفظ وصيّتي في الله وفي رسوله وأهل بيته ؛ فإنّ لنا في رسول الله أُسوة حسنة )) .
فهتفوا قائلين : نحن يابن رسول الله سامعون مطيعون ، حافظون لذمامك , غير زاهدين فيك ، ولا راغبين عنك ، فمرنا بأمرك يرحمك الله ؛ فإنّا حرب لحربك وسلم لسلمك ، نبرأ ممّن ظلمك وظلمنا .
وردّ الإمام عليهم هذا الولاء الكاذب قائلاً : (( هيهات هيهات أيّتها الغدرة المكرة ! حيل بينكم وبين شهوات أنفسكم ، أتريدون أن تأتوا إليّ كما أتيتم إلى أبي من قبل ؟ كلا وربّ الراقصات(1) ؛ فإنّ الجرح لمّا يندمل ، قُتل أبي صلوات الله عليه بالأمس وأهل بيته معه ، ولم يُنس ثكل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وثكل أبي وبني أبي ، ووجده بين لهاتي , ومرارته بين حناجري وحلقي ،

ـــــــــــــــــــــ
(1) الراقصات : هي النجوم .


الصفحة (287)

وغصصه تجري في فراش صدري ))(1) .
وأمسك الإمام (عليه السّلام) عن الكلام ، وتركهم حيارى يندبون حظّهم التعيس .

في مجلس ابن زياد

وأُدخلت عقائل الوحي ومخدّرات النبوّة وهنَّ في ذلّ الأسر ، قد شُهرت على رؤوسهنَّ سيوف الكافر ابن مرجانة سليل الأرجاس والخيانة ، وهو في قصر الإمارة وقد امتلأ القصر بالسفكة المجرمين من جنوده ، وهم يهنّئونه بالظفر , ويحدّثونه بجرائمهم التي اقترفوها يوم الطفّ , وهو جذلان مسرور يهزّ أعطافه فرحاً وسروراً ، وبين يديه رأس زعيم الاُمّة وريحانة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ؛ فجعل الخبيث يعبث بالرأس الشريف وينكته بمخصرته ، وهو يقول متشمّتاً : ما رأيت مثل هذا الوجه قطّ .
إنّه وجه النبوة والإمامة ، ووجه الإسلام بجميع مبادئه وقيمه .
ولم ينه ابن مرجانة كلامه حتّى سدّد له الصحابي أنس بن مالك سهماً , فقال له : إنّه كان يشبه النبي(2) .
والتاع الخبيث من كلامه ، ولم يجد أيّ مجال للردّ عليه .

الطاغية مع عقيلة الوحي (عليها السّلام)

ولمّا روى المجرم الخبيث ابن مرجانة أحقاده من رأس ريحانة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) , التفت إلى عائلة الإمام الحسين (عليه السّلام) , فرأى سيدة منحازة في ناحية من مجلسه ، وعليها أرذل

ـــــــــــــــــــــ
(1) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 3 / 342 .
(2)
أنساب الأشراف / 222 .


الصفحة (288)

الثياب , وقد حفّت بها المهابة والجلال ، فانبرى ابن مرجانة سائلاً عنها ، فقال : مَنْ هذه التي انحازت ناحية ومعها نساؤها ؟
فأعرضت عنه احتقاراً واستهانة به ، وكرّر السؤال فلم تجبه , فانبرت إحدى السيّدات فأجابته : هذه زينب بنت فاطمة بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) .
فالتاع الخبيث الدنس من احتقارها له ، واندفع يظهر الشماتة بلسانه الألكن قائلاً : الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم ، وأبطل اُحدوثتكم .
فثارت حفيدة الرسول (صلّى الله عليه وآله) وأجابته بشجاعة أبيها , محتقرة له قائلة : الحمد لله الذي أكرمنا بنبيّه ، وطهّرنا من الرجس تطهيراً ، إنّما يفتضح الفاسق ويكذب الفاجر ، وهو غيرنا يابن مرجانة(1) .
وكانت هذه الكلمات كالصاعقة على رأس هذا الوضر الخبيث ، لقد قالت هذا القول الصارم وهي مع بنات رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في قيد الأسر , قد نُصبت فوق رؤوسهنَّ حراب الظالمين , وشُهرت عليهن سيوف الشامتين .
ولم يجد ابن مرجانة كلاماً يُجيب به سوى التشفّي قائلاً : كيف رأيت صنع الله بأخيك ؟
فأجابته حفيدة الرسول ومفخرة الإسلام بكلمات الظفر والنصر لها ولأخيها قائلة : ما رأيت إلاّ جميلاً ، هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل ، فبرزوا إلى مضاجعهم ، وسيجمع الله بينكم وبينهم ، فتُحاجّ وتُخاصم ، فانظر لمَنْ الفلج يومئذ ، ثكلتك اُمّك يابن مرجانة !

ـــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ الطبري 6 / 263 .


الصفحة (289)

وفقد الحقير الدنس إهابه من هذا التبكيت والاحتقار اللاذع ، فهمّ أن يضرب العقيلة , فنهاه عمرو بن حريث وقال له : إنّها امرأة لا تؤاخذ بشيء من منطقها .
يالله ! يا للمسلمين ! ابن مرجانة يروم أن يعتدي على عقيلة بني هاشم وحفيدة الرسول ! إنّ المسؤول عن هذا الاعتداء الصارخ على الأُسرة النبويّة وعلى عقائل الوحي مؤتمر السقيفة والشورى ؛ فهم الذين سلّطوا على المسلمين الاُمويِّين , خصوم الإسلام وأعداء البيت العلوي ، وحجبوا آل البيت عن القيادة الروحية لهذه الاُمّة .
وعلى أيّ حال ، فإنّ ابن مرجانة التفت إلى العقيلة مظهراً لها التشفّي بقتل أخيها قائلاً : لقد شفى الله قلبي من طاغيتك والعصاة المردة من أهل بيتك .
وغلب الأسى والحزن على العقيلة (عليها السّلام) من هذا التشفّي الآثم ، وتذكّرت حماتها الصفوة من الاُسرة النبويّة ، فأدركتها لوعة الأسى ، وقالت : لعمري لقد قتلت كهلي , وقطعت فرعي ، واجتثثت أصلي ، فإن كان هذا شفاؤك فقد اشتفيت .
وتهافت غيظ ابن مرجانة ، وراح يقول : هذه سجّاعة ، لعمري لقد كان أبوها سجّاعاً شاعراً . فردّت عليه العقيلة : إنّ لي عن السجاعة لشغلاً ، ما للمرأة والسجاعة(1) !
ما أخسّ هذه الحياة وما ألأمها التي جعلت حفيدة الرسول أسيرة عند

ـــــــــــــــــــــ
(1) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 3 / 344 .


الصفحة (290)

ابن مرجانة ، وهو يبالغ في احتقارها !

إنقاذ العقيلة للإمام زين العابدين (عليه السّلام)

وأدار ابن مرجانة بصره في بقية الأسرى من أهل البيت (عليهم السّلام) , فوقع بصره على الإمام زين العابدين (عليه السّلام) ، وقد أنهكته العلّة , فسأله : مَنْ أنت ؟
ـ (( عليّ بن الحسين )) .
فصاح به الرجس الخبيث : أوَ لم يقتل الله علي بن الحسين ؟
فأجابه الإمام (عليه السّلام) بأناة : (( قد كان لي أخ يُسمّى عليّ بن الحسين قتلتموه ، وإنّ له منكم مطالباً يوم القيامة )) .
فثار ابن مرجانة ، ورفع صوته قائلاً : الله قتله .
فأجابه الإمام (عليه السّلام) بكلّ شجاعة وثبات : (اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا) ، (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّه) .
ودارت الأرض بابن مرجانة ولم يعرف ما يقول ، وغاظه أن يتكلّم هذا الغلام الأسير بقوّة الحجّة ، والاستشهاد بالقرآن الكريم ، فرفع عقيرته قائلاً : وبك جرأة على ردّ جوابي ! وفيك بقية للردّ عليّ ! والتفت إلى بعض جلاديه فقال له : خذ هذا الغلام واضرب عنقه .
وطاشت أحلام العقيلة (عليها السّلام) , وانبرت بشجاعة لا يرهبها سلطان ، فاحتضنت ابن أخيها وقالت لابن مرجانة :


الصفحة (291)

حسبك يابن زياد ما سفكت من دمائنا ! إنّك لم تُبقِ منّا أحداً ، فإن كنت عزمت على قتله فاقتلني معه .
وبُهر الطاغية وانخذل ، وقال متعجّباً : دعوه لها ، عجباً للرحم ودّت أن تُقتل معه !
ولولا موقف العقيلة (عليها السّلام) لذهبت البقيّة من نسل أخيها التي هي مصدر الخير والفضيلة في دنيا العرب والإسلام . لقد أنجا الله زين العابدين (عليه السّلام) من القتل المحتّم ببركة العقيلة (عليها السّلام) ؛ فهي التي أنقدته من هذا الطاغية الجبّار(1) .

حبس عقائل الوحي

وأمر ابن مرجانة بحبس مخدّرات الرسالة وعقائل الوحي فاُدخلنّ في سجن يقع إلى جانب المسجد الأعظم ، وقد ضيّق عليهنَّ أشدّ التضييق ، فكان يجري على كلّ واحدة في اليوم رغيفاً واحداً من الخبز ، وكانت العقيلة تؤثر أطفال أخيها برغيفها وتبقى ممسكة حتّى بان عليها الضعف فلم تتمكّن من النهوض , وكانت تُصلّي من جلوس ، وفزع الإمام زين العابدين (عليه السّلام) من حالتها , فأخبرته بالأمر .
ورفضت عقيلة بني هاشم مقابلة أيّة امرأة من الكوفيات , وقالت : لا يدخلنّ علينا إلاّ أُمّ ولد , أو مملوكة ؛ فإنّهنّ سُبين كما سُبينا .
واُلقي على بنات رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حجر قد ربط فيه كتاب جاء فيه : إنّ البريد قد سار بأمركم إلى يزيد , فإن سمعتم التكبير فأيقنوا بالهلاك ، وإن لم تسمعوا بالتكبير فهو الأمان . وحدّدوا لمجيء الكتاب وقتاً ، وفزعت العلويات وذُعرن ، وقبل قدوم البريد بيومين اُلقي عليهم حجر آخر فيه كتاب جاء فيه : أوصوا واعهدوا فقد قارب

ــــــــــــــــ

(1)


الصفحة (292)

وصول البريد . وبعد انتهاء المدّة جاء أمر يزيد بحمل الأسرى إلى دمشق(1) .

وصرّح بعض المؤرّخين أنّ يزيد كان عازماً على استئصال نسل الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) , إلاّ أنّه بعد ذلك عدل عن نيّته .
وبقيت العائلة النبويّة في السجن ، فلمّا جاءت أوامر يزيد بحملهم إلى دمشق لتعرض على أهل الشام كما عرضت على أهل الكوفة فقد حُملت السبايا ، وأمّا رؤوس العترة الطاهرة الذين أرادوا أن يقيموا في هذا الشرق حكومة الإسلام والقرآن فقد حُملت ليراها أهل الشام , ويتلذّذ بمنظرها يزيد .

ـــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ ابن الأثير 3 / 37 .


الصفحة (293)

سبايا آل النبي (عليهم السّلام) في دمشق

وعانت عقائل الوحي ومخدّرات النبوّة والإمامة جميع ضروب المحن والبلاء أيام مكثهنَّ في الكوفة ؛ فقد عانينَ مرارة السجن , وشماتة الأعداء ، وذلّ الأسر . وبعدما صدرت الأوامر من دمشق بحملهن إلى يزيد أمر ابن مرجانة بتسيير رؤوس أبناء النبي (صلّى الله عليه وآله) وأصحابهم إلى الشام لتُعرض على الشاميّين كما عرضت على الكوفيّين ؛ حتّى تمتلأ قلوب الناس فزعاً وخوفاً , وتظهر مقدرة الاُمويِّين وغلبتهم على آل الرسول .
وقد سُيّرت رؤوس العترة الطاهرة مع الأثيم زهير بن قيس الجعفي ، كما سُيّرت العائلة النبويّة مع محفر بن ثعلبة من عائدة قريش ، وشمر بن ذي الجوشن ، وقد أوثقت بالحبال , وأُركبت على أقتاب الجمال , وهنَّ بحالة تقشعر منها ومن ذكرها الأبدان ، وترتعد لها فرائص كلّ إنسان(1) .
وسارت قافلة الأسرى لا تلوي على شيء حتّى انتهت إلى القرب من دمشق ، فاُقيمت هناك حتّى تتزيّن البلد بمظهر الزهو والأفراح .

ومن الجدير بالذكر أنّ مخدّرات النبوّة وباقي الأسرى قد التزموا جانب الصمت , فلم يطلبوا أيّ شيء من اُولئك الأنذال الموكّلين بهم ؛ وذلك لعلم العلويات بعدم الاستجابة لأيّ شيء من مطالبهنَّ .

ـــــــــــــــــــــ
(1) تحفة الأنام في مختصر الإسلام / 84 .

الصفحة (294)

تزيين الشام

وأمرت حكومة دمشق الدوائر الرسمية وشبه الرسمية بإظهار الزينة والفرح للنصر الذي أحرزته بقتل أبناء النبي (صلّى الله عليه وآله) .

ووصف بعض المؤرّخين تلك الزينة بقوله : ولمّا بلغوا ـ أي أُسارى أهل البيت (عليهم السّلام) ـ ما دون دمشق بأربعة فراسخ استقبلهم أهل الشام وهم ينثرون النثار فرحاً وسروراً حتّى بلغوا بهم قريب البلد ، فوقفوهم عن الدخول ثلاثة أيام وحبسوهم هناك حتّى تتوفّر زينة الشام وتزويقها بالحليّ والحلل , والحرير والديباج , والفضة والذهب وأنواع الجواهر ، على صفة لم يرَ الراؤون مثلها لا قبل ذلك اليوم ولا بعده .

ثمّ خرج الرجال والنساء ، والأصاغر والأكابر ، والوزراء والأمراء ، واليهود والمجوس والنصارى وسائر الملل إلى التفرّج , ومعهم الطبول والدفوف , والبوقات والمزامير ، وسائر آلات اللهو والطرب ، وقد كحّلوا العيون وخضّبوا الأيدي ، ولبسوا أفخر الملابس , وتزيّنوا أحسن الزينة ، ولم يرَ الراؤون أشدّ احتفالاً ولا أكثر اجتماعاً منه ، حتّى كأن الناس كلّهم حشروا جميعاً في صعيد دمشق(1) .
لقد أبدى ذلك المجتمع الذي تربّى على بغض أهل البيت (عليهم السّلام) جميع ألوان الفرح والسرور بإبادة العترة الطاهرة وسبي حرائر النبوّة .
وروى سهل بن سعد الساعدي ما رآه من استبشار الناس بقتل الحسين (عليه السّلام) ، يقول : خرجت إلى بيت المقدس حتّى توسّطت الشام ، فإذا أنا بمدينة مطّردة الأنهار , كثيرة الأشجار ، قد علّقت عليها الحجب والديباج , والناس فرحون مستبشرون ، وعندهم نساء يلعبن بالدفوف والطبول ، فقلت في نفسي : إنّ لأهل الشام عيداً لا نعرفه ؟!

فرأيت قوماً يتحدّثون , فقلت لهم : ألكم بالشام عيد لا نعرفه ؟

ـــــــــــــــــــــ
(1) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 3 / 369 .


الصفحة (295)

ـ نراك يا شيخ غريباً ؟
ـ أنا سهل بن سعد قد رأيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) .
ـ يا سهل ، ما أعجبك أن السماء لا تمطر دماً ، والأرض لا تنخسف بأهلها !
ـ وما ذاك ؟
ـ هذا رأس الحسين يُهدى من أرض العراق .
ـ وا عجباً ! يُهدى رأس الحسين والناس يفرحون ! من أيّ باب يدخل ؟

وأشاروا إلى باب الساعات ، فأسرع سهل إليها ، وبينما هو واقف وإذا بالرايات يتبع بعضها بعضاً ، وإذا بفارس بيده لواء منزوع السنان وعليه رأس من أشبه الناس وجهاً برسول الله (صلّى الله عليه وآله) , وهو رأس أبي الأحرار ، وخلفه السبايا محمولة على جمال بغير وطاء .

وبادر سهل إلى إحدى السيّدات فسألها : مَنْ أنتِ ؟
ـ أنا سكينة بنت الحسين .
ـ ألك حاجة ؛ فأنا سهل صاحب جدّك رسول الله ؟
ـ قل لصاحب هذا الرأس أن يقدّمه أمامنا حتّى يشتغل الناس بالنظر إليه , ولا ينظرون إلى حرم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) .
وأسرع سهل إلى حامل الرأس فأعطاه أربعمئة درهم فباعد الرأس عن النساء(1) .

الشامي مع زين العابدين (عليه السّلام)

وانبرى شيخ هرم يتوكّأ على عصاه ليمتّع نظره بالسبايا ، فدنا من الإمام زين العابدين (عليه السّلام) , فرفع عقيرته قائلاً :

ـــــــــــــــــــــ
(1) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 3 / 370 .


الصفحة (296)

الحمد لله الذي أهلككم وأمكن الأمير منكم .
وبصر به الإمام (عليه السّلام) فرآه مخدوعاً قد ضلّلته الدعاية الاُمويّة , فقال له : (( يا شيخ ، أقرأت القرآن ؟ )) .
فبُهت الشيخ من أسير مكبول ، فقال له بدهشة : بلى !
ـ (( أقرأت قوله تعالى : ( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) ، وقوله تعالى : ( وَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ ) ، وقوله تعالى : ( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى ) ؟ )) .
وبُهر الشيخ وتهافت فقال : نعم ، قرأت ذلك !
فقال له الإمام (عليه السّلام) : (( نحن والله القربى في هذه الآيات . يا شيخ ، أقرأت قوله تعالى : ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) ؟ )) .
ـ بلى .
ـ (( نحن أهل البيت الذين خصّهم الله بالتطهير )) .
ولمّا سمع الشيخ ذلك من الإمام (عليه السّلام) ذهبت نفسه حسرات على ما فرّط في أمر نفسه ، وتلجلج وقال للإمام (عليه السّلام) بنبرات مرتعشة : بالله عليكم أنتم هم ؟!
ـ (( وحقّ جدّنا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إنّا لنحن هم من غير شكّ )) .
وودّ الشيخ أنّ الأرض قد وارته ولم يجابه الإمام بتلك الكلمات القاسية ، وألقى بنفسه على الإمام وهو يوسع يديه تقبيلاً ، ودموعه تجري على سحنات وجهه قائلاً : أبرأ إلى الله ممّن قتكلم .


الصفحة (297)

وطلب من الإمام (عليه السّلام) أن يمنحه العفو والرضا , فعفا الإمام عنه(1) .

سرور يزيد (لعنه الله)

وغمرت يزيد موجات من الفرح حينما جيء له بسبايا أهل البيت (عليهم السّلام) ، وكان مطلاّ على منظر في جيرون ، فلمّا نظر إلى الرؤوس والسبايا قال :

 لـمّا بـدت تـلكَ الحمول وأشرقتْ      تـلكَ  الـرؤوس على شفا جيرونِ
نـعبَ الغرابُ فقلت قل أو لا تقل      فقد اقتضيت من الرسولِ ديوني
(2)

 

لقد أخذ ابن هند ثأره من ابن فاتح مكة ومحطّم أوثان قريش ؛ فقد أباد العترة الطاهرة , وسبى ذراريها ؛ تشفّياً وانتقاماً من الرسول الذي قتل أعلام الاُمويِّين .

رأس الإمام (عليه السّلام) عند يزيد (لعنه الله)

وحمل الخبيث الأبرص شمر بن ذي الجوشن ومحفر بن ثعلبة العائدي رأس ريحانة رسول الله وسيّد شباب أهل الجنّة هدية إلى الفاجر يزيد بن معاوية ، فسرّ بذلك سروراً بالغاً ؛ فقد استوفى ثأره وديون الاُمويِّين من ابن رسول الله ، وقد أذن للناس إذناً عاماً ليظهر لهم قدرته وقهره لآل النبي (صلّى الله عليه وآله) .

وازدحم الأوباش والأنذال من أهل الشام على البلاط الاُموي وهم يعلنون فرحتهم الكبرى , ويهنّئون يزيد بهذا النصر الكاذب(3) ، وقد وضع الرأس الشريف بين يدي سليل الخيانة فجعل ينكثه بمخصرته ، ويقرع ثناياه اللتين كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يرشفهما ، وجعل يقول : لقد لقيت بغيك يا حسين(4) .

ـــــــــــــــــــــ
(1) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 3 / 371 .
(2)
مقتل الحسين (عليه السّلام) ـ المقرّم / 437 .
(3)
البداية والنهاية 8 / 198 .
(4)
حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 3 / 374 .


الصفحة (298)

ثمّ التفت إلى عملائه وأذنابه فقال لهم : ما كنت أظنّ أبا عبد الله قد بلغ هذا السنّ ، وإذا لحيته ورأسه قد نصلا من الخضاب الأسود(1) .
وتأمّل في وجه الإمام (عليه السّلام) فغمرته هيبته , وراح يقول : ما رأيت مثل هذا الوجه حسناً قطّ(2) !
أجل ، إنّه كوجه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الذي تحنو له الوجوه والرقاب ، والذي يشعّ بروح الإيمان .

وراح ابن معاوية يوسع ثغر الإمام (عليه السّلام) بالضرب وهو يقول : إنّ هذا وإيّانا كما قال الحصين بن الحمام :

أبى قومنا إن ينصفونا فانصفت      قواضب فـي إيماننا تقطر الدما
نُـفلِّقنَ هـاماً من رجالٍ أعزّةٍ      عـلينا و هم كانوا أعقّ وأظلما

 

ولم يتم الخبيث كلامه حتّى أنكر عليه أبو برزة الأسلمي , فقال له : أتنكت بقضيبك في ثغر الحسين ؟! أما لقد أخذ قضيبك في ثغره مأخذاً لربّما رأيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يرشفه ! أما إنّك يا يزيد تجيء يوم القيامة وابن زياد شفيعك , ويجيء هذا ومحمد (صلّى الله عليه وآله) شفيعه .
ثمّ قام منصرفاً عنه(3) .

السبايا في مجلس يزيد (لعنه الله)

وعمد الأنذال من جلاوزة الخبيث ابن الخبيث يزيد بن معاوية إلى عقائل الوحي وسائر الصبية , فربقوهم بالحبال كما تربق الأغنام ، فكان الحبل في عنق الإمام زين العابدين (عليه السّلام) إلى عنق العقيلة زينب (عليها السّلام) وباقي بنات رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وكانوا كلّما قصّروا عن

ـــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ الإسلام ـ الذهبي 2 / 351 .
(2)
تاريخ القضاعي / 70 .
(3)
تاريخ ابن الأثير 3 / 398 .


الصفحة (299)

المشي أوسعوهم ضرباً بالسياط ، وجاؤوا بهم على مثل هذه الحالة التي تتصدّع من هولها الجبال ، وهم يكبّرون ويهلّلون بسبيهم لبنات رسول الله وإبادتهم لعترته .
وأوقفت مخدّرات الرسالة بين يدي يزيد (لعنه الله) ، فالتفت إليه الإمام زين العابدين (عليه السّلام) فقال له : (( ما ظنّك برسول الله (صلّى الله عليه وآله) لو رآنا على هذه الصِفة ؟ )) .
فتأثّر يزيد ، ولم يبق أحد في مجلسه إلاّ بكى ، وكان منظر العلويات مثيراً للعواطف ، فقال يزيد (لعنه الله) : قبّح الله ابن مرجانة ! لو كان بينكم وبينه قرابة لما فعل بكم هذا .
إنّه لم يصنع بالسيّدات العلويات بمثل هذه الأعمال إلاّ بأمر يزيد , وإرضاءً لعواطفه ورغباته ، واستجابة لعواطف القرشيّين الذين ما آمنوا بالإسلام , وكانت نفوسهم مترعة بالحقد لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) .
والتفت الطاغية إلى الإمام زين العابدين (عليه السّلام) فقال له : إيه يا عليّ بن الحسين ، أبوك الذي قطع رحمي , وجهل حقّي ، ونازعني سلطاني ، فصنع الله به ما رأيت .
فأجابه شبل الحسين بكلّ طمأنينة وهدوء بقوله تعالى : (( مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْ لا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آَتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ )) .
وثار الطاغية وقال للإمام : ( وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ) .
فردّ عليه الإمام (عليه السّلام) : (( هذا في حقّ مَنْ ظلم لا في حقّ مَنْ ظُلِم )) .


الصفحة (300)

وزوى الإمام بوجهه عنه ولم يكلّمه ؛ استهانة به(1) .

خطاب العقيلة (عليها السّلام)

وأظهر الطاغية الآثم فرحته الكبرى بإبادته لعترة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) , فقد صفا له الملك ، واستوسقت له الاُمور ، وأخذ يهزّ أعطافه جذلاناً متمنّياً حضور القتلى من أهل بيته ببدر ؛ ليريهم كيف أخذ بثارهم من النبي (صلّى الله عليه وآله) في ذرّيته ، وراح يترنّم بأبيات ابن الزبعري قائلاً أمام الملأ بصوت يسمعه الجميع :

لـيتَ أشـياخي ببدرٍ شهدوا      جزعَ الخزرجِ من وقعِ الأسلْ
فـأهـلّوا واسـتهلّوا فـرحاً      ثـمّ قـالوا يا يزيدَ لا تُشلْ
قـد قـتلنا القومَ من ساداتهمْ      و عـدلـناه بـبدرٍ فـاعتدلْ
لـعبت  هـاشمُ بـالمُلكِ فلا      خـبرٌ جـاءَ و لا وحيٌ نزلْ
لـستُ من خندف إن لم أنتقمْ      مـن بـني أحمدَ ما كان فَعَلْ

 

ولمّا سمعت العقيلة (عليها السّلام) هذه الأبيات التي أظهر فيها التشفّي بقتل عترة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) انتقاماً منهم لقتلى بدر ، وثبت كالأسد , فسحقت جبروته وطغيانه , فكأنّها هي الحاكمة والمنتصرة ، والطاغية هو المخذول والمغلوب على أمره ، وقد خطبت هذه الخطبة التي هي من متمّمات النهضة الحسينيّة .

قالت (عليها السّلام) : الحمد لله ربّ العالمين ، وصلّى الله على محمّد وآله أجمعين ، صدق الله كذلك يقول : ( ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ )(2) .

أظننت يا يزيد حيث أخذت علينا

ـــــــــــــــــــــ
(1) الإرشاد / 276 .
(2)
سورة الروم / 10 .


الصفحة (301)

أقطار الأرض وآفاق السماء ، فأصبحنا نُساق كما تساق الإماء , أنّ بنا على الله هواناً ، وبك عليه كرامة , وأنّ ذلك لعظيم خطرك عنده , فشمختَ بأنفك ، ونظرتَ في عطفك جذلان مسروراً حين رأيتَ الدنيا لك مستوسقة ، والأمور متّسقة ، وحين صفا لك ملكنا وسلطاننا ؟! فمهلاً مهلاً ! أنسيت قول الله عزّ وجلّ : ( وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ )(1) ؟
أمن العدل يابن الطُلقاء تخديرك حرائرك وإماءك وسوقك بنات رسول الله سبايا , قد هتكت ستورهنّ ، وأبديت وجوهنّ ، تحدو بهنّ الأعداء من بلد إلى بلد ، ويستشرفهنّ أهل المنازل والمناهل(2) ، ويتصفّح وجوههنّ القريب والبعيد ، والدَّنيّ والشريف ، ليس معهنّ من رجالهنّ وليّ ، ولا من حماتهنّ حميّ ؟!
وكيف تُرتجى مراقبة مَنْ لفظ فوه أكباد الأزكياء ، ونبت لحمه بدماء الشهداء ؟! وكيف لا يُستبطأ في بُغضنا أهل البيت مَنْ نظر إلينا بالشنف(3) والشنآن ، والإحن والأضغان ؟! ثمّ تقول غير مُتأثّم ولا مستعظم :

ـــــــــــــــــــــ
(1) سورة آل عمران / 178 .
(2)
المناهل : جمع منهل ، وهو موضع الشرب من العيون ، والمراد من يسكن فيها . المعاقل : سكنة الحصون .
(3)
الشنف : البغض والعداء .


الصفحة (302)

لأهَـلّوا  واستهلّوا فرحاً      ثمّ قالوا يا يزيد لا تُشَلْ

 

منتحياً على ثنايا أبي عبد الله (عليه السّلام) سيد شباب أهل الجنّة تنكتها بمخصرتك !
وكيف لا تقول ذلك وقد نكأت القرحة ، واستأصلت الشأفة بإراقتك دماء ذرّيّة محمّد (صلّى الله عليه وآله) , ونجوم الأرض من آل عبد المطّلب ؟! وتهتف بأشياخك زعمتَ أنّك تناديهم ! فلتردنّ وشيكاً موردهم ، ولتودّنّ أنّك شُللت وبُكمتَ ولم تكن قلتَ ما قلتَ , وفعلتَ ما فعلتَ . اللّهمّ خُذ بحقّنا ، وانتقم ممّن ظلمنا ، واحلل غضبك بمَنْ سفك دماءنا وقتل حماتنا .
فوالله ما فريتَ إلاّ جلدك ، ولا حززتَ إلاّ لحمك ، ولتردنّ على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بما تحمّلت من سفك دماء ذرّيّته ، وانتهكت من حرمته في عترته ولحمته ، وحيث يجمع الله شملهم , ويلمّ شعثهم , ويأخذ بحقّهم , ( وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ )(1) .
وحسبك الله حاكماً ، وبمحمّد (صلّى الله عليه وآله) خصيماً ، وبجبرئيل ظهيراً ، وسيعلم مَنْ سوّل لك ومكّنك من رقاب المسلمين ، بئس للظالمين بدلاً , وأيّكم شرّ مكاناً وأضعف جنداً !

ـــــــــــــــــــــ
(1) سورة آل عمران / 163 .


الصفحة (303)

ولئن جرّت عليّ الدواهي مخاطبتك ، إنّي لأستصغر قدرك ، وأستعظم تقريعك ، وأستكثر توبيخك ، لكن العيون عبرى ، والصدور حرّى .
ألا فالعجب كلّ العجب لقتل حزب الله النُجباء بحزب الشيطان الطلقاء ! فهذه الأيدي تنطف(1) من دمائنا ، والأفواه تتحلّب من لحومنا ، وتلك الجثث الطواهر الزواكي تنتابها العواسل(2) , وتعفّرها اُمّهات الفراعل(3) . ولئن اتّخذتنا مغنماً لتجدنا وشيكاً مغرماً ، حين لا تجد إلاّ ما قدّمت يداك ، وما ربّك بظلاّم للعبيد ، فإلى الله المشتكى ، وعليه المعوّل .
فكد كيدك ، واسعَ سعيك ، وناصب جهدك ، فوالله لا تمحونّ ذكرنا ، ولا تُميتُ وحينا ، ولا تدرك أمدنا ، ولا ترحض عنك عارها . وهل رأيك إلاّ فنداً ، وأيّامك إلاّ عدداً ، وجمعك إلاّ بدداً ، يوم ينادي المناد : ألا لعنة الله على الظالمين .
فالحمد لله الذي ختم لأوّلنا بالسعادة والمغفرة ، ولآخرنا بالشهادة والرحمة , ونسأل الله أن يكمل لهم الثواب ، ويوجب لهم المزيد ، ويحسن

ـــــــــــــــــــــ
(1) تنطف : أي تستوفي من دمائنا .
(2)
العواسل : جمع عاسل ، وهو الذئب .
(3)
الفراعل : جمع فرعل ، وهو ولد الضبع .


الصفحة (304)

علينا الخلافة ، إنّه رحيم ودود ، وحسبنا الله ونعم الوكيل(1) .
وهذا الخطاب من متمّمات النهضة الحسينيّة ، ومن روائع الخطب الثورية في الإسلام ؛ فقد دمّرت فيه عقيلة بني هاشم وفخر النساء جبروت الاُموي الظالم يزيد ، وألحقت به وبمَنْ مكّنه من رقاب المسلمين العار والخزي ، وعرّفته عظمة الاُسرة النبويّة التي لا تنحني جباهها أمام الطغاة والظالمين .

وعلّق الإمام الشيخ محمّد حسين آل كاشف الغطاء على هذا الخطاب بقوله : أتستطيع ريشة أعظم مصوّر وأبدع ممثل أن يمثّل لك حال يزيد وشموخه بأنفه ، وزهوه بعطفه , وسروره وجذله باتّساق الاُمور ، وانتظام الملك , ولذّة الفتح والظفر , والتشفّي والانتقام بأحسن من ذلك التصوير والتمثيل ؟!

وهل في القدرة والإمكان لأحد أن يدفع خصمه بالحجّة والبيان والتقريع والتأنيب ، ويبلغ ما بلغته (سلام الله عليها) بتلك الكلمات ، وهي على الحال الذي عرفت ، ثمّ لم تقتنع منه بذلك حتّى أرادت أن تمثّل له وللحاضرين عنده ذلّة الباطل ، وعزّة الحقّ , وعدم الاكتراث واللامبالاة بالقوم والسلطة والهيبة والرهبة ؟! أرادت أن تعرّفه خسّة طبعه ، وضعة مقداره ، وشناعة فعله ، ولؤم فرعه وأصله(2) .
ويقول المرحوم الفكيكي : تأمّل معي في هذه الخطبة النارية كيف جمعت بين فنون البلاغة وأساليب الفصاحة وبراعة البيان ، وبين معاني الحماسة وقوّة الاحتجاج وحجّة المعارضة , والدفاع في سبيل الحرية والحقّ والعقيدة ! بصراحة هي أنفذ من السيوف إلى أعماق القلوب ، وأحدّ من وقع الأسنّة في الحشا والمهج في مواطن القتال ومجالات النزال .

وكان الوثوب على أنياب الأفاعي ، وركوب أطراف

ـــــــــــــــــــــ
(1) أعلام النساء 2 / 504 ، بلاغات النساء / 21 ، حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 3 / 378 ـ 380 .
(2)
السياسة الحسينيّة / 30 .


الصفحة (305)

الرماح أهون على يزيد من سماع هذا الاحتجاج الصارخ الذي صرخت به ربيبة المجد والشرف في وجوه طواغيت بني اُميّة وفراعنتهم في منازل عزّهم ومجالس دولتهم الهرقلية الارستقراطية الكريهة .

ثمّ إنّ هذه الخطبة التأريخية القاصعة لا تزال تنطق ببطولات الحوراء الخالدة وجرأتها النادرة ، وقد احتوت النفس القوية الحساسة الشاعرة بالمثالية الأخلاقية الرفيعة السامية ، وسيبقى هذا الأدب الحيّ صارخاً في وجوه الطغاة الظالمين على مدى الدهر وتعاقب الأجيال , وفي كلّ ذكرى لواقعة الطفّ الدامية المفجعة(1) .

محتويات الخطاب

وحلّلنا محتويات خطاب العقيلة في كتابنا (حياة الإمام الحسين) ، وننقله لما فيه من مزيد الفائدة ، وهذا نصّه : وكان هذا الخطاب العظيم امتداداً لثورة كربلاء ، وتجسيداً رائعاً لقيمها الكريمة وأهدافها السامية ، وقد حفل بما يلي :
أولاً : إنّها دلّلت على غرور الطاغية وطيشه ؛ فقد حسب أنّه هو المنتصر بما يملك من القوى العسكريّة التي ملأت البيداء , وسدّت آفاق السماء , إلاّ أنّه انتصار مؤقّت . ومن طيشه أنّه حسب أنّ ما أحرزه من الانتصار كان لكرامته عند الله تعالى , وهوان لأهل البيت (عليهم السّلام) ، ولم يعلم أنّ الله إنّما يملي للكافرين في الدنيا من النعم ليزدادوا إثماً , ولهم في الآخرة عذاب أليم .
ثانياً : إنّها نعت عليه سبيه لعقائل الوحي ، فلم يرعَ فيهم قرابتهم لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وهو الذي منَّ عليهم يوم فتح مكة فكان أبوه وجدّه من الطلقاء ، فلم يشكر للنبي (صلّى الله عليه وآله) هذه اليد ، وكافئه بأسوأ ما تكون المكافئة .
ثالثاً : إنّ ما اقترفه الطاغية من سفكه لدماء العترة الطاهرة فإنّه مدفوع بذلك ؛

ـــــــــــــــــــــ
(1) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 3 / 381 .


الصفحة (306)

بحكم نشأته ومواريثه ، فجدّته هند هي التي لاكت كبد سيّد الشهداء حمزة ، وجدّه أبو سفيان العدوّ الأول للإسلام ، وأبوه معاوية الذي أراق دماء المسلمين , وانتهك جميع ما حرّمه الله ، فاقتراف الجرائم من عناصره وطباعه التي فطر عليها .
رابعاً : إنّها أنكرت عليه ما تمثّل به من الشعر الذي تمنّى فيه حضور شيوخه الكفرة من الاُمويِّين ؛ ليروا كيف أخذ بثأرهم من النبي (صلّى الله عليه وآله) بإبادته لأبنائه ، إلاّ أنّه سوف يرد موردهم من الخلود في نار جهنم .
خامساً : إنّ الطاغية بسفكه لدماء العترة الطاهرة لم يسفك إلاّ دمه ، ولم يفرِ إلاّ جلده ؛ فإنّ تلك النفوس الزكية حيّة وخالدة ، وقد تلفّعت بالكرامة ، وبلغت قمّة الشرف ، وإنّه هو الذي باء بالخزي والخسران .
سادساً : إنّما عرضت إلى مَنْ مكّن الطاغية من رقاب المسلمين ، فهو المسؤول عمّا اقترفه من الجرائم والموبقات ، وقد قصدت (سلام الله عليها) مغزى بعيداً يفهمه كلّ مَنْ تأمّل فيه .
سابعاً : إنّها أظهرت سموّ مكانتها وخطر شأنها ؛ فقد كلّمت الطاغية بكلام الأمير والحاكم ؛ فاستهانت به ، واستصغرت قدره ، وتعالت عن حواره ، وترفّعت عن مخاطبته ، ولم تحفل بسلطانه . لقد كانت العقيلة على ضعفها وما ألمّ بها من المصائب أعظم قوّة وأشدّ بأساً منه .
ثامناً : إنّها عرضت إلى أنّ يزيد مهما بذل من جهد لمحو ذكر أهل البيت (عليهم السّلام) ، فإنّه لا يستطيع إلى ذلك سبيلاً ؛ لأنّهم مع الحقّ ، والحقّ لا بدّ أن ينتصر . وفعلاً فقد انتصر الإمام الحسين (عليه السّلام) ، وتحوّلت مأساته إلى مجد لا يبلغه أيّ إنسان كان ، فأيّ نصر أحقّ بالبقاء وأجدر بالخلود من النصر الذي أحرزه الإمام (عليه السّلام) ؟
هذا قليل من كثير ممّا جاء في هذه الخطبة التي هي آية من آيات البلاغة والفصاحة ، ومعجزة من معجزات البيان ، وهي إحدى الضربات التي أدّت إلى


الصفحة (307)

انهيار الحكم الاُموي(1) .

جواب يزيد (لعنه الله)

ولم يستطع الطاغية الجواب على خطاب العقيلة (عليها السّلام) ؛ فقد انهار كبرياؤه وغروره , وتمثّل ببيت من الشعر وهو :

يا  صيحةًً تُحمدُ من صوائحْ      ما أهون الموت على النوائحِْ

 

ولا توجد أيّة مناسبة بين ذلك الخطاب الثوري الذي أبرزت فيه عقيلة الوحي واقع يزيد وجرّدته من جميع القيم والمبادئ الإنسانيّة ، وبين هذا البيت من الشعر الذي حكى أنّ الصيحة تحمد من الصوائح ، وأنّ النوح يهون على النائحات ، فأيّ ربط موضوعي بين الأمرين .

اضطراب الطاغية (لعنه الله)

وتلبّدت الأجواء السياسيّة على الطاغية ، وحار في أمره ؛ فقد فضحته العقيلة بخطابها الخالد ، وجرّدته من السلطة الشرعيّة ، وأخذت الأوساط الشعبيّة في دمشق تتحدّاه وتنقم عليه جريمته النكراء بإبادته لعترة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ؛ فأخذ يلتمس له المعاذير ، فقال لأهل الشام : أتدرون من أين أتى ابن فاطمة ، وما الحامل له على ما فعل ، وما الذي أوقعه فيما وقع ؟
ـ لا .
ـ يزعم أن أباه خير من أبي ، واُمّه فاطمة بنت رسول الله خير من اُمّي ، وأنّه

ـــــــــــــــــــــ
(1) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 3 / 382 ـ 383 .


الصفحة (308)

خير منّي وأحقّ بهذا الأمر .

فأمّا قوله : أبوه خير من أبي ؛ فقد حاجّ أبي أباه إلى الله عزّ وجلّ ، وعلم الناس أيّهما حكم له ؛ وأمّا قوله : اُمّه خير من اُمّي ، فلعمري إنّ فاطمة بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) خير من اُمي ؛ وأمّا قوله : جدّه خير من جدّي ، فلعمري ما أحد يؤمن بالله واليوم الآخر وهو يرى أنّ لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) فينا عدلاً ولا ندّاً ، ولكنّه إنّما أتى من قلّة فقهه ، ولم يقرأ قوله تعالى : ( وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ )(1) .
لقد حسب الخبيث أنّ منطق الفضل عند الله تعالى إنّما هو الظفر بالملك والسلطان ، فراح يبني تفوّقه على الإمام (عليه السّلام) بذلك ، ولم يعلم أنّ الله تعالى لا يرى للملك أيّ قيمة ؛ فإنّه يهبه للبرّ والفاجر .
لقد تخبّط الطاغية وراح يبني مجده الكاذب على تغلّبه وقهره لسبط رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وقد خاب فكره وضلّ سعيه ؛ فقد انتصر الإمام (عليه السّلام) في ثورته انتصاراً لم يحرزه أيّ فاتح على وجه الأرض ، فها هي الدنيا تعجّ بذكره ، وها هو حرمه يطوف به المسلمون كما يطوفون ببيت الله تعالى ، وليس هناك ضريح على وجه الأرض أعزّ ولا أرفع من ضريح أبي الأحرار ، فكان حقّاً هذا هو النصر والفتح .

العقيلة (عليها السّلام) مع الشامي ويزيد (لعنه الله)

ونظر شخص من أهل الشام إلى السيدة الزكية فاطمة بنت الإمام الحسين (عليه السّلام) فقال ليزيد : هب لي هذه الجارية لتكون خادمة عندي .
وقد ظنّ أنّها من الخوارج فيحق له أن تكون خادمة عنده ، ولمّا سمعت العلوية ذلك سرت الرعدة بأوصالها ، وأخذت بثياب عمّتها مستجيرة بها , فانبرت العقيلة (عليها السّلام) وصاحت بالرجل :

ـــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ الطبري 6 / 226 ،  سورة البقرة / 247 .


الصفحة (309)

كذبت ولؤمت ، ما ذلك لك ولا لأميرك .
واستشاط الطاغية غضباً من استهانة العقيلة به وتحدّيها لشأنه ، فقال لها : كذبت ، إنّ ذلك لي ، ولو شئت لفعلت .
فنهرته العقيلة (عليها السّلام) ووجّهت له سهاماً من منطقها الفياض قائلة : كلاّ والله ما جعل لك ذلك , إلاّ أن تخرج من ملّتنا ، وتدين بغير ديننا .
وفقد الطاغية إهابه ؛ فقد أهانته أمام الطغمة من أهل الشام , فصاح بالحوراء : إياي تستقبلين بهذا ! إنّما خرج من الدين أبوك وأخوك .
ولم تحفل العقيلة (عليها السّلام) بسلطانه ولا بقدرته على البطش والانتقام ، فردّت عليه بثقة : بدين الله ودين أبي وجدّي اهتديت أنت وأبوك إن كنت مسلماً .
وأزاحت العقيلة بهذا الكلام الذي هو أشدّ من الصاعقة الستار الذي تستّر به الطاغية من أنّ الإمام الحسين وأهل بيته (عليهم السّلام) من الخوارج ؛ فقد استبان لأهل الشام أنّهم ذرّية رسول الله ، وأنّ يزيد كاذب بادّعائه .
وصاح الرجس الخبيث بالعقيلة : كذبتِ يا عدوّة الله .
ولم تجد العقيلة (عليها السّلام) جواباً تحسم به مهاترات الطاغية ، غير أن قالت : أنت أمير مسلّط ، تشتم ظلماً ، وتقهر بسلطانك .
وتهافت غضب الطاغية وأطرق برأسه إلى الأرض ، فأعاد الشامي كلامه إلى يزيد طالباً منه أن تكون بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) خادمة عنده , فصاح به يزيد : وهب الله لك حتفاً قاضياً(1) .
لقد احتفظت عقيلة الوحي بقواها الذاتية ، وإرادتها الواعية الصلبة التي

ـــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ الطبري 6 / 265 .


الصفحة (310)

ورثتها من جدّها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، فقابلت الطاغية بهذا الكلام المشرّف الذي حقّقت به أعظم الانتصار .
يقول بعض الكتاب : وقد حقّقت زينب (سلام الله عليها) ـ وهي في ضعفها واستكانتها ـ أوّل نصر حاسم على الطغاة وهم في سلطانهم وقوّتهم ؛ فقد أفحمته المرّة بعد المرّة ، وقد أظهرت للملأ جهله ، كما كشفت عن قلّة فقهه في شؤون الدين ؛ فإنّ نساء المسلمين لا يصحّ مطلقاً اعتبارهنَّ سبايا ومعاملتهنَّ معاملة السبي في الحروب(1) .
وأكبر الظنّ أن كلام الشامي كان فاتحة انتقاد ليزيد ، وبداية لتسرّب الوعي عند الشاميّين ؛ وآية ذلك أنّه لم يكن الشامي بليداً إلى هذا الحدّ ؛ فقد كان يكفيه ردّ الحوراء عليه وعلى يزيد ، ومقابلتها ليزيد بالعنف الذي أخرجته من ربقة الإسلام إن استجاب لطلب الشامي ، وهذا ممّا يشعر أنّ طلبه كان مقصوداً لأجل فضح يزيد .

النياحة على الحسين (عليه السّلام)

وطلبنَ عقائل الوحي من الطاغية أن يفرد لهنَ بيتاً ليقمنَ فيه مأتماً على سيّد الشهداء (عليه السّلام) ؛ فقد نخز الحزن قلوبهنَّ , فلم يكن بالمستطاع أن يبدينَ ما ألمّ بهنّ من عظيم الأسى ؛ خوفاً من الجلاوزة الجفاة الذين جهدوا على منعهنَّ من البكاء على أبي عبد الله (عليه السّلام) .

يقول الإمام زين العابدين (عليه السّلام) : (( كلّما دمعت عين واحد منّا قرعوا رأسه بالرمح )) .

واستجاب يزيد لذلك ، فأفرد لهنَّ بيتاً , فلم تبقَ هاشمية ولا قرشيّة إلاّ لبسنَ السواد حزناً على الحسين (عليه السّلام) . وخلدنَ بنات الرسالة إلى النياحة سبعة أيام ، وهنّ يندبنَ سيّد الشهداء (عليه السّلام) بأقسى ما تكون الندبة ، وينحنَ على الكواكب من نجوم آل عبد المطلب ،

ـــــــــــــــــــــ
(1) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 3 / 390 .


الصفحة (311)

وقد اهتزت الأرض من كثرة نياحهنَّ وبكائهنَّ(1) .
وبهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض ما عانته سيدة النساء زينب (عليها السّلام) من المصائب في دمشق .

ـــــــــــــــــــــ
(1) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 3 / 392 .


الصفحة (312)

الصفحة (313)

إلى يثرب

ولم تمكث سبايا أهل البيت (عليهم السّلام) زمناً كثيراً في دمشق ؛ فقد خشي الطاغية من وقوع الفتنة ووقوع ما لا تحمد عقباه ؛ فقد أحدث خطاب العقيلة زينب (عليها السّلام) وخطاب الإمام زين العابدين (عليه السّلام) انقلاباً فكرياً في جميع الأوساط الشعبيّة والأندية العامة ، وأخذ الناس يتحدّثون عن زيف وكذب الدعاية الاُمويّة من أنّ السبايا من الخوارج ، وإنّما هم من صميم الاُسرة النبويّة .

وقد جوبه يزيد بالنقد حتّى في مجلسه ، ونقم عليه القريب والبعيد ، وقد رأى الطاغية أن يسرع في ترحيل مخدّرات الرسالة إلى يثرب ليتخلّص ممّا هو فيه ، وقبل ترحيلهم أمر بأنطاع من الأبريسم ففرشت في مجلسه ، وصبّ عليها أموالاً كثيرة وقدّمها لآل البيت (عليهم السّلام) ؛ لتكون دية لقتلاهم وعوضاً لأموالهم التي نُهبت في كربلاء ، وقال لهم : خذوا هذا المال عوض ما أصابكم .
والتاعت مخدّرات الرسالة ، فانبرت إليه العقيلة اُمّ كلثوم ـ وأكبر الظنّ أنّها زينب (عليها السّلام) ـ فصاحت به : ما أقلّ حياءك وأصلف وجهك ! تقتل أخي وأهل بيتي وتعطيني عوضهم !
وقالت السيدة سكينة : والله , ما رأيت أقسى قلباً من يزيد ، ولا رأيت كافراً ولا مشركاً شرّاً منه ،


الصفحة (314)

ولا أجفا منه !(1) .
وباء الطاغية بالفشل ؛ فقد حسب أنّ أهل البيت (عليهم السّلام) تغريهم المادة ، ولم يعلم أنّهم من صنائع الله ؛ فقد أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً .

السفر إلى يثرب

وعهد الطاغية إلى النعمان بن بشير أن يصحب ودائع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إلى يثرب ويقوم برعايتهنَّ(2) , كما أمر بإخراجهنّ ليلاً من دمشق ؛ خوفاً من الفتنة واضطراب الرأي العام(3) .

وصول النبأ إلى يثرب

وانتهى نبأ الكارثة الكبرى بمقتل سبط الرسول (صلّى الله عليه وآله) إلى يثرب قبل وصول السبايا إليها ، وقد حمل النبأ عبد الملك السلمي إليها بأمر من ابن مرجانة ، وقد وافى به عمرو بن سعيد الأشدق حاكم المدينة ، فاهتزّ فرحاً وسروراً ، وقال : واعية بواعية عثمان(4) .
وأمر بإذاعة ذلك بين الناس , فهرعوا وقد علاهم البكاء نحو الجامع النبوي ،

ـــــــــــــــــــــ
(1) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 3 / 414 .
(2)
تاريخ ابن الأثير 3 / 300 .
(3)(4)
حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 3 / 416 .


الصفحة (315)

وأسرع الأشدق إلى الجامع فاعتلى أعواد المنبر , وأظهر أحقاده وسروره بمقتل سبط الرسول (صلّى الله عليه وآله) , فقال : أيّها الناس ، إنّها لدمة بلدمة ، وصدمة بصدمة ، كم خطبة بعد خطبة ، حكمة بالغة فما تُغني النذر ، لقد كان يسبّنا ونمدحه ، ويقطعنا ونصله ، كعادتنا وعادته ، ولكن كيف نصنع بمَنْ سلّ سيفه علينا يريد قتلنا إلاّ أن ندفعه عن أنفسنا ؟
وقطع عليه عبد الله بن السائب خطابه ، فقال له : لو كانت فاطمة حيّة ورأت رأس الحسين لبكت عليه .

وكان هذا أوّل نقد يُجابه به حاكم المدينة ، فصاح به : نحن أحقّ بفاطمة منك ؛ أبوها عمّنا ، وزوجها أخونا ، واُمّها ابنتنا ، ولو كانت فاطمة حيّة لبكت عليه ، وما لامت مَنْ قتله(1) . لقد زعم الأشدق أنّ سيدة النساء فاطمة (عليها السّلام) لو [رأت] رأس عزيزها لما لامت قاتله , ولباركته ؛ لأنّ في ذلك دعماً لحكم الاُمويِّين ، وتشييداً لعروشهم ، وبسطاً لسلطانهم الذي حمل جميع الاتجاهات الجاهليّة .
إنّ سيدة النساء لو كانت حيّة ورأت فلذة كبدها في عرصات كربلاء وهو يعاني من الخطوب والكوارث التي لم تجرِ على أيّ إنسان منذ خلق الله الأرض لذابت نفسها حسرات . وقد روى عليّ (عليه السّلام) عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال : (( تُحشر ابنتي فاطمة يوم القيامة ومعها ثياب مصبوغة بدم ولدها ، فتتعلّق بقائمة من قوائم العرش ، فتقول : يا عدل , احكم بيني وبين قاتل ولدي . فيحكم

ـــــــــــــــــــــ
(1) مقتل الحسين (عليه السّلام) ـ المقرّم / 417 .


الصفحة (316)

لابنتي وربّ [الكعبة](*) ))(1) .
ويقول الشاعر :

لا بـدّ  أن تردَ القيامةَ فاطمٌ      وقميصها بدمِ الحسينِ ملطّخُ

 

فجيعة بني هاشم

وفُجع الهاشميون بقتل زعيمهم ، وعلا الصراخ والعويل من بيوتهم ، وخرجت السيدة زينب بنت عقيل ناشرة شعرها وهي تصيح : وا محمداه ! وا حسيناه ! وا إخوتاه ! وا اُهيلاه ! وجعلت تخاطب المسلمين قائلة :

مـاذا تـقولونَ إذ قـالَ النبي لكمْ      مـاذا فـعلتم وأنـتم آخـرُ الأُممِ
بـعترتي و بـأهلي بـعدَ مفتقدي      مـنهم أُسارى ومنهم ضُرّجوا بدمِ
ما كانَ هذا جزائي إذ نصحتُ لكمْ      أن تخلفوني بسوءٍ في ذوي رحمي

 

فأجابها أبو الأسود وهو غارق في البكاء يقول : ( رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) ، وعلاه الجزع وراح يقول :

أقولُ وزادني حنقاً وغيظاً      أزالَ اللهُ مـلكَ بني زيادِ
وأبعدهم كما بعدوا وخافوا      كما بعدت ثمودُ وقومُ عادِ
ولا رجعت ركائبهم إليهمْ      إذا  وقفت إلى يومَ التنادِ
(2)

 

ـــــــــــــــــــــ

(*) وردت المفردة هنا (وربِّ الجنة) , وهي مخالفة لجميع ما أوردته المصادر الاُخرى التي ذكرت ما أثبتناه , ولعله من خطأ النساخ . (موقع معهد الإمامين الحسنين)

(1) الصراط السوي في مناقب آل النبي (صلّى الله عليه وآله) / 93 .
(2)
مجمع الزوائد 9 / 199 ، المعجم الكبير ـ الطبراني 1 / 140 .


الصفحة (317)

مأتم عبد الله بن جعفر

وأقام عبد الله بن جعفر زوج العقيلة زينب (عليها السّلام) مأتماً على ابن عمّه سيّد شباب أهل الجنّة ، وجعل الناس يفدون عليه زرافات ووحداناً وهم يعزّونه بمصابه الأليم ، وكان عنده بعض مواليه يُسمّى أبا السلاسل , فأراد أن يتقرّب إليه ؛ لأنّ عبد الله قد استشهد ولداه مع الإمام الحسين (عليه السّلام) , فقال : ماذا لقينا من الحسين ؟!
ولمّا سمع ابن جعفر مقالته حذفه بنعله ، وقال له : يابن اللخناء ، تقول ذلك في الحسين ! والله لو شهدته لأحببت أن لا اُفارقه حتّى اُقتل معه ، والله إنّه لما يُسخى بنفسي عن ولدي ، ويهونّ عليّ المصاب بهما أنّهما اُصيبا مع أخي وابن عمّي مواسين له صابرين معه .

وأقبل على حضّار مجلسه فقال لهم : الحمد لله ، لقد عزّ عليّ المصاب بمصرع الحسين أن لا أكون واسيته بنفسي , فقد واساه ولداي(1) .

رأس الإمام (عليه السّلام) في المدينة

وأرسل الطاغية يزيد رأس ريحانة رسول الله وسيّد شباب أهل الجنّة إلى المدينة المنوّرة ؛ لإشاعة الرعب والخوف والقضاء على كلّ حركة ضدّه ، وجيء بالرأس الشريف إلى عمرو بن سعيد الأشدق حاكم المدينة ، فأنكر ذلك وقال : وددت والله أنّ أمير المؤمنين لم يبعث إلينا برأسه .
وكان في مجلسه الوزغ ابن الوزغ مروان بن الحكم , فهزأ منه وقال :

ـــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ الطبري 4 / 357 .


الصفحة (318)

بئس ما قلت ! هاته .
وأخذ مروان رأس الإمام وهو جذلان مسرور ، وجعل يهزّ أعطافه بشراً وسروراً , ويقول بشماتة :

يا  حبّذا بردُكَ في اليدينِ      ولونُكَ الأزهرُ في الخدينِِ

 

وجيء برأس الإمام (عليه السّلام) فنصب في جامع الرسول (صلّى الله عليه وآله) ، وهرعنّ نساء آل أبي طالب إلى القبر الشريف بلوعة وبكاء ، فقال مروان :

عجّت نساءُ بني زبيد عجةً      كعجيجِ نسوتنا غداةَ الأرنبِ

 

وجعل مروان يبدي سروره ، وهو يقول : والله لكأنّي أنظر إلى أيام عثمان(1) . ثمّ التفت إلى قبر النبي (صلّى الله عليه وآله) فخاطبه : يا محمّد ، يوم بيوم بدر(2) .
لقد ظهرت الأحقاد الاُمويّة بهذا الشكل الذي ينمّ عن جاهليّتهم وكفرهم ، وأنّهم لم يؤمنوا بالإسلام طرفة عين .

السبايا في كربلاء

وطلب سبايا أهل البيت (عليهم السّلام) من الوفد الموكّل بحراستهم أن يعرّج بهم إلى كربلاء ليجدّدوا عهداً بقبر سيد الشهداء ، ولبّى الوفد طلبتهم فانعطفوا بهم إلى كربلاء ، وحينما انتهوا إليها استقبلنَ السيدات قبر الإمام أبي عبد الله بالصراخ والعويل ، وسالت الدموع منهنَّ كلّ مسيل ، وقضينَ ثلاثة أيام في كربلاء ، ولم تهدأ لهنَّ عبرة

ـــــــــــــــــــــ
(1) مرآة الزمان في تواريخ الأعيان 5 / 101 .
(2)
شرح نهج البلاغة 4 / 72 .


الصفحة (319)

حتى بُحّت أصواتهنَّ , وتفّتت قلوبهنَّ ، وخاف الإمام زين العابدين (عليه السّلام) على عمّته زينب (عليها السّلام) وباقي العلويات من الهلاك ، فأمرهنَّ بالسفر إلى يثرب , فغادرنَ كربلاء بين صراخ وعويل(1) .

إلى يثرب

واتّجه موكب أُسارى أهل البيت (عليهم السّلام) إلى يثرب ، وأخذ يجدّ في السير لا يلوي على شيء ، وقد غامت عيون بنات رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بالدموع وهنَّ ينحنَ ويندبنَ قتلاهنّ ، ويذكرنَ بمزيد من اللوعة ما جرى عليهنَّ من الذلّ .

وكانت يثرب قبل قدوم السبايا إليها ترفل في ثياب الحزن على اُمّ المؤمنين السيدة اُمّ سلمة زوجة النبي (صلّى الله عليه وآله) ؛ فقد توفّيت بعد قتل الحسين (عليه السّلام) بشهر كمداً وحزناً عليه(2) .

نعي بشر للإمام (عليه السّلام)

ولمّا وصل الإمام زين العابدين (عليه السّلام) بالقرب من المدينة نزل وضرب فسطاطه , وأنزل العلويات ، وكان معه بشر بن حذلم , فقال له : (( يا بشر ، رحم الله أباك لقد كان شاعراً ، فهل تقدر على شيء منه ؟ )) .
ـ بلى يابن رسول الله .
ـ (( فادخل المدينة وانع أبا عبد الله )) .
وانطلق بشر إلى المدينة ، فلمّا انتهى إلى الجامع النبوي رفع صوته مشفوعاً بالبكاء قائلاً :

ـــــــــــــــــــــ
(1) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 3 / 422 .
(2)
اللهوف / 116 .


الصفحة (320)

يا أهلَ يثربَ لا مقامَ لكم بها      قُـتلَ الحسينُ فأدمعي مدرارُ
ألجسمُ  منهُ بكربلاء مُضرّجٌ      و الرأسُ منهُ على القناةِ يُدارُ

 

وهرعت الجماهير نحو الجامع النبوي وهي ما بين نائح وصائح تنتظر من بشر المزيد من الأنباء ، وأحاطوا به قائلين : ما النبأ ؟
ـ هذا علي بن الحسين مع عمّاته وأخواته قد حلّوا بساحتكم ، وأنا رسوله إليكم اُعرّفكم مكانه .
وعجّت الجماهير بالبكاء ، ومضوا مسرعين لاستقبال آل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الذي برّ بدينهم ودنياهم ، وساد البكاء وارتفعت أصوات النساء بالعويل , وأحطنَ بالعلويات ، كما أحاط الرجال بالإمام زين العابدين (عليه السّلام) وهم غارقون بالبكاء ، فكان ذلك اليوم كاليوم الذي مات فيه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) .

خطاب الإمام زين العابدين (عليه السّلام)

وخطب الإمام زين العابدين (عليه السّلام) خطبة مؤثرة تحدّث فيها عمّا جرى على آل البيت (عليهم السّلام) من القتل والتنكيل والسبي والذلّ , ولم يكن باستطاعة الإمام (عليه السّلام) أن يقوم خطيباً ؛ فقد أحاطت به الأمراض والآلام , فاستدعى له بكرسي فجلس عليه ، ثمّ قال : (( الحمد لله ربّ العالمين ، الرحمن الرحيم ، مالك يوم الدين ، بارئ الخلائق أجمعين ، الذي بَعُد فارتفع في السموات العُلا ، وقرب فشهد النجوى ، نحمده على عظائم الاُمور ، وفجائع الدهور ، وألم الفواجع ، ومضاضة اللواذع ، وجليل الرزء ، وعظيم المصائب الفاظعة الكاظّة , الفادحة الجائحة .


الصفحة (321)

أيّها القوم ، إنّ الله تعالى ـ وله الحمد ـ ابتلانا بمصائب جليلة ، وثلمة في الإسلام عظيمة ؛ قُتل أبو عبد الله (عليه السّلام) وعترته ، وسُبي نساؤه وصبيته ، وداروا برأسه في البلدان من فوق عامل السنان ، وهذه الرزية التي لا مثلها رزية .
أيّها الناس ، فأيّ رجالات منكم يسرّون بعد قتله , أم أيّ فؤاد لا يحزن من أجله ، أم أيّة عين منكم تحبس دمعها وتضنّ عن انهمالها ؛ فلقد بكت السبع الشداد لقتله ، وبكت البحار بأمواجها ، والسماوات بأركانها ، والأرض بأرجائها ، والأشجار بأغصانها ، والحيتان في لجج البحار ، والملائكة المقرّبون , وأهل السموات أجمعون ؟!
أيّها الناس ، أيّ قلب لا ينصدع لقتله , أم أيّ فؤاد لا يحنّ إليه , أم أيّ سمع يسمع هذه الثلمة التي ثُلمت في الإسلام ولا يصم ؟!
أيّها الناس ، أصبحنا مطرودين مشرّدين ، مذودين شاسعين عن الأمصار ، كأنّنا أولاد ترك أو كابل ، من غير جرم اجترمناه ، ولا مكروه ارتكبناه ، ولا ثلمة في الإسلام ثلمناها ، ما سمعنا بهذا في آبائنا الأوّلين ، إن هذا إلاّ اختلاق .
والله ، لو أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) تقدّم إليهم في قتالنا كما تقدّم إليهم في الوصاية بنا لما زادوا على ما فعلوا بنا ، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون من مصيبة ما أعظمها وأوجعها , وأفجعها وأكظّها , وأفظعها وأفدحها ،


الصفحة (322)

فعند الله نحتسب فيما أصابنا وأبلغ بنا إنّه عزيز ذو انتقام )) .
وعرض الإمام (عليه السّلام) في خطابه إلى المحن السود التي عانتها الاُسرة النبويّة ، وما جرى عليها من القتل وسبي النساء ، وغير ذلك ممّا تتصدّع من هوله الجبال .

وانبرى إلى الإمام (عليه السّلام) صعصعة فألقى إليه معاذيره في عدم نصرته للحسين (عليه السّلام) , فقبل الإمام عذره , وترحّم على أبيه . ثمّ زحف الإمام (عليه السّلام) مع عمّاته وأخواته وقد أحاطت به الجماهير , وعلت أصواتهم بالبكاء والعويل , فقصدوا الجامع النبوي ، ولمّا انتهوا إليه أخذت العقيلة بعضادتي باب الجامع ، وأخذت تخاطب جدّها الرسول وتعزيه بمصاب ريحانته قائلة : يا جدّاه ، إنّي ناعية إليك أخي الحسين(1) .
وأقامت العلويات المأتم على سيد الشهداء (عليه السّلام) ، ولبسنَ السواد ، وأخذن يندبنه بأقسى وأشجى ما تكون الندبة .

مكافأة الحرس

وقام الحرس بخدمات ورعاية إلى السيدات ، فالتفتت السيدة فاطمة بنت الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) , فقالت للعقيلة زينب (عليها السّلام) : لقد أحسن هذا الرجل إلينا فهل لك أن نصله بشيء ؟
فأجابتها العقيلة (عليها السّلام) : والله ما معنا شيء نصله به إلاّ حليّنا .
ـ نعم ، هو ما تقولين .

ـــــــــــــــــــــ
(1) مقتل الحسين (عليه السّلام) ـ المقرّم / 472 .


الصفحة (323)

وأخرجن سوارين ودملجين وبعثتا بهما إليه , واعتذرتا له ، وتأثّر الرجل من هذا الكرم الغامر وهو يعلم ما هنَّ فيه من الضيق والشدّة ، فقال لهما باحترام : لو كان الذي صنعت للدنيا لكان في هذا ما يرضيني ، ولكن والله ما فعلته إلاّ لله , ولقرابتكم من رسول الله (صلّى الله عليه وآله)(1) .

حزن العقيلة (عليها السّلام)

وخلدت عقيلة آل أبي طالب إلى البكاء على انقراض أهلها(2) ، وكانت لا تجفّ لها عبرة ولا تفتر عن البكاء ، وكانت كلّما نظرت إلى ابن أخيها الإمام زين العابدين (عليه السّلام) يزداد وجيبها وحزنها ، وقد نخب الحزن قلبها الرقيق المعذّب حتّى صارت كأنّها صورة جثمان فارقته الحياة .

ـــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ الطبري 6 / 366 ، تاريخ ابن الأثير 3 / 300 .
(2)
حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 3 / 428 .


الصفحة (324)


الصفحة (325)

إلى جنّة المأوى

وخلدت حفيدة الرسول (صلّى الله عليه وآله) في يثرب إلى البكاء والنحيب ، وأخذت تراودها صباحاً ومساءً تلك الذكريات المروعة التي جرت على أخيها في صعيد كربلاء ، وما عاناه من الكوارث القاصمة التي تذوب من هولها الجبال ، فكانت دموعها تجري في كلّ لحظة على أخيها واُسرتها الذين حصدت رؤوسهم سيوف البغي ، ومثّلت بأجسامهم العصابات المجرمة .
لقد أخذت تلوح أمامها تلك المناظر الحزينة التي تعصف بالصبر حتّى ضاقت بها الأرض ، ولم تلبث أن ترفع صوتها عالياً مشفوعاً بالألم والبكاء قائلة : وا حسيناه ! وا أخاه ! وا عبّاساه ! وا أهل بيتاه ! وا مصيبتاه !

ثمّ تهوي إلى الأرض مغمىً عليها وقد صارت شبحاً ، وذوت كما ذوت اُمّها زهراء الرسول من قبل ، وكان أحبّ شيء لها مفارقة الدنيا والالتحاق بجدّها الرسول (صلّى الله عليه وآله) ؛ لتشكو إليه ما عانته من الرزايا والأسر والسبي ، وما جرى على أخيها


الصفحة (326)

من القتل والتمثيل .

ونتحدّث بإيجاز عن وفاتها ، وما قيل في زمانها ، والمكان الذي حظي بمرقدها .

إلى جنّة المأوى(*)

ولم تمكث العقيلة (عليها السّلام) بعد كارثة كربلاء إلاّ زمناً قليلاً حتّى تناهبت الأمراض جسمها ، وصارت شبحاً لا تقوى حتّى على الكلام ، ولازمت الفراش وهي تعاني آلام المرض ، وما هو أشقّ منه وهو ما جرى عليها من الرزايا ، وكانت ماثلة أمامها حتّى الساعات الأخيرة من حياتها .

وقد وافتها المنية ولسانها يلهج بذكر الله وتلاوة كتابه ، وقد صعدت روحها الطاهرة إلى السماء كأسمى روح صعدت إلى الله ، تحفّها ملائكة الرحمن وتستقبلها أنبياء الله ، وهي ترفع إلى الله شكواها وما لاقته من المحن والخطوب التي لم تجرِ على أيّ إنسان منذ خلق الله الأرض .

الزمان

انتقلت العقيلة (عليه السّلام) إلى جوار الله تعالى على أرجح الأقوال يوم الأحد لخمسة عشر مضين من شهر رجب سنة (62هـ)(1) ، وقد آن لقلبها الذي مزّقته الكوارث أن يسكن , ولجسمها المعذّب أن يستريح .

الأقوال في مرقدها

واختلف المؤرّخون في البقعة التي حظيت بجثمانها المعظم ، وهذه بعض الأقوال :

ـــــــــــــــــــــ

(*) هكذا ورد العنوان هنا مكرراً مع ما في الصفحة التي سبقته , وهي طريقة لا نكاد نجد لها نظيراً في جميع الكتب التي تمّ تصحيحها وتقويمها من قِبل موقعنا . (موقع معهد الإمامين الحسنين) 
(1)
السيدة زينب وأخبار الزينبيات ـ العبيدلي / 9 .


الصفحة (327)

1 ـ في البقيع

وذهب بعض المؤرّخين إلى أنّها توفّيت في يثرب ودفنت في بقيع الغرقد .

ويواجه هذا القول إنّها لو دفنت هناك لكان لها مرقد خاص كما هو الحال في غيرها من السادة المعظّمين من أبناء الاُسرة النبويّة . ومن المحتمل أنّها أوصت أن تُدفن في غلس الليل البهيم ، ويُعفى موضع قبرها ؛ تأسّياً باُمّها زهراء الرسول (صلّى الله عليه وآله) .

2 ـ في الشام

وأفاد فريق من المؤرّخين أنّها توفّيت في إحدى قرى الشام , ويعزو بعضهم سبب سفرها إلى الشام أنّه حدثت في يثرب مجاعة عظيمة فهرب منها عبد الله بن جعفر مصاحباً معه زوجته العقيلة وسائر عائلته ، ولمّا انتهت العقيلة إلى ذلك المكان توفّيت فيه .

وحدوث المجاعة فيما نعتقد لا أساس له من الصحة ؛ لأنّ المؤرّخين والرواة لم يذكروا أنّه حدثت مجاعة في يثرب في ذلك الوقت , مضافاً إلى أنّ عبد الله بن جعفر كان من الأثرياء المعدودين في المدينة ، فهل ضاق نطاقه عن إعاشة عائلته حتّى يذهب إلى الشام ؟ كما إنّه كان من أندى الناس كفّاً ، ومن أكثرهم إسعافاً وعطاءً إلى الفقراء والبؤساء ، فكيف يتركهم ينهشهم الجوع وينهزم إلى الشام التي هي مقرّ السلطة الاُمويّة التي نكبته بسيّد أُسرته وابن عمّه الإمام الحسين (عليه السّلام) , وبولديه وغيرهما من أبناء الاُسرة النبويّة ؟!
وعلى أيّ حال ، فإنّ المشهور في الأوساط الإسلاميّة أنّ قبر العقيلة في الشام حيث هو قائم الآن ، وقد اُحيط بهالة من التقديس والتعظيم ، وتؤمّه الملايين من الزائرين متبرّكين ومتوسّلين به إلى الله تعالى ، شأنه شأن مرقد أخيها أبي الأحرار (عليه السّلام) الذي صار أعزّ مرقد في الأرض .

والذي نذهب إليه هو أنّ قبرها الشريف في الشام , وإليه ذهب الكثيرون من المحقّقين .


الصفحة (328)

3 ـ في مصر

وذهب جمهرة من المؤرّخين إلى أنّ قبر الصدّيقة الطاهرة زينب (عليها السّلام) في مصر ، وهذا هو المشهور عند كافّة المصريين .

ولا بدّ لنا من وقفة قصيرة للحديث عن سبب هجرتها لمصر ، وما يتعلّق بمرقدها المعظّم .

سبب هجرتها لمصر

وذكر المؤرّخون أنّ العقيلة (عليها السّلام) أخذت تلهب العواطف ، وتستنهض المسلمين للأخذ بثأر أخيها والانتفاض على السلطة الاُمويّة ، والتي كان من نتائجها أنّ المدينة أخذت تغلي كالمرجل ، وأعلنت العصيان المسلح على حكم الطاغية يزيد ، فأرسل إليها جيشاً مكثّفاً بقيادة الإرهابي المجرم مسلم بن عقبة فأنزل بالمدنيّين أقصى العقوبات ، وأكثرها صرامة وقسوة ، وأرغمهم على أنّهم خول وعبيد ليزيد ، ومَنْ أبى منهم نفّذ فيه حكم الإعدام .

وعلى أيّ حال ، فإنّ عمر بن سعيد الأشدق والي يثرب خشي من العقيلة (عليها السّلام) ، وكتب إلى يزيد خطرها عليه , فأمره بإخراجها من المدينة إلى أيّ بلد شاءت , فامنتعت وقالت : قتل ـ أي يزيد ـ خيارنا ، وساقنا كما تُساق الأنعام ، وحملنا على الأقتاب ، فوالله لا أخرج وإن اُهرقت دماؤنا .
وانبرت إليها السيدة زينب بنت عقيل ، فكلّمتها بلطف قائلة : يا بنت عمّاه ، قد صدقنا الله وعده ، وأورثنا الأرض نتبوّء منها حيث نشاء ، فطيبي نفساً ، وقرّي عيناً ، وسيجزي الله الظالمين ، أتريدين بعد هذا هواناً ؟ ارحلي إلى بلد آمن .
واجتمعنَ السيدات من نساء بني هاشم وتلطّفنَ معها في الكلام فأجابت , واختارت الهجرة إلى مصر ، وصحبنها في السفر السيّدة فاطمة بنت الإمام الحسين (عليها السّلام)


الصفحة (329)

واُختها سكينة (عليها السّلام) .

وانتهت إلى مصر لأيام بقيت من ذي الحجّة ، وقد استقبلها والي مصر مسلمة بن مخلد الأنصاري فأنزلها في داره بالحمراء , فأقامت فيه أحد عشر شهراً وخمسة عشر يوماً ، وانتقلت إلى جوار الله عشية يوم الأحد لخمسة عشر يوماً مضت من رجب سنة (62هـ) ، ودُفنت في دار مسلمة حيث مرقدها الآن في مصر .

هكذا ذكر العبيدلي(1) وغيره(2) .

زيارة المرقد

ويؤمّ المصريون وغيرهم من المسلمين المرقد المعظّم خصوصاً في يوم الأحد المصادف لليوم الذي توفّيت فيه العقيلة (عليها السّلام) ؛ فإنّهم يزدحمون على زيارته بما فيهم من العلماء والفقهاء ، وقد زارها في هذا اليوم كافور الأخشيدي ، وأحمد بن طولون ، والظافر بنصر الله الفاطمي ، وكان يأتي حاسر الرأس مترجّلاً , ويتصدّق عند القبر الشريف على الفقراء ، واقتدى به ملوك مصر واُمراؤها .
وإذا حلّ شهر رجب ، وهو الشهر الذي توفّيت فيه العقيلة (عليها السّلام) ، زحفت الجماهير إلى المرقد المعظّم , ويقيم الكثيرون فيه إلى النصف من رجب ، وهم يتلون كتاب الله والأدعية الشريفة ، وقد ذكر ذلك العبيدلي(3) .

عمارة المرقد

واُجريت على المرقد المعظّم في مصر عدّة عمارات وإصلاحات من قبل بعض

ـــــــــــــــــــــ
(1) السيدة زينب وأخبار الزينبيات / 21 .
(2)
إسعاف الراغبين / 196 ، لواقح الأنوار ـ الشمراني / 23 ، الإتحاف بحبّ الأشراف / 93 ، مشارق الأنوار / 100 .
(3)
السيدة زينب وأخبار الزينبيات / 60 ـ 61 .


الصفحة (330)

المحسنين من ملوك ووزراء وغيرهم ، كان منهم ما يلي :
1 ـ أمير مصر ونقيب الأشراف الزينبيّين ، الشريف فخر الدين ثعلب الجعفري الزينبي ؛ فقد أشاد عمارة مهمّة على المرقد الشريف .
2 ـ الأمير علي باشا الوزير ، والي مصر من قبل السلطان سليمان خان ؛ فقد شيّد المرقد وأضاف إليه مسجداً يتّصل به وذلك في سنة (956هـ) .
3 ـ الأمير عبد الرحمن كتخدا ؛ فقد عمّر المرقد وأنشأ به ساقية وحوضاً وذلك في سنة (1174هـ) .
4 ـ وفي سنة (1212هـ) ظهر صدع في بعض حوائط المسجد , فندبت حكومة عثمان المرادي لتجديده وإنشائه , فابتدأ العمل إلاّ أنّه توقّف لدخول الفرنسيّين لمصر ، وأكمله بعد ذلك الوزير يوسف باشا وذلك في سنة (1326هـ) .

وأرّخ ذلك بأبيات خطّت على لوح من الرخام وهي :

نـورُ  بنت النبي زينب يعلو      مـسجداً فـيه قبرها والمزارُ
قد  بناه الوزير صدر المعالي      يـوسف  و هو للعلا مختارُ
زاد جلاله كما قلت  و مسـ      ـجد مـشـرق بــه أنــوار
ُ !

 

وحالت دون إتمام عمارته بعض الموانع فأكمله محمّد علي باشا الكبير جدّ الاُسرة العلوية .
5 ـ سعيد باشا ، أمر بتجديد الوجهة الغربية والبحرية من الضريح ، وذلك في سنة (1276هـ) , وبعد تمام العمارة كتب على لوح من الرخام التأريخ , وهذا نصه :

فـي ظـلّ أيـام السعيد محمد      ربّ  الفخار مليك مصر الأفخمِ
من فائض الأوقاف أتحف زينباً      عون  الورى بنت النبيّ الأكرمِ
مَن يأت ينوي للوضوء مؤرّخاً      ويـسعد فإنّ وضوءَه من زمزمِ

 

الصفحة (331)

وكتب على باب المقام هذا البيت :

يا  زائريها قفوا بالباب وابتهلوا      بنت الرسول لهذا القطر مصباحُ

 

وليست العقيلة مصباحاً وشرفاً لمصر ، وإنّما هي فخر ونور لجميع أقاليم العالم الإسلامي .
6 ـ الخديوي محمّد توفيق باشا ، جدّد الباب المقابل لباب القبّة ، جدّده بالمرمر المصري والتركي وذلك في سنة (1294هـ) ، وفي سنة (1297هـ) أمر بتجديد القبّة والمسجد والمنارة , وتمّ البناء في سنة (1302هـ) ، وكتب على أبواب القبّة الشريفة هذه الأبيات :

باب  الشفاعةِ عند قبّة زينبٍ      يـلقاه  غـادٍ لـلمقام ورائحُ
من يمن توفيق العزيز مؤرّخ      نور  على باب الشفاعة لائحُ

 

كما كتبت هذه الأبيات :

قـف  توسّل بباب بنت عليّ      بـخضوع وسـل إله السماءِ
تـحظ بـالعزّ والقبول وأرّخ      باب اُخت الحسين باب العلاءِ

 

كما رسمت هذه الأبيات :

رفـعوا لـزينب بنت طه قبّةً      عـلياء  مـحكمة البناء مشيّدهْ
نور  القبول يقول في تأريخها      باب الرضا والعدل باب السيّدهْ

 

وفي هذا التأريخ نقشت القبّة والمشهد بنقوش رائعة وبديعة ، كان ذلك بأمر محمّد توفيق ، وبهذا ينتهي بنا الحديث عن المرقد المعظم في مصر(1) .

ـــــــــــــــــــــ
(1) زينب الكبرى / 125 ـ 126 .


الصفحة (332)

ويتشرف ويسمو كلّ قطر اُقيم فيه لسيّدة النساء العقيلة زينب (عليها السّلام) مرقد أو مقام ، فهي بحكم مواريثها وصفاتها أفضل سيّدة خلقها الله بعد اُمّها زهراء الرسول ، وبهذا تنطوي الصفحات الأخيرة من هذا الكتاب .

والحمد لله ربِّ العالمين والصلاة والسّلام على محمّد وآله الطاهرين

 
 
البرمجة والتصميم بواسطة : MWD