1439 / ربیع‌الاول / 5  |  2017 / 11 / 24         الزيارات : 483727         صلاة الصبح |         صلاة الظهر والعصر |         صلاة المغرب والعشاء |

واقعة الطف في الشعر القصصي الحديث.. دراسة مقارنة في تقنية الراوي

{ أ. م. د. علي مجيد البديري }
واقعة الطف في الشعر القصصي الحديث.. دراسة مقارنة في تقنية الراوي

مقدّمة([1])

تُثير فينا قراءةُ الشعر العربي المعاصر، الذي يحقّق تناصّاً تاريخياً مع واقعة الطفّ التاريخية، رغبةً وفضولاً علمياً في البحث عمّا يشابهه في الموضوع، ويماثله في المعالجة الفنّية في الآداب العالمية الأُخرى، من خلال مساحة بحثية يُوفّرها لنا (الأدب المقارَن) في ميادينه وحقوله الدراسية التي منها دراسة المؤثِّرات المشتركة فيما بين آداب الأُمم المختلفة.

ولا يبذل طالبُ هذا الأمر وصاحبُ هذه الرغبة جهداً كبيراً في البحث عن مطلبه؛ ما دام الأمر متّصلاً بواقعة مهمّة في التاريخ العربي الإسلامي، كواقعة الطفّ التي حدثت في العراق سنة (61هـ)؛ إذ احتلّ الشعر المكتوب حولها مساحة كبيرة من خارطة الشعر الإسلامي العربي وغيره، بطريقة تجلّت فيها قوّة تأثير هذا الحدث التاريخي في هذا الشعر بشكل مهيمنٍ وفاعل، عبر تنوّع طرائق التوظيف والإفادة من طاقات الحدث الإيحائية.

وليس بخافٍ ما يمكن أن تحقّقه الدراسة المقارنة في هذا المجال؛ إذ سيكون التقصّي عمّا يشكّل خروجاً عن السائد والمألوف في المعالجة الشعرية والتمثيل الفنّي لحدثٍ تاريخي، فلا يتوقّف البحث عند حضور هذا الحدث في قصيدتين إحداهما من الشعر الفارسي، وإنّما يتعدّاه إلى معاينة طبيعة هذا الحضور وكيفيّته.

واللافت لنظر القارئ المتتبّع لتوظيف هذا الحدث في الشعر المعاصر، كثرة اعتماد الشعراء في ذلك على الطاقة السَّردية التي تتميّز بها هذه الواقعة، عبر تفصيلات روتها مصادر تاريخية وحديثية مختلفة؛ الأمر الذي جعل منها مادة طيّعة للقصيدة الحكائية، وهو ما شكّل حافزاً كبيراً على كتابة هذه المقاربة النقدية. 

ولعلّ في هيمنة فجائعية مقتل الإمام الحسين(عليه السلام) على الشعر المكتوب حول الطفّ، ما جعل من وجوه المأساة الأُخرى أقلَّ حضوراً ونصيباً في التناول من قبل الشعراء، ومن هذه الوجوه (أطفال الإمام الحسين(عليه السلام))، وما وقع عليهم من قتلٍ وسبي وتشريد؛ ومن هنا كان لهذه الوقفة البسيطة محاولة تسليط ضوء القراءة على نصّين شعريين ينتميان إلى أدَبَين عريقين لهما صلةٌ عميقة و تاريخٌ طويل مع هذا الشعر، وهما: الشعر العراقي، والشعر الفارسي.

النصّان الشعريان الحكائيان المختاران في هذه الوقفة البحثية السريعة لشاعرين معاصرين، هما: الشاعر العراقي عبد الكريم كاصد، والشاعر الإيراني علي رضا قزوه. وسيكون (الراوي/السَّارد) ـ موضع عناية الدراسة ـ تقنيةً من تقنيات السَّرد وظّفها النصّان عبر إفادتهما من سبل التنافذ ما بين فنّي الشعر والسَّرد.

يُعدُّ الشاعر عبد الكريم كاصد المولود سنة (1946م) من شعراء الحداثة في الشعر العراقي الحديث، صدرت له اثنتا عشرة مجموعة شعرية، منها: (الحقائب/1975)، (النقر على أبواب الطفولة/1978)، (الشاهدة/1981)، (وردة البيكاجي/1983) وغيرها، وله أيضاً مجموعة قصصية، ومسرحية شعرية، وترجمات عديدة عن الفرنسية والإنجليزية. عاش مغترباً عن العراق منذ أواخر السبعينات من القرن الماضي، وحتى عودته عام (2011) إلى مدينته البصرة.

يمكن لقارئ شعر عبد الكريم أن يلاحظ احتفاءه باليومي والمألوف بكل تفاصيله، من غير أن تُوقِع هذه الظاهرةُ شعرَه في تقريريةٍ باردةٍ أو تسجيليةٍ آليةٍ، فهو يحرص في كثير من قصائده على توظيف هذه التفصيلات في التعبير عمّا هو عام وشمولي. وفي مجموعته الثانية (النقر على أبواب الطفولة)، التي صدرت في بغداد عام (1978)، تتجلّى هذه الظاهرة بوضوح في معظم قصائد المجموعة التي تمتاز بأنّها صورٌ مستلَّةٌ من ذاكرة الطفولة التي عاشها الشاعر في جنوب العراق، وقد تناولت إحدى قصائد هذه المجموعة موضوعة عاشوراء من خلال عينَي طفلٍ جائع.

أمّا النص الشعري الثاني الذي نختاره في هذه المقارنة، فهو للشاعر الإيراني علي رضا قزوه المولود سنة (1963)([2])، الحائز على درجة الدكتوراه في الأدب الطاجيكي، ويُعدُّ من الجيل الثاني لشعراء إيران بعد الثورة، ومن أكثرهم شهرة وتوفيقاً. ينظم الشعر بالأُسلوبين العمودي والحر، وله قراءاته في الشعر العربي المعاصر، وقد صدرت له عدّة مجاميع شعرية، منها: (من غابة النخيل إلى‌ الشارع/1989)، (شبلي والنار/1994)، (ركعتا حُبّ/1996)، (الحبّ عليه السلام/2002).

يرى الشاعر (قزوه) في واقعة عاشوراء انتفاضةً كبرى صانعةً للإنسان، وحركةً إلهيّة، وهي بالإضافة إلى هذا تتوافر من الناحية الفنّية على تلك الروعة الجمالية الفائقة التي تجعل الأدباء والفنّانين في حيرة أمام جوانبها المتعدّدة والكبيرة؛ ويفرض هذا الأمر ـ برأي الشاعر ـ  على الأدباء أن ينظروا إلى هذه الواقعة نظرةً إشراقيةً خاصة، ويعدُّوها حركة و نوراً، و يُبدِعوا أعمالاً قيّمة وخالدة بوحي من هذه الواقعة.

وتجسيداً لذلك؛ فقد شهد الشعر العاشورائي الفارسي في العقد الأخير من القرن المنصرم توجّهاً جديداً في اللغة والفكر والهيكلية؛ إذ تمَّ التطرّق إلى الجوانب العاشورائية العميقة، مع وضع العنصر الفكري والذوق الفنّي بطريقة توازي أهمّية المعرفة([3]).

ومن الواضح اندراج هذا التوجّه وهذه الرؤية لدى الشاعر (قزوه) في مجمل توجّهات حداثة النص الشعري، التي تجلّت في إعادة قراءة الحدث التاريخي شعرياً، والإفادة من معطياته وطاقاته الدلالية والجمالية في توسعة مساحة القول الشعري.

الراوي وأنماطه

لا يوجد السَّرد إلّا من خلال حكاية يتمّ فيها عرضٌ لتسلسل الأحداث في النص، وهو ما يعني قيام السَّرد على دعامتين رئيستين: الأُولى يمثّلها (الراوي/السَّارد)، والثانية يمثّلها (الحدث/الفعل)([4]).

والراوي هو ذاتٌ متخيِّلة تقوم بعملية سرد الحدث، وتتنوّع أنماطه وأشكاله في النص السَّردي، ويتغيّر موقعه ووظيفته تبعاً لذلك في تفصيلات قامت ببيانها وتوضيحها الكتبُ التنظيرية الكثيرة، التي عنيت بنظرية السَّرد وبنية النص السَّردي الحديث.

ويمكن ـ على نحو مختصر وواضح نوعاً ما ـ تحديد أنماط الراوي أو أشكاله في ضوء ما تناولته معظم الكتب والدراسات المشار إليها، وهي:

1ـ الراوي المشارك أو الممسرح (Dramatized narrator): وهو أحد الأشخاص الفاعلين في صناعة الحدث داخل العمل السَّردي، فهو مشارك في الحكاية، وأحد أبطالها، وهو الراوي الممسرح([5]).

توفِّر مشاركة الراوي في الأحداث فرصةً يكون فيها قريباً بشكل كبير جداً من الشُّخوص الآخرين في الحكاية([6])، فهو يتقاسم معهم مراحل تشكُّل الحدث ونهاياته، ويعيش معهم ظروفاً مشتركة؛ ولذا سيكون ما يرويه متوافراً على قوّة الإقناع بطبيعة ما يحدث، عبر لغة خاصّة تحافظ على مقدار المساحة التي يظهر فيها الراوي مشاركاً، لا مهيمناً، أو موجّهاً لطبائع الشخوص الأُخرى؛ وسيعمل هذا الأمر على دفع النص السَّردي باتجاه قبوله بشكل سريع من قِبَل المروي له، وهو ما يحقّق للنص أكبر غاياته أهمّيةً.

2ـ الراوي العليم (Omniscient narrator): وهو الراوي العارف بجميع أحوال الشخصية الحكائية، وبكلّ ما يدور بدواخلها، ولديه القدرة على النفوذ إلى تفاصيل كلّ المشاهد عبر الجدران والحواجز([7]). ويعمد الكاتب إلى توظيف هذا النمط من الراوي في نصّه استجابةً لطبيعة الحدث المروي أو تحقيقاً لوظائف ودلالات يريد إيصالها إلى المروي له.

3ـ الراوي المحايد أو الشاهد (Dispassionately narrator): وهنا ينأى الراوي بنفسه عن التدخّل في الحدث أو في أفعال الشخوص وما يدور في دواخلها، فهو يعتمد الوصف الخارجي للأصوات والحركات من غير أن يتدخّل في التعليق عليها أو تفسيرها([8]).

وتُعادل تقنيةُ الراوي المحايد عبر وظيفتها في السَّرد، تقنيةَ آلة التصوير في العمل السينمائي، فالوظيفة في كلتا الحالتين هي التقاط المرئي وتصويره ونقله إلى القارئ أو المشاهد([9]). وهنا تتّسع وظيفة القارئ ومشاركته في استنطاق دلالات النص، ورصد غايات الكاتب من استخدام هذه التقنية في نصّه؛ حيث يُفسحُ المجالُ أمام القارئ ليملأ الفراغ المتخلف عن غياب التصريح بدلالة الحدث أو الوصف. ولعل الكثير من الكتّاب يرون مناسبةَ هذا النمط من الراوي للسرد الذي يعالج أفكاراً وموضوعات ذات طابع عام، ليجد كلّ قارئ فرصة لتحقّق حضوره في النص.

وقد تطلّب سعي النص الشعري ـ في صناعته لصوره الفنّية ـ إلى توظيف كلّ ما من شأنه أن يقرّب هذه الصورة إلى المتلقّي من تقنيات، وكانت الاستعانة بالسَّرد تجلّياً لوجهٍ من وجوه هذا السعي؛ إذ يضفي الامتداد والتتابع في طبيعة السَّرد ـ المرتكزة على عنصري المكان والزمان ـ حركيةً في داخل صور النص الشعري، أفادته في تعميق تجربته وتطوير تقنيّاته.

نمط الراوي ودوره في حركة النّص الشعري الحكائي ) بين قصيدتين(

سنرى ـ من خلال المقارنة ما بين النصّين المختارين ـ كيف يتمّ توظيف تقنية الراوي في النص الشعري لأجل تحقيق إنجاز نصّي يقصده الشاعر المعاصر عبر إفادته من جماليات السَّرد وتقنياته.

قصيدة عبد الكريم كاصد

تحمل قصيدة الشاعر عبد الكريم كاصد عنوان: (طفلٌ جائعٌ في عاشوراء)، ونصّها:

«بينَ شموعِ المأتمِ والآس

تحملُني أُمّي فوقَ رؤوسِ النِّسوة ملفوفاً بعباءتِها السَّوداء

والحيطان السُّود.. وصورةُ مطعونٍ بين خيولِ الأعداء

يحملُ طفلاً..

مرَّ على جبهتِه السَّيف..

دعيني ألمسُ جبهتَك.. احترقتْ رئتي

مرَّ السَّيفُ على شفتي

أُمّاه..!

دعيني آكلُ خبزَ العبّاس»([10]).

يأتي الراوي في نص عبد الكريم على وفق نمطٍ توليفي ما بين شكلَي الراوي المشارك والراوي المحايد، فهو مشارك محايد، يصفُ عبر منطقٍ طفولي ـ بما فيه من ميلٍ نحو المباشرة والتسجيل ـ المكانَ والشخوص بطريقةٍ دالةٍ يشكِّلُ فيها اللونُ الأسودُ عنصراً مُهيمناً بدلالته على الحزنِ والمأساة.

يقوم الراوي هنا بدورٍ محوري ومهمٍّ في السَّرد، وقد ضاعف من أهمّية دوره مجيؤه محايداً؛ حيث يجعل ذلك من حركة بنية النص حركةً دالةً، ذلك «أنّ إقامة حركة البناء وفق منطق معيّنٍ للشكل، هي نفسها إقامة حركة قول البنية والرؤية التي تحكمها»([11]).

لقد منحتْ طريقة الوصف المحايدة لمفردات المشهد القارئَ فرصة المشاركة في إعادة بناء المشهد. (الطفل/الراوي) لا يُدرك حجم المأساة وحقيقتها بشكلٍ تام؛ لذا فهو ينقل طرفه بين مفردات (الواقع/المأتم) وبين حاجته للطعام، ولعلّ في طلبه الخبز من أُمّه في نهاية النص، إحالةً إلى حدث يقترن بالعبّاس(عليه السلام)، وهو طَلَبُ عيال الحسين(عليه السلام) منه الماءَ في ظهيرة اليوم العاشر من المحرّم، حينما اشتدّ بهم العطش وأنهك قواهم.

ونلاحظ في نص عبد الكريم التركيزَ على التقابلات بين المفردات لإبراز إيقاع التوحّد الداخلي ما بين (الراوي/الطفل) ووالدته من جهة، ومشهد الإمام الحسين(عليه السلام) وطفله الرضيع:

تحملُـني أُمّــي               ×××          يحملُ طفلاً

مرَّ على جبهتِه السّيفُ   ×××          دعيني ألمسُ جبهتَك

صـورةُ مطعـون            ×××          احترقتْ رئتي

مرَّ على جبهتِه السّيفُ   ×××          مرَّ السّيفُ على شفتي

ويعتمد الشاعر هذه التقابلات نسقاً مهيمناً في بنية نصِّه القصير، ويحقّق حضورُها انسجاماً تركيبياً، ويشكِّل قيمةً فنّيةً كبيرةً إضافةً إلى قيمته المعرفية؛ حيث يمكن أن تجسّد للقارئ رؤيةَ (الشاعر/السَّارد) للحدث ودلالاته في التاريخ والحياة.

إنّ حضور السَّارد ـ من خلال ضمير المتكلّم في معظم الوحدات السَّردية (تحملني، دعيني ألمس، دعيني آكل) ـ ساعد على إضفاء شكلٍ حركي على النص عبر توسيع المدى الحركي للأفعال، ويرفد هذا الحضور الضميرُ ذاته أيضاً في الوحدات الاسمية (أُمّي، رئتي، شفتي)، ويتحوّل السَّارد في أُسلوبه نحو خطاب الآخر في جملتين: (دعيني ألمـسُ جبهتَك) و(دعيني آكلُ خبزَ العبّاس)، في صورة من صور إلحاح الطفل المضطرب الجائع.

في نهاية النص، يَعمدُ الشاعرُ إلى توظيف طقسٍ عاشورائيٍّ شعبيٍّ حرص الناسُ ـ النّساء تحديداً ـ على القيام به في اليوم السابع من المحرّم، وهو اليوم المخصَّص للعبّاس(عليه السلام)، حيث تُوزِّع النّسوة فيه الخبزَ على الأشخاص والبيوت، في تقليد طقسي سُمِّي بـ(خبز العبّاس). ويُعدُّ التوظيف هنا عنصراً غنياً بحمولته الدلالية المرتبطة بواقعين متلازمين لم ينفصلا منذ أن وُجِدا: واقع الحدث (معركة الطفِّ واستشهاد الإمام الحسين(عليه السلام))، وواقع الشعائر الحسينية.

إنَّ نصَّ عبد الكريم كاصد نصٌّ تبنيه الذاكرة، ذاكرة (الطفل/الراوي الشاهد)، وهي تمسك بمشاهدَ وصورٍ من المأتم الحسيني في أيام عاشوراء، فمفردات المشهد مستجلَبَةٌ من ذاكرة طفولة الشاعر المتماهي في الراوي، على الرغم من أنّ المنظور الروائي يُميّز ما بين السَّارد والمؤلِّف بوصفهما كائنين مختلفين، يتحقّق وجود أحدهما (المؤلِّف) بوجود الآخر (السَّارد)([12])؛ ولعلّ من هنا جاء اختيار الشاعر لنصّه نوعاً من السَّرد يُسمّى بـ(السَّرد الذاتي)؛ حيث جعل من نفسه محوراً للنص، فهو المُخبِر الوحيد عنها، وعمّا تراه، وقد حقّق هذا الأمر نمواً في حركة النص، فالشاعر هنا راوٍ ومتلقٍّ في آنٍ واحد، وجاء الحدث (السَّرد) النابع من ذاته محوراً لهذه الحركة([13]). فالصور الملتقطة بعينَي (الراوي/الطفل) خارجةٌ من ذاته وعائدة لها في الوقت نفسه، مفيداً من طاقة الحدث الإيحائية في إحالاته الكبيرة على الواقعة في التاريخ، وعلى ممارسات إحياء ذكراها في الوجدان الشعبي.

وقد اعتمد النص هنا بناءً سردياً يتخلّق الحدثُ فيه من خلال عددٍ من الصور التي تتّسم بالاقتضاب وعدم الاكتمال، ولعلّ خَلْف ذلك يكمن ما يسكتُ عنه النص، ويحرِّض القارئَ على استنطاقه، ففي عدم الاكتمال هذا إشارةٌ إلى استمرارية الحدث وامتداده، فالمشهد الموصوف مفتوحٌ على التشكّل، طالما أنّ وَصْفَه قد تمّ عبر عينين ترى الأشياء والأحداث والأفكار محاطةً بغلالةٍ من الإبهام وعدم الوضوح. وتقوم هذه الصور المقتضبة بتحريض انفعالاتٍ خفية على الظهور، فتتجلّى الرغبة ملحةً على لسان الطفل بالتماهي مع شخصية من شخوص مشهد الواقعة (العباس(عليه السلام))، وكأنّ النص بكثافته واختزاله يقصد إلى نقل المتلقّي من عالمٍ عامرٍ بمشاهد الحزن والألم وتصوير المأساة، إلى عالم آخر يبدأ من الوعي بالحدث وينتهي إلى طلب التوحّد معه والانصهار فيه، وفي ذلك دلالة قصدية واضحة.

قصيدة علي رضا قَزْوِه

يحملُ نصُّ علي رضا قزوه عنوان: (بعض المشاهد من رواية ظهْر اليوم العاشر):

(1)

«مَن داشتم نماز رکعت دوم را می خواندم

که ناگهان

يك قطره خون علی اصغر

چکيد بر سجاده ام

تو رفته بودی به جستجوی تشنگی ام

کنار کف العباس

که ناگهان شمر

سر امام را بريد.

(2)

طلا فروش عرب

شکسته بسته گفت بخر

آقا بخر.. آقای خوب ايرانی

طلای خوب

دستبند.. گوشواره

محمود گفت:

دُلار که پايين بيايد

نفت که بالا برود

طلا.. بالا.. پايين...

من گفتم:

آن سوی تلّ زينبيه اگر خاکی ديديم می گرديم

شايد يك لنگه گوشواره کوچك پيدا شد...»([14]).

وترجمة النّص هي:

(1)

«كنتُ أُصلّي الركعةَ الثانية

وفجأةً

سقطتْ قطرةٌ مِن دمِ عليِّ الأصغر

على سجادتِي

كنتُ ذاهباً للبحثِ عن عطشي

قُرْب كفِّ العبّاس

وفجأةً حزَّ شمرُ وريدَ الإمام.

(2)

العربيُّ بائعُ الذّهب

قال بلهجةٍ غير مفهومةٍ تماماً:

اِشترِ..

يا سيّدي اِشترِ..

يا سيّدي الإيرانيّ الجميل

هذا ذهبٌ جيّد

مِعضَدٌ.. أقْرَاطُ الأُذن

قال محمود:

عندما يرخصُ الدولار

عندما يرتفعُ سعرُ النفط

سعرُ الذهب.. يرتفعُ.. ينخفضُ...

قلتُ:

في الجانبِ الآخرِ من التلّةِ الزينبيّة

إذا رأينا تُراباً

سنبحثُ فيه

لعلّنا نعثرُ على قُرطٍ صغير...»([15]).

يأتي (الراوي/السَّارد) في نص علي رضا قزوه على نمط مماثل لصورته في نص عبد الكريم كاصد، فهو راوٍ مشارك، يصف الحدث ويُسهم في تشكّله وإحداثه: (كنتُ أُصلّي، كنتُ ذاهباً، قلتُ)، ثمّ يعمد إلى إحضار ذواتٍ أُخرى تشاركه الحدث في النص الشعري، ويُحدِث وجودُها أحياناً تحوّلاً في السَّرد، وغالباً ما تكون هذه الذات غير متّفقة مع ذات السَّارد، ويُسمّيها (جريماس) بالذات المضادّة في الخطاب السَّردي([16])، وتعمد عبر تضادّها هذا إلى تهيئة مساحة لحدثٍ فرعي يتوجّه نحو إبراز دلالةٍ يريد النص البوح بها، وهو ما يتمثّل في (سقطتْ قطرةٌ من دم علي الأصغر/حزَّ شمر وريد الإمام).

ويتداخل في نص قزوه زمانان: الحاضر بالماضي، ومكانان: كربلاء المدينة بكربلاء المعركة والمأساة. ويأتي البحث من قِبَل الراوي عن قرطٍ لطفلةٍ من أطفال الحسين(عليه السلام) تأكيداً على انتماء المكان إلى المعركة والمأساة، أكثر من انتمائه إلى تفاصيل الحياة في كربلاء المدينة، وما يشغل سوقها من حراك يومي واقتصادي مألوف ينأى بها عن قدسيّتها وروحانيتها.

إنّ البحث،كذلك، محاولةٌ من الشاعر ـ عبر عين الراوي وفاعلية حركته في النص ـ لبعث صورة المأساة من جديد، يدفعه إلى ذلك شعورٌ بتوهّج حرارة مشهد إحراق الخيام وترويع النساء والأطفال بعد مقتل الإمام الحسين(عليه السلام) وبقائه ماثلاً في المكان. وقد اختار الشاعر منطقة (التلّ الزينبي) ليُعبِّر عن حركته في استعادة المكان لملامحه.

ويتداخل نمط الراوي في المقطع الثاني من قصيدة قزوه بين صفته راوياً مشاركاً وبين أن يكون راوياً محايداً؛ حيث يضمر ما هو ذاتي، ويندفع النص في سردٍ مشهدي يعتمد فيه الشاعر على التصوير المشهدي كأساسٍ سردي، ويستثمر من عناصر اللغة وفنيّاتها الوصفَ والحوارَ عبر تقنية الراوي (المحايد/الشاهد).

يمثّل هذا المشهد الرؤية الكلّية للراوي؛ إذ يعتمد فيه على أُسلوب الحكاية، مع سيطرته على الحركة داخل المشهد، بوصفه جزءاً فاعلاً منه([17])، ويحتلّ موقعاً غير بعيدٍ عن مواقع الشخصيات الأُخرى فيه؛ فهو لا يقف ـ في كلّ ذلك ـ خارجَ النص، بل يتحرّك داخله متماهياً مع زمانه ومكانه، مثيراً بفعله هذا سؤالاً يبعث به المأساة من جديد عبر البحث عن قرطٍ سقط من طفلةٍ للحسين(عليه السلام) قبل عدّة قرون على هذه الأرض، ونرى كذلك أنّ فعل البحث يسعى إلى ردم الهوة الزمنية بين زمن الواقعة وزمن كتابة النص، ومجيء الشاعر زائراً كربلاء.

لقد جسَّدَ هذا البحثُ ـ الذي تنتهي به وإليه القصيدة ـ  تصعيداً دلالياً يرتفع بمعنى فعل البحث من مجرّد بعث المأساة من جديد، إلى القول بتضييع الإنسان المعاصر لكثير من معطيات الثورة الحسينية ونسيانها والتفريط بمعطياتها؛ وبذا يُدين النص ـ بشكلٍ غير مباشر، وبطريقةٍ لا تخلو من الشعور بالألم والغصّة لحدوث ذلك ـ هذا التضييع والتفريط. لقد كان ذلك من خلال توظيف وحدات وصفية أو حالية جاءت لتكمل صورة المشهد عمد إليها السَّارد في النص، ومثل هذه العناصر تبقى عائديّتها مرتبطة بـ(الراوي/المتكلّم) الذي يتوارى خلف الجملة الوصفية أو الحالية، ولديه القدرة على التدخّل والظهور في كلّ الأشياء([18]).

ويعمد قزوه إلى الارتفاع بحدث الزيارة العادي لمكان الواقعة، عبر اعتماد السَّرد الحكائي، وكسر عادية الحدث ومألوفيّته في اللحظة التي تصل القصيدة فيها إلى مشارف النهاية، فيجدّد ذخيرة النص الدلالية عبر فعل البدء بالبحث من قبل الراوي ـ الذي يَبرز مشاركاً وفاعلاً وموجّهاً للحدث ـ عن القرط الصغير، الكبير في انفتاحه على المأساة وبإحالته السياقية على تفاصيلها.

الراوي و المتخيّل السَّردي

لاحظنا كيف أنّ الشاعرين قد حرصا على أن يكون الراوي محافظاً على مستوى حضوره في الحدث المروي في النصّين الشعريين، مانحاً السَّرد حركةً عبر الوصف، ونمواً في الحدث. وقد ارتكز المتخيّل السَّردي إلى الواقع، واستمدّ مفرداته من تجربةٍ حياتية، متشكّلاً عبر لغة شعرية لم يفقدها السَّرد خصوصيّتها في الانفتاح على دلالات متعدّدة، ممكنة التحقّق من قبل القارئ، فضلاً عن ميلها إلى الاختزال والتكثيف في الوصف وعدم الإسهاب فيه. 

من جانب آخر، عمد الشاعران إلى ترهين المروي من خلال الراوي، فالحدث في نص (كاصد) ينتمي إلى الماضي البعيد (زمن الطفولة)، يستعيده بطريقة تُحفِّز فيها الدلالةُ على جعله متجدّداً في الراهن؛ إذ إنّ ظاهر النص الذي يعتمد الوصف والتسجيل يُحيل إلى نصٍّ خفي ممكن التشكّل، وسوف تتعدّد صورته بتعدّد قارئيه، وربّما بتعدّد قراءاته من قِبَل قارئ واحد، «فبانتقالنا من زمن القصّة إلى زمن الخطاب، نجدنا ننتقل من التجربة الواقعية ذهنياً (ذات الطابع المشترك) إلى التجربة الذاتية (ذات الكاتب)، وهي تسعى لتجسيد نظرة خاصّة للزمن، يبرز من خلالها بعد (تخطيب) الواقع الذهني؛ ليتجلّى (واقعاً نفسيّاً) مُدرَكاً من خلال تعامل  الذات مع الزمن»([19])، فخروج الحدث من زمنه (زمن القصة/طفولة الشاعر) إلى زمنٍ مفتوح (زمن الخطاب) منح الدلالة امتداداتها المتّسعة على إمكانات التأويل. ولعلّ فيما عمد إليه الشاعر من توظيف الوصف في المشهد الشعري الحكائي أثراً بالغَ الفاعلية في تحقّق هذا المعنى؛ إذ بنى النص مشهداً وصفياً عبر ما يُعرف في السَّرد الحديث بـ(الوقف) الذي فيه يكون الوصف فرصةً لتأمّل الحدث ومفاصله، فضلاً عن تعليق زمن الحدث ودفع الخطاب إلى مواصلة سيره على هامش القصة([20]).

لقد وُظِّفَ المتخيّل السَّردي، من خلال الدور المحوري للراوي فيه، لإنجاز دلالةٍ تُناسب معطيات واقعة الطفّ في الراهن المعاش، على صعيدي الثقافة والواقع،  ولا شكّ في أنّ تحقّق ذلك مرهون بتحقّق التفاعل ما بين القارئ والنص، والوقوف على عناصر هذا المتخيّل، وعلى الرغم من وضوح مرجعيات النصّين الثقافية، فإنّ المتخيّل السَّردي عمد إلى التلميح ـ عبر بعض تفصيلات الحدث ـ إلى دلالة كامنة وحثّ القارئ على اكتشافها وإنتاجها، وقد قام الوصف بدور كبير في ذلك، وبخاصّة في نص (عبد الكريم كاصد)، فهو لم يكن وصفاً موضوعياً تماماً نقياً بلا صدى لذات الواصف. ومن هنا؛ كان انفتاح نهاية هذا النص على تأويل مساحته الممكن والمتفق من الأحداث المقترحة التي تكمّل المشهد، وكأنّ النصّ القصير مفتتحٌ لنصٍّ طويل غائب، هو ما يمكن أن يتشكّل بطريقة تمتاح من واقع الحدث (معركة الطف) في الثقافة الإسلامية، وامتداداته في الواقع الإنساني.

أمّا في نص (قزوه)، فإنّ التناظر ما بين سقوط قطرة الدم من فضاء الواقعة إلى الراهن في المقطع الأول من النص، وسقوط القرط وضياعه لحظة هجوم الجيش الأُموي على مخيم الحسين(عليه السلام)، واتصاله بالزمن الحاضر لحظة الشروع في البحث عنه في المقطع الثاني من النصّ، أسهم في إعادة ترهين الواقعة، وانفتاحها على الحياة؛ إذ سيكون البحثُ عن القرط الضائع، بحثاً عن حضورٍ مضيَّع، وفاعلية مغيَّبة لدروس كبيرة لها قدرة إعادة تنظيم الحياة بشكلٍ آخر، أفضل وأكثر قبولاً.

خاتمة

1ـ نجح النصّان الشعريان في الإفادة من توظيف تقنية الراوي في بناء نصٍّ حكائي يتحرّك في فضائه الراوي بطريقة فاعلة، ولا يغيب تماماً تماهي صوت الشاعر بصوته؛ وممّا أسهم في إنجاح هذا التوظيف الفنّي هو الامتياح من معطيات واقعة الطف، ولوجهٍ شُبهِ مهملٍ من وجوهها في هذين النصّين بطريقةٍ موفّقةٍ، فلم يتوقّف الشاعران عند حدود السَّرد والتسجيل والنقل التفصيلي للأحداث والشخصيات من خلال الراوي، بل عَملا على استثمار ما يكتنزه الموضوع من قوّة جمالية وفنّية ودلالية في تجسيد رؤيةٍ ووعيٍ مُفارِقٍ للسائد (كما هو في نص عبد الكريم كاصد)، وفي تشخيص مفارقات الحياة التي نأتْ بمعطيات النهضة الحسينية عن أرضها (قصيدة علي رضا قزوه).

2ـ اشتغل الشاعران على فكرة واحدة بدرجة ما، وهي: انفتاح الحدث التاريخي الموظَّف في الشعر على الحاضر، وعمدا إلى تشكيل مبنى حكائي كان للراوي فيه دورٌ مركزي فاعل، وجَّه مراحل الحدث ونموّه بطريقة دالة، فقد انطلق النصّان من ذاكرةٍ جمعيةٍ تختزن الحدث بكل تفصيلاته، وتُدرك أبعاده ونتائجه ودروسه وعبره، ولكنّها تنقسم حين تدخل دائرة الفعل واستدعاء الحدث القديم المنتهي زمنياً إلى ساحة العمل المعاصرة، وهو ما حاول النصّان العمل على تحقيقه كلٌّ بطريقته الخاصة، بيد أنّهما تقاسما امتياز تصوير اللحظة المكثّفة والانتقال المفاجئ بين مفاصل الحدث ببراعة.

 

 

 

 


([1])* جامعة البصرة ـ كلية الآداب.

([2]) من مواليد مدينة گرمسار الإيرانية الواقعة جنوب شرق العاصمة طهران.

([3]) اُنظر: الشعر العاشورائي في حوار خاص لشاهد مع علي رضا قزوه، على الرابط:   .http://www.navideshahed.com/ar/news/49640

([4]) اُنظر: جينت، جيرار، خطاب الحكاية (بحث في المنهج)، ترجمة: محمد عبدالجليل الأزدي وعمر حلمي: ص40.

([5]) The Rhetoric of Fiction : Wayne Booth،The University of Chicago، press،10th ed،1973، p.156.

([6]) اُنظر: لوبوك، بيرسي، صنعة الرواية، ترجمة: عبد الستار جواد: ص60.

([7]) اُنظر: الحمداني، د. حميد، بنية النص السَّردي من منظور النقد الأدبي: ص47.

([8]) اُنظر: المصدر السابق.

([9]) العيد، يمنى، تقنيات السَّرد الروائي في ضوء المنهج البنيوي: ص89. ولغرض الاستزادة حول موضوع الراوي في البنية السَّردية يمكن على سبيل المثال الاستفادة من: مارتن، والاس، نظريات السَّرد الحديثة، ترجمة: حياة الجاسم. وكذلك: العيد، يمنى، الراوي الموقع والشكل.

([10]) عبد الكريم كاصد، النقر على أبواب الطفولة: ص14.

([11]) العيد، يمنى، تقنيات السَّرد الروائي في ضوء المنهج البنيوي: ص99.

([12]) د. عبد الملك مرتاض، نظرية الرواية (بحث في تقنيات السَّرد): ص260.

([13]) اُنظر: د. محمد زيدان، البنية السردية في النّص الشعري: ص50 ـ 51.

([14]) أُسجّل خالص الشكر والامتنان للشاعر والمترجم الإيراني (موسى بيدج) لإرساله لي النص بلغته الأصلية عبر البريد الإلكتروني.

([15]) قزوه، علي رضا، قصائد بتوقيت بيروت، ترجمة: موسى بيدج: ص271. وفي نهاية النص إشارة إلى انتزاع الأقراط من آذان بنات الإمام الحسين(عليه السلام) في عصر عاشوراء (الهامش موجود في المجموعة).

([16]) اُنظر: أ.ج. جريماس، السيميائيات السَّردية، ترجمة: سعيد بنكراد ضمن (طرائق تحليل السَّرد الأدبي): ص191.

([17]) اُنظر: د. محمد زيدان، البنية السَّردية في النّص الشعري: ص56.

([18]) اُنظر: جينيت، جيرار، حدود السَّرد، ترجمة: بنعيس بو حمالة، ضمن (طرائق تحليل السَّرد الأدبي): ص80.

([19]) سعيد يقطين، انفتاح الخطاب الروائي: ص47.

([20]) اُنظر: بحراوي، حسن، بنية الشكل الروائي: ص120.

 
 
البرمجة والتصميم بواسطة : MWD