1438 / ذي الحجه / 28  |  2017 / 09 / 20         الزيارات : 421336         صلاة الصبح |         صلاة الظهر والعصر |         صلاة المغرب والعشاء |

معالم الدور الإعلامي للعقيلة زينب عليها السلام في نهضة عاشوراء.. دراسة تحليلية

{ نُهى القطراني }
معالم الدور الإعلامي للعقيلة زينب عليها السلام في نهضة عاشوراء.. دراسة تحليلية

تمهيد([1])

يحتلّ الإعلام في النهضة الحسينية أهمية بالغة ومكانة بارزة؛ وذلك لأنّها حركة إصلاحية اجتماعية بامتياز، فهي تهدف إلى إيجاد هزّة وجدانية وعاطفية لتوعية الأُمة دينياً وسياسياً، فكان لا بدّ من سبيل يضمن وصول الرسالة الإعلامية لهذه النهضة المبدئية للأُمة، ولا سيّما أنّ الإمام الحسين(عليه السلام) كان متيقناً من الشهادة، وأنّه سيلاقي ربّه مظلوماً في هذا الطريق، فكان السبيل هو الدور الإعلامي لموكب السبايا من آل البيت(عليهم السلام)، وكان لا بدّ لهذا الموكب المفجوع من موجّه حكيم يتحكم بإدارة المرحلة الإعلامية بعد وقوع الفاجعة، ولم يكن أجدر من العقيلة زينب(سلام الله عليها) للقيام بهذه المهمّة الخطيرة.

وبالفعل؛ فلقد ساهمت(سلام الله عليها) مساهمة فعّالة في النهضة الحسينية، وذلك من خلال أدائها للدور الإعلامي والترويجي لمبادئ واقعة عاشوراء بنجاح، وحملها لرسالة إعلامية سامية نجحت نجاحاً باهراً في إقناع المتلقين بها؛ لاستخدامها الأساليب الإعلامية المقنعة والمؤثرة، ومن خلال توفّر سمات فريدة في شخصيتها، مكّنتها من تغيير الرأي العام، وأداء دورها الإعلامي بنجاح.

ولقد كتب الكثير عن خطب العقيلة زينب(سلام الله عليها) في واقعة عاشوراء، ودراسة مداليلها ومعانيها، ولكنّي لم أعثر على دراسة خاصّة تُعنى بالأبعاد الإعلامية لكلمات وخطب العقيلة زينب(سلام الله عليها)، ولم أعثر كذلك على بحوث تحليلية مستقلة تهتم بالجانب الإعلامي لحضور حُرم الإمام الحسين(عليه السلام) وعياله في عاشوراء، سوى إشارات متفرّقة هنا وهناك، أبرزها ما كتبه الشهيد مرتضى المطهري(رحمه الله) في كتابه (الملحمة الحسينية).

ولقد تمّت دراسة المنهج الإعلامي في خطب النبي محمد(صلى الله عليه وآله) في عدّة أبحاث وكتب ومقالات، أبرزها كتاب (الجوانب الإعلامية في خطب الرسول(صلى الله عليه وآله))، للدكتور سعيد بن ثابت، بالإضافة إلى بعض الكتابات القيّمة الأُخرى في مبادئ الإعلام الإسلامي، ولقد استفدت من كلّ تلك الخبرات في هذه الدراسة، لكي أتناول (معالم الدور الإعلامي للعقيلة زينب(سلام الله عليها) في نهضة عاشوراء) بالدراسة والتحليل العلمي والموضوعي.

تعريف الإعلام

مفردة الإعلام: مأخوذة من لفظة (العلم)، ومشتقة من معناه؛ لأن الإعلام في الحقيقة هو عملية إيصال المعلومة ونشر الخبر، ويمكن تعريفه بـ: «عملية توجيه الأفراد بتزويدهم بالمعلومات والأخبار والحقائق؛ لمساعدتهم على تكوين رأي صائب في واقعة محدودة، أو مشكلة معيّنة»([2]).

أركان الإعلام وأبعاد العملية الإعلامية

بما أنّ الإعلام هو عملية اتصال وارتباط بين شخص يمتلك فكرة، أو خبر، أو رأي معين، وبين طرف آخر يراد إقناعه بها، فله أركان أساسية لا يقوم إلّا بها، وهي:

المصدر أو المرسِل: وهو صاحب الفكرة وحامل الرسالة، وتتوقف العملية الإعلامية في نجاحها على شخصية المصدر وقوّته، ومدى ثقته بنفسه وبرسالته، ومدى مصداقيته وجدّيته في حمل الرسالة وإيصالها إلى المتلقين.

2 ـ الرسالة: وهي ـ كما ذكرنا ـ قد تكون خبراً، أو فكرةً، أو رأياً، ينبغي إيصاله إلى المتلقي أو المتلقين، وقد عدّها المختصون في الدراسات الإعلامية بمثابة العمود الفقري للعملية الإعلامية.

3ـ  المتلقي أو المستقبِل: وهو الشخص أو الأشخاص المخاطبون المراد إيصال الرسالة إليهم.

وسيلة الاتصال: وهي الآلية التي تتم فيها عملية الاتصال الإعلامي، فقد تكون غير مباشرة عن طريق مكاتبة، أو عن طريق فعل عملي، أو استعراض فني، أو  تكون وسيلة مباشرة، عن طريق خطاب موجّه، أو حوار مشترك.

لذا؛ فالعملية الإعلامية ذات بُعد نفسي يتمثّل بكلّ من المصدر والمستقبل، ولها بُعد فكري ـ أيضاً ـ قائم على أساس العلم الذي بواسطته تتم عملية الإقناع والاقتناع، ولها أيضاً بعد آلي(فني) يتمثّل في وسيلة الاتصال([3]).

أهميّة عنصر الإعلام في النهضة الحسينية

للإعلام مكانة مميّزة ودور كبير في حياة الناس، فقد يساهم في إسقاط ملوك وحكومات، وقد يهدّ أنظمة و يُشيّد أُخرى، وبإمكانه تغيير أنماط الحياة؛ بسبب تأثيره المباشر والفعّال في الناس، ودوره في ضبط مشاعرهم وآرائهم وتوجهاتهم؛ لذا، فالملاحظ في النهضات الفكرية والمبدئـية أنّ الإعلام يتقدّم على أولوياتها ويتصدر اهتماماتها، بل ويشكّل أخطر وأهم أسلحتها.

ولا تكون الثورات والحركات الاجتماعية والمبدئـية مثمرة، ولن يُكتب لها النجاح إلّا من خلال إيصال مضامينها ومبادئها إلى أكبر عدد ممكن من الناس، عبر اعتماد سلاح الإعلام، فهو كلمة السرّ في نجاح الثورات... وإذا نظرنا إلى تاريخ الثورات وحركات التحرر ورفض الاستعباد، فلن نجد حركة أو نهضة نالت من الشهرة والمجد والخلود مثلما نالته حركة الإمام الحسين(عليه السلام) في عاشوراء، ومثلما حازت عليه من سعة وامتداد على صعيد الزمان والمكان([4]).

والحقيقة المبدئـية والرسالية لنهضة الإمام الحسين(عليه السلام) في عاشوراء، تجعل من الإعلام ضرورة حيوية لا يمكن إغفالها، فقد قرر الإمام(عليه السلام) تكثيف المجهود الإعلامي؛ لأجل توضيح الأُمور للأُمّة الإسلامية، والتركيز على نشر الحقائق بين المسلمين، فاختار المكان والزمان بدقة وحنكة لبثّ رسالته الإعلامية، فسافر إلى مكّة المكرّمة حيث اجتماع المسلمين وقدومهم من كلّ صوب لأداء مراسم الحج والعمرة، ووصل إليها في غرّة شعبان، فمكث(عليه السلام) في مكّة مدّة أربعة أشهر تقريباً، يدعو ويُعلن ويُبلّغ إلى أن اختار الوقت الأنسب لبدء نهضته والتحرّك نحو الكوفة، وهو اليوم الثامن من ذي الحجة عام (61هـ).

يقول الشهيد المطهري: «إنّ لخروج الإمام الحسين(عليه السلام) في يوم التروية (8 ذي الحجة)، أكبر صدى إعلامي وأكثر تأثيراً وإبلاغاً لنداء الإسلام، وأشدّ وقعاً في نفوس المسلمين؛ لأنّ مفهوم الحج تحت نير الحكومة الأُموية يفقد روحه ومصداقيته، ويعود ليصبح كحج الجاهليّة الأُولى ما قبل الإسلام»([5]).

الأبعاد الإعلامية لحمل الحسين(عليه السلام) عائلته وأهل بيته إلى العراق

 لقد كان لحمل الحسين(عليه السلام) عياله وأهل بيته معه في نهضته ضدّ الظلم والطغيان الأُموي ـ بالرغم من المعارضات التي أبداها بعض، ومراجعة بعض شيوخ الهاشميين له بأن يرجع عن قراره هذا ـ دلالات وأبعاد إعلامية كثيرة نستشفّها من خلال ردّه(عليه السلام) وردّ أُخته العقيلة زينب(سلام الله عليها) على بعض هذه الاعتراضات.

أهم الدلائل الإعلامية لحضور العائلة في نهضة الحسين(عليه السلام)

يمكن أن نستظهر عدّة أُمور من حضور عائلة الإمام الحسين(عليه السلام) في كربلاء، نستعرضها فيما يلي:

1- الدفاع عن الدين

إنّ نزوح عائلة الحسين(عليه السلام) كان بحد ذاته إعلاماً بخطورة الموقف، وإيذاناً للأُمّة بأنّ المرحلة هي مرحلة دفاع عن بيضة الإسلام وحرمة الدين، وهي مرحلة يشترك فيها النساء والرجال والشيوخ والشباب، حتى الأطفال الصغار، وكفى بهذا إعلاماً بعظم المسؤولية، وتنبيهاً على خطورة الموقف، وتحريكاً لـمَن له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد؛ وأيُّ دلالةٍ أبلغ من استنفار النساء والأطفال للذود عن مبادئ الدين.

2- المشيئة والإرادة الإلهية

حينما سأل محمد بن الحنفية الإمام الحسين(عليه السلام) عن السبب وراء حمل النساء والعيال معه إلى العراق، أجابه الإمام قائلاً: لقد رأيت رسول الله(صلى الله عليه وآله) في المنام، وقال لي: «إنّ الله قد شاء أن يراهنّ سبايا»([6]).

وفي كلام الإمام الحسين(عليه السلام) دلالة واضحة وإشارة بارزة على أنّ اصطحابه لأهل بيته وحُرم رسول الله(صلى الله عليه وآله) معه أمر إلهي، وتكليفٌ دينيٌ لا نقاشَ فيه، ومسألة حتميّة لا مناص منها، وأنّه من إرادة الله تعالى ومشيئته أن يكون للنساء بقيادة العقيلة زينب(سلام الله عليها) دورٌ وشأنٌ عظيمٌ في الدين والرسالة.

3- موقف زينب(سلام الله عليها) من حمل النساء والعيال

لقد كلّمت العقيلة زينب(سلام الله عليها) عبد الله بن عباس، عندما راجع الإمام الحسين(عليه السلام) في مسألة حمل العيال معه في سفره الخطير هذا، حيث ذكر الشيخ النقدي أنّ السيدة زينب(سلام الله عليها) عندما سمعت نصيحة عبد الله بن عباس للإمام الحسين(عليه السلام) ـ بأن لا يأخذ النساء والعيال معه إلى العراق ـ اعترضت عليه باكية، وقالت: «يا بن عباس، تُشير على شيخنا وسيدنا أن يخلّفنا ها هنا ويمضي وحده؟! لا والله، بل نحيى معه، ونموت معه، وهل أبقى لنا الزمان غيره؟!»([7]).

إنّ ردّ العقيلة هذا فيه إشارة واضحة إلى الاستنفار التام، والتسليم الكامل لأمر الله تعالى، وفيه دلالة واضحة على أنّ شأن النساء ودورهنّ في نهضة الإمام الحسين(عليه السلام) لا يقلّ أهميّة وخطورة عن دور الرجال؛ وذلك أنّهن اُنتدِبْنَ للجهاد، وللذود عن حياض الدين بالكلمة والموقف والإعلام الهادف الجريء، فلقد قرّرنَ الجهاد مع إمام الأُمّة وسبط رسول الله(صلى الله عليه وآله) للذود عن مبادئ الدين الحنيف، مهما كانت التضحية، ومهما كان الثمن، ولا يثنيهن عن عزمهن هذا بُعد طريق ولا شقّة سفر.

الأساليب والطُّرق الإعلامية في خُطب العقيلة(سلام الله عليها) في نهضة عاشوراء

الأساليب: جمع لمفردة (أُسلوب)، و «الأُسلوب: (الطريق)... يقال: أخذنا في أساليب من القول: (فنون متنوعة)»([8]). وعلى الإعلامي أن يُحسن توظيف فنون القول، ويُجيد استخدام طُرق وأساليب الإعلام من خلال التشخيص الصحيح لحاجة المتلقين.

ولقد أحسنت سيّدتنا العقيلة زينب(سلام الله عليها) تشخيص طبيعة المتلقين، وأبدعت في استخدام الأساليب الإعلامية المؤثرة في خطابها الإعلامي. وسنستعرض أبرز هذه الأساليب في خطبها التي ألقتها في كلّ من كربلاء والكوفة والشام.

 الأساليب الإعلامية في كلمات العقيلة(سلام الله عليها) في كربلاء

تروي كتب التاريخ التي نقلت أحداث عاشوراء: أنّ العقيلة زينب(سلام الله عليها) ندبت أخاها في كربلاء بُعيد الواقعة، وذلك في اليوم الحادي عشر من المحرّم، وكان مصابها بأخيها الإمام الحسين(عليه السلام) وأهل بيتها لم يزل جديداً، ورزيتها حديثة، ولم تزل فاجعتها طرية؛ حيث كانت تنظر إلى الأجساد الطاهرة الزكية بلا رؤوس، مقطعة على رمضاء كربلاء، وكان قلبها يعتصر غُصّةً وألماً، وكان الأعداء يُحيطونها من كلّ جانب ومكان، فخطبت خُطبتها المشهورة، وكانت في مقام الشكاية والتظلّم، فأخذت تندب أخاها الشهيد، يقول ابن طاووس في اللهوف: «... ثمّ أُخرِج النساء من الخيمة، وأشعلوا فيها النار، فخرجن... باكيات، يمشين سبايا في أسر الذلّة، وقلن: بحق الله إلّا ما مررتم بنا على مصرع الحسين(عليه السلام). فلمّا نظر النسوة إلى القتلى صِحنَ وضربنَ وجوههنَّ، قال: فو الله، لا أنسى زينب بنت علي(عليه السلام) تندب الحسين(عليه السلام)، وتنادي بصوت حزين، وقلب كئيب: يا محمداه، صلّى عليك مليك السماء، هذا حسين مرمّل بالدماء، مقطّع الأعضاء، وبناتك سبايا، إلى الله المشتكى، وإلى محمد المصطفى، وإلى علي المرتضـى، وإلى فاطمة الزهراء، وإلى حمزة سيد الشهداء. يا محمداه، هذا حسين بالعراء، تسفي عليه ريح الصبا، قتيل أولاد البغايا، وا حزناه، وا كرباه! اليوم مات جدّي رسول الله(صلى الله عليه وآله)، يا أصحاب محمداه، هؤلاء ذرّية المصطفى يُساقون سوق السبايا... وفي رواية: يا محمداه، بناتك سبايا، وذرّيتك مقتّلة، تسفي عليهم ريح الصبا، وهذا حسين محزوز الرأس من القفى، مسلوب العمامة والرداء»([9]).

لقد استخدمت العقيلة زينب(سلام الله عليها) هنا عدّة أساليب إعلامية بليغة ومؤثرة، نستعرضها على التوالي:

1ـ أُسلوب الاستهلال المؤثر

 لقد أثارت العقيلة زينب(سلام الله عليها) انتباه الحاضرين وأثّرت في نفوس المتلقين، من خلال استخدام مقطع استهلالي مميّز، قرعت به أذهان السامعين، واخترقت ضمائرهم، من خلال ندبها لجدّها رسول الله محمد(صلى الله عليه وآله) قائلة:  «يا محمداه!»، موقظة بذلك للمشاعر، ومؤنبة للضمائر، فقد ذكّرت القتلة بأنّ الضحايا هم أهل بيت رسول الله(صلى الله عليه وآله) وذريّته، وأنّ السبايا هم حُرم رسول الله(صلى الله عليه وآله) وأهل بيته(عليهم السلام) الذين كان جدّهم يؤكّد كثيراً على محبتهم، ووجوب إكرامهم، والتمسّك بهم، وإذا بأُمّته تعدو عليهم لتقتلهم، وتمثّل بأجسادهم، وتنتهك حُرماتهم، وتسبي حرائرهم.

2ـ أُسلوب الندب والرثاء

ثمّ تشرع(سلام الله عليها) باستخدام أُسلوب تصوير الحقائق، ورسم المشهد الواقع، فأخذت تبيّن المشهد الحاضر بكلمات معبّرة بليغة، ممزوجة بالندب والرثاء، عبر كلمات تنفطر لها الجبال، وتتشقق الصخور، فقد تكلّمت(سلام الله عليها) مصورة المشهد المروّع الذي حدث في واقعة الطفّ، وما جرى على حُرم وعيال الإمام الحسين(عليه السلام) من بعد مقتله قائلة: «بأبي مَن أضحى عسكره في يوم الإثنين نهباً، بأبي مَن فسطاطه مقطّع العرى، بأبي مَن لا غائب فيُرتجى، ولا جريح فيداوى... بأبي مَن شيبته تقطر بالدماء»([10]).

3ـ الإكثار من الرثاء

وأكثرت(سلام الله عليها) من استخدام أُسلوب الرثاء؛ لعظم الفاجعة وهول المصاب، وأخذت تبيّن فضل الإمام الحسين(عليه السلام) ومكانته وقربه من رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وهي تقول: «بأبي مَن جدّه محمد المصطفى، بأبي مَن جدّه رسول إله السماء، بأبي مَن هو سبط نبي الهدى، بأبي[ابن] محمد المصطفى، بأبي [ابن] خديجة الكبرى، بأبي [ابن] علي المرتضـى، بأبي [ابن] فاطمة الزهراء سيدة النساء، بأبي [ابن] مَن رُدّت له الشمس وصلّى»([11]).

فلم يكن من أُولئك القتلة الجفاة، وهم على ما بهم من غلظة وقسوة إلّا أن تفجّرت عيونهم بالدموع.

وعن التأثير الإعلامي الذي أحدثته هذه الخطبة (المتفجعة المفجعة)، يقول الراوي: «فأبكت والله كلّ عدوّ وصديق»([12])، فكأنّ هذه الخطبة قد أحدثت هزّة قوية في نفوس أُولئك القتلة المتوحشين، الذين انسلخوا من إنسانيتهم، فضلاً عن تنصّلهم عن دينهم، فأصبحوا بعد سماعهم لكلمات العقيلة زينب(سلام الله عليها) كأنّهم قد أدركوا توّاً بشاعة ما اقترفوه من جرائم، وفداحة ما وقعوا فيه من مآثم، فأُسقط في أيديهم، وأيقنوا بهلاكهم، وأدركوا سوء عاقبتهم.

 الأساليب الإعلامية في خطبة العقيلة(سلام الله عليها) في الكوفة

روى المؤرخون في باب ما جرى من الأُمور المتأخرة عن مقتل الإمام الحسين(عليه السلام) من سبي العيال، أنّهم قد حملوا السبايا على أبشع هيئة وأفجع صورة: «وحملُ نسائه (صلوات الله عليه) على أحلاس أقتاب الجمال بغير وطاء، مكشّفات الوجوه بين الأعداء، وهن ودائع الأنبياء، وساقوهن كما يُساق سبي الترك والروم في أشدّ المصائب والهموم»([13]).

وعندما وصلوا إلى مدينة الكوفة ـ مقر خلافة أمير المؤمنين(عليه السلام) ـ أوقفوهم بين الناس؛ ليتفرّجوا على ذلّتهم، وكي يُحدِثوا بذلك الرعب في قلوب الكوفيين، وهم ينظرون إلى رأس مَن كاتبوه ورؤوس أهل بيته وأنصاره مرفوعة على الرماح، ولكي يعتبروا بما جرى على آل الرسول(صلى الله عليه وآله) ولا يتمرّدوا بعد هذا على الحكم الأُموي، أو يتجرؤوا على معارضة السلطة الظالمة أبداً؛ لكن هيهات أن تمرّ مخططات الأُمويين وتنجح محاولاتهم والعقيلة زينب(سلام الله عليها) سائرة في هذا الموكب، وهي تقود المرحلة الإعلامية لنهضة الحسين في عاشوراء.

ولقد كانت العقيلة زينب(سلام الله عليها) هي المستفتحة للمرحلة اللاحقة لثورة الإمام الحسين بن علي(عليه السلام) على الحكم الأُموي، وهي المرحلة الإعلامية، وهي مرحلة حسّاسة وخطيرة لا تقل أهميتها عن أهمية الثورة نفسها؛ لذا كانت العقيلة زينب(سلام الله عليها) دقيقة في خطاباتها، حكيمة في استخدامها لأساليب الإعلام وطرقه المتنوعة.

فقد ورد في كتب التاريخ: «لما أتى علي بن الحسين زين العابدين بالنسوة من كربلاء... وإذا نساء الكوفة ينتدبن مشققات الجيوب، والرجال معهن يبكون»([14]).

يقول الراوي: «... وقد أومأت إلى الناس أن اسكتوا. فارتدت الأنفاس، وسكنت الأجراس، ثمّ قالت: الحمد لله، والصلاة على أبي محمد وآله الطيبين الأخيار...»([15]).

وفيما يلي أهم الأساليب الإعلامية في خطب السيدة زينب(سلام الله عليها) في الكوفة:

1ـ أُسلوب الاستهلال المميّز والهادف، براعة الاستهلال والبداية المثيرة

إنّ من أهم أساليب الإقناع (المدخل الاتصالي المناسب) الذي يعمل على جذب الانتباه وإثارته، فهو مدخل إلى نفوس الناس، ومفتاح لعقولهم، ومفتاح لأفكارهم([16]). ولقد استخدمت العقيلة(سلام الله عليها) أُسلوباً استهلاليّاً مميّزاً في خُطبتها في الكوفة، يختلف عمّا استهلّت به في كربلاء، فلقد استهلّت خُطبتها هنا بحمد الله والصلاة على أبيها رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وفي هذا دلالة على موقفها الشامخ وردّة فعلها الصلبة تجاه ما جرى من مآسي ومصائب ومحن، إذ إنّها(سلام الله عليها) بدأت كلامها بحمد الله تعالى؛ لتقطع بذلك الطريق على مَن يتّهم الأقدار، ويحاول التنصل من مسؤولية ما حدث؛ تمسكاً بعقيدة الجبر، لكي يبرِّؤوا أنفسهم من جريمة قتل الإمام الحسين(عليه السلام).

 وفيه إشارة إلى أنّ ما لاقَوهُ إنّما هو ناتج عن ظلم الناس وطغيانهم وتخاذلهم، وقد أكدت هذا المعنى فيما بعدُ في ردّها على ابن زياد عندما سألها: «كيف رأيت صُنع الله بأخيك وأهل بيتك؟»، فأجابته قائلة ـ قول الواثق برحمة ربّه وعدله ولطفه ـ: «ما رأيت إلّا جميلاً»([17])، فلا يصدر من الله تعالى إلّا كلّ ما هو محمود جميل، ولا يصدر عن أهل البيت الأطهار(عليهم السلام) إلّا الحمد والتعظيم لله الواحد القهار.

وفي استهلالها المميّز هذا ـ وهي تقف هذا الموقف الصعب والمرير ـ دلالة واضحة على إيمانها العميق بالله تعالى، ورضاها برضاه سبحانه.

كما أنّ في صلاتها(سلام الله عليها) على النبي الأكرم(سلام الله عليها) بهذه الطريقة «والصلاة على أبي محمد» لدلالة واضحة على أنّهم أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة، ولا ينقصهم وقوفهم هذا شيئاً من كرامتهم، ولا يضـرّ بفضلهم وشرفهم. وفيه إشارة إعلامية إلى أنّهم أساس هذا الدين، وعماد دولة المسلمين، فهم ذرية رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وهم أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة.

2ـ أُسلوب التأنيب والمصارحة والمكاشفة

في قولها(سلام الله عليها): «أمّا بعدُ، يا أهل الكوفة، يا أهل المكر والغدر، أتبكون؟! فلا رقأت الدمعة، ولا هدأت الرنة...»([18])، لقد استفتحت العقيلة زينب(سلام الله عليها) مرحلة مخاطبة الرأي العام، والاتصال المباشر بالناس، وخاطبت الرأي العام الكوفي بأُسلوب المكاشفة والمصارحة؛ نظراً إلى أنّ المرحلة التي يعيش فيها المجتمع الكوفي تتطلب المصارحة بالحقائق، لما لهذا الأُسلوب من أهميّة في هذا الموقف؛ فإنّ المصارحة والمكاشفة وبيان الحقائق، وإن كانت قاسية ومُرّة، فإنّها تتميّز بدور حيوي في تقويم وإصلاح التوجّه العام للناس، لما فيها من حثّ الناس، وتوجيه الرأي العام إلى مواجهة الحقائق، وإصلاح الواقع؛ وذلك أنّ «الرأي العام الإسلامي الذي يؤسسه الاتصال الفعال على أساس من المصارحة بالحقائق، تأتي مواقفه ثابتة، ويكون تأييده لقيادته قوياً، وثقته بها متينة»([19]).

لذا؛ فقد استعملت العقيلة زينب(سلام الله عليها) أُسلوب المكاشفة ومخاطبة جمهور المتلقين بحسب حاجاتهم المعنوية، وسعت إلى تشخيص حالاتهم النفسية، فشرعت في خطاب تقريعي، واستخدمت أُسلوب التوبيخ الشديد الذي يتناسب وحجم الفاجعة وكبر الرزية، فموقف أهل الكوفة، وغدرهم بإمامهم، وتخاذلهم عن نصرة الحق لا يتناسب معه إلّا هذا الأُسلوب الإعلامي التقريعي القاسي والصريح.

وقد أثبتت الدراسات العلمية في ميادين الاتصال الإعلامي، أن أُسلوب عرض الحقائق يُعتبر من أهم الأساليب الفعّالة في تغيير الرأي العام([20]).

فلقد استعملت العقيلة زينب(سلام الله عليها) هذا الأُسلوب مع أهل الكوفة، فصارحتهم بحقيقتهم، على مرارتها، واستهلّت خطابها ببيان حقيقتهم وجوهر شخصيتهم؛ كي يعرفوا حقيقة أنفسهم ويكفّوا عن الادعاء بما ليس فيهم، فليس فيهم إلّا (المكر والغدر)، فالمكر منهم وإليهم، ولم يكن عارض عليهم، والغدر مقترن بهم، فليس هو طارئاً جديداً يطرأ عليهم، بل هو صفة معروفة فيهم ومقترنة بهم.

3ـ أُسلوب تقريب الحقائق المعنوية من خلال ضرب الأمثال

 ثمّ أخذت(سلام الله عليها) تُبيّن لهم حقيقتهم من خلال أُسلوب التشبيه وضرب الأمثال، وهو أُسلوب قرآني في واقعه، وهو من الأساليب المهمّة في الإعلام؛ إذ إنّه يقرّب المعاني ويوصلها إلى أذهان المتلقين من خلال استحضار صور حسّية، قالت(سلام الله عليها): «إنّما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً، تتخذون أيمانكم دخلاً بينكم»([21])، وهذا مثل قرآني معروف، قد ضربه الله في القوم الذين ينقضون العهد ويغدرون،  مستغلين بذلك الدين وأيمانهم، وفي استخدام العقيلة(سلام الله عليها) لهذا المثل في هذا الموقف عدّة دلالات ومعانٍ وأساليب إعلامية هامّة أبرزها:

1ـ استخدام العقيلة أُسلوب التشبيه من خلال استحضار أحد الأمثال القرآنية، لا سيما أنّه كان مثلاً بليغاً ومؤثراً؛ إذ إنّه يتناسب والموقف الإعلامي الذي تقف فيه العقيلة(سلام الله عليها)، فهي(سلام الله عليها) كانت بصدد تبيين الأسباب الحقيقية، والعلل الجوهرية لحدوث هذه الفاجعة الأليمة.

2ـ أرادت العقيلة زينب(سلام الله عليها) من خلال استخدام هذا المثل بيان السبب المحوري، والنقطة الجوهرية في إخفاق أهل الكوفة المتكرر مع أئمّة الحق، وعدم موفقيتهم في نيل السعادة بنصـرتهم، فديدن أهل الكوفة هو التناقض والتراجع عن إنجازاتهم دائماً، فشبهتهم(سلام الله عليها) بتلك المرأة التي كانت تُلقّب بـ(خرقاء مكة)، والتي كان دأبها أن تنقض ما تنتجه بيديها بعد طول عناء([22]). وهذا كان حالهم مع أمير المؤمنين(عليه السلام) وولده الإمام الحسن(عليه السلام) من بعده، ومن ثمّ هذه النهاية المفجعة والعاقبة السيئة التي تجسّدت بغدرهم بإمامهم وملاذهم الإمام الحسين(عليه السلام)، وتقاعسهم عن نصرته بعد أن أغلظوا له الأيمان، وقدّموا له المواثيق، وواتروا إليه الرسائل والكتب.

4ـ أُسلوب الاستشهاد بالآيات والمفاهيم القرآنية

يظهر في هذا المقطع من خطاب العقيلة زينب(سلام الله عليها) استخدامها لأُسلوب الاستشهاد بآيات القرآن الكريم؛ لأجل تأكيد الحقائق، وترسيخ المفاهيم في نفوس المتلقين وعقولهم، وفي هذا الأُسلوب إشارة إعلاميّة يُختزل فيها أمر هام، أَلا وهو التأكيد على أنّهم مصداق لـمَن ذمّتهم الآية الكريمة:  (...  تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ... )([23])، وقد جاء في تفسير العلّامة الطباطبائي لهذه الآية: «أي: تتخذون أيمانكم وسيلة للغدر والخدعة والخيانة، تطيّبون بها نفوس الناس، ثمّ تخونون وتخدعونهم بنقضها...»([24]).

كما يظهر من أُسلوب الاستدلال هذا إشارة إلى معنى إعلامي هام آخر، وهو: أنّ العقيلة زينب(سلام الله عليها) ـ باستخدام هذا الاستشهاد، وهذا المثل الراقي، والتشبيه البليغ ـ  قد أحدثت وصلاً وترابطاً بين الناس في عصرها وعصر نزول الوحي، ووزنت أهل الكوفة بميزان القرآن، وكلّمتهم بمنطقه؛ لكي تشخّص لهم أمراضهم النفسية، وتبيّن لهم نقاط ضعفهم فيما بعد.

5 ـ أُسلوب التشبيه

ثمّ عطفت(سلام الله عليها) إلى استخدام أُسلوب الوصف والتشبيه؛ لغرض بيان هذه العلل والأمراض النفسية قائلة: «أَلا وهل فيكم إلّا الصلف والشنف، وملق الإماء، وغمز الأعداء، وهل أنتم إلّا كمرعى على دمنة، وكقصة على ملحودة، أَلا ساء ما قدّمت لكم أنفسكم أن سخط الله عليكم، وفي العذاب أنتم خالدون»([25]).

لقد استعملت العقيلة زينب(سلام الله عليها) هنا أُسلوب التوبيخ والتقريع الشديد، من خلال ذكر أبرز صفة لأهل الكوفة، باستخدام أداة الحصـر (إلّا)، و«الصَّلَف أيضاً: التَّمَدُّح بما ليس عندك»([26])، و«الشَّنَف بالتحريك: البغض والتنكّر»([27])، بمعنى عدم تحكيم العقل والضمير، والاستناد إلى الأهواء في اتخاذ المواقف وإصدار الأحكام، «وملق الإماء، وغمز الأعداء»، أي: تتملّقون كما تتملّق المملوكة لسيّدها، وليس لكم كرامة واعتداد بالنفس، إذا أصبحتم في قبال عدوكم، وغاية مجهودكم أن تطعنوا به، وتعيبوا عليه بخفية، بأُسلوب الذليل الجبان كما يفعل العبيد، وتتملّقون له أمامه كما تتملّق الإماء. وقد كان التشبيه هنا عبر أُسلوب البدل.

 ثمّ استخدمت(سلام الله عليها) فيما يلي من خُطبتها أُسلوب التشبيه من خلال الأداة (الكاف) قائلة: «... وهل أنتم إلّا كمرعى على دمنة، وكقصة على ملحودة...»، وهو أُسلوب بلاغي عميق، عمدت العقيلة(سلام الله عليها) من خلاله إلى تحقيرهم، وتسفيه عملهم، واستصغار جهدهم، فإنّ أعمالهم لا تمثل في الحقيقة إلّا المظاهر، وليس لها في الباطن إلّا الخواء، فهي كالنبات الأخضر وسط المزابل القذرة ، فالدمنة: هي المزبلة، وهي كالبناء المزخرف فوق القبور، فالملحودة: هي القبر، الذي لا يضم في داخله إلّا الرفات والجيف، وإن حسُن ظاهره من الخارج([28]).

6ـ أُسلوب تضمين المحتوى القوي في قالب بلاغي أنيق

 وقد تقدّمت لهم العقيلة زينب(سلام الله عليها) في هذه الخُطبة بالوعيد والإنذار من الانتقام الإلهي، لتؤكّد على عظم الرزية، وكبر المصاب، وشدّة غضب الله، بأُسلوب بلاغي أنيق، وذلك في قولها(سلام الله عليها): «أَلا بئس ما قدّمت لكم أنفسكم وفي العذاب أنتم خالدون... أَلا ساء ما قدّمت لكم أنفسكم، وساء ما تزرون ليوم بعثكم، فتعساً تعساً، ونكساً نكساً، لقد خاب السعي، وتبّت الأيدي، وخسـرت الصفقة، وبؤتم بغضب من الله، وضُربت عليكم الذلّة والمسكنة»([29]).

 ويظهر هنا أُسلوب الاستشهاد بمضامين القرآن عبر الاستناد إلى الألفاظ القرآنية، وهو أُسلوب مفاده المبالغة في التوعّد والتخويف.

 كما يظهر أُسلوب المكاشفة وتقديم الحقائق في قولها(سلام الله عليها) «لقد خاب السعي... وضُربت عليكم الذلّة والمسكنة» ـ في إشارة إلى العذاب الدنيوي الذي ينتظرهم ـ فضلاً عمّا ينتظرهم من عذاب يوم القيامة.

7ـ أُسلوب الاستفهام الحواري

 بعدما أنذرت العقيلة(سلام الله عليها) أهل الكوفة من حتميّة قدوم العذاب الإلهي، شرعت بإجراء حوار إعلامي قدّمت فيه استفهام تعجب قائلة: «أتدرون ويلكم أيّ كبدٍ لمحمد(صلى الله عليه وآله) فرثتم؟! وأيّ عهدٍ نكثتم؟! وأيّ كريمةٍ له أبرزتم؟! وأيّ حرمةٍ له انتهكتم؟! وأيّ دمٍ له سفكتم؟!»([30]).

فلقد كشفت العقيلة(سلام الله عليها) في هذه الكلمات البليغة والمعبرة لأهل الكوفة، أنّهم بفعلتهم هذه، إنّما مزّقوا كبد نبيّهم الأكرم محمد(صلى الله عليه وآله)، وأنّهم بنكثهم لعهد الإمام الحسين(عليه السلام)، إنّما نكثوا عهدهم مع النبي(صلى الله عليه وآله)، وأنّهم قد انتهكوا حُرمات رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وسفكوا دمه (صلوات الله وسلامه عليه وعلى أهل بيته الأطهار).

 إنّ السؤال والاستفهام خير أُسلوب للشرح والتبيين؛ إذ إنّه يخلق فراغاً في نفسيّة المتلقي، ويوجد لديه حافزاً نفسيّاً يحثّه على التلقي بشوق ورغبة.

وهذا الأُسلوب الحواري له تأثيره في العملية الإعلامية؛ لما يحدث من القرب النفسـي بين القائم بالاتصال والمتلقي... هذا إضافة إلى أنّ التساؤل يكشف عن جوانب النقص في المعرفة لدى الجمهور([31]).

8ـ أُسلوب التأكيد والتكرار

«أثبتت الدراسات العلمية في مجال الإعلام قوة وفاعلية أُسلوب التكرار والملاحقة، وتأثيره الفعّال في إقناع المتلقي بالرسالة الإعلامية»([32])، ويأتي هذا الأُسلوب لغرض الإمعان في توضيح الحقائق، وضمان تلقي المخاطبين.

لقد أمعنت العقيلة زينب(سلام الله عليها) في هذا المقطع من الخُطبة في المكاشفة وتوضيح الحقائق، ثمّ تأجيج مشاعر الندم في نفوس المتلقّين، لما اقترفوه من جناية كبيرة؛ إذ استخدمت العقيلة هنا عدّة أساليب إعلامية وبلاغية، وهي:

1ـ الاستشهاد بالآيات القرآنية الكريمة، وذلك حينما استشهدت بقوله تعالى: (لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا)([33])، ويظهر هنا أُسلوب الاستشهاد بآيات القرآن مرّة أُخرى، وكأنّها(سلام الله عليها) تُشير إلى أنّ أهل الكوفة يمثّلون مصداقاً لهذه الآية بقتلهم ابن بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وأنهم استحقوا غضب الله كما استحقه أُولئك الذين دعوا للرحمن ولداً.

وهذا أُسلوب إعلامي بليغ يتمثّل بالاستشهاد بالمسلمات، وهو دأب النبي الأكرم محمد(صلى الله عليه وآله) وأهل البيت(عليهم السلام) في الخطاب الإعلامي مع الأُمّة.

 2 ـ ثمّ تعود(سلام الله عليها) لاستخدام أُسلوب التشبيه عبر التشبيه بالبدل تارةً، وذلك في قولها(سلام الله عليها): «لقد جئتم بها شوهاء، صلعاء، عنقاء، سوداء، فقماء، خرقاء»([34])، أي: إنّ فعلتكم التي فعلتموها كانت قبيحة بما فيه الكفاية، لتشمئز منها كلّ الأذواق، وتنفر كلّ النفوس، وتارةً أُخرى بأُسلوب التشبيه بواسطة الأداة، وذلك في قولها(سلام الله عليها): «كطلاع الأرض أو ملء السماء»([35])، أي: إنّ فعلتكم القبيحة هذه معروفة في الأرض، فقد مُلئت الأرض وفاضت عنها، وقد ملأت أصداء فاجعة ما اقترفوه كلّ السماوات على وسعها وكبرها؛ وفي هذا القول قدّمت العقيلة زينب(سلام الله عليها) كناية عن أن قبح عملهم، وسوء فعلهم، أجلى من أن يخفى، أو أن يُنسى مع الزمن.

قد تركت هذه الخُطبة البليغة أثرها الخالد في نفوس وضمائر الأُمّة، وتركت الناس حيارى يعذبهم الندم، ويغشاهم الاضطراب، قد ردوا أيديهم في أفواههم لا يدرون ما يقولون.

9 ـ أُسلوب مراعاة الحاجات المعنوية لجمهور المتلقين

 وهذا الأُسلوب يظهر في مخاطبتها(سلام الله عليها) المتلقين على قدرهم ومكانتهم، وهو ما يُعرف بـ(الأساليب الإقناعية المرتبطة بالظروف والبيئة المتغيرّة)([36])، ومعرفتها بأحوالهم وما يتناسب معهم من خطاب، من خلال تغيير هيئة كلامها عمّا كان في كربلاء تماماً، وهذا أُسلوب حيوي ومهم جداً في إيصال الرسالة الإعلامية للمتلقّين؛ إذ لا بدّ أن يتمتع الإعلامي بسرعة بديهة وسيطرة تامّة على مجريات الأُمور، ومعرفة كاملة بطبيعة مخاطبيه؛ لأجل السعي إلى تلبية حاجات الجمهور المتلقي المادّية والمعنوية، وهو من أهم الأساليب الإعلامية لتحقيق الهدف الرئيس للعملية الاتصالية([37]).

الأساليب الإعلامية في خُطبة العقيلة زينب(سلام الله عليها) في الشام

لقد خطبت العقيلة زينب(سلام الله عليها) خُطبتها المشهورة في الشام، وذلك بعدما أُخِذت أسيرة مع الأيتام والأرامل، والإمام السجاد(عليه السلام) عليل مريض، وقد كُبِّلوا جميعاً بالقيود.

يذكر ابن طيفور: «لما كان من أمر أبي عبد الله الحسين بن علي(عليهما السلام) الذي كان، وانصـرف عمر بن سعد (لعنه الله) بالنسوة والبقية من آل محمد(صلى الله عليه وآله)، ووجههن إلى ابن زياد (لعنه الله)، فوجههن هذا إلى يزيد (لعنه الله وغضب عليه)، فلمّا مثلوا بين يديه، أمر برأس الحسين(عليه السلام) فأُبرِز في طست، فجعل ينكث ثناياه بقضيب في يده، وهو يقول:

 

يا غراب البين أسمعت فقل

 

 إنّما تذكر شيئاً قد فُعل

ليت أشياخي ببدر شهدوا

 

جزع الخزرج من وقع الأسل

 

 

[إلى قول الشاعر]:

          لست للشيخين إن لم أثأر

 

 من بني أحمد ما كان فعل»([38]).

 

 

وهي أبيات تنضح كفراً ونفاقاً، وينقل ابن كثير قول مجاهد: «نافق فيها، ثمّ والله، ما بقي في جيشه أحد إلّا تركه، أي: ذمّه وعابه»([39])، وكأنّ يزيد كان قد اطمأن إلى أنّ الإسلام قد انتهى، وأنّ الأُمور أصبحت له متّسقة؛ لكي يتجرأ ويقرأ هذه الأبيات على أسماع الملأ، وهو ينكت بالقضيب ثنايا أبي عبد الله الحسين(عليه السلام).

 لكن شجاعة العقيلة زينب(سلام الله عليها) وغيرتها على الدين، وتفانيها في الدفاع عن مبادئه، كانت له بالمرصاد، فوقفت تلك الوقفة المشهودة؛ لتُطلق تلك الكلمات الخالدة التي أعادت الأُمور إلى نصابها، وأزاحت عن الحقيقة حجابها، منتفضة للدين، وهي تخاطب يزيد قائلة: «الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على رسوله وآله أجمعين، صدق الله سبحانه كذلك يقول: (ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَىٰ أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّـهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ)،أظننت يا يزيد، حيث أخذت علينا أقطار الأرض، وآفاق السماء، فأصبحنا نُساق كما تُساق الأُسارى، أنّ بنا على الله هواناً، وبك عليه كرامة، وأنّ ذلك لعِظم خطرك عنده، فشمخت بأنفك، ونظرت في عطفك، جذلان مسـروراً، حين رأيت الدنيا لك مستوسقة، وحين صفا لك ملكنا وسلطاننا، مهلاً مهلاً، أنسيت قول الله تعالى: (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ )...»([40]).

1ـ أُسلوب المبادرة إلى التصريح بالرسالة وانتخاب الوقت المناسب

 لم تكن العقيلة المحمدية لتنهار أمام المصائب وإن عظمت، ولا تضعف أمام المحن وإن جلّت، ولم تكن العقيلة زينب(سلام الله عليها) لتتأمل وتراجع نفسها، كي تفكر في كيفية مواجهة هذا الموقف المرير الذي تراه أمام عينها، وهذا الكلام الذي تسمعه تنبعث منه رائحة الكفر، وتعلو فيه نبرة الإلحاد، فبادرت مسـرعة لتنقضّ على أُسّ الكفر، وتهدّه من جذوره، وتنسفه من قواعده، وكيف لا وهي بنت يعسوب الدين، وحفيدة سيد المرسلين(سلام الله عليها)، مَن أُمّها سيدة نساء العالمين(سلام الله عليها)، وإخوتها الحسن والحسين(عليهما السلام).

فوقفت متسلّحة بسلاح الإيمان، متجلببة بجلباب الصبر والتوكل على الله المتعال؛ لتواجه رأس الطغيان في عقر داره، غير عابئة بسلطانه، ولا آبهة لسطوته وطغيانه، فشرعت في فضيحته، وأماطت لثام النفاق عن وجوه الأُمويين، وفضحت وجه الكفر الحقيقي الذي كان يختلج في صدورهم.

فهذا يزيد سليل أبي سفيان، وحفيد آكلة الأكباد، وابن الطلقاء، حفظ لمحمد ابن عبد الله(صلى الله عليه وآله) جميله ـ عندما أطلقهم، وخلّى سبيلهم، وقال لهم: «أنتم الطلقاء» ـ بقتله لذريته، وانتهاك حرمته، وسبيه لنسائه، فأصابت العقيلة بكلامها كبد الحقيقة، وأشارت إلى عين الواقع، وفضحت ما يكنّه هؤلاء لأهل البيت(عليهم السلام) من مشاعر حقد وضغينة، فأعلنت من خلال خطبتها الغرّاء تلك أنّ هذه الجرائم ليست إلّا «...نتيجة خلال الكفر، وصب يجرجر في الصدر لقتلى يوم بدر، فلا يستبطئ في بغضنا أهل البيت مَن كان ينظر إلينا شنفاً وشنآناً وإحناً وأضغاناً، يظهر كفره برسول الله، ويفصح ذلك  بلسانه، وهو يقول ـ فرحاً بقتل ولده وسبي ذريته، غير متحوّب ولا مستعظم: لأهلّوا واستهلّوا فرحاً...»([41]).

2ـ أُسلوب البلاغة وقوة المحتوى والمضمون

وهو أُسلوب إعلامي ناجح ومؤثر، ثبتت فعاليته في الدراسات الإعلامية، فهي«تؤكّد فاعلية الرسالة متى توفر فيها المضمون القوي والناجح، أي: المعاني والأفكار الراقية والسامية، إلى جانب الصياغة الجميلة، أي: اختيار الرموز ذات الدلالات الفعّالة في الإقناع، والتي لها دلالة مشتركة ومعروفة بين القائم بالاتصال والمتلقي»([42]). وإنّ في بلاغة العقيلة زينب(سلام الله عليها) وأُسلوب طرحها لخُطبتها دلالة واضحة على تفوق إعلامي يبهر العقول، فقد جمعت(سلام الله عليها) في خطبتها كلّ طرق وفنون البلاغة إلى جانب قوة المحتوى والمضمون.

 فقد كانت تبيّن مصاديق القرآن من خلال استشهادها بآياته الحكيمة في مواقع مميّزة، كما في استهلالها المثير بالآية العاشرة من سورة الروم، حينما خاطبت يزيد قائلة: «فشمخت بأنفك، ونظرت في عطفك، جذلان مسروراً، حين رأيت الدنيا لك مستوثقة والأُمور متسقة، وحين صفا لك ملكنا وسلطاننا، فمهلاً مهلاً، أنسيت قول الله تعالى: (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ )»([43]).

وفي توعدها ليزيد بقولها: «فو الله، ما فريت إلّا جلدك، ولا حززت إلّا لحمك، ولتردن على رسول الله(صلى الله عليه وآله) بما تحمّلت من سفك دماء ذريته، وانتهكت من حرمته في عترته ولحُمته، حيث يجمع الله شملهم، ويلم شعثهم، ويأخذ بحقهم، (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّـهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ )، وحسبك بالله حاكماً، وبمحمد(صلى الله عليه وآله)  خصيماً، وبجبرائيل ظهيراً، وسيعلم مَن سوّل لك ومكنك من رقاب المسلمين، بئس للظالمين بدلاً، وأيّكم شرّ مكاناً، وأضعف جنداً»([44]).

 في إشارة واضحة للناس، ودلالة بيّنة للمتلقين، على أنّ هذا الذي يجلس على كرسي الخلافة ويتسلّط على الناس باسم الدين، ما هو إلّا كافر بهذا الدين، وإن هو إلّا مصداقاً للذين أساؤوا ولا عاقبة لهم إلّا السوأى؛ مستدلّة بإعلانه الكفر على الملأ، واستهزائه بآيات الله سبحانه، عندما تمثّل بتلك الأبيات من الشعر، وأنّ الإمام الحسين(عليه السلام) وأنصاره مصداق للذين قُتلوا في سبيل الله في الآية الكريمة: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّـهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ )([45]).

3ـ أُسلوب المواجهة العلنية وعدم الرهبة من الموقف

لقد كانت العقيلة زينب(سلام الله عليها) صريحة برسالتها، وضعت أيدي المتلقين للرسالة الإعلامية على جوهر المسألة بصورة مباشرة، فجاء أوّل خطابها بشكل هجمات متلاحقة لا هوادة فيها، متضمّناً الاستخفاف بسلطان يزيد الكافر، والاستهزاء بجبروته، والتذكير بعظمة الله، ثمّ ذكّرت يزيد بذنبه العظيم، ووصفته بـ (ابن الطلقاء)، قائلة له: «أَمِنَ العدل يا بن الطلقاء، تخديرك حرائرك وإماءك، وسوقك بنات رسول الله سبايا، قد هتكت ستورهن، وأبديت وجوههن، تحدو بهن الأعداء من بلد إلى بلد، ويستشرفهن أهل المناهل والمناقل، ويتصفح وجوههن القريب والبعيد، والدني والشريف، ليس معهن من رجالهن وليّ، ولا من حماتهن حميّ، وكيف يرتجى مراقبة مَن لفظ فوه أكباد الأزكياء، ونبت لحمه بدماء الشهداء؟ وكيف يستبطئ في بغضنا أهل البيت مَن نظر إلينا بالشنف والشنآن، والإحن والأضغان؟ ثمّ تقول غير متأثّم ولا مستعظم:

 

وأهلّوا واستهلّوا فرحاً     

 

 ثمّ قالوا يا يزيد لا تُشل

 

 

منتحياً على ثنايا أبي عبد الله سيد شباب أهل الجنة تنكتها بمخصـرتك، وكيف لا تقول ذلك؟! وقد نكأت القرحة، واستأصلت الشأفة، بإراقتك دماء ذرية محمد(سلام الله عليها)، ونجوم الأرض من آل عبد المطلب، وتهتف بأشياخك، زعمت أنّك تناديهم، فلتردن وشيكاً موردهم، ولتودّن أنّك شُللت وبُكمت، ولم يكن قلت ما قلت، وفعلت ما فعلت»([46]).

4 ـ أُسلوب التوكّل على الله والالتجاء إليه سبحانه

 واصلت العقيلة زينب(سلام الله عليها) كلامها ـ في بيان سوء فعال يزيد بأهل البيت الأطهار(عليهم السلام) ـ بالتوجّه إلى الله، والتضرّع إليه بالدعاء طالبة النصر منه، وهي تقول: «الّلهم خذ بحقّنا، وانتقم ممّن ظلمنا، وأحلل غضبك بمَن سفك دماءنا وقتل حماتنا»([47]).

وفي هذا المقطع دلالة واضحة على أنّ الإعلامي المسلم عليه أن يكون متوجّهاً إلى الله ومتضرّعاً إليه، غير مستقل عن لطفه ورأفته، ولا مستغنياً عن عطفه وتسديده في حال من الأحوال.

 والنكتة المهمّة في الأمر استخدامها(سلام الله عليها) أُسلوب الدعاء ـ وهو سلاح المؤمن والرابط الأقوى بين العبد وربّه ـ مذكرةً بقوله تعالى: (قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ)([48])، للتمهيد لما يأتي من وعيد ليزيد بأنّ الله منتقم لآل بيت رسوله لا محال.

وفي كلامها(سلام الله عليها) نلمس الجرأة الفريدة والشجاعة الفائقة؛ إذ إنّ في الدعاء على الظالم في عقر داره تحدّياً كبيراً، وإعلان حرب حقيقية، كما ويدلّ كلامها هذا على حسن توكلها على الله، وجميل يقينها به؛ إذ بدت واثقة من استجابة الله دعائها، فخاطبت يزيد بلسان الواثق من النصر قائلة: «فو الله، ما فريت إلّا جلدك، ولا جززت إلّا لحمك، ولتردن على رسول الله(صلى الله عليه وآله) بما تحمّلت من سفك دماء ذرّيته، وانتهكت من حرمته في عترته ولحُمته، حيث يجمع الله شملهم، ويلمّ شعثهم، ويأخذ بحقّهم (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّـهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ )، حسبك بالله حاكماً، وبمحمد خصيماً، وبجبرئيل ظهيراً، وسيعلم مَن سوّى لك ومكّنك من رقاب المسلمين، بئس للظالمين بدلاً، وأيـُّكم شرّ مكاناً وأضعف جُنداً»([49]).

5 ـ الثقة العالية بالنفس

إنّ ثقة الإعلامي بمصدر رسالته الإعلامية من المسائل الجوهرية والحساسة في العملية الإعلامية؛ ذلك لأنّ المصدر هو ركن من أركان الإعلام الأساسية، خصوصاً إذا كانت الرسالة هي رسالة مواجهة وتحدٍّ كما في رسالة العقيلة زينب(سلام الله عليها) في مجلس يزيد.

فبعد أن أنذرت يزيد من سوء المصير الذي ينتظره، شرعت في تحقيره مبيّنة نبل أصلها وجلالة قدرها، وأنّها(سلام الله عليها) غير مسرورة بمخاطبته، بل وحتى بتقريعه! لأنّ يزيد في مقابل آل رسول الله ليس إلّا رجلاً حقير الشأن، ضئيل القدر، لا يساوي حتى كلمات التوبيخ والتقريع، وكفى بهذا ثقة بالنفس وبالرسالة، وكفى به استصغاراً وتحقيراً للمخاطب (يزيد). وللقارئ الكريم أن يتأمل في هذه الكلمات ويُمعن النظر: «ولئن جرّت عليّ الدواهي مخاطبتك، إنّي لاستصغر قدرك، وأستعظم تقريعك، وأستكثر توبيخك، لكن العيون عبرى، والصدور حرّى»([50]). فعلى الرغم من أنّها كلمات معدودة إلّا أنّها تحمل معاني كبيرة ودلالات كثيرة تكفي لأن تترك يزيد صريعاً مهيناً، وفي الخصام لا يكاد يبين.

6ـ أُسلوب حُسن الختام

ختمت العقيلة زينب(سلام الله عليها) كلامها وخطابها في مجلس يزيد بخاتمة، لخّصت فيها حقيقة ما جرى من وقائع، واستعملت كلمات روعة في البلاغة، صوّرت فيها حقيقة وطبيعة العلاقة بين آل الرسول(سلام الله عليها) وآل أُميّة، قائلة: «أَلا فالعجب كلّ العجب لقتل حزب الله النجباء بحزب الشيطان الطلقاء، فهذه الأيدي تنطف من دمائنا، والأفواه تتحلب من لحومنا، وتلك الجثث الطواهر الزواكي تنتابها العواسل، وتعفوها أُمهات الفراعل، ولئن اتخذتنا مغنماً لتجدنا وشيكاً مغرماً، حين لا تجد إلّا ما قدَّمت، وما ربّك بظلام للعبيد، فإلى الله المشتكى وعليه المعوّل. فكد كيدك، واسعَ سعيك، وناصب جهدك، فوالله لا تمحو ذكرنا، ولا تُميت وحينا، ولا تدرك أمدنا، ولا ترحض عنك عارها، وهل رأيك إلّا فند، وأيامك إلّا عدد، وجمعك إلّا بدد، يوم ينادي المنادي: أَلا لعنة الله على الظالمين. فالحمد لله الذي ختم لأوّلنا بالسعادة والمغفرة، ولآخرنا بالشهادة والرحمة، ونسأل الله أن يُكمل لهم الثواب، ويُوجب لهم المزيد، ويُحسن علينا الخلافة، إنّه رحيم ودود، وحسبنا الله ونعم الوكيل»([51]).

قد ختمت العقيلة زينب(سلام الله عليها) خطابها ليزيد بفتح باب التحدي أمامه على مصراعيه، فقد بلغت هذه القصة العتيدة بين حزب الله وحزب الشيطان بهذه الجريمة ذروتها، وبدأت الدولة الأُموية بعد هذه الجناية تعدُّ أيامها.

ولقد أنهت العقيلة زينب(سلام الله عليها) خطبتها بحمد الله كما بدأت به، وأثنت عليه سبحانه، سائلة الله تعالى أن يُحسن لهم العزاء، ويتمّ عليهم النعمة والعطاء، ويُحسن خلافتهم، ويُظهر حقَّهم.

أمّا يزيد، فقد أُلقم حجراً بعد خُطبة العقيلة زينب بنت الزهراء عليهما السلام،  فبهُت وذُهل، ولم يتحرَّ جواباً، واكتفى بتعليق الخائف اللائذ من الفضيحة، حيث قال بعد سماعه لخطبة العقيلة:

 

«يا صيحة تحمد من صوائح

 

 ما أهون الموت على النوائح» ([52]) .

 

 

ويذكر المؤرخون أنّ كلّ ذلك الفرح والابتهاج الذي أبداه يزيد لمقتل الإمام الحسين(عليه السلام)، وسبي نسائه، قد تبدّل إلى ندم. قال ابن الأثير: «وقيل: ولمّا وصل رأس الحسين إلى يزيد، حسنت حال ابن زياد عنده، وزاده ووصله وسرّه ما فعل، ثمّ لم يلبث إلّا يسيراً حتى بلغه بغض الناس له ولعنهم وسبّهم، فندم على قتل الحسين، فكان يقول: وما عليَّ لو احتملت الأذى، وأنزلت الحسين معي في داري، وحكّمته فيما يريد... حفظاً لرسول الله (صلّى الله عليه وسلّم)، ورعاية لحقّه وقرابته، لعن الله ابن مرجانة...»([53]).

 وقد ندب الأُمويون الإمام الحسين(عليه السلام)؛ إذ ورد في التاريخ أنّ يحيى بن الحكم  ـ أخا مروان بن الحكم ـ كان في محضر يزيد تلك الأثناء، فقال:

 

«لهامٍ بجنب الطفّ أدنى قرابة

 

من ابن زياد العبد ذي الحسب الوغل

سمية أمسى نسلها عدد الحصى

 

وليس لآل المصطفى اليوم من نسل»([54]).

 

 

وليس هذا الندم إلّا بفعل نجاح العقيلة زينب وآل البيت(عليهم السلام) في إيصال رسالة عاشوراء الإعلامية إلى الأُمّة الإسلامية، وتخليدها في وجدان المسلمين؛ إذ حوّلوا فرح الأُمويين إلى ترحاً، وبدّلوا سرورهم ذاك إلى عزاء وندم.

يذكر الطبري في تاريخه ـ  بعد أن ذكر ما دار من حوار جادلت فيه العقيلة زينب(سلام الله عليها) يزيد، عندما طلب الشامي منه فاطمة، وإفحامها إيّاه بكلامها ـ: «فلم تبقَ من آل معاوية امرأة إلّا استقبلتهن تبكي وتنوح على الحسين، فأقاموا عليه المناحة ثلاثاً»([55]).

وقد أصابت الحقيقة الدكتورة بنت الشاطئ عندما قالت: «لم تمضِ زينب إلّا بعد أن أفسدت على ابن زياد وبني أُميّة لذّة النصر، وسكبت قطرات من السُّم الزعاف في كؤوس الظافرين، فكانت فرحة لم تطُل، وكان نصراً مؤقتاً لم يلبث أن أفضـى إلى هزيمة قضت في آخر الأمر على دولة بني أُمية»([56]). وبالفعل فإنّ ما فعلته العقيلة زينب(سلام الله عليها) في الشام بتحكّمها بمشاعر وضمائر المتلقين ـ بفعل خطبها وكلماتها التي ألقتها في مجلس يزيد ـ يمثّل إنجازاً لا يقلّ أهمية عن الشهادة والتضحية والفداء في سوح القتال.

أسباب نجاح الإعلام الزينبي في واقعة عاشوراء

رغم كلّ الجهود المبذولة في سبيل إسكات صوت الحق من قبل أعداء أهل البيت(عليهم السلام)، فإنّ واقعة عاشوراء تميّزت بنجاح إعلامي منقطع النظير، فلم تلقَ نهضةٌ إصلاحية وواقعةٌ مأساوية من الاهتمام الإعلامي مثلما لاقته نهضة الإمام الحسين(عليه السلام) في واقعة عاشوراء، وها هي تتسع يوماً بعد يوم، ويتنامى صداها ليصل إلى أرجاء المعمورة، وقد ملأ ذكرها الخافقين.

أُريد لهذه الواقعة أن تتلاشى خلف مظاهر الفرح والابتهاج السفياني في الشام، وتذوب تحت تأثير الإعلام الأُموي المسموم، لكن هيهات! فالله سبحانه يقول: (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّـهُ وَاللَّـهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ)([57])، (يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّـهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّـهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ)([58]) . وقد هيّأت الحكمة الإلهية كلّ أسباب حفظ الرسالة الحسينية وخلودها، والتي من أبرزها الدور الإعلامي لـحَرم الإمام الحسين(عليه السلام).

وبما أنّ العملية الإعلامية هي فكرة ومنهج، فهي تستند إلى قواعد أساسية تشكّل حجرها الأساس، ويتحدد ـ تبعاً لقوّتها وضعفها ـ نجاح أو فشل عملية الاتصال الإعلامي والإقناع بالفكرة.

يُبيّن الشهيد المطهري أهم عوامل وأسباب نجاح المهمّة الإعلامية، من خلال توفّر الوسائل المناسبة لها، ويلخّصها بأربع وسائل، هي:

«أ ـ ماهية الرسالة.

ب ـ الظروف المحيطة.

ج ـ شخصية المصدر وأهليته.

د ـ وسيلة الاتصال والأساليب المتَّبعة في إيصال الرسالة»([59]).

وهذه العوامل قد تجلّت بوضوح في الدور الإعلامي للعقيلة(سلام الله عليها) في واقعة عاشوراء، ممّا ضمن هذا النجاح الباهر والمميّز على صعيد الإعلام والتبليغ لمبادئ النهضة الحسينية في عاشوراء. وسنسلّط الأضواء على كلّ واحد من هذه الوسائل؛ لنرى مدى توفّرها في دور العقيلة زينب(سلام الله عليها).

1ـ ماهية الرسالة الإعلامية للعقيلة(سلام الله عليها) في عاشوراء

«الثابت في الدراسات أنّ الرسالة هي العمود الفقري للعملية الإعلامية»([60])، وأنّ نجاح أيّ عملية إعلامية في الإقناع والتغيير، إنّما يتوقف بالأساس على نوع ومضمون الرسالة ومحتواها وهدفها.

يرى الشهيد المطهري أنّ أوّل شروط نجاح الرسالة الإعلامية هو عقلانيتها، وقوة ومتانة محتواها، ومدى إيفائها بحاجات الجماهير الفكرية والعاطفية والاجتماعية والمادية، فالرسالة الإعلامية الناجحة هي تلك الرسالة القائمة على القوانين المنطقية، بحيث تتناغم مع العقل والمنطق البشري([61]).

 فكلّما كانت الرسالة التي يحملها الإعلامي سامية ومنبثقة من القيم والمبادئ الإنسانية السامية، كانت فرص نجاحها ونضوج ثمراتها أوفر، وكان لطبيعة الرسالة التي حملتها زينب(سلام الله عليها) إلى الناس التأثير الأبرز في نجاح العملية الإعلامية في نهضة عاشوراء.

 فالعقيلة زينب(سلام الله عليها) قدِمت إلى العراق مع أخيها الحسين(عليه السلام) في موكب الشهادة والفداء؛ لأداء تكليف شرعي، وهي تحمل معها رسالة خطيرة ومقدّسة، رسالة قد كرّس النبي محمد(صلى الله عليه وآله) عمره لإيصالها إلى البشرية جمعاء، أَلا وهي رسالة الإسلام الحنيف ومبادئه، وقد واصل أهل بيته الأطهار من بعده السعي لتحقيق الهدف نفسه، إلى أن جاء دور الإمام الشهيد أبي عبد الله(عليه السلام)، فقرر أن لا وسيلة لحفظ هذا الدين إلّا من خلال المواجهة العلنية والتصدي المباشر للطغيان والانحراف الأُموي، وإنْ كلّفه ذلك حياته وسبي عائلته، فقال(عليه السلام): «شاء الله أن يراهن سبايا»([62])، وأخبره رسول الله(صلى الله عليه وآله) «يا حسين، اُخرج فإنّ الله قد شاء أن يراك قتيلاً»([63]). فأعلن بذلك أنّ حضور النساء بقيادة العقيلة زينب(سلام الله عليها) إرادة إلهيّة. فرسالة العقيلة زينب(سلام الله عليها) رسالة إلهية مقدّسة، قد سبقت الواقعة إلى قلوب المسلمين وعواطفهم منذ (58) عاماً تقريباً، فهي عندهم معروفة ومألوفة بسبب الدور الإعلامي للرسول(صلى الله عليه وآله) ولآل البيت(عليهم السلام) من بعده؛ إذ إنّهم قد عبّـأوا الأُمّة إعلامياً، ومهّدوا الطريق لنهضة الحسين(عليه السلام) في عاشوراء تمهيداً كاملاً.

 وقد حاول الإعلام الأُموي التعتيم على هوية أهل البيت(عليهم السلام) والتشويش على الوعي الجماعي للأُمّة، غير أنّ موكب السبايا بقيادة العقيلة زينب(سلام الله عليها)، استطاع إحباط هذا التأثير السّام للإعلام الأُموي، من خلال رسالة إعلامية تتمتع بالمنطق وسمو الهدف.

 لذا؛ فقد حوت الرسالة الإعلامية التي حملتها العقيلة زينب(سلام الله عليها)، كلّ أسباب الإقناع الجماهيري والظروف المساعدة؛ وذلك بسبب التمهيد الإعلامي الذي تكفّل به أهل البيت(عليهم السلام) بقيادة الرسول(سلام الله عليها) من قبل، فهي رسالة قائمة على الثوابت ومحفوفة بالشواهد والقرائن، وهذه من أهم العوامل والأسباب التي تُحدّد نجاح العملية الإعلامية، «فكلّما كانت الرسالة الاتصالية قريبة من الحق في مضمونها، ملتزمة به في شواهدها، كلّما كانت مُلبّية لحاجات الناس المادية والمعنوية... وتزداد أهمّيتها كلّما كان مضمونها قائماً على الحقائق الثابتة، والأخبار الصحيحة، والمعلومات السليمة، والأحكام السديدة»([64])؛ لذا فالنهضة الحسينية بذاتها هي العامل الأبرز في نجاح الدور الإعلامي للعقيلة زينب(سلام الله عليها) في عاشوراء.

2ـ الظروف المحيطة بالرسالة الإعلامية للعقيلة زينب(سلام الله عليها) في الواقعة

إنّ الظروف التي كانت تُحيط بالرسالة الإعلامية للعقيلة زينب(سلام الله عليها)، كانت ظروفاً استثنائية وغريبة، فمن جهة كانت الرزايا والمصائب تُحيط بموكب السبايا، فكان أهل البيت(عليهم السلام) يعيشون أصعب وأشدّ الظروف، وكانوا يواجهون أشدّ الصعوبات وأقسى التحديات، ومن جهة أُخرى فإنّ الأجواء المحيطة كانت مشحونة بالخوف والترقّب، وقد عمّ الناس الذعر والرهبة. جاء في كتاب (تاريخ الخلفاء): «لمّا قُتل الحسين(عليه السلام) مكثت الدنيا سبعة أيام، والشمس على الحيطان كالملاحف المصفّرة، والكواكب يضـرب بعضها بعضاً، وكان قتله يوم عاشوراء، وكُسفت الشمس ذلك اليوم، واحمرّت آفاق السماء ستة أشهر بعد قتله، ثمّ لا زالت الحمرة تُرى فيها بعد ذلك، ولم تكن تُرى فيها قبله، وقيل: إنّه لم يُقلب حجر بيت المقدس يومئذٍ إلّا وُجِد تحته دم عبيط...»([65]).

ومن جهة ثالثة، فإنّ لعاشوراء في قلوب المسلمين مكانة، قد استودعوها في عمق الذاكرة، واحتفظوا بها في الوجدان، فإنّ عاشوراء تتمتع بعمق عاطفي مخزون في ضمير الأُمّة، قد أوجده الأُسلوب الإعلامي المؤثِّر من قِبل النبي(صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين(عليه السلام)، وهو الأُسلوب العملي التطبيقي، من إظهار علامات الحزن والبكاء، والتأثُّر العملي والحقيقي بالفاجعة، وهذا النوع من الإعلام يبقى في ذاكرة الجماهير والأُمّة مهما طالت السنون وامتدّ الزمن، فكانت الظروف المحيطة بالرسالة الإعلامية للسيّدة زينب(سلام الله عليها) مساعدة جداً في عملية إقناع المتلقّين والمخاطبين، وأحسنت العقيلة(سلام الله عليها) توظيف الظروف لصالح رسالتها الإعلامية؛ إذ كانت تبادر إلى بثّ رسالتها في الزمان والمكان المناسبين، وهذا ما سيتضح لنا فيما يلي من مطالب إن شاء الله.

3ـ شخصية العقيلة زينب(سلام الله عليها)

إنّ لشخصيّة العقيلة زينب(سلام الله عليها) التأثير البارز في نجاح الدور الإعلامي الذي قامت به في إيصال مبادئ النهضة الحسينية إلى الناس، ومن ثَمّ خلود الواقعة إلى يومنا هذا؛ إذ إنّ للعقيلة زينب خصلتين أساسيتين ـ مكّنتاها من القيام بكلّ هذه الإنجازات، وهي تحمل كلّ تلك المصائب العظيمة ـ هما: كمال اعتقادها بالله واليوم الآخر، وعظيم مقامها، فهي كأبيها وأُمّها وأخويها(عليهم السلام)([66]).

وقد أثبتت الدراسات أنّ لشخصية حامل الرسالة في عملية الاتصال الإعلامي الدور البارز في نجاح العملية الإعلامية، وقد عدّه بعضٌ الأصل الأوّل من أُصول الإقناع في العملية الإعلامية؛ لما يمتلكه من دور حيوي وأهمية بالغة، « فهو المصدر الذي يعمل على إنتاج رسالة إعلامية، محمَّلة بالمعاني والأفكار، ويوجهها عبر وسيلة أو شكل من أشكال الاتصال»([67]).

وشخصية القائم بالاتصال في العملية الإعلامية محورٌ هام، تدور حوله عدّة جوانب حيوية في عملية الاتصال، ومن هذه الجوانب: ثقته بنفسه وبرسالته، ثقة الجماهير بالمصدر القائم بالاتصال الإعلامي، مقدرته على الإقناع وجذب الانتباه.

وإنّ من أبرز مقوّمات النجاح الإعلامي في شخصية السيّدة زينب(عليها السلام)، هي:

أـ إيمان العقيلة زينب وثقتها برسالتها

 تميّزت العقيلة زينب(سلام الله عليها) بمميّزات شخصية وعناصر نفسية، قد مكّنتها من القيام بدورها الرسالي في إعلام الناس بحقيقة الموقف وماهية الواقعة بنجاح، واللافت في الأمر أنّ هذه العناصر والمميّزات والنجاح المبهر الذي حققته في مجال الإعلام والتأثير على الرأي العام، كانت من قَبيل العلوم الفطرية والمَلَكات للعقيلة(سلام الله عليها)، فلم تحضـر دروساً في الإعلام، ولم تتلقَ أُصولاً إعلامية من مدرسة أو جامعة أبداً، كما أنّ العقيلة زينب(سلام الله عليها) من أكثر الناس علماً ومعرفة بأخيها الإمام الحسين(عليه السلام) وبأهداف نهضته، وأشدّهم اطلاعاً على خطورة موقفه، فهي تعلم أنّه قد خُيّر بين أن يحافظ على استقامة دين جدّه ويُقتل وتسبى حريمه، وبين أن يبقى على قيد الحياة مقابل التنازل عن قيمه ومبادئه؛ لذا فالعقيلة زينب(سلام الله عليها) على ثقة ويقين تامّين بسمو الهدف الذي تخرج برفقة أخيها من أجله؛ وهذا هو سبب صبرها وصمودها ونجاحها في تغيير المناخ الإعلامي الذي كان سائداً منذ سنوات.

فعلم المصدر القائم على عملية الاتصال وثقته بقضيته يُعدَّان من الأُمور الأساسية في نجاح العملية الإعلامية([68]).

فكلّ الشواهد التاريخية تُشير إلى أنّ شخصية العقيلة زينب(سلام الله عليها) كانت تتمتع بصلابة وقوة، ورباطة جأش، يفتقر لها حتى الرجال، فمَن يكون في موقف العقيلة زينب(سلام الله عليها)، وهي لم تزل مفجوعة بأعزّ الناس على قلبها، إمامها وسيّدها وأخيها الإمام الحسين(عليه السلام)، ومصابها بمقتل ولديها ورؤيتهم مقطّعين على الرمضاء، فلو كان أيّ شخص آخر غيرها لما أمكنه أن يقف تلك الوقفة الشامخة التي وقفتها في مجلس ابن زياد؛ إذ أخذ ينكأ الجراح ويُمعن في إيذائها(سلام الله عليها) بتهكماته، وهو يسألها كيف رأيت صنع الله بأخيك؟ فأجابته بجواب العارف بالله الذائب في حبّ الله: «ما رأيت إلّا جميلاً»([69]).

فهي العالمة بالفطرة، والفهمة التي لم تتلقَّ التفهيم والتعليم من خلال دروس ومعلّمين؛ بشهادة حجة الله في أرضه وإمام المسلمين الإمام زين العابدين(عليه السلام)، عندما قال لها بعدما خطبت في أهل الكوفة: «يا عمّة، اسكتي ففي الباقي من الماضي اعتبار، وأنت بحمد الله عالمة غير معلَّمَة، وفهمة غير مفهَّمة»([70]).

ب ـ كمال العقيلة زينب(سلام الله عليها) وجلالة قدرها

واللافت في دورها(سلام الله عليها) في المجال الإعلامي في واقعة عاشوراء، هو تماسكها وإصرارها على هيبتها وسؤددها، واحتفاظها بكرامتها وجلالة قدرها، بالرغم من أنّها تقف في موقف تعجز الجبال عن التماسك أمامه، وبالرغم من أنّها أدّت دوراً يعجز القلم عن وصفه، وقاومت مقاومة الأبطال،، وكانت محافظة بقوة وإصرار على هيبتها وجلالة قدرها، وكانت الرحمة والرقة والعاطفة لا تفارقها وهي تحتضن اليتامى، فكانت متمسّكة بمبادئ رسالتها، وذلك تجلّى بوضوح في موقفها في مجلس ابن زياد عندما وصفها بقوله: «هذه سجّاعة، ولعمري، لقد كان أبوها سجّاعاً شاعراً. فقالت(سلام الله عليها): ما للمرأة والسجاعة! إن لي عن السجاعة لشغلاً، ولكن صدري نفث بما قلت»([71]). فأكّدت على أن ما نطقت به من كلام بليغ هو منبثق من فطرتها، فلم تكن في مثل هذا الموقف لتتكلّف السجع، أو تصطنع البلاغة.

وفي قولها هذا إيحاء لكلّ امرأة إعلامية مسلمة، ومهما كانت خطورة الرسالة التي تحملها، بأن عليها أن تنطلق في أداء رسالتها الإعلامية من مبادئ الدين الحنيف، الذي يحفظ للمرأة قدرها وكرامتها، وأن تكون غيورة على الدين، فيكون الدين ومبادؤه هو المقدّم على أولوياتها، لا السبق الإعلامي والصحفي، وأن تبقى محافظة على أُنوثتها، فلا تتشبه بالرجال ولا تتنصّل عن جوهرها المتمثّل بالرقة والعطف والرحمة، وأن تكون غيورة على عرضها وناموسها، كما كانت العقيلة زينب(سلام الله عليها) قمّة في العفة والوقار والاتزان، بينما كانت تغمرها الرزايا والنوائب، وتعيش في قمّة المصائب والمحن، والتزمت بحجابها ووقارها، وهي تؤدّي الرسالة الإعلامية في واقعة عاشوراء، وهي في غمرة المصائب والمحن، فقد قال الراوي: «ونظرتُ إلى زينب بنت علي يومئذٍ ولم أرَ خفرة ـ والله ـ أنطق منها»([72]). وتُشير الروايات التاريخية إلى أنّها(سلام الله عليها) كانت جالسة في مجلس ابن زياد، وهي متنكّرة وعليها أرذل ثيابها([73])؛ كي لا تُعرف ولا تُهان كرامتها.

فلقد كملت العقيلة زينب(سلام الله عليها) بكمال معرفتها بالله ربها، وتجلّت فضائلها ومناقبها برضاها لرضا الله تعالى واحتسابها، فلم تجزع ولم تضعف ولم تهن، فهي بنت أكمل نساء العالمين، وحفيدة خير خلق الله أجمعين.

ومن كمالها ما ظهر من كمال معرفتها بالله والرضا والتسليم لرضاه، عندما رفعت جسد أخيها الطاهر وهو مقطع إرباً إرباً إلى السماء، قائلة: «... اللهمّ تقبل منّا هذا القربان»([74]).

ج ـ مكانة العقيلة زينب(سلام الله عليها) وثقة الأُمّة بها

كانت العقيلة زينب(سلام الله عليها) من أشرف نساء عصرها وأشدّهن وثاقة بين الناس، خصوصاً بين أهل الكوفة، الذين عاشت في ديارهم مع زوجها وأبيها وعائلتها لمدّة أربع سنوات تقريباً، ويذكر المؤرخون أنّها أقامت للنساء في الكوفة حلقات العلم، وفسّرت لهن القرآن([75])، فكان لكلام العقيلة زينب(سلام الله عليها) وقع عظيم؛ من هنا كانت(سلام الله عليها) أوّل مَن خطب من أهل البيت بعد الواقعة مباشرةً، إذ هيّأت أسماع المتلقّين وعقولهم وقلوبهم لتلقّي خطبة الإمام السجاد(عليه السلام)، وما تلاها من خطب وكلمات؛ لذا فإنّ تأثر أهل الكوفة لم يكن مستغرباً وهم يسمعون كلامها(سلام الله عليها)، فهم على ثقة كبيرة بها وبصدقها، وعلى معرفة تامّة بمقامها ومنزلتها عند الله ورسوله(سلام الله عليها)، حتى أنّهم ظلوا بعد كلامها وخطبتها حيارى لا يدرون ما يفعلون، فقد جاء في كتب التاريخ عن الراوي الذي يروي خطبة العقيلة زينب(سلام الله عليها) في الكوفة: «فو الله، لقد رأيتُ الناس يومئذٍ حيارى يبكون، وقد وضعوا أيديهم في أفواههم، ورأيتُ شيخاً واقفاً إلى جنبي يبكي حتى اخضلّت لحيته وهو يقول: بأبي أنتم وأُمّي، كهولكم خير الكهول، وشبابكم خير الشباب، ونساؤكم خير النساء، ونسلكم خير نسل، لا يخزى ولا يُبزى»([76]).

العقيلة زينب(سلام الله عليها) ـ وهي حفيدة رسول الله(صلى الله عليه وآله) وابنة سيّد الوصيين(عليه السلام)، وأُمّها سيّدة نساء العالمين(سلام الله عليها) ـ تتمتع بقدرة فائقة على الإقناع؛ بسبب انتمائها إلى هذا البيت الطاهر. يقول ابن حجر العسقلاني: «زينب بنت علي بن أبي طالب بن عبد المطلب الهاشمية، سبطة رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم)، أُمّها فاطمة الزهراء... وُلِدَت في حياة النبي(صلّى الله عليه وسلّم)، وكانت عاقلة لبيبة جزلة... وكلامها ليزيد بن معاوية حين طلب الشامي أُختها فاطمة مشهور؛ يدل على عقل وقوّة جَنان»([77])؛ كما أنّ مكانة العقيلة زينب(سلام الله عليها) وفضلها تأتي بعد مكانة أُمّها الزهراء(سلام الله عليها) فضلاً وكرامةً وشرفاً.

د ـ قدرة العقيلة زينب(سلام الله عليها) على الإقناع

استطاعت السيّدة زينب(سلام الله عليها) أن تخاطب كلّ جمهور بأُسلوب يتناسب معه، ويضمن وصول الرسالة الإعلامية التي تحملها لهم، فكانت أُنموذجاً راقياً للشخص الواثق بربّه، والإعلامي الواثق بقضيّته، وكانت تنطلق في كلماتها وخُطبها من قواعد رصينة وأُصول ثابتة، فكان كلّ مَن يسمع كلامها يتأثر به ويقتنع بمضامينه.

ولقد تجلّت كراماتها عندما أرادت أن تخطب وسط الكوفة، حيث كان الناس يتجمهرون لرؤية موكب السبايا والرؤوس المقطوعة، وبمجرد إيماءة منها(سلام الله عليها) وإذا بالسكوت يُخيّم على كلّ تلك الجماهير الغفيرة، فلم تعد تسمع رنة جرس ولا صوت نَفَس. يقول الراوي: «فأومأت إلى الناس أن اسكتوا، فسكنت الأنفاس، وهدأت الأجراس»([78]).

4 ـ أساليب العقيلة(سلام الله عليها) في إيصال رسالتها

لقد استعملت العقيلة زينب(سلام الله عليها) ـ في دورها الإعلامي ـ أهم وسيلة إعلامية، أَلا وهي: (الاتصال الجماهيري من خلال الخُطبة)، فالخُطبة هي الوسيلة الإعلامية الأكثر نجاحاً وتأثيراً في تغيير الرأي العام، «لقد أظهرت التجارب العملية والميدانية أنّ الاتصال المواجهي الطبيعي والتلقائي، أكثر مقدرة على الإقناع من أشكال الاتصال الأُخرى... كما تؤكّد الدراسات الإعلامية الحديثة فاعلية الاتصال الخطابي الذي استخدمه الرسول(صلى الله عليه وآله) في تبليغ رسالات ربّه، واستخدمته الحضارة الإسلامية في الإعلام»([79]).

فالخُطبة تتيح للبُعد الإنساني المتمثّل بكلٍّ من (المصدر، والمتلقي) الاتصال المباشر، الذي يتمكّن فيه كلّ منهما من امتلاك الفرصة الأكبر في التفاعل والتواصل الحي والمباشر. وقد اعتمد النبي الأكرم(سلام الله عليها) وأهل البيت(عليهم السلام) من بعده أُسلوب الخطابة في الدعوة والتغيير والإصلاح، وتميّزوا بالقدرات الفائقة في هذا الميدان.

 ولقد جاء في تعريف الخُطبة أنّها: «فنُّ مشافهة الجمهور وإقناعه واستمالته»([80]).

وللخُطبة في المجال الإعلامي أهمّية كبيرة تظهر في منفعتين أساسيتين، هما:

الأُولى: بث الأخلاق الحسنة من خلال السيطرة على عواطف الجمهور، وتسخير العقل الجماعي للحضور.

الثانية: إقناع أكبر قدر من المتلقّين من خلال الاعتماد على المسلّمات والمشهورات([81]).

 وتظهر الحاجة ملحّة لخطيب بارع وقدير، كلّما مرّت الشعوب والأُمم في مراحل مفصلية يتحدد فيها المصير، وقد استعملت العقيلة(سلام الله عليها) وسيلة الاتصال المواجهي المباشر في إيصال رسالتها الإعلامية، وهي (الخُطبة)، وقد أحسنت(سلام الله عليها) توظيفها والاستفادة من منافعها إلى الدرجة التي أبهرت بها العقول، وأثّرت في العواطف والقلوب، وأحدثت انقلاباً جذرياً في فكر ووجدان الأُمّة.

 كما استعملت(سلام الله عليها) الأساليب الإعلامية الناجحة والمؤثِّرة، مثل: أُسلوب التشبيه، وضرب الأمثال لإخراج الفكرة من قالب ذهني غير محسوس إلى قالب خارجي محسوس؛ كي تتقرّب ويسهل على المتلقّين الاقتناع بها، وأُسلوب الاستشهاد والتأكيد على المطلب، وعضده بالقرائن والدلالات من نصوص الكتاب المجيد مثلاً، وكثير من الأساليب والطرق الإعلامية المؤثِّرة الأُخرى.

وهكذا، فقد نجحت العقيلة زينب(سلام الله عليها) في أداء دورها الرسالي في إعلام الأُمّة وإخبارها بحقيقة النهضة الحسينية في عاشوراء، على الرغم من التعتيم الإعلامي الكبير، الذي عمد إليه المعسكر الأُموي إلى الدرجة التي ادّعوا فيها أنّهم بقتلهم الحسين(عليه السلام) يتقرّبون إلى الله، فعن الإمام زين العابدين(عليه السلام): «ولا يوم كيوم الحسين، ازدلف إليه ثلاثون ألف رجل، يزعمون أنّهم من هذه الأُمّة، كلّ يتقرّب إلى الله} بدمه، وهو بالله يذكّرهم فلا يتّعظون، حتى قتلوه بغياً وظلماً وعدواناً»([82]).

وفي  الختام نقول: إنّ الدور الإعلامي الناجح والمؤثر للعقيلة زينب(سلام الله عليها) والإمام السجاد(عليه السلام)، وسائر النساء معها، قد أفشل ما خطط له يزيد وأعوانه الظلمة، الذين تعمّدوا حمل بنات رسول الله(صلى الله عليه وآله) سبايا، وطافوا بهن من بلد إلى بلد؛ كي يُحدثوا ضجّة إعلامية، ويروجوا من خلالها لنصـرهم الزائف، لكنّهم خسؤوا وخاب مسعاهم، فإنّهم بفعلهم الشنيع هذا وسبي نساء آل محمد(صلى الله عليه وآله)، كانوا قد تسببوا في فضح أنفسهم، وفسحوا المجال للنهضة الحسينية كي تصل إلى أكبر عدد من الناس، وتُحقّق نجاحاً إعلامياً باهراً.

 

 

 

 

 


([1])باحثة إسلامية، من العراق.

([2]) سبتان، محمد، تقويم أساليب تعليم القرآن الكريم وعلومه في وسائل الإعلام: ص8. 

([3]) اُنظر: ثابت، سعيد، الجوانب الإعلامية: ص140.

([4]) اُنظر: مطهري، مرتضى، حماسه حسيني(الملحمة الحسينية): ج1، ص190.

([5]) المصدر السابق: ج1، ص347.

([6]) المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج44، ص364.

([7]) البحراني، هاشم، مدينة المعاجز: ج3، ص485.

([8]) إبراهيم مصطفى وآخرون، المعجم الوسيط: ص441.

([9]) اُنظر: ابن طاووس، علي بن موسى، اللهوف على قتلى الطفوف: ص78.

([10]) المصدر السابق: ص78 ـ 79.

([11]) المصدر السابق: ص79، بإضافة كلمة (ابن).

([12]) المصدر السابق.

([13]) المصدر السابق: ص84.

([14]) الطبرسي، أحمد بن علي، الاحتجاج: ج2، ص29.

([15]) ابن طاووس، علي بن موسى، اللهوف على قتلى الطفوف: ص86.

([16]) اُنظر: ثابت، سعيد، الجوانب الإعلامية: ص140.

([17]) ابن أعثم، أحمد، الفتوح: ج5، ص122.

([18]) ابن طاووس، علي بن موسى، اللهوف على قتلى الطفوف: ص86 ـ 87.

([19]) ثابت، سعيد، الجوانب الإعلامية: ص36.

([20]) اُنظر: حجاب، محمد منير، مبادئ الإعلام الإسلامي: ص71.

([21]) ابن طاووس، علي بن موسى، اللهوف على قتلى الطفوف: ص87.

([22]) اُنظر: الطباطبائي، محمد حسين، تفسير الميزان: ج12، ص335.

([23]) النحل: آية92.

([24]) الطباطبائي، محمد حسين، تفسير الميزان: ج12، ص335.

([25])        ابن طيفور، أحمد بن أبي طاهر، بلاغات النساء: ص24.

([26]) الزبيدي، محمد مرتضى، تاج العروس: ج12، ص327.

([27]) ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب: ج9، ص183.

([28]) اُنظر: الزبيدي، مرتضى، تاج العروس: ج9، ص339.

([29]) الطبرسي، أحمد بن علي، الاحتجاج: ج2، ص30.

([30]) المصدر السابق.

([31]) اُنظر: الحجازي، عبد الحميد، الرأي العام والحرب النفسية: ج1، ص212.

([32]) ثابت، سعيد، الجوانب الإعلامية: ص111.

([33]) مريم: آية89 ـ90.

([34]) الطبرسي، أحمد بن علي، الاحتجاج: ج2، ص30.

([35]) المصدر السابق.

([36]) اُنظر: ثابت، سعيد، الجوانب الإعلامية: ص111.

([37]) اُنظر: عبد الباقي، زيدان، علم النفس في المجالات الإعلامية: ص435 ـ 436.

([38]) ابن طيفور، أحمد بن أبي طاهر، بلاغات النساء: ص20ـ 21. وتُروى الأبيات في مصادر متعددة مع اختلاف يسير، علماً بأننا حذفنا بعض الأبيات مراعاةً للاختصار.

([39]) ابن كثير، إسماعيل بن عمر، البداية والنهاية: ج8، ص209.

([40]) المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج45، ص133.

([41]) الطبرسي، أحمد بن علي، الاحتجاج: ج2، ص36.

([42]) ثابت، سعيد، الجوانب الإعلامية: ص210.

([43]) ابن طاووس، علي بن موسى، اللهوف على قتلى الطفوف: ص105 ـ 106.

([44]) المصدر السابق: ص107.

([45]) آل عمران: آية169.

([46]) المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج45، ص134.

([47]) المصدر السابق.

([48]) الفرقان: آية77.

([49]) المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج45، ص134.

([50]) المصدر السابق.

([51]) المصدر السابق: ص134ـ 135.

([52]) الطبرسي، أحمد بن علي، الاحتجاج: ج2، ص37.

([53]) ابن الأثير، علي بن أبي الكرم، الكامل في التاريخ: ج4، ص87.

([54]) الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج4، ص352.

([55]) المصدر السابق: ص353.

([56]) بنت الشاطئ، عائشة عبد الرحمن، السيدة زينب بطلة كربلاء: ص158.

([57]) الأنفال: آية30.

([58]) التوبة: آية32.

([59]) مطهري، مرتضى، حماسة حسيني (الملحمة الحسينية): ص312.

([60]) ثابت، سعيد، الجوانب الإعلامية: ص209.

([61]) اُنظر: مطهري، مرتضى، حماسة حسيني (الملحمة الحسينية): ص304.

([62]) المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج44، ص364.

([63]) المصدر السابق.

([64]) ثابت، سعيد، الجوانب الإعلامية: ص209.

([65]) السيوطي، عبد الرحمن، تاريخ الخلفاء: ص226.

([66]) اُنظر: الجزائري، نور الدين، الخصائص الزينبية: ص224.

([67]) ثابت، سعيد، الجوانب الإعلامية: ص168.

([68]) اُنظر: المصدر السابق: ص20.

([69]) ابن طاووس، علي بن موسى، اللهوف على قتلى الطفوف: ص94.

([70]) الطبرسي، أحمد بن علي، الاحتجاج: ج2، ص31.

([71]) المفيد، محمد بن محمد، الإرشاد: ج2، ص116.

([72]) ابن طاووس، علي بن موسى، اللهوف على قتلى الطفوف: ص86.

([73]) الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج4، ص349.

([74]) الديباجي، أبو القاسم، زينب الكبرى بطلة الحرية: ص152.

([75]) اُنظر: النقدي، جعفر، كتاب زينب الكبرى: ص36.

([76]) ابن طاووس، علي بن موسى، اللهوف على قتلى الطفوف: ص87 ـ 88.

([77]) ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي، الإصابة في تمييز الصحابة: ج8، ص166 ـ 167.

([78]) ابن نما الحلي، محمد بن جعفر، مثير الأحزان: ص66.

([79]) ثابت، سعيد، الجوانب الإعلامية: ص141 ـ 142.

([80]) الحوفي، أحمد، فن الخطابة: ص9.

([81]) اُنظر: ابن رشد، محمد بن أحمد، تلخيص الخطابة: ص3.

([82]) المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج44، ص298.

 
 
البرمجة والتصميم بواسطة : MWD