1438 / ذي الحجه / 28  |  2017 / 09 / 20         الزيارات : 421326         صلاة الصبح |         صلاة الظهر والعصر |         صلاة المغرب والعشاء |

دور المرجعية في حفظ الشعائر الحسينية

{ مصطفى ماجد الدالي }
دور المرجعية في حفظ الشعائر الحسينية

تمهيد([1])

لطالما كان للمرجعية الدور الفاعل في حفظ الدين وصيانته من التلاعب؛ إذ نلاحظ على مرّ العصور والدهور أنها لم تألُ جهداً في التصدّي والذود عن حريم الإسلام، وذلك من خلال إصدار الفتاوى والأحكام، والتصدّي للهجمات بشتى السبل.

ومن الواضح أنّ الشعائر الحسينية هي من أبرز تجليات الدين، ومن الركائز الأساسية التي تصب في مصلحة المجتمع المتدين، فهي الأساس لاستمرار الارتباط بالقضية الحسينية التي أُريد منها إيقاظ ضمير الأُمة المسلمة، ولفت نظرها إلى ما يداهم الدين الحنيف من مخاطر، تلك القضية التي كانت ولا تزال جرحاً لا يندمل على مر العصور والدهور، حتى إنّ أهل البيت(عليهم السلام) في كثير من المواطن بيّنوا هذا المعنى بعبارات مختلفة ومتعدّدة، كقول الإمام الرضا(عليه السلام): «إنّ يوم الحسين أقرح جفوننا، وأسبل دموعنا، وأذلّ عزيزنا بأرض كرب وبلاء، وأورثنا الكرب والبلاء إلى يوم الانقضاء»([2])، وغير ذلك من الأقوال، وهي إن دلّت على شيء فإنما تدلّ على عظم المصيبة التي لا تنتهي إلى يوم الانقضاء، ولذا؛ فعلينا أن نساهم في الحفاظ عليها وعلى استمراريتها، وذلك بإحيائها وإبقائها نقية من جميع ما يدنّس حرمتها، سواء من الخارج أم من الداخل.

وباعتبار أنّ المرجعية تمثل النيابة العامّة عن الإمام(عليه السلام)، والنموذج المثالي للإنسان المؤمن الذي يحافظ على مقدّساته وشعائره، فقد تصدّت للحفاظ على الشعائر الحسينية بأساليب مختلفة؛ إيماناً منها بأن تلك الشعائر هي التي تحافظ على استمرار الخط الحسيني، فأصدرت الفتاوى، وسوّرت الشعائر، وأحيتها بالحضور والدعم، وتصدّت للهجمات عليها من الخارج ومن الداخل، فها هو التاريخ يحدّثنا عن دور المرجعية في حفظ الشعائر الحسينية، والأساليب التي اتبعتها في ذلك، ومن تلك الأساليب:

1ـ بيان معنى الشعائر الحسينية.

 2ـ تحديد الضابطة للشعائر الحسينية.

 3ـ التأييد العلمي والمعنوي.

4ـ التأييد بالحضور الميداني في مراسم الشعائر الحسينية.

5ـ التصدّي لردّ الهجمات على الشعائر الحسينية.

1ـ معنى الشعيرة

من الأساليب التي اتّبعها العلماء في حفظ الشعائر الحسينية هو بيان معنى الشعيرة؛ لتتميز عن غيرها من الأفعال التي قد تُنسب إليها، مستندين في ذلك إلى المعنى اللغوي القائل: بأنّها ما جُعل عَلَماً لطاعة الله تعالى، فقد قيل إنّ: شعائر وشِعارُ الحج: مناسكه وعلاماته وآثاره. كما صرّح بذلك الجوهري في الصحاح([3])، وابن منظور في لسان العرب([4]).

وقد ورد في تفسير قوله تعالى: (ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّـهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ)([5])، في مجمع البيان: «أي: معالم دين الله، والأعلام التي نصبها لطاعته. ثم اختُلف في ذلك، فقيل: هي مناسك الحج كلّها، عن ابن زيد... وقيل ـ شعائر الله ـ: دين الله كلّه»([6]).

كما ذكروا لها معنى اصطلاحياً له جذوره اللغوية، فقد قال بعض العلماء في بيان ماهيّة الشعيرة: «علامة حسّيّة لمعنًى من المعاني الدينيّة، ولكنّ هذه العلامة ليست تكوينية، ولا عقلية، ولا طبعية، وإنّما هي علامة وضعية. فالشعائر هي التي تفيد الإعلام، وكلّ ما يُعلِم على معنى من المعاني»([7]).

وعليه؛ يتبين من التعريفين اللغوي والاصطلاحي: أنّها كلّ ما كان علامة على معنى من المعاني، وهي وضعيةٌ (من وضع واضع). إذن؛ فالشعائر الحسينية هي علامةٌ من علامات القضية الحسينية.

2ـ تحديد ضابطة الشعائر الحسينية

لا يمكن القول: بأنّ للشعائر الحسينية حدوداً وضوابط واضحة المعالم وصريحة الدلالات، وإنّما يمكن أن نقول: إنّ الفقهاء وضعوا بعض العلامات والملامح التي يمكن من خلالها معرفة الشعيرة، وتمييزها ـ ولو جزئياً ـ وهي:

1ـ كون الفعل علامةً لمعنًى من المعاني الدينية كالقضية الحسينية.

2ـ وكون الفعل مباحاً شرعاً، فلا يُعقل عدّ الفعل المحرّم شعيرة من شعائر الله!

3ـ ومن الضوابط للشعائر كون الفعل داخلاً ضمن الجزع والتفجّع على الإمام الحسين(عليه السلام)، فقد قال علماؤنا بجواز البكاء والجزع على الإمام الحسين(عليه السلام) بكلّ مصاديق الجزع، سواء باللطم على الصدور أم الوجوه، بل إنّ ذلك من الأُمور المستحبة أيضاً، كما ذكر آية الله العظمى الميرزا جواد التبريزي(قدس سره) في جوابٍ عن استفتاء حول رأيه في مراسم الشعائر الحسينية، فأجاب سماحته: «كل مظهر من مظاهر العزاء إذا صدق عليه عنوان الحزن والجزع لمصائب أهل البيت(عليهم السلام) فهو من الأُمور المستحبّة...»([8])، فقد جاء في الروايات: « على مثله [الحسين(عليه السلام)] تُلطم الخدود وتُشقّ الجيوب»([9])، بشرط عدم الوصول إلى الجناية على النفس([10])، وقد ورد عن الإمام الصادق(عليه السلام) أنّه قال: «كلّ الجزع والبكاء مكروه، ما خلا الجزع والبكاء لقتل الحسين(عليه السلام)»([11]).

فنلاحظ أنّ الرواية تبيّن حكم البكاء والجزع وهو الكراهة، مستثنية منه البكاء والجزع على الإمام الحسين(عليه السلام)؛ لكونه من العلامات للقضية الحسينية.

ويراد من الجزع في كتب اللغة ما هو أعمّ من الحزن والبكاء، وإنّما هو شدّة الحزن وشدّة البكاء، أو هو كلّ مظهرٍ من مظاهر شدّة الحزن، بل: «قيل: هو أشدُّ الحزن الذي يمنع الإنسان ويصرفه عمّا هو بصدده، ويقطعه عنه»([12]).

3ـ التأييد العلمي والمعنوي

تصدّت المرجعية الدينية على مرّ العصور والأزمان للحفاظ على مراسم الشعائر الحسينية، وذلك تارة من خلال الحرص على استمراريتها، والسعي لتطويرها، وإضفاء السمة الشرعية على بعض الموارد التي ينطبق عليها عنوانها، لتصدر الفتاوى بجوازها أو استحبابها، وأُخرى بتحريم بعض الممارسات التي تهدّد قدسية الشعائر الحسينية، وقد تحصّل من ذلك كلّه كتب ورسائل مختصة في مجال الفتاوى والبيان العلمي للأدلة المثبتة لشعائر الحسين(عليه السلام)؛ ساعدت على تكميم أفواه الأعداء والمغرضين.

وسنعرض فيما يلي نماذج من فتاوى العلماء في الشعائر الحسينية:

1 ـ آية الله الحاج الشيخ جعفر كاشف الغطاء الكبير(قدس سره) (ت 1228هـ)

قال(رحمه الله): «وأما بعض الأعمال الخاصّة الراجعة إلى الشرع، ولا دليل علىها بالخصوص فلا تخلو من أن تدخل في عموم الدليل، ويُقصد بالإتيان بها الموافقة من جهته لا من جهة الخصوصية... [إلى أن قال:] كما يصنع في مقام تعزية الحسين(عليه السلام) من دق طبل إعلام أو ضرب نحاس وتشابيه صور، ولطم على الخدود والصدور؛ ليكثر البكاء والعويل»([13]).

2 ـ العلّامة الكبير الشيخ خضر بن شلال(رحمه الله) (ت 1255هـ)

إذ قال: «الذي يُستفاد من مجموع النصوص ـ ومنها الأخبار الواردة في زيارة الحسين المظلوم، ولو مع الخوف على النفس ـ يجوز اللطم والجزع على الحسين كيفما كان...»([14]).

3 ـ  الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء(قدس سره)(ت 1373هـ)([15])

قال: «الجزع والبكاء في المصائب مهما عظمت قبيح ومكروه، ولكن صادق أهل البيت(عليهم السلام) يقول في حديث معتبر: البكاء والجزع كلّه مكروه إلّا على الحسين (صلوات الله عليه)... شقّ الجيوب على الفقيد وخمش الوجوه محرّم في الأشهَر، ولكن صادق أهل البيت(عليهم السلام) يقول في حديث وثيق: على مثل الحسين فلتشقّ الجيوب، ولتخمش الوجوه ولتلطم الخدود»([16]).

وقال في موضعٍ آخر: «أمّا الحكم الشرعي من تلك المظاهرات والمواكب فلا إشكال في أن اللطم على الصدور وضرب السلاسل على الظهور وخروج الجماعات في الشوارع والطرقات بالمشاعل والأعلام مباحة مشروعة، بل راجحة مستحبة، وهي وسيلة من الوسائل الحسينية، وباب من أبواب سفينة النجاة. نعم، إلّا أن يُعلم بعروض عنوان ثانوي يقتضي حرمة شيء من تلك الأعمال الجليلة... أما الألم الذي يزول بسرعة فلا يوجب الحرمة... أمّا الجزئيات فليس من شأن الفقيه ولا من وظيفته...»([17]).  

4 ـ آية الله السيد أبو القاسم الخوئي(قدس سره)(ت 1413هـ)

ما ورد من استفتاء لسماحة آية الله السيد أبي القاسم الخوئي(قدس سره) المذكور في كتاب صراط النجاة، يجيب فيه عن لطم الصدور، وهذا نصُّه: «ما هو نظركم الشـريف في لطم الصدور في مجالس عزاء سيّد الشهداء، مع كون الناعي (الرادود) ينقل في شِعره وغيره قضايا اجتماعية وأحداث الساعة؟

بسمه تعالى، لطم الصدور في عزاء سيد الشهداء(عليه السلام) وسائر الأئمّة داخل في عزائهم(عليهم السلام)، وأما اللطم في غير ذلك مما لا يرتبط بعزائهم وعزاء علماء الدين والمنتسبين لأهل البيت فلا يرجى فيه الثواب، والله العالم»([18]).

هذه جملة من فتاوى كثيرة لعلمائنا حول مراسم الشعائر الحسينية([19])، متصدّين فيها للحفاظ على هذه المراسم والذود عنها؛ لئلا تشوبها شائبة تخرجها عن هدفها، تلك الشوائب التي يتحيّن أعداء الدين الفرص لإلقائها ضمن معتقداتنا؛ سعياً منهم لإبعادنا عن أهل البيت(عليهم السلام) وعن طريقهم؛ فيصفون هذه المراسم بالخرافات، أو يقومون بدس ما هو خارج عنها فيها، فيأتي هنا دور المرجعية في الحفاظ عليها، وذلك بإصدار الفتاوى، والرد على الأسئلة والاستفتاءات التي ترد عليهم من الناس، مبينين وشارحين لحكم هذه الأعمال، وأنها داخلة ضمن الجزع والحزن على الإمام الحسين(عليه السلام)، أو أنها خارجة عنه، وهل هي أعمال مباحة، أو أنها خرجت عن حيز الإباحة إلى الحرمة؟ كل ذلك لأجل الحفاظ على الدين، وكل ما يمت له بصلة، وأداءً لواجبهم في رعاية الإسلام، بصفتهم نواباً للإمام المعصوم(عليه السلام)، حفظ الله مرجعيتنا. 

4 ـ التأييد بالحضور الميداني في مراسم الشعائر الحسينية

تعددت الأساليب الداعمة للشعائر الحسينية والقائمين عليها من قبل المرجعية الدينية، إذ اعتمدوا بعض الطرق المؤثرة والمتعاضدة في الدلالة على دعمهم وتأييدهم لتلك الشعائر، ومن بين تلك المواقف التي شغلت مساحة واسعة في ذلك هو التأييد الميداني، إما بالحضور في المراسم ومشاركة المعزّين، أو بدعمها مادياً، سواء ببذل المال من أجل إقامتها، أو بأن يقيمها المرجع نفسه في دراه، ومن المراجع الذين كان لهم هذا الدور:

1ـ الميرزا محمد حسن الشيرازي(قدس سره) (ت 1312هـ)

هو محمد حسن بن الشيخ محمود الشيرازي النجفي المعروف بالمجدّد، أعظم علماء عصره وأشهرهم، وأعلى مراجع الإمامية في سائر الأقطار الإسلامية في وقته، عاش بين الفترة (1230 ـ 1312هـ)([20]).

موقفه:

كان موكب الشبيه في وقته يخرج من منزله(قدس سره)، وكذلك المواكب اللاطمة، وقد كانت تلك المواكب تتألف من طلاب العلوم الدينية وغيرهم، واستمر هذا كلُّه بجميع التفاصيل المتقدمة إلى آخر أيَّام الميرزا محمد تقي الشيرازي(قدس سره) (ت 1338هـ)، وقد ذُكر أنها ـ كما كانت تخرج من داره ـ تعود كذلك في نهاية المطاف إليها، لتكون المحطة الأخيرة لاختتام ذلك العزاء([21]).

ويمكن أن نستنتج من هذا الموقف، الدعم والتأييد الواضح لتلك الشعائر التي تنطلق من منزله، إذ لا شك في أنه(رحمه الله) مراقب لها عن كثب؛ ولعل هدفه من ذلك كلّه أن تكون بمرأى ومسمع منه، فيصونها عن الانحراف والضياع.

2ـ آية الله العظمى الشيخ محمد طه نجف(قدس سره) (ت 1323هـ)

هو الشيخ محمد طه بن الشيخ مهدي بن الشيخ محمد رضا التبريزي النجفي، مرجع كبير من مشاهير علماء عصره، شهد باجتهاده فحول العلماء وكبار الفقهاء، وعدّ في مصافّ أعلام عصره النابهين([22]).

موقفه:

لقد أقام الشيخ(قدس سره) مأتم الإمام الحسين(عليه السلام) في منزله، ومن أوضح ما ذكر حول هذا المأتم هو أنّ المجلس كان يمتلئ بالعلماء وأهل الدين، وكان في يوم مُعيَّن مِن كلِّ سنة يؤدّى في المأتم نفسه تمثيل بعض وقائع الطفِّ، وكانت المواكب جميعاً تدخل في داره، فيشارك(قدس سره) باللطم والبكاء معهم([23]).

وليس خافياً على القارئ الكريم أنّ موقفه(قدس سره) هذا له من الدلالات الواضحة على دعمه وتأييده لهذه المراسم، في جميع الموارد التي قام بالمشاركة فيها وأدخلها في داره.

3ـ آية الله العلّامة الشيخ محمد جواد البلاغي(قدس سره) (ت 1352هـ)

هو الشيخ محمد جواد بن الشيخ حسن بن الشيخ طالب بن الشيخ عباس بن الشيخ إبراهيم بن الشيخ حسين بن الشيخ عباس بن الشيخ حسن البلاغي النجفي الربعي، وينتهي نسب آل البلاغي إلى قبيلة ربيعة إحدى قبائل الحجاز، وقد عاش بين الفترة (1282هـ ـ 1352هـ).

موقفه:

إنّه(قدس سره) ممَّن حضر مراسم الشعائر الحسينية على الرغم من كبر سنه وضعف بدنه، كما قد ذُكر عنه أن لديه عقيدة راسخة بسيد الشهداء(عليه السلام)، ويُقال: إنّ الفضل يعود إليه في الطريقة المنظمة والحضور الحاشد للمواكب والحسينيات في يوم العاشر من محرم في كربلاء المقدسة، فقد كان يتقدّم مواكب العزاء([24])، ويسير أمامهم حافي القدمين حاسر الرأس، وهو يضرب على صدره، ومن خلفه جمهور المؤمنين المعزّين يلطمون الصدور والرؤوس([25]).

لقد كان لموقف العلّامة آية الله البلاغي(قدس سره) الأثر البالغ في ترسيخ ودعم الشعائر الحسينية؛ إذ كان الناس يستمدّون من حضوره في تلك المواكب العزائية وخروجه مع المعزّين أشد مراتب الإصرار والتفاني في إحياء شعائر عاشوراء، ويتلقّون من موقفه هذا أعلى درجات التأييد لها.

ومن الجدير بالذكر أنّ العلامة البلاغي(قدس سره) من العلماء الأفذاذ، له مسيرة علمية وجهادية عظيمة، تتلمذ على آية الله محمد تقي الشيرازي(قدس سره)، وكان صاحب مؤلفات كثيرة، وله تفسير للقرآن موسوم بـ(آلاء الرحمن في تفسير القرآن)([26]).

4 ـ آية الله العظمى الشيخ عبد الكريم الحائري(قدس سره) (ت 1355هـ)

الشيخ عبد الكريم بن محمد جعفر المهرجردي اليزدي الحائري، وهو من كبار الفقهاء في عصره، عاش ما بين (1267 ـ 1355هـ).

وُلد ونشأ في منطقة ريفية من عائلة معروفة بالالتزام في قرية (مهرجرد)، إحدى قرى مدينة (يزد) الإيرانية، كان أبوه من الصالحين، وقد اهتم بتربيته وتعليمه اهتماماً بالغاً؛ فتعلّم القراءة والكتابة، وورث من أبيه الأخلاق الحميدة والصلاح([27]).

موقفه:

وممّا امتازت به شخصية آية الله الشيخ عبد الكريم الحائري(رحمه الله) علاقته بأهل البيت(عليهم السلام)، خصوصاً سيّد الشهداء الإمام الحسين بن علي(عليهما السلام)، ويُنقل أنه كان قبل الشروع بالدرس يأمر بقراءة مصيبة الإمام الحسين(عليه السلام)، فكان هذا دأبه في كلّ يوم قبل أن يباشر بالتدريس.

ولم يقتصر(قدس سره) على هذه التعزية أيام الدرس، بل كان داعماً ومؤيداً بفتاواه في مراسم العزاء والشعائر الحسينية، مجيباً عن الأسئلة التي تُطرح حول ذلك، بل كان يخرج بنفسه(رحمه الله) للمشاركة في العزاء وإحياء الشعائر في أيام عاشوراء، وفي اليوم العاشر كان يخرج حافي القدمين ملطِّخاً جبهته ووجهه بالطين، وكان يشارك مواكب العزاء، فيكون محل أنظار المشاركين، فيمارسون الشعائر الحسينية على خطاه، سواء في لطمٍ أو غيره([28]).

5 ـ التصدّي لردّ الهجمات على الشعائر الحسينية

من المعلوم لدينا أنّ الشعائر الحسينية ـ كبقية المسائل المرتبطة بالدين ـ قد أُثيرت حولها بعض الشبهات من قبل المغرضين، إلّا أنّ المرجعية الدينية تصدّت للدفاع عنها وردِّ جميع ما يثار حولها من الأباطيل.

وهنا نورد بعض الشبهات المثارة حول الشعائر الحسينية وكيفية التصدّي لها من قبل المرجعية، وسوف نختار نموذجين لشبهتين من هذه الشبهات التي أثارها بعض أعداء الدين، مع ذكر الردود التي سجلّها علماؤنا الأعلام:

الشبهة الأُولى:

إنّ هذه الأُمور ليست معهودة في زمن المعصومين(عليهم السلام)، فلم يقم أحد منهم بممارسة تشابه ما يقوم به المعزّون والمشاركون في عصورنا المتأخرة، مع أنّ أهل البيت(عليهم السلام) هم أصحاب المصيبة، فهم الأجدر بالقيام بهذه الطقوس المعبرة عن الحزن على الإمام الحسين(عليه السلام) فيما لو كانت موضع رضا لهم، بل لو وجدنا حديثاً عنهم(عليهم السلام) يأمرنا بإقامة هذه الممارسات لكان ذلك كافياً في إقناع الآخرين، أمّا إذا لم تتوفر هذه الأُمور تصبح النتيجة لدينا حينها أنها أُمور ابتدعها الشيعة، وأطلقوا عليها اسم الشعائر المذهبية؛ فتكون بدعة، وكلّ بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة في النار([29]).

الجواب:

من الأجوبة عن هذه الشبهة ما ذكره العلّامة آية الله السيّد علي الحسيني الفاني الإصفهاني(رحمه الله)، في الفرق بين أن يكون الأمر جديداً ولكنه مستمد من أساسيات الأدلة الدينية، وبين أن يكون بدعة لا أساس له من ذلك، وأنّ الشعائر الحسينية ليست من البدعة في شيء؛ لأنّ البدعة هي تشريع حكم في الدين لم يكن فيه، في حين أنّ هذه الطقوس والمراسم، وإن كانت جديدة، تعبر عن مدى الحزن والجزع على الإمام الحسين(عليه السلام)، التي أكد المشرع المقدس حبّه لها، فتكون من المستحبات المؤكّدة، فقال(رحمه الله):

«ليس كلّ جديد بدعة؛ إذ البدعة المبغوضة عبارة عن تشريع حكم اقتراحي لم يكن في الدين ولا من الدين، والروايات الواردة في ذم البدعة والمبتدع ناظرة إلى التشريع في الدين، بل هي واردة مورد حكم العقل بقبح التشريع من غير المتشرع بعنوان أنه شرع إلهي ومستمد من الوحي السماوي، وإلا فأين محل الشبهات الحكمية التي وردت الروايات بالبراءة فيها، وحكم العقل بقبح العقاب عليها، وبديهي أنّ الشعائر الحسينية ليست كذلك، كيف والإبكاء مأمور به، وهو فعل توليدي يحتاج إلى سبب، وهو إما قولي، كذكر المصائب وإنشاء المراثي، أو عملي كما في عمل الشبيه، فللفقيه أن يحكم بجواز تلك الشعائر لما يترتّب عليها من الإبكاء الراجح البتة، كما أنّ التعزية عنوان قصدي، ولا بد له من مبرز، ونرى أن مبرزات العزاء في الملل المختلفة مختلفة، وما تعارف عند الشيعة ليس مما نهى عنه الشرع، أو حكم بقبحه العقل، وعلى المشكك أن يفهم المراد من البدعة ثم يطبقها على ما يشاء إن أمكن»([30]).

الشبهة الثانية:

 إنّ سير المواكب في الشوارع في العصر الحاضر يوجب استهزاء غير المسلمين بالإسلام.

الجواب:

قال العلّامة آية الله السيّد علي الحسيني الفاني الإصفهاني(رحمه الله): «انّ كلّ ملّة لها مراسيم مذهبية واجتماعية، وليس ما عند الأجانب بألطف مما عندنا، مضافاً إلى أنّ الدين لا يُهجر ولا يتغيرّ بمسخرة المعاند، بل أليس لنا أن نسخر ممَّن يرى الدعارة فخراً والغدر هدىً والجناية تقدماً، ثم يتهمنا بالرجعية؟! نعم، بعثه على الاستهزاء بنا تخدير أعصابنا، واستغلال وحدتنا المذهبية الكبرى»([31]).

وكذلك ورد من قبيل هذا الكلام استفتاء على آية الله المغفور له الشيخ محمد تقي بهجت(رحمه الله)، فأجاب بأن لا اعتبار لهذا الكلام، وإلّا فإنّ الأعداء وغير المسلمين يستهزؤون حتى بإقامة الصلاة وأعمال الحج، فهل يؤدّي بنا ذلك إلى تركها؟!([32]).

ومع أنّ هذه الشبهة واضحة البطلان، لنا أن نسجل عليها مجموعة من النقاط، منها:

1ـ مَن قال بأنّ هذا الفعل يوجب استهزاء الأجانب بنا؟! بل ربما لو علم الآخر ما يدعونا للخروج بهذه الطريقة، وقمنا باستعراض المصائب التي دعتنا للحزن والأسى، لكان ذلك مدعاة لتفاعله معنا.

2ـ ليس من المسموح به عقلاً أن يجعل الإنسان معياره في التمسك بفعل أو تركه منحصراً باستهزاء الآخرين به، أو عدم استهزائهم، وإلّا فإنّ هذا يعني أن نتخلّى عن كثير من العبادات التي لا نزاع في أنها من الدين، كرمي الجمار وغيرها من الأعمال.

3ـ إنّ لدى الديانات والفرق الأُخرى طقوساً ومراسم غريبة تكون مدعاةً للاستهزاء، لكنّهم لم يتركوها، بل استمروا في التمسك بها، كطقوس العبادة لدى الهندوس والبوذيين، من عبادة وتقديس البقر والوثن وغيره مما هو معلوم لدى الجميع.

4ـ إنّ لدى بعض الشعوب غير المسلمة، سواء من الملحدين أم من اليهود والمسيحيين، بعض المراسم يقومون بها غير تابعة لديانة معينة، وإنما ورثوها عن أجدادهم، وفيها من السخرية وضياع القيم ما يزيد على الحدود المتعارفة، ومع ذلك لم يقل أحد منهم: إنّ هذا معيب أو مدعاة للاستهزاء، ومن هذه العادات مثلاً مصارعة الثيران التي تقام في بعض الدول الأوروبية، مع أنّ هذه الثيران المتوحشة في كل سنة تسبب قتل الكثير من الناس ضحية هذه المصارعة، في الوقت الذي تنادي به هذه الشعوب بحقوق الإنسان وما شاكل ذلك من القيم والمبادئ الإنسانية، ولم نجد منهم ولا من غيرهم أيّ اعتراض على هذه الأُمور، ولم يستهزئ أحد بها، وكذلك بعض الرياضات التي تتضمّن ما يدعو للسخرية والاستهزاء... فلماذا تكون شعائرنا ـ المعبرة عن حزننا وجزعنا على إمامنا الذي قُتِل مذبوحاً عطشاناً هو(عليه السلام) وأهل بيته وأصحابه، وسُبيت نساؤه كما تسبى نساء الكفار ـ مدعاةً للسخرية والاستهزاء، وما يقوم به غيرنا مهما كان لا يدعو لذلك؟!

وهناك نقوض كثيرة يمكن إيرادها رداً على هذه الشبهة لا يسع المجال لذكرها، وليس موضوع بحثنا الردّ على الشبهات، وكذلك هناك شبهات نقلها المخالفون، وأخذوا بتنميقها ونشرها في الساحة من جديد، وهي كلّها مردودة بردود لا تبقي مجالاً للشك، ولا يتمسّك بها إلا المعاند الذي لا يريد سوى إثارة الفتن وتضعيف المذهب، ولكن يأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون، ولو كان موضوعنا يتناول الشبهات وردودها لبيناها، ولأجل ذلك أترك المجال للقارئ الكريم ليطّلع عليها([33])،  كما أنّ هناك شبهات أُثيرت على الشعائر من الداخل، وقد تصدّى لها علماؤنا بالردّ عليها بما يناسبها، ووأدها في مكانها، وقد أُلفت في هذا المجال الكتب والرسائل([34]).

محورية فتوى الميرزا النائيني(قدس سره)(ت 1355هـ) في تأييد الشعائر الحسينية

من أبرز المواقف حول الشعائر الحسينية هو موقف آية الله النائيني(قدس سره)، وفتواه التي حفظها التاريخ لجميع الأجيال اللاحقة؛ إذ اعتُبرت دستوراً متقناً حول مراسم الشعائر الحسينية وما يرتبط بها وما يترتب عليها من أُمور، مراعياً الدقة في فتواه، محيطاً بجوانب الموضوع، حتى اشتُهرت فتواه في هذا المجال، وقد وصفها الشيخ إبراهيم بن حسن المظفر في كتابه نصرة المظلوم بقوله: «... الفتوى المفصَّلة التي جاد وأجاد بها بقيَّة السلف مِن العلماء الأعلام شيخنا العلاَّم آية الله في الأنام، الميرزا محمد حسين الغروي النائيني (أدام الله فضله)...»([35])، حتى إنّ مَن جاء بعده من الفقهاء أيّدوا ما ذكره، ولم يزيدوا عليه شيئاً، وقالوا: إنّه تامٌّ لا يحتاج إلى زيادة.

ونصّ الفتوى هو: «... قد تواردت علينا في (الكرادة الشـرقية) برقياتكم وكتبكم المتضمّنه للسؤال عن حكم المواكب العزائية وما يتعلّق بها، إذ رجعنا بحمده سبحانه إلى النجف الأشرف سالمين، فها نحن نحرّر الجواب عن تلك السؤالات ببيان مسائل :

الأُولى: خروج المواكب العزائية في عشرة عاشوراء ونحوها إلى الطرق والشوارع ممّا لا شبهة في جوازه ورجحانه، وكونه من أظهر مصاديق ما يقام به عزاء المظلوم، وأيسر الوسائل لتبليغ الدعوة الحسينيّة إلى كل قريب وبعيد، لكن اللازم تنزيه هذا الشعار العظيم عمّا لا يليق بعبادة مثله من غناء، أو استعمال آلات اللهو، والتدافع في التقدم والتأخر بين أهل محلَّتين، ونحو ذلك، ولو اتفق شيء من ذلك، فذلك الحرام الواقع في البين هو المحرّم، ولا تسري حرمته إلى الموكب العزائي، ويكون كالناظر إلى الأجنبيّة حال الصلاة في عدم بطلانها.

الثانية: لا إشكال في جواز اللطم بالأيدي على الخدود والصدور حدّ الاحمرار والاسوداد، بل يقوى جواز الضرب بالسلاسل أيضاً على الأكتاف والظهور، إلى الحد المذكور، بل وإن تأدّى كل من اللطم والضرب إلى خروج دم يسير على الأقوى، وأمّا إخراج الدم من الناصية بالسيوف والقامات، فالأقوى جواز ما كان ضرره مأموناً، وكان من مجرد إخراج الدم من الناصية بلا صدمة على عظمها، ولا يتعقب عادة بخروج ما يضر خروجه من الدم، ونحو ذلك، كما يعرفه المتدربون العارفون بكيفية الضـرب، ولو كان عند الضرب مأموناً ضرره بحسب العادة ولكن اتفق خروج الدم قدر ما يضر خروجه لم يكن ذلك موجباً لحرمته، ويكون كمن توضأ أو اغتسل أو صام آمناً من ضرره ثم تبين ضرره منه، لكن الأَولى ـ بل الأحوط ـ أن لا يقتحمه غير العارفين المتدربين، ولا سيّما الشبان الذين لا يبالون بما يوردون على أنفسهم؛ لعظم المصيبة وامتلاء قلوبهم من المحبة الحسينيّة. ثبّتهم الله تعالى بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.

الثالثة: الظاهر عدم الإشكال في جواز التشبيهات والتمثيلات التي جرت عادة الشيعة الإماميّة باتّخاذها لإقامة العزاء والبكاء والإبكاء منذ قرون، وإن تضمنت لبس الرجال ملابس النساء على الأقوى، فإنّا وإن كنّا مستشكلين سابقاً في جوازه، وقيدنا جواز التمثيل في الفتوى الصادرة منا قبل أربع سنوات، لكنا لما راجعنا المسألة ثانياً اتضح عندنا أنّ المحرّم من تشبيه الرجل بالمرأة هو ما كان خروجاً عن زيّ الرجال رأساً، وأخذاً بزيّ النساء، دونما إذا تلبّس بملابسها مقداراً من الزمان بلا تبديل لزيّه، كما هو الحال في هذه التشبيهات، وقد استدركنا ذلك أخيراً في حواشينا على العروة الوثقى.نعم، يلزم تنزيهها أيضاً عن المحرمات الشرعية، وإن كانت على فرض وقوعها لا تسري حرمتها إلى التشبيه، كما تقدم.

الرابعة: الدمّام المستعمل في هذه المواكب مما لم يتحقّق لنا إلى الآن حقيقته، فإن كان مورد استعماله هو إقامة العزاء، وعند طلب الاجتماع، وتنبيه الراكب على الركوب، وفي الهوسات العربية ونحو ذلك، ولا يستعمل فيما يطلب فيه اللهو والسرور، وكما هو المعروف عندنا في النجف الأشرف، فالظاهر جوازه، والله العالم»([36]).

موافقة الفقهاء لفتوى الميرزا النائيني(قدس سره)

نظراً لأهمية الموضوع الذي تناوله الميرزا محمد حسين النائيني، واستيفاء كلامه لجوانب كثيرة مرتبطة بالشعائر الحسينية، نلاحظ أنّ مَن جاء بعده(قدس سره) من الفقهاء قد وافقه على تلك الفتوى، ومن أجل تتميم الفائدة نذكر مجموعة منهم (قدّس الله أسرارهم):

1ـ آية الله العظمى الشيخ محمد كاظم الشيرازي(قدس سره).

2 ـ آية الله العظمى الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء(قدس سره).

3 ـ آية الله العظمى الشيخ محمد حسن المظفر(قدس سره).

4 ـ آية الله العظمى السيد حسين الحمامي الموسوي(قدس سره).

5 ـ آية الله العظمى السيد ميرزا عبد الهادي الشيرازي(قدس سره).

6ـ آية الله العظمى السيد محسن الحكيم الطباطبائي(قدس سره).

7 ـ آية الله العظمى السيد محمود الشاهرودي(قدس سره).

8 ـ آية الله العظمى السيد أبو القاسم الخوئي(قدس سره)([37]).

المنطلق الفقهي

انطلاقاً من باب وجوب إرشاد الجاهل، فإنّ من الواجب على العالم تعليم الجاهل بالفرض الكفائي في الأحكام الكلّية الإلهية، كأصل وجوب الصلاة وكيفيتها، وفي الموضوعات الخارجية، ويقصد بذلك «تنبيه الجاهل لما يرتكبه خطأً، لا من حيث جهله بأصل الحكم، بل من جهة جهله بالموضوع، كمَن يعلم ببطلان الوضوء بالماء المتنجس لكن لا يعلم بأنّ الماء الذي يتوضّأ به متنجس فعلاً...»([38]). وبما أنّ مَن يقوم بفعل من مراسم الشعائر الحسينية يكون على الأغلب عالماً بالحدود المحرمة لإيذاء النفس من الجانب النظري، لكنه لا يعلم هل هذا الفعل يدخل في إيذاء النفس فيكون محرماً، أو أنه ليس من المقدار المحرم، أو أنه يدخل في باب الجزع أو لا؟ فيأتي دور الفقيه هنا لبيان ذلك الأمر، فيتصدى للإفتاء والحكم، خصوصاً إذا كان الأمر شائعاً بين الناس، والخلاف فيه كثير، فحينئذٍ يكون من مهام الفقيه أن يبدي رأيه في أمر كهذا، ولذا؛ نلاحظ أنّ الميرزا النائيني(قدس سره)، قد تصدّى لهذه المسألة، وفصّل الكلام فيها، وحدّدها بحدود تمنع من دخولها في الفعل المحرم، فأفتى بجواز هذه المراسم مع الحفاظ على قدسيتها، وعدم دخول الأُمور الباطلة والمحرمة فيها، وقد كانت فتواه هذه في غاية الدقة والوضوح، وحاول أن يجعل مائزاً بين الأُمور؛ لئلا يختلط بعضها ببعض، وصرح بأنّ الأُمور المحرمة إذا حصلت في ضمن هذه المراسم فإنّ حرمتها لا تسري إلى المراسم نفسها، نظير النظر إلى الأجنبية أثناء الصلاة، وقد أشار إلى أنّ بعضها من أبرز مصاديق العزاء، ومن هذه العبارة نستفيد أنه يرى في بعض المراسم الاستحباب.

وعلى العموم، فقد حفظ(قدس سره) في فتواه هذه الشعائر الحسينية، واستطاع أن يبقي الحرارة التي كانت ولا زالت في قلوب المؤمنين، مع تحذيره من وقوع بعض المحاذير الشرعية التي قد تشوب تلك المراسم المقدسة.

الخاتمة

في الختام يتبيّن الدور الذي قامت به المرجعية الدينية في الحفاظ على الشعائر الحسينية من الضياع، ومن دخول الشوائب عليها على مرّ العصور والأزمان، فقد كان لمواقفهم الآنفة الذكر دور فاعل في حفظ شعائر النهضة الحسينية، وتأطيرها بإطار يمنع دخول ما هو دخيل فيها.

ويمكن أن نلخّص نتائج البحث في النقاط التالية:

1 ـ كان للمرجعية أدوار متعددة في حفظ الشعائر الحسينية.

2 ـ حافظت المرجعية على الشعائر الحسينية من الهجمات الخارجية بواسطة بيان المعنى للشعائر  تارة، وأُخرى بتحديد الضابطة، فجعلت لها سوراً تمنع بواسطته الغريب عن الشعائر أن يدخل فيها.

3 ـ أدّت المرجعية دور توجيه الناس بالإفتاء في أحكام الشعائر الحسينية، بتحريم ما هو دخيل عليها، وبيان جواز واستحباب ما هو منها؛ لكونه مصداقاً للجزع والحزن على الإمام الحسين(عليه السلام).

4 ـ دعمت المرجعية الشعائر الحسينية دعما مادياً بالحضور الميداني في مراسمها، من المواكب وغيرها؛ ليكون ذلك مؤيّداً فعلياً لما يُقام من طقوس.

5 ـ تصدّت المرجعية للهجمات وردّت الشبهات المثارة ضدّ مراسم الشعائر الحسينية، وذلك بالبراهين والأدلّة العقلية.

6 ـ كان موقف آية الله الميرزا محمد حسين النائيني(قدس سره) من أبرز المواقف التي كمّمت الأفواه المتطاولة على الشعائر الحسينية، وشهد بهذا الكثير من الفقهاء؛ بدليل أن مَن جاء بعده من الفقهاء قد أيّده.

 

 


([1])  باحث إسلامي، من العراق.

([2])  ابن طاووس، علي بن موسى، إقبال الأعمال: ج3، ص28.

([3]) اُنظر: الجوهري، إسماعيل بن حماد، الصحاح: ج2، ص698.

([4]) اُنظر: ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب: ج4، ص414.

([5]) الحج: آية32.

([6]) الطبرسي، الفضل بن الحسن، مجمع البيان: ج7، ص150.

([7]) السند، محمد، الشعائر الحسينية بين الأصالة والتجديد: ص67.

([8]) رابطة فذكّر الثقافية، فتاوى الفقهاء والمراجع في الشعائر الحسينية: ص147.

([9]) الطوسي، محمد بن الحسن، تهذيب الأحكام: ج8، ص325. الحرّ العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة: ج22، ص402.

([10]) اُنظر: النجفي، محمد حسن، جواهر الكلام: ج4، ص368. الخوئي، أبو القاسم، صراط النجاة (مع تعليقات وملحق للميرزا جواد التبريزي): ج3، ص442ـ443.

([11]) الحرّ العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة: ج14، ص505.

([12]) الزبيدي، محمد مرتضى، تاج العروس: ج11، ص64.

([13]) كاشف الغطاء، جعفر، كشف الغطاء عن مبهمات الشريعة الغراء: ج1، ص270.

([14]) مجموعة من العلماء، رسائل الشعائر الحسينية (جمعها وحقّقها وعلّق عليها الشيخ محمد الحسون): ج2، ص305.

([15]) له مؤلَّفان في هذا المجال:

      أ ـ المواكب الحسينية: وهي الرسالة الثالثة التي وجّهها إلى أهالي البصـرة ردّاً على سؤالهم.

      ب ـ المسائل القندهارية: تكلّم فيها عن حكم إقامة الشعائر الحسينية في جوابٍ عن سؤال ضمن أسئلةٍ وردت إليه من قندهار، والتي طُبعت سنة (1329هـ)، بعد ذلك قام السيد الشهيد محمد علي القاضي بترجمتها إلى العربية، وطبعها في أوّل (الفردوس الأعلى) سنة (1371هـ) في النجف الأشرف، وسنة (1372هـ) في تبريز.

      ويجد القارئ الكريم أنّ رأي سماحته مختلف في الكتابين حول حكم الشعائر الحسينية، فقد جوزها جميعاً في المواكب الحسينية، وحرّم بعضها في المسائل القندهارية ضمن (الفردوس الأعلى).

      وعند رجوعنا إلى الرسالة الموسومة بـ(المواكب الحسينية) تبين لنا أنها طُبعت في سنة (1345هـ) منفردةً، وطُبعت ضمن كتاب (الآيات البينات) في نفس السنة، بينما كان تاريخ طباعة (المسائل القندهارية) في سنة (1339هـ)؛ وعليه يكون تاريخ الفتاوى المذكورة في (المواكب الحسينية)، متأخّراً عما ذكر في (المسائل القندهارية)، فيؤخذ بالرأي المتأخر. ولكن نُقل أنّه عندما تُرجم كتاب الفردوس الأعلى إلى العربية وطُبع (سنة1371هـ)، كان ذلك بإجازة ومراجعة منه(قدس سره) وتقريضه له، وقد جعل آراءه في (الفردوس الأعلى) و(جنة المأوى) ختام مسك حياته، أي: إنّه أقّر ما ورد في (الفردوس)، فيكون الرأي الأخير له(رحمه الله) هو الذي في (الفردوس)، وهو حرمة تلك الممارسات. اُنظر: مجموعة من العلماء، رسائل الشعائر الحسينية (جمعها وحقّقها وعلّق عليها الشيخ محمد الحسون): ج1، ص92 ـ 97. وهذا القول مناقشٌ فيه من جوانب متعدّدة، منها:

      1ـ إنّ كتابته للمسائل القندهارية كان جواباً عن أسئلة وردته من قندهار في سنة (1339هـ)، متقدمةً على رسالته (المواكب الحسينية) المطبوعة سنة (1345هـ).

      2ـ لو فرضنا أن رأيه هو ما ذكر في (المسائل القندهارية)، فلماذا أجاب بغيره في رده على أهل البصرة برسالته (المواكب الحسينية) مع أنها متأخرة عن أسئلة أهل قندهار؟ فهل تغير رأيه؟ أو أنه راعى خصوصية المكان، وخصوصية السائل وما يقوم به وما سأل عنه؟

      3ـ نعتقد أنّ سبب الاختلاف في الفتوى ناشئ عن خصوصية للمكان في إصدار الفتوى، وخصوصية لطبيعة الناس وما يقيمونه من مراسم للشعائر الحسينية؛ إذ كل ذلك له أثر في تغير الفتوى.

      4ـ إنّ تحريمه لبعض الشعائر في المسائل القندهارية إنما هو بالحكم الثانوي، والحكم الثانوي يعتمد على تحقق موضوعه، وإلا يبقى الحكم الأولي ساري المفعول.

      5ـ إن القول بأنّ رأيه الأخير هو الذي في الفردوس الأعلى بعد ترجمة الكتاب ومراجعته له، وتقريظه له صحيح، ولكن يبقى ما تحت عنوان (المسائل القندهارية) خاص بتلك المنطقة، وإن كان مندرجاً في كتاب الفردوس.

([16]) وردت الإشارة إلى مصدره في هامش سابق فراجع.

([17]) مجموعة من العلماء، رسائل الشعائر الحسينية (جمعها وحقّقها وعلّق عليها الشيخ محمد الحسون): ج1، ص92ـ 97.

([18]) الخوئي، أبو القاسم، صراط النجاة (مع تعليقات وملحق للميرزا جواد التبريزي): ج3، ص442.

([19]) من أراد أن يراجع فتاوى العلماء الماضين منهم والمعاصرين، فهناك كتاب جمع الفتاوى موثقة بصورة بخطهم المبارك وختمهم، وهو: فتاوى الفقهاء والمراجع في الشعائر الحسينية، إعداد رابطة فذكّر الثقافية.

([20]) اُنظر: الأمين، محسن، أعيان الشيعة: ج1، ص139. آقا بزرگ الطهراني، محمد محسن، الذريعة إلى تصانيف الشيعة: ج25، ص207.

([21]) اُنظر: المظفر، إبراهيم بن حسن، نصرة المظلوم: ص98 ـ 99. وأيضاً: ما نُقل في كتاب: رسائل الشعائر الحسينية: ج2، ص306 ـ 307، عن رسالة (رنة الأسى) للشيخ عبد الله السُبيتي العاملي (ت1397هـ). وأيضاً: القائم، منتظر، مقال منشور على موقع منتديات يا حسين بعنوان: (الشعائر الحسينية في قصص المراجع): .http://www.yahosein.com/vb/showthread.php?t=33575

([22]) اُنظر: الأمين، محسن، أعيان الشيعة: ج9، ص375. آقا بزرگ الطهراني، محمد محسن، الذريعة إلى تصانيف الشيعة: ج7، ص127.

([23]) اُنظر: المظفر، حسن، نصرة المظلوم: ص100.

([24]) اُنظر: مجموعة من العلماء، رسائل الشعائر الحسينية (جمعها وحققها وعلق عليها الشيخ محمد الحسون): ج1، ص66.

([25]) اُنظر: المظفر، إبراهيم حسن، نصـرة المظلوم، تحقيق السيد محمد علي الحلو، طبعة العتبة الحسينية المقدسة: ص98. عقيل عبد الصاحب، مقال على صحيفة الهدى الإلكترونية: .http://www.al-hodaonline.com/np/19-7-2011/rbsh/9q0m3xtz.htm

([26]) آقا بزرگ الطهراني، محمد محسن، الذريعة: ج2، ص321 ـ 322.

([27]) اُنظر: آقا بزرگ الطهراني، محمد محسن، طبقات أعلام الشيعة (نقباء البشر في القرن الرابع عشر): ج15، ص1158، رقم 1692. كحالة، عمر رضا، معجم المؤلّفين: ج5، ص320.

([28]) اُنظر: الشيرازي، محمد بن مهدي، قصص وعبر: ص30.

([29]) اُنظر: المصدر السابق. وقد نُشرت أيضاً مع ردودها في طيات الكتب ومواقع الإنترنت:

      .https://www.wybqalhosin.com/archives/category

       حتى أنهم لا زالوا ـ رغم تصدي علمائنا لهم والإجابة عن شبهاتهم ـ يجترون هذه الشبهات، ويعيدونها منمقة مع تغيير بعض العبارات؛ ليبينوا لهم أنها شبهات جديدة، في حين أنّ الباحث عند مقارنته بينها وبين الشبهات القديمة يجدها متحدة في معناها؛ وهذا الشيء يدل على أنه لا جديد لدى أعداء الدين، فيضطرهم حقدهم إلى إعادة تصدير تلك الشبهات التي استُهلكت، ولم تبق لها أيّ قيمة علمية.

([30]) المصدر السابق: ص 35 ـ 36. موقع (ويبقى الحسين)، تابع للموسوعة الإسلامية الكمبيوترية، مقال منشور على الموقع بعنوان: (استفتاءات حول الشعائر الحسينية): .https://www.wybqalhosin.com/archives/category

([31]) المصدر السابق: ص 36.

([32]) اُنظر: رابطة فذكّر الثقافية، فتاوى الفقهاء والمراجع في الشعائر الحسينية: ص141.

([33]) اُنظر: العاملي، محمد جميل حمود، ردّ الهجوم عن شعائر الإمام الحسين(عليه السلام) المظلوم.

([34]) راجع على سبيل المثال: نصرة المظلوم للشيخ إبراهيم بن حسن المظفر، ورنة الأسى للشيخ عبد الله السبيتي العاملي، وغيرها من الرسائل، وقد جمع هذه الرسائل والكتب في مجموعة الشيخ محمد الحسون تحت عنوان: (رسائل الشعائر الحسينية).

([35]) المظفر، إبراهيم بن حسن، نصرة المظلوم: ص101.

([36]) المظفر، إبراهيم بن حسن، نصـرة المظلوم: ص101. السند، محمد، الشعائر الحسينية بين الأصالة والتجديد: ص426. رابطة فذكّر الثقافية، فتاوى الفقهاء والمراجع في الشعائر الحسينية: ص9 ـ 10.

([37]) لم نذكر النصوص التي ذكرها هؤلاء الفقهاء لأجل الاختصار، ومَن أراد الاطلاع فليراجع على سبيل المثال: السند، محمد، الشعائر الحسينية بين الأصالة والتجديد: ص403. رابطة فذكّر الثقافية، فتاوى الفقهاء والمراجع في الشعائر الحسينية: ص11ـ 78.

([38]) الأنصاري، محمد علي، الموسوعة الفقهية الميسرة: ج2، ص105.

 
 
البرمجة والتصميم بواسطة : MWD