1438 / ذي الحجه / 28  |  2017 / 09 / 20         الزيارات : 421331         صلاة الصبح |         صلاة الظهر والعصر |         صلاة المغرب والعشاء |

تاريخ الشعائر الحسينية في دراسات المستشرقين.. الألماني المعاصر (هاينس هالم) أُنموذجاً (دراسة نقدية)

{ الشيخ أسعد التميمي }
تاريخ الشعائر الحسينية في دراسات المستشرقين.. الألماني المعاصر (هاينس هالم) أُنموذجاً (دراسة نقدية)

تمهيد([1])

تحظى الشعائر الدينية بشكلٍ عامّ والحسينية بشكلٍ خاصّ بأهمية معرفية عند المهتمين بها، وتلحقها أهمية عملية عند الممارسين لها اجتماعياً، فهي تسري في وجدان المجتمع الديني بطريقةٍ يصعب انفكاكها عنه في لحظةٍ من لحظاته، وتشكّل ركناً أساسياً في حياة الفرد المتديِّن.

فالقراءة التاريخية لهكذا مفردة لها أبعادها المتجذّرة في حياة فئةٍ من الناس، وتكتسب أهميتها من خلال إبراز معالم هذه المفردة وما تختزنه من رموز فعَّالة لها انعكاساتها على الإنسان المتبنّي لهذه العقيدة.

وتزداد القراءة التاريخية أهميةً إذا كانت ممن لا ينتمي إلى نفس الدائرة، فتكون لها أبعاد أُخرى لا تخلو من أمرين:

تارةً تكون قراءته منصفة وموضوعية تضع النقاط على الحروف في بعض المفاصل المقروءة، ونكون قد حصلنا على معلومات إضافية نتيجة قراءته.

وأُخرى تكون قراءته مغلوطة. وعليه؛ ينبغي تصحيح معلوماته من خلال قراءتنا الصحيحة لتاريخنا؛ لذلك وقع اختيارنا على الآخر المتمثِّل بالاستشراق، لنرى كيف قرأ تاريخ الشعائر الحسينية، وإلى ماذا توصل بهذه القراءة؟

مدخل

ظاهرة الاستشراق جديرةٌ بالاهتمام، خصوصاً إذا عرفنا أنّ التقديرات تشير إلى أنّ الإنتاج التدويني لها خلال أعوام(1800ـ 1950م) وصل إلى (60000) مدوّناً([2])، النسبة الأكبر منها تخصُّ المسلمين([3])، هكذا إنتاج يستوقف المهتمين بالسلك العلمي؛ ليقفوا على هذا الكم الهائل من المنتوجات العلمية.

والاختلاف بين الباحثين لهذه الظاهرة لم يترك مفردة من معالمها إلَّا واختلف فيها، ابتداءً من تعريفها ومدارسها ومناهجها ومجالات عملها، وختاماً بكيفية التعامل معها. وسنترك كلَّ هذه الأُمور روماً للاختصار، ونكتفي بتعريفٍ مختصرٍ وبإرجاع القارئ إلى المصادر للاستزادة من باقي معالم الاستشراق.

وقد عُرِّف الاستشراق بأنّه: «دراسة الإسلام من قِبَلِ غير المسلمين»([4]).

أمَّا (هاينس هالم) النموذج المختار لموضوع البحث، فهو مستشرق ألماني وُلد عام(1942م)، ودرّس العلوم الإسلامية والسامية والعصور الوسطى. يدرِّس العلوم الإسلامية في جامعة توبنغن ـ ألمانيا، له عدّة مؤلَّفات وأبحاث، منها: بحثان مطوّلان:

l كونيات وعلم الخلاص لدى الإسماعيليين الأوائل (1978م).

l كتاب الأظلة (1978 ـ 1981م).

نشر مقالاته وأبحاثه في عدّة دوريات منها: عالم المشرق، والإسلام، كما نشر العديد من الكتب المختصّة، منها: الشيعة، الإسلام الشيعي من الدين إلى الثورة، الفاطميون وتقاليدهم في التعليم، إمبراطورية المهدي، صعود الفاطميين، الإسلام  ماضي وحاضر، العرب، الإسلام، الغنوصية في الإسلام. وهو المشرف على إصدار (تاريخ العالم العربي). يتولَّى هالم منصب أُستاذ التاريخ الإسلامي في جامعة توبنغن الألمانية([5]).

أمَّا الكتاب الذي تناول فيه تاريخ الشعائر الحسينية، فهو كتاب (الشيعة)، ترجمة: محمود كبيبو، نشر: بيت الورَّاق عام (2011م)، وهو عبارة عن خمسة فصول سبقتها مقدِّمة، وموضوع بحثنا شغل الفصل الثاني منه بعنوان: مواكب العزاء والمآتم. وهو كتاب درس فيه التشيُّع بشكله المعاصر، أي: السياسي. وقد اعتمدنا في هذه الدراسة على هذه النسخة.

 تاريخ الشعائر الحسينيّة عند (هاينس هالم)

تكوَّن البحث من أربعة محاور: الأول عن أُصول شعائر يوم عاشوراء، والثاني عن المرثية، والثالث عن التعزية، والرابع عن الضرب على الصدر وجلد الذات.

أمَّا في المحور الأول (أُصول شعائر يوم عاشوراء )، فقد اعتبر (هاينس هالم) ما فعله التوابون (680م /61هـ) من بكاءٍ جماعيٍّ على قبر الحسين(عليه السلام) ـ وهو أقدم شكل للطقوس([6]) الشيعية عنده ـ الجذر الأول للمركّب المعقّد لشعائر التكفير والحزن التي يؤدّيها الشيعة في عشرة محرّم، والتكفير كان عن ذنوبهم الفردية وعن الذنب التاريخي الجماعي بتخاذلهم عن نجدة إمامهم([7]).

ثمّ انتقل إلى محاولة بعض الباحثين إرجاع طقوس عاشوراء إلى ما قبل الإسلام أو خارج الإسلام، فرفض هذه المحاولة بدعوى عدم الحاجة إلى هذا التبرير؛ لأنّ ظاهرة البکاء ـ كوسيلة للتكفير عن الذنب ـ منتشرة في بلاد الرافدين، كما أنّ ظاهرة التشيُّع هي ظاهرة رافدية وليست إيرانية([8]).

أمَّا التشابيه عند البويهيين(963م/351هـ )، فقد مثّلت الجذر الثاني للتعبير عن الألم، واعتبر ما نقله ابن الأثير عن المسيرات الدينية في العاشر من المحرَّم في زمن البويهيين أقدم تقرير وصل إلينا في هذا المجال([9]).

 ثمّ انتقل إلى العهد الصفوي (1501م ـ 1722م)، واعتمد في تاريخ هذه المرحلة على نقل الرحالة الذين عاصروا تلك الفترة، فبدأ أولاً بالإنجليزي (توماس هربرت) الذي طبع كتابه (قصة بضع سنوات من الترحال في إفريقيا وآسيا والهند) في لندن سنة (1634م)، فقد ذكر أنّ الشيعة تحتفل بذكرى وفاة الحسن بن علي([10]) تسعة أيام، ثمّ تعثر عليه في اليوم التاسع، ويعتقدون أنّهم فقدوه في غابة ووجدوه، وتنتهي الاحتفالات بالشكر والإعجاب([11]).

وثانياً التركي (إيليا تشلبي) الذي زار بلاط شاه فارس في سنة (1640م)، واعتبره أقدم مصدر يذكر ضرب الرؤوس بالسيوف والسكاكين.

وثالثاً الفرنسي (جان بابتيست تافرنييه) الذي عبّر عنه بأنّه من أوائل الذين شاهدوا طقوس قتال الشوارع في سنة (1667م).

ورابعاً الألماني (انغلبرت كيمبفر) الذي أقام في إصفهان كطبيب للبعثة السورية سنة (1684ـ1785م)، والذي عبّر عن حدوث أسوء الاصطدامات في الذكرى السنوية لمقتل الحسين(عليه السلام)، حيث يهجم بعضٌ على البعض الآخر، ويُدمي كلّ طرف الآخر ضرباً على الرأس([12]).

أمَّا المحور الثاني (المرثية)، فبدأ البحث فيه بعبارة: «يكمن أصل شعائر عاشوراء في الشكوى ولوم الذات الناجمَين عن تذكّر أحداث كربلاء، ومن التعبير عن هذه الشكوى بالحركات والصور والمشاهد الإيمائية، وفي وقتٍ لاحقٍ بالمشاهد الحوارية أيضاً»([13]).

ثمّ بيَّن مفردات: المرثية، التعزية، المأتم، ودلالتها باللّغة العربية والفارسية والهندية، وتحوّلاتها عبر الزمن.

ثمّ أرّخ لأوّل مرثية في نهاية القرن الخامس عشر على يد حسين واعظي كاشفي تحت عنوان: (روضة الشهداء)، وذكر برنامج الاحتفالات الشيعية في ذكرى عاشوراء، حيث تكون الأيام الثلاثة الأُولى لوصول الحسين(عليه السلام) إلى كربلاء، واليوم الرابع للحرّ التميمي، والخامس لابني أُخت الحسين (زينب): محمد وعون، والسادس للابن الأكبر للحسين علي الأكبر، وفي بعض الأماكن لعليّ الأصغر الرضيع، واليوم السابع للقاسم بن الحسن العريس، والثامن للعبّاس أخي الإمام الحسين، والتاسع والعاشر ذروة الاحتفالات للإمام الحسين([14]).

أمَّا المحور الثالث (التعزية)، فقد بدأ بتوضيح معنى الكلمة في اللُّغة العربية، وهي (المشاركة في الحزن)، وكانت تطلق على مجمل الشعائر التي تؤدّى في عاشوراء، ولكن تحوّل معناها قليلاً في إيران وأصبحت تمثِّل شعائر التعبير عن الألم والندم، بينما تعني في الهند: مجموع النعوش التي تُحمل في مواكب العزاء.

ثمّ بيَّن تاريخ نشأة التعزية، فكانت في القرن الثامن عشر، أي: بعد العهد الصفوي؛ لأنّه لا يوجد دليل على وجودها في ذلك الزمن، واستشهد بأقوال الرحالة، واعتبر القرن التاسع عشرعصراً ذهبياً للتعزية بعد زيارة الشاه ناصرالدين للندن، وإنشائه التكية للعزاء في إيران تشبُّهاً بالمسرح هناك، وهذا ما جعل رجال الدين ينظرون إلى مشاهد المسرح والمسرحية بريبةٍ، وينقل عن أحد الرحالة (روي متَّحدة):

«لم يكن في وسع رجال الدين اتخاذ موقف واضح من هذا المسرح الشعبي الصوفي، فكان بعضهم يقبله كأداة فعَّالة لتذكير الجماهير بأهمية رسالة الحسين، ألم يقل الحسين: (سوف أُقتل لكي تبكوا)؟ بينما كان آخرون يدينون هذا المسرح ويعتبرونه محاولة فجَّة لتمثيل أشخاص مقدّسين لا يمكن لأيّ تمثيل أن يرقى إلى مستواهم؛ وبالتالي سوف تشوّه شخصيّاتهم ويُسيء لها»([15]).

وأمَّا المحور الرابع (الضرب على الصدر وجلد الذات)، فقد اعتمد (هاينس هالم) فيه أيضاً على تصوير الرحالة لتلك الشعائر، فذكر أنّ الضرب على الصدر يؤدّيه الكلُّ: الشباب، والنساء، والكبار، والأطفال، واستظهر أنّ اللطم أقدم شعائر عاشوراء، وهذا اللون من الشعائر لا يعترض عليه رجال الدين.

وينقل تصوير رحالة آخر عن فرقة دينية فارسية تسمّى (بربري) تستخدم السلاسل المدببة، وينقل تصويراً كاملاً لهذه المراسم، والحرص الشديد لمقيمي هذه الشعائر على سلامة المستخدمين لهذه السلاسل، ويرى أنّ ما يرويه الأوروبيون ـ من أنّ استخدام هذا الطقس تحت ظروف معينة يجعله خطيراً ـ شائعة خاطئة.

ويشير إلى اقتصار الشعائر الدامية على الأيام الثلاثة الأخيرة من العقد الأول من محرَّم، ويعتبرها امتيازاً للشباب والمنظَّمات الدينية التي تؤدّي مثل هذه الشعائر؛ تكفيراً عن الذنب بالنيابة عن الأُمة الشيعية، وتكتسب بذلك الأجر والثواب([16]).

أمَّا الحكم الثوري في إيران الحالية، فهو «يفضّل توجيه الحماس الديني نحو تحقيق أغراضه الخاصة، ففي المسيرات الجماهيرية يجلد المشاركون ظهورهم (غير العارية) بصورة رمزية فقط بأسواط مؤلَّفة من سلاسل صغيرة»([17]).

وقبل ختم هذا المحور يقول: «فالشعائر التي يصل فيها المرء إلى أقصى درجات النشوة ونسيان الذات غريبة عن عالم القانون والشريعة؛ إذ إنّ الشريعة تعتبر التلطُّخ بالدم نجساً؛ ولذلك يرى بعض علماء الدين أن التلطُّخ بالدم كطقس ديني شذوذ غير جائز... إلّا أنّ أكثر رجال الدين نشأوا منذ طفولتهم ضمن هذه التقاليد التي تمارسها طائفتهم منذ مئات السنين؛ ولذلك يرون في الشعائر الدامية أمراً عادياً تماماً، بل فعلاً يستحق الأجر والثواب»([18]).

وأخيراً اعتبر أنّ هناك ارتباطاً وثيقاً في شعائر جلد الذات بين التكفير عن الذنب والاستعداد لتحمل الألم، وأنّهما يشكلان النواة الحقيقية للتديُّن الشيعي، فالشيعي الخاطئ يستحق الموت، والموت وحده قادر على تحريره من خطيئته، ففي الجلد تتحول التضحية بالذات المستحقة إلى طقسٍ؛ وبالتالي تصبح قابلة للتكرار، أي: غير مميتة. فبسفك دمه يكفِّر عن جزءٍ من ذنوبه، ويكتسب العيش سنة أُخرى حتى عاشوراء القادمة([19]).

من خلال ما تقدّم يمكن لملمة الأفكار التي بيَّنها الألماني هاينس هالم بشكلٍ تسلسليٍّ ضمن نقاط:

الأُولى: أنّ أصل شعائر عاشوراء هي شعائر تكفير وحزن وشكوى ولوم الذات.

 الثانية: تكوَّنت الشعائر من تركيب معقّد له جذران، هما:

1 ـ ما فعله التوابون من بكاءٍ جماعيٍّ، ويُعتبر أقدم الطقوس الشيعية.

2 ـ  ما حدث في زمن البويهيين من مسيرات معبّرة عن فاجعة كربلاء على شكل تمثيل كما هو متعارف اليوم بالتشابيه.

الثالثة: رفض المستشرق الألماني محاولة بعض الباحثين إعادة منشأ شعائر عاشوراء إلى معتقدات من مرحلة ما قبل الإسلام أو من خارج الإسلام.

الرابعة: أنّ الشعائر في زمن الصفويين كانت بشعة، استناداً إلى ما نقله الرحالة في تلك الفترة.

الخامسة: أنّ الشعائر الدامية المتمثلة بلطم الصدور أو الضرب بالسلاسل المدببة أو السيوف، هي شعائر التكفير عن الذنب بالنيابة عن الأُمة.

السادسة: أنّ شعائر جلد الذات ترتبط بالتكفير عن الذنب والاستعداد لتحمل الألم  ارتباطاً وثيقاً، وتُشكل النواة الحقيقية للتديُّن الشيعي، وبممارسة هذه الشعيرة وبهذه الطريقة يكتسب الممارس حقَّ العيش للسنة القادمة.

السابعة:أنّ الحكم الثوري في إيران وجَّه الحماس الديني لأغراضه الخاصة؛ من خلال إبراز ممارسة جديدة للشعائر.

الثامنة: توجيهه لتقبُّل رجال الدين للشعائر المرفوضة من قِبَلِ الشريعة بأنّها: تقاليد نشأوا عليها منذ الطفولة.

إيجابيات بحث (هاينس هالم)

عندما نريد أن ننظر إلى أيّ بحثٍ بعينٍ معيارية نقدية، فليس من الإنصاف أن نركّز على سلبيات البحث ونغضُّ النظر عن الإيجابيات، فمقتضى الإنصاف أن تبرز الإيجابيات الموجودة فيه، وهي كالآتي:

1ـ هناك تسلسلٌ تاريخيٌّ دقيقٌ ومنظَّمٌ في موضوع البحث، وترابطٌ منطقيٌّ بين الأبحاث بشكلٍ عامٍّ.

2ـ الاهتمام بجذور بعض المفردات التي استُخدمت في البحث، مثل: المرثية، والتعزية، وبيان تحوّلاتها الدلالية في البلاد الإسلامية([20]).

3ـ التأكيد مراراً وتكراراً على مسألةٍ مهمةٍ، وهي: الفصل بين ما يراه رجال الدين الممثلين للشريعة، وما يفعله عموم الناس من ممارسات قد لا تمتُّ إلى الشريعة بصلةٍ؛ وهذا يعني الفصل بين الدين كشريعة إلهية، وبين تطبيق المنتمين لهذه الشريعة، إذ ليس من الضروري أن يكون له واقع في هذه الشريعة([21]). وهذه ميزة تحسب للباحث الألماني.

4ـ عدم قبوله لكلِّ ما يراه أقرانه، وبيان ما يراه صحيحاً بنظره، كرفضه لنظرة الأوروبيين القائلة بإمكانية أن تصبح الشعائر الدامية خطيرة في ظروف معيّنة، وردّه عليها بأنّها شائعة خاطئة([22]).

ملاحظات على بحث (هاينس هالم)

أمَّا ما يمكن تسجيله من ملاحظات ومؤاخذات على البحث ـ ولا نريد أن نطلق عليها سلبيات مسبقاً؛ لأنّ الحكم على موضوع قبل بيان الأدلة خلاف منهج البحث العلمي والموضوعي، وإنّما الغرض بيان الحقيقة ليس إلَّا ـ  فسنتطرّق إليه حسب ما لخّصناه من أفكار قبل قليل:

شعائر التكفير

إنّ هذه الفكرة غير صحيحة لعدّة أسباب:

السبب الأول: لا يوجد ما يؤيّد هذه الفكرة من قِبَلِ الشيعة، لا على المستوى النظري ـ أي: آراء العلماء الذين نظَّروا للشعائر الحسينية ـ ولا على المستوى العملي لأيِّ ممارسٍ لهذه الشعائر، ولو كان هناك ما يمكن الركون إليه ليكون مستنداً لهذه الفكرة لاستعان به الباحث.

السبب الثاني: أنّ الشعائر الحسينية منبثقةٌ من مبدأ أسّس له القرآن الكريم ووظفه أهل البيت(عليهم السلام)، وهو ما سمّي في القرآن الكريم بـ (التذكير بأيّام الله)، وفي نصوص  العترة الطاهرة(عليهم السلام) بـ(إحياء الأمر)، وهذا المبدأ فعلٌ متجدد ومستمر لبث الروح المعنوية، مستمدّاً من العبر والتأثيرات التي لا تنضب ولا تجف، ولجعل الواقعة رمزاً يشير إلى دلالات لا تنتهي.

ففي قوله تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّـهِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ)([23])، المقصود هنا من أيَّام الله: الأوقات والأحداث التي برز فيها التدخُّل الإلهي بشكلٍ واضحٍ بيِّن، والتي شكّلت منعطفاً في تاريخ الشعوب والجماعات، وهي أيام أضاءت أرواح الناس وقلوبهم بنور الله، فإنّ التذكير بأيام الله والإحياء ـ من خلال الشعائر ـ إنّما يحفظ هذا التألق للنور الإلهي في قلوب الناس، والذي انبعث فيهم أول ما انبعث عند حدوث الواقعة، وهو يقبل الديمومة والاستمرار بفعل التذكير والإحياء، وهذا الأمر له دوره ووظيفته في نهضة وديمومة حياتهم العزيزة والمجيدة؛ لذا يقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّـهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ )([24])، وهذه الحياة على نوعين:

الأول: وفيه تكون حياة القلوب بدوام الإيمان وطلب القربى من الله: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّـهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)([25]).

الثاني: هو الحياة الاجتماعية التي تسودها قيم الولاية لله وحده؛ فهي مفعمة بنور العدل والهداية والحرية: (اللَّـهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ)([26]).

وبالنوع الأول من حياة أهل الإيمان يكتشف الإنسان نفسه ويعرفها، حتى إذا ما عرفها عرف ربّه، وإذا ما عرف ربّه ووليه كانت الحياة من النوع الثاني بالخروج من دائرة الظلمات التي يقبع فيها أهل الكفر وعبيد الطاغوت، وما دور الشعيرة والشعائر الحسينية إلَّا أن توقظ في النفس كلَّ عِبَرِ أيَّام الله([27]).

لذلك تنقسم الشعائر الحسينية إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأول: شعائر إثارة الحزن وتغيير ما بالأنفس، وهي الشعائر التي تترك للنفس والجسد حرية التعبير عن عمق الشعور بالمظلومية التي لاقاها الإمام الحسين(عليه السلام)؛ الأمر الذي يؤسس لتجديد العلاقة مع الله ورسوله(صلى الله عليه وآله) وأُولي الأمر(عليهم السلام)، من خلال الأُسس التي أرساها أبو عبد الله(عليه السلام).

القسم الثاني: شعائر تكوين الهوية الجمعية، وهي الشعائر الخاصة بزيارة المكان الذي ضمَّ الجسد الطاهر لأبي عبد الله(عليه السلام) وأصحابه الأبرار؛ باعتباره معلماً من معالم إحياء الأمر الإلهي لآل محمَّدٍ(عليهم السلام).

القسم الثالث: الشعائر الإبلاغية الحسينية، وهي الشعائر التي يراد منها نشر تعاليم وقيم النهضة الحسينية في الناس، وبين الأُمم؛ لمواجهة قوى الظلم والجبروت([28]).

إذاً؛ لا توجد في أدبيات التشيُّع شعائر عنوانها التكفير والحزن والشكوى ولوم الذات، فهذا تصوير للشعائر يجعلها فارغة المحتوى نظرياً وعملياً.

ونفس الكلام يكرّره في الفكرة الخامسة ممّا لخّصناه، ولكن بشكلٍ أوسع، لتشمل النيابة عن الأُمة، حيث قال: «إنّ الشعائر الدامية المتمثلة بضرب الصدور أو السلاسل المدببة أو السيوف، هي شعائر التكفير عن الذنب بالنيابة عن الأُمة».

السبب الثالث: أنّ الخطأ المنهجي الذي ارتكبه الباحث الألماني بجعل ما فعله التوابون أصل شعائر عاشوراء؛ قد اضطرّه أن يتبنّى مثل هذا التصوير للشعائر الحسينية، مع أنّه لا قائل من الشيعة بأنّ ما قام به التوابون يمثِّل أصلاً من أُصول الشعائر الحسينية؛ لذلك عبَّر عن هذه الشعائر بالتكفير والحزن والشكوى ولوم الذات التي هي انعكاسات لما قام به التوابون فعلاً، لكن لم تُعدّ ممارساتهم شعائر حسينية.

ومع الأسف قام بعض مَن تأثر بهذا الكلام باجترار هذه المصطلحات عند تناوله للشعائر الحسينية، ولكن هذه المرَّة بلسانٍ عربي، مثل: الباحث الاجتماعي العراقي الدكتور إبراهيم الحيدري في كتابه (تراجيديا كربلاء)، والبروفيسور اللبناني محمود أيوب في كتابه (الألم الخلاصي في الإسلام). وكلا الباحثَين خريجي المدرسة الاستشراقية التي تتبنّى مثل هذه الأفكار.

الشعائر ووصفها بالتركيب المعقَّد

وصف (هاينس) الشعائر بالتركيب المعقّد غريبٌ جداً! واستخدام هكذا ألفاظ ومصطلحات تجعل القارئ يحسّ بعُقد تجاه البحث، مع أنّه لا مبرر لها، ولا أراها إلَّا زوبعة ألفاظ، خصوصاً أنّ الفترة الزمنية بين الجذرين السابقين حسب مدَّعاه كبيرة جداً (61هـ/351هـ) أي: (290 سنة)، وتمثِّل مرحلة تسعة من الأئمَّة الاثني عشر(عليهم السلام)، الذين أسَّسوا لشعائر عاشوراء بصيغٍ مختلفةٍ: من بكاءٍ، ومأتمٍ، وشعرٍ، وندبٍ، والتأكيد على زيارة قبر الحسين(عليه السلام) والارتباط به، فلماذا اختار الباحث البكاء الجماعي والتمثيل ليكونا جذرَي الشعائر؟ وماذا عن باقي الشعائر كالزيارة مثلاً؟ وما هي ضوابط انتقاء الجذر؟ كلُّ هذه الأشياء مسكوت عنها، ممَّا يوحي للقارئ أنّ وراء هذا الكلام غرض، وهو عرضُ صورةٍ سلبية وبغيضة عن الشعائر.

 يُضاف إلى ذلك، أنّنا قلنا سابقاً: إنّ ما فعله التوابون لا يمثِّل أصل الشعائر، هذا أوَّلاً.

وثانياً: إنّ المسيرات التي حدثت في زمن البويهيين ما هي إلَّا تطوّر مشروع للشعائر، خصوصاً لمن له دراية بمرونة الفقه الشيعي، حيث أعطى مساحة لأن تكون هناك شعائر مستنبطة تنطلق من الشعائر المنصوصة أو عمومات النصوص الشرعية. فأين التركيب المعقَّد في مثل هذه الأُمور؟!

ولو نظرنا إلى المسألة بشكلٍ إنسانيٍّ بغض النظر عن التشريع والدين، فإنّ الإنسان كائنٌ طقوسيٌّ وشعائريٌّ بامتيازٍ، حسب ما توصّل إليه علماء الأنثروبولوجيا([29]) (علم الإنسان)، فمن الطبيعي أنّ الإنسان لو أُعطي الحرية للتعبير عمّا يُقدّس من رموز لعبَّر عنها بممارسات تناسب ثقافته وبيئته، فما جرى في زمن البويهيين كان طبيعياً جداً حسب ارتباط الإنسان برموزه ومقدساته.

أمّا تعبيره عمّا فعله التوابون من بكاءٍ جماعيٍّ بأنّه أقدم الطقوس الشيعية، فهو غير صحيح من وجهين:

الوجه الأول: أنّ زمن التوابين تلا حادثة كربلاء بأربع سنوات (65هـ)، وهذه الفترة كانت مليئة ببكاءٍ فرديٍّ وجماعيٍّ نقله لنا التاريخ، ولكن قبل أن أنقل ما نقله التاريخ لنا أودُّ أن أُشير إلى نقطةٍ حساسةٍ ومهمةٍ وهي: أنّ النبي(صلى الله عليه وآله) أسّس للبكاء وإقامة المآتم على وَلَده الحسين(عليه السلام) في عدّة مواقف، عدّها الشيخ الأميني(رحمه الله) عشرين مأتماً([30])، لا يسع المقام لذكرها؛ وعلى هذا يكون المسلمون عموماً ملزمين بتطبيق سنّة النبي(صلى الله عليه وآله) في البكاء على الإمام الحسين(عليه السلام)؛ بصفته جزءاً من الاقتداء بسنّته(صلى الله عليه وآله). 

 أمّا البكاء الفردي الذي نقله لنا التاريخ بعد مقتل الإمام الحسين(عليه السلام)، فقد تمثّل في بكاء كلٍّ من:

l أُم سلمةI: لمّا بلغها مقتل الإمام الحسين(عليه السلام) قالت: «أوَ قد فعلوها؟! ملأ الله بيوت القاتلين وقبورهم ناراً. ثمّ بكت حتّى غُشي عليها»([31]).

l أنس بن مالك: «ولمّا حمل الرأس الشريف لابن زياد وجعله في طست، وجعل يضرب ثناياه بقضيب، ويقول: ما رأيت مثل هذا حسناً، إن كان لحسن الثغر، وكان عنده أنس، فبكى وقال: كان أشبههم برسول الله(صلى الله عليه وآله)»([32]).

l زيد بن أرقم: قيل: «إنّه كان حاضراً على فعل ابن زياد، فقال له: مه، ارفع قضيبك عن هذه الثنايا؛ فلقد رأيت رسول الله(صلى الله عليه وآله) يلثمها، ثمّ خنقته العبرة، فبكى، فقال له ابن زياد: ممَّ تبكي؟! أبكى الله عينيك! والله، لولا أنّك شيخ قد خرفت لضربت رأسك»([33]).

 l الحسن البصري: قال الزهري:«لمّا بلغ الحسن البصري خبر قتل الحسين(عليه السلام) بكى حتى اختلج صدغاه، وقال: أذلّ الله أُمَّة قتلت ابن بنت نبيّها، والله، ليردّن رأس الحسين(عليه السلام) إلى جسده، ثمّ لينتقمنّ له جدّه وأبوه من ابن مرجانة»([34]).
أمَّا البكاء الجماعي، فهو:

l بكاء أهل الكوفة عند وصول السبايا: يصف الراوي الحال الذي كان عليه أهل الكوفة وهم يستمعون إلى خطبة أُم كلثوم’ بقوله: «فرأيت الناس حيارى وقد ردّوا أيديهم إلى أفواههم، ورأيت شيخاً كبيراً من بني جعفي، وقد اخضلّت لحيته من دموع عينيه، وهو يقول:

كُهُولُهمُ خيرُ الكهُولِ ونسلُهُمْ        إذا عُدَّ نَسلٌ لا يَبورُ ولا يُخزى»([35]).

l نساء الأُمويين، يقول الطبري: «ثمّ أُدخل نساء الحسين على يزيد، فصاح آل يزيد وبنات معاوية وأهله وولولن... فلم تبقَ امرأة من آل يزيد إلَّا أتتهنّ وأقمن المأتم»([36]). وقال أيضاً: «فأقاموا عليه المناحة ثلاثاً»([37]).

l بكاء أهل الشام في الجامع الأُموي، وذلك أثناء خطبة الإمام زين العابدين(عليه السلام). يقول المجلسي نقلاً عن الخوارزمي: «فلم يزل يقول: أنا أنا، حتى ضجَّ الناس بالبكاء والنحيب، وخشي يزيد (لعنه الله) أن يكون فتنة، فأمر المؤذِّن، فقطع عليه الكلام»([38]).

الوجه الثاني: لم تكن رؤية المستشرق حول هذه المسألة (أقدم الطقوس) واضحة؛ لأنّه ذكر في بحث الضرب على الصدر أنّه أقدم طقوس عاشوراء([39])، فيتضح أنّ لديه إرباكاً وعدم وضوح في هذه المسألة.

منشأ الشعائر

 رفض المستشرق الألماني محاولة بعض الباحثين إعادة منشأ شعائر عاشوراء إلى معتقدات من مرحلة ما قبل الإسلام أو من خارج الإسلام.

في هذه النقطة لم يعطِ الباحث مبرراً علمياً لرفض هذه المحاولة، سوى قوله: بأننا لا نحتاج أن نذهب بعيداً، وأنّ منشأ شعائر عاشوراء جاء من الموروثات العراقية (الرافدية). وعدم قبول نتائج بعض الباحثين بهذه الطريقة مجانب للعلمية والموضوعية. وقد أصرَّ الباحث على أنّ الشعائر جاءت من موروثات عراقية، ولا ارتباط لها بالإسلام أو بأيِّ دينٍ آخر، وأراد أن يؤكّد أنّها جاءت من موروثات بدائية. وهذا الكلام غير مقبول لعـدة أُمور، منها:

الأمر الأول: أنّ الشعائر أسَّس لها القرآن الكريم والنبي(صلى الله عليه وآله) وأهل البيت(عليهم السلام)، وليست أُصولها عراقية أو إيرانية وما شاكل ذلك، ويكفي للوقوف على هذه الحقيقة ما بيَّناه قبل قليل في بحث شعائر التكفير وبحث الشعائر ووصفها بالتركيب المعقَّد.

الأمر الثاني: أنّ الباحث خلط في الأمر؛ حيث انصبَّ بحثه على جذور البكاء، بينما الشعائر أوسع من هذه الدائرة.

الصفويون والشعائر البشعة

ما نقله الباحث في هذه الحقبة الزمنية المتمثلة بالدولة الصفوية غريب جداً، وأُكرره ليُدقَّق فيه النظر:

l إنّ الشيعة «تحتفل بذكرى وفاة الحسن بن علي تسعة أيَّام... ثمّ تعثر عليه في اليوم التاسع، ويعتقدون أنّه فقدوه في غابة ووجدوه... وينهون احتفالاتهم بالشكر والإعجاب».

l «الرحالة الفرنسي جان بابتيست كان... من أوائل الذين شاهدوا طقوس قتال الشوارع».

l «أسوء الاصطدامات في الذكرى السنوية لمقتل الحسين... ويدمي كلّ طرف الآخر ضرباً على الرأس».

لم نجد مثل هذا التصوير البشع والمقزّز والخارج عن الإنسانية عند من كتب عن الشعائر، فمَن من الشيعة يعتقد أنّه فقد الإمام الحسين(عليه السلام) ووجده في غابة؟! وأين هو قتال الشوارع؟! وأين هو هجوم البعض على البعض الآخر؟! هذا أوَّلاً.

وثانياً: من الرحالة مَن أعطى صورةً جميلةً عن الشعائر في تلك الفترة، أمثال:

l بيتر ودلاواله، فيقول في زيارته لإيران عام (1618م/1207هـ): «تبدأ العشرة الأُولى من محرّم، والتي تُسمَّى عاشوراء، بهذا اليوم (الأول من محرَّم)، ويقيم الإيرانيون طوال هذه الفترة المآتم ومجالس العزاء، ويحيون ذكرى الحسين بن علي وفاطمة، وهي ابنة نبيِّ الإسلام الوحيدة، ويرثون نهايته المحزنة، وهو المقدّس لدى جميع المسلمين، لكنه الإمام الحقّ لدى الشيعة، وينحدر الملك الفعلي من سلالته، وتقاليد العزاء تكون على النحو التالي: يظهر الجميع بمظهر الحزن والألم، مرتدين زيّ الحداد باللون الأسود، اللون الذي لم يستعمل في المناسبات الأُخرى، ولا يحلق أحدٌ رأسه أو ذقنه ولا يستحم، ويجتنبون المعاصي والمنكرات، وحتى الملذات»([40]).

l جملي كاري، وقد زار إيران عام (1105هـ)، في عهد الملك سليمان الصفوي، وقال عن هذه الطقوس: «بدأت يوم الإثنين المصادف الثالث والعشرين من شهر آب، طقوسٌ في غاية الحزن بحلول الشهر [القمري] الجديد، ويقيم الإيرانيون هذه الطقوس كلَّ عامٍ لإحياء ذكرى إماميهما الحسن والحسين، ابني علي، وتستمرّ هذه الطقوس لعشـرة أيَّام، وتوضع طيلة هذه الفترة كراسي في الساحات والمعابر، يجلس عليها ـ بين حين وحين ـ خطيبٌ يتحدَّث عن مناقب القتلى والمصائب التي حلَّت بهم، ويحضر جميع الناس للاستماع إلى المواعظ والمراثي، مرتدين ثياباً سوداء أو حمراء، معبّرين بذلك عن حدادهم»([41]).

بعد استعراض هذه النصوص المنصفة نتساءل: لماذا التأكيد على نماذج تعطي تاريخاً أسود حول الشعائر دون ذكر الجميل منها؟ أي: لماذا هذه الانتقائية؟!

حقيقة التديُّن الشيعي

«إنّ هناك ارتباطاً وثيقاً في شعائر جلد الذات بين التكفير عن الذنب والاستعداد لتحمل الألم مع بعضهما البعض، ويشكلان النواة الحقيقية للتديُّن الشيعي، فالشيعي الخاطئ يستحق الموت، والموت وحده قادر على تحريره من خطيئته، ففي الجلد تتحوّل التضحية بالذات المستحقة إلى طقسٍ؛ وبالتالي تصبح قابلة للتكرار، أي: غير مميتة. فبسفك دمه يكفِّر عن جزءٍ من ذنوبه، ويكتسب العيش سنة أُخرى حتى عاشوراء القادمة»([42]).

تعبيره (جلد الذات) أراد به حسب السياقات التي استخدم فيها هذا التعبير هو الضرب على الصدر (اللطم)، وضرب السلاسل، أمَّا الضرب بالسيوف أو القامات فعبَّر عنه بالشعائر الدامية. هذا أوَّلاً.

وثانياً: «يشير مصطلح جلد الذات إلى معنيين:

 أ ـ معنى مادِّي: وهو إلحاق الضرر بالجسد بغرض اللذة والتمتع.

ب ـ معنى معنوي: وهو الذي يشير إلى لوم الإنسان لنفسه أو حرمانها؛ لارتكابه سلوكيات خاطئة»([43]).

وكلا المعنيين لا علاقة له باعتقاد الشيعة، ولا يوجد مَن يقصدهما في ممارسته للشعائر الحسينية، وإنّما هذا اجترار من الباحث لفكرة فَهْمِ الشعائر الحسينية من خلال فعل التوابين، وقد تقدَّم الكلام في هذا الموضوع.

ولعلَّ المشكلة هي في إسقاط هذا المصطلح من أجوائهم البحثية على أجواء الإسلام، أو في فهم خاطئ لما يجري، فصاروا يُطلقون مثل هذه المصطلحات، كما في مصطلح (ملالي) الذي كثيراً ما تجده في كتب المستشرقين ويريدون به العلماء، مع أنّه قد استخدم هذا المصطلح من قِبل الشيعة في فترة محدودة، واستخدمه غيرهم للتقليل من شأنهم، ومع ذلك فقد عممه الاستشراق على علماء الشيعة.

وثالثاً: هذه العبارة مبنيةٌ على ما أسَّسه في الفصل الأول من كتابه (الشيعة)، الذي توصل فيه إلى: «أنّ حركة التوابين الكوفية تشكِّل المنشأ الحقيقي للإسلام الشيعي، فقد صاغت هذه الحركة جميع العناصر الجوهرية ومفاهيم التديُّن الشيعي، وأهمها: الفشل، والندم، والتوبة، والعقاب»([44]).

هذه العبارة في قمة الغرابة، وهي خالية من الإنصاف والتحرِّي العلمي، فكيف لحركة جاءت بعد التشيُّع بـ(65) سنة أن تشكل المنشأ الحقيقي لهذا المذهب؟! لا أُريد أن أُطيل الكلام في هذا المبحث، ولكن أكتفي بذكر كلام لمستشرق آخر عن التشيُّع، وهو الفرنسي (هنري كوربان)، فبعد أن بيَّن التشيُّع بدقةٍ وإنصافٍ ختم بحثه بهذا الكلام: «بقي [ أي: التشيُّع] حتى الآن غير مفهوم من قبل السنّة على وجه العموم، وليس أقل تجاهلاً في الغرب حيث يميلون خصوصاً إلى التعاطف مع مزايا الإسلام السنّي الذي يتمتع بالأغلبية، ويتجنبون هكذا مسائل مزعجة فيما يتعلق بالأفكار المبطنة»([45]).

والإسلام الشيعي هو الإسلام الأصيل الذي جاء به النبيُّ المصطفى(صلى الله عليه وآله)، وبسط الكلام في هذا الموضوع يحتاج إلى التوسعة في البحث لا يسعها هذا المقال([46]).

ومجمل الكلام، إنّ ما تقدم من تصوير التشيّع من قبل (هاينس هالم) هو محض افتراء، والمقصود منه بيان أنّ التشيّع خالٍّ من أيِّ محتوى فكري، وأنّه لا يحمل إلَّا العُقد النفسية، هذا من جانب الإسلام الشيعي، وكذلك الإسلام السني، فقد عمد الكاتب إلى تفريغ محتواه في كتابه (الغنوصية في الإسلام).

ومع الأسف ينظر الاستشراق دائماً إلى الإسلام كعناصر مفككة يبحث عن أصل أو مصدر لها، ولا يبحثه ككلٍّ في وحدته، ومن حيث هو حضارة بالقياس إلى حضارات أُخرى تقدمته مع التركيز على التشابه والتكرار والنقل([47]).

الحكم الثوري والأغراض الخاصة

أمَّا الحكم الثوري في إيران الحالية، فهو «يفضّل توجيه الحماس الديني نحو تحقيق أغراضه الخاصة، ففي المسيرات الجماهيرية يجلد المشاركون ظهورهم (غير العارية) بصورة رمزية فقط بأسواط مؤلَّفة من سلاسل صغيرة»([48]).

القضية ليس كما ذهب إليه الباحث، وإنّما هناك ثلاثة اتِّجاهات في قراءة المراسم العاشورائية في الفكر الشيعي:

1ـ الاتِّجاه الفقهي.

2ـ الاتِّجاه الثقافي.

3ـ الاتِّجاه النهضوي.

وهذا الأخير ـ النهضوي ـ تعاطى مع الشعائر الحسينية تعاطياً عملياً، حيث أراد منها أن تكون الفرصة المتكرِّرة للتأسي بحركة الإمام الحسين(عليه السلام) الاستشهادية في نظرتها للحقِّ والعدل، وموقفها من الباطل والظلم والجور. ولطالما أكَّد هذا الاتجاه على ضرورة استحضار الأحداث والدلالات العاشورائية في حياتنا الإسلامية، والتعامل معها وكأنّ الإمام الحسين(عليه السلام) يخاطبنا الآن ويطرح أمامنا المهام.

ولذلك تبنّى هذا الاتجاه ما يلي:

1ـ المواجهة هي الطريق الأسلم، ولا بُدَّ من سلوكه وإن قلَّ العدد وكثر العدوّ.

2ـ إقامة العدل وإزالة الجور مهما كان الثمن.

3ـ حفظ الإنجاز الذي حقَّقه الإمام الحسين(عليه السلام).

4ـ معيار الانتصار الحقيقي هو حفظ الإنجاز المحمدي ـ الحسيني مهما تقلبت الظروف والأيام.

5ـ الإحياء للشعائر الحسينية يبعث كلَّ روحٍ استشراف المستقبل الزاهر بالنصر الأكيد([49]).

فالمسألة ليست مسألة أغراض خاصَّة بقدر ما هي فهم آخر للنهضة الحسينية، ولا أظن أنّ هذه المسألة غائبة عن الباحث، وإنّما الغرض تثبيت صورة عن الفكر الشيعي السياسي بأنّه براغماتي ونفعي ولا يستند إلى الدين؛ لكي تكتمل الصورة المشوّهة التي عرضت عن الإسلام الشيعي من خلال الحلقات المتقدِّمة.

تشويه المرجعية الشيعية

«إلّا أنّ أكثر رجال الدين نشأوا منذ طفولتهم ضمن هذه التقاليد التي تمارسها طائفتهم منذ مئات السنين؛ ولذلك يرون في الشعائر الدامية أمراً عادياً تماماً، بل فعلاً يستحق الأجر والثواب»([50]).

يقصد الباحث برجال الدين: مراجع التقليد، ومن المعروف في الفقه الشيعي أنّ هذه الطبقة من الناس لها مواصفات لا ينالها كلُّ شخصٍ من طلبة العلوم الدينية، فضلاً عن عموم الشيعة، والتناقض ـ الذي افترضه الباحث من عدم قبول الشريعة بهكذا ممارسات، وسكوت رجال الدين عنها وتقبُّلها كان نتيجة تقاليد نشأوا عليها ـ غير صحيح؛ وذلك أنّ الساحة الشيعية فيها أكثر من مرجع تقليد في الأعمِّ الأغلب، خصوصاً في الفترة المبحوث عنها، وهذا يستدعي في حال الاختلاف في الفتوى الشرعية عدم التصدِّي للمخالف بحجَّة أني على اختلاف مع أحدهم في هذه المسألة؛ لأنّ المقلِّد يعمل حسب فتوى مَن يقلِّد، فلا مبرر للتصدِّي في حال اختلاف الفتاوى، ولا دخل للتقاليد والبيئة التي نشأ فيها رجال الدين. وعليه؛ فإنّ الغرض تشويه صورة رجال الدين؛ لكيلا تبقى ركائز يعتمد عليها معرفياً.

مع أنّ التاريخ([51]) يشهد للمرجعية الدينية بمواقف كثيرة، ولا أعتقد أنّ الباحث غفل عنها، أو لا يعرف عنها شيئاً، ولكنه أراد أن يدسَّ السمَّ في العسل من خلال كلمات ختم بها أبحاثه.

والباحث في قمة الذكاء حين أراد تشويه مسألتين تمثِّل كلتاهما الركائز الأساسية لقوة التشيُّع، وهما: المرجعية الدينية، والشعائر الحسينية. فالمسألة لم تكن اعتباطية في تناول هكذا أبحاث، وإنّما هي مقصودة وعن دراسة واعية.

نتائج البحث

بعد هذه الجولة الوصفية والمعيارية لتاريخ الشعائر الحسينية من خلال عينة استشراقية تمثَّلت بالألماني المعاصر هاينس هالم، يمكن أن نخلص إلى عدَّة نتائج تكون بها خاتمة بحثنا:

1ـ لم يوفق الباحث في القراءة التاريخية للشعائر الحسينية؛ لأنّه بدأ بتاريخ مبتور وفاقد لمرحلةٍ غض الطرف عنها لأسباب لم يصرِّح بها، مع أنّ طبيعة البحث التاريخي تفرض عليه معرفة أمرين:

الأول: ماهية الحدث التاريخي.

الثاني: علل الحدث التاريخي.

وفي كلا الأمرين لم يوفق الباحث؛ وذلك لنعته الشعائر الحسينية في الأول بشعائر التكفير والشكوى والحزن ولوم الذات، انطلاقاً من فعل التوابين، وتعليله للثاني بأنها موروثات بدائية رافدية عراقية. وهذا ليس بغريب لباحث ينتمي لمدرسة تعتمد على المنهج التاريخاني ـ الذي هو رؤية مادية جامدة لا تؤمن إلَّا بالحسِّ ـ  في قراءتها للتاريخ الإسلامي الذي يصطدم مع الحقائق الدينية([52]).

2ـ ممَّا يؤاخذ به الباحث بقوَّة أنّه لم يذكر مصدراً شيعياً واحداً في بحثه، فكيف له أن يقرأ التاريخ الخاصّ بهم؟! وهو مجانب للإنصاف العلمي والموضوعي المدَّعى.

3ـ أعطى الباحث صورةً مشوّهةً عن الشعائر الحسينية بكلِّ مفاصلها التي قرأها، وهذا ما يجعلنا نخالف مَن يدَّعي أنّ المدرسة الألمانية كانت أكثر موضوعية بالقياس إلى باقي المدارس الاستشراقية؛ باعتبارها لا تنطلق من مآرب سياسية حول المشرق من احتلال وغيره([53]).

4ـ كشف البحث أنّ غرض الكاتب تفريغ الإسلام الشيعي من كلِّ شيءٍ، فمنشأ التديُّن نابع من عُقد نفسية، وشعائره من موروثات وضعية بدائية، ومرجعياته الدينية بسيطة، وعقائده هشَّة وساذجة، وتاريخه مقزز وبشع، ومشروعه السياسي براغماتي نفعي، والنتيجة إسلام فارغ؛ وبذلك تعثر الاستشراق في بيان حسن النية ودعوة الموضوعية في البحث العلمي في إحدى حلقاته، وهي المدرسة الألمانية المتمثلة بـ (هاينس هالم).

 

 

 

 

 

 


([1]) أُستاذ في جامعة المصطفى(صلى الله عليه وآله) العالمية، عضو هيئة تحرير مجلة الإصلاح الحسيني، من العراق.

([2]) اُنظر: سعيد، إدوارد، الاستشراق: ص257.

([3]) اُنظر: النصر الله، جواد كاظم، الثورة الحسينية في الرواية التاريخية والقراءة الاستشراقية، مجلة دراسات استشراقية: العدد 2: ص85.

([4]) زماني، محمد حسن، الاستشراق تاريخه ومراحله، مجلة دراسات استشراقية: العدد1، ص175. وللمراجعة اُنظر: العقيقي، نجيب، المستشرقون. السباعي، مصطفى، الاستشراق ما لهم وما عليهم. المنجد، صلاح الدين، المستشرقون الألمان.

([5]) اُنظر: هالم، هاينس، الشيعة: ص11ـ12.

([6]) الطقوس: تُطلق على الشعائر الدينية، وعلى الممارسات غير الدينية، أي: الاقتصادية، والسياسية، والرياضية، وعندما تُستخدم هنا يُراد منها الشعائر الدينية.

([7]) اُنظر: هالم، هاينس، الشيعة: ص59.

([8]) اُنظر: المصدر السابق: ص60.

([9]) اُنظر: المصدر السابق: ص61ـ 63.

([10]) هكذا ورد في المصدر المترجم إلى العربية، وهو خلاف السياق، فلعله خطأ مطبعي، والمراد: الحسين ابن علي(عليهما السلام).

([11]) اُنظر: المصدر السابق: ص64.

([12]) اُنظر: المصدر السابق: ص63ـ 65.

([13]) اُنظر: المصدر السابق: ص66.

([14]) اُنظر: المصدر السابق: ص 66 ـ 69.

([15]) اُنظر: المصدر السابق: ص74.

([16]) اُنظر: المصدر السابق: ص74 ـ 79.

([17]) المصدر السابق: ص78 ـ 79.

([18]) المصدر السابق: ص 78.

([19]) اُنظر: المصدر السابق: ص 79.

([20]) اُنظر: المصدر السابق: ص66ـ 69.

([21]) اُنظر: المصدر السابق: ص75ـ 78.

([22]) اُنظر: المصدر السابق: ص77.

([23]) إبراهيم: آية5.

([24]) الأنفال: آية24.

([25]) الأنعام: آية162.

([26]) البقرة: آية256.

([27]) اُنظر: جرادي، شفيق، الشعائر الحسينية من المظلومية إلى النهوض: ص2ـ3.

([28]) للتوسّع أكثر في هذا الموضوع اُنظر: المصدر السابق:ص61ـ 111.

([29]) اُنظر: المحواشي، منصف، الطقوس وجبروت الرموز، مجلة إنسانيات ـ المجلة الجزائرية في الأنثروبولوجيا والعلوم الاجتماعية. الرابط:   .http://insaniyat.revues.org/433

([30]) اُنظر: الأميني، عبد الحسين، سيرتنا وسُنَّتنا: ص41ـ 127.

([31]) القندوزي، سليمان بن إبراهيم، ينابيع المودة: ج3، ص 48.

([32]) المصدر السابق: ج3، ص25ـ 26.

([33]) الدينوري، أحمد بن داود، الأخبار الطوال: ص260.

([34]) القندوزي، إبراهيم بن سليمان، ينابيع المودة: ج3، ص48.

([35]) ابن طيفور، أبو الفضل بن أبي طاهر، بلاغات النساء: ص24.

([36]) الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري: ج4، ص355.

([37]) المصدر السابق: ص353.

([38]) المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج45، ص139.

([39]) اُنظر: هالم، هاينس، الشيعة: ص75.

([40]) اُنظر: الجويني، محمد صالح، تاريخ المأتم الحسيني من الشهادة إلى العصر القاجاري، مجلَّة نصوص معاصرة: العدد9، ص98ـ101.

([41]) اُنظر: المصدر السابق: ص101.

([42]) اُنظر: هالم، هاينس، الشيعة: ص79.

([43]) نجار، حسن محمد، الذات المبدعة بالنقد لا بالجلد: ص2.

([44]) هالم، هاينس، الشيعة: ص38.

([45]) كوربان، هنري، الشيعة الاثنا عشرية: ص60.

([46]) لكي تعرف الكثير عن هذا الموضوع راجع الكتب التالية: أصل الشيعة وأصولها، الشيخ كاشف الغطاء. نشأة الشيعة والتشيُّع، السيِّد محمد باقر الصدر. هوية التشيُّع، الشيخ أحمد الوائلي. الشيعة الاثنا عشرية، المستشرق الفرنسي هنري كوربان.

([47]) اُنظر: يفوت، سالم، حفريات الاستشراق: ص69.

([48]) هالم، هاينس، الشيعة: ص74 ـ 79.

([49]) للتوسُّع في فهم هذه الاتِّجاهات اُنظر: جرادي، شفيق، الشعائر الحسينية من المظلومية إلى النهوض: ص119 وص145.

([50]) هالم، هاينس، الشيعة: ص78.

([51]) اُنظر: القزويني، الدكتور جودت، المرجعية الدينية العليا عند الشيعة الإمامية.

([52]) اُنظر: المطوري، محمد سعدون، الاستشراق الألماني ودوره في الدراسات الشرقية، مجلَّة دراسات استشراقية: العدد3، ص214.

([53]) اُنظر: المنجد، صلاح الدين، المستشرقون الألمان: ج1، ص7.

 
 
البرمجة والتصميم بواسطة : MWD