1439 / ربیع‌الاول / 5  |  2017 / 11 / 24         الزيارات : 483723         صلاة الصبح |         صلاة الظهر والعصر |         صلاة المغرب والعشاء |

الشعائر الحسينية.. آثار ونتائج

{ د. الشيخ محمد الكروي القيسي }
الشعائر الحسينية.. آثار ونتائج

المقدّمة ([1])

وتشتمل على:

1 ـ تمهيد

لعلَّ من المسلّمات التي لا خلاف فيها تعسـّر ـ إن لم نقل: تعذّر ـ الإحاطة التامّة، ومن جميع الجوانب، بأهداف وغايات وعلل النهضة الحسينية المباركة، تلك النهضة التي خطّطت لها السمـاء، وأخبر عنها وعن تفاصيلها الرسول الأكرم‘، وأوصياؤه المعصومون(عليهم السلام) ـ بما فيهم صاحب تلك النهضة(عليه السلام) ـ قبل وقوعها، وكشف عن بعض أسرارها عشرات ـ بل مئات ـ العلماء والكتّاب والمختصّين، الذين حاولوا بكلّ ما أُوتوا الإلمام بها، وتفسير خطوات وأفعال وأهداف الإمام الحسين(عليه السلام)، قبل وإبّان تلك النهضة المباركة.

ولا يخفى أنّ الشعائر الحسينية، هي أحد أهمّ مفردات الإرث الحسيني المبارك لتلك النهضة العظيمة، وشعاع من قبسها الذي لم يزل وهّاجاً يخفق بالحياة في جسم الدين الإسلامي، وعلى ضوء ذلك، وتبعاً لقانون السنخية بين تلك النهضة وبين كلّ ما يمتُّ لها بصلة ـ ومنه الشعائر ـ سوف يكون من العسير على الباحث أن يحيط بجميع آثار ونتائج تلك الشعائر على مدى العصور والدهور، كيف لا وتلك الشعائر ـ في الجملة لا بالجملة ـ ممّا فعله المعصوم، وحـثَّ عليه، وندب إليه، قبل وبعد تلك النهضة الغرّاء.

 2ـ خصائص الموضوع مورد البحث

لا يخفى أنّ من الضروري لكلّ مَن أراد أن يقيّم أمراً ما، أن ينظر لذلك الأمر، بدايةً ونشأة، واستمراراً وخاتمةً، نظرةً كلّية، ثمّ يدرسه بكلّ جوانبه دراسةً موضوعية معمّقة؛ كيما يخرج بالنتائج العلمية الدقيقة، فأنّى لنا ـ والحال هذه ـ أن نحيط بجميع آثار وجزئيات الشعائر ونتائجها التي بدأت قبل تلك النهضة، وهي مستمرّةً إلى ما شاء الله تعالى.

أضف لذلك تنوّع تلك الشعائر بين ما هو منصوص ومستنبط، وبين الأفعال والأقوال، ثمّ تنوّع تلك الآثار بين الفرد وبين والجمـاعة، وبين الآثار السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، و... إلى ما شاء الله.

لذا؛ فحصر جميع تلك الآثار والنتائج يكاد يكون ضرباً من الخيال، فعلى هذا ليس من المبالغة القول: إنّ هذا البحث لو أُريد له الاقتراب والدنو من تمام الاستيفاء، ومقاربة الواقع ولو قليلاً، فلا بدّ لذلك من مؤلّفات وكتب كي تستوعبه بجزئياته وتفاصيله.

ولكن ممّا يهوّن الخطب أنّنا سنحاول هنا ـ أوّلاً وبالذات ـ أن نصبَّ جهودنا لوضع هيكلة عامّة للبحث، عسى الله تعالى أن يأخذ بأيدينا، أو أيدي مَن يريد التوسعة لذلك؛ ليستوفي ما تبقّى بصورةٍ أوسع وأشمل.

وقبل الولوج في خِضّم البحث لا بدّ من التنويه بأنّ البحث سيكون عن الشعائر بما هي وحدة واحدة، بغضّ النظر عن تفاصيلها وأقسامها وأفرادها، إلّا على نحو الاستشهاد والتمثيل ليس إلّا.

لذا؛ فإنّ النتائج والآثار المتصوّرة ـ بحسب فهمنا ـ للشعائر عبر العصور ستكون في محورين:

المحور الأوّل: الآثار المتصوّرة للشعائر الحسينية ونتائجها على نفس النهضة الحسينية.

المحور الثاني: الآثار المتصوّرة للشعائر الحسينية ونتائجها على غير النهضة الحسينية.

وتفصيل ذلك:

المحور الأوّل: الآثار المتصورة للشعائر الحسينية ونتائجها على نفس النهضة الحسينية

 ومن جملة تلك الآثار ما يلي:

أوّلاً: تثبيت أصل النهضة الحسينية وترسيخها

إذ لولا الشعائر لمُحيت أو لمُسخت تلك النهضة المباركة، وليس بخافٍ على أحد أنّنا حينما نقول: إنّ الشعائر الحسينية أحيت وتُحيي أصل النهضة الحسينية، فهذا لا يعني أبداً الانفكاك بين القضية الحسينية وبين أصل الدين، بل هما شيءٌ واحد؛ إذ إنّ النهضة الحسينية هي صلب الدين، وأساس قويم من أُسسه الراسخة، فلولا النهضة الحسينية لتزعزع أصل الإسلام، ولَطَغَتْ الصبغة الأُموية المقيتة عليه، ولصار الإسلام رقماً يُضاف لبقية الديانات ذات الأُصول السماوية التي تلاعبت بها الأيدي أيّما تلاعب، فمن الواضح الذي لا غبش فيه أنّ القضية الحسينية تعدّ علّة من علل بقاء الدين واستمراره؛ إذ «إنّ الهداية البشرية، أو صرح هدايتها، له علّة مُحدثة، وعلّة مبقية، كبناء هذا المسجد، له علّة محدثة وعلّة مُبقية، والعلّة المُحدثة لهداية البشر هي بعثة الأنبياء (صلوات الله عليهم) من نبي الله آدم إلى الخاتم‘، والعلّة المبقية إنّما هي الولاية الكبرى، ولاية الأئمّة من العترة الطاهرة(عليهم السلام)، فالحسين(عليه السلام) علّة مبقية، ولهذا كان زين السماوات والأرضين([2])، فالنبوّة والإمامة به باقيتان»([3]).

 ثمّ من الواضح أيضاً أنّ الشعائر الحسينية إنّما نشأت على يد النبي الأعظم‘، الذي أسّس أحد أهمّ الشعائر الحسينية حين بكى الحسين(عليه السلام) حين ولادته، وهذا الفعل المعصومي، إضافةً إلى دلالاته التي يصعب الوقوف على دقائقها وكنهها، فيه تنبيه للأُمّة لضرورة الاصطفاف في صفّ الحسين(عليه السلام)، ونبذ الظلم ومعاداته.

فشعيرة البكاء على الحسين(عليه السلام) كان أوّل مَن فتح بابها في الإسلام على مصراعيه هو رسول الله(صلى الله عليه وآله)؛ لذا كان من المسلّم لدى الكثير من الصحابة والتابعين ما سيجري على الحسين(عليه السلام) من ظلمٍ وجور وخذلان من قبل الأُمّة، بفضل تأكيدات الرسول الأعظم‘ وأمير المؤمنين(عليه السلام)([4]).

ثمّ توالت الشعائر المؤكّدة والمشيرة إلى أصل تلك النهضة المباركة، فمن مآتم أهل البيت(عليهم السلام) التي عُقدت في نفس يوم الفاجعة، سواء في الكوفة، أو في قصر إمارتها، أو في طريق السبي، أو في الشام، أو فيما بعد كلّ ذلك، لحفظ أصل النهضة من الاندراس، وضرورة التذكير بالواقعة؛ لتبقى حيّة في ضمائر الأجيال، ومحييةً للدين، ومائزة للحقّ من الباطل؛ إذ «لا شكّ أنّ نهضة الحسين(عليه السلام) كان لها تأثيرٌ بالغ وكبير في حركة التاريخ الإسلامي وحياة المسلمين عامّة، بحيث أدّت تفاعلاتها الواقعية في حركة الأُمّة إلى حفظ الإسلام والأُمّة الإسلامية من كثير من مخاطر الانحراف، ولكن الشعائر كان لها دورٌ آخر مكمّل لدور الثورة نفسها»([5]).

إنّ كلّ نهضة تمتاز بهوية خاصّة بها، هي المحصّلة النهائية لـ: شخصية قائدها وانتمائه، وماهية مبادئها، ثمّ أهدافها، ثمّ طبيعة الجماعة التي قامت على أكتافها تلك الثورة، وفي كلّ ذلك استطاعت الشعائر أن:

1ـ تحفظ شخصية القائد وتبقي رمزيته وقدسيته

من خلال التذكير به، وبهويته وانتمائه وموقعه في رأس الهرم الإسلامي، عن طريق ذكر فضائله وشمائله من حين ولادته، فما من شعيرة من الشعائر إلّا وذكّرت بالحسين(عليه السلام)، وبتاريخه وحسبه ونسبه وفضائله، فنلحظ في البكاء مثلاً ورود نصوص شعائرية يصعب استقصاؤها تحثّ على البكاء عليه، بل وإنّ الموجودات كلها بكت الحسين(عليه السلام)([6])، وما دلّت عليه الروايات من أنه طهرٌ طاهر مُطهّر من طهرٍ طاهر مُطهّر([7])، وفي تلك النصوص دلالة على أنّ شخصية القائد ذات بعدٍ إلهي؛ إذن فتلك النصوص أبرزت جانباً مهمّاً من شخصية قائد تلك النهضة المباركة، وحفظتها على كرور الأيّام والسنين.

وكذا تفعل المجالس والمآتم ومواكب العزاء حين تذكّر بشخصية الحسين(عليه السلام) شعراً ونثراً و... فكلّ تلك الشعائر كان أحد أهدافها حفظ هوية القائد من التشويه، ولولا ذلك لمدّت بنو أُميّة ومَن لفّ لفّهم أياديهم لشخصية الحسين(عليه السلام) ـ وإن كانوا قد فعلوا ذلك باتّهامهم للحسين(عليه السلام) بأنّه محبٌّ للسلطة([8])، وأنّ حركته كانت لأجل ذلك تارة، وأُخرى بما روّجته مصادر التاريخ التي خطّتها أيادي وعّاظ السلاطين المائلين إلى بني أُميّة، والمنحرفين عن أهل بيت النبي(صلى الله عليه وآله) من أكاذيب زُوّرت ولُفّقت بهتاناً على لسان بعض الصحابة، أو التابعين([9]) ـ فتلاحظ حقيقة الصراع بواقعه وشدّته وعظمته بين «إنّ في رأسك نزوة...»([10])، وبين «أشهد أنّك جاهدت في سبيل الله...»([11])، أو بين «لا تخرج، فإنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) خيره الله بين الدنيا والآخرة، فاختار الآخرة، وإنّك بضعةٌ منه، ولا تنالها»([12]) ـ التي توحي بأنّ الحسين(عليه السلام) خارجٌ لطلب الدنيا ـ وبين «إنّك أَمَرت بالقسط ودعوت إليه»([13])، فنلحظ أنّ الشعائر كانت في الواجهة لمقاومة المدّ الأُموي المقيت، الذي حاول أن يشوّه شخصية قائد النهضة ورائدها(عليه السلام)، فجاءت ـ أي الشعائر ـ لتُحدِث توازناً، وتقف سدّاً منيعاً أمام ذلك التيار الأُموي الجارف، ونجحت أيّما نجاح في حفظ شخصية القائد.

2ـ استطاعت أن تحفظ ماهية مبادئ النهضة الحسينية

وفي هذا المجال لعبت الشعائر دوراً عظيمـاً؛ إذ تمكّنت ـ وبنجاحٍ منقطع النظير ـ أن تحفظ الصبغة الإصلاحية للنهضة الحسينية، وأن تميّزها بطابع يختلف تماماً عن بقية الثورات، من خلال التأكيد على أنّ المبادئ التي أطّرت تلك النهضة هي مبادئ الإسلام عينها من: الجهاد في سبيل الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة فرائض الدين و... فهذه النصوص الشعائرية الواردة بحـقّ الحـسين(عليه السلام) ومَن استُـشهد معه تضـجّ بتلك المبادئ الحقّة، وتعجّ بها، فنقرأ مثلاً في الزيارات: «أشهد أنّك جاهدت في سبيل الله حقّ جهاده، لم تأخذك في الله لومة لائم»([14])، و«إنّك أمرت بالقسط ودعوت إليه»([15])، و«أشهد أنّك أقمت الصلاة وآتيت الزكاة، وأمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر، واتّبعت الرسول، وتلوت الكتاب حقّ تلاوته، ودعوت إلى سبيل ربّك بالحكمة والموعظة الحسنة... وقد بلّغت ما أُمرت به، وقُمت بحقّه، وصدّقت مَن قبلك... أشهد أنّ الجهاد معك جهاد، وإنّ الحق معك وإليك...»([16]). 

تلك هي المبادئ الحقّة للنهضة، والتي حُفِظت بفضل الشعائرالحسينية، وأيضاً يمكننا هنا أن نلحظ البون الشاسع، والهوّة الكبيرة، بين ما روّج له الإعلام الأُموي وأبواق دعايته، وبين ما أكّدت عليه الشعائر، وثبّتته وركّزته في أذهان المؤمنين، فما أعظم الهوّة بين ما تقدّم من نصوص شعائرية، وبين ما صوّرته النصوص الأُموية من أنّ الإمام الحسين(عليه السلام) خارجٌ على إمامه([17]). وأنّه خارجٌ يقتل نفسه([18]). وأنّه بخروجه يضرب المسلمين بعضهم ببعض([19]). أو أنّه غير عارف بأهل العراق؛ لذلك فقد غدروا به([20]). فلو لم تکن الشعـائر ـ لا سمح الله ـ لاستطاع الإعلام الأُموي أن يصوّر يزيد ـ معاقر الخمر، ملاعب القرود، هادم الكعبة ـ إماماً للمسلمين، وأنّ الخارج عليه خارجٌ عن ربقة الإسلام.

لذا؛ كانت الشعائر الحسينية بياناً عملياً لمبادئ النهضة وأُسسها، و«لقد عمل أهل البيت(عليهم السلام) على ترسيخ الشعائر الحسينية في وجدان الأُمّة، واتخذوا سبلاً مختلفة لإحياء تلك الشعائر، التي من شأنها أن تجعل ذكرى الإمام الحسين(عليه السلام) ماثلة للعيان، ومتجدّدةً في كلّ حين، وهذا من شأنه أن يرسّخ لدى الأُمّة أهداف ومبادئ حركة الإمام الحسين(عليه السلام)...»([21]).

3ـ استطاعت الشعائر أن تحفظ أهداف النهضة الحسينية

 وذلك بإبرازها وبلورتها للأجيال على مدى الحقب والدهور؛ إذ طالما صرّح سيّد الشهداء(عليه السلام) بأهدافه وغاياته وما يصبو إليه في نهضته المباركة تلك من قبل النهضة، كقوله(عليه السلام): «اللهم، إنّك تعلم أنّه لم يكن ما كان منّا تنافساً في سلطان، ولا التماساً من فضول الحطام، ولكن لنُريَ المعالمَ من دينك، ونظهر الإصلاح في بلادك، ويأمن المظلمون من عبادك، ويُعمل بفرائضك، وسننك وأحكامك...»([22])، وإبّانها بقوله:

«... وإنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً، ولا مفسداً ولا ظالماً، إنّما خرجت لطلب الإصلاح في أُمّة جدّي‘، أُريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدّي وأبي علي بن أبي طالب...»([23]).

فعندما تبكي العيون وتُذرَف الدموع، بدءاً بالأنبياء وأوصيائهم([24])، وانتهاءً بأصاغر الناس، فإنّها لا تبكي مُلكاً أُضِيعَ من مَلِك، أو حاكماً فقد حُكمه، أو رجلاً قدّر أمراً فأساء التقدير، أو خارجاً يريد شقّ عصا المسلمين، كلّا وحاشا، فهذا من أكبر الطعن بمقام النبوة أو الوصاية. وهكذا عندما تُلدم الصدور، وتُعقد المجالس، ويُنشِد الشعراء والمنشدون، فالجميع إنّما يندبون مصلحاً إلهيّاً سار إلى الشهادة بنفسه، مؤثراً لها على الحياة مع الظالمين والمفسدين المنحرفين عن نهج الهدى، لذلك فالشعائر عبّرت عن أهداف النهضة وغاياتها تعبيراً وافياً وواقعياً بكلّ ما للكلمة من معنى.

وهذا أٌمر أوضح من أن يُشار إليه، إذ «الضرورة لائحة في كون الشعيرة الحسينية دالّة على المعاني والفضائل والقيم النبيلة، والأهداف الإصلاحية التي نهض من أجلها الإمام الحسين»([25])، فکلّ منصف عندما يسمع ببكاء رسول الله(صلى الله عليه وآله) ـ بل وبكاء الأنبياء السابقين([26]) ـ يذعـن أنّ أهداف الحسين(عليه السلام) أهـداف إلهيّة ساميـة، وفي ذلك يقول أحد المستبصرين ـ الذين بهرهم نور الحسين(عليه السلام) فحاموا حوله كما يحوم الفراش حول النور في الليلة الظلمـاء، فأيقنوا بسموِّ أهدافه بسبب بكاء النبي(صلى الله عليه وآله) عليه ـ: «ولقد شدّني الإمام الحسين(عليه السلام) نحو مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، وأدركت أنّه صاحب حقّ، وأنّ بكاء النبي(صلى الله عليه وآله) عليه هو إعلانٌ عن سلب الشرعية عمَّن ناوأه وقاتله، حيث اعتبره رسول الله(صلى الله عليه وآله) سنخاً له حينما قال: حسين منّي وأنا من حسين. فمن هنا تبيّنت لي الأهداف التي جاهد من أجلها الإمام الحسين(عليه السلام) فتأثّرت بنهضته، وأعلنت استبصاري...»([27]).

وهذا كاشفٌ عن مدى تأثير الشعائر في بيان أهداف النهضة الحسينية المباركة.

4 ـ استطاعت الشعائر أن تبيّن طبيعة الجماعة التي قامت على أكتافها تلك النهضة العظيمة

وهنا أيضاً لعبت الشعائر أعظم الأدوار في إبراز طبيعة أصحاب الإمام الحسين(عليه السلام) وأنصاره، حتى راح مَن يتولّى شؤون الشعائر ويهتمّ بها، يفتّش في بطون التاريخ وأغواره عن ماضي أُولئك الكرام البررة، وسِيرَهم العَطِرة؛ كي يتسنّى له تجسيدها على أرض الواقع شعراً، أو نثراً، أو مسرحاً أو أدباً أو... بل تعدّى الأمر ليصل إلى حدّ تسمية المواكب والحسينيات والهيئات الشعائرية بأسماء أُولئك الشهداء؛ إبرازاً لدورهم الذي لا يُوصف في رفد النهضة الحسينية، والقيام بأعبائها، نصرةً منهـم لله تعالى ولدينه، وفوق كلّ ما تقدم تكفي شعيرة الزيارة ـ التي هي من أعظم الشعائر ـ في إبراز دورهم وشأنهم، وما هم فيه من مقامٍ رفيع، تُلقّن الزائر تارةً بأن يفديهم بأبيه و أُمّه([28])، وأُخرى بأن يدعو الله أن يرزقه مقامهم، ويثبّت له قدم صدقٍ معهم([29]).  

فلكلّ ما تقدّم يمكننا القول ـ وبلا أدنى شكٍّ أو تردّد ـ إنّ للشعائر الحسينية اليد الطولى في تثبيت أصل النهضة الحسينية وترسيخها.

ثانياً: تعميق فهم القضية الحسينية والإلمام بأبعادها

فقد أزاحت الشعائر الحسينية الستار عن حقائق ذات مفاهيم غاية في العمق والضخامة والرسوخ في التراث الديني والعقدي في الإسلام، يصعب الإحاطة بها وحصرها، فجاءت الشعائر لتكمل دور النصوص الدينية في ذلك، ومن تلك الحقائق:

1ـ القضية الحسينية هي إرثٌ نبوي

فهي سيرة نبوية أسّسها الأنبياء وأوصياؤهم في قيامهم ضدّ الظلم والممارسات الفاسدة، وإنّها حلقة ضمن سلسلة إلهية، وهذا ما نلاحظه في عدّة شعائر، منها الزيارات المنصوصة المؤكّدة على مفهوم وراثة الحسين(عليه السلام) للأنبياء السابقين، فعندما يكرّر الزائر «السلام عليك يا وارث آدم صفوة الله، السلام عليك يا وارث نوح نبي الله، السلام عليك يا وارث...»([30])، فانّه يستشعر ذلك بوضوح.

فكثير من أحداث التاريخ عُدَّت وتعدُّ أحداثاً منقطعة، لا ربط لها بما تقدّمها، ولا ما تأخّر عنها، أمّا الحدث الحسيني ـ وتبعاً لما نصّت عليه وأكّدته الشعـائر ـ فهو حلقة منيرة، ضمن سلسلة ربّانية خطّطت لها الإرادة الإلهيّة.

فأين هذه الحقيقة التي أبرزتها الشعائر، من القراءة الفردية المجزّئة للحدث الحسيني، التي شجّعت عليها السلطات الغاشمة على مرّ السنين.

فمن جهة الماضي، كان الحدث الحسيني مكمّلاً ومتوّجاً لما سبقه، بل هو الدرس العملي الأوضح والأبرز لسياسة جميع الأنبياء المتقدّمين في مواجهة الظلم والظلمة.

ومن جهة المستقبل ركّزت تلك الشعائر على الذّرية الطاهرة من نسل الحسين(عليه السلام)، وهم الأئمّة الذين نصَّ عليهم رسول الله(صلى الله عليه وآله) من ذرية الحسين(عليه السلام)، فحينما نقرأ على سبيل المثال في زيارة الأربعين: «أشهد أنّك من دعائم الدين...وأشهد أنّ الأئمّة من ولدك كلمة التقوى وأعلام الهدى»([31]).

تتّضح تلك السلسلة الإلهية بجلاء. 

2ـ ارتباط القضية الحسينية بمستقبل البشرية جمعاء

وذلك عن طريق بيان الصلة بينها وبين القضية المهدوية التي ستحدّد مستقبل الظلم على الأرض باستئصاله من جذوره، وهذا المعنى أيضاً قد أكّدته نصوص شعائرية كقول الإمام(عليه السلام) في زيارة عاشوراء: «فأسأل الله الـذي أكرمني بمعـرفتكم...وأن يرزقنـي طلب ثأركم مع إمامٍ مهدي ظاهر ناطق منكم»([32])، وأكّده ما ورد في زيارة الإمام الحجةّ(عجل الله تعالى فرجه الشريف): «السلام عليك يا طالب ثأر الأنبياء، وأبناء الأنبياء، والثأر بدم المقتول بكربلاء»([33]).

وهذه الحقيقة الراسخة العظيمة تُعدّ قمّة من قمم المعارف في النهضة الحسينية، أبانتها وأفصحت عنها الشعائر الحسينية، إذ جعلت ظلم الظلمة ـ من أوّلهم إلى آخرهم ـ وحدة واحدة، وأنّ اجتثاثه سيكون على يد رجلٍ إلهي من ذرّية الحسين(عليه السلام)، و«من الواضح أنّ مسألة التأثّر والانتقام في قضية الإمام المهدي(عليه السلام) ليست انتقاماً وتأثّراً من الأشخاص، بل هي انتقام وتأثّر من الواقع الفاسد الذي كان يعيشه الإنسان، وذلك بتغييره وتحويله إلى واقع العدل والحقّ»([34]).

3ـ إبراز الرؤية الواقعية للنهضة الحسينية وإبعاد الرؤى المغايرة

إذ لا شكّ في أن أيّ حدثٍ ضخمٍ في تاريخ البشرية تتقاسمه تفسيرات قد تُشرِّق أو تُغرِّب، ولا بدّ من تفسير واقعي لذلك الحدث، وهذا جارٍ في النهضة الحسينية المباركة، «فالأعداء حاولوا أن يفسّروها بتفسيرٍ معيّن، ومَن آمن بالحسين، وبخطّ الحسـين وإمامتـه(عليه السلام) فسّروها بتفسـير آخـر، ومَن لم يؤمن بالحسين وبإمامته هو الآخر حاول أن يفسّرها بتفسير ثالث، وقد لا يكون تفسيراً عدائياً، ولكنه فسّر هذه القضية من وجهة نظره الضيّقة»([35]).

فمن المقطوع به أنّ السلطة الأُموية لا يمكنها تصوير صراعها مع الحسين(عليه السلام) بأنّه صراع مبادئ وقيم، لذا فقد صوّرته تارةً بأنّه صراعٌ قبلي له جذوره القديمة بين بني أُميّة وبني هاشم، ولهذا جاء تصريح يزيد بقوله ـ مستقبلاً الركب الحسيني في الشام ـ:

«ليت أشياخي ببدرٍ شـهدوا

 

جزع الخزرج من وقع الأسل

لأهلّوا واستطاروا فـرحاً

 

ولقالوا يا يزيد لا تُشَل

لعبـت هاشـم بالملـك فـلا

 

خـبـرٌ جــاء ولا وحـيٌ نـزل»([36]).

 

وتارةً بأنّه صراعٌ سلطوي بين رجلين في الدولة، كلٌّ منهما يريد الملك لنفسه.

كما فُسِّرت النهضة بأنّ واقعها الوحيد الأوحد هو كون الحسين(عليه السلام) رجلٌ أبيٌّ للضيم، وأنّ أخلاقه العربية والإسلامية، وكـونه من بيتٍ عريقٍ عُرف بالشرف والعزّة، تمنعه من الخضوع والخنوع لحاكمٍ مثل يزيد، بل وفُسرت النهضة بالدافع الغيبي المحض، وأنّ الإمام الحسين(عليه السلام) إمامٌ معصوم، كتب الله تعالى عليه منذ الأزل أن يُقتل هكذا قتلة في كربلاء، وأنّ للأئمّة المصـطفين أحـكاماً خاصّـة بهم ([37]).

في قبال كلّ ذلك، جاءت الشعائر الحسينية ـ ومن قبلها النصوص الحسينية المباركة ـ لتؤكّد أنّ النهضة الحسينية إنّما قامت من أجل الوقوف في وجه الطغيان الأُموي، ولتثبّت الحكم الشرعي الإسلامي تجاه ذلك الطغيان، وإنّ الإمام الحسين(عليه السلام) ـ وهو إمام المسلمين في زمانه ـ عمل بتكليفه الشرعي المنوط به في القيام بأعباء حفظ الرسالة، والذبّ عن حريمها المقدس.

 فعندما نقرأ في كثير من الزيارات عبارات شتّى مثل: «أشهد أنّك قد أقمت الصلاة، وآتیت الزكاة، وأمرت بالمعروف، ونهیت عن المنکر، وجاهدت الملحدين، وعبدت الله} حتى أتاك اليقين...»([38]). أو مثل: «أشهد أنّك حلّلت حلال الله، وحرّمت حرام الله، وأقمت الصلاة...ودعوت إلى سبيل ربّك بالحكمة والموعظة الحسنة...»([39])، أو: «أشهد أنّك قد بلّغت عن الله ما حُمّلت، وحفظت ما استُودعت، وحلّلت حلال الله...»([40]).

تتأكّد لدينا تلك الحقيقة الناصعة، وهي أنّ أساس خروج ذلك الإمام المصلح(عليه السلام) إنّما هوطاعةً لله تعالى، وعملاً منه بتكليفه، من أجل إقامة الأمت والعوج الذي أُصيب به الدين بفعل بني أُميّة، وتلك الحقيقة إنّما جلّاها وأبانها الإمام الحسين(عليه السلام) في نصوص كثيرة أوّلاً، ثمّ جاءت الشعائر لتؤكّد ذلك الفهم الدقيق والعميق، بل جاءت تلك الشعائر لتُثبت أنّ خطّ الظلم هو الخط الآني الدخيل على الفطرة البشرية، وأنّ خطّ الإصلاح الذي انتهجته الثورة الحسينية هو خطّ الفطرة الإلهية التي فطر الناس عليها، «فليست الثورة ـ من هذا المنظور ـ حدثاً لا سابقة له، وإنّما هي جزء من حركة الإسلام والتاريخ، وإنّها امتدادٌ لحركة أنبياء الله وأوصيائهم...ومن ثمَّ فإنّ الضدّ القانوني والسياسي لها ـ وهو النظام ـ هو الذي لا يتمتّع بالشرعية»([41]).

المحور الثاني: آثار الشعائر الحسينية ونتائجها على غير النهضة الحسينية

ويشتمل هذا المحور على المبحثين التاليين:

أوّلاً: آثار الشعائر الحسينية ونتائجها على الفرد من حيث علاقته بربّه

لا يخفى على كلّ لبيب ـ من خلال تتبّع التراث الإسلامي الأصيل ـ أنّ هناك أهدافاً سامية تقف وراء كلّ العبادات والممارسات التي أمرت بها الشريعة، ومن الصعوبة بمكان الإحاطة بجميع تلك الأهداف والغايات، ولكن يمكن القول: إنّ أحد أهم القمم الشامخة لتلك الأهداف هو تقريب العبد نحو ربّه (جلَّ وعلا)، مصلحةً للعبد، لا لله تعالى؛ إذ إنّه هو الغني المطلق الذي ليس في ساحة قدسه ذرّة احتياجٍ للغير، تعالى عن ذلك علواً كبيراً.

ومن تلك المقرّبات، بل أسرعها إيصالاً، وأخصرها طريقاً لله تعالى، هو ما يدخل في نطاق الشعائر من زيارة أولياء الله تعالى، وتتبّع آثارهم، وندبهم، كون تلك الأُمور ممّا أكّدت عليه الشريعة بنصوص وآثار يصعب حصرها واستقصاؤها، وإنّ تلك الأوامر الجمّة لا شكّ أنّها نابعة من مصلحةٍ وملاك ضخمين.

ومن المقطوع به أنّ البناء النفسي للإنسان، والارتقاء بالنفس إلى قمم الكمال، يسير جنباً إلى جنب مع علاقة العبد بربّه، فهما صنوان لا يفترقان، لذا تجد أنّ أولياء الله تعالى يمتلكون أقوى النفوس، وأكثرها استقراراً وثباتاً، وأشدّها تأثيراً بما حولها، لقربهم من الله تعالى.

وعلى ضوء ذلك، يمكننا ـ بهذه العجالة ـ بيان أهمّ آثار الشعائر على النفس والبناء النفسي من جهة، ثمّ على علاقة تلك النفس ببارئها تعالى من جهةٍ أُخرى، فيُقال:

1ـ بملاحظة ما تقدّم من أهداف النهضة الحسينية، وغاياتها، ومبادئها، يتّضح بما لا يقبل الشك، أنّ تلك النهضة هي أحد أهمّ أوجه الدين، ومعلم بارز من معالمه المعّبرة عنه بأتمّ التعبير، لذا فإن زيارة الحسين(عليه السلام)، أو ندبه، أو ذكر مصائبه (التي هي من أهمّ الشعائر)، تعدّ ـ بلا شكّ ـ تقويةً لصلة الإنسان بدينه، وتذكيراً به، فالزيارة ـ مثلاً ـ «ليست مجرّد عمل تكريمي، احتفالي، يقوم به إنسان حي، لتكريم إنسانٍ ميّتٍ، فإنّ الشيعي حين يقوم بالزيارة، يكون قد جدّد صلته بالإسلام ككل، وعاهد الله على التمسّك به، والحفاظ عليه، وتطبيقه في حياته»([42]).

يظهر هذا التعهد في نصوص بعض الزيارات بشكل بارز، يقول الزائر ـ على ما علّمه الأئمّة(عليهم السلام) شيعتهم ـ فيها: «فأُشهد الله، وأُشهدكم، أنّي بكم مؤمن، وبإيابكم موقن، ولكم تابع في ذات نفسي، وشرائع ديني...»([43])، فالشعائر ترسيخٌ للدين بما فيه من عقائد وأحكام ومعارف إلهيّة.

2ـ إنّ الشعائر هي عبادة روحية اشتملت على ثوابٍ جمّ لا يُحصى، وبركاتٍ كثيرة من الجانب المادي والروحي، فهي من هذا الجانب لا شكّ في مقرّبيتها؛ لما تضمّنته من الوعد بالثواب الجزيل، الذي يعدّ بنفسه من أعظم المقرّبات([44]).

3ـ إنّ كثيراً من الشعائر احتشدت فيها نصوص جمّة، مُلئت بذكر الله، وتسبيحه، وتحميده([45])... إلى ما شاء الله من أصناف ذكر الله تعالى، أو بالأمر بتلك الأذكار([46])، وذكر الله ـ كما لا يخفى ـ يُعدّ بنفسه من أعظم المقرّبات له تعالى.

 4ـ إنّ وجود عنصر الجذب البارز في الشعائر، أمرٌ لا يخفى على الفطن، إذ إنّ وجود قمّةٍ إنسانية شاهقة كالجبال، هي في مقعد صدقٍ عند مليكٍ مقتدر، يتمنى كلّ إنسان أن يصل إليها ـ أعني بذلك الإمام الحسين(عليه السلام) يشكّل بحدّ ذاته عنصراً جاذباً لقلوب جميع بني البشر للاحتذاء به، والنيل من معينه، وهذا أيضاً من أوضح المقرّبات إلى الله تعالى.

5ـ إنّ تشكيل حلقات الذكر، من المجالس، أو المواكب التي يُذكر بها أولياء الله، الدالّون عليه، القائدون إليه، هي أيضاً تُعدّ ذكراً لله تعالى من جهة، كما تُعدّ امتثالاً لأمر الله تعالى من جهةٍ أُخرى، فهي من المقرّبات لله تعالى، لذا فقد ورد عن الإمام الرضا(عليه السلام) قوله: «مَن تذكّر مصابنا، وبكى لما ارتُكب منّا، كان معنا في درجتنا يوم القيامة، ومَن ذُكّرَ بمصابنا، فبكى وأبكى، لم تبكِ عينه يوم تبكي العيون، ومَن جلس مجلساً يُحيـى فيه أمرنا، لم يمُت قلبه يوم تموت القلوب»([47]).

 6ـ إنّ تلك الشعائر تعدّ معاهد تعليمية جوّالة، فالمجالس، والمواكب، والتجمّعات الحسينية هي ملتقيات توعوية، دينية وثقافية، يتسامى فيها الفرد المؤمن على المستوى المعرفي والروحي، وهذا ممّا لا يُختَلَف فيه؛ إذ لعبت المواكب والمجالس وحلقات الندب الحسينية ـ على مرّ الدهور والعصور ـ دوراً لا يُغفَل في مجال التوعية، على المستوى الفردي.

فمثلاً لخّصت بعض نصوص الزيارات كثيراً من المفاهيم الإسلامية التي لم يمكن البوح بها على مرّ العصور لظروف معينة، وملابسات جمّة ذُكرت في التاريخ، فنلاحظ ـ كمصداق لذلك ـ قوله(عليه السلام): «اللهم اكتب لي إيمـاناً، وثبّته في قلبي، اللّهم اجعل ما أقول بلساني حقيقةً في قلبي، وشريعةً في عملي، اللّهم اجعلني ممَّن له مع الحسين(عليه السلام) قدم ثبات، واثبتني فيمَن استُشهد معه»([48]).

فقد تضمّن هذا النص المقدّس «التأكيد على مسألة كبرى من مسائل الإيمان الصحيح، بل هي المسألة الكبرى في هذا الإيمان، وهي أنّ الإيمان ليس اعتقاداً فقط، وإنّما هو اعتقادٌ وعمل، نظرية وسلوك، فما يطمح إليه الزائر ليس إيماناً نظرياً، وإنّما إيمانٌ حيٌّ متحرّك»([49]).

7ـ إنّ تلك الشعائر هي بمثابة إعلان من قبل الفرد لحالة تولّي أولياءالله تعالى، والاصطفاف في صفّهم، والكون معهم، ثمّ التبرّي من أعدائهم، وهذا المفهوم هو أحد الركائز الأساسية في تصحيح علاقة العبد بربّه، فقد ورد في زيارة عاشوراء مثلاً:
«يا أباعبد الله، إنّي سلمٌ لمَن سالمكم، وحربٌ لمَن حاربكم إلى يوم القيامة»([50]).

وقد أورد الشعراء في قصائدهم ألواناً من هذا المفهوم الديني الأصيل ـ أعني الولاء لأولياء الله تعالى، والتبرّي من أعدائهم ـ فهذا الكميت الأسدي يقول في قصيدةٍ له في ذلك:

 

مَن لقلبٍ متيّمٍ مستهام

 

غير ما صبوةٍ ولا أحلام

 

إلى أن يقول:

 

بـل هـواي الذي أجِـنُّ وأُبـدي

 

لبنـي هـاشـم فـروع الأنـام

للقريبـين مـن ندى، والبـعيدين

 

من الجـور في عرى الأحكام

والمصـيبين باب ما أخطأ النـاس

 

ومرسـى قـواعـد الإسـلام ([51]).

 

أو قول أبي الأسود الدؤلي، يرثي الإمام الحسين(عليه السلام):

 

سـأجـعل نفـسـي لـهم جُـنّة

 

فلا تكثـري لي مـن اللائـمة

أرجو بذلك حوض الرسول

 

 والفـوز والنـعـمة الدائـمة([52])

 

 

ولو تتبّعنا ذلك لاحتجنا إلى كتبٍ تؤرّخ لهذا المفهوم الضخم العظيم.

8 ـ إنّ تلك الشعائر كانت سبباً مباشراً في تعريف الكثير من المسلمين وغيرهم بالمذهب الحق ـ مذهب أهل البيت(عليهم السلام) ـ ولفت أنظارهم لذلك، وتحوّلهم واعتناقهم لمذهب أهل البيت(عليهم السلام)، وتغيير مسار علاقتهم بربّهم.

 يقول في ذلك أحد العلماء ممّن تحوّل إلى مذهب الحقّ متأثراً ببعض الشعائر: «هكذا كانت البداية، مع الحسين ـ مصباح الهدى ـ كانت البداية، ومع الحسين سفينة النجاة كان الشروع، بداية لم أقصدها أنا، وإنّما هي التي قصدتني...وذلك كان يوم ملك عليَّ مسامعي صوتٌ شجيّ، ربَّما كان قد طرقها من قبل كثيراً، فأغضّت عنه...حتى دعاني هذه المرّة وأنا في خلوةٍ أو شبهها، فاهتزّت له مشاعري، ومنحته كلّ إحساسي وعواطفي، من حيث أدري ولا أدري، فجذبني إليه... تلك كانت قصّة الإمام الحسين(عليه السلام) بصوت الشيخ عبد الزهراء الكعبي(رحمه الله)([53]) في العاشر من محرم الحرام سنة (1402هـ)، فأصغيت عنده أيّما إصغاء لنداءات الإمام الحسين، وترتعد جوارحي مع الدمعة والعبرة، وشيء في دمي كأنّه الثورة، وهتاف في جوارحي: لبيك يا سيدي يا بن رسول الله. وتنطلق في رأسي أسئلة لا تكاد تنتهي، وكأنّه نورٌ كان محجوباً، فانبعث يشقّ الفضاء الرحيب دفعة واحدة...وعندما رحت أتعجّب من هذا الانقسام، عدت مع هذه الواقعة إلى الوراء، فإذا الناس من حينها كحالهم الآن، فهم بين مَن حمل الحسين مبدءاً، وتمسّك به إماماً وأُسوة...وبين مَن حمل رأس الحسين هديةً إلى يزيد، وبين هذا وذاك منازلٌ شتى في القرب والبعد من معالم الحسين... فقد استضاءت الدنيا كلّها من حولي، وبدَت لي شاخصةً معالم الطريق...»([54]).

كما قال آخر في ذلك([55]): «... اتّخذت الشيعة مواقف عديدة لتبيين أحقّيتهم، وإلفات انتباه الناس إلى ولاية أهل البيت(عليهم السلام)... الموقف الأوّل: إحياء نهضة الحسين(عليه السلام): إنّ الشيعة بذلوا اهتماماً خاصاً لإحياء نهضة الإمام الحسين(عليه السلام)... ومن هنا تصدّى الشيعة لإحياء هذه النهضة، فجعلوها وسيلةً إعلامية لتبيين الحقيقة للناس، وجعلوها سبيلاً لإحياء المفاهيم الحقّة، وإضفاء الوعي في المجتمعات؛ لئلّا ينخدعوا بالتيارات المنحرفة التي مثّلت امتداداً للحركة الأُموية ضدّ الإسلام»([56])، إلى أن يقول: «ولهذا آل أمري وأمر أُستاذي إلى الاستبصار والانتماء إلى مذهب أهل البيت(عليهم السلام)...»([57]).

وقال ثالث([58]) ـ وكان إمامُ مسجدٍ من مساجد الإخوة من أهل السنّة ـ: «كان الملحوظ في أوساط الناس ـ بمختلف انتماءاتهم القومية والعقائدية ـ في شبه القارّة الهندية عند مباشرتي لعملي التبليغي، أنّهم يتفاعلون مع الشيعة في إحياء ذكرى عاشوراء، فامتعضت من حضور الحشود الضخمة في هذه المجالس، لا لأنّي أبغض الإمام الحسين(عليه السلام)، بل لنفوري من الشيعة وكراهتي لهم... ومن ذلك الحين قرّرت تولّي هذا الأمر... فحملت على عاتقي مهمّة ذكر مصيبة الحسين(عليه السلام)، وقراءة مجلس التعزية في المسجد الذي كنت إماماً فيه... [و] عندما كثرت خطاباتي ومحاضراتي حول أهل البيت(عليهم السلام) ـ ولا سيما الإمام الحسين(عليه السلام) ـ بدأ أهل العامّة يشيرون إليَّ بأصابع الاتّهام، فرموني بالتشيّع، مع أنّني كنت منهم ومعهم في كلّ المعتقدات، لكنّني كنت أنقل الأحاديث الواردة في فضل أهل البيت(عليهم السلام)، وفق قناعاتي الحاصلة من كتب علماء العامّة؛ كي لا يحضر أهل مذهبي في مجالس الشيعة، ولا يشاركوهم في مثل هذه الاجتماعات...وبهذا كانت إقامة المآتم على الحسين(عليه السلام) شعلة الهداية التي أنارت لي الطريق الحقيقي الموصل إلى رضوان الله تعالى، وببركة الحسين(عليه السلام) أعلنت تشيّعي في الجامع الذي كنت أؤمّ المصلين فيه في مدينة (نوشهره وركان) عام 1952...»([59]).

وذكر رابعٌ ممَّن كان على المسيحية ثمّ تحول إلى إسلام الحقّ ببركة نور الشعائر الحسينية: «صادف أن شاركت ذات يوم في المجالس الحسينية التي يقيمها الشيعة في بريطانيا، فتأثّرت كثيراً بما سمعت من الأحداث التي وقعت في النهضة الحسينية، ورأيت مدى تأثّر الناس بها، وما فيها من آثار وبركات عظيمة من شأنها إعادة التوازن في الصعيد الاجتماعي»([60]).

وكم من أُولئك على مدى التاريخ، إنّما جذبتهم الشعائر الحسينية لنور الحسين(عليه السلام) وولاية أهل البيت(عليهم السلام)([61])، وعلى ضوء ذلك تبدّلت علاقتهم بالله تعالى بفضل تلك الشعائر.

ثانياً: آثار الشعائر الحسينية على المجتمع ككلّ بما هو وحدة واحدة

لعلّ هذا المبحث من أكثر المباحث احتياجاً إلى وقفاتٍ طويلة، وتأمّل واستقصاء واسعين؛ إذ إنّ النهضة الحسينية كانت ولا زالت أحد المعالم ذات البعد الاستراتيجي للدين الإسلامي، فيها حُفظت الكثير الكثير من قيم الدين الحنيف ومبادئه، بل أحيت تلك النهضة المباركة عناصر الرقابة والإصلاح الذاتيين للدين، وذلك بتثبيتها لقيمٍ أصيلةٍ كادت تغيّب، يُعدّ تجاوزها تجاوزاً لقيم الدين الحنيف، وتقدّم سابقاً في هذا المقال أنّ هناك سنخية بين النهضة الحسينية والشعائر الحسينية؛ لأنّ الشعائر أحد أهمّ أوجه النهضة الحسينية المباركة، ويمكننا أن نستقرئ ـ ولو استقراءً ناقصاً ـ أهم الآثار والبركات التي ترجع للمجتمع الإسلامي ـ بل الإنساني ـ ككلّ من جرّاء ممارسة تلك الشعائر، ومنها:

1ـ حفظ الهوية الإسلامية للمجتمع

إذ لا يخفى أنّ أغلب الشعائر الحسينية من زيارات ومجالس و... ممارسات اجتماعية جمعية تضجّ بمفاهيم التوحيد والنبوة و... التي هي (أُصول الدين)، ثمّ إقامة الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر و... وهي (فروع الدين)، فهي عبارة أُخرى عن التذكير بالدين كلّه، وأنّ الحسين(عليه السلام) نهض من أجل ذلك، و«لا شكّ أنّه لا غرض للأئمّة(عليهم السلام) ـ وهم حكماء الأُمّة ـ من الأمر بذلك الاجتماع المحزن، وتذكّر تلك المصيبة المقرحة، في أحوال مخصوصة كثيرة، وزيارته التي لم يكفِهم الترغيب إليها، والمبالغة في ثوابها، حتى حذّروا من تركها، وبعبارة جامعة: ليس أمرهم بتلك الروابط الحسينية إلّا حفظ المذهب من الاندراس، وهو الغاية التي قُتل لها الحسين... [و] إنّ تلك المجالس والمجتمعات ألبستها الأئمّة الأطهار(عليهم السلام) ـ بواسع علمهم وبعد نظرهم للمستقبل ـ لباساً مذهبياً؛ لأنّها السبب الوحيد لاجتماع كلمة الشيعة، ورسوخ عقائدهم»([62]). وفي ذلك حفظ أصل الدين وأساسه القويم.

و«إنّ هذه المنابر والمجالس، والمراسم والشعائر، التي تُقام بهذه المناسبة هي التي حفظت لنا الإسلام خلال ألف وأربعمائة عام»([63]).

بل إنّ الأمر بحدّ ذاته هو حفظ للنهضة الحسينية ـ كما تقدّم ـ الذي هو بعينه حفظ للدين؛ لأنّ النهضة ـ كما قلنا ـ أحد أوجه الدين الناصعة ـ لذا فـ «المحافظة على هذا الحدث المهم [أي النهضة الحسينية] الذي يمثّل أُطروحة إلهية لتوعية الأُمّة الإسلامية، لحفظ الرسالة الخاتمة من الضياع والتشويه والتحريف»([64]).

ولا يختلف عاقلان على أنّ نفس النهضة الحسينية قد أعادت التوازن الديني القيمي للأُمّة الإسلامية، إذ لولاها لأضحى الإسلام المحمدي الأصيل إسلاماً أُموياً محضاً، ومُحيت معالمه الإلهية، وليس هذا فرضاً خيالياً، بل نطق الواقع بذلك، فقد أخرج (البخاري) في كتابه (الصحيح) قول الزهري: «دخلت على أنس بن مالك بدمشق، وهو يبكي، فقلت له: ما يبكيك؟ فقال: لا أعرف شيئاً ممّا أدركت إلّا هذه الصلاة وهذه الصلاة قد ضُيّعت»([65])، وهذا يعني أنّ الإسلام الدمشقي في زمان معاوية ويزيد ومَن تلاهما لم يكن يشبه الإسلام المحمدي، الإسلام آنذاك لم يعد فيه إلّا الاسم فقط، فلولا النهضة الحسينية المباركة لتفرّد بنو أُميّة بالدين كلّه، ولأنتجوا لنا ديناً آخر.

2ـ أثر الشعائر على المجتمع من الناحية السياسية

من الواضح اللائح أنّ الشعائر الحسينية هي «أحد الخطوط الهامّة التي اعتمدها أهل البيت(عليهم السلام) في بناء الجماعة الصالحة عموماً، كما أنّها كانت القاعدة الهامّة التي يرتكز عليها تحرّكهم في الأُمّة؛ لأنّها تستلهم من ثورة الحسين(عليه السلام)، وتمجّدها وتؤكّد أهدافها، فهي أهداف ذات جوانب متعدّدة، سياسية، وثقافية، وعقائدية، وروحية»([66]).

ولشدّة الأثر السياسي العظيم الذي أحدثته النهضة الحسينية المباركة، قال بعضهم: إنّ التشيّع تبلور كقوةٍ سياسية بعد مقتل الإمام الحسين(عليه السلام)([67]).

 ثمَّ للسنخية بين النهضة وبين شعائرها ـ كما تقدّم ـ كان لا بدّ لتلك الشعائر أن يكون لها أعظم الأثر على المجتمع سياسياً وفكرياً.

وللأثر السياسي للشعائر مراتب متعدّدة، تبدأ من الأدنى، ولعلَّ البكاء على الحسين(عليه السلام) هو الحدّ الأدنى من التأثير السياسي؛ إذ البكاء يمثّل رفضاً معمّقاً للظلم،  فـ«البكاء له بعدٌ سياسي؛ لأنّه طريقة فُضلى إنسانية واجتماعية ـ سليمة وهادئة ـ لاستنكار الظلم، والتعبير عن عمق المأساة والمظلومية التي تعرض لها الإمام الحسين(عليه السلام)، وأهدافه النبيلة، وتظهر أهمّية هذا الأُسلوب في هذا البعد السياسي في ظروف المحنة والقمع والإرهاب، عندما تعجز بقية الأساليب عن التعبير عن ذلك»([68])،ثمّ تتدرّج تلك الآثار حتى تصل إلى تعبئة الجماهير نفسياً ومادياً لعملية التغيير والتضحية، وهذا ما حدث في كثير من مواسم الزيارات التي كانت الشرارة الأُولى لتغيير حكم الطواغيت والجبابرة، كما حدث في ثورة التوّابين ـ قديماً، وثورة صفر في العراق عام (1977م)([69]) وما بينهما، وما بعد ذلك من تاريخ طويل عريض من الثورات والانتفاضات، التي قد تحتاج إلى مجلّدات لإحصائها، والتي هزّت عروش الظلمة وقضّت مضاجعهم.

كما أنّ الشعائر أسهمت إسهاماً رائعاً في إثراء «الوعي السياسي للأحداث التي تمرّ بها الأُمّة، خصوصاً في إطار الجماعة الصالحة التي تميّزت من بين جميع المذاهب الإسلامية بهذا الوعي العميق والأصيل للأحداث السياسية»([70])، ولعلّ ذلك من الأسباب التي جعلت الطائفة الحقّة تمتاز بوعي سياسي منقطع النظير، لا تكاد تراه في غيرها من الطوائف، بل وأسهمت تلك الشعائر في توظيف وتوضيح «الرؤية الإسلامية الصحيحة للحكم الإسلامي ومقوّماته، وتشخيص الموقف تجاهه، والقدرة على التمييز بين الصحيح والخطأ في ممارسات هذا الحكم، مع القدرة على تمييز الخطوط الخضراء والحمراء التي يصحّ السكوت عنها؛ رعايةً للمصلحة الإسلامية»([71]).

وليس من المبالغة أو المجاملة أن يقول مؤسّس أهمّ دولة إسلامية في حاضرنا المعاصر(قدس سره): «المهمّ في الأمر هو البعد السياسي لهذه الأدعية وهذه الشعائر، المهمّ هو ذلك التوجّه إلى الله، وتمركز أنظار الناس إلى نقطة واحدة وهدف واحد، وهذا هو الذي يعبّئ الشعب باتّجاه هدف وغاية إسلامية، فمجلس العزاء لا يهدف للبكاء على سيّد الشهداء(عليه السلام) والحصول على الأجر ــ وطبعاً فإنّ هذا حاصلٌ وموجود ــ الأهمّ من ذلك هو البعد السياسي الذي خطّط له أئمّتنا(عليهم السلام) في صدر الإسلام، كي يدوم حتى النهاية، وهو الاجتماع تحت لواءٍ واحد وبهدفٍ واحد، ولا يمكن لأيّ شيءٍ آخر أن يحقّق ذلك بالقدر الذي يفعله عزاء سيّد الشهداء(عليه السلام)»([72]).

3ـ آثار الشعائر ونتائجها على المجتمع من الناحية الاجتماعية

ممّا لا شكّ فيه أنّ الشريعة قد حثّت على بناء العلاقات الاجتماعية الرصينة في المجتمع، وأنّ الله ـ تعالى ـ جعل علاقة المؤمن بالمؤمن كعلاقة الأخ بأخيه قائلاً: (ﯜ ﯝ ﯞ)([73])، كما ندبت الشريعة إلى التزاور والمجالسة والتذاكر بين المؤمنين([74])، فكيف إذا اجتمع كلّ ذلك مع ذكر الله تعالى، وذكر دين الله، وذكر الحسين(عليه السلام) وأولياء الله الصالحين، سواء في مجالس العزاء، أم في المواكب، أم في الزيارات الحسينية.

فلا شكّ حينئذٍ في أنّ البركات التي تعمّ تلك المجالس ـ سواء البركات الدنيوية أم الأُخروية، والمادية أم المعنوية ـ ممّا يعسر الإحاطة بها.

فالحفاظ على بنية المجتمع كوحدة واحدة، ونسيج متجانس، هي واحدة من أهداف الشعائر الحسينية، بما حوته من تلاقٍ وتزاور وتعارف «وكثيراً ما كانت المجالس الحسينية سبباً أساسياً في تعارف أبناء المجتمع مع بعضهم بعضاً، وإزالة أسباب الخصومات التي قد تنشأ في غمرة مشاكل الحياة الكثيرة، كما أنّ هذه المجالس تُشْعِرُ الجميعَ بالوحدة والوقوف صفّاً واحداً حول نصرة الدين الإسلامي الحنيف، إضافةً إلى ذلك فإنّ الأيتام والأرامل والفقراء والمساكين ـ وما أكثرهم في يومنا هذا ـ يحضَون برعاية خاصّة عند إقامة مجالس العزاء الحسينية، وكذلك الأُسر الفقيرة والمتعفّفة، ومَن تأبى نفسُهُ سؤال الناس لحاجة، فيشملهم الإمام الحسين(عليه السلام) ـ عن طريق مجالس عزائه ـ بالودّ والرحمة وبذل المال والطعام والاحترام، بل تعدّى الأمر إلى أن أصبح للمجالس الحسينية آثار على التقارب بين الأُسر والقبائل، عن طريق المصاهرات والزيجات بين العوائل»([75]).

«ولم تقف آثار المجالس الحسينية في العلاقات الاجتماعية إلى هذا الحد، بل تعدّته إلى زيادة أواصر المحبّة والأُلفة، والتعاون بين الشيعة وغيرهم من أصحاب المذاهب الإسلامية المعتدلة والديانات الأُخرى، الذين وجدوا في الإمام الحسين(عليه السلام) الراية التي يجب على الجميع الوقوف خلفها والاقتداء بصاحبها، لنشر العدل والمساواة بين البشر، فشاركوا الإمامية في إقامة مجالس العزاء، وخدمة المعزّين وزوار أبي عبد الله الحسين(عليه السلام)، لا سيما في شهر محرم الحرام وما تبعه من أيّام كانت شاهدة على الفاجعة التي ألمّت بآل بيت النبي محمد‘، فكان ذلك سبباً في أن يعي أصحاب المذاهب والديانات الأُخرى ـ مثل المسيحية، والصابئة المندائيين، والإزيديين، وغيرهم ـ فكر أهل البيت(عليهم السلام) والأهداف التي جعلت الإمام الحسين(عليه السلام) يخرج متحدّياً الظلم والاستبداد؛ فكان ذلك سبباً رئيساً في تحسين العلاقات الاجتماعية بين المجتمعات في جميع دول العالم، لا سيما الإسلامية منها»([76]).

 وبذلك تمكنت الشعائر من «المحافظة على العلاقات الإنسانية و الاجتماعية بين أفراد الجماعة الصالحة، ومَن يتفاعل معها من المسلمين... فقد أصبحت المجالس الحسينية [باعتبارها من أهمّ الشعائر] مجالاً لتأكيد هذه العلاقات، وتمتين أواصر المحبّة والصلة بين أفراد الجماعة، وفرصةً للتعبير عن روح التعاون والأُخوّة... وقد حفظ هذا البعد في التخطيط وحدة الجماعة الصالحة في حركتها الاجتماعية والإنسانية»([77]).

بل«إذا أردنا أن ندرس الشعائر الحسينية دراسةً شاملةً: فلا بدّ أن ندرسها في إطار بحث العولمة، وذلك بسبب وجود حالة الانفتاح والحوار بين الأُمم، ويمكننا أن ندرس الخطاب الحسيني في إطار العولمة؛ باعتبار أنّ الإمام الحسين(عليه السلام) إمامٌ معصوم، وهو القرآن الناطق»([78])، على أساس مجتمعٍ إنسانيٍّ واحد، تذوب فيه الفوارق القومية أو الجغرافية أو العِرقية.

4 ـ آثار الشعائر ونتائجها على المجتمع من الناحية الاقتصادية

إنّ أهمّ عنصر ممكن أن يلحظ في هذا الشق هو حثّ الشعائر على مسألة البذل في سبيل الله، والإنفاق في إحياء أمر الله تعالى؛ إذ ممّا لا شكّ فيه أنّ البذل في هذا السبيل هو بذلٌ في أمرٍ راجح محبّب عند الله تعالى، بل العقل حاكمٌ بذلك، فلا يختلف عاقلان أنّ الإطعام ـ مثلاً ـ أمر محبّب عند جميع العقلاء، وبذل المال في سبيل ذلك وفي سبيل إحياء ذكرى رمزٍ من رموز الصلاح والتقوى أمرٌ راجحٌ لا محالة.

ولعلّ أهمّ ما يبرز في ذلك هو مسألة التكافل الاجتماعي، الذي يظهر جلياً بأبهى صوره في كثيرٍ من الشعائر، فترى الجميع صغاراً وكباراً، نساءً ورجالاً، يشعرون بأنهم مكلّفون وموظّفون بالبذل بما جادت به أيديهم، كلّ ذلك حبّاً منهم للحسين(عليه السلام)، وتمسّكاً بحبل ولائه المتين.

ومن المُلفت للنظر عدم وجود إعداد وتحضير مُسبقَين لمعظم الظواهر والنشاطات الاقتصادية في الشعائر الحسينية، بل هي في الأعمّ الأغلب جهود فردية بحتة، فما هي تلك الطاقة الكامنة العظيمة التي أودعها الحسين(عليه السلام) في قلوب أحبّائه؟ وأيّ بركةٍ للشعائر التي حرّرت تلك الطاقة الكامنة؟

ففي إحصائيات شبه رسمية، وصل عدد المواكب والهيئات المسجّلة لدى المؤسّسات المعنية إلى ما يقارب الـ(24000)([79]) موكب وهيئة عزائية ـ هذا في العراق فقط، أمّا في خارجه فالأمر متعسّر الضبط والإحصاء ـ أضِف إلى ذلك (المضائف الخدمية) التي تقدّم الخدمة للزوار المشاة على مجموع الطرق المؤدّية لضريح الإمام الحسين(عليه السلام)، التي بلغ عددها ما يقرب من (ثلاثة ملايين)([80])، وللقارئ أن يتصوّر مقدار ما يُبذل في العام الواحد من خدمات متنوّعة، فأيّ نظام يضاهي النظام الاقتصادي الحسيني، فهو نظام التكافل الاجتماعي بكلّ ما للكلمة من معنى.

وتعدّى الأمر حدود ذلك ليصل إلى مساهمة الشعائر بإعادة التوازن الاستراتيجي المجتمعي ـ العسكري والأمني ـ لأتباع الحسين(عليه السلام) ومحبّيه، وخير مصداق لذلك في عصرنا الحاضر ما حصل للحشد الشعبي المبارك، ووقوف المواكب الحسينية ـ متّكئةً على الشعائر الحسينية ـ في دعمها له في مواجهة الإرهاب الداعشي، وهذه الظاهرة ـ بحدّ ذاتها ـ تحتاج إلى دراسة معمّقة، ونحن بدورنا ندعو المختصّين لتوثيق ودراسة ذلك بجِدٍّ وعلمية.

أو ظاهرة تكفّل العوائل المهجّرة قسراً بفعل الإرهاب الداعشي، والتي احتضنتها المواكب والهيئات الحسينية، إسكاناً وإطعاماً وقضاء حوائج لا تُعدّ ولا تُحصى([81])، وهو ما تعجز عنه دول بعدّتها وعديدها.

وختاماً ينبغي القول: إنّ هناك الكثير ممّن أراد تحليل الشعائر الحسينية، وربطها بالعلوم الأكاديمية النظرية، كعلم الاجتماع، وعلم النفس، وعلم الاقتصاد، وعلم السياسة، وكان القاسم المشترك للكثير من تلك التحليلات هو نسيانها للبعد الغيبي، والإرادة الإلهية لتلك الشعائر، فالبعد الغيبي والدفع الرباني ـ تشريعاً وتكويناً ـ هو الخطوة المحدّدة للتفاعل، على حدّ تعبير أهل الكيمياء الحديثة، فهو المحرّك الأساس الذي لو رُفع ـ جدلاً ـ لماتت تلك الشعائر، وخَبَت جذوتها، وعليه يجب حساب تلك الخطوة دقيقاً قبل أيّ تحليلٍ علمي أكاديمي، ولا ينبغي إغفال ذلك مطلقاً.

 

 

 

 

 


([1])* دكتوراه في الفقه الإسلامي، من العراق.

([2]) إشارة إلى قول النبي‘ للحسين(عليه السلام) حين دخوله عليه: «مرحباً بك يا أبا عبدالله، يا زين السماوات والأرضين...». الصدوق، محمد بن علي، عيون أخبار الرضا: ج1، ص62.

([3]) الكوراني، علي، الحقّ المبين (مجموعة بحوث مستفادة من محاضرات آية الله العظمى وحيد الخراساني): ص232.

([4]) لمّا وُلد الحسين(عليه السلام) قال رسول الله‘ لأسماء: «هلُمّي ابني... ووضعه في حجره فبكى، فقالت أسماء: قلت: فداك أبي وأُمّي، ممَّ بكاؤك؟ قال: على ابني هذا... تقتله الفئة الباغية من بعدي، لا أنالهم الله شفاعتي». المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج43، ص239، وأيضاً عن أمير المؤمنين علي(عليه السلام) قال: «دخلت على النبي‘ ذات يوم وعيناه تذرفان... فحدّثني أنّ الحسين يُقتل بشطّ الفرات...». الهیثمي، علي بن أبي بكر، مجمع الزوائد: ج9، ص187.

([5]) الحكيم، محمد باقر، دور أهل البيت(عليهم السلام) في بناء الجماعة الصالحة: ج1، ص144.

([6]) اُنظر: ابن قولويه، جعفر بن محمد، كامل الزيارات: ص201 فما بعد.

([7]) اُنظر: المصدر السابق: ص410.

([8]) كقول معاوية في کتابٍ بعثه للإمام الحسین(عليه السلام): «إنّي لأظنّ أنّ في رأسك نزوة، فوددت أنّي أدركتها فأغفرها لك». ابن کثیر، إسماعيل بن عمر، البداية والنهاية: ج8، ص175.

([9]) إنّ المُراجِع لتاريخ ابن كثير مثلاً المسمّى بـ(البداية والنهاية)، ليرى العجب العجاب من الأكاذيب التي حاولت تشويه شخصية سبط النبي المصطفى وخامس أهل الكساء وسيد الشهداء(عليه السلام)، فهناك جملة من الأكاذيب التي يقطع المنصف بوضعها وتلفيقها خدمة لبني أُميّة، وتزلّفاً لدنياهم ودرهمهم، وخوفاً من سيفهم وسوطهم، فتارةً: تصف تلك الأكاذيب بأنّ الحسين(عليه السلام) قليل الدراية والمعرفة بأهل زمانه، وأُخرى بأنه خارج على إمامه الشرعي، وثالثة بأنّ خروجه فتنة. اُنظر: ابن كثير، إسماعيل بن عمر، البداية النهاية: ج8، ص175، فما بعد. و«تتبنّى الحركة الوهابية اليوم هذا النوع من التفسير مع تخفيف الخطاب، قال الشيخ الخضري ـ المؤلّف المصري ـ في كتابه (الدولة الأُموية): «وعلى الجملة، فإنّ الحسين أخطأ خطأً عظيماً في خروجه هذا، الذي جرَّ على الأُمة وبال الفرقة والاختلاف...». البدري، سامي، النهضة الحسينية في ضوء الإعلام الإمامي والعباسي والأُموي: ص5 ـ 6.

([10]) ابن كثير، إسماعيل بن عمر، البداية والنهاية: ج7، ص175.

([11]) ابن قولویه، جعفر بن محمد، كامل الزيارات: ص207.

([12]) وهو قول ابن عمر، على ما نقله عنه ابن كثير وغيره. اُنظر: ابن كثير، إسماعيل بن عمر، البداية والنهاية: ج8، ص175.

([13]) ابن قولويه، جعفر بن محمد، كامل الزيارات: ص360.

([14]) المصدر السابق: ص207.

([15]) المصدر السابق: ص360.

([16]) المصدر السابق: ص371 ـ 372.

([17]) اُنظر: ابن كثير، إسماعيل بن عمر، البداية والنهاية: ج8، ص175ـ 176.

([18]) اُنظر: المصدر السابق.

([19]) اُنظر: المصدر السابق.

([20]) اُنظر: المصدر السابق.

([21]) جعفر، محمد باقر، الشعائر الحسينية في العصرين الأُموي والعباسي: ص150.

([22]) الحرّاني، ابن شعبة، تحف العقول: ص39.

([23]) المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج43، ص329.

([24]) لقد أخرج ابن عساكر في تاريخ دمشق ـ في ترجمة الإمام الحسين(عليه السلام) ـ ما يناهز الثلاثمائة رواية في بكاء النبي‘ على ولده الحسين(عليه السلام)، وأنّه مقتولٌ بشطّ الفرات، وقال ابن عساكر ما نصّه: «ما ورد عن النبي‘ بنحو التواتر عن شهادة ريحانته الإمام الحسين(عليه السلام) بكربلاء، أو بأرض الطف، وبكائه عليه قبل وقوع الحادثة». ابن عساکر، علي بن الحسن، ترجمة الإمام الحسين(عليه السلام) من تاريخ دمشق: ص236. 

([25]) السند، محمد، الحداثة العولمة الإرهاب في ميزان النهضة الحسينية: ص233.

([26]) قال الشيخ الصدوق(رحمه الله): «... بل روي في بعض الأخبار عن غيرنا أنّ عيسى بن مريم(عليه السلام) مرَّ بكربلاء، وبكى بها، وبكى معه الحواريون، بعد أن قصَّ عليهم ما سيجري على الحسين(عليه السلام)». الصدوق، محمد ابن علي، كمال الدين وتمام النعمة: ص531.

([27]) مركز الأبحاث العقائدية، موسوعة (من حياة المستبصرين): ج1، ص537.

([28]) وهو ما ورد في زيارة وارث من قوله(عليه السلام): «السلام عليكم يا أنصار أبي عبد الله، بأبي أنتم وأُمّي، طِبتم وطابت الأرض التي فيها دُفنتم...». الشهيد الأوّل، محمد بن مكي، المزار: ص129.

([29]) وهو ما ورد في نص زيارة عاشوراء، اُنظر: الطوسي، محمد بن الحسن، مصباح المتهجّد: ص766.

([30]) المصدر السابق: ص720.

([31]) الفيض الكاشاني، محمد محسن، الوافي: ج14، ص1582.

([32]) الطوسي، محمد بن الحسن، مصباح المتهجّد: ص775.

([33]) المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج99، ص86.

([34]) الحكيم، محمد باقر، دور أهل البيت(عليهم السلام) في بناء الجماعة الصالحة: ج1، ص204.

([35]) الحكيم، محمد باقر، ثورة الحسين: النظرية، الموقف، النتائج: ص19.

([36]) الفتال النيسابوري، محمد، روضة الواعظين: ص191.

([37]) اُنظر في ذلك: الحكيم، محمد باقر، ثورة الحسين: النظرية، الموقف، النتائج: ص20، فما بعد.

([38]) الكفعمي، إبراهيم، البلد الأمين والدرع الحصين: ص280.

([39]) المصدر السابق: ص281.

([40]) المصدر السابق: ص283.

([41]) شمس الدين، محمد مهدي، واقعة كربلاء في الوجدان الشعبي: ص93.

([42]) المصدر السابق: ص61.

([43]) ابن قولويه، جعفر بن محمد، كامل الزيارات: ص370.

([44]) اُنظر: المصدر السابق: ص316 ـ 349.

([45]) اُنظر: المصدر السابق: ص361.

([46]) اُنظر: المصدر السابق: ص364.

([47]) الصدوق، محمد بن علي، الأمالي: ص131.

([48]) ابن قولويه، جعفر بن محمد، كامل الزيارات: ص360.

([49]) شمس الدين، محمد مهدي، واقعة كربلاء في الوجدان الشعبي: ص96.

([50]) الطوسي، محمد بن الحسن، مصباح المتهجد: ص774.

([51]) المدني، علي خان، الدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة: ص568.

([52]) الأمين، حسن، مستدركات أعيان الشيعة: ج1، ص63.

([53]) هو عبد الزهراء بن الشيخ فلاح الكعبي، نسبه إلى قبيلة كعب، وُلِد في كربلاء سنة 1327هـ.ق، ودرس فيها، وهو من أشهر خطباء المنبر الحسيني، ومن أشهر مجالسه قراءة نص مقتل الحسين(عليه السلام) في يوم العاشر من المحرم، وقراءته للمقتل تلك كانت ولا تزال تذاع من دار الإذاعة العراقية، توفّي سنة 1394هـ. اُنظر: الجلالي، محمد حسين، فهرس التراث: ج2، ص537.

([54]) عبد الحميد، صائب، منهج في الانتماء المذهبي: ص31 ـ 34.

([55]) اسمه (آتوماني محمد) من دولة جزر القمر، وكان شافعي المذهب.

([56]) مركز الأبحاث العقائدية، موسوعة من حياة المستبصرين: ج1، ص54.

([57]) المصدر السابق: ص58.

([58]) واسمه (حافظ سيف الله حفيظ الله) من دولة الهند، وكان وهابي الانتماء.

([59]) مركز الأبحاث العقائدية، موسوعة من حياة المستبصرين: ج1، ص182 ـ 192، تحت ترجمة حافظ سيف الله.

([60]) المصدر السابق: ج6، ص275، تحت ترجمة (نوئيل ماهوني).

([61]) اُنظر: المصدر السابق.

([62]) المظفر، حسن عبد المهدي، نصرة المظلوم: ص7.

([63]) من کلام لآیة الله العظمى السیّد الخمیني(رحمه الله). اُنظر: مجلة الثقافة الإسلامية: العدد44، ص12.

([64]) الحكيم، محمد باقر، دور أهل البيت في بناء الجماعة الصالحة: ج1، ص156.

([65]) البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري: ج1، ص134، ح507.

([66]) الحكيم، محمد باقر، دور أهل البيت في بناء الجماعة الصالحة: ج1، ص143.

([67]) قال العلّامة الشيخ أحمد الوائلي(رحمه الله) وهو يعدّد الآراء المطروحة تاريخياً في نشوء التشيع، قال: « د ـ [أي الرأي الرابع من الآراء] الرأي الذي يذهب إلى أنّ ظهور التشيّع كان بعد واقعة الطف على اختلاف في الكيفية، بين الذاهبين لهذا الرأي؛ حيث يرى بعضهم أنّ بوادر التشيع التي سبقت واقعة الطف لم تصل إلى حدّ تكوين مذهب متميّز له طابعه وخواصّه، وإنّما حدث ذلك بعد واقعة الطف، بينما يذهب آخرون إلى أنّ وجود المذهب قبل واقعة الطف كان لا يعدو النزعة الروحية، ولكن بعد واقعة الطف أخذ طابعاً سياسياً، وعمّقت جذوره في النفوس وتحدّدت أبعاده إلى كثير من المضامين، وكثير من المستشرقين يذهبون لهذا الرأي، وأغلب المحدثين من الكُتّاب». الوائلي، أحمد، هوية التشيع: ص26.

([68]) الحكيم، محمد باقر، دور أهل البيت(عليهم السلام) في بناء الجماعة الصالحة: ج1، ص148.

([69]) اُنظر: العارضي، محسن جبار، مقال: (نافذة على التاريخ السياسي للعراق المعاصر من الاحتلال البريطاني إلى الاحتلال الأمريكي، القسم السادس)، صحيفة الزمان، بتاريخ: 8/2/2016م.

([70]) الحكيم، محمد باقر، دور أهل البيت في بناء الجماعة الصالحة: ج1، ص159.

([71]) المصدر السابق.

([72]) من كلام لآية الله العظمى السيد الموسوي الخميني(قدس سره). اُنظر: موقع: imam-khomeini.com.

([73]) الحجرات: آية10.

([74]) كما في قول الإمام الصادق(عليه السلام): «تجلسون وتتحدّثون...إنّ تلك المجالس أُحبّها...». ابن إدريس الحلي، محمد، مستطرفات السرائر: ص229، وقول الإمام الجواد(عليه السلام): «رحم الله عبداً أحيى ذكرنا، قلت: وما إحياء ذكركم؟ قال: التلاقي والتذاكر عند أهل الثبات». الصدوق، محمد بن علي، مصادقة الإخوان: ص32.

([75]) السلطاني، حيدر عامر، مقال بعنوان: المجالس الحسينية وآثارها الاجتماعية والدولية: موقع: imamhussain.org.

([76]) المصدر السابق.

([77]) الحكيم، محمد باقر، دور أهل البيت(عليهم السلام) في بناء الجماعة الصالحة: ج1، ص159.

([78]) السند، محمد، بحوث معاصرة في الساحة الدولية: ص213.

([79]) ) اُنظر: موقع الولاية الإخباري: Ahrar.imamhussain.org.

([80]) اُنظر: موقع: Arabic.tebyan.net.

([81]) اُنظر: موقع الكفيل: Alkafeel.net. وموقع وزارة الهجرة والمهجّرين العراقية: Momd.gov.iq.

 
 
البرمجة والتصميم بواسطة : MWD