1439 / ربیع‌الاول / 5  |  2017 / 11 / 24         الزيارات : 483730         صلاة الصبح |         صلاة الظهر والعصر |         صلاة المغرب والعشاء |

الحاضنة التاريخية لمراسم عزاء الإمام الحسين عليه السلام عند أهل السنّة

{ الشيخ رسول جعفريّان - تعريب: حسن مطر }
الحاضنة التاريخية لمراسم عزاء الإمام الحسين عليه السلام عند أهل السنّة

المدخل  ([1])

من نتائج نهضة الإمام الحسين(عليه السلام) عبر التاريخ اندلاع الكثير من الثورات العلوية في أواخر العصر الأُموي، ومن بعده العصر العباسي، وقد جاءت هذه الثورات بوصفها امتداداً طبيعياً للملحمة الحسينية الخالدة في كربلاء، حيث واصل العلويون تحركاتهم الثورية على خطى كربلاء، مؤكّدين بذلك حقّهم في الإمامة والخلافة دون غيرهم.

وقد قاد زيد بن الإمام علي (حفيد الإمام الحسين(عليه السلام)) أوّل ثورة علوية مهمّة بعد واقعة كربلاء سنة (122هـ)، ثمّ تسلّم القيادة من بعده نجله يحيى بن زيد الذي استُشهد في خراسان سنة (126هـ)، وبعد ظهور العباسيين واصل العلويون نشاطهم الثوري هذه المرّة ضدّ العباسيين، ومنذ ذلك الحين ظهرت فرقتان بين العلويين، وهما: الحسنيّون والحسينيون، فمن المسلّم به أنّ ثورة الطف في كربلاء كانت بقيادة الإمام الحسين(عليه السلام)، بيد أنّه ممن استُشهد في كربلاء أيضاً القاسم وعبد الله، وهما من أولاد الإمام الحسن(عليه السلام).

بعد ظهور العباسيين، تبلور تيّار الزيدية بقيادة الحسنيين الثوريين، وفي المقابل بادر الحسينيون ـ أو أكثرهم ـ إلى اتّباع منهج المذهب الإمامي، وانشغلوا بالنشاطات الفكرية والفقهية والكلامية.

وعلى كل حال، فقد استمرت الحركة الزيدية، وكان من أبرز سمات هذه الحركة مقارنة بنشاط الإمامية، أنها حافظت ـ أولاً ـ على المنهج الثوري الذي بدأ الإمامية يتجنبونه بحسب الظاهر، والأمر الآخر الذي ميّز التيار الزيدي يكمن في عدم التشدّد في المسائل الكلامية والفقهية، وهذه حقيقة، فحتى ذلك العهد كان الزيدية شيعة يحتفظون بآراء الإمامية في مسائل من قبيل، قول: «حي على خير العمل» في الأذان، حتّى بدأوا فيما بعد يقتربون إلى حدّ كبير من الفقه الحنفي.

وإنّ دراسة السيرة الذاتية لعلماء القرن الخامس الهجري، تثبت بوضوح أنّ الزيدية كانت المحطة التي التقى عندها الأحناف والمعتزلة، وبعبارة أُخرى: إنّ الزيدية كانوا أحنافاً في كثير من المسائل الفقهية، ومعتزلة من الناحية الكلامية، وبطبيعة الحال فإنّ جميع الأحناف ليسوا زيدية ولا معتزلة؛ وإنما اختاروا لأنفسهم منهجاً آخر، ولم يتبعوا أبا حنيفة في الكلام والسياسة، بل اتبعوه في الفتاوى الفقهية فقط.

تكمن الإجابة عن أسباب التقاء الزيدية والأحناف والمعتزلة، في المتغيّرات الثورية والفكرية في أواسط القرن الثاني الهجري، ففي تلك الفترة اندلعت ثورتان زيديتان في كل من البصرة والمدينة المنوّرة عام (145و146هـ)، كانت إحداهما بقيادة محمد بن عبد الله المعروف بـ (النفس الزكية)، وقاد الأُخرى أخوه إبراهيم، وفي ثورة إبراهيم التي قادها في العراق، أفتى أبو حنيفة بوجوب الخروج معه ونصرته، كما فعل الشيء ذاته أغلب فقهاء العراق، بل هناك مَن شارك منهم فيها وقُتل، كما عمد بعض كبار المعتزلة إلى دعم هذه الثورة، وبالتدريج أدّى هذا التقارب إلى انتشار الفقه الحنفي والكلام المعتزلي في وسط الزيدية.

إنّ هذا المسار الذي امتد إلى القرن السابع الهجري يحتاج إلى المزيد من الدراسة التاريخية، وفي مطلع القرن الهجري الرابع قام ابن عقدة (ت333هـ) ـ وهو من أكبر المحدّثين في العالم الإسلامي، وكان على المذهب الشيعي الزيدي الجارودي ـ بتأليف كتاب (أخبار أبي حنيفة ومسنده)، ولا زال الكثير من مسائله موجوداً([2])، ومن أبرز وأوضح المصاديق لهذه الحقيقة، موفق بن أحمد الخوارزمي الحنفي (ت 568هـ)؛ حيث كان حنفياً معتزلاً وزيدياً في الوقت نفسه، وهو خطيب خوارزم الشهير في النصف الأوّل من القرن السادس الهجري، ومؤلّف كتاب (مقتل الحسين) الذي سنعرّف به لاحقاً.

والذي يحظى باهتمامنا هنا مجاراة أبي حنيفة لثورات العلويين، التي أدّت فيما بعد إلى مجاراة بعض الأحناف لهذه الثورات، وإن لم تحظ بينهم بمكانتها المناسبة، وبعبارة أُخرى: إنّ المنحى الثوري لأبي حنيفة ـ على ما سيأتي بيانه ـ لم يُحافَظ عليه من قبل أتباعه من الأحناف، ولا شك في أنّ هذا المقال المقتضب لا يسعه أن يستوعب المزيد من الكلام في هذا الشأن، وكل ما يمكننا بحثه هو مجاراة أبي حنيفة لثورة زيد بن علي وإبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسن.

أبو حنيفة شيعي زيدي!

لعل من الضروري ابتداء تقديم توضيح لمصطلح (الشيعة الزيدية)، فنقول: يمكن القول إجمالاً وبشكل صريح: إنّ مصطلح الشيعي الزيدي يمكن إطلاقه ـ بشيء من التسامح ـ على الذي يقف إلى جانب الثورات الزيدية، ويؤيّد الإمامة السياسية للعلويين.

وعليه؛ ليس من الضروري أن يعتنق هذا الشخص العقائد الشيعية، وإنما يكفي فيه أن يوالي الدولة العلوية من الناحية السياسية، ولو ابتعدنا عن هذا التسامح فإن مصطلح الشيعي الزيدي إنما يطلق ـ بطبيعة الحال ـ على الذي يتبنّى مزيجاً من الفقه الشيعي والفقه الحنفي والكلام المعتزلي، ولا سيما في القرن الثالث الهجري فما بعد، أما في عصر أبي حنيفة ـ حيث كان العهد قريباً من ثورة زيد بن علي ـ فلم تكن هذه العقائد قد تبلورت بعد على شكل فرقة مذهبية، من قبيل: الزيدية.

وعلى هذا الأساس؛ يمكن القول: بأنّنا عندما نعدّ شخصاً مثل أبي حنيفة شيعياً زيدياً، نحتاج في إثبات ذلك إلى أدلة وشواهد تثبت أنه كان مؤيداً للقيادة العلوية في العصر العباسي، وأول شاهد على ذلك دفاعه عن زيد بن علي في ثورته ضد الدولة الأُموية في الكوفة سنة (122هـ)، وقد شارك في هذه الثورة الكثير من الشخصيات والعلماء الكبار في العراق.

والرواية المسندة والموثوقة الواردة في هذا الشأن ما نجده في كتاب (مقاتل الطالبيين) لأبي الفرج علي بن الحسين الأُموي الإصفهاني (284ـ 356 هـ)، وهو ـ بالمناسبة ـ أُموي النسب، ولكنه علوي العقيدة؛ حيث يقول نقلاً عن الفضيل بن الزبير: «قال أبو حنيفة: مَن يأتي زيداً في هذا الشأن من فقهاء الناس؟ قال: قلت: سليمة ابن كهيل، ويزيد بن أبي زياد، وهارون بن سعد، وهاشم بن البريد، وأبو هاشم الرماني، والحجاج بن دينار، وغيرهم.

فقال لي: قل لزيد: لك عندي معونة وقوّة على جهاد عدوك، فاستعن بها أنت وأصحابك في الكراع والسلاح. ثم بعث ذلك معي إلى زيد، فأخذه زيد»([3]).

أما في العصر العباسي، فقد تحدّث أبو الفرج عن دعم أبي حنيفة لثورة إبراهيم بن عبد الله العلوي؛ حيث خرج في البصرة سنة (146هـ)، وقد سبقه أخوه (ذو النفس الزكية) في المدينة المنوّرة بسنة، وذلك في عام (145هـ)، وقد قُمعت ثورته. وهناك عدّة شواهد على دعم أبي حنيفة لثورة إبراهيم بن عبد الله العلوي، أوّلها ما جاء في رواية زفر بن هذيل، أنه قال: «كان أبو حنيفة يجهر في أمر إبراهيم جهراً شديداً، ويفتي الناس بالخروج معه»([4])، وأضاف قائلاً: «وكتب إليه هو [أبو حنيفة] ومسعر بن كدام يدعوانه إلى أن يقصد الكوفة، ويضمنا له نصرتهما ومعونتهما، وإخراج أهل الكوفة معه، فكانت المرجئة تعيبهما بذلك»([5])، وذكر في موضع آخر: «وكانت المرجئة تنكر ذلك على أبي حنيفة، وتعيبه به»([6]).

 وفي رواية أُخرى عن أبي إسحاق الفزاري، أنه قال: «جئت إلى أبي حنيفة، فقلت له: ما اتقيت الله حيث أفتيت أخي بالخروج مع إبراهيم بن عبد الله بن الحسن حتى قُتل؟! فقال: قتل أخيك حيث قُتل يعدل قتله لو قُتل يوم بدر، وشهادته مع إبراهيم خير له من الحياة. قلت له: ما منعك أنت من ذاك؟ قال: ودائع للناس كانت عندي»([7]).

وفي رواية أُخرى: «عن أبي إسحاق الفزاري، واسمه إبراهيم بن محمد بن الحرث بن أسماء بن حارثة، قال: لما خرج إبراهيم ذهب أخي إلى أبي حنيفة فاستفتاه، فأشار عليه بالخروج، فقُتل معه، فلا أُحبّ أبا حنيفة أبداً»([8]).

وعن عبد الله بن إدريس أنه قال أيضاً: «سمعت أبا حنيفة، وهو قائم على درجته، ورجلان يستفتيانه في الخروج مع إبراهيم، وهو يقول: أُخرجا»([9]).

هذا، وقد روى أبو الفرج الإصفهاني بسنده عن محمد بن منصور الرازي، عن مشايخه، قال: «إنّ أبا حنيفة كتب إلى إبراهيم بن عبد الله لما توجّه إلى عيسى بن موسى: إذا أظفرك الله بعيسى وأصحابه، فلا تسرْ فيهم سيرة أبيك في أهل الجمل؛ فإنّه لم يقتل المنهزم، ولم يأخذ الأموال، ولم يتبع مدبراً، ولم يذفف على جريح؛ لأنّ القوم لم يكن لهم فئة، ولكن سرْ فيهم بسيرة يوم صفين، فإنّه سبى الذرّية، وذفف على الجريح، وقسّم الغنيمة؛ لأنّ أهل الشام كانت لهم فئة، وكانوا في بلادهم. فظفر أبو جعفر بكتابه، فسيره وبعث إليه فأشخصه، وسقاه شربة فمات منها، ودُفن ببغداد»([10]). وقد ذكر أبو الفرج رواية أُخرى بشأن وفاة أبي حنيفة متأثراً بسم سقاه إياه المنصور([11]).

وعن إبراهيم بن سويد الحنفي، قال: «سألت أبا حنيفة، وكان لي مكرماً أيام إبراهيم، قلت: أيّهما أحبّ إليك بعد حجّة الإسلام: الخروج إلى هذا أو الحج؟ فقال: غزوة بعد حجّة الإسلام أفضل من خمسين حجّة»([12]).

 وعنه أيضاً: «جاءت امرأة إلى أبي حنيفة أيام إبراهيم، فقالت: إن ابني يريد هذا الرجل، وأنا أمنعه. فقال: لا تمنعيه»([13]).

 وعن حماد بن أعين، أنه قال: «كان أبو حنيفة يحضّ الناس على الخروج مع إبراهيم، ويأمرهم باتّباعه»([14]).

حدود الشيّع والتسنّن منذ القرن الثالث الهجري فما بعد

يجب القول من الناحية التاريخية: إنّه إلى جوار انتشار العثمانية في القرون الإسلامية الأُولى، متمثلة بأُولئك الذين كانوا ينكرون خلافة الإمام علي(عليه السلام) من الأساس، كان هناك من علماء الإسلام ـ ولا سيما في العراق ـ رجال أصرّوا على نشر الروايات المأثورة عن النبي الأكرم‘ في فضائل الإمام علي(عليه السلام) وسائر الأئمة من أهل البيت(عليهم السلام)، وقد وُصِف هؤلاء في الكتب الرجالية المتقدّمة لأهل السنَّة بعبارة: «فيه تشيُّع»، ولم ينكروا عليهم سوى روايتهم لفضائل أهل البيت(عليهم السلام). هذا في حين أنّ الكثير منهم كانوا من العلماء والمحدّثين البارزين من أهل السنَّة، وقد وردت أسماؤهم في أسانيد كتاب مسلم والبخاري، حيث رويا من طرقهم الكثير من الأحاديث.

وفي كُتيِّب له يحمل عنوان (الاختلاف في اللفظ) ينتقد ابن قتيبة ـ وهو من علماء أواسط القرن الثالث الهجري ـ بشدّة أهل الحديث في زمانه، وفي الواقع ينتقد الجماعة التي تنتمي إلى العثمانية منهم؛ وذلك بسبب إنكارهم للروايات الواردة في فضائل الإمام علي(عليه السلام). وإنّ نظرة واحدة إلى كتاب (ميزان الاعتدال) لشمس الدين الذهبي، تكفي للوقوف على مئات المحدّثين الذين اتُهموا بالتشيّع لمجرّد نقلهم فضائل أهل البيت(عليهم السلام).

وفي سياق هذا التوجّه المتطرّف من قِبل أهل الحديث، يُعتبر أحمد بن حنبل ـ وهو من أبرز علماء أهل الحديث ـ منعطفاً كبيراً من حيث الاهتمام بفضائل الإمام علي(عليه السلام)، وتثبيته بوصفه خليفة رابعاً بين أهل السنَّة في إطار ما يُسمّى بـ(عقيدة التربيع)، فقد ذكر في مسنده الكثير من الروايات في فضائل أهل البيت(عليهم السلام)، وهي للأسف الشديد روايات لم يرد ذكرها في الصحيحين، وسائر كتب الصحاح والسنن الأُخرى!

وعلاوة على ما ذكره ابن حنبل في مسنده، أورد كذلك في كتابه (فضائل الصحابة) العديد من الروايات في فضائل أهل البيت(عليهم السلام)، ولا سيّما حديث الغدير الذي ذكره من طرق متعدّدة، وبذلك بذل مجهوداً يستحق الثناء والتقدير في تعديل مذهب العثمانية([15]).

وبعد ذلك خفّف الحنابلة في بغداد من حدّة تشدّدهم وتعصّبهم، وبمرور الأيام تأقلموا مع الأجواء الشيعية الناتجة عن ظهور البويهيين في بغداد، بعد أن كانوا يبدون في بداية الأمر مقاومة كبيرة، فقد كانت المواجهات تحتدم بسبب إقامة الشيعة لمراسم العزاء في عاشوراء على مدى مائة وخمسين سنة، بيد أنّ نشر فضائل الإمام علي(عليه السلام) وأهل البيت(عليهم السلام) بين أهل السنّة ـ الذي بدأ بأحمد بن حنبل ـ قد أسهم في التخفيف من عصبيّتهم وتشدّدهم، ففي نهاية القرن الثالث الهجري قام الحنابلة بطرد محمد ابن جرير الطبري ـ المؤرّخ الشهير في العالم الإسلامي ـ بسبب جمعه لطرق حديث الغدير، ولكنهم تخلّوا فيما بعد عن تشدّدهم في القرن الخامس الهجري، وحدث نوع من التعايش السلمي بينهم وبين أتباع المذهب الشيعي.

وعلى كل حال، فبعد أن فترت حدّة النزاع في القرن السادس الهجري، شهدت عملية تأليف الكتب في فضائل أهل البيت(عليهم السلام) وتيرة متسارعة، وظهرت آثار الاعتدال بين أهل السنَّة في التعاطي مع أهل البيت(عليهم السلام) بشكل ملحوظ.

ويُعدّ ظهور سبط بن الجوزي ـ الذي كان حنبلياً متشدّداً ـ مؤيداً لظهور الاعتدال بين الحنابلة في بغداد، فقد كان كتابه (تذكرة الخواص) من أفضل الشواهد على إيجاد الاعتدال في الوسط السنّي المتطرّف، وعلى الرغم من اتهامه بالتشيّع من قِبل المتطرفين، فإنّه كان يقف ـ كما يظهر نفسه ـ على حد فاصل بين التسنن والتشيّع.

والنموذج الآخر الذي يعود إلى القرن السادس الهجري، يتمثل في الإمام أبي الفضل يحيى بن سلامة الحصكفي (ت551 أو 553هـ)([16])، فقد أنشد ـ بحسب رواية ابن طولون ـ قصيدة في مدح الأئمة الاثني عشر(عليهم السلام)، منها الأبيات الآتية التي تتضمن أسماء الأئمة الاثني عشر(عليهم السلام):

حيدرةٌ والحسنانِ بعدَهُ

 

ثمَّ عليٌّ وابنُهُ محمّدُ

وجعفرُ الصادقِ وابنُ جعفرٍ

 

موسى ويتلُوهُ عليُّ السيِّدُ

أعني الرِّضا، ثمّ ابنُهُ مُحمَّدُ

 

ثمَّ عليٌّ وابنُهُ المُسَدَّدُ

الحسنُ التالي ويتلُو تِلوهُ

 

مُحمَّدُ بن الحسنِ المُعتَقَدُ([17])

 
وللحصكفي قصيدة في رثاء الإمام أبي عبد الله الحسين(عليه السلام)، جاء في مطلعها:

 

ومصرعُ الطفِّ فلا أذكرُهُ

 

ففي الحَشَى منهُ لهيبٌ يَقِدُ([18])

يَرى الفراتَ ابنُ الرسولِ ضامياً

 

يَلْقَى الردَى وابنُ الدَّعي يَردُ

يا أهلَ بيتِ المصطفى يا عدَّتي

 

ومَنْ على حبِّهمُ أعتمدُ

والشافعيُّ مَذْهَبِي مَذْهبُهُ

 

لأنَّهُ في قولهِ مُؤَيَّدُ([19])

إنّ هذا الاعتدال والتقارب مع الشيعة لم يكن مقتصراً على جماعة بعينها من أهل السنّة، فمن بين الشافعية ألّف محمد بن طلحة الشافعي (ت652هـ) كتاب (مطالب السؤول في مناقب آل الرسول)، الذي يبدو وكأنّ مؤلّفه شيعي إمامي اثنا عشري مع اختلاف يسير، كما قام محمد بن يوسف بن محمد الكنجي الشافعي (ت658هـ) بتأليف كتاب (كفاية الطالب) في فضائل أمير المؤمنين(عليه السلام)، وأهل البيت(عليهم السلام).

ومن بين الحنابلة عمد أبو محمد عبد الرزاق بن عبد الله بن أبي بكر عزّ الدين الإربلي (ت660هـ) إلى تأليف موسوعة في فضائل أمير المؤمنين(عليه السلام)، بطلب من بدر الدين لؤلؤ الحاكم الإمامي للموصل، وقد أفاد صاحب كشف الغمّة من هذه الموسوعة كثيراً([20])، وكتب أبو محمد عبد العزيز بن محمد بن مبارك الحنبلي الجنابذي (ت611هـ) كتاب (معالم العترة النبوية ومعارف أهل البيت الفاطمية العلوية) في بيان سيرة الأئمة(عليهم السلام) إلى الإمام الحادي عشر([21]).

وقد تحدّث ابن خلكان الشافعي كذلك عن حياة الأئمة(عليهم السلام) في كتابه (وفيات الأعيان)، وكلامه ـ بطبيعة الحال ـ يختلف عن الآخرين، إلا أنّ اهتمامه بأئمة الشيعة يكشف في حدّ ذاته عن حضور الأئمة(عليهم السلام) في ذاكرة عصره.

وفي القرن الهجري الثامن نصل إلى حمد الله المستوفي (توفّي بعد عام 750هـ)؛ حيث عمد في تاريخه المنتخب إلى ذكر الخلفاء الأوائل ضمن عناوين مألوفة تتسم بطابع الاحترام، ثم عرّج على الإمام علي(عليه السلام)، ومن بعد جاء على ذكر الإمام الحسن المجتبى(عليه السلام) واصفاً إياه بـ«أمير المؤمنين، حفيد رسول ربّ العالمين، الإمام المجتبى الحسن بن علي المرتضى»، ليفتح بعد ذلك باباً تحت عنوان: «في ذكر جميع الأئمة المعصومين (رضوان الله تعالى عليهم أجمعين) الذين هم حجّة الحقّ على الخلق، مع ذكر مدّة إمامتهم من الرابع من شهر صفر سنة تسع وأربعين إلى شهر رمضان سنة أربع وستين ومائتين، وهي في مجموعها: مائتان وخمس عشرة سنة وسبعة أشهُر»، وأضاف قائلاً: «إنّ الأئمة المعصومين وإن لم ينالوا الخلافة، فإنهم كانوا أهلاً لها، ولذلك نذكر للتبرّك جانباً من سيرتهم وفضائلهم على سبيل الإيجاز»([22]).

وفي القرن الهجري التاسع، قام ابن الصباغ المالكي (784 ـ 855هـ) بتأليف كتاب (الفصول المهمة في معرفة أحوال الأئمة).

وفي القرن الهجري العاشر عمد شمس الدين محمد بن طولون (ت953هـ) إلى تأليف كتاب (الشذرات الذهبية في تراجم الأئمة الاثني عشرية عند الإمامية)، وكان ابن طولون من العلماء المولعين بالتصوّف والعرفان، وبعد الفراغ من بيان سيرة الأئمة(عليهم السلام) من المصادر المعتبرة، ختم الكلام بقصيدة له في وصف الأئمة الاثني عشر، ومن بينها الأبيات التي يقول فيها:

 

عليكَ بالأئمةِ الاثني عَشَرْ

 

مِنْ آلِ بيتِ المصطفى خيرِ البَشَرْ

أبو ترابٍ، حسنٌ حسينُ

 

وبغضُ زينِ العابدينَ شينُ

مُحمَّدُ الباقرُ كَمْ علمٍ دَرَى

 

والصادقُ ادْعُ جعفراً بينَ الورَى

مُوسى هوَ الكاظمُ وابنُهُ علـي

 

لُقِّــبَ بالـرِّضــا وقَدْرُهُ عَــلِي

مُحمَّدُ التقيُّ قلبُهُ معمورُ

 

عليٌّ النقيُّ دُرُّهُ منثورُ

والعسكريُّ الحسنُ المُطهَّرُ

 

مُحمَّدُ المهديُّ سوفَ يظهرُ([23])

 

 

كما يتعيّن علينا أن نضيف إلى ما تقدّم من الكتب، كتاب (الإتحاف بحبّ الأشراف) للشبراوي (ت1172هـ)، و(نور الأبصار) للشبلنجي، و(ينابيع المودّة) للحنفي القندوزي (ت1294هـ)، وهناك كتاب آخر عنوانه (كنه الأخبار) يعود إلى القرن العاشر الهجري، تحدّث فيه ـ مثل سائر الكتب المتقدّمة ـ عن سيرة الخلفاء والأئمة الاثني عشر([24])، والكتاب الآخر الذي يمكن أن نذكره في هذا الشأن (المقصد الأقصى في ترجمة المستصفى). كان أصل الكتاب باللغة العربية، ثمّ عمد كمال الدين حسين الخوارزمي إلى ترجمته إلى اللغة الفارسية تحت هذا العنوان، وموضوعه سيرة رسول الله(صلى الله عليه وآله) والخلفاء، وعلى الرغم من مذهبه السنّي، فإنه لم يتجاهل سيرة الأئمة الاثني عشر(عليهم السلام) والسيدة فاطمة الزهراء’ في هذا الكتاب([25]).

والنموذج الآخر كتاب (روضات الجنان وجنات الجنان) لمؤلفه درويش محمد الكربلائي، وهو على الرغم من تسنّنه ذكر سيرة الأئمة الشيعة(عليهم السلام) في المجلد الثاني من هذا الكتاب، وجزؤه الأعظم مأخوذ من كتاب (فصل الخطاب) للخواجة محمد بارسا، والخواجة محمد هذا، رغم إصراره على التسنّن، أورد بدوره في كتابه هذا بإسهاب تراجم الأئمة(عليهم السلام)([26])، كما أنّ كتاب (غاية الهمّة في ذكر الصحابة والأئمة) أو (الرسالة المحمدية) لمؤلفه محمد عليم بن محمد موسى إله آبادي هو في بيان سيرة رسول الله(صلى الله عليه وآله)، والخلفاء الأوائل وأئمة الشيعة(عليهم السلام)([27]).

ومن أكثر هذه المؤلفات أهمية كتاب (وسيلة الخادم إلى المخدوم در شرح بر چهارده معصوم)([28]) باللغة الفارسية، لمؤلفه فضل الله بن روزبهان الخنجي، وهو من مشاهير علماء أهل السنّة في إيران، وقد ضمّن هذا الكتاب مدحاً في حق الأئمة المعصومين الأربعة عشر(عليهم السلام)، وتصدى لشرحها تاريخياً. وقد اختص قسم من هذا الكتاب بسيرة الإمام الحسين(عليه السلام) وواقعة كربلاء.

وإليك نموذجاً من شعر الفضل بن روزبهان:

 

مهيمنا به حبيب محمد عربى

 

به حق شاه ولايت على عالى فن

به هر دو سبط مبارك شاه زين عباد

 

به حق باقر وصادق به كاظم أحسن

به حق شاه رضا ساكن حضيرة قدس

 

به حق شاه تقى ونقى وصبور محن

به حق عسكرى وحجت خدا مهدى

 

كزين دوازده بده نجات روح وبدن

 فداى خاك رضا باد صد روان أمين

 

كه اوست چاره درد وشفيع ذلت من([29])

 

 

مراسم العزاء عند أهل السنّة في القرن السادس الهجري برواية عبد الجليل الرازي

لقد ألّف عبد الجليل القزويني الرازي كتابه (نقض) المعروف بـ(بعض مثالب النواصب في نقض فضائح الروافض) في حدود عام (560هـ)، وذلك في الردّ على كاتب سنّي، وهو يحتوي على معلومات قيّمة بشأن الجذور التاريخية لإقامة مراسم العزاء على الإمام الحسين(عليه السلام) لدى أهل السنّة، وقد عمد في البداية إلى نقل ما قاله ذلك الكاتب السنّي، قائلاً: «إنّ هذه الطائفة [الشيعة] يقومون بإظهار الجزع في يوم عاشوراء، ويقيمون مراسم العزاء، ويجددون مصيبة شهداء كربلاء، فيروون قصصها على المنابر، ويحسر العلماء عن رؤوسهم، ويشقُّ العامّة جيوبهم، وتخمش النساء وجوههن، ويجهشن بالبكاء والعويل».

ثم قال الشيخ عبد الجليل الرازي في جوابه:

«... لا يخفى على أحد أنّ كبار الأئمة من الفريقين من أصحاب الإمام المقدّم أبي حنيفة، والإمام المكرّم الشافعي، وسائر علماء وفقهاء الطوائف الأُخرى، قد حافظوا ـ خلفاً عن سلف ـ على هذه السنّة، واتبعوا هذه الطريقة في سلوكهم، فهذا الشافعي الذي يُعدّ أصلاً ويُنسب إليه المذهب، له ـ فضلاً عن المناقب ـ الكثير من المراثي في الحسين وسائر شهداء كربلاء، ومن بينها القصيدة التي يقول فيها:

 

أبكي الحسين وأرثي منهُ جحجاحا

 

من أهلِ بيتِ رسولِ اللهِ مصباحا

 

إلى آخر القصيدة المبالغ في تمامها وكمالها. وقال في قصيدة أُخرى:

 

تأوَّبَ همِّي فالفؤادُ كئيبُ

 

 وأرَّق نومي فالرقادُ عجيبُ([30]).

 

إلى آخر رثائيته المفعمة بالمفاهيم التي يعجز عن مجاراتها الآخرون، وإنّ رثاء شهداء كربلاء المروي عن أصحاب أبي حنيفة والشافعي لا يُحصى كثرة، فإذا كان ثمّة عيب في ذلك، فإنّه يطال أبا حنيفة والشافعي وأصحابهما أوّلاً، ثمّ يطالنا».

ثم انتقل بعد ذلك إلى بيان نماذج من مراسم العزاء التي يقيمها أهل السنّة في إيران  ـ بما فيهم من الأحناف والشافعية ـ في القرن السادس الهجري، حيث يقول: «ثم إذا ذهبت إلى أبعد من ذلك، فسيتضح لك أن (الخواجة أبو منصور ماشاده)([31])، وهو في عصره مقتدى أهل السنّة في إصفهان، كان يقيم مراسم العزاء في هذا اليوم من كل سنة بالنياحة والعزاء والبكاء والعويل، وقد وقف على ذلك وشاهده كل مَن حضر مجلسه، ولم ينكر منهم أحد».

ثم ننتقل إلى بغداد ـ مدينة السلام ومقرّ دار الخلافة ـ لنصل إلى (الخواجة علي الغزنوي الحنفي)([32])، حيث يعرف الجميع مجلس العزاء الذي كان يقيمه، وكان يبالغ عند حلول اليوم العاشر من المحرم في لعن السفيانيين، وذات يوم قام شخص في مجلسه وسأله قائلاً: ماذا تقول في معاوية؟ فأجاب بصوت يسمعه الجميع: أيّها المسلمون، يسأل علياً عن رأيه في معاوية! أفلا تعلم يا هذا ما هو رأي عليّ في معاوية؟!

وهذا الأمير قطب الدين مظفر العبّادي([33]) وهو علّامة دهره سيّد المعاني وسلطان الكلام، سُئل ذات يوم في مجلس المقتفي لأمر الله في الليلة السابقة للعاشر من المحرم: ما تقول في معاوية؟ فلم يُجب، حتى أعاد السائل سؤاله ثلاث مرّات؛ فقال في الثالثة: أيّها السائل، إن سؤالك مبهم، فأيّ معاوية تعني؟ هل تعني معاوية الذي كسر أبوه ثنايا رسول الله(صلى الله عليه وآله)؟! أم معاوية الذي بقرت أُمّه عن كبد حمزة ولاكتها؟! أم معاوية الذي جرّد السيف بوجه علي(عليه السلام) بضعاً وعشرين مرّة؟! أم معاوية الذي حزّ ولده رأس الحسين سبط رسول الله(صلى الله عليه وآله) وطاف به في البلاد؟!.. ثم التفت إلى الحاضرين في المجلس قائلاً: ماذا تقولون في معاوية هذا؟ فضجّ المجلس وكل مَن فيه من الأحناف والشافعية بلعنه، والدعاء عليه بالويل والثبور.

وهناك الكثير من هذه المشاهد، التي تعكس تفجّع أهل السنّة في بغداد، وتجدد الحزن فيهم على الحسين(عليه السلام) في كل موسم من مواسم عاشوراء.

وأما في همدان، فقد كان (مجد الدين المذكّر الهمداني)([34]) ـ على الرغم من غلبة المشبّهة ـ يقيم العزاء لحضرة السلطان وعساكر الأتراك في موسم عاشوراء من كل سنة، على نحو يثير ذهول القميين.

وهذا الخواجة الإمام نجم أبو المعالي بن أبي القاسم البزاري النيسابوري ـ على الرغم من كونه حنفياً ـ كان معروفاً في إقامة العزاء، حتى روي عنه أنه كان ينوح ويكفكف دموعه بمنديل، ويهيل التراب على رأسه، وهو ينشج نشيجاً عالياً بالبكاء.

وفي الريّ التي هي من أُمهات المدن السنّية، لم يكن خافياً على أحد ما يقوم به الشيخ أبو الفتوح النصرآبادي والخواجة محمود الحدادي الحنفي ـ وغيرهما ـ من إقامة العزاء والبراءة من الظالمين ولعنهم في نُزل (كوشك) للمسافرين والمساجد الكبرى يوم عاشوراء.

وكان معروفاً في تلك الفترة ما يقوم به الخواجة الإمام شرف الأئمة أبو نصر الهسنجاني في يوم عاشوراء من كل سنة، وذلك بحضور الأُمراء والأتراك والخواجات والأحناف، دون أن يُنكر عليه أحد، بل كانوا يوافقونه ويعينونه ويواسونه على ذلك، وكان هذا الأمر من الوضوح والشهرة بحيث لا يحتاج إلى إثبات.

وهكذا الخواجة الإمام أبو منصور حفدة([35])، وكان ذا مكانة مُقدّماً بين أصحاب الشافعي، حيث اشتُهرت عنه هذه الحكاية عند مجيئه إلى الري في يوم عاشوراء، وما كان منه في (جامع سرهنج) من تفضيل الإمام الحسين(عليه السلام) على عثمان، ووصفه معاوية بالباغي.

والقاضي عمدة الساوي([36]) الحنفي صاحب البيان المعروف، حيث روى قصة المقتل في جامع (طغرل) بحضور عشرين ألف شخص، حتى ضجّ الجميع بالبكاء والعويل، وحسروا عن رؤوسهم، وشقوا جيوبهم، على نحو لم يفعلوه من قبل، ولو أن مصنف الكتاب (يعني المؤلّف السنّي) كان من الريّ حقيقة، لكان ذلك معروفاً عنده.

وقد شهد الجميع ما قام به الخواجة تاج الأشعري الحنفي النيسابوري في يوم عاشوراء، بعد الصلاة في الجامع العتيق، من المبالغة في إظهار العزاء، سنة خمس وخمسين وخمسمائة للهجرة، وذلك بإذن من القاضي وبحضور كبار الأُمراء.

وعليه؛ فلو كان هذا الأمر بدعة ـ كما حاول الخواجة المجبر الانتقالي (المؤلف السنّي) أن يُصوّره ـ لما أذن به المفتي، ولما سمح بفعله، ولما قام به الأئمة من أعلام أهل السنّة على ما مرّ ذكره.

وإذ كان الخواجة الانتقالي لم يسبق له أن شهد مجالس الأحناف والشيعة، فلا بد أنه قد شهد مجلس (شهاب المشّاط)، ففي شهر محرّم من كل سنة كان يقيم مقتل عثمان وعلي(عليه السلام) ابتداءً، وعندما يحلّ العاشر من المحرم يقيم مقتل الحسين بن علي(عليه السلام)، حتى إنه قبل سنتين سرد هذه القصة بحضور زوجات الأُمراء وزوجة الأمير الأجلّ على نحو شقّ له الناس جيوبهم، وأهالوا التراب على رؤوسهم، وحسروا عن رؤوسهم، والجميع في بكاء وعويل، حتى قال الحاضرون: لقد زاد في الكيل على ما تقيمه الشيعة.

 فإذا كانت هذه الأفعال قد صدرت من العلماء والقضاة مداهنة وتقية وخوفاً من الأتراك والسلطان، فهم يوافقون الشيعة في القول بالتقية، وإذا صدرت منهم عن قناعة خلافاً له، فذلك نقص في إيمان الخواجة؛ فما عدا بلاد الخوارج والمشبّهة، حيث سكان تلك المناطق لا يقرّون هذه الأفعال، فإنّ الأحناف والشوافع يمارسون هذه السُّنّة كما يمارسها الشيعة، فكأنّ الخواجة خارجي قالٍ لهذه المذاهب الثلاثة، وعليه أن يشدّ الرحال إلى خوزستان ولرستان حيث يسكنها الخوارج، وبذلك يمكنه أن يبتعد عن هذه المشاهد التي لا تروق له بسبب عصبيّته، مع أنّ إقامة العزاء على الإمام الحسين بن علي(عليه السلام)، إنما هو اتّباع لقول المصطفى‘؛ إذ يقول: «مَن بكى على الحسين أو أبكى أو تباكى، وجبت له الجنة»، ليكون الخطيب والمخاطب في كنف رحمة الله، ولا يكون منكر ذلك إلا منافقاً ومبتدعاً وضالاً وخارجياً، ومبغضاً لفاطمة الزهراء وآلها، وعلي وذريته(عليهم السلام)، والحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون([37]).

وعلى كل حال، فقد كان أكثر العلماء من أهل السنّة في بغداد يتحدّثون في القرن الثامن الهجري عن ظلامة الإمام الحسين(عليه السلام)، دون أن يبدوا أيّ عصبية كتلك التي خلّفها عصر بني أُمية. وبطبيعة الحال لا ننكر وجود بعض الاستثناءات في الوقت نفسه، ومن ذلك ما كتبه شخص يُدعى عبد المغيث بن زهير الحنبلي في فضائل يزيد ابن معاوية، فردّ عليه ابن الجوزي ـ العالم السنّي المعروف ـ في كتاب تحت عنوان: (الردّ على المتعصّب العنيد المانع من ذمّ يزيد)، وقد تحدّث ابن الأثير عن هذا المدعو عبد المغيث الحنبلي في (الكامل)، قائلاً: «صنّف كتاباً في فضائل يزيد بن معاوية، أتى فيه بالعجائب»([38])، وقال عنه الذهبي في كتابه (سير أعلام النبلاء) ـ ويا للعجب ـ : «وكان ثقة سنيّاً»([39]). إلا أنّ هذا الاتجاه كان نادراً جداً، كما نشهد مثيلاً له حتى في وقتنا الراهن، وهو من الضعف بحيث لا يُعتنى به أصلاً.

وكما تقدّم، فقد كان في بغداد آنذاك واعظان معروفان يقيمان مجالس العزاء في أيام عاشوراء، أحدهما: علي بن الحسين الغزنوي الحنفي، وهو واعظ لا يشق له غبار، يحضر مجلسه السلاطين، والواعظ الآخر: الأمير العبّادي الذي كان يقرأ المقتل في يوم عاشوراء أيضاً، وقد نقل ابن الجوزي نفسه بعض التقارير عن مجالسه وكلماته القصار.

وهكذا يتضح أنّ إقامة مراسم العزاء والمآتم على الإمام الحسين بن علي(عليه السلام) في عاشوراء كانت مستمرة في بغداد بين السنّة والشيعة، ولم تتوقف أبداً.

خراسان في العهد التيموري ومراسم العزاء على الإمام الحسين(عليه السلام)

يبدو أنّ الفترة الزمنية التي سبقت مجيء الصفوية بقرنين قد شهدت في خراسان ـ التي كانت مركزاً للشيعة وأهل السنّة ـ إقامة مراسم العزاء على الإمام الحسين(عليه السلام) في أيام عاشوراء، وبما أنّ هذه المآتم كانت تقام حتى في هرات، كان هذا دليلاً على أنّ الأمر لم يكن مقتصراً على الشيعة فقط، بل إن أهل السنّة كانوا يقيمون هذه المراسم أيضاً.

وكان الكتاب الأكثر انتشاراً في هذه المنطقة يحمل عنوان (نور الأئمة)، وهو نوع ترجمة لكتاب (مقتل الحسين) لابن أحمد الخوارزمي الحنفي (484 ـ 568هـ)، وكانت هناك في هذا الشأن كتب أُخرى غيره أيضاً.

وفي نهاية هذه المرحلة ـ قبل وصول الصفوية إلى السلطة بثماني سنوات تحديداً ـتم تأليف كتاب في المقتل، وكان كاتبه لا يعتقد بوجود حدّ فاصل بين التشيع والتسنّن، فكانوا يتهمونه في هرات بالتشيّع، وفي سبزوار بالتسنّن، ألا وهو الملا حسين الكاشفي، وكان يتمتّع بشعبية واسعة في هرات على عهد تيمور، ويحضر مجلس وعظه كبار رجال الدولة التي ظل يحكمها (السلطان حسين بايقرا) سنوات مديدة، وقد ألّف كتابه هذا باسم واحد من كبار هذا البلاط.

وقد أشار الملا حسين الكاشفي في موضع من هذا الكتاب (روضة الشهداء)([40]) قائلاً: «كلّما تجدّد المحرم تجدّد معه هذا المأتم في قلوب أهل الإسلام وأتباع سيّد الأنام (عليه الصلاة والسلام)، حيث نداء من الغيب ينادي العالم، مخاطباً أصحاب المصاب بأهل البيت(عليهم السلام) والمفجوعين بهم، قائلاً:

 

مهيمنا به حبيب محمد عربى

 

به حق شاه ولايت على عالى فن

كاى عزيزان در غم سبط نبى افغان كنيد

 

سينه را از سوز شاه كربلا بريان كنيد

از پى آن تشنه لب بر خاك ريزيد آب چشم

 

در ميان گريه، ياد آن لب خندان كنيد»([41]).

 
ويبدو أنّ الكاشفي قد عقد العزم ـ استجابة لأحد أعيان وسادة هرات واسمه (مرشد الدولة) المعروف بـ (سيد ميرزا) ـ على تأليف كتاب لهذه المجالس، وبعد أن ذكر مقدّمة في أهمية البكاء على الإمام الحسين(عليه السلام)، والتذكير بالمأثور عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) من أنّ: «مَن بكى على الحسين وجبت له الجنة»، قال: «كتبته لجماعة من محبّي أهل البيت(عليهم السلام)؛ كي يجدّدوا العزاء في المحرّم من كل عام على مصائب الشهداء، ويقيموا المآتم على ذرّية رسول الله(صلى الله عليه وآله)، ويذوبوا حسرة عليهم:

ز اندوه اين ماتم جان گسل               روان گردد از ديده ها خون دل»([42]).

ثم قال الكاشفي بشأن ما يُقرأ في هذه المجالس: «إنّ أخبار مقتل الشهداء التي يجددون ذكرها في هذه الكتب، ليزيحوا بالدموع غيمة الحزن المخيمة على صدورهم... مشكلتها، ومشكلة أيّ كتاب في هذا الشأن، رغم اشتماله على قصص الشهداء، أنّها تفتقر إلى الاستيعاب والشمول لجميع فضائل السبطين وتفاصيل سيرتهما، الأمر الذي دعا السيد ميرزا أن يأمرني، أنا الفقير الحقير حسين الواعظ الكاشفي، بالتصدي لتأليف كتاب جامع لحالات أهل البلاء من الأنبياء والأصفياء والشهداء وسائر أرباب الابتلاء وأحوال آل العباء؛ لتوضيح وتفصيل ما هو مسطور ومذكور بشأنهم»([43]).

لم يقتصر نفوذ كتاب (روضة الشهداء) على شيعة إيران في العصر الصفوي فقط، بل نجد له نفوذاً واسعاً حتى بين السنّة في أطراف وأكناف إيران أيضاً، ومن بين أحدث المؤشرات على تأثير هذا الكتاب في أهل السنّة، ما قام به الشاعر السنّي الكردي العراقي عبد الله زيور (ت1369هـ) المتخصص في اللغة الفارسية، حيث عمد إلى تحويل النص الفارسي لـ (روضة الشهداء) إلى قصيدة شعرية بالفارسية، دون أن يصرّح بذلك، وأطلق على قصيدته هذه عنوان: (داستان سوزناك كربلاء)([44]).

ومن المناسب هنا أن نذكر موقف العالم العارف، شاعر خراسان الكبير، عبد الرحمن الجامي (817 ـ 898 هـ)، الذي كان سنّياً حنفياً، متسماً طبعاً بنزعة صوفية عميقة، فقد استعرض في كتابه (سلسلة الذهب) عقائده المذهبية فيما يخص الخلافة، حيث عرّف نفسه بوصفه سنّياً معتقداً، ومحبّاً لأهل البيت(عليهم السلام) في الوقت نفسه. وهو ـ كسائر أهل السنّة ـ يذهب إلى الاعتقاد بأنّه ينبغي للسنّي أن لا يرسم حدود الولاء والعداء بين الصحابة بسبب ما كان بينهم من الخلافات، وفي الوقت نفسه عليه أن يعلم أنّ الحق في تلك الخلافات كان مع الإمام علي(عليه السلام)، وذلك إذ يقول:

 

«همه را اعتقاد نيكو كن

 

دل ز انكارشان به يك سو كن

هر خصومت كه بودشان با هم

 

به تعصب مزن در انجام دم

به سر انگشت اعتراض منه

 

دين خود رايگان ز دست مده

حكم آن قصه با خداى گذار

 

بندگى كن ترا به حكم چكار

وآن خلافى كه داشت با حيدر

 

در خلافت صحابتى ديگر

حق در آنجا به دست حيدر بود

 

جنگ با او خطا ومنكر بود»([45]).

 

جدير بالذكر أنّ أهم المواجهات المذهبية التي حدثت بين الجامي والمعارضين له في عصره، هي مواجهته للشيعة الذين كان لهم نفوذ ملحوظ في خراسان، وقد شهدنا لاحقاً كيف تسلّم هذا المذهب زمام الحكم في تلك المنطقة بعد مجيء الصفويين. ولقد كانت للجامي هذا حملات كثيرة على الشيعة؛ سعياً منه إلى الحفاظ على مناخ هرات وفقاً للتعاليم السنّية، وهذا هو ذات الاتجاه الذي نراه لدى الأمير (علي شاه النوائي) أيضاً، وبطبيعة الحال كان هناك مَن يخالف هؤلاء من أهل السنّة الذين يميلون إلى التشيّع.

إلا أنّ الجامي ـ على الرغم من ذلك ـ كان يسعى إلى حفظ التوازن والحدود، فهو على الرغم من بغضه للرفض والرافضة، بمعنى مَن يسبّون الصحابة، فإنه هو الذي ترجم إلى اللغة الفارسية أبيات الشافعي المعروفة في حبّ أهل البيت(عليهم السلام)، والتي يقول فيها:

 

إنْ كانَ رفضاً حبُّ آلِ محمدٍ

 

 فليشهدِ الثقلانِ أنَّي رافضي

 

إذ ترجمها إلى الفارسية قائلاً:

 

گر بود رفض حبّ آل رسول

 

يا تولّا به خاندان بتول

گو گوا باش آدمى وپرى

 

كه شدم من زغير رفض، برى

كيش من رفض ودين من رفض است

 

رفع من رفض وما بقى خفض است([46]).

 

يتأرجح الجامي بين الشيعة والسنّة، فمن جهة تعرض للطعن من قبل الشيعة في بغداد عندما ذهب إليها بسبب أشعاره في الروافض، وعندما كتب أشعاره في مدح أمير المؤمنين(عليه السلام) طعن عليه ـ من ناحية أُخرى ـ من قبل السنّة في خراسان، وقد كتب في ذلك قائلاً: «حيث مدحت في نظم سلسلة الذهب أمير المؤمنين علياً وأولاده، عشت في خوف من سنّة خراسان، واتهامهم لي بالرفض.. ولا أدري فلعلي في بغداد أُبتلى بجفاء مماثل من قبل الروافض هناك»([47]).

وهذا الجامي نفسه عندما يشدّ الرحال إلى العراق قاصداً العتبات المقدسة، يكتب هناك قصيدة في وصف زيارة الإمام الحسين(عليه السلام) يقول فيها:

 

كردم ز ديده پاى سوى مشهد حسين

 

هست اين سفر به مذهب عشاق فرض عين

خدام مرقدش به سرم گر نهند پاى

 

حقا که بگذرد سرم از فرق فرقدين

كعبه به گرد روضه او مى كند طواف

 

 ركب الحجيج أين تروحون أين؟!

از قاف تا به قاف پر است از كرامتش

 

آن به كه حيله جوى كند ترك شيد وشين

آن را كه بر عذار بود جعد مشكبار

 

 از موى مستعار چه حاجت به زيب وزين

جامى گداى حضرت او باش تا شود

 

با راحت وصال مبدّل عذاب بين

مى ران ز ديده اشك كه در مذهب كريم

 

باشد قضاى حاجت سائل أداى دين([48]).

 

وفي سفرته هذه التي كان يقصد فيها حجّ بيت الله الحرام، يمّم شطر النجف الأشرف حيث مرقد أمير المؤمنين(عليه السلام)، وأنشد هناك قصيدة عصماء، جاء في مطلعها:

 

أصبحت زائراً لك يا شحنة النجف

 

بهر نثار مرقد تو جان بكف

تو قبله دعائى وأهل نياز را

 

روى اُميد، تو باشد زهر طرف ([49]).

 

 

بعض مؤلّفات العلماء الأحناف في الإمام الحسين(عليه السلام)

إنّ المؤلّفات التي كتبها علماء أهل السنّة في أهل البيت(عليهم السلام) منذ القرن الأول، وطوال القرون المنصرمة، تفوق العدّ والإحصاء، وأكثر هذه المؤلّفات كُتبت في بيان فضائل أهل البيت(عليهم السلام)، ولا سيّما أمير المؤمنين(عليه السلام)، وبعض هذه المؤلّفات التاريخية يدور حول سيرتهم وحياتهم، وفيما يلي نذكر ـ على سبيل المثال دون الحصر ـ عدداً من مؤلّفات الأحناف في سيرة الإمام الحسين(عليه السلام):

1 ـ ضياء الدين أبو المؤيّد، الموفق بن أحمد بن محمد المكي الخطيب الخوارزمي الحنفي (484 ـ 568هـ)، وهو من أكبر علماء الحنفية الذين كتبوا في الإمام الحسين(عليه السلام)، ألّف كتابه الكبير والقيّم تحت عنوان (مقتل الحسين(عليه السلام))، وقد تتلمذ على يد الزمخشري، حيث تعلَّم منه علوم الأدب، ثم تنقّل بين مختلف البقاع والمدن الإسلامية لسماع الحديث.

وقد ترجم له عماد الدين الإصفهاني الكاتب ـ وكان معاصراً له ـ في (خريدة القصر وجريدة العصر)، حيث ذكره في القسم المخصص لإيران، وأثنى عليه في الفقه والأدب، وترجم له القفطي (في إنباء الرواة)، (ج3، ص332)، وأرّخ وفاته بعام (568هـ)، كما ترجم له غيرهما من كبار علماء السِّيـَر، من أمثال: ابن النجار، وابن الدبيثي أيضاً.

 وله كتاب عنوانه (مناقب أبي حنيفة)، طبع في حيدر آباد سنة (1321هـ)، وله كتاب مفقود عنوانه (قضايا أمير المؤمنين(عليه السلام))، وكتاب آخر مفقود أيضاً عنوانه (ردّ الشمس على أمير المؤمنين(عليه السلام))، وأهم مؤلّفاته كتاب (مقتل الحسين)، ولهذا الكتاب ثلاث نسخ خطية في الحدّ الأدنى، وقد طُبع في النجف الأشرف، ثم طُبع لاحقاً في قم المقدسة سنة (1399هـ)، وطُبع مؤخراً طبعة جديدة من قبل دار نشر أنوار الهدى في قم سنة (1418هـ)، وجدير بالذكر أنّ له شعراً في مدح أبي حنيفة، ذكره الفقيد الراحل السماوي في مقدمة كتاب (مقتل الحسين(عليه السلام))، وله أيضاً شعر في رثاء أهل البيت(عليهم السلام)، وإليك بعض أبياته:

 

لَقَدْ قَتَلُوا عليّاً مُذْ تجلَّى

 

لأهلِ الحقِّ فَحْلاً في الضرِّابِ

وَقَدْ قَتَلُوا الرِّضا الحسنَ المُرَجَّى

 

جوادَ العُربِ بالسَّمِّ المُذابِ

وَقَدْ مَنَعُوا الحسينَ الماءَ ظُلماً

 

وَجُدِّلَ بالطِّعانِ وبالضرِّابِ

ولولا زينبٌ قَتَلُوا عليّاً

 

صغيراً قتلَ بَقٍّ أو ذُبابِ

وَقَدْ صَلَبُوا إمامَ الحقِّ زيداً

 

فيا للهِ مِنْ ظلمٍ عُجابِ

بناتُ مُحمَّدٍ في الشمسِ عَطْشَى

 

وآلُ يَزِيدَ في ظِلِّ القِبابِ

لآلِ يَزِيدَ مِنْ أدَمٍ خيامٌ

 

وأصحابُ الكِساءِ بلا ثِيابِ([50]).

 

 

2ـ عفيف الدين أبو السيادة، عبد الله بن إبراهيم الطائفي الحنفي (ت1207هـ)، وردت ترجمته في كتاب (عجائب الآثار) للجبرتي (ج2، ص147)، وهناك نسخة من كتابه محفوظة في مكتبة سليم آغا في إسطنبول، وله كتاب عنوانه (إتحاف السعداء بمناقب سيّد الشهداء).

3ـ قادر بخش بن الحسن الحنفي الهندي الشهسرامي (1273ـ 1337هـ) من علماء الهند الأحناف، له كتاب عنوانه (جور الأشقياء على ريحانة سيّد الأنبياء)، وردت ترجمته في كتاب (نزهة الخواطر) (ج8، ص370)، حيث ورد الكلام عن هذا الكتاب هناك أيضاً.

4ـ المولوي عبد العزيز بن الشاه ولي الله الدهلوي (1159ـ 1239هـ)، له كتاب عنوانه (سرّ الشهادتين) في فلسفة استشهاد الإمام الحسين(عليه السلام)، وقد نُشرت ترجمته العربية في مجلة الموسم (العدد: 12، ص83 ـ91)، وطُبع باللغة الأُردية أيضاً.

5ـ الشيخ علي أنور بن علي أكبر بن حيدر علي العلوي الحنفي الكاكوري (1269ـ 1324هـ)، له كتاب عنوانه (شهادة الكونين في مقتل سيّدنا الحسين السبط)، وقد ورد ذكره ضمن بيان ترجمته في كتاب (نزهة الخواطر)، (ج8، ص328).

6ـ محمد معين بن محمد أمين السندي التنوي الحنفي (ت1161هـ)، له كتاب عنوانه (قرّة العين في البكاء على الحسين(عليه السلام))، تحدّث فيه عن وجوب البكاء على الحسين(عليه السلام)، وأثبت أنّ إقامة العزاء على الحسين(عليه السلام) ليست من مختصات الشيعة فقط.

7ـ محمد بن عثمان بن علي بن إلياس الحنفي الرومي (878 ـ 938 هـ)، له كتاب عنوانه (مقتل الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب ـ Gـ في كربلاء)، وقد ذكره إسماعيل باشا في كتابه (هدية العارفين)، (ج2، ص 412).

وعلاوة على الكتب والمؤلفات، هناك الكثير من شعراء أهل السنّة ـ وخاصة بين الرعيل الأول من الأحناف ـ ممن كتب القصائد والأشعار في رثاء الإمام الحسين بن علي(عليه السلام)، وهو أمر مثير في نوعه، وقد جمع الخوارزمي نماذج من هذه الأشعار في كتابه (مقتل الحسين(عليه السلام))([51]).

الخاتمة

في هذه الأيام تقام مجالس العزاء على الإمام الحسين(عليه السلام) بين الشيعة والسنّة في كثير من مدن إيران والهند وباكستان بصورة مشتركة أو مستقلة، وهي سنّة كانت جارية في شرق إيران، ويعود جانب منها إلى منطقة خراسان القديمة، لتنتقل بعد ذلك إلى محافظة سيستان وبلوشستان أيضاً.

وفي الهند وباكستان كانت هذه السنّة قائمة منذ أربعة قرون، تزامناً مع قيام بعض الدول المتأثرة بإيران في شمال وجنوب الهند. واليوم نشهد إقامة مراسم العزاء في المدن الكبرى في الهند، مثل: حيدر آباد، أو مدينة كراتشي في باكستان أيضاً، حيث يتمّ إحياء هذه المناسبة بشكل مشترك بين السنّة والشيعة، ومنذ قرون قد اتسعت دائرة هذه المواكب والمجالس في الهند لتطال الهندوس كذلك، حيث يشارك الكثير منهم المسلمين في إحياء هذه المناسبة.

وهكذا في العراق ومنطقة كردستان نجد استمراراً لإحياء هذه المناسبة من قبل أبناء السنّة من سكان تلك المنطقة، ممن يكنّون احتراماً وتقديساً خاصاً للإمام الحسين(عليه السلام).

وفي العقود الأخيرة، وبسبب ارتفاع حدة العصبية المذهبية في بعض مناطق العالم الإسلامي، ومحاولة فرضها على سائر المناطق، بدأنا نشهد ـ مع الأسف الشديد ـ حركة لإحياء نوع خاص من التسنّن، يسعى إلى رسم حدود معينة بين المسلمين، وتضخيم حجمها.

 ولا شك في أنّ هذه الحركة تمثل ميراثاً لحقبة زمنية برز فيها ـ في القرن الثاني والثالث الهجري ـ توجّه يحمل عنوان (أهل الحديث) أو (المذهب العثماني)، كان يسعى إلى النأي بنفسه عن كل مَن يتصف بأدنى مخالفة لحركته؛ ومن هنا راح يُطلق التسميات على كل فرقة، متخذاً من ذلك مدعاة للطعن والقدح فيها؛ فالاتهام بالمرجئة والشيعة والمعتزلة والقدرية، وغير ذلك مما تحفل به الكتب الرجالية حالياً بصفته ميراثاً لتلك الفترة في مجال الجرح والتعديل لدى الرواة، ليس سوى ذكرى خلفتها تلك المرحلة.

بيد أن تلك الأجواء المتشنجة تمّ القضاء عليها بالتدريج بهمّة علماء من أمثال: أحمد بن حنبل في المرحلة الأُولى، ليكمل مسيرته العلماء الآخرون. وقد تهجّمت  هذه الأجواء حتى على أبي حنيفة، وهو من كبار علماء أهل السنّة، وقد اتُّهم لذلك بالإرجاء ومعارضة أهل الحديث، وما إلى ذلك من التهم الباطلة التي أُلصقت به على مدى قرون من الزمن.

وفي المقابل، هناك تجربة أُخرى يمتد عمرها لمئات السنين، كان من نتائجها تقليص الفواصل والحدود بين المسلمين إلى حد كبير، ومن خصائص الوضع الجديد اهتمام كلتا الطائفتين بنهضة الإمام الحسين(عليه السلام)؛ ليس ذلك لكونها نهضة إسلامية يُعنى بها جميع المسلمين فحسب، بل لأنها ثورة إنسانية ضد الظلم، يُعنى بها جميع الأحرار في العالم.

 

 

 

 

 

 


([1])كاتب وباحث إسلامي من إيران، متخصص في الدراسات التاريخية، أُستاذ في جامعة طهران، ورئيس المكتبة التخصّصية في تاريخ الإسلام وإيران.

([2]) اُنظر: ابن عقدة، أحمد بن محمد، كتاب الولاية: ص59.

([3]) أبو الفرج الإصفهاني، علي بن الحسين، مقاتل الطالبيين: ص141.

([4]) المصدر السابق: ص310.

([5]) المصدر السابق.

([6]) المصدر السابق: ص314.

([7]) المصدر السابق: ص313.

([8]) المصدر السابق: ص314.

([9]) المصدر السابق.

([10]) المصدر السابق: ص315. توفِّي أبو حنيفة سنة (150 هـ) عن عمر ناهز السبعين سنة.

([11]) اُنظر: المصدر السابق: ص316.

([12]) المصدر السابق: ص324.

([13]) المصدر السابق.

([14]) المصدر السابق: ص325.

([15]) اُنظر: جعفريان، رسول، نقش أحمد بن حنبل در تعديل مذهب أهل سنت (دور أحمد بن حنبل في تعديل مذهب أهل السنّة): مقالات تأريخية، الكتاب السادس.

([16]) اُنظر في شأنه: الحموي، ياقوت، معجم الأُدباء: ج20، ص18.

([17]) اُنظر: ابن طولون، محمد، الشذرات الذهبية في تراجم الأئمة الاثني عشرية عند الإمامية: ص41.

([18]) يقد: يشتعل.

([19]) المحمودي، محمد باقر، زفرات الثقلين في مأتم الحسين: ج 2، ص294. (نقلاً عن: نسمة السحر، وجواهر المطالب، والمنتظم).

([20]) اُنظر: الإربلي، علي بن عيسى، كشف الغمّة: ج1، ص77، وص94، وص116، وص137، وص161، وص31، وص314، وص325 ـ 326.

([21]) اُنظر: المصدر السابق: ص74.

([22]) اُنظر: مستوفي، حمد الله، تاريخ گزيده (التاريخ المنتخب): ص198ـ 231.

([23]) ابن طولون، محمد، الأئمة الاثنا عشر: ص118.

([24]) اُنظر بشأنه: مجلة (نشر دانش): السنة الرابعة عشرة، العدد 79ـ80، ص58.

([25]) اُنظر: استوري، أدبيات فارسي: ص775.

([26]) تمّ نشر هذا القسم من كتابه في الكتاب الرابع من (ميراث إسلامي إيران).

([27]) اُنظر: استوري، أدبيات فارسي: ص949.

([28]) وسيلة الخادم إلى المخدوم في سيرة الأئمة المعصومين الأربعة عشر.

([29]) ترجمة الأبيات باللغة العربية إجمالاً:

إلهي أقسم عليك بالحبيب محمد العربي

 

وبحق إمام الولاية العالي علي

وبسبطيه المباركين وبزين العابدين

 

وبحق الباقر والصادق والكاظم

وبحق الإمام الرضا ساكن حضيرة القدس

 

وبحق الإمام التقي والنقي الصبور على المحن

وبحق العسكري وحجة الله المهدي

 

هبني النجاة بحقهم روحاً وجسداً

فداء لتراب الرضا مائة نفس أمينة

 

فهو شفاء آلامي وشفيع ذلّتي

 
([30]) أورد الخوارزمي الحنفي تمام هذه القصيدة في كتابه (مقتل الحسين(عليه السلام)): ج1، ص136. ومن بين أشعاره الأُخرى:

وممّا نفى نومي وشيّب لمّتي

 

تصاريف أيام لهنّ خطوبُ

فمن مبلغ عنّي الحسين رسالة

 

وإن كرهتها أنفس وقلوبُ

قتيلاً بلا جرم كأنّ قميصه

 

صبيغ بماء الأرجوان خضيبُ

تزلزلت الدنيا لآل محمد

 

وكادت لهم صمّ الجبال تذوبُ

وغارت نجوم واقشعرّت كواكب

 

وهتّك أستار وشقّ جيوبُ

 

 

      كما نقل هذه الأشعار جمال الدين الزرندي المدني في كتاب (معراج الوصول في معرفة آل الرسول): نسخة مخطوطة، الورقة 31 ب، نقلاً عن زفرات الثقلين: ج1، ص290. اُنظر: ابن شهرآشوب، محمد ابن علي، مناقب آل أبي طالب: ج3، ص269.

([31]) من علماء الشافعية البارزين، ذكره السبكي في طبقات الشافعية: ج 4، ص303. وكان من كبار العلماء في إصفهان، وقد توفّي في شهر ربيع الآخر من عام (536هـ).

([32]) واعظ بغداد الكبير، كان السلطان مسعود السلجوقي يحضر مجالس وعظه، توفّي سنة (551هـ)، وردت ترجمته في الكثير من المصادر. اُنظر على سبيل المثال: ابن كثير، إسماعيل بن عمر، البداية والنهاية: ج12، ص235 ـ 236.

([33]) قطب الدين المظفر، المعروف بالعبّادي، من وعّاظ بغداد المعروفين، ترجم له ابن خلكان بالتفصيل في كتابه وفيات الأعيان: ج2، ص127.

([34]) مجد الدين أبو الفتوح محمد بن أبي جعفر الهمداني، مؤلف كتاب الأربعين عن الأربعين، كان فقيهاً ومحدّثاً وواعظاً، توفّي سنة (555هـ). اُنظر ترجمته في: تلخيص مجمع الأُدباء: حرف الميم، ص245 ـ 246. تعليقات النقض: ص1097.

([35]) أبو منصور محمد بن أسعد الطوسي المعروف بـ(حفدة)، والملقّب بـ(عمدة الدين)، الفقيه الشافعي النيسابوري، من علماء نيسابور المعروفين، ترجم له ابن خلكان في (وفيات الأعيان)، وكان قبره مزاراً لعدّة قرون. اُنظر: تعليقات النقض: ص1099.

([36]) من العلماء والواعظين المعروفين في مدينة ساوة، ترجم له عماد الكاتب في (خريدة القصر وجريدة العصر)، توفّي سنة (567هـ) في مدينة ساوة. اُنظر: تعليقات النقض: ص1100.

([37]) اُنظر: الرازي القزويني، عبد الجليل، (النقض، المعروف بـبعض مثالب النواصب في نقض بعض فضائح الروافض): ص370ـ373.

([38]) اُنظر: ابن الأثير، علي بن أبي الكرم، الكامل في التاريخ: ج11، ص562.

([39]) اُنظر: الذهبي، محمد بن أحمد، سير أعلام النبلاء: ج21، ص160.

([40]) اُنظر: الكاشفي، الملا حسين، روضة الشهداء: ص354.

([41]) ومعناه باللغة العربية:

ابكوا أيّها الأحبة حزناً على سبط النبي
 

 

ولتحرقوا صدوركم بنار اللوعة على قتيل كربلاء
 

وارووا الأرض بدموعكم لأجل مَن قضى ظامئ الشفاه
 

 

واذكروا مبسمه الظامئ حين البكاء
 

 

 

([42]) ومعناه باللغة العربية:

تذوب النفس حسرة في هذه المآتم

 

وتجري دماء القلب من بين المآقي

 

 

([43]) الكاشفي، الملا حسين، روضة الشهداء: ص12 ـ 13.

([44]) قصة فاجعة كربلاء المؤلمة.

([45]) الجامي، عبد الرحمن، سلسلة الذهب: ص178. ترجمة الأبيات بالعربية إجمالاً كالتالي:

أحسن الظنّ بهم جميعاً

 

ولا ينبغي لقلبك أن ينكر أحداً منهم

أيّما نزاع دار فيما بينهم

 

لا يكوننّ مدعاة للتعصب في الحديث عنهم

لا تعترضنّ عليهم قيد أنملة

 

فلا تفقد دينك من دون ثمن

دع القضاء في تلك القضية لله

 

 وانشغل بالعبودية فما أنت والقضاء

أمّا ذلك الخلاف الذي أثاره ضد حيدر

 

في الخلافة أُولئك الصحابة الآخرون

فإن الحق هناك كان حليفاً لحيدرة

 

والحرب ضدّه كانت خطيئة ومنكراً

 

 

([46]) المصدر السابق: ص178.

([47]) اُنظر: الكاشفي، فخر الدين علي، الرشحات: ج1، ص257. مقامات الجامي: ص169، نقلاً عن: الهروي، نجيب مائل، الجامي: ص118.

([48]) المصدر السابق: ص56. ومعنى هذه الأبيات في اللغة العربية:

صيّرت باصرتي قدماً في الطريق إلى مشهد الحسين

 

فهذا السفر فرضٌ عينيٌ في مذهب العاشقين

لو أنّ خدام مرقده وطأوا رأسي بأقدامهم

 

فسيعلو رأسي شموخاً فوق هام الفرقدين

هذا الذي تطوف الكعبة حول روضته

 

فيا ركب الحجيج أين تروحون أين؟!

فلتلتمس الوسيلة وتدع كلّ شين وحيلة

 

فلقد ملأت كراماته ما بين الخافقين

ما حاجة ذي العذار المعطر الجعد

 

أن يتخذ من الشعر المستعار زين

أيّها الجامي قف متسوّلاً على بابه

 

 لتستبدل براحة الوصال عذاب بين

واسكب الدمع من المآقي ففي

 

مذهب الكريم قضاء حاجة السائل دين

 

 

([49]) اُنظر: ديوان الجامي: ص78. ومعناه باللغة العربية:

أصبحت زائراً لك يا شحنة النجف

 

لأنثر روحي على قبرك بيدي

أنت قبلة الداعين والمتضرعين

 

حيث يقصدك الأمل من جميع الجهات

 

([50]) الخوارزمي، مقتل الحسين: ص290.

([51]) اُنظر: المصدر السابق: ج2، ص143 ـ 182.

 
 
البرمجة والتصميم بواسطة : MWD