1439 / ربیع‌الاول / 6  |  2017 / 11 / 25         الزيارات : 484048         صلاة الصبح |         صلاة الظهر والعصر |         صلاة المغرب والعشاء |

الندوة (31) - دور المرأة المبلّغة في أربعين الإمام الحسين (عليه السلام) - الأُستاذة أُمّ فاطمة المؤمن

{ مؤسسة وارث الأنبياء - قم المقدسة }
الندوة (31) - دور المرأة المبلّغة في أربعين الإمام الحسين (عليه السلام) - الأُستاذة أُمّ فاطمة المؤمن

بدايةً عرّفت المحاضرةُ التبليغَ لغةً، مبيّنة أنّ أصل التبليغ من البلوغ والبلاغ، بمعنى الانتهاء إلى أقصى المقصد والمنتهى, فالتبليغ هو الإيصال إلى الشيء المطلوب, والتبليغ هو الركن الأساسي الذي قام به الأنبياء (عليهم السلام)؛ لإيصال رسالات الله تعالى إلى العباد, والقرآن يحدّثنا عن لسان الأنبياء: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ﴾، موضّحة أنّ القرآن كتاب هداية وإرشاد, وله رسالة فكرية وتربوية, فلقد اهتمّ كثيراً بمسألة التبليغ, ويحدّثنا القرآن بأن مهمّة النبي  الأُولى والأخيرة هي التبليغِ ﴿إنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾, ولذا أولى القرآن لهذا الأمر اهتماماً بالغاً.

ثمّ استعرضت أهم صفات المبلِّغين:

العلم والمعرفة: إنّ أوّل صفة يجب أن يتحلّى بها المبلّغ الذي يريد نشر القيم الإلهية بين أفراد المجتمع هي العلم والمعرفة والبصيرة؛ لأنّ العلم هو سلاح المبلغ الذي يستطيع من خلاله أن يدخل إلى أوساط المجتمع ويؤثّر فيهم, ومن خلاله يستطيع أن يغيّر ويصلح الآخرين, ولذا نجد القرآن يؤكّد على مسألة التسلّح بالعلم بصورة عامّة, حيث قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ الله الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾, وكذا يؤكّد عليه بصورة خاصة وبارزة للمرسلين حيث يقول (جلّ وعلا): ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا﴾ أو: ﴿يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾, إلى غير ذلك من الآيات التي تشير إلى أنّ الأنبياء (عليهم السلام) قد زوّدهم الله بالعلم الإلهي اللدنّي؛ حتى يُوصلوا رسالتهم إلى أُممهم وشعوبهم.

وعليه؛ لابدّ للمبلّغ أن يحمل العلم والمعرفة الدينية والاجتماعية والسياسية، عارفاً بأحوال زمانه ومكانه, كما يجب عليه أن يكون فاهماً للدين والقيم السماوية بشكل صحيح.

2ـ الإخلاص: الصفة المهمّة جداً للمبلغ هي الإخلاص, وأولى الإسلام للنية أهمّية كبيرة جداً قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾.

مضيفة أنّ الإخلاص طريق جميع الأنبياء (عليهم السلام)، قال تعالى على لسان الأنبياء (عليهم السلام): ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.

سعة الصدر: من الأُمور التي يحتاجها المبلغ هي سعة الصدر، وينبغي أن يكون لديه فنّ في التعامل على المستوى المطلوب، قال النبي: «إنا معاشر الأنبياء أمرنا أن نكلّم الناسَ على قدر عقولهم».

4ـ الصبر: قال تعالى لنبيه الكريم: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾, الصبر على مشاكل العمل, وعلى مشاكل الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى, ويعّده أمير المؤمنين عليه السلام بأنه «كَالرَّأْسِ مِنَ الْجَسَدِ».

الرفق والمحبة: قال تعالى: ﴿لقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}, فهذه أهمّ صفة لمَن أراد أن يتأسّى برسول الله تعالى , وهو أن يكون عنده حرص شديد على هداية الناس, إذ كان على مستوى من الحرص إلى حدّ البخوع والإهلاك من شدّة التحرّق على عباد الله وعلى هدايتهم، بحيث إنّ آيات القرآن تسلّي رسول الله تعالى  على ذلك، كما في قوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آَثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾.

الأُسوة العملية: جاء في الحديث عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «مَنْ نَصَبَ نَفْسَه لِلنَّاسِ إِمَاماً فَلْيَبْدَأْ بِتَعْلِيمِ نَفْسِه قَبْلَ تَعْلِيمِ غَيْرِه, ولْيَكُنْ تَأْدِيبُه بِسِيرَتِه قَبْلَ تَأْدِيبِه بِلِسَانِه، ومُعَلِّمُ نَفْسِه، ومُؤَدِّبُهَا أَحَقُّ بِالإِجْلَالِ مِنْ مُعَلِّمِ النَّاسِ ومُؤَدِّبِهِمْ», بمعنى أنّه يجب على المبلّغ أن يلتزم بالمعروف قبل أن يأمر به, وينتهي عن المنكر قبل أن ينهى عنه, والله تعالى يحدّثنا عن لسان شعيب (عليه السلام): ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾, ومن أهمّ أهداف نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) هي الإصلاح، حيث قال (عليه السلام): «إنّما خرجتُ لطلبِ الإصلاح في أمّة جدّي».

ثمّ بيّنت أبعاد زيارة الأربعين:

حلقة الوصل بين الأجيال والسابقين وإحياء شعائرهم:

إنّ التواصل من المفاهيم العميقة والخصائص المهمّة التي يتمّ من خلالها التوارث والتسالم والتحابب بين الأجيال, وهو من الأُمور التي يبتغيها الإسلام ويؤكّد عليها, ولذا فكلّ الوسائل والأساليب التي تبلور هذا التواصل وهذا اللقاء تكون من الأُمور المحبّذة والمندوبة بما في ذلك الزيارة, زيارة قبور الأئمة (عليهم السلام) وأبنائهم.

2ـ ربط الشيعة بمحور أهل البيت (عليهم السلام) ومواقفهم الشرعية الثابتة:

من الأُمور التي تحقّقها الزيارة هو أنّها تربط الشيعة, تلك الجماعة الصالحة التي تربّت تحت ظلّ ورعاية أهل البيت (عليهم السلام) مع الخط الرسالي المرسوم من قبلهم، ألا وهو رفض الظلم والطغيان، قال الإمام الحسين (عليه السلام): «مَن رأى سلطاناً جائراً، مستحلّاً لحرم الله، ناكثاً لعهد الله، مخالفاً لسنّة رسول الله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان ثمّ لم يغيّر بقولٍ ولا فعلٍ، كان حقيقاً على الله أن يدخله مدخله...».

تثقيف الأمّة على الالتزام بمفاهيم الزيارة:

ومن الأبعاد الأُخرى للزيارة هو تثقيف الأُمّة ـ وخاصّة الشيعة والمحبّين ـ على المفاهيم العقائدية والأخلاقية والسياسية الموجودة في الزيارة.

التعبير عن الوجود الاجتماعي والسياسي للشيعة

 تُعدّ الزيارة تعبيراً سياسياً واجتماعياً عن وجود الشيعة، خاصّة في هذا الزمن؛ حيث إنّنا نرى أنّ زيارة الأربعين هي أكبر تجمّع عالمي ومليوني لنا الآن، وهذه أحد الأسباب التي من أجلها أكّد الأئمة على ضرورة زيارة الإمام الحسين (عليه السلام)، رغم كلّ الأخطار الموجودة في ذلك الزمن.

 ثمّ أضافت: أنّ من أهم المسائل في التبليغ أيام الأربعين هي إنشاء حلقة وصل بين المبلّغة والزائرة في ذلك الجو؛ فاللقاء سريع، والثقافات مختلفة، واللغات مختلفة أيضاً، وعليه ينبغي أن يتمّ اختيار المبلغات وتربيتهن وتدريبهن طوال السنة؛ لأجل إعدادهنّ علمياً وسلوكياً لأداء وظيفة التبليغ في أيّام زيارة الأربعين.

ثمّ بيّنت أنّ أفضل موضوع يمكن أن يستغلّ في تلك الفترة هو التبليغ لتمهيد الظهور، فنحن نرى أنّ الكلّ يعيش مستوى معيّن، وروحية معيّنة من الإحساس بهذا الأمر.

مؤكّدةً أنّ الذي يؤخّر ظهور الإمام الحجّة هو أعمالنا، وقد ذكر الإمام ذلك في توقيعه أيّام الغيبة الصغرى للشيخ المفيد، حيث قال (عجّل الله فرجه الشريف): «ولو أنّ أشياعنا (وفقهم الله لطاعته) على اجتماع من القلوب في الوفاء بالعهد عليهم لما تأخّر عنهم اليمن بلقائنا، ولتعجّلت لهم السعادة بمشاهدتنا على حقّ المعرفة وصدقها منهم بنا، فما يحبسنا عنهم إلّا ما يتصل بنا ممّا نكرهه ولا نؤثره منهم، والله المستعان», وهذا هو الشيء الذي يؤخّر الظهور.

فإذن؛ يجب أن نجعل هذه الحالة تتّسع في حياتنا, ونعلّم الزائرة كيف تعيش هذه الحالة كلّ أيام السنة؛ حتى تكون سيرتها حسينية, بمعاهدتها للحسين (عليه السلام), وبارتباطها بإمام زمانها (عجّل الله فرجه الشريف), وذلك من خلال تزكية النفس, إذ لا يوجد ثمّة طريق للارتباط بالإمام الحجّة (عجّل الله فرجه الشريف) أفضل من تزكية النفس وإصلاحها؛ والبرنامج اليومي الذي علّمه لنا أهل البيت (عليهم السلام) حينما ندبوا إلى جهاد النفس هو برنامج المحاسبة اليومية, حيث ورد عن الإمام الكاظم عليه السلام: «ليسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يُحَاسِبْ نَفْسَه فِي كُلِّ يَوْمٍ».

واختتمت المحاضرة متسائلةً: هل اصطحب الإمام الحسين (عليه السلام) السيّدة زينب عليها السلام وهو يعلم أنّها أُنثى تغلب عليها العاطفة وسوف يغلبها البكاء والنحيب؟ وهل سوف تحقّق أهداف الحسين (عليه السلام) لو كانت السيّدة زينب (عليها السلام) بهذا المستوى من الضعف يا ترى؟

وأجابت: إنّ الإمام الحسين (عليه السلام) يريد منّا قوة بمستوى القوة الروحية التي كانت تحملها زينب (عليها السلام)، بحيث لم تترك حتّى نوافلها في ليلة الحادي عشر من المحرم، والمؤمن القوي يحبّه الله تعالى، و«إنَّ الله (عَزَّ وجَلَّ لَيُبْغِضُ الْمُؤْمِنَ الضَّعِيفَ»؛ لأنّ المؤمن القوي هو الذي يستطيع أن يصنع ويغيّر, والمرأة التي نريدها نحن يجب أن تكون بهذا المستوى من الهمّة, وبمثل هكذا مستوى من التسلّح بالإيمان والتزكية.

وفي الختام استمعت المحاضرة لمداخلات الحضور، وأجابت عنها.

 
 
البرمجة والتصميم بواسطة : MWD