1438 / ذي الحجه / 28  |  2017 / 09 / 20         الزيارات : 421310         صلاة الصبح |         صلاة الظهر والعصر |         صلاة المغرب والعشاء |

عدد المُخْرَجـيـن لحرب الإمام الحسيـن عليه السلام

{ السيّد حسن الصدر }
عدد المُخْرَجـيـن لحرب الإمام الحسيـن عليه السلام

مقدمة التحقيق

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على محمد وأهل بيته، وأصحابه المنتجبين، واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين.

أمَّا بعدُ، فقد كنت مُحباً للاطّلاع على عالم المخطوطات وتحقيقها، شغوفاً في معرفة مناهج المُحققين وأساليبهم، متابعاً لمِا يصدر عنهم، وما من شيء يتعلّق بهذا الأمر إلّا وكنت من رواده ومن السبّاقين إليه، لاسيّما الدورات التي تُعقد في تعلم فنّ التحقيق، أو الندوات التي تُخصّص للبحث في هذا العنوان.

ولقد كنت من المحظوظين في حضور الدورة المُشار إليها فيما تقدّم، وفي ختامها حصلت على مخطوطة من خلال مؤسسة المرتضـى في النجف الأشرف؛ من أجل تحقيقها وتطبيق ما اطلعت عليه من فنّ التحقيق.

وقد اختلف المعاصرون في منهج التحقيق عند المُحدّثين إلى نوعين، تجدر الإشارة لهما في هذه الفقرة:

«غاية التحقيق هو تقديم المخطوط صحيحاً كما وضعه مؤلفه، دون شرحه.

 إنَّ الكثيرين من الناشرين لا ينتبهون إلى هذا الأمر، فتجد الحواشي مَلْأى بالشـروح والزيادات: من شرح للألفاظ، وترجمات للأعلام، ونقل من كتب مطبوعة، وتعليق على ما قاله المؤلف، كلّ ذلك بصورة واسعة مُملّة، قد تشغل القارئ عن النصّ نفسه، ولم توجد في المخطوطة»([1]).

وهذه الفقرة تحدد ملامح الاتجاهين في التحقيق:

الأوّل: يجب أن يكون كما وضعه مؤلفه، دون شرحه.

الثاني: أن تُملأ فيه الصفحات بـشرح للألفاظ، وترجمات للأعلام، ونقل من كتب مطبوعة، وتعليق على ما قاله المؤلف.

وهنا يمكن أن نُحدد منهجاً لا يتعارض مع المنهجين، وهو أن نُفرّق بين المصطلحات وتطبيقها، بأن يُضاف إلى مصطلح (التحقيق) مصطلح آخر: (التحرير)، وهو مما تعارف عليه القدماء([2]).

وعلى ضوء هذين المصطلحين يمكن تحديد المنهج الذي يجب أن يُتّبع مع المخطوطة.

 فقد يوجد مخطوط لا يستحق إلّا تطبيق المنهج الأوّل عليه، وهو (كما وضعه مؤلفه، دون شرحه)، وهذا نُعبّر عنه بـ (تحرير النصّ)، أو (تحرير المخطوط). وهناك مخطوط من حقّه التحقيق، وهو العمل الذي يشمل (التحرير، وشرح للألفاظ، وترجمات للأعلام، ونقل من كُتب مطبوعة، وتعليق على ما قاله المؤلف)، وغيرها من المسائل المتعارف عليها؛ لأنَّه قد يوجد مخطوط قد تُسـيء له ولمؤلفه إن اقتصـرت على تحريره؛ إذ من حقّه أن يُتّبع فيه منهج (التحقيق)، وكذلك فيما يُتّبع فيه المنهج الثاني ومن حقّه (التحرير).

ومن هنا لا يمكن أن نضع قاعدةً عامّةً ومنهجاً واحداً لجميع المخطوطات، فالمخطوطة يجب أن يُحدد لها منهج، فإمّا (تحرير) وإمّا (تحقيق).

وكذلك لا يمكن تحديد النسبة بين (الُمحرر) و(المُحقق)، فقد تكون العموم، وقد تكون الخصوص من وجه.

ونحن هنا اتبعنا المنهج الثاني في عملنا هذا؛ لأنَّ هذه المخطوطة من حقّها (التحقيق) وليس (التحرير).

وهي رسالة من مُصنّفات العالم الجليل والمؤلف الكبير السيّد حسن الصدرقدس سره. وموضوعها: هو تعيين عدد الذين أُخرجوا لحرب الإمام الحسين عليه السلام في الطفّ من الجيش الأُموي.

وهي جواب لسؤال ورد إليه من السيّد عبد الحسين الكليدار، خازن الروضة الحسينيّة.

ومن ضروريات التحقيق ـ حين ابتدأت العمل في تحقيقها ـ وجوب البحث عن نُسخة المؤلف التي كتبها بيده (المُسوَّدة) أو (المُبيَّضة) إن كُتبت لها، أو نُسخة من إملائه، أو مكتوبة عن نُسخته، أو قريبة من عصره، أو غيرها من النُّسخ إن وجدت، وأنظر فيما إذا حُققت من قبلُ، وأجمع كلّ ما ورد عنها وقيل فيها.

وفي أثناء البحث والسؤال والمتابعة أخبرني الأخ العزيز أحمد الحلي عن المخطوطة بأنَّها مُحقّقة، ونُسخة منها في مكتبة الإمام الصادق عليه السلام في النجف الأشرف.

وحين اطّلاعي عليها عرفت أنَّها حُقّقت على يد المُحقق الأُستاذ منتظر الحيدري في 13/جمادى الآخرة/1433هـ، وطُبعت في السنة نفسها، ونشـرها (مركز جنّة الحسين عليه السلام للدراسات الإسلاميّة، في كربلاء).

وقد ذكر المُحقّق مقدّمةً عن تحقيقه لهذه المخطوطة، وكيفية حصوله على نُسخها المخطوطة، فقال: «في أوائل العام (1432هـ) وقفتُ على أسماء مُصنّفات السيّد حسن الصدر قدس سره في كتاب (مُعجم مؤلفي الكاظمية)، للدكتور الفاضل الشيخ محمد المنصور، ومن بين تلك المُصنّفات ذكر كتاب (عدّة مَن خرج إلى حرب الحسين عليه السلام، وأنَّهم ثلاثون ألفاً على الأقل)، فعلُق العنوان بقلبي حتى جاء اليوم الذي وفقني الله سُبحانه فيه، إذ أهداني المُحقق الجليل والأُستاذ النبيل الحاج جعفر البيّاتي نُسخةً من قرص ليزري يحتوي على الكثير من صور مخطوطات السيّد المُصنف قدس سره، فأخذت أبحث عن النُّسخة المنشودة حتى وقفت على نُسختين لهذا المُصنف قدس سره، فحمدتُ الله سُبحانه وأخذت في تحقيقه ونشره؛ ابتغاءً لمرضاة الله سُبحانه، وإظهاراً، بل إخباراً بما جرى على الحسين عليه السلام وسائر أهل بيت الرسالة عليهم السلام، في العاشر من محرّم الحرام سنة (61هـ).

بل وتأديةً لحقوق مُصنف هذا السفر العظيم، والصـرح القويم، العالم العامل، وحيد عصـره، وسيّد دهره، زعيم الخاصّ والعامّ، المرجع الديني الكبير السيّد حسن الصدرقدس سره...». انتهى كلام المُحقق.

ومن خلال قراءتي بإمعان ونظر في هذه النُّسخة المُحققة، رأيتُ أنَّ المُحقق اتّبع منهج التحقيق القائل بعدم الاقتصار على تحرير النصّ، وإخراجه من المخطوط إلى المطبوع، أي: لا بدّ ـ إضافةً لمقابلة نصّ الكتاب مع نصوص النُّسخ الأُخرى ـ من تخريج النصوص، وشرح الكلمات، وضبط المفردات، وقد بذل جُهداً يُشكر عليه في تحقيقها، وإخراجها بتلك الصورة.

ولكن رأيت أن أُعيد تحقيقها ـ ويبقى له فضل السبق في اختيار هذه الرسالة وتحقيقها ـ لأسباب عدّة.

 

 

أسباب إعادة تحقيق الرسالة

السبب الأهم في تحقيقي لهذه الرسالة هو استجابة لطلب مؤسسة المرتضـى التي قدّمت لي هذه المخطوطة كممارسة عمليّة لمِا تعلّمته في فن التحقيق. وهناك أسباب أُخرى كُثُر دعتني لإعادة تحقيق هذه الرسالة، أذكرها بين يدي القارئ الكريم، منها:

(a)أوّلاً: فيما يتعلّق بتحقيق المطبوعة

العنوان

وهو الذي ذُكر على صفحة غلاف النسخة المُحققة المطبوعة (رسالة في عدد قتلة الإمام الحسين عليه السلام)، وهو يختلف عمّا وضعه المؤلف، وهو (رسالة في عدد المُخْرَجين إلى حرب الحسين عليه السلام في الطفّ)، وما ذكره المترجمون له من العناوين الأُخرى، مع أنَّ المُحقق قد اطلع على عنوان الرسالة الذي ورد في كتاب: (معجم مؤلفي الكاظميّة)، وهو (عدّة مَن خرج إلى حرب الحسين عليه السلام، وأنَّهم ثلاثون ألفاً على الأقل).

وهذا تغيير واضح في العنوان؛ إذ مصطلح (القتلة) يختلف عن مصطلح المُخرَجين.

وسيأتي تفصيل ذلك في الحديث عن عنوان الرسالة.

الأخطاء المطبعية

 وردت في النُّسخة المطبوعة بعض الأخطاء المطبعية التي لا يفهم القارئ ـ بِسببِها ـ المعنى المراد من الجملة، من قَبيل كلمة (نص) في الجملة: (وما ذكره المسعودي في كتابه إثبات الوصية، الذي نصٌّ على أنَّه له في وفيات الوفيات...)، ورُسمت هكذا (نصٌّ)، وليس لها معنى. والصحيح أن تُبنى للمجهول (نُصَّ)، أي: نصَّ صاحب وفيات الوفيات وغيره على أنَّ كتاب (إثبات الوصية) للمسعودي.

 

3ـ نصُّ الرسالة

لقد كتب السيّد حسن الصدر قدس سره مجموعة من العناوين، تُحدد بدء المواضيع والمطالب على جوانب المخطوطة، وهي وإن كُتبت في الهامش إلّا أنَّها تُعتبر من أجزاء الرسالة الرئيسة، ويمكن أن تكون عناوين لمطالبها، وهي مما لم تُذكر في المطبوعة.

4 ـ مُتطلبات التحقيق

اكتفى المُحقق بالنُّسختين اللّتين حصل عليهما، وقد وجدت نُسخة أُخرى، وهي مُسَوَّدَةُ هذه المخطوطة، وهي بخط المؤلف.

والتحقيق يتطلّب البحث عن أكثر من نُسخة للمخطوطة.

5 ـ التعليق والتوضيح([3])

لم يُنبّه المُحقق على ما ذكره المؤلف (السيّد حسن الصدر قدس سره) في هذه العبارة: «وقد رأيت في تاريخ ابن جرير يروي أنَّه [الحسين عليه السلام]: قتل ألفاً وثمانمائة رجل».

وهذه الجملة لم تُذكر في تاريخ الطبري، وإنَّما ذُكرت في (إثبات الوصية) للمسعودي، فوجب التنبيه على ذلك، وهذا أمر مهم، وهو ما لم يُذكر في هامش المطبوعة.

ويجب التنبيه أيضاً على بعض ما نقله المؤلف، كما في بعض الروايات التي ورد فيها  اسم (الحصين بن نمير السكوني)، المذكور بهذا اللقب في كثير من المؤلفات القديمة، كـ (الفتوح) لابن أعثم وغيره، والحديثة أيضاً كما في (أعيان الشيعة).

والصحيح (التميمي) وهو صاحب شرطة عبيد الله بن زياد.

وكذلك ما نقله عن الطبري في اسم (عبد الرحمن بن أبي سبرة الحنفي...) والصحيح (الجعفي) وسيأتي تفصيله.

الهوامش

فقد ذكر المُحقق هامشاً طويلاً بحيث استغرق أكثر من عشـر صفحات؛ ردّاً على قول المؤرخين: (وكان عمر بن سعد يكره قتاله ـ الحسين عليه السلام ـ).

وإنَّما يُذكر هذا الهامش فيما لو كان موضوع الرسالة يتحدّث عن ترجمة عمر بن سعد (لعنه الله)، أو كان هناك تعليقٌ من المؤلف على هذه العبارة بعد أن استشهد بها.

ومهما يكن فإنَّ هذا الهامش لا علاقة له بموضوع الرسالة الذي يتعلّق بعدد المُخرَجين لحرب الإمام عليه السلام؛ لأنَّ هذا الأمر يفتح المجال واسعاً للحديث عن كلّ اسم ورد ذكره في الرسالة ووصف بأمر معين.

ثُمّ إنَّ هذه الكلمات وردت في نصّ استشهد به المؤلف، فليست من كلامه ووصفه؛ ليحسن التعليق على كلامه إثباتاً أو نفياً، علماً بأنَّ الهامش جيد، ولكن له محلٌّ آخر.

(b)ثانياً: فيما يتعلّق بمؤلف الرسالة

في جانب الاستدراك على المؤلف

إذ كان ـ فيما حضر السيّد حسن الصدر قدس سره من الاستنباطات؛ من أجل إثبات عدد الجيش الأُموي أنَّه ثلاثون ألفاً ـ الشاهد الذي ذكره في قول الطرمّاح بن عدي للإمام الحسين عليه السلام: «... وقدْ رأيتُ قبل خروجي من الكوفة إليك بيومٍ ظَهر الكوفة، وفيه من الناس ما لمْ ترَ عيناي في صعيد واحد جمعاً أكثرَ منه، فسألت عنهم: فقيل اجتمعوا ليُعرضوا، ثُمَّ يُسـرّحُون إلى الحسين»([4]).

والاستدراك هنا: إنَّ هناك عرضاً آخرَ للجيش، ومنه سُرّح إلى كربلاء، لم يذكره السيّد حسن الصدر قدس سره. وكان في معسكر عبيد الله في النُّخيلة حين قدِم إليها، بعد أن استعمل عمرو بن حريث على الكوفة.

وذكر هذا العرض عبد الله بن عمير من بني عُليم، إذ رأى القوم بالنُّخيلة يُعرضون ليُسرّحوا إلى الحسين عليه السلام، فسأل عنهم. فقيل له: يُسـرّحون إلى حسين بن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم...([5]).

وهذا الشاهد يمكن أن يكون دليلاً آخر على ما أراد المُصنف إثباته، وسيُذكر مفصّلاً.

2ـ جواب لمسألة لم يتعرّض لها المؤلف

 وكذلك ذكرنا جواباً لمسألة لم يتعرّض لها المؤلف، ولم يذكرها المؤرخون والمحدّثون، وكذلك المُحققون، وهي أنَّهم حين يتحدّثون عن أعداد الجيش الذي قيل عنه (ثلاثون ألفاً)، يقولون: «وسار ابن سعد إلى قتال الحسين عليه السلام بالأربعة آلاف التي كانت معه، وانضمّ إليه الحر وأصحابه، فصار في خمسة آلاف، ثمَّ جاءه شمر في أربعة آلاف، ثمَّ أتبعه ابن زياد بيزيد بن ركاب الكلبي في ألفين، والحصين بن تميم السكوني في أربعة آلاف، وفلان المازني في ثلاثة آلاف، ونصر ابن فلان في ألفين، فذلك عشـرون ألف فارس تكمّلت عنده إلى ست ليال خلون من المحرّم، وبعث كعب بن طلحة في ثلاثة آلاف، وشبث بن ربعي الرياحي في ألف، وحجار بن أبجر في ألف، فذلك خمسة وعشـرون ألفاً»([6]). ثمَّ يقولون: «وما زال يُرسل إليه بالعساكر حتى تكامل عنده ثلاثون ألفاً ما بين فارس وراجل»([7]).

أقول: لم نجد في جميع المصادر المهمّة التي بين أيدينا مَن عرّف وحدّد هذه (الخمسة آلاف) ـ المكمّلة للثلاثين ـ مع مَن أقبلت؟ ومَن هم قادتها؟

وقد حصلنا على شواهد يمكن من خلالها تحديد أسماء تلك القبائل وقادتها، التي كان عددها خمسة آلاف، وبها يكتمل العدد (ثلاثين ألفاً).

وعسى أن يكون صحيحاً، أو نكون قد سرنا خطوة في تحقيق هذه المسألة.

(c)ثالثاً: المناهج المختلفة في التحقيق

ومن الأسباب التي تدعو إلى إعادة تحقيق بعض المخطوطات المُحقّقة، هو أنَّ المُحقّقين يختلفون في المناهج التي يتبعونها في عمل التحقيق، إذ لو أُعطيت هذه الرسالة لأكثر من مُحقّق لرأيت كلّ مُحقّق يعرض تحقيقه بشكل يختلف عن الآخرين؛ وذلك لأنَّهم يختلفون في الفن والإبداع في التحقيق، ويتفقون على القضايا الرئيسة في تحرير النصّ.

ومن المسائل التي قد يختلف فيها المُحققون في هذه الرسالة ـ على سبيل المثال ـ هو أنَّ هذه الرسالة أُلفت جواباً لسؤال وجّهه السائل ـ وهو السيّد عبد الحسين الكليدار رحمه الله ـ للمؤلف، فجاء في أوّلها: «سألت (أدام الله توفيقك وزاد في شرفك وعزِّك)...».

وفي النُّسخة المُحقّقة لم نجد ذكراً أو ترجمةً للسائل، ومن هنا قد يختلف المُحققون في هذا الأمر، فهل يتطلّب التحقيق التعريف بالسائل، وذكر ترجمة له؛ باعتباره كان سبباً في تأليف هذه الرسالة، أو أنَّ هذا الأمر ليس من صلب التحقيق؟

وكذلك هناك اختلاف بينهم في المسائل التي تُبحث في المقدّمة، أو في المواضع التي يجب أن يُذكر لها هامش، وأيضاً في الشرح والتعليق، وغيرها من مسائل التحقيق الأُخرى.

وأعتقد أنَّ أيّ مُحقّق له اتجاه وأُسلوب محدد في التحقيق، تُشمُّ منه رائحة فنّه ومنهجه وأُسلوبه، لا يستطيع أن يحيد عنه، فهو كالطبع المتجذر في نفس الإنسان، وأذكّر هنا أنَّ عملي في تحقيق هذه الرسالة لا يعني أنَّه يُغني عن التحقيق الأوّل، فلكلّ تحقيق وجهته، وإن ارتفعا ـ في الجانب الفني والعلمي ـ إلى المستوى المتعارف عليه في التحقيق، فقد يكون كلّ منهما مُكمّلاً للآخر.

هذه جملة من الأسباب التي تُسوّغ إعادة تحقيق هذه الرسالة مرّة أُخرى؛ إحياءً لتراثنا الإسلامي، وخدمةً للعلم والتاريخ، وتخليداً لذكر المؤلف (طيب الله ثراه)، وتحقيقاً في إحدى المسائل في واقعة الطفّ المهمّة، التي تتعلّق بعدد المُخرَجين إلى حرب الإمام الحسين عليه السلام، وكذلك للمقارنة بين تحقيقين لمخطوطة واحدة في اختلاف مناهج التحقيق وأساليبه.

(d)تسمية الرسالة

 اختلف المترجمون في تسمية هذه الرسالة، فالسيّد شرف الدين في كتابه (بُغية الراغبين في أحوال آل شرف الدين)، ذكرها بعنوان: (محاربو الله ورسوله يوم الطفوف)، ثمَّ عرّف موضوعها، فقال: «رسالة أفردها لبيان عدد المُخرَجين إلى حرب سيّد الشهداء يوم الطفّ، أثبت فيها أنَّهم كانوا ثلاثين ألفاً أو يزيدون»([8]).

وأمّا في الذريعة، فلم يذكر لها هذا العنوان، وإنَّما ذكر تعريفاً بموضوعها، فقال: «رسالة في عدد مَن خرج إلى حرب الحسين عليه السلام، وإثبات أنَّ المتيقن منهم ثلاثون ألفاً»([9]). وكذلك السيّد الأمين في الأعيان، قال: «عدّة مَن خرج إلى حرب الحسين عليه السلام، وأنَّهم ثلاثون ألفاً على الأقل»([10]).

وواضح أنَّ ما ذُكر في الذريعة والأعيان، هو تعريف بموضوع الرسالة وليس عنواناً، ويبقى تحقيق صحة العنوان الذي ذكره السيّد شرف الدين، وهو (محاربو الله ورسوله يوم الطفوف)، لم نهتدِ إلى المصدر الذي اعتمد عليه رحمه الله.

وأمّا ما ذكره مُحققو كتب السيّد حسن الصدرقدس سره  من عناوين لهذه الرسالة في مقدّمات التحقيق، فقد اعتمدوا على ذات المصادر المتقدّمة.

وأمّا عنوان النُّسخة المُحقّقة، فكان (رسالة في عدد قتلة الحسين)، ولم يذكر معه التعريف المتقدّم، وكذلك لم يذكر عنه شيئاً في مقدّمة التحقيق، وهو وإن كانت فيه دلالة على العموم على نحو المجاز، كما قالوا: (تَتَبَّع المختار قتلة الإمام الحسين عليه السلام). ويُريدون بذلك جميع مَن استُشهد في واقعة الطفّ، إلّا أنَّه يختلف عن العنوان الذي ذكرته كتب المؤرخين وأصحاب التراجم، وهو (رسالة في عدد المُخرَجين لحرب الحسين عليه السلام في الطفّ).

وهذا يخالف منهج التحقيق الذي يلزم النقل الصحيح والكامل، خاصّة لأمر مُهمّ، وهو عنوان الكتاب، وإن كانت فيه دلالة واضحة على نسبة الكتاب لمؤلفه من خلال اسمه المذكور على صفحة الغلاف.

ثمَّ ظاهره ـ لمَن لا يعرف مصطلح المجاز ومعانيه ـ يدلّ على عدد الذين اشتركوا في قتل الحسين عليه السلام خاصّة، وليس فيه إشارة إلى موضوع عدد المُخرَجين لحرب الحسين عليه السلام.

وفرق كبير بينهما، فعدد الذين بارزهم الإمام الحسين عليه السلام وقتلهم، أو الذين انهزموا أمامه، وكذلك كلّ مَن رماه بالنبال والسهام والحجارة، أو مَن وطأ الخيل صدره، وغيرهم من المباشرين في ساحة المعركة قد لا يتجاوز الخمسة آلاف، بينما موضوع الرسالة يتحدّث عن (ثلاثين ألفاً)، وهؤلاء هم المُخرَجون إلى حرب الحسين عليه السلام.

 وأعتقد أنَّ المُحقق لتلك النُّسخة لم يرجع للمصادر المُعتبرة التي تُعرّف هذه النُّسخة، ولعلّه وضع هذا العنوان لمِا ورد في مطلع الرسالة، من قول السائل الذي أشار له السيّد حسن الصدر قدس سره: «سألت... عمَّن زاد على أربعة آلاف في عدد المُحاربين في الطفّ لسيّد الشهداء...».

وعند البحث عن نُسخ المخطوطة حصلنا على قرص ليزري من مؤسسة المرتضى في النجف ـ ولم تُذكر فيه إشارة تدلّ على مصدره ـ يحتوي على نُسختين.

أحدهما (المُسوَّدة) لهذه المخطوطة، وأُخرى (المُبيَّضة).

وكذلك لم يُذكر فيهما عنوان لهذه الرسالة، ولكن وجدنا ورقتين مع الرسالة تحتوي كلّ واحدة منهما على أسماء جملة من رسائل المؤلف.

فأمَّا الأُولى: فذكر فيها تسع رسائل، وفي آخرها: «تمَّ بإملاء الأحقر علي نجل المؤلف (طاب ثراه)»، وكان تسلسل عنوان هذه الرسالة فيها هو الثاني، وجاء فيه: «رسالة في عدد المُخرَجين لحرب الحسين».

وكذلك الورقة الأُخرى: فهي مستقلة، ذُكرت فيها أسماء خمس رسائل فقهية، وفي آخرها كُتب: «كلّها تأليف الأحقر حسن صدر الدين»، وكان تسلسل هذه الرسالة هو الثالث، وجاء فيه: «رسالة في عدد المُخرَجين لحرب الحسين عليه السلام في الطفّ». وفي هذا العنوان زيادة، وهي (في الطفّ). والخط الذي كُتبت به الورقة الثانية، هو خط النسخ، وصغير الحجم، وهو يشبه خط مُسوَّدة هذه الرسالة، وعُلم من ذلك أنَّ هذه الورقة كتبها المؤلف قدس سره بخطه.

وهنا اتضحت حقيقة عنوان هذه الرسالة الذي وضعه المؤلف لها، وهو (رسالة في عدد المُخرَجين لحرب الحسين عليه السلام في الطفّ)، وهو الذي اعتمدناه في تحقيق هذه الرسالة، وأتبعناه بتعريف موضوعها، وهو خلاصة ما ذكره المترجمون.

ولكن يبقى العنوان الذي ذكره العالم المُحقق السيّد شرف الدين الموسوي، والمصدر الذي اعتمد عليه، وهو ما لم نوفّق لمعرفة حقيقته.

ولا بدّ أن يُؤخذ بعين الاعتبار وأن لا يُهمل؛ إذ قد يكون السيّد حسن الصدر قدس سره أضاف هذا العنوان.

ومهما يكن، فإنَّ له دلالة عقديّة مهمّة، وكأنَّه يُفرغ عن لسان العصمة، وسنتحدّث عن دلالته، وكذلك عن دلالة العنوان الذي وضعه السيّد حسن الصدر قدس سره بإيجاز في هذه السطور الآتية.

دلالة عنوان الرسالة: (محاربو الله ورسوله في يوم الطفوف)

ودلالته تتجسد في حقيقة هؤلاء الذين أُخرجوا لحرب الإمام الحسين عليه السلام، وأنَّهم قد (حاربوا الله ورسوله يوم الطفوف)؛ بقتالهم ومحاربتهم الإمام الحسين عليه السلام.

وقبل تفصيل هذه الدلالة وتطبيقها على هؤلاء، نُلقي نظرةً تمهيديةً حول ما خلّفته الأحداث التي جرت في الصدر الأوّل للإسلام.

لقد تركت واقعة السقيفة آثاراً جسيمةً في الدولة الإسلاميّة؛ إذ انقسم المجتمع على أثرها على صنفين:

مثّل الصنف الأوّل الخلفاء الثلاثة، ومَن سار على نهجم، وتمسّك بآرائهم، ومواقفهم، فكان له أثر كبير على المستوى السياسي المتمثّل في منهج الخلفاء في الحكم والسياسة، والذي أدّى إلى تأسيس الدولة الأُمويّة والعباسيّة، وكان لهذا الاتجاه الأثر الواضح في الجانب العسكري، كما حصل في حرب الجمل، وصفّين، والنهروان، وفي واقعة كربلاء.

وأمَّا الصنف الثاني فتمثّل بالثقل الثاني، الذي أوصى النبي صلى الله عليه وآله وسلم باتّباعه في حديث الثقلين، والمتجسّد بأهل بيت النبي صلى الله عليه وآله، وهم الأئمّة الاثنا عشرعليهم السلام.

ولا شكّ في انقسام المجتمع حول هذين الصنفين، فكان للصنف الأوّل محدّثوه ومفسّروه، ومؤرخوه ورواته الذين يدافعون عنه، ويوجّهون مواقفه وتصـرفاته، ويعتبرونه الحقّ الذي يجب اتباعه، ويحتجون لآرائهم بأدلّة وحجج يعتبرونها صحيحة ومقنعة؛ لأنَّها تستند إلى روايات يعتقدون بصحتها، حتى وإن كانت موضوعة ومُحرّفة.

ومن ذلك قولهم إنَّ يزيد هو: (خليفة الله في أرضه، وهو ممثل لإرادة السماء) وعلى هذا يكون كلّ مَن حاربه هو (محارب لله ولرسوله صلى الله عليه وآله وسلم)، ويستحق القتل لخروجه عن طاعة ولي الأمر يزيد.

 فهذا «القاضي أبو بكر بن العربي يفتري بكلّ الصراحة والجرأة، قائلاً: وما خرج أحد لقتال الحسين إلّا بتأويل، ولا قاتلوه إلّا بما سمعوا من جدّه، المهيمن على الرسل، المُخبر بفساد الحال، المُحذّر من دخول الفتن، وأقواله في ذلك كثيرة، منها: قوله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم): إنَّه ستكون هنات وهنات، فمَن أراد أن يُفرّق أمر هذه الأُمّة، وهي جميع، فاضربوه بالسيف كائناً مَن كان. فما خرج الناس [يقصد القتلة] إلّا بهذا وأمثاله»([11]).

بمعنى أنَّ كلّ ما فعله يزيد وزبانيته في كربلاء، كان مجرّد تطبيق لحكم الشـرع على ضوء أحاديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

«ولعلّ حسن تطبيق يزيد للشرع، هو الذي جعل محبّ الدين الخطيب أن يصفه بأنَّه كان شخصاً لامعاً، ومكتمل المواهب، ومستكملاً  للصفات اللائقة بمهمّة المركز الذي أراده الله له وهو الخلافة. ليس ذلك فقط، فهذا ابن حجر المكي يُقدّم (دليلاً) على اكتمال كمالات يزيد الخُلقية، بقوله: (إنَّ يزيد لمّا وصل إليه رأس الحسين بكى، قائلاً: رحمك الله يا حسين، لقد قتلك رجل لم يعرف حقّ الأرحام)([12]). فيا له من افتراء على التاريخ!

وأمّا الشيخ أبو حامد الغزالي صاحب كتاب (إحياء علوم الدين)، فإنَّه يُريد قتل ومحو أيّ علوم متعلّقة بفاجعة مقتل الحسين عليه السلام وأهل البيت عليهم السلام، كلية من مصادرها التاريخية، وهذا نصّ ما قال: ويحرم على الواعظ وغيره رواية مقتل الحسين وحكاياته، وما جرى بين الصحابة، والتشاجر والتخاصم، فإنَّه يهيج على بعض الصحابة، والطعن فيهم، وهم أعلام الدين.

 فيالها من فتوى! إنَّه كلام غريب يُشَّم منه رائحة تفوح بوجود مؤامرة حقيقية لدفن الحقائق إن لم يكن تزويرها.

وللقارئ أن يتصوّر سبب غفلة معظم أبناء أهل السنة والجماعة عن مأساة الإمام الحسين عليه السلام بصورة خاصّة، وأهل البيت عليهم السلام بصورة عامّة.

وعلى كل حال، فإنَّ الغزالي يعترف أنَّ جريمة قتل الحسين عليه السلام، وتشاجر الصحابة، وتخاصمهم مع بعضهم مدعاة للبغض والطعن فيهم، وأفعالهم تلك المشابهة لهذه، هي فعلاً محلّ للبغض والطعن.

وأمّا قوله إنَّهم أعلام الدين! فهذا يُعدُّ تناقضاً عجيباً، لا يمكن أن يقبله عقل سليم»([13]).

هكذا استدلت هذه الجهة على أنَّ عمل يزيد كان تطبيقاً للشـريعة الإسلاميّة في قتله للإمام الحسين عليه السلام؛ وحينئذٍ يكون كلّ مَن حاربه، فهو (محارب لله ولرسوله صلى الله عليه وآله وسلم).

وهناك شواهد كثيرة على تعظيم هذه الجهة ليزيد، وأنَّه خليفة الله ورسوله، ولكن استدلالهم هذا لن يتمّ إلّا عبر تحريف الحقائق، وتزوير التاريخ، وإخفاء البيّنات والدلائل الواضحات.

وبعد هذه الإطلالة السريعة على حوادث صدر الإسلام، لننظر تطبيق عنوان هذه الرسالة: (محاربو الله ورسوله يوم الطفوف)، وأحقيته في الدلالة على أتباع يزيد بن معاوية في واقعة الطفّ، كما تقول الشيعة.

استوحى واضع هذا العنوان من الأحاديث النبويّة المقدّسة، التي هي واضحة الدلالة، ظاهرة المعنى في تطبيق العنوان المستوحى منها على أتباع يزيد في واقعة الطفّ... فقد روي عن زيد بن أرقم أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لعلي وفاطمة والحسن والحسين: «أنا حرب لمَن حاربتم وسلم لمَن سالمتم»([14]).

فأمّا الإمام علي عليه السلام، فالأحاديث كثيرة ومتواترة حول هذا المعنى، ومنها: «يا علي، حربك حربي...»([15]).

وأمّا السيّدة فاطمة الزهراء عليها السلام، فقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «فمَن آذاها فقد آذاني...» ([16]). وأمَّا الإمام الحسن والحسين عليهما السلام، فقوله صلى الله عليه وآله وسلم في هذا الحديث المتقدّم، وله مصادر جمّة، فقد رواه الحاكم([17])، وقال: وله شاهد عن زيد بن أرقم، عن النبي|، أنَّه قال لعلي وفاطمة والحسن والحسين: «أنا حرب لمَن حاربتم وسلم لمَن سالمتم». ورواه الطبراني([18]) بإسناده، عن أبي هريرة، قال نظر النبي| إلى علي وفاطمة والحسن والحسين، فقال: «أنا حرب لمَن حاربكم وسلم لمَن سالمكم».

ورواه أحمد بن حنبل([19])، والخطيب([20])، عن أبي هريرة، قال: نظر رسول الله| إلى علي وفاطمة والحسن والحسين، فقال: «أنا حرب لمَن حاربكم سلم لمَن سالمكم». ورواه الحافظ ابن شاهين في رسالته التي ألّفها في فضائل فاطمة بنت رسول الله|. عن أبي سعيد الخدري، قال: «لمّا دخل علي بفاطمة جاء النبي (صلّى الله عليه وسلّم) أربعين صباحاً إلى بابها، فيقول: أنا حرب لمَن حاربتم وسلم لمَن سالمتم»([21]).

وبهذه الأحاديث المستفيضة في كتب العامّة استدل الشيعة على دلالة هذا العنوان، وتطبيقه على يزيد واتباعه، الذين حاربوا الإمام الحسين عليه السلام في واقعة الطفّ.

 ودلالة الحديث واضحة وليست فيها إبهام أو غموض في أنَّ محاربة الحسين عليه السلام هي محاربة لجدّه المصطفى|، وهو كفر بالإجماع. وكذلك قوله في الحديث: «ستة لعنتهم، لعنهم الله وكلّ نبي مُجاب: الزائد في كتاب الله، والمكذّب بقدر الله تعالى، والمتسلّط بالجبروت، فيُعِزُّ مَن أذل الله، ويُذلّ مَن أعزّ الله، والمستحل لحرم الله، والمستحل من عترتي ما حرّم الله، والتارك لسنتي»([22]). قال المناوي في شرحه: «(والمستحل من عترتي ما حرّم الله): يعني مَن فعل بأقاربي ما لا يجوز فعله، من إيذائهم، أو ترك تعظيمهم.

وخصَّ الحرم والعترة باللعن؛ لتأكد حقّ الحرم والعترة، وعظم قدرهما بإضافتهما إلى الله وإلى رسوله»([23]).

فما تقدّم يُثبت أنَّ يزيد وأتباعه هم مَن حاربوا رسول الله|، بعد أن آذوه في قتل الحسين عليه السلام وأهل بيته وأصحابه، وسبوا نساءه، وهذا إيذاء لرسول الله| ومحاربة له.

 وقد نصّ القرآن على عاقبة كلّ مَن يؤذي رسول الله|، قال تعالى:

(ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ) ([24]).

(e)دلالة العنوان: (عدد المُخرَجين إلى حرب الحسين عليه السلام في الطفّ)

إنَّ اختيار السيّد حسن الصدرقدس سره لمصطلح (المُخرَجين) هو اختيار لافتٌ للنظر؛ إذ لم يرد هذا المصطلح في كتب المؤلفين، ولم يُذكر عنهم أنَّهم اصطلحوا على أُولئك الذين قاتلوا الإمام الحسين في واقعة كربلاء (بالمُخرَجين).

وهو بذلك يُريد أن يُؤكّد على أنَّ أغلبية هؤلاء أُجبروا على القتال في كربلاء، وأُخرجوا كرهاً إلى هذه الحرب، وفُرض عليهم الاشتراك فيها.

وهذا لا يعني عدم وجود أفراد من الجهة الأُخرى، وهي التي خرجت طوعاً، أو لأسباب أُخرى لهذه الحرب، ولكن الظاهرة العامّة في هذا الجيش هو أنَّه أُخرج كُرهاً لهذه الحرب.

والشواهد على ذلك كثيرة.

فأمّا قادة العسكر، فأميرهم عمر بن سعد، كان كارهاً للاشتراك في هذه الحرب، وحاول بمختلف الوسائل إقناع عبيد الله بن زياد في العدول عن رأيه، ولكنّه لم يُفلح في ذلك.

وكذلك ما نُقل عن شَبَث بن ربعي، في قوله: «إنّا قاتلنا مع علي بن أبي طالب، ومع ابنه من بعده آل أبي سفيان خمس سنين، ثمَّ عدونا على ابنه، وهو خير أهل الأرض، نقاتله مع آل معاوية، وابن سمية الزانية، ضلال يا لك من ضلال!»([25]).

وأمّا كراهة أفراد الجيش للقتال:

 فقد نقل الدينوري صورةً تُوضّح كرههم للقتال، وأنَّهم أُخرجوا بالقوة، فقال: «قالوا: وكان ابن زياد إذا وجّه الرجل إلى قتال الحسين في الجمع الكثير، يصلون إلى كربلاء، ولم يبقَ منهم إلّا القليل، كانوا يكرهون قتال الحسين، فيرتدعون، ويتخلّفون»([26]).

ولا شكّ في وجود الجهة الثانية، وفيها أصناف متعدّدة:

فمنهم: القبائل التي كان همّها أن تحصل على أكثر عدد من رؤوس القتلى.

ومنهم: المتطوعون في هذه الحرب؛ نصباً وكُرهاً وبُغضا لأهل البيت عليهم السلام.

وكذلك مَن خرج للشهرة والجاه والمنصب؛ من أجل أن يحظى بمنزلة عند عبيد الله بن زياد أو يزيد، لا سيّما قادة القبائل.

والخلاصة: إنَّ هذا العنوان (عدد الذين أُخرجوا لحرب الحسين عليه السلام في الطفّ)، يُعرّف ـ بدلالة واضحة ـ أغلبية ذلك الجيش، وأنَّه أُخرج كُرهاً، فصحّ أن يُصطلح على تلك الجيوش بـ(المُخرَجين) لحرب الحسين عليه السلام.

وهنا يجبُ أن نذكّر عند المقارنة بين الجيشين؛ إذ يتجلى الحقّ بأروع صورة، والعدل في أجمل مثال.

فالذين أُخرجوا للحرب مع عمر بن سعد، كرهوا القتال؛ لأنَّهم علموا أنَّهم بقتالهم للإمام الحسين عليه السلام، إنَّما يقاتلون الله ورسوله ويحاربونهما.

فالحسين عليه السلام سيّد شباب أهل الجنّة، كما في الحديث المتواتر عند أبناء العامّة وغيرهم، ولا شكّ أنَّ حديث النبي في الحسين وأخيه عليهما السلام: «أنا حرب لَمن حاربكم وسلم لَمن سالمكم»، تناهى إلى سمعهم، ومنه كرهوا قتال الحسين عليه السلام. بينما الذين اشتركوا مع الإمام الحسين عليه السلام، إنَّما جاؤوا طوع إرادتهم، فالإمام الحسين عليه السلام ومنذُ خروجه من مكة المكرّمة، إلى أن وصل إلى كربلاء، يُخبر جميع مَن التحق به بأنَّه مُقبل على الشهادة، وكان يُكرر ذلك دائماً، وبقى حتى ليلة العاشر من المُحرّم يُخيّر أصحابه، فقال لهم: «هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملاً...»([27]). وقد عرفوا الحقّ في تلك المعركة، فآثروا اتّباعه، ومن هنا كانت نواياهم خالصة لا يشوبها شيء، فلن يتسـرّب الشك في أنَّهم لحقوا الإمام الحسين عليه السلام من أجل مكاسب ماديّة أو دنيويّة.

ويبقى أمر آخر في دلالة هذا العنوان، وهو الحديث عن عدد أفراد ذلك الجيش وأسباب كثرتهم، وسيأتي تحقيق ذلك في الفصل الثاني من هذا الكتاب.

نسبة الرسالة إلى مؤلفها السيّد حسن الصدرقدس سره

كُتبت هذه الرسالة جواباً لسؤال وجّهه خازن الروضة الحسينيّة، كما جاء في مطلعها، وذكر تاريخ كتابتها في آخر الرسالة، حيث قال: « حرره... حسن صدر الدين الموسوي الكاظمي، في ساعتين من نهار الجمعة، حادي عشـر مُحرّم الحرام، سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة وألف ـ 1334هـ».

وتنشأ أهميّة البحث عن نسبة هذه الرسالة إلى مؤلفها الكريم ـ مضافاً إلى كونه من ضروريات التحقيق ـ من شبهة، حاصلها: إنَّ السيّد حسن الصدرقدس سره لم يذكرها ضمن مؤلفاته التي كتبها في ترجمته لشخصه الكريم في (تكملة أمل الآمل)، مع أنَّ إتمام المجلد الأوّل من التكملة كان في صفر سنة (1335هـ)، أي: بعد تأليفه هذه الرسالة.

كما أنَّ تلميذه وابن أُخته الشيخ مرتضى آل ياسين رحمه الله، وهو ممّن ترجم له، كذلك لم يذكر هذه الرسالة.

ولكن سنُثبت إن شاء الله أنَّها من تأليف السيّد حسن الصدر، كما سيأتي، وأنَّها أُلفت قبل تبييض المجلد الأوّل من (التكملة) كما تقدّم.

ولعلّ السيّدقدس سره لم يذكرها ضمن مؤلفاته؛ لأنَّه لم يعتبرها كتاباً أو مؤلفاً يستحق أن يُدرج ضمن سلسلة المؤلفات ـ وإن ذكرها في الورقة المتقدّمة ـ وذلك لأنَّها جواب على رسالة، وكذلك لصغر حجمها، وأيضاً للمدّة الزمنية التي كُتبت فيها هذه الرسالة، وهي (ساعتان).

وهذا يدلّ على أنَّه كان مثالاً في التواضع؛ ولهذا السبب أيضاً سار على نهجه الشيخ مرتضـى آل ياسين، فلم يذكرها في مؤلفاته ورسائله، أو نقول: إنَّ الشيخ لم يطّلع عليها.

وأمّا بعد معرفتها والاطلاع عليها ـ من جهة السيّد عبد الحسين خازن الروضة الحسينيّة، ومما خلّفه السيّد حسن الصدرقدس سره ـ أُدرجت حينئذٍ ضمن مؤلفاته.

وهذا ما ذهب إليه السيّد شرف الدين العاملي في كتابه (بُغية الراغبين في أحوال آل شرف الدين)، فقد ذكرها ضمن مؤلفاته في التسلسل: (78)، فقال: «(محاربو الله ورسوله يوم الطفوف)، رسالة أفردها لبيان عدد المُخرَجين إلى حرب سيّد الشهداء يوم الطفّ، أثبت فيها أنَّهم كانوا ثلاثين ألفاً أو يزيدون»([28]).

وكذلك ذكرها كلّ مَن جاء بعده، كالسيّد محسن الأمين في (أعيان الشيعة)، وكانت في التسلسل (51) بعنوان: (عدّة مَنْ خرج إلى حرب الحسين عليه السلام، وأنَّهم ثلاثون ألفاً على الأقل).

ويؤكّد نسبة الرسالة هذه للسيّد الصدر رحمه الله أيضاً أُمور:

الأوّل: ذكر اسم السائل في مطلع الرسالة وآخرها، وهو السيّد عبد الحسين خازن الروضة الحسينيّة، وهذا دليل على شهرتها.

الثاني: ذكر المؤلف اسمه في خاتمة الرسالة، وتنبيهه عليها في الورقة التي وجدت مع هذه المخطوطة، إذ كُتبت عليها أسماء خمسة من رسائل السيّد حسن الصدرقدس سره، وكان عنوان هذه الرسالة، هو التسلسل الثالث بعنوان: (رسالة في عدد المُخرَجين لحرب الحسين في الطفّ)، وفي آخر العناوين كتب: «كلّها تأليف الأحقر حسن صدر الدين».

كما أنَّ الخط الذي كُتِبت فيه الرسالة يُشابه إلى حدّ كبير خط السيّد المؤلفقدس سره، وهو خط النسخ صغير الحجم، وهو عينه الذي كُتبت به الورقة المُتقدّمة.

الثالث: إنَّ المعوَّل عليه في التأكيد على هذه النسبة، والمصدر الذي يُرجع إليه في تحديدها، هو الشيخ آغا بزرك الطهرانيقدس سره، فهو خرّيت هذه الصنعة.

ثمَّ إنَّه كان صاحبه ورفيقه، ومن المقرّبين إليه، والمتردد دائماً على مكتبته، حتى أنَّه قال: «وكنت أُشاطره في أعماله، وأُزاول كتاباته وتآليفه، وأُساعده على بعض مهماته العلميّة، وكنت يوم تأليفه (التكملة) أعينه على جمعها، فإنَّ على هوامش نُسخته الأصلية كثير من التراجم بخطي بما أملاه عليّ فكتبته، أو كتبته وعرضته عليه فأمضاه، كما ذكرته في الذريعة»([29]).

وقد نسب الطهراني هذه الرسالة إلى السيّد حسن الصدرقدس سره، فقال في الذريعة: «(رسالة في عدد مَن خرج إلى حرب الحسين عليه السلام)، وإثبات أنَّ المُتيقّن منهم ثلاثون ألفاً. لسيّدنا أبى محمد الحسن بن السيّد هادي آل صدر الدين العاملي الكاظمي، المتوفى (1354هـ).

كتبها بالتماس السيّد عبد الحسين الكليدار بن علي بن جواد، خازن الحضـرة الحسينيّة. أوّلها: (الحمد لله حمد الشاكرين على مصابهم...)، فرغ منها (1334هـ)»([30]).

ولكن اللافت للنظر أنَّ الطهراني لم يحدد أماكن وجود نُسخها، كما هي طريقته في تعريف الكتب والمخطوطات في (الذريعة)، ولا نعلم ما هو السبب؟!

وبهذا يحصل الاعتقاد بصحة نسبة هذه الرسالة إلى مؤلفها، وهو السيّد حسن الصدرقدس سره.

وحينئذٍ عرفت علّة عدم ذكر بعض مَن ترجم له هذه الرسالة ضمن مؤلفاته.

ومما تقدّم من تحقيق هذه النسبة يُغني عن تفصيل الحديث عن خط المؤلف، وذوقه الأدبي، ومنهجه في التأليف، التي قد يُستدل منها على هذه النسبة([31]).

(f)سبب تأليف الرسالة

صنّف السيّد حسن الصدرقدس سره بعض مؤلفاته ورسائله استجابةً لأسباب مهمّة، كالتي تتعلّق بالدفاع عن مذهب الإماميّة؛ إذ كان يهتم للأُمور العامّة التي تخصّ مذهب الإماميّة وترفع من شأنه، ومن هذا الباب كان كثير الإصرار على الشيخ آغا بزرك الطهراني، وتشجيعه في إنجاز موسوعته (الذريعة).

وكذلك حينما وضع جرجي زيدان كتابه: (تاريخ آداب اللغة العربية)، لم يُنصف الشيعة كما ينبغي، فقال ما خلاصته: «الشيعة طائفة صغيرة! لم تترك أثراً يُذكر! وليس لها وجود في الوقت الحاضر!»([32]).

فاعتزم نفر من علماء الشيعة التصدي لكتابه هذا، فاتفقوا على أن يقوم ثلاثة منهم بثلاثة أعمال، وهم:

 الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء في تأليفه (النقود والردود)، وفيه أظهر هفوات كتاب جرجي زيدان، وأغلاطه، ونقائصه، وفي الجزء الثاني ذكر أخطاءه، والشيخ آغا بزرك في تأليفه (الذريعة إلى تصانيف الشيعة).

 وأمّا السيّد حسن الصدر، فقد ألف كتاباً في تأسيس الشيعة للعلوم الإسلاميّة، الذي طُبعت خلاصته سنة (‍1331هـ)، بعنوان (الشيعة وفنون الإسلام).

 ثمَّ قام ابنه السيّد محمد ـ بعد وفاة أبيه ـ بطبع الكتاب، بتشجيع من صاحب الذريعة([33]).

ومن هذا الباب ما ألفه جواباً لسؤال وجّه إليه، كما ذكر ذلك في الترجمة التي كتبها عن نفسه الكريمة في معرض ذكره فهرس تصانيفه، فقال: «وكتاب (نزهة أهل الحرمين في تواريخ تعميرات المشهدين النجف وكربلاء)، كان قد سألني ذلك بعض الأجلّة».

ومن هذا القسم هذه الرسالة: (رسالة في عدد المُخرَجين إلى حرب الحسين عليه السلام في الطفّ)، فقد كتبها جواباً لسؤال وجّهه إليه خازن الروضة الحسينيّة عن عدد الذين أُخرجوا لحرب الإمام الحسين عليه السلام، وقد أشار لذلك صاحب الذريعة، فقال: «كتبها بالتماس السيّد عبد الحسين بن الكليدار علي بن جواد، خازن الحضـرة الحسينيّة»([34]).

ومن متطلبات التحقيق هنا ذكر ذرو([35])ٍ من ترجمة للسائل:

(g)ترجمة السيّد عبد الحسين الكليدار خازن الحضرة الحسينيّة

وهو أحد علماء السادة (آل طعمة)([36]) ووجهائهم، وهم من أقدم الأسر العلميّة التي قطنت كربلاء، ووُفّقت لخدمة قبر جدّها الإمام الحسين عليه السلام، ولهذا لُقّب بـ(الكليدار)، وهي كلمة فارسية الأصل مؤلفة من كلمتي: (كليد) بمعنى المفتاح، و(دار) بمعنى مالك، ومعناها: حامل المفتاح.

ترجم له المؤرخ المُحقق السيّد سلمان هادي آل طعمة في كتابه (تراث كربلاء)، جاء فيها: «عاشرته السنوات الأخيرة من حياته (1375 ـ 1380هـ)، وكان العامل الأوّل في رسوخ معاشرته النبل الذي يحمله، والعاطفة الرقيقة التي يتحلّى بها، فكان مثال الإنسان الوديع على نحافة جسمه، وجهورية صوته، وإشراق وجهه، وكان المتواضع الذي تداخل الزهد معه، وكان على جانب عظيم من الذكاء الحاد، والحس المتوقّد، والخلق القويم...»([37]).

وذكر نصاً من أحد المؤلفات التي ترجمت له (أعيان الشيعة)، نذكر منه ما نصّه: «ولد في كربلاء سنة (1299هـ)، وتوفِّي فيها سنة (1380هـ)، ودُفن في أحد حجرات الصحن الحسيني الشريف.

انتقلت إليه سدانة الروضة الحسينيّة سنة (1318هـ) بعد وفاة والده، حتى سنة (1343هـ) حينما رغب في الاعتكاف والانزواء... ولقد كان باحثاً مُحقّقاً يميل بطبعه إلى التتبع في بطون الكتب التاريخيّة والفلسفيّة؛ نتيجة لدراسته وتربيته الأوّلية في حجر أبيه، وما كان يُحيط به من جو علمي أدبي، وقد اشترك في كثير من المؤتمرات التي عُقدت، والحركات التي أُثيرت في كربلاء وبغداد أبان الثورة العراقية سنة (1920م).

ولم يترك البحث التاريخي والأدبي العلمي؛ حيث استطاع أن يُصنّف بعض المؤلفات المُفيدة، ويجمع مكتبةً قيّمةً كانت تُعدُّ من أضخم المكتبات في كربلاء، سواء في مخطوطاتها، أو مطبوعاتها، ولكنّها احترقت في عام (1333هـ) إثر الثورة التي نشبت في كربلاء في هذه السنة بين أهالي كربلاء والسلّطة التركية فيها»([38]).

«تتلمذ عليه كلّ من الأُستاذ الأديب أحمد حامد الصـرّاف، مؤلف كتاب (عمر الخيام)، و(الشبك)([39])، وكان حاكم كربلاء الأسبق، وكذلك الأُستاذ محمد حسين الأديب، مدير مدرسة الحسين الابتدائية، وكذلك السيّد سلمان هادي آل طعمة»([40]).

وقال عنه السيّد صالح الشهرستاني: «كنت لا أنقطع عن زيارته يومياً... وكنت استزيد من مجالسه العامرة، وأحاديثه الطيبة، علماً وأدباً وأخلاقاً... كما كان يرشدني إلى كثير من المصادر والكتب والمكتبات؛ لمراجعتها فيما كان يتعذّر الحصول عليه في مكتبه»([41]).

ومما ذُكر في تعريفه أنَّه كان أحد العلماء والمُحققين وله منزلة علميّة واجتماعيّة كبيرة، فقد أثنى عليه السيّد حسن الصدر في آخر الرسالة ووصفه بـ (السيّد الأجل)، فقال: «... وليكن بهذا كفاية لسيّدنا الأجل (أدام الله سُبحانه تأييده)، فقد فُتح له باب تحقيق الحقّ في هذا الباب...».

ومن بعض أقوال السيد الصدر يُعرف بأنَّه كانت لديه القدرة على البحث والتحقيق؛ إذ جاء في آخر هذه الرسالة طلب السيّد حسن الصدرقدس سره منه متابعة البحث والتحقيق في هذا الموضوع، بعد أن رسم له منهج البحث، ومسار التحقيق، فقال: «فعليه (أدام الله توفيقه) أن يبحث عن عدد العشائر والطوائف المذكورة، وسائر الدلائل والإشارات التي جمعتها له، فإنِّي لا يسعني الوقت لبذل الجهد في الأخذ بمجامع هذه الأشياء على التفصيل، وأعتذر إليه من التقصير، فإنِّي كما لا يخفى عليه في شغل شاغل عن ذلك، والسلام».

ويمكن أن نتعرّف عليه أيضاً مما ورد في (الذريعة)؛ حيث جاء فيها:

أوّلاً: كان مهتماً بالمخطوطات وكتابتها، قال في الذريعة: «مقصد أشياء وفقى در تحصيل مرام رتقي وفتقى) فارسي، للسيّد غياث الدين الأصفهاني، نُسخة ناقصة بقلم السيّد عبد الحسين بن علي بن جواد الحسيني([42])، خازن الحضرة الحسينيّة»([43]).

ثانياً: لديه مكتبة عامرة بالكتب والمخطوطات، فقد ذكر صاحب الذريعة جملة من الكتب والمخطوطات في مكتبته، ومما شاهده منها على سبيل المثال: «ديوان الشيخ محمد علي كمونة»([44]«الكشكول للمولى محمد حسين بن كرم علي الأصفهاني»([45])، «مفاتيح المغاليق في علم الأعداد والحروف»([46]).

وكذلك كانت فيها النُّسخة الأصلية لـ «ملحمة الشاعر الكبير جواد بدقت الكربلائي»([47]).

(h)نُسخ الرسالة ومنهج تحقيقها

أوّلاً: تعريف بنسخ الرسالة المخطوطة والمطبوعة

مصدر الرسالة:

لقد ذكرنا أنَّ الشيخ آغا بزرك الطهراني لم يذكر في الذريعة مصدر هذه المخطوطة، واقتضى الأمر أن نبحث عنها في مظانها.

وقد ذكر مُحقق هذه المخطوطة منتظر الحيدري، أنَّه حصل على قرص ليزري فيه كتب السيّد حسن الصدرقدس سره، وذكر أنَّه وجد فيه نُسختين لهذه المخطوطة.

وكذلك حصلنا على قرص ليزري من خلال مؤسسة المرتضى على نُسختين، اتّضح أنَّ إحداهما: هي مما اعتمد عليها المُحقق. والثانية: هي مُسوَّدة هذه المخطوطة، ومعها ورقتان منفصلتان.

ولا شكّ أنَّ هناك نُسخة أُخرى لم نستطع الحصول عليها، وهي التي وصلت السائل، وهو السيّد عبد الحسين الكليدار آل طعمة.

ويُعتقد أنَّ هذه الرسالة كانت في مجلّد ضمَّ مجموعة([48]) من رسائل السيّد حسن الصدرقدس سره؛ إذ جاء في الورقة الأُولى المستقلة مع هذه المخطوطة: «مجموعة رسائل من تأليف سيّدنا حجّة الإسلام والمسلمين آية الله في العالمين سيّدي الوالد، السيّد حسن، المشتهر بالسيّد حسن صدر الدينقدس سره:

1ـ الغالية لأهل الأنظار العالية، وهي رسالة فارسية في حرمة حلق اللحية.

2ـ رسالة في عدد المُخرَجين لحرب الحسين عليه السلام.

3ـ رسالة مختصر (محاسن الوسائل إلى معرفة الأوائل).

4ـ تعليقة على بعض مبحث القطع من رسائل الشيخقدس سره.

5ـ رسالة في الشكوك الغير منصوصة.

6ـ رسالة في حجّية الظنّ في الركعات وأفعال الصلاة.

7ـ نفائس المسائل، وهي تشتمل على مُهمات المسائل الفقهيّة.

8ـ مصابيح الإيمان في حقوق الإخوان.

9ـ كتاب خُلاصة النحو.

تمَّ بإملاء الأحقر علي نجل المؤلف (طاب ثراه)».

 

وفي الورقة الثانية جاء فيها:

«1ـ نفايس المسائل الفقهيّة.

2ـ رسالة في عدد المُخرَجين لحرب الحسين في الطفّ.

3ـ حواشي على بعض رسائل البراءة من رسالة الشيخ المرتضى.

5ـ دليل جواز الصلاة في مشكوك الحلية.

كلّها تأليف الأحقر حسن صدر الدين».

وكُتبت الورقة الثانية بخط يُشْبِه خط مُسوَّدة هذه الرسالة.

النُّسخ المعتمدة في تحرير المخطوطة

 ومن هنا نكون قد اعتمدنا على أربعة نُسخ، وإليك خصائصها:

الأُولى: (المُسوَّدة)، وهي بخط المؤلف، وكُتبت بخط النسخ بحجم صغير، ولا يمكن تحديد عدد الأسطر؛ لأنَّها مُسوَّدة، وتختلف من صفحة لأُخرى، إضافة للهوامش التي كُتبت على جانب الصفحة، ولكنّها تتعدى الثلاثين سطراً، وهي في ست صفحات، وعُرفت المُسوَّدة من خلال كتاباتها؛ إذ وضع خطاً على بعض الأسطر دلالة على حذفها، ثمَّ استدرك على بعض مواضيعها في الهامش في جوانب الصفحة، وكذلك وُضِعَتْ خطوط حُمْرٌ أسفل كلّ كلمة كُتبت خطأ، أو امتزجت بكلمة أُخرى حتى تُصحح في المُبيَّضة، وهي كما النُّسخ الأُخرى كُتبت لمواضيعها عناوين على هوامش الصفحة توضّح بدء مطالبها، وكُتبت بخط أحمر، وهذه لم نجعلها أصلاً وأُمّاً للنُّسخ؛ لأنَّها مُسوَّدة، ورمزنا لها بالحرف (س).

الثانية: المُبيَّضة، وكُتبت بخط النسخ، وهو واضح ومقروء، وتُدلل على أنَّ كاتبها يحترف الكتابة.

وكانت في تسع صفحات، وكلّ صفحة تحتوي على ثمانية عشـر سطراً، وهذه لم يُكتب في جوانب الصفحة إلّا العناوين، وكُتبت بخط أحمر جميل وواضح ومقروء، وكذلك وضعت أقواس بنفس اللون في بدء كلّ موضوع يُراد التنبيه عليه، كما في قوله (تنبيه)، فكانت بلون أحمر، وكذلك وضعت بعض الخطوط الحُمْر تحت بعض الكلمات؛ تنبيهاً على خطأ فيها، كما في كلمة (الرمات)، أو تنبيهاً على الكلمات التي امتزجت. وهذه النُّسخة مع أنَّها لم تسلم من الأخطاء، ولكنَّها قليلة، ففي الصفحة الأُولى من الرسالة جاء في العنوان ما نصّه: «نقل كلام محمد بن طلحة، أنَّهم عشـرين ألفاً» والصحيح (عشـرون ألفاً)، ولم يذكر اسم كاتبها في نهاية الرسالة، ورمزنا لها بالحرف (م).

وقد تقدّم في تعريف (عنوان الرسالة)، ذكر صفحة مستقلة وجدت مع المخطوطة، فيها تعريف ببعض رسائل السيّد حسن الصدرقدس سره، وعددها تسْعُ رسائل، جاء في آخرها: «تمَّ بإملاء الأحقر علي نجل المؤلف (طاب ثراه)».

وقد كُتبت بخط يختلف عن خط النُّسخة المُبيَّضة؛ حيث كُتبت بخط رقعة واضح وجميل.

ويُعتقد أنَّ كاتب هذه الرسالة ومُبيَّضها عن مُسوَّدة السيّد حسن الصدرقدس سره، هو السيّد أحمد المرعشـي، ولا بأس بالترجمة له؛ لعلاقته بموضوعنا، وهو تحقيق هذه الرسالة.

(i)السيّد أحمد المرعشي كاتب مؤلفات السيّد حسن الصدرقدس سره وناسخها

وهو السيّد أحمد بن السيّد سلطان على بن ميرزا أبى طالب، بن ميرزا عبد الكريم خان بن الميرزا السيّد على المرعشي التستري، والد السيّد ميرزا إسحاق، وميرزا أبى الفتح خان، المقتول سنة (1209هـ). له كتاب بعنوان: (تكملة الإسماعيليّة في أنساب السادات المرعشيّة). وهو عمُّ والد سماحة آية الله السيّد رضا المرعشي (دام ظله) بن السيّد جعفر ابن السيّد محمد، بن السيّد سلطان علي المرعشي([49]).

وكان السيّد أحمد هذا ورعاً صالحاً، تقياً معمّراً، حسن الخط، كتب القرآن الشـريف بخطه عدّة مرّات، ووقفها للمشاهد المشرّفة، ثمَّ اتصل بالسيّد حسن صدر الدين ـ صاحب هذه الرسالة التي نحن بصدد تحقيقها ـ فنزل داره، وكان يُبيِّض له مُسوَّدات تصانيفه، والتي منها (تكملة الأمل) في ثلاث مجلدات.

ولمّا تُوفِّى السيّد الصدر سنة (1354هـ)، كان السيّد أحمد ببغداد في دار خَلَفه الأكبر السيّد محمد الصدر، رئيس مجلس أعيان العراق آنذاك، وبقيَ فيها إلى أن تُوفِّى هناك سنة (1356هـ)([50]).

أقول: وهناك دليل آخر يوضّح أنَّ المُسوَّدة كانت بخط المؤلف السيّد حسن الصدرقدس سره، والمُبيَّضة بخط السيّد أحمد بن السيّد سلطان، وهو كتابة الأرقام والأعداد، فقد كُتبت في المُسوَّدة برسم عربي، بينما كُتبت في المُبيَّضة برسم فارسي لا سيّما الأرقام (4)، و(5)، و(6).

 الثالثة: المُصحّحة، وهي النُّسخة الثانية التي اعتمدها المُحقق الأُستاذ منتظر الحيدري، وكاتب هذه النُّسخة اعتمد المُسوَّدة أصلاً له، وأمَّا التصحيح فعُرف من خلال إضافة الأحرف المشدّدة على بعض الكلمات، مثل: (جهّز)، و(حزّب)، أو استدراك بعض الكلمات.

وهي أيضاً تُشْبِهُ النُّسخ الأُخرى، فقد وضعت لها العناوين في جانب الصفحة، وكذلك كُتبت بخط النسخ وبحجم صغير، إلّا أنَّه واضح ومقروء، وحجم هذه النُّسخة يختلف عن المُبيَّضة؛ إذ الأخيرة تنتهي أسطرها في آخر الصفحة، بينما تلك تنتهي بخمسة أسطر، ولم يذكر اسم ناسخها. ورمز لها بالحرف (ص)، وكذلك كُتبت الأعداد والأرقام فيها برسم فارسي.

الرابعة: المُحقّقة، وهي النُّسخة التي طُبعت بتحقيق منتظر الحيدري، وتقدّم ذكر أوصاف النُّسخ التي اعتمد عليها، وهما: (المُبيَّضة، والمُصحَّحة)، وكانت بعنوان (رسالة في عدد قتلة الإمام الحسين عليه السلام)، ورمز لها بحرف (ق).

منهج تحرير الرسالة وتحقيقها

1ـ إنَّ الاختلاف بين هذه النُّسخ قليل، ويكاد يكون مُتشابهاً في النُّسخة المخطوطة، ومهما يكن فقد جعلنا النُّسخة (ص) المُصححة أصلاً في مقابلتها على النُّسخ الأُخرى، وذكرنا ما جاء من اختلاف النُّسخ الأُخرى في الهامش.

2ـ وضع السيّد حسن الصدرقدس سره جملة من العناوين لمواضيع الرسالة، ومطالبها في الهامش على جانب الصفحة، وقد أثبتناه في نصّ الرسالة، وهي تغني عن إضافة عناوين أُخرى. وهذا مما لم يُذكر في المطبوعة.

3ـ أمّا ترجمة الأعلام، فكما تقدّم، ذُكرت في الفصل الرابع، وكانت مُختصـرة، ومَن أراد التفصيل، فعليه بكتب التراجم والسير.

4ـ أرجعنا الشواهد والنصوص إلى مصادرها، وقد كان جُلّها من كتب العامّة.

5ـ ذكرنا جملة من التعليقات المهمّة، التي هي إمّا تصحيح لخطأ، أو سهو في النقل، أو توضيح، أو ذكر فائدة مهمّة تتعلّق بصُلب الموضوع، أو لأنَّ ذكرها من مقتضيات التحقيق.

وأمّا العناوين التي فيها تفصيل، فقد فصّلنا الحديث عنها في الفصل الثاني الذي خُصّص لها، وأردنا من ذلك أن لا نُثقل صفحات متن الرسالة.

6ـ وضعنا في آخر الرسالة فهرساً للعناوين وآخر للمصادر.

وقد انتظمت هذه الرسالة وتحقيقها بعد هذه المقدّمة في أربعة فصول:

الفصل الأوّل: وفيه ترجمة مؤلف الرسالة السيّد حسن الصدرقدس سره، وجملة من المسائل التي تتعلّق بالمخطوطة وتحقيقها.

الفصل الثاني: وفيه تعريف بموضوع الرسالة، وبمنهج المؤلف، والنتائج التي تُوصّل إليها، وكذلك تحقيق لبعض المسائل التي وردت في الرسالة، مع إضافة أُمور لم يتعرّض لها المؤلفقدس سره، وهي من صُلب الموضوع وقواعده.

الفصل الثالث: وفيه نصّ الرسالة.

وأمّا الفصل الرابع: فكان لضبط الغريب الذي ورد في نصّ الرسالة.

ونهجت فيه على منوال الشيخ السماوي في كتابه (إبصار العين في أنصار الحسين)، واشتمل على تراجم مُختصرة، ومعاني مصطلحات، وتعريف للبلدان.

واقتصرت على عمل فهرسين في خاتمة التحقيق:

 أحدها للمصادر التي اعتمدتُها فيه.

ويليه آخر للعناوين.

وحجم الرسالة، وقلّة صفحاتها، أغنى عن عمل فهارس أُخرى، كالتي تُنظّم للأعلام، والأمكنة، وغيرها.

وفي نهاية هذه المقدّمة أُذكّر بأُمور:

أوّلاً: أردت من تحقيق هذه المخطوطة تطبيق ما أخذتُه عن أساتذتي في فن التحقيق، وعلى رأسهم العلّامة المُحقق السيّد محمد رضا الجلالي (حفظه الله)، وغيره من الأساتذة المُحققين.

فإن أصبت في عملي، فذلك توفيق من الله تعالى ومنهم، وإن أخطأت، فذلك تقصير منِّي، وذلك سعيي وما على الإنسان إلّا أن يسعى.

 

على المرْءِ أنْ يَسْعى بِمقْدار جُهدهِ
 

 

وَلَيْسَ عليه أنْ يكونَ مُوفّقَا
 

 

ثانياً: ومن أجل أن أعتبر بمَن سبقني من المُحققين، ولئلا أخطأ في عملي، رأيت أن أعرض عملي على بعض المُحققين؛ حتى أشركهم في رأيي؛ إذ قال الشاعر:

 

والرأيُ تصقلُه العقولُ تخالفتْ
 

 

نظراً وقد يُصديه عقلٌ مفردُ
 

 

 

 

 

لأنّ الهدف من المتابعة المتنوعة ـ بعد القبول من الله سُبحانه وتعالى، ومن أهل البيت عليهم السلام ـ هو أن يكون مقبولاً عند الجميع، وأن يكون ذا فائدة للقرّاء الكرام، فوقع الاختيار على أحد الأصدقاء ـ ياسين حسن السلامي ـ وهو ممّن لديه خبرة في هذا المجال؛ وذلك لتفرغه في أيّام تحقيق هذه الرسالة، فلم يألُ جهداً في متابعتي فيما كتبت، ومواكبتي فيما حقّقت، وقد أشار عليّ في إضافة بعض العناوين في المقدّمة، فوافقته الرأي على جملة منها، فكانت له المبادرة الذاتية في متابعة الكليات والجزئيات في كلّ ما يخص مراحل التحقيق، أدام الله توفيقه وكثر الربّ الحكيم أمثاله من الذين يؤثرون طريق الهدى بالإخلاص، والوفاء للدين العظيم، وتشييد صرحه المبارك.

ثالثاً: أتقدّم بالشكر الجزيل، والثناء العاطر لكلّ مَن مدَّ يدَ العون لي في هذا العمل، وكذلك مَن أعانني على تهيئة بعض المصادر، لا سيّما الأُستاذ المؤرخ والمُحقق السيّد سلمان هادي آل طعمة (حفظه الله)، في كربلاء.

رابعاً: رجائي من السادة العلماء الأفاضل، والأساتذة المُحققين الكرام، أن ينظروا في تحقيقي هذا بروح الأخ المُعين، فيذكروا لي ملاحظاتهم وآراءهم حتى تكون لي مناراً أهتدي بها، وأسير على ضوئها، وأستمد عزيمتي من شعاعها؛ إذ غير خفيٍّ على أصحاب هذا الفن المشاق التي يواجهها المُحقّق في عمله.

خامساً: أُنبّه على أمر مهم وهو: إنَّ إعادة تحقيق هذه الرسالة جاء تلبيةً لطلب (مؤسسة المرتضـى)؛ إذ هم الذين قاموا بإعداد هذه المخطوطة من مكاتبهم، أو من مؤسسات أُخرى، وحينما أخبرتهم بأنَّ هذه المخطوطة قد حُققت من قبلُ، قالوا: لا ضير في تحقيقها مرّة أُخرى.

وهنا أيضاً أُوجه شكري للمُحقق منتظر الحيدري؛ إذ لا شكّ أنِّي استفدت من تجربته في تحقيق هذه الرسالة.

سادساً: قد يقول قائل: إنَّ هذه المقدّمة، وما ذُكر فيها من تحقيق وتعليق، لا تتلاءم مع حجم الرسالة، وكأنَّ العمل التحقيقي أصبح كتاباً ثانياً!

والجواب:

أوّلاً: هناك الكثير من المخطوطات، وهي بقدر حجم هذه الرسالة، ولكن كُتبت لها مقدّمات بصفحات عدّة، وتكاد تكون أشبه بكتاب؛ وذلك لأهميّتها.

ثانياً: إنَّ كثرة الهوامش، وإن كانت تعادل كتاباً إلّا أنَّ منهج التحقيق يتطلبها.

 ألا ترى دراسة الدكتور ثامر كاظم وتحقيقه لكتاب (الانتخاب القريب من التقريب)، للسيّد حسن الصدرقدس سره، فكان المتن في جميع صفحات الكتاب لا يتعدى السطرين، والباقي هو لذكر المصادر والتعليق.

ثالثاً: إنَّ ما ذُكر في مقدّمة التحقيق، أو التعليقات والمصادر في الهامش هي من صلب الموضوع، وليس فيها أيّ شيء خارج عنه؛ إذ ليس فيها رأي أو فكرة أُريد إقحامها وفرضها على القارئ.

رابعاً: إن كان في المقدّمة شيء من تحقيق بعض الأفكار والآراء التي ستأتي في الفصل القادم، فهي استجابة لِما طلبه المؤلف في خاتمة رسالته، وقد تقدّم ذكر طلبه من السيّد عبد الحسين الكليدار إكمال تحقيق هذا الموضوع.

خامساً: إنَّ ما ذكرناه في المقدّمة، وما ذُكر من تحقيق لبعض المسائل في الفصل القادم، لا يُراد منه أن يُعطي شأناً كبيراً لهذه الرسالة، بل العكس هو الصحيح، فهي وإن كانت صغيرةً في حجمها، ولكنَّها كبيرةً في محتواها، غزيرةً في مادتها، حكيمةً في منهجها، ولو لم نذكر في كتابنا هذا سوى نصّها لكانت: (كافية شافية، ومجزية مغنية، بل لوجدناها فاضلة على الكفاية، وغير مقصّـرة عن الغاية، وأحسن الكلام ما كان قليله يُغنيك عن كثيره). فهي التي رسمت الخطوط العامّة لتحقيق بعض المسائل، فنحن عيال عليها.

وأخيراً أحمده (جلّ ثناؤه) على ما وفّق في إكمال هذا العمل، وأرجو أن أكون قد أدخلت السرور وضاعفت الأجر والثواب على روح كاتب هذه الرسالة، السيّد حسن الصدرقدس سره في هذا العمل المتواضع، وكذلك أرجو أن أكون قد قدّمت للمكتبة الإسلاميّة تحقيقاً مقبولاً، وللقرّاء الكرام عملاً نافعاً.

وأسأله (جلّ شأنه) العفو والرحمة عن زلل القلم وخطل الرأي، وإليه أرغب في أن يجعل هذا التحقيق خالصاً لوجهه الكريم، وذريعةً للقرب منه في دار النعيم، وكفارةً تضع ما كان في ميزان سيئاتي أو سيكون، وترفع ديوان حسناتي إلى مقام يشهده المُقربون، نافعاً لي ولغيري، يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون.

(وما توفيقي إِلَّا بِاللهِِ عليه توكَّلْت وإِليه أُنيب).

(وآخرُ دعوانا أَنِ الحمدُ لِلِه ربِّ العالمين).

السيّد حسين هاشم وتوت الحسيني([51])

 

(j)نماذج من النسخة التي اعتمدنا عليها

 

الصفحة الأُولى من المُسوَّدة (م)

 

 

 

الصفحة الثانية من المُسوَّدة (م)

 

 

 

الصفحة الأخيرة من المُسوَّدة (م)

 

 

 

الصفحة الأُولى من المُبيَّضة (ب)

 

 

الصفحة الأخيرة من المُبيَّضة (ب)

 

 

 

الصفحة الأُولى من المُصحَّحة (ص)

 

الصفحة الأخيرة من المُصحَّحة (ص)

 

الصفحة الأُولى من المطبوعة (ط)

 

 


([1]) المنجد، صلاح، قواعد تحقيق المخطوطات: ص15.

([2]) قال الصولي: «تحرير الكتاب، خلوصه، كأنَّه خلُص من النُّسخ التي حرر عليها وصفاً عن كدرها». ابن قتيبة، عبد الله بن مسلم، أدب الكاتب: ج1، ص39. وقد يُطلق التحرير ويراد منه بعضٌ من مصاديق التحقيق، فقد يقال عن مخطوطة: «محتاجة إلى تحرير بعض معانيها، وإيضاح ما أشكل منها، وزيادات يُفتقر إليها، فحررت منها ما يجب تحريره، وأضفت إليها ما تتعين إضافته». اُنظر: ابن أبي الأصبع، عبد العظيم بن عبد الواحد، تحرير التحبير في صناعة الشعر والنثر: ج1، ص82. وكذلك قد يُصطلح على الناسخ والكاتب بالمُحرر وفي يتيمة الدهر: ج2، ص229:

أقبح بخط مُحرر أقلامه              لعنت أنامله إذا ما حررا

([3]) وهو الذي يذكر في الهامش.

([4]) الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج4، ص306.

([5]) اُنظر: الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج4، ص326.

([6]) الأمين، محسن، لواعج الأشجان: ص106.

([7]) المصدر السابق. البحراني، عبد الله، العوالم (الحسين): ص237.

([8]) الصدر، حسن، تكملة أمل الآمل: ص39.

([9]) الطهراني، آغا بزرك، الذريعة: ج15، ص232.

([10]) الأمين، محسن، أعيان الشيعة: ج5، ص326.

([11]) ابن العربي، أبو بكر، العواصم من القواصم: ص232.

([12]) اُنظر: ابن حجر الهيتمي، أحمد بن محمد، الصواعق المحرقة: ص220. وهل ما فعله يزيد ـ حين كان يضـرب ثغر الإمام الحسين عليه السلام بقضيب ـ يُعدّ دليلاً على كمالات يزيد الخُلقية! «فدخلوا عليه، والرأس بين يديه، ومع يزيد قضيب، وهو ينكث به في ثغره... فقال رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يقال له أبو برزة الأسلمي: أتنكث بقضيبك في ثغر الحسين، أَما لقد أخذ قضيبك من ثغره مأخذاً، لربما رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يرشفه، أَما إنَّك يا يزيد تجيء يوم القيامة، وابن زياد شفيعك، ويجيء هذا يوم القيامة ومحمد شفيعه، فقام وولى». ابن عساكر، علي بن الحسن، تاريخ مدينة دمشق: ج62، ص85.

([13]) القاسم، أسعد وحيد، أزمة الخلافة والإمامة وآثارها المعاصرة: ص288ـ 289.

([14]) الكوفي، محمد بن سليمان، مناقب أمير المؤمنين عليه السلام: ج2، ص156.

([15]) الصدوق، محمد بن علي، الأمالي: ص656.

([16]) المصدر السابق: ص165.

([17]) الحاكم النيسابوري، محمد بن عبد الله، المستدرك على الصحيحين: ج3، ص149.

([18]) الطبراني، سليمان بن أحمد، المعجم الكبير: ج3، ص30، بأسانيد من ترجمة الإمام الحسن عليه السلام الرقم: 2619 ـ 2621.

([19]) ابن حنبل، أحمد، مسند أحمد: ج2، ص442.

([20]) الخطيب البغدادي، أحمد بن علي، تاريخ بغداد: ج7، ص136.

([21]) ابن شاهين، عمر بن أحمد، فضائل فاطمة  عليها السلام: ص29.

([22]) الحاكم النيسابوري، محمد بن عبد الله، المستدرك على الصحيحين: ج4، ص90.

([23]) المناوي، محمد بن عبد الرؤوف، فيض القدير شرح الجامع الصغير: ج4، ص121.

([24]) الأحزاب: آية57.

([25]) الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج4، ص332.

([26]) الدينوري، أحمد بن داوُد، الأخبار الطوال: ص254.

([27]) المفيد، محمد بن محمد، الإرشاد: ج2، ص91.

([28]) الصدر، حسن، تكملة أمل الآمل: ص39.

([29]) آغا بزرك الطهراني، محمد محسن، طبقات أعلام الشيعة: ج1، ص447.

([30]) المصدر السابق: ج15، ص232.

([31]) ولكن مع ذلك لا بدّ من الاطلاع على مؤلفات السيّد حسن الصدرقدس سره، وخاصّة الكتب التي لها صلة بموضوع الكتاب، ونرى هل ورد ذكر فيها لهذه الرسالة؟ وهذا ما لم نوفّق إليه؛ لضيق وقت تحقيق هذه الرسالة. وكذلك يجب الاطّلاع على ما تركه السيّد عبد الحسين الكليدار خازن الروضة الحسينيّة؛ إذ له كتاب بعنوان: (بُغية النبلاء في تاريخ كربلاء)، وله جملة من المخطوطات ذكرها كلّ مَن ترجم له، عسى أن تكون فيه إشارة لهذه الرسالة.

([32]) هذا النص ذكره محقق كتاب (توضيح الرشاد في تاريخ حصـر الاجتهاد لآغا بزرك الطهراني): ص6، ولكن عند الرجوع إلى كتاب (آداب اللغة العربية)، قال فيه جرجي زيدان ردّاً على الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء في مراجعاته الريحانية على علماء الشيعة الإمامية بأنَّهم: «أكثرهم لن يخلّفوا آثاراً تُفيد المطالعين». زيدان، جرجي، تاريخ آداب اللغة العربية: ج3، ص6.

([33]) اُنظر: الطهراني، آغا بزرك، توضيح الرشاد في تاريخ حصـر الاجتهاد: ص6. ما ذكره محققه في المقدّمة.

([34]) آغا بزرك الطهراني، محمد محسن، طبقات أعلام الشيعة: ج15، ص232. 

([35]) ذرو: «هو الشيء اليسير من القول، كأنّه طرف من الخبر وليس بالخبر كلّه». ابن سلام، القاسم، غريب الحديث: ج3، ص474.

([36]) آل طعمة: سادة ينتهي نسبهم إلى السيد إبراهيم المجاب، لها الصدارة من بين الأسر العلمية التي قطنت كربلاء، من أبرز رجالها السيد طعمة علم الدين الفائزي الموسوي، كما أنّ من أبرز رجالها المتأخرين السيد عبد الحسين الكليدار سادن  الروضة الحسينية. اُنظر: آل طعمة، سلمان هادي، تراث كربلاء: ص93ـ 95.

([37]) آل طعمة، سلمان هادي، تراث كربلاء: ص219.

([38]) المصدر السابق.

([39]) اسم الكتاب: الشبك من فرق الشيعة الغلاة.

([40]) آل طعمة، سلمان هادي، تراث كربلاء: ص218. وقد ذكر السيّد سلمان الكتب التي ألفها السيّد عبد الحسين، ومنها: (تاريخ كربلاء المعلى)، طبع عام 1349هـ، و(بُغية النبلاء في تاريخ كربلاء)، وأمّا كتبه المخطوطة، فهي لدى أكبر أولاد المُترجم له السيّد عبد الصالح.

([41]) الشهرستاني، صالح، شخصيات أدركتها: ص22.

([42]) هكذا في الذريعة، والصحيح «الموسوي».

([43]) آغا بزرك الطهراني، محمد محسن، الذريعة: ج21، ص307.

([44]) المصدر السابق: ج9، ص922.

([45]) المصدر السابق: ج18، ص73.

([46]) المصدر السابق: ج21، ص307.

([47]) مؤسسة آل البيت، مجلة تراثنا: ج12، ص23.

([48]) وقد حاولنا الاطّلاع عليها، ولكن لم نوفّق لذلك.

([49]) كما نقل لنا سماحة الحجة المحقق السيّد عبد الستار الحسني.

([50]) اُنظر: آغا بزرك الطهراني، محمد محسن، الذريعة: ج4، ص411.

([51]) لقد رأيت ـ وأنا أُثبّت ما أشار له العلّامة المحقق السيّد محمد رضا الجلالي (حفظه الله) من تصحيح في هذا الكتاب ـ ملاحظةً أعتزّ بذكرها، وهي عن مصطلح (السيادة)، وقد أثبتُّ اسمي بدونها، وهو مما اعتاد عليه بعضٌ، وهنا كَتَب سماحة العلّامة المحقق كلمة (السيّد) قبل اسمي، وأضاف: (حبيبي لا تترك (السيادة) مع اسمك الكريم، فإنَّه فخر وشرف. والحمد ِلله ربِّ العالمين على هبته ما شاء لَمن شاء،
(وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ)  (الضحى:11).

 
 
البرمجة والتصميم بواسطة : MWD