1439 / ربیع‌الاول / 3  |  2017 / 11 / 21         الزيارات : 480842         صلاة الصبح |         صلاة الظهر والعصر |         صلاة المغرب والعشاء |

النثر الفنِّي في ثورة التوّابين وإمارة المختار الثقفي

{ د.هاشم جبّار الزُرفي }
النثر الفنِّي في ثورة التوّابين وإمارة المختار الثقفي

مقدمة المؤلف

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصَّلاةُ والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمّد بن عبد الله المصطفى الأمين، وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحبه المنتجبين، وبعدُ:

فإنّ مجال دراسة العربية واسعٌ ممتدٌّ للبحث والتأمّل؛ وذلك لخصُوبتها وحيويَّتها، وقد اخترت الدراسة اللغويّة والأُسلوبيّة مُنطلقاً لي منها في هذه الرسالة؛ لاستيعاب التحليل بمستوياتها كافّة: صوتاً، وبنيةً، وتركيباً، ودلالةً، استيعاباً موضوعياً، فكانت الدراسة مُنْصَبّة على النثر الفنّي في ثورة التوّابين وإمارة المختار الثقفي؛ لأنّ النثر في هاتين الحِقبتين لم يُدرس في رسالة أكاديمية أو أُطروحة علمية على هذا النحو، فضلاً عن أنّ هذا النثر كان يحمل في طياته نتاجاً خصباً من خُطب ورسائل، وعهود ووصايا كانت قد قيلت في مرحلة تاريخية، رافقتها ظروف السياسة، التي ربَّما لا تسمح بصياغة العمل جمالياً، وهو ممَّا تعنى به الدراسة الأُسلوبية، لكن البحث وجد غير ذلك، إذ تميّزت معظم هذه النصوص النثريّة بصياغة وإجادة، من حيث استعمال الأصوات والصيغ والتراكيب استعمالاً فنياً مؤثّراً.

وقد جاء البحث مقسَّماً على أربعة فصول هي هياكل البحث مسبوقة بتمهيد عنوانه: (النثر بين الموضوع والأداء)، ضمّ عرضين كان الأوَّل: تعريفاً للنثر الفني ووظيفته، وجاء العرض الثاني: تنظيرياً للدراسة الأُسلوبيّة، إذ تناولت فيه تعريفات موجزة للأُسلوب والأُسلوبيّة من القدماء والمُحدَثين، ثمَّ عرَّجت على مسوّغات دراسة النثر الفنّي أُسلوبيّاً، مُبَيّناً امتلاكه السمة الفنية التي تجعله ينضوي في فضاءات هذه الدراسة.

أمّا الفصل الأوّل، فقد كان بعنوان: (أنماط النثر الفني ومواردها في ثورة التوّابين وإمارة المختار)، وضمّ مبحثين، تناول الأوّل: أنماط النثر الفنّي من العصر الجاهلي مروراً بعصر صدر الإسلام إلى ثورة التوّابين وإمارة المختار، وكان هذا المبحث قد تناول تطوّر الخطابة والرسائل والعهود والوصايا بإيجاز في تلكم العصور؛ ليُسلّط الضوء على التّطور الذي وصل إليه النثر، والمستوى الفنّي الذي كان عليه في حُقبة التوّابين وإمارة المختار. أمّا المبحث الثاني: فقد تناول موارد ذلك النثر الفني مبيناً أنّه كان ينهل من ثلاثة موارد هي: القرآن الكريم، ونثر الرسول محمّد’ ونثر الإمام علي×.

أمّا الفصل الثاني، فقد كشف عن النثر من حيث قيمته وإيحاءاته، فكان بعنوان (القيم الإيقاعية للمستوى الصوتي)، فجاء مقسّماً على مبحثين: تناول الأوّل: أهمّ الوسائل التي توفّر تلكم القيم الإيقاعية، كالجناس بأنواعه بحسب ورودها في نثر الحِقبتين، وهي: الناقص، والمضارع، واللّاحق، والاشتقاق، والمعكوس، والمحرّف، والمصحّف، وكذلك السّجع بنوعية المتوازي والمطرّف، وتداخل كلُّ منها في النص الواحد، فضلاً عن تداخل كلّ من الجناس والسجع ليؤلف الإيقاع الموسيقى، وصولاً إلى الموازنة، إذ كان المسوّغ عنده لدراسة الجانب الإيقاعي للنص؛ هو لكونه أحد أركان الأُسلوبيّة الصوتيّة، أمّا الركن الثاني من أركان هذه الأُسلوبيّة هو الإيحاء الدلالي للصوت (المحاكاة الصوتيَّة)، وهو ما ضمّه المبحث الثاني من هذا الفصل، الذي كان بعنوان: التناسب المعنوي للإيحاء الصوتي، وهو ما كشفتُ فيه عن خاصيّة بعض الأصوات الأُسلوبيّة بإيحائها الدلالي بالحدث ومحاكاة ذلك من خلال جرسها ونغمها الموحي، سواء على مستوى الصوت في اللفظة المفردة، أم على مستوى الأصوات المتكررة، وكانت الدلالة الإيحائية للصوت في كلّ ذلك منظوراً فيها إلى السياق العام الذي يضمّه.

وكان الفصل الثالث وثيق الصلة بذلك النثر وآلياته، فجاء بعنوان: (المستوى اللفظي)، درست فيه التوظيف الأُسلوبي والفني للّفظة من خلال اختيارها، وقد قمت بتقسيمه على ثلاثة مباحث: تناول الأوّل: الاختيار والفصاحة، درست فيه القيم الجمالية المميّزة للألفاظ مقتصراً على تباعد مخارج الأصوات، وطول اللفظة وقصـرها، وخِفّة أصواتها وأُلفة استعمالها. وتناول الثاني: الاستعمال والقصد لمِا يؤدّيه من آثار أُسلوبيّة ومعنويّة في النص النثري عندها، تناولت استعمال الاسم كاستعمال اسم الفاعل، واسم المفعول، والمصدر، والصفة المشبهة، وصيغ المبالغة، وكذلك استعمال الفعل كاستعمال الفعل الماضي بنوعيه المجرَّد والمزيد، كذلك استعمال الفعل المبني للمجهول، وكانت تلك الدراسة مقتصـرة فقط على الاستعمال الدلالي لتلك الصيغ اللفظيّة التي جاءت متكرّرة في النصوص النثريّة؛ ذلك أنّ استعمال صيغة اللفظة مع تكرارها يُعدُّ مهيمناً أُسلوبيّاً ينبغي التوقف عنده ودراسته. وتناول المبحث الثالث: العدول سواء كان على صعيد اللفظ المفرد كالاستعارة والمجاز المُرسل، أم على صعيد الألفاظ المركّبة كالكناية، والمجاز العقلي.

أمَّا الفصل الرابع، فقد جاء متناولاً دلالاته وتراكيبه، وكان بعنوان: (دلالات المستوى التركيبي وخصائصه)، تناولت فيه مبحثين كان الأوَّل: معنيّاً بدراسة الأنماط البنائيّة للأساليب اللغويّة، فقسّمها على أساليب خبريّة ضمَّت النفي والقصـر، وعلى أساليب إنشائيّة ضمَّت الأمر والنهي والاستفهام والنداء، وما تؤدّيه تلكم الأساليب من دلالات حقيقيّة، وأُخرى مجازيّة لها صلة كبيرة بالطاقة الشعوريّة الخاصّة بالمتكلّم، ثمَّ كان القسم الثالث لأساليب جمعت بين الخبر والإنشاء، أَلا وهي: أُسلوب الشـرط والقَسَم، ثمّ يأتي المبحث الثاني: تناولت فيه الخصائص المعنوية للتراكيب، إذ ضمّ مباحث الفصل والوصل، والتقديم والتأخير، والتعريف والتنكير، والحذف والذكر.

وكان المنهج المتّبع في هذه الفصول هو منهج علم الأُسلوب أو الأُسلوبية بوصفها علماً لدراسة الأُسلوب، وهي علم وصفي حديث يستعين بتحليله للنص الأدبي بتقنيات منهجية مستمدة من علوم ومناهج مختلفة كعلم اللغة والبلاغة، والدلالة والإحصاء وغيرها.

ثمَّ خلُص البحث إلى خاتمة بيّنت أهمّ النتائج التي توصّلت إليها.

وكانت قائمة المصادر والمراجع التي نهل منها البحث حاضنة لمظانّ كثيرة ومتنوّعة، منها الأدبيّة والأُسلوبيّة والبلاغيّة واللغويّة، وهي التي تطلّبها موضوع البحث.

وأخيراً، فلا أنسى جهود أُستاذي الفاضل الأُستاذ الدكتور مشكور كاظم العوَّادي الذي كان له فضل اختيار الموضوع والإشراف عليه، صابراً وراعياً بالبحث والباحث طوال مدَّة البحث، على ما رافقها من صعوبات استطاع أن يقوّمها من خلال عنايته الكبيرة وإشرافه الدقيق، وقد لمستُ فيه من الرعاية والنصح والتوجيه ما لا يسعني ذكره وشكره، وفقه الله لخدمة لغة القرآن الكريم وطلبة العلم.

وحَسْب المرء أن يسعى، فإن وفّقت فلي فضل السعي، وإن أخطأت فهو من نفسـي، فلله الكمال وحده، وله الحمد في الدنيا والآخرة.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الباحث

 

 
 
البرمجة والتصميم بواسطة : MWD