1438 / ذي الحجه / 28  |  2017 / 09 / 20         الزيارات : 421307         صلاة الصبح |         صلاة الظهر والعصر |         صلاة المغرب والعشاء |

الحسین علیه السلام القربان الذي نعاه الانجيل

{ الدكتور الشَّيخ كاظم مزعل جابر الأَسَدي }
الحسین علیه السلام القربان الذي نعاه الانجيل

مقدّمةٌ

بسمِ الله الرحمنِ الرحيمِ

الحمدُ لله رب‌ّ العالمين، وبهِ نستعينُ، وأفضلُ الصلاة‌ِ وأتمُّ السلام‌ على‌ محمدٍ وآله‌ الطيبين‌ الطاهرين المظلومينَ، وعلى جميعِ الأنبياءِ والصديقين والشهداءِ والصاحينَ، ومن أحبَّهم ووالاهم ونصرهم وسارَ على نهجهم النيِّرِ من الأولينَ والآخرينَ، واللعنُ الدائمُ على أعدائهم أجمعين إلى قيامِ يومِ الدين، آمينَ ربَّ العالمين.

أمّا بعد: فإنَّ السبط المبارك الشهيد الإمام الحسين علیه السلام ، الذي ذُبحَ في الله عزَّ وجلَّ، عند أهلِ الحقِّ والصدقِ واليقينِ، من أنبياءٍ ورسلِ وأولياءٍ وصالحين، ومن تَبِعهم واغترفَ من معينهمُ الصافي، هو الأُنشودةُ والأُسوةُ، وسبب الحزن والشجى المعتلِقُ في حلوقهم الشريفةِ، وكانَ ولم يزل أنشودةَ التوراةِ والانجيلِ والزبورِ، فهو الذي سطَّر اسمَهُ ويومَهُ وانتصارَهُ الأنبياءُ والرُّسلُ علیهم السلام  في صُحفهم المباركةِ، بأحرفٍ من نورٍ، كانت ولا زالت غايةً في البهاءِ والجمالِ، وهو الذي أعظمهُ وأكبرهُ القرآنُ المجيدُ.

فالحسين علیه السلام ، هو البطلُ الإلهيِّ المذبوحُ، الذي بكتهُ التوراةُ بمرارةٍ وألمٍ بالغين!. والحسين علیه السلام ، هو القربانُ المقدَّسُ الذي نَعاهُ الإنجيلُ، بحزنٍ وأنينٍ وشجىً يقطّعُ القلوبَ، فبقيَ صدى حزنهِ وأساهُ يتردَّدُ في كلِّ الوجودِ!. وقد رَثتهُ الأسفارُ المقدَّسةُ بما يليقُ بشأنهِ العظيمِ عندَ الله تباركَ وتعالى. وكان بنفسي هوَ حُلُمَ الأنبياءِ والرُّسلِ علیهم السلام ، إذ كان أمَلاً، عاشَ معهم في كلِّ عصرٍ وزمانٍ، على مدى الأحقابِ والأزمانِ الطويلةِ التي عاشتها البشريَّةِ!.

وما كان لينتصرَ الأنبياءُ والرسلُ لولاهُ، وما قرَّت عيونهم إلّا بهِ وبيومهِ العظيم، وما استقامَ الدينُ الإلهيّ إلّا بما صنعهُ هذا المقدسُ المبارك، لأنَّهُ هوَ الفاتحُ الأعظمُ في كلِّ العوالمِ، الذي هزمَ الشركَ والنفاقَ والخسَّةَ والدَّناءَةَ الى أبدِ الآبدين!.

لقد استطاع بما وهبهُ الله تعالى، أن يملي إرادتهُ الإلهيةِ الجبارةِ على صفحات هذا الكون، بانتصارٍ عظيمٍ رغمَ أنوف الطغاةِ وحسدِ الحاسدين وبغي الظالمين!. اذ كانت الفترةُ التي عاشها الإمام الحسين علیه السلام  قد حفلت بأحداثٍ رهيبةٍ تغيَّر بها مجرى الحياة العقيدية ومعالم الدين الالهي الحنيف، وامتُحِنَ بها الموحدون أجمع، وخاصةً المسلمين امتحاناً عسيراً، وزلزلوا زلزالاً شديداً، فقد أثقلتهم الفتنُ والمصاعبُ، وجرَّعتْهم الخطوبُ والكوارثُ، كأساً مُرةً مُذلَّةً، وانحرفوا اثرَ ذلك انحرافاً خطيراً، ولكن كانت فيهم شريعةُ الله الخاتمةُ الوارثةُ وقائدها القرآنُ والعترةِ الطاهرةِ، إذ أراد منهم الله عزَّ وجلَّ أن يكونوا النواةَ المباركةِ للدولةِ الإلهيةِ البيضاء المنشودة للحقِّ والعدلِ والإنصافِ!.

ولكن في مثلِ هذهِ الأحوال سيضيعُ كلُّ شيءٍ إذا تحكَّمت دولةُ الشركِ والنفاق!، وفهمَ الأدنون والأبعدون بعدَ ذلكَ أنَّ دينَ الله الحنيفِ متمثِّلٌ بأولئكَ المجرمين الخطرين والقُساةِ القتلةِ، وهم الإنعكاسُ الأصيل لصفاتِ الله وأخلاقهِ في الأرض!، فيا لله ولتلكَ الصفات والأخلاقِ النتنةِ العفنةِ، ولو تأملنا!، كم هيَ خطرةٌ هذهِ المرحلةِ من حياةِ البشريَّةِ أجمع، إذ لا نبيَّ بعدَ الحبيبِ الخاتمِ  صلى الله عليه وآله وسلم ، ولا شريعةَ بعدَ السهلةِ السمحةِ التي جاءَ بها، فيجب أن يُحدَّدَ ويُنصبَ كُلُّ شيءٍ منذُ البدايةِ وبكلِّ حزمٍ وحسمٍ!، فكانت وقفةُ الحسين السبط علیه السلام !، وكان أعلمُ منّا، ومن الأُمةِ جميعاً، فيما أرادهُ الله منهُ، ومضى إليهِ بنفسهِ وعُشاقهِ دَؤوباً مثابراً، وكانَ أدرى بما سطَّرهُ الله عنهُ في كتبهِ المقدَّسةِ التي أنزلها، وكيف حكى عنهُ، والحسينُ علیه السلام  هو العالمُ بالعلمِ الحضوريِّ والفاهمُ الفطنُ الأول من ذلكَ كلهِ!، ولما ينبغي أن يُصنعَ لنصرةِ الله العظيمِ وكتبهِ المقدَّسةِ وأنبيائهِ وأوليائهِ علیهم السلام !، فكان يومُ الحسين علیه السلام  الربانيّ المقدَّس!.

ولم تعرف البشريّة قطُّ من القيمِ الإنسانيةِ، مثلَ ما ظهرَ من الإمام علیه السلام  في كربلاء وأصحابهِ المجاهدينَ الميامين، فقد ظهر منه الإيمانُ بأعظمِ صورهِ، والحبُّ بأتمِّهِ، والصمودُ بأصلبهِ، والرضا بقضاء الله تعالى بأروعِ حالاتهِ، والتسليم لأمرهِ، ما لم يشهدهُ البشرُ في جميع مراحل حياتهم الطويلة، فرفعَ بذلك لواءَ الله عالياً، وظلَّ خفاقاً إلى الأبد، وترجمَ ذلك بقولهِ لأهلِ بيتهِ وعيالهِ وأنصارهِ: «صبراً يا بني عمومتي، صبراً يا أهلَ بيتي، لا رأيتم هواناً بعدَ هذا اليوم أبداً»([1])، لله درّكَ ما أروعكَ وأعظمك!، فهذهِ حقيقةٌ قد عهدَها معَ ربِّهِ عزَّ وجلَّ!.

وللوقوفِ على شيءٍ من ذلك، وجبَ علينا أن نمضي سويَّةً جنباً إلى جنبٍ، ونتوغَّلَ برفقٍ، ونُبحِرَ قليلاً وبلطفٍ، متأمِّلينَ في الموروث الديني السماوي العالمي المتداول اليوم عند عمومِ البشرِ، ذلكَ لأنَّهُ وحي الله العظيم، أو بقايا وحيهِ المنير، الذي أرادهُ عزَّ وجلَّ وقنَّنهُ لانتشالِ البشرِيَّةِ من الحضيضِ الذي أوقعوا أنفسهم فيهِ، جرّاء تجرُّئهم على بارئهم وموجدهم من العدم، فهلاّ أعطينا النصفَ من أنفسنا، لنكونَ بذلكَ أسعد!، ولنعرفَ ما يريدهُ الباريء في كُتُبهِ المقدَّسةِ المباركةِ، وكيف حكى عن عبدِهِ وحبيبهِ الفريدِ من نوعهِ، وكيفَ رَسمَ وأبانَ لجميعِ العوالمِ صورةَ ذلكَ المتَيَّم الأبدي، التي تُبهرُ العقولَ، وتحارُ فيها الألبابُ...!.

ولكن هل لدينا الشجاعةَ الكافية في تحمُّلِ ذلك إن وقفنا عليهِ، وهل باستطاعتنا أن نرمي متحجراتنا الذهنيَّة بعيداً عن هذا الألقِ العظيم!؟، ذلك ما نتمنّاهُ ونأملُهُ بمنِّ الله ولطفهِ وعونهِ، إنَّهُ رؤوفٌ رحيم.

وآخرُ دعوانا، أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلِّ يا ربيِّ وسلِّم وزد وبارك وترحَّم وتحنَّن على محمدٍ وآلِ محمدٍ الطيبيينَ الطاهرين، ولا تفرِّق بيننا وبينهم أبداً، انكّ أنتَ السميعُ المجيبُ!.

 المؤلِّف

 

 


[1]: الملهوف: ص68. بحار الانوار: ج45، ص36. العوالم: ص279.

 
 
البرمجة والتصميم بواسطة : MWD