1439 / محرم / 1  |  2017 / 09 / 22         الزيارات : 422711         صلاة الصبح |         صلاة الظهر والعصر |         صلاة المغرب والعشاء |

نصب العداء لأهل البيت عليهم السلام ودوره في صناعة الإرهاب (فاجعة كربلاء أُنموذجاً)

{ الشيخ محمد الكروي القيسي }
نصب العداء لأهل البيت عليهم السلام  ودوره في صناعة الإرهاب (فاجعة كربلاء أُنموذجاً)

 

مقدّمة

كثيرة هي تجنّيات المؤرخين وصاغة التاريخ، أعني مَن لم يلتزم الحياد والموضوعية منهم، وكثيراً ما صِيغَ التاريخ بأيديهم على مقاسات القوي المتسلّط، بل ربّما صنعوا تاريخاً لمن لا تاريخ له، وربما عظّموا الصغير وصغّروا العظيم، والأمر بعينه جارٍ فيمن أرّخوا للعقائد والملل والفرق، فربّما أبرزوا فرقة أو عقيدة لم يقل بمقالتها إلّا أشخاص قد لا يتجاوز عددهم أصابع اليد، وربما أهملوا عقيدة أو فرقةً حكمت دولاً، وغيّرت تاريخاً وحرّفت مسار شعوبٍ وأُمم.

والأمر لا يحتاج إلى ضرب أمثلةٍ كثيرة لمن له أدنى خبرة بتاريخ العقائد والملل والنحل، فبتأملٍ بسيط نرى أنّ مشاهير مَن كتب في تأريخ العقائد أو المذاهب لم يُشر ولو تلويحاً إلى عقيدةٍ انتهجها أناسٌ حكموا دولاً، وتأثّر بنهجهم محدِّثون وأشباه علماء، وتكلّم بلسانهم وعّاظ متزلّفون، وامتلكوا إعلاماً هادراً شوّه الكثير من الحقائق وزيّفها، أعني بذلك عقيدة (النصب) والعداء لأهل البيت عليهم السلام .

فبمراجعة سريعة لكتب العقائد والفرق والمذاهب عند العامّة مثل (شرح المقاصد) للتفتازاني، أو (الفَرْق بين الفِرَق) لعبد القاهر البغدادي، أو (الملل والنحل) للشهرستاني، سوف لن تجد اسماً ولا رسماً لهكذا عقيدة أو جماعة. نعم، ورد ذكرهم على لسان بعض أهل اللغة عند مرورهم بمادة (نَصَبَ)، وأشارت لهم بعض كتب الحديث إشارة مقتضبة جداً اقتصرت على التعريف فقط.

نعم، تمَّ التركيز على فرقةٍ من فرق (النواصب) ـ أعني الخوارج ـ لا بعنوان أنّهم نواصب، بل لأنّهم مع انحرافهم الفكري والعقدي ظلّوا مناوئين للسلطات والدول الكبرى التي حكمت التاريخ، كالدولة الأُموية والعبّاسية، فتمَّ بسط القول فيهم، وفي فِرَقهم وأقسامهم ومناطق انتشارهم، أما نواصب السلطات الحاكمة، فلم يتعرّض لهم أحد بهذا العنوان إلا ما شذّ وندر.

ولكن جزى الله علماءنا خيراً، فهم تبعاً لأئمتهم عليهم السلام  خصّصوا لهذه العقيدة، ومَن انتمى إليها، أحكاماً فقهية خاصّة استُقيت من روايات النبيّ وأهل بيته عليهم السلام ، في أبواب النجاسة والطهارة، والنكاح، وبعض المعاملات، بل كتب جملة من العلماء فيهم كتباً كاملة، بيّنت أضرار النصب ومخاطره في الدنيا، وعواقبه في الآخرة.

فمن هم (النواصب)؟ وما مدى علاقة (النصب) بالإرهاب؟ ثمّ ما الدور الذي لعبه هذا الفكر الخطر في واقعة عاشوراء، وكيف أثّر في صناعة تلك المذبحة المروّعة؟ هذا ما سنتناوله في مقالنا هذا بشيء من الاقتضاب، ضمن محاور ثلاثة هي:

المحور الأول: أهل البيت عليهم السلام  والوسطية والاعتدال.

المحور الثاني: بيان ماهيّة النصب وشيء من تاريخه.

المحور الثالث: علل النصب وعلاقة ذلك بالإرهاب.

المحور الأوّل: أهل البيت عليهم السلام  والوسطية والاعتدال

إنّ مما لا شكّ فيه أنّ أهل بيت النبي عليهم السلام  كانوا على مدى التاريخ عنواناً ورمزاً للوسطية والاعتدال والاتّزان على جميع الصعد، وليس ذلك بخافٍ على أحد، والأمر ببساطة نابع من علمٍ غير محدود زوّدهم به جدّهم النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم ، وتناقلوه عنه كابراً عن كابر، إذ العلم هو مادة الوسطية والاتّزان، والجهل بخلاف ذلك؛ لذا ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام  قوله: «لا ترى الجاهل إلّا مُفرطاً، أو مفرِّطاً»[1]، ووردت آثار كثيرة وبأساليب مختلفة ومن زوايا شتَّى تشير إلى كون أهل البيت عليهم السلام  هم رمز الوسطية والاعتدال الذي يجب أن يُتّبع، فمن روايات تأمر بالتمسك بهم كحديث الثقلين[2] المروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم  بالتواتر عند جميع المسلمين، أو حديثه صلى الله عليه وآله وسلم  «مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح مَن ركبها نجا، ومَن تخلّف عنها غرق»[3]، أو حديث «النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق، وأهل بيتي أمان لأُمتي من الاختلاف، فإذا خالفتها قبيلة من العرب اختلفوا فصاروا حزب إبليس»[4].

كما ورد أيضاً عن نفس أئمة أهل البيت عليهم السلام  إشارة واضحة إلى هذه الحقيقة، كقول الإمام الرضا عليه السلام : «نحن آل محمد النمط الأوسط، لا يدركنا الغالي، ولا يسبقنا التالي»[5].

قال شارح الحديث عند تعرضه لمعنى (النمط الأوسط): «أي: الجماعة القائمين على الوسط، يعني العدل في العلم والعمل»[6].

وقال في ذلك أحد شرّاح نهج البلاغة في شرحه لقول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام : «نحن النمرقة الوسطى، بها يلحق التالي، وإليها يرجع الغالي»، قال: «النمرقة: وسادة صغيرة، واستعار لفظها بصفة الوسطى له ولأهل بيته عليهم السلام  باعتبار كونهم أئمة العدل... ومن حقِّ الإمام العدل أن يلحق به التالي؛ أي: المفرِّط المقصّر في الدين، ويرجع إليه الغالي... المتجاوز في طلبه حدّ العدل»[7].

فتحصّل مما تقدّم: أنّ أيّ بغضٍ لأهل البيت عليهم السلام  هو بغض للحالة الوسطية، ولحالة الاتِّزان والاعتدال الذي ينبغي أن يعيشها الفرد المتدّين، وهذا بدوره يشير إلى وجود خلل في المنظومة القيمية لدى المبغض لهم، شَعَرَ بذلك أم لم يشعر، ومن ذلك الخلل تنشأُ النزعات نحو التطرّف والإرهاب فيما بعد لا محالة. فلا غرو إن عُدّ النصب علّة من علل الإرهاب، ويكفي في ذلك استعراض سيرة بعض عتاة النواصب وسيأتي لاحقاً تفصيل القول في ذلك.

المحور الثاني: بيان ماهية النصب وشيءٌ من تاريخه

أوّلاً: في ماهية النصب

 إنّ كلمة (النصب، أو نَصَبَ) حالها حال أيِّ لفظٍ استُعمل كمصطلح يختص بعلمٍ من العلوم، فله معنىً لغوي، كما له معنى خاص باصطلاح أهل فنٍّ معيّن، مشتق من ذلك المعنى اللغوي، وقريب منه.

والنصب في اللغة: المعاداة، بل الظاهر عن أهل اللغة أنّ دلالة كلمة (النصب) على مطلق العداء دلالة مجازية تحتاج إلى قرينة لإتمام معناها كي تدل على العداء كقولهم: (ناصبه العداوة، أو الحرب)، بمعنى أظهرها له وأقامها، ولكن بكثرة الاستعمال وتقادمه سقط الاحتياج إلى القرينة، وبقي ذو القرينة دالاً على ذلك المعنى المجازي، لذا قال الفراهيدي: «وناصبت فلاناً الشرّ والحرب والعداوة ونحوها، ونصبنا لهم حرباً. وإن لم تُسمِّ الحرب جاز»[8]. فالظاهر أنّ أصل النصب هو الإقامة.

أمّا في الاصطلاح، فقد اختص لفظ (النصب) و(النواصب) بمن عادى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أو أحد أهل بيته عليهم السلام  على ما نصّت عليه أشهر المعاجم اللغوية، وكتب أهل الاصطلاح.

قال الشهيد الثاني رحمه الله : «النواصب هم المبغضون لأحد من أهل البيت عليهم السلام »[9].

وقال الشيخ الأنصاري رحمه الله : «ولا يخفى أنّ الظاهر من الأخبار هو مَن يبغض أهل البيت عليهم السلام »[10]، بل الأمر حتى عند غيرنا كذلك، لذا قال ابن تيمية: «الناصبين: المبغضين لعلي وأولاده»[11]، ووافقه الذهبي قائلاً: «النصب: هو بغض أهل البيت ومعاداتهم»[12].

فتبيّن إلى هنا أنّ النصب الذي هو من أقبح القبائح هو بغض مَن أمر الله تعالى ورسوله بحبّهم، وهم: علي وأولاده الطاهرون عليهم السلام ؛ إذ من المسلّم المقطوع به عند جميع المسلمين أنّ حبّ علي وأهل بيته جميعاً واجب من واجبات الشريعة، وورد الحث عليه قرآناً وسنّةً وإجماعاً، ولا داعي هنا لذكر النصوص على ذلك؛ لأنّه أوضح من أن يُستدل عليه. بل إنّ بعض النصوص الصحيحة الصريحة وصمت المبغض لعلي عليه السلام  بأنّه منافق، كما ورد في صحيح مسلم عن علي عليه السلام  قوله: «والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة، أنه لعهد النبي الأُميّ صلى الله عليه وآله وسلم  إليَّ أن لا يحبني إلّا مؤمن، ولا يبغضني إلّا منافق»[13].

ولكن مع كل هذا التأكيد من الشريعة المقدسة، أبى بعض الأشقياء إلّا أن يختاروا طريق الشقاء ببغضهم لسيّد العترة، وكبير البيت النبوي، وفيما يلي طائفة من سيرة بعض عتاة النواصب.

ثانياً: لمحة من تاريخ بعض عتاة النواصب وإرهابهم

لا مبالغة فيما لو قلنا: إنّ موضوع النصب والنواصب وأثرهم على تاريخ الإسلام، بل في نشوء الإرهاب والتطرف يحتاج إلى مؤلفات ضخمة، بل إنّ أثرهم تعدّى التاريخ ووصل إلى علم الحديث وعلم الرجال والدراية والفقه و... ولكن سنذكر هنا ما يناسب مقالنا توخِّياً للاختصار:

1ـ إنّ الخوارج وهم من أبرز مصاديق النواصب بمجرد عزوفهم عن نهج الحق، وخروجهم عن جادّة الاعتدال جادّة أمير المؤمنين علي عليه السلام  ووقوفهم بوجهه، فعلوا الأفاعيل التي يندى لها الجبين، فأوّل ما ابتدأوه أن قتلوا عبد الله بن خباب بن الأرت صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  لمجرد حبّه لعليّ عليه السلام ، وعمدوا إلى امرأته وهي حامل مُقرِب فبقروا بطنها وقتلوها وجنينها، وقتلوا ثلاث نسوة كنَّ معها، في الوقت الذي استشكلوا في تمرة سقطت من نخلة كيف أكلها أحدهم، كما استشكلوا في خنزير لذمي كيف قتله آخر، فطلبوا صاحب الخنزير ليرضوه[14].

فاُنظر التذبذب بين الإفراط والتفريط، حتى انتهى بهم الأمر إلى الاشتراك في قتل رمز الوسطية والاعتدال أمير المؤمنين عليه السلام .

2ـ ما فعله معاوية بن أبي سفيان الذي عُدّ المصداق الأتم، والرمز الأكمل للنواصب من مخازٍ ملأت بطون الكتب، وخصوصاً بحقِّ كل مَن انتمى إلى أمير المؤمنين عليه السلام ، بل يكفيه وقوفه في حرب طاحنة بوجه الإمام علي عليه السلام ، ثم ما فعله بعد ذلك من أفاعيل لم يسبقه إليها أحد في الإسلام؛ من قتله عمرو بن الحمق الخزاعي[15]، وقطع رأسه وإهدائه لزوجته وهي في سجن دمشق[16] «فكان أوّل رأس أُهدي في الإسلام»[17]. وهذا من أوضح مصاديق الإرهاب والتطرّف اللامشروع، ثم قتله حجر بن عدي الكندي لا لشيء إلّا لحبّه لعلي عليه السلام ، وبعثه لشيطانه (بسر بن أرطاة) إلى المدينة ومكّة والطائف واليمن، فذبح الأطفال، وسبى النساء المسلمات، فكانت أوّل حالة سبي لنساء مسلمات[18]... إلى غير ذلك من أعمال إرهابية فظيعة. وكان أهم دافع له في كل ذلك هو النصب وبغض أمير المؤمنين عليه السلام  وكل مَن ينتمي إليه، ولقد «شنَّ الغارة معاوية على شيعة أمير المؤمنين عليه السلام  سنة 39هـ، وفرّق جيوشه في أصقاع حكومته عليه السلام ، واختار أُناساً ممن لا خلاق لهم لقتل أُولئك الأبرياء أينما كانوا وحيثما وُجِدوا، فوجّه النعمان بن بشير في ألف رجل إلى عين التمر، ووجه سفيان بن عوف في ستة آلاف، وأمره أن يأتي (هيت) فيقطعها، ثم يأتي الأنبار والمدائن فيوقع بأهلها... ووجّه الضحّاك بن قيس، وأمره أن يمرَّ بأسفل (واقصة)، ويغير على كل مَن مرَّ به ممن هو في طاعة علي عليه السلام  من الأعراب...»[19].

فاُنظر إلى بغض الإمام علي عليه السلام  وكل ما يمتّ له بصلة، ومدى أثره بنفس معاوية، وكيف صار باعثاً له لكل عملٍ متطرِّف، ولكن هل اكتفى بذلك؟! فقد نقل لنا ابن أبي الحديد في شرحه قال: «ثم كتب إلى عمّاله نسخة واحدة إلى جميع البلدان: اُنظروا مَن قامت عليه البيّنة أنّه يحبّ علياً وأهل بيته، فامحوه من الديوان وأسقطوا عطاءه ورزقه»[20]، بل نقل رجاليو العامة في كتبهم أنّه «كانت بنو أُمية إذا سمعوا بمولود اسمه عليّ قتلوه»[21]. وكل ذلك من أوضح مصاديق الإرعاب والإرهاب.

3ـ في ترجمة (عكرمة البربري): الذي كان عبداً من عبيد عبدالله بن عباس، وتعلّم على يديه، ولكنّه فيما بعد مال إلى الخوارج، واتّبع رأيهم، بل وصار من دعاتهم الأكابر، ورد في ترجمته: «قدم عكرمة مصر، وهو يريد المغرب، قال: فالخوارج الذين بالمغرب عنه أخذوا»[22]. فالرجل ممن تمحّض بالنصب وبغض النمرقة الوسطى علي بن أبي طالب عليه السلام ، وقد نقل عنه خالد بن أبي عمران قال: «كنّا بالمغرب وعندنا عكرمة في وقت الموسم [أي: موسم الحج] فقال: وددت أنّ بيدي حربة فأعترض بها مَن شهد الموسم يميناً وشمالاً»[23]، فعن ماذا ينم هذا الرأي؟! وأيُّ داءٍ خبيث هو النصب؟! فهو أشبه ما يُسمى اليوم بـ (الفايروس) الذي يفتك بكل شيءٍ أصابه.

وأُثر عن عكرمةٍ هذا وقوفه على باب المسجد وقوله: «ما فيه إلّا كافر»[24]، فلو تسنّى لعكرمةٍ هذا أن يكون قائداً لدولة، أو لمجموعةٍ ما، لأهلك الحرث والنسل.

4ـ المتوكّل العباسي: وقد عُرف بالنصب واشتُهر به، ونقل أرباب التاريخ عنه في ذلك النقول، قال النويري في أحداث سنة 236هـ: «في هذه السنة: أمر المتوكل بهدم قبر الحسين بن علي رضي الله عنهما وهدم ما حوله من المنازل والدور، وسُقي موضع قبره، وأن يُمنع الناس من إتيانه، فنادى في الناس في تلك الناحية: مَن وجدناه عند قبره بعد ثالثة حبسناه في المطبِق [أحد السجون المخيفة للعباسيين]... وكان المتوكّل شديد البغض لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه ولأهل بيته، وكان يقصد مَن يتولّى علياً وأهل بيته بأخذ المال والروح»[25].

وقد قتل المتوكل في هذا العام العالم النحوي الكبير ابن السكّيت، لا لشيء إلّا لأنّه أبدى رأيه واعتقاده، إذ كان معلّماً لابنَيِ المتوكّل: (المعتز والمؤيّد) حين سأله المتوكّل: أيُّهما أحبّ إليك ولداي هذان، أم الحسن والحسين؟ فقال ابن السكيت بكل صراحة: «قنبر [يعني خادم الإمام علي] خير منهما، فأمر [المتوكّل] الأتراك فداسوا بطنه حتى مات، وقيل: أمر بسلِّ لسانه فمات»[26].

فبأيّ شرعٍ أم بأيّ قانون يُقتَل إنسان، بل عالم من العلماء لمجرد تفضيله مَن يعتقد بأفضليته على غيره؟!!

وفي قبال صورة الإرهاب تلك نقل لنا التاريخ أنّ الأشعث بن قيس الكندي كان بنى في داره مأذنة، وكان يرقى إليها عند كلّ أذان، يشتم منها أمير المؤمنين علياً عليه السلام ، فلم يتّخذ أمير المؤمنين عليه السلام  بحقّه أيّ إجراء، بل تركه وشأنه وهو يفعل فعله ذاك كل يوم إلى أن مات[27].

فما عسى المرء أن يقول في الموقفين؟!!

فأيّ فعل يفعله النصب، وأيّ إرهاب وتطرّف أعمى يصنع، بل إنّ المتوكّل قطع لسان شاعر لمجرد مدحه لأهل البيت عليهم السلام ، وهو ما فعله بعبد الله بن عمار البرقي الذي وشى به الواشون، وقرأوا على المتوكّل قصيدته، فأمر بقطع لسانه وإحراق ديوانه، ففُعِل به ذلك فمات بعد أيام، وذلك عام 245 هـ[28].

وبعد هذه الجولة المقتضبة جداً، لا أظنّ أنّ أحداً يشك فيما للنصب وبغض آل المصطفى وعلى رأسهم سيدهم أمير المؤمنين (عليه وعليهم السلام) من أثرٍ كبير في نشوء التطرّف، وإنتاج الفكر المنحرف، الميّال لكل ما هو شاذّ خارج عن حدود الإنسانية.

وبإسقاط كل ذلك على ما جرى من أحداث في النهضة الحسينية سنرى العجب العجاب؛ إذ بدأ التطرّف الذي كان باعثه النصب والبغض لآل محمد عليهم السلام  منذ اللحظات الأُولى لتسنّم يزيد مقاليد الحكم، وهذا لا يعني أنّ معاوية لم يكن يفكر بذلك، بل لم يكن يريد إثارة الناس وسخطهم عليه أكثر مما فعله بأمير المؤمنين وابنه الحسن عليهما السلام ، فبدأ يزيد بالتخطيط لاغتيال الإمام الحسين عليه السلام  إن لم يبايع؛ لذا ورد عن الحسين عليه السلام  التصريح بذلك في أحاديث متعددة كقوله عليه السلام : «لو كنت في بطن صخرة لاستخرجوني منها فيقتلوني»[29]، وفي نقل آخر: «لو كنت في جحر هامة من هوام الأرض، لاستخرجوني منها حتى يقتلوني»[30]، وهذا يُنبأ عن شدّة الإرهاب الأُموي الذي ورثه يزيد من آبائه، والذي غذّاه به نصبه وحقده.

قال العلّامة المجلسي معلّقاً على ذلك: «بل الظاهر إنّه [أي: الإمام الحسين] صلوات الله عليه لو كان يسالمهم ويبايعهم لا يتركونه لشدّة عداوتهم، وكثرة وقاحتهم، بل كانوا يغتالونه بكل حيلة، ويدفعونه بكل وسيلة، وإنّما كانوا يعرضون البيعة عليه أوّلاً؛ لعلمهم بأنه لا يوافقهم في ذلك، ألا ترى إلى مروان [يعني ابن الحكم] لعنه الله كيف كان يشير على والي المدينة بقتله قبل عرض البيعة عليه، وكان عبيد الله بن زياد ـ عليه لعائن الله  إلى يوم التناد ـ  يقول: اعرضوا عليه فلينزل على أمرنا، ثم نرى فيه رأينا، ألا ترى كيف آمنوا مسلماً [يعني ابن عقيل] ثم قتلوه؟!»[31].

فمن الواضح أنّ الأمر أعمق بكثير من البيعة، بل هي حرب إبادة واستئصال لأهل البيت عليهم السلام ، منشؤها النصب والبغض المركوز في نفوس بني أُمية، والذي بدوره له علله الخاصة التي سنأتي على ذكر بعضها.

ثم بدأ مسلسل الإرهاب الأُموي اليزيدي بحق الحسين عليه السلام ، وكل مَن انتمى إليه منذ وصوله وعياله إلى مشارف كربلاء، إلى حين رجوع عيالاته من الأسر إلى المدينة، وسنشير إلى بعضها في محلّها عند التعرّض لعلل النصب. في المحور الثالث الآتي.

المحور الثالث: علل النصب وعلاقة ذلك بالإرهاب

بعد أن اتّضح معنى النصب ومصاديقه، لا بد من بيان علله وأسباب نشوئه، وعلاقته بالإرهاب، ولكن قبل ذلك قد يتبادر إلى ذهن القارئ الكريم تساؤل حول معنى الإرهاب الذي كان النصب أحد علله، وهذا التساؤل حقٌّ مشروع جداً، إذ لا بد من تحديد معنى الإرهاب أوّلاً؛ كي يتسنّى لنا معرفة ماهية علاقة النصب وبغض أهل البيت عليهم السلام  به، وبما أنّ هذا المصطلح حديث معاصر بتركيبته الإعلامية والسياسية والاجتماعية ـ وإن كانت مصاديقه قديمة بقدم التاريخ الإنساني ـ ولكن مما يهوّن الخطب أنّ مصاديقنا المنتقاة محل البحث هي من القدر المتيقن الذي لا نزاع في كونه من الإرهاب الّلا مشروع لدى جميع العقلاء، وطبق مختلف القوانين، وضعيّها وسماويها؛ إذ لا يشك أحد في أنّ قتل الحامل، وبقر بطنها لا لذنب إلّا للاختلاف مع زوجها بالرأي هو جرم تستقبحه البشرية جمعاء، وكذا قطع رأس الزوج وإهداؤه لزوجته وهي في السجن، أو قطع العطاء والرزق عن أُناس لأنّهم أحبّوا رجلاً أحبّه الله تعالى ورسوله، أو قطع لسان شاعر لأنّه مدح خصوم القاطع، و... إلى غير ذلك من مصاديق واضحة كل الوضوح على كونها إرهاباً بأيّ مقياس قيس، وبأيّ تعريف عرفنا الإرهاب.

أمّا ما حدث في كربلاء، فالأمر أجلى وأوضح، فلا نظنّ أنّ عاقلاً لديه مسكة من عقل يشكّ في أنّ حصار معسكر فيه نساء وأطفال، وتجميع الجيوش عليهم، وقرع طبول الحرب حولهم، ثم تعطيشهم ومنع الماء عنهم لعدة أيام، ثم حرق خيامهم، إلى قطع رؤوس الشهداء من ذويهم، وسحق جثثهم بالخيول، وقتل أطفال لم يصلوا حدَّ البلوغ، وسلب أجساد القتلى وتجريدها حتى من الثياب التي عليها، إلى سوق الأُسارى بذلّةٍ وقسوة، وضربهم وشتمهم و... إلى غيرها من الموارد الكثيرة، كلّها تُعدّ من أجلى مصاديق الإرهاب، بأيّ تعريف عرّفنا الإرهاب.

أمّا علل النصب التي من الضروري الوقوف عليها لمعرفة كيفية نشوء تلك الظاهرة البغيضة الخطيرة فيمكن تصورها بحسب الاستقراء بما يلي:

الحقد: وهو من علل النصب الواضحة، لكن لا بأس بتبيين حدوده، ففي اللغة قيل: إنّه «إمساك العداوة في القلب والتربّص بفرصتها»[32]، وقال بعض أهل الأخلاق في الحقد: إنّه «إضمار العداوة في القلب، وهو من ثمرة الغضب؛ لأنّ الغضب إذا لزم كظمه لعجزٍ عن التشفّي في الحال رجع إلى الباطن واحتقن فيه فصارَ حقداً، وهو من المهلكات العظيمة، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : المؤمن ليس بحقود. والغالب أنّ الحقد يلزمه من الآفات: الحسد، والهجرة، والانقطاع عن المحقود، وإيذاؤه بالضرب، والتكلّم فيه بما لا يحل من الكذب، والغيبة، والبهتان...»[33].

ثم أردف(قدس سره) في تبيان لوازم الحقد قائلاً: «ومنها العداوة الظاهرة، وهي من لوازم الحقد؛ لأنّه إذا قوي [أي: الحقد] قوةً لا يقدر معها على المجاملة أظهر العداوة بالمكاشفة»[34].

والملاحظ أنّ كل لوازم الحقد التي ذُكرت آنفاً تجسّدت وتحققت بعينها في النواصب المبغضين لعليٍّ وأهل بيته عليهم السلام ، فمن حسدٍ له ولأولاده (سلام الله عليهم أجمعين)، وهجرٍ لهم، وانقطاع عنهم، وإيذائهم، ثم قتلهم واحداً بعد واحد، ناهيك عن الكلام والوقيعة فيهم. وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  قد تنبّأ بكل ذلك، وبأدقّ التفاصيل التي يطول المقام بذكرها.

 ولقد توجّع أمير المؤمنين عليه السلام  من حقد قريش عليه أيّما توجّع، وأرجع أصل ذلك الحقد إلى الحقد على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقد أُثر عنه عليه السلام  قوله: «كلّ حقدٍ حقدته قريش على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  أظهرته فيَّ، وستُظهره في وُلدي من بعدي، ما لي ولقريش؟! إنّما وترتهم بأمر الله وأمر رسوله، أفهذا جزاء مَن أطاع الله ورسوله إن كانوا مسلمين؟!»[35].

كما ورد عنه عليه السلام  متخوِّفاً على الحسن والحسين عليهما السلام  قوله: «الّلهم، إنّي أستعديك على قريش، فإنّهم أضمروا لرسولك صلى الله عليه وآله وسلم  ضروباً من الشرِّ والغدر، فعجزوا عنها، وحلتُ بينهم وبينها، فكانت الوجبة بي[36]، والدائرة[37] عليَّ، الّلهم، احفظ حسناً وحسيناً، ولا تمكّن فجرة قريش منهما ما دمت حيّاً، فإذا توفيتني فأنت الرقيب عليهم، وأنت على كلِّ شيء شهيد»[38].

وبذلك يكون أمير المؤمنين عليه السلام  قد شخّص لنا مفردة كبيرة من مفردات وعلل النصب، الذي صار فيما بعد علّة للإرهاب والعنف الّلا مشروع المخالف لجميع القيم.

ثم بعد رحيله سلام الله عليه ظهر عياناً ما تنبّأ به في قوله: «وستُظهره في وُلدي من بعدي».

أمّا الإمام الحسن عليه السلام  فاغتيل سمّاً لا لشيء إلّا لأنّه عارض الظلم، وأراد الوقوف بوجه الانحراف، فكانت شهادته ثمرة من ثمرات النصب والبغض الناشئ عن الحقد الأسود.

وأمّا الإمام الحسين عليه السلام ، فقد مورست بحقّه وحقّ عيالاته وأصحابه صنوفاً من الإرهاب يظهر منها مدى النصب الناشئ عن الحقد الموغر في الصدور.

 ويمكننا رصد قسمين من الحقد الذي أظهره يزيد وأتباعه وجيشه في ذلك اليوم العصيب:

أوّلهما: الحقد الظاهر من طريق الأقوال: وذلك بإطلاق عبارات تكشف إنّاً عن حجم الحقد الذي حمله القوم على أمير المؤمنين ثم على أولاده عليهم السلام  أجمعين، فقد صرّحوا بذلك عندما خاطبهم الإمام الحسين عليه السلام  قائلاً: «ويكلم! أتقتلوني على سنّةٍ بدّلتها؟! أم على شريعة غيّرتها؟! أم على جرم فعلته؟! أم على حقٍّ تركته؟! فقالوا له: إنّا نقتلك بغضاً لأبيك»[39]. هذا من جهة، ومن جهةٍ أُخرى يستشعر مدى الحقد أيضاً حينما خاطبوه بكل وقاحةٍ وصلف بعد أن ناشدهم مذكّراً أنّه ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وابن ابنته فاطمة عليها السلام ، وابن أمير المؤمنين عليه السلام ، فخاطبوه قائلين: «قد علمنا ذلك كلّه، ونحن غير تاركيك حتى تذوق الموت عطشاً»[40].

فهكذا أقوال لا يمكن الحكم عليها على أنّها ردود أفعالٍ آنية وليدة لحظتها، بل هي إفرازات حقدٍ عميقٍ جاش في صدور القوم، إلى أن أظهروه في تلك اللحظة المشؤومة، فاصطفّوا بحقدهم الأسود ذاك في صفوف النواصب، وباءوا بغضبٍ من الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم .

ثانيهما: الحقد العملي. وهذا ما يمكن تشخيصه بوضوح في أفعال أتى بها القوم لا يمكن أن تصدر إلّا عن حقد غلى في نفوس بني أُمية وأتباعهم، أظهروه حيث يمكن إظهاره في ذلك اليوم، بدأ بـ:

أ ـ الحيلولة بين معسكر الحسين عليه السلام  بما فيه من صبيان ونساء وبين الماء، بأمرٍ من الطاغية ابن زياد حين أرسل كتابه المشؤوم لذَنَبه ابن سعد جاء فيه: «أمّا بعد: فحُلْ بين الحسين وأصحابه، وبين الماء، فلا يذوقوا منه قطرة...»[41]، فوضع عمر بن سعد جيشاً عظيماً بقيادة عمرو بن الحجاج الزبيدي لهذا الغرض فقط[42]، فكان هذا الفعل من العلامات الفارقة على مبلغ الحقد، فهو محاولة للإبادة الجماعية والقتل الهمجي عن طريق التعطيش والمنع من الماء.

ب ـ كيفية التعامل مع أجساد القتلى: إذ يتجلّى بوضوح مبلغ ذلك الحقد، فالتقطيع (إرباً إرباً) من ميزات فعل جيش ابن زياد، وخصوصاً مع أقرب الناس إلى الحسين عليه السلام ، وهذا ما دعا أحد المؤرخين لوقعة عاشوراء، والمهتمين بإحصاء أحداثها، إلى إفراد قسم خاص في مَن قُطّعت أعضاؤه بعد استشهاده بأرض المعركة، قال رحمه الله : «الفائدة الرابعة عشر: قطّعت أعضاء ثلاثة نفر من أحبة الحسين عليه السلام  وأنصاره في حال قتلهم يوم الطف، وهم: العباس بن علي عليه السلام ؛ فإنّه قُطِعت يمينه ثم شماله ثم رأسه، وعلي بن الحسين عليه السلام ؛ فإنّه ضُرِب على رأسه، ثم قُطّع بالسيوف إرباً إرباً[43]، وعبد الرحمن بن عمير؛ فإنّه قُطِعت يده في منازلة سالم ويسار، ثم قطعت ساقه ثم قطع رأسه ورُميَ به إلى جهة الحسين عليه السلام »[44]. وقيل: إنّهم لم يكتفوا بتقطيع يدي أبي الفضل العباس ورأسه المبارك، بل عمدوا إلى رجليه فقطعوهما حنقاً عليه[45]. ناهيك عن قطع رؤوس الشهداء بعد المعركة؛ إذ لم تسلم جثة من جثث الشهداء من الهتك أو قطع الرأس إلّا جثة الحر بن يزيد الرياحي حينما مانع قومه وأبعدوا جثته عن القتلى[46]. ثم رضّ الجسد الشريف بالخيل بعد القتل وقطع الرأس، بل والافتخار بذلك شعراً[47]، ثم ترك تلك الجثث الزواكي بلا دفن ولا مواراة عمداً[48].

فبتجميع هكذا أفعال وقرائن يستيقن المرء يقيناً لا شبهة فيه ولا شك يعتريه أنّ ذلك الجيش قد عُبئ حقداً وحنقاً، أعماهم وجعلهم ينسون حتى عاداتهم وسجاياهم التي كانوا يتبجّحون بها كالنخوة والفروسية؛ لذا فقد ذكّرهم بها سيد الشهداء عليه السلام  بقوله: «ارجعوا إلى أحسابكم إن كنتم عُرباً كما تزعمون»[49]، ولكن!!!

وأخيراً ظهر التشفّي لذلك الحقد الأعمى بأوجِّ صوره حين وصول سبايا أهل البيت عليهم السلام  إلى الشام؛ إذ لم يستطع حينها مرجل صدر يزيد الذي يغلي حقداً غُذيَ عليه صغيراً، وشبَّ عليه كبيراً إلّا أن يفوح بنتن الحقد المقيت، حين أنشأ أبياته المشهورة التي سارت بها الركبان، ونقلها الخاص والعام، مضمناً أبيات ابن الزبعرى قائلاً:

 

ليت أشياخي ببدرٍ شهدوا

 

جزع الخزرج من وقع الأسل

لأهلّوا واستــهلّوا فرحاً

 

ثــــم قالوا يا يزيد لا تُشل

قد قتلنا القُرم من ساداتهم

 

وعـــدلناه ببـــدرٍ فــاعتدل

لعبت هاشــم بالمــلك فلا

 

خـــبر جــاء ولا وحــيٌّ نزل(1)

 

 

 

[50]ثم قال كلمته المشؤومة: (يوم بيوم بدر)[51]، وهي نفس كلمة جدّه أبي سفيان في معركة أُحد حين نادى بأعلى صوته: «أعلُ هبل، لنا العُزّى ولا عُزّى لكم، يوم بيوم بدر»[52].

2ـ الجهل: ولعلّّ هذه العلة أوسع العلل، فقد كان الجهل في كثير من الأحيان مادة أساس لبغض أهل البيت عليهم السلام  وعلى رأسهم سيدهم أمير المؤمنين عليه السلام ؛ وذلك لأنّ الجاهل فارغ الوعاء، أجوف الّلب، يمتلئ بما مُلئ، حقّاً كان أم باطلاً، ويكفي في إثبات ما ندّعيه من علّية الجهل للنصب وبغض أهل البيت عليهم السلام  ما سنذكره من مصاديق مقتضبة ذكرها المؤرخون منها:

أ ـ نقل ابن أعثم عن أبي الحسن المدائني بسنده قال: «بعث عبد الله بن علي [وهو حفيد عبد الله بن عباس، عم السفاح والمنصور، من مؤسسي الدولة العباسية] إلى... أبي العباس [أي: السفاح] بمشايخ أهل الشام، فلما دخلوا عليه قال لهم أبو العباس: يا أهل الشام، ما حملكم على الخروج مع بني أُمية على بني هاشم، وهم أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وهم أوْلى الناس بهذا الأمر من غيرهم؟ قال: فحلف الشاميون بالله الذي لا إله إلّا هو أنّهم ما علموا أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  له ذرية ولا أهل بيت غير بني أُمية، حتى وُليِّتم أنتم هذا الأمر. قال: فتبسّم أبو العباس تعجباً من جهل أهل الشام»[53].

ب ـ نقل المسعودي في تاريخه أنّ الحجاج بن يوسف زحف إلى مكّة لحصار ابن الزبير، ثم تقدّم إلى جبل (أبي قُبيس) فاحتلّه، وكتب إلى عبد الملك بن مروان بذلك، فلما وردَ كتابه على عبد الملك «كبّر عبد الملك، فكبّر مَن معه في داره، واتّصل التكبير بمن في جامع دمشق فكبّروا، واتصل ذلك بأهل الأسواق فكبّروا، ثم سألوا عن الخبر، فقيل لهم: إنّ الحجاج حاصر ابن الزبير بمكّة، وظفر بأبي قُبيس، فقالوا: لا نرضى حتى يحمله [أي: يحمل أبا قُبيس] مكبّلاً، على رأسه برنس، على جمل يمرّ بنا في الأسواق، الترابي الملعون»[54].

ج ـ  ومن روائع القصص في ذلك ما نقله المنقري [وهو أقدم مَن أرّخ لوقعة صفّين] في شابٍّ خرج في معركة صفّين من جيش معاوية بن أبي سفيان وهو يرتجز ويقول:

 

أنا ابن أرباب الملوك غسّان

 

والدائن اليوم بدين غسّان

انبـــأنا أقــوامنا بــما كـان

 

أنّ عـــلياً قتــل ابن عفان

 

ثم شدّ فلا ينثني يضرب بسيفه، ثم جعل يلعن علياً ويشتمه ويسهب في ذمّه، فقال له هاشم بن عتبة [المرقال]: «إنّ هذا الكلام بعده الخصام، فاتقِ الله... قال [الفتى]: إنّي أُقاتلكم لأنّ صاحبكم لا يصلّي كما ذُكِر لي، وأنّكم لا تصلّون، وأُقاتلكم لأنّ صاحبكم قتل خليفتنا وأنتم وازرتموه على قتله. فقال له هاشم: وما أنت وابن عفان؟... إنّ هذا الأمر لا علم لك به، فخله وأهل العلم به، فقال [الفتى]: أظنّك والله قد نصحتني. فقال له هاشم: وأمّا قولك: إنّ صاحبنا لا يصلّي، فهو أوّل مَن صلّى مع رسول الله، وأفقهه في دين الله... وأمّا مَن ترى معه فكلّهم قارئ الكتاب، لا ينامون الليل تهجّداً، فلا يغررك عن دينك الأشقياء المغرورون. قال الفتى: يا عبد الله، إنّي لأظنّك امرءاً صالحاً، وأظنّني مخطئاً آثماً، أخبرني: هل تجد لي من توبة؟ قال: نعم»[55].

فأيّ أثر أعظم من الجهل في كل ما هو سيئ، ومنه النصب وبغض مَن أحبّه الله تعالى.

ونفس هذا العامل [أي: الجهل] لعب دوراً واسعاً في عاشوراء، وما بعدها، بل هو إلى الآن يلعب الدور السيئ نفسه، فأيُّ دافع يدفع من مثل (عبد الله بن حوزة التميمي) أن يقف أمام معسكر الإمام الحسين عليه السلام  ويخاطب الإمام عليه السلام ـ ابن رسول الله، وسيد شباب أهل الجنة، وأحد السبطين، وريحانة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ قائلاً له: «يا حسين... أبشر بالنار»[56]؟! فهل بعد هذا من جهل؟! أوَ لمثل الحسين عليه السلام  يقال ذلك؟! لا شك ولا ريب في أنّ مَن يتفوّه بمثل ذلك ليس إلّا جاهل بكل ما تعنيه تلك الكلمة من معنى، أدّى به جهله (المركّب) إلى أن ينصب العداوة لخير أهل الأرض والسماء بعد جدهم المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم  وهم أهل البيت عليهم السلام .

وبنفس المضمون المتقدم ـ أعني: تأثير الجهل في تكوّن النصب والبغض لأهل البيت ـ نقل لنا أهل السِّيَر قصة ذلك الشيخ الذي دنا من ركب السبايا حين وصولهم إلى الشام، وهو يحمد الله قائلاً: «الحمد لله الذي قتلكم وأهلككم وأراح البلاد من رجالكم.. فقال له علي بن الحسين عليه السلام : يا شيخ، هل قرأت القرآن؟ قال: نعم. قال: فهل عرفت هذه الآية: (قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ)؟ قال الشيخ: نعم، قد قرأت ذلك، فقال علي[بن الحسين] عليه السلام  له: فنحن القربى يا شيخ. فهل قرأت في بني إسرائيل [وهي سورة الإسراء]: (وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ)؟ فقال الشيخ: قد قرأت. فقال علي بن الحسين: فنحن القربى يا شيخ... قال الراوي: فبقي الشيخ ساكتاً نادماً على ما تكلم به، وقال: بالله إنكم هم؟ فقال علي بن الحسين عليه السلام : تالله، إنّا لنحن هم من غير شك وحقِّ جدّنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . فبكى الشيخ، ورمى عمامته، ثم رفع رأسه إلى السماء وقال: اللهم، إنّا نبرأ إليك من عدو آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم  من جنٍّ وإنس. ثم قال: هل لي من توبة، فقال له: نعم، إن تبت تاب الله عليك وأنت معنا، فقال: أنا تائب، فبلغ يزيد بن معاوية حديث الشيخ، فأَمر به، فقُتِلَ»[57].

3ـ الطمع: ولا ريب في أنّه أحد الآفات المهلكة التي قد تودي بدين المرء، وتدخله جهنّم خالداً فيها، فالطمع وحبّ المال «من شُعب حبّ الدنيا؛ إذ حبّ الدنيا يتناول حبّ كل حظٍّ عاجل، والمال بعض أجزاء الدنيا، كما أنّ الجاه بعضها»[58]، حتى ورد عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم  قوله: «ما ذئبان ضاريان أُرسلا في زريبة غنم بأكثر فساداً فيها من حبّ المال والجاه في دين الرجل المسلم»[59]، وقد روى لنا أرباب السِّيَر، ونَقَلة الآثار مفردات مهولة تُثبت أنّ الطمع كان مدعاةً لأصحابه للاصطفاف في صف النواصب، والقول بقولهم، حتى إنّ ابن أبي الحديد المعتزلي عقد في شرح نهج البلاغة فصلاً خاصاً في الأحاديث المكذوبة التي وضعها أتباع الدينار والدرهم سمّاه «فصل في ذكر الأحاديث الموضوعة في ذمّ عليّ» جاء فيه:

1ـ «قال أبو جعفر [وهو الإسكافي، أحد علماء المعتزلة]: وقد رُوي أنّ معاوية بذل لسمرة بن جندب مائة ألف درهم حتى يروي أنّ هذه الآية نزلت في علي بن أبي طالب: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّـهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَام وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّـهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ )[60]، وأنّ الآية الثانية نزلت في ابن ملجم، وهي قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّـهِ)[61]. فلم يقبل، فبذل له مائتي ألف درهم فلم يقبل، فبذل له ثلاثمائة ألف فلم يقبل، فبذل له أربعمائة ألف فقبل، وروى ذلك»[62].

2ـ  وأضاف ابن أبي الحديد قائلاً: «قال أبو جعفر [الإسكافي] رحمه الله: وكان المغيرة بن شعبة صاحب دنيا، يبيع دينه بالقليل النزر منها، ويُرضي معاوية بذكر علي بن أبي طالب»[63].

فهذه بعض آثار الطمع وحبّ الدنيا التي أدّت بالبعض إلى بغض مَن أمر الله تعالى بحبّه، والوقوف بوجهه، وحمل السيف لمواجهته، وتزوير سنّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  طمعاً بحطام الدنيا. فما هو دور الطمع في يوم عاشوراء؟ وما هي آثاره؟ وكيف تسبب في وقوف الكثير ممن وقعوا في فخ الدنيا الدنيّة موقف العداء السافر ضد ابن خير النبيين، وابن سيد الموحدين عليه السلام ، وأفضل شخصية إسلامية آنذاك حتى عند مَن لم يقل بالإمامة؛ إذ لا شك في أنّ الحسين عليه السلام  خامس أصحاب الكساء، ومن أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس، وأعظم شخصية اجتماعية ودينية آنذاك.

فكل تلك الروادع لم تردع مَن هو على شاكلة عمر بن سعد، حين وقف يخيّر نفسه بين أن يقف موقف النواصب المخزي دنيا وآخرة، فيكون ذلك النصب دافعاً له على أن يعمل من الأعمال ما لم تعمله الوحوش الضواري بفرائسها من أجل الطمع بملك (الري) الموهوم، وبين أن يختار موقف الفطرة السليمة والدين القويم، ويمنع وقوع أكبر جريمة في التاريخ، ولكن هيهات لابن سعد، ولأمثاله أن يختاروا الشق الثاني؛ لأنّ دافعهم الأوّل الذي سيّرهم وكانوا له أُسارى هو الطمع الذي أعماهم وأصمهم، فاختار ما اختار، وبئس ما اختار!

 لقد استغلّ يزيد الطاغية، وذيله التابع له عبيد الله بن زياد تلك الخصلة الذميمة في نفوس الكثيرين من الذين لم يستضيئوا بنور الهدي الإلهي، استغلّها اسوأ استغلال؛ إذ «جمع ابن زياد الناس في جامع الكوفة... ثم قال: أيّها الناس، إنّكم بلوتم آل أبي سفيان، فوجدتموهم كما تحبّون، وهذا أمير المؤمنين يزيد، قد عرفتموه حَسَن السيرة محمود الطريقة... وقد زادكم في أرزاقكم مائة مائة، وأمرني أن أوفّرها عليكم، وأُخرجكم إلى حرب عدّوه الحسين، فاسمعوا له وأطيعوا. ثم نزل عن المنبر، ووفّر للناس العطاء، وأمرهم أن يخرجوا إلى حرب الحسين عليه السلام ، ويكونوا عوناً لابن سعد على حربه، فأوّل مَن خرج شمر بن ذي الجوشن في أربعة آلاف...»[64].

ثم لا نظن أنّ شواهد الطمع ومصاديقه في عاشوراء بالتي تخفى على القارئ اللبيب، فتسابق جيش ابن سعد على قطع رؤوس القتلى تقرّباً وتزلّفاً لابن زياد عمل بقمة الوحشية، وهو نصب وعداء سافر لأهل البيت عليهم السلام ، كان أحد أهم دوافعه هو الطمع بحطامٍ زائل، بل تنافسَ أُولئك أيُّهم يأتي بأكثر عدد من الرؤوس[65]، ولم يكتفوا بممارسة الطمع، بل افتخر مفتخرهم به قائلاً:

 

املأ ركابـي فضة أو ذهباً

 

إني قتلت الملك المحجّبا

قتلت خير الناس أُمّاً وأبا

 

وخيرهم إذ ينسبون نسباً(3).

 

[66] ثمَّ لا يخفى على اللبيب أنّ علل النصب ـ تلك الظاهرة المعقدّة المقيتة المخالفة للفطرة الإنسانية؛ إذ من الفطرة الانشداد نحو الكمال، وحبّ كل ما هو كامل، فبُغض علي عليه السلام  أو أيّ واحدٍ من أهل بيته عليهم السلام  خلاف الفطرة ـ التي عرضناها بين يديه الكريمتين ليست على نحو الحصر، بل توجد أسباب غيرها يطول بذكرها المقام ترجع إلى مبادئ أعمق مما ذكرنا. على أن أيَّ سبب من الأسباب المؤدية للنصب التي ذكرناها ليست (بشرط لا) من حيث بقية الأسباب الأُخرى، بمعنى أنّه قد يجتمع الجهل مع الطمع، أو قد ينفرد أحدهما عن الآخر، أو قد يجتمع الحقد معهما أو...
 وقد تجتمع جميع الأسباب والعياذ بالله.

 في أغوار النفس

لقد ثبت بما لا يقبل الشك من نصوص قطعيّة بين المسلمين جميعاً على اختلاف مشاربهم أنّ حبّ علي بن أبي طالب عليه السلام  علامة الإيمان، وبغضه علامة النفاق[67] وتقدم ذكر ذلك، فالمبغض لعلي عليه السلام ، والناصب له العداء، منافق لا محالة بنص الشرع المبين، لأجل ذلك يرى بعض الباحثين المختصّين من أهل السنّة أن لفظ (النصب) هو لفظ مذهبي جرى على ألسنة أهل الحديث، وإلّا ففي لحاظ الشرع؛ فإنّ من المناسب تسمية النصب بـ (النفاق)، والنواصب بـ (المنافقين)[68]، ومعلوم يقيناً أنّ النفاق أمر مقيت مذموم في الشريعة الإسلامية، بل وفي كل الشرائع وعند كل العقلاء على اختلاف مشاربهم؛ لأنّه مرض نفسي ناشئ من اضطراب النفس وعدم استقرارها؛ إذ إنَّ «الإنسان السالم له وجه واحد فقط، وفي ذاته انسجام تام بين الروح والجسد؛ لأنّ الظاهر والباطن والروح والجسم يكمّل أحدهما الآخر، إذا كان الفرد مؤمناً فالإيمان يتجلّى في كلّ وجوده، وإذا كان منحرفاً فظاهره وباطنه يدلان على انحرافه، وازدواجية الجسم والروح مرض آخر، وعلّة إضافية، إنّه نوع من التضاد والانفصال في الشخصية الإنسانية»[69].

كما أنّ هذا المرض الفتّاك إنّما ينشأ من عقدة الإحساس بالذلّ والمهانة وعدم القدرة على المواجهة، كما ورد عن أمير المؤمنين علي عليه السلام  في قوله: «نفاق المرء من ذلٍّ يجده في نفسه»[70].

وفي موردنا محل البحث، يتجلّى النفاق في النواصب بوضوح؛ إذ الناصبي يدّعي ظاهراً أنّه مطيع لله تعالى، ومطيع لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم  في كل ما جاء به من عند ربّه، ولكنّه حينما يصل إلى وجوب موالاة أهل الإيمان ومحبّتهم،  ولا سيما سيد أهل الإيمان ورمزهم عليّ عليه السلام  يتوقف في ذلك لأسباب معيّنة تقدّم ذكر بعضها، ويُعلن عداءه لذلك الرمز الإلهي الذي أمره الله بمودته في نصوص قرآنية وروائية خارجة عن حد الإحصاء والاستقصاء.

وليت الناصبي اكتفى بذلك، بل يجعل بغض سيّد المؤمنين علي عليه السلام  ديناً يتديّن به، ويتقرّب به إلى الله، افتراءً على الله، وكذباً عليه، وهذا من أعظم النفاق، وبنظرةٍ سريعةٍ إلى ترجمة كبير من كبراء النواصب ـ ويدعى حريز بن عثمان الرحبي ـ يظهر ذلك جليّاً؛ إذ أُثِر عنه أنّه كان «لا يخرج من المسجد حتى يلعن علياً سبعين مرة»[71]. جاعلاً لعن سيّد الوصيين، وثاني رجل من رجالات الإسلام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  ديناً، ضارباً عرض الجدار أمر الله تعالى، وأمر رسوله بحبِّ علي وآل علي عليهم السلام .

فهكذا نفس لا تعرف الاستقرار والطمأنينة؛ لأنّها غير منسجمة مع الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وغير منسجمة مع القوانين الإلهية، بل تحاول التلاعب بتلك القوانين، وتحاول الظهور بأكثر من مظهر في آنٍ واحد، فهي تعيش دائماً حالة الاضطراب والتناقض في الأفعال والأقوال، وهذا ما عُبّر عنه في علم النفس الحديث بحالة (الّلا سواء)، أو حالة الشذوذ النفسي؛ إذ السواء هو: «حالة التكامل الوظيفي والشعور بالرضا، من خلال بُنية ثابتة، عصابية[72] كانت
أم ذهانية
[73]»[74]، أمّا اللا سواء فهو «يتوافق مع اختلال التوازن في نفس البُنية
السلالية»
[75].

وعلى ذلك؛ سوف تصدر من كل من النفسين ما يناسبها من أفعال، فالنفس السوية المتزنّة يصدر منها ما يلائمها من أفعال خيّرة، وأبرز سماتها حينئذٍ الوسطية.

 أمّا النفس الشاذة، غير المستقرة، المضطربة، التي تعيش الازدواجية والنفاق، فهي ميّالة بطبيعة الحال إلى كلّ ما هو شاذّ بعيد عن الوسطية والاعتدال؛ إذ كيف يعرف الاعتدال مَن يعادي رمز الاعتدال!

«ويتّفق معظم علماء علم النفس الحديث على أنّ الاضطرابات النفسية تشير إلى حالات سوء التوافق مع النفس، أو مع الجسد، أو مع البيئة، طبيعية كانت أم اجتماعية، ويُعبّر عنها بدرجة عالية من القلق والتوتّر والإحساس باليأس والتعاسة والقهر»[76].

فالنفس المضطربة دائماً بين الإفراط والتفريط، بعيدة كل البُعد عن حالة الاتّزان، مهيأة تماماً لكل ما هو شاذ متطرف.

فإذا اجتمع ذلك مع عوامل مساعدة ومكمّلة أُخرى، كالجهل المركب، والضلال (الانحراف الفكري)، والعقائد الفاسدة، والغرور والكبر، واستغلال الأعداء سذاجة وبساطة الكثير من أصحاب تلك النفوس المضطربة الجاهلة، وتأثير وسائل الدعاية والإعلام المضلّل و... إلى غير ذلك من العوامل، أنتج لا محالة تطرّفاً وميلاً عن جادة الوسط، يتمظهر بصور الإرهاب المتنوّعة.

 ومهما يكن من أمر، فإنّ أحد أغراض هذا المقال هو الإفادة منه في واقعنا المعاصر الذي امتلأ تعقيداً وتشابكاً وإرهاباً، فأنجع الحلول التي يمكن أن تُطرح لتطويق الإرهاب، بل وإزالته من واقع الأُمة الإسلامية هو الرجوع إلى أحضان أهل البيت عليهم السلام ، والتمسّك بهم وبحبل حبّهم وولائهم، فهم صمام الأمان، والنمرقة الوسطى، وسفينة النجاة، بل وشاطئ الأمان الذي ترسو عنده شتّى السفن، والحمد لله أوّلاً وآخراً.

 

 


[1] خطب أمير المؤمنين عليه السلام ، نهج البلاغة: ص479.

[2] وهو قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : «إني مخلّف فيكم الثقلين، كتاب الله وعترتي أهل بيتي...». اُنظر: الصدوق، محمد ابن علي، الأمالي: ص616.

[3] الحاكم النيسابوري، محمد بن عبد الله، المستدرك على الصحيحين: ج2، ص343.

[4] المصدر السابق: ج3، ص149.

[5] الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي: ج1، ص101، ح3.

[6] المازندراني، محمد صالح، شرح أُصول الكافي: ج3، ص204.

[7] البحراني، ابن ميثم، اختيار مصباح السالكين: ص604.

[8] الفراهيدي، الخليل بن أحمد، العين: ج7، ص136.

[9] العاملي، زين الدين الجبعي، حاشية شرائع الإسلام: ص27.

[10] الأنصاري، مرتضى، كتاب الطهارة: ج5، ص147.

[11] ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم، منهاج السنّة النبوية: ج4، ص554.

[12] الذهبي، محمد بن أحمد، المنتقى من منهاج الاعتدال: ج1، ص114.

[13] النيسابوري، مسلم، صحيح مسلم: ج1، ص85.

[14] اُنظر: البلاذري، أحمد بن يحيى، أنساب الأشراف: ج2، ص367. وابن الأثير، علي بن محمد، الكامل في التاريخ: ج3، ص341.

[15] المفيد، محمد بن محمد، الاختصاص: ص17.

[16] التستري، محمد تقي، قاموس الرجال: ج12، ص178.

[17] ابن أبي شيبة الكوفي، محمد بن إبراهيم، المصنف: ج7، ص271. والشيباني، ابن أبي عاصم، كتاب الأوائل: ص71.

[18] اُنظر: الإصفهاني، أبو الفرج، الأغاني: ج5، ص12.

[19] الأميني، عبد الحسين، الغدير: ج11، ص18.

[20] ابن أبي الحديد، عبد الحميد، شرح نهج البلاغة: ج11، ص45.

[21] المزي، يوسف، تهذيب الكمال: ج2، ص429. وابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي، تهذيب التهذيب: ج7، ص281.

[22] الذهبي، محمد بن أحمد، ميزان الاعتدال: ج3، ص 95.

[23] المصدر السابق.

[24] المزي، يوسف، تهذيب الكمال: ج2، ص 278.

[25] النويري، أحمد بن عبد الوهاب، نهاية الإرب في فنون الأدب: ج22، ص282.

[26] اُنظر: ابن تغري بردي، يوسف، النجوم الزاهرة: ج2، ص318. والذهبي، محمد بن أحمد، تاريخ الإسلام: ج18، ص552.

[27] ابن شهر آشوب، محمد بن علي، مناقب آل أبي طالب: ج2، ص99.

[28] اُنظر: الأميني، عبد الحسين، الغدير: ج4، ص140. وابن شهر آشوب، محمد بن علي، معالم العلماء: ص182.

[29] القندوزي، سليمان بن إبراهيم، ينابيع المودّة: ج3، ص60.

[30] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج45، ص99.

[31] المصدر السابق: ص100.

[32] الفراهيدي، الخليل بن أحمد، العين: ج3، ص40.

[33] النراقي، محمد مهدي، جامع السعادات: ج1، ص275.

[34] المصدر السابق: ص276.

[35] ابن أبي الحديد، عبد الحميد، شرح نهج البلاغة: ج20، ص328.

[36] الوجبة: «أكلة في اليوم إلى مثلها من الغد». ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب: ج1، ص795.

[37] الدائرة: «دوائر الزمان: أعني صروفه التي تدور وتحيط بالإنسان مرّة بخير، ومرّة بِشر». الطريحي، فخر الدين، مجمع البحرين: ج3، ص304

[38] ابن أبي الحديد، عبد الحميد، شرح نهج البلاغة: ج20، ص298.

[39] القندوزي، سليمان بن إبراهيم، ينابيع المودّة: ج3، ص80.

[40] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج44، ص318.

[41] ابن شهر آشوب، محمد بن علي، مناقب آل أبي طالب: ج3، ص247.

[42] اُنظر: ابن أعثم، أحمد، الفتوح: ج5، ص91.

[43] قال ابن منظور: «قطعته إرباً إرباً، أي: عضواً عضواً». اُنظر: ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب: ج1، ص209.

[44] السماوي، محمد بن طاهر، إبصار العين في أنصار الحسين: ص225.

[45] القاضي أبو حنيفة، النعمان بن محمد، شرح الأخبار: ج3، ص191.

[46] السماوي، محمد بن طاهر، إبصار العين في أنصار الحسين: ص220.

[47] اُنظر: ابن طاووس، علي بن موسى، اللهوف على قتلى الطفوف: ص79.

[48] اُنظر: المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج45، ص62.

[49] ابن طاووس، علي بن موسى، اللهوف على قتلى الطفوف: ص71

[50] ذكرت هذه الأبيات ليزيد مصادر الفريقين، فاُنظر: ابن طاووس، علي بن موسى، اللهوف على قتلى الطفوف: ص105. والحنبلي، ابن العماد، شذرات الذهب في أخبار مَن ذهب: ج1، ص68.

[51] اُنظر: الصدوق، محمد بن علي، الأمالي: ص229. والفتّال النيسابوري، محمد، روضة الواعظين: ص190.

[52] اُنظر: البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري: ج5، ص30، باب غزوة أُحد.

[53] ابن أعثم، أحمد، الفتوح: ج8، ص339.

[54] المسعودي، علي بن الحسين، مروج الذهب: ج3، ص112.

[55] المنقري، نصر بن مزاحم، وقعة صفين: ص354.

[56] الأزدي، أبو مخنف، مقتل الحسين عليه السلام : ص125. ولعلّ القارئ يعلم تمام ما جرى بعد ذلك، وأنّ ابن حوزة هذا ما لبث أن هلك بدعاء الإمام الحسين عليه السلام  في الحال.

[57] ابن طاووس، علي بن موسى، اللهوف على قتلى الطفوف: ص104. وابن أعثم، أحمد، الفتوح: ج5، ص130.

[58] القاييني، محمد تقي، مفتاح السعادة في شرح نهج البلاغة: ج7، ص415.

[59] ورّام، ابن أبي فراس، مجموعة ورّام: ج1، ص163.

[60] البقرة: آية204 ـ 205.

[61] البقرة: آية207.

[62] ابن أبي الحديد، عبد الحميد، شرح نهج البلاغة: ج4، ص73.

[63] المصدر السابق: ص70.

[64] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج44، ص385. واُنظر: ابن أعثم الكوفي، أحمد، الفتوح: ج5، ص89.

[65] اُنظر: ابن طاووس، علي بن موسى، اللهوف على قتلى الطفوف: ص85.

[66] الصدوق، محمد بن علي، الأمالي: ص227. واُنظر: ابن عبد البر، يوسف بن عبد الله، الاستيعاب: ج1، ص393.

[67] اُنظر في ذلك مصادر متعددة منها ـ: المفيد، محمد بن محمد، الأمالي: ص62. والطوسي، محمد بن الحسن، الأمالي: ص306. ومسلم النيسابوري، صحيح مسلم: ج1، ص61. وابن حنبل، أحمد، مسند أحمد: ج1، ص61، وص84. والنسائي، أحمد بن شعيب، سنن النسائي: ج8، ص 116.

[68] هكذا يرى الباحث والمفكر الإسلامي حسن بن فرحان المالكي. اُنظر: موقعه الرسمي:
www.almaliky.org.

[69] الشيرازي، ناصر مكارم، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: ج1، ص 94.

[70] النجفي، هادي، موسوعة أحاديث أهل البیت عليهم السلام: ج11، ص408.

[71] العسقلاني، ابن حجر، تهذيب التهذيب: ج2، ص210.

[72] العصاب: مصطلح خاص بعلم النفس الحديث، يُطلق على مجموعة الأمراض النفسية الناشئة من غير سبب عضوي أو اختلال عقلي، يشعر المصاب بها أنّه ضئيل وضعيف وثقته بنفسه معدومة تقريباً، كما يعاني من الخوف والعدوانية والشعور بالذنب، وحياته مسيطر عليها من قِبَل قوة مجهولة، ويعاني من العُقد النفسية والشعور بالنقص الدائمي، والأفكار التسلطية، كما أنّه ضحية دوماً للصراعات الداخلية، فالنفس السليمة خالية تماماً من هكذا أمراض. اُنظر في ذلك ـ: داكو، بيير، العصاب والأمراض الذهنية: ص7.

[73] الذهان: مصطلح خاص أيضاً بعلم النفس الحديث، يعنون به: الاضطرابات العقلية الشديدة التي تضطرب فيها علاقة المريض مع الواقع؛ وذلك مقارنة بحالات العُصَاب التي تكون أقل تأثيراً على حالة المريض، ومن الاضطرابات الذهانية الشائعة حالات الفصام، والاضطرابات الوجدانية، والذهانات العضوية، ويطلق وصف ذهاني على المريض بالاضطرابات الذهانية. أو قل: إنّه اضطراب شديد يصيب الشخصية ويجعل الواقع معطوباً بعدد من الاضطرابات النفسية الشديدة التي تصيب الشخصية، ويكون تفكير الشخص مضطرباً، ويعيش في عالمه الخاص به، مع وجود اضطرابات في الانفعالات والسلوك. اُنظر: الشربيني، لطفي، معجم مصطلحات الطب النفسي: ص148، مادة: ذهان.

[74] بوعود، أسماء، الاضطرابات النفسية بين السيكولوجيا الحديثة والمنظور الإسلامي: ص10. مقال، مجلة الراسخون: العدد 8 لسنة 2014.

[75] المصدر السابق، ص11.

[76] المصدر السابق: ص 31.

 
 
البرمجة والتصميم بواسطة : MWD