1439 / ربیع‌الاول / 2  |  2017 / 11 / 21         الزيارات : 479914         صلاة الصبح |         صلاة الظهر والعصر |         صلاة المغرب والعشاء |

أفضل البقاع/ القسم الثاني

{ الشيخ إسكندر الجعفري }
أفضل البقاع/ القسم الثاني

 

تعرضنا في القسم الأول من هذا المقال إلى فضل وأفضليّة بعض بقاع الأرض على سائر البقاع، وقد اتضح لنا مما بيّناه في هذا الموضوع الأُمور التالية:

1ـ إثبات فضل تربة كربلاء في كتب الخاصّة بما لا يقبل الشك والتردد، وسيتضح ذلك أكثر عند عرضنا لروايات التفضيل في هذا القسم من البحث.

2ـ إثبات فضل تربة كربلاء في كتب العامّة، من خلال بعض الروايات والشواهد والمؤيدات، وقد أوضحنا ذلك مفصلاً، فلاحظ.

3ـ إن المراد من التفاضل ـ المبحوث عنه ـ هو التفاضل بمعناه الوسيع الشامل لـ(الأشرفية، والأكملية، والأكثر قداسة وحرمة، والأكثر ثواباً بالنسبة للعامل)، وغيرها من المعاني المرتبطة بذلك، ولا يراد من التفاضل خصوص بعض المعاني المشار إليها؛ إذ لا دليل على التخصيص والتقييد، بل الدليل قائم على التعميم والتوسعة كما تقدّم بيانه.

كلُّ هذه الأُمور قد أوضحناها مفصّلاً في القسم الأوّل، واستكمالاً للبحث نتعرّض في هذا القسم إلى النقطتين الآتيتين:

الأُولى: ما هي البقاع المفضَّلة، والتي يمكن أن تدخل في المنافسة؟

الثانية: ما هي البقعة الأفضل حسب ما تقتضيه الأدلة؟

وبعد الحديث حول هاتين النقطتين نكون قد أتممنا البحث، وعرفنا النتيجة النهائية.

النقطة الأُولى: ما هي البقاع المفضَّلة؟

إنَّ الله سبحانه وتعالى قد فضَّل بقاعاً من بقاع هذه الأرض على سائر البقاع، وجعل لها خصوصيةً ومزيةً لا توجد في غيرها، ككون الدعاء فيها مستجاباً، وثواب العمل فيها مضاعفاً، وحرمتها أعظم، إلى غير ذلك من الخصوصيات، وقد ورد في الحديث عن صادق أهل البيتعليهم السلام، أنَّه قال: «إنَّ الله تبارك وتعالى فضَّل الأرضين والمياه، بعضها على بعض...»[1]. وعنه عليه السلام أيضاً: «إنّ لله تعالى بقاعاً يُستجاب فيها الدعاء»[2].

ولا سبيل لنا لمعرفة تلك البقاع إلّا من خلال الكتاب والسنّة؛ ولهذا فما سنذكره من بقاع إنّما هو بحسب ما نطق به الكتاب الكريم، وما دلت عليه أحاديث أهل البيتعليهم السلام، ولا بدَّ أوّلاً من التعريف بهذه البقاع بشكل موجز:

أولاً: مكة المكرّمة

أ) سبب التسمية

اختلف الأعلام في سبب تسميتها بمكة على أقوال متعددة، نذكر بعضاً منها:

1ـ سُمّيت مكة؛ لأنّها تمكُّ الجبارين، أي: تُذهب نخوتهم.

2ـ سُمّيت مكة؛ لازدحام الناس فيها.

3ـ سُمّيت مكة؛ لأنّها بين جبلين مرتفعين عليها، وهي في هبطة بمنزلة المكّوك.

4ـ سُمّيت مكة؛ لأنّها لا يفجر بها أحد إلّا بكّت عنقه؛ فكان يصبح وقد التوت عنقه.

5ـ سُمّيت مكة من مك الثدي، أي: مصعه، لقلّة مائها؛ لأنّهم كانوا يمتكّون الماء، أي: يستخرجونه.

6ـ سُمّيت مكة، لأنّها تمُكّ الذنوب، أي: تُذهب بها كما يمُك الفصيل ضرع أُمّه، فلا يبقي فيها شيئاً [3].

وقد أسماها القرآن الكريم بـ(أُمّ القرى) و(البلد الأمين) و(البيت العتيق).

ب) الموقع الجغرافي والمساحة

تقع مكة المكرمة في الجهة الغربية من السعودية، وتبعد عن جدّة من الغرب 75كم، وهي بوابتها البحرية والجوية، ومن الجنوب الشرقي تُحيط بها مدينة الطائف فوق ربا جبال الحجاز على بعد 80كم، وإلى الشمال منها تقع المدينة المنورة، وتبعد قرابة 400كم[4]، وعرضها من جهة الشمال21 درجة و25دقيقة، وطولها من جهة الشرق 39 درجة و50 دقيقة[5]. وتبلغ مساحتها المعمورة 6.50 هكتاراً[6].

ثانياً: المدينة المنوّرة

أ) سبب التسمية

المدينة المنورّة كانت تُعرف قبل هجرة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله إليها بمدينة يثرب، وهي مدينة قديمة يرجع تاريخها إلى ما قبل الميلاد، وتُعرف عند الأخباريين باسم (أثرب) و(يثرب)[7].

أمّا سبب تسميتها بـ(يثرب) فقد ذكر بعض الأخباريين أنَّ سبب تسميتها بذلك نسبة إلى (يثرب بن قانية... ابن نوح)، وكان أوّل من نزلها عند تفرّق ذرية نوح، فدُعيت باسمه.

وقالوا: بل قيل لها: (يثرب) من التثريب «وهو اللوم والتعيير»[8]. وقالوا: غير ذلك[9].

وأمّا سبب تسميتها بالمدينة، فذلك يعود إلى هجرة النبي صلى الله عليه وآله إليها، حيث أُطلق عليها مدينة الرسول صلى الله عليه وآله والمدينة المنورة.

ب) الموقع الجغرافي والمساحة

تقع المدينة المنورّة وسط الجزء الغربي من السعودية، وتُحدد بخطوط الطول والعرض كما يلي:

خط الطول 36 و 39 تسع وثلاثون درجة، وستة وثلاثون جزءاً من الدرجة. وخط العرض 28 و24 أربع وعشرون درجة، وثمانية وعشرون جزءاً من الدرجة، وتبعد عن مكة 430كم شمالاً تقريباً، كما تبعد عن شاطئ البحر بخط مستقيم 150كم، وتبعد عن العاصمة الرياض980كم. وأما مساحتها، فتقدر 539كم2 تقريباً، منها 293كم2 تشغلها مناطق العمران، والبقية 296كم2 تشغلها الجبال، والأودية، ومجاري السيول، وغير ذلك[10].

ثالثاً: كربلاء المقدّسة

أ) سبب التسمية

إنَّ اسم كربلاء قبل الفتح الإسلامي لها هو (كرب ـ إيلا)، وإيل تعني الإله الواحد، وكرب أحد أسماء الملوك، فمعنى (كرب ـ إيلا) الإله العظيم أو الإله الواحد.

وكربلاء أوّل قرية في التاريخ العربي والعالمي تخصصت بعبادة الله (عزّ وجلّ)، وذلك أثناء وجود إبراهيم الخليل عليه السلام في كوش، التي لا تبعد عن هذه القرية إلّا قليلاً، وكان اسمهما يدلُّ على ذلك[11].

وقد اختلف اللغويون في تسمية كربلاء بهذا الاسم على أقوال:

1ـ إنَّ اسمها عربي مأخوذ من «الكربلة» وهي الرخاوة، يقال: جاء يمشي مكربلاً، فيجوز على هذا أن تكون أرض هذا الموضع رخوة، فسُمّيت بذلك.

2ـ إنّها من كربلت الحنطة إذا هذَّبتها ونقّيتها... فيجوز على هذا أن تكون هذه الأرض مُنقّاة من الحصى والدغل؛ فسُمّيت بذلك.

3ـ إنّها من الكربل، وهو اسم نبت الحماض... فيجوز أن يكون هذا الصنف من المنبت يكثر نبته هناك فسُمّي به[12].

ب) الموقع الجغرافي والمساحة

تقع مدينة كربلاء على بعد 105كم إلى الجنوب الغربي من بغداد، على حافّة الصحراء في غربي الفرات، وعلى الجهة اليسرى لجدول الحسينية.

وتقع على خط طول 44 درجة و40 دقيقة.

وعلى خط عرض 33 درجة و31 دقيقة.

ويحدُّها من الشمال محافظة الأنبار، ومن الجنوب محافظة النجف، ومن الشرق محافظة الحلة، وقسم من محافظة بغداد، ومن الغرب بادية الشام وأراضي المملكة العربية السعودية.

وتبلغ مساحتها 52856كم مربعاً[13].

رابعاً: عرفات

أ) سبب التسمية

هناك عدّة أقوال في سبب تسميتها بـ(عرفات) وهي:

1ـ إنّ السبب يرجع إلى قصة جبرئيل عليه السلام مع إبراهيم عليه السلام، حيث عرَّفه المناسك؛ إذ لمّا أوقفه بعرفة قال له: عرفت؟ قال: نعم. فسُمّيت عرفة.

2ـ إنّها سُمّيت بذلك؛ لأنَّ آدم وحواء تعارفا بها بعد نزولهما من الجنة.

3ـ إنَّ الناس يعترفون بذنوبهم في ذلك الموقف؛ فسُمّيت لذلك عرفة.

4ـ إنَّ العرف هو الصبر، وحيث إنَّ الناس يصبرون على ما يكابدونه في الوصول إليها؛ فسُمّيت لذلك بعرفة[14].

ب) الموقع الجغرافي والمساحة

إنَّ عرفات منطقة تقع شرقي مكة، وتبعد عنها 20كم تقريباً، وهي سهل واسع مُنبسط، محاط بقوس من الجبال يكون وتره وادي عرفة، فمن الشمال الشرقي يشرف عليها جبل أسمر شامخ وهو (جبل سعد)، ومن مطلع الشمس يشرف عليها جبل أشهل أقل ارتفاعاً من سابقه ويتصل به من الجنوب، وهذا يُسمّى (ملحة)، ومن الجنوب تشرف عليه سلسلة لاطية سوداء تُسمّى (أُمّ الرضوم)، وأمّا من الشمال إلى الجنوب فيمر وادي عرفة.

وأمّا مساحتها، فتبلغ 12كم من الشمال إلى الجنوب، و5كم من الشرق إلى الغرب[15].

هذه نُبذة موجزة عن هذه البقاع الأربع المفضَّلة، والتي إحداها هي البقعة الأفضل، ولم أذكر غير هذه البقاع على الرغم من وجود بقاع أُخرى لها أفضلية، كالكوفة، وطوس، وبيت المقدس، وغيرها؛ وذلك لأنَّ البحث مختصُّ في البقاع التي دلَّ الدليل على أفضليتها على سائر البقاع.

بعد هذا العرض ننتقل إلى النقطة الثانية، والتي نستعرض فيها النصوص والأدلة الدالة على أفضلية هذه البقاع؛ لنرى من خلال عرضها وإيضاحها أيّ البقاع أفضل.

النقطة الثانية: ما هي البقعة الأفضل؟

نستعرض فيما يلي ما يمكن أن يُستدل به على أفضلية كلّ بقعةٍ من البقاع الأربع، ثمّ نقوم بعد ذلك بالمقارنة بين الأدلة وتمحيصها؛ لتتضح لدينا حقيقة الأمر.

أولاً: مكة المكرّمة

1ـ من الكتاب العزيز

أ) مكة البلد الحرام

قال تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ )[16].

وقال تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـٰذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ)[17].

وقال تعالى: (وَقَالُوا إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقًا مِّن لَّدُنَّا وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ)[18].

وقال تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّـهِ يَكْفُرُونَ)[19].

وهذه الآيات لا إشكال في دلالتها على فضيلة مكة وحرمتها، ولكن الكلام في دلالتها على الأفضلية على سائر البقاع، وعند التأمل فيها لاسيَّما الآية الرابعة، لا يحصل اطمئنان بدلالتها على الأفضلية، وإنَّما دلالتها فقط على مستوى الإشعار دون الظهور.

ب) مكة أُمُّ القرى

قال تعالى: (وَهَـٰذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ  وَهُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ)[20].

وقال تعالى: (وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ)[21].

أجمع المفسرون على أنَّ المراد بـ(أُمّ القرى): مكة[22]، ولكنَّهم اختلفوا في سبب تسميتها بذلك على أقوال منها:

1ـ إنَّها سُمِّيت بذلك؛ لأنَّ الأرض دُحيت من تحتها[23]، والمراد من دحو الأرض: هو أنَّ الأرض في البداية كانت مغطاة جميعها بالماء، ثمَّ بدأت اليابسة بالاتساع من جوار الكعبة[24].

2ـ سميت بذلك؛ لأنَّها أوّل بقعة خلقها الله من الأرض لقوله تعالى: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ)[25] [26].

ولكنّ الآية المباركة لا تدل على أسبقية خلق الكعبة على خلق الأرض، وإنَّما تدل على أنَّ الكعبة أوّل بيت للعبادة وضع على الأرض، بل لعلّها تدل على أسبقية خلق الأرض على الكعبة، وهنا أقوال أُخر.

والمهم أنَّ تسميتها بـ(أُمُّ القرى) يدل بوضوح على أفضليتها وأشرفيتها على سائر البقاع.

قال في تفسير الميزان:

«والكلام يدل على عناية إلهية بأُمّ القرى، وهي الحرم الإلهي، منه بُدِئ بالدعوة وانشرت الكلمة»[27].

وقال الفخر الرازي في تفسيره:

«إنَّ الله تعالى سمَّى مكة أُمّ القرى، وظاهر هذا يقتضي أنَّها كانت سابقةً على سائر البقاع، في الفضل والشرف، منذ كانت موجودة»[28].

مناقشة:

يمكن المناقشة في دلالة الآية المباركة على أفضلية مكة على سائر البقاع، بأن يقال: إنَّ التعبير بـ(أُمّ القرى) وإن دل على عظم القرية وأهميتها، ولكن لا يدل على أفضليتها على غيرها، فإنَّ الله سبحانه قد جرت سنته ـ في تبليغ الرسالة ـ أن يبعث رسله إلى أعظم القرى وأكبرها وأهمها، بحيث تكون غيرها تابعة لها، فإذا آمنت بالرسالة، آمنت غيرها أو هان أمر إيمانها، ويدل على ذلك قوله تعالى: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَىٰ حَتَّىٰ يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَىٰ إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ)[29].

إذن؛ يُحتمل قوياً أن يكون التعبير عن مكة بـ(أُمّ القرى)؛ لبيان أهميتها، وموقعها بالقياس لبقية القرى والمدن المحيطة بها، لا لبيان أفضليتها على غيرها، ويكفي الاحتمال المذكور لسقوط دلالتها على المطلوب.

هذه مُجمل الآيات الكريمة التي يمكن الاستدلال بها على أفضلية مكة على سائر البقاع، وقد اتضح من خلال عرضها ـ وعرض كلام المفسرين ـ أنَّ بعضها قد يدّعى دلالتها على المطلوب.

2ـ من السنة المطهرة

ما يُستدل به من الروايات على أفضلية مكة، يمكن عرضه ضمن طوائف:

الطائفة الأُوّلى: ما دلّ على أنَّ موضع البيت، أُوّل موضع خلقه الله تعالى من الأرض.

روى الكليني في الكافي، عن عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن سيف بن عميرة، عن أبي زرارة التميمي، عن أبي حسان، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: «لمّا أراد الله (عزَّ وجلَّ) أن يخلق الأرض أمر الرياح فضربن وجد الماء حتى صار موجاً، ثمّ أزبد فصار زبداً واحداً، فجمعه في موضع البيت، ثمّ جعله جبلاً من زبد، ثمّ دحا الأرض من تحته، وهو قول الله (عزَّ وجلَّ): (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا)»[30].

وفي مرسلة الصدوق زيادة، وهي: «فأوّل بقعة خُلقت من الأرض الكعبة، ثمّ مُدت الأرض منها»[31].

وهذه الرواية وإن كانت مختصَّة بخلق الكعبة ـ مع أنَّ الحديث عن أفضلية مكة ـ إلا أنَّها تُفيد أنَّ خلق مكة أسبق من خلق سائر البقاع، فيُفيد الأفضلية والتقدّم، ويؤيد ذلك أنَّ الله (عزَّ وجلَّ) بعدما خلق الكعبة، دُحيت الأرض من تحتها وأخذت بالاتساع، فدُحيت من البيت إلى منى، ومن منى إلى عرفات، فقد روى الصدوق مرسلاً عن الإمام الصادق عليه السلام، قال: «إنَّ الله تبارك وتعالى دحا الأرض من تحت الكعبة إلى منى، ثمّ دحاها من منى إلى عرفات، ثمّ دحاها من عرفات إلى منى، فالأرض من عرفات، وعرفات من منى، ومنى من الكعبة، وكذلك علمنا بعضه من بعض»[32].

وتقريب الدلالة: إنَّ كونها أوّل بقعة خلقها الله تعالى من الأرض، يدلّ بوضوح على الأفضلية، لا سيَّما مع ملاحظة أمرين:

الأوّل: إنَّ الإمام عليه السلام كان في مقام بيان الفضل والأهمية.

والثاني: الاستشهاد بالآية يدلّ بوضوح على كون الحديث عن الأفضلية والأشرفية.

الطائفة الثانية: ما دلّ على أنَّ مكة أحبُّ الأرض إلى الله تعالى.

1ـ روى القرطبي في تفسيره عن قتادة وابن عباس: لمّا خرج النبي صلى الله عليه وآله من مكة إلى الغار، والتفت إلى مكة، وقال: «اللهمّ، أنتِ أحبُّ البلاد إلى الله، وأنتِ أحبُّ البلاد إليّ، ولولا المشركون أهلك أخرجوني لما خرجت منكِ»، ثمّ قال القرطبي: «ذكره الثعلبي، وهو حديث صحيح»[33].

2ـ وروى الصدوق بسند معتبر، عن سعيد بن عبد الله الأعرج، عن أبي عبد الله عليه السلام: «أحبُّ الأرض إلى الله تعالى مكة، وما تربة أحبُّ إلى الله (عزَّ وجلَّ) من تربتها، ولا حجر أحبُّ إلى الله من حجرها، ولا شجر أحبُّ إلى الله من شجرها، ولا جبال أحبُّ إلى الله من جبالها، ولا ماء أحبُّ إلى الله من مائها»[34].

ومن الواضح أنَّ لازم المحبوبية الأفضلية والتقدّم.

الطائفة الثالثة: ما دلّ على أنَّ مكة أفضل البقاع.

روى العياشي في تفسيره، عن ثعلبة بن ميمون، عن ميسر، قال: «كنّا في الفسطاط عند أبي جعفر عليه السلام نحو من خمسين رجلاً، قال: فجلس بعد سكوت كان منّا طويلاً، فقال: ما لكم لا تنطقون لعلّكم ترون أنّي نبي؟ لا والله، ما أنا كذلك، ولكن فيَّ قرابة من رسول الله صلى الله عليه وآله قريبة، وولادة مَن وصلها وصله الله، ومَن أحبَّها أحبَّه الله، ومَن أكرمها أكرمه الله، أتدرون أيّ البقاع أفضل عند الله منزلةً؟ فلم يتكلّم أحد، فكان هو الراد على نفسه، فقال: تلك مكة الحرام التي رضيها لنفسه حرماً، وجعل بيته فيها.

ثمّ قال: أتدرون أيّ بقعة أفضل من مكة؟ فلم يتكلّم أحد، فكان هو الراد على نفسه، فقال: ما بين الحجر الأسود إلى باب الكعبة، ذلك حطيم إبراهيم نفسه، الذي كان يذود فيه غنمه ويُصلّي فيه، فو الله، لو أن عبداً صفَّ قدميه في ذلك المكان، قام النهار مُصلّياً حتى يجنَّه الليل، وقام الليل مُصلّيا حتى يجنَّه النهار، ثمّ لم يعرف لنا حقاً أهل البيت، وحرمنا حقنا، لم يقبل الله منه شيئاً أبداً، إنَّ أبانا إبراهيم صلوات الله عليه كان فيما اشترط على ربِّه أن قال: (فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ) أما إنّه لم يقلْ: الناس كلّهم. أنتم أولئك رحمكم الله ونظراؤكم، إنّما مثلكم في الناس مثل الشعرة البيضاء في الثور الأسود، والشعرة السوداء في الثور الأبيض، وينبغي للناس أن يحجّوا هذا البيت، وأن يعظِّموه لتعظيم الله إيّاه، وأن يلقونا أينما كنّا، نحن الأدلاء على الله»[35].

الطائفة الرابعة: ما دلّ على أنَّ العمل في مكة أفضل منه في سائر البلدان.

1ـ روي عن أبي عبد الله عليه السلام أنّه قال: «تسبيحٌ بمكة يعدل خراج العراقين يُنفق في سبيل الله»[36].

2ـ وروي عن أبي جعفر عليه السلام أنّه قال: «الساجد بمكة كالمُتشحّط بدمه في سبيل الله»[37].

3ـ وروي عن أبي عبد الله عليه السلام أنّه قال: «كان علي بن الحسين عليه السلام يقول: النائم بمكة كالمُتشحّط في البلدان»[38].

وهذه الرواية وإن لم تشتمل على عمل، ولكنّها تُفيد أنَّ الكينونة في مكة ـ وإن لم تكن لعمل ـ هي أفضل من الكينونة في بقية البلدان.

4ـ روى محمد بن علي بن الحسين، قال: قال علي بن الحسين عليه السلام: «الطاعم بمكة كالصائم فيما سواها، والماشي بمكة في عبادة الله (عزَّ وجلَّ[39].

الطائفة الخامسة: كراهة السكنى في مكة؛ لأنّها تقسّي القلب.

1ـ رُوي عن النبي والأئمةعليهم السلام: «أنّه يُكره المقام بمكة؛ لأنّ رسول الله صلى الله عليه وآله خرج عنها، والمقيم بها يقسو قلبه حتى يأتي فيها ما يأتي في غيرها»[40].

2ـ وروي عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: «إذا قضى أحدكم نسكه فليركب راحلته، وليلحق بأهله؛ فإنَّ المقام بمكة يُقسّي القلب»[41].

وموضع الاستدلال هو التعليل الوارد فيها؛ فإنّ كراهة السكنى فيها ناشئة من حصول القسوة، الحاصلة من اقتراف الذنوب والموبقات، وقد دلّت الروايات على أنّ ارتكاب الذنب في مكة موجب لمضاعفة العقوبة، بل في بعض الروايات أنّ ذلك إلحاد.

فعن أبي الصباح الكناني، قال: «سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قوله (عزَّ وجلَّ): (وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ). فقال: «كلّ ظلم يظلمه الرجل نفسه بمكة من سرقة، أو ظلم أحد، أو شيء من الظلم، فإنّي أراه إلحاداً؛ ولذلك كان يتقى أن يسكن الحرم»[42].

هذه خمس طوائف من الروايات، يمكن أن يُستفاد منها أفضلية مكة على سائر البلدان، ولعلّ المتتبع يجد روايات أُخر، ولكن اقتصرنا على هذه؛ لحصول الغرض بها.

مواضع مكة

بقي شيء يجدر الإشارة إليه وهو أن هناك مواضع في مكة المكرمة قد دلّت الروايات على أفضليتها على سائر البقاع، وهي كالتالي:

أ) الكعبة الشريفة

فقد تقدّم ـ في الطائفة الأُوّلى من الروايات ـ أنّ أوّل بيت خلقه الله تعالى هو الكعبة، ثمّ دُحيت الأرض من تحتها، وهذا يدلّ على أنَّ الكعبة أفضل بقعة في مكة، ويدلّ على ذلك قوله تعالى: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا)[43].

وقد دلّ الكثير من الأحاديث على أفضلية الكعبة على سائر البقاع، وإليك الحديث الآتي:

عن زرارة، قال: «كنت قاعداً إلى جنب أبي جعفر عليه السلام وهو مُحتبي مستقبل الكعبة، فقال: أما إنَّ النظر إليها عبادة. فجاء رجل من بجيلة يقال له: عاصم بن عمر، فقال لأبي جعفر عليه السلام: إنَّ كعب الأحبار كان يقول: إنّ الكعبة تسجد لبيت المقدس في كلّ غداة... فقال له أبو جعفر عليه السلام: كذبت، وكذب كعب الأحبار معك. وغضب، فقال زرارة: ما رأيته استقبل أحداً يقول: كذبت، غيره».

ثمّ قال: «ما خلق الله بقعة في الأرض أحبُّ إليه منها، ثمّ أومأ بيده نحو الكعبة، ولا أكرم على الله منها، لها حرَّم الله الأشهر الحرم في كتابه يوم خلق السماوات والأرض، ثلاثة متوالية للحج: شوّال، وذو القعدة، وذو الحجة، وشهر مفرد للعمرة، وهو رجب»[44].

ب) الحطيم

والمراد من الحطيم هو المكان الواقع بين ركن الحجر الأسود، وباب الكعبة، ومقام إبراهيم، والأخبار في فضله كثيرة منها:

1ـ روى الصدوق في ثواب الأعمال بسنده عن أبي حمزة، قال: «قال لنا عليّ بن الحسين عليه السلام: أيُّ البقاع أفضل؟ قلت: الله ورسوله وابن رسوله أعلم. قال: إنّ أفضل البقاع ما بين الركن والمقام، ولو أنَّ رجلاً عمَّر ما عمَّر نوح عليه السلام في قومه ألف سنة إلّا خمسين عاماً، يصوم نهاراً ويقوم ليلاً في ذلك المقام، ثمّ لقى الله (عزَّ وجلَّ) بغير ولايتنا، لم ينتفع بذلك شيئاً»[45].

2ـ وروى الصدوق في ثواب الأعمال أيضاً، بسندٍ متصلٍ عن ميسرة، قال: «كنت عند أبي جعفر عليه السلام وعنده في الفسطاط نحو من خمسين رجلاً... أتدرون أيّ بقعة في المسجد الحرام أفضل عند الله حرمة؟ فلم يتكلّم أحد منّا، فكان هو الراد على نفسه، قال: ذلك ما بين الركن الأسود والمقام وباب الكعبة، وذلك حطيم إسماعيل عليه السلام، ذلك الذي كان يذود غنيماته، ويُصلّي فيه، والله، لو أنَّ عبداً صفَّ قدميه في ذلك المكان قام ليلاً مُصلّياً حتى يجيئه النهار، وصام حتى يجيئه الليل، ولم يعرف حقنا وحرمتنا أهل البيت، لم يقبل الله منه شيئاً أبداً»[46].

ج) الركن اليماني

روى الشيخ الطوسي في التهذيب بسند متصل، عن أبي الفرج السندي، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: «كنت أطوف معه بالبيت، فقال: أيّ هذا أعظم حرمة؟ فقلت: جُعلت فداك، أنت أعلم بهذا منّي. فأعاد عليَّ. فقلت له: داخل البيت. فقال: الركن اليماني باب من أبواب الجنة، مفتوح لشيعة آل محمد صلى الله عليه وآله، مسدود عن غيرهم، وما من مؤمن يدعو عنده إلّا صعد دعاؤه حتى يُلصق بالعرش، ما بينه وبين الله تعالى حجاب»[47].

ومحل الشاهد قوله عليه السلام: «أيّ هذا أعظم حرمةً؟» ومقصوده: أيّ موضع في المسجد الحرام أعظم حرمة؟ وأجاب عليه السلام: «الركن اليماني».

ثانياً: المدينة المنورة

وما يمكن الاستدلال به على أفضلية المدينة على سائر البقاع عدّة روايات:

1ـ ذكر الشيخ الطوسي قدس سره في التهذيب ـ وهو يتحدّث عن دفن رسول الله صلى الله عليه وآلهـ ما نصه: «وقبره بالمدينة في حجرته التي توفِّي فيها، وكان قد أسكنها في حياته عائشة بنت أبي بكر بن أبي قحافة، لمّا قُبض النبي صلى الله عليه وآله اختلف أهل بيته، ومَن حضر من أصحابه في الموضع الذي ينبغي أن يُدفن فيه، فقال بعضهم: يُدفن بالبقيع. وقال آخرون: يُدفن في صحن المسجد. فقال أمير المؤمنين عليه السلام: إنّ الله لم يقبض نبيه إلّا في أطهر البقاع [أشرف البقاع]؛ فينبغي أن يُدفن في البقعة التي قُبض فيها، فاتفقت الجماعة على قوله عليه السلام ودُفن في حجرته...»[48].

وظاهر قوله&: «فقال أمير المؤمنين عليه السلام...». جزْمُ الشيخ قدس سره بنسبة هذا الكلام إلى أمير المؤمنين عليه السلام، ولو لم يكن جازماً بذلك لقال مثلاً: «روي أنّه قال»، أو «قيل»، أو نحو ذلك من التعابير التي تُشعر بعدم الجزم بالنسبة.

ومحلّ الشاهد قوله عليه السلام: «إنّ الله لم يقبض نبيّه إلّا في أطهر البقاع». إذ من المعلوم أنَّ النبي صلى الله عليه وآله قُبض في المدينة، فدلّ ذلك على أنَّ المدينة أطهر البقاع، وعلى النسخة الأُخرى أشرف البقاع.

إلّا أنَّ الاستدلال بهذه الرواية على أفضلية المدينة لا يخلو من تأمل؛ وذلك لأنَّ الظاهر من قوله عليه السلام: «إنَّ الله لم يقبض...»، هو أفضلية البقعة التي قُبض فيها، أي: حجرته، أو موضع قبره؛ بقرينة ما سبقه من كلام، حيث قال البعض: يُدفن في البقيع. وقال البعض الآخر: في المسجد. فلو كان المراد من (أطهر البقاع) في كلام أمير المؤمنين عليه السلام ما يشمل تمام المدينة، أو أوسع من موضع قبره؛ لشمل المسجد أو البقيع، فيُفهم من كلامه عليه السلام أنّ أطهر البقاع أضيق من المسجد، فيتعين كونها الحجرة وموضع القبر، وقد تقدّم منّا في القسم الأوّل من هذا البحث، أنّ محلّ الكلام ليس في موضع القبر، وإنّما الكلام فيما يزيد على ذلك.

وعلى هذا الأساس؛ فلا تصلح الرواية المذكورة للاستدلال على أفضلية المدينة على سائر البقاع.

2ـ روى الحاكم في المستدرك، عن أبي هريرة، أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله، قال: «اللهمّ إنّك أخرجتني من أحبِّ البلاد إليَّ، فأسكنّي أحبَّ البلاد إليك. فأسكنه الله المدينة»[49].

وتقريب الاستدلال:

إنّ أحبَّ البلاد إلى الله تعالى يُلازم أفضليتها على سائر البقاع، ولكن هذا المضمون رُوي بشكل آخر.

فقد رُوي عن عبد الله بن عدي بن الحمراء، أنّه سمع النبي صلى الله عليه وآله، وهو واقف بالحزورة في سوق مكة، وهو يقول: «والله، إنّك لخير أرض الله، وأحبُّ أرض الله إليّ، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت»[50].

والرواية الثانية لا تشتمل على قوله: «فأسكني أحبَّ البقاع إليك»، وحيث إنّه يُحتمل اتحاد الرواية، وعدم تعددها تسقط هذه الزيادة عن الحجية، ويكفي احتمال الوحدة للتشكيك في صدور هذه الزيادة التي هي محلّ الاستدلال.

ولو تنزلنا وقلنا بتعدد الرواية، وعدم وحدتها، يمكن الجمع بينها، بتقييد قوله صلى الله عليه وآله: «فأسكني أحبَّ البقاع إليك»، بأنَّها أحبُّ البقاع إليك بعد مكة، وممّا يُؤكد إمكانية هذا التقييد، ما رواه الحاكم في المستدرك أيضاً في موضع آخر، حيث روى عن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، يُحدِّث عن أبيه، قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله في حجته، وهو واقف عند راحلته، وهو يقول: والله، إنّك لخير الأرض وأحبُّ الأرض إلى الله، ولولا أنّي أُخرجت منك ما خرجت، قال: فقلت: يا ليتنا لم نفعل، فارجع إليها فإنَّها منبتك ومولدك، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إنّي سألت ربّي (عزَّ وجلَّ)، فقلت: اللهمّ إنّك أخرجتني من أحبِّ أرضك إليَّ، فأنزلني أحبَّ الأرض إليك، فأنزَلَني المدينة»[51].

إذاً؛ هذه الرواية لا يصلح الاستدلال بها لإثبات المطلوب.

3ـ روى الحسن بن الجهم، قال: «سألت أبا الحسن عليه السلام، أيما أفضل: المقام بمكة أو بالمدينة؟ فقال: أيُّ شيء تقول أنت؟ قال: فقلت: وما قولي مع قولك؟! قال: إنَّ قولك يردُّ إلى قولي. قال: فقلت له: أما أنا فأزعم أنَّ المقام بالمدينة أفضل من الإقامة بمكة. فقال: أما لئن قلت ذلك، لقد قال أبو عبد الله عليه السلام ذلك، يوم فطر وجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، فسلّم عليه، ثمّ قال: لقد فضُلنا الناس اليوم؛ بسلامنا على رسول الله صلى الله عليه وآله»[52].

ومحلّ الشاهد قوله عليه السلام: «لقد فضُلنا الناس اليوم؛ بسلامنا على رسول الله صلى الله عليه وآله»، فإنّه يدلّ على أنّ السكن في المدينة أفضل من السكن في غيرها من البلدان؛ لأنَّ الساكن في المدينة يمتاز عن غيره، بمجاورته لقبر رسول الله صلى الله عليه وآله، والسلام عليه، وهذا يدلّ على أفضلية المدينة على سائر البقاع، يُضاف إلى ذلك إقرار الإمام جواب الحسن بن الجهم الذي فضَّل الإقامة في المدينة على مكة.

هذا أقصى ما يمكن أن يُقرَّب به الاستدلال بهذه الرواية.

 ولكنّه لا يخلو من تأمل؛ وذلك لأنّ أفضلية الإقامة في مكان، لا تعني أفضلية نفس البقعة؛ لأنَّ الإقامة والسكن لا يُلحَظ فيه ـ عادةً ـ أشرفية البقعة، وأفضليتها فقط، وإنَّما يُلحظ أُمور أُخرى كأخلاق الناس الساكنين فيها، ونحو ذلك، وقد لاحظ الإمام عليه السلام ذلك في هذا الحديث، حيث جعل أفضلية الإقامة في المدينة؛ لمجاورة قبر النبي صلى الله عليه وآله، والسلام عليه، والتعليل المذكور ليس تعليلاً لأفضلية البقعة نفسها، وإنَّما هو تعليل لتفضيل الساكنين في المدينة، كما هو واضح من قوله عليه السلام: «لقد فضُلنا الناس...»، ولو كانت المدينة أفضل من مكة وغيرها لكان المناسب التعليل بذلك، فيقال مثلاً: «إنَّ الإقامة في المدينة أفضل من الإقامة في غيرها لأفضليتها وأشرفيتها عليها»، أو نحو ذلك من التعابير.

وقد نقلنا فيما تقدّم بعض الروايات الدالة على كراهة السكنى في مكة، وعلّلتْ ذلك بأنّه يُقسي القلب؛ لأنَّ الساكن قد يرتكب المعاصي، وارتكاب المعاصي في مكة يُوجب قسوة القلب، وهو يتنافى مع قدسية المكان، والكراهة المذكورة قد استفدنا منها ـ سابقاً ـ أفضلية مكة على سائر البقاع، ومنه يُعلم أنَّ كراهة السكن في مكان، وأفضليته في مكان آخر، لا يلازم أفضلية البقعة وأشرفيتها.

هذه مجمل الروايات التي قد يُستدل بها لإثبات أفضلية المدينة على سائر البقاع، وقد اتضح عدم تمامية شيء منها.

والآن نريد القول: إنَّ المدينة ـ باستثناء المسجد النبوي الشريف، والحجرة المقدَّسة، وبيت أمير المؤمنين، والأماكن المقدَّسة فيها ـ لا خصوصية لها على سائر البقاع، وقد يُستفاد ذلك من بعض الروايات.

من قَبيل ما رواه عمار بن موسى، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: «سألته عن الصلاة في المدينة، هل هي مثل الصلاة في مسجد رسول الله؟ قال: لا، إنَّ الصلاة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله ألف صلاة، والصلاة في المدينة مثل الصلاة في سائر البلدان»[53].

ثالثاً: عرفات

الكثير من الروايات تحدّثت عن فضل عرفات، وفضل الدعاء فيها، والذي يمكن الاستدلال به على أفضليتها على سائر البقاع رواية واحدة حسب تتبعي القاصر وهي:

ما رُوي من أنّه جاء نفر من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، فسأله أعلمهم عن مسائل، وكان فيما سأله، أن قال: «أخبرني لأيّ شيء أمر الله بالوقوف بعرفات بعد العصر؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله: إنَّ العصر هي الساعة التي عصى آدم فيها ربَّه، ففرض الله (عزَّ وجلَّ) على أُمتي الوقوف والتضرّع والدعاء في أحبِّ المواضع إليه، وتكفّل لهم بالجنة، والساعة التي ينصرف بها الناس، هي الساعة التي تلقّى فيها آدم من ربِّه كلمات فتاب عليه، إنّه هو التوّاب الرحيم...»[54].

ومحلّ الشاهد قوله: «في أحبِّ المواضع إليه» فهو يدلّ بإطلاقه على أنَّ عرفة أحبُّ المواضع إلى الله تعالى.

وهناك رواية أُخرى تدلّ على أفضلية الحرم من عرفات، حيث جاء فيها: «حدُّ عرفة من بطن عرفة وثوية ونمرة وذي المجاز، وخلف الجبل موقف إلى وراء الجبل، وليست عرفات من الحرم، والحرم أفضل منها»[55].

وهذه الرواية تصرِّح بأفضلية الحرم المكّي على عرفات؛ فتكون مكة أفضل من عرفات، بل ومزدلفة ومنى أيضاً، والسؤال هو: كيف يتم الجمع بين مدلولي الروايتين؟

والجواب: حيث إنَّ دلالة الأُولى على أفضلية عرفات على سائر البقاع مطلقاً بينما الثانية أضيق منها دائرةً؛ فيمكن تقييدها بها، فتكون النتيجة أنَّ عرفات أحبُّ المواضع إلى الله سبحانه، باستثناء منطقة الحرم؛ فإنّها أفضل منها.

وبهذا الجواب تخرج عرفات من الحساب؛ لعدم تمامية دليلها على أنَّها أفضل من سائر البقاع، حيث ثبت أنَّ منطقة الحرم أفضل منها، يُضاف إليه أنّها رواية واحدة لا تقاوم الروايات الكثيرة الدالة على أفضلية مكة وكربلاء.

رابعاً: كربلاء المقدّسة

يمكن عرض الروايات الدالة على أفضلية كربلاء على سائر البقاع، ضمن طوائف هي:

الطائفة الأُولى: ما دلّ على أنَّ الله سبحانه قد اتخذ كربلاء حرماً آمناً قبل مكة.

1ـ ما رواه جعفر بن محمد بن قولويه في (كامل الزيارات) بإسناده عن عبد الله ابن أبي يعفور، قال: «سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول لرجل من مواليه: يا فلان، أتزور قبر أبي عبد الله الحسين بن علي عليهما السلام؟ قال: نعم، إنِّي أزوره بين ثلاث سنين مرَّة. فقال له ـ وهو مصفرّ الوجه ـ: أما والله الذي لا إله إلّا هو، لو زرته لكان أفضل لك ممّا أنت فيه. فقال له: جعلت فداك، أكلُّ هذا الفضل؟ فقال: نعم والله، لو أنّي حدّثتكم بفضل زيارته، وبفضل قبره، لتركتم الحج رأساً، وما حجّ منكم أحد، ويحك! أما تعلم أنَّ الله اتخذ كربلاء حرماً آمناً مباركاً قبل أن يتخذ مكة حرماً...»[56].

وهذه الرواية تدلّ بوضوح على ثلاثة أُمور:

الأول: إنَّ الله سبحانه قد اتخذ كربلاء حرماً آمناً.

الثاني: إنَّه اتخذها كذلك قبل أن يتخذ مكة حرماً آمناً.

الثالث: إنَّ زيارة الإمام الحسين عليه السلام أفضل من الحج، وهو بإطلاقه يشمل الحج الواجب أيضاً.

2ـ ما رواه ابن قولويه في كامل الزيارات أيضاً، بسنده عن أبي سعيد، عن بعض رجاله، عن أبي الجارود، قال: «قال علي بن الحسين عليه السلام، اتخذ الله أرض كربلاء حرماً آمناً مباركاً قبل أن يخلق الله أرض الكعبة ويتخذها حرماً آمناً بأربعة وعشرين ألف عام، وأنّه إذا زلزل الله تبارك وتعالى الأرض وسيّرها، رُفعت كما هي بتربتها نورانية صافية، فجُعلت في أفضل روضة من رياض الجنة، وأفضل مسكن في الجنة لا يسكنها إلّا النبيون والمرسلون ـ أو قال: أُولو العزم من الرسل ـ وأنّها لتُزهر بين رياض الجنة، كما يُزهر الكوكب الدرّيُ بين الكواكب لأهل الأرض، يغشي نورها أبصار أهل الجنة جميعاً وهي تنادي: أنا أرض الله المقدّسة الطيبة المباركة، التي تضمنت سيّد الشهداء، وسيّد شباب أهل الجنة»[57].

وهذه الرواية تؤكد مضمون الرواية السابقة وتضيف إليها:

1ـ اتخاذ كربلاء حرماً آمناً قبل مكة بأربعة وعشرين ألف عام.

2ـ إذا زلزلت الأرض رُفعت كربلاء بتربتها نورانية صافية.

3ـ جُعلت أفضل روضة من رياض الجنة، وأفضل مسكن.

4ـ تُزهر بين رياض الجنة كما يُزهر الكوكب الدُّرّي.

الطائفة الثانية: ما دلّ على أنَّ الله سبحانه خلق كربلاء قبل أن يخلق الكعبة بأربعة وعشرين ألف عام.

فقد روى ابن قولويه في كامل الزيارات عن أبي جعفر عليه السلام، قال: «خلق الله تعالى كربلاء قبل أن يخلق الكعبة بأربعة وعشرين ألف عام، وقدّسها، وبارك عليها، فما زالت قبل أن يخلق الله الخلق مقدّسة مباركة، ولا تزال كذلك، ويجعلها أفضل أرض في الجنة»[58].

الطائفة الثالثة: ما دلّ على تفضيل كربلاء على أرض الكعبة.

1ـ روى ابن قولويه عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: «إنّ أرض الكعبة قالت: مَن مثلي وقد بُني بيت الله على ظهري، ويأتيني الناس من كلِّ فج عميق، وجُعلت حرم الله وأمنه؟ فأوحى الله إليها: أن كفّي وقرّي، فوعزتي وجلالي، ما فضُل ما فُضِّلتِ به، فما أعطيت به أرض كربلاء إلّا بمنزلة الإبرة غُمست في البحر فحملت من ماء البحر، ولولا تربة كربلاء ما فضَّلتك، ولولا ما تضمنته أرض كربلاء ما خلقتك، ولا خلقت البيت الذي افتخرت به، فقرّي واستقرّي وكوني ذنباً متواضعاً ذليلاً مهيناً، غير مستنكف ولا مستكبر لأرض كربلاء، وإلّا سخت بك وهويت بك في نار جهنم»[59].

2ـ وروى ابن قولويه بسنده عن صفوان الجمّال، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام، يقول: «إنَّ الله تبارك وتعالى فضَّل الأرضين والمياه بعضها على بعض، فمنها ما تفاخرت، ومنها ما بغت، فما من ماء ولا أرض إلّا عُوقبت؛ لتركها التواضع لله، حتى سلَّط الله المشركين على الكعبة، وأرسل إلى زمزم ماءً مالحاً حتى أُفسد طعمه، وإنّ أرض كربلاء، وماء الفرات أوّل أرض وأوّل ماء قدّسهما الله تبارك وتعالى، وبارك الله عليهما، فقال لها: تكلّمي بما فضَّلك الله تعالى، فقد تفاخرت الأرضون والمياه بعضها على بعض. قالت: أنا أرض الله المقدّسة المباركة، الشفاء في تربتي ومائي ولا فخر، بل خاضعة ذليلة لـمَن فعل بي ذلك، ولا فخر على مَن دوني، بل شكراً لله. فأكرمها وزادها بتواضعها وشكرها لله بالحسين عليه السلام وأصحابه.

ثمّ قال أبو عبد الله عليه السلام، مَن تواضع لله رفعه الله، ومَن تكبر وضعه الله تعالى»[60].

الطائفة الرابعة: ما دلّ على أنّ كربلاء أكرم أرض على الله تعالى.

فقد روى ابن قولويه مرسلاً عن أبي جعفر عليه السلام، أنّه قال: «الغاضرية هي البقعة التي كلّم الله فيها موسى بن عمران عليه السلام، وناجى نوحاً فيها، وهي أكرم أرض الله عليه، ولولا ذلك ما استودع الله فيها أولياءه وأبناء نبيه، فزوروا قبورنا بالغاضرية»[61].

الطائفة الخامسة: ما دلّ على جواز الأكل من طين التربة الحسينية.

وقبل ذكر الروايات لا بدَّ من الإشارة إلى مسألة في غاية الأهمية، وهي: أنّ الدليل قد دلّ على حرمة تناول الطين مطلقاً، ثمّ جاء الدليل على الجواز بالنسبة لطين الحائر الحسيني، وهذا يعني وجود ميزة في تربة كربلاء، وإلّا لما جاز تناول طينتها والاستشفاء بها.

وإليك بعض الروايات:

1ـ سعد بن سعد، قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن الطين. فقال: «أكلُ الطين حرام مثل الميتة، والدم، ولحم الخنزير، إلّا طين الحائر؛ فإنَّ فيه شفاء من كلِّ داء، وأمناً من كلِّ خوف»[62].

2ـ عن أبي بكر الحضرمي، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: «لو أنَّ مريضاً من المؤمنين يعرف حقَّ أبي عبد الله عليه السلام وحرمته وولايته، أخذ من طين قبره مثل رأس أنملة كان له دواء»[63].

3ـ روى سماعة بن مهران، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: «أكلُ الطين حرام على بني آدم، ما خلا طين قبر الحسين عليه السلام، مَن أكله من وجع شفاه الله»[64].

الطائفة السادسة: ما دلّ على استحباب السجود على التربة الحسينية.

فقد روى محمد بن الحسن في (المصباح) بإسناده، عن معاوية بن عمار، قال: «كان لأبي عبد الله عليه السلام، خريطة ديباج صفراء فيها تربة أبي عبد الله عليه السلام، فكان إذا حضرته الصلاة صبَّه على سجادته وسجد عليه، ثمّ قال عليه السلام: إنَّ السجود على تربة أبي عبد الله عليه السلام، يخرق الحجب السبع»[65].

ولم يرد مثل هذا الاستحباب في أيِّ بقعة أُخرى.

ويمكن المناقشة في دلالة الطائفتين الأخيرتين على الأفضلية، بأنَّ جواز التناول، واستحباب السجود عليها، يدلّ على الفضل وعلو المقام في نفسه، ولا يدل على الأفضلية المبحوث عنها.

هذه طوائف ست يمكن أن يُستفاد منها أفضلية كربلاء على غيرها من البقاع، ولعلَّ المتتبع يجد طوائف أُخر تدلّ على المطلوب، اقتصرنا على هذه لحصول الغرض المهم منها.

إلى هنا انتهينا من عرض البقاع المفضَّلة، وعرض رواياتها، وما يمكن الاستدلال به عليها، وقد اتضح أنَّ المهم من هذه البقاع هي (مكة وكربلاء) بعد اتضاح المناقشة في أدلة أفضلية المدينة وعرفات؛ حيث اتضح عدم تمامية الروايات المستدل بها على أفضلية المدينة وعرفات.

ومن الآن نشرع في بيان طرق الجمع بين طوائف تفضيل مكة، وطوائف تفضيل كربلاء، أو معالجة التعارض بينها أو الترجيح.

معالجة التعارض بين المجموعتين أو ترجيح إحداهما على الأُخرى

اتضح ممّا تقدّم أنَّ روايات تفضيل مكة تقع ضمن خمس طوائف حاصلها:

1ـ إنَّ البيت أوّل موضع خلقه الله تعالى من الأرض.

2ـ إنَّ مكة أكرم أرضٍ على الله تعالى.

3ـ مكة أفضل البقاع.

4ـ العمل في مكة أفضل منه في سائر البقاع.

5ـ كراهة السكنى في مكة؛ لأنَّه يُقسِّي القلب.

واتضح أنَّ روايات تفضيل كربلاء تقع ضمن ست طوائف حاصلها:

1ـ إنَّ الله سبحانه قد اتخذ كربلاء حرماً آمناً، قبل أن يتخذ مكة حرماً آمناً.

2ـ ما دلّ على أنَّ الله سبحانه قد خلق كربلاء قبل أن يخلق الكعبة بأربعة وعشرين ألف عام.

3ـ ما دلّ على تفضيل كربلاء على أرض الكعبة.

4ـ كربلاء أكرم أرض الله تعالى عليه.

5ـ لا يجوز أكل الطين إلّا طين الحائر الحسيني.

6ـ يُستحب السجود على التربة الحسينية.

وهنا تواجهنا الأسئلة التالية:

السؤال الأوّل: كيف يتم التوفيق بين ما دلّ على أنَّ الكعبة ـ ثمّ مكة ـ أوّل موضع خلقه الله تعالى، ثمّ دُحيت الأرض من تحته، فإنَّه يدلّ بإطلاقه على تقدّم خلقها على أرض كربلاء، وبين ما دلّ على أنّ أرض كربلاء هي أوّل ما خلق الله تعالى، وأنّها أسبق من خلق الكعبة بأربعة وعشرين ألف عام؟

السؤال الثاني: كيف يتم التوفيق بين ما دلّ على أنّ الله سبحانه قد اتخذ مكة حرماً آمناً، كما نصت على ذلك الآيات الكريمات، والذي يدلّ بظاهره على أسبقية ذلك لمكة، وبين ما دلّ على أنَّه سبحانه قد اتخذ كربلاء حرماً آمناً، قبل أن يتخذ مكة حرماً آمناً؟

السؤال الثالث: كيف يتم التوفيق بين ما دلّ على أفضلية مكة المكرّمة على سائر البقاع والتي منها كربلاء، وبين ما دلّ على أفضلية كربلاء على مكة المكرّمة؟

هذه أسئلة ثلاثة رئيسة نحاول فيما يلي الإجابة عنها:

الإجابة عن السؤال الأوّل:

ولا بدّ قبل بيان الجواب من لفت النظر إلى ما ذكره بعض المحققين في هذا المجال:

حيث ذكر محقق كتاب (عوالي اللئالي) السيّد شهاب الدين النجفي المرعشي قدس سره، أنَّ الأخبار قد استفاضت في أنّ أرض الكعبة أوّل أرض خُلقت على وجه الماء، ومنها دُحيت الأرض، وبه سُمِّيت أُمّ القرى، ثمّ ذكر بعد ذلك الوجوه المحتملة للجمع بين هذه الأخبار، والأخبار الدالة على أنَّ كربلاء قد خُلقت قبل الكعبة[66].

وما ذكره هذا المحقق الجليل& قابل للمناقشة؛ فإنَّ مراجعة الأخبار المذكورة في مظانها يورث الشك في استفاضتها؛ إذ عمدة الأخبار في هذا المجال ما ذكره الشيخ الكليني في الكافي في باب «أنّ أوّل ما خلق الله من الأرضين موضع البيت» [67]، حيث ذكر سبعة أحاديث أغلبها ضعيف السند، قاصر الدلالة، ولو تنزلنا عن ضعف السند، لا نجد غير ثلاثة أحاديث تدلّ على المطلوب، وهذه لوحدها لا تشكل استفاضة كما يدعي السيّد المرعشي قدس سره.

وعند مراجعة بقية كتب الحديث لا نجد غير ما ذكره الكليني، وبعض الأحاديث المرسلة التي ذكرها الشيخ الصدوق في كتاب مَن لا يحضره الفقيه.

هذا كلّه بلحاظ كتب الخاصّة.

وأمّا كتب العامّة، فقد نُقل هذا المعنى كقول لبعض المفسرين: كابن عباس، ومجاهد، ولم ينسبوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وآله، فلم يتحقق كونها رواية فضلاً عن الاستفاضة، وإذا كانت هناك روايات بهذا المعنى، فهي لا تبلغ حد الاستفاضة بكلِّ تأكيد.

وفي هذا الصدد ذكر الطبري في جامع البيان في تفسير قوله تعالى: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ)[68] أقوالاً في معناها:

1ـ إنَّه أوّل بيت وضع للعبادة.

2ـ إنّه أوّل بيت وضع للناس.

3ـ إنّه خُلق قبل جميع الأرضين، ثمّ دُحيت الأرضون من تحته، ونسب هذا القول إلى مجاهد.

4ـ ما نقله عن السدي أنَّ المراد من (أوّل بيت): «أنّه يوم كانت الأرض ماءً، وكان زبدة على الأرض، فلمّا خلق الله الأرض، خلق البيت معها، فهو أوّل بيت وضع في الأرض»[69].

وأنت تُلاحظ أنَّ الطبري قد ذكر أقوالاً متعددة في المسألة، ومنها: أنَّ الكعبة خُلقت قبل الأرض وقد دُحيت الأرض من تحتها، ونسبه إلى بعض المفسرين، ولم يذكر له شاهداً من الروايات.

وكيف كان، حتى لو اعتبرنا ما نقله الطبري عن ابن عباس ومجاهد، رواية، وضممنا ذلك إلى رواياتنا لم تحصل الاستفاضة التي ادعاها السيّد المرعشي قدس سره.

وبعد اتضاح هذا الأمر نعود للإجابة عن السؤال، فنقول:

لقد طُرحت ثلاثة أجوبة عن هذا السؤال نذكرها فيما يلي، مع المناقشة إن وجدت، ثمّ نطرح الإجابة المناسبة.

1ـ أجاب السيّد المرعشي قدس سره بإمكان الجمع العرفي بين الطائفتين، وذلك بأن يقال: إنَّ خلق أرض كربلاء متقدِّم على خلق الكعبة، وليس متقدّماً على خلق أرضها[70]. هكذا أفاد.

ونحن نضيف إلى ما ذكر مطلباً يؤكد الجمع المذكور، إذ يدلّ عليه من الروايات ما جاء في رواية قد تقدّمت عند عرض روايات تفضيل كربلاء، عن أبي جعفر الباقر عليه السلام، قال: «خلق الله تعالى كربلاء قبل أن يخلق الكعبة بأربعة وعشرين ألف عام...»؛ فإنّها دلت على تقدّم خلق كربلاء على خلق الكعبة، ولكنّها لا تدلّ على تقدّم خلق كربلاء على أرض الكعبة، فمن هذه الناحية الرواية ساكتة، وحيث إنَّ روايات تقدّم خلق الكعبة قد دلت على تقدّم خلق أرضها على سائر الأرضين، كما في مرسلة الصدوق المتقدّمة: «فأوّل بقعة خُلقت من الأرض الكعبة، ثمّ مُدّت الأرض منها» أمكن الجمع المذكور؛ فيكون تقدّم خلق كربلاء على جسم الكعبة هو مقتضى روايات تقدّم كربلاء، بينما تقدّم أرض الكعبة على خلق كربلاء هو مقتضى روايات تقدّم الكعبة.

هذا أقصى ما يمكن أن يقال في الجواب الأوّل، الذي طرحه هذا المحقق مع المؤيدات، والشواهد من الروايات.

ولكنَّه مع ذلك لا يمكن قبوله لمناقشتين:

المناقشة الأُولى: إنّ التفصيل بين (أرض الكعبة) و(الكعبة) نفسها، فيقال: إنّ خلق أرض الكعبة متقدّم على خلق نفس الكعبة، وهذا يبتني على إعمال الدّقة غير العرفية في فهم النصوص والروايات، وهو أمر مرفوض كما قُرر في علم الأُصول، إذ الروايات إنّما أُلقيت على المخاطبين العرفيين، فلا بدّ من فهمها على طبق ما يفهمه الإنسان العرفي؛ ومن هنا نقول: إذا سمع الإنسان العرفي الرواية المتقدّمة القائلة: «فأوّل بقعة خُلقت من الأرض الكعبة، ثمّ مُدّت الأرض منها». يفهم أنّ الكعبة قد خُلقت قبل سائر بقاع الأرض، هي والبقعة التي بُنيت عليها، ولا يُفهم التفصيل بين جسمها وأرضها.

إنّ هذا الفهم ليس فهماً عرفياً، لاسيِّما وأنّ الرواية قد أطلقت لفظة البقعة على الكعبة.

ولو أردنا مجاراة السيّد المرعشي قدس سره في الدّقة المذكورة، يلزم أن نحكم بتقدّم خلق (كربلاء) بذاتها دون أرضها؛ لأنَّ الرواية المتقدّمة قد ذكرت خلق كربلاء دون أن تذكر أرضها، فلم تقل: خلق الله تعالى أرض كربلاء قبل أن يخلق الكعبة، وإنّما قالت: خلق الله تعالى كربلاء، وهذا شيء لا يمكن قبوله.

المناقشة الثانية: لو تنزلنا عن الإجابة المتقدّمة إلّا أننا نقول: إنَّ هذا الجمع مخالف لصريح بعض الروايات، من قبيل ما رواه ابن قولويه في كامل الزيارات بسنده، عن أبي سعيد، عن بعض رجاله، عن أبي الجارود، قال: قال علي بن الحسين عليه السلام: «اتخذ الله أرض كربلاء حرماً آمناً مباركاً، قبل أن يخلق الله أرض الكعبة ويتخذها حرماً بأربعة وعشرين ألف عام». فإنّها قد صرّحت بأنَّ تقدّم كربلاء كان على أرض الكعبة أيضاً، لا على الكعبة فقط.

ومع هاتين المناقشتين لا يمكن قبول الجمع المذكور.

2ـ أجاب السيّد المرعشي قدس سره نفسه، بجواب آخر حاصله:

إنَّ كلمة (الخلق) بلحاظ تقدّم خلق كربلاء يمكن حملها على معنى (التقدير) لا (الإيجاد)، بينما كلمة (الخلق) بلحاظ خلق الكعبة، تكون بمعنى الإيجاد؛ فيكون المراد أنَّ كربلاء أسبق من الكعبة تقديراً، بينما الكعبة أسبق من كربلاء وجوداً، ويتمُّ بذلك التوفيق بين الطائفتين من الروايات.

وإذا قلت: إنَّ تفسير (الخلق) بمعنى (التقدير) يحتاج إلى قرينة، وهي مفقودة. قلت: صحيح، أنَّ لفظ الخلق يُطلق على معانٍ متعددة، ولكن أشهرها في الآيات والروايات، هو التقدير، ومن ذلك قوله تعالى: (فَتَبَارَكَ اللَّـهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ )[71]؛ ومعه تكون هذه الشهرة قرينة صالحة لتفسير الخلق بالتقدير[72].

هذا أقصى ما يمكن أن يُقرّب به الجمع المذكور.

وهذا الجمع يواجه مناقشتين هما:

المناقشة الأُولى: إنّ شهرة المعنى لا تصلح للقرينة على حمل اللفظ على المعنى المشهور، ما لم تشكِّل الشهرة المذكورة ظهوراً في المعنى، أو انصرافاً إليه، ونحن عندما نقرأ الروايات المتقدّمة لا نشعر بهذا الظهور، أو بهذا الانصراف؛ ومعه نبقى بحاجة إلى قرينة إثباتية وإلّا يبقى الجمع المذكور جمعاً تبرعياً يفتقر إلى الشاهد.

وإذا قلت: إننا صرنا إلى هذا الجمع؛ لأنّنا بحاجة إليه، لدفع التنافي بين الروايات.

قلت: دفع التنافي لا يبرّر الجمع المذكور، وإنّما يندفع التنافي بما يُقرر العرف من الفهم، فيكون العرف هو القرينة الدافعة للتنافي، وإلّا فيبقى التنافي على حاله، ويُصار حينئذٍ إلى مقتضيات قواعد التعارض حسبما هو مقرّر في علم الأُصول.

إذاً؛ شهرة المعنى لوحدها لا تكفي للقرينية، ما لم تشكل ظهوراً في الكلام، أو انصرافاً.

المناقشة الثانية: لو تنزلنا وقلنا: إنَّ الشهرة في المعنى تصلح للقرينية على حمل الخلق على التقدير، نقول: إنَّها ـ حسب الفرض ـ قاضية بحمل لفظ الخلق على التقدير في الموردين، أي: كما نحمل لفظ الخلق على معنى التقدير في روايات تقدّم كربلاء، كذلك نحمل لفظ الخلق على معنى التقدير في روايات تقدّم الكعبة، ولا معنى لتخصيص القرينة بمورد دون آخر، فإنّه ترجيح بلا مرجح، كما هو واضح.

3ـ جواب المحدّث الكاشاني في الوافي، نسبه إليه السيّد المرعشي قدس سره وحاصله:

إنّنا بإمكاننا أن نحمل القبلية الواردة في روايات تقدّم كربلاء، على القبلية بالشرف، ونحمل الأعوام الواردة فيها على الدرجات؛ فيكون المعنى أنَّ كربلاء متقدّمةٌ على الكعبة بالشرف، وتفضلها بأربعة وعشرين ألف درجة، من درجات الشرف والفضيلة[73].

وهذا الجواب لا يخلو من مناقشة واضحة؛ إذ هو مخالف لظاهر الروايات، فيحتاج إلى قرينة صارفة للظاهر، وهي مفقودة.

هذه ثلاث محاولات لرفع التنافي بين الطائفتين، عثرت عليها عند مراجعة كلمات الأعلام، وقد اتضح ممّا تقدّم المناقشة فيها جميعاً.

4ـ الجواب الذي يخطر في البال، حيث يمكننا أن نتعامل مع الطائفتين تعامل المطلق والمقيد، فنجمع بينهما جمعاً عرفياً من خلال حمل المطلق على المقيد، أو تعامل الظاهر والصريح.

وتوضيحه: إنَّ الروايات الدالة على تقدّم خلق الكعبة على سائر الأرض تدلّ على تقدّم خلقها على كربلاء بالإطلاق؛ إذ يُفهم منها أنَّ الكعبة قد خُلقت قبل المدينة، والكوفة، وبيت المقدس، والبصرة، وكربلاء، وهكذا، فهي ـ إذن ـ تدلّ على الأسبقية بالإطلاق، بينما الروايات الدالة على تقدّم خلق كربلاء على الكعبة، دلالتها على التقدّم دلالة مقيدة، فهي لم تقل: خلق الله تعالى كربلاء قبل خلق سائر البقاع. وإنّما قيّدت القبلية بالكعبة، فقالت: خلق الله تعالى كربلاء قبل الكعبة، أو قبل أرض الكعبة. وهذا المعنى ـ بحسب الفهم العرفي ـ أضيق دائرة من الروايات الدالة على تقدّم الكعبة؛ فنحمل إطلاق تلك الروايات على هذه الروايات المقيّدة، وتكون النتيجة: خلق الله تعالى الكعبة قبل خلق سائر الأرض إلّا كربلاء، فإنّها أسبق من الكعبة.

أو نقول: إنَّ دلالة روايات تقدّم الكعبة على أسبقيتها من كربلاء بالظهور، بينما دلالة تقدّم كربلاء على الكعبة صريحة، ومقتضى الجمع العرفي بينها حمل الظاهر لصالح الصريح.

وهذه النتيجة التي حصلنا عليها لا تتنافى مع قوله تعالى: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ)[74]؛ لأنَّ المراد منه، أوّل بيت وضع لعبادة الله تعالى على الأرض، ولم يثبت كون المراد منه أوّل بيت خلقه الله تعالى من الأرض، وقد تقدّمت الإشارة إلى ذلك.

إلى هنا انتهينا من الإجابة عن السؤال الأوّل.

الإجابة عن السؤال الثاني

تقدّم منَّا عرض الآيات الكريمة الدالة على أنَّ الله سبحانه قد اتخذ مكة حرماً آمناً، وعند التأمل فيها يتضح أنّها لا تنفي أنّه سبحانه قد اتخذ بلداً آخر حرماً آمناً، إلّا بناءً على ثبوت المفهوم للوصف، وقد تقرّر في علم الأُصول عدم ثبوته؛ ومعه فالآيات لا تدلّ على أنَّ الله سبحانه قد اتخذ مكة حرماً آمناً فقط، ولم يتخذ غيرها، وبهذا تسلم روايات كربلاء الدالة على أنَّ الله سبحانه قد اتخذ كربلاء حرماً آمناً، قبل أن يتخذ مكة حرماً آمناً من المعارضة والمنافاة؛ وتكون النتيجة: أنَّ الله سبحانه وتعالى قد اتخذ كربلاء حرماً آمناً، قبل أن يتخذ مكة حرماً آمناً بأربعة وعشرين ألف عام.

الإجابة عن السؤال الثالث:

من خلال الإجابة عن السؤال الأوّل يمكننا أن نُجيب عن هذا السؤال وبنفس الطريقة التي سلكناها هناك، فنقول: إنَّ النصوص الدالة على أفضلية مكة، تدلّ على أفضليتها على سائر البقاع، ومنها كربلاء بالإطلاق، بينما روايات أفضلية كربلاء، تدلّ على أفضليتها على مكة صريحاً، حيث صرّحت بأفضليتها على مكة، وبتطبيق قاعدة الجمع العرفي القائلة بلزوم حمل المطلق على المقيد، أو الظاهر على الصريح، نحمل نصوص أفضلية مكة المطلقة، على روايات أفضلية كربلاء المقيدة؛ وتصير النتيجة: مكة أفضل من سائر البقاع إلّا كربلاء؛ فإنّها أفضل منها.

هكذا ينبغي أن تكون النتيجة حسبما تقتضيه قواعد الجمع العرفي.

ولكن هذا كلّه يتم بناءً على تمامية أسانيد روايات تفضيل كربلاء، وهي لا تتم إلّا بناءً على أحد أمرين:

الأوّل: تمامية كبرى وثاقة كلّ مَن جاء في أسانيد كامل الزيارات.

الثاني: البناء على وثاقة بعض مَن ورد اسمه في الأسانيد، من قَبيل (محمد بن سنان)، حيث قد اختلفت كلمات أعلام الرجال في وثاقته وعدمها، والصحيح لدينا وثاقته واعتبار رواياته، وقد أثبتنا ذلك في محلّه، بل هو معتمد لدى جملة من المتأخرين أيضاً[75].

فإذا بنينا على تمامية كلا الأمرين أو أحدهما أمكن المصير إلى النتيجة المتقدّمة، والتي حاصلها: أفضلية كربلاء على مكة المكرّمة، وأمّا إذا لم نبن على شيء من ذلك فلا يمكن المصير إليه؛ لأنَّ روايات تفضيل مكة بعضها تام السند بلا إشكال، يُضاف إلى ذلك أنّها مدعومة بدلالة الكتاب العزيز المحتملة على أفضليتها، وقد تقدّم منّا عرض الآيات وتقريب دلالتها.

والحاصل: دلالة الآيات والروايات على تفضيل مكة تامّة من حيث السند والدلالة، ولكن الخروج عن هذا الأصل اللفظي لا يكون إلّا بحجة؛ وحيث إنّ روايات كربلاء تتوقف تماميتها على تمامية أسانيدها، لا يمكننا المصير إلى تفضيل كربلاء، ما لم يتم لدينا أحد المبنيين الرجاليين المتقدّمين.

وفي الختام نود الإشارة إلى بعض الملاحظات:

1ـ لم نتعرّض إلى كيفية التعامل مع باقي الطوائف التي ذكرناها عند عرضنا لروايات تفضيل مكة، وروايات تفضيل كربلاء، واقتصرنا على الطوائف الثلاث الأُول، وذلك؛ لأنَّ المهم منها هو ما ذكرناه، وأمّا بقية الطوائف، فهي تصلح للتأييد والتأكيد ليس إلّا.

2ـ ذكرنا فيما تقدّم أنّ هناك بقاعاً في ضمن مكة، دلت بعض الروايات على أنّها أفضل البقاع، فما هو الموقف منها؟

والجواب: يمكننا أن نتعامل معها كما تعاملنا مع روايات تفضيل مكة، حيث يمكن أن نجمع بينها وبين روايات تفضيل كربلاء، بالإطلاق والتقييد، أو الظاهر والصريح، بعد الالتفات إلى قضية مهمة، وهي أنّ الركن اليماني جزء من الكعبة، وكذا الحطيم قبل أن يتم فصل المقام عن جدار الكعبة؛ فإنّه كان جزءاً من الكعبة أيضاً، وإذا ثبت تفضيل كربلاء على الكعبة، وسائر مكة، يتم تفضيلها على المكانين المذكورين.

3ـ قد تسأل: إنَّ المبحوث عنه هو تفضيل كربلاء كبلد، على مكة البلد أيضاً، وليس الكلام في تفضيل كربلاء، على خصوص الكعبة، أو نحو ذلك؟

والجواب: إذا ثبت تفضيل كربلاء على الكعبة، يثبت التفضيل على مكة (البلد) بالأولوية.

وإذا قلت: لم تستطع أن تثبت تفضيل كربلاء على الكعبة، حتى بناءً على تمامية أسانيد روايات كربلاء، وإنّما أقصى ما تثبته، تقدّم خلق كربلاء على خلق الكعبة.

قلت: تقدّم منّا سابقاً تقريب دلالة الأسبقية على الأفضلية والأشرفية، حيث ذكرنا قرينتين يُستفاد منهما أنّ الأسبقية في الخلق، تستلزم الأفضلية والأشرفية، فراجع.

 

 

 

 

 


[1]     ابن قولويه، جعفر بن محمد، كامل الزيارات: ص455.

[2]     الحرّ العاملي، محمد بن الحسن، الوسائل: ج14، ص537.

[3]     ذكر هذه الأقوال وغيرها، ياقوت الحموي في كتابه معجم البلدان: ج5، باب الميم والكاف وما يليهما.

[4]     جغرافية مكة المكرّمة، موقع على شبكة الأنترنت.

[5]     الغريفي، محيي الدين، الوقت والقبلة في الفقه والهيئة: ص109.

[6]     جغرافية مكة المكرمة، موقع على شبكة الأنترنت.

[7]     آل قاسم، عدنان فرحان، دروس في السيرة النبوية: ج2 ص18.

[8]     ابن منظور، لسان العرب: ج1، ص235. مادة (ثرب).

[9]     آل قاسم، عدنان فرحان، دروس في السيرة النبوية: ج2، ص18.

[10]    جغرافية المدينة المنورة، موقع على شبكة الأنترنت.

[11]    شبكة كربلاء المقدّسة، صفحة مدينة كربلاء، موقع على شبكة الأنترنت.

[12]    اُنظر: الحموي، ياقوت، معجم البلدان: ج4، باب الكاف والراء وما يليها.

[13]    تاريخ مدينة كربلاء العراقية، مجتمع شط العرب، موقع على شبكة الأنترنت.

[14]    اُنظر: الحموي، ياقوت، معجم البلدان ج4، ص104، باب العين والراء وما يليهما.

[15]    اُنظر: الجواهري، حسن، بحوث في الفقه المعاصر: ج2، ص5. وأيضاً: جريدة الرياض السعودية الألكترونية على موقعها على شبكة الأنترنت.

[16]    البقرة: آية126.

[17]    إبراهيم: آية35.

[18]    القصص: آية57.

[19]    العنكبوت: آية67.

[20]    الأنعام: آية92.

[21]    الشورى: آية7.

[22]    اُنظر: الطبرسي، الفضل بن الحسن، مجمع البيان: ج4، ص110. الرازي، محمد بن عمر، تفسير الرازي: ج8، ص153. وغيرهما.

[23]    اُنظر: الطبرسي، الفضل بن الحسن، مجمع البيان: ج4، ص110.

[24]    اُنظر: الشيرازي، ناصر مكارم، تفسير الأمثل: ج8، ص49.

[25]    آل عمران: آية96.

[26]    اُنظر: الحسني، هاشم، البرهان في تفسير القرآن: ج4، ص805.

[27]    الطباطبائي، محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن: ج7، ص261.

[28]    الرازي، محمد بن عمر، تفسير الرازي: ج8، ص151.

[29]    القصص: آية59.

[30]    الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي: ج4، ص190.

[31]    الصدوق، محمد بن علي، مَن لا يحضره الفقيه: ج2، ص241.

[32]    المصدر السابق.

[33]    القرطبي، محمد بن أحمد، الجامع لأحكام القرآن: ج16، ص235.

[34]    الحرّ العاملي، محمد بن الحسن، الوسائل: ج13، ص243.

[35]    العياشي، محمد بن مسعود، تفسير العياشي: ج2، ص234.

[36]    المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج96، ص75 وما بعدها.

[37]    المصدر السابق.

[38]    المصدر السابق.

[39]    الحرّ العاملي، محمد بن الحسن، الوسائل: ج13، ص230.

[40]    المصدر السابق: ص234.

[41]    المصدر السابق: ص235.

[42]    المصدر السابق: ص232.

[43]    آل عمران: آية96

[44]    الكاشاني، الفيض، الوافي: ج12، ص37.

[45]    الصدوق، محمد بن علي، ثواب الأعمال: ص204.

[46]    المصدر السابق: ص205.

[47]    الطوسي، محمد بن الحسن، تهذيب الأحكام: ج5، ص106.

[48]    المصدر السابق: ج6، ص3.

[49]    النيسابوري، الحاكم، المستدرك: ج3، ص3.

[50]    ابن عبد البر، الاستذكار: ج2، ص464.

[51]    النيسابوري، الحاكم، المستدرك: ج3، ص278.

[52]    الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي: ج4، ص557.

[53]    المصدر السابق: ج5، ص281.

[54]    المصدر السابق: ج13، ص550.

[55]    المصدر السابق: ص533.

[56]    ابن قولويه، جعفر بن محمد، كامل الزيارات: ص449.

[57]    المصدر السابق: ص451.

[58]    المصدر السابق: ص454

[59]    المصدر السابق: ص450.

[60]    المصدر السابق: ص455.

[61]    المصدر السابق: ص452،

[62]    العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة: ج24، ص226.

[63]    المصدر السابق: ص465.

[64]    المصدر السابق: ص228.

[65]    المصدر السابق: ج5، ص366.

[66]    اُنظر: ابن أبي جمهور، محمد علي الأحسائي، تحقيق: شهاب الدين المرعشي، هامش كتاب عوالي اللئالي: ج1، ص430.

[67]    الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي: ج4، ص190.

[68]    آل عمران: آية96.

[69]    الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان: ج4، ص11.

[70]    اُنظر: ابن أبي جمهور، محمد بن علي الأحسائي، تحقيق: شهاب الدين المرعشي: هامش كتاب عوالي اللئالي: ج1 ص430.

[71]    المؤمنون: آية14.

[72]    الأحسائي، ابن أبي جمهور، تحقيق: شهاب الدين المرعشي، هامش كتاب عوالي اللئالي: ج1، ص430.

[73]    المصدر السابق.

[74]    آل عمران: آية96.

[75]    اُنظر: النوري، حسين، خاتمة المستدرك: ج4، ص14. والخميني، روح الله، كتاب البيع: ج3، ص603. والحكيم، محمد سعيد، مصباح المنهاج، الطهارة: ج1، شرح ص294. وغيرهم من العلماء كثير.

 
 
البرمجة والتصميم بواسطة : MWD