1439 / ربیع‌الاول / 6  |  2017 / 11 / 25         الزيارات : 484148         صلاة الصبح |         صلاة الظهر والعصر |         صلاة المغرب والعشاء |

مقتل أبي مخنف الأزدي الكوفي - أشهر المقاتل الحسينية

{ الشيخ عامر الجابري }
مقتل أبي مخنف الأزدي الكوفي - أشهر المقاتل الحسينية

 

تقديم

كان أبو مخنف في زمانه شيخ المؤرِّخين في الكوفة، وكان من أشدّ المؤرِّخين اهتماماً بجمع وتدوين أخبار كربلاء، وقد حاول أن يُحيط بأدقِّ التفاصيل المرتبطة بهذه الواقعة، فشملت أخباره أحداث ووقائع يوم عاشوراء، وما سبقه من إرهاصات وتمهيدات، وما تلاه من أحداث ووقائع السبي.

 وقد روى محمد باقر القائني في كتابه الكبريت الأحمر: «أنّه أعطى قباءه ـ وهو برد يماني نفيس ـ ثمناً لكتابة أبيات من الشعر منسوبة لسيد الشهداء عليه السلام»[1].

وهذه الرواية ـ إن صحّت ـ تكشف عن حرصه الشديد وتطلّعه إلى التقاط كلِّ شاردة وواردة حول هذه الواقعة.

وكما حاول أبو مخنف أن يُحيط بأدقِّ تفاصيل أحداث ووقائع كربلاء، فقد حاول ـ أيضاً ـ أن يستند في عمله إلى المنابع الأُولى المتمثّلة في الرواة الأوائل الذين عايشوا الأحداث وباشروها، كعقبة بن سمعان مولى الرباب زوجة الحسين عليه السلام[2]، ودلهم بنت عمرو زوجة زهير بن القين[3]، وجعفر بن حذيفة الطائي[4]، وعقبة بن أبي العيزار[5]، ويحيى بن هانئ بن عروة المرادي[6]، وغيرهم.

 وإذا تعذر الاتّصال بالراوي المباشر لعدم معاصرته ـ أو للبعد المكاني ـ كان أبو مخنف يتّصل بمَن اتّصل بالرواة المباشرين (بلا واسطة)، كما اتّصل بسليمان بن أبي راشد الأزدي للوصول إلى أخبار حميد بن مسلم الأزدي[7]، أو (بواسطة) كما أخذ أخبار عبد الله بن سليم والمذري بن المشمعل الأسديين[8]، عن أبي جناب الكلبي، عن عدي بن حرملة الأسدي عنهما[9].

 من هنا؛ فقد جاءت روايات مقتل أبي مخنف غنية في تفاصيلها وإحاطتها بالجزئيات، مسندةً متّصلةً موثوقةً في مآخذها ومنابعها؛ ولذا أصبح مقتله من أشهر المقاتل الحسينيّة، وأكثرها اعتماداً لدى المؤرِّخين على مرِّ العصور.

وسنعود سريعاً للحديث عن مقتل أبي مخنف بشيءٍ من التفصيل، ولكن بعد أن نكون قد ترجمنا لأبي مِخْنَف، وحملنا فكرة كافية عن شخصيته.

البحث الأول: ترجمته

1ـ اسمه، نسبه، كُنيته

هو لوط بن يحيى بن سعيد بن مخنف (بكسر الميم وسكون الخاء وفتح النون) بن سليم[10] (بضم السين وفتح اللام وسكون الياء) أو سالم[11] أو سليمان[12]، الأزدي الغامدي (أبو مِخْنَف).

وهو مشتهر بكُنيته (أبو مخنف)، ويخطئ بعض الخطباء في تلفُّظ كلمة (مخنف)، والصحيح ما أثبتناه: (بكسر الميم وسكون الخاء وفتح النون) على وزن (منبر)، كما ضبطه أئمة اللغة، وجهابذة علم الأنساب، وفحول فنّ المؤتلف والمختلف.

قال ابن دريد: «مخنف: مِفعل من قولهم: خنَفَ الرجلُ بأنفه، إذا أمالَه من كِبْر. والفرس خانف وخَنُوف، إذا أمالَ رأسَه في جريه أو تقريبه. والخِنَاف: ضربٌ من سير الإبل. والخَنيف: ثوب من كَتّان خشن. والجمع خُنُف، شبيهٌ بالخَيْش. ويقال: خَنفْتُ الأُتْرُجَّة، إذا قطعتها، والواحد مَن قَطْعها خَنِيفٌ أيضاً»[13].

والأزدي: بفتح الألف وسكون الزاي وكسر الدال، نسبة إلى أزد شنوءة، وهو أزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ[14].

قال الجوهري: «والشَّنُوْءَةُ ـ على فَعُوْلَةٍ ـ: التقَزّز وهو التباعد من الأدناس، تقول: رجل فيه شَنُوْءَةٌ، ومنه أزْدُ شَنُوءَةَ وهم حي من اليمن؛ يُنسب إليهم شَنَئيٌّ، قال ابن السِّكيت: ربما قالوا: أزدُ شَنُوَّةَ ـ بالتشديد غير مَهْمُوزةٍ ـ ويُنسب إليها شَنَوِيٌّ»[15].

والغامدي: بفتح الغين وكسر الميم والدال، هذه النسبة إلى غامد بطن من الأزد، واسم غامد ـ كما في أُسد الغابة ـ: عمرو بن عبد الله بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد. وهو معدود في أهل الحجاز، سكن الطائف[16].

آل مخنف بن سليم زعماء الأزد في الكوفة

يبدو أنّ مخنف بن سليم هو أول مَن دخل في الإسلام من أسلاف أبي مخنف، وكانت له صحبة مع رسول الله صلى الله عليه وآله، ثمَّ نزل الكوفة بعد ذلك، وهو نقيب الأزديين فيها[17]، وكان في الكوفة جبانة (مقبرة) تعرف بـ(جبّانة مخنف بن سليم)[18].

وقد عدّه الشيخ في رجاله في طبقة أصحاب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام[19]، بل عدّه ابن داود من خواصّ أصحابه[20].

وكان حامل راية الأزد من أهل الكوفة في وقعة الجمل، وقيل: إنّه قُتل يومئذٍ[21]، ولم يثبت؛ فإنّ الأخبار الدالّة على حياته بعد وقعة الجمل من الكثرة بحيث يسقط معها هذا القول عن الاعتبار التاريخي، ومنها على سبيل المثال:

1ـ روى نصر بن مزاحم المنقري: أنّ علياً عليه السلام استعمله على أصفهان وهَمَدان بعد الجمل[22].

2ـ وذكر المنقري أيضاً: أنّه لمّا أراد علي عليه السلام المسير إلى أهل الشام، كتب إلى عمّاله، فكتب إلى مخنف بن سليم كتاباً، يذكِّره فيه بفريضة الجهاد، ويخبره بنيّته في المسير إلى أهل الشام، ويصف له فيه ظلم بني أُمية وانحرافهم عن النهج الإسلامي العادل، وفي آخر الكتاب: «فإذا أتيت بكتابي هذا فاستخلف على عملك أوثق أصحابك في نفسك، وأقبل إلينا لعلّك تلقى هذا العدو المُحِلّ فتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتجامع الحقّ وتباين الباطل، فإنّه لا غناء بنا ولا بك عن أجر الجهاد. وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوّة إلّا بالله العلي العظيم»[23].

ثمَّ أردف المنقري قائلاً: «فاستعمل مخنفَ على أصبهان الحارثُ بن أبي الحارث بن الربيع، واستعمل على هَمَدان سعيد بن وهب ـ وكلاهما من قومه ـ وأقبل حتى شهد مع عليّ صفين»[24].

3ـ وذكر الطبري في أحداث سنة 39ﻫ أنّ معاوية قد بعث النعمان بن بشير في ألفي رجل إلى عين التمر، وبها مالك بن كعب مسلحة لعلي عليه السلام في ألف رجل، فأذن لهم، فأتوا الكوفة، وأتاه النعمان، ولم يبقَ معه إلّا مائة رجل، فكتب مالك إلى أمير المؤمنين عليه السلام يخبره بما جرى، فخطب علي عليه السلام الناس، وأمرهم بالخروج، فتثاقلوا، وواقع مالك النعمان، فأمر مالك أصحابه أن يجعلوا جُدُر القرية في ظهورهم، واقتتلوا.

وكتب إلى مخنف بن سليم يسأله أن يمدّه، وهو قريب منه، فوجه إليه ابنه عبد الرحمن بن مخنف في خمسين رجلاً، فانتهوا إلى مالك وأصحابه، وقد كسروا جفون سيوفهم، واستقتلوا، فلمّا رآهم أهل الشام وذلك عند المساء، ظنّوا أنّ لهم مدداً فانهزموا[25].

قال محمد هادي اليوسفي الغروي ـ بعد أن نقل ما نقلناه وما لم ننقله من الأحاديث الدالّة على بقاء مخنف بن سليم حياً بعد الجمل ـ: «فهذه الأحاديث كلّها تصرّح بحياة جدّه مخنف بن سليم بعد الجمل، بل حتّى بعد صفين، فإنّ غارات معاوية إنّما كانت سنة (39 ﻫ) بعد وقعة صفّين (37 ﻫ)، بينما تنفرد تلك الرواية بأنّه قُتل يوم الجمل كما سلف آنفاً، ولم يفطن الطبري لذلك، فلم يعلّق عليه بشيء مع تصريحه في (ذيل المذيّل) بحياته إلى سنة 80 ﻫ»[26].

ونحن نؤيده فيما ذهب إليه من بقاء مخنف بن سليم بعد الجمل، بل حتى بعد صفين كما قال، غير أنّنا لا نوافقه على عدم التفات الطبري إلى ذلك؛ فإنّ منهج الطبري في تاريخه هو نقل جميع الروايات المختلفة ووجهات النظر المتباينة حول الحادث، بغض النظر عن موافقتها للعقل والفكر أو عدم موافقتها، وبصرف النظر عن انسجامها مع الثوابت التاريخية أو عدم انسجامها، فعدم تعليق الطبري على ما شذّ من النقول التاريخية هو الموافق للنهج الذي ألزم نفسه السير عليه في مقدمة الكتاب حيث يقول: «فما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين مما يستنكره قارئه، أو يستشنعه سامعه، من أجل أنّه لم يعرف له وجهاً في الصحّة، ولا معنى في الحقيقة، فليعلم أنّه لم يؤتَ في ذلك من قِبَلنا، وإنّما أتى من قِبَل بعض ناقليه إلينا، وإنّا إنّما أديّنا ذلك على نحو ما أُدي إلينا»[27].

أمّا في منتخب ذيل المذيّل، فلم يظهر منه أنّه يسير على المنهج نفسه، بل الظاهر خلافه، وأنّ الآراء الموجودة فيه تمثِّل مختارات الطبري ممّا قيل في وفيات الصحابة والتابعين.

 وعليه؛ فلا منافاة بين تصريح الطبري في منتخب ذيل المذيّل بحياته إلى سنة 80ﻫ، وبين نقله لخبر مقتله في يوم الجمل في تاريخه، ما دام لكلٍّ من الكتابين منهجه الخاصّ وأُسلوبه المتميِّز.

وقد انفرد ابن حجر (ت 852ﻫ) فذكر أنّ مخنف بن سليم كان ممَّن خرج مع سليمان بن صرد في وقعة عين الوردة، وقُتل بها سنة 64ﻫ [28]، ونحن نستبعد هذا الخبر ونشكك به لسببين:

1ـ إنّ ابن حجر لم يعيّن لنا المصدر الذي استقى منه هذا الخبر، وقد تتبّعنا كتب قدامى الأخباريين والمؤرِّخين، فلم نعثر له على قائل قبل ابن حجر.

2ـ إنّ مخنف بن سليم لم يكن شخصاً عادياً من عامّة المجتمع، وإنّما كان زعيم الأزديين في الكوفة، وأحد رجالات الشيعة البارزين، ولو كان حاضراً في معركة عين الوردة، وقُتل بها ـ كما زعم ابن حجر ـ لذَكَر ذلك المؤرِّخون الذين رووا أحداث ووقائع هذه المعركة.

وكان لمخنف بن سليم ـ على ما ذكره الطبري ـ إخوة ثلاثة يُقال لأحدهم: عبد شمس، قُتل يوم النخيلة، والصقعب وعبد الله، قُتلا يوم الجمل[29].

ومن أبرز أولاد مخنف بن سليم عبد الرحمن بن مخنف زعيم الأزديين في الكوفة، وأبرز قيادات الكوفة في زمانه، وكان إلى جانب أبيه مع أمير المؤمنين عليه السلام في حربه ضد أهل الشام[30]، إلّا أنّه تحوَّل بعد ذلك إلى الخطّ المعادي للعلويين، فعندما خرج المختار وقف عبد الرحمن ضده مع عبد الله بن مطيع، وكان في ليلة خروج المختار متمركزاً مع اتباعه في جبّانة (مقبرة) مراد[31].

 وحينما سار إبراهيم بن مالك الأشتر يريد الموصل، وتواطأ أهل الكوفة على حرب المختار، كان عبد الرحمن ممَّن خرج ضدّه[32].

وقبيل حدوث وقعة المذار ـ التي وقعت بين أنصار المختار بقيادة أحمر بن شميط وأنصار مصعب بن الزبير بقيادة المهلّب بن أبي صفرة ـ دعا مصعب بن الزبير عبد الرحمن بن مخنف، فقال له: ائت الكوفة مستخفياً حتى تُخرج إلي مَن استطعت إخراجه، وخذِّل الناس عن المختار. فمضى حتى نزل منزله سرّاً فلم يظهر[33].

وفي زمان عبد الملك بن مروان، في سنة75ﻫ ناهض عبد الرحمن بن مخنف والمهلب بن أبي صفرة الأزارقة برامهرمز، بكتاب الحجاج إليهما لعشر بقين من شعبان، فأجْلَوهم عن رامهرمز من غير قتال شديد، وخرج القوم كأنّهم على حامية، حتى نزلوا سابور بأرضٍ منها يُقال لها: كازرون. وسار المهلب وعبد الرحمن بن مخنف حتى نزلوا بهم في أول رمضان، فخندق المهلب عليه، فذكر أهل البصرة أنّ المهلب قال لعبد الرحمن بن مخنف: إن رأيت أن تُخندق عليك فافعل. وإنّ أصحاب عبد الرحمن أبوا عليه وقالوا: إنّما خندقنا سيوفنا. وإنّ الخوارج زحفوا إلى المهلب ليلاً ليبيتوه، فوجدوه قد أخذ حذره، فمالوا نحو عبد الرحمن بن مخنف فوجدوه لم يخندق، فقاتلوه، فانهزم عنه أصحابه، فنزل فقاتل في أُناس من أصحابه فقُتل، وقُتل أصحابه حوله [34].

وأمّا سعيد بن مخنف الجدّ المباشر للوط، فلم أعثر له على ذكر عدا وروده في سلسلة نسب أبي مخنف، على أنّ بعض المصادر قد أسقطته من سلسلة نسب أبي مخنف وذكرت نسبه هكذا: (لوط بن يحيى بن مخنف)[35]، فجعلت مخنف الجدّ المباشر للوط.

وأما يحيى والد لوط، فلم أجد له ترجمة خاصّة، ولم أعرف عنه شيئاً سوى عد الطوسي له في طبقة أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام[36]، وقول ابن شهر آشوب في معالم العلماء: إنّه من أصحاب أمير المؤمنين والحسن والحسين عليهم السلام[37].

وهذا يعني أنّ ولادته كانت قبل عام40ﻫ، بفترة تؤهِّله لتلقّي الحديث عن أمير المؤمنين عليه السلام المستشهَد في هذا العامّ، وأنّه كان حياً بعد سنة 50ﻫ، وهي السنة التي استُشهِد فيها الإمام الحسن عليه السلام.

وممّا ينبغي أن يشار إليه: أنّ جلّ مَن ترجم لمخنف بن سليم أشار إلى أنّ من ولده (أبو مخنف) لوط بن بن يحيى صاحب الترجمة، ممّا يدلل على أنّه أشهر شخصيّة في هذا البيت.

2ـ ولادته ونشأته

لُقِّب أبو مخنف بـ(الكوفي) في عدّة مصادر[38]، وما ذلك إلّا لكونه كوفي المولد، ولا نقاش في ذلك، كما لا نقاش في كونه نشأ وتعلّم في الكوفة أيضاً، كما يشهد بذلك التأمّل في كثرة مشايخه وأساتذته من أهل الكوفة، وإنّما ينحصر الكلام في زمان ولادته؛ إذ لا يوجد نصّ يُعتمد عليه في تحديدها، وإنّما يتوفر في أيدينا معطيان تاريخيان نستطيع أن نستنتج في ضوئهما أنّ ولادته كانت في بداية خمسينيّات القرن الهجري الأول، وهما:

المعطى الأول: قد مر علينا أنّ والده يحيى كان من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام ـ بحسب الطوسي وابن شهر آشوب ـ وقد قال الطوسي عن أبي مخنف: إنّه «لم يلقَ أمير المؤمنين عليه السلام»[39]، فقد نفى اللقاء الذي هو أعمّ من تلقّي الحديث، وهذا يعني أنّ أبا مخنف لم يكن قد ولد في حياة أمير المؤمنين عليه السلام، وإنّ ولادته كانت بعد عام 40ﻫ الذي هو عام مقتله عليه السلام.

المعطى الثاني: عرفنا الآن أنّ أبا مخنف قد ولد بعد عام 40ﻫ، فنقول: إنّه قد ولد قبل عام 50ﻫ؛ فهذا هو المنسجم مع ذكره في طبقة أصحاب الحسن عليه السلام[40] المتوفّى في هذا العامّ، فإذا عرفنا أنّ عدَّ الشخص من أصحاب الإمام عليه السلام معناه أنّه قد سمع حديثه ووعاه؛ فلا بدّ لنا أن نفترض أنّ ولادة أبي مخنف كانت في بداية الخمسينيات 41 أو  42 أو43ﻫ  ـ مثلاً ـ لكي يكون صبياً مميزاً على أقل تقدير في نهايات حياة الإمام الحسن عليه السلام.

ويمكن أن ندعم هذا الرأي ونؤكده بأمرين:

الأمر الأول: إنّ هذا الرأي ينسجم مع إدراك أبي مخنف لعددٍ من رواة الطف المباشرين، ونقله عنهم بلا واسطة، كعقبة بن سمعان، ودلهم بنت عمرو زوجة زهير بن القين وغيرهما.

الأمر الثاني: إنّ هذا الرأي ينسجم مع كون المشهور في وفاة أبي مخنف هو عام 157ﻫ ـ كما سيأتي في آخر الترجمة ـ فإنّ عمره سيكون حين وفاته 120سنة أو أقل بقليل، وليس في هذا شذوذ أو مخالفة للمألوف من معدل الأعمار في تلك الأزمان.

3ـ مكانته العلمية، طبقته، مصنفاته

يُعدّ أبو مخنف من كبار الأخباريين والمؤرِّخين الأوائل الذين سارعوا إلى كتابة التاريخ الإسلامي، وقد تركّز نشاطه على تاريخ العراق بصورة خاصّة، كما انصبّت جهوده على الأحداث التي وقعت بعد رحيل النبي صلى الله عليه وآله إلى أواخر العهد الأُموي.

قال ابن النديم: «قرأت بخطّ أحمد بن الحارث الخزاز، قالت العلماء: أبو مخنف بأمر العراق وأخبارها وفتوحها يزيد على غيره، والمدائني بأمر خراسان والهند وفارس، والواقدي بالحجاز والسيرة، وقد اشتركوا في فتوح الشام»[41].

وأخبار العراق وفتوحها هو تعبير آخر عن تاريخ التشيّع؛ إذ ارتبط التشيّع منذ بدايات وجوده ـ كقوّة اجتماعية ـ بالعراق؛ ومن هنا قال فلهاوزن: «وأبو مخنف هو أَثْبَتُ حجّة... في تاريخ الشيعة، طالما اتّصل بالكوفة، والطبري يكاد لا يعتمد على غيره في ذكر أخبارهم وما أطولها»[42].

وقد تركّزت جهود أبي مخنف على جمع وتدوين أخبار الكوفة بنحو خاصّ، حتى وصفه النجاشي بكونه «شيخ أصحاب الأخبار بالكوفة ووجههم»[43]، والكوفة كانت آنذاك مركز التشيّع وجمجمة العراق، وحينما يكون أبو مخنف شيخ مؤرِّخيها فهذا يعني أنّه شيخ مؤرِّخي أهل العراق بشكل عامّ، أو يكون من كبار مؤرِّخي العراق على أقل تقدير.

إلّا أنّه ممّا ينبغي أن يُشار إليه: أنّ علاقة أبي مخنف بالتشيّع ربما تكون علاقة علمية، وليست روحية، وإذا ما قيل: إنّه (من مؤرِّخي الشيعة) فقد يكون المقصود أنّه من المهتمّين بتاريخ الشيعة وجمع أخبارهم، وليس بالضرورة أن يكون المقصود من هكذا عبارة أنّه كان شيعيّاً بالمعنى الخاصّ للتشيّع.

أمّا طبقة أبي مخنف، فلا يمكن ضبطها من خلال ملاحظة أساتذته وشيوخه؛ إذ اختُلف في ذلك اختلافاً كبيراً، فقد عدّه الكشي في طبقة أصحاب الإمام علي عليه السلام، ونفى الطوسي ذلك[44]، وأثبت صحبته للحسنين عليهما السلام[45]، ونفى النجاشي أن تكون له صحبة مع الإمام الباقر عليه السلام، فضلاً عمَّن سبقه من أئمّة أهل البيت عليهم السلام، وعدَّه من أصحاب الإمام الصادق عليه السلام [46].

وعليه؛ فلا يمكن أن نضبط طبقة أبي مخنف من خلال أساتذته وشيوخه مع الاختلاف المشار إليه، والقدر المتيقّن أنّه من طبقة أصحاب الإمام الصادق عليه السلام، مع احتمال أن يكون من طبقةٍ أقدم، وإنّما يمكن تحديد طبقته من خلال ملاحظة الآخذين عنه والمتتلمذين على يديه، ومنهم:

1ـ أبو المنذر، هشام بن محمد بن السائب الكلبي (ت 204أو 206ﻫ)، النسّابة المشهور[47]، وهو الراوي لمقتله كما سنبيِّن.

2ـ أبو الفضل، نصر بن مزاحم بن سيار المنقري (ت 212ﻫ)[48]، صاحب كتاب وقعة صفين، وقد أخطأ ابن النديم في عدِّ نصر بن مزاحم من طبقة أبي مخنف[49].

3ـ أبو الحسن، علي بن محمد المدائني (ت 225ﻫ)، المؤرِّخ المعروف[50].

فهؤلاء الثلاثة هم من كبار الأخباريين والمؤرِّخين الذين برزوا في نهايات المائة الثانية وبدايات المائة الثالثة، وهم من تلاميذ أبي مخنف؛ فيكون أبو مخنف في الطبقة التي فوقهم، مع أنّه لا مانع من أن يندرج في طبقات أعلى أيضاً لو احتملنا طول عمره وأنّه قد ولد في خمسينيّات القرن الهجري الأول، كما احتملنا ذلك عند الحديث عن ولادته ونشأته.

وقد صنف أبو مخنف كُتُباً كثيرة يطول تعدادها، وقد ذكرها النجاشي في رجاله[51]، وابن النديم في فهرسته[52]، والحموي في معجمه[53]، والصفدي في وافيه[54]، منها: كتاب المغازي، كتاب السقيفة، كتاب الردّة، كتاب فتوح الإسلام، كتاب فتوح العراق، كتاب فتوح خراسان، كتاب الشورى، كتاب قتل عثمان، كتاب الجمل، كتاب صفّين، كتاب النهر، كتاب الحكمين، كتاب الغارات، كتاب مقتل أمير المؤمنين عليه السلام، كتاب قتل الحسن عليه السلام، كتاب قتل الحسين عليه السلام، كتاب مقتل حجر بن عدي، كتاب أخبار زياد، كتاب أخبار المختار، كتاب أخبار الحجاج، كتاب أخبار مطرف بن المغيرة بن شعبة، كتاب أخبار آل مخنف بن سليم، كتاب أخبار الحريث بن أسد الناجي وخروجه.

إلا أن كُتُب أبي مخنف ومصنفاته قد أُبيدت عن بكرة أبيها، ولم يتبقَّ منها سوى ما نقلته الموسوعات التاريخيّة المتأخِّرة عن عصر أبي مخنف، كموسوعة تاريخ الرسل والملوك للطبري (ت 310ﻫ) التي نقلت عن أبي مخنف ما ينيف على (٥٠٠) رواية في موضوعات مختلفة، حيث تحتلّ الروايات التي تتحدَّث عن عهد خلافة الإمام علي عليه السلام المرتبة الأُولى، فقد بلغت (١٢٦) رواية، تعقبها (١١٨) رواية حول حادثة كربلاء، و(١٢٤) رواية تناولت ثورة المختار[55].

وقد حاول العديد من الباحثين والمحققين إحياء تراث أبي مخنف؛ من خلال استخراج مروياته من بطون المدوَّنات التاريخيّة: كمحاولة حسن الغفاري، ومحمد هادي اليوسفي الغروي في إحيائهما كتاب مقتل الحسين عليه السلام لأبي مخنف، حيث كتب الأول مقتل الحسين عليه السلام وكتب الآخر وقعة الطفّ، وكلاهما متّخذان من تاريخ الطبري، ومحاولة جليل تاري في كتابه (حقائق السقيفة في دراسة رواية أبي مخنف) الذي حاول فيها إحياء كتاب السقيفة على ما يبدو، ومحاولة الباحث السعودي يحيى اليحيى في دراسته المسماة بـ(عصر الخلافة الراشدة) والتي حاول أن يدرس فيها ـ دراسة نقدية ـ مرويات أبي مخنف في تاريخ الطبري، والمختصّة بهذه الحقبة.

4 ـ مذهبه ومعتقده

إنّ التأمّل في مرويات أبي مخنف، وما نقله من فضائل ومحاسن أهل البيت عليه السلام، ومثالب وقبائح أعدائهم، وتركيزه البالغ على تاريخ التشيّع هو الذي قاد بعض الباحثين والمحققين إلى القول بإماميته.

كما أنّ التأمّل في مرويات أُخرى لأبي مخنف تتقاطع مع الإيمان بعصمة الأئمّة عليهم السلام هو الذي أرغم بعض الباحثين والمحققين على التوقّف عن القول بإماميته[56].

والذي يبدو لي ـ بعد الوقوف طويلاً على هذا الموضوع ـ أنّ أبا مخنف لم يكن إمامياً، وإنّما كان شيعياً بالمعنى العام للتشيّع، والمساوي للميل والمودّة الشديدة لأهل البيت عليهم السلام، وهذا ما صرّح به ابن أبي الحديد المعتزلي (ت 655ﻫ) بقوله: «وأبو مخنف من المحدِّثين، وممَّن يرى صحّة الإمامة بالاختيار، وليس من الشيعة ولا معدوداً من رجالها»[57].

وهذا الكلام ذكره ابن أبي الحديد بعد أن نقل عن أبي مخنف أشعاراً وأراجيز تضمنت أنّ علياً عليه السلام وصي رسول الله صلى الله عليه وآله، ومن المعلوم أنّ الوصية لديهم لا تساوي الاستخلاف.

 قال ابن أبي الحديد: «أمّا الوصية، فلا ريب عندنا أنّ علياً عليه السلام كان وصي رسول الله صلى الله عليه وآله وإن خالف في ذلك مَن هو منسوب عندنا إلى العناد، ولسنا نعني بالوصية النصّ والخلافة، ولكن أُموراً أُخرى لعلّها ـ إذا لمُحت ـ أشرف وأجل»[58].

ومن هنا؛ فإنّ تعجّب المامقاني من نفي ابن أبي الحديد لإمامية أبي مخنف في غير محلّه حينما قال: «والعجب العجاب أنّ ابن أبي الحديد نطق بما سمعت، بعد أن روى أشعاراً في أنّ علياً عليه السلام وصيّ رسول الله صلى الله عليه وآله»[59]؛ إذ لا منافاة بين القول بالوصية وبين القول بأنّ صحّة الإمامة بالاختيار، بحسب تفسير القوم لمفهوم الوصية.

والقول بعامّية أبي مخنف هو ما يظهر من الشيخ المفيد (ت 413ﻫ) أيضاً في كتابه الجَمَل؛ فبعد أن نقل أخبار الجَمَل عن أبي مخنف وغيره من المؤرِّخين، قال: «فهذه جملة من أخبار البصرة ـ وسبب فتنتها ومقالات أصحاب الآراء في حُكم الفتنة بها ـ قد أوردناها على سبيل الاختصار، وأثبَتنا ما أثبَتنا من الأخبار عن رجال العامّة دون الخاصّة، ولم نثبت في ذلك ما روته كتب الشيعة»[60].

ومن المعلوم أن الشيخ المفيد من متقدِّمي علمائنا، وهو أخبر بحال أبي مخنف، ومن المرجّح أنّه استند في الحكم بعامّيته على شواهد حسّية، وليست حدْسية.

ويمكن تأكيد هذا الرأي ودعمه بعدّة قرائن ـ وإن كانت جميعاً قابلةً للنقاش ـ:

القرينة الأُولى: قد يُستدلّ على عدم تشيّع أبي مخنف بالمصطلح الخاصّ للتشيّع بندرة روايته عن الأئمّة عليه السلام، مع معاصرته لأربعة منهم هم: السجّاد، والباقر، والصادق، والكاظم عليهم السلام؛ «وهذا ممّا قد يدلّنا على أنّه لم يكن شيعيّاً، ومن صحابة الأئمّة عليهم السلام بالمعنى المصطلح الشيعي الإمامي، الذي يعبّر عنه العامّة بـ (الرافضي)، وإنّما كان شيعيّاً في الرأي والهوى كأكثر الكوفيّين، غير رافض لمذهب عامّة المسلمين آنذاك»[61].

ولكن هذه القرينة قابلة للنقاش، فإنّ ندرة الرواية عن الأئمّة عليهم السلام ليست بالضرورة مباينة للتشيّع بالمصطلح الخاصّ له، كما أنّ كثرة الرواية عنهم عليهم السلام، ليست مساوية له أيضاً، وإنّما الصحيح أنّ النسبة بين ندرة الرواية وعدم التشيّع هي (العموم والخصوص من وجه)؛ فقد يكون الراوي مقلّاً وهو من الشيعة بالمصطلح الخاصّ، وقد يكون الراوي مكثراً وهو ليس منهم، والنماذج على ذلك كثيرة يمكن استخراجها بسهولة من كُتب الرجال.

القرينة الثانية: قال اليوسفي الغروي: «وقد يكون ممّا يؤيد هذا [يعني كونه غير إمامي]: أنّ أحداً من العامّة لم يرمِه بالرفض، كما هو المعروف من مصطلحهم: أنّهم لا يقصدون بالتشيّع سوى الميل إلى أهل‏ البيت عليهم السلام، وأمّا مَن علموا من اتّباع أهل البيت عليهم السلام في مذهبه فإنّهم يرمونه بالرفض لا التشيّع فحسب، وهذا هو الفارق في مصطلحهم بين الموردين»[62].

ويمكن أن يناقش في ذلك من جهتين:

الجهة الأُولى: إنّ قوله: «إنّ أحداً من العامّة لم يرمِه بالرفض». غير تامّ؛ فقد وصفه الذهبي بذلك في كتابه تاريخ الإسلام، فقال: «أبو مخنف الكوفي الرافضي الأخباري صاحب هاتيك التصانيف»[63].

الجهة الثانية: إنّ تفسيره للتشيّع ـ عند العامّة ـ بالميل إلى أهل البيت عليهم السلام غير دقيق، والصحيح أنّ التشيّع في اصطلاحهم: تارة يُستخدم بمعنى الميل إلى أهل البيت عليهم السلام، وهذا لا يؤدّي إلى ردّ الرواية لديهم، وأُخرى يستخدم بما يساوي الإيمان بالإمامة، وهذا ما يُطلق عليه أيضاً الرفض، وهو ما يؤدّي إلى ردّ الرواية عندهم.

ويمكن القول: إنّ إطلاق لفظة (الشيعي) على أبي مخنف هي بالمعنى الثاني دون الأول، وذلك لعدّة شواهد:

الشاهد الأول: إنّ ابن عدي قبل أن يصف أبا مخنف بكونه (شيعيّاً) قدَّم هذه العبارة: «حدَّث بأخبار مَن تقدَّم من السلف الصالحين، ولا يبعد منه أن يتناولهم». ثمَّ قال ـ بلا فصل ـ: «وهو شيعي محترق»[64]، فإنّ الدليل لديهم على تشيّعه هو تناوله لسلفهم ونقله لمخازيهم ومثالبهم، فهذا شاهد على أنّ تشيّعه بمعنى الرفض لا الميل.

الشاهد الثاني: لو كان تشيّعه بمعنى الميل لما أدّى ذلك إلى ردّ روايته، مع أنّهم أجمعوا على ردّها، فيشهد هذا على أنّ تشيّعه بمعنى الرفض.

الشاهد الثالث: ما نقلناه من وصف الذهبي له بـ(الرافضي)، فإنّه قرينة على أنّ مراد أسلافه من تشيّع أبي مخنف هو التشيّع بمعنى الرفض لا مجرّد الميل.

القرينة الثالثة: قال التستري: «ولم يذكره [أي: لم يذكر أبا مخنف] ابنُ قتيبة وابن النديم في الشيعة، مع عقد باب في كتاب كلٍّ منهما للشيعة، ولو كان إمامياً لأشار إليه أحدهم، بل ظاهر سكوتهم عامّيته»[65].

وهذه القرينة لا تصمد أمام النقاش أيضاً لـمَن خبر منهجي ابن قتيبة وابن النديم في كتابيهما المعارف والفهرست، فإنّهما لم يقسّما أبحاث كتابيهما تقسيماً منطقياً يمنع من تداخل الأقسام، فليس هناك أساس واحد قُسِّمت على ضوئه المباحث، كما أنّهما لم يقصدا الاستيعاب في كلِّ قسم.

فلو أتينا إلى كتاب المعارف لابن قتيبة لوجدنا أبا مخنف مذكوراً في باب (النسّابون وأصحاب الأخبار)[66]، ثمَّ بعد ذلك دخل في تعداد الفِرَق، وذُكر من ضمن الفِرَق (الشيعة)، وذكر (42) رجلاً ممَّن يُحسَبون على التشيّع[67]، وأهمل العديد من الشخصيات المعاصرة لهؤلاء المذكورين، فهل يُعدُّ إهمالهم قرينة على عدم تشيّعهم؟!

وحينما نأتي إلى كتاب الفهرست لابن النديم نجده قد قسَّم كتابه على عشر مقالات، وجعل المقالة الثالثة (في أخبار الأخباريين والنسّابين وأصحاب الأحداث والآيات)، وقسّمها على ثلاثة فنون، فجعل الفنّ الأول (في أخبار الأخباريين والنسّابين وأصحاب السِّيَر والأحداث وأسماء كتبهم)، بغضّ النظر عن اتّجاهاتهم وميولهم العقدية والمذهبية، ثمّ ذكر (أبا مخنف) كأحد أعمدة هذا الفنّ[68].

ولم يخصص ابن النديم بعد ذلك باباً خاصّاً بعلماء الشيعة بمختلف تخصصاتهم في العلوم، لكي يكون إهمال أبي مخنف وعدم ذكره في هذا الباب قرينة على عدم تشيّعه كما زعم التستري، وإنّما خصص الفنّ الثاني من المقالة الخامسة (في أخبار متكلمي الشيعة والإمامية والزيدية)، ثمَّ خصص الفنّ الخامس من المقالة السادسة (في أخبار فقهاء الشيعة وأسماء كتبهم)[69].

ومن المعلوم أنّ أبا مخنف ليس من حملة هذين الفنين لكي يكون إهماله مؤشراً على عدم تشيّعه.

وهناك قرائن أُخر يمكن أن يُستفاد منها عدم إمامية أبي مخنف صرفنا النظر عنها خوفاً من الإطالة.

وخلاصة القول في مذهب أبي مخنف ومعتقده: إنّه كان شيعيّاً بالمعنى العام للتشيّع، وأمّا إماميته فلم يقم عندنا دليل قاطع عليها، ولم يصرِّح بها أحد من علمائنا المتقدِّمين.

5 ـ وثاقته وعدالته

بالرغم من الخلاف الذي أشرنا إليه حول مذهب أبي مخنف ومعتقده، غير أنّ الطائفة تكاد تتّفق كلمة رجالييها على قبول مروياته الفقهية، فضلاً عن التاريخية.

ولعل الأصل في ذلك هو قول شيخ الرجاليين النجاشي فيه: «أبو مخنف شيخ أصحاب الأخبار بالكوفة ووجههم، وكان يُسكن إلى ما يرويه»[70].

وهذا الذي قاله النجاشي يوافقه عليه أغلب الرجاليين: كالعلّامة الحلي(ت726ﻫ) في خلاصة الأقوال[71]، والتفرشي في نقد الرجال[72]، والسيد البروجردي (ت1313ﻫ) في طرائف المقال[73]، والمحقق السيد الخوئي في معجم رجال الحديث[74]، والشبستري في كتابه (الفائق في رواة وأصحاب الإمام الصادق عليه السلام)[75].

فجميع هؤلاء وغيرهم قد نعتوه بما نعته به النجاشي في قوله: «وكان يُسكن إلى ما يرويه»، مع أنّ شيخ الطائفة قد أهمل أبا مخنف، ولم يحكم عليه بجرح ولا تعديل، غير أنّ ذلك لم يمنع أغلب الرجاليين من متابعة رأي النجاشي فيه، وذلك لسببين:

السبب الأول: إنّ الطوسي وإن لم يوثق أبا مخنف، إلّا أنّه لم يطعن عليه أيضاً، ولم يقل: إنّه مجهول الحال، والمهمَل غير المجهول، الذي صرح علماء الرجال بجهالة حاله، فالمهمَل لا توصف روايته بضعف أو صحّة أو توثيق أو حسن، ما لم تتبيّن حاله من جهة تتبّع القرائن والمؤشرات، وقد كان ابن داود يعمل بخبر المهمَل كما يعمل بخبر الممدوح[76].

السبب الثاني: لو تنزّلنا وقلنا: بأنّ سكوت الطوسي يُعدّ جرحاً بأبي مخنف، فإنّنا في هذه الحالة سنقدِّم رأي النجاشي على رأي الشيخ أيضاً؛ وذلك لاتّفاقهم على تقديمه عند المعارضة، «بل الظاهر منهم تقديم قوله ولو كان ظاهراً على قول غيره من أئمّة الرجال في مقام المعارضة في الجرح والتعديل، ولو كان نصّاً»[77].

قال الشهيد الثاني: «وظاهر حال النجاشي أنّه أضبط الجماعة، وأعرفهم بحال الرجال»[78].

وقال حفيده الشيخ محمد بن الشيخ حسن بن الشهيد الثاني ـ بعد ذكر كلامي النجاشي والشيخ في سماعة ـ: «... والنجاشي يُقدَّم على الشيخ في هذه المقامات، كما يعلم بالممارسة»[79].

وقال الميرزا محمد الإسترابادي ـ في ترجمة سليمان بن صالح الجصاص ـ: «ولا يخفى تخالف ما بين طريقي الشيخ والنجاشي، ولعل النجاشي أثبت»[80].

بقيت نكتة مهمّة ينبغي أن يشار إليها: وهي أنّ عبارة «وكان يُسكن إلى ما يرويه» تُعدّ من ألفاظ المدح من المرتبة الثانية عند الدرائيين[81]، والمعروف عند الرجاليين والدرائيين ـ منا ـ أنّ الراوي الممدوح تُعتبر مروياته من قسم الحسن إن كان إمامياً، ومن قسم الموثَّق إن كان على غير نهج الإمامية، وفي ضوء الخلاف المتقدِّم حول عقيدة أبي مخنف؛ فإنّ أحاديثه تكون إما من قسم الحسن لـمَن يرى إماميته، وإما من قسم الموثّق لمن يرى عامّيته، وممّا يهوِّن الخطب أنّ كليهما ممّا يُحتجّ به.

هذا كلّه في رجالنا، وأمّا أهل السنّة فقد أجمع أئمّة الرجال منهم على تضعيفه وترك روايته.

قال يحيى بن معين: «ليس بثقة»، وقال مرّة: «ليس بشيء»، وقال أبو حاتم الرازي: «متروك الحديث»، وقال الدارقطني: «ضعيف»[82].

وقال ابن عدي ـ بعد أن نقل رأي يحيى بن معين في أبي مخنف ـ: «وهذا الذي قاله ابن معين يوافقه عليه الأئمّة؛ فإنّ لوط بن يحيى معروف بكُنيته وباسمه. حدَّث بأخبار مَن تقدَّم من السلف الصالحين، ولا يبعد منه أن يتناولهم، وهو شيعي محترق صاحب أخبارهم...»[83].

وبهذا يتّضح السبب الذي تركوا حديث أبي مخنف من أجله؛ وهو ميله ومودّته لأهل البيت عليهم السلام من جانب، ونقله لمثالب ومخازي أعدائهم من جانب آخر.

ومع هذا الإعراض عن مرويات أبي مخنف فيما يخصّ الفقه والعقيدة، غير أنّهم قد اعتمدوا عليه اعتماداً منقطع النظير في مروياته التاريخية، لا سيما الطبري الذي شحن موسوعته التاريخية الكبرى بمرويات أبي مخنف.

قال عنه ابن كثير: «وهو أحد أئمّة هذا الشأن»[84]، وقال عنه أيضاً: «وقد كان شيعياً، وهو ضعيف الحديث عند الأئمّة، ولكنّه أخباري حافظ، عنده من هذه الأشياء ما ليس عند غيره، ولهذا يترامى عليه كثير من المصنِّفين في هذا الشأن ممّن بعده»[85].

6ـ وفاته

توفِّي أبو مخنف سنة (157ﻫ) كما في تاريخ مولد العلماء ووفياتهم للربعي (ت279ﻫ)[86]، ومعجم الأُدباء للحموي (ت626ﻫ) [87]، وسير أعلام النبلاء[88]، وتاريخ الإسلام[89] للذهبي(ت748ﻫ)، والوافي بالوفيات لصلاح الدين الصفدي (ت764ﻫ)[90]، والذريعة للطهراني (ت1389ﻫ)[91]، والأعلام لخير الدين الزركلي الدمشقي (ت1396ﻫ)[92]، ومعجم المؤلفين لعمر كحالة (ت 1408ﻫ)[93]، وغير ذلك من مصادر ومراجع.

ولعل الجميع قد نهلوا هذا القول من مصدر واحد هو تاريخ مولد العلماء ووفياتهم للربعي (ت 279ﻫ)؛ نظراً لكونه أقدم مَن صرّح بهذا القول بحسب تتبّعنا للمصادر والمراجع التي تعرَّضت لوفاة أبي مخنف.

وفي قبال هذا القول يوجد قولان ضعيفان، وغير مشهورين:

القول الأول: إنّه توفّي قبل سنة (170ﻫ)، وهو قول الذهبي في ميزان الاعتدال[94]، ويلاحظ عليه:

1ـ إنّه لم يذكر الحادثة التي بسببها استنتج كون وفاته قبل سنة (170ﻫ)، وهذا الإشكال لا يرد على أصحاب القول الأول؛ لأنّهم قد استندوا إلى قول الربعي المتوفّى عام 279ﻫ، وهو يحكم عن حسٍّ لا عن حدْس، فإنّه لا يفصله عن أبي مخنف سوى طبقة واحدة، فهو من طبقة تلاميذ تلاميذ أبي مخنف، أو قل: هو من أقران أحفاده، بخلاف الذهبي (ت748ﻫ)، الذي يفصله عن أبي مخنف قرابة خمسة قرون.

2ـ إنّه مخالف لما اشتُهر من كون وفاته سنة (157ﻫ)، بل هو مخالف لما ذهب إليه الذهبي نفسه في سير أعلام النبلاء وتاريخ الإسلام كما مرّ.

القول الثاني: إنّه توفّي سنة (175ﻫ)، ذكر ذلك إسماعيل باشا البغدادي (ت1339ﻫ)، ولم يُشر إلى مستنده في هذا القول، ولولا أنّه قد أكد على ذلك ثلاث مرّات، مرّتين في إيضاح المكنون[95]، ومرّة واحدة في هدية العارفين[96]، ولولا أنّه قد ذكر ذلك (رقماً وكتابةً) في المواضع الثلاثة، لولا ذلك لقلنا: بحصول تصحيف للتشابه الكبير بين الرقم (175) والرقم (157).

البحث الثاني: كتابه (مقتل الحسين عليه السلام)

الحديث حول مقتل أبي مخنف حديث ذو شجون، والإحاطة به من جميع الجهات يحتاج إلى بحث مستقلّ ودراسة مفردة؛ ولذا سنحاول أن نتحدَّث بإيجاز عن عدّة أُمور أساسية ورئيسية حول هذا المقتل:

الأمر الأول: إنّه لا ريب ولا شبهة في أنّ أبا مخنف قد كتب كتاباً حول واقعة الطف أسماه مقتل أو قتل الحسين عليه السلام.

فقد ذكره ابن النديم (ت  438ﻫ) في قائمة كتبه، وذكر أنّ اسمه مقتل الحسين عليه السلام[97]، ولعل ابن النديم هو أقدم مَن نصّ على وجود كتاب لأبي مخنف في مقتل الحسين عليه السلام.

وذكره النجاشي (ت 450ﻫ) كذلك في قائمة مصنفاته، وذكر أنّ اسمه قتل الحسين عليه السلام، ثمَّ ذكر طريقه إلى هذا الكتاب وسائر كتب أبي مخنف، فقال: «أخبرنا أحمد بن علي بن نوح، قال: حدَّثنا عبد الجبار بن شيران الساكن بنهر جطا (خطى)، قال: حدَّثنا محمد بن زكريا بن دينار الغلابي، قال: حدَّثنا عبد الله بن الضحاك المرادي، قال: حدثنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي، عن أبي مخنف»[98].

وقد ذكره الطوسي(ت460ﻫ) أيضاً في الفهرست، وذكر أنّ اسمه مقتل الحسين عليه السلام، ثمَّ ذكر طريقه إلى مصنفات أبي مخنف بما فيها كتاب المقتل، فقال: «أخبرنا بها أحمد بن عبدون، والحسين بن عبيد الله جميعاً، عن أبي بكر الدوري، عن القاضي أبي بكر أحمد بن كامل، عن محمد بن موسى بن حماد، عن ابن أبي السري محمد، قال أخبرنا هشام بن محمد الكلبي، عنه...»[99].

ثمَّ جاء بعدهما ابن شهر آشوب(ت 588ﻫ) فأكَّد لنا وجود هذا الكتاب في قائمة كتب أبي مخنف، فقال ـ بعد التعريف بأبي مخنف ـ: «له كُتُب كثيرة في السير، كمقتل الحسين عليه السلام»[100].

وممّن ذكره أيضاً الحموي (ت 626ﻫ) في معجم الأدباء، وهو يذكر ذلك عن محمد بن إسحاق[101].

فهذه أهمّ النصوص الأصيلة الموجودة في هذا المجال، وقد اخترناها من أشهر المصادر في عالم الفهارس ومعاجم المؤلفات، وجميعها صرحت بوجود كتاب لأبي مخنف في مقتل الحسين عليه السلام، وهناك نصوص أُخرى صرحت بوجود هذا الكتاب في قائمة أبي مخنف، ولكنّها بأجمعها تنهل من المصادر التي ذكرناها.

الأمر الثاني: ذهب بعض الباحثين إلى القول: بأنّ مقتل أبي مخنف هو أقدم المقاتل الحسينيّة وأسبقها.

قال محمد مهدي شمس الدين: «فكُتُب المقتل تصلح أن تكون موضوعاً لدراسة علمية واسعة وعميقة تشتمل على تاريخ نشوء هذا النوع من كتابة التاريخ وتطوره، ومنهجه ومحتوياته، ونوعيات المؤلفين، والأُسلوب الذي كتب به، وتطور هذا الأُسلوب خلال العصور، وعلاقة هذا الأُسلوب بلغة الكتابة في المجالات الأُخرى، واللغات التي كتبت بها (العربية، والفارسية، والتركية، والأردو، وغيرها) والمحتوى الشعري لهذه الكتب التي بدأت ـ فيما نحسب ـ بأبي مخنف ولم تنته بعد...»[102].

 وقال اليوسفي الغروي: «وكذلك بقيت هذه الحادثة الأليمة في سنة 61ﻫ، أحاديث شجون تتناقلها الألسن نقلاً عن الذين كانوا قد شهدوا المعركة، أو الحوادث السّابقة عليها أو التالية لها، كسائر أحاديث المغازي والحروب في الإسلام... حتّى انبرى لها في أوائل المئة الثانية للهجرة أبو مِخْنف، لوط بن يحيى بن سعيد بن مِخْنف بن سليم الأزدي الغامدي الكوفي (ت 158ﻫ)، فجمعها من أفواه الرواة وأودعها كتاباً أسماه: (كتاب مقتل الحسين عليه السلام) كما في قائمة كُتبه. فكان أوّل كتاب في تاريخ هذه الحادثة العظمى على الإطلاق»[103].

ونحن لا نوافق ما ذهب إليه هذان المحققان وغيرهما، فقد أثبتنا ـ في بحوثنا السابقة ـ أنّ أول مَن كتب في المقتل الحسيني هو الأصبغ بن نباتة، ثمَّ جاء بعده جابر بن يزيد الجعفي، ثمَّ جاء بعدهما عمّار الدهني، فلا يكون أبو مخنف هو أول مَن كتب في المقتل الحسيني، وإن جرى ذكر ذلك على بعض الألسن.

الأمر الثالث: إنّ مقتل أبي مخنف مفقود، ولم يصل إلينا منه إلا ما انتقل إلينا عِبر مطاوي الكتب، وفي ضوئه؛ فإنّ المقتل المتداول بين الناس والمنسوب لأبي مخنف، ليس له بإجماع المحققين.

يقول السيد عبد الحسين شرف الدين: «ولا يخفى أنّ الكتاب المتداول في مقتله عليه السلام، المنسوب إلى أبي مِخْنف قد اشتمل على كثير من الأحاديث التي لا علم لأبي مِخْنَف به، وإنّما هي مكذوبة على الرجل، وقد كثرت عليه الكذّابة وهذا شاهد على جلالته»[104].

ويقول الشيخ عباس القمّي: «وليعلم أنّ لأبي مِخْنف كُتُباً كثيرةً في التاريخ والسير، منها كتاب: مقتل الحسين عليه السلام الذي نقل عنه أعاظم العلماء المتقدِّمين واعتمدوا عليه... ولكن للأسف أنّه فُقد ولا يوجد منه نسخة، وأمّا المقتل الذي بأيدينا ويُنسب إليه، فليس له، بل ولا لأحد من المؤرِّخين المعتمدين، ومَن أراد تصديق ذلك، فليقابل ما في هذا المقتل وما نقله الطبري وغيره عنه حتّى يعلم ذلك، وقد بيّنت ذلك في نفس المهموم، في طرمّاح بن عدي، والله العالم»[105].

ويقول اليوسفي الغروي: «تتداول الأيدي والمطابع في هذه العهود المتأخّرة كتاباً في مقتل الحسين عليه السلام، نُسب إلى أبي مخنف، ومن المعلوم الواضح أنّه ليس لأبي مخنف، وإنّما هو من جمعِ جامعٍ غير أبي مخنف، ولا يُدرى بالضبط متى؟ وأين؟ وممّن وجد هذا الكتاب؟ ومتى طبع لأول مرّة؟» [106].

 أقول: ولكن صاحب الذريعة قد صرّح بأنّ الطبعة الأُولى لهذا المقتل كانت على الحجر في بمبئي منضمّاً إلى المجلد العاشر من(البحار) في سنة 1287ﻫ [107].

ثمَّ أُعيدت طباعته على الحجر مرّتين: الأُولى في بمبئي عام 1326ﻫ، منضمّاً إلى مثير الأحزان واللهوف، كما نصّ على ذلك التبريزي في مرآة الكتب[108]، والأُخرى في النجف الأشرف عام 1353ﻫ، كما صرح بذلك الأميني في معجم المطبوعات النجفيّة[109].

وللمقتل المتداول علامتان أساسيتان يمكن معرفته من خلالهما:

العلامة الأُولى: من خلال العنوان؛ حيث إنّ هذه النسخة عادة ما تُطبع بعنوان (مقتل الحسين عليه السلام ومصرع أهل بيته وأصحابه في كربلاء).

العلامة الأُخرى: من خلال الكلمات الأُولى فيه؛ حيث يبدأ بهذه الكلمات: «قال أبو مخنف: حدَّثنا أبو المنذر هشام بن محمد بن السائب الكلبي...».

وهذه الكلمات هي أول مؤاخذة على هذا المقتل؛ فإنّ أبا مخنف هو شيخ هشام بن محمد وأُستاذه، فكيف يصح أن يحدِّث الأستاذ عن التلميذ؟!

الأمر الرابع: أشرنا في الأمر السابق إلى أنّ الباحثين المحققين قد أجمعوا على ضياع مقتل أبي مخنف، وأنّه لم يصلنا منه إلّا ما نقله المؤرِّخون عن هذا المقتل، والمعروف بين المحققين أنّ أقدم نصٍّ نقل مرويات هذا المقتل هو كتاب تاريخ الرسل والملوك للطبري (ت310ﻫ).

يقول اليوسفي الغروي: «وأقدم نصّ معروف لدينا ممّن نقل أحاديث هشام الكلبي في كتابه عن أبي مِخْنَف هو: تاريخ أبي جعفر محمّد بن جرير الطبري (310ﻫ)، وهو لمْ يُفرِد لها تأليفاً خاصّاً، وإنّما ذكر الوقعة في أثناء تاريخه لحوادث سنة (60 ـ 61ﻫ)»[110].

ويقول حسن غفاري: «... أردت أن أجمع الأخبار الواردة في مقتل مولانا الشهيد أبي عبد الله الحسين ـ روحي له الفداء ـ بحيث كان كلّ مَن نظر فيه وتأمّل في مضامينه أغناه عن الرجوع إلى سائر المقاتل، وبينا أنا كنت مشغولاً بذلك بان لي أنّ من جملة المقاتل التي استندوا إليها ونقلوا عنها مقتل أبي مخنف المشهور بين الخواصّ والعوام، ونقل مهرة الفنّ عنه في زبرهم القديمة، كمحمد بن جرير الطبري في كتابه تاريخ الأُمم والملوك...»[111].

ويتكوّن مقتل أبي مخنف المستخرَج من تاريخ الطبري ـ بحسب ما حققه اليوسفي الغروي ـ من 65 حديثاً مسنداً[112]، رواها أبو مخنف بالمباشرة وبالواسطة عن 39 راوياً، وقد وضع اليوسفي الغروي ستّ قوائم تفصيليّة بأسماء الرواة الوسائط بين أبي مخنف والأحداث، ووضع أمام اسم كلّ راوٍ منهم الحديث الذي رواه، فكانت هذه القوائم هي في حدّ ذاتها فهرستاً لأحاديث الكتاب أيضاً[113]. وتتوّزع هذه الأحاديث المتناثرة في الطبري على حوادث المعركة وما قبلها وما بعدها، بشكل يغطّي أكثر التفاصيل، ويجيب على أغلب التساؤلات التي تشغل الباحث؛ ومن هنا أمكن إعادة تنسيقها وتشكيلها بحسب التسلسل الزمني للأحداث والخروج بمقتل متكامل أو شبه متكامل.

ولذا؛ قام المحققان الميرزا حسن الغفاري والشيخ اليوسفي الغروي بالتصدّي لإحياء مقتل أبي مخنف من خلال العمل على استخراج روايات أبي مخنف من تاريخ الطبري، ثمَّ تنسيقها بحسب تسلسل الأحداث ووضعها في كتاب مفرد يكون بديلاً للطبعة المتداولة بين الناس.

فكتب الأول مقتل الحسين عليه السلام، وكتب الثاني وقعة الطفّ، وكلاهما مستخرَجان من تاريخ الطبري.

طريق الطبري إلى مقتل أبي مخنف

طريق الطبري إلى مقتل أبي مخنف هو أبو المنذر هشام بن محمد بن السائب الكلبي، الكوفي (ت 206ﻫ).

ولا ريب في أنّ الطبري لم يتّصل بهشام بن محمد، فقد توفّي الأخير قبل ولادة الطبري بحوالي 18 عاماً، ومع ذلك نجد أنّ الطبري ـ في أحداث سنتي 60 ـ 61 ﻫ ـ يسند مروياته إلى هشام من دون أن يذكر الواسطة بينهما، ويمكن أن نتصوّر في هذا الخصوص ثلاث فرضيات:

الفرضية الأُولى: أن نقول بانقطاع السند بين الطبري وهشام الكلبي؛ وبالتالي سنحكم على مجموع روايات الطبري عن أبي مخنف بالإرسال؛ فتكون ضعيفة بحسب المقاييس الفقهية؛ لأنّنا نجهل الواسطة بينهما.

ولو أردنا أن نتكلّم بلغة مبسَّطة وواضحة للجميع نقول: بما أنّنا نجهل الواسطة التي نقلت مقتل أبي مخنف من هشام إلى الطبري، فلا يمكننا الجزم بنسبة هذا المقتل إلى أبي مخنف، فلا تكون قيمته التاريخية أفضل من المقتل المتداول.

الفرضية الثانية: ما ذكره اليوسفي الغروي ومفاده: أنّ الطبري كان يمتلك نسخة من مقتل أبي مخنف، فكان ينقل من الكتاب بشكل مباشر، وكان يعزز ذلك بمرويات من هذا المقتل، وردت إليه عن طريق تلميذه هشام، ولا يعيِّن لنا مَن حدَّثه عن هشام[114].

وعلى ضوء هذه الفرضية؛ يكون دور هشام بن محمد دوراً هامشياً، والمصدر الأساسي الذي اعتمده الطبري هو كتاب مقتل أبي مخنف نفسه.

وممّا يعزّز هذه الفرضية، أنّ الطبري كثيراً ما يتجاوز هشام ويحدِّث عن أبي مخنف بالمباشرة، فيقول ـ مثلاً ـ: «وقال: أبو مخنف».

الفرضية الثالثة: ـ وهو ما توصلنا إليه في المقام ـ فنحن نرى أنّ طريق الطبري إلى هشام بن محمد معروف، فإنّ الطبري يروي عن الحارث بن محمد (ت 282ﻫ)[115]، عن محمد بن سعد صاحب الطبقات (ت 230ﻫ)، عن هشام بن محمد، عن أبي مخنف.

 وليس للطبري طريق إلى هشام غير ما ذكرنا، وقد صرَّح الطبري بذلك في ستّة موارد في الجزء الأول من تاريخه[116]، وبعد أن صار طريقه معروفاً إلى هشام بن محمد، بدأ يسند إلى هشام بن محمد بقوله  ـ مثلاً ـ : «حُدِّثتُ». بصيغة المبني للمجهول، وهذه الطريقة في الاختصار تُسمى في علم الرجال بـ(التعليق)، وهي طريقة معروفة بينهم، لا سيما بين المتقدِّمين.

قال صاحب المعالم في منتقى الجمان: «اعلم أنّه اتّفق لبعض الأصحاب توهم الانقطاع في جملة من أسانيد الكافي؛ لغفلتهم عن ملاحظة بنائه لكثير منها على طرق سابقة، وهي طريقة معروفة بين القدماء، والعجب أنّ الشيخ رحمه الله ربما غفل عن مراعاتها؛ فأورد الإسناد من الكافي بصورته ووصله بطرقه عن الكليني من غير ذكر للواسطة المتروكة؛ فيصير الإسناد في رواية الشيخ له منقطعاً، ولكن مراجعة الكافي تفيد وصله. ومنشأ التوهم الذي أشرنا إليه فقد الممارسة المطّلعة على التزام تلك الطريقة...»[117].

يقول جعفر السبحاني ـ حول طريقة الكليني في الإسناد ـ: «... قد يحذف الكليني صدر السند في خبرٍ مبتنياً على الخبر الذي قبله، وهذا ما يُعبَّر عنه في كلام أهل الدراية بالتعليق، فمثلاً يقول في الخبر الأول من الباب: علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن منصور بن يونس.. وفي الخبر الثاني منه: ابن أبي عمير، عن الحسن بن عطية، عن عمر بن يزيد. أو يقول في الخبر الأول من الباب: علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن أبي عبد الله صاحب السابري.. وفي الخبر الثاني منه: ابن أبي عمير، عن ابن رئاب، عن إسماعيل بن الفضل. وفي الخبر الثالث منه: ابن أبي عمير، عن حفص بن البختري، عن أبي عبد الله عليه السلام...»[118].

وعلى هذا الأساس ـ أيضاً ـ نفسِّر إسناد الطبري إلى أبي مخنف مباشرة؛ فإنّه لم يسند إليه إلّا بعد أن صار واضحاً أنّه يروي عنه بواسطة هشام.

وفي ضوء هذه الفرضية تتهاوى الفرضيتان السابقتان، وإن كنّا في الوقت نفسه لا نمانع من وصول كتاب مقتل أبي مخنف إلى الطبري، من خلال هذا الطريق عينه.

الأمر الخامس: أشرنا ـ فيما مضى ـ إلى أنّ أقدم نصٍّ تاريخي يحتوي على نقولات من مقتل أبي مخنف هو تاريخ الطبري، وهذا لا يعني أنّه النصّ الوحيد، فهناك العديد من النصوص التي اشتملت على مرويات من هذا المقتل، وهذه النصوص على أنواع:

النوع الأول: ما لم يكن طريقه إلى مقتل أبي مخنف يمرّ بالطبري، كالبلاذري (ت279ﻫ) في أنساب الأشراف، وابن أعثم الكوفي (ت نحو314ﻫ) في الفتوح، والمسعودي (ت345ﻫ) في مروج الذهب، وأبو الفرج الأصفهاني (ت356ﻫ) في مقاتل الطالبيين، وغيرهم ممّن نقل عن أبي مخنف عن غير طريق الطبري.

 ويمكن عدّ المفيد (ت413ﻫ) في الإرشاد، وسبط ابن الجوزي (ت654ﻫ) في التذكرة منهم؛ فإنّهما لا ينقلان عن مقتل أبي مخنف عن طريق الطبري على ما يبدو، ففي هذه الكتب وأمثالها يجد الباحث شذرات مبثوثة من هذا المقتل يمكن اقتصاصها وإضافتها إلى مقتل أبي مخنف المستخرَج من الطبري.

النوع الثاني: ما كان معتمداً على نسخة الطبري من المؤرخين المتأخرين عنه، كابن الأثير(ت630ﻫ) في الكامل في التاريخ، والذهبي (ت748ﻫ) في تاريخ الإسلام، وابن كثير(ت774ﻫ) في البداية والنهاية، وابن شهر آشوب (ت588ﻫ) في مناقب آل أبي طالب؛ فإنّ لكلّ واحد من هؤلاء طريقه الخاصّ إلى تاريخ الطبري، وبعض هذه النسخ غير مطابقة لنسخة الطبري المتداولة في بعض الموارد.

وبالتالي؛ فإنّ المتتبّع لا يعدم ـ من خلال المقارنة ـ من التقاط بعض العبارات الساقطة من تاريخ الطبري، وهي وإن كانت نادرة جداً إلّا أنّنا بحاجة إليها أيضاً، فلعل فيها سداً لثغرة مهمّة في التاريخ الكربلائي.

النوع الثالث: نسخ من مقتل أبي مخنف لا تتطابق مع نسخة الطبري، ولا مع الطبعة المتداولة، وأبرز نماذج ذلك نسختان:

1ـ نسخة القندوزي (ت1294ﻫ) في ينابيع المودّة:

فقد خصص الباب الحادي والستين من الجزء الثالث من كتابه لما أورده أبو مخنف، وعند المقارنة يتّضح للباحث عدم تطابق هذه النسخة مع النسخة الشائعة المتداولة ولا نسخة الطبري، كما اتّضح لنا عند التحقيق أنّ هذه النسخة لا يمكن أن تكون ملفّقة من النسختين لانفرادها بالعديد من الموارد، مع أنّه يقول في صدر الباب: «الباب الحادى والستّون في إيراد ما في الكتاب المسمى بـ(مقتل أبي مخنف)، الذي ذكر فيه شهادة الحسين وأصحابه مفصلاً...»[119].

وهذا النصّ صريح بأنّه ينقل عن كتابٍ كان لديه اسمه (مقتل أبي مخنف)؛ فتكون هذه نسخة ثالثة من مقتل أبي مخنف ينبغي للباحثين والمحققين أن يلتفتوا إليها.

2ـ نسخة إعجاز حسين النيسابوري الكنتوري (ت1286ﻫ):

قال في كشف الحجب والأستار عن أسماء الكتب والأسفار: «مقتل الحسين عليه السلام للوط بن يحيى بن سعيد بن مخنف (بكسر الميم وإسكان الخاء المعجمة وفتح النون) بن سالم الأزدي الغامدي أوله: قال أبو منذر هشام بن السائب الكلبي: أخبرنا أبو عبد الله بن الجاسر، قال أخبرنا أبو مخنف لوط بن يحيى الأزدي إلخ»[120].

ولا ريب في أنّ هذا المقتل الذي يتحدَّث عنه صاحب (كشف الحجب) غير المقتل المشهور؛ لأنّ أوله ـ كما مرَّ علينا ـ هكذا: «قال أبو مخنف: حدَّثنا أبو المنذر هشام بن محمد بن السائب الكلبي...».

وممّا لا بدّ أن يُشار إليه: هو أنّ صاحب (كشف الحجب) من العلماء المحققين والمنقِّبين في الآثار، حيث يقول عنه شهاب الدين الحسيني المرعشى النجفي: «واعلم أنّه سافر إلى العراق، وزار المشاهد المشرَّفة، واجتمع بعلمائها فأفاد واستفاد، وكثرت مجالسته مع العلّامة الحاج الميرزا حسين النوري شيخ مشايخنا في الرواية، وجمع هناك عدّة كُتب، ومن نفائس المخطوطات، فجاء بها إلى خزانة كُتب أخيه صاحب العبقات»[121].

ولا يخفى أنّ عصر صاحب (كشف الحجب) هو عصر اكتشاف الأُصول المندثرة، وقد اكتُشفت في هذه الفترة العديد من الكتب التراثية المفقودة[122]؛ ولذا لا نستبعد أن تكون نسخة صاحب (كشف الحجب) من بين تلك الأُصول المكتشفة في تلك الفترة، ولكنّنا مع شديد الأسف لا نعلم شيئاً عن مصير تلك النسخة.

إنّ هاتين النسختين ـ نسخة ينابيع المودّة، ونسخة كشف الحجب والأستار ـ هما أبرز نماذج نسخ مقتل أبي مخنف، التي لا تطابق نسخة الطبري، ولا النسخة المتداولة، ويظهر من خلال التأمّل في منقولات صاحب أسرار الشهادة عن مقتل أبي مخنف، ومقارنتها بالمقتل المتداول، ونسخة الطبري، وجود نسخ متعددة لمقتل أبي مخنف، ويبدو أنّ الدربندي كان ملتفتاً إلى ذلك، حيث يقول في بعض تلك الموارد: «وفي نسخة من نسخ كتاب أبي مخنف هكذا...»[123].

فهذه العبارة تدلّ بوضوح على تعدد نسخ مقتل أبي مخنف، وأنّ صاحب أسرار الشهادة كان ملتفتاً إلى هذا التعدد.

وفي ضوء هذه الحقائق التي ذكرناها؛ فإنّنا نرى أنّه يمكن ـ مع مضاعفة الجهود ـ أنّ يُكتب مقتل أبي مخنف بحجم أكبر من المقتل المستخرَج من تاريخ الطبري.

خاتمة بأهم نتائج البحث

في ختام بحثنا ـ حول أبي مخنف ومقتله ـ نرى أنّه من تمام البحث أن نقوم بتلخيص أهمّ النتائج التي خرجنا بها:

1ـ إنّ أبا مخنف لوط بن يحيى الكوفي الأزدي هو من أعلام القرنين الأول والثاني الهجريين.

2ـ كان أبو مخنف من كبار الأخباريين والمؤرِّخين في عصره، وقد اختصّ بتاريخ العراق والتشيّع في الفترة التي تلت رحيل النبي صلى الله عليه وآله إلى أواخر العصر الأُموي، وقد عُدَّ أعلم المؤرِّخين بتاريخ العراق والتشيّع فيما يخصّ هذه الفترة.

3ـ كان أبو مخنف شديد الولاء والمحبّة لأهل البيت عليه السلام، متجاهراً في نقل مخازي أعدائهم إلى الحدّ الذي أوهم بعض الباحثين بكونه إمامياً، مع أنّه لم يكن على مذهب أهل البيت عليهم السلام، ولكنّه لم يكن متعصباً.

4ـ تكاد تتّفق كلمة الرجاليين منّا على توثيق أبي مخنف، وقبول مروياته، وفي المقابل تكاد تتّفق كلمة مخالفينا على ترك أبي مخنف وتضعيفه، ومع ذلك فقد أجمع المؤرِّخون من الفريقين على عدم الاستغناء عنه فيما يخصّ مروياته التاريخيّة.

5ـ يُعتبر أبو مخنف من أهمّ مؤرِّخي واقعة الطف، ويُعتبر مقتله أشهر المقاتل الحسينيّة على الإطلاق، وقد جاءت هذه الأهمّية والشهرة ممَّا تضمنه هذا المقتل من تفاصيل تكاد تكون مفقودة في غيره، ومما سلكه من طريق علمي في جمع أخباره وتدوينها، وهو طريق الإسناد المعمول به بين المحدثين.

6ـ مقتل أبي مخنف مفقود في هذا العصر، ولم يتبقَّ منه سوى ما نقله المؤرِّخون المتأخرون عنه، وفي مقدمتهم الطبري في تاريخه الكبير، وأمّا النسخة المتداولة فهي منحولة عليه بإجماع المحققين.

7ـ تمكنّا من العثور على الواسطة المفقودة بين الطبري وهشام بن محمد الكلبي راوي مقتل أبي مخنف، وبذلك سددنا الطريق على مَن أراد أن يطعن بمرويات هذا المقتل بكونها مراسيل، ولا أتصور أنّ أحداً من الباحثين والمحققين قد سبقنا إلى هذه النتيجة المهمّة.

8ـ أثبتنا أنّ تاريخ الطبري ليس هو النصّ الوحيد المتضمِّن لمرويات أبي مخنف، وهذه النصوص بعضها لا يمرّ بالطبري، وينهل من أبي مخنف مباشرة، وبعضها ينهل من الطبري، ولكنّها تحتوي على زيادات غير موجودة في المطبوعة المتداولة، وبعضها عبارة عن نسخ من هذا المقتل لا تتطابق مع نسخة الطبري، والنسخة المتداولة؛ وبهذا نكون قد أعنَّا الباحثين والمحققين المختصّين في هذا الشأن على التوصل إلى إمكانية كتابة مقتل أبي مخنف بصورة أوسع من الصورة المستخرَجة من تاريخ الطبري.

 

 

 

 


[1]     القائني، محمد باقر، الكبريت الأحمر: ج1، ص43.

[2]     هو مولى الرباب بنت امرئ القيس الكلبية زوجة الحسين عليه السلام، وقد صاحب الحسين عليه السلام من المدينة إلى مكّة ومن مكّة إلى كربلاء، ولم يُفارقه حتى قتل عليه السلام، ولكنه لم يوفّق لنيل الشهادة بين يدي الإمام الحسين عليه السلام، ولم يكن له دورٌ قتالي أصلاً، وبعد انتهاء المعركة وقع في الأسر، فعرضوه على ابن سعد، فقال له: ما أنت؟ قال: أنا عبد مملوك. فخلّى سبيله، وأصبح بعد ذلك من رواة واقعة الطف، وقد حرص أبو مخنف على الاتّصال به والأخذ منه. هذا ما استفدناه من مواضع عدّة من تاريخ الطبري: ج4، ص260، وص313، وص347.

[3]     روى عنها أبو مخنف خبراً واحداً حول التحاق زوجها زهير بالحسين عليه السلام، وهو يرويه عنها مباشرة. اُنظر: الطبري، تاريخ الطبري: ج4، ص298.

[4]     اُنظر: المصدر السابق: ج4، ص281. وابن أبي حاتم، الجرح والتعديل: ج2، ص476: «جعفر بن حذيفة من آل عامر بن جوين بن عائذ بن قيس الجرمى، كان مع علي يوم صفين، روى عنه أبو مخنف لوط بن يحيى...»، وعدّه ابن حبان في الثقات. اُنظر: ابن حبان، ثقات ابن حبان: ج4، ص105.

[5]     اُنظر: الطبري، تاريخ الطبري: ج4، ص304.

[6]     ويحيى هذا وإن كان أبوه من رموز الثورة وقيادييها إلّا أنّ أُمّه روعة كانت أخت عمرو بن الحجاج، وكان مشدوداً إلى خاله، وكان معه في كربلاء في عسكر عمر بن سعد، وكان معه أيضاً في قتاله ضد المختار تحت إمرة عبد الله بن مطيع والي الكوفة من قِبَل ابن الزبير. اُنظر: المصدر السابق: ج6، ص331، وص504.

[7]     اُنظر: المصدر السابق: ج4، ص311، وص312، وص314، وص326، وص334، وص340، وص341، وص344، وص345، وص347.

[8]     وكانا مهتمّين بمتابعة أخبار النهضة، كما صرحا بذلك حيث قالا: «لما قضينا حجّنا لم يكن لنا همّة إلّا اللحاق بالحسين في الطريق لننظر ما يكون من أمره وشأنه». اُنظر: المصدر السابق: ج4، ص229.

[9]     اُنظر أخبارهما في تاريخ الطبري: ج4، ص289، وص290، وص299، وص300، وص302.

[10]       هكذا ضُبط في أكثر المصادر من الفريقين. اُنظر: الكلبي، نسب معد واليمن الكبير: ج2، ص482. ابن سعد، طبقات ابن سعد: ج1، ص787. الطبري، تاريخ الطبري: ج4، ص546. الطبري، المنتخب من ذيل المذيّل: ص47. ابن العديم، بغية الطلب في تاريخ حلب: ج8، ص3673. ابن عبد البرّ، الاستيعاب: ج4، ص1476. ابن حجر، الإصابة: ج6، ص46. ابن قتيبة، المعارف: ص537. ابن الأثير، اللباب في تهذيب الأنساب: ج1، ص529. ابن الأثير، أُسد الغابة: ج4، ص352. ابن حجر، تهذيب التهذيب: ج10، ص78. العيني، بدر الدين، مغاني الأخبار: ج3، ص408. الباباني، هدية العارفين: ج1، ص444. حسن زاده آملي، أضبط المقال في ضبط أسماء الرجال: ص119. القمّي، الكنى والألقاب: ج1، ص155.

[11]    كما في رجال النجاشي: ص320، مع أنّه عدّ من كُتبه بعد ذلك: كتاب أخبار مخنف بن سليم؛ ولذا احتمل بعض الباحثين أنّه من تصحيف النسّاخ، وممَّن تابع النجاشي في ذلك: العلّامة الحلّي في إيضاح الاشتباه: ص359، والتفرشي في نقد الرجال: ج4، ص74.

[12]    كما في معجم الأدباء للحموي: ج5، ص2252، وتابعه على ذلك: ابن شاكر في فوات الوفيات: ج3، ص325. وعبد السلام عباس الوجيه في معجم رجال الاعتبار وسلوة العارفين: ص262، وعمر كحالة في معجم المؤلفين: ج8، ص157.

[13]    ابن دريد، الاشتقاق: ص493.

[14]    اُنظر: السمعاني، أنساب السمعاني: ج1، ص180.

[15]    الجوهري، الصحاح: ج2، ص64. مادة (شنأ).

[16]    اُنظر: ابن الأثير، أُسد الغابة: ج2، ص397.

[17]    اُنظر: ابن سعد، طبقات ابن سعد: ج6، ص109.

[18]    اُنظر: الطبري، تاريخ الطبري: ج7، ص183.

[19]    اُنظر: الطوسي، رجال الطوسي: ص58.

[20]    اُنظر: ابن داود، رجال ابن داود: ص187.

[21]    اُنظر: الطبري، تاريخ الطبري: ج4، ص521.

[22]    اُنظر: المنقري، وقعة صفين: ص11.

[23]    المصدر السابق: ص104 ـ ص105.

[24]    المصدر السابق: ص105.

[25]    اُنظر: الطبري، تاريخ الطبري: ج5، ص133.

[26]    أبو مخنف، وقعة الطف: ص23، تحقيق محمد هادي اليوسفي الغروي.

[27]    الطبري، تاريخ الطبري: ج1، ص8.

[28]    اُنظر: ابن حجر، تهذيب التهذيب: ج10، ص78.

[29]    اُنظر: الطبري، منتخب ذيل المذيّل: ص47.

[30]    اُنظر: الطبري، تاريخ الطبري: ج5، ص133.

[31]    اُنظر: البلاذري، أنساب الأشراف: ج6، ص389.

[32]    اُنظر: المصدر السابق: ج6، ص398.

[33]    اُنظر: المصدر السابق: ج6، ص429.

[34]    اُنظر: الطبري، تاريخ الطبري: ج6، ص111ـ 112. ابن الجوزي، المنتظم: ج6، ص165.

[35]    اُنظر: الحموي، معجم الأدباء: ج5، ص2252، وتابعه على ذلك: ابن شاكر، فوات الوفيات: ج3، ص325. عبد السلام بن عباس الوجيه، معجم رجال الاعتبار وسلوة العارفين: ص262. عمر كحالة، معجم المؤلفين: ج8، ص157.

[36]    لم يذكر الطوسي ذلك في ترجمة خاصّة ليحيى، وإنّما ذكره ضمن ترجمته لأبي مخنف، حيث قال ـ بعد أن ذكر أبا مخنف في طبقة أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام مجاراةً للكشي ـ: «وعندي أنّ هذا غلط؛ لأنّ لوط بن يحيى لم يلقَ أمير المؤمنين عليه السلام، وكان أبوه يحيى من أصحابه». الطوسي، رجال الطوسي: ص57.

[37]    اُنظر: ابن شهر آشوب، معالم العلماء: ص129ـ ص130.

[38]    اُنظر ـ على سبيل المثال لا الحصرـ: الذهبي، سير أعلام النبلاء: ج13، ص342. الذهبي، تاريخ الإسلام: ج9، ص581. ابن عدي، الكامل في ضعفاء الرجال: ج7، ص241. الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد: ج3، ص562.

[39]    الطوسي، رجال الطوسي: ص57.

[40]    المصدر السابق: ص70.

[41]    ابن النديم، الفهرست: ص122.

[42]    يوليوس فلهاوزن، الخوارج والشيعة، ترجمه عن الألمانية الدكتور عبد الرحمن بدوي: ص113.

[43]    النجاشي، رجال النجاشي: ص320.

[44]    اُنظر: الطوسي، رجال الطوسي: ص57.

[45]    المصدر السابق: ص70، وص79.

[46]    اُنظر: النجاشي، رجال النجاشي: ص320.

[47]    اُنظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء:ج10، ص101.

[48]    اُنظر: الصدوق، أمالي الصدوق: ص142. المجلسي، بحار الأنوار: ج23، ص49.

[49]    اُنظر: ابن النديم، الفهرست: ص122.

[50]    اُنظر: الذهبي، ميزان الاعتدال: ج3، ص420. الذهبي، سير أعلام النبلاء: ج7، ص302.

[51]    اُنظر: النجاشي، رجال النجاشي: ص320.

[52]    اُنظر: ابن النديم، الفهرست: ص122.

[53]    اُنظر: الحموي، معجم الأدباء: ج5، ص2253.

[54]    اُنظر: الصفدي، الوافي بالوفيات: ج24، ص306.

[55]    اُنظر: جليل تاري، حقائق السقيفة في دراسة رواية أبي مخنف، ترجمة أحمد الفاضل: ص13.

[56]    ومن تلك الروايات ما نقله أبو مخنف ـ لمّا خطب الحسين عليه السلام وسمع أخواته خطبته ـ «صحن وبكين، وبكى بناته فارتفعت أصواتهن، فأرسل إليهن أخاه العباس بن علي وعلياً ابنه، وقال لهما: أسكتاهن، فلعمري ليكثرن بكاؤهن. قال: فلمّا ذهبا ليسكتاهن، قال: لا يبعد ابن عباس. قال: فظننا أنّه إنّما قالها حين سمع بكاؤهن؛ لأنّه قد كان نهاه أن يخرج بهن...». الطبري، تاريخ الطبري: ج5، ص424.

[57]    ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: ج1، ص147.

[58]    المصدر السابق: ج1، ص140ـ ص141.

[59]    المامقاني، تنقيح المقال: ج2، ص44.

[60]    المفيد، الجمل: ص225.

[61]    أبو مخنف، وقعة الطف، تحقيق محمد هادي اليوسفي الغروي: ص28.

[62]    المصدر السابق: ص28.

[63]    الذهبي، تاريخ الإسلام: ج9، ص581.

[64]    ابن عدي، الكامل في ضعفاء الرجال: ج7، ص241.

[65]    التستري، قاموس الرجال: ج7، ص477.

[66]    اُنظر: ابن قتيبة، المعارف: ص537.

[67]    اُنظر: المصدر السابق: ص624.

[68]    اُنظر: ابن النديم، الفهرست: ص122.

[69]    اُنظر: المصدر السابق: ص10.

[70]    النجاشي، رجال النجاشي: ص320 ـ 321.

[71]    اُنظر: الحلّي، خلاصة الأقوال في معرفة الرجال: ص234.

[72]    اُنظر: التفرشي، نقد الرجال: ج4، ص75.

[73]    اُنظر: البروجردي، طرائف المقال في معرفة طبقات الرجال: ج1، ص566.

[74]    اُنظر: الخوئي، معجم رجال الحديث: ج15، ص142.

[75]    اُنظر: الشبستري، الفائق في رواة وأصحاب الإمام الصادق عليه السلام: ج1، ص625.

[76]    قال ابن داود في رجاله: ص29: «الجزء الأول من الكتاب في ذكر الممدوحين ومَن لم يضعفهم الأصحاب فيما علمته»، ويفهم منه أنّه يعمل بخبر الراوي المهمَل كما يعمل بخبر الراوي الممدوح.

[77]    النوري، خاتمة المستدرك: ج3، ص147.

[78]    الشهيد الثاني، مسالك الأفهام: ج7، ص467.

[79]    النوري، خاتمة المستدرك: ج3، ص147، نقلاً عن كتاب شرح الاستبصار المخطوط لحفيد الشهيد الثاني.

[80]    الإسترابادي، منهج المقال: ص174.

[81]    اُنظر: الصدر، حسن، نهاية الدراية: ص399.

[82]    اُنظر: ابن الجوزي، الضعفاء والمتروكون: ج3، ص28.

[83]    ابن عدي، الكامل في ضعفاء الرجال: ج7، ص241.

[84]    ابن كثير، البداية والنهاية: ج7، ص343.

[85]    المصدر السابق: ج8، ص220.

[86]    الربعي، تاريخ مولد العلماء ووفياتهم: ج1، ص366.

[87]    الحموي، معجم الأدباء: ج5، ص2252.

[88]    الذهبي، سير أعلام النبلاء: ج13، ص342.

[89]    الذهبي، تاريخ الإسلام: ج9، ص581.

[90]    الصفدي، الوافي بالوفيات: ج24، ص306.

[91]   اُنظر: الطهراني، الذريعة إلى تصانيف الشيعة: ج1، ص312، ص324، ص327، ص331، ص333، ص335.

[92]    الزركلي، الأعلام: ج5، ص254.

[93]    عمر كحالة، معجم المؤلفين: ج8، ص157.

[94]    الذهبي، ميزان الاعتدال: ج3، ص420.

[95]    البغدادي، إسماعيل، إيضاح المكنون: ج2، ص178 ـ289.

[96]    البغدادي، إسماعيل، هدية العارفين: ص841.

[97]    اُنظر: ابن النديم، الفهرست: ص122.

[98]    النجاشي، رجال النجاشي: ص320.

[99]    الطوسي، الفهرست: ص129.

[100]   ابن شهر آشوب، معالم العلماء: ص129.

[101]   اُنظر: الحموي، معجم الأُدباء: ج5، ص2253.

[102]   شمس الدين، محمد مهدي، أنصار الحسين عليه السلام: ص33.

[103]   أبو مخنف، وقعة الطفّ: ص16ـ ص17. تحقيق: محمد هادي اليوسفي الغروي.

[104]   شرف الدين، عبد الحسين، مؤلفو الشيعة في صدر الإسلام: ص42.

[105]   القمّي، الكنى والألقاب: ج1، ص55.

[106]   أبو مخنف، وقعة الطفّ: ص32. تحقيق: محمد هادي اليوسفي الغروي.

[107]   اُنظر: الطهراني، الذريعة إلى تصانيف الشيعة: ج22، ص27.

[108]   اُنظر: التبريزي، مرآة الكتب: ج1، ص434.

[109]   اُنظر: الأميني، معجم المطبوعات النجفيّة: ص131.

[110]   أبو مخنف، وقعة الطف: ص18، تحقيق: محمد هادي اليوسفي الغروي.

[111]   أبو مخنف، مقتل الحسين عليه السلام: ص386، تحقيق: حسن الغفاري.

[112]   مرّ علينا عند الحديث عن مصنّفات أبي مخنف أنّ موياته حول كربلاء تبلغ (118)، وهذا الرقم بملاحظة تقطيع بعض الروايات، وعدِّ كلّ مقطعٍ روايةً، فالمسألة نسبية.

[113]   اُنظر: أبو مخنف، وقعة الطف: ص40 ـ 81. تحقيق: محمد هادي اليوسفي الغروي.

[114]   اُنظر: أبو مخنف، وقعة الطف: ص18ـ ص19، تحقيق: محمد هادي اليوسفي الغروي.

[115]   الحارث بن محمد ابن أبي أسامة داهر التميمي: من حفّاظ الحديث، له (مسند) لم يرتّبه، ولِد سنة 186ﻫ وتوفّي سنة 282 ﻫ، سمع يزيد بن هارون وعبد الوهاب الخفاف والواقدي ومحمد بن سعد وغيرهم، وروى عنه أبو جعفر الطبري، وأبو بكر بن خلاد، وأبو بكر الشافعي وخلق كثير. وثّقه أكثر أهل الحديث، ومنهم الدارقطني، وهو راوي كتاب الطبقات عن أُستاذه محمد بن سعد. اُنظر ترجمته في: ابن حبان، ثقات ابن حبان: ج8، ص183. الذهبي، المغني في الضعفاء: ج1، ص143. البغدادي، تاريخ بغداد: ج9، ص114. الذهبي، تذكرة الحفّاظ: ج2، ص145. الذهبي، ميزان الاعتدال: ج1، ص442. السيوطي، طبقات الحفّاظ: ج1، ص276. الصفدي، الوافي بالوفيات: ج11، ص200. الزركلي، الأعلام: ج2، ص157. عمر كحالة، معجم المؤلفين: ج3، ص176. وغير ذلك من المصادر والمراجع.

[116]   اُنظر: تاريخ الطبري: ج1، ص120، ص127، ص152، ص160، ص206، ص209.

[117]   حسن (صاحب المعالم)، منتقى الجمان في الأحاديث الصحاح والحسان: ج1، ص24ـ 25.

[118]   السبحاني، كليات في علم الرجال: ص450.

[119]   القندوزي، ينابيع المودة: ج3، ص53.

[120]   النيسابوري الكنتوري، كشف الحجب والأستار عن أسماء الكتب والأسفار: ص545.

[121]   المصدر السابق (مقدمة الكتاب): ص3.

[122]   اُنظر: حبّ الله، حيدر، نظرية السنّة في الفكر الإمامي: ص276.

[123]   الدربندي، أسرار الشهادة: ج3، ص465.

 
 
البرمجة والتصميم بواسطة : MWD