1439 / ربیع‌الاول / 6  |  2017 / 11 / 25         الزيارات : 484083         صلاة الصبح |         صلاة الظهر والعصر |         صلاة المغرب والعشاء |

الندوة (13) - الأطراف المسؤولة عن فاجعة الطف ( القسم الأول) - سماحة السيد رياض الحكيم

{ مؤسسة وارث الأنبياء - قم المقدسة }
الندوة (13) - الأطراف المسؤولة عن فاجعة الطف ( القسم الأول) - سماحة السيد رياض الحكيم

بدايةً استفتح المحاضر حديثه بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾.

ثمّ ذكر قول الإمام الرضا (عليه السلام) في الرواية المعروفة: «إنّ يوم الحسين أقرح جفوننا، وأسبل دموعنا، وأذلّ عزيزنا...». مبيّناً أنّ هذا الحدث لم يكن حدثاً عابراً، بل تميّز بخصوصيات بمختلف أبعاده وظروفه، ولذلك لا بدّ من وقفات وتمعّن فيما جرى بكلّ تفاصيله، ولا تُؤخذ الأُمور أخذ المسلّمات، والتي قد تُسمع من هنا وهناك.

مضيفاً أنّ الذهنية العامّة الآن أنّ قضية الإمام الحسين (عليه السلام) ومحنته، والفاجعة الكبرى التي ألمّت به وبأهل بيته وأصحابه، حدثت نتيجة نكث العهود، لا بدّ أن نُلقي نظرة على ما جرى، وعلى الأطراف المؤثّرة في ذلك العصر، ونعرف كلّ شخص وكلّ طرف، أو نُعرّف كلّ شخص وكلّ طرف بمقدار مسؤوليته.

 نقسّم الأطراف المؤثّرة آنذاك إلى صنفين:

أشخاص ومجتمعات، والأشخاص ثلاثة، الآن نعبّر أطراف مؤثّرة وليست مسؤولة حتّى فيما بعد نحدّد مَن هو المسؤول ومَن هو غير مسؤول.

 الأشخاص الأساسيون ثلاثة: يزيد بن معاوية، عبيد الله بن زياد، عمر بن سعد.

 والمجتمعات المؤثّرة هي أربعة مجتمعات: مجتمعا مكّة والمدينة، ومجتمع الشام، ومجتمع الكوفة والبلاد الإسلامية الأُخرى.

لا شكّ في تحمّل اثنين من الشخصيات الثلاثة لجانب كبير من المسؤولية، وليس هناك مَن يدافع أو يدفع عنهم هذه المسؤولية والتهمة، وهما عبيد الله بن زياد، وعمر بن سعد، وحصتهما من المسؤولية واضحة للمُنصف، وحتّى لمَن ينتسب للحكم والسلطة ويحمل ثقافة الطغيان، أنا أقول ثقافة الطغيان؛ لأنّ هذه الثقافة مستشرية في مجتمعاتنا، وربّما مجتمعات أُخرى، كثير من الناس يحاولون بشكل وبآخر أن ينزّه الحاكم ، حتّى مَن له ذرّة من الإنصاف هو يحاول أن يحمّل الأتباع المسؤولية، وينزّه الحاكم من الجرائم التي ارتُكبت تحت ظلّه وظلّ سلطانه، هذه الثقافة واضحة لدى المتشدّدين من السلفية، قديماً وحديثاً.

موقف السلفية من قضية الإمام الحسين (عليه السلام)

ينقسم موقف السلفية من واقعة عاشوراء إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأوّل: البعض منهم ـ وهم قليلون جدّاً ـ يحمّلون يزيد جزءاً من المسؤولية.

القسم الثاني: من يبرّئ يزيد ـ وهم القسم الأعظم ـ ولكنّهم لا يهتمّون بتبرئة عبيد الله بن زياد وعمر بن سعد، بالرغم من أنّ عمر بن سعد ابن أحد الصحابة المعروفين (سعد ابن أبي وقّاص)؛ لأنّ عمر بن سعد كان تابعاً ولم يكن متبوعاً، فالمتبوع الطاغية هو المنزّه، أمّا أتباعه فهم غير منزّهين.

القسم الثالث: المتطرّفون جدّاً الذين يدافعون عن السلطة وأعوانها في قتل الإمام الحسين (عليه السلام)، ويحمّلون الإمام الحسين مسؤولية ما حدث.

الجمهور الأعظم تنبثق مواقفهم من ثقافة الطغيان، ويعتبرون الطاغية منزّهاً. سابقا كنا نقرأ التاريخ، وفي عصرنا وجدنا حاضراً كيف تعاملوا مع طاغية العراق، الكثير منهم يذعن بأنّ هناك ظلامات وجرائم مروّعة، إبادات جماعية، قتل، استهتار بالحرمات حدثت في عهده المشؤوم، ولكنّه بشخصه منزّه، رغم كونه بعثياً، وكونه غير مؤمن بدين ـ إن صحّ التعبير ـ رغم مواقفه الواضحة واستهتاره بالقيم الدينية والإنسانية، ولكنّه في نهاية الحال منزّه كما لاحظناه في العيان، إذاً؛ هذان الشخصان: عبيد الله بن زياد، وعمر بن سعد، حتّى أتباع السلطة ومَن يحمل ثقافة الطغيان لا يهتمّ كثيراً للدفاع عنهما، فمسؤولية هذين الرجلين واضحةٌ للعيان، حتّى هما بعد الواقعة وبعد ما بدأت انعكاسات سلبية عليهما بدأ كلّ منهما يحاول التنصل من جانب من المسؤولية، وتحميلها على الطرف الآخر.

 هناك رواية ملفتة للنظر يرويها الطبري، يقول: قال هشام عن عوانة، قال: «قال عبيد الله بن زياد لعمر بن سعد بعد قتله الحسين: يا عمر، أين الكتاب الذي كتبت إليك في قتل الحسين ـ يعني الكتاب الذي أمره فيه بقتل الحسين (عليه السلام) ـ قال عمر: مضيت لأمرك وضاع الكتاب. قال: لتجيئنّي به. قال: ضاع. قال: والله، لتجيئنّي به. قال: تُرك والله يُقرأ على عجائز قريش اعتذاراً إليهم بالمدينة، أما والله لقد نصحتك في حسين نصيحة لو نصحتها أبي سعد ابن أبي وقاص كنت قد أدّيت حقّه [أي حقّ الأبوة]. قال عثمان بن زياد أخو عبيد الله: صدق والله، والله، لوددت أنّه ليس من بني زياد رجل إلّا وفي أنفه خزامة إلى يوم القيامة وإنّ حسيناً لم يُقتل، قال: فو الله ما أنكر عليه عبيد الله».

إذاً؛ عمر بن سعد كان عنده احتياطات، وسرّب هذا الكتاب للمدينة حتّى يكون معذوراً، على المقولة المعروفة: إنّ المأمور عبدٌ مطيع، وإنّ الذي يتحمّل المسؤولية الكبرى هو الآمر وليس المأمور نفسه. ابن زياد أراد أن يتخلّص من هذه الوثيقة، ويحمّل عمر بن سعد مسؤولية القتل، أنا لم أُصدر أمراً ولكن هو الذي بادر، ولكن عمر كان أذكى منه؛ حيث نشر الكتاب، إذن؛ هذان الشخصان مسؤوليتهما بمقدارٍ واضحة، ولا إشكال ولا شبهة فيها.

الشخصية الثالثة: يزيد بن معاوية، يزيد بن معاوية دارَ حول مسؤوليته لغطٌ، طبعاً المسلمون قديماً أتباع المذاهب المختلفة كان هذا الأمر عندهم مسلّماً، وكذا في المصادر التاريخية، حتّى الخلفاء أو الحكّام الأُمويين بعد يزيد كانوا يذعنون في مسؤولية الحكم الأُموي ـ المتمثّل بيزيد آنذاك في أيّام الواقعة ـ ويعترفون بها، ويحاولون أن لا يكرّروها كما في التوجيه الذي صدر من عبد الملك بن مروان إلى الحجاّج بن يوسف الثقفي: جنّبني دماء آل أبي طالب ، حتّى لا يقع فيما وقع فيه يزيد بن معاوية.

ولكن نُلاحظ أنّه فئة من المتعصّبين، أتباع الاتجاه السلفي يحاولون تبرئة يزيد بن معاوية؛ باعتباره الرأس ـ على أساس ما ذكرناه من الثقافة التي يحملونها (ثقافة الطغيان) ـ أن يبرّؤا الطاغية وأن يحمّلوا اتباعه المسؤولية، أذكر ـ على عجالة ـ مجموعة من الشواهد التي لا تقتصر على مصادرنا، وإلّا إذا رجعنا إلى مصادرنا فهناك شواهد كثيرة، نماذج من هذه الشواهد التي ذُكرت في المصادر التاريخية المعروفة:

الشاهد الأوّل: أجواء بيعة يزيد، وتحميل يزيد على الأُمّة هي كانت أجواء قسر وتهديد بالقتل، فمسألة قتل الإمام الحسين (عليه السلام) ما جاءت في جوّ غير مناسب، فإنّ الجو كلّه مبني على أنّ مَن يعارض ـ أو بالأحرى مَن يمتنع من البيعة ـ يُقتل وبطريقة فظيعة، ففي الفتوح لابن أعثم أنّ يزيد بن معاوية كتب كتاباً شديد اللهجة لواليه على المدينة الوليد بن عتبة:

«أمّا بعدُ، فخذ الحسين بن علي، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمر بن الخطّاب، أخذاً عنيفاً ليست فيه رخصة، فمَن أبى عليك منهم فاضرب عنقه وابعث إليّ برأسه».

يُستفاد من الرسالة أمران:

الأمر الأوّل: الأمر بالقتل، ليس لمَن يعارض، وإنّما لمن لم يُبايع، أين القتل؟ القتل في بلاد الحرمين، القتل في المدينة، ليس في مدينة نائية في كربلاء والطفّ، بل أمام المسلمين وأمام أهل المدينة، يُقتل لأنّه لم يبايع، لأربعة شخصيات معروفة في ذلك العصر وآبائهم معروفون، هذه هي اللغة التي كانت.

الأمر الثاني: ابعث برؤوسهم إليّ، إذاً قطع الرؤوس وإرسال الرؤوس من كربلاء إلى الكوفة كان ضمن هذه الأجواء، ولم يكن مجرّد رأي من عبيد الله بن زياد، حيث سبقه الأمر لوالي المدينة أن اقتل مَن لم يبايع وأرسل إلي برأسه.

بل إذا رجعنا إلى الأجواء السابقة التي خلقها معاوية نفسه، والتمهيد الذي مهّد فيه لتعيين يزيد، كان مبنياً على ما هو أقسى من أمر يزيد، هذا معاوية الذي في التاريخ يُذكر على أنّه حليم، نلاحظ موقفه وأمره المشدّد بخصوص بيعة يزيد وتعيين يزيد، لمّا أراد البيعة ليزيد بولاية العهد هؤلاء الأربعة المعروفون امتنعوا جميعهم في مكّة، وبعد أن سمع منهم ما لم يعجبه قال لهم: «فإنّي قد أحببت أن أتقدّم إليكم، إنّه قد أُعذر من أنذر، إنّي كنت أخطب فيكم فيقوم إلىّ القائم منكم فيكذّبني على رؤوس الناس فأحمل ذلك وأصفح».

هذا اعتراف ضمني من معاوية ـ الذي يعتبره بعضهم ملحقاً بالخلفاء الراشدين ـ بأنّه كان يكذّب بشهادة هؤلاء الشخصيات من المسلمين على رؤوس الأشهاد، وليس في مجلسٍ خاص.

«وإنّي قائم بمقالة، فأُقسم بالله، لئن ردّ عليّ أحدكم كلمة في مقامي هذا لا ترجع إليه كلمة غيرها حتى يسبقها السيف إلى رأسه، فلا يبقينّ رجلٌ إلّا علي نفسه». يعني أنت في موقف حرج، لا تفكّر بحياة غيرك، فكّر بحياتك فقط، كيف تستطيع أن تخلّص نفسك!!

«ثمّ دعا صاحب حرسه بحضرتهم، فقال: أقم على رأس كلّ رجل من هؤلاء رجلين، ومع كلّ واحد سيف، فإن ذهب رجل منهم يردّ عليّ كلمة بتصديق أو تكذيب فليضرباه بسيفهما...».

يعني لا يوجد مجال حتّى لكلمة من هؤلاء فيها إيهام أو احتمال، حتّى لو كانت مؤيّدة، ربّما توجب جرأة الآخرين على الردّ، لاحظوا الأمر القاسي.

ففي زمن الطاغية أيّام المظاهرات والمسيرات التي كان يقيمها النظام، كان هناك أوامر مشدّدة أنّ الشعار موحّد، وأي شخص رفع شعاراً حتّى لو كان في مدح الطاغية يُعتقل؛ حتّى يصير ضبط أكثر، تشعر بنفسك مسيّراً وليس لك أي خيار حتّى في مدح الطاغية، لاحظوا هذه الثقافة وجذورها.

«ثمّ خرج وخرجوا معه، حتّى رقى المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: إنّ هؤلاء الرهط ـ يشير إلى هؤلاء الأربعة ـ سادة المسلمين وخيارهم، لا يُبتُّ أمرٌ دونهم، ولا يُقضى إلّا عن مشورتهم، وأنّهم قد رضوا وبايعوا ليزيد». لاحظوا التزييف، مَن يصدّق؟! بعد نصف قرن من وفاة النبي (صلّى الله عليه وآله)، يتمّ تعيين شخص بعنوان خليفة للمسلمين بهذه الطريقة وبهذا الأُسلوب.

«فبايعوا على اسم الله ـ أي الجمهور ـ فبايع الناس، وكانوا يتربّصون بيعة هؤلاء النفر، ثمّ ركب رواحله وانصرف إلى المدينة، فلقي الناس أُولئك النفر، فقالوا لهم: زعمتم أنّكم لا تبايعون، فلمّا اُرضيتم واُعطيتم بايعتم؟ قالوا: والله ما فعلنا. قالوا: ما منعكم أن تردّوا على الرجل، قالوا: كادنا وخفنا القتل».

 طبعاً الخوف من القتل هنا ليس جبناً؛ لأنّ الإنسان أحيانا يخشى القتل وأن يذهب دمه هباءً، ولا يمكن أن يُوصل رسالة من خلال دمه، فالإمام الحسين (عليه السلام) نفسه في هذا الموقف لم يعارض؛ لأنّ السلطة مسيطرة على كلّ شيء، وليس عنده فرصة أن يبيّن موقفه، بينما في كربلاء ضحّى بنفسه وأهله وعائلته وأصحابه، فإذاً ليس كلّ موقف يسكت الإنسان  يُعبّر عن جبن وخذلان.

إذاً؛ كانت هذه بداية المشروع، ومن شخص مثل معاوية، فكيف نستغرب نهاية ما حدث أو نهاية المشروع وتداعياته؟! خصوصاً أنّ الإمام الحسين (عليه السلام) قد خرج وعارض، وليس فقط امتنع من البيعة.

الشاهد الثاني: ما رواه الطبري من أنّ يزيد دسّ مع الحُجّاج ثلاثين رجلاً من شياطين بني أُميّة، وأمرهم باغتيال الإمام الحسين (عليه السلام)؛ لأنّه في ذي الحجّة كان الإمام الحسين (عليه السلام) في مكّة وليس في المدينة.

الشاهد الثالث: لو كان القرار من ابن زياد ولم يكن تنفيذاً لأوامر يزيد فكان المفروض أن يتعرّض ابن زياد لعقوبة المحاسبة، على الأقلّ لعتاب؛ لأنّه فعل فعلاً كانت له انعكاسات سلبية على يزيد، بينما نجد تاريخياً أنّ الموضوع بالعكس تماماً، أنّ ابن زياد قد كُرّم بتكريمات متنوّعة، أبقاه عاملاً له إلى موته، أي إلى موت يزيد.

قال ابن اعثم: «لمّا قُتل الحسين (عليه السلام) استوسق العراقان جميعاً لعبيد الله بن زياد، وكانت الكوفة والبصرة لابن زياد من قبله، وأوصله يزيد بألف ألف درهم جائزة ... ثمّ علا أمره، وارتفع قدره، وانتشر ذكره».

وقال المسعودي: «وكان يزيد صاحب طرب وجواري، وكلاب وقرود وفهود، ومنادمة على الشراب [هذا خليفة المسلمين، بعد نصف قرن من وفاة النبي (صلّى الله عليه وآله)!] وجلس ذات يوم على شرابه وعلى يمينه ابن زياد ـ وذلك بعد قتل الحسين ـ فأقبل على ساقِيه وقال:

اسقني شربة تروي مشاشي            ثمّ مِل مثلها فاسق ابن زياد

صاحب السر والأمانة عندي          ولتسديد مغنمي وجهادي

أي جهادٍ هذا؟ ابن زياد لم يكن له دور إلّا في قتل الإمام الحسين، بالمناسبة يزيد طلب من ابن زياد أن يقود جيشاً لمحاربة عبد الله بن الزبير، فرفض ابن زياد، وقال: لا أجمع للفاسق أمرين، قتلت الحسين والآن اتحمل مسؤولية الهجوم على مكّة!

الشاهد الرابع: الجرائم التي حدثت في كربلاء لم تقتصر على القتل، وإنّما كان تسيير الرؤوس، ولم يحترم يزيد الرؤوس بأن يأخذها ويدفنها، بل كان تصرّفه وتعامله معها أن صلبها، والذي يصلب رأس ميت هل يُعقل أنّ قتل ذات الميت لم يكن بأمره، ولم يكن برضًا منه؟! صلب رأس الإمام الحسين (عليه السلام) على باب القصر في دمشق ثلاثة أيّام، ثمّ التشهير به، وتسييره في البلدان، فضلاً عن ممارساته البشعة في حقّ الأسرى، وتزيين الشام لذلك.

الشاهد الخامس: كلام السيّدة زينب (عليها السلام) أمام يزيد، وتقرير يزيد لها، وعدم رفضه لهذه التهمة، السيّدة زينب (عليها السلام) في فقرة من خطابها ليزيد: «أظننت يا يزيد، حيث أخذت علينا أقطار الأرض وآفاق السماء، وأصبحنا نُساق كما تُساق الأُسارى، أنّ بنا هواناً على الله، وبك عليه كرامة، وأنّ ذلك لعظم خطرك عنده، فشمخت بأنفك، ونظرت في عطفك جذلان مسروراً...».

لم تنسب السيّدة زينب (عليها السلام) الأفعال إلى عبيد الله بن زياد، بل نسبتها إلى يزيد، وهو لم يقل لست مسؤولاً، فتقريره لهذه التهمة وعدم ردّه ـ وهو الحاكم القادر صاحب السطوة ـ يحمّله هذه المسؤولية.  

الشاهد السادس: طبيعة الأمر لا نحتاج إلى شاهد تاريخي، تعامل الطغاة مع أتباعهم هو مبنيٌّ على محاصرتهم وعدم إعطائهم أيّة فسحة وفرصة ومرونة للتعامل؛ لأنّ الطاغية يريد أن يحكم الناس، ويريد أدوات مطيعين له، يعرف أنّ قراراته شاذّة ولا تحتملها الطبيعة البشرية، كيف يروّض أتباعه على ارتكاب الجريمة؟ أن يضيّق عليهم ولا يفسح لهم فرصة لاتخاذ القرار؛ لأنّهم مجرّد أن يُعطوا فسحة باتخاذ القرار سوف تبدأ المعارضات؛ لأنّ هؤلاء بشر، هذه سيرة الطغاة على مرّ التاريخ قديماً وحديثاً. أنا أتذكّر لما كنّا في المعتقل قال الضابط: اثنان في العراق لا يخافان: صدام حسين وأنتم، والبقية كلّنا نعيش حالة الخوف؛ لأنّ صاحب السلطان كراكب الأسد، بينما هو فرسه إذ افترسه، وفعلاً كثير من حاشية الطاغية بين عشية وضحاها تمّ إعدامهم، والتنكيل بهم وبأُسرهم، هذه طبيعة الطغاة، فكيف يتحمّل ابن زياد مسؤولية قتل الإمام الحسين (عليه السلام) وأهل بيته وأصحابه وسبي نسائه  بتلك الطريقة الفظيعة من دون أن يرجع إلى يزيد، مع أنّه هناك شواهد أو خصائص تمنع ابن زياد عن القيام بهذه المخاطرة، منها:

أوّلاً: مكانة الإمام الحسين (عليه السلام) في نفوس المسلمين، وتوقّع ردّ فعلهم السلبي.

الثاني: القرابة بين يزيد والإمام الحسين (عليه السلام)؛ باعتبارهما من قريش، والمجتمع العربي آنذاك مجتمع عشائري، كيف يُقحم ابن زياد نفسه في خلافات بين القرشيين؟ يرتكب هذه الجريمة المروّعة في أمر يدور بين القرشيين أنفسهم.  

الثالث: لم يكن ابن زياد مجبوراً على الاستعجال، هو طوّق الإمام الحسين (عليه السلام) في كربلاء، وبسهولة كان يستطيع أن يرسل البريد إلى يزيد حتّى يستعلم موقفه، كيف يبادر ويتحمّل هذه المسؤولية؟! مع أنّه يوجد لديه فسحة لمراجعة يزيد، لولا أنّ الأمر وما يريده يزيد بالنسبة إليه واضحٌ جداً؛ لمّا بادر في هذه المهمّة ـ هو لم يكن مدافعاً كان مهاجماً ـ كان بإمكانه أن يرسل بريد، والبريد كان بإمكانه خلال أيام بسيطة يذهب ويجيء بالخبر من خلال الحمام الزاجل وغير ذلك، ويتّخذ القرار ويحمّل يزيد المسؤولية صراحة.

إذاً؛ هذا الإقدام من عبيد الله بن زياد، وتحمّله لهذه المسؤولية مع وجود هذه الشواهد والقرائن، تؤكد أنّ دور عبيد الله كان دور المنفِّذ وليس المقرِّر، هذا فيما يرتبط بالصنف الأوّل وهم الأشخاص المؤثِّرون في الفاجعة.

الصنف الثاني: المجتمعات وهو ما نتحدّث عنه إن شاء الله تعالى في فرصةٍ أُخرى.

والحمد لله ربّ العالمين.

 
 
البرمجة والتصميم بواسطة : MWD