1439 / جمادی‌الاولى / 1  |  2018 / 01 / 18         الزيارات : 528903         صلاة الصبح |         صلاة الظهر والعصر |         صلاة المغرب والعشاء |

المأساة والمظلومية في أبعادها الإنسانية الثورة الحسينية أُنموذجاً

{ السيد محمد باقر الهاشمي }
المأساة والمظلومية في أبعادها الإنسانية الثورة الحسينية أُنموذجاً

 

المقدّمة

تُعتبَر الثورة الحسينية إشعاع نورٍ للعالم؛ بما قدَّمته من تفانٍ وإيثار يعجز قلم البيان عن وصفه، فما وقع آنذاك من عظمة تسامت فخُلّدت بفضل ما أعطت، إلّا أنّ السمو والرفعة لم تكن لتُبسَط أمام الملحمة الحسينية دون عناء، بل أُعطيت لأجلها دماءٌ زاكية، وهان كلّ غالٍ في سبيل الله تعالى.

لقد كانت المأساة تفيء بظلالها على الركب الحسيني، منذ خروجه من مكّة وانتهاءً بعودة السبايا، مأساة تتحرّك على الأرض، وتنطق بما يعجز عنه اللسان، وتشرح دناءة الإنسان حين يتجرّد من حقيقته، وفي المقابل نرى أنّ هذه المأساة لامست الفطرة الإنسانية في أسمى معانيها؛ لتغدو تلك الدماء دماء البشرية، تتّحد معها وتتجاوز اختلافاتها، وتُعبّد الطريق لنهضة الإنسان، بما قدَّمته من قيمٍ متعالية.

تحوّل المأساة من أُفق محدود إلى قضيةٍ عالمية

إنَّ المأساة والمظلومية الحقّة دائماً ما لا تقف عند حدود مَكانها ولا زمانها، بل لها القدرة الكامنة لتصل إلى أبعد مدًى يمكن أنْ تصل إليه، وهو أمرٌ حريٌّ بالتدبّر؛ فمن المؤكّد أنَّ للمأساةِ انطلاقتين: انطلاقة في زمانها التي تتعرّض من خلاله للصعوبات، والنفي الدّائم، والمظلومية، وتنتهي دائماً بخسران كثير من أفراد الثّورة، إلّا أنَّ الانطلاقة الثّانية هي الكفيلة بإحياء الأُولى وإعادتها إلى الواجهة، حين تتحوّل إلى قضيّة إنسانية، فتصيرُ قضيةً عامّةً تتبنّاها البشريّةُ بمختلف قومياتها وأطباعها وديانتها، فتتحوّل من إطارها المحدود إلى قضيّة عالمية.

ودون السّبر العميق للتّاريخ، والبحث في أغواره عن مثل هذا التحوّل من الأُفق الضيّق إلى العالمية، فإنَّ الواقع القريب الذي نعيشه شهِدَ مثل هذا الأمر؛ فقد تعاطف العالمُ مع مأساة الزّعيم الهنديّ غاندي، وما لاقاه من ألمٍ وعذاب، حتى صار العالم مترقّباً لأيِّ أمرٍ يصدرُ منه؛ ليكون قضية عامّة تتبنّاها الإنسانيّة، ناهيك عن شعبه.

وقد شكّلت قضية مانديلا رأياً عامّاً، فكانت مأساته أشبه بالمأساة للإنسانيّة جمعاء، وأشخاص آخرون، مثل: جيفارا وغيره، بل هناك مأساة شعوبٍ صارت حديثَ الإنسانيّة كلّها، كالشّعب الفيتناميّ وغيره، ناهيك عن الشّعوب الإسلاميّة.

وليس التّركيز على مثل هؤلاء الأشخاص للتّرويج لهم، بل لبيان أمرٍ مهم، وهو أنَّ الإنسانيّة المستيقظة تُلغي الفوارق الدينية والطبقيّة والقوميّة؛ للتواصل عبر لغةٍ إنسانيّة، فليس غاندي ولا جيفارا ولا غيرهما بمسلمين أبداً، إلّا أنَّ مراجعةً بسيطةً لتلك الحُقبة تجدُ أنَّ الإنسان المسلم تأثّر بها، ونادى بالخلاص لأفرادها، وتحمّل أَعباءَ الدّفاع عنها.

إن عالمية المأساة ليست إلّا دغدغةً لمشاعر الإنسان، حينَ لا يكون هناك جامعٌ مع الإنسان الآخر إلّا الإنسانيّة وحدها، وهنا لا بدَّ من ملاحظة: إذْ لا يعني ذلك نبذ كلِّ مشتركٍ بين الإنسان والإنسان الآخر، والتّواصل معه عبر الإنسانيّة وحدها، فللدّين موقعيةٌ في نفس الأفراد، تجعل الانجذابَ للآخر المشترك معه في ذلك الدّين أقوى حراكاً وفاعلية، فالأُخوّة في الدّين هي أسمى أُخوّة يمكن أنْ تُحرّكَ الإنسان تجاه أخيه الإنسان، والدّين أقدر على تحريك الإنسان تجاه الآخر؛ لأنّه يجد نفسه مسؤولاً عن مناصرة الحق، غير أنَّ الرّابط الإنسانيّ لا يمكن أنْ يحدّه دِين، فلا يهمّ الإنسان المتديّن لأمرِ مَن لا يَدينُ بدينه، وهو ما صَرّح به أمير المؤمنين عليه السلام : «فإنّهم [الناس] صنفان: إمّا أخٌ لكَ في الدّين، وإمّا نظيرٌ لكَ في الخَلقْ»[1].

لقد أثبتت المأساة قدرتها على تحريك الإنسان ليتجاوب معها تجاوباً فاعلاً، فتتحوّل المأساة من أُفقها الضيّق إلى قضيةٍ عالمية، هذا الأمر ينطبق على كربلاء وأحداثها، والمظلومية التي وقعت على أهلها، حيث بدت صحراء كربلاء لغةً خضراء، تتناقلها الأقلام والألسن بمختلف قومياتها وطوائفها ودياناتها، لتغدو مأساةً إنسانيّةً عالميّةً، بعد أن كانت حكراً على تلك البقعة الرّمضاء النّائية، وهو ما نتحدّث عنه وعن أسبابه لاحقاً.

كربلاء وصور المأساة غياب الإنسانية

لا بدَّ قبل العرض لصور المأساة والمظلومية في كربلاء أن نتطرَّق للحديث عن الإنسانيّة بادئ الأمر، فليست مأساة الحسين عليه السلام  إلّا جزءاً من غياب الإنسانية آنذاك.

لم تُعرَّف كلمة إنسانية تعريفاً محدّداً خلال تاريخ المعرفة البشرية، فقد أخذت معانٍ متعدّدة في كلّ زمان، فهناك مَن يعرِّفها باعتبارها حركة سياسية أو اجتماعية أو فلسفية.

 وآخر يعتبرها نزعةً لتخليد الإنسان وتقديسه؛ لما له من قيمٍ يمتاز بها عن باقي الموجودات.

 وهناك مَن يَسمِ بها نوعاً من المعارف، وهي التي تُعرف في زماننا بـالعلوم الإنسانية.

إلّا أنّ الجميع متفقٌ على أمرٍ، وهو وجود أبعاد وقيم داخل البنية الذهنية للإنسان، تجعل منه مخلوقاً متفرّداً عن باقي المخلوقات، هذه القيم والمبادئ هي محصّلة الذهن البشري وتفاعله مع واقعه؛ لينتج سلوكاً يُعبِّر عن هذا الفكر.

فكثيرٌ ما يصف البشر أمراً معيّناً بأنّه إنساني، حتى دون أن يفكّر في سرّ هذه الكلمة، ولِمَ انسبقت إلى اللسان دون غيرها؟ وليس ذلك إلّا لأنّ الإنسانية تُولَد مع الفرد، وتنمو بنموّه، فتتصاعد مع تصاعد المعرفة والتّسامي، وتنحدر بانحدارهما.

وهنا لا بدَّ من الالتفات إلى أنّ الإنسانية جزءٌ لا يتجزّأ من فطرة الإنسان، ولا تعني الفطرة إلّا الحيثية التي خُلِقَ الإنسان عليها، دون التدخّل ببراءة وصفاء هذه الفطرة بدايةً، ولكن قد يطرأ عليها طارئ أو تربيةٌ محدّدة لتنزع عنها نقاءها، وهو ما سيأتي الحديث عنه.

إلّا أنَّ هناك تساؤلاً لا بدَّ من الإجابة عنه: ما أسباب غياب الإنسانية؟

 هناك عوامل عديدة تؤدّي لضمور الإنسانية في الفرد أو المجتمع، نذكر منها:

أولاً: تُساهم التربية والبيئة الاجتماعية للإنسان في بروز الإنسانية أو ضمورها، يُضاف إلى ذلك البُعد الديني الذي يخلق عند الإنسان حافزاً للتعامل بإنسانية أكبر؛ لمِا تُوجده من محفِّزات وارتباط بالله تعالى، فالمجتمع الذي يعيش أفراده حالة من الانفصال والمخاصمة لا يمكن أن ترجو منه إنسانية كبيرة، والبيئة التي يسيطر عليها البُعد الدنيوي والسعي وراء الملذّات الفردية ـ أيّاً كان السبيل لها ـ لا يسع أفرادها التعامل بإنسانية.

 ثانياً: الخوف؛ فإنّ استشعار الخوف عند الإنسان يُفقده كثيراً من إرادته وقوّته التي أودعها الله فيه، فيعيش مواكباً لخوفه، مجانباً لأيّ عمل يمكن أن يُوقِعه فيما يخاف ويحذر، حتى وإن نازعته نفسه للتحرّك نحو عملٍ ما، إلّا أنّ خوفه يسبق عزمه.

ثالثاً: اللا مبالاة، وهو شعور يُفقد الإنسان الإحساس بالغير، ولا يعنيه الآخر بشيء، سواء أكان في فرحه أم حزنه، وهذا الإنسان يعيش حالة الأنانية تجاه المجتمع وأفراده؛ ولذا فإنّه لا يمكن أن تحرّك إنسانيته أيّ المواقف، حتى وإن عاش التأنيب في بعض الفترات، إلّا أنّ هذه الصيحة الدّاخلية تخبو فتخبو معها إنسانيّته.

ولو عدنا إلى كربلاء الحسين عليه السلام  لوجدنا المجتمع المفكَّك الذي لا يعرف عن مصائب أخيه المسلم في البقاع الأُخرى شيئاً، ومن ثمَّ فإنّ أفراده بين خائفٍ من بطش السلطة يفضّل الحياة مع الذلّ والهوان، وآخر لا يُبالي فيكرّر مقولة: ما لنا والدخول بين السلاطين. فينظر إلى الجميع بعينٍ واحدة، بين المظلوم والظالم، بين الثائر والسلطان الجائر، وليس هذا في حقيقته إلّا جزءاً من غياب الإنسانية وضمورها، ذلك الجيش الذي ينادي أفراده الحسين عليه السلام  بأن يكونوا أحراراً وفقط، ويأبى أن يكونوا غير ذلك؛ لأنَّ الحاجة إلى الحرية لا تكون مع غياب الإنسانية، حين لا يستشعر الإنسان وجوده وقيمه ومبادءه خوفاً أو طمعاً؛ ولذا شهدت كربلاء صوراً للمأساة والمظلومية والاعتداء على نفرٍ قليل، رُوّعَ بهم أشد الترويع، وسيقوا إلى الموت بمرارة وألم، لتكون كربلاء عنواناً بارزاً لغياب الإنسانية.

ومن هذه المأساة نذكر صورتين:

الصورة الأُولى: فنادى: يا قوم، قتلتم أنصاري وأولادي، وما بقي غير هذا الطفل، إن لم ترحموني فارحموا هذا الطفل، لقد جفّ اللبن في صدر أُمّه. فرماه حرملة بسهم فوقع في نحره، فذبحه من الوريد إلى الوريد، فوضع الحسين كفّيه تحت نحر الطفل، فلمّا امتلأتا دماً رمى به إلى السماء، وقال: هوّن عليّ ما نزل بي أنّه بعين الله، اللّهم لا يكوننَّ طفلي هذا أهون عليك من فصيل ناقة صالح.

هذه الصورة لها ثلاثة مضامين:

1ـ إنَّ الطفل يصارع الموت بالعطش.

2ـ يُزاد على عطشه سهم يشارك الظمأ في قتل هذا الطفل.

3ـ كلّ هذه المأساة والطفل بين يدي الحسين عليه السلام  يتحسّس عطشه، والسهم في نحره، وشهقة الغياب، صورة كافيةٌ لفضح السلطات الحاكمة آنذاك، وبيان لغياب إنسانيتها.

كثيراً ما تقع الحروب والويلات والظلم على مختلف الأماكن والأفراد، إلّا أنّ أكثر ما يهزّ الضمير الإنساني هو مقتل الأطفال؛ إذ لا يمكن أن يُدانوا بشيء؛ ولذا سريعاً ما توصف مثل هذه الجرائم ـ التي تقع على الأطفال والصغار ـ بالجرائم ضدَّ الإنسانية، ففي كربلاء كان للطفولة نصيب ممّا نال أهليهم من المأساة والظلم وبأبشع صور المعاناة، التي بقيت شاخصةً كوصمة عار في جبين التاريخ حين تُذكَر تلك الملحمة الخالدة.

الصورة لعبد الله الرضيع طفلٌ بعدُ في المهد، يستسقي أبوه القوم له، فتأبى تلك النفوس الخالية من الرحمة أن تتجرّد عن أحقادها وتتناسى اختلافاتها، لتصوغ صورة إنسانية كان بالإمكان أن تبيّض وجوههم في صفحات التاريخ، إلّا أنّ شيئاً من ذلك لم يحدث، إلى أن نال الطفل الموت.

الصورة الثانية: وتسابق القوم على نهب بيوت آل الرسول، وقرّة عين الزهراء البتول، حتّى جعلوا ينتزعون ملحفة المرأة عن ظهرها، وخرجن بنات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  وحريمه يتساعدن على البكاء، ويندبن لفراق الحماة والأحباء[2].

هذه الصورة في كربلاء بقيت لمئات السنين تؤرّق أهل البيت عليهم السلام ، فما من إمامٍ إلّا وقد أحسَّ بمرارة إيذاء النساء وسلبهنّ، ومن ثَمَّ سبيهنّ.

وهنا سؤال يُطرَح أمام هذه الصورة: هل كان هناك من حاجة لنهب الخيام؟

لقد كان المخيّم في صحراء مكشوفة، ولم يُنشأ ليكون دار مقام، خيامٌ تضمّ بين جنباتها أُسرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، تحضن الواحدة منهنَّ أُختها وتصبّر عليها ليس إلّا، وكان ذلك معلوماً وليس بالأمر الخفي، إلّا أنّ الدناءة تصل بالبشر ليتخلّى عن كلّ قيمه ومبادئه، فيتحوّل إلى مخلوقٍ متوحشٍ، يتجاوز حدود دينه وأخلاقه وإنسانيّته.

لم يكن من حاجةٍ لنهب المخيم؛ إذ لا يضمّ رجالاً متخفّين ولا هاربين، فقد عُرِفَ عن أهل بيت الحسين عليه السلام  وصحبه الشجاعة العُظمى، وليس في المخيم ذاك الكنز العظيم لينهال الجيش عليه كما لو أنَّ غنائم حرب تنتظرهم، لم يكن نهب المخيم وحرقه إلّا غياب الإنسانية في أعماق ذاك الجيش، وكان بالإمكان أن تُسجّل في صفحات التاريخ منقبة تُنبئنا بأنّ الجيش لم يقترب من المخيم، ولم يروّع النساء، إلّا أنّ الإنسانية المفقودة أضاعت أيّ فرصة، لتبدو تلك الحقبة من التاريخ أحسنَ ممّا هي عليه.

 لقَد عَرفت كربلاءُ كثيراً من الصّور المأساويّة، بل هي المأساةُ في أبرزِ تجلّياتها، فقُتِل ريحانة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  واحتُزَّ رأسه، وصُرِعَ أصحابه وأهلُ بيته، ولكن لا يسع البحث أن يُحيط بهذه المأساة بصورةٍ كاملة، ولا تسعها مُجلداتٌ ضَخمةٌ أيضاً.

كربلاء من غياب الإنسانية إلى التواصل الإنساني

 شهدت كربلاء غياب الإنسانية في تلك اللحظة التي لم تستجب الأُمّة لنداء الحسين عليه السلام ؛ كيما يخلّصها من هوانها والذلّ الذي تُكابده، فعاشت بين خائفةٍ وغير مبالية، حينها واجه المولى أعتى ظلم آنذاك، وانتهت كربلاء بغروب الشمس لتُعلِن فجيعةً عُظمى.

إلّا أنَّ اللحظة التي غيّبت الحسين عليه السلام  بفعل وحشيتها، خلقت نهضةً إنسانيةً أُخرى، فقد أورق دم الحسين عليه السلام  لتنتصر مبادؤه الدينية والإنسانية، وتستشعر الأُمّة فداحة تخاذلها، وعدم وعيها لأهداف الثورة الحسينية.

كانت المبادئ الدينية التي نادى بها الحسين عليه السلام  تحمل في طياتها الإنسانية بأسمى معانيها؛ ذلك لأنّها التشريع الإلهي بحدّ ذاته، فليست الزكاة إلّا نوعاً من الإنسانية للتواصل مع الآخر المعدَم، وليس الأمر بالمعروف إلّا صلاح المجتمع، فتسمو قيمه على منفعته وشهوته، وغير ذلك من الأهداف البارزة في الخطاب الحسيني.

فتتالت الثورات المنادية بالثأر للمولى أبي عبدالله عليه السلام ، بعد أن بلغت القلوب الحناجر، فثورة التوابين، وثورة المختار، وثورة زيد الشهيد.

«انهزم[3] الحسين في كربلاء، وأُصيب هو وذووه من بعده، ولكنّه ترك الدعوة التي قام بها مُلْك العباسيين والفاطميين، وتعلّل بها أُناس من الأيّوبيين والعثمانيين، واستظلّ بها الملوك والأُمراء بين العرب والفرس والهنود، ومثل للناس في حلّةٍ من النور تخشع لها الأبصار، وباء بالفخر الذي لا فخر مثله في تواريخ بني الإنسان، غير مستثنى منهم عربيّ ولا أعجميّ، ولا قديم ولا حديث»[4].

 واستمرّت الثورات ـ إلى عصرنا الحاضر ـ مستمدّة من الحسين عليه السلام  ونهضته القوّة في مواجهة الاستكبار الجديد، وعلى رأسه إسرائيل.

إلّا أنَّ السّؤال الّذي يُطرح هو: ما الدّافع الذي يجعل كثيراً من البشريّة تتعاطف مع الملحمة الحُسينيّة؟

يبحث علماء الدّين وَالمجتمع في مَسألةٍ مُهمّة، وهي الفطرة الإنسانيّة، فإنَّ هذه الفطرة المودعة في الإنسان تُخلَق بنحوٍ سليم صافٍ، وعلى إثرها يمكنه أنْ يتجاوب مع أيّ مسألة تناغم هذه الفطرة، فالإنسان جُبل على حُبّ الخير، وهو ما عبّر عنه القرآن: ﴿فِطْرَةَ الله الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾[5].

هذه الفطرة التي يمكنها أنْ تميّز الصحيح من الخطأ، وأن تتفاعل مع ما يقاربها دون عناءٍ بالغ، فإنّها تتجاوب مع المظلوم، وترفض الظلم، وترى في الكذب قُبحاً، وغير ذلك من الإدراكات البديهية، التي تنسبق إلى النفس بموجب الفطرة السليمة، وهي ذاتها التي تدفع الإنسان للبحث عن الخالق، وتصديق رسل الله تبارك وتعالى.

إلّا أنّ هذه الفطرة يمكن أن تُغطَّى بحُجبٍ تُزيل صفاءها، فلا يمكن المراهنة على فطرة الإنسان حينئذٍ، بيدَ أنّ القدرة التي جعلها الله في هذه الفطرة على تجديد نفسها، والعودة بالإنسان إلى صفائه ـ وإن كان في درجات أقل ـ يمكن حينئذٍ أن تتجاوب بنحوٍ إيجابي مع قضايا الإنسانية والتشريعات والمرسلين.

 إنَّ التّعاطف مع القضية الحسينيّة لا يحتاج إلّا لبعض الصفاء في الفطرة؛ لتدرك عظمة ذاك المشهد المأساوي في عرصات كربلاء، حيث الحشود البشرية التي تتكالب على خيام أُسرةٍ ضعيفةٍ قُتِل أهلوها، أو التكاثر على عدد قليل من الرجال ليقتلوهم بمنظرٍ تقرح له الجفون.

بل إنّ مأساةً أقلّ شأناً من كربلاء يمكن أن تُثير هذه الفطرة لتستنكر الفعل الشنيع، وتقف في صف المظلوم وتُطالب بنصرته، وتحمل أعباء الدفاع عنه، بل لا تحتاج الفطرة السليمة أو التي تؤب إلى رُشدها لمثل هذه المصائب لتميل، بل إنَّ ظلماً يقع على فردٍ معيَّن يمكن أنْ يحرّك فطرة الإنسان و إنسانيّته.

من هنا؛ كان الحسّ الإنساني والفطرة السليمة للبشرية لها الدور الكبير في الاندفاع نحو القضية الحسينية، حتى أصبحت قضيةً إنسانيةً، بغضّ النظر عن الأديان والقوميات، وليس الكلام مصادرة؛ فإنّ الواقع يشهد بمثل هذا الانجذاب، فقد شهد كثيرون احتفاء الصابئة بيوم عاشوراء، وإلغاء أعياد النصارى احتراماً ليوم عاشوراء، ناهيك عن الجهد المعرفي والأدبي في عاشوراء، وهو ما سنبيّنه لاحقاً.

الفطرة الإنسانية السليمة وحدها تُشدُّ لذاك المنظر الشّاخص في أعماق التاريخ الحيّ على الدوام، كما تنجذب الفطرة لأيّ مظلوم، ولأيّ كلمة حقّ، فكيف لو كانت مظلومية ندر أن يشهد التاريخ مثلها؟!

إنّ غياب الإنسانية في كربلاء استحال فيما بعدُ انتقاماً على للمظلومين؛ لأنّ الإنسانية لا بدّ أن تستيقظ مهما خبا نجمها، لتقف وقفة حقٍّ، كما هو الحال مع الملحمة الحسينية.

وقد أكّدت «التجارب في المجتمعات البشرية المختلفة أيضاً أنّ جميع الناس ميّالون إلى النداء الإلهي، والصوت الثوري التحرّري، المدافع عن الحقّ والعدالة، والمنتصر للمظلومين، والثائر ضدّ الظلم والضلالة، والموافق للفطرة السليمة... فالمسار العامّ للبشرية إذن ـ على الرغم من التسلّط الصوري للمستبدّين الفاسدين ـ هو في الحقيقة حركة في خطّ النهضة الحسينية؛ إذ هو مسار في خطّ العقل والمبدأ الإلهي، والدفاع عن العدالة والحقيقة»[6].

كلّ ذلك يؤكّد أنَّ ظاهرة الحسين عليه السلام  لم تكن ظاهرة إسلامية فقط، وإنّما كانت نموذجاً إنسانياً تعاطفت معه كلّ القلوب الخيرة، الطامحة إلى الحرية والانعتاق، وإلى الارتقاء بكرامة الإنسان وآدميّته، ما يؤكّد كلّ ذلك التعاطف الكبير الذي حظيت به واقعة الطف، وردود الأفعال من غير المسلمين، التي شهدها المجتمع على أكثر من صعيد؛ ولذلك ركّز أهل البيت عليهم السلام  في تجذير المأساة وتعميقها؛ لأنّها أقدر على جذب الأُمّة[7].

شخصية الإمام الحسين عليه السلام  عاملٌ لصناعة الثورات

لقد عاشت القضيّة الحُسينيّة على مَدى قرونٍ مديدةٍ مصدرَ إشعاعٍ للعديد من ثورات وحركات العالم الإسلاميّ وغيرها، فقد كانت المبادئ التي تحملها كربلاء ذات دلالات يمكن الارتكاز عليها، والأخذ منها لعدّة أسبابٍ وقوانين رسمتها الثّورة آنذاك؛ فقد أكّدت على أنَّ الدّم أقوى من السّيف، وأنّ الإرادة الصادقة للأفراد يمكن أنْ تُحرّك مجتمعاً يعيش الانهزام، وليس المُهم أن يعيش جيلُ الثّورة نَشوةَ الانتصار الآني، بل النّصر هو ما يحقّقه الحِراك من نتائجَ مرجوّة في زمنٍ لاحق، ولا يمكن أن تكون الثّورة دونَ تضحياتٍ جَسيمة يُقدّمها أفرادٌ أو مجتمعٌ؛ بغيةَ تصحيح مسار مجتمعٍ آخر لاحق، وغير ذلك من المبادئ الأخلاقية والدينيّة لكربلاء الحسين عليه السلام .

إلّا أنَّ السّؤال الذي يمكن أن يُثار في هذا الصّدد: هل شخصية الإمام الحسين عليه السلام  ومأساته الخالدة لوحدها كافية لصنع ثورات، أم أنّ كربلاء بمختلف عواملها وحيثياتها، والآلام والمآسي التي وقعت فيها، شكّلت مجموعة متكاملة؛ لتكون منطلقاً للعديد من الثورات؟

بطبيعة الحال، فإنّ نجاح أيّ ثورة قائم بالقائد والعناصر الثورية الأُخرى التي تكون معه، فلا نجاح لثورة دون قيادة، ولا قوّة للقيادة دون عناصرها الثورية الباقية، وهو أمرٌ بيّن وواضح، بمختلف أنواع الثورات والقيادات، وضمن هذا المخطَّط الطبيعي، فإنّ شخصية القائد لوحده لا تكفي لأن تكون السبيل في نجاح ثورة، ومن ثمّ ليس لها قوة تأثير بمفردها على عناصرٍ أُخرى تسعى لإقامة ثورة.

إلّا أنّ فارقاً كبيراً بين الشخصيات الرسالية التي تسعى للربط بين الجنبة الإلهية والدنيوية في حراكها، وبين أُخرى تنظر للعدالة الاجتماعية في الدنيا لا غير، هنا يكون البون واسعاً بين القيادتين؛ باعتبار الأُولى تجد شرعيتها من السماء، والأُخرى لا تبحث إلّا عن عدالة أرضية، هذا التمايز يعكس تمايزاً في البُنية النفسية والاجتماعية والمعرفية لكلٍّ من الشخصين، ولا جَرَمَ أنّ القائد الرسالي قائد يمتلك الصفات التي تخوّله بذاته أن يصنع فارقاً كبيراً في التاريخ والمجتمع والرسالة، وتكون الأنظار متّجهة نحوه؛ باعتباره كياناً منفرداً يُشكّل أُمّة في ذاته وحراكه، ويكون لفرحه أثرٌ على المجتمع، وكذلك لمأساته، فإنّ له القدرة على إيجاد وصنع حراك ثوري مستمرّ، بفعل القوة الرسالية والكيان النفسي الذي يحمله بين جنبات صدره، وهو لاشكّ خطّ الأنبياء والرساليين، وقد صرّح القرآن بأمثال هؤلاء الأشخاص الذين يشكّلون بأنفسهم ثقلاً يعدل أُمّة، فقال: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً[8].

أو كما يُعبرّ الشّهيد مطهري رحمه الله  في أمير المؤمنين عليه السلام : «علي في قوته الجاذبة والدّافعة»[9]. إنّهم أشخاصٌ لهم ثقلهم حال وجودهم وما بعده.

وهنا يمكن إعادة السؤال مرّة أُخرى: هل تكفي شخصية المولى أبي عبدالله عليه السلام  ومأساته فقط لتحريك الشعوب والثورات، أو تحتاج لضميمة كربلاء وأحداثها؛ ليشكّلا معاً عنصر إحياءٍ ثوري على مدى العصور والأجيال؟

ترتكز الإجابة عن هذا التساؤل من خلال النظر إلى شخصية المولى أبي عبد الله عليه السلام ، وما تمثّله من أبعاد رسالية، مع الإيمان بأنّ ما حمله من تحرّك ضد النظام القائم، والفساد المتمثّل بالخطّ الأُموي آنذاك كان تحرّكاً رسالياً، يمتدّ عبر سلسلة طويلة، تربطه بِخُطى الأنبياء، ومدى الالتزام بشريعة السماء، «لقد ثار الحسين عليه السلام  من أجل أن يرفع الراية التي حملها رواد التّوحيد، منذ انطلاقة التّاريخ البشريّ، وتوارثها أنبياء الحقّ العظام، منذ آدم عليه السلام  حتّى وصلت بيد نبي الإسلام آخر الأنبياء، ومن ثمّ بيد الإمام علي والحسن، ثار ليرفع هذا اللواء عالياً خفاقاً في تاريخ الإنسان»[10].

لقد عاش الحسين عليه السلام  مكرّساً حياته في سبيل هذا الهدف الإلهي، وهو حفظ الخطّ النبوي، وكان له من الثقل ما يساعد في القيام بعدة تحرّكات للكشف عن البُنية الفاسدة داخل المجتمع ومحاربتها، وكان لثورته الأثر الواضح في الحفاظ على المجتمع الإلهي، وخلق القدرة داخله على النهوض أمام عوائق الخط الشيطاني، إلّا أنّ ما يجب ملاحظته أنّه لولا شخصية الحسين عليه السلام  لما تحقّق النجاح الذي تحقّق معه عليه السلام ، فالذات الرسالية التي يحملها خلقت من وجوده ثورةً يُخشى منها، وفي كلّ كلمة يتفوّه بها عنصر إحياء ومعارضة للمنهج الآخر.

لقد كانت شخصية الحسين عليه السلام  ـ بغضّ النظر عن بقية العوامل ـ شخصية تستطيع أن تُحقّق أهدافها المنشودة؛ كلُّ ذلك لأنّها الشخصية الرسالية التي تتحمّل أعباء التكليف الإلهي بقوّة، كما تحمّلها من قبل ذلك أنبياء سبقوه، كإبراهيم عليه السلام ، ويحيى عليه السلام ، ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وغيرهم من الأنبياء عليهم السلام .

إنّ الشخصية الرسالية هي مَن تصنع الحدث، وهي مَن تجعله خالداً، ومن خلالها يرتفع ما يُلحق بها، ولولاها لما كان للحدث ولا لأشخاصه بروزٌ يُذكَر.

وبناءً على ذلك، فشخصية الحسين عليه السلام  لها القدرة ـ دون بقية العوامل ـ أن تكون موضع القدوة، والقدرة على صنع ثورات كبيرة في العالم، لقد كان الحسين عليه السلام  ـ بما يملكه من ثباتٍ وتحدّي ـ موضع إعجابِ كثيرٍ من الثورات في العالم؛ لأنّ شخصه يستطيع التغلغل داخل النفوس البشرية الثائرة.

الحسين عليه السلام  هو مَن صنع كربلاء، ومن خلاله صار لها ذكر، ولو قُدّر أن تكون هناك ثورةٌ في كربلاء من غير الحسين عليه السلام  لما كان لها هذا الشأن الذي عليه هي اليوم، وكلّ ذلك بفضل الروح السامية للمولى أبي عبدالله عليه السلام .

بطبيعة الحال، لا يمكن أن ننكر أنَّ أحداث كربلاء مجتمعةً تساهم أكبر الإسهام أيضاً في صنع ثورات تحتذي حذوها، فالظلم والمعاناة والوحشية الواضحة تُحرّك الفطرة الإنسانية لاتخاذ موقف من هذا الظلم، والاستزادة من تلك الوقعة؛ لمعرفة سبل انتصار المظلوم على الظالم، إلّا أنَّ كلّ ذلك إنّما اعتمد على وجود شخصية عظيمة، تمتلك من الإيمان والإمداد السماوي ما لا تملكه شخصية أُخرى، هذه الذات المتفانية في سبيل المشروع الربّاني، إنّه المولى أبو عبدالله عليه السلام .

المأساة والمظلومية في كربلاء والأدب العالمي

لم تقف المأساة والمظلومية عند حدود الحراك الثوري، بل رافق هذا الحراك حراكٌ معرفيّ أدبيّ، فقد وجد الكثير من أُدباء العالم بمختلف قومياتهم وأديانهم في الحسين عليه السلام  محوراً مهمّاً في البيئة المعرفية والأدبية، يمكن من خلالها إسماع صوت المظلوم، والمناداة بالقيم الرصينة للنهضة الحسينية.

فقد عرف الشعر والأدب منذ القرن الهجري الأول[11] محوراً هاماً وهو كربلاء وصولاً إلى الحاضر، ويمكن القول: بأنّه ما من موضوعٍ في الأدب أخذ حيّزاً واهتماماً كبيراً كما هي القضية الحسينية ومأساة كربلاء.

خلال هذا الأمد كان الشعر قد استوفى جُلَّ ما وقع على آل البيت عليهم السلام  من أسى، ولم يقتصر الشعر على الفصيح منه، بل كانت كلّ ملّة تصدح بلهجتها شعراً في الحسين عليه السلام .

أمّا عالم التحليل في طيات كربلاء، فإنّه ليس بأقلّ من الشعر، فقد عرفت المكتبة الإسلامية والعالمية أسفاراً عديدة تتناول جوانب كربلاء، بدءاً من الخروج ونهايةً بالمأساة الخالدة، هذا العرض المعرفي اشتركت البشرية بمختلف أديانها في صنعه وإظهار عظمة الحسين عليه السلام  من جانب، ومأساته من جانبٍ آخر، فتحرّك النصارى، والبوذ، والصابئة، ناهيك عن بقية مذاهب المسلمين، لأجل القضية الحسينية؛ لأنّها قضية إنسانية أوّلاً وأخيراً.

ولم تقف عالمية المأساة عند الشعر والمعرفة، بل سلكت مسالك أُخرى في الأدب، فراحت تصوغ أكفّ الأُدباء مسرحيات[12]، تحكي وتصوّر واقعة كربلاء.

بطبيعة الحال، لا يمكن للبحث أن يستوعب الجهد الأدبي والمعرفي المُنتج في سبيل مأساة كربلاء، إلّا أنّنا نختار بعض المقاطع الشعرية، وأُخرى مقولات في الحسين عليه السلام  وثورته الخالدة.

أمّا في الشعر، فقد قال أحمد شوقي العديد من الأبيات في الحسين عليه السلام ، إلّا أنّ أجملها ما يُعبرّ بها عن ظلم الأُمويين وبطشهم، وتخاذل المجتمع مع نصرة الحسين عليه السلام ، فقال:

وأنت إذا ما ذكـرت الحسيـن * تصاممت لا جاهـلاً موضعـه

أُحــبّ الحسـيـن ولكنّنـي * لسانـي عليــه وقلبي معـه

حبست لسـاني عـن مدحـه * حـذار أُمـيـّة أن تقطعــه[13]

وللشاعر بولس سلامة قصائد عديدة في الحسين عليه السلام  وأهل البيت عليهم السلام ، ومنها:

دمُك السمح يا حسين ضياءٌ * في الدياجير يلهم الشعراءَ

أيُّ فضلٍ لشاعرٍ منكَ يعتا * مُ اللآلي يصوغ منها رثاءً

شاعرٌ مقعدٌ جريحٌ مهيضٌ * كلُّ أيامهِ غدت كربلاءً[14]

وفي هذا الصدد نذكر أبياتاً لـعبد الرزاق عبد الواحد في تعظيم الحسين عليه السلام ، وتخليد مظلوميته:

لقد قلـتَ للنفسِ هذا طريقـُكِ

لاقـِي بـهِ الـموتَ كي تـسلـمي

وخُضتَ وقد ضُـِفرَ الموتُ ضَفراً

فـما فـيه للـروحِ مِـنْ مـَخـرمِ

وما دار حـولَك َ بل أنـتَ دُرْتَ

عـلى الموتِ فـي زَرَدٍ محــكـمِ

من الرفضِ والكـبرياءِ الـعظيمةِ

حتى بــَصـرتَ وحتى عـمـِي

فَمـسَّكَ من دونِ قـصـدٍ فـمات

وأبـقـاكَ نجمـاً من الأنجـــمِ[15]!

أمّا فيما يخصّ الدائرة العالمية فيما قيل في الإمام الحسين عليه السلام  فنذكر منهم:

1ـ المستشرق إدوارد براون: وهل ثمّة قلب لا يغشاه الحزن والألم، حين يسمع حديثاً عن كربلاء؟! وحتى غير المسلمين لا يسعهم إنكار طهارة الروح، التي وقعت هذه المعركة في ظلّها.

2ـ المؤرّخ غيبون: مأساة الحسين تتغلغل في كلّ شيء، حتى تصل إلى الأساس، وهي القصص القليلة التي لا أستطيع أن أقرأها دون أن ينتابني البكاء.

3ـ المؤرخ دوكابري: إنّ الحسين ضحّى بنفسه لصيانة شرف الإسلام، ولم يرضخ لتسلّط ونزوات يزيد، فتعالوا نتّخذه قدوةً لنتخلّص من الاستعمار، ونفضّل الموت الكريم على الحياة الذليلة[16].

 لقد كانت مأساة الحسين عليه السلام  سلاحاً تهاوت من خلاله عروشٌ كثيرة، وكان مناراً للثوّار والأُدباء وأهل العلم؛ من هنا استطاعت المأساة أن تكون لغةً إنسانية تكشف عن مظلومية عُظمى، وهي ما جعلت من الإنسانية جمعاء أن تستجيب لها.

 

 


[1] محمد عبده، شرح نهج البلاغة: ج3، ص84.

[2] اُنظر: ابن طاووس، علي بن موسى، اللهوف في قتلى الطفوف: ص77.

[3] الانهزام الذي يقصده العقّاد الانهزام العسكري لا غير، فإنّه أوضح في موضع آخر من الكتاب أنّ الحسين  عليه السلام  انتصـر؛ لأنّه استطاع أن يبقى خالداً على الدوام، واستطاعت مبادؤه أن تجد لها أرضيةً خصبةً للتحرّك الثوري، وحتى غير الملتزمين بخطّه استطاعوا أن يشكّلوا باسمه حكومات كبيرة، كالعباسيين وغيرهم.

[4] العقاد، عباس محمود، الحسين عليه السلام  أبو الشهداء: ص194.

[5] الروم: آية30.

[6] الفرحي، علي الحسيني، النهضة الحسينية دراسة وتحليل: ص579.

[7] راجع في هذا الصدد: د. حاتم البخاتي، مجلّة الإصلاح الحسيني: ص50، العدد: 3، سنة2013م، مقالاً بعنوان: النهضة الحسينية بين انتكاسة الأُمّة وإيقاظها.

[8] النّحل: آية120.

[9]

[10] شريعتي، علي، الحسين عليه السلام  وارث آدم، ترجمة: د. إبراهيم دسوقي شتا: ص288.

[11] يمكن في هذا الصدد مراجعة موسوعة أدب الطف شعراء الحسين من القرن الأول الهجري حتى القرن الرّابع عشر، جواد شبّر.

[12] يمكن في هذا الصدد مراجعة مسرحية: الحسين مسرحية تراجيدية في ثلاث فصول، وليد فاضل، دار الغدير، 1998م. ورواية غادة كربلاء، لجورجي زيدان.

[13] جواد شبر، أدب الطف: ج9، ص140.

[14] مؤسّسة الحكمة لندن، علي والحسين عليهما السلام  في الشعر المسيحي: ص243.

[15]http://www.yahosein.com/vb/showthread.php?t=133051

[16] السعيد، حسن، فاجعة الطّف شهادات من الضّفة الأُخرى: ص104 ـ 105.

 
 
البرمجة والتصميم بواسطة : MWD