1439 / جمادی‌الآخرة / 4  |  2018 / 02 / 21         الزيارات : 570324         صلاة الصبح |         صلاة الظهر والعصر |         صلاة المغرب والعشاء |

تسلية المُجالس وزينة المَجالس ج 2

{ السيد الأديب محمد بن ابي طالب الحسيني الموسوي الحائري الكركي }
تسلية المُجالس وزينة المَجالس ج 2

المجلس الرابع

في خصائص الامام الثاني سبط المصطفى، ورابع أصحاب الكساء ذي المآثر والمنن، مولانا وسيدنا أبي محمد الحسن، وذكر شيء من فضائله المختصة به والمشتركة مع جده وأبيه وامه وأخيه صلوات الله عليهم أجمعين.

الخطبة:

الحمد لله الذي جعل حمده سبيلاً موصلاً إلى نعيم جنته، وسبباً متصلاً بعميم رحمته، وشكره وسيلة لشاكره إلى المزيد من نعمته، وذكره شرفاً لذاكره في سره وعلانيته، وبنى قواعد دينه على توحيده ومعرفته، وأخذ عباده بتقديسه وتنزيهه عما لا يليق بربوبيته، ونصب لهم أعلاماً يهتدي بها المتردد في تيه حيرته، وأطلع في سماء العرفان أنجماً ينجو بزواهرها ضالهم في ظلمة شبهته، وجعل تلك الأعلام الواضحة، والأنجم اللائحة، عباداً مكرمين من خواصه، وأولياء معصومين قد صفاهم واصطفاهم بإخلاصه. أولهم نبي تممت به الرسالة والنبوة، وإمام انتهت إليه الرئاسة والفتوة، لما جعله سبحانه أشد خلقه بسطة في العلم والجسم والقوة، واختصه الرسول بالوصية والخلافة والاخوة، ثبت في العقل والنقل عموم رئاسته، وقبح في

( 8 )

الحقيقة والطريقة تقديم من قصر عن رتبته.

نحمد ربنا على ما أطلعنا عليه من سرة المكنون، وعلمه المخزون، ونزهنا عن اتباع كل ناعق بالباطل، وزاهق بغير الحق قائل، وبنى على حب آله قواعد عقائدنا، وركز في جبلتنا معرفة سادتنا وأئمتنا، وانهم اولوا الأمر الذين ألزم عباده بطاعتهم، وحث أنامه على متابعتهم، فمن سلك غير سبيلهم، واهتدى بغير دليلهم، قاده سوء اختياره إلى الشقاوة السرمدية، وأوقعه ضلال سعيه في الهلكة الأبدية.

لا نشك في كفر من تقدمهم غاصباً وتسمى بغير اسمه كاذباً، واستوجب اللعنة بإلحاده في دين الله، واستحق العقوبة بجحده ولاية الله، وتوالى في الله أوليائهم، وتعادى في الله أعداءهم، ويلعن الحانث صديقهم، والناكث فاروقهم، والثالث زهوقهم، والرابع زنديقهم، الذي كان إسلاماً نفاقاً، ودينه شقاقاً، وطبعه غدراً، ومعتقده كفراً، الباغي بحربه والكافر بربه، والخارج على إمام الحق بجنده، والباغي على ولي الخلق بحسده، والمدبر في قتل السيد الزكي قرة عين النبي وثمرة قلب الوصي، والمديف له قواتل سمومه بغدره، والمفسد رؤساء جنوده بمكره.

اللهم العنه والعن كل منقاد طوعاً لأمره، وكل شاك في ضلاله وكفره.

( 9 )

فصل

فيما ورد في فضل السيد الشكور، والامام الصبور، سبط خير المرسلين، ورهط إمام المتقين، ونجل سيد الوصيين، ونتيجة سيدة نسة العالمين، العالمين، رابع الخمسة الميامين، وثالث الأولياء المنتجبين، الذي جعله الله وأخاه أشرف خلقه أجمعين.

الجد النبي، والأب الوصي، والام الزهراء ، والدار البطحاء، فضله معروف، وكرمه موصوف، يخل الغيث بفيض كفه، ويخجل البحر بسبب عرفه، اصوله كريمة، وأياديه عميقة، وحبه فرض واجب، ووده حكم لازب، وطاعته تمام الايمان، ومعصيته سبيل الخسران، الناطق بالحكمة، والمؤيد بالعصمة، إمام الامة، وثاني الأئمة، من حبه من النيران جنة، واتباعه سبيل موصل إلى نعيم الجنة، وولاؤه على أهل الأرض فرض لا سنة، ذو النسب الطاهر، والحسب الفاخر والمجد الأعبل، والشرف الأطول، والعلم المأثور، والحلم المشهور، الذي تردى بالمجد واتزر، وتصدى للبذل واشتهر، وظهر عنه العلم وانتشر، وبخدمته الأمين جبرئيل افتخر.

آل عمران تشهد للرسول بنبوته يوم المباهلة، وسورة الانسان تنبىء عن كمال فضيلته حين المفاضلة، وأحزاب المجد بحجة آية تطهيرها لعصمته

( 10 )

ناصرة، وأبصار الفخر إلى نضرة بهجته يوم الكساء ناظرة، شاطر الله ماله مراراً، وآثر المسكين واليتيم والأسير بقوته إيثاراً، وكان للمسلمين نوراً ومناراً، وللعارفين غيثاً مدراراً، تشمخ المنابر فخراً إن علاها بقدمه، وتشرق المحاضر سروراً إذا غمرها بكرمه، موات الآمال يحيى بوابل جوده، وأموات الافضال تنشر بها طل جوده، والرئاسة العامة تتجلى على رفعة إمامته، والمناقب التامة تخطر بين يدي زعامته.

من اتخذه بضاعة ربحت تجارته في الدنيا والآخرة، ومن تولى عن أمره إلى غيره ومعاندة أضحت كرته خاسرة، رضيت به وبأهل بيته سادة عمن سواهم، ووسمت جبهتي بميسم العبودية لجلال علاهم، فإن رقموني في دفاتر عبيدهم، وأثبتوني في جرائد عديدهم، فذلك غاية مرادي وأقصى مناي، وإن طردوني عن أبواب كرمهم، ومحوني من جرائد خدمهم، فيا شقوتي وخيبة مسعاي.

اللهم نور قلبي بحبهم، واشرح صدري بقربهم، ولا تخلني من حياطتهم، ولا تصرف وجهي عن وجههم، والحظي بعين عنايتهم، ولا تنزع مني بركة رأفتهم، إنك على كل شيء قدير.

محمد بن إسحاق، بالاسناد: جاء أبوسفيان إلى علي عليه السلام، فقال: يا أبا الحسن، جئتك في حاجة.

قال : وفيما جئتني؟ قال: تمشي معي إلى ابن عمك محمد فتسأله أن يعقد لنا عقداً، ويكتب لنا كتاباً. فقال أميرالمؤمنين: لقد عقد لك رسول الله صلى الله عليه وآله عقداً لا يرجع عنه أبداً، وكانت فاطمة من وراء الستر، والحسن يدرج بين يديها وهو

( 11 )

طفل من أبناء أربعة عشر شهراً (1) ، فقال: يا بنت محمد، قولي لهذا الطفل يكلم لي جده فيسود بكلامه العرب والعجم.

فأقبل الحسن عليه السلام على أبي سفيان وضرب بإحدى يديه على أنفه والاخرى على لحيته، ثم أنطقه الله سبحانه بأن قال: يا ابا سفيان، قل: لا إله إلا الله، محمد رسول الله ، حتى أكون لك شفيعاً.

فقال أميرالمؤمنين عليه السلام: الحمد لله الذي جعل من ذرية محمد المصطفى نظير يحيى بن زكريا، آتاه (2) الحكم صبياً.

واستغاث الناس إليه عليه السلام من زياد بن أبيه، فرفع يده وقال: اللهم خذ لنا ولشيعتنا من زياد بن أبيه، وأرنا فيه نكالاً عاجلاً، إنك على كل شيء قدير.

قال: فخرج خراج في إبهام يمينه، ويقال: السلعة (3)، وورم إلى عنقه فمات لا رحمه الله (4).

قال محمد بن إسحاق: ما بلغ أحد من الشرف بعد رسول الله صلى الله عليه وآله ما بلغ الحسن بن علي، كان يبسط له بساط على باب داره فإذا خرج وجلس انقطع الطريق، فما يراه أحد من خلق الله إلا قام إجلالاً له، فإذا علم قام

(1) وردت هذه القصة في كتب السير عند ذكر فتح مكة مسنة ثمان للهجرة حين جاء أبو سفيان إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ليبرم عهد المشركين ويزيد في مدته.

وقد قيل كان عمر الحسن عليه السلام خمس سنين، وفي الكامل في التاريخ:2/241 انه غلام.

(2)في المناقب: « وآتيناه الحكم صبياً» سورة مريم: 12.

(3) في المناقب، خراج في إبهام يمينه يقال لها: السلعة.

(4) مناقب ابن شهراشوب: 4/6 ـ 7، عنه البحار: 43/326 ح 6.

( 12 )

فدخل داره فيمر الناس، ولقد رأيته في طريق مكة ماشياً فما أحد من خلق الله رآه إلا نزل ومشى.

أبو السعادات في الفضائل: إن الشيخ أبو الفتوح أملى في المدرسة الناجية أن الحسن بن علي عليه السلام كان يحضر مجلس رسول الله صلى الله عليه وآله وهو ابن سبع سنين فيسمع الوحي فيحفظه، فيأتي إلى امه فيلقي إليها ما حفظه، فلما دخل عليها أميرالمؤمنين عليه السلام وجد عندها علماً بالتنزيل، فسألها عن ذلك، فقالت: من ولدك الحسن، فتخفى يوماً في الدار وقد دخل الحسن فأراد أن يلقيه إليها فارتج (1) عليه، فعجبت (2)، فخرج أميرالمؤمنين عليه السلام وضمه إليه وقبله.

وفي رواية: يا اماه، قل بياني، وكل لساني، لعل سيداً يرعاني. (3) الحسين بن أبي العلاء، عن جعفر بن محمد عليه السلام: قال الحسن بن علي عليه السلام لأهل بيته: يا قوم، إني أموت بالسم كما مات رسول الله صلى الله عليه وآله.

فقال له أهل بيته: ومن الذي يسمك؟

قال: جاريتي أو امرأتي.

فقالوا له: أخرجها من ملكك عليها لعنة الله.

(1) أرتج على القارىء... إذا لم يقدر على القراءة كأنه اطبق عليه، كما يرتج الباب، وكذلك ارتنج عليه. ولا تقل: ارتج عليه بالتشديد. (الصحاح: 1/317 ـ رتج ـ).

(2) في المناقب: فعجبت امه من ذلك، فقال: لا تعجبين يا اماه، فإن كبيراً يسمعني واستماعه قد أوقفني، فخرج...

(3) مناقب ابن شهراشوب: 4/7 ـ 8، عنه البحار: 43/338 ح 11.

( 13 )

فقال: هيهات من إخراجها ومنيتي على يدها، مالي منها محيص، ولو أخرجتها لم يقتلني غيرها، كان قضاء مقضياً وأمراً واجباً من الله؛ فما ذهبت الأيام حتى بعث معاوية إلى زوجته بالسم.

فقال الحسن لها: هل عندك شربة لبن؟ فقالت: نعم، فأتت باللبن وفيه السم الذي بعث به معاوية، فلما شربه وجد مس [السم] (1) في بدنه، فقال: يا عدوة الله، قتلتيني قاتلك الله، أما والله لا تصيرين مني خلفاً، ولا تصيبين (2) من الفاسق اللعين عدو الله خيراً أبداً. (3).

محمد الفتال النيشابوري في كتاب مونس الحزين: بالاسناد عن عيسى ابن الحسن، عن الصادق عليه السلام: قال بعضهم للحسن بن علي في احتمال الشدائد من معاوية، فقال صلوات الله عليه كلاماً معناه: لو دعوت الله سبحانه لجعل العراق شاماً والشام عراقاً، ولجعل الرجل امرأةً والمرأة رجلاً. فقال السائل (4): ومن يقدر على ذلك؟ فقال عليه السلام: انهضي، ألا تخجلين وتستحين أن تقعدي بين الرجال؟ فوجد الرجل نفسه امرأة بينة كالنساء، ثم قال: قد صارت عيالك رجلاً ويقاربك وتحملين منها وتلدين (5) ولداً خنثى، فكان كما قال عليه السلام، ثم إنهما تابا وجاءا إليه، فدعا لهما، فأعادهما الله تعالى إلى الحالة الاولى. (6)

(1) من المناقب.

(2) في المناقب: لا تصيبين مني خلفاً، ولا تنالين.

(3) مناقب ابن شهراشوب: 4/8، عنه البحار: 43/327 ذ ح 6.

(4) في المناقب: الشامي.

(5) في المناقب: وتقاربك وتحمل عنها وتلد.

(6) مناقب ابن شهراشوب: 4/8 ـ 9، عنه البحار: 43/327 ضمن ح6.

( 14 )

قال أحدهما عليهما السلام في قوله: « هَلْ يَسْتَوِي الّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ» : (1)نحن الذين نعلم، وعدونا لا يعلم، وشيعتنا اولوا الألباب (2).

وقيل للحسن عليه السلام: إن فيك عظمة.

قال: لا، العظمة لله، بل في عزة، قال الله تعالى: ولله العزة ولرسولة وللمؤمنين) (3). وقال واصل بن عطاء: كان الحسن عليه السلام عليه سيماء الأنبياء، وبهاء الملوك. (4)

محمد بن أبي عمير (5) : عن رجاله، عن أبي عبدالله عليه السلام، عن الحسن بن علي عليه السلام قال: إن الله سبحانه مدينتين: إحداهما في المشرق والاخرى في المغرب، عليهما سور من حديد، وعلى كل مدينة ألف (ألف) (6) باب، لكل باب مصراعان (7) من ذهب، وفيهما سبعون ألف لغة، يتكلم كل واحد بخلاف لغة صاحبه، وأنا أعرف جميع اللغات وما فيهما وما بينهما وما عليهما حجة لله غيري وغير أخي الحسين عليه السلام. (8)

(1) سورة الزمر: 9.

(2) مناقب ابن شهراشوب: 4/9.

(3) سورة المنافقون: 8.

(4) مناقب ابن شهراشوب: 4/9، عنه البحار : 43/338 ح 12.

(5) كذا الصحيح، وفي الأصل والمناقب: محمد بن عمير.

(6) من المناقب.

(7) كذا في المناقب، وفي الأصل: مصراع.

(8) مناقب ابن شهراشوب: 4/9 ـ 10، عنه البحار: 43/337 ح 7، وعوالم العلوم: 16/109 ح6 وعن بصائر الدرجات: 339 و ص 493ح 11.

( 15 )

الكليني في كتابه الكافي (1): انه جاء في حديث عمرو بن عثمان، عن أبي عبدالله عليه السلام أنه سئل الحسن عن امرأة جامعها زوجها، فقامت بحرارة جماعه فساحقت جارية بكراً، وألقت النطفة إليها، فحملت.

فقال عليه السلام: أما في العاجل فتؤخذ المرأة بصداق هذه البكر، لأن الولد لا يخرج منها حتى تذهب عذرتها، ثم ينتظر بها حتى تلد فيقام عليها الحد ويؤخذ الولد فيرد إلى صاحب النطفة، وتؤخذ المرأة ذات الزوج فترجم.

قال: فاطلع أميرالمؤمنين عليه السلام فرآهم يضحكون، فقصوا عليه القصة، فقال: ما أحكم إلا بما حكم به الحسن.

وفي رواية: لو أن أبا الحسن لقيهم ما كان عنده إلا ما قال الحسن. (2)

محمد بن سيرين: أن علياً عليه السلام قال لابنه الحسن: أجمع الناس، فلما اجتمعوا قام صلوات الله عليه فخطب الناس، فحمد الله وأثنى عليه، وتشهد، ثم قال: أيها الناس، إن الله اختارنا [لنفسه] (3)، وارتضانا لدينه، واصطفانا على خلقه، وأنزل علينا كتابة ووحيه، وأيم الله لا ينقصنا أحد من حقنا شيئاً إلا انتقصه الله من حقه، في عاجل دنياه وآجل آخرته، ولا يكون علينا دولة إلا كانت لنا العاقبة « وَلَتَعْلَمُنّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ»، ثم نزل وجمع بالناس، وبلغ أباه، فقبل بين عينيه، وقال: بأبي أنت وأمي « ذُرّيّةً بَعْضُهَا مِن  

واخرجه في البحار: 27/41 ح 2 ، وج 57/326 ح 6 عن البصائر بطريقيه.

(1) الكافي: 7/202 ح 1، عنه البحار: 43/352 ح 30، وعوالم العلوم: 16/109 ح 5.

(2) مناقب ابن شهراشوب: 4/10 ـ 11.

(3) من المناقب.

(4) سورة ص : 88.

( 16 )

بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» (1).

في كتاب العقد لابن عبد ربه الأندلسي وكتاب المدائني أيضاً: قال عمروبن العاص لمعاوية: لو أمرت الحسن بن علي أن يخطب على المنبر، فلعله يحصر فيكون ذلك وضعاً من قدره عند الناس، فأمر الحسن بذلك.

فلما صعد المنبر تكلم فأحسن، ثم قال: أيها الناس، من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن علي بن أبي طالب، أنا ابن أول المسلمين إسلاماً، وأمي فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله، أنا ابن البشير النذير، أنا ابن السراج المنير، أنا ابن من بعث رحمة للعالمين.

وعن ابن عبد ربه أيضاً: أنه قال: لو طلبتم ابناً لنبيكم ما بين لابتيها (2) لم تجدوا غيري وغير أخي.

فناداه معاوية: يا أبا محمد، حدثنا بنعت الرطب ـ وأراد بذلك أن يخجله ويقطع عليه كلامه ـ ، فقال: نعم تلقحه الشمال، وتخرجه الجنوب، وتنضجه الشمس، ويطيبه (3) القمر.

وفي رواية المدائني: الريح تنضجه (4) ، والليل يبرده ويطيبه.

وفي رواية المدائني قال: فقال عمرو: انعت لنا الخرأة.

قال : نعم، تبعد الممشى في الأرض الصحصح (5) حتى تتوارى من القوم،

(1) سورة آل عمران: 34.

(2) أي ما أحاطت به الحرتان من المدينة.

(3) كذا في المناقب، وفي الأصل: ويصنعه.

(4) في المناقب: تنفخه.

(5) كذا في المناقب، وفي الأصل: الصحيح. والصحصح: ما استوى من الأرض وكان

( 17 )

ولا تستقبل القبلة ولا تستدبرها، ولا تمسح باللقمة والرمة ـ يريد العظم والروث ـ ولا تبل في الماء الراكد. (1)

وفي روضة الواعظين: ان الحسن عليه السلام كان إذا توضأ ارتعدت مفاصله، واصفر لونه، فقيل له في ذلك. فقال: حق على كل من وقف بين يدي رب العرش أن يصفر لونه، وترتعد مفاصله.

وكان صلوات الله عليه إذا بلغ باب المسجد رفع رأسه ويقول: اللهم ضيفك (2) ببابك، يا محسن، قد أتاك المسيء، فتجاوز عن قبيح ما عندي بجميل ما عندك يا كريم.

وعن الصادق عليه السلام: أن الحسن عليه السلام حد خمساً وعشرين حجة على قدميه.

وبالاسناد (3) عن القاسم بن عبدالرحمان، عن محمد بن علي عليه السلام: قال الحسن عليه السلام: إني لأستحيي من ربي أن القاه ولم أمش إلى بيته، فمشى عشرين مرة من المدينة على رجليه.

وفي كتابه (4) بالاسناد: أن الحسن عليه السلام قاسم ربه ماله نصفين.

وعن شهاب بن عامر أن الحسن قاسم ربه ماله مرتين حتى تصدق بفرد نعله.

أجرد

(1) مناقب ابن شهراشوب: 4/11 ـ 12، عنه البحار: 43/ 355 ح 33.

(2) كذا في المناقب، وفي الأصل: صفيك.

(3) حلية الأولياء: 2/37.

(4) أي حلية الأولياء لأبي نعيم الاصفهاني.

( 18 )

وفي رواية: أنه تصدق ثلاث مرات يقاسم ربه ماله حتى إنه كان ليعطي نعلاً ويمسك نعلاً، ويعطي خفاً ويمسك خفاً.

وكان يمشي في طريق مكة، وإن النجائب لتقاد معه. (1)

روي أنه دخلت على الحسن عليه السلام امرأة جميلة وهو في صلاته فأوجز في صلاته، ثم قال لها: ألك حاجة؟

قالت: نعم.

قال: وماهي؟

قالت: قم فأصب مني فإني وفدت ولا بعل لي.

قال: إليك عني لا تحرقيني بالنار ونفسك، فجعلت تراوده عن نفسه وهو يبكي ويقول: ويحك إليك عني، واشتد بكاؤه، فلما رأت ذلك بكت لبكائه، فدخل الحسين عليه السلام ورآهما يبكيان، فجلس يبكي، وجعل أصحابه يأتون ويجلسون ويبكون حتى كثر البكاء وعلت الأصوات، فخرجت الأعرابية، وقام القوم، ولبث الحسين عليه السلام بعد ذلك وهو لا يسأل الحسن عن ذلك إجلالاً له، فبينا الحسن عليه السلام ذات يوم (2) نائماً إذ استيقظ وهو يبكي، فقال الحسين عليه السلام: ما شأنك، يا أخي؟

قال: رؤيا رأيتها.

قال: وما هي؟

قال: لا تخبر أحداً ما دمت حياً.

(1) مناقب ابن شهراشوب: 4/14، عنه البحار: 43/339 ح 13.

(2) في المناقب: ليلة.

( 19 )

قال: نعم.

قال: رأيت يوسف عليه السلام في المنام فجئت أنظر إليه فيمن نظر، فلما رأيت حسنه بكيت، فنظر إلي في الناس، فقال: ما يبكيك، يا أخي، بأبي وامي؟

فقلت: ذكرتك وامرأة العزيز، وما ابتليت به من أمرها، وما لقيت في السجن، وحرقة الشيخ يعقوب، فبكيت من ذلك، وكنت أتعجب منه.

فقال عليه السلام: فهلا تعجبت مما كان من المرأة البدوية بالأبواء؟

وللحسن عليه السلام:

ذري كدر الأيام إن صفـاءها      تولى بأيام الـسرور الـذواهب

وكيف يغر الدهر من كان بينه     وبين الليالي محكمات التجارب

وله عليه السلام:

قل للمقيم بغير (1) دار إقامة    حان الرحيـل فودع الأحبابـا

إن الذين لقـيتهم وصحبتهم      صاروا جميعاً في القبور ترابا

ومن سخائه عليه السلام أنه سأله رجل فأعطاه خمسين ألف درهم وخمسمائة دينار وقال: ائت بحمال يحمل لك، فأعطى الحمال طيلسانه، وقال: هذا الكرى للحمال.

وجاء بعض الأعراب فقال: أعطوه ما في الخزانة، فوجدوا فيها عشرون ألف درهم، فدفعها إلى الاعرابي.

فقال الأعرابي: هلا تركتني أبوح بحاجتي واظهر مدحتي؟

(1) كذا في المناقب، وفي الأصل: تغير.

( 20 )

فأنشأ صلوات الله عليه:

نحن  اناس عطاؤنا خضل(1)      يـرتع فـيه الـرجاء والأمل
تـجود قـبل الـسؤال أنفسنا      خـوفاً على ماء وجه من يسل
لـو علم البحر فضل(2) نائلنا      لغاض من بعد فيضه خجل(3)

أبو جعفر المدائني ـ في حديث طويل ـ : قال: خرج الحسن والحسين وعبدالله بن جعفر حجاجاً ففاتهم أثقالهم، فجاعوا وعطشوا، فرأوا في بعض الشعاب خباء رثا وعجوزاً فاستسقوها. فقالت: اطلبوا هذه الشويهة، ففعلوا واستطعموها فقالت: ليس إلا هي فليقم أحدكم فليذبحها حتى أصنع لكم طعاماً، فذبحها أحدهم، ثم شوت لهم من لحمها، وأكلوا وقيلوا عندها، فلما نهضوا قالوا لها: نحن نفر من قريش نريد هذا الوجه، فإذا نحن انصرفنا وعدنا فالممي بنا فإنا صانعون بك خيراً، ثم رجلوا.

فلما جاء زوجها وعرف الحال أوجعها ضرباً، ثم مضت الأيام وأضرت بها الحال فرحلت حتى اجتازت بالمدينة، فبصر بها الحسن عليه السلام فأمر لها بألف شاة وأعطاها ألف دينار، وبعث معها رسولاً إلى الحسين عليه السلام فأعطاها مثل ذلك، ثم بعثها إلى عبدالله بن جعفر فأعطاها مثل ذلك.

ودخل عليه رجل (4) فقال: يا ابن رسول الله، إني عصيت رسول الله صلى الله عليه وآله.

(1) الخضل: كل شيء ند يترشف نداه.

(2) كذا في المناقب، وفي الأصل: علم.

(3) مناقب ابن شهراشوب: 4/14 ـ 16، عنه البحار: 43/340 ح 14.

(4) في المناقب: ودخل الغاضري عليه السلام.

( 21 )

فقال عليه السلام: بئس ما فعلت، كيف فعلت؟

فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: لا يفلح قوم ملكت عليهم امرأة، وقد ملكت علي امرأتي فأمرتني أن اشتري غلاماً (1)، فاشتريته وقد أبق مني.

فقال صلوات الله عليه: اختر أحد ثلاثة: إن شئت قيمة عبد. فقال: ها هنا لا تتجاوز! قد اخترت، فأعطاه ذلك.

وقال أنس: حيت (2) جارية للحسن عليه السلام بطاقة ريحان، فقال لها: أنت حرة لوجه الله، فقلت له في ذلك، فقال: أدبنا الله سبحانه وقال: « وَإِذَا حُيّيتُم بِتَحِيّةٍ فَحَيّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا» (3) وكان أحسن منها إعتاقها. (4)

وروى المبرد قال: رآه شامي راكباً فجعل يلعنه والحسن عليه السلام لا يرد، فلما فرغ أقبل عليه الحسن وضحك وقال: أيها الشيخ، أظنك غريباً ولعلك شبهتني، فلو استعنتنا أعناك (5) ، ولو سألتنا أعطيناك، ولو استرشدتنا أرشدناك، ولو استحملتنا حملناك، وإن كنت جائعاً أشبعناك، وإن كنت عرياناً كسوناك، وإن كنت محتاجاً أغنيناك، وإن كنت طريداً آويناك، وإن كنت ذا حاجة قضيناها لك، فلو كنت حركت رحلك إلينا، وكنت ضيفاً لنا إلى وقت ارتحالك كان أعود عليك، لأن لنا موضعاً رحباً، وجاهاً عريضاً، ومالاً كثيراً.

(1) في المناقب: عبداً.

(2) كذا في المناقب، وفي الأصل: جاءت.

(3) سورة النساء: 86.

(4) مناقب ابن شهراشوب: 4/16 ـ 18، عنه البحار: 43/341 ح 15.

(5) في المناقب: فلو استعتبنا أعتبناك. أي لو استرضيتنا فرضيناك.

( 22 )

فلما سمع الرجل كلامه بكى، ثم قال: أشهد أنك خليفة الله في أرضه، الله أعلم حيث يجعل رسالته، وكنت أنت وأبوك أبغض خلق الله إلي، فالآن أنت أحب الخلق إلي، وحول رحله إليه، وكان ضيفه إلى أن ارتحل، وصار معتقداً محبتهم. (1)

وروى البخاري والموصلي: قال إسماعيل بن خالد لأبي جحيفة: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله؟

قال: نعم، وكان الحسن عليه السلام يشبهه.

أبو هريرة(قال) (2): دخل الحسن يوماً وهو معتم فظننت أن (3) النبي صلى الله عليه وآله قد بعث.

وروى الغزالي: أن النبي صلى الله عليه وآله قال للحسن: أشبهت خلقي وخلقي. (4)

دعا أميرالمؤمنين عليه السلام محمد بن الحنفية يوم الجمل فأعطاه رمحه وقال له: اقصد بهذا الرمح قصد الجمل، فذهب فمنعوه بنو ضبة ، فلما رجع إنتزع الحسن الرمح من يده ، وقصد قصد الجمل، وطعنه برمحه، ورجع إلى والده، وعلى الرمح أثر الدم، فتمغر وجه محمد من ذلك، فقال أميرالمؤمنين عليه السلام: لا تأنف فإنه ابن النبي وأنت ابن علي. (5)

(1) مناقب ابن شهراشوب: 4/19، عنه البحار: 43/344 ذ ح 16.

(2) من المناقب.

(3) كذا في المناقب، وفي الأصل: أن.

(4) مناقب ابن شهراشوب: 4/20 ـ 21، عنه البحار: 43/293 ـ 294.

(5) مناقب ابن شهراشوب: 4/21، عنه البحار: 32/187 ح 137، وج 43/345 ذ ح 17.

( 23 )

وطاف الحسن عليه السلام بالبيت يوماً فسمع رجلاً يقول: هذا ابن فاطمة الزهراء، فالتفت إليه فقال: قل هذا ابن علي بن أبي طالب، فأبي خير من أمي. (1)

وتفاخرت قريش والحسن عليه السلام ساكت لا ينطق، فقال له معاوية: [يا] (2) أبا محمد ما لك لا تنطق؟ فوالله ما أنت بمشوب الحسب، ولا بكليل اللسان.

فقال الحسن عليه السلام : ما ذكروا فضيلة إلا ولي محضها ولبابها. (3)

أخبار أبي حاتم (4): إن معاوية فخر يوماً، فقال: أنا ابن بطحاء مكة، أنا ابن إغزرها (5) جوداً، وأكرمها جدوداً، وأنا ابن من ساد قريشاً فضلاً ناشئاً وكهلاً.

فقال الحسن عليه السلام: يا معاوية، أعلي تفتخر؟! أنا ابن عروق الثرى، أنا ابن مأوى التقى، أنا ابن من جاء بالهدى، أنا ابن من ساد اهل الدنيا، بالفضل السابق، والحسب الفائق، أنا ابن من طاعته طاعة الله، ومعصية معصية الله، فهل لك أب كأبي تباهيني به، وقديم كقديمي تساميني به؟ قل: نعم ، أو لا. فقال معاوية: بل أقول: لا، وهي لك تصديق. (6)

(1) مناقب ابن شهراشوب: 4/21، عنه البحار: 43/345 صدر ح 18.

(2) من المناقب.

(3) مناقب ابن شهراشوب: 4/21، عنه البحار: 44/103 ح 10.

(4) كذا في المناقب، وفي الأصل: أمثال أبي حازم.

(5) كذا في المناقب، وفي الأصل: أعرفها.

(6) مناقب ابن شهراشوب: 4/21 ـ 22، عنه البحار: 44/103 ح 11 وعن كشف الغمة: 1/575.

( 24 )

وقال معاوية يوماً للحسن عليه السلام: أنا خير منك.

قال: كيف ذاك: يا ابن هند؟ قال: لأن الناس قد اجتمعوا علي ولم يجمعوا عليك. قال الحسن: هيهات هيهات لشر ما علوت، يا ابن آكلة الأكباد، المجتمعون عليك رجلان: بين مطيع ومكره، فالطائع لك عاص لله، والمكره معذور بكتاب الله، وحاشى لله أن أقول أنا خير منك فلا خير فيك، ولكن الله برأني من الرذائل كما برأك من الفضائل.

كتاب الشيرازي: روى سفيان الثوري، عن واصل، عن الحسن، عن ابن عباس في قوله سبحانه: « وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلاَدِ» (1) أنه جلس الحسن بن علي عليه السلام ويزيد بن معاوية يأكلان الرطب، فقال يزيد: يا حسن، إني مذ كنت أبغضك.

فقال الحسن: يا يزيد، اعلم أن إبليس شارك أباك في جماعه فاختلط الماء ان فأورثك ذلك عداوتي، لأن الله سبحانه يقول: « وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلاَدِ» وشارك الشيطان حرباً عند جماعه فولد له صخر، فلذلك كان يبغض جدي رسول الله صلى الله عليه وآله.

هرب سعيد بن سرح (2) من زياد إلى الحسن عليه السلام، فكتب الحسن إليه يشفع فيه.

فكتب زياد إلى الحسن:

(1) سورة الإسراء: 64.

(2) كذا في المناقب، وفي الأصل: سعد بن أبي شرح.

( 25 )

من زياد بن أبي سفيان إلى الحسن بن فاطمة.

أما بعد:

فقد أتاني كتابك تبدأ فيه باسمك قبل اسمي وأنت طالب حاجة، وأنا سلطان وأنت سوقة (1)، وذكر نحواً من ذلك.

فلما قرأ الحسن الكتاب تبسم وأنفذ بالكتاب إلى معاوية، فكتب معاوية إلى زياد لعنه الله يؤنبه ويأمره أن يخلي عن أخي سعيد وولده وامرأته ورد ماله وبناء ما قد هدمه من داره، ثم قال:

وأما كتابك إلى الحسن باسمه واسم امه لا تنسبه إلى أبيه، وامه بنت رسول الله صلى الله عليه وآله، وذلك أفخر له إن كنت تعقل. (2)

كتاب الفنون (3) عن أحمد المؤدب ونزهة الأبصار: أنه مر الحسن عليه السلام بقوم فقراء وقد وضعوا كسيرات لهم على الأرض وهم يلتقطونها ويأكلونها، فقالوا له: هلم يا ابن رسول الله إلى الغذاء، فنزل وقال: إن الله لا يحب المستكبرين (4)، وجعل يأكل معهم حتى اكتفوا والزاد على حاله ببركته، ثم دعاهم إلى منزله (5) وأطعمهم وكساهم. (6)

وفي العقد: أن مروان بن الحكم قال للحسن بن علي عليه السلام بين

(1)السوقة: الرعية.

(2) مناقب ابن شهراشوب: 4/22 ـ 23، عنه البحار: 44/104 ح 12 وعن كشف الغمة: 1/573.

(3) كذا في المناقب، وفي الأصل: العيون.

(4)إقتباس من قوله تعالى في سورة النحل: 23.

(5) في المناقب: ضيافته.

(6) مناقب ابن شهراشوب: 4/23 ، عنه البحار: 43/351 ح 28.

( 26 )

يدي معاوية: أسرع الشيب إلى شاربك يا حسن. ويقال: إن ذلك من الخرق.

فقال عليه السلام: ليس كما بلغك ولكنا معشر بني هاشم أفواهنا عذبة وشفاهنا طيبة (1)، فنساؤنا يقبلن علينا بأنفاسهن، وأنتم معشر بني امية فيكم بخر شديد، فنساؤكم يصرفن أفواههن وأنفاسهن إلى أصداغكم، فإنما يشيب منكم موضع العذار من أجل ذلك.

فقال مروان: أما إن يا بني هاشم فيكم خصلة سوء.

قال: وماهي؟

قال: الغلمة (2).

قال: أجل، نزعت من نسائنا ووضعت في رجالنا، ونزعت الغلمة من رجالكم ووضعت في نسائكم، فما قام لأموية إلا هاشمي، ثم خرج، وأنشد صلوات الله عليه:

وما رست هذا الدهر خمسين حجة      وخـمساً أرجـي قـابلاً بعد قابل
فـما أنـا في الدنيا بلغت جسيمها      ولا  في الذي أهوى كدحت بطائل
وقد  أشرعتني في المنايا أكفها(3)      وأيقنت أني رهن موت معاجل(4)

(1) في المناقب: طيبة أفواهنا، عذبة شفاهنا.

(2) الغلمة: شهوة الجماع.

(3) استظهر في هامش البحار: فقد أشرعت في المنايا أكفها.

(4) مناقب ابن شهراشوب: 4/23 ـ 24، عنه البحار: 44/105 ح 13.

( 27 )

قيل لمجنون: الحسن كان أفضل أم الحسين؟

قال: الحسن، لقوله سبحانه: « رَبّنَا آتِنَا فِي الدّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً» (1) ولم يقل: حسينة. (2)

وروى أبو يعلى الموصلي في المسند: عن ثابت البناني، عن أنس وعبدالله ابن شيبة (3)، عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وآله قام إلى صلاة والحسن متعلق به، فوضعه النبي صلى الله عليه وآله إلى جانبه وصلى، فلما سجد أطال السجود فرفعت رأسي من بين القوم فإذا الحسن على كتف النبي صلى الله عليه وآله، فلما سلم قال له القوم: يا رسول الله، لقد سجدت في صلاتك سجدة ما كنت تسجدها، كأنما يوحى إليك.

فقال صلى الله عليه وآله: لم يوح إلي، ولكن ابني كان على كتفي فكرهت أن اعجله حتى نزل.

وفي رواية اخرى أنه قال: إن ابني ارتحلني فكرهت أن اعجله حتى يقضي حاجته.

وفي رواية اخرى: قال: كان النبي صلى الله عليه وآله يصلي بنا وهو ساجد فيجيء الحسن وهو صبي صغير حتى يصير على ظهره أو رقبته فيرفعه رفعاً رفيقاً، فلما صلى صلاته قالوا: يا رسول الله، إنك لتصنع بهذا الصبي شيئاً لم تصنعه بأحد!

فقال: هذا ريحانتي.

(1) سورة البقرة: 201.

(2) مناقب ابن شهراشوب: 4/24.

(3) كذا في المناقب، وفي الأصل: شبيب.

( 28 )

وعن أبي هريرة: قال: ما رأيت الحسن قط إلا فاضت عيناي بدموعها، وذلك أنه أتى يوماً يشتد حتى قعد في حجر رسول الله صلى الله عليه وآله فجعل يقول في لحية رسول الله صلى الله عليه وآله هكذا وهكذا ورسول الله صلى الله عليه وآله يفتح فمه، ثم يدخل فمه في فمه، ويقول: اللهم اني احبه فأحبه وأحب من يحبه، يقولها ثلاث مرات.

عبدالرحمان بن أبي ليلى: كنا عند النبي صلى الله عليه وآله فجاء الحسن وأقبل يتمرغ عليه فرفع قميصه وقبل زبيبته. (1)

الخدري: إن الحسن عليه السلام جاء والنبي صلى الله عليه وآله يصلي فأخذ بعنقه وهو جالس، فقام النبي صلى الله عليه وآله وإن الحسن ليمسك بيديه حتى ركع.

وعن أبي هريرة: كان النبي صلى الله عليه وآله يقبل الحسن، فقال الأقرع بن حابس: إن لي عشرة من الولد ما قبلت أحداً منهم.

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: من لا يرحم لا يرحم. (2)

وروي من طرق العامة، ورواه أصحابنا رضي الله عنهم في كتبهم: عن أميرالمؤمنين عليه السلام، وعن علي بن الحسين، وعن أسماء بنت عميس، قالت: لما ولدت فاطمة الحسن عليهما السلام جاءني النبي صلى الله عليه وآله وقال: يا أسماء هاتي ابني، فدفعته إليه في خرقة صفراء، فرمى بها، وقال: يا

(1) مناقب ابن شهراشوب: 4/24 ـ 25، عنه البحار: 43/294 ح 55.

وانظر ترجمة الإمام الحسن عليه السلام من القسم غير المطبوع من طبقات ابن سعد: 40 ح 40، ففيه مصادر كثيرة للحديث.

(2) مناقب ابن شهراشوب: 4/25، عنه البحار: 43/295 ح 56.

( 29 )

أسماء ألم أعهد إليكم ألا تلفوا المولود في خرقة صفراء؟ فلففته في خرقة بيضاء ودفعته إليه، فأذن في اذنه اليمنى، وأقام في اليسرى، وقال لعلي: أي شيء سميت ابني هذا؟

فقال أميرالمؤمنين عليه السلام: ما كنت لأسبقك باسمه، وقد كنت أحب أن اسميه حرباً.

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: وأنا لا أحب أن أسبق ربي باسمه، ثم هبط جبرئيل، فقال: السلام عليك يا محمد، العلي الأعلى يقرؤك السلام، ويقول: علي منك بمنزلة هارون من موسى ولا نبي بعدك، سم ابنك هذا باسم ابن هارون.

قال: وما اسم ابن هارون، يا جبرئيل؟

قال: شبر.

قال: لساني عربي.

قال: سمه الحسن.

قال: فلما كان يوم سابعه عق عنه بكبشين أملحين، وأعطى القابلة فخذاً وحلق رأسه، وتصدق بوزن الشعر ورقاً، وطلى رأسه بالخلوق (1)، ثم قال: يا أسماء، الدم فعل الجاهلية.

قالت: فلما ولد الحسين فعل مثل ذلك. (2)

(1) الخلوق: طيب معروف مركب يتخذ من الزعفران وغيره من أنواع الطيب وتغلب عليه الحمرة والصفرة.

(2) مناقب ابن شهراشوب: 4/25 ـ 26، عنه البحار: 43/238 ح 4 وعن عيون أخبار الرضا عليه السلام: 2/25 ح 5، وصحيفة الرضا عليه السلام: 240 ح 146.

( 30 )

قال الباقر عليه السلام ـ في خبر ـ : فوزنوا الشعر فكان وزنه درهماً ونصفاً. (1)

الصادق عليه السلام وابن عباس وأبوهريرة أيضاً: إن فاطمة عادت رسول الله صلى الله عليه وآله في مرضه الذي عوفي منه ومعها الحسن عليه السلام والحسين عليه السلام، فأقبلا يغمزان مما يليهما من يد رسول الله صلى الله عليه وآله حتى اضطجعا على عضديه وناما، فلما انتبها خرجا في ليلة ظلماء مدلهمة ذات رعد وبرق وقد أرخت السماء عزاليها، فسطع لهما نور، فلم يزالا يمشيان في ذلك النور ويتحدثان حتى أتيا حديقة بني النجار فاضطجعا وناما، إلى تمام الحديث (2)، وهذا الحديث أوردته مستوفى من أمالي الشيخ الجليل أبي جعفر محمد بن علي بن بابوية القمي رضي الله عنه عند ذكر مأتم للأعمش مع أبي جعفر المنصور الدوانيقي قبل هذا المجلس، فلا حاجة لإعادته.

وكان مولده صلى الله عليه وآله بالمدينة ليلة النصف من شهر رمضان عام احد سنة ثلاث من الهجرة، وقيل: سنة اثنتين، وجاءت به فاطمة عليها السلام يوم السابع من مولده في خرقة من حرير الجنة، وكان جبرئيل أتى بها رسول الله صلى الله عليه وآله فسماه حسناً، وعق عنه كبشاً، فعاش مع جده سبع سنين وأشهراً، وقيل: ثمان، ومع أبيه صلوات الله عليه ثلاثين سنة، وبعده تسع سنين، وفي رواية: عشر سنين. وكان صلوات الله عليه ربع القامة، وله محاسن كثة (3).

(1 و 2) مناقب ابن شهراشوب: 4/26.

(3) كذا في المناقب، وفي الأصل: كثير.

ويقال : كث اللحية: إذا اجتمع شعرها وكثر نبته وجعد من غير طول.

( 31 )

وأصحابه (1) أصحاب أبيه.

وبابه: قيس بن ورقاء (2) المعروف بسفينة ورشيد الهجري، ويقال: وميثم التمار.

وبويع بعد أبيه يوم الجمعة الحادي العشرين [من] (3) شهر رمضان في سنة أربعين.

وكان أمير جيشه عبيد الله بن العباس، ثم قيس بن سعد بن عبادة.

وكان عمره لما بويع سبعاً وثلاثين سنة، فبقي في خلافته أربعة أشهر وثلاثة أيام، ووقع الصلح بينه وبين معاوية لعنه الله في سنة إحدى وأربعين، ثم خرج عليه السلام إلى المدينة فأقام بها عشر سنين.

وسماه الله تعالى الحسن، وسماه في التوراة شبراً.

وكنيته: أبو محمد وأبوالقاسم.

وألقابه: السيد، والسبط، والأمين، والحجة، والبر، والتقي، والزكي، والمجتبى، والسبط الأول، والزاهد. وامه فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله، وظل مظلوماً، ومات مسموماً.

وقبض بالمدينة بعد مضي عشر سنين من ملك معاوية، فكان في سني إمامته أول ملك معاوية، ومرض صلوات الله عليه أربعين يوماً ومضى لليلتين

(1) البحار: 44/112 ح 6 عن المناقب.

(2) كذا في المناقب، وفي الأصل: بن أبي ورقاء.

(3) من المناقب.

( 32 )

بقيتا من صفر سنة خمسين من الهجرة، وقيل: سنة تسع وأربعين وعمره سبعة وأربعون سنة وأشهر، وقيل: ثمان وأربعون، وقيل: في تمام سنة خمسين من الهجرة.

وكان معاوية بذل لجعده بنت محمد بن الأشعث الكندي وهي ابنة ام فروة اخت (1) أبي بكر بن أبي قحافة عشرة آلاف دينار، وإقطاع عشرة ضياع من سقي سورا (2) وسواد الكوفة على أن تسم الحسن عليه السلام وتولى الحسين عليه السلام غسله وتكفينه ودفنه، وقبره بالبقيع عند جدته فاطمة بنت أسد. (3)

وأولاده خمسة (4) عشر ذكراً وبنت واحدة، عبدالله وعمر والقاسم امهم ام ولد، والحسين الأثرم والحسن امهما خولة بنت منظور بن رباب الفزارية، وعقيل والحسن امهما ام بشير بنت منظور بنت أبي مسعود الخزرجية، وزيد وعمر من الثقفية، وعبدالرحمان من أم ولد، وطلحة وابوبكر امهما أم إسحاق بنت طلحة التيمي، وأحمد وإسماعيل والحسن الأصغر، ابنته ام الحسن فقط، ويقال: وام الحسين وكانتا من ام بشير الخزاعية، وفاطمة من ام إسحاق بنت طلحة، وأم عبدالله وام سلمة ورقية لامهات أولاد.

وقتل مع الحسين عليه السلام من أولاده: عبدالله والقاسم وأبوبكر.

والمعقبون من أولاده اثنان: زيد بن الحسن، والحسن بن الحسن.

في كتاب قوت القلوب: ان الحسين عليه السلام تزوج مائتين وخمسين

(1) كذا في المناقب، وفي الأصل: بنت

(2) موضع بالعراق، وهو من بلد السريانيين.

(3) مناقب ابن شهراشوب : 4/28 ـ 29، عنه البحار: 44/134 ح 3.

(4) في المناقب: ثلاثة.

( 33 )

امرأة، وقيل: ثلاثمائة (1) وكان أميرالمؤمنين عليه السلام ينضجر من ذلك. (2)

أبو عبدالله المحدث في رامش أفزاي: إن هذه النساء كلهن خرجن في جنازته حافيات. (3)

(1) لقد تعددت القصص عن زوجات الحسن عليه السلام وطلاقه والذي يبدو أنها حيكت بعده بفترة، وإلا فطيلة حياته عليه السلام لم نر معاوية ولا واحداً من زبانيته عاب الحسن عليه السلام بذلك، وهو الذي كان يتسقط عثرات الحسن عليه السلام، فلم يجد فيه ما يشينه، فهو ممن أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً.

ولو كان هناك بعض الشيء لزمر له معاوية وطبل، أضف إلى ذلك كله أن المراجع التاريخية وكتب الانساب والرجال لا تعد له من النساء والأولاد أكثر من المعتاد في ذلك العصر، فلو كان أحصن سبعين امرأة أو تسعين لكان أولاده يعدون بالمئات.

فانظر لطبقات ابن سعد فلا تجده يسمي للحسن عليه السلام أكثر من ست نساء وأربع امهات أولاد. والمدائني كذلك لم يعد للحسن عليه السلام أكثر من عشر نساء كما في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 16/21.

(2) إشارة واحدة من أميرالمؤمنين عليه السلام كانت تكفي في أن يمتنع الحسن عليه السلام عما لا يرتضيه له أبوه وولي أمره وأميرالمسلمين جميعاً، وأميرالمؤمنين عليه السلام وأعرف الناس بطواعية ابنه البار له، وانه المعصوم المطهر بنص الكتاب والسنة الثابتة الصحيحة، وقد نص هو أيضاً على عصمته فيما أخرجه الحافظ أبو سعيد بن الأعرابي في معجمه الورقة 157/أ: أخبرنا داوود بن يحيى الدهقان، أخبرنا بكار بن أحمد، أخبرنا إسحاق ـ يعني بن يزيد ـ عن عمرو بن أبي المقدام، عن العلاء بن صالح عن طارق بن شهاب، قال: سمعت علياً يقول: المعصوم منا أهل البيت خمسة، رسول الله وأنا وفاطمة والحسن والحسين.

(4) مناقب ابن شهراشوب: 4/29 ـ 30 ، عنه البحار: 44/ 168 ح 4.

( 34 )

فصل

في أمره عليه السلام مع معاوية عليه لعنة الله

لما مات أميرالمؤمنين عليه السلام خطب الحسن عليه السلام بالكوفة، فقال: أيها الناس، إن الدنيا دار بلاء وفتنة، وكل ما فيها فإلى زوال واضمحلال ـ إلى أن قال ـ : وإني ابايعكم على أن تحاربوا من حاربت، وتسالموا من سالمت.

فقال الناس: سمعنا وأطعنا فمرنا بأمرك يا إمام المؤمنين، فأقام بالكوفة شهرين. (1)

وروى صاحب مقاتل الطالبيين: ان الحسن خطب صبيحة الليلة التي قتل فيها أميرالمؤمنين عليه السلام، فقال: لقد قبض الله في هذه الليلة رجلاً لم يسبقه الأولون، ولا يدركه الآخرون(بعمل) (2)، ولقد كان يجاهد بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله يقيه بنفسه، ولقد كان يوجهه برايته فيكتنفه جبرئيل عن يمينه، وميكائيل عن يساره، فلا يرجع حتى يفتح الله عليه، ولقد توفي في الليلة التي عرج فيها بعيسى بن مريم، والتي توفي فيها يوشع بن نون، ولا خلف صفراء ولا بيضاء إلا سبعمائة درهم بقيت من عطائه أراد أن يبتاع بها خادماً

(1) مناقب ابن شهراشوب: 4/31، عنه البحار: 44/54 ح 6.

(2) من المقاتل.

( 35 )

لأهله، ثم خنقته العبرة، فبكا (وبكى) (1) الناس معه.

ثم قال: أيها الناس، من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا الحسن ابن محمد المصطفى صلى الله عليه وآله، أنا ابن البشير، أنا ابن النذير، أنا ابن الداعي إلى الله عزوجل بإذنه، وأنا ابن السراج المنير، وأنا من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، والذين افترض الله مودتهم، فقال: « قُل لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلّا الْمَوَدّةَ فِي الْقُرْبَى‏ وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً» (2) فاقتراف الحسنة مودتنا أهل البيت.

قال: فقام ابن عباس رضي الله عنه فدعا الناس إلى بيعته فاستجابوا وقالوا: ما أحبه إلينا وأحقه بالخلافة، فبايعوه، ثم نزل عن المنبر. قال: ودس معاوية رجلاً من (بني) (3) حمير الى الكوفة، ورجلاً من بني القين إلى البصرة يكتبان إليه بالأخبار، فدل على الحمـيري عند لحـام جرير (4)، ودل على القيني بالبصرة في بني سليم فأخذا وقتلا.

وكتب الحسن عليه السلام إلى المعاوية:

أما بعد: فإنك دسست إلي الرجال كأنك تحب اللقاء، وما أشك في ذلك فتوقعه إن شاء الله، وقد بلغني أنك شمت بما لا يشمت (5) به أهل الحجى، وإنما مثلك في ذلك كما قال الأول:

(1 و 3) من المقاتل.

(2) سورة الشورى: 23.

(4) كذا في المقاتل، وفي الأصل: لجام بن حريز.

(5) كذا في المقاتل، وفي الأصل: انك تسميت بما يسمى.

( 36 )

قل للذي يبغي خلاف الذي مضى     تـأخر (1) لاخرى مثلها فكأن قد

وإنا ومـن قـد مـات منا فكالذي    يروح فيمسي في المبيت ويغتدي

فأجابه معاوية:

أما بعد: فقد وصل إلي كتابك، وفهمت ما ذكرت فيه، وقد علمت بما حدث فلم أفرح قط ولم أشمت ولم آس، وإن علي بن أبي طالب لكما قال أعشى بني قيس بن ثعلبة (2):

فـأنـت الـجواد وأنـت الـذي      إذا  مـا الـقلوب ملأن الصدورا
جـديـر  بـطـعنة يـوم الـلقا      ء  تـضرب فـيه النساء النحورا
ومـا  مـزيد مـن خـليج البحا      ر  يعلو الآكام ويعلو الجسورا(3)
بـأجـود  مـنـه بـمـا عـنده      فيعطي الالوف(4) ويعطي البدورا

قال: وكتب عبدالله بن عباس من البصرة إلى معاوية: فأما بعد: فإنك ودسك أخا بني قين إلى البصرة تلتمس من غفلات (5) قريش مثل الذي ظفرت به من يمانيتك لكما قال امية بن الصلت (6):

لعمرك  إني والخزاعي طاويا(7)      كـنـعجة عـاد حـتفها تـتحفر
أثـارت عـليها شـفرة بكراعها      فـضلت  بها من آخر الليل تنحر
شـمت بـقوم من صديقك أهلكوا      أصابهم يوماً من الموت أصفر(1)

(1) في المقاتل: تجهز.

(2) كذا في المقاتل، وفي الأصل: أعشى بني تغلبة.

(3) كذا في المقاتل، وفي الأصل: خليج البحور ... النحورا.

(4) كذا في المقاتل، وفي الأصل: غير مقروءة.

(5) كذا في المقاتل، وفي الأصل: غيلان.

(6) في المقاتل: قال بن الأسكر.

(7) في المقاتل: طارقا.

( 37 )

فكتب إليه معاوية:

أما بعد: فإن الحسن كتب إلي بنحو مما كتبت، وأنبأني بما لم أحسن ظناً وسوء رأي، وإنك لم تصب مثلك ومثلي ولكن مثلياً كما قال طارق الخزاعي:

فوالله ما أدري وإني لصادق     إلى أي مـن يظنني أتعذر (2)

اعنف إن كانت زبينة أهلكت     ونال بني لحيان شر فأنفروا

وكتب الحسن عليه السلام إلى معاوية:

من عبدالله الحسن بن أميرالمؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان.

سلام عليك، فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو.

أما بعد:

فإن الله تعالى بعث محمداً صلى الله عليه وآله رحمة للعالمين، ومنة على المؤمنين، وكافة إلى الناس اجمعين، لينذر من كان حياً، ويحق القول على الكافرين، فبلغ رسالات الله وأقام على أمر الله حتى توفاه الله وهو غير مقصر ولا وان حتى (3) اظهر الله به الحق، ومحق به الشرك، ونصر به المؤمنين، وأعز به العرب، وشرف به قريشاً خاصة، فقال سبحانه: « وانه لذكر لك ولقومك» فلما توفي صلى الله عليه وآله تنازعت سلطانه العرب، فقالت قريش: نحن قبيلته واسرته وأولياؤه فلا يحل لكم أن تنازعونا سلطان محمد في الناس

(1) في المقاتل: من الدهر أعسر.

(2) كذا في المقاتل، وفي الأصل: إلى من تظنيني له أتعذروا.

(3) كذا في المقاتل، وفي الأصل : حين.

(4) سورة الزخرف: 44.

( 38 )

وحقه ، فرأت العرب أن القول ما قالت قريش وان الحجة لهم في ذلك على من ينازعهم أمر محمد صلى الله عليه وآله، فأذعنت (1) لهم العرب وسلمت ذلك، ثم حاججنا نحن قريشاً بمثل ما حاجت به العرب، فلم تنصفنا قريش إنصاف العرب لها إنهم أخذوا هذا الأمر دون العرب بالانتصاف والاحتجاج، فلما صرنا اهل بيت محمد وأولناه (2) إلى محاجتهم وطلب النصف بينهم (3) باعدونا واستولوا بالاجتماع على ظلمنا ومراغمتنا والعنت منهم لنا ظالمين عند الله وهو الولي والنصير.

وقد تعجبنا لتوثب المتوثبين علينا في حقنا وسلطان نبينا صلى الله عليه وآله وإن كانوا ذوي فضيلة وسابقة في الاسلام فأمسكنا عن منازعتهم مخافة على الدين أن يجد المنافقون والأحزاب بذلك مغمزاً يثلمونه به، أو يكون لهم بذلك سبب لما أرادوا من فساده، واليوم فليعجب المتعجب من توثبك ـ يا معاوية ـ على أمر لست من أهله لا بفضل في الدين معروف، ولا أثر في الاسلام محمود، وأنت ابن حزب من الأحزاب، وابن اعدى قريش لرسول الله صلى الله عليه وآله، ولكن الله خيبك، وسترد فتعلم لمن عقبى الدار، تالله لتلقين عن قليل ربك، ثم ليجزينك (4) بما قدمت يداك وما الله بظلام للعبيد. إن علياً لما مضى لسبيله رحمه الله عليه يوم قبض ويوم يبعث حياً ولاني المسلمون الأمر من بعده، فأسأل الله ألا يزيدنا في الدنيا الفانية شيئاً ينقصنا به غداً في الآخرة مما عنده من كرامته، وإنما حملني على الكتاب إليك الاعذار

(1) في المقاتل: فأنعمت.

(2) في المقاتل: وأوليائه.

(3) في المقاتل: منهم.

(4) كذا في المقاتل، وفي الأصل: ولكتابه والله حسبك ليجزينك.

( 39 )

فيما بيني وبين الله سبحانه في أمرك، ولك في ذلك إن فعلت الحظ الجسيم، وللمسلمين فيه صلاح، فدع التمادي في الباطل وادخل فيما دخل فيه الناس من بيعتي فإنك تعلم أني أحق بهذا الأمر منك عند الله وعند كل أواب حفيظ ومن له قلب منيب، واتق الله ودع البغي واحقن دماء المسلمين فوالله مالك من خير في أن تلقى الله من دمائهم بأكثر مما أنت لاقيه، وادخل في السلم والطاعة ولا تنازع الأمر ممن هو أحق به منك ليطفىء الله (1) النائرة بذلك، وتجتمع الكلمة، ويصلح ذات البين، وإن أنت أبيت إلا التمادي في غيك نهدت إليك بالمسلمين فحاكمتك حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين.

وأجابه (2) معاوية على يدي جندب الأزدي موصل كتاب الحسن عليه السلام:

فهمت ما ذكرت به محمداً صلى الله عليه وآله وهو أحق الأولين والآخرين بالفضل كله، وذكرت تنازع المسلمين الأمر بعده فصرحت بنميمة فلان وفلان وأبي عبيده وغيره، فكرهت ذلك لك لأن الامة قد علمت أن قريشاً أحق بها، وقد علمت ما جرى من أمر الحكمين، فكيف تدعوني إلى أمر إنما تطلبه بحق أبيك وقد خرج أبوك منه؟

ثم كتب:

أما بعد:

فإن الله يفعل في عباده ما يشاء (3)، لا معقب لحكمه وهو سريع

(1) لفظ الجلالة اثبتناه من المقاتل.

(2) مناقب ابن شهراشوب: 4/31.

(3) إقتباس من سورة الحج: 18.

( 40 )

الحساب (1)، فاحذر أن تكون منيتك على يدي رعاع الناس وآيس أن تجد فينا غميزة، وإن أنت أعرضت عما أنت فيه وبايعتني وفيت لك بما وعدت، وأنجزت لك ما شرطت، وأكون في ذلك كما قال أعشى قيس (2):

وإن أحـد أسدى إليـك كـرامة     فأوف بما يدعى إذا مت وافيا

فلا تحسد المولى إذا كان ذا غنى     ولا تجفه إن كـان للمال نائيا

ثم الخلافة لك من بعدي وأنت أولى الناس بها.

وفي رواية: لو كنت أعلم أنك أقوى للأمر، وأضبط للناس، وأكبت للعدو، وأقوى على جمع الأموال مني لبايعتك لأنني أراك لكل خير أهلاً. ثم قال: إن أمري وأمرك شبيه بأمر أبي بكر [وأبيك] (3) بعد رسول الله صلى الله عليه وآله.

ثم كتب :

فادخل في طاعتي [ولك الأمر من بعدي] (4) ولك ما في بيت مال العراق بالغاً ما بلغ تحمله إلى حيث أحببت، ولك خراج كور العراق يثبته معاوية لك إعانة على نفقتك (5) يجيبها أمينك ويحملها إليك كل سنة، ولك ألا يستولى عليك

(1) إقتباس من سورة الرعد: 41.

(2) في المناقب: أعشى بني قيس.

وهو ميمون بن قيس بن جندل من بني قيس بن ثعلبة الوائلي أبو بصير، يقال له أعشى بكر بن وائل والأعشى الكبير، توفي سنة (7) هـ. (أعلام الزركلي: 8/300).

(3) من المناقب.

(4) من المقاتل.

(5) في المقاتل: ولك خراج أي كور العراق شئت معونة لك على نفقتك.

( 41 )

بالاساءة، ولا تقضى دونك الامور، فلا تعصى في أمر أردت به طاعة الله عزوجل أعاننا الله وإياك على طاعته إنه سميع مجيب.

قال جندب: فلما أتيت الحسن عليه السلام بكتاب معاوية قلت له: إن الرجل سائر إليك فابدأه بالمسير حتى تقاتله في أرضه وبلاده وعمله، فإما إنك تقدر أنه ينقاد لك فلا والله حتى ترى أعظم (1) من يوم صفين.

فقال: أفعل.

ثم كتب معاوية إلى عماله على النواحي نسخة واحدة:

بسم الله الرحمن الرحيم

من عبدالله معاوية أميرالمؤمنين إلى فلان وفلان ومن قبله من المسلمين.

سلام عليكم، فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو إليكم.

أما بعد:

فالحمد لله الذي كفاكم مؤنة عدوكم وقتلة خليفتكم إن الله بلطفه نتج (2) لعلي بن أبي طالب رجلاً من عباده فاغتاله فقتله، وترك أصحابه متفرقين مختلفين، وقد جاءتنا كتب أشرافهم وقادتهم يلتمسون الأمان لأنفسهم وعشائرهم فأقبلوا إلي حين يأتيكم كتابي بجدكم (3) وجندكم وحسن عدتكم، فقد أصبتم بحمد الله الثأر، وبلغتم الأمل، وأهلك الله أهل البغي والعدوان، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.

(1) في المقاتل: إنه يتناولك فلا والله حتى يرى يوماً أعظم.

(2) في المقاتل: أتاح.

(3) في المقاتل: بجهدكم.

( 42 )

قال: فاجتمعت العساكر إلى معاوية وسار قاصداً إلى العراق، وبلغ الحسن خبر مسيره وانه قد بلغ جسر منبج، فتحرك عند ذلك وبعث حجر بن عدي يأمر الناس بالتهيؤ للمسير، ونادى المنادي، الصلاة جامعة، فأقبل الناس يثوبون ويجتمعون، فصعد عليه السلام المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:

أما بعد:

فإن الله كتب الجهاد على خلقه وسماه كرهاً، ثم قال لأهل الجهاد من المؤمنين: « وَاصْبِرُوا إِنّ اللّهَ مَعَ الصّابِرِينَ» (1) فلستم ـ أيها الناس ـ بنائلين ما تحبون إلا بالصبر على ما تكرهون، إنه بلغني ان معاوية بلغه انا كنا أزمعنا [على] (2) المسير إليه فتحرك لذلك، اخرجوا رحمكم الله إلى معسكركم بالنخيلة حتى ننظر وينظرون، ونرى ويرون. (3)

قال: وإنه في كلامه يتخوف خذلان الناس إياه، فسكتوا فما تكلم منهم أحد ولا أجابه بحرف، فلما رأى ذلك عدي بن حاتم قال: أنا ابن حاتم (4)، سبحان الله! ما أقبح هذا المقام؟ ألا تجيبون إمامكم وابن بنت نبيكم؟أين خطباء مضر؟ أين المتبلغون الخواضون (5) من أهل مصر الذين ألسنتهم كالمخاريق في الدعة، فإذا جاء (6) الجد فرواغون كالثعالب؟ أما يخافون مقت

(1) سورة الأنفال: 46.

(2) من المقاتل.

(3) في المقاتل: حتى ننظر وتنظروا، ونرى وتروا.

(4) بعده ـ في الأصل ـ كلمة غير مقروءة.

(5) في المقاتل: أين خبطاء مضر؟ أين المسلمون؟ أين الخواضون...؟

(6) في المقاتل: جد.

( 43 )

الله ولا عيبها وعارها؟

ثم استقبل الحسن بوجهه وقال: أصاب الله بك المراشد، وجنبك المكاره، ووفقك لما يحمده ورده وصدره، وقد سمعنا مقالتك، وانتهينا (1) إلى أمرك، وأسمعنا وأطعنا (2) فيما قلت ورأيت، وهذا وجهي إلى معسكري فمن أحب أن يوافي فليواف، ثم مضى لوجهه، فخرج من المسجد ودابته بالباب فركب ومضى إلى النخيلة، وأمر غلامه أن يلحقه بما يصلحه، وكان عدي أول الناس عسكراً. ثم قام قيس بن سعد بن عبادة رضي الله عنه ومعقل الرياحي وزياد بن صعصعة (3) التميمي فأنبوا الناس ولا موهم وحرضوهم، وكلموا الحسن بمثل كلام عدي بن حاتم في الاجابة والقبول. فقال لهم الحسن عليه السلام: صدقتهم ما زلت أعرفكم بصدق النية والوفاء بالقول والمودة الصحيحة، فجزاكم الله خيراً، ثم نزل.

وخرج الناس فعسكروا ونشطوا للخروج، وخرج الحسن إلى المعسكر واستخلف على الكوفة المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبدالمطلب وأمره باستحثاث الناس وإشخاصهم إليه، فجعل يحثهم حتى التأم العسكر.

ثم إن الحسن عليه السلام سار في عسكر عظيم وعدة حسنة حتى أتى دير عبدالرحمان فأقام به ثلاثاً حتى اجتمع الناس، ثم دعا عبيد الله بن العباس، فقال: يا ابن عم، إني باعث معك اثني عشر ألفاً من فرسان العرب وقراء المصر،

(1) كذا في المقاتل، وفي الأصل: وأتينا.

(2) في المقاتل: وسمعنا منك وأطعناك.

(3) كذا في المقاتل، وفي الأصل: خصفة.

( 44 )

الرجل منهم يزيد على الكتيبة (1)، فسر بهم، وألن لهم جانبك، وابسط وجهك، وادنهم من مجلسك، فإنهم بقية ثقة أمير المؤمنين عليه السلام، وسر بهم على شط الفرات حتى تقطع بهم الفرات (2)، ثم سر إلى مسكن، ثم امض حتى تستقبل معاوية، فإن أنت لقيته فاحبسه حتى أتيك فإني في اثرك، وليكن خبرك عندي في كل يوم، وشاور هذين ـ يعني قيس بن سعد وسعيد بن قيس ـ ، وإذا لقيت معاوية فلا تقاتله حتى يقاتلك، فإن اصبت (فقيس بن سعد على الناس، وإن اصيب قيس) (3) فسعيد بن قيس، فسار حتى نزل الفلوجة، ثم أتى مسكن.

وكان أكثر عسكر مولانا الحسن عليه السلام أخلاط من شيعة ومحكمة وشكاك وأصحاب عصبية وفتن ونفاق، فسار صلوات الله عليه حتى أتى حمام عمر، ثم أخذ على دير كعب (ثم بكر) (4) فنزل ساباط، فلما أصبح نادى بالصلاة جامعة، فاجتمعوا، فصعد المنبر فخطب وقال تجربة لهم ليظهر لهم بواطنهم:

أما بعد:

فإني أرجو أن أكون قد أصبحت بحمد الله ومنه وأنا أنصح خلق الله لخلقه، وما أصبحت محتملاً علم مسلم ضغينة، ولا مريداً له بسوء ولا غائلة، ألا وإن لكم ما تكرهون في الجماعة خير مما تحبون في الفرقة، ألا وإني ناظر لكم خير من نظركم لأنفسكم ، فلا تخلفوا أمري، ولا ترد علي رأيي غفر الله لي ولكم ، وأرشدني وإياكم لما فيه المحبة والرضا.

(1) في المقاتل: الرجل منهم يزن الكتيبة.

(2) كذا في المقاتل، وفي الأصل: التراز.

(3 و 4) من المقاتل.

( 45 )

فقالوا: والله يريد أن يصالح معاوية ويسلم الأمر إليه، كفر والله الرجل كما كفر أبوه، فثاروا عليه وأنهبوا فسطاطه حتى أخذوا مصلاه من تحته، ونزع مطرفه عبدالرحمان بن جعال الأسدي، وطعنه جراح بن سنان الأسدي في فخذه فشقه حتى خالط اربيته، وسقط الحسن عليه السلام بعد أن ضرب الذي طعنه واعتنقه فخرا جميعاً إلى الأرض، فوثب عبدالله بن الخطل الطائي فنزع المعول من يده فخضخضه به وأكب ظبيان بن عمارة عليه فقطع أنفه، ثم أخذوا الآجر فشدخوا وجهه ورأسه حتى قتلوه.

وحمل الحسن عليه السلام علي سرير إلى المدائن وبها سعد بن مسعود ووال عليها من قبله، وكان أمير المؤمنين عليه السلام قد ولاه عليها فأقره الحسن عليه السلام.

ثم إن جماعة من رؤساء القبائل كتبوا إلى معاوية بالطاعة في السر واستحثوه على المسير نحوهم وضمنوا له تسليم الحسن عليه السلام إليه عند دنوه من عسكره، وورد عليه كتاب قيس بن سعد وكان قد أنفذه الحسن مع عبيد الله بن العباس عند مسيره من الكوفة ليلقى معاوية وجعله أميراً وبعده قيس يعلمه بما فعل عبيد الله بن العباس عند مسيره.

وقصته إن معاوية نزل قرية يقال لها الجنوبية (1) فأقبل عبيدالله حتى نزل بازائه، فلما كان الغد وجه معاوية بخيل إليه، فخرج إليهم عبيد الله فيمن معه فضربهم حتى ردهم إلى معسكرهم، فلما كان الليل أرسل معاوية إلى عبيدالله بن العباس أن الحسن قد راسلني في الصلح وهو مسلم الأمر إلي، فإن دخلت في

(1) في المقاتل: الحيوضية بمسكن.

( 46 )

طاعتي الآن كنت متبوعاً وإلا دخلت وأنت تابع، ولك إن جئتني الآن أن اعطيك ألف الف درهم، اعجل في هذا الوقت نصفها، وإذا دخلت الكوفة النصف الآخر، فأقبل عبيدالله ليلاً فدخل عسكر معاوية فوفى له بما وعده، وأصبح الناس ينتظرون أن يخرج فيصلي بهم، فلم يخرج حتى أصبحوا فطلبوه فلم يجدوه فصلى بهم قيس بن سعد، ثم خطبهم فقال:

أيها الناس، لا يهولنكم ولا يعظمن عليكم ما صنع هذا الرجل الوله الوزع، إن هذا وأباه وأخاه لم يأتوا بخير قط، إن أباه عم رسول الله صلى الله عليه وآله خرج عليه يقاتله في بدر فأسره أبو اليسر كعب بن عمرو الأنصاري وأتى به رسول الله صلى الله عليه وآله فأخذ فداءه فقسمه بين المسلمين، فإن أخاه ولاه أميرالمؤمنين عليه السلام على البصرة فسرق مال الله ومال المسلمين فاشترى به الجواري، وزعم أن ذلك له حلال، وإن هذا ولاه أميرالمؤمنين عليه السلام على اليمن فهرب من بسر بن أرطاة وترك ولده حتى قتلوا وصنع الآن ما صنع.

قال: فتنادى الناس الناس: الحمد لله الذي أخرجه من بيننا، انهض بنا إلى عدونا، فنهض وخرج إليه بسر بن أرطاة في عشرين الفاً فصاحوا بهم: هذا أميركم قد بايع، وهذا الحسن قد صالح، فعلام تقتلون أنفسكم؟

فقال لهم قيس بن سعد: اختاروا أحد شيئين (1): إما القتال مع غير إمام، أو تبايعون بيعة ضلال؟

فقالوا: بل نقاتل بلا إمام، فخرجوا وضربوا أهل الشام حتى ردوهم إلى

(1) في المقاتل: إحدى اثنتين.

( 47 )

مضاربهم (1)

فكتب معاوية إلى قيس يدعوه ويمنيه.

فكتب إليه قيس:

لا والله لا تلقاني أبداً إلا وبيني وبينك الرمح.

فكتب إليه معاوية.

إنما أنت يهودي بن يهودي، تشقى نفسك وتقتلها فيما ليس لك، فإن ظهر أحب الفريقين إليك فبدلك وعزلك، وإن ظهر أبغضهما إليك نكل بك، وقد كان أبوك أوتر غير قوسه، ورمى غير غرضه، فأكثر الحز وأخطأ المفصل (2)، فخذله قومه وأدركه يومه، فمات بحوران طريداً غريباً، والسلام.

فكتب إليه قيس:

أما بعد:

فإنما أنت وثن من هذه الأوثان، دخلت في الاسلام كرها، وأقمت عليه فرقاً، وخرجت منه طوعاً، ولم يجعل الله لك فيه نصيباً، لم تقدم إسلامك، ولم تحدث نفاقك، ولم تزل حرباً لله ولرسوله، وحزباً من أحزاب المشركين، فأنت عدو الله وعدو رسوله والمؤمنين من عباده، وذكرت أبي، ولعمري ما أوتر إلا قوسه، ولا رمى إلا غرضه، فشغب عليه من لا يشق غباره، ولا يبلغ كعبه، وكان أمراً مرغوباً عنه، مزهوداً فيه، وزعمت أني يهودي بن يهودي (3) وقد علمت

(1) في المقاتل: مصافهم.

(2) كذا في المقاتل، وفي الأصل: النصل.

(3) من المقاتل.

( 48 )

وعلمنا أن ابي من أنصار (1)الدين الذي خرجت عنه، وأعداء الدين الذي دخلت فيه وصرت إليه، والسلام.

فلما قرأ معاوية كتابه أغاظه فأراد إجابته، فقال له عمرو: مهلاً، إن كاتبته أجابك بأشأم (2) من هذا، وإن تركته دخل فيما دخل فيه الناس، فأمسك عنه.

قال: وجعل أهل العراق يستأمنون إلى معاوية ويدخلون عليه قبيلة بعد قبيلة، فازدادت بصيرة الحسن عليه السلام بنياتهم، فكتب معاوية بالصلح إليه وأنفذ بكتب أصحابه على يد عبدالله بن عامر وعبدالرحمان بن سمرة فدعواه إلى الصلح، وزهداه في الأمر، وأعطياه ما شرط له معاوية، وألا يتبع أحد بما مضى، ولا ينال أحد من شيعة علي بمكروه، ولا يذكر علي إلا بخير، وأشياء اشترطها، فأجابهما الحسن عليه السلام إلى ذلك وانصرف قيس بمن معه إلى الكوفة، وانصرف الحسن إليها أيضاً، وأقبل معاوية قاصداً الكوفة، واقبل إلى الحسن وجوه الشيعة وأكابر أصحاب اميرالمؤمنين يلومونه ويتباكون عليه جزعاً مما فعل. (3)

وإنما أجاب عليه السلام إلى ذلك لأنه علم أن أكثر عسكره منافقون

(1) في المقاتل : وقد علمت وعلم الناس أني وابي من أنصار.

(2) في المقاتل: بأشد.

(3) مقاتل الطالبيين: 32 ـ 43، عنه شرح نهج البلاغة: 16/30.

ورواه في إرشاد المفيد: 187، عنه البحار، 43/362، وعوالم العلوم: 16/137 ح 2 وعن شرح النهج.

وأخرجه في كشف الغمة: 1/532 عن مسند أحمد بن حنبل، وفي ص 537 ـ 538 عن الارشاد، وفي ص 547 عن كتاب معالم العترة الطاهرة للجنابذي.

وفي البحار: 25/214 ح 5 عن كنز الفوائد: 2/458 ح 23 و ص 459 ح 34.

وانظر : مناقب ابن شهراشوب: 4/31 وما بعدها.

( 49 )

ومحيلة لا يسد بهم ثغر، ولا ينقضي بهم أمر، وأكثرهم كانوا يكاتبون معاوية من قبل أن يخرج من الشام، وعلم الحسن عليه السلام ذلك منهم وتحققه، وربما كانوا ينصرفون إلى معاوية إذا التقى الجمعان ويقاتلونه إلا قليلاً منهم لا يقاومه الجمهور العظيم والجم الغفير، فأجاب عليه السلام من بعدما علم وتحقق احتيال معاوية واغتياله غير أنه لم يجد بداً من إجابته.

فقال الحسين: أعيذك من هذا بالله، فأبى.

وأنفذ إلى معاوية عبدالله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبدالمطلب فتوثق منه لتأكيد الحجة بأن يعمل في الناس بكتاب الله وسنة رسوله، والأمر من بعده شورى، وأن (يترك سب علي، وأن يؤمن شيعته ولا يتعرض لأحد منهم و) (1) يوصل إلى كل ذي حق حقه، ويوفر عليه حق كل سنة خمسون ألف درهم، فعاهده معاوية على ذلك وحلف على الوفاء [به] (2)، وشهد بذلك عبدالله ابن الحارث وعمروبن أبي سلمة وعبدالله بن عامر بن كريز وعبدالرحمان ابن أبي سمرة وغيرهم.

وروي أن الحسن عليه السلام قال في صلح معاوية: أيها الناس، لو طلبتم ما بين جابلقا وجابرسا رجلاً جده رسول الله صلى الله عليه وآله ما وجدتموه غيري وغير أخي، وإن معاوية نازعني حقاً هولي فتركته لصلاح الامة وحقن دمائها، وقد بايعتموني على أن تسالموا من سالمت، وقد رأيت أن اسالمه، وأن يكون ما صنعت حجة على من كان يتمنى هذا الأمر، « وَإِنْ أَدْرِي لَعَلّهُ فِتْنَةٌ لّكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى‏ حِينٍ» (3).

(1 و 2) من المناقب.

(3) سورة الأنبياء: 111.

( 50 )

وفي رواية: إنما هادنت حقناً للدماء وصيانتها، وإشفاقاً على نفسي وأهلي والمخلصين من أصحابي. وروي أنه عليه السلام قال: يا أهل العراق، إنما سمحت (1) بنفسي عليكم لثلاث: قتلكم أبي، وطعنكم إياي في فخذي، وانتهابكم متاعي. (2)

وروى الشعبي، عن سفيان بن الليل (3) قال: أتيت الحسن عليه السلام حين بايع معاوية فوجدته بفناء داره وعنده رهط، فقلت السلام عليك يا مذل المؤمنين. فقال : وعليك السلام، يا سفيان، انزل، فنزلت فعقلت راحلتي، ثم أتيت فجلست إليه، فقال: كيف قلت يا سفيان؟

قلت: السلام عليك يا مذل المؤمنين. فقال: ماجر هذا منك إلينا. فقلت: إي والله بأبي أنت وامي أذللت رقابنا حتى أعطيت هذا الطاغية البيعة، وسلمت الأمر إليه اللعين بن اللعين، بن آكلة الأكباد، ومعك مائة ألف كلهم يموتون دونك. قال: يا سفيان، إنا أهل بيت إذا علمنا الحق تمسكنا به، وإني سمعت علياً عليه السلام يقول: سمعت رسول الله صلى عليه وآله يقول: لا تذهب الليالي

(1) في المناقب: سخي. اي جعلني سخياً في ترككم.

(2) مناقب ابن شهراشوب: 4/33 ـ 34، عنه البحار: 44/56.

(3) كذا الصحيح، وفي الأصل: لبيد، وفي المقاتل: بن ابي ليلى.

( 51 )

والأيام حتى يجتمع أمر هذه الامة على رجل واسع السرم، ضخم البلعوم، يأكل ولا يشبع، لا ينظر الله إليه، ولا يموت حتى لا يكون له في السماء عاذر، ولا في الأرض ناصر، وإنه لمعاوية (1)، وإني عرفت ان الله بالغ أمره (2)، ثم قام إلى المسجد وقال: يا سفيان، إني سمعت علياً عليه السلام يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: يرد علي الحوض من أهل بيتي ومن أحبني من امتي كهاتين ـ يعني السبابتين ـ .

يا سفيان، إن الدنيا تسع البر والفاجر حتى يبعث الله إمام الحق من آل محمد صلى الله عليه وآله.

قال: وسار معاوية حتى نزل النخيلة وجمع الناس فخطبهم خطبة طويلة قبل أن يدخل الكوفة، من جملتها انه قال: ما اختلفت امة بعد نبيها إلا ظهر (أهل) (2) باطلها على أهل حقها، ثم انتبه فندم، فقال: إلا هذه الامة، ثم قال: ألا إن كل شيء أعطيته الحسن تحت قدمي هذه، وكان والله غداراً لعنة الله عليه.

وقيل: إن معاوية صلى بالناس الجمعة بالنخيلة، ثم خطب وقال: إني والله ما قاتلتكم لتصلوا ولا لتصوموا ولا لتحجوا ولا لتزكوا، إنكم لتفعلون ذلك، ولكن إنما قاتلتكم لأتأمر عليكم، فأعطاني الله ذلك وأنتم كارهون. فأي تهتك أعظم

(1) كتاب الفتن لنعيم بن حماد: 1/116 ح 267، الاختصاص: 82، اختيار معرفة الرجال: 111 ـ 112 ح 178، الملاحم والفتن: 24 ب 14، النهاية لابن الأثير: 2/362ن شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد: 4/108، وج16/44 ـ 45، لسان العرب: 12/286، البداية والنهاية: 6/220، كنز العمال: 11/348 ـ 349 ح 31708، البحار: 33/217 ضمن ح 492، وج44/23 ـ 24 ح 7 و ص 60 ضمن ح 7.

(2) إقتباس من سورة الطلاق: 3.

(3) من المقاتل.

( 52 )

من هذا عليه لعنة الله ولعنة اللاعنين؟

وقيل: إن الحسين عليه السلام دخل على أخيه باكياً ثم خرج ضاحكاً، فقال له مواليه: ما هذا؟

قال: العجب من دخولي على إمام اريد أن اعلمه فقلت: ما دعاك إلى تسليم الخلافة؟

قال: الذي دعا أباك فيما تقدم.

ولما انقضى أمر الصلح طلب معاوية البيعة من الحسين عليه السلام.

فقال الحسن عليه السلام: يا معاوية، لا تكرهه فإنه لن يبايع أبداً أو يقتل، ولن يقتل حتى يقتل أهل بيته، ولن يقتل أهل بيته حتى يقتل أهل الشام. (1)

قال: فلما تم لمعاوية ما أراد وخطب وذكر علياً فنال منه ومن الحسن والحسين.

فقال الحسن: أيها الذاكر علياً، أنا الحسن وأبي علي، وأنت معاوية وأبوك صخر، وامي فاطمة وامك هند، وجدي رسول الله وجدك حرب، وجدتي خديجة وجدتك قتيلة، ولعن الله أخملنا ذكراً، وألأمنا حسباً، وشرنا قوماً (2)، واقدمنا كفراً ونفاقاً.

فقال الناس: آمين، ونحن نقول أيضاً: آمين.

(1) قوله: (وقيل: إن الحسين عليه السلام... اهل الشام) في مناقب ابن شهراشوب: 4/34 ـ 35.

(2) في المقاتل: قدماً.

( 53 )

قال: ثم إن معاوية دخل الكوفة بعد فراغه من خطبته بالنخيلةوبين يديه خالد بن عرفطة ومعه رجل يقال له حبيب بن حمار يحمل رايته، حتى دخل الكوفة وصار إلى المسجد فدخل من باب الفيل، واجتمع الناس إليه.

روى عطاء بن السائب، عن أبيه، قال: بينا علي عليه السلام على المنبر يخطب إذ دخل رجل، فقال: يا أميرالمؤمنين، مات خالد بن عرفطة.

فقال أميرالمؤمنين: والله ما مات، إذ دخل رجل آخر، فقال: يا أميرالمؤمنين، مات خالد بن عرفطة.

فقال صلوات الله عليه: والله ما مات ولا يموت حتى يدخل من باب هذا المسجد ـ يعني باب الفيل ـ براية ضلالة يحملها له حبيب بن حمار (1)، فوثب رجل، فقال: يا أميرالمؤمنين، أنا حبيب بن حمار.

قال أميرالمؤمنين عليه السلام: إنه ما أقول، فقدم خالد بن عرفطة على مقدمة معاوية يحمل رايته حبيب بن حمار. (2)

قيل: ولما تم الصلح بين معاوية والحسن أرسل إلى قيس بن سعد بن عبادة يدعوه إلى البيعة فأبى، وكان رجلاً طويلاً إذا ركب الفرس المسرف

(1) في بعض المصادر: عمار، وفي بعضها: حماد، وفي بعضها: جماز.

(2) الإيضاح لابن شاذان: 330، بصائر الدرجات: 298 ح 11، الهداية الكبرى: 161، خصائص الأئمة: 52، إرشاد المفيد: 174، الاختصاص: 280، تيسير المطالب: 37، أعلام الورى: 177، الثاقب في المناقب: 267 ح 231، الخرائج والجرائح: 2/745 ح 63، مناقب ابن شهراشوب: 2/270، الملاحم والفتن: 113، كشف اليقين: 98/99ح90، نهج الحق وكشف الصدق: 243، إرشاد القلوب: 225، الإصابة: 1/410، إثبات الهداة: 2/439 ـ 440 ح 118، البحار: 41/288 ح 12 وص 313، وج42/61، ح 32، وج44/259 ح 11.

( 54 )

خطت رجلاه الأرض، فلما أرادوا أن يدخلوه إليه قال: إني حلفت أن لا ألقاه إلا بيني وبينه الرمح أو السيف، فأمر معاوية برمح أو سيف فوضعه بينه وبينه ليوفي في يمينه (1).

وكان قد انعزل في أربعة آلاف وأبى أن يبايع، فلما أتم الأمر لمعاوية لم يجد بداً من ذلك وأقبل على الحسن وقال: أنا في حل من بيعتك.

قال: نعم، فوضع يده على فخذه ولم يمدها إلى معاوية، فجثا معاوية على سريره، وأكب على قيس حتى مسح على يده فما رفع إليه قيس يده.

وقيل: إن معاوية أمر الحسن بعد الصلح أن يخطب وظن أنه سيحصر.

فقال عليه السلام: إنما الخليفة من سار بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وليس الخليفة من سار بالجور ذاك ملك ملك ملكاً يتمتع فيه قليلاً، ثم تنقطع لذته وتبقى تبعته، « وَإِنْ أَدْرِي لَعَلّهُ فِتْنَةٌ لّكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى‏ حِينٍ». (2)

ثم انصرف الحسن عليه السلام بعد ذلك إلى المدينة، ورجع معاوية إلى الشام، وأراد البيعة لابنه يزيد، فلم يكن عليه أثقل من أمر الحسن عليه السلام، فجعل يحتال على قتله، وسيأتي تمام القصة عند ذكر وفاته صلوات الله عليه. (3)

قلت: وكان سيدنا ومولانا سبط الرسول، ومهجة البتول، ثابت الجأش، حمي الأنف، لا تأخذه في قول الحق لومة لائم، ولا يثني عزيمته عن الأمر بالمعروف مخافة شاغب ولا غاشم، خذلته الغدرة الفجرة، وخانته الاثمة الكفرة، وأسلموه إلى الحتف، وساقوه إلى الموت، وأظهروا له الطاعة ودينهم

(1) في المقاتل: ليبر يمينه.

(2) سورة الأنبياء: 111.

(3) مقاتل الطالبيين: 44 ـ 47.

( 55 )

النفاق، وبذلوا النصيحة وطبعهم الشقاق.

وكان عليه السلام عالماً بذلك من لئيم طبعهم، متحققاً لغدرهم وخذلهم، متيقناً ممالاتهم عدوه عليه، عالماً بإنفاذ رسائلهم إليه، قد مال بهم الهوى، وأغواهم حب الدنيا، فباعوا الآخرة الباقية، بلذتها الزائلة الفانية.

هل أغوى ابن حرب بحربه واستحثه على طلبه إلا حب زينتها، والافتتان بزهرتها، وطلب متاعها، والتلذذ باستماعها، والميل مع بنيها، إيثاراً من حطامها، ويتمتع بزائل أيامها، وكانت جماعة أكابرهم ورؤسائهم وأعيانهم وزعمائهم في كل حين لهم عيون ورسل ومكاتبات إلى اللعين بن اللعين ، فعليه وعليهم لعنة الله ولعنة اللاعنين، وإنما سار بهم عليه السلام إلى خصمه مع شدة يقينه بغدرهم، وعلمه (1) بقبيح نكثهم ومكرهم، قياماً للحجة عليهم، وتوجيهاً لقطع المعذرة منهم، لئلا يقولوا يوم القيامة: « إنا كنا عن هذا غافلين» (2) أو يقولوا: لو سرت بنا إلى عدوك لوجدتنا لك من الناصحين، فأقام عليهم الحجة بمسيره، وأظهر خفي نفاقهم بتدبيره، وكان ذلك فرض الله عليه، وما فوض من الرئاسة العامة إليه، مع علمه بخذلهم لأبيه وغدرهم به، فأذعن للهدنة، وأطفأ بصلحه الفتنة، ودرك عليهم الحجة فباءوا بغضب من الله بشملهم، وخزي في الدارين ببغيهم، وسيجازى كل بفعله، ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله، كل ذلك وهو عليه السلام كما وصف الله إباءه في محكم ذكره، ونوه فيه بمدحه وشكره، فقال سبحانه في كتابه المبين وذكره الحكيم: « أَذِلّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزّةٍ عَلَى الْكَافِرينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاَئِمٍ ذلِكَ

(1) كذا الصحيح، وفي الأصل: علمهم.

(2) سورة الأعراف: 172.

( 56 )

فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ». (1)

وكذلك كان صلوات الله عليه سالكاً طريق شيخه ووالده، بانياً في مكارم الأخلاق على قواعده، ساعياً فيما فيه الصلاح لامة جده، ناصراً مظلومهم بجهده وجده، كالطود الشامخ على المتكبرين، وكالماء الرائق للمؤمنين، لا يخضع إذا قل ناصره، ولا يضرع إذا غلب قاهره، كما قال الأول:

لا يخرج القرمني غير ما بيه     ولا ألين لمن لا يبتغي ليني

وكذلك كان أخوه سيد الشهداء، وخامس أصحاب الكساء، لا يقذع صفاته، ولا يكدر صفاءه، ذا أنف حمي وطبع أبي، لما كان مجده أرفع من السماك الأعزل وأعلى، رأي القتل في الغز حياة والحياة في الذل قتلاً، صلى الله عليهما وعلى جدهما وابيهما وامهما.

روي أن يزيد بن معاوية عليه وعلى أبيه وعلى المعتقد إسلامهما والشاك في كفرهما لعنة الله والملائكة والناس أجمعين رأى زوجة عبدالله بن عامر بن كريز، وهي ام خالد بنت أبي جندل بن سهيل بن عمرو، وكانت من الجمال والحسن في الغاية القصوى، فهام بها حتى امتنع من الطعام والشراب، وآلى أمره إلى ملازمة الفراش من شدة السقم والشغف بها، فعاده أبوه لعنه الله، فشكا ذلك إليه وأعلمه بسبب علته، وكان الرجل منزله المدينة، فأرسل معاوية إلى عامله عليها أن أرسل إلي بعبد الله بن عامر موقراً معظماً له، قائماً بجميع ما يحتاج إليه في سفره، وفيما فيه صلاح أهله.

فلما وصل عبدالله إلى معاوية أراه من التعظيم والتبجيل ما لا مزيد عليه،

(1) سورة المائدة: 54.

( 57 )

ثم قال: إني ما دعوتك إلا لأني تفكرت في رجل أعتمد عليه في اموري وأجعله عيبة سري، فما رأيت أصلح لذلك إلا أنت، وقد أردت أن اوليك البصرة، وازوجك ابنتي رملة اخت يزيد لأني ما وجدت لها كفواً غيرك، فاغتر الأحمق بقوله، فأتاه في اليوم الثاني وقال: إني عرفتها ذلك فرضيت، وقالت: كفو كريم، ولكن له زوجة ولا يليق بمثلي أن أكون عند رجل له زوجة غيري، فإن طلق زوجته كنت له أهلا وكان لي بعلاً، فرضي عبدالله بذلك وطلق زوجته ام خالد، فلما انقضت عدتها طلب من معاوية ما وعده.

فقال: إن أمرها إليها، وإنها قالت: اذا كان الرجل لم يوف لابنة عمه وهي من الجمال والحسن على ما ليس عندي فكيف يوفي لي؟ وامتنعت.

ثم إن معاوية أرسل بأبي الدرداء صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله أن يخطبها ـ أي ام خالد ـ على ابنه يزيد، وكانت الصحابة إذا ورد أحد منهم المدينة أول ما يبدأ بالسلام على النبي صلى الله عليه وآله، ثم يأتي إلى سيدنا الحسن بن رسول الله صلى الله عليه وآله تبركاً به وتيمناً بطلعته الشريفة صلوات الله عليه، فدخل أبوالدرداء على الحسن عليه السلام، فقال: ما أقدمك ـ يا عم ـ المدينة؟ فأعلمه بالقصة.

فقال: يا أبا الدرداء، هل لك أن تذكرني لها؟ فمضى أبو الدرداء وأعلمها ما كان من أمر بعلها، وأنه طلقها، وأن معاوية أرسله ليخطبها على ابنه يزيد، وأعلمها بمقالة الحسن عليه السلام، فقالت: يا عم، اختر لي أي الرجلين أصلح.

فقال أبو الدرداء: اعلمك أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله يقبل الحسن ويضع شفته على شفته، وإني مشير عليك أن تضعي شفتك موضعاً وضع

( 58 )

رسول الله صلى الله عليه وآله شفته.

فقالت: رضيت بالحسن، وزوجته نفسها، فوصل الخبر بذلك إلى معاوية، فأقامه ذلك واقعده، ولعن أبا الدرداء.

ثم إن عبدالله بن عامر أتى المدينة حقيراً خائباً مما امل، وأتى الحسن وقال: يا ابن رسول الله، إن لي عند أهلك ـ ابنة عمي ـ أمانات وودائع لي وللناس، فإن تفضلت بإعلامها بذلك فافعل.

فمضى به الحسن إليها وضرب بينهما حجاب، فأتته بالأمانات التي كانت عندها، فبكى الرجل واشتد حزنه، وبكت المرأة من وراء الستر.

فقال الحسن عليه السلام: ألك هوى في ابنة عمك؟

فقال: نعم، يا ابن رسول الله.

وفي رواية: أنه صلوات الله عليه وقال: أولا ترضى أن أكون محللكما؟ فطلقها الحسن صلوات الله عليه وردها إلى بعلها كرماً منه وتفضلاً ورأفة بامة جده صلوات الله وسلامه عليه. (1)

عن عبدالملك بنعمير والحاكم (والعباس) (2) قالوا: خطب الحسن عليه السلام عائشة بنت عثمان، فقال مروان: أزوجها من عبدالله بن الزبير.

ثم إن معاوية كتب إلى مروان وهو عامله على الحجاز يأمره أن يخطب ام كلثوم بنت عبدالله بن جعفر لابنه يزيد، فأتى مروان عبدالله بن جعفر فاخبره بذلك.

(1) مناقب ابن شهراشوب: 4/38 ملخصاً، عنه البحار: 44/171 ضمن ح 5، وعوالم العلوم: 16/303 ح 1.

(2) من المناقب.

( 59 )

فقال عبدالله: إن أمرها ليس إلي، إنما أمرها إلى سيدنا أبي عبدالله الحسين وهو خالها، فأخبر الحسين بذلك.

فقال: أستخير الله تعالى، أللهم وفق لهذه الجارية رضاك من آل محمد، فلما اجتمع الناس في مسجد رسول الله عليه وآله أقبل مروان حتى جلس إلى الحسين عليه السلام وعنده جماعة من الجلة (1)، وقال: (إن) (2) أميرالمؤمنين معاوية أمرني بذلك وأن أجعل مهرها حكم أبيها بالغاً ما بلغ مع صلح ما بين هذين الحيين مع قضاء دينه، واعلم أن من يغبطكم بيزيد أكثر ممن يغبطه بكم، والعجب كيف يستمهر يزيد وبوجهه يستسقى الغمام، وهو كفو من لا كفو له؟ فرد خيراً يا أبا عبدالله.

فقال الحسين عليه السلام: الحمدلله الذي اختارنا لنفسه، وارتضانا لدينه، واصطفانا على خلقه ـ إلى آخر كلامه ـ ، ثم قال: يا مروان، قد قلت فسمعنا، أما قولك: مهرها حكم أبيها بالغاً ما بلغ، فلعمري لو أردنا ذلك ما عدونا سنة رسول الله صلى الله عليه وآله في بناته ونسائه وأهل بيته (وهو) (3) أثنتا عشرة اوقية يكون أربعمائة وثمانون درهماً.

وأما قولك: مع قضاء دين أبيها، فمتى كن نساؤنا يقضين عنا ديوننا؟

وأما صلح ما بين هذين الحيين، فإنا قوم عاديناكم في الله فلم نكن نصالحكم للدنيا، فقد أعيا النسب فكيف السبب؟

وأما قولك: العجب من يزيد كيف يستمهر؟! فقد استمهر من هو خير من يزيد، ومن أبي يزيد، ومن جد يزيد.

(1) كذا في المناقب، وفي الأصل: الجهلة.

(2 و 3) من المناقب.

( 60 )

وأما قولك: إن يزيد كفو من لا كفو له، فمن كان كفوه قبل اليوم فهو كفوه اليوم، ما زادته في الكفاءة شيئاً.

وأما قولك: بوجهه يستسقى الغمام، فإنما كان ذلك بوجه رسول الله صلى الله عليه وآله.

وأما قولك: من يغبط منا له أكثر ممن يغبطه بنا، فإنما يغبطنا به أهل الجهل ويغبطه بنا أهل العقل.

ثم قال الحسين ـ بعد كلام ـ : فاشهدوا جميعاً أني قد زوجت ام كلثوم بنت عبدالله بن جعفر من ابن عمها القاسم بن محمد بن جعفر على أربعمائة وثمانين درهماً، وقد نحلتها ضيعتي بالمدينة، أوقال: أرضي بالعقيق، وإن غلتها في السنة ثمانية آلاف دينار ففيها لهما غنى إن شاء الله.

قال: فتغير وجه مروان، وقال: ما أتيتم إلا غدراً يا بني هاشم، تأبون إلا العداوة، فذكره (1) الحسين عليه السلام خطبة الحسن عائشة بنت عثمان وفعله، ثم قال: فأين موضع الغدر يا مروان (2)؟

وقال الحسن عليه السلام: إن لله مدينتين: إحداهما بالمشرق والاخرى بالمغرب فيهما خلق لم يهموا بمعصية الله قط، والله ما فيهما وما بينهما حجة لله على خلقه غيري وغير أخي الحسين عليه السلام. (3)

(1) كذا في المناقب، وفي الأصل: فذكر.

(2) مناقب ابن شهراشوب: 4/38 ـ 40، عنه البحار: 44/207 ح 4، وعوالم العلوم: 17/87 ح 2.

(3) مناقب ابن شهراشوب: 4/40.

ورواه في بصائر الدرجات : 339 ح 4 و 5 وص 493 ح 11 وص 494 ح 12، الكافي: 1/462 ح 5، مختصر بصائر الدرجات: 11 و 12، الاختصاص: 291، المحتضر:

( 61 )

فضائل السمعاني: قال اسامة بن زيد: جاء الحسن عليه السلام إلى أبي بكر وهو يخطب على منبر رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال: انزل عن مجلس أبي.

قال: صدقت هذا مجلس أبيك، ثم أجلسه في حجره وبكى.

فقال أميرالمؤمنين عليه السلام: والله ما هذا من أمري.

قال: صدقت والله صدقتك وما اتهمتك. (1)

وفي رواية الخطيب (2): ان الحسين عليه السلام قال يوماً لعمر: انزل عن منبر أبي وامضى إلى منبر أبيك.

فقال عمر: لم يكن لأبي منبر، وأخذني وأجلسني معه، ثم سالني: من علمك هذا؟

فقلت: والله ما علمني أحد. (3)

(1) ترجمة الامام الحسن عليه السلام من القسم غير المطبوع من طبقات ابن سعد: 68 ح 108 باختلاف، أنساب الأشراف: 3/26 رقم 41.

(2) تاريخ بغداد: 1/141.

(3) مناقب ابن شهراشوب 4/40.

 

( 62 )

فصل

في ذكر وفاته عليه السلام

لما تمت من إمرة معاوية عشر سنين عزم على البيعة لابنه يزيد لعنه الله، ولم يكن أثقل عليه من الحسن عليه السلام وسعد بن أبي وقاص، فأرسل بما دسه لسعد بن أبي وقاص فقتله به، ثم أرسل إلى ابنة الأشعث: اني ازوجك من ابني يزيد على أن تسمي الحسن، وبعث إليها بمائة ألف درهم، ففعلت وسمته، فسوغها المال ولم يزوجها من يزيد، فتزوجها رجل من بني طلحة فأولدها، فكان إذا جرى كلام عيروهم وقالوا: يا بني مسممة الأزواج. (1)

كتاب الأنوار: قال: إنه عليه السلام قال: لقد سقيت السم مرتين وهذه الثالثة.

كتاب روضة الواعظين: إن الحسن عليه السلام قال: لقد سقيت السم مراراً ما سقيت مثل هذه المرة، لقد تقطعت كبدي قطعة قطعة فجعلت اقلبها بعود معي، ثم قال للحسين عليه السلام: يا أخي إني مفارقك ولاحق بربي، وقد سقيت السم، ورميت بكبدي في الطشت، وإني لعارف بمن سقاني، ومن أين دهيت، وأما اخاصمه إلى الله سبحانه.

(1) مناقب ابن شهراشوب: 4/42، عنه البحار: 44/155 ح 25 وعن الارشاد للمفيد: 192.

( 63 )

فقال له الحسين عليه السلام: فمن سقاكه؟

قال: ما تريد منه؟ أتريد أن تقتله؟ إن يكن هو هو فالله نقمة منك، وإن لم يكن هو فما احب أن يؤخذ (بي) (1) بريء، فبحقي عليك إن تكلمت بكلمة واحدة، وانتظر ما يحدث الله في.

وفي خبر: بالله اقسم عليك إن تهريق في أمري محجمة دم. (2)

وحكي أن الحسن عليه السلام لما أشرف على الموت قال له الحسين عليه السلام: اريد أن أعلم حالك يا أخي.

فقاله له الحسن: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: لا يفارق العقل منا أهل البيت ما دامت الروح فينا، فضع يدك في يدي حتى إذا عاينت ملك الموت أغمزيدك، فوضع يده في يده، فلما كان بعد ساعة غمز يده غمزاً خفيفاً، فقرب الحسين اذنه من فمه، فقال: قال لي ملك الموت: أبشر فإن الله عنك راض وجدك شافع. (3)

وكان الحسن عليه السلام أوصى بأن يجدد عهده عند جده، فلما مضى لسبيله غسله الحسين وكفنه وحمله على سريره، فلما توجه بالحسن إلى قبر جده صلى الله عليه وآله أقبلوا إليه بجمعهم وجعل مروان يقول: يا رب هيجا هي خير من دعة، أيدفن عثمان في اقصى المدينة ويدفن الحسن مع النبي؟ أما لا يكون ذلك أبداً وأنا أحمل السيف.

فبادر ابن عباس وكثر المقال بينهما حتى قال ابن عباس: ارجع من حيث

(1) من المناقب.
(2) مناقب ابن شهراشوب: 4/42، عنه البحار: 44/158 ح 28.
(3) مناقب ابن شهراشوب: 4/43، عنه البحار: 44/160 ح 29.

( 64 )

جئت فإنا لا نريد دفنه هاهنا، لكنا نريد (أن) (1) نجدد عهداً بزيارته، ثم نرده إلى جدته فاطمة فندفنه عندها بوصيته، فلو كان أوصى بدفنه عند النبي لعلمت أنك أقصر باعاً من ردنا عن ذلك، لكنه كان أعلم بحرمة قبر جده من أن يطرق إليه (2) هدماً، ورموا بالنبال جنازته صلوات الله عليه حتى سل منها سبعون سهماً.

قال ابن عباس: وأقبلت امرأة (3) على بغل برحل في أربعين راكباً تقول: مالي ولكم تريدون أن تدخلوا بيتي من لا أهوى ولا احب؟

فقال ابن عباس ـ بعد كلام ـ : عائشة يوماً على جمل ويوماً على بغل. (4)

فنظمه الصقر البصري رضي الله عنه:

ويوم الحسن السبط(5)      عـلى بغلك أقبلت(6)
ومـا يـست ومانعت      وخـاصمت وقـاتلت
وفـي بيت رسول الله      فـي الكل(7) تحكمت
هـل  الزوجة أولى با      لـمواريث  من البنت
لـك  التسع من الثمن      ولـلكل  تـملكت(8)
تـجـملت تـبـغلت      وإن  عشت تفيلت(9)

(1) من المناقب.
(2) في المناقب: عليه.
(3) في المناقب: عائشة.
(4) مناقب ابن شهراشوب: 4/44، عنه البحار: 44/156 ـ 157 ذ ح 25 و عن إرشاد المفيد: 192 ـ 193.
(5) في المناقب: الهادي.
(6) في المناقب: أسرعت.
(7) في المناقب: بالظلم.
(8) في المناقب: فبالكل تحكمت.

( 65 )

ولما وضع الحسن عليه السلام في قبره أنشأ سيدنا ومولانا أبوعبدالله الحسين عليه السلام:

أأدهـن رأسـي ام اطيب مجالسي      ورأسـك مـعفور وأنـت سـليب
أو  اسـتمتع الـدنيا بـشيء احبه      الاكـل مـا أدنـى إلـيك حـبيب
فـلا  زلـت أبكي ما تغنت حمامة      عـليك ومـا هـبت صبا وجنوب
ومـا  هملت عيني من الدمع قطرة      وما اخضر في دوح الحجاز قضيب
بـكائي طـويل والـدموع غزيرة      وأنــت بـعيد والـمزار قـريب
غريب  وأطراف البيوت تنوشه(2)      ألاكـل  مـن تحت التراب غريب
فلا يفرح الباقي خلاف الذي مضى      فـكل فـتى لـلموت فـيه نصيب
ولـيس  حـريب من اصيب بماله      ولـكن  مـن وارى أخـاه حريب
نـسيبك مـن أمسى يناجيك طرفه      وليس  لمن تحت التراب نسيب(1)

(1) مناقب ابن شهراشوب: 4/44 ـ 45.
(2) في المناقب: تحوطه.

( 66 )

وقال سليمان بن قتة يرثي الحسين عليه السلام:

يـا  كـذب الله من نعى حسناً      لـيس  لـتكذيب نعيه ثمن(2)
كنت حليفي(3) وكنت خالصتي      لـكل حـي مـن أهـله سكن
أجـول  في الدار لا أراك وفي      الـدار انـاس جـوارهم غبن
بـدلـتهم  مـنك لـيت إنـهم      أضحوا  وبيني وبينهم عدن(4)

وقال دعبل بن علي الخزاعي رضي الله عنه:

تـعز  بـمن قد مضى اسوة      فـإن  الـعزاء يسلي الحزن
بـموت  النبي وقتل الوصي      وذبح الحسين وسم الحسن(5)

عن عمر بن بشير الهمداني، قال: قلت لأبي إسحاق: متى ذل الناس؟

قال: حين مات الحسن عليه السلام، وادعى زياد، وقتل حجر. (6)

عن هشام بن سالم وجميل بن دراج، عن الصادق عليه السلام أن الحسن عليه السلام توفي وهو ابن ثمان وأربعين سنة.

(1) مناقب ابن شهراشوب: 4/45، عنه البحار: 44/160 ذ ح 29، وعوالم العلوم: 16/299 ح 1.
(2) كذا في الديوان، وفي الأصل: حسن.
(3) في المناقب: خليلي.
(4) مناقب ابن شهراشوب: 4/45، عنه البحار: 44/161 ح 30، وعوالم العلوم: 16/300 ح1.
(5) مناقب ابن شهراشوب: 4/46، ديوان دعبل الخزاعي: 303.
(6) مقاتل الطالبيين: 50.

( 67 )

وروي أيضاً أنه توفي وهو ابن ست وأربعين. (1)

روى الزمخشري في كتابه ربيع الأبرار، وروى ابن عبد ربه في كتابه العقد (2) أنه لما بلغ إلى معاوية بموت الحسن سجد وسجد من حوله، وكبر وكبروا معه، فدخل (عليه) (3) ابن عباس بعد ذلك، فقال معاوية: يا ابن عباس، أمات أبومحمد؟

قال: نعم، ورحمة الله عليه، وبلغني تكبيرك وسجودك، أما والله لا يسد جثمانه حفرتك، ولا يزيد انقضاء أجله في عمرك. (قال) (4) أحسبه ترك صبية صغاراً ولم يترك عليهم كثير معاش. فقال ابن عباس: إن الذي وكلهم إليه غيرك، وكلنا كنا صغاراً فكبرنا.

قال: فأنت تكون سيد القوم بعده.

قال: أما وأبوعبدالله الحسين عليه السلام حي فلا. (5)

قال شيخنا السعيد الشهيد محمد بن مكي الفقيه رضي الله عنه في دروسه:

ولد الحسن ليلة (6) الثلاثاء بالمدينة منتصف شهر رمضان سنة اثنتين من الهجرة. (7)

وقال المفيد: سنة ثلاث، وقبض بها مسموماً يوم الخميس سابع صفر سنة

(1) مقاتل الطالبيين: 50.
(2) ربيع الأبرار: 4/186، العقد الفريد: 4/361 ـ 362.
(3 و 4) من المناقب.
(5) مناقب ابن شهراشوب: 4/43، عنه البحار: 44/159، وعوالم العلوم: 16/298 ح 1.
(6) في الدروس: يوم.
(7) الدروس: 152، عنه البحار: 44/134.

( 68 )

تسع وأربعين أو سنة خمسين من الهجرة، عن سبع أو ثمان وأربعين سنة.

قال الحسن للنبي صلى الله عليه وآله: يا رسول الله، ما لمن زارنا؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: من زارني حياً أو ميتاً، أو زار أخاك حياً أو ميتاً كان حقاً علي أن أستنقذه يوم القيامة. (1)

وقيل للصادق عليه السلام: ما لمن زار واحداً منكم؟

قال: كان كمن زار رسول الله صلى الله عليه وآله، إن لكل إمام عهداً في عنق أوليائهم وشيعتهم، وإن من تمام الوفاء بالعهد وحسن الأداء زيارة قبورهم، فمن زارهم رغبة في زيارتهم وتصديقاً لما رغبوا فيه كان أئمته شفعاؤه يوم القيامة. (2)

(1) أخرجه في البحار: 99/373 ح 8 عن الهداية: 67.
وفي ج100/140 ح 7 عن علل الشرائع: 460، وفي ص 141 ح 8 ـ 11 عن كامل الزيارات: 11 وح12 عن أمالي الصدوق: 57 ح4، وح13 عن ثواب الأعمال: 107 ح1، وح15 عن ثواب الأعمال: 107 ـ 108 ح2، وفي ص 259 ح 6 عن كامل الزيارات.
(2) أخرجه في البحار: 100/116 ح1 عن عيون أخبار الرضا عليه السلام وعلل الشرائع، وفي ص117 ح2 و 3 و 6 عن كامل الزيارات، وح5 عن العيون والعلل.

( 69 )

الندبة

يا من نسبه من كل نسب أعلى، وسببه من كل سبب أقوى، ومجده بكل فضل أولى، وحبه شرف الآخرة والاولى، جدك فارس البراق ليلة الاسراء، وأبوك أول السباق إلى دين الهدى، وامك سيدة نساء الدنيا والاخرى، قد اكتفتك الاصول الطاهرة، واحتوشتك المحامد الفاخرة، طوت بقوادم الشرف وخوافيه (1)، وتسمت ذروة الشرف وأعاليه، فلا شرف إلا وإليك منتهاه، ولا سؤدد إلا وأنت بدؤه وقصاراه.

همتك أعلى من هامة السماك الأعزل، ورفعتك أسمى من رفعة السماء وأطول، عالية مبانيك، هامية أياديك، صادقة أقوالك، زاكية أفعالك، غامر إفضالك، وافر نوالك، طاهرة آباؤك وامهاتك، ظاهرة في صحائف المجد سماتك.

نزهت عن كل عيب، وقدست من كل ريب، لا جرم من كان جده خاتم النبيين، جاز أن يقول: أنا أشرف خلق الله أجمعين، ومن كان أبوه سيد الوصيين، كان مجده في الشرف أعلى من عليين، ومن كانت أمه سيدة النساء كان أفخر من أشرقت عليه ذكاء. رزؤك يا ابن المصطفى أجرى عبرتي، وسمك يا نجل المرتضى أسهر.

(1) الخوافي: جمع الخافية، وهي الريش الصغار التي، في جناح الطير عند القوادم.

( 70 )

مقلتي، وهضمك أطال حزني، وظلمك أذوى عصبي، أما ليلي فزفرة وعبرة، وأما نهاري فحيرة وفكرة، أتفكر في فوادح مصائبكم، وأتذكر عظيم نوائبكم، وأتصور علم الاسلام والدكم، وإمام الأنام قائدكم، خير الامة بعد نبيها، وخير الملة وحفيها، الذي أخذ الله ميثاق ولاته على خلقه، وأحيى بمعين علمه موات حقه، وجعله الهادي إليه، والدليل عليه.

كل علم لا يؤخذ عنه فهو ضلال، وكل دين لا يتلقى منه فهو محال، لولا جهاده لما قام عمود الاسلام، ولولا بيانه لما عرف الحلال من الحرام، قلبه مخزن علم الله، ونفسه مشرق نور الله، بحر لا يدرك قراره، وسائق لا يشق غباره، لا يعرف الله إلا من سلك سبيله، ولا ينجو في تيه الضلالة إلا من اتبع دليله، كيف اجتمعت امة السوء على قتاله، وانبعث أشقاها لاغتياله، وصيره ضمناً في حال ركوعه، ملقى في خلال خشوعه؟ بعد أن سلبوه تراث ابن عمه، وغصبوه ميراث شقيق دمه ولحمه، وجعلوا ولي أمرهم أرذلهم نسباً، وإمام عصرهم أخملهم حسباً، أخفض بيت في تيم بن مرة، وأكذب منعوت بالصدق والامرة، لما شادوا بالباطل سقيفتهم، وسموه بخلاف تسمية ربهم خليفتهم، هدموا من الحق ما شيد ولي الله بجده وجهده، وطمسوا من الصدق ما بين في صدره وورده، وفرقوا كلمة الاسلام بجبتهم وفاروقهم، وعطلوا أحكام القرآن بثالثهم طاغوتهم.

فتباً لها من أمة سوء شرت الضلالة بالهدى، وباعت الآخرة بالاولى، وعدلت بصفوة الله من لا يمت بفضله، بل ولا يعدل عند الله شرك نعله، وأهانت خلافة الله حتى تلاعبت بها اولوا الأخلاق الذميمة، والأعراق الموصومة، وصيروها ملكاً عضوضاً، وعهداً منقوضاً، فعاد المؤمن فيها يحذر من فيه وظله،

( 71 )

ويخفي شخصه عن صحبه وأهله، ويبتغي نفقاً في الأرض أو سلماً في السماء، وينحجر في الزوايا خشية الرقباء، يرى حتفه بعينيه، ويسمع لعنه باذنيه، وكيف لا يخشى بادرتهم، ويحذر فاقرتهم، وهو يرى صنيعهم لسيدهم ووليهم، وخذلهم هاديهم وخليفة نبيهم، وأذاهم له بقولهم وفعلهم، وإجلابهم عليه بخيلهم ورجلهم، وحربهم له في صفينهم وجملهم، وقتلهم له في قبلة مسجده، وفتكهم به في حال تهجده، وتصييرهم ولديه سبطي نبي الرحمة، وفرعي شفيع الامة، وسيدي شباب أهل الجنة، ومن جعل الله وجودهما في الخلق أعظم منة، ما بين مسموم ومقتول، ومهضوم ومخذول؟

فأبعدها الله من امة خبل سعيها، ودام غيها، وطال شقاها، وخاب رجاها، تقتل ذرية نبيها بين ظهرانيها، وتسبي بنات رسولها وهي تنظر إليها، ليس فيها رشيد يردعها، ولا سديد يدفعها، فما أبعدها من رحمة الله واشقاها، وأحقها بخزي الله وأولاها؟ قد أوثقها الله بذنوبها، وختم على قلوبها وغرها سرابها، وتقطعت أسبابها، فارتدت على أعقابها، وضلت في ذهابها وإيابها، قد طوقها الله طوق لعنته، وحرم عليها نعيم جنته، فالمؤمن فيها حامل حتفه على كتفه، وناظر هلكه بطرفه، يسلقونه بحداد ألسنتهم، ويعنفونه بفضيع مقالتهم، فهو بينهم كالشاة بين الذئاب، أو الغريب تحتوشه الكلاب، وعلماؤهم يتجسسون على عورات المؤمنين، ويبتغون زلات الصالحين، ويحرمون ما أحل الله بأهوائهم، ويحلون ما حرم الله بآرائهم، ويسفهون أحلام من التزم بحبل أهل بيت نبيه، ويستهزئون بمن استمسك بولاء عترة وليه، وهم مع ذلك يتولى بعضهم بعضاً ، ويعظم بعضهم بعضاً، وما ذاك إلا لاختصاص قول المؤمنين بآل محمد صلى الله عليه وآله فلعداوتهم لهم رموهم عن قوس واحدة.

( 72 )

هذا أبو حنيفة النعمان بن ثابت يقول: لو أن رجلاً عقد على امه عقد نكاح وهو يعلم أنها امه ثم وطئها لسقط عنه الحد ولحق به الولد.

وكذلك قوله في الاخت والبنت وسائر المحرمات ويزعم أن هذا نكاح شبهة أوجب سقوط الحد عنه. (1)

ويقول: لو أن رجلاً استأجر غسالة، أو خياطة، أو خبازة، أو غير ذلك من أصحاب الصناعات ثم وثب عليها ووطئها وحملت منه لأسقطت عنه الحد وألحقت به الولد.

ويقول: إذا لف الرجل على إحليله حريرة ثم أولجه في فرج امرأة ليست له بمحرم لم يكن زانياً، ولا يجب عليه الحد.

ويقول : إن الرجل إذا تلوط بغلام فأوقب لم يجب عليه الحد، ولكن يردع بالكلام الغليظ والأدب والخفقة والخفقتين بالنعل، وما أشبه ذلك.

ويقول: إن شرب النبيذ الصلب المسكر حلال طلق إذا طبخ وبقي على الثلث وهو سنة وتحريمه بدعة.

وقال الشافعي: إن الرجل إذا فجر بامرأة فحملت وولدت بنتاً فإنه يحل للفاجر أن يتزوج بها ويطأها ويستولدها لا حرج عليه في ذلك، فأحل نكاح البنات (2).

وقال: لو أن رجلاً اشترى اخته من الرضاعة ثم وطئها لما وجب عليه الحد، وكان يجوز سماع الغناء بالقصب وما أشبه.

(1) الام للشافعي: 5/153، الفقه على المذاهب الأربعة للجزيري:4/66 و 124.
(2) الفقه على المذاهب الأربعة للجزيري:4/66 و 124.

( 73 )

وكان مالك بن أنس يرى سماع الغناء بالدف وأشباهه من الملاهي، ويزعم أن ذلك سنة، وكان يجيز وطيء الغلمان المماليك بملك اليمين.

وقال داود بن علي الاصفهاني (1): إن الجمع بين الاختين بملك اليمين حلالاً طلق، والجمع بين الام والبنت غير محظور.

فاقيم هؤلاء الفجور وكل منكر فيما بينهم واستحلوه، ولم ينكر بعضهم على بعض، مع أن الكتاب والسنة والاجماع تشهد بضلالهم في ذلك، وعظموا أمر المتعة واستنكروها وضللوا فاعلها، مع أن القرآن والسنة يشهدان بصحتها، وأن النبي صلى الله عليه وآله أباحها، وفعلت على زمانه، ومات صلى الله عليه وآله وهي جارية في الصحابة وغيرهم حتى حرمها الثاني بجهله وكفره تعصبه بالباطل، فصوبوا آراءه،وسددوا اجتهاده في تحريمها، فيعلم أنهم ليسوا من أهل الدين، ولكنهم من أهل العصبية والعدواة لآل محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

ولنختم المجلس بقصيدة أملاها خالص إيماني على جناني، وألقاها محض اعتقادي إلى فؤادي، وكتبتها يد محبتي على لوح فكرتي، واستخرجتها صناعة بلاغتي من خزانة فصاحتي، أسأل الله أن يجعلها صدر جريدة عملي، وبيت قصيدة أملي، وهو حسبنا ونعم الوكيل:

(1) داود بن علي بن خلف الاصفهاني، المعروف بالظاهري، ولد عام «202» هـ، وتوفي عام «270» هـ ، ولد بالكوفة، ورحل إلى نيسابور، ونشأ ببغداد وتوفي بها، من تصانيفه: كتابان في فضائل الشافعي. «معجم المؤلفين: 4/139»

( 74 )

عـصر  الشباب تولى وانقضى زمني      كـطيف حلم مضى في غمضة الوسن
وخـانـني جـلدي لـما دنـا أجـلي      وأقـبل الـشيب بـالترحال يـؤذنني
سـبعون  عـاماً مضت ماكان أجمعها      إلا كـومض بـريق لاح فـي مـزن
لـم  أسـتفد صـالحاً فـيها ولا عملاً      إلـى  رضـا الله في الاخرى يقربني
فـكرت  في عصب من اسرتي سلفوا      وأهـل ودي وفـيمن كـان يصحبني
فـما وجـدت لـهم عـيناً ولا أثـراً      ولـيس  حـي سـواي من بني زمني
أيـقنت انـي بـهم لا شـك مـلتحق      وان دهـري بـسهم الـموت يرشقني
فـعـادني مـنهم عـيد فـسال دمـاً      دمـعي  لـذكرهم كـالعارض الـهتن
عـلمت مـن عادة الدهر الخؤون بأن      الـشيب  والـموت مقرونان في قرني
وابـيض  فودي ولكن سودت صحفي      كـبائر ذكـرها مـا عـشت يحزنني
أيـام عـمري فـي دنياي مذ قصرت      طـالـت خـوادع آمـالي فـياغبني

( 75 )

وكـلما  ضـعفت مـني القوى قويت      عـزيمتي  في الذي في الحشر يوبقني
لـم أسـتفد في حياتي غير صدق ولا      صـفو اعـتقادي وإيـماني عليه بني
بـحـب  أحـمد والأطـهار عـترته      اولـي  الـنهى وذوي الآلاء والـمنن
قـوم هـم الـعروة الوثقى فمن علقت      بـها  يـداه رآهـا أحـصن الـجنن
لا  يـقـبل الله مـن أعـمالنا عـملاً      إلا  بـحـبهم فــي الـسر والـعلن
مــاذا أقـول لـقوم كـان والـدهم      لـلمصطفى  خـير منصوب ومؤتمن
رب  الـغـدير وقـسـام الـسـعير      وذي العلم الغزير مبين الفرض والسنن
وصـاحب الـنص فـي آي الـعقود      فـإنـما  ولـيـكم إن تـتل تـستبن
كــل  إلـى عـلمه ذو حـاجة وإذا      أخـبرته فـهو عـنهم بـالكمال غني
بـه  استقامت طريق الحق واتضحت      وثـبت الله مـا بـالدين مـن وهـن

( 76 )

تـوراة  مـوسى وإنـجيل المسيح له      فـي طـيها نـشر ذكر واضح السنن
أهـل  السماء وأهل الأرض لو طلبوا      أن يـحصروا عـد ما فيه من الحسن
ضـاقت  مـذاهبهم عـجزاً وما بلغوا      مـعشار  ما جاء في المولى أبي حسن
سـل عـنه بدراً وأحزاب الطغاة بني      حـرب وعـمرو بن ود عابدي الوثن
لـما عـلاه بـمشحوذ الـغرار هوى      يـصـافح الأرض بـالكفين والـذقن
عـلي عـلى كـتف الـمختار معتمداً      طـهارة  الـبيت من رجس ومن درن
مـا قـلته قـطرة مـن بـحر مدحته      يـكل  عـنه بـيان الـماهر الـلسن
فـي  هـل أتى هل أتى إلا له شرف      آيـات  مـدحته تـتلى مـدى الزمن
الله  مــادحـه والـذكـر شـاهـده      هـذي  الـمكارم لا قـعبان مـن لبن
بـه  قـواعد إيـماني عـلت شـرفاً      فـصرت ودي لـه أرجـوه يـزلفني

( 77 )

بـآلـه وبـه أرجـو الـنجاة غـداً      إذا عـرا بـي داعي الموت يطلبني
وصـرت فـي اللحد منبوذاً وفارقني      رهـطي وأنـكرني من كان يعرفني
وطال في الترب مكثي وانمحى أثري      كـأنـني أرى الـدنيا ولـم تـرني
وقـمت بـين يـدي ربي وطائر أع      مـالي بـما كـان من فعلي يذكرني
هـناك أرجـو إذا نـوديت مـنفرداً      بـثابت  الـقول ربـي أن يـثبتني
مـن عـالم الـذر حـتى الآن حبهم      فـي مـهجتي مـستقر لا يـفارقني
وهـكذا  بـغض م ن نـاواهم حسداً      بــه اديــن إذا مـا الله يـسألني
يـا من هموا في حياتي عدتي وهموا      عـقدي وعـهدي إذا لففت في كفني
وجـدي  لـما نـالكم لا ينقضي فإذا      ذكـرته هـاج بي من لوعتي حزني
ومـا  لـقى بـعد خير الخلق والدكم      صـنو  الـنبي من الأرجاس يقلقني

( 78 )

مـن  الـذي نفقت سوق الفسوق وقا      م الـبغي مـنهم على ساق من الفتن
لـولا  عـتيق وثـانيه لـما ظهرت      مـن  آل حرب خفايا الحقد والضغن
ولا  غدا الصنو في المحراب منجدلاً      قـد  قـد مـفرقة فـي ظلمة الدجن
مـن بـعد مـا كفروا بالله إذ نصبوا      لـه  الـحروب وثـنوا بابنه الحسن
هـروا بـسمهم مـنه الـحشا فثوى      خـلف المنون من الأوغاد ذي الاجن
وجـدي  وصبري موصول ومنقطع      لـرزئـه وفـؤادي بـالغموم مـني
يـابن الـنبي ويـا نجل الوصي ويا      أعـلى الـورى نسباً يا خير ممتحن
لـذكر صدك عن بيت الرسول ودف      ن  الأولـين بـه حـزني يـسهدني
وفـعل مـن اقـدموا لـلمنع تقدمهم      ام الـشرور عـلى بـغل يـحيرني
وإن تـفكرت فـي يوم الطفوف وما      عـليكم ثـم هـاج الـوجد في بدني

( 79 )

وذكـر  صـنوك مـقتولاً على ظمأ      مـن  الـصبابة تـطويني وتنشرني
لـهفي  على ماجد بالطف يهتف بال      طـغاة هـل ناصر في الله ينصرني
هـل  مـن رحـيم له في الله معتقد      يـرى  أوامـي ومـا ألقى فيسعفني
هـل  عالم أن جدي المصطفى وأبي      وصـيه  الـمرتضى حـقاً فيسعدني
ألـيست الـبضعة الزهراء أمي وال      طـيار عـمي فـلا خـلق يساجلني
لـم  آتـكم رغـبة فـيكم ولا طمعاً      فـي مـلككم بـل خشيت الله يمقتني
بـترك فـرض جـهاد القاسطين فكا      نـت حـجة الله إذ خـالفت تلزمني
وكـنت  أعـلم أن الـغدر طـبعكم      لـكن رجـاء ثـواب الله يـسترني
وددت  لـو كـان بعد المشرقين غداً      مـنكم مـقامي وعـنكم نازح وطني
يـا  نـاكصين عـلى أعقابكم تربت      يـداكـم فـانثنيتم راكـدي الـسفن

( 80 )

ألـيس بـالطهر جدي والوصي أبي      عـلـيكم  الله أعـلانـي وشـرفني
بما  استبحتم دمي والله أوجب في ال      تـنزيل  ودي وصـفاني وطـهرني
من  كل رجس وفي يوم الكساء رسو      ل  الله خـامسهم بـالنص صـيرني
وهـذه الـنسوة الـلاتي تـرون بنا      ت  المصطفى فانتهوا ياعادمي الفطن
مـنعتموهن مـن شـرب المباح فعد      ن  يـشتكين الـظماء بالمدمع الهتن
يـا امـة سـفهت بـالبغي أنـفسها      فـرأيها فـالذي اخـتارت إلـى أفن
أجـبـت أن لـنـا عـلم بـأنك أو      لـى الـناس بالناس من باد ومقتطن
وان  جــدك هـاديهم وشـيخك وا      لـيهم  وأنـتم معاذ الخلق في المحن
لـكـنما  زيـنة الـدنيا وزهـرتها      نـقد ومـن ذا يـبيع الـنقد بالظنن
لـم يـقس مـاتم فـي بدر فليس لنا      قـلب لـما صار فيها غير مضطعن

( 81 )

جـزرتم  عـتبة بـعد الـوليد بـها      جـزر كـجزركم كـوماً مـن البدن
فـمـذ  تـحقق أن الـقوم طـبعهم      غــدر وجـمـعهم بالله لـم يـهن
رأى  جـهـادهم فـرضاً فـناجزهم      عـلى  سـواء فـلم يـنكل ولم يهن
وبـاع  نـفساً علت فوق السها شرفاً      مـن ذي الـمعارج بالغالي من الثمن
بـجـنة  طـاب مـثواها فـساكنها      قـد فـازمنها بعيش في الخلود هني
ونـاجز الـقوم فـي أبـرار عترته      فـما  استكانوا إلى الأعداء من وهن
حـتى  إذا اسـتلبوا أرواحهم وغدوا      طـعم الـمناصل والـخطية الـلدن
أضحى فتى المصطفى فرداً فوا أسفي      عـلى  الـفريد ويا وجدي ويا شجن
ضـرام  وجدي إذا أجريت مصرعه      بـفكري  شـب فـي قلبي فيحرقني
فـيرسل  الـطرف مدراراً فيطفي نا      ر الـحزن لكن بفيض الدمع يغرقني

( 82 )

لـهفي عـلى نـسوة ضـلت مهتكة      يـسترن تـلك الـوجوه الغر بالردن
تـساق  عنفاً على الأقتاب ليس ترى      إلا زنـيماً مـن الأرجـاس ذا ظغن
كـنسوة من اسارى الشرك طيف بها      وبـرزت  جـهرة فـي سائر المدن
يا  اشرف الخلق جداً في الورى واباً      وأسـمح  الـناس بـالآلاء والـمنن
ومن  به عذب من ريب الزمان ومن      حـططت رحلي به عند انتهاء زمني
حزني لما نالكم لا ينقضي ولو أن ال      لـحد  أصـبح بـعد الموت يسترني
لـو كـنت حاضركم في كربلا لرأي      ت الـقتل فـرضاً به الجبار ألزمني
وكـنت أجـعل وجـهي جنة لك من      سـهام قـوم بـغاة فـيك تـقصدني
حـتى  أضـل وأوصـالي مـقطعة      أذب  عـنك وعـين الله تـلحضني
وصـرت  في عصبة جادت بأنفسها      فذكر  ما صنعت في الفخر غير دني

( 83 )

بـاعت مـن الله أرواحـاً مـطهرة      مـا  في الذي بذلت في الله من غبن
مـولاي  إذ لم أنل فضل الشهادة بال      جـهاد  فـيك ولا الـتوفيق أسعدني
فـقد  وقفت لساني في جهاد اولي ال      ضـلال مـن فـيكم بـغياً يـؤنبني
عـتـيق  يـغلي أراه قـيمة لـعتي      قـهم وانـظره أدنـى مـن الـثمن
وهـكـذا الـظالم الـثاني وثـالثهم      ذو  الـغي أخـبث مـغرور ومفتتن
وعـصبة صرعت حول البعير على      أكــفـار رتـبـهم الله أطـلـعني
وتـابعوا  الـرجس في صفين لعنهم      فـرض عـلي لـه الـرحمن وفقني
وهـكذا أنـا نـحو الـمارقين بـغا      ة الـنهر فـي كـل آن مرسل لعني
هـذا اعـتقادي بـه أرجو النجاة إذا      أوقـفت بـين يـدي ربـي ليسألني
ثـم الـصلاة عـليكم كـلما سجعت      حـمائم  الأيـك فـي دوح على فنن

( 84 )

( 85 )

المجلس الخامس

في خصائص الامام السبط التابع لمرضاة الله أبي عبدالله الحسين عليه السلام، وما تم عليه من أعدائه، وذكر شيء من فضائله، وما قال الرسول صلى الله عليه وآله في حقه، وما جرى عليه من الامور التي امتحنه الله بها واختصه بفضائلها حتى صار سيدالشهداء وسيلة لأهل البلاء، وتعزية لأهل العزاء، صلوات الله عليه وعلى جده وأبيه، وامه وأخيه، والأئمة من بنيه، ولعن الله من ظلمهم، واغتصبهم حقهم، آمين رب العالمين.

الحمد لله الذي طهر بزلال الاخلاص قلوب أوليائه، وألزم نفوس الخواص بحمده وثنائه، وأطلع أحباءه على جلال عظمته وكبريائه، ورفع خلصاءه من حضيض النقصان إلى أوج الكمال باحتضانه، وسرح عقولهم في دوح معرفته فرتعوا في تلك الرياض المونقة، وشرح صدورهم بافاضة أنوار عنايته على قوابل أنفسهم المشرقة، فاقتطفوا بأنامل إخلاصهم ثمار العرفان من تلك الحدائق المغدقة،واستنشقوا بمشام هممهم عاطر أنوارها وأزهارها المحدقة، واساموا ابصار بصائرهم في خمائل جمالها، فشاهدوا ما تكل عن

( 86 )

وصفه الألسن، واجتنوا من ثمرات شجرات دوحها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين.

ولما عاينوا أنهار العناية قد فجرت خلالها تفجيراً . وأدارت ولدان المحبة على خالص المودة كأساً كان مزاجها كافوراً، ارتاحت أرواحهم إلى أسير... (1) زلال تلك الكؤوس المترعة، وسارت منهم النفوس إلى موارد مشارع معرفة الملك القدوس مسرعة، حتى إذا شربوا بالكأس الروية من شراب إخلاص المحبة، انبسطت أرواحهم من لذة حلاوة الشربة، وكشف لهم الغطاء عن السر المحجوب، واطلعوا من أحوال البرزخ على خفيات الغيوب.

ولما اطلع سبحانه على حقيقة إخلاصهم تفرد بإحبائهم واختصاصهم، وثبت في مداحض الأقدام اقدامهم، وأثبت في دفاتر الاعظام مقامهم، وصيرهم الوسائط بينه وبين عباده، والرسائل لأنامه في بلاده، واصطفاهم بالعصمة التامة، واجتباهم بالرئاسة العامة، فأنقذوا الجهال بإفاضة علومهم، ووازنوا الجبال برزانة حلومهم، ونفعوا العليل بفصيح وعظهم، وشفوا الغليل بمبين لفظهم، وساقوا الناس بسوط حكمهم إلى شريعة ربهم، ونادوا الخلق بصوت عزمهم إلى منازل قربهم، وعادوا في الله أعداءه، ووالوا في الحق اولياءه، حتى أشرقت بنورهداهم الأقطار، وازينت بذكر علاهم الأمصار، ورفل الحق في سرابيل العزة والافتخار، وخطر الصدق في ميادين القوة والاشتهار، ويسرت معالم الايمان بمعالم علمهم، وظهرت أحكام القرآن بواضح حكمهم، ورسخت اصول الدين في صعيد القوة بجدهم، وبسقت فروع الشرع في سماء العزة بجهدهم، فعلوم التوحيد منهم ينابيعها تفجرت، وأسرار التنزيل بقوانين معارفهم ظهرت، والعدل والحكمة صحة استنباطهم طرائقها قررت.

(1) غير مقروءة في الأصل.

( 87 )

لم يخلق الله خلقاً أكرم عليه منهم، ولم يصدر عنه من العلوم ما صدر عنهم.

ولما تمت كلمتهم، وكملت صفتهم، وشملت رئاستهم، وعمت خلافتهم، وعمر برهم، وعلا أمرهم،وخلصت قلوبهم، وصعبت نفوسهم، وأفاض الجليل سبحانه على أفئدتهم أنوار جلال عظمته، ورقى أرواحهم إلى سماء العرفان فاطلعوا على أسرار إلهيته، أراد سبحانه أن لا يترك خصلة من خصال المجد، ولا مزية من مزايا الفخر إلا ويجعلهم عيبتها ومجمعها ومنبعها ومشرعها وموئلها ومرجعها ومربعها، ففازوا من خلال الكرم بالعلى من سهامها، والأعلى من مقامها، حتى وصفهم سبحانه بأشرف خصال الكرامة، وأنزل قرآناً تتلى آيات مدحتهم فيه إلى يوم القيامة، وحازوا من المعارف الربانية والأحكام الشرعية ما ينفع العليل، ويبل الغليل.

عنهم اصول العلوم اخذت، وبنهم اولوا المعارف احتذت، وعلى قواعدهم بنوا، وعن أعلامهم رووا، وجعلهم الله لسانه الناطق بحقه، ومناره الساطع في خلقه.

ولما انتهت في الكمال رتبتهم، وعلت في الجلال غايتهم، وعرفوا المبدع حق معرفته، ونزهوه عما لا يليق بصفته، صفوا في مقام الخدمة أقدامهم، ونصبوا في حضرة العزة أبدانهم، ولحظوا بعين التعظيم جلال مبدعهم، وشاهدوا بعين اليقين كمال مخترعهم، اشتاقت أنفسهم إلى المقام الأسنى، وتاقت أرواحهم إلى الجناب الأعلى، من جهاد أعداء ربهم، والمموهين بزورهم وكذبهم، الذين باض الشرك في رؤوسهم، وفرخ وثبت الكفر في نفوسهم، ورسخ ونعق ناعق النفاق في قلوبهم فاتبعوه، ودعاهم داع الشقاق في صدورهم فأطاعوه،

( 88 )

فأجلبوا على حرب الفتى، وثنوا بقتال الوصي، وتلبثوا بسم الزكي، وكفروا بأنعم ربهم العلي.

وكان أفضل من جاهدهم في الله حق جهاده، وبذل نفسه لله بجده واجتهاده، وتلقى حر الحديد بذاته وولده، وقاتل بجد مجيد بعد أبيه وجده.

ثاني السبطين، وثالث أئمة الثقلين، وخامس الخمسة، أشرف من بذل في الله نفسه، منبع الأئمة، ومعدن العصمة، السيد الممجد، والمظلوم المضطهد، سيد شباب أهل الجنة، ومن جعل الله حبه فرضاً لا سنة، وولاءه من النار أعظم جنة، سبط الاسباط، وطالب الثأر يوم الصراط، أشرف من مشى على وجه الأرض، وأقوم من قام بالسنة والفرض، وأفضل من بكت السماء لقتله، وأمجد من اجتمعت أمة السوء على خذله.

الإمام الشهيد، والولي الرشيد، قرة عين سيدة النساء، وثمرة قلب سيد الأوصياء، ومن شرفت بمصرعه كربلاء، وصارت مختلف أملاك السماء، السيد الماجد، والولي المجاهد، قتيل العبرة، وسليل العترة، وفرع السادة البررة، الإمام المظلوم، والسيد المحروم، الذي مصيبته لا تنسى، وحرها لا يطفى، المنهتك الحرمة، والمخفور الذمة، الذي لا يحق الجزع إلا على مصيبته، ولا يليق الهلع إلا من واقعته، الصبور عند البلاء، والشكور عند الرخاء.

كان للسائل كنزاً، وللعائذ عزاً، وللمجدب غيثاً، وللمستصرخ مغيثاً، عبرة كل مؤمن، واسوة كل ممتحن، صفوة المصطفين، وأحد السيدين، وابن صاحب بدر واحد وحنين، سيدنا ومولانا أبا عبدالله الحسين، الذي هضمت مصيبته الاسلام هضماً، وهدمت محنته الايمان هدماً، وألبست قلوب المؤمنين كرباً وغماً.

( 89 )

يا لها مصيبة شق لها المؤمنون قلوبهم لا جيوبهم، وتجافت لعظمها عن المضاجع جنوبهم، وأمطرت السماء دماً وتراباً، وخبرت من أخي العرفان أكفاراً وألباباً، واضطربت لهولها السبع العلى،واهتز لها عرش المليك الأعلى.

النبي والوصي فيها أهل العزاء، وسيدة النساء تود لو تكون له النداء، أنسى كل مصيبة مصابها، وأمر كل طعم صابها، وأدارت كؤوس الأحزان على قلوب المؤمنين، وجددت معاهد الأشجان في نفوس المخلصين، كسيت السماء بحمرة نجيع شهدائها سقفاً، وأذكت في قلوب المؤمنين بفادح زنادها حرقاً، وأنفذت بتراكم أحزانها ماء الشؤون، وأذابت بتفاقم أشجانها القلوب فاسالتها دماً من العيون، فإنا لله وإنا إليه راجعون. أي مصيبة طمت وعمت وأشجت قلوب المؤمنين وأعمت.

فيا إخواني عزوا نبيكم المصطفى في هذا اليوم بسبطه، اسعدوا وليكم المرتضى في مصابه برهطه، فإن البكاء في هذا العشر لمصاب آل الرسول من أفضل الطاعات، وإظهار الجزع لما نال ولد الطاهرة البتول من أكمل القرباتن ولما كانت هذه المصيبة لم تقع منذ خلق الله السماوات والأرض كواقعتها، ولا انهتكت حرمة نبي ولا ولي كانتهاك حرمتها، ولا غضب الله غضبها على من شب ضرامها، ونصب أعلامها، وقاد جنودها، وعقد بنودها، أردت أن أنفت حزازة (1) صدري، وأبوح بما في سري، واخاطب المؤمنين من إخواني بما خطر في جناني، ونطق به لساني، فقلت من شدة اسفي، وفرط لهفي، ودمعي

(1) نفتت القدر تنفت نفتا ... إذا كانت ترمي بمثل السهام من الغلي «لسان العرب: 2/100 ـ نفت ـ».
والحزازة: وجع في القلب من غيظ ونحوه. »لسان العرب : 5/335 ـ حزز ـ «.

( 90 )

يملي ولا يمل، ووجدي يقلي ولا يقل:

يا إخواني، تفكروا في هذا الخطب الجسيم، والرزء العظيم، أيقتل ابن رسول الله في مفازة من الأرض من غير ذنب ارتكبه، ولا وزر احتقبه، ولا فريضة بدلها، ولا سنة أبطلها؟ فتجتمع عصابة تزعم أنها من امه جده، وسالكة منهاجه من بعده، فتحرم عليه الماء المباح، وتجعل ورده من دم الجراح، لا تأخذها به رافة، ولا تخشى أن ينزل بها من غضب الله آفة، وهو يستغيث بأوغادها فلم يغيثوه، ويستعين بهم ولم يعينه، بل قست قلوبهم فهي كالحجارة أو أشد قسوة، ونقضوا عهدهم كالتي نقضت غزلها من بعد قوة، لم يوقروا شيبته، ولم يذكروا قربته، ولا رحموا صبيته، ولا احترموا نسوته، ولا راعوا غربته، ولا استهابوا حرمة جده، ولا تألموا من خلف وعده، بل ذبحوا أطفاله، وهتكوا عياله، وقتلوا ذريته، واستأصلوا اسرته، وانتهبوا ثقله، واستباحوا قتله، وأضرموا النار في مضاربه، وسدوا عليه أبواب مطالبه، وأظهروا ما كان كامناً من نفاقهم، وأبدوا ما أخفوا من سقامهم.

فأي مسلم يعتقد إسلامهم؟ وأي عاقل يؤول مرامهم؟ فلا يشك في كفرهم إلا من بلغ في الغي غايتهم، وسلك في البغي جادتهم، فأحوال الملاحدة منكري الصانع أحسن من أحوالهم، وأفعال جاحدي الشرائع أضرب من فعالهم واقوالهم، إذ هم يعتقدون ما حسن العقل حسناً صريحاً، وما قبح العقل شنيعاً قبيحاً، وأهل الملل المنسوخة والشرائع المفسوخة من أهل الكتاب وغيرهم يعمظمون ذراري أنبيائهم، ويثابرون على محبة أبنائهم، ويتبركون بآثارهم ومزاراتهم، ويسجدون لصورهم المصورة في بيعهم ودياراتهم، وهذه الطائفة المارقة، والعصابة المنافقة، من بقايا الأحزاب، وسفهاء الأعراب، كانوا أهل

( 91 )

ضر ومتربة، وعسر ومسغبة، يخافون أن يتخطفوا من دارهم، وينفوا عن قرارهم، قد ضربت عليهم الذلة، وشملتهم البلية، وألجأتهم الأعداء إلى المفاوز المقفرة والبوادي المنقطعة، وأجلتهم خصماؤهم عن القرى المحتفة بالجنان الملتفة، والعيشة الرضية، والأقوات الشهية، كما قال سيدنا ومولانا أميرالمؤمنين عليه السلام: واعتبروا بحال ولد إسماعيل وبني إسحاق وبني إسرائيل عليهم السلام، فما أشد اعتدال الأحوال، وأقرب اشتباه (1) الأمثال!

تأملوا امورهم (2) في حال تشتتهم وتفرقهم، ليالي كانت الأكاسرة والقياصرة أرباباً لهم يحتازونهم (3) عن ريف الآفاق، وبحر العراق، وخضرة الدنيا، إلى منابت الشيخ، ومهافي الريح، ونكد (4) المعاش، فتركوهم عالة مساكين إخوان دبر ووبر (5)، أذل الامم داراً، وأجدبهم قاراراً لا يأوون إلى جناح دعوة يعتصمون بها (6)، ولا إلى ظل الفة (7) يعتمدون على عزها، فالأحوال مضطربة، والأيدي مختلفة، والكثرة متفرقة، في بلاء أزل (8)، وأطباق جهل! من بنات موؤودة، وأصنام معبودة، وأرحام مقطوعة، وغارات مشنونة.

فانظروا إلى مواقع نعم الله عليهم حين بعث إليهم رسولاً، فعقد بملته طاعتهم، وجمع على دعوته الفتهم، كيف نشرت عليهم النعمة جناح كرامتها،

(1) أي تشابه.
(2) في النهج: أمرهم.
(3) أي يقبضونهم عن الأراضي الخصبة.
(4) المهافي: المواضع التي تهفو فيها الرياح أي تهب. والنكد: الشدة والعسر.
(5) الدبر: القرحة في ظهر الدابة. والوبر: شعر الجمال. والمراد أنهم رعاة
(6) أي لم يكن فيهم داع إلى الحق فيأووا إليه ويعتصموا بمناصرة دعوته.
(7) كذا في النهج، وفي الأصل: ولا إلى لغة.
(8) الأزل: الشدة.

( 92 )

وأسالت لهم جداول نعمتها (1)، والتفت الملة بهم في عوائد بركتها، فأصبحوا في نعيمها (2) عرقين، وفي (3) خضرة عيشها فكهين، قد تراحت لهم الامور (4)، في ظل سلطان قاهر، وآوتهم الحال إلى كنف عز غالب، وتعطف الامور عليهم في ذرى ملك ثابت، فهم حكام على العالمين، وملوك في أطراف الأرضين، يملكون الامور على من كان يملكها عليهم، ويمضون الأحكام فيمن (5) كان يمضيها فيهم! لا تغمز لهم قناة، ولا تقرع لهم صفاة (6) (7) إنتهى كلامه.

قلت: فما كان جزاء من أسدى هذه المنة إليهم، وأسدل النعمة عليهم، إلا أن تركوه ميتاً لم يكفن، ومحبوراً لم يدفن، وأظهروا ما كان من حقدهم مخفياً، ونشروا من غيهم ما كان منطوياً، وأنكروا وصيته، وأهانوا ذريته، وجحدوا نصه وعهده، وأخلفوا وعده وعقده، وجعلوا زمام امورهم بأيدي أدناهم نسباً وألأمهم حسباً، وأقلهم علماً، وأسفههم حلماً، لا في السراة القصوى من قصتهم، ولا في المرتبة العليا من لومهم، ثم لم يقنعوا بما فعلوا، فلم يعترفوا إذ جهلوا، ولم يتحولوا إذ غيروا وبدلوا، ولم يستجيبوا إذ ضلوا، وضلوا حتى دبروا في قطع دابرهم، وإخفاء مآثرهم، يجرعونهم الغصص، ويوردونهم الربق (8)، ويأكلون

(1) في النهج: نعيمها.
(2) في النهج: نعيمها.
(3) كذا في النهج، وفي الأصل: وعن.
(4) في النهج: قد تربعت الامور بهم: وتربعت: أقامت.
(5) كذا في النهج، وفي الأصل: على من.
(6) القناة: الرمح. وغمزها: جسها باليد لينظر هل هي محتاجة للتقويم والتعديل فيفعل بها ذلك.
والصفاة: الحجر الصلد. وقرعها: صدمها لتكسر.
(7) نهج البلاغة: 297 ضمن خطبة رقم192.
(8) الربق: الكرب.

( 93 )

تراثهم ، ويحوزون ميراثهم.

ثم لم تزل الأوغاد تنسخ على منوالهم، وتقتدي بأفعالهم وأقوالهم، إلى أن شنوا عليهم الغارات، وعقدوا لحربهم الرايات، واصطفوا لقتالهم بصفينهم وبصرتهم، وابتدروا لبوارهم وبوار شيعتهم، ثم اغتالوا وصيه في محرابه ساجداً راكعاً، وخذلوه متهجداً خاشعاً، وجرعوا سبط نبيهم ذعاف سمومهم، وصرعوا رهطه في كربلاء بشدة عزمهم وتصميمهم.

ثم جعلوا سب ذريته على منابرهم في جوامعهم، وهمز عترته في محاضرهم ومجامعهم، شرطاً من شروط صلواتهم، وشطراً من أوراد عباداتهم، وجعلوا شيعتهم إلى يوم الناس هذا أذلاء مقهورين، وضعفاء مستورين، قد كعمتهم (1) التقية، وشملتهم البلية، يقصدونهم في أنفسهم وأموالهم، ويغرون السفهاء من جهالهم، ويعيرونهم بزيارة قبور أوليائهم وساداتهم، ويبدعونهم في قصد مشاهد أئمتهم، بغض آل الرسول مركوز في جبلتهم، وهظم الطاهرة البتول مرموز في خطابهم ومحاورتهم.

ولقد شاهدت في القرية الظالم أهلها، النائي عن الحق محلها، المغضوب عليها، المنصوب علم الكفر لديها، أعني بلدة دمشق الشام محل الفجرة الطغاة، شرقي مسجدها الأعظم، وبيت أصنامها الأقدام، الذي لا طهر ولا قدس، بل على شفا جرف هار أسس، معدن العقوق، ومركز الفسوق، وبيت النار، ومجمع الفجار، ومنبع الأشرار، وشر من مسجد ضرار، خربة ـ كانت فيما تقدم مسجداً ـ مكتوب على صخرة عتبة بابها أسماء النبي وآله والأئمة الاثني عشر عليهم

(1) الكعام: شيء يجعل على فم البعير ... وقد يجعل على فم الكلب لئلا ينبح.

(لسان العرب: 12/522 ـ كعم ـ).

( 94 )

السلام، وبعدهم: هذا قبر السيدة ملكة بنت الحسين عليه السلام بن أميرالمؤمنين ولفرط بغضهم لأهل بيت نبيهم، تركوا القيام بعمارة ذلك المقام إلى أن استهدم، ثم جعلوه مطرحاً لقماماتهم، ومرمي لنجاساتهم وقاذوراتهم، فهزت أريحية الايمان رجلاً ممن تمسك بولائهم أن يميط الأذى والقاذورات عن تلك الخربة، لأنها وإن لم تكن مدفناً لأحد من ذريتهم فقد شرفت بنسبتها إليهم، فجدد بناءه واتخذه مسجداً مهيئاً للصلاة.

فلما أتمه وأماط الأرجاس عنه وألقى القمامة علم بذلك شيخ إسلامهم وبلغام (1) زمانهم وأحد أعلامهم وأكثر أصنامهم، عدوالله ورسوله، الكافر بفعله وقوله، المانع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، التام في النفاق حده ورسمه، فأقبل الشقي في جمع من المنافقين، والعصب المارقين وأمر بهدم ذلك المسجد، وأن يعاد مطرحاً للقمامات والقاذورات كما كان أولاً، وأحضر معه رجلاً نصرانياً ممن يعالج قطع الأحجار وأمره أن يمحو أسماء النبي والأئمة الطاهرين عن تلك الصخرة قائلاً: ترك هذه الأسماء على هذه الصخرة من أعظم بدعة في الاسلام، أفمن كان هذا دينهم ومعتقدهم هل يشك عاقل في كفرهم وارتدادهم، أو يرتاب في إلحادهم؟ وليس ذلك ببدع من نفاقهم، فهم فرع الشجرة الملعونة في القرآن ، وأتباع جند الشيطان ، وأعداء الرحمن، شر من قوم لوط وثمود، وأخبث من عاد قوم هود، فهم الكافرون الجاحدون المنافقون المارقون، « يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللّهُ مُتِمّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ» (2) .اللهم العنهم وأشياعهم وأتباعهم لعناً وبيلاً، وعذبهم عذاباً أليماً.

(1) كذا في الأصل.
(2) سورة الصف: 8.

( 95 )

فصل

في مناقب مولانا إمام الثقلين، وثاني السبطين، وأحد السيدين، أبي عبدالله الحسين صلوات الله وسلامه عليه

فمنها ما اختص به في حياته، ومنها ما ظهر بعد وفاته، فلنبدأ بما حصل في حياته وقيل مولده.

في كتاب الأنوار: إن الله سبحانه هنأ النبي صلى الله عليه وآله بحمل الحسين عليه السلام وولادته، وعزاه بقتله، فعرفت فاطمة ذلك فكرهته، فنزل قوله تعالى: « حَمَلَتْهُ أُمّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً» (1) فحمل النساء تسعة أشهر، ولم يولد مولود لستة أشهر فعاش غير الحسين وعيسى عليهما السلام.

غرر أبي الفضل بن خيرانة (2) أن فاطمة عليها السلام اعتلت لما ولدت الحسين عليه السلام وجف لبنها، فطلب له رسول الله صلى الله عليه وآله مرضعاً فلم يجد، فكان رسول الله صلى الله عليه وآله يأتيه فيلقمه إبهامه فيمصها، فيجعل الله له في إبهام رسول الله صلى الله عليه وآله رزقاً يغذوه.

(1) سورة الأحقاف: 15.
(2) كذا في المناقب، وفي الأصل: عن أبي الفضل بن جبير.

( 96 )

وقيل: إن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يدخل لسانه في فيه فيغره (1) كما يغر الطير فرخه، فيجعل الله له في ذلك رزقاً يغذوه، ففعل ذلك أربعين يوماً وليلة، فنبت اللحم واشتد العظم منه من لحم رسول الله صلى الله عليه وآله. (2).

عن برة أبنة أمية الخزاعي قالت: لما حملت فاطمة بالحسن عليه السلام خرج النبي صلى الله عليه وآله في بعض حوائجه (3) فقال لها: إنك ستلدين غلاماً قد هنأني به جبرئيل فلا ترضعيه حتى أصير إليك.

قالت: فدخلت على فاطمة حين وضعت (4) الحسن عليه السلام ولها (5) ثلاث ما أرضعته، فقلت لها: أعطينيه حتى ارضعه.

قالت: كلا، ثم أدركتها رقة الامهات فأرضعته، فلما جاء النبي صلى الله عليه وآله قال لها: ماذا صنعت؟

قالت: أدركتني عليه رقة الامهات فأرضعته.

فقال صلى الله عليه وآله: أبى الله سبحانه إلا ما أراد، فلما حملت بالحسين عليه السلام قال لها: يا فاطمة، إنك ستلدين غلاماً قد هنأني به جبرئيل فلا ترضعيه حتى أجيء إليك ولو أقمت شهراً.

قالت: أفعل، وخرج رسول الله صلى الله عليه وآله في بعض حوائجه (6)،

(1) أي يزقه.
(2) مناقب ابن شهراشوب: 4/50، عنه البحار: 43/253 ح 31، ومدينة المعاجز: 3/492ح1004 وص493 ح 1005، وعوالم العلوم: 17/21 ح 14 و 1.
(3) في المناقب: وجوهه.
(4) في المناقب: ولدت.
(5) في المناقب: وله.
(6) في المناقب: وجوهه.

( 97 )

فولدت فاطمة الحسين عليهما السلام، فما أرضعته حتى جاء رسول الله صلى الله عليه وآله فقال لها: ماذا صنعت؟

قالت: ما أرضعته، فأخذه رسول الله صلى الله عليه وآله فوضع (1) لسانه في فمه، فجعل الحسين عليه السلام يمص حتى قال النبي صلى الله عليه وآله: إيهاً حسين، إيهاً حسين، ثم قال: أبى الله إلا ما يريد هي فيك وفي ولدك ـ يعني الامامة ـ . (2)

ولما منع الحسين عليه السلام من الماء أخذ سهماً وعد فوق خيام النساء تسع خطوات، فحفر الموضع، فنبع ماء طيب فشربوا وملأوا قربهم. (3)

وروى الكلبي: أن مروان قال للحسين عليه السلام: لولا فخركم بفاطمة بما كنتم تفخرون علينا؟

فوثب الحسين عليه السلام فقبض على حلقه وعصره، ولوى عمامته في عنقه حتى غشي عليه، ثم تركه، ثم تكلم وقال آخر كلامه: والله ما بين جابلقا (4) وجابرسا رجل ممن ينتحل الاسلام أعدى لله ولرسوله ولأهل بيته منك ومن أبيك إذ كان، وعلامة ذلك أنك إذا غضبت سقط رداؤك عن منكبك.

قال: فوالله ما قام مروان (من مجلسه) (5) حتى غضب فانتفض فسقط

(1) في المناقب: وجوهه.
(2) مناقب ابن شهراشوب: 4/50ن عنه البحار: 43/254 ح 32، ومدينة المعاجز: 3/493 ح 1006، وعوالم العلوم:17/22 ح 2.
(3) مناقب ابن شهراشوب: 4/50ن عنه مدينة المعاجز: 3/494 ح 1007.
(4) كذا في المناقب، وفي الأصل: جابرقا.
(5) من المناقب.

( 98 )

رداؤه عن عاتقه. (1)

زرارة بن أعين: قال: سمعت الصادق عليه السلام يحدث عن آبائه عليهم السلام أن مريضاً شديد الحمى عادة الحسين عليه السلام، فلما دخل من باب الدار طارت الحمى عن الرجل، فقال الرجل: رضيت بما اوتيتم (به) (2) حقاً، والحمى تهرب منكم.

فقال الحسين عليه السلام: والله ما خلق الله شيئاً إلا وقد أمره بالطاعة لنا.

قال: فإذا نحن نسمع الصوت ولا نرى الشخص يقوم: لبيك.

قال: أليس أميرالمؤمنين أمرك ألا تقربي إلا عدواً لنا أو مذنباً لكي تكوني كفارة لذنوبه، فما بال هذا (3) وكان المريض عبدالله بن شداد الليثي. (4)

تهذيب الأحكام (5): (قال أبوعبدالله عليه السلام:) (6) إن امرأة كانت

(1) مناقب ابن شهراشوب: 4/51، عنه البحار: 44/206 ح 1011 عن الاحتجاج: 299.
وأخرجه في مدينة المعاجز: 3/497 ح 1011 عن الاحتجاج. وفي ص 498 ح 1012 عن المناقب.
(2 و 3) من المناقب.
(4) مناقب ابن شهراشوب: 4/51، عنه البحار: 44/183 ح 8، ومدينة المعاجز: 3/499 ح1013، وعوالم العلوم: 17/48 ح 1.
وروى مثله في رجال الكشي: 87، عنه البحار: 44/183 ح 9، وعوالم العلوم: 17/48 ح2.
(5) تهذيب الأحكام: 5/470ح293، عنه البحار: 44/183 ح 10، ومدينة المعاجز: 3/506 ح 1023، وعوالم العلوم: 17/47 ح 3.
(6) من المناقب.

( 99 )

تطوف وخلفها رجل فأخرجت ذراعها، فمال بيده حتى وضعها على ذراعها فبقيت (1) يده في ذراعها حتى قطع الطواف، فأرسل إلى الأمير واجتمع الناس، وارسل إلى الفقهاء فجعلوا يقولون: اقطع يده فهو الذي جنى الجناية.

فقال: ها هنا أحد (2) من ولد رسول الله صلى الله عليه وآله؟

فقالوا: نعم، الحسين بن علي عليه السلام قدم الليلة، فأرسل إليه فدعاه، فقال: انظر ما لقي هذان، فاستقبل الكعبة ورفع يديه ومكث طويلاً يدعو، ثم جاء إليهما حتى تخلصت يده من يدها، فقال الأمير: ألا نعاقبه بما صنع؟

قال: لا. (3)

صفوان بن مهران: قال: سمعت الصادق عليه السلام يقول: رجلان اختصما في زمن الحسين عليه السلام في إمرأة وولدها، فقال واحد: هذا لي، وقال الآخر: هو لي، فمر بهما الحسين عليه السلام فقال لهما: فيما تمرجان؟

قال أحدهما: إن هذه الامرأة لي.

وقال الآخر: بل الولد والامرأة لي.

فقال للمدعي: الأول: اقعد، فقعد وكان الغلام رضيعاً، فقال الحسين عليه السلام: يا هذه اصدقي من قبل أن يهتك الله سترك.

فقالت: هذا زوجي، والولد له، ولا أعرف هذا.

فقال عليه السلام للغلام: انطق بإذن الله.

(1) في المناقب: فأثبت الله.
(2) كذا في المناقب، وفي الأصل: فقيل: هنا رجل.
(3) مناقب ابن شهراشوب: 4/51.

( 100 )

فقال الغلام: ما أنا لهذا، ولا لهذا وما أبي الا راعي لآل فلان. فأمر عليه السلام برجمها.

قال جعفر عليه السلام (1): فلم يسمع أحد ان غلاماً نطق بعدها (2).

الأصبغ بن نباتة: قال: سألت الحسين عليه السلام، فقلت: يا سيدي، أسألك عن شيء أنا به موقن، وإنه من سر الله وأنت المسرور إليه ذلك السر.

فقال: يا اصبغ، أتريد أن ترى مخاطبة رسول الله صلى الله عليه وآله لأبي دون (3) يوم مسجد قبا؟

قلت: هوالذي أردت. قال: قم، فإذا أنا وهو بالكوفة، فنظرت فإذا أنا بالمسجد من قبل ان يرتد إلي بصري، فتبسم في وجهي، ثم قال: يا أصبغ، إن سليمان عليه السلام اعطي الريح غدوها شهر ورواحها شهر، وأنا قد أعطيت أكثر مما اعطي.

فقلت: صدقت والله يا ابن رسول الله.

فقال: نحن الذين عندنا علم الكتاب وبيان ما فيه، وليس عند أحد من خلقه ما عندنا لأننا أهل سر الله، ثم تبسم في وجهي، ثم قال: نحن آل الله، وورثة رسول الله عليه وآله.

فقلت: الحمد لله على ذلك، ثم قال: ادخل، فدخلت فإذا أنا برسول الله صلى الله عليه وآله مختبىء في المحراب بردائه، فنظرت فإذا أنا بأميرالمؤمنين

(1) كذا في المناقب، وفي الأصل: أبوجعفر ـ وهو تصحيف ـ.
(2) في المناقب: فلم يسمع أحد نطق ذلك الغلام بعدها.
(3) في المناقب: لأبي دون.

والدون : الخسيس، عبر به عن الأول والثاني تقية.

( 101 )

عليه السلام قابض على تلابيب الأعسر (1)، فرأيت رسول الله صلى الله عليه وآله يعض على الأنامل وهو يقول: بئس الخلف خلفتني أنت وأصحابك، عليكم لعنة الله ولعنتي، الخبر. (2)

كتاب الإبانة: قال بشر بن عاصم: سمعت ابن الزبير يقول: قلت للحسين عليه السلام: إنك تذهب إلى قوم قتلوا أباك، وخذلوا أخاك!

فقال عليه السلام: لإن اقتل في موضع كذا وكذا أحب إلي من أن يستحل بي مكة، عرض به عليه السلام.

كتاب التخريج: عن العامري بالإسناد عن هبيرة بن مريم (3)، عن ابن عباس، قال: رأيت الحسين عليه السلام قبل أن يتوجه إلى العراق على باب الكعبة وكف جبرئيل في كفه، وجبرئيل ينادي: هلموا إلى بيعة الله سبحانه.

وعنف ابن عباس على تركه الحسين عليه السلام، فقال: إن أصحاب الحسين لم ينقصوا رجلاً ولم يزيدوا رجلاً، نعرفهم بأسمائهم من قبل شهودهم.

وقال محمد بن الحنفية: وإن أصحابه عندنا لمكتوبون بأسمائهم وأسماء آبائهم. (4)

(1) الأعسر: الشديد أو الشؤوم،والمراد به الأول به الأول أو الثاني.

(2) مناقب ابن شهراشوب: 4/51 ـ 52، عنه البحار: 44/184 ذ ح 11، ومدينة المعاجز: 3/500 ح 1015 وص 501 ح 1016، وعوالم العلوم: 17/49 ح 1 وص 50 ح 1.

(3) في المناقب: بريم.

(4) مناقب ابن شهراشوب: 4/52 ـ 53، عنه البحار: 44/185 ح 12، ومدينة المعاجز: 3/503 ح 1017 ـ 1019، وعوالم العلوم: 17/54 ح 2 و ص 41 ح 1.

( 102)

فصل

في مكارم أخلاقه عليه السلام

سأل رجل الحسين (1) عليه السلام حاجة، فقال صلوات الله عليه: يا هذا، سؤالك إياي يعظم لدي، ومعرفتي بما يجب لك يكبر علي، ويدي تعجز عن نيلك مما أنت أهله، والكثير في ذات الله قليل، وما في ملكي وفاء لشكرك، فإن قبلت الميسور دفعت عني مؤنة (2) الاحتيال لك، والاهتمام لما أتكلف من واجب حقك.

فقال الرجل: يا ابن رسول الله، أقبل (اليسير) (3)، وأشكر العطية، وأعذر على المنع، فدعا الحسين عليه السلام بوكيله وجعل يحاسبه على نفقاته حتى استقصاها، ثم قال: هات الفاضل من الثلاثمائة الف، فأحضر خمسين ألفاً من الدراهم. فقال: ما فعلت الخمسمائة دينار؟ قال: هي عندي

قال: احضرها، فدفع الدراهم والدنانير إلى الرجل، فقال : هات من

(1) في جميع المصادر باستثناء مقتل الخوارزمي: الحسين.

(2) في المقتل: مرارة، وفي الكشف: (الاحتفال) بدل (الاحتيال).

يقال: احتفل في الأمر : أي بالغ فيه.

(3) من المقتل.

( 103 )

يحمل معك هذا المال، فأتاه بالحمالين، فدفع الحسين إليهم رداءه لكراء حملهم حتى حملوه معه، فقال مولى له: والله لم يبق عندنا درهم واحد.

قال: لكني أرجوا أن يكون لي بفعلي هذا عندالله، أجر عظيم. (1)

قيل: خرج الحسن عليه السلام في سفر فأضل طريقة ليلاً، فمر براعي غنم فنزل عنده وألطفه وبات عنده، فلما أصبح دله على الطريق، فقال له الحسن عليه السلام: إني ماض إلى ضيعتي (2)، ثم أعود إلى المدينة، ووقت له وقتاً قال: تأتيني فيه، فلما جاء الوقت شغل الحسن بشيء من اموره عن قدوم المدينة، فجاء الراعي وكان عبداً لرجل من أهل المدينة فصار إلى أبي عبدالله الحسين عليه السلام وهو يظنه الحسن، فقال: يا مولاي، أنا العبد الذي بت عندي ليلة كذا وأمرتني (3) أن اصير إليك في هذا الوقت، وأراه علامات عرف الحسين عليه السلام أنه كان الحسن عليه السلام.

فقال الحسين عليه السلام: لمن أنت؟

فقال: لفلان. قال: كم غنمك؟ قال: ثلاثمائة.

(1) مقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي: 1/153.

ورواه في مطالب السؤول: 2/9، عنه كشف الغمة: 1/558 ـ 559.

ورواه في الفصول المهمة: 157، عنه حلية الأبرار: 3/63 ح 6 وعن المطالب.

وأخرجه في البحار: 43/347 ح 20 عن الكشف.

(2) الضيعة: النخل والكرم والأرض.

(3) في المقتل: ووعدتني.

( 104 )

فأرسل عليه السلام إلى الرجل فرغبه حتى باعه الغنم والعبد فأعتقه ووهب له الغنم مكافأة عما صنع بأخيه، وقال: إن الذي بات عندك أخي وقد كافيتك بفعلك به. (1)

وروى الحسن البصري: قال: كان الحسين سيداً، زاهداً، ورعاً، صالحاً، ناصحاً، حسن الخلق، فذهب ذات يوم مع أصحابه إلى بستان له وكان في ذلك البستان غلام له يقال له صافي، فلما قرب من البستان رأى الغلام قاعداً يأكل خبزاً، فنظر الحسين إليه وجلس مستتراً ببعض النخل، فكان الغلام يرفع الرغيف فيرمي بنصفه إلى اكلب ويأكل نصفه، فتعجب الحسين عليه السلام من فعل الغلام، فلما فرغ من الأكل قال: الحمد لله رب العالمين. اللهم اغفر لي ولسيدي وبارك له كما باركت على أبويه برحمتك يا أرحم الراحمين. فقام الحسين عليه السلام وقال: يا صافي، فقام الغلام فزعاً، فقال: يا سيدي وسيد المؤمنين إلى يوم القيامة، إني ما رأيتك فاعف عني. فقال الحسين عليه السلام: اجعلني في حل يا صافي لأني دخلت بستانك بغير إذنك. فقال صافي: يا سيدي بفضلك وكرمك وسؤد دك تقول هذا. فقال الحسين عليه السلام: إني رأيتك ترمي بنصف الرغيف إلى الكلب وتأكل نصفه، فما معنى ذلك؟ فقال الغلام: إن (هذا) (2) الكلب ينظر إلي حين أكلي، فإني أستحي منه يا

(1) مقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي: 1/153.

(2) من المقتل.

( 105 )

سيدي لنظره إلي، وهذا كلبك يحرس بستانك من الأعداء، وأنا عبدك وهذا كلبك نأكل من رزقك معاً.

فبكى الحسين عليه السلام وقال: إن كان كذلك فأنت عتيق لله ووهبت لك ألفي دينار بطيبة من قلبي.

فقام الغلام: إن أعتقتني لله فإني اريد القيام ببستانك. فقال الحسين: إن الكريم (1) إذا تكلم بالكلام ينبغي له أن يصدقه بالفعل، وأنا قلت حين دخلت البستان: اجعلني في حل فإني دخلت بستانك بغير إذنك، فصدقت قولي، ووهبت البستان لك بما فيه، غير أن أصحابي هؤلاء جاء والأكل الثمار والرطب فاجعلهم أضيافاً لك، وأكرمهم لأجلي أكرمك الله يوم القيامة وبارك لك في حسن خلقك وأدبك.

فقال الغلام: إن كنت أوهبت لي بستانك فإني قد سبلته لأصحابك وشيعتك.

قال الحسن البصري: فينبغي للمؤمن أن يكون في الفعال كنافلة (2) رسول الله صلى الله عليه وآله. (3)

وروي: أن الحسين عليه السلام كان جالساً في المسجد، مسجد النبي صلى الله عليه وآله في الموضع الذي كان يجلس فيه أخوه الحسن عليه السلام، بعد وفاة أخيه عليه السلام، فأتاه أعرابي فسلم عليه، فرد عليه السلام وقال: ما حاجتك؟

(1) في المقتل: الرجل.

(2) النافلة: الذرية من الأحفاد والأسباط.

(3) مقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي: 1/153 ـ 154.

( 106 )

قال إني قتلت ابن عم لي وقد طولبت بالدية، وقد قصدتك في دية مسلمة إلى أهلها.

قال أقصدت أحداً قبلي؟

قال: نعم، قال: قصدت عتبة بن أبي سفيان فناولني خمسين ديناراً، فرددتها عليه، وقلت: لأقصدن خيراً منك وأكرم.

فقال عتبة: ومن خير مني وأكرم لا أم لك؟ فقلت الحسين وعبدالله بن جعفر (1)، وقد أتيتك بدءاً لتقيم بها عمود ظهري وتردني إلى أهلي.

فقال الحسين عليه السلام: يا أعرابي، إنا قوم نعطي المعروف على قدر المعرفة.

فقال: سل، يا ابن رسول الله.

فقال الحسين: ما النجاة من الهلكة؟ قال: التوكل على الله. فقال: ما أوفى للهمة؟ فقال: الثقة بالله. فقال: ما احصن ما يتحصن به العبد؟ قال: بحبكم أهل البيت. قال: ما أزين ما يتزين به العبد؟ قال: علم يزينه حلم.

(1) في المقتل: إما الحسين بن علي وإما عبدالله بن جعفر.

( 107 )

قال: فإن أخطأه ذلك. قال: عقل يزينه تقى. قال: فإن أخطأه ذلك. قال: سخاء يزينه خلق حسن. قال: فإن أخطأه ذلك. قال: شجاعة يزينها ترك العجب. قال: فإن أخطأه ذلك.

قال: والله يا ابن رسول الله إن أخطأ المرء هذه الخصال فالموت أنسب به من الحياة.

وفي رواية أنه قال: فصاعقة تنزل عليه من السماء فتحرقه.

فضحك الحسين عليه السلام وأمر بعشرة آلاف درهم له وقال: هذا قضاء ديتك التي وجبت عليك، وعشرة آلاف اخرى ترم (1) بها معيشتك، فأخذ الجميع الأعرابي وأنشأ يقول:

طربت وماهاج بي (2) مقلق وما بي سقام ولا معشق (3)

ولكن طربت لآل الرسول فهاج بي (4) الشعر والمنطق

هم الأكرمون هم الأنجبون نجوم السماء بهم تشرق

(1) الرم: إصلاح الشيء.

(2) في المقتل: قلقت وما هاجني.

(3) في المقتل: موبق.

(4) في المقتل: ففاجأني.

( 108 )

فأنت الامام (1) وبدر الظلام ومعطي الأنام إذا أملقوا

سبقت الأنام إلى المركمات فأنت الجواد فلا تلحق (2)

أبوك الذي فاز بالمكرمات فقصر عن سبقه السبق

بكم فتح الله باب االرشاد (3) وباب الضلال بكم مغلق (4)

(1) في المقتل: الهمام.

(2) في المقتل: وأنت سبقت الأنام إلى الطيبات ... وما.

(3) في المقتل: الهدى.

(4) مقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي: 1/155 ـ 157، باختلاف.

( 109 )

فصل

فيما جاء في فضله عليه السلام من الأحاديث المسندة

روي بحذف الإسناد: أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال يوماً لام سلمة: اجلسي على الباب فلا يلجن علي أحد.

قال: فجاء الحسين عليه السلام وهو وحف (1)، قالت: فذهبت أتناوله فسبقني، فلما طال علي خفت أن يكون قد وجد رسول الله صلى الله عليه وآله علي شيئاً، فتطلعت من الباب فوجدته يقلب بكفيه شيئاً والصبي نائم على بطنه ودموعه تسيل، فأمرني أن أدخل، فدخلت وقلت: يا رسول الله صلى الله عليك، إن ابنك جاء فذهبت أتناوله فسبقني فلما طال علي خفت أن تكون وجدت في نفسك علي شيئاً، فتطلعت من الباب فوجدتك تقلب بكفيك شيئاً ودموعك تسيل والصبي نائم على بطنك.

فقال صلى الله عليه وآله: إن جبرئيل أتاني بهذه التربة التي يقتل عليها ابني، وأخبرني إن امتي تقتله. (2)

(1) كذا في المقتل، وفي الأصل: وصيف.

والوحف: المسرع.

(2) مقتل الحسين عليه السلام الخوارزمي: 1/158.

وروى نحوه في أمالي الصدوق: 120 ح 3، عنه البحار: 44/225 ح 8، وعوالم العلوم: 17/128 ح 10.

( 110 )

وفي رواية اخرى: عن ام الفضل بنت الحارث أنها دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله، فقالت: يا رسول الله، إني رأيت حلماً منكراً الليلة.

قال: وما هو؟

قالت: رأيت كأن قطعة من جسدك قطعت ووضعت في حجري.

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: رأيت خيراً، تلد فاطمة إن شاء الله غلاماً فيكون في حجرك.

فولدت فاطمة الحسين عليه السلام فكان في حجري كما قال صلى الله عليه وآله فدخلت يوماً على رسول الله صلى الله عليه وآله فوضعته في حجره، ثم حانت مني التفاتة فإذا عينا رسول الله عليه وآله تهرقان بالدموع، فقلت: يا نبي الله، بأبي أنت وامي مالك.

فقال صلى الله عليه وآله وسلم: أتاني جبرئيل وأخبرني إن امتي ستقتل ابني هذا.

فقلت: هذا؟

فقال: نعم، وأتاني بتربة من تربة حمراء. (1)

وفي رواية ام سلمة: أخبرني جبرائيل إن امتي ستقتله بأرض العراق. فقلت: يا جبرائيل، أرني تربة الأرض التي يقتل بها، فأراني (2)، فهذه

(1) مقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي: 1/158 ـ 159.

ورواه في مستدرك الحاكم: 3/176، دلائل الامامة: 72، إرشاد المفيد: 250، ترجمة الامام الحسين عليه السلام من تاريخ دمشق: 183/232.

وأخرجه في البحار: 44/238 ح 30، وعوالم العلوم: 17/127 ح 7 عن الارشاد.

(2) في المقتل: قال.

( 111 )

تربتها. (1)

وعن ابن عباس: قال: ما كنا نشك وأهل البيت متوافدون على أن الحسين عليه السلام يقتل بالطف (2).

روي بالاسناد: أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: هبط علي جبرائيل عليه السلام في قبيل من الملائكة قد نشروا أجنحتهم يبكون حزناً على الحسين، وجبرائيل معه قبضة من تربة الحسين عليه السلام تفوح مسكاً أذفر، فدفعها إلى النبي صلى الله عليه وآله، وقال: يا حبيب الله، هذه تربة ولدك الحسين عليه السلام وسيقتله اللعناء بأرض يقال لها كربلاء.

قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : حبيبي جبرائيل، وهل تفلح أمة تقتل فرخي وفرخ ابنتي؟

قال: لا، بل يضربهم الله بالاختلاف، فتختلف قلوبهم وألسنتهم آخر الدهر.

وقال شرحبيل بن أبي عون: إن الملك الذي جاء إلى النبي إنما كان ملك البحار، وذلك ان ملكاً من ملائكة الفردوس (3) نزل إلى البحر الأعظم، ثم نشر أجنحته وصاح صيحة، وقال في صيحته: يا أهل البحارن البسوا أثواب الحزن فإن فرخ محمد مقتول مذبوح، ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله، فقال: يا حبيب الله، تقتل على هذه الأرض (فرقتان؛) (4) فرقة من امتك ظالمة معتدية

(1) مقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي: 1/159.

(2) مقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي: 1/160.

(3) في المقتل: الفراديس.

(4) من المقتل.

( 112 )

فاسقة يقتلون فرخك الحسين بن بنتك بأرض كرب وبلاء، وهذه تربته.

قال: ثم ناوله قبضة من أرض كربلاء وقال: تكون هذه التربة عندك حتى ترى علامة ذلك، ثم حمل ذلك الملك من تربة (الحسين في بعض أجنحته فلم يبق ملك في سماء الدنيا إلا شم تلك التربة) (1) وصار لها عنده أثر وخبر.

قال: ثم أخذ النبي تلك القبضة التي جاء بها الملك فشمها وهو يبكي ويقول في بكائه: اللهم لا تبارك في قاتل الحسين ولدي، وأصله نار جهنم، ثم دفع القبضة إلى ام سلمة وأخبرها بمقتل الحسين عليه السلام على شاطىء الفرات وقال: يا ام سلمة، خذي هذه التربة إليك فإنها إذا تغيرت وتحولت دماً عبيطاً فعند ذلك يقتل ولدي الحسين، فلما أتى على الحسن سنة كاملة من مولده هبط على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اثنا عشر ملكاً أحدهم على صور الأسد، والثاني على صورة الثور، والثالث على صورة التنيين والرابع على صورة بني (2) آدم، والثمانية الباقية (3) على صور شتى محمرة وجوههم قد نشروا أجنحتهم، يقولون: يا محمد إنه سينزل بولدك الحسين بن فاطمة ما نزل بهابيل وقابيل. (4)

قال: ولم يبق في السماء ملك إلا نزل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله كل يعزيه بالحسين عليه السلام ويخبره بثواب ما يعطى، ويعرض عليه تربته،

(1) من المقتل.

(2) في المقاتل: ولد.

(3) في المقتل: الباقون.

(4) زاد في المقتل: وسيعطى مثل أجر هابيل، ويحمل على قاتله مثل وزر قابيل.

( 113 )

والنبي صلى الله عليه وآله يقول: اللهم اخذل من خذله، واقتل من قتله، ولا تمتعه بما طلبه.

قال المسور بن مخرمة: ولقد أتى النبي صلى الله عليه وآله ملك من ملائكة الصفيح الأعلى لم ينزل إلى الأرض منذ خلق الله الدنيا، وإنما استأذن ذلك الملك ربه ونزل شوقاً منه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فلما نزل إلى الأرض أوحى الله سبحانه إليه أن اخبر محمداً بأن رجلاً من امته يقال له يزيد لعنه الله تعالى يقتل فرخه الطاهر ابن الطاهرة نظيرةالبتول مريم.

قال: فقال الملك: إلهي وسيدي، لقد نزلت من السماء وأنا مسرور بنزولي إلى نبيك محمد، فكيف أخبره بهذا الخبر؟! ليتني لم أنزل عليه، فنودي الملك من فوق رأسه: أن امض لما امرت، فجاء وقد نشر أجنحته (حتى وقف) (1) بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وقال: السلام عليك يا حبيب الله ، إني استأذنت ربي في النزول إليك فأذن لي، فليت ربي دق جناحي ولم آتك بهذا الخبر، ولكني مأمور، يا نبي الله، اعلم أن رجلاً من امتك يقال له يزيد زاده الله عذاباً، يقتل فرخك الطاهر ابن فرختك الطاهرة نظيرة البتول مريم، ولم يتمتع بعد ولدك، وسيأخذه الله معاوضة على أسوء عمله، فيكون من أصحاب النار.

قال: فلما أتى على الحسين سنتان كاملتان خرج النبي صلى الله عليه وآله في سفر، فلما كان (2) ببعض الطريق وقف واسترجع ودمعت عيناه، فسئل عن ذلك، فقال: هذا جبرائيل يخبرني عن أرض بشاطىء الفرات يقال لها

(1) من المقتل.

(2) صار ـ خ ل ـ.

( 114 )

كربلاء يقتل فيها ولدي الحسين بن فاطمة.

فقيل: من يقتله، يا رسول الله؟

قال: رجل يقال له يزيد، لا بارك الله له في نفسه، وكأني أنظر إلى مصرعه ومدفنه بها وقد اهدي رأسه، ما ينظر أحد إلى رأس الحسين ولدي فيفرح إلا خالف الله بين قلبه ولسانه، يعني ليس في قلبه ما يقول (1) بلسانه من الشهادة.

قال: ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وآله من سفره ذلك مغموماً، ثم صعد المنبر فخطب ووعظ الناس، والحسن والحسين بين يديه، فلما فرغ من خطبته وضع يده اليمنى على رأس الحسن، واليسرى على رأس الحسين عليهما السلام، ثم رفع رأسه إلى السماء، فقال: اللهم إني محمد عبدك ونبيك، وهذان أطائب عترتي، وخيار ذريتي وأرومتي ومن اخلفهما (2) في امتي.

اللهم وقد أخبرني جبرائيل بأن ولدي هذا مخذول مقتول.

اللهم بارك لي في قتله، واجعله من سادات الشهداء، إنك على كل شيء قدير.

اللهم ولا تبارك في قاتله وخاذله.

قال: فضج الناس بالبكاء في المسجد، فقال النبي صلى الله عليه وآله: أتبكون ولا تنصرونه؟ اللهم فكن أنت له ولياً وناصراً.

قال ابن عباس: خرج (3) النبي صلى الله عليه وآله في سفر موته بأيام

(1) في المقتل: ما يكون.

(2) كذا في المقتل:، و في الأصل : أخلفهم.

(3) كذا في المقتل، وفي الأصل: ثم خرج.

( 115 )

يسيرة، ثم رجع وهو متغير اللون محمر الوجه، فخطب خطبة بليغة موجزة وعيناه تهملان دموعاً، ثم قال: أيها الناس، إني قد خلفت فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي وأرومتي ومراح قلبي وثمرتي، لم (1) يفترقاحتى يراد علي الحوض، ألا وإني أنتظرهما، ألا وإني لا أسألكم في ذلك إلا ما أمرني ربي، إني أسألكم المودة في القربى، فانظروا لا تلقوني غداً على الحوض وقد أبغضتم عترتي وظلمتموهم، ألا وإنه سترد علي في القيامة ثلاث رايات من هذه الامة: راية سوداء مظلمة فتقف علي فأقول: من أنتم؟ فينسون ذكري ويقولون: نحن أهل التوحيد من العرب، فأقل: أنا أحمد نبي العرب والعجم، فيقولون: نحن من امتك، فأقول: كيف خلفتموني في أهلي وعترتي من بعدي وكتاب ربي؟ فيقولون: أما الكتاب فضيعنا ومزقنا، وأما عترتك فحرصنا على أن نبيدهم (2) عن جديد الأرض، فاولي وجهي، فيصدرون ظماء عطاشاً مسودة وجوههم.

ثم ترد علي راية اخرى اشد سواداً من الاولى (فأقول لهم: من أنتم؟) (3) فيقولون كالقول الأول بأنهم من أهل التوحيد، فإذا ذكرت لهم اسمي عرفوني، وقالوا: نحن امتك، فاقول: كيف خلفتموني في الثقلين الأكبر والأصغر؟ فيقولون: أما الأكبر فخالفنا، وأما الاصغر فخذلنا« ومزقناهم كل ممزق» (4)، فأقول لهم: إليكم عني، فيصدرون ظماء عطاشاً مسودة وجوههم.

ثم ترد علي راية اخرى تلمع نوراً، فأقول: من أنتم؟ فيقولون: نحن أهل

(1) في المقتل: ومزاج مائي وثمرتي، ولن.

(2) في المقتل: ننبذهم.

(3) من المقتل.

(4) سورة سبأ: 19.

( 116 )

كلمة التوحيد والتقوى، نحن امة محمد، ونحن بقية أهل الحق الذين حملنا كتاب الله ربنا فحللنا حلاله، وحرمنا حرامه، وأحببنا ذرية محمد فنصرناهم من كل ما نصرنا به (1) أنفسنا، وقاتلنا معهم، وقتلنا من ناواهم، فأقول لهم: أبشروا، فأنا نبيكم محمد، ولقد كنتم في دار الدنيا كما وصفتم، ثم أسقيهم من حوضي فيصدرون رواءً.

ألا وإن جبرئيل قد أخبرني بأن امتي تقتل ولدي الحسين بأرض كربلاء، ألا فلعنة الله على قاتله وخاذله آخر الدهر.

قال: ثم نزل عن المنبر ولم يبق أحد من المهاجرين والأنصار إلا وتيقن بأن الحسين عليه السلام مقتول.

ولما أسلم كعب الأحبار وقدم جعل أهل المدينة يسألونه عن الملاحم التي تكون في آخر الزمان وكعب يخبرهم بأنواع الملاحم والفتن ثم قال كعب: نعم، وأعظمها فتنة وملحمة هي الملحمة التي لا تنسى أبداً، وهو الفساد الذي ذكره الله سبحانه في الكتب، وقد ذكره في كتابكم بقوله: « ظهر الفساد في البر والبحر» (2) وإنما فتح بقتل هابيل، ويختم بقتل الحسين عليه السلام. (3) روى عبدالله (بن عبدالله) (4) بن الأصم، عن عمه يزيد بن الأصم قال: خرجت مع الحسن من الحمام، فبينا هو جالس إذ أتته اضبارة من الكتب، فما

(1و4) من المقتل.

(2) سورة الروم: 41.

(3) مقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي: 1/162 ـ 165.

( 117 )

نظر في شيء منها حتى دعا الخادم بإحضار مخضب فيه ماء، ثم دلكها (1)، فقلت : يا أبا محمد ، من أين هذه الكتب؟

فقال: من العراق، من عند قوم لا يقصرون عن باطل، ولا يرجعون إلى حق، ثم قال: إني لست أخشاهم على نفسي ولكن أخشاهم على ذاك ـ وأشار إلى الحسين عليه السلام ـ .

وعن ابن عباس رضي الله عنه: قال: أخذ بيدي علي بن أبي طالب عليه السلام، فقال: يا عبدالله بن عباس، كيف بك إذا قتلنا، وولغت الفتنة في أولادنا، وسبيت ذرارينا ونساؤنا كما تسبى الأعاجم؟

قلت: اعيذك بالله يا أبا الحسن يا ابن عم، لقد كلمتني بشيء ساءني، وما ظننت أنه يكون، أما ترى الايمان ما أحسنه، والاسلام ما أزينه؟ أتراهم فاعلين ذلك؟ لعلها غير هذه الامة.

قال : لا والله، بل هذه الامة، فأمرض قلبي وساءني وصرت إلى رسول الله صلى عليه وآله فخبرته على استحياء وخوف، وشاركتني في ذلك ميمونة وكأني اريدها بالحديث.

فقال النبي صلى الله عليه وآله: الله أكبر، من أخبرك بذلك؟

قلت: أخبرني به علي.

فقال: رسول الله صلى الله عليه وآله: ائت علياً فادعه، فإذا هو بالباب فدخل فأمره بالجلوس، فقال: حبيبي مالي أراك متغير اللون؟

قال: خيراً يا رسول الله.

(1) في المقتل: دعا الخادم بالمخضب والماء فألقاها فيه، ثم دلكها.

( 118 )

قال: لعلك ذكرت أمراً فأحزنك؟

قال: قد كان ذلك.

قال: إن عبدالله قد حدث عنك بما حدث، فمن أين قلت؟ لقد أمرضت قلبي وأحزنتني.

قال: إن ابنتك فاطمة أخبرتني انها رأت رؤيا أقلقتني عندما قصتها علي.

فقال رسول اله صلى الله عليه وآله: ما هيأته؟ قال: أخبرتني ان قائلاً يقول لها: ستكون بعدك فتنة، وانه يؤخذ منك ولدك وولد ولدك فلولا أن الله يريد ألا يهلك العباد كلهم لرجمهم كما رجم قوم لوط بالحجارة.

فقام النبي صلى الله عليه وآله وسمع المنام من فاطمة عليها السلام وقال لها: إن ولدك يقتل، وزوجك يقتل (1)، وتحمل نسائي وبناتي إلى الشام، والملائكة بذلك تخبرني، وجاءني جبرئيل وهو يقرأ عليك السلام ويقرأ علياً السلام ويعزيني فيكما وفي ولديكما ولا تسكن الفتنة إلا بكما، وإن الله جل جلاله وعدكما (2) الأجر والثواب، ولك عند الله فضيلة ليس لغيرك بصبرك واحتسابك على ما ابلاك، وعلى ولدك من بعدك، وإنه ليعطيك ـ يا علي ـ علماً (3) من نور فتجلس على حوضي وبين يديك ولدان من نور، فكل من أراد الشرب من الناس والصديقين غير النبيين والمرسلين والشهداء البريين والبحريين يكتب في رق فيعرض عليك فيأخذ الولدان أواني من نور فيسقون

(1) في المقتل: وذريتك تقتل.

(2) كذا في المقتل، وفي الأصل: وفي ولدكما ... وعدك.

(3) في المقتل: قلماً.

( 119 )

أولياءك (1) بإذنك، وإذا أذن لأحد منهم إلى الجنة كتبت له رقعة إلى رضوان فهي جوازه حتى يدخل الجنة.

عليك السلام بعدي، وأنت الخليفة على كلامي (2) وكتاب ربي وسنتي فلا تكن من القاعدين،والعن الكسلين، إن الله سبحانه قد منعك من حرام الدنيا ولم يجعل لها عليك سبيلاً ولا على ولدك، وجعل قوتهم قدراً منها ليقل حسابهم (3)، ووهب لمن تمسك بسيرتك واعتقد محبتك ونصرة ولدك، شفاعتك والنظر اليك جزاء بما كانوا يكسبون لا يطردون (4) عنها ولهم فيها ما تشتهي أنفسهم، فإن كانت لهم حاجة عند ربهم في آبائهم وأزواجهم وأولادهم وإخوانهم قضاها، فبشر عني امتي وعرفها ذلك، فان السعيد يقبل، والشقي يحرم. (5)

قلت: سعير وجدي بتأسفي لا تخمد، وغزير دمعي بتلهفي لا يجمد، وزفراتي من التراقي تصاعد، وحسراتي بتجدد ساعاتي تتجدد، حزناً على دين الحق كيف قوضت أركانه، ونقضت ايمانه، وبدلت أحكامه، ونكست أعلامه، وانمحت آثاره، وخمدت أنواره، وارتفعت اوغاد المنافقين على أمجاده، وعلت كلمة المارقين في بلاده، وارتدت أهل ملته على الأعقاب، وعلت على الرؤوس فيه الأذناب، لما مات صاحب الشريعة الغراء، والملة الزهراء، والدين الظاهر، والنسب الطاهر، والحسب الفاخر، محمد سيد

(1) في المقتل: تكتب لهم برق من نور فيأخذه الولدان وتملاً أواني ... اولئك

(2) في المقتل: كتابي.

(3) في المقتل: الحساب.

(4) في المقتل: لا يصرفون .

(5) مقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي: 1/166 ـ 169.

( 120 )

الأوائل والأواخر.

ظهر الفساد في البر والبحر (1)، واشتهر العناد في البدو والحضر، واظهرت الأحقاد القديمة، وغيرت الطرائق القويمة، وعلت الأسافل على الأعالي، وانحط من سعر الاسلام كل غالي، وصار زمامه في أيدي أرذاله، وقوامه في قبضة جهاله، وسلطانه إلى أعداء صاحب دعوته مفوضاً، وبنيانه بأكف الملحدين في آياته مقوضاً، فأجهدوا جهدهم في إدحاض حجته، وبذلوا وسعهم في إبطال أدلته، ولما رأوا دعوته قد حكمت، وفروضه قد استحكمت، وقدمه في صعيد القوة راسخة، وفروعه في سماء العزة شامخة، واصوله في القلوب ثابتة، ومسله (2) في النفوس ثابتة، وأنواره في الآفاق ساطعة، وحدوده لأسباب الشرك قاطعة.

لم يتمكنوا من إطفاء نوره، ولم يتحكموا في إخفاء منشوره، ولم يجدوا إلى هدم بنيانه سبباً، وما استطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقباً، أظهروا النصيحة للأنام والغدر حشو صدورهم، وأضمروا هدم الاسلام بزخرفهم وغرورهم.

فكان أول تدبيرهم في تغيير قواعده، وأعظم تزويرهم في إبطال مقاصده، صرف الأمر عن ذرية نبيهم، والعدول بالحق عن عترة وليهم، فنقضوا عهد الرسول إليهم فيهم، وخالفوا نصه في الغدير وغيره عليهم، وراموا بوارهم عن جديد الغبراء، وإعدامهم من أقطار الدنيا، ولو يجدوا موافقاً على جاهليتهم، مدافعاً عن معتقدهم ونحلتهم، لعبدوا الأصنام، ولاقتسموا بالأزلام، ولعظموا الرجس من الأوثان، ولا شتغلوا بعبادة الشيطان عن عبادة

(1) إقتباس من الآية: 41 من سورة الروم .

(2) كذا في الأصل.

( 121 )

الرحمن، وهم وإن لم ينصبوا الأنصاب جهرة ولم يتخذوا الأصنام آلهة فقد أحدثوا من الفساد في البلاد، والعدوان على العباد، والظلم لآل الرسول والهضم لذرية البتول، ما نقضوا عبادة الأوثان عن عشرة عشيره، ويختفر بعظيم الأنداد في جنب حقيره، من ظلم سادتهم وامرائهم، ومن قرن الله ذكره بذكرهم، فقتلوهم في محاريب صلواتهم، وخذلوهم في حروبهم وغزواتهم، وأرهفوهم برحى سمومهم، ولم يراقبوا الله في هديهم وفديتهم، وشنوا عليهم غاراتهم، ونصبوا العداوة لأحفادهم وذرياتهم.

فانظر إلى صاحب المحنة العظيمة، والواقعة الجسيمة والمصيبة التي أنفدت بتراكمها ماء الشؤون، وقرحت بتفاقمها الآماق والجفون، مصيبة أشرف الثقلين، وسبط سيد الكونين، وابن صاحب بدر واحد وحنين، أبي عبدالله الحسين، كاتبوه وراسلوه ووعدوه وعاهدوه، حتى إذا انقطعت معذرته بظنة وجود الناصر، ولزمه القيام بأمر الله في الظاهر، خذلوه وأسلموه، وجحدوه وقتلوه، وسقوه من غروب سيوفهم كؤوس الحمام، وسودوا بقتله وقتل ولده وجه الاسلام.

فياعيوني لمصيبة بعبرتي لا تبخلي، ويا كربتي لرزيته عن حشاشتي لا تنجلي، ويا حرقتي لما ناله لا تخمدي ويا زفرتي لمصرعه من التراقي تصاعدي، ألغيره أذخر حزني وبكائي؟ أم على سواه أصف وجدي وبلوائي؟ أم على هالك بعده أنثر جواهر نثري؟ أم على قانت غيره أسمط بالمراثي شعري؟

يهيج في وجدي إذا ذكرت غربته، وتضطرب أحشائي وقلبي إذا تصورت محبته، وتذكو آثار الأسى في جوانحي بفضيع مصرعه، وينحل قلبي

( 122 )

بصبري ويجود طرفي بمدمعه، إذا مثلت شيبه بدمائه مخضوباً، وكريمه على القناة منصوباً، ونساءه على الأقتاب حيارى، وأبناءه في الأصفاد اسارى، وشلوه على الرمضاء طريحاً، وطفله بسهام الأعداء ذبيحاً، وثقلة نهيباً، ورداءه سليباً، وجبينه تريباً، ويومه عصيباً، وجسده بسهام البغاة صريعاً، وثغره بقضيب الطغاة قريعاً، ذكت بثوران الأسى في أضلعي، وأغرقتني بفيضها أدمعي، ونفى ذكره عن عيني رقادي، وأطال حزني ليلي بسهادي.

فها أنذا لواقعته حليف الأحزان، أليف الأشجان، قريع الأجفان، جريح الجنان، أقطع ليلي بالتأسف والأنين، ونهاري بالتأوه والحنين، وأوقاتي بإهداء تحياتي وصلواتي إليه، وساعاتي بلعن من اجترى بكفره عليه، ويروي لساني عن جناني، وبناني عن إيماني، غرراً من بدائع نثري ونظمي، ودرراً من تواضع حكمي وفهمي، اشنف بها المسامع، واشرف المجامع، واسيل بتردادها المدامع، وأشجي بإنشادها الطبائع، وأقمع بها هامة الكفور الجاحد وأقطع دابر الكنود الحاسد، وأبوح بسري في شعري، وأنوح ودمعي من طرفي يجري، وأقول وفؤادي بنار حزني يتأجج، ولساني من شدة نحيبي يتلجلج:

حـزن قـلبي وهيامي      ونـحـولي  وسـقامي
لا  عـلى عيش تقضى      لـم  أنـل منه مرامي
لا ولا مــن فـقد آلا      ف  تـناءوا عن مقامي
بـل لقوم من بني المخ      تـار  سـادات كـرام
من أبوهم صاحب الكو      ثـر فـيب يـوم القيام
والـذيـن امـهـم ذو      شرف  في المجد سامي
أصـبحوا في كربلا ما      بـين  مـقتول وظامي
في صعيد الطف قد جر      رع  كـاسات الـحمام

( 123 )

مـن نجيع النحر يسقى      صــدراً  بـعد الاوام
ونـسـاء  حـاسرات      غـاب  عنهن المحامي
عترة  المختار خير ال      ناس من خاص وعامي
لـهف  قـلبي لـشهيد      ضـل  مـخفور الذمام
حـر صـدري لإمـام      طـاهر  وابـن إمـام
جـسمه غـودر ضمنا      بـسـيوف  وسـهـام
طول  حزني لتريب ال      خـذ  مـنه النحردامي
رأسـه مـن فوق رمح      مـخجل بـدر الـتمام
وبنات  المصطفى شب      ه  اسـارى نجل حامي
فـكذا قـلبي وطـرفي      فـي  احتراق وانسحام
وكـذا عـن مقلتي حز      نـي  نفى طيب منامي
فاصطباري في انتقاض      وجـوابي  فـي تمامي
وإذا فـكـرت فـيـما      قـد جـرى زاد هيامي
حـاسـرات يـتـستر      ن بـأطـراف الـكمام
ويـسـاقون بـلا رف      ق  إلـى شـر الأنـام
يـا بني المخار ما حل      ل بـكم يذكي ضرامي
وبـعـاشور يـزيد ال      حـزن  لي في كل عام
واسـح  الدمع من طر      ف لـفرط الحزن دامي
ثـمرات  نـثرها كال      در  فـي سـلك النظام
يـزدريها الناصب الها      ثـم فـي تـيه الظلام
وإلـيها  الـمؤمن المخ      لـص  يصغي باحتشام
واحـتـراق  وزفـير      مــن فـؤاد مـستهام

( 124 )

يـا بـني طه من صفا      كـم  مـن كـل دامي
حـبكم غـذى بـه قل      بـي ومـخي وعظامي
قد  اضيعت حرمة المخ      تـار في الشهر الحرام
حـين  أصبحتم لقا بي      ن  الـروابي والآكـام
بـكت الـسبع عـليكم      بــدمـاء كـالـغمام
إن  يـكن فـاتكم نص      ري بـرمحي وحسامي
فـلكم أنـصر بـالحج      جـة فـي كـل مـقام
ولـمـن  نـاواكم ارد      ي بـكم مـن كـلامي
اهـشم الـهامات من آ      ل  ولـيـد وهـشـام
وزيـاد  وابـن سـعد      وبـني حـرب الـلئام
وكـذا افـلق قحف اب      ن  قـحـاف بـملامي
وابن  خطاب ومن يت      لـوه  مـن بخل اللئام
وكــذا  مـن قـادت      الـفتنة تـعبأ بـالرمام
وأتـت فـي جحفل ته      وي مـن البيت الحرام
وعـلى أشـياعهم لعن      ي  اوالــي بــدوام
مـن حجازي وبصري      ي وكـوفـي وشـامي
وبـهذا أرتـجي مـن      خـالقي  يـوم قـيامي
مـحشراً في ضمن قوم      هم  معاذي واعتصامي
أهـل أركـان وبـيت      وحـطـيـم ومـقـام
بـولاهم  يـقبل الـل      ه صـلاتي وصـيامي
وعـلـيهم  صـلوات      نـامـيات بـسـلامي
ما شدت في الايك ورق      سـاجـعات بـغـرام

( 125 )

المجلس السادس

في ذكر مقامات أذكر فيها ما تم على الحسين عليه السلام بعد موت معاوية عليه اللعنة والعذاب، وذكر ولاية يزيد عليه من الله ما يستحق من العذاب المهين أبد الآبدين إلى يوم الدين، وغير ذلك من رسائل صدرت إليه عليه السلام من مواليه ومخالفيه، وما أجاب عنها، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آبائه الطاهرين، وأبنائه المنتجبين.

الخطبة :

الحمد لله الذي جعل البلاء موكلاً بأنبيائه وأوليائه، والابتلاء وسيلة لهم إلى اجتبائه واصطفائه، وكلفهم ببذل الأرواح في جهاد أعدائه، وشرى منهم الأنفس والأموال بنعيمه الباقي ببقائه، وربحت تجارتهم لما أوقعوا عقد بيعة ربهم، وفازت صفقتهم لما حازوا من الزلفى بقربهم، وشمروا عن ساق في سوق عباده إلى طاعته، وكشفوا عن ساعد الاستنفاذ أنامه من ورطة معصيته، وتلقوا حر الصفاح بوجوههم وأجسادهم، وصبروا على مض الجراح لاستخلاص الهلكى وإرشادهم ، فأغرى الشيطان سفهاءهم، وحمل أولياءه على حربهم،

( 126 )

فركبوا الصعب والذلول في قتالهم، وخالفوا نص الرسول بكفرهم وضلالهم وقصدوهم في أنفسهم وأموالهم، وحاربوهم بخيلهم ورجالهم، فاستشعروا لباس الصبر الجميل طلباً للثواب الجزيل، وباعوا النزر القليل بالباقي الجليل، وجاهدوا الفجرة بجدهم وجهدهم، وحاربوا الكفرة بذاتهم وولدهم، وتبرموا بالحياة في دولة الظالمين، واستطابوا الممات لغلبة الضالين، وامتثلوا أمر الله بعزائم أبية، وانوف حمية، واصول نبوية، وفروع علوية، وأرواح روحانية، وأنفس قدسية، وقلوب على تقوى الله جبلت، وبالحق قضت وعدلت.

عرجت أرواحها إلى المحل الأسنى، ورقت نفوسها إلى الملكوت الأعلى، فشاهدت بأبصار بصائرها منازل الشهداء في جنة المأوى، ولاحظت بأفكار ضمائرها ما اعد للمجاهدين في سبيله في دار الجزاء، فآثرت الآخرة على الاولى، وما يبقى على ما يفنى.

فيا من يخطىء صوابهم، ويستحب عتابهم، ويستعذب ملامهم، ويسفه أحلامهم، ويتلو بنية فاسدة مشتركة: « ولا تلقوا بأيـديكم إلى التهلـكة» (1)، جهلاً منه بمواقع التنزيل، وغياً عن مواضع التأويل، تبت يدك، وفل جدك، لقد نافقت بإسلامك، وأخطأت عن مرامك، وعشى عن ضوء شمس الحق إنسان عينك، واستولى الشك على مشوب يقينك، أتعلم من أنزل في بيوتهم، وورد الذكر في صفاتهم ونعوتهم، وفخر جبريل يوم العبا بصحبتهم، وانزلت سورة (هل أتى) في مدحتهم؟

يا ويلك أتورد حجتك، وتورك شبهتك، على قوم الدنيا في أعينهم أقل من كل قليل، وعزيزها لديهم أذل من كل ذليل؟ علمهم لدني، وكشفهم

(1) سورة البقرة: 195.

( 127 )

رحماني، أطلعهم سبحانه على مصون سره، وقلدهم ولاية أمره في بره وبحره، وسهله ووعره، فهم الوسائل إليه، والأدلاء عليه، قصرت الأفهام عن إدراك جلالهم، وحصرت الأوهام عن تصور كمالهم، فاقوا الخضر في علم الباطن والظاهر، وفاتوا الحصر بالدليل القاطع والمعجز الباهر، فالخليل يفخر بابوتهم، والكليم يقصر عن رتبتهم، والمسيح باسمائهم يبرىء الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله، والروح الأمين يتنزل عليهم في منازلهم بأمر الله.

لما علموا أن الحياة الفانية مبالغة لهم عن حصول مطلوبهم، قاطعة عن الوصول إلى محبوبهم، حاجبة عن منازل قربهم، حاجزة عن جوار ربهم، قطعوا العلائق للاتصال بالمحلل الأسنى، وخلعوا لباس العيش الدني الاولى، وتلقوا بوجههم الصفاح والرماح، وصبروا بشدة عزمهم على مض الجراح، تشوفاً إلى الاتصال بمنازل القبول والرضوان، وتشوقاً إلى الاستظلال بأظلة تلك العواطف والامتنان، وبذلوا أنفسهم فنالوا فضلها، وكانوا أحق بها وأهلها، وكان أعظم من أطاع الله منهم بجده وجهده، وأخلص لله ببذل نفسه وولده، وأراد أن تكون كلمة الله العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، وسبب الله الأقوى، ودينه الأعلى، إمام الامة، وأب الأئمة، ومنبع الحكمة، ومجمع العصمة، صاحب الأصل السامي، والفرع النامي، والمجاهد المحامي، معاذي وملاذي يوم حشري وقيامي، وحياتي ومماتي وارتحالي ومقامي، والأواه الحليم، الجواد الكريم، صاحب المصيبة العامة، والرزية الطامة، والواقعة الكبرى، والمحنة العظمى، قتيل العبرة وصريع الفجرة، وسليل البررة، وسراج العترة، وطاهر الاسرة.

النبوة أصله، والامامة نسله، خاتم أصحاب الكساء، ابن خير الرجال وخير النساء، جده النبي، وأبوه الوصي، وامه الزهراء ومغرسه البطحاء، طار

( 128 )

بقوادم الشرف وخوافيه، وتعالى في سماء الكرم بمعاليه، أشرف خلق الله، وأفضل شهيد في الله، الباذل ذاته في الله، البائع نفسه من الله، القائم بأمر الله، الصادع بحكم الله، المخلص بجهاده في الله، الموفي بما عاهد عليه الله.

كتف الرسول مركبه، وثدي البتول مشربه، كل شرف لشرفه يخضع، وكل مجد لمجده يصرع، وكل مؤمن له ولأبيه وجده يتبع، وكل منافق عن سبيله وسبيل آله يتكعكع، لا يقبل الله إيمان امرىء إلا بولائه، ولا يزكي عمل عامل إلا باتباعه، ولا يدخل الجنة إلا مستمسكاً بحبله، ولا يصلى النار إلا منكراً لفضله، أطول خلق في المجد باعاً وذراعاً، وأشرف رهط في الفخر ذرية وأشياعاً، جده علي، وجده نبي، وأبوه ولي، وولده أطهار، ونجله أبرار.

المجاهد الصبور، الحامد الشكور، منبع الأئمة، وسراج الامة، أطهر الأنام أصلا، وأظهرهم فضلاً، وأزكاهم فعلاً، وأتقاهم نجلاً، وأنداهم كفاً، وأعلاهم وصفاً، وأشرفهم رهطاً، وأقومهم قسطاً، سؤدده فاخر، ومعدنه طاهر، لا يقذع صفاته، ولا تغمز قناته، ولايدرك ثناؤه، ولا يحصى نعماؤه، كم أغنى ببره عائلاً؟ وكم آثر بقوته سائلاً؟ أفخراً أسباط الانبياء، وأفضل أولاد الأولياء، محيي الليل بركوعه وسجوده، ومجاري السيل بنائله وجوده، واقوى من بذل في الله غاية مجهوده، وأسمى من استأثر من العلى بطارفه وتليده.

إمام المشرقين والمغربين، ونتيجة القمرين، بل الشمسي، وابن مجلي الكربين، عن وجه سيد الكونين، في بدر وحنين، ومصلي القبلتين، وصاحب الهجرتين، سيدنا ومولانا أبا عبدالله الحسين، عليه تحياتي بتوالي صلواتي تتلى، وفي فضله تروى قصائدي، وبذكره تنجح مقاصدي، وبسببه تتصل أسبابي، وفي حضرته محط ركابي، ولرزيته تتصاعد زفراتي، ولمصيبته تتقاطر

( 129 )

عبراتي، ولواقعته تستهل شؤوني، ولقتله لا تبخل بدمعها عيوني.

فها أنذا أنشد من قلب جريح، وأروي عن طرف قريح:

ولـى الـشباب فـقلبي فيه حسرات      وفـي  حـشاي لفرط الحزن حرقات
وحـين  ولى شبابي وانقضى عمري      حـلت بـجسمي لفرط الضعف آفات
فـي  كل يوم يزيد الوهن في جسدي      وتـعتريني  مـن الأسـقام فـترات
وابـيض فودي ولكن سودت صحفي      كـبـائر صــدرت عـني وزلات
إذا تـذكرتها أذكـت رسـيس جوى      فـي مهجتي وجرت في الخد عبرات
كـم  لـيلة بـت أحـسبها بـموبقة      تـذكو  لـتذكارها في القلب جمرات
كـأن  ما كان من شرح الشباب ومن      لـذات عـيش مـضت إلا مـنامات
أعـملت  فـكري فـي قوم صحبتهم      لـم  يـبق مـن أثرهم إلا الروايات
سـألـت ربـعهم عـني فـجاوبني      مـن  الـصدى كل من ناديتهم ماتوا

( 130 )

يـذيـب تـذكارهم قـلبي ويـجعله      دمـعـاً يـصاعده وجـد وزفـرات
سبعون عاماً تقضت صرت أحصرها      فـي  عـدها لـفناء عمري علامات
لـم  أسـتفد صـالحاً فيها ولا علقت      يـدي  بما فيه لي في الحشر منجات
سوى اعتصامي بمن في مدحهم نزلت      مـن الـمهيمن فـي الـتنزيل آيات
فـي  سورة الدهر والأحزاب فضلهم      مـقامهم  قـصرت عـنه الـمقامات
وفـي  الـعقود من المجد الرفيع لهم      عـقود مـدح لـها فـيهم إشـارات
لـيوث  حرب إذا نيرانها اضطرمت      غـيوث  جـدب إذا مـا عم أزمات
مـطهرون  من الأرجاس إن وصفوا      مـنزهون  عـن الأدنـاس سـادات
هـم  الـمصابيح في جنح الدجا فلهم      فـيه مـن الله بـالاخلاص حـالات
هــم الـبحار إذ وازنـت فـضلهم      بـهـا  فـعـلمهم فـيـه زيـادات
بـاعوا  مـن الله أرواحـاً مـطهرة      أثـمـانها  مـن جـوار الله جـنات

( 131 )

يـطاف مـنها عـليهم فـي مـنازلهم      مـن  الـرحيق بـأيدي الحور كاسات
نــاداهـم الله بـالـتعظيم إذ لـهـم      أرواح صــدق سـميعات مـطيعات
أن ابـذلوا أنـفساً فـي طـاعتي فلكم      بـبذلها فـي جـنان الـخلد روضات
أجـاب  مـنهم لـسان الـحال ان لنا      رضــاك روح وريـحان وراحـات
الـخـلد والـجـنة الـعـليا ولـذتها      فـي  جـنب حـبك إيـانا حـقيرات
أنـت الـمراد وأنت السؤل قد صدقت      مـنا  لأمـرك فـي الـدنيا العزيمات
هـذا الـحسين الـذي وفـى بـبيعته      لـلـه صـدقـاً فـوافـته الـسعادات
نـال الـمعالي بـبذل الـنفس مجتهداً      لـم تـثنه مـن بـني الـدنيا خيالات
إن قيل في الناس من أعلى الورى نسباً      أومــت  إلـيه اصـول هـاشميات
أعـلى الـورى حـسباً أقـواهم سبباً      أزكـاهـم نـسباً مـا فـيه شـبهات
الـجـد أكــرم مـبـعوث ووالـده      فـي  الله كـم كـشفت مـنه مـلمات

( 132 )

حـزني لـما نـاله لا يـنقضي فـإذا      ذكـرته  هـاج بـي لـلوجد حسرات
ويـنثني الـطرف مـني والحشا لهما      فـي الـخد والـقلب عبرات وحرقات
لـم  أنـسه فـي صعيد الطف منعفراً      قـد  أثـخنته مـن الـقوم الجراحات
يـشكوا  الاوام ويستسقي وليس لعص      بـة بـه أحـدقت فـي الله رغـبات
لـهفي  عـليه تـريب الخد قد قطعت      أوصـاله مـن أكـف الـقوم شفرات
أردوه فـي الـترب تـعفوه الرياح له      مــن الـدمـاء سـرابيل وخـلعات
وصـيروا  رأسـه مـن فـوق ذابلهم      كـبـدر  تـم بـه تـجلى الـدجنات
وسـيـدات  نـسـاء الـعالمين لـها      فـوق الـرحال لـفرط الـحزن أنات
تـساق  والـصدر فـيه مـن تـألمها      عـقود دمـع لـها فـي الـخد حبات
يـسترن  مـنهن بالأيدي الوجوه وفي      قـلـوبهن مــن الـتبريح جـمرات
يـندبن  مـن كان كهف العائذين ومن      فـي  كـفه لـذوي الـحاجات نعمات

( 133 )

أو  فـي الأنـام فـتى وفـي بـبيعته      وخـير مـن ربـحت مـنه التجارات
مـن عـرقت فـيه أصـلاب مطهرة      مـن  كـل رجـس وأرحـام زكيات
وامـهـات وآبــاء عـلـت شـرفاً      عـلـى  الـسماك وأجـداد وجـدات
إن عـد عـلم وحـكم كـان فـيه لهم      بـالخطب  والـحرب آراء ورايـات
فـي  حـبهم قـدمي مـا ان لـثابتها      حـتى اضـطجاعي في لحدي مزلات
أبـكي لـخطبهم بـدل الـدموع دمـاً      كـأنـني لـعـظيم الـحـزن مـقلاة
إذا  ذكـرت ابـن بنت المصطفى وبه      قـد  أحـدقت مـن جنود البغي ثلاث
وصـار فـيهم وحـيداً لا نـصير له      مـنهم ولا مـن لـه في الخير عادات
قـوم  بـغاة شـروا دين الضلالة بال      هـدى  فـخابت لـهم للخسر صفقات
فـيا عـيوني أذرفـي حزناً عليه لكي      تـطفي  سـعيراً لها في القلب لدغات
إذا  خـبت زادهـا مني رسيس جوى      يـذيب  نـاحل جـسمي مـنه نفحات

( 134 )

يـا لـلرجال أمـا لـلحق من عصب      لـهـا وفــاء وآنــاف حـمـيات
تـذب عـن أهـل بـيت لـلأنام هم      نــور بـه تـنجلي عـنهم مـغمات
قـوم لـهم نـسب كالشمس في شرف      تـزيـنه أوجــه مـنـهم نـقـيات
الـبـذل شـيـمتهم والـمجد هـمتهم      والـذكر  فـيه لـهم فـضل ومدحات
الـبيت  يـزهو إذا طـافوا بـه ولهم      مـجد  بـه شـرفت مـنهم بـيوتات
أخـنى الـزمان عـليهم فـانثنى وهم      فـي  كـربلا لـسيوف البغي طعمات
اولــي  رؤوس وأطـراف مـقطعة      تـقـرأ عـلـيها مـن الله الـتحيات
نـفسي  الـفدا لـهم صرعى جسومهم      تـسفي  عـليها من الأعصاب قترات
أرواحـهـا فـارقت أجـسادها فـلها      بـذاك  فـي دار عـفوا الله غـرفات
حـزنـي  لـنسوته حـسرى مـهتكة      إلـى  يـزيد بـها تـسري الحمولات
اولـي  وجـوه لـحر الشمس ضاحية      مـا  آن لـها من هجير القيظ سترات

( 135 )

حـتى  إذا دخـلوا شـر الـبلاد على      شـر الـعباد بـدت مـنه الـمسرات
وعــاده عـيـد أفــراح بـمقدمهم      عـلـيه اسـرى ووافـته الـبشارات
فـأظـهر الـكـفر والإلـحاد حـينئذ      بـقوله لـيت أشـياخي الاولـى فاتوا
فـي  يـوم بدر رأوا فعلي وما كسبت      يـدي لـطابت لـهم بـالصفو أوقات
ولا اسـتهلوا وقـالوا يـا يـزيد لـقد      بك انجلت من غموم الحزن كربات(1)

وذكر الامام أحمد بن أعثم الكوفي ان معاوية لما حج حجته الأخيرة ارتحل من مكة، فلما صار بالابواء ونزلها قام في جوف الليل لقضاء حاجته، فاطلع في بئر الأبواء، فلما اطلع فيها اقشعر جلده وأصابته اللقوة في وجهه، فأصبح وهو لما به مغموم، فدخل عليه الناس يعودونه، فدعوا له وخرجوا من عنده، وجعل معاوية يبكي لما قد نزل به.

فقال له مروان بن الحكم: أجزعت يا أميرالمؤمنين؟

فقال: لا يا مروان، ولكني ذكرت ما كنت عنه عزوفاً، ثم إني بكيت في إحني، وما يظهر للناس مني، فأخاف أن يكون عقوبة عجلت لي لما كان من دفعي حق علي بن ابي طالب عليه السلام، وما فعلت بحجر بن عدي وأصحابه، ولولا هواي من يزيد لأبصرت رشدي، وعرفت قصدي.

(1) سقط من الأصل ـ ما بعد هذا ـ مقدار صفحة واحدة أو صفحتين، ولعل القصيدة لم تنته بعد.

( 136 )

قال: ولما أخذ البيعة ليزيد أقبل عليه فقال: يا بني، اخبرني الآن ما أنت صانع في هذه الامة، أتسير فيهم بسيرة أبي بكر الصديق الذي قاتل أهل الردة، وقاتل في سبيل الله حتى مضى والناس عنه راضون؟

فقال: يا أمير المؤمنين، إني لا اطيق أن أسير بسيرة أبي بكر، ولكن آخذهم بكتاب الله وسنة رسوله.

فقال: يا بني، أتسير فيهم بسيرة عمر بن الخطاب الذي مصر الأمصار، وفتح الديار، وجند الأجناد، وفرض الفروض، ودون الدواوين، وجبى الفيء، وجاهد في سبيل الله حتى مضى والناس عنه راضون؟

فقال يزيد: لا أدري ما صنع عمر، ولكن آخذ الناس بكتاب الله والسنة.

فقال معاوية: يا بني، أفتسير فيهم بسيرة ابن عمك عثمان بن عفان الذي أكلها في حياته، وورثها بعد مماته، واستعمل أقاربه؟

فقال يزيد: قد أخبرتك يا أميرالمؤمنين، إن الكتاب بيني وبين هذه الامة به آخذهم وعليه أقتلهم.

قال: فتنفس معاوية الصعداء وقال: إني من أجلك آثرت الدنيا على الآخرة، ودفعت حق علي بن ابي طالب، وحملت الوزر على ظهري، وإني لخائف انك لا تقبل وصيتي فتقتل خيار قومك، ثم تغزو حرم ربك فتقتلهم بغير حق، ثم يأتي الموت بغتة، فلا دنيا أصبت، ولا آخرة أدركت.

يا بني، إني جعلت هذا الملك مطعماً لك ولولدك من بعدك، وإني موصيك بوصية فاقبلها فإنك تحمد عاقبتها، وإنك بحمد الله صارم حازم؛ انظر ان تثب

( 137 )

على أعدائك كوثوب الهزبر البطل، ولا تجبن كجبن الضعيف النكل، فإني قد كفيتك الحل والترحال، وجوامع الكلم والمنطق، ونهاية البلاغة، ورفع المؤنة، وسهولة الحفظ، ولقد وطأت لك يا بني البلاد، وذللت لك رقاب العرب الصعاب، واقمت لك المنار، وسهلت لك السبل، وجمعت لك اللجين والعقيان، فعليك يا بني من الامور بما قرب مأخذه، وسهل مطلبه، وذر عنك ما اعتاص عليك.

وأعلم ـ يا بني ـ ان سياسة الخلافة لا تتم إلا بثلاث: بقلب واسع، وكف بسيط، وخلق رحيب، وثلاث اخر: علم ظاهر، وخلق طاهر، ووجه طلق، ثم تردف ذلك بعشر اخر: بالصبر، والأناة والتودد، والوقار, والسكينة، والرزانة، والمروءة الظاهرة، والشجاعة، والسخاء، والاحتمال للرعية بما تحب وتكره.

ولقد علمت ـ يا بني ـ أني قد كنت في أمر الخلافة جائعاً شبعان، بشماً شهوان، اصبح عليها جزعاً، وامسي هلعاً، حتى أعطاني الناس ثمرة قلوبهم وبادروا إلى طاعتي، فادخل ـ يا بني ـ من هذه الدنيا في حلالها، واخرج من حرامها، وانصف الرعية، واقسم فيهم بالسوية.

واعلم ـ يا بني ـ أني أخاف عليك من هذه الامة أربعة نفر من قريش: عبدالرحمان بن أبي بكر، وعبدالله بن عمر، وعبدالله بن الزبير، وشبيه أبيه الحسين بن علي.

فأما عبدالرحمان بن أبي بكر فإنه إذا صنع أصحابه صنع مثلهم وهو رجل همته النساء ولذة الدنيا فذره ـ يا بني ـ وما يريد، ولا تأخذ عليه شيئاً من أمره فقد علمت ما لأبيه من الفضل على هذه الامة، وقد يحفظ الولد في أبيه.

وأما عبدالله بن عمر فإنه رجل صدق وحش من الناس، قد أنس بالعبادة، وخلا بالوحدة فترك الدنيا وتخلى منها، فهو لا يأخذ منها شيئاً، وإنما

( 138 )

تجارته من الدنيا كتجارة أبيه عمر بن الخطاب، فاقرأ عليه ـ يا بني ـ منك السلام وابعث إليه بعطاياه موفرة مهنأة.

وأما عبدالله بن الزبير فما أخوفني منه عنتاً فإنه صاحب خلل في القول، وزلل في الرأي، وضعف في النظر، مفرط في الامور، مقصر عن الحق، وإنه ليجثو لك كما يجثوا الأسد في عرينه، ويراوغك روغان الثعلب، فإذا أمكنته منك فرصة لعب بك كيف شاء، فكن له ـ يا بني ـ كذلك، واحدة كحذو النعل بالنعل، إلا أن يدخل لك في الصلح والبيعة فأمسك عنه واحقن دمه، وأقمه على ما يريد.

وأما الحسين بن علي، فأوه أوه يا يزيد، ماذا أقول لك فيه؟ فاحذر أن تتعرض له إلا بسبيل خير، وامدد له حبلاً طويلاً، وذره يذهب في الأرض كيف يشاء، ولاتؤذه ولكن أرعد له وأبرق، وإياك والمكاشفة له في محاربة بسيف أو منازعة بطعن رمح، بل أعطه وقربه وبجله، فإن جاء إليك أحد من أهل بيته فوسع عليهم وأرضهم، فإنهم أهل بيت لا يسعهم إلا الرضا والمنزلة الرفيعة.

وإياك ـ يا بني ـ أن تلقى الله بدمه فتكون من الهالكين، فقد حدثني ابن عباس، فقال: حضرت رسول الله صلى الله عليه وآله عند وفاته وهو يجود بنفسه وقد ضم الحسين إلى صدره وهو يقول: هذا من أطائب أرومتي، وأبرار عترتي، وخيار ذريتي، لا بارك الله فيمن لم يحفظه من بعدي.

قال ابن عباس: ثم اغمي على رسول الله ساعة ثم أفاق فقال: يا حسين، إن لي ولقاتلك يوم القيامة مقاماً بين يدي ربي وخصومة، وقد طابت نفسي إذ جعلني الله خصماً لمن قاتلك يوم القيامة.

يا بني، فهذا حديث ابن عباس وأنا احدثك عن رسول الله صلى الله عليه

( 139 )

وآله انه قال: أتاني يوماً حبيبي جبرئيل فقال: يا محمد، إن امتك تقتل ابنك حسيناً، وقاتله لعين هذه الامة، ولقد لعن النبي صلى الله عليه وآله قاتل حسين مراراً.

فانظر ـ يا بني ـ ، ثم انظر أن تتعرض له بأذى، فإنه مزاج ماء رسول الله، وحقه والله ـ يا بني ـ عظيم،وقد رأيتني كيف كنت أحتمله في (1) حياتي، واضع له رقبتي وهو يجبهني بالكلام القبيح الذي يوجع قلبي فلا اجيبه، ولا أقدر له على حيلة، لأنه بقية أهل الأرض في يومه هذا. (2)

قلت: لعن الله معاوية ما اشد نفاقه، وأعظم شقاقه؟ فإنه كان يعرف الحق لكن الشقاق وحب الدنيا غلب على قلبه، حتى كفر بأنعم ربه، وارتد عن الدين الذي كان قد تدين به ظاهراً، وأبوه من قبله لا باطناً، وهب إنه كان في الظاهر والباطن مسلماً وليس كذلك، أليس قد كفر بحرب أميرالمؤمنينن وقتل جماعة من المهاجرين الأولين، كخزيمة بن ثابت وعمار وغيرهما من أكابر الصحابة والتابعين لهم بإحسان؟ فهو إما كافر أصلي أو مرتد عن الاسلام، فعلى كلا الأمرين لا تقبل توبته لقول رسول الله صلى الله عليه وآله: يا علي، حربك حربي (3)

وقوله صلى الله عليه وآله:محاربوا علي كفرة (4)

وقوله صلى الله عليه وآله: يا علي، من آذى شعرة منك فقد آذاني، ومن

(1) ما بين المعقوفتين أثبتناه من مقتل الخوارزمي.

(2) مقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي: 1/173 ـ 176.

(3) انظر: إحقاق الحق: 6/440 ـ 441، وج7/296 ، وج13/70.

(4) انظر في معناه: إحقاق الحق: 4/235 و 238 ـ 239 و 276 و 277، وج7/331 و 337 و ج15/580، وج17/279، وج18/470.

( 140 )

آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله فعليه لعنة الله. (1)

ومما يدل على كفره وإلحاده فعله بالامام السبط التابع لمرضاة الله أبي محمد الحسن عليه السلام من شن الغارات عليه، وإفساد قلوب الناس له، وبذل الأموال في حربه، وإفساد جموعه وجنوده، ثم دس السم له حتى ألقى كبده وحشاه، ومضى شهيداً مظلوماً مسموماً، فهل في فعله هذه الأفعال الشنيعة من حرب أميرالمؤمنين وموارطته ثمانية عشر شهراً، ثم قتل سبعة من أكابر الصحابة بعد كحجر بن عدي وأصحابه، ثم بسبه أميرالمؤمنين عليه السلام على المنابر إلا كما قال الله سبحانه: « فَلَمّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنّا بِاللّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنّا بِهِ مُشْرِكِينَ«84» فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمّا رَأَوْا بَأْسَنَا» (2) وكقول فرعون لما أدركه الغرق: « قَالَ آمَنْتُ أَنّهُ لاَ إِلهَ إِلّا الّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ» (3) فرد الله سبحانه عليه بقوله: « آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ» (4).

فكان حال معاوية لما رأى علامات الموت كحال فرعون والكفار الذين ذكرهم سبحانه بقوله: « فَلَمّا رَأَوْا بَأْسَنَا »، فعليه وعلى من يعتذر له، ويصوب آراءه واجتهاده فيما علم بطلانه من الدين ضرورة لعنة الله ولعنة اللاعنين، لأن إنكار ولاية أميرالمؤمنين وحربه، واستحلال وسفك دمه ودم ذريته وشيعته، كحال منكري الشرائع من الصلاة والزكاة والحج والنبوة، فهل يحل لمؤمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يصوب اجتهاده، ويؤول مراده، ويمهد له العذر على فعله؟

(1) انظر: إحقاق الحق: 6/380 ـ 394، وج16/588 ـ 599، وج 21/537 ـ 543.

(2) سورة غافر: 84 و 85.

(3) سورة يونس: 90.

(4) سورة يونس: 91.

( 141 )

وإذا قبحنا باب تصويت اجتهاده وإنكار ما علم من الدين ضرورة بطلانه من استحلال حرب أميرالمؤمنين، وقتل ذريته وشيعته، فاليهود والنصارى والمجوس وعبدة الأصنام أن يعتذروا ويحتجوا علينا باجتهاده ويقولوا: نحن ساقنا اجتهادنا إلى القول بصحة ما اعتقدناه من خلافكم ففعله عليه اللعنة والعذر له من أعظم حجة لهم علينا فلا نمنع من سبه، ولا نقول بإيمانه إلا من حاله كحاله في الكفر والبغي، وعداوة الحق وأهله.

وأقول: إن معاوية عليه اللعنة مع كفره ونفاقه كان يري أهل الشام والهمج الرعاع الصلاح واللين والتحلم والصفح عن المسيء منهم حتى استمال قلوب الناس، وصاروا يعدونه من أكابر الصحابة، ويسمونه «خال المؤمنين»، و«كاتب الوحي»، ويرون القتال معه جهاداً، وكان الحسن والحسين صلوات الله عليهما إذا دخلا عليه أراهم من التعظيم والاجلال ما لا مزيد عليه مع كفره وبغضه لهما في الباطن.

وأما يزيد عليه اللعنة فإن حاله كانت في الظاهر بخلاف حاله، لأنه كان متهتكاً متظاهراً بالفجور وشرب الخمر والتماجن والتشبيب بالسناء واقتناء الكلاب والفهود وآلات اللهو، وكان قد اتخذ قرداً وكلف به وأخدمه رجالاً، وسماه قيساً، كان إذا ركب أركبه معه في موكبه والخدم مكتنفة به وعليه ثياب الديباج، وكان إذا جلس للشرب أحضره معه في مجلسه ويسقي الحاضرين الخمر.

فمن كانت هذه حاله كيف يليق بأهل الصلاح والدين أن يقروا ببيعته، أو يدخلوا تحت طاعة أولاد الأنبياء وشيعتهم؟ فلولا جهاد سيدنا أبي عبدالله عليه السلام، وبذله نفسه وولده في إظهار كفره، وعدم الرضا بفعله، وأمره بالمعروف،

( 142 )

ونهيه عن المنكر في متاجرته، لفسد نظام الاسلام، وارتد أكثر الناس على الأعقاب، ولحصل فتق في الاسلام ليس له راتق، فجزاه الله عن الاسلام وأهله أفضل الجزاء.

ولنرجع إلى ما كنا فيه:

ثم قال معاوية: وانظر ـ يا بني ـ أهل الحجاز فإنهم أصلك وفرعك، فأكرم من قدم عليك، ومن غاب عنك فلا تجفه ولا تعنفه.

وانظر أهل العراق فإنهم لا يحبونك أبداً، ولا ينصحونك، ولكن دارهم ما أمكنك، وإن سألوك أن تعزل عنهم كل يوم عاملاً فافعل، فإن عزل عامل واحد أهون من سل مائة ألف سيف.

وانظر أهل الشام فإنهم بطانتك وظهارتك، وقد بلوت بهم وعرفت ثباتهم (1)، وهم صبر عند اللقاء، حماة في الوغى، فإن رابك (2) أمر من عدو يخرج عليك فانتصر بهم، فإذا أصبت حاجتك فارددهم إلى بلادهم يكونوا [بها] (3) لوقت حاجتك، ثم اغمي على معاوية، فلم يفق بقية يومه من غشيته، فلما أفاق قال: اوه اوه جاء الحق وزهق الباطل، ثم قال: إني كنت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله ذات يوم وهو يقلم أظفاره، فأخذت القلامة، وأخذت بشقص من شعره على الصفا، فجعلتها في قارورة فهي عندي، فاجعلوا الشعر والأظفار في فمي واذني، ثم صلوا علي وواروني في حفرتي (4).

(1) في المقتل: نياتهم.

(2) في المقتل: دار بك.

(3) من المقتل.

(4) مقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي: 1/176 ـ 177.

( 143 )

فليت يا شعري كيف لم يستحي من الله ورسوله وقد بارز أهل بيته بالعداوة ونصب الغوائل لهم والوقيعة في أسفارهم وانسارهم (1) أجسادهم؟! ثم عقد الأمر عند موته وولاية عهده لابنه يزيد الذي لا يوازيه كافر، ولا يلحقه فاجر، أكفر الخلق بالله، وأبغضهم للحق وأهله، وأشد الخلق تهتكاً مع خلعه جلباب الحياء، وتظاهره بشرب الخمور، وتعاطي الزنا والفجور، وسفك الدماء المحرمة، وغصب الأموال المحترمة، فعليه وعلى أبيه أشد العذاب وأعظم النكال، والله لو واروه في حفرة النبي صلى الله عليه وآله لم يغن عنه ذلك من الله شيئاً، كما لم يغن عن الأولين الذين دفنا إلى جانبه صلى الله عليه وآله نزهه الله عنهما ونقلهما عنه، « وَقِيلَ ادْخُلاَ النّارَ مَعَ الدّاخِلِينَ» (2) وهو يرجو مع قبيح فعله الشفاعة من النبي، ويتبرك بشعره وظفره، والله يقول: « وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلّا لِمَنِ ارْتَضَى» (3)

ثم انقطع كلام معاوية ولم ينطق بشيء، وخرج يزيد على عادته في التهتك واللهو والصيد في يومه ذلك إلى نواحي حوران للنزهة والصيد وترك أباه بحاله، وقال للضحاك بن قيس: انظر لا تخف علي شيئاً من أمره، وتوفي معاوية من غد وليس يزيد حاضر، فكان ملكه عليه اللعنة تسع عشرة سنة وثلاثة أشهر، ومات بدمشق يوم الأحد لأيام خلت من شهر رجب سنة ستين، وهو ابن ثمان وسبعين سنة.

قال: فخرج الضحاك من دار معاوية لا يكلم أحداً والأكفان معه حتى دخل المسجد الأعظم ونودي له في الناس، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه،

(1) كذا في الأصل.

(2) سورة التحريم: 10.

(3) سورة الأنبياء: 28.

( 144 )

ثم قال: إن أميرالمؤمنين معاوية قد ذاق الموت، وشرب بكأس الحتف، وهذه أكفانه، ونحن مدرجوه فيها، ومدخلوه قبره، ومخلون بينه وبين عمله، فمن كان منكم يريد أن يشهد فليحضر بين الصلاتين ولا تقعدوا عن الصلاة عليه، ثم نزل عن المنبر وكتب إلى يزيد:

بسم الله الرحمن الرحيم (1)

الحمد لله الذي لبس (رداء) (2) البقاء، وكتب على عباده الفناء، فقال سبحانه: « كُلّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ«26» وَيَبْقَى‏ وَجْهُ رَبّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالْإِكْرَامِ» (3).

لعبد الله أميرالمؤمنين يزيد من الضحاك بن قيس.

أما بعد:

فكتابي (4) إلى أمير المؤمنين كتاب تهنئة ومصيبة، فأما التهنئة فبالخلافة التي جاءتك عفواً، وأما المصيبة فبموت أميرالمؤمنين معاوية، فإنا لله وإنا إليه راجعون، فإذا قرأت كتابي هذا فالعجل العجل لتأخذ الناس بالبيعة، بيعة اخرى مجددة.

قال: فلما ورد الكتاب على يزيد وقرأه وثب من ساعته صائحاً باكياً، وأمر بإسراج دوابه، وسار يريد دمشق، فصار إليها بعد ثلاث من موت معاوية، وخرج (الناس) (5) إلى استقباله، فلم يبق أحد يطيق حمل السلاح إلا ركب

(1 و 2 و 5) من المقتل.

(3) سورة الرحمن: 26 و 27.

(4) كذا في المقتل، وفي الأصل: فكتب.

( 145 )

(وخرج) (1)، حتى إذا وافى اللعين قريباً من دمشق وجعل الناس يتلقونه فيبكون ويبكي معهم.

ثم نزل في قبة خضراء لابنه وهو معتم بعمامة خز سوداء متقلداً سيف أبيه، فلما دخلها نظر فإذا قد فرش له فرش كثيرة بعضها على بعض، ما يمكن لأحد أن يرقى عليها إلا بالكراسي، فصعد حتى جلس والناس يدخلون عليه يهنئونه بالخلافة ويعزونه بأبيه، ويزيد يقول: نحن أهل الحق وأنصار الدين، فأبشروا يا أهل الشام فإن الخير لم يزل فيكم وسيكون بيني (2) وبين أهل العراق ملحمة، وذلك اني رأيت في المنام منذ ثلاث ليال كأن بيني وبين أهل العراق نهراً يطرد بالدم العبيط (ويجري) (3) جرياً شديداً، وجعلت أجتهد في منامي أن أجوزه فلم أقدر حتى جاء عبيدالله بن زياد فجازه بين يدي وأنا أنظر إليه.

قال: فأجابه أهل الشام وقالوا: يا أميرالمؤمنين، امض بنا حيث شئت فنحن بين يديك، وسيوفنا هي التي عرفها أهل العراق في صفين.

فقال يزيد: أنتم لعمري كذلك، ثم قال: أيها الناس، إن معاوية كان عبداً من عباد الله أنعم الله عليه، ثم قبضه إليه، وهو خير ممن بعده، ودون من كان قبله، ولا ازكيه على الله، فهو أعلم به مني، فإن عفا عنه فبرحمته، وإن عاقبه فبذنوبه، ولقد وليت هذا الأمر من بعده ولست اقصر عن طلب حق، ولا أعتذر من تفريط في باطل، وإذا أراد الله شيئاً كان، فصاح الناس من كل جانب: سمعنا وأطعنا، يا أميرالمؤمنين.

قال: فبايع الناس بأجمعهم يزيد وابنه معاوية بن يزيد من بعده، وفتح

(1 و 3) من المقتل.

(2) في المقتل: بينكم.

( 146 )

بيوت الأموال وأخرج أموالاً جليلة (1) ففرقها عليهم، ثم عزم على إنفاذ الكتب إلى (جميع) (2) البلاد بأخذ البيعة له، وكان مروان بن الحكم والياً على المدينة فعزله وولى مكانه ابن عمه الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، وكتب إليه يقول:

بسم الله الرحمن الرحيم

من عبدالله يزيد أميرالمؤمنين إلى الوليد بن عتبة.

أما بعد:

فإن معاوية كان عبداً من عباد الله أكرمه فاستخلفه ومكن له، ثم قبضه إلى روحه وريحانه أو عقابه (3)، عاش بقدر، ومات بأجل، وقد كان عهد إلي وأوصاني أن أحذر آل أبي تراب وجرأتهم على سفك الدماء، وقد آن ـ يا وليد ـ أن ينتقم الله للمظلوم (4) عثمان من آل أبي تراب بآل أبي سفيان، فإذا ورد عليك كتابي هذا فخذ البيعة (لي) (5) على جميع الخلق في المدينة.

قال: ثم كتب في رقعة صغيرة:

أما بعد:

فخذ الحسين وعبدالله بن عمر وعبدالرحمان بن أبي بكر وعبدالله بن الزبير بالبيعة أخذاً عنيفاً ليست فيه رخصة، فمن أبى عليك فاضرب عنقه، وابعث إلي برأسه، والسلام. (6)

(1) في المقتل: جزيلة.

(2 و 4) من المقتل.

(3) في المقتل: إلى روحه وريحانه ورحمته وثوابه.

(4) في المقتل: وقد علمت يا وليد أن الله تعالى منتقم للمظلوم.

(6) مقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي: 1/177 ـ 180.

( 147 )

وروي عن مكحول، عن أبي عبيدة الجراح، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا يزال أمر أمتي قائماً بالقسط حتى يكون أول من يثلمه رجل من بني امية(يقال له يزيد). (1)

وبإسناد متصل بأبي ذر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: أول من يبدل ديني رجل من بني امية.

قال: ابن أعثم: فلما ورد الكتاب على الوليد بن عتبة قرأه واسترجع، ثم قال: يا ويح الوليد بن عتبة من دخوله في هذه الامارة، مالي وللحسين؟ ثم بعث إلى مروان فدعاه وقرأ الكتاب عليه، فاسترجع مروان، ثم قال: رحم الله معاوية. فقال الوليد: أشر علي برأيك.

فقال مروان: أرى أن ترسل إليهم في هذه الساعة فتدعوهم إلى الطاعة والدخول في بيعة يزيد، فإن فعلوا قبلت ذلك منهم، وإن أبوا قدمتهم وضربت أعناقهم قبل أن يعلموا بموت معاوية، فإنهم إن علموا بموته وثب كل واحد منهم وأظهر الخلاف ودعا إلى نفسه، فعند ذلك أخاف أن يأتيك منهم ما لا قبل لك به، إلا عبدالله بن عمر فإني لا أراه ينازع، فذره عنك، وابعث إلى الحسين وعبدالرحمان بن أبي بكر وعبدالله بن الزبير فادعهم إلى البيعة، مع أني أعلم أن الحسين خاصة لا يجيبك إلى بيعة يزيد أبداً، ولا يرى له عليه طاعة، والله إني لو كنت موضعك لم اراجع الحسين في كلمة واحدة حتى أضرب عنقه، فأطرق الوليد بن عتبة، ثم رفع رأسه وقال: ليت الوليد بن عتبة لم يولد.

(1) من المقتل.

( 148 )

قال: ثم دمعت عيناه، فقال له عدو الله مروان: أيها الامير، لا تجزع بما ذكرت لك، فإن آل أبي تراب هم الأعداء في قديم الدهر ولم يزالوا، وهم الذين قتلوا عثمان، ثم ساروا إلى معاوية فحاربوه، فإني لست آمن ـ أيها الأمير ـ إن أنت لم تعاجل الحسين خاصة أن تسقط منزلتك عند أمير المؤمنين يزيد.

فقال الوليد: مهلاً ـ يا مروان ـ اقصر من كلامك وأحسن القول في ابن فاطمة، فإنه بقية ولد النبيين.

قال: ثم بعث الوليد بن عتبة إلى الحسين وعبدالرحمان بن أبي بكر وعبدالله بن عمرو وعبدالله بن الزبير فدعاهم، وأقبل الرسول وهو عمرو بن عثمان، فلم يصب القوم في منازلهم، فمضى نحو المسجد فإذا القوم عند قبر النبي صلى الله عليه وآله، فسلم، ثم قال: إن الأمير يدعوكم، فصيروا إليه.

فقال الحسين: نفعل إن شاء الله إذا نحن فرغنا من مجلسنا، فانصرف الرسول وأخبر الوليد بذلك، واقبل عبدالله بن الزبير على الحسين، فقال: يا أبا عبدالله، إن هذه ساعة لم يكن الوليد بن عتبة يجلس فيها للناس ، وإني قد أنكرت بعثته إلينا في مثل هذا الوقت ، فترى لما بعث إلينا (1)؟

فقال الحسين عليه السلام: اخبرك إني أظن أن معاوية هلك، وذلك اني رأيت البارحة في منامي كأن منبر معاوية منكوس، ورأيت النار تشتعل في داره، فتأولت ذلك في نفسي بأنه قد مات.

قال ابن الزبير: فاعمل على ذلك بأنه كذلك، فما ترى أن تصنع إذا دعيت إلى بيعة يزيد؟

(1) في المقتل: أنكرت بعثه ... أفترى لماذا بعث إلينا؟

( 149 )

فقال الحسين عليه السلام: لا ابايع أبداً، لأن الأمر إنما كان لي بعد أخي الحسن فصنع معاوية ما صنع، وحلف لأخي الحسن انه لا يجعل الخلافة لأحد من بعده من ولده، وأن يردها علي إن كنت حياً، فإن كان معاوية قد خرج من دنياه ولم يف لي ولا لأخي فوالله لقد جاءنا مالا قوام (1) لنا به، أتظن أني ابايع يزيد، ويزيد رجل فاسق معلن بالفسق، وشرب الخمر، واللعب بالكلاب والفهود، ونحن بقية آل رسول الله صلى الله عليه وآله؟ والله لا يكون ذلك أبداً، فبينما هما في المحاورة إذ رجع الرسول وقال للحسين: أبا عبدالله، إن الأمير قاعد لكما خاصة فقوما إليه، فزبره الحسين وقال: انطلق إلى أميرك لا ام لك أنا صائر إليه الساعة إن شاء الله ولا قوة إلا بالله.

قال: فرجع الرسول إلى الوليد فأخبره بذلك، وقال: إن الحسين قد أجاب وهو صائر إليك هذه الساعة في أثري.

فقال مروان: غدر والله الحسين.

فقال الوليد: مهلاً ليس مثل الحسين يغدر، ولا يقول ما لا يفعل، ثم أقبل الحسين على الجماعة وقال: قوموا (2) إلى منازلكم فإني صائر إليه فأنظر ما عنده.

فقال له ابن الزبير: إني أخشى (3) عليك أن يحبسوك عندهم ولا يفارقونك أبداً حتى تبايع أو تقتل.

فقال: لست أدخل عليه وحدي، ولكن أجمع أصحابي وخدمي

(1) في المقتل: قرار.

(2) في المقتل: صيروا.

(3) في المقتل: خائف.

( 150 )

وأنصاري وأهل الحق من شيعتي، وآمر كل واحد منهم أن يأخذ سيفه مسلولاً تحت ثيابه، ثم يصيروا بإزائي، فإذا أنا أومأت إليهم وقلت: (يا آل الرسول، ادخلوا) دخلوا وفعلوا ما أمرتهم به، ولا اعطي القياد من نفسي، فقد علمت والله أنه قد أتى من الأمر ما لا قوام له، ولكن قدر الله ماض، وهو الذي يفعل في أهل البيت ما يشاء ويرضى.

ثم وثب الحسين فصار إلى منزله، ثم دعا بماء فاغتسل، ولبس ثيابه، وصلى ركعتين، فلما انفتل من صلاته أرسل إلى فتيانه ومواليه وأهل بيته فأعلمهم شأنه، ثم قال: كونوا بباب هذا الرجل، فإذا سمعتم صوتي وكلامي وصحت: (يا آل الرسول) فاقتحموا بغير إذن، ثم أشهروا السيف (1) ولا تعجلوا، فإن رأيتم ما لا تحبون فضعوا سيوفكم فيهم واقتلوا من يريد قتلي.

قال: ثم خرج الحسين من منزله، وفي يده قضيب رسول الله صلى الله عليه وآله، وهو في ثلاثين رجلاً من مواليه وشيعته حتى أوقفهم على باب الوليد، ثم قال: انظروا ما اوصيكم (2) به فلا تعدوه وأنا أرجو أن أخرج إليكم سالماً، ثم دخل الحسين عليه السلام على الوليد وسلم، وقال: كيف أصبح الأمير؟

قال: فرد عليه الوليد رداً حسناً، ثم أدناه وقربه، وكان مروان حاضراً في مجلس الوليد، وكان بيد الوليد ومروان قبل ذلك منازعة، فلما نظر الحسين إلى مروان جالساً في مجلس الوليد، قال: أصلح الله الأمير الصلح (3) خير من

(1) في المقتل: السيوف.

(2) في المقتل: ما أوصيتكم.

(3) في المقتل: الصلاح.

( 151 )

الفساد، وقد آن لكما أن تجتمعا، الحمد لله الذي أصلح ذات بينكم.

قال: فلم يجيباه بشيء في هذا، فقال الحسين عليه السلام: هل ورد عليكم خبر من معاوية؟ فإنه قد كان عليلاً وقد طالت علته، فكيف هو الآن؟

قال: فتأوه الوليد، ثم قال: يا أباعبدالله، آجرك الله (1) في معاوية، فقد كان لك عم صدق، ووالي عدل، فقد ذاق الموت، وهذا كتاب أميرالمؤمنين يزيد.

فقال الحسين عليه السلام: إنا لله وإنا إليه راجعون، وعظم الله لكما الأجر، ولكن لماذا دعوتني؟

فقال: دعوتك للبيعة التي قد اجتمع عليها الناس.

قال: فقال الحسين عليه السلام: إن مثلي لا يعطي بيعته سراً، وإنما يجب أن تكون البيعة علانية بحضرة الجماعة، ولكن غداً إذا دعوت الناس إلى البيعة دعوتنا معهم، فيكون أمراً واحداً.

فقال له الوليد: لقد قلت فأحسنت القول وكذا كان ظني فيك، فانصرف راشداً حتى تأتينا غدا مع الناس.

قال: فقام مروان، وقال: إنه إن فارقك الساعة ولم يبايع فإنك لا تقدر عليه بعدها أبداً حتى تكثر القتلى بينك وبينه، فاحتبسه عندك ولا تدعه يخرج أو يبايع وإلا فاضرب عنقه.

قال: فالتفت الحسين إليه، وقال: ويلي عليك ياابن الزرقاء، أتأمره بضرب عنقي؟ كذبت والله ولؤمت، والله لو رام ذلك أحد من الناس لسقيت

(1) لفظ الجلالة أثبتناه من المقتل.

( 152 )

الأرض من دمه، فإن شئت ذلك فقم أنت فاضرب (1) عنقي إن كنت صادقاً.

قال: ثم أقبل الحسين على الوليد وقال: أيها الأمير، إنا أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، وبنا فتح الله وبنا ختم، ويزيد رجل فاسق، شارب خمر، قاتل النفس، معلق بالفسق، ومثلي لا يبايع مثله، ولكن نصبح وتصبحون، وننظر وتنظرون أينا أحق بالخلافة والبيعة.

قال: فسمع من بالباب صوت الحسين فهموا أن يقتحموا الدار بالسيوف، وخرج إليهم الحسين عليه السلام فأمرهم بالانصراف، وأقبل الحسين إلى منزله، فقال مروان للوليد: عصيتني حتى أفلت الحسين من يدك، أما والله لا تقدر منه على مثلها، والله ليخرجن عليك وعلى يزيد.

فقال الوليد: ويحك يا مروان، أشرت علي بقتل الحسين، وفي قتله ذهاب ديني ودنياي، والله ما أحب (2) أن أملك الدنيا بأسرها واني قتلت الحسين، ما أظن أحداً يلقى الله يوم القيامة بدم الحسين إلا وهو خفيف الميزان عندالله، لا ينظر إليه، ولا يزكيه، وله عذاب أليم.

قال: وخرج الحسين عليه السلام من منزله يسمع الأخبار فإذا هو بمروان بن الحكم قد عارضه في طريقه، فقال: يا أبا عبدالله، إني لك ناصح فأطعني ترشد وتسدد.

فقال الحسين عليه السلام: وما ذاك؟

قال: إني آمرك ببيعة يزيد فإنه خير لك في دينك ودنياك.

(1) في المقتل: فرم أنت ضرب.

(2) في المقتل: والله إني لا احب.

( 153 )

قال: فاسترجع الحسين عليه السلام وقال: على الاسلام العفا إذ قد بليت الامة براع مثل يزيد، ثم أقبل الحسين على مروان، وقال: ويحك تأمرني ببيعة يزيد، ويزيد رجل فاسق، لقد قلت شططاً، لا ألومك على قولك لأنك اللعين الذي لعنك رسول الله صلى الله عليه وآله وأنت في صلب أبيك الحكم بن ابي العاص، ومن لعنه رسول الله فإنه لا ينكر منه أن يدعو إلى بيعة يزيد، ثم قال: إليك عني يا عدوالله فإنا أهل بيت رسول الله على الحق والحق فينا، وقد سمعت جدي رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: الخلافة محرمة على آل أبي سفيان الطلقاء وأبناء الطلقاء، فإذا رأيتم معاوية على منبري فابقروا بطنه (1)، فوالله لقد رآه أهل المدينة على منبر جدي رسول الله صلى الله عليه وآله فلم يفعلوا ما امرهم به فابتلاهم الله بابنه يزيد.

قال: فغضب مروان، ثم قال: والله لا تفارقني أو تبايع ليزيد صاغراً، فإنكم آل أبي تراب قد ملئتم كلاماً واشربتم بغض آل أبي سفيان، وحقيق عليهم أن يبغضوكم.

فقال الحسين عليه السلام: ويلك إليك عني، فإنك رجس وإنا أهل بيت

(1) السنة لعبد الله بن أحمد بن حنبل: 151 ح 814، مناقب الإمام أميرالمؤمنين عليه السلام لمحمد بن سليمان الكوفي: 2/300 ح 775 وص 305 ح 779 وص 780 وص318 ح 790، أنساب الأشراف: 1/1255، وج5/1844 وص1951، وج 6/2125 وص2416، وج7/2544، معاني الأخبار: 346 ح1، تاريخ بغداد: 12/181، شرح نهج البلاغة: 15/176، الملاحم والفتن: 111 وص 168 ـ 169 ب 19، ميزان الاعتدال: 2/613، الاصول الستة عشر، كتاب عباد العصفري: 19، وقعة صفين: 216 وص221، سير أعلام النبلاء:3/149، البداية والنهاية: 8/133، المطالب العالية: 4/313 ح4499.

( 154 )

الطهارة الذي أنزل الله فينا: « إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً» (1) فنكس مروان رأسه، فقال له الحسين: أبشر يا ابن الزرقاء بكل ما تكره من الرسول صلى الله عليه وآله يوم تقدم على جدي رسول الله صلى الله عليه وآله فيسألك عن حقي وحق يزيد.

قال: فمضى مروان مغضباً حتى دخل على الوليد فخبره بما كان من مقالة الحسين عليه السلام، وكان ابن الزبير قد خرج ليلاً قاصداً مكة حين اشتغلوا بالحسين، فبعث الوليد بن عتبة في طلبه فلم يقدروا عليه وفاتهم، فكتب الوليد إلى يزيد يخبره الخبر بما كان من ابن الزبير، ثم ذكر له بعد ذلك أمر الحسين، فلما ورد الكتاب على يزيد وقرأه غضب غضباً شديداً، وكان إذا غضب انقلبت عيناه فصار أحول، فكتب إلى الوليد بن عتبة:

من عبدالله أميرالمؤمنين يزيد إلى الوليد بن عتبة.

أما بعد:

فإذا ورد عليك كتابي هذا فخذ البيعة ثانياً على أهل المدينة وذر عبدالله ابن الزبير فإنه لا يفوتنا، وليكن مع جواب كتابي رأس الحسين، فإن فعلت ذلك فقد جعلت لك أعنة الخيل، ولك عندي الجائزة العظمى والحظ الأوفر، والسلام.

فلما ورد الكتاب على الوليد وقرأه عظم ذلك عليه، ثم قال: لا والله لا يراني الله بقتل ابن نبيه (2) ولو جعل يزيد لي الدنيا بما فيها.

قال: وخرج الحسين عليه السلام من منزله ذات ليلة وأقبل إلى قبر جده صلى الله عليه وآله، فقال: السلام عليك يا رسول الله، أنا الحسين بن فاطمة

(1) سورة الأحزاب:33.

(2) كذا في المقتل، وفي الأصل: بنته.

( 155 )

فرخك وابن فرختك، وسبطك الذي خلفتني في امتك، فاشهد عليهم يا نبي الله أنهم قد خذلوني، وضيعوني، ولم يحفظوني، وهذه شكواي إليك حتى ألقاك.

قال: ثم قام فصف قدميه فلم يزل راكعاً ساجداً. قال: وأرسل الوليد إلى منزل الحسين عليه السلام لينظر أخرج من المدينة أم لا، فلم يصبه في منزله، فقال: الحمد لله الذي (1) خرج ولم يبتلني الله (2) بدمه.

قال: ورجع الحسين إلى منزله عند الصبح.

قال: فلما كانت الليلة الثانية (3)خرج إلى القبر أيضاً وصلى ركعات، فلما فرغ من صلاته جعل يقول: اللهم هذا قبر نبيك محمد، وأنا ابن بنت نبيك، وقد حضرني من الأمر ما قد علمت.

اللهم إني احب المعروف، وانكر المنكر، وأنا أسألك يا ذالجلال والاكرام بحق هذا (4) القبر ومن فيه إلا اخترت لي ما هو لك رضى، ولرسولك رضى.

قال: ثم جعل يبكي عند القبر حتى إذا كان قريباً من الصبح وضع رأسه على القبر فأغفى، فإذا هو برسول الله صلى الله عليه وآله قد أقبل في كتيبة من الملائكة عن يمينه وعن شماله وبين يديه حتى ضم الحسين إلى صدره وقبل بين عينيه وقال: حبيبي يا حسين كأني أراك عن قريب مرملاً بدمائك، مذبوحاً

(1) في المقتل: إذ.

(2) لفظ الجلالة أثبتناه من المقتل.

(3) في المقتل: الثالثة.

(4) من المقتل.

( 156 )

بأرض كربلاء، بين (1) عصابة من امتي، وأنت مع ذلك عطشان لا تسقى، وظمآن لا تروى، وهم مع ذلك يرجون شفاعتي، لا أنالهم الله شفاعتي يوم القيامة.

حبيبي يا حسين، إن أباك وامك وأخاك قدموا علي وهم مشتاقون إليك، وإن لك في الجنان لدرجات لن تنالها إلا بالشهادة.

قال: فجعل الحسين عليه السلام في منامه ينظر إلى جده ويقول: يا جداه، لا حاجة لي في الرجوع إلى الدنيا، فخذني إليك وأدخلني معك في قبرك.

فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: لا بد لك من الرجوع إلى الدنيا حتى ترزق الشهادة، وما قد كتب الله لك فيها من الثواب العظيم ، فإنك وأباك وأخاك وعمك وعم أبيك تحشرون يوم القيامة في زمرة واحدة حتى تدخلوا الجنة.

قال: فانتبه الحسين عليه السلام من نومه فزعاً مرعوباً فقص رؤياه على أهل بيته وبني عبدالمطلب، فلم يكن في ذلك اليوم في مشرق ولا مغرب قوم أشد غماً من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله ولا أكثر باك ولا باكية منهم.

قال: وتهيأ الحسين صلوات الله عليه للخروج من المدينة ومضى في جوف الليل إلى قبر امه عليها السلام فودعها، ثم مضى إلى قبر أخيه الحسن عليه السلام ففعل كذلك، ثم رجع إلى منزله وقت الصبح، فأقبل إليه أخوه محمد إبن الحنفية وقال: يا أخي أنت أحب الخلق إلي وأعزهم علي ، ولست والله أدخر النصيحة لأحد من الخلق، وليس أحد أحق بها منك لأنك مزاج مائي

(1) كذا في المقتل، وفي الأصل والبحار: من.

( 157 )

ونفسي وروحي وبصري، وكبير أهل بيتي،ومن وجبت طاعته في عنقي، لأن الله تبارك وتعالى قد شرفك علي وجعلك من سادات أهل الجنة، واريد أن اشير عليك فاقبل مني.

فقال الحسين عليه السلام: يا أخي، قل ما بدا لك.

فقال: اشير عليك أن تتنحى عن يزيد وعن الأمصار ما استطعت، وتبعث رسلك إلى الناس تدعوهم إلى بيعتك، فإن بايعك الناس حمدت الله على ذلك وقمت فيهم بما كان رسول الله صلى الله عليه وآله يقوم به فيهم حتى يتوفاك الله (1) وهو عنك راض، والمؤمنون عنك راضون كما رضوا عن أبيك وأخيك، وإن اجتمع الناس على غيرك حمدت الله على ذلك وسكت ولزمت منزلك (2) فإني خائف عليك أن تدخل مصراً من الأمصار، أو تأتي جماعة من الناس فيقتتلون فتكون طائفة منهم معك وطائفة عليك فتقتل بينهم.

فقال الحسين عليه السلام: فإلى أين أذهب؟

قال: تخرج إلى مكة، فإن امطمأنت بك الدار بها فذاك، وإن تكن الاخرى خرجت إلى بلاد اليمن، فإنهم أنصار جدك وأبيك، وهم أرأف الناس وأرقهم قلوباً (3)، وأوسع الناس بلاداً، فإن اطمأنت بك الدار فذاك (4) وإلا لحقت بالرمال، وشعوب الجبال، وجزت (5) من بلد إلى بلد، حتى تنظر ما يؤل إليه أمر الناس ويحكم الله بيننا وبين القوم الفاسقين.

(1) لفظ الجلالة أثبتناه من المقتل.

(2) كذا في المقتل، وفي الأصل: حمدت الله على ذلك، وتسكت منزلك.

(3) في المقتل: وهم أرأف وأرق قلوباً.

(4) من المقتل.

(5) في المقتل: وصرت.

( 158 )

قال: فقال الحسين عليه السلام: يا أخي، والله لو لم يكن في الدنيا ملجأ ولا مأوى لما بايعت يزيد بن معاوية، فقد قال جدي صلى الله عليه وآله: اللهم لا تبارك في يزيد.

قال سيدنا ومولانا علم العترة الطاهرة، ومصباح الاسرة الفاخرة، السيد علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن طاووس رضى الله عنه وأرضاه في كتابه الذي ذكر فيه ما تم على الامام السعيد أبي عبدالله الحسين عليه السلام: ولعل (بعض) (1) من لا يعرف حقائق شرف السعادة بالشهادة معتقداً (2) أن الله سبحانه لا يتعبد بمثل هذا الحال (3)، أما سمع في القرآن الصادق المقال أنه سبحانه تعبد قوماً بقتل أنفسهم، فقال تعالى: « فَتُوبُوا إِلَى‏ بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ» (4)؟

ولعله يعتقد (أن معنى) (5) قوله سبحانه: « وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التّهْلُكَةِ» (6) أنه هو القتل، وليس الأمر كذلك، وإنما التعبد به من أعظم (7) درجات السعادة والفضل.

وقد ذكر صاحب المقتل المروي عن الصادق عليه السلام في تفسير هذه الآية ما يليق بالعقل:

فروى عن أسلم قال: غزونا نهاوند ـ أو قال غيرها ـ فاصطففنا والعدو

(1 و 5) من الملهوف.

(2) في الملهوف: يعتقد.

(3) في الملهوف: هذه الحالة.

(4) سورة البقرة: 54.

(6) سورة البقرة: 195.

(7) في الملهوف: أبلغ.

( 159 )

صفين لم أر أطول منهما ولا أعرض، والروم قد ألصقوا ظهورهم بحائط مدينتهم، فحمل رجل منا على العدو، فقال الناس: لا إله إلا الله ألقى هذا بنفسه إلى التهلكة.

فقال أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه: إنما تؤولون (1) هذه الآية على أنه حمل هذا الرجل يلتمس الشهادة، وليس كذلك، إنما انزلت فينا، لأنا كنا (2) قد اشتغلنا بنصرة رسول الله صلى الله عليه وآله وتركنا أهالينا وأموالنا لأن نقيم فيها ونصلح ما فسد منها، فقد ضاعت بتشاغلنا عنها، فأنزل الله سبحانه إنكاراً علينا لما وقع (3) في نفوسنا من التخلف عن (نصرة) (4) رسول الله صلى الله عليه وآله لإصلاح أموالنا « وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التّهْلُكَةِ»، معناه: إن تخلفتم عن رسول الله صلى الله عليه وآله وأقمتم في بيوتكم ألقيتم بأيديكم إلى التهلكة، وسخط الله عليكم فهلكتم، وذلك رد علينا فيما قلنا وعزمنا عليه من الاقامة، وتحريض لنا على الغزو، وما نزلت هذه الآية في رجل حمل على العدو يحرض أصحابه على أن يفعلوا كفعله ويطلب الشهادة بالجهاد في سبيل الله رجاء ثواب الآخرة. (5)

قلت: وهذا معنى قول النبي صلى الله عليه وآله: كل بر فوقه بر حتى يخرج الرجل شاهراً سيفه في سبيل الله فيقتل فليس فوقه بر. (6)

(1) كذا في الملهوف، وفي الأصل: تتلون.

(2) كذا في الملهوف، وفي الأصل: قلنا.

(3) في الملهوف: فأنزل الله إنكال لما وقع.

(4) من الملهوف.

(5) الملهوف على قتلى الطفوف: 100.

(6) أخرجه في الوسائل: 11/10 ح 25 عن التهذيب: 6/122 ح 209، والخصال:

( 160 )

ثم نرجع إلى تمام الحديث:

قال: قطع محمد بن الحنفية الكلام وبكى، فبكى (معه) (1) الحسين عليه السلام ساعة، ثم قال: يا أخي، جزاك الله خيراً فقد نصحت وأشرت بالصواب، وأنا عازم على الخروج إلى مكة، وقد تهيأت لذلك أنا وإخوتي وبنو أخي وشيعتي ممن أمرهم (2) أمري ورأيهم رأيي، وأما أنت يا أخي فما عليك أن تقيم بالمدينة، فتكون لي عيناً عليهم لا تخف عني شيئاً من امورهم.

ثم دعا الحسين عليه السلام بدواة وبياض وكتب هذه الوصية لأخيه محمد رضي الله عنه:

بسم الله الرحمن الرحيم

هذا ما أوصى به الحسين بن علي بن أبي طالب إلى أخيه محمد المعروف بابن الحنفية، أن الحسين يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، جاء بالحق من عند الحق، وأن الجنة والنار حق، وأن الساعة أتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنما خرجت لطلب الاصلاح في امة جدي صلى الله عليه وآله، اريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدي محمد صلى الله عليه وآله وأبي علي بن أبي طالب عليه السلام، فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق، ومن رد علي هذا أصبر (3) حتى يقضي الله بيني وبين القوم

 9 ح 31، والكافي: 5/53 ح 2.

(1) من المقتل والبحار.

(2) كذا في المقتل،وفي الأصل والبحار: وشيعتي وأمرهم.

(3) في المقتل: صبرت.

( 161 )

بالحق (ويحكم بيني وبينهم) (1) وهو خير الحاكمين، وهذه وصيتي يا أخي إليك، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه انيب.

قلت:وهذه الوصية معنى قول أميرالمؤمنين صلوات الله عليه الذي رواه سيدنا ومفخرنا السيد محمد الرضي بن الحسين الموسوي رضي الله عنه في كتابه الذي جمعه من كلام جده أميرالمؤمنين عليه السلام وسماه بـ «نهج البلاغة» في باب الكلام القصير في قوله صلوات الله عليه:

روى ابن جرير الطبري في تاريخه (2) عن عبدالرحمن (3) بن أبي ليلى الفقيه ـ وكان ممن خرج لقتال الحجاج مع ابن الأشعث ـ أنه قال فيما كان يحض به الناس على القتال (4): إني سمعت علياً رفع الله روحه (5) في الصالحين، واثابه ثواب الشهداء والصديقين، يقول ـ لما (6) لقينا أهل الشام ـ : أيها المؤمنون، إنه من رأى عدواناً يعمل به ومنكراً يدعى إليه، فأنكره بقلبه فقد سلم وبرىء (7)، ومن أنكره بلسانه فقد اجر، وهو أفضل من صاحبه، ومن أنكره بالسيف لتكون كلمة الله العليا وكلمة الظالمين السفلى (8) فذلك الذي أصاب سبيل الهدى، وأقام على الطريقة المثلى (9)، ونور في قلبه اليقين. (10)

(1) من المقتل.

(2) تاريخ الطبري: 6/357.

(3) كذا في الطبري والنهج، وفي الأصل: عبدالله.

(4) في النهج: الجهاد.

(5) في النهج: درجته.

(6) في النهج: يوم.

(7) أي من العذاب المترتب على فعل المنكر والرضا به لأنه خرج بمجرد ذلك عن العهدة.

(8) في النهج: هي العليا ... هي السفلى.

(9) في النهج: وقام على الطريق.

(10) نهج البلاغة: 541 رقم 373، عنه البحار: 32/608 ح 480، وج 100/89 ح 69.

( 162 )

وقوله عليه السلام: فمنهم المنكر للمنكر بيده ولسانه وقلبه، فذلك المستكمل لخصال الخير.

ثم قال بعد كلام يجري مجرى ذلك: وما أعمال البر كلها والجهاد في سبيل الله عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا كنفثة (1) في بحر لجي، وإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقربان من أجل، ولا ينقصان من رزق، وأفضل من ذلك كله كلمة عدل عند سلطان (2) جائر. (3)

وعن أبي جحيفة، قال: سمعت أميرالمؤمنين عليه السلام يقول: إن أول ما تغلبون عليه (4) من الجهاد (الجهاد) (5) بأيديكم، ثم بألسنتكم، ثم بقلوبكم، فمن لم يعرف بقلبه معروفاً، ولم ينكر منكراً، قلب (6) فجعل أعلاه أسفله. (7)

قال: ثم طوى الحسين عليه السلام الكتاب وختمه بخاتمه ودفعه إلى أخيه محمد، ثم ودعه وخرج في جوف الليل (8) يريد مكة في جميع أهل بيته، وذلك لثلاث ليال مضين من شهر شعبان سنة ستين، فلزم الطريق الأعظم،

(1) يراد ما يمازج النفس من الريق عند النفخ.

واللجي: الكثير الموج.

(2) في النهج: إمام.

(3) نهج البلاغة: 542 رقم 374، عنه البحار: 100/89 ح 70.

(4) بمعنى يحدث أثراً شديداً عليكم إذا قمتم به.

(5) من النهج.

(6) كذا في النهج، وفي الأصل: قلب قلبه.

(7) نهج البلاغة: 542 رقم 375، عنه البحار: 100/89 ح 71.

(8) من قوله: (فلما ورد الكتاب على الوليد) إلى هنا نقله المجلسي رحمه الله في البحار: 44/327 ـ 330 عن كتابنا هذا، وكذا عوالم العلوم: 17/177.

( 163 )

وجعل (يسيرو) (1) يتلو هذه الآية: « فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَبُ قَالَ رَبّ نَجّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ» (2) فقاله له ابن عمه (مسلم بن عقيل بن أبي طالب) (3): يا ابن رسول الله، لو عدلنا عن الطريق وسلكنا غير الجادة كما فعل ابن الزبير كان عندي (خير) (4) الرأي، فإنا نخاف من الطلب.

فقال: لا يا ابن العم، لا فارقت هذا الطريق أو أنظر أبيات مكة أو يقضي الله في ذلك ما يحب، فبينا الحسين بين مكة والمدينة إذ استقبله عبدالله بن مطيع العدوي، فقال: أين تريد يا أبا عبدالله، جعلني الله فداك؟

فقال: أما في وقتي هذا فإني اريد مكة، فإذا صرت إليها استخرت الله.

فقال عبدالله بن مطيع: خار الله لك في ذلك، وإني اشير عليك بمشورة فاقبلها مني.

فقال الحسين عليه السلام: ما هي؟

قال: إذا أتيت مكة فاحذر أن يغرك أهل الكوفة فإن فيها قتل أبوك، وطعن أخوك طعنة كادت (أن) (5) تأتي على نفسه فيها، فالزم فيها الحرم فأنت سيد العرب في دهرك، فوالله لئن هلكت ليهلكن أهل بيتك بهلاكك، والسلام.

قال: فودعه الحسين ودعا له بالخير، وسار حتى وافى مكة، فلما نظر إلى جبالها جعل يتلو: « وَلَمّا تَوَجّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى‏ رَبّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السّبِيلِ» (6). (7)

(1 و 3 و 4 و 5) من المقتل.

(2) سورة القصص: 21.

(6) سورة القصص: 22.

(7) مقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي: 1/180 ـ 189.

( 164 )

فصل

فيما جرى للحسين عليه السلام بعد وصوله إلى مكة :

قال (1) : ولما دخل الحسين مكة جعل أهلها يختلفون إليه، وكان قد نزل بأعلى مكة، ونزل عبدالله بن الزبير داره، ثم تحول الحسين إلى دار العباس، وكان أمير مكة من قبل يزيد عمر بن سعد،وهاب ابن سعد أن يميل الحجاج مع الحسين لما (2) يرى من كثرة اختلاف الناس إليه من الآفاق ، فانحدر إلى المدينة وكتب بذلك إلى يزيد لعنة الله، وكان الحسين أثقل الخلق على ابن الزبير لأنه كان يطمع أن يبايعه أهل مكة، فلما قدم الحسين صاروا يختلفون إليه وتركوا ابن الزبير، وكان ابن الزبير يختلف بكرة وعشية الى الحسين ويصلى معه.

وبلغ أهل الكوفة أن الحسين قد صار في (3) مكة، وأقام الحسين عليه السلام في مكة باقي شهر شعبان ورمضان وشوال وذي القعدة، وكان عبدالله بن عباس وعبدالله بن عمر بمكة فأقبلا جميعاً وقد عزما أن ينصرفا إلى المدينة، فقال ابن عمر: يا أبا عبدالله اتق الله، فقد عرفت عداوة أهل هذا البيت لكم، وظلمهم إياكم، وقد ولي الناس هذا الرجل يزيد، ولست آمن أن تميل الناس إليه لمكان الصفراء والبيضاء فيقتلوك فيهلك بقتلك بشر كثير، فإني سمعت

(1) أي أحمد بن أعثم الكوفي.

(2) قوله: (وهاب ابن سعد ... لما) أثبتناه كما في المقتل، وما في الأصل مصحف.

(3) في المقتل: إلى.

( 165 )

رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: حسين مقتول، فلئن خذلوه ولم (1) ينصروه ليخذلنهم الله إلى يوم القيامة، وأنا اشير عليك بالصلح وتدخل فيما دخل فيه الناس، واصبر كما صبرت لمعاوية حتى يحكم الله بينك وبين القوم الظالمين.

فقال الحسين عليه السلام: يا با عبدالرحمن، أنا أدخل في صلحه وقد قال النبي فيه وفي أبيه ما قال؟!

فقال ابن عباس: صدقت ، قد قال النبي صلى الله عليه وآله: مالي وليزيد؟ لا بارك الله في يزيد، فإنه يقتل ولدي وولد ابنتي الحسين عليه السلام، والذي نفسي بيده لا يقتل ولدي بين ظهراني قوم فلا يمنعونه إلا خالف الله بين قلوبهم وألسنتهم (2) ثم بكى ابن عباس وبكى الحسين معه، وقال: يا ابن عباس، أتعلم أني ابن بنت رسول الله؟

قال ابن عباس: اللهم نعم، ما نعرف أحداً على وجه الأرض ابن بنت رسول الله غيرك، وان نصرك لفرض على هذه الامة كفريضة الصيام والزكاة، لا يقبل الله أحدهما دون الآخر.

فقال الحسين: فما تقول في قوم أخرجوا ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله من وطنه وداره، و(موضع) (3) وقراره ومولده، وحرم رسوله، ومجاورة قبر جده ومسجده، وموضع مهاجرة فتركوه خائفاً مرعوباً لا يستقر في قرار، ولا يأوي إلى وطن، يريدون بذلك قتله، وسفك دمه، وهو لم يشرك

(1) كذا في المقتل، وفي الأصل: فلن.

(2) المعجم الكبير: 3/129 ح 2861، الفردوس للديلمي: 4/285 ح 6841، مثير الأحزان: 22، مجمع الزوائد: 9/190، الخصائص الكبرى: 2/237، جمع الجوامع 1/857 و 1001، كنز العمال: 11/166 ح 3105\61، بحار الأنوار: 44/266 ح 24.

( 166 )

بالله شيئاً ولم يغير ما كان (1) عليه رسول الله صلى الله عليه وآله؟

فقال ابن عباس: فماذا أقول فيهم؟ أقول فيهم إنهم كفروا بالله ورسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى « يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلاً» (2). وأما أنت يا ابن رسول الله فإنك رأس الفخار، ابن رسول الله (وابن وصيه) (3)، وابن بنته، فلا تظن ـ يا ابن رسول الله ـ أن الله غافلاً عما يعمل الظالمون (4)، وأنا أشهد أن من رغب عنك فماله من خلاق (5).

فقال الحسين عليه السلام: اللهم فاشهد.

قال ابن عباس: يا ابن رسول الله، كأنك تنعى إلي نفسك، وتريد مني أن أنصرك، والله لو ضربت بسيفي بين يديك حتى تنخلع يداي لما كنت بالذي أبلغ من حقك عشر العشير.

فقال ابن عمر: يا ابن عباس، ذرنا من هذا.

ثم أقبل ابن عمر على الحسين فقال: مهلاً ـ يا أبا عبدالله ـ عما قد أزمعت عليه، وارجع معنا إلى المدينة وادخل في صلح القوم، ولا تجعل لهؤلاء الذين لا خلاق لهم عليك حجة، وإن أحببت ألا تبايع فأنت متروك، فعسى يزيد لا يعيش إلا قليلاً فيكفيك الله أمره.

فقال الحسين عليه السلام: اف لهذا الكلام.

(1) في المقتل: ولم يتغير عما كان.

(2) سورة النساء: 142.

(3) من المقتل.

(4) إقتباس من الآية: 42 من سورة إبراهيم .

(5) إقتباس من الآيتين: 102 و 200 من سورة البقرة.

( 167 )

فقال ابن عمر: إني أعلم أن الله تبارك وتعالى لم يكن ليجعل ابن بنت نبيه على خطأ، ولكن أخشى أن يضرب وجهك هذا الحسن بالسيوف ونرى من هذا الأمر ما لا نحب (1) فارجع معنا إلى المدينة ولا تبايع أبداً، واقعد في منزلك.

فقال الحسين عليه السلام: هيهات، إن القوم لا يتركوني إن أصابوني، فإن لم يصيبوني فإنهم يطلبونني أبداً حتى ابايع او يقتلونني، أما تعلم أن من هو ان الدنيا على الله انه اتي برأس يحيى بن زكريا إلى بغي من بغايا بني إسرائيل والرأس ينطق بالحجة عليهم فلم يضر ذلك يحيى بل ساد الشهداء؟ أو لا تعلم أن بني إسرائيل كانوا يقتلون ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس سبعين نبياً ثم يجلسون في أسواقهم كأنهم لم يصنعوا شيئاً فلم يعجل الله (2) عليهم، ثم أخذهم بعد ذلك أخذ عزيز ذي انتقام؟ اتق الله ـ يا با عبدالرحمن ـ ولا تدعن نصرتي.

يا ابن عمر، إن كان الخروج يثقل عليك فأنت في أوسع عذر واجلس عن القوم ولا تعجل بالبيعة لهم حتى تعلم ما يؤول الأمر إليه.

قال: ثم أقبل الحسين عليه السلام على ابن عباس، فقال: يا ابن عباس، إنك ابن عم والدي، ولم تزل تأمر بالخير مذ عرفتك، وكان أبي يستشيرك، فامض إلى المدينة في حفظ الله (3)، ولا تخف علي شيئاً من أخبارك، فإني مستوطن هذا الحرم ومقيم فيه أبداً ما رأيت أهله يحبوني (4) وينصرونني فإذا هم خذلوني استبدلت بهم غيرهم.

قال فبكى ابن عباس وابن عمر، ثم ودعهما فسارا إلى المدينة، وأقام

(1) في المقتل: وترى من هذه الامة ما لا تحب.

(2 و 3) لفظ الجلالة أثبتناه من المقتل.

(4) كذا في المقتل، وفي الأصل: يخيروني.

( 168 )

الحسين بمكة قد لزم الصوم والصلاة.

قال: واجتمعت الشيعة بالكوفة في منزل سليمان بن صرد الخزاعي، فلما تكاملوا في منزله قام فيهم خطيباً، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي وآله، ثم ذكر علي بن أبي طالب عليه السلام فترحم عليه وذكر مناقبه الشريفة ، ثم قال:

يا معشر الشيعة، إنكم قد علمتم بأن معاوية قد هلك وصار إلى ربه، وقدم على عمله، وسيجزيه الله بما قدم، وقد قعد في موضعه ابنه يزيد اللعين، وهذا الحسين بن علي قد خالفه وصار إلى مكة هارباً من طواغيت آل أبي سفيان، وأنتم شيعته وشيعة أبيه، وقد احتاج إلى نصرتكم، فإن كنتم تعلمون أنكم ناصروه ومجاهدو عدوه فاكتبوا إليه، وإن خفتم الوهن والفشل فلا تغروا الرجل من نفسه.

فقال القوم: بل نؤويه وننصره ونقاتل عدوه ونقتل أنفسنا بين يديه، فأخذ سليمان بذلك عليهم عهداً وميثاقاً أنهم لا يغدرون ولا ينكثون، ثم قال: اكتبوا إليه الآن كتاباً من جماعتكم انكم له كما ذكرتم، وسلوه القدوم عليكم.

فقالوا: أفلا تكفينا أنت الكتاب إليه؟

فقال سليمان: لا ، بل تكتب إليه جماعتكم. قال: فكتب القوم إليه:

بسم الله الرحمن الرحيم

للحسين بن علي أمير المؤمنين من سليمان بن صرد والمسيب بن نجبة وحبيب بن مظاهر ورفاعة بن شداد وعبدالله بن وآل وجماعة شيعته من

( 169 )

المؤمنين.

سلام عليك.

أما بعد:

فالحمد لله الذي قصم عدوك وعدو أبيك من قبل الجبار العنيد، الغشوم الظلوم، الذي ابتز (1) هذه الامة أمرها، وغصبها فيئها، وتأمر عليها بغير رضا منها، ثم قتل خيارها، واستبقى شرارها، وجعل مال الله دولة بين جبارتها وعتاتها، فبعداً لهم كما بعدت ثمود، ثم إنه قد بلغنا أن ولده اللعين قد تأمر على هذه الامة بلا مشورة ولا إجماع، وبعد، فإنا مقاتلون معك وباذلون أنفسنا من دونك، فأقبل إلينا فرحاً مسروراً، أميراً مطاعاً، إماماً، خليفة مهدياً، فإنه ليس علينا إمام ولا أمير إلا النعمان بن بشير، وهو في قصر الامارة وحيد طريد، لا نجتمع معه في جمعة ولا جماعة، ولا نخرج معه إلى عيد، ولا نؤدي إليه الخراج، يدعو فلا يجاب، ويأمر فلا يطاع، ولو بلغنا أنك أقبلت إلينا لأخرجناه عنا حتى يلحق بالشام، فأقبل إلينا فلعل الله تعالى يجمعنا بك على الحق والسلام عليك يا ابن رسول الله ورحمة الله وبركاته.

ثم طووا الكتاب وختموه ودفعوه إلى عبدالله بن سبيع الهمداني وعبدالله ابن مسمع بن بكري (2). قال: فقرأ الحسين عليه السلام الكتاب وسكت، ولم يجبهم بشيء، ثم قدم عليه قيس بن مسهر الصيداوي وعبدالله بن عبدالرحمن الأرحبي وعامر

(1) ابتز: اغتصب.

(2) في المقتل: عبدالله بن مسمع البكري.

( 170 )

ابن عبيد السكوني (1) وعبدالله بن وال التيمي ومعهم نحو من مائة وخمسين كتاباً من الرجل والثلاثة والأربعة يسألونه القدوم عليهم والحسين عليه السلام يتأنى فلا يجيبهم بشيء.

ثم قدم عليه بعد ذلك هانىء بن هانىء السبيعي وسعيد بن عبدالله الحنفي بهذا الكتاب، وهو آخر كتاب ورد عليه من الكوفة:

بسم الله الرحمن الرحيم

إلى الحسين بن أميرالمؤمنين ، من شيعته وشيعة أبيه علي أميرالمؤمنين عليه السلام.

أما بعد:

فإن الناس ينتظرونك لا رأي لهم غيرك فالعجل العجل يا ابن رسول الله، فقد اخضرت الحبات (2)، واينعت الثمار، وأعشبت الأرض، وأورقت الأشجار، فاقدم إذا شئت، فإنما تقدم على جند مجندة لك، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.

فقال الحسين لهانىء بن هانىء السبيعي وسعيد بن عبدالله، خبراني، من اجتمع على هذا الكتاب الذي كتب معكما إلي؟

فقالا: يا بن رسول الله، اجتمع عليه شبث بن ربعي وحجار بن أبجر ويزيد بن الحارث، وذكروا له جماعة.

(1) في المقتل: السلوكي.

(2) في المقتل: الجناب.

والجناب: الفناء وما قرب من محلة النوم.

( 171 )

فقام الحسين عليه السلام وتطهر (1) وصلى ركعتين بين الركن والمقام، ثم انفتل من صلاته وسأل ربه الخيرة، ثم كتب إلى أهل الكوفة:

من الحسين بن علي إلى الملأ من المؤمنين. سلام عليكم. أما بعد:

فإن هانىء بن هانىء وسعيد بن عبدالله قدما علي من رسلكم، وقد فهمت ما اقتصصتم، ولست اقصر عما أحببتم، وقد ارسلت إليكم أخي وابن عمي مسلم بن عقيل بن أبي طالب، وقد أمرت أن يكتب إلي بحالكم ورأيكم، وهو متوجه إلى ما قبلكم إن شاء الله، فإن كنتم على ما قدمت به رسلكم فقوموا مع ابن عمي وبايعوه ولا تخذلوه، فلعمري ما الامام العامل بالكتاب والعادل (2) بالقسط كالذي يحكم بغير الحق، جمعنا الله وإياكم على الهدى، وألزمنا وإياكم كلمة التقوى، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته (3).

(1) في المقتل: وتوضأ.

(2) في المقتل: القائم .

(3) مقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي: 1/190 ـ 196.

( 172 )

فصل

في إرسال مسلم بن عقيل إلى الكوفة :

ثم دعا الحسين عليه السلام بمسلم بن عقيل رضي الله عنه ودفع إليه الكتاب وقال: إني موجهك إلى أهل الكوفة، وهذه كتبهم إلي، وسيقضي الله من أمرك ما يحب ويرضى، وأنا أرجو أن أكون أنا وأنت في درجة الشهداء، فامض على بركة الله وعونه حتى تدخل الكوفة، فإذا دخلتها فانزل عند أوثق أهلها وادع الناس إلى طاعتي، فإن رأيت الناس مجتمعين على بيعتي فعجل علي بالخبر حتى أعمل على حسب ذلك إن شاء الله تعالى.

قال: ثم عانقه الحسين وبكيا جميعاً، وكان الحسين عليه السلام ينظر إلى مصرعه، فخرج مسلم من مكة قاصداً المدينة مستخفياً لئلا يعلم به بنو امية، فلما دخل المدينة بدأ بمسجد النبي صلى الله عليه وآله فصلى عنده، ثم أقبل (1) في جوف الليل، فودع أهل بيته، ثم استأجر دليلين من قيس عيلان يدلانه على الطريق، ويمضيان به إلى الكوفة على غير الجادة، فخرج الدليلان به من المدينة ليلاً وسارا فأضلاً الطريق، واشتد بهما العطش فماتا عشطاً، وسار (2) مسلم ومن معه إلى الماء وقد كادوا أن يهلكوا عطشاً، فكتب مسلم إلى الحسين عليه السلام:

(1) في المقتل: خرج.

(2) في المقتل: وصار.

( 173 )

بسم الله الرحمن الرحيم

أما بعد: فإني خرجت من المدينة ليلاً مع دليلين استأجرتهما فضلا عن الطريق واشتد بهما العطش فماتا، ثم صرنا إلى الماء بعد ذلك ـ وقد كدنا نهلك ـ وأصبنا الماء بموضع يقال له (المضيق) وقد تطيرت من وجهي، فرأيك في إعفائي.

فعلم الحسين عليه السلام أنه قد تشأم وتطير، فكتب إليه:

 بسم الله الرحمن الرحيم

من الحسين بن علي إلى مسلم بن عقيل ] (2)

أما بعد:

فقد خشيت أن لا يكون حملك على الكتاب إلي والاستعفاء من وجهك إلا الجبن والفشل، فامض لما امرت به.

فلما وصل الكتاب إليه وجد هماً وحزناً في نفسه، ثم قال: لقد نسبني أبو عبدالله إلى الجبن، ثم سار مسلم حتى دخل الكوفة. (3)

وكتب الحسين عليه السلام كتاباً إلى اشراف البصرة مع مولى له يقال له سليمان ويكنى أبا رزين يدعوهم فيه إلى نصرته ولزوم طاعته، منهم: يزيد بن مسعود النهشلي، والمنذر بن الجارود العبدي، فجمع يزيد بن مسعود بني تميم وبني حنظلة وبني سعد، فلما حضروا قال: يا بني تميم، كيف ترون موضعي فيكم، وحسبي منكم؟

(1 و 2) من المقتل.

(3) مقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي: 1/196 ـ 197.

( 174 )

قالوا: بخ بخ، أنت والله فقرة الظهر، ورأس الفخر، حللت في الشرف وسطاً، وتقدمت فيه فرطاً. قال: فإني قد جمعتكم لأمر اريد أن اشاوركم فيه وأستعين بكم عليه. فقالوا: والله إنا نمنحك النصيحة، ونجهد لك الرأي، فقل نسمع.

فقال: إن معاوية مات فأهون به هالكاً مفقوداً، وإنه قد انكسر باب (1) الجور، وتضعضعت أركان الظلم، وقد كان أحدث بيعة عقد بها أمراً ظن أنه قد أحكمه، وهيهات بالذي أراد، اجتهد إليه ففشل، وشاور فخذل،وقد قام يزيد ـ شارب الخمر ورأس الفجور ـ يدعي الخلافة على المسلمين، ويتأمر عليهم، مع قصر حلم، وقلة علم، لا يعرف من الحق موطىء قدمه، فاقسم بالله قسماً مبروراً ان الجهاد في الدين أفضل من جهاد المشركين.

وهذا الحسين بن علي ابن بنت رسول الله عليه وآله، ذو الشرف الأصيل والرأي الأثيل، (له) (2) فضل لا يوصف، وعلم لا ينزف، وهو أولى بهذا الأمر لسابقته وسنه وقدمه وقرابته، يعطف على الصغير، ويحنو على الكبير، فأكرم به راعي رعية، وإمام قوم وجبت لله به الحجة، وبلغت به الموعظة، فلا تعشوا عن نور الحق، ولا تسكعوا (3) في وهدة الباطل، فقد كان صخر بن قيس قد انخذل (4) بكم يوم الجمل، فاغسلوها بخروجكم إلى ابن رسول الله عليه وآله ونصرته، والله لا يقصر أحد عن نصرته إلا أورثه الله الذل في ولده،

(1) كذا في الملهوف، وفي الأصل: انكسرت نار.

(2) من الملهوف.

(3) التسكع: التمادي في الباطل.

(4) كذا في الملهوف، وفي الأصل: فقد صخر بن قيس انخذل.

( 175 )

والقلة في عشيرته، وها أنذا قد لبست للحرب لامتها، وأدرعت لها بدرعها، من لم يقتل يمت، ومن يهرب لم يفت، فأحسنوا رحمكم الله في رد الجواب.

فتكلمت بنو حنظلة، فقالوا: يا أبا خالد، نحن نبل كنانتك، وفرسان عشيرتك، إن رميت بنا أصبت، وإن غزوت بنا فتحت، لا تخوض والله غمرة إلا خضناها، ولا تلقى والله شدة إلا لقيناها، نصول (1) بأسيافنان ونقيك بأبداننا.

وتكلمت بنو سعد بن زيد، فقالوا: يا أبا خالد، إن أبغض الأشياء إلينا مخالفتك والخروج من رأيك (2)، وقد كان صخر بن قيس أمرنا بترك القتال فحمدنا أمرنا وبقي عزنا فينا، فأمهلنا نراجع المشورة ويأتيك رأينا.

وتكلمت بنو عامر بن تميم، فقالوا: يا أبا خالد، نحن بنو أبيك وخلفاؤك (3)، ولا نرضى إن غضبت، ولا نقطن إن ضعنت، والأمر إليك، فادعنا نجبك، وأمرنا نطعك، والأمر لك إذا شئت.

فقال: والله يا بني سعد، لئن فعلتموها لارفع الله السيف عنكم أبداً، ولا زال سيفكم فيكم. ثم كتب إلى الحسين عليه السلام:

بسم الله الرحمن الرحيم

أما بعد:

فقد وصل إلي كتابك، وفهمت ما ندبتني إليه ودعوتني له بالأخذ بحظي من طاعتك، والفوز بنصيبي من نصرتك، وأن الله لم يخل الأرض قط من عامل

(1) في الملهوف: ننصرك.

(2) في الملهوف: خلافك والخروج عن رأيك.

(3) في الملهوف: وحلفاؤك.

( 176 )

عليها بخير، أو دليل على سبيل نجاة، وأنتم حجة الله على الخلق ووديعته في أرضه، تفرعتم من زيتونة أحمدية، هو أصلها، وأنتم فرعها، فأقدم سعدت بأسعد طائر، فقد ذللت لك أعناق بني تميم وتركتهم أشد تتابعاً في طاعتك من الإبل الظماء لورود الماء يوم خمسها، وقد ذللت لك بني سعد وغسلت درك صدورها بماء سحابة مزن حين استهل برقها يلمع. (1)

فلما قرأ الحسين عليه السلام الكتاب، قال: مالك آمنك الله يوم الخوف، وأعزك وأرواك يوم العطش، فلما تجهز المشار إليه للخروج إلى الحسين عليه السلام بلغه قتله قبل أن يسير، فجزع (2) من انقطاعه عنه.

وأما المنذر بن الجارود خاف أن يكون الكتاب دسيساً من عبيدالله بن زياد، وكانت بحرية ابنة المنذر بن الجارود تحت عبيدالله بن زياد فأخذ المنذر الرسول والكتاب وأتى به إلى عبيد الله بن زياد فقتله، ثم صعد المنبر فخطب وتوعد الناس من أهل البصرة على الخلاف وإثارة الإرجاف.

ثم بات تلك الليلة، فلما أصبح استناب أخاه عثمان بن زياد على البصرة، وأسرع هو إلى الكوفة. (3) ولما دخل مسلم الكوفة ـ وكان قبل وصول ابن زياد إليها ـ نزل في دار مسلم (4) بن المسيب، وهي دار المختار بن ابي عبيدة الثقفي.

قال: وجعلت الشيعة تختلف إليه وهو يقرأ عليهم كتاب الحسين عليه

(1) في الملهوف : حتى استهل برقها فلمع.

(2) كذا في الملهوف، وفي الأصل: فخرج.

(3) الملهوف على قتلى الطفوف: 110 ـ 114.

(4) كذا في المقتل، وفي الأصل: سالم.

( 177 )

السلام، والقوم يبكون شوقاً منهم إلى مقدم الحسين عليه السلام، ثم تقدم إلى مسلم رجل من همذان يقال له عابس الشاكري، فقال:

أما بعد، فإني لا اخبرك عن الناس بشيء، فإني لا أعلم ما في أنفسهم، ولكني اخبرك عما أنا موطن عليه نفسي، والله لأجيبنكم إذا دعوتم، ولا قاتلن معكم عدوكم، ولأضربن بسيفي دونكم حتى ألقى الله، لا اريد بذلك إلا ما عنده.

ثم قام حبيب بن مظاهر الأسدي الفقعسي، فقال: أنا والله الذي لا إله إلا هو على مثل ما أنت عليه.

قال: وتتابعت الشيعة على كلام هذين الرجلين، ثم بذلوا لمسلم الأموال، فلم يقبل منها (1) شيئاً.

قال: وبلغ النعمان بن بشير قدوم مسلم واجتماع الشيعة إليه وهو يومئذ أمير الكوفة، فخرج من قصر الامارة مغضباً حتى دخل المسجد الأعظم، فنادى في الناس وصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال:

أما بعد، يا أهل الكوفة، اتقوا الله ربكم ولا تسارعوا إلى الفتنة والفرقة، فإن فيها سفك الدماء، وقتل الرجال، وذهاب الأموال، واعلموا أني لست اقاتل إلا من قاتلني،ولا أثب إلا من وثب علي، ولا انبه نائمكم، فإن أنتم انتهيتم عن ذلك ورجعتم وإلا فوالله وإلا فوالله الذي لا إله إلا هو لأضربنكم بسيفي ما بقي قائمه في يدي (2)، ولو لم يكن منكم ناصر، إني أرجو أن يكون من يعرف الحق منكم أكثر ممن يريد البطل.

(1) في المقتل: منهم.

(2) في المقتل: ما ثبت قائمه بيدي.

( 178 )

فقام إليه عبدالله بن مسلم (1) بن سعيد الحضرمي فقال: ايها الأمير، إن هذا الذي (2) أنت عليه من رأيك إنما هو رأي المستضعفين.

فقال له النعمان بن بشير، يا هذا، والله لأن أكون مستضعفاً (3) في طاعة الله تعالى أحب إلي من أن أكون من الغاوين في معصية الله، ثم نزل عن المنبر ودخل القصر، فكتب عبدالله بن مسلم (4) إلى يزيد لعنه الله:

(بسم الله الرحمن الرحيم)

(5) لعبد الله يزيد أميرالمؤمنين من شيعته من أهل الكوفة. أما بعد:

إن مسلم بن عقيل قدم الكوفة، وقد بايعته الشيعة للحسين عليه السلام وهم خلق كثير، فإن كانت لك بالكوفة حاجة فابعث اليها رجلاً قوياً ينفذ فيا أمرك، ويعمل فيها كعملك في عدوك، فإن النعمان بن بشير ضعيف أو هو مستضعف (6)، والسلام.

وكتب إليه عمارة بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط وعمر بن سعد بن أبي وقاص بمثل ذلك، فلما اجتمعت الكتب عند يزيد لعنه الله دعا بغلام كان لأبيه يقال له سرجون فأعلمه بما ورد عليه، فقال له: أشير عليك بما تكره.

(1) في المقتل: فقام إليه مسلم.

(2) كذا في المقتل، وفي الأصل: الحضرمي أيها انها الذي.

(3) في المقتل: والله لئن أكونن من المستضعفين.

(4) كذا في المقتل، وفي الأصل: سعيد.

(5) من المقتل.

(6) في المقتل: يتضعف.

( 179 )

قال: وإن كرهت. قال: استعمل عبيدالله بن زياد على الكوفة.

قال: إنه لا خير فيه ـ وكان يزيد يبغضه ـ فأشر بغيره، فقال: لو كان معاوية حاضراً أكنت تقبله منه؟

قال: نعم. قال: فهذا عهد عبيدالله على الكوفة، أمرني معاوية أن أكتبه فكتبته وخاتمه عليه، فمات وبقي العهد عندي. قال: ويحك قد أمضيته (1)، ثم كتب: من عبدالله يزيد إلى عبيدالله بن زياد. سلام عليك.

أما بعد:

فإن الممدوح مسبوب يوماً، والمسبوب ممدوح يوماً، ولك مالك، وعليك ما عليك، وقد انتميت ونميت إلى كل منصب، كما قال الأول:

رفعت فجاوزت السحاب برفعة     فمالك إلا مقعد الشمس مقعد

وقد ابتلي زمانك بالحسين من بين الأزمان، وابتلي (به) (2) بلدك من دون البلدان، وابتليت به من بين العمال، وفي هذه تعتق أو تكون عبداً تعبد كما تعبد العبيد، وقد أخبرتني شيعتي من أهل الكوفة ان مسلم بن عقيل في الكوفة يجمع المجموع، ويشق عصا المسلمين، وقد اجتمع إليه خلق كثير من شيعة أبي

(1) في المقتل: ويحك فامضه.

(2) من المقتل.

( 180 )

تراب، فإذا أتاك كتابي هذا فسرحين تقرأه حتى تقدم الكوفة فتكفيني أمرها فقد ضممتها إليك، وجعلتها زيادة في عملك، فاطلب مسلم بن عقيل طلب الخرز، فإذا ظفرت به فخذ بيعته أو اقتله إن لم يبايع، واعلم أنه لا عذر لك عندي دون ما أمرتك، فالعجل العجل، الوحاء (1) الوحاء، والسلام.

ثم دفع الكتاب إلى مسلم بن عمرو الباهلي وأمره أن يسرع (السير إلى عبيدالله) (2)، فلما ورد الكتاب على ابن زياد وقرأه أمر بالجهاز وتهيأ للمسير وقد كان الحسين قد كتب إلى أهل البصرة كما أشرنا أولاً.

فسار وفي صحبته مسلم بن عمرو والباهلي، والمنذر بن جارود، وشريك ابن عبدالله الهمداني، فلما وصل قريب الكوفة نزل، فلما أمسى دعا بعمامة سوداء فاعتم بها متلثماً، ثم تقلد سيفه، وتوشح قوسه، وأخذ في يده قضيباً، واستوى على بغل له، وركب معه أصحابه، وأقبل حتى دخل من طريق البادية، وذلك في ليلة مقمرة والناس متوقعون قدوم الحسين عليه السلام، وهم لا يشكون انه الحسين فهم يمشون بين يديه ويقولون: مرحباً بك يا ابن رسول الله، قدمت خير مقدم.

فرأى عبيدالله بن زياد من إرادة (3) الناس بالحسين ما ساءه، فسكت ولم يكلمهم، فتكلم مسلم بن عمرو الباهلي، وقال: إليكم عن الأمير يا ترابية، فليس هذا من تظنون، هذا عبيدالله بن زياد.

فتفرق الناس عنه، وتحصن النعمان بن بشير وهو يظنه الحسين، فجعل

(1) الوحاء: الاسراع.

(2) من المقتل.

(3) في المقتل: تباشير.

( 181 )

يناشده الله والفتنة، وهو ساكت من وراء الحائط، ثم قال له: افتح الباب عليك لعنة الله، وسمعها جماعة فصاحوا: ابن مرجانة والله، وفتح الباب، وتفرق الناس، ونودي بالصلاة جامعة، فاجتمع الناس فخرج ابن زياد وقام خطيباً وقال: إن أميرالمؤمنين يزيد ولاني مصركم وثغركم، وأمرني بإنصاف المظلوم منكم، وإطاء محرومكم، والاحسان إلى سامعكم، والشدة على مريبكم، وأنا متبع أمره، ومنفذ فيكم عهده، فأنا لمحبكم ومطيعكم كالوالد البار، وسيفي وسوطي على من ترك أمري.

وسمع مسلم بن عقيل بمجيء ابن زياد ومقالته، فانتقل عن موضعه حتى أتى دار هانىء بن عروة المذحجي (1)، فدخل، ثم أرسل إليه: إني أتيتك لتجيرني وتؤويني لأن ابن زياد قدم الكوفة، فاتقيته على نفسي، فخرج إليه هانىء، وقال: لقد كلفتني شططاً، ولولا دخولك (داري) (2) لأحببت أن تنصرف عني، غير أني أجد ذلك عاراً علي أن يكون رجلاً أتاني مستجيراً فلا اجيره، انزل على بركة الله.

وجعل عبيدالله يسأل عن مسلم ولا يجد أحداً يرشده إليه، وجعلت الشيعة تختلف إلى مسلم في دار هانىء ويبايعونه للحسين سراً، ومسلم بن عقيل يكتب أسماءهم عنده ويأخذ عليهم العهود ألا ينكثوا ولا يغدروا حتى بايعه أكثر من عشرين ألفاً، وهم مسلم أن يثب بعبيدالله بن زياد فمنعه هانىء، وقال: جعلت فداك، لا تعجل فإن العجلة لا خير فيها.

(1) في المقتل: المرادي.

(2) من المقتل.

( 182 )

ودعا عبيدالله مولى له يقال له معقل، وقال له: هذه ثلاثة آلاف (1) درهم خذها إليك والتمس مسلم بن عقيل حيث ما كان من الكوفة، فإذا علمت (2) موضعه فادخل عليه وأعلمه أنك من الشيعة وعلى مذهبه، وادفع إليه هذه الدراهم، وقل: استعن بها على عدوك، فإنك إذا دفعت إليه الدراهم وثق ولم يكتمك من أمره شيئاً، ثم اغد علي بالأخبار.

فأقبل معقل حتى دخل المسجد الأعظم، فنظر إلى رجل من الشيعة يقال له مسلم بن عوسجة، فجلس إليه، ثم قال: يا عبدالله، أنا رجل من أهل الشام غير أني احب أهل هذا البيت، ومعي ثلاثة آلاف درهم أحببت أن أدفعها إلى رجل بلغني انه قدم إلى بلدكم هذا ليأخذ البيعة لابن رسول الله صلى الله عليه وآله، فإن رأيت أن تدلني عليه حتى أدفع إليه المال الذي معي وابايعه، وإن شئت فخذ بيعتي قبل أن تدخلني (3) عليه.

قال: فظن مسلم أن القول على ما يقوله: فأخذ عليه الأيمان المغلظة والعهود انه ناصح ويكون عوناً لابن عقيل على ابن زياد، وأعطاه معقل من العهود ما وثق به مسلم بن عوسجة.

وكان شريك بن عبدالله الأعور الهمداني قد نزل في دار هانىء (4) ، وكان يرى رأي علي بن أبي طالب عليه السلام، وحكى معجزاته عليه السلام، ثم مرض شريك في دار هانىء وعزم ابن زياد أن يصير إليه، ودعا شريك مسلماً

(1) كذا في المقتل، وفي الأصل: هذه ألف.

(2) في المقتل: عرفت.

(3) في المقتل: تدلني.

(4) في (ح): وكانت اخت هانىء زوجة شريك قيل: منعته من قتل...

( 183 )

بن عقيل، وقال له: غداً يأتيني هذا الفاسق عائداً، وإني اشاغله بالكلام فاخرج عليه واقتله، واجلس في قصر الامارة، وإن أنا عشت فسأكفيك أمر البصرة، ثم جاء ابن زياد حين أصبح عائداً شريك فجعل يسأله، فهم مسلم بن عقيل أن يخرج عليه فيقتله، فمنعه هانىء عن الخروج، وقال: في داري نسوة وصبية وإني لا آمن الحدثان، وجعل شريك يقول:

ما الإنتظار بسلمـى أن تحييـها      حي سليمى وحي مـن يـحييها

هل شربة عندها اسقى على ظمأ      وإن تلفت وكانت منيتي فيها(1)

فقال ابن زياد: ما يقول الشيخ؟

فقيل: إنه مبرسم (2)، فوقع في قلب ابن زياد أمر، فركب من فوره ورجع إلى القصر، وخرج مسلم بن عقيل إلى شريك من داخل البيت، فقال: ما منعك من الخروج إلى الفاسق وقد أمرتك بقتله؟ فقال: (منعنى من ذلك) (3) حديث سمعته من عمي علي بن أبي طالب عليه السلام قال: لا إيمان لمن قتل بالغدر مسلماً (4)، فلم احب أن أقتله به في منزل هذا الرجل.

فقال شريك: أما لو قتلته قتلت فاسقاً فاجراً منافقاً كافراً.

(1) البيت الثاني في المقتل هكذا:

ثم اسقنيها وإن تجلب علي ردى     فتلك أحلى من الدنيا وما فيها

وأما في (ح) فقد ورد هذان البيتان:

وإن تخشيت من سلمى مراقبة     فليس تأمن يومـاً من دواهـيها

لا تطمأن إلى سلمى وتأمنـها      اخرج إليها بكأس الموت اسقيها

(2) البرسام: علة معروفة.

(3) من المقتل.

(4) في المقتل: الايمان قيد الفتك.

( 184 )

قال: فلم يلبث (1) شريك بعدها إلا ثلاثاً حتى مات رحمه الله، وكان من خيار الشيعة وعبادها، وكان يكتم الايمان تقية.

وخرج ابن زياد فصلى على شريك ورجع إلى القصر، فلما كان من الغد أقبل معقل على مسلم بن عوسجة وقال: إنك كنت وعدتني أن تدخلني على هذا الرجل لأدفع إليه هذا المال فما الذي بدا لك؟

فقال: إنا اشتغلنا بموت هذا الرجل وكان من خيار الشيعة. فقال معقل: أو مسلم بن عقيل في دار هانىء؟

قال: نعم. قال: قم بنا إليه حتى أدفع إليه هذا المال، فأخذ بيده وأدخله على مسلم، فرحب به وأدناه، وأخذ بيعته وأمر بقبض ما معه من المال، وأقام معقل في دار هانىء بقية يومه حتى أمسى، ثم أتى ابن زياد فخبره الخبر، فبقي ابن زياد متعجباً لذلك، ثم قال لمعقل: اختلف كل يوم إلى مسلم ولا تنقطع عنه فإنك إن قطعته استراب وخرج من منزل هانىء فالقى في طلبه عناء.

ثم دعا ابن زياد محمد بن الأشعث لعنه الله وأسماء بن خارجة الفزاري وعمرو بن الحجاج، وكانت رويحة بنت عمرو تحت هانىء، فقال ابن زياد: خبروني ما الذي يمنع هانىء من المصير إلينا؟

فقالوا أصلح الله الأمير، إنه مريض. فقال ابن زياد: إنه كان مريضاً غير أنه برأ، وجلس على باب داره، فلا عليكم أن تصيروا إليه وتأمروه أن لا يدع ما يجب عليه من حقنا.

(1) كذا في المقتل، وفي الأصل: قال: ثم فما لبث.

( 185 )

فقالوا: نفعل ذلك، فبينا عبيدالله بن زياد مع هؤلاء القوم في المحاورة إذ دخل عليه رجل من أصحابه يقال له مالك بن يربوع التميمي، فقال: أصلح الله الأمير، إني كنت خارج الكوفة أجول على فرسي إذ نظرت إلى رجل خرج من الكوفة مسرعاً يريد البادية فأنكرته، ثم إني لحقته وسألته عن حاله، فذكر انه من أهل المدينة، ثم نزلت عن فرسي ففتشته، فأصبت معه هذا الكتاب، فأخذه ابن زياد ففضه فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم إلى الحسين بن علي. أما بعد:

فإني اخبرك انه بايعك من أهل الكوفة نيفاً على عشرين ألف رجل، فإذا أتاك كتابي فالعجل العجل، فإن الناس كلهم معك، وليس لهم في يزيد هوى.

فقال ابن زياد: أين هذا الرجل الذي أصبت (1) معه الكتاب؟

قال: هو بالباب.

فقال: ائتوني به، فلما وقف بين يديه، قال: ما اسمك؟

قال: عبدالله بن يقطين (2). قال: من دفع إليك هذا الكتاب؟ قال: دفعته إلي امرأة لا أعرفها، فضحك ابن زياد، وقال: اختر أحد اثنتين: إما أن تخبرني من دفع إليك الكتاب، أو القتل؟

(1) ارسل ـ خ ل ـ.

(2) في المقتل: يقطر.

( 186 )

فقال: أما الكتاب فإني لا اخبرك، وأما القتل فإني لا أكرهه لأني لا أعلم قتيلاً عند الله أعظم أجراً ممن يقتله مثلك.

قال: فأمر به، فضربت عنقه رضي الله عنه.

ثم أقبل على محمد بن الأشعث وعمرو بن الحجاج وأسماء بن خارجة، وقال: صيروا إلى هانىء فاسألوه أن يصير إلينا فإنا نريد مناظرته، فأتوا هانىء وهو جالس على باب داره، فسلموا عليه، وقالوا: ما يمنعك من إتيان الأمير وقد ذكر غير مرة؟

فقال: ما منعني من المصير إليه إلا العلة.

فقالوا: صدقت، ولكنه بلغه انك تقعد على باب دارك في كل عشية، وقد استبطأك والابطاء والجفاء لا يحتمله السلطان، ونحن نقسم عليك إلا ما ركبت معنا، فدعا هانىء بثيابه فلبسها، ثم ركب وسار مع القوم حتى إذا صار بباب القصر كأن نفسه أحست بالشر فالتفت إلى حسان بن أسماء، فقال: يا ابن أخي، إن نفسي تحدثني بالشر.

فقال حسان: سبحان الله يا عم! ما أتخوف عليك فلا تحدثن نفسك بشيء، ثم دخل القوم على ابن زياد، فلما نظر إليهم من بعيد التفت إلى شريح القاضي وكان في مجلسه، فقال: (أتتك بخائن رجلاه) (1)، وأنشد:

اريد حياته ويريد قتلي     خليلي من عذيري (2) من مراد

فقال هانىء: وما ذاك، أيها الأمير؟

(1) مثل جاهلي.

(2) في المقتل: عذيري من خليل.

( 187 )

فقال: يا هانىء، جئت بمسلم بن عقيل وجمعت له الرجال والسلاح في الدور حولك ، وظننت أن ذلك يخفى علي؟

قال هانىء: ما فعلت.

فقال ابن زياد: بل فعلت، ثم استدعى بمعقل حتى وقف بين يديه، فقال ابن زياد: أتعرف هذا؟

فنظر هانىء إلى معقل فعلم أنه كان عيناً عليهم، فقال هانىء: أصلح الله الأمير، والله ما بعثت إلى مسلم ولا دعوته، ولكنه جاءنى مستجيراً فاستحييت من رده وأخذني من ذلك ذمام، فأما إذ علمت فخل سبيلي حتى أرجع إليه وآمره أن يخرج من داري، واعطيك، وأعطيك من العهود والمواثيق ما تثق به اني أرجع إليك واضع يدي في يدك.

فقال ابن زياد: والله لا تفارقني أو تأتيني بمسلم.

فقال: إذاً والله لا آتيك به، أنا آتيك بضيفي تقتله أيكون هذا في العرب؟! فقال ابن زياد: والله لتأتيني به.

فقال هانىء: والله لا آتيك به.

قال: فتقدم مسلم بن عمرو الباهلي، فقال: أصلح الله الأمير، ائذن لي في كلامه.

فقال: كلمه بما أحببت ولا تخرجه من القصر، فأخذ مسلم بن عمرو بيد هانىء فتحاه ناحية، فقال: ويحك يا هانىء انشدك الله (1) ان تقتل نفسك

(1) لفظ الجلالة أثبتناه من المقتل.

( 188 )

وتدخل البلاء على عشيرتك بسبب مسلم، يا هانىء سلمه إليه فإنه لا يقدم عليه بالقتل، واخرى انه ليس عليك من ذلك ملامة فإن ه سلطان.

فقال هانىء: بلى والله علي من ذلك أعظم عار وأكبر (1) خزي إن اسلم جاري وضيفي، ورسول ابن رسول الله لو لم أكن إلا وحدي لا ناصر لي لما سلمت أبداً ضيفي حتى أموت دونه، فرده مسلم بن عمرو إلى ابن زياد وقال: أيها الأمير، إنه أبى أن يسلم مسلماً او يقتل، فغضب ابن زياد، وقال: ائتيني به وإلا ضربت عنقك.

فقال: والله إذا تكثر البارقة حول دارك. فقال ابن زياد: أبالبارقة تخوفني؟ ثم أخذ قضيباً كان بيد يديه فضرب به وجه هانىء حتى كسر أنفه وشج حاجبه. قال: وضرب هانىء بيده إلى قائم سيف من سيف أصحاب عبيدالله فجاذبه الرجل ومنعه من السيف، وصاح ابن زياد: خذوه، فأخذوه وألقوه في بيت من بيوت القصر وأغلقوا عليه بابه.

قال: فوثب أسماء بن خارجة، فقال: أيها الأمير أمرتنا بالرجل أن نأتيك به، فلما جئناك به هشمت وجهه وسيلت دمه.

قال: وأنت هاهنا أيضاً، فأمر به فضرب حتى وقع لجنبه، فجلس أسماء ابن خارجة ناحية من القصر وهو يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، إلى نفسي

(1) كذا في المقتل، وفي الأصل: أكثر.

(2) في المقتل: صحيح شديد الساعدين.

( 189 )

أنعاك يا هانىء.

قال: وبلغ ذلك الخبر إلى مذحج فركبوا بأجمعهم وعليهم عمرو بن الحجاج فوقفوا بباب القصر، ونادى عمرو: يا ابن زياد، هذه فرسان مذحج لم نخلع طاعة ولا فارقنا جماعة، فلم تقتل صاحبنا؟

فقال ابن زياد لشريح: ادخل على صاحبهم، فانظر إليه، ثم اخرج إليهم وأعلمهم أنه لم يقتل.

قال شريح: فدخلت عليه، فقال: ويحكم هلكت عشيرتي، أين أهل الدين فينقذوني من يد عدوهم وابن عدوهم؟ (ثم قال) (1) والدماء تسيل على لحيته: يا شريح ، هذه أصوات عشيرتي أدخل منهم عشرة ليروني وينقذوني، فلما خرجت تبعني حمير بن بكير وقد بعثه ابن زياد علي عيناً، فلو لا مكانه لأخبرت القوم بخبره.

قال: فخرج شريح، فقال: يا هؤلاء، لا تعجلوا بالفتنة، فإن صاحبكم لم يقتل، فانصرف القوم.

ثم خرج ابن زياد حتى دخل المسجد الأعظم، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم التفت فنظر إلى أصحابه عن يمين المنبر وشماله في أيديهم الأعمدة والسيوف، فقال: أما بعد، يا أهل الكوفة، اعتصموا بطاعة الله ورسوله وطاعة أئمتمكم، ولا تختلفوا فتهلكوا وتندموا وتذلوا وتقهروا، ولا يجعلن أحد على نفسه سبيلاً، وقد أعذر من أنذر، فما أتم الخطبة حسناً حتى سمع الصيحة، فقال: ما هذا؟

(1) من المقتل.

( 190 )

فقيل: أيها الأمير، الحذر الحذر، فهذا مسلم بن عقيل قد أقبل في جميع من (1) بايعه، فنزل عن المنبر مسرعاً وبادر حتى دخل القصر وأغلق عليه الأبواب، فأقبل مسلم بن عقيل ومعه ثمانية عشر ألفاً أو يزيدون، وبين يديه الأعلام والسلاح وهم مع ذلك يلعنون ابن زياد ويزيد وزياد، وكان شعارهم: (يا منصور أمت).

وكان مسلم قد عقد لعبد الله الكندي على كندة وقدمة أمام الخيل، وعقد لمسلم بن عوسجة على مذحج(وأسد) (2) ، وعقد لأبي تمامة بن عمر الصائدي على تميم وهمدان، وعقد لعباس بن جعدة الجدلي على أهل المدينة، وأقبل مسلم يسير حتى أحاط بالقصر وليس في القصر إلا نحواً من ثلاثين رجلاً من الشرط، ومقدار عشرين من الأشراف، وركب أصحاب ابن زياد واختلط القوم واقتتلوا قتالاً شديداً، وابن زياد في جماعة من الأشراف قد وقفوا على جدار القصر ينظرون إلى محاربة الناس،

قال: وجعل رجل من أصحاب ابن زياد يقال له كثير بن شهاب ومحمد ابن الأشعث والقعقاع بن شور (3) وشبث بن ربعي ينادون بأعلى أصواتهم من فوق القصر: ألا يا شيعة الحسين، الله الله في أنفسكم وأهاليكم وأولادكم، فإن جنود الشام قد أقبلت، وإن الأمير عبيدالله قد عاهد الله لئن أقمتم على حربكم ولم تنصرفوا من يومكم ليحر منكم العطاء، وليفرقن مقاتليكم في مغازي أهل الشام، وليأخذن البريء بالسقيم، والشاهد بالغائب حتى لا يبقي منكم بقية من

(1) في المقتل: جمع ممن.

(2) من المقتل.

(3) كذا في المقتل: وفي الأصل: الفقاع بن سويد.

( 191 )

أهل المعصية إلا أذاقها وبال أمرها.

فلما سمع الناس ذلك جعلوا يتسللون ويتخاذلون عن مسلم، ويقول بعضهم لبعض: ما نصنع بتعجيل الفتنة وغداً تأتينا جموع أهل الشام؟ ينبغي لنا أن نقعد في منازلنا وندع هؤلاء القوم حتى يصلح الله ذات بينهم.

قال: وكانت المرأة تأتي أخاها وابنها وزوجها وأباها فتشرده من بين القوم وتقول: ما لنا وللدخول بين السلاطين، فجعل القوم يتسللون والنهار يمضي، فما غابت الشمس حتى بقي مع مسلم عشرة من أصحابه، واختلط الظلام فدخل مسلم المسجد الأعظم ليصلي المغرب فتقرقت عنه العشرة، فلما رأى ذلك استوى على فرسه ومضى في بعض الأزقة وقد اثخن بالجراح لا يدري أين يذهب، حتى صار إلى امرأة يقال لها طوعة، وقد كانت قبل ذلك ام ولد للأشعث بن قيس فتزوجها رجل يقال له اسيد الخضرمي، فولدت له بلال بن اسيد، وكانت المرأة واقفه بباب دارها تنتظر ابنها، فسلم عليها مسلم، فردت عليه.

فقال: يا أمة الله، اسقيني، فسقته، فجلس على بابها.

فقالت: يا عبدالله، ما شأنك، ألست قد شربت؟

فقال: بلى، ولكني ما لي في الكوفة من منزل، وإني لغريب قد خذلني من كنت أثق به، فهل لك في معروف تصطنعيه إلي؟ فإني من أهل بيت شرف وكرم ، ومثلي من يكافىء بالاحسان. فقالت: ومن أنت؟ فقال: يا هذه، ذري عنك التفتيش وأدخليني منزلك فعسى الله أن

( 192 )

يكافيك عنا بالحسنى.

فقالت: يا عبدالله، خبرني باسمك، فإني أكره أن تدخل منزلي من قبل معرفة خبرك، وهذه الفتنة قائمة، وهذا اللعين ابن زياد بالكوفة.

فقال لها: أنا مسلم بن عقيل.

فقالت المرأة: قم فادخل، فأدخلته منزلها فجاءته بالمصباح، وأتته بالطعام فأبى أن يأكل، فلم يكن بأسرع من أن جاء ولدها، فلما دخل رأى من أمه أمراً منكراً من دخولها ذلك البيت وخروجها وهي تبكي.

فقال لها: يا اماه، ما قضيتك (1)؟ فقالت: يا بني، اقبل على شأنك، فلما ألح عليها قالت: يا بني، إني اخبرك بأمر فلا تفشيه، هذا مسلم بن عقيل في ذلك البيت، وكان من قضيته (2) كذا وكذا، فسكت الغلام ولم يقل شيئاً ثم أخذ مضجعه.

فلما أصبح ابن زياد نادى في الناس أن يجتمعوا، ثم خرج من القصر فدخل المسجد وصعد المنبر، وقال: أيها الناس، إن مسلم بن عقيل السفيه أتى هذه البلدة، فأظهر الخلاف وشق العصا، وقد برئت الذمة من رجل أصبناه في داره، ومن جاء به فله ديته، والمنزلة الرفيعة من أميرالمؤمنين يزيد، وله في كل يوم حاجة مقضية، ثم نزل عن المنبر ودعا بالحصين بن نمير، فقال: ثكلتك امك إن فاتتك سكة من سكك الكوفة ان لم تضيق على أهلها أو يهدوك إلى مسلم، فوالله لئن خرج من الكوفة سالماً لتزهقن أنفسنا في طلبه، فانطلق الآن

(1) في المقتل: ما قصتك؟

(2) في المقتل: قصته

( 193 )

فقد سلطتك على دور الكوفة، وسككها، فانصب المراصد، وجد (1) في الطلب حتى تأتيني بهذا الرجل.

وأقبل محمد بن الأشعث حتى دخل على ابن زياد، فلما رآه رحب به، وأقبل ابن تلك المرأة التي مسلم في دارها إلى عبدالرحمن بن محمد بن الأشعث، فخبره بمكان مسلم في دار طوعة، ثم تنحى.

فقال ابن زياد: ما الذي سارك يا عبدالرحمن؟

فقال: أصلح الله الأمير، البشارة الكبرى.

فقال: وما ذاك؟ فأخبره الخبر، فسر عدو الله، وقال: قم فائتني به ولك ما بذلت من الجائزة والحظ الأوفر (2)، ثم أمر ابن زياد خليفته عمرو بن حريث لعنه الله أن يرسل مع محمد بن الأشعث ثلاثمائة رجل من صناديد أصحابه، فركب محمد بن الأشعث حتى وافى الدار.

وسمع مسلم وقع حوافر الخيل وأصوات الرجال فعلم أنه قد أتي، فبادر مسرعاً إلى فرسه فأسرجه وألجمه، وأفرغ عليه لامة حربة، وتقلد بسيفه، والقوم يرمون الدار بالحجارة،ويلهبون النار في أطراف (3) القصب، فتبسم مسلم، ثم قال: يا نفس، اخرجي إلى الموت الذي ليس منه محيص، ثم قال للمرأة: رحمك الله وجزاك خيراً، اعلمي أني ما اتيت إلا من قبل (4) ابنك، ولكن افتحي الباب، ففتحت الباب، وخرج مسلم في وجوه ا لقوم كالأسد المغضب

(1) في المقتل: وخذ

(2) في المقتل: الأوفى.

(3) في المقتل: هواري.

(4) في المقتل: أني ابتليت من قبل.

( 194 )

فجعل يضاربهم بسيفه حتى قتل منهم جماعة كثيرة، وبلغ ذلك ابن زياد فأرسل إلى محمد بن الأشعث يقول: بعثناك إلى رجل واحد لتأتينا به فثلم في أصحابك ثلمة عظيمة، فكيف إذا أرسلناك إلى غيره؟

فأرسل (إليه) (1) ابن الأشعث: أيها الأمير، أتظن (2) أنك بعثتني إلى بقال من بقالي (3) الكوفة، أو جرمقاني من جرامقة الحيرة؟ أو لا تعلم أيها الأمير أنك بعثتني إلى أسد ضرغام، وسيف حسام، في كف بطل همام، من آل خير الأنام؟

فأرسل إليه ابن زياد أن أعطه الأمان فإنك لا تقدر عليه إلا به. (4)

فجعل محمد بن الأشعث يناديه: ويحك يا مسلم لا تقتل نفسك لك الأمان، ومسلم يقول: لا حاجة لي في أمان الغدرة الفجرة، ثم جعل يقاتلهم وهو يقول:

أقـسمت  لا اقـتل إلا حراً      وإن رأيت الموت شيئاً نكرا
أكـره  أن اخـدع أو اغرا      أو يـخلط البارد سخناً حراً
كل امرىءٍ يوماً سيلقى شراً      أضربكم ولا أخاف ضراً(5)

(1) من المقتل.

(2) كذا في المقتل، وفي الأصل: انظر.

(3) كذا في البحار، وفي الأصل والمقتل: بقاقيل.

(4) من قوله: (حتى قتل منهم جماعة كثيرة) إلى هنا نقله المجلسي رحمه الله في البحار: 44/354 عن كتابنا هذا، وكذا في عوالم العلوم: 17/203.

(5) رويت هذه الأرجاز في المقتل هكذا:

أقـسمت لا أقـتل إلا حراً      وإن رأيت الموت شيئاً مراً
كل امرىء يوماً ملاق شراً      رد شـعاع الشمس فاستقرا
أضـربكم ولا أخاف ضرا      ضرب همام يستهين الدهرا
ويـخلط الـبارد سخنا مرا      ولا  اقـيم لـلأمان قـدرا

أخاف أن اخدع أو أغرا

( 195 )

فناداه ابن الأشعث: ويحك يا ابن عقيل، انك لا تكد ولا تغر، والقوم اليسوا بقاتليك، فلا تقتل نفسك.

فلم يلتفت إليه وجعل يقاتل حتى أثخن الجراح وضعف عن القتال، فتكاثروا عليه من كل جانب، وجعلوا يرمونه بالنبل والحجارة، فقال مسلم: ويلكم ما لكم ترموني بالحجارة كما يرمي الكفار وأنا من أهل بيت النبوة الأبرار؟ ويلكم أما ترعون حق رسول الله صلى الله عليه وآله ولا حق ذريته، ثم حمل عليهم مع ضعفه فهزمهم وكسرهم في الدروب والسكك، ثم رجع وأسند ظهره إلى باب دار من تلك الدور، ورجع القوم إليه، فصاح بهم محمد بن الأشعث، ذروه حتى اكلمه، فدنا منه وقال: ويحك يا مسلم لا تقتل نفسك أنت آمن ودمك في عنقي، وأنت في ذمتي.

فقال مسلم: يا ابن الأشعث، أتظن أني أعطي بيدي يداً وأنا أقدر على القتال؟ لا والله لا كان ذلك، ثم حمل عليه حتى ألحقه بأصحابه، ثم رجع إلى موقعه فوقف وهو يقول: اللهم إن العطش قد بلغ مني فلم يجتريء أحد أن يسقيه ويدنو منه.

فأقبل ابن الأشعث على أصحابه، وقال: والله إن هذا لهو العار والشنار. أن تجزعوا (1) من رجل واحد، فحملوا عليه، وحمل عليهم.

وقال ابن الأشعث: احملوا عليه بأجمعكم حملة رجل واحد، فقصده رجل من أهل الكوفة يقال له بكير بن حمران، فاختلفا بضربتين ضرب بكير ضربة على شفة مسلم العليا وضرب ضربة مسلم بن عقيل فبلغت الضربة إلى

(1) في المقتل: أتجزعون؟

( 196 )

جوفه فسقط قتيلاً فطعن من ورائه، فسقط إلى الأرض، فاخذ أسيراً، ثم اخذ فرسه وسلاحه، وتقدم رجل من بني سليم يقال له عبدالله بن العباس فأخذ عمامته، فجعل يقول: اسقوني شربة.

فقال مسلم بن عمرو الباهلي: لا والله لا تذوق الماء أو تذوق الموت.

فقال له مسلم: ويلك ما أجفاك وأقسى قلبك، أشهد عليك إن كنت من قريش فإنك (1) ملصق، وإن كنت من غير قريش فأنت دعي، من أنت يا عدوالله؟

قال: أنا من عرف الحق إذ أنكرته، ونصح الامام إذ غششته، وسمع وأطاع إذ خالفته، أنا مسلم بن عمرو الباهلي.

فقال له مسلم: لامك الهبل يا ابن باهلة، أنت أولى بالحميم والخلود في نار جهنم، إذ آثرت طاعة آل أبي سفيان على آل رسول صلى الله عليه وآله.

ثم قال: ويحكم يا أهل الكوفة، اسقوني شربة من ماء، فأتاه غلام لعمرو ابن حريث المخزومي بقلة من ماء وقدح قوارير قصب القلة في القدح وناوله، فأخذ مسلم القدح، فلما أراد أن يشرب امتلأ القدح دماً، فلم يقدر أن يشرب من كثرة الدم، وسقطت ثناياه في القدح، فامتنع من شرب الماء فأخذوه وحملوه على بغل، فدمعت عيناه، وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون.

فقال له عبيدالله بن العباس: من يطلب مثل الذي طلبت لا يبكي.

فقال: والله إني لا أبكي على نفسي، ولكن أبكي على أهلي المقبلين ـ أعني الحسين عليه السلام ـ ، ولما اركب البغل ونزع عنه السيف قال لمحمد

(1) كذا في المقتل، وفي الأصل: فأنا.

( 197 )

ابن الأشعث: أتستطيع أن تبعث رجلاً عن لساني يبلغ حسيناً فإني لا أراه إلا قد خرج إلى ما قبلكم هو وأهل بيته فيقول له: إن مسلم بن عقيل بعثني إليك وهو أسير في أيدي العدو يسار (1) به إلى القتل فارجع بأهلك ولا تغتر بأهل الكوفة فإنهم أصحاب أبيك الذين (2) كان يتمنى فراقهم بالموت أو القتل، إن أهل الكوفة قد كذبوني فكذبتك (3).

فقال ابن الأشعث: لأفعلن، ومعنى قول مسلم: (كذبتك): أن مسلم كان قد كتب إليه عليه السلام كتاباً ذكر فيه كثرة من بايعه، فهو معنى قوله (كذبوني فكذبتك)، ثم اتي به وادخل على ابن زياد، فلم يسلم، فقيل له: سلم على الأمير.

فقال مسلم للقائل: اسكت لا ام لك، ما هو لي بأمير فاسلم عليه، واخرى انه ما ينفعني السلام عليه وهو يريد قتلي، فإن استبقاني فسيكثر سلامي عليه.

فقال ابن زياد: لا عليك سلمت أم لا تسلم، إنك مقتول. فقال مسلم: إن قتلتني فقد قتل من هو شر منك من هو خير مني.

ثم قال ابن زياد: يا شاق، يا عاق، خرجت على إمامك، وشققت عصا المسلمين، وألحقت الفتنة. فقال مسلم: كذبت يا ابن زياد، وإنما شق عصا المسلمين معاوية وابنه يزيد، وأما الفتنة فإنما ألقحها أنت وأبوك زياد علج من علوج ثقيف (4)، وأنا

(1) في المقتل: يذهبون.

(2) في المقتل الذي.

(3) في المقتل: كذبوني، فكتبت إليك، وليس لمكذوب رأي.

(4) في المقتل: زياد بن عبيد بن علاج من ثقيف.

( 198 )

أرجو أن يرزقني الله الشهادة على يدي شر خلقه (1)، فوالله ما خلعت ولا غيرت، وإنما أنا في طاعة إمامي الحسين بن علي وابن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله، ونحن (2) أولى بالخلافة من معاوية وابنه وآل زياد.

فقال له ابن زياد: يا فاسق، ألم تكن تشرب الخمر في المدينة؟

فقال المسلم: أحق بشرب الخمر مني من يقتل النفس الحرام، ويقتل على العداوة والغضب والظن وهو في ذلك يلهو ويلعب كأنه لم يصنع شيئاً.

فقال له ابن زياد: يا فاسق، منتك نفسك أمراً حال الله دونه وجعله لأهله.

فقال مسلم: ومن أهله، يا ابن مرجانة؟

فقال: أهله يزيد.

فقال مسلم: الحمد لله، رضينا بالله حكماً بيننا وبينكم؟

فقال ابن زياد: أتظن أن لك من الأمر شيء؟ فقال: لا والله ما هو الظن، ولكنه اليقين. فقال ابن زياد: قتلني الله إن لم أقتلك (شر قتلة) (3). فقال مسلم: أما إنك لا تدع سوء القتلة، وقبيح المثلة، وخبث السريرة، ولؤم الغلبة (4)، والله لو كان معي عشرة ممن أثق بهم وقدرت على شربة من ماء

(1) في المقتل: بريته.

(2) في المقتل: فهو.

(3) من المقتل.

(4) في المقتل: الفعلة.

( 199 )

لطال عليك أن تراني في هذا القصر الملعون والملعون من بناه، ولكن إن كنت عزمت على قتلي فأقم رجلاً من قريش اوصي إليه بما اريد، ثم نظر مسلم إلى عمر بن سعد، وقال: إن بيني وبينك قرابة فاستمع مني، فامتنع عمر بن سعد.

فقال ابن زياد: ما يمنعك من الاستماع إلى ابن عمك؟

فقام عمر إليه، فقال: اوصيك ونفسي بتقوى الله فإن تقوى الله منها درك كل خير، ولي إليك حاجة.

فقال عمر: قل ما أحببت.

فقال مسلم: حاجتي أن تسترد فرسي وسلاحي من هؤلاء القوم فتبيعه وتقضي عني ديني وقدره سبعمائة درهم استدنتها في مصركم، وأن تستوهب جثتي فتواريها إذا قتلني هذا الفاسق، وأن تكتب إلى الحسين بن علي أن لا يقدم فينزل به ما نزل بي. فقال عمر: أيها الأمير، إنه يقول كذا وكذا. فقال ابن زياد: أما (ما) (1) ذكرت من دينك فإنما هو مالك تقضي به دينك، ولسنا نمنعك أن تصنع فيه ما أحببت، وأما جسدك فإذا نحن قتلناك ـ والخيار في ذلك إلينا ـ فلسنا نبالي ما صنع الله بجثتك، وأما الحسين فإنه إن لم يردنا لم نرده، وإن أرادنا لم نكف عنه.

وفي رواية اخرى: انه قال: وأما الحسين فلا ولا كرامة، ولكن اريد ـ يا ابن عقيل ـ أن تخبرني لماذا (2) جئت هذا البلد وأمرهم جيمع وكلمتهم واحدة

(1)من المقتل.

(2) كذا في المقتل، وفي الأصل: بماذا؟

( 200 )

فأردت أن تفرق عليهم أمرهم وتحمل بعضهم على بعض؟

فقال مسلم: ليس لهذا أتيت، ولكن أهل هذا المصر زعموا أن أباك قتل خيارهم، وسفك دماءهم، وأن معاوية حمل فيهم غنيهم (1) بغير رضا منهم، وغلبهم على ثغورهم التي أفاء الله عليهم، وأن عاملهم بتجبر ويعمل أعمال كسرى وقيصر، فأتينا لنأمر بالعدل وندعوا إلى حكم الكتاب، وكنا أهل ذلك ولم تزل الخلافة لنا وإن قهرنا عليها، رضيتم بذلك أم كرهتم، لأنكم أول من خرج على إمام الهدى وشق عصا المسلمين، ولا نعلم لنا ولكم (مثلاً) (2) إلا قول الله: « وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون» (3). قال: فجعل ابن زياد يشتمه ويشتم علياً والحسن والحسين.

فقال مسلم: أنت وأبوك أحق بالشتيمة، فاقض ما أنت قاض يا عدو الله، فنحن أهل بيت البلاء موكل بنا.

فقال ابن زياد: اصعدوا به إلى أعلى القصر واضربوا عنقه، وأتبعو رأسه جسده.

فقال مسلم: أما والله يا ابن زياد، لوكنت من قريش وكانت (4) بيني وبينك رحم لما قتلتني ولكنك ابن أبيك، فازداد ابن زياد غيضاً (5)، ثم دعا برجل من أهل الشام كان مسلم قد ضربه على رأسه ضربة منكرة، فقال له: خذ مسلم بن

(1) في المقتل: وأن معاوية حكم فيهم ظلماً.

(2) من المقتل.

(3) سورة الشعراء: 227.

(4) في المقتل: أو كان.

(5) في المقتل: غضباً.

( 201 )

عقيل، واصعد به إلى أعلى القصر، واضرب عنقه ليكون ذلك أشفى لصدرك.

قال: فأصعد مسلم إلى أعلى القصر وهو يسبح الله ويستغفره ويقول: اللهم احكم بيننا وبين قوم غرونا وخذلونا، حتى اتي به إلى أعلى القصر، وتقدم ذلك الشامي إليه فضرب عنقه صلوات الله ورحمته وبركاته عليه ثم نزل الشامي إلى ابن زياد وهو مذعور.

فقال ابن زياد: ما الذي ذعرك؟

قال: رأيت ساعة قتلته رجلاً بحذائي أسود شديد السواد كريه المنظر وهو عاض على اصبعه ـ أو قال على شفته ـ ففزعت منه فزعاً لم أفزع مثله، فتبسم ابن زياد، وقال: لعلك دهشت وهذه عادة لم تعتدها.

قال: ثم دعا ابن زياد بهانىء بن عروة أن يخرج فيلحق بمسلم.

فقال: محمد بن الأشعث: أصلح الله الأمير، إنك قد عرفت منزلته (في المصر) (1) وشرفه في عشيرته، وقد علم قومه أني وأسماء (2) بن خارجة جئناك به، فانشدك الله أيها الأمير إلا وهبته لي، فإني أخاف عداوة قومه لي فإنهم سادة أهل الكوفة، فزبره ابن زياد وأمر بهانىء بن عروة فاخرجه الى السوق الى مكان يباع فيه الغنم ، وهو مكتوف ، وعلم هانيء أنه مقتول، فجعل يقول: وامذحجاه وأين بني (3) مذجح؟ واعشيرتاه وأين بني عشيرتي؟ ثم أخرج يده من الكتاف، فقال: أما من عصا أو سكين أو حجر يدرأ (4) به الرجل عن نفسه؟ فوثبوا إليه

(1) من المقتل.

(2) كذا في المقتل، وفي الأصل: مسلم.

(3) في المقتل: مني، وكذا في الموضع الآتي.

(4) في المقتل: يجاحش.

( 202 )

فشدوه، ثم قالوا له: امدد عنقك.

فقال: ما أنا بمعينكم على نفسي، فضربه غلام لابن زياد بالسيف ضربه فلم تعمل فيه شيئاً.

فقال هانىء: إلى الله المعاد والمنقلب، اللهم إلى رحمتك ورضوانك، اللهم اجعل هذا اليوم كفارة لذنوبي، فإني ما غضبت إلا لابن نبيك محمد صلى الله عليه وآله، فتقدم الغلام ثانية فقتله رحمة الله وبركاته عليه. ثم أمر ابن زياد بمسلم وهانىء فصلبا منكسين.

روي أن مسلماً كان من أشجع الناس قلباً وأشدهم بطشاً. ولقد كان من قوته انه كان يأخذ الرجل بيده فيرمي به فوق البيت، فلعنة الله على قاتله وخاذله.

ولما صلبا منكسين رضي الله عنهما قال فيهما عبدالله بن الزبير الأسدي:

فإن كنت ما(1) تدرين ماالموت فانظري      إلـى  هـاني بـالسوق وابـن عـقيل
إلـى  بـطل قـد هـشم السيف وجهه      وآخـر  يـهوي مـن جـدار(3) قتيل
أصـابهما ريـب الـمنون(3) فأصبحا      أحـاديث مـن يـسري بـكل سـبيل

(1) في المقتل: إذا كنت لا.

(2) في المقتل: طمار.

(3) في المقتل: أمر الأمير.

( 203 )

تـرى  جـسداً قـد غـير الموت لونه      ونـضـح دم قـد سـال كـل مـسيل
فـتى  كـان أحـيا مـن فـتاة حـيية      وأقـطـع مـن ذي شـفرتين صـقيل
أيـركب  أسـماء الـهماليج(2) آمـناً      وقــد  طـلـبته مـذحج بـقبيل(3)
فــإن  أنـتـم لـم تـثأروا بـأخيكم      فـكونوا أيـامى(4) ارضـيت بـقليل

قال: ثم كتب عبيدالله بن زياد إلى عدو الله يزيد لعنه الله:

بسم الله الرحمن الرحيم

لعبدالله يزيد أميرالمؤمنين من عبيدالله بن زياد.

الحمدلله الذي أخذ لأميرالمؤمنين بحقه وكفاه مؤونة عدوه، ثم ذكر فيه قصة مسلم وذكر هانىء بن عروة، وكيف أخذهما وقتلهما، ثم قال: وقد بعثت برأسهما مع هانىء بن حية (5) الوادعي والزبير بن الأروح التميمي، وهما من أهل الطاعة والسنة والجماعة، فليسألهما أميرالمؤمنين عما أحب فإن عندهما

(1) زاد في المقتل البيت التالي:

وأشجع من ليث بخفان مصحر     وأجرأ من ضار بغاية غيل

(2) الهماليج: جمع هملاج، وهو البرذون.

(3) في المقتل: بذحول، وزاد فيه البيت التالي:

تطوف حواليه مراد وكلهم     على رقبة من سائل ومسول

(4) في المقتل: بغايا.

(5) في تاريخ الطبري: هانىء بن أبي حية، وفي الكامل في التاريخ: هانىء بن جبة الوداعي.

( 204 )

علماً وفهماً وصدقاً وورعاً.

قال: فلما ورد الكتاب والرأسان على يزيد لعنه الله أمر بالرأسين فنصبا على باب دمشق، ثم كتب إلى ابن زياد: أما بعد:

فإنك عملت عمل الحازم، وصلت صولة الشجاع الرابط الجأش، فقد كفيت ووفيت، وقد سألت رسوليك فوجدتهما كما زعمت، وقد أمرت لكل واحد منهما بعشرة آلاف درهم وسرحتهما إليك، فاستوص بهما خيراً وقد بلغني ان الحسين قد عزم على المصير إلى العراق، فضع المراصد والمناظر والمسالح واحترس، واحبس على الظن، واقتل على التهمة، واكتب إلي بذلك كل يوم بما يحدث من خبر. (1)

قلت: يا من بذل نفسه في طاعة ربه وولي أمره، وأجهد جهده في جهاد أعداء الله في علانيته وسره، وكشف عن ساق في طلب السعادة الباقية، وشمر عن ساعد لتحصيل الدرجة العالية، حزني عليك أقلقني، وما اسدي إليك ارقني، ودمعي لما أصابك أغرقني، ووجدي لمصابك أحرقني، أديت الأمانة جاهداً، وبذلت النفس مجاهداً، صابراً على ما أصابك في جنب الله، مصابراً بقلبك وقالبكأعداء الله، لم تضرع ولم تفشل،ولم تهن ولم تنكل، بل قابلت الأعداء بشريف طلعتك، وقاتلت الأشقياء بشدة عزمتك.

عاهدوك وغدروا، وأخلفوك وكفروا، واستحبوا العمى على الهدى، واختار الدنيا على الاخرى، فطوقهم الله بذلك أطواق العار، وأعدلهم بقتالك

(1) مقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي: 1/197 ـ 215.

( 205 )

أطباق النار، وجعلهم ضرام وقودها، وطعام حديدها، وأفراط جنودها، فلقد حقت عليهم كلمة العذاب بخذلانهم إياك، ونكصوا على الأعقاب إذ استبدلوا بك سواك.

فأبعد بالكوفة وساكنيها، وأهاليها وقاطنيها، فليست واقعتك بأعظم من واقعة عمك وقتله في محرابه، ولا خذلك بأعظم من خذل الزكي وغدر أصحابه، ولا نقض عهدك بأقبح من نقض عهد المقتول بين خاصتهم وعامتهم، ولا خفر ذمتك بأشنع من خفر ذمة المصلوب بكناستهم.

فلقد غدروا بعد مواثيقهم وأيمانهم، وكفروا بعد تظاهرهم بإيمانهم، فحرمهم الله ريح الجنة، وطوقهم أطواق اللعنة، ورمى مصرهم بالذل الشامل، والخزي الكامل، والسيف القاطع، والعذاب الواقع، ليس له من الله من دافع (1)، حتى صارت حصيداً كأن لم تغن بالأمس (2)، وبراحاً خالية من الإنس، للبوم في أرجائها تغريد، وللوحش في عراصها تطريد، وأهلها عباديد (3) في الأقطار، ومتفرقون في الأمصار، قد أذاقهم الله الخزي في الحياة الدنيا ولهم في الآخرة عذاب النار.

لما خذلوا الحق وأهله، واسترهبوا الجهاد وفضله، وآثروا الدعة والراحة، واستشعروا السفاهة والوقاحة، سلط الله عليهم شر خليقته، وأدنى بريته، نجل سمية الزانية، وزعيم العصابة الباغية، ثم قفاه بالخصيم الألد، والكفور الأشد، الغي يظله عن التعريف، الأم نغل من ثقيف، الذيال الميال،

(1) إقتباس من الآية: 2 من سورة المعارج.

(2) إقتباس من الآية: 24 من سورة يونس.

(3) عباديد: متفرقون.

( 206 )

المغتال القتال، السفاك الفتاك، الهتاك الأفاك، فداسهم دوس السنبل وذراهم ذرى الحب كما قال فيه بعض عارفيه: جاءنا أعمش اختفش ارحميمة برجلها وأخرج إليها ثياباً قصاراً، والله ما عرق فيها عنان في سبيل الله، فقال: بايعوني فبايعناه، وفي هذه الأعواد ينظر إلينا بالتصغير، وننظر إليه بالتعظيم، يأمرنا بالمعروف ونجيبه، وينهانا عن المنكر ونرتكبه، فاستعبد أحرارهم، وأباد خيارهم، وأذل بالتسخير رجالهم، وأيتم بفتكه أطفالهم، فتفرقوا أيادي سبأ، واتخذوا سبيلهم في الأرض سرباً.

فانظر إلى فروع اصولها في زمانك، ونتائج مقدماتها في أوانك، هل ترهم إلا بين شرطي ذميم، أو عتل زنيم، أو ممسك لئيم، أو معتد أثيم؟

بغض ذرية الرسول في جبلتهم مركوز، والتغامز عليهم بالحواجب في طبيعتهم مرموز، يقصدونهم في أنفسهم وأموالهم، ويهضمونهم بأقوالهم وأفعالهم، ويتجسسون على عوراتهم، ويتبعون عثراتهم، وبالأعين عليهم يتلامزون، وإذا مروا بهم يتغامزون، إن رأوا فضيلة من فضائلهم كتموها، وإن بدرت منهم صغيرة أكبروها، يغرون بهم سفاءهم، وينصرون عليهم أعداءهم، أتباع كل ناعق، وأشياع كل مارق، لا يستضيؤون بنور العلم، ولا يترتبون برتبة الحلم، يدعون حب ذرية نبيهم، وصفحات وجوههم تنطق بتكذيبهم، ويظهرون النصيحة لعترة وليهم، ويقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، يؤذون الجار، ويهضمون الأخيار، ويعظمون الأشرار، ويحسدون على ربع دينار.

ولقد أقمت فيهم مدة، وصحبت منهم عدة، وعمرت المساكن المونقة وغرست الحدائق المغدمة، أكثر ... (1) سوادهم، ولا آكل زادهم، اكافي على الحسنة بعشر أمثالها، واجازي بالهدية أضعاف أثقالها، وأتعفف عن ولائمهم،

(1) غير مقروءة في الأصل.

( 207 )

وأتصلف عن مطاعمهم، حذراً من مننهم، وتقصياً عن نعمتهم، كما قال الأول:

فلا ذا يراني واقفاً في طريقه     ولا ذا يراني جالساً عند بابه

فنصبوا حبائل حسدهم قصداً لوقوعي، وأوفوا قواتل سمومهم ليجتاحوا أصلي وفروعي، وأطلعني ربي على فساد ضمائرهم، وخبث سرائرهم، فاتخذت الليل ستراً، وفصلت عن قراري سراً، قد أذهل الخوف لبي، وأرجف الوجل قلبي، ملتفتاً إلى ما خلفي، قد أحال الفرق لوني وغير وضعي، قائلاً: « رَبّ نَجّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ» (1)، ولا تجعلني فتنة للقوم الكافرين (2)، عامداً أفضل مشهد، وأكرم مرقد، وخير صعيد، وأفخر شهيد، سيدالشهداء، وأشرف أولاد الأنبياء، صاحب كربلاء، حتى إذا استقرت في الدار، وأمنت البوار، خمدت مسراي عند الصباح، وجعلت مثواي حضرة خامس الأشباح، واتخذت بلدته موطناً ومستقراً، ونزلاً مستمراً، وهلم جرا، وتلوت: « سُبْحَانَ الّذِي أَسْرَى» (3). ولما سئمت صحبتهم، وقلوت جبلهم، جعلت أشرح ما صدر لي عنهم، واوضح ما تم علي منهم، بسحر حلال من شعري، وراتق زلال من نثري.

فمن جملة ذلك أبيات من جملة قصيدة مطولة قلتها حين فررت، ونظمت فيها ما ذكرت، وأوردت ما تم على السيد المجيد، والسبط الشهيد، عليه أفضل الصلوات، وأكمل التحيات:

(1) سورة القصص: 21.

(2) إقتباس من الآية: 85 من سورة يونس.

(3) سورة الإسراء: 1.

( 208 )

كربلا  كم فيك من شيب خضي      بـدم  الـنحر وكـم هام نقيف
وسـعيد بـصعيد الـطف ثاو      رأسـه  يعلى على رمح ثقيف
لبني  الزهراء أرباب المساعي      والـمعالي  والعوالي والسيوف
زلـف نـحوهم عـصبة سوء      لـيس فيهم غير زنديق وكوفي
لـعن  الله بـني الـكوفة لـم      يـك فـيهم من بعهد الله يوفي
سـل  يـزيداً قائماً بالقسط من      حـاز المعالي من تليد وطريف
صـلبوه بـعد خـذل ثـم قتل      آه  مـما حـل بالبدن الشريف
فـلذا صـارت بـراحاً وخلت      أرجاؤها  من قاطن فيها وريف
وغـدت أبـناؤها فـي كل فج      بـين  شـرطي زنيم وعريف
ولـئـيم وذمـيـم ورجـيـم      وشـقـي  وغـوي وطـفيف
وجـبان يـوم زحـف وقراع      وعلى  الجارات بالليل زحوف
هـم فـروع لاصول لم يرقوا      لبني  الزهراء في يوم الطفوف

( 209 )

أسـفوا إن لـم يكونوا ذااجتها      د مـثل آبـائهم بين الصفوف
فـاستحلوا  من بينهم كل سوء      وأحـلوا  بـهم كـل مـخوف
فـلذا  نـحوهم وجـهت دمي      وعـليهم  أنـا داع بـالحتوف
ولـما أسـدوه مـن بغي وظل      م تـسره بـالسوء داني وأليف
ومــن الله عـلـيهم لـعنات      دائـماً تـترى بـلا كم وكيف
مـا  شـكا ذو حـرقة ما ناله      من فاجر بالبغي والظلم عسوف

فيا من يعنفني بسبهم، ويؤففني بثلبهم، ويعيبني بعيبتهم، ويخطئني بتخطئتهم، ويعيرني ويتجسس على عوراتي، ويسلك مسلكهم في التفحص عن زلاتي، لا تلمني على ما صدر مني، ولا تفندني وتصدعني، فلا بد للملآن أن يطفح، وللصوفي عند غلبة الحال أن يشطح، فمهد لقاعدة نظمي ونثري عذراً، ولا ترهقني من أمري عسراً.

أما سمعت أخبار آبائهم الأولين؟ أما رأيت آثار أسلافهم الأقدمين؟ جدل الوصي في جامعهم، وطعن الزكي بين مجامعهم، وقتل ابن عقيل لدى منازلهم، والاجاب على السبط الشهيد بقبائلهم وقنابلهم، وسبي ذراريه على أقتاب رواحلهم، هو الذي أطلق لساني بما وصفت، وأجري بناني بما صغت

( 210 )

ورصفت، فلا تعذلني على نحيبي وعويلي، ولا تصدني لبكائي عن سبيلي، إلا من اتخذ في الأرض لنفاقه نفقاً، وجرى في تيه ضلاله حيفاً وعنفاً وسأختم هذا المجلس الجليل، بمرثية السيد النبيل، مسلم بن عقيل:

لـهف  قـلبي وحـرقتي وعويلي      وبـكـائي  حـزناً لـخير قـتيل
نـجل عـم الـنبي خـير وفـي      عـاهـد  الله مـسلم بـن عـقيل
خـذلـوه وأسـلموه إلـى الـحي      ن  فـوفـى بـعهد آل الـرسول
وتـلـقى الـسيوف مـنه بـوجه      لـم تـهن في رضا المليك الجليل
نـصر الـحق بـاللسان وبـالقل      ب  وحـاز الـثنا بـباع طـويل
ومـن الله بـاع نـفساً رقـت في      الـمجد  أعـلا العلى بصبر جميل
بـذل الـنفس فـي رضـا ابـن      ولي الله صنو الرسول زوج البتول
لـست أنـسى الأوغـاد إذ خذلوه      والـعـدا  يـطـلبونه بـذحـول
وهـو يسطو كليث غاب فكم جدل      رجـسـاً بـالـصارم الـمصقول

( 211 )

ثـم صـبت عـليه مـنهم شآبيب      سـهام كـصوب مـزن هـطول
وهـو لا يخشى السهام ولا يضرع      لـلـقاسطين  أهــل الـغـلول
ويـصد  الـكماة عـنه بـغضب      كـم جـريح مـنه وكـم من قتيل
كـم هـزيم مـن بـأسه وقـتيل      فــر مـنه يـقفو سـبيل قـبيل
ثــم لـما أبـلى بـلاء عـظيماً      صـار  يـشكو الضما بقلب غليل
غـادرتـه الـسهام مـن وقـعها      ذا جـسد مـن ضنى الجراح كليل
وغـدا  فـي يـد الـبغاة أسـيراً      لـهف قـلبي عـلى الأسير الذليل
ثـم  مـن بـعد أسـره جـرعوه      كـأس حـتف بـأمر شـر سليل
مـن  أبـوه إلـى سـمية يـسمو      فـرعه  لا يـسمو بـأصل أصيل
يا  بني المصطفى لما نالكم صبري      فـيـصبر لـكن طـويل عـويل
وإذا رمــت أن اكـفكف دمـعي      قـال  قـلبي لـلطرف جد بهمول

( 212 )

فـعلى مـن سـواهم آثـر الدمع      وأرثـي  بـالنظم مـن حسن قيل
وهـم  قـادتي وأسـباب إيـماني      وقـربي مـن خـالقي ووصـول
كـشف الله لـي بـهم كل منشور      مـن الـحق عـن كـفور جهول
فـغدا  حـبهم وبـغض أعـاديهم      بـقلبي مـا آن لـه مـن مـزيل
وبـإكـفار  مـن تـقدم اوضـح      عــن  حـجتي بـصدق دلـيل
مــن كـتـاب وسـنة وقـياس      ركـبته  ذوي الـحجى والـعقول
نـص  خـير الأنـام يـوم غدير      لـيس فـي الـذكر فيه من تبديل
وكــذا  إنـما ولـيكم فـاتل إن      شـئت إذا مـا تـلوت بـالترتيل
تـجد  الله بـالزعامة اصـطفاهم      فـفي الـخلق مـا لـهم من مثيل
فـلـهم  أرتـجي لـبرد اوامـي      مـن  رحيق من حوضهم سلسبيل
ومـديحي في فضلهم ليس يحصى      بـنـظام  كـالذر فـي الـتعديل

( 213 )

وإلـيـهم اهــدي عـقود بـناء      مـن قـواد بـالشكر غـير ملول
مـا  دجـى الليل ثم وأسفر صب      ح  وزقـا طـائر بـدوح ظـليل

( 214 )

( 215 )

المجلس السابع

في مسير الحسين عليه السلام إلى العراق ومن تبعه من أهله وإخوانه وبني أخيه وبني عمه صلوات الله عليهم أجمعين :

الخطبة:

الحمد لله الوفي وعده، العلي مجده، الغالب جنده، العام رفده، لا راد لحكمه، ولا مغير لعلمه، المبدع المصور، والمخترع المقدر، الظاهر لخلقه بخلقه، والشامل لهم بلطفه ورزقه، حجب أفكارهم عن تصور كماله، وردع ابصارهم عن إدراك جلاله، وتجلى لأوليائه بشواهد حكمته، وظهر لقلوبهم ببدائع صنعته، فانقادت قلوبهم بأزمة التوفيق إلى مقام عرفانه، ووردوا مناهل التحقيق من فيض لطفه وإحسانه، وشربوا بالكأس الروية من شراب عنايته، ووقفوا على قدم الصدق في مقام طاعته.

فأشرق نور الحق على مرايا قلوبهم فطاح وجودهم في شهودهم، لما عاينوا من بهجة محبوبهم، فأصبحت قلوبهم بأنوار عرفان جلال مبدعهم مشرقة، ونفوسهم بالملكوت الأعلى من حصون صانعهم متعلقة، فأطلعهم سبحانه على أسرار الصفيح الأعلى، وأراهم لما أعد للمجاهدين في سبيله في ذلك المقام الأسنى، من منازل مونقة، وحدائق مغدقة، وأنهار متدفقة، وحسان

( 216 )

معشقة، وولدان ضياء جمالها قد أشرق، وثياب من سندس بطائنها من استبرق، اكلها دائم، وساكنها سالم، لا يذوق الموت، ولا يخشى الفوت، ظلها ظليل، دورها سلسبيل، وسقفها عرش الرحمن، وخدمها الحور الحسان، « يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلّدُونَ«17» بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِن مَعِينٍ«18» لَا يُصَدّعُونَ عَنْهَا وَلاَ يُنزِفُونَ«19» وَفَاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيّرُونَ«20» وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ«21» وَحُورٌ عِينٌ«22» كَأَمْثَالِ اللّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ«23» جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ» (1).

فاختاروا الاقامة في دار المقامة، والاستظلال بتلك الأطلال، وكرهوا الرجوع من دار البقاء إلى دار الفناء، والعود من المحل الأعلى إلى المقام الأدنى، ومن الصفيح الأرفع إلى الخراب البلقع، فطلبوا إلى ربهم ألا يهبطهم من درجتهم، ولا يزحزحهم عن لذتهم، ولا يخرجهم من جنتهم، ولا يحطهم عن رتبتهم.

فتجلى لأفكارهم، وخاطبهم في أسرارهم: إني قد جعلت الدنيا طريقاً يسلك به إلى نعيمي المقيم، وسبيلاً يتوصل به إلى ثوابي الجسيم، فلو لا امتثال عبادي أوامري، وانزجارهم عن زواجري، والاخلاص بطاعتي والامحاص في محبتي، وتحمل المشاق في عبادتي، والاستظلال بأروقة طاعتي، لم أخلق خلقي، ولم أبسط رزقي، لكن أبدعتهم ليعرفوني ويوحدوني وينزهوني، « وَمَا خَلَقْتُ الْجِنّ وَالْإِنسَ إِلّا لِيَعْبُدُونِ» (2).

فاتبعوا دليلي، وجاهدوا في سبيلي، وصابروا أعدائي، وانصروا أوليائي، أجعلكم خزان علمي في عبادي، وامناء وحيي في بلادي، وشهدائي

(1) سورة الواقعة: 17 ـ 24.
(2) سورة الذاريات: 56.

( 217 )

على بريتي، وأوليائي في خليقتي، ولأقرنن طاعتكم بطاعتي، ومودتكم بمودتي، وولاءكم بولائي، ورضاكم برضائي، إن تنصروني أنصركم واثبت أقدامكم، وإن تقرضوني اجازكم واضاعف أعمالكم.

فرجعت أجسادهم إلى الحضيض السفلي، واستقرت أرواحهم العالم العلوي، تطالع جمال حضرة معبودها في جميع حالاتها، وتستضيء بأنوار جلال مبدعها بأبصار كمالاتها حين توجهاتها، ترى كل ما سواه مضمحلاً باطلاً، وكل ما عداه للعدم قابلاً، فوصلوا أسبابهم بأسبابه، وقطعوا العلائق عما سوى الاتصال بعزيز جنابه، ووقفوا على قدم الخدمة في جنح الظلام، ونادوا محبوبهم بلسان الاجلال والابتهال.

فاستخلصهم لنفسه لما أخلصوا بطاعته، واصطفاهم على خلقه لما صدقوا في محبته، وتوجهم بتيجان كرامته، وأفرغ عليهم حلل عصمته، وأطلعهم على مكنون سره، وقلدهم ولاية أمره، فساقوا الخلق إلى طاعة ربهم، ونصروا الحق بقالبهم وقلبهم، قد صدقت منهم العقائد والعزائم، يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم، حتى إذا أدوا النصيحة حقها في جنب الله، وبذلوا أرواحاً وأجساداً قد أخلصت صدقها في طاعة الله، ورقوا في معارج السعادة إلى منازل الشهادة، وسلكوا سبيل المجد بقدم الجد، واتبعوا دليل النجاة إلى عين الحياة، وركبوا سفينة الهدى، وتنكبوا سبيل الردى، وجاهدوا في الله بأنفسهم وأموالهم، وأنكروا المنكر بأفعالهم وأقوالهم.

اوذوا فصبروا، وابتلوا فشكروا، يعدون البأساء نعمة، والضراء رحمة، والجهاد في الله منحة، والقتل في سبيل الله حياة باقية، والبلاء في الله عيشة راضية، فحسدوا على ما اختصهم الله به من قربه، وبذلوا الأجساد والأولاد في

( 218 )

حبه، ونفوا عن عقر دارهم، واخرجوا من منازلهم وقرارهم.

ضاقت بهم الأرض بعد رحبها، وقصدتهم الأعداء بفتكها وحربها، وكانت واقعة السبط الشهيد أبي عبدالله أفضع محنة، وأشنع فتنة، لم يحدث منذ وجود العالم مثلها، ولم يقع في الزمن المتقادم عديلها، اخرج ابن الرسول من حرم جده خائفاً، وللحياة في دولة الظالمين عائفاً، وللدنيا وأهلها قالياً، وللشهادة في الله راجياً، قد تبرم بالبقاء في دولة الأشرار، وسئم الحياة في سلطان الفجار.

فنصبوا له المهالك، وسدوا عليه المسالك، لم يأمن في حرم يأمن فيه الطير الطائر، والوحش الجائر، ولم يطمئن في بلد يسكنه البر والفاجر، فوعده النصر على أعدائه قوم ذووا أحلام عازبة، وأيمان كاذبة، لم يثلج في قلوبهم برد الايمان، ولم يزالوا بنكثهم أحزاب الشيطان، حتى إذا لزمته الحجة بوجود الناصر، والقيام بجهاد الظالمين في الظاهر، وام مصرهم ببنيه وبناته، وسار نحوهم بإخوانه وأخواته، وبلغ ضعفهم، وتوسط جمعهم، خانوا عهده وأخلفوا وعده، فليتهم إذ نكثوا أيمانهم، ونقضوا أمانهم، تركوه يذهب حيث شاء، أو يرجع من حيث أتى، بل سدوا عليه الموارد، وقعدوا له المراصد، وجندوا لمنعه جموعهم وجنودهم، وأرهفوا لقتله حدهم وحديدهم، وحرموا عليه ورد الماء المباح، ورفعوا عليه حدود الصفاح، فصار في أيديهم رهيناً ، وبسيوفهم ضميناً، ثم ساقوا بناته وحلائله اسارى، تحسبهم من هول ما أصابهم سكارى وما هم بسكارى، يسار بهم بين الأعداء على الأقتاب، ويساقون عنفاً بغير نقاب ولا جلباب، قد قشر حر الشمس وجوههم، وغير هجير القيض جسومهم.

فوا أسفا على تلك الأبدان المصرعة، والأجساد المبضعة، والأطراف المقطعة، والرؤوس المرفعة.

( 219 )

والهفاه لتلك الوجوه التي هتكت بعد صونها وحجابها، وبرزت بين طواغيتها وكذابها، فدمعي عليهم مهتون، وقلبي لمصابهم محزون.

فيالله وللاسلام ايقتل نجل الرسول بين ظهرانيكم، وتسبى نساؤه وذراريه بين أيديكم، ويراق دمه وأنتم تنظرون، وللحق تخذلون، وللباطل تنصرون؟ لا منكر ينكر بقلبه ولسانه، ولا دافع يدفع بحسامه وسنانه، ولا ذو أنف حمي يغضب لله، ولا صاحب دين قويم يجاهد في سبيل الله، فأنتم أكفر امة كفرت بعد إيمانها، وأفجر فرقة تظاهرت ببغيها وبهتانها، لم ترض بقائد النجاة دليلاً، اولئك كالأنعام بل هم أضل سبيلاً (1)، بأنعم عدل بها هاديها، عن الحق السوي، واسامها راعيها في المرعى الوبي.

فيا سبط نبيي، ورهط وليي، ويا سبيل نجاتي، ويا سليل هداتي، مصيبتك أرخصت في سوق أحزاني عبراتي، وأسعرت بلهيبها في جناني حسراتي، وحرمت على جفوني طيب منامي، وإفرغت على جسدي أثواب سقامي، ضاقت بك الدنيا يا ابن الرسول ومن أجلك خلقت، وشدوا عليك القضا يا نجل البتول وابوابه دونك غلقت، أخرجوك من حرم جدك خائفاً تترقب، ونفوك عن مسقط رأسك وذهبوا بك كل مذهب، حتى إذ وجهت وجهة آمالك، وظعنت بعيالك وأطفالك، نحو اناس لم ينصروا الحق مذ كانوا، ولم يؤثروا الصدق مذ خانوا، ولم يغضبوا لله، ولا انقادوا لأولياء الله، بل الغدر شيمتهم، والكذب سجيتهم، إن خلفوا خبثوا، وإن عاهدوا نكثوا، اضر من ضافر إذا جردت السيوف، وألأم من مادر إذا طرقت الصنوف، أنباط أسقاط، أنذال أرذال، أنكاد أوغاد، للوصي وابنه خذلوا، وللسبط الشهيد وولده قتلوا، تساق بنات نبيهم

(1) إقتباس من الآية: 44 من سورة الفرقان.

( 220 )

على الأقتاب في أسواقهم وشوارعهم، وتشهر رؤوس أبناء وليهم على الرماح في رحابهم ومجامعهم.

فيا دموعي لمصابهم حدي بالدموع خدي، ويا زفراتي تصاعدي بسعير حسراتي ووجدي، ويا كبدي لرزئهم تقطعي، ويا أحشائي حزناً عليهم تضعضعي، وعمى لطرفي إن لم يسح دماً بقرينهم، وسحقاًً لقلبي إن لم ينقطع أسفاً لمحنتهم، لما كست السماء حمرة نجيع شهدائهم شفقاً ، أروت في فؤادي بانعكاس أشعة لهيبها حرقاً، فقلبي حريق بسعير حزني، وطرفي غريق بمعين جفني، امثل ثفنات وجوههم من أثر السجود على الرماح، كالكواكب الدرية بضيائها أو كشمكاة فيها مصباح.

فلهذا وقفت بكائي وجزعي عليهم، وصرفت المراثي من نظمي ونثري إليهم، أنثر في ثرى ضرائحهم عبراتي، واصاعد في صعيد مراقدهم زفراتي، وأهدي إلى أرواحهم سلامي وتحياتي، واصلي على أشباحهم عقيب صلواتي، وفي جميع آناتي، وانشد لعظيم مصيبتي في خلواتي، ولجسيم رزيتي نحيبي وأناتي:

يـا مـصاب السبط أورثت البكا      أعـيناً  والـقلب وجـداً وعـنا
وعـلى عـيني حـرمت الكرى      ومـزجت الـدمع مـني بـالدما
لا تـلـمني أيـهـا الـعاذل إن      نـحت  بالترجيع من فرط الجوا

( 221 )

وجـرى  دمـعي دمـاً مما على      سبط خير الرسل في الطف جرى
وعـلى  الأبـرار مـن اسـرته      أهــل  بـيت ومـقام وصـفا
صـرعوا  فـيه ظـماة قد سقوا      بـكؤوس الـموت من بعد الظما
صـاعدت  نيران أحشائي الحشا      مـدمعاً قـان عـلى خدي جرى
خير أهل الأرض أضحوا صرعاً      بـشبا  الـبيض وأطـراف القنا
سـادة  الـخلق اولي الأمر الذي      مـدحهم حـقاً أتـى في هل أتى
بـكت الأرض دمـاً مذ صرعوا      فـرقها حـزناً وأطـباق الـعلا
كـربـلا  مـنك فـؤادي مـلؤه      مـن عـظيم الـوجد كرب وبلا
كـم شـموس غـربت فيك وكم      مـن  بـدور أفـلت بعد الضيا؟
ووجــوه  لـبنات الـمصطفى      هـتكت  مـن بـعد صون وحيا

( 222 )

وجـسـوم  غـيرت أوصـافها      مـنهم  البوغاء(1) من بعد السنا
وقـلـوب ظـامـيات لـم تـر      غير  ورد الموت من كف الردى
كـم  عـلت فـوق العوالي منهم      طـلعت أنـوارها تـجلو الدجى
وأبـيـنت عـضد مـع سـاعد      وأكــف كـبحور فـي الـندى
ويـرى الـناظر مـن أوجـههم      ثـفـنات كـنجوم فـي الـسرا
يـا  عـيوني إن تـضني بالبكا      لـهم  لا نـلت فـي الدنيا المنى
وكـذا يـا حـرقتي إن سـكنت      مـنك أحـشائي أو طـرفي غفا
أيـهـا  الـراكب وجـناء لـها      أثـر فـي الـخد من جذب البرا
تـقـطع الال كـرال نـافل(3)      لـيـس  يـثنيها كـلال ووجـا
لا  تـهاب السير في جنح الدجى      وكـذا لا تـخشي حـر الضحى

(1) البوغاء، التراب الناعم الهابي في الهواء.
(2) كذا في الأصل، ولعلها: تقطع الأتلال ناقة.

( 223 )

عـج  بـأرض حـل فيها سيد      مـجده  أرفـع قـدراً مـن ذكا
خـير  مـن جاهد في الله ومن      فـي  سـبيل الله بـالنفس سخا
تـركوه  فـي الـعرا مـنجدلاً      ذا  فـؤاد يـشتكي حـر الصدا
بـدر تـم صـار من بعد الثرا      وعـلو الـمجد ضمناً في الثرى
كـربلا  مـذ أشـرقت من دمه      أظـلمت في الخلق أعلام الهدى
يـا  شريك الذكر من ذكرك في      مـهجتي مـن حر أشجاني لظا
وبـخدي لـحمه مـن أدمـعي      فـيضها  أربـى على بحر ظما
مـا  دروا كـم فريت من بغيهم      كـبد لـلمصطفى والـمرتضى
يــا  مـصاباً أهـله فـاطمة      وأبـوهـا وعـلـي ذو الـعلا
أيـها الـقاصد بـيت الله بـال      عـج والـثج إذا نـلت الـمنى
مـن تـمام الـحج والعمرة عج      بـضريح ضـم خـير الأنـبيا

( 224 )

أبـلغته مـن سـلامي مـا زكا      مـن  فـؤاد ضمنه صدق الولا
ثـم قـل يـا خـير مبعوث به      كـشف  الله عـن الخلق العمى
لـو  تـرى سـبطك فرداً ماله      نـاصر يـفديه مـن جهد البلا
وبـنـات  لـك قـد أثـخنتها      مـن مـديد الـسير افراط العنا
وأكـفـاً بـريت مـن سـاعد      كـان فـي راحـتها بحر الندى
ووجـوهـاً  كـالمصابيح لـها      فـي  ظـلام الليل نور يستضا
كم تجافت عن وثير الفرحش أج      سـادهـا تـخلص لـله الـدعا
أصـبحت  فـي كربلا مخضباً      شـيبها بـالدم مـن حـد الظبا
يـا  بـني الـزهراء مما نالكم      مـدمعي من فرط حزني مارقى
وكـذا  نـار الأسـى في كبدي      حـرها  يذكي رسيساً في الحشا
وبـقلبي  لـوعة مـا آن لـها      فـيكم  حـتى مـماتي مـنتهى

( 225 )

أنـتـم سـفن نـجاتي لا أرى      غـيركم يـنقذ إن خـطب عرا
وبـكم  ارجـو إذا مـا نشرت      صـحف الأعمال في يوم القضا
ان  يـراني الله رقـاً خـالصاً      لـعلا  مـجدكم الـعالي الـبنا
آه  مـن نـسوتكم يـسرا بـها      حـسراً  يـمشون في ذل السبا
بـيـن  أرجـاس لـهم أفـئدة      مـلئت  حـقداً كـجلمود قـسا
فـوق  أقتاب بها يسرى إلى ال      رجـس نجل ابن زياد ذي الشقا
قـد  مـزجت الـدمع فيكم بدم      وعـلى  عـيني إذ نـفث البكا
وبـقلبي  حـرقة مـن هظمكم      حـرها  مـنذ وجـودي ما خبا
كــم مـراث فـيكم أرسـلتها      نـظمها  ينبىء عن صدق الولا
يـزدريها حـاسدي مـن غيظه      حـين يـطويها ولـبي بـالثنا
ويـرى  لـلبغض مـنه وجهة      ذا امـتناع لاح مـا فـيه خفى

( 226 )

يـظهر الـنصح وفـي أحشائه      مـن نـظامي حر نار تصطلى
ويـرانـي  ضـاحكاً مـبتسماً      بـمـديـح وثـنـاء ودعــا
وإذا مـا غـبت عـنه سل من      بـغيه  غـضباً به عرضي برا
يـختل الأغـمار بـالزهد وفي      قـلـبه  الـفاسد مـكر ودهـا
وترى في فرض عرضي جاهداً      مـعلناً  كالنار في جزل الغضى
فــإذا فـكـرت فـيما نـالكم      هـان مـا ألقاه من فرط الأسى
وأرى  الـصبر جـميلاً غـبه      فـاسلي  الـقلب مـني بالأسى
يـا  عـياذي وملاذي إن عرت      غـصة  تعرض في الحلق شجا
كـل  عـام ينقضي أقضي من      حـقـكم مـأتم حـزن وعـزا
واسـيل  الـدمع مـن نظم بكم      راق يـسـتفديه رب الـنـهى
وتــراه شـابـني فـي فـمه      عـلقماً لا يـزدريه ذي الـشقا

( 227 )

وابـكـي شـيعة فـي حـبكم      طـاب  مـنها فرعها والمحتدى
وبـكم  أرجـو نجاتي من لظى      حـرها  يـنزع بـاللفح الشوى
وعـلـيكم صـلوات مـا بـدا      كـوكـب  أظـهره لـيل بـدا
وعـلى  مـن مـنعوكم حـقكم      لـعنات  مـا لـها مـن منتهى

( 228 )

فصل

في خروج الحسين صلوات الله عليه إلى العراق، وما جرى عليه في طريقه، ونزوله في الطف (1) :

قيل: جمع الحسين عليه السلام أصحابه بعد أن وصل إليه كتاب مسلم بطاعة أهل العراق وحسن نياتهم وانقيادهم فعزم عليه السلام على الخروج وأعطى كل واحد منهم عشرة دنانير وجملاً يحمل عليه رحله وزاده، ثم إنه طاف بالبيت وتهيأ للخروج وحمل بناته وأخواته على المحامل، فقصد (2) من مكة يوم الثلاثاء يوم التروية لثمان مضين من ذي الحجة ومعه اثنان وثمانون رجلاً من شيعته ومواليه وأهل بيته، فلما خرج اعترضه أصحاب الأمير عمرو بن سعيد بن العاص فجالدهم بالسياط ولم يزد على ذلك فتركوه وصاحوا على أثره: ألا تتقي الله تعالى تخرج من الجماعة، وتفرق بين هذه الامة؟

فقال الحسين عليه السلام: « لي عملي ولكم عملكم» (3)الآية.

وسار صلوات الله عليه حتى صار بالتنعيم، ولقي هناك عيراً تحمل الورس والحلل إلى يزيد بن معاوية لعنه الله من عامله باليمن، فأخذ الحسين

(1) انظر فيما يتعلق بهذا الفصل: الفتوح لابن أعثم الكوفي: 5/119 وما بعدها، تاريخ الطبري: 5/382 وما بعدها.

(2) في المقتل: وفصل.

(3) سورة يونس: 41.

( 229 )

ذلك كله وقال لأصحاب الإبل: لا اكرهكم، من أحب أن يمضي معي إلى العراق أوفيناه كراه حسناً، وأحسناً صحبته، ومن أراد فرقتنا من مكاننا هذا وفيناه كراه بقدر ما قطع من الطريق، فمن فارقه حاسبه ووفاه حقه (1)، ومن مضى معه أعطاه كراه وكساه. (2)

وإنما أخذ عليه السلام العير لأنها كانت من أموال المسلمين، وكان حكم المسلمين، إليه صلوات الله عليه، وكان خروجه قبل أن يعلم بقتل مسلم، وقيل: كان خروجه من مكة يوم قتل مسلم بعد أن كتب إليه مسلم بأخذ البيعة واجتماع الناس عليه وانتظارهم إياه.

وروى ابن جرير ـ بحذف الاسناد ـ عن الأعمش قال: قال لي ابو محمد الواقدي وزرارة بن صالح (3): لقينا الحسين عليه السلام قبل أن يخرج إلى العراق بثلاثة، فأخبرناه بضعف الناس بالكوفة، وأن قلوبهم معه واسيافهم عليه.

فأوماً بيده نحو السماء، ففتحت ابواب السماء، ونزلت الملائكة عدداً لا يحصيه إلا الله عزوجل. فقال عليه السلام: لو لا تقارب الاشياء، وسقوط الأجر، (4) لقاتلتهم بهؤلاء، ولكني أعلم علماً (5) أن هناك مصرعي، وهناك مصارع أصحابي، لا

(1) في المقتل: ما قطع من الأرض ، فمن فارقه منهم حوسب وأوفاء حقه.

(2) مقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي: 1/220 نقلاً عن ابن أعثم.

(3) في الملهوف: خلج.

وذكر في مستدركات علم الرجال: 3/425 زرارة بن خلج وزرارة بن صالح وعدهما شخصين، وكلامهما تشرف بلقاء الحسين عليه السلام، ولعل الاسمين لشخص واحد.

(4) في الملهوف:وحضور الأجل.

(5) في الملهوف: يقيناً.

( 230 )

ينجو منهم إلا ولدي علي (1). (2)

وروى سيدنا ومولانا، السيد الجليل علي بن موسى بن جعفر بن محمد ابن طاووس الحسيني رضي الله عنه أن مولانا الحسين عليه السلام لما عزم على الخروج إلى العراق قام خطيباً، فقال:

الحمد لله، وما شاء الله، ولا قوة إلا بالله، وصلى الله على رسوله، خط الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة، وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف، وخير لي مصرع أنا لاقيه، كأني بأوصالي تتقاطعها عسلان (3) الفلوات بين النواويس وكربلاء، فيملأن مني أكراشاً جوفاً، وأجوفة (4) سبغاً، لا محيص عن يوم خط بالقلم، رضاء الله رضانا أهل البيت، نصبر على بلائه ويوفينا اجور الصابرين، لن تشذ عن رسول الله صلى الله عليه وآله لحمته، هي مجموعة عليه (5) في حضيرة القدس، تقربهم عينه، وينجز بهم وعده، من كان باذلاً فينا مهجته، وموطناً على لقاء الله نفسه، فليرحل (معنا) (6)، فإني راحل إن شاء الله (7). (8)

وذكر محمد بن يعقوب الكليني في كتاب الرسائل عن محمد بن يحيى،

(1) انظر: دلائل الامامة: 74، نوادر المعجزات: 107 ح 1، الدر النظيم: 167 (مخطوط). إثبات الهداة: 2/588 ح 68، البحار: 44/364.

(2) الملهوف على قتلى الطفوف: 124 ـ 126 و 130.

(3) في الملهوف: تقطعها ذئاب.

(4) في الملهوف: تقطعها ذئاب.

(5) في الملهوف: له.

(6) من الملهوف.

(7) انظر: مثير الأحزان: 41، كشف الغمة: 2/29، البحار: 44/366 ـ 367.

(8) الملهوف على قتلى الطفوف: 126.

( 231 )

عن محمد بن الحسين، عن أيوب بن نوح، عن صفوان، عن مروان بن إسماعيل، عن حمزة بن حمران، عن أبي عبدالله عليه السلام، قال: ذكرنا خروج الحسين عليه السلام وتخلف ابن الحنيفة عنه، فقال ابوعبدالله عليه السلام: يا حمزة، إني ساحدثك (1) بحديث لا تسأل عنه بعد مجلسك (2) هذا، إن الحسين عليه السلام لما فصل متوجهاً دعا (3) بقرطاس وكتب فيه:

بسم الله الرحمن الرحيم

من الحسين بن علي بن أبي طالب إلى بني هاشم أما بعد: فإنه من لحق بي منكم استشهد، ومن تخلف (عني) (4) لم يبلغ مبلغ الفتح، والسلام (5) وذكر شيخنا المفيد محمد بن (محمد بن) (6) النعمان رضي الله عنه (في كتاب مولد النبي صلى الله عليه وآله ومولد الأوصياء صلوات الله عليهم) (7) بإسناده إلى أبي عبدالله عليه السلام، قال: لما سار أبوعبدالله عليه السلام من

(1) في البحار: ساخبرك.

(2) في الملهوف: مجلسنا.

(3) في الملهوف: أمر.

(4) من الملهوف. وفيه: لم يبلغ الفتح.

(5) انظر: بصائر الدرجات: 481 ـ 482 ح 5، كامل الزيارات: 75، دلائل الامامة: 77، نوادر المعجزات: 109 ح 6، تيسير المطالب: 91، الخرائج والجرائح: 2/771 ذ ح 93، المناقب لابن شهراشوب: 4/76، مختصر بصائر الدرجات : 6، إثبات الهداة: 2/577 ح 18، البحار : 42/81 ح 12،وج 45/84 ح 13 وص 87 ح 23.

(6 و 7) من الملهوف.

( 232 )

(مكة ليدخل) (1) المدينة لقيه أفواج من الملائكة المسومة والمردفة (2) في أيديهم الحراب، على نجب من نجب الجنة، فسلموا عليه وقالوا: يا حجة الله على خلقه بعد جده وأبيه وأخيه، إن الله سبحانه أمد جدك صلى الله عليه وآله بنا في مواطن كثيرة، وإن الله أمدك بنا.

فقال لهم: الموعد حفرتي وبقعتي التي أستشهد فيها، وهي كربلاء، فإذا وردتها فأتوني.

فقالوا: يا حجة الله، مرنا نسمع ونطع، فهل تخشى من عدو يلقاك فنكون معك؟

فقال: لا سبيل لهم علي، ولا يلقوني بكريهة أو أصل إلى بقعتي.

وأتته أفواج مسلمي (3) الجن، فقالوا: يا سيدنا، نحن شيعتك وأنصارك، فمرنا بأمرك وما تشاء، فلو أمرتنا بقتل كل عدو لك وأنت بمكانك لكفيناك ذلك.

فجزاهم الحسين خيراً، وقال لهم: أما قرأتم كتاب الله المنزل على جدي رسول الله صلى الله عليه وآله: « أَيْنََما تَكُونُوا يُدْرِككّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيّدَةٍ» (4) وقال سبحانه: « لَبَرَزَ الّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى‏ مَضَاجِعِهِمْ» (5)؟ وإذا أقمت بمكاني فبماذا يبتلى (6) هذا الخلق المتعوس؟ وبماذا

(1) من الملهوف.

(2) في الملهوف: المسومين والمردفين.

(3) في الملهوف: من مؤمني.

(4) سورة النساء: 78.

(5) سورة آل عمران: 154.

(6) في الملهوف: فبم يمتحن؟

( 233 )

يختبرون؟ ومن ذا يكون ساكن حفرتي بكربلاء وقد اختارها الله تعالى (لي) (1) يوم دحا الأرض،وجعلها معقلاً لشيعتنا،وتكون لهم أماناً في الدنيا والآخرة؟ ولكن تحضرون يوم السبت، وهو يوم عاشوراء الذي في آخره اقتل ، ولا يبقى بعدي مطلوب من أهلي ونسبي وإخوتي وأهل بيتي، ويسار برأسي إلى يزيد لعنه الله.

فقالت الجن: نحن والله يا حبيب الله وابن حبيبه، لو لا أن أمرك طاعة وأنه لا يجوز لنا مخالفتك (2) قتلنا جميع أعدائك قبل أن يصلوا إليك.

فقال لهم عليه السلام: نحن والله أقدر عليهم منكم، ولكن « لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيّنَةٍ وَيَحْيَى‏ مَنْ حَيّ عَنْ بَيّنَةٍ» (3). (4)

ثم سار الحسين صلوات الله عليه حتى بلغ ذات عرق (5) فلقيه رجل من بني أسد يقال له بشر بن غالب، فقال الحسين: من أين أقبلت؟ قال: من العراق. قال: كيف خلفت أهل العراق؟

(1) من الملهوف.

(2) زاد في الملهوف: لخالفناك و.

(3) سورة الأنفال: 42.

(4) الملهوف على قتلى الطفوف: 129 ـ 130.

ومن قوله : (روى محمد بن يعقوب في كتاب الرسائل) إلى هنا نقله المجلسي رحمه الله في البحار: 44/330 ت 331 عن كتابنا هذا. وكذا في عوالم العلوم: 17/179.

(5) ذات عرق: مهل أهل العراق ، وهو الحد بين نجد وتهامة، وقيل: عرق جبل بطريق مكة ومنه ذات عرق. وقال الأصمعي: ما ارتفع من بطن الرمة فهو نجد إلى ثنايا ذات عرق.

وعرق هو الجبل المشرف على ذات عرق. (معجم البلدان: 4/107 ـ 108).

( 234 )

فقال: يا ابن رسول الله، خلفت القلوب معك والسيوف مع بني امية.

فقال: صدقت إن الله يفعل ما يشاء.

فقال الرجل: يا ابن رسول الله، خبرني عن قول الله سبحانه: « يَوْمَ نَدْعُوا كُلّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ» (1).

فقال الحسين: نعم، يا أخا بني أسد، هما إمامان، إمام هدى دعا إلى هدى، وإمام ضلالة دعا إلى ضلالة، فهذا ومن أجابه إلى الهدى في الجنة، وهذا من أجابه إلى الضلالة في النار.

قال: واتصل الخبر بالوليد بن عتبة أميرالمدينة بأن الحسين عليه السلام توجه إلى العراق، فكتب إلى ابن زياد:

أما بعد:

فإن الحسين قد توجه إلى العراق وهو ابن فاطمة، وفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله، فاحذر ـ يا ابن زياد ـ أن تأتي إليه بسوء فتهيج على نفسك (وقومك) (2) أمراً في مدة (3) الدنيا لا يسده (4) شيء، ولا تنساه الخاصة والعامة أبداً ما دامت الدنيا.

قال: فلم يلتفت ابن زياد إلى كتاب الوليد. (5)

(1) سورة الاسراء: 71.

(2) من البحار.

(3) في المقتل والبحار: هذه.

(4) مقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي: 1/220 ـ 221، الملهوف على قتلى الطفوف: 131.

ومن قوله : واتصل الخير بالوليد) إلى هنا نقله المجلسي رحمه الله في البحار:

( 235 )

قال: ثم سار صلوات الله عليه حتى نزل الثعلبية (1) وقت الظهيرة فوضع رأسه فرقد، ثم استيقظ، فقال: رأيت هاتفاً (2) يقول: أنتم تسرعون (3) والمنايا تسرع بكم إلى الجنة.

فقال له ابنه علي: يا أباه، ألسنا على الحق؟

فقال: بلى، يا بني، والذي إليه مرجع العباد.

فقال: يا أباه، إذن لا نبالي بالموت.

فقال الحسين عليه السلام: جزاك الله خير ما جزى ولداً عن والده.

ثم بات صلوات الله عليه، فلما أصبح إذا برجل من أهل الكوفة يكنى أبا هرة الأزدي قد أتاه فسلم عليه، ثم قال: يا ابن رسول الله، ما الذي أخرجك من حرم الله وحرم جدك صلى الله عليه وآله؟

فقال الحسين عليه السلام: ويحك يا أبا هرة، إن بني امية أخذوا مالي فصبرت، وشتموا عرضي فصبرت، وطلبوا دمي فهربت، وأيم الله لتقتلني الفئة الباغية وليلبسنهم الله ذلاً شاملاً وسيفاً قاطعاً، وليسلطن عليهم من يذلهم حتى يكونوا أذل من قوم سبأ إذ ملكتهم امرأة (منهم) (4) فحكمت في أموالهم ودمائهم

 44/368 عن كتابنا هذا. وكذا في عوالم العلوم: 17/218.

(1) الثعلبية: من منازل طريق مكة من الكوفة بعد الشقوق وقبل الخزيمية، وهي ثلثا الطريق، وأسفل منها ماء يقال له الضويجعة على ميل منها مشرف، وإنما سميت بالثعلبية لإقامة ثعلبة بن عمرو بها، وقيل: سميت بثعلبة بن دودان بن أسد وهو أول من حفرها ونزلها. (معجم البلدان: 2/78).

(2) في المقتل: فارساً.

(3) في الملهوف: تسيرون.

(4) من المقتل والملهوف.

( 236 )

(حتى أذلتهم) (1). (2)

وفي كتاب تاريخ غر الرياشي بإسناده عن راوي حديثه قال: حججت فتركت أصحابي وانطلقت أتعسف الطريق وحدي، فبينا أنا أسير إذ رفعت طرفي إلى أخبية وفساطيط، فانطلقت نحوها حيث أتيت أدناها، فقلت: لمن هذه الأبنية؟

فقالوا: للحسين عليه السلام.

قلت: ابن علي وابن فاطمة عليهما السلام؟

قالوا: نعم.

قلت: أين هو؟

قالوا: في ذلك الفسطاط، فانطلقت نحوه، فإذا الحسين عليه السلام متك على باب الفسطاط يقرأ كتباً بين يديه، فسلمت فرد علي، فقلت: يا ابن رسول الله، بأبي أنت وامي ما أنزلك في هذه الأرض القفراء التي ليس فيها ريف ولا منعة؟

قال: إن هؤلاء أخافوني، وهذه كتب أهل الكوفة وهم قاتلي، فإذا فعلوا ذلك لم يدعوا والله محرماً إلا انتهكوه، بعث الله إليهم من يقتلهم حتى يكونوا أذل من فرم (3) الأمة.

قال: ثم سار صلوات الله عليه وحدث جماعة من فزارة وبجيلة قالوا: كنا

(1) من الملهوف.

(2) مقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي: 1/226، الملهوف على قتلى الطفوف: 131 ـ 132.

(3) الفرم: خرقة الحيض.

( 237 )

مع زهير بن القين لما أقبلنا من مكة، فكنا نساير الحسين عليه السلام حتى لحقناه، وكان إذا أراد النزول اعتزلناه فنزلنا ناحية (1).

فلما كان في بعض الأيام نزل في مكان لم نجد بداً من أن ننازله فيه، فبينا نحن نتغدى من زاد (2) لنا إذ أقبل رسول الحسين عليه السلام حتى سلم.

ثم قال: يا زهير بن القين، إن أبا عبدالله عليه السلام بعثني إليك لتاتيه، فطرح كل منا ما في يده حتى كأنما على رؤوسنا الطير.

فقالت له امرأته (3) ـ وهي ديلم بنت عمرو ـ : سبحان الله، أيبعث إليك ابن رسول الله صلى الله عليه وآله ثم لا تأتيه؟ فلو أتيته فسمعت من كلامه.

فمضى إليه زهير، فما لبث أن جاء مستبشراً قد أشرق وجهه، فأمر بفسطاطه فقوض وبثقله (4) ومتاعه فحول إلى الحسين عليه السلام.

وقال لامر أته: أنت طالق، فإني لا احب أن يصيبك بسببي إلا خير، وقد عزمت على صحبة الحسين عليه السلام لأفديه بروحي، وأقيه بنفسي، ثم أعطاها حقها (5) وسلمها إلى بعض بني عمها ليوصلها إلى أهلها. فقامت إليه (وودعته) (6) وبكت، وقالت: كان (7) الله لك، أسألك أن

(1) انظر: تاريخ الطبري: 5/393 ـ 394، إرشاد المفيد: 223، ترجمة الإمام الحسين عليه السلام من تاريخ دمشق: 211 ح 268، إعلام الورى: 229، الكامل في التاريخ: 4/39، البداية والنهاية: 8/169، البحار: 44/186 ح 14.

(2) في الملهوف: بطعام.

(3) في الملهوف: زوجته.

(4)كذا في الملهوف: وفي الأصل: بفسطاطه وثقله

(5) في الملهوف: مالها.

(6) من الملهوف.

(7) في الملهوف: خار.

( 238 )

تذكرني في القيامة عند جد الحسين عليه السلام.

ثم قال لأصحابه: من أراد (1) أن يصحبني، وإلا فهو آخر العهد (مني) (2) به.

وهذا الحديث نقلته من كتاب إغاثة الملهوف لسيدنا علي بن موسى بن جعفر بن طاووس (3).

ورأيت حديثاً أن زهير رضي الله عنه قال لأصحابه لما ودعهم: إني كنت غزوت بلنجر (4) مع سلمان الفارسي رضي الله عنه، فلما فتح الله علينا اشتد سرورنا، فقال سلمان: أفرحتم بما أفاء الله عليكم؟

قلنا: نعم.

فقال: إذا أدركتم شبان آل محمد فكونوا أشد فرحاً لقتالكم معهم (5) منكم ما أصبتم اليوم، وأنا أستودعكم الله تعالى، ثم ما زال الحسين عليه السلام حتى قتل رحمه الله. (6)

وقيل: إن الحسين عليه السلام لما وصل إلى زرود لقي رجلاً على راحلة، فلما رآه الرجل عدل عن الطريق، وكان الحسين عليه السلام قد وقف

(1) في الملهوف: من أحب منكم.

(2) من الملهوف.

(3) الملهوف على قتلى الطفوف: 132 ـ 133. وانظر : وقعة الطف: 161 ـ 162.

(4) كذا في المقتل، وفي الأصل: عزمت بلخاً.

وبلنجر : مدينة ببلاد الخزر خلف باب الأبواب : «معجم البلدان : 1/489» .

(5) في المقتل: بقتالكم معه.

(6) مقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي: 1/225.

( 239 )

ينتظره، فلما عدل مضى وتركه.

قال عبدالله بن سليم (1) والمنذر بن الشمعل (2) الأسديان: فعدلنا إلى الراكب، فسلمنا عليه، فرد علينا، فقلنا: مم الرجل؟

فقال: أسدي. قلنا: ونحن أسديان، فما الخبر؟

قال: الخبر إن مسلم بن عقيل وهانىء بن عروة قتلا، ورأيتهما يجران في الأسواق. فأتينا الحسين عليه السلام: فقلنا: إن عندنا خبراً، فنظر إلى أصحابه، فقال: ما دون هؤلاء سراً.

قلنا: أرأيت الراكب الذي عدل عن الطريق؟ إنه أخبر بكذا وكذا.

فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون.

قلنا: ننشدك الله في نفسك وهؤلاء الصبية فإنه ليس لك في الكوفة ناصر قريب (ولا شيعة، فنظر الحسين إلى بني عقيل فقال لهم: ما ترون فقد قتل مسلم؟ فبادر (3) بنو عقيل فقالوا: قتل صاحبنا، وننصرف! إنك والله لست كمثل مسلم، ولو قد نظر الناس إليك ما عدلوا بك أحد، وإنا والله لا نرجع حتى ندرك ثأرنا أو نذوق الموت كما ذاق أخونا، فنظر الحسين إلينا، وقال: ولا خير في

(1) في المقتل: سليمان.

(2) كذا في المقتل، وفي الأصل: والمراد بن إسماعيل، وفي وقعة الطف: والمذري المشمعل.

(3) من المقتل.

( 240 )

الحياة بعد هؤلاء، فعلمنا أنه يسير لا محالة، فقلنا: خار الله لك. (1)

وقيل: إن الخبر أتى الحسين بقتل مسلم في زبالة (2)، فعرف بذلك جماعة ممن تبعه، فتفرق عنه أهل الأطماع والارتياب، وبقي معه أهله وخيار أصحابه.

قال: وارتج الوضع لقتل مسلم وسالت الدموع كل مسيل. (3)

ثم سار الحسين عليه السلام قاصداً لما دعاه الله إليه، فلقيه الفرزدق، فسلم عليه ودنا منه وقبل يده، فقال له الحسين: من أين أقبلت؟

قال: من الكوفة. قال: كيف خلفت الناس (4)؟

فقال الفرزدق: يا أبا عبدالله، كيف تركن إله أهل الكوفة وهم الذين قتلوا ابن عمك مسلم وشيعته؟

فاستعبر الحسين عليه السلام باكياً، ثم قال: رحم الله مسلماً، فقد صار إلى روح الله وريحانه، وجنته (5) ورضوانه، قد قضى ما عليه وبقي ما علينا، ثم أنشأ يقول:

(1) مقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي: 1/228 ـ 229. وانظر: وقعة الطف: 164.

(2) زبالة: منزل معروف بطريق مكة من الكوفة،وهي قرية عامرة بها أسواق بين واقصة والثعلبية ... بعد القاع من الكوفة وقبل الشقوق فيها حصن وجامع لبني غاضرة من بني أسد. (معجم البلدان: 3/129).

(3) الملهوف على قتلى الطفوف: 134.

(4) في المقتل: أهل الكوفة.

(5) في المقتل والملهوف:وتحيته.

( 241 )

فــإن تـكـن الـدنـيا تـعد نـفيسه      فــإن  ثــواب الله أعـلـى وأنـبل
وإن  تـكـن الأرزاق قـسـماً مـقدراً      فقلة سعي(1) المرء في الكسب(2) أجمل
وإن تـكـن الأمـوال لـلترك جـمعها      فـما بـال مـتروك بـه الـمرء يبخل
وإن  تـكن الأجـساد(3) للموت انشئت      فـقتل امـرىء بـالسيف في الله أفضل

قال: وكتب الحسين عليه السلام إلى سليمان بن صرد والمسيب بن نجبة ورفاعة بن شداد وجماعة من الشيعة بالكوفة، وبعث به مع قيس بن مسهر الصيداوي.

فلما قارب دخول الكوفة اعترضه الحصين بن نمير صاحب عبيدالله بن زياد لعنه الله ليفتشه، فأخرج الكتاب ومزقه، فحمله الحصين إلى ابن زياد لعنه الله.

فلما مثل بين يديه، قال: من أنت؟

قال: أنا رجل من شيعة علي بن أبي طالب وابنه الحسين عليه السلام.

قال: فلماذا مزقت الكتاب؟

قال: لئلا تعلم ما فيه؟

قال: وممن الكتاب؟ وإلى من؟

(1) في المقتل والملهوف : حرص.

(2) في المقتل: الرزق، وفي الملهوف : السعي، وجاء فيهما هذا البيت ثالثاً.

(3) في المقتل والملهوف: الأبدان. وجاء فيهما هذا البيت ثانياً.

( 242 )

قال: من الحسين عليه السلام إلى جماعة من أهل الكوفة لا أعرف أسماءهم، فغضب ابن زياد وقال: والله لا تفارقني حتى تخبرني بأسماء هؤلاء القوم، أو تصعد المنبر فتلعن الحسين وأباه وأخاه، أو لاقطعنك (1) إرباً إرباً.

فقال: أما القوم فلا اخبرك بأسمائهم، وأما لعن الحسين وأبيه وأخيه فأفعل.

فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي صلى الله عليه وآله، وأكثر من الترحم على علي وولده عليهم السلام، ثم لعن عبيدالله بن زياد وأباه، ولعن عتاة بني امية بني امية عن أولهم وآخرهم.

ثم قال: أيها الناس (2) أنا رسول الحسين بن علي عليه السلام إليكم، وقد خلفته بموضع كذا فأجيبوه.

فأخبروا ابن زياد بذلك، فأمر بإلقائه من أعلى القصر، فالقي من هناك، فمات رحمه الله.

وبلغ الحسين عليه السلام موته فاستعبر باكياً، وقال: اللهم اجعل لنا ولشيعتنا منزلاً كريماً، واجمع بيننا وبينهم في مستقر من رحمتك (3)، إنك على كل شيء قدير.

وروي أن هذا الكتاب كتب من الحاجز، وقيل غير ذلك (4).

(1) في الملهوف: وإلا قطعتك.

(2) من الملهوف.

(3) في الملهوف: مستقر رحمتك.

(4) مقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي: 1/223، الملهوف على قتلى الطفوف: 134 ـ 136.

( 243 )

وورد الخبر بقتل قيس على الحسين عليه السلام وهو بزبالة، وكان قد تبعه خلق كثير من المنازل التي كان يمرها لأنهم كانوا يظنون استقامة الأمر له صلوات الله عليه.

فلما سار من زبالة قام في الناس خطيباً، فقال: إن أهل الكوفة وثبوا على مسلم بن عقيل وهانىء بن عروة فقتلوهما وقتلوا قيس بن مسهر (1)، فمن أحب منكم أن ينصرف فلينصرف من غير حرج، ليس عليه منا ذمام، فتفرق الناس عنه وأخذوا يميناً وشمالاً حتى بقي في أصحابه الذين جاءوا معه من المدينة (2)، وإنما أراد أن يصحبه إنسان إلا على بصيرة.

ثم سار عليه السلام حتى بقي على مرحلتين من الكوفة، فقال رجل من القوم: الله أكبر.

فقال الحسين: مما كبرت؟

قال: رأيت نخيل الكوفة.

قال الأسديان: هذا مكان ما رأينا فيه نخلاً قط.

قال الحسين عليه السلام: فما تريانه؟

قالا: والله نرى أسنة (3) الرماح، وآذان الخيل.

قال الحسين عليه السلام: وأنا أرى ذلك، فهل لنا ملجأ؟

(1) في بعض المصادر: عبدالله بن بقطر (يقطر) وهو أخو الحسين عليه السلام من الرضاعة.

(2) في المقتل: مكة.

(3) كذا في المقتل، وفي الأصل: قال: ما تريان إلا أسنة.

( 244 )

قالا: بلى، ذو حسم (1) إلى جنبك فمل إليه عن يسارك، فإن سبقت القوم إليه فهو كما تريد، فأخذ ذات اليسار، وطلعت الخيل، فعدلوا إليه وسبق الخيل إلى ذي حسم، فنزل صلوات الله عليه فيه، فجاء الحر بن يزيد الرياحي في ألف رجل فوقفوا.

فقال الحسين عليه السلام لأصحابه: اسقوا القوم ومدوهم، فسقوهم حتى ارتووا وكانوا شاكين في السلاح.

فقال الحسين عليه السلام: من قائدكم؟

فقالوا: الحر بن يزيد الرياحي، فناداه الحسين، وقال: يا حر، لنا أم علينا؟

فقال الحر: بل عليك.

فقال الحسين عليه السلام: لا حول ولا قوة إلا بالله العظيم.

قال: ودنت صلاة الظهر، فقال الحسين للحجاج بن مسروق: أذن يرحمك الله وأقم الصلا حتى نصلي.

قال: فأذن، فلما فرغ من أذانه صاح الحسين بالحر، فقال: أتريد أن تصلي بأصحابك وأصلي بأصحابي؟

فقال الحر: بل أنت صل ونصلي بصلاتك، فتقدم الحسين عليه السلام وصلى بالعسكرين جميعاً، فلما فرغ من صلاته وثب قائماً واتكى على قائم

(1) اسم جبل، كان النعمان يصطاد فيه، وبينه وبين عذيب الهجانات إلى الكوفة ثلاث وثلاثون ميلاً.

( 245 )

سيفه، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس معذرة إلي وإلى (1) من حضر من المسلمين، إني لم أقدم إلى هذا البلد حتى أتتني كتبكم، وقدمت علي رسلكم أن أقدم إلينا فإنه ليس علينا إمام، فلعل الله يجمعنا بك على الهدى، فإن كنتم على عهدكم فقد جئتكم، فإن تعطوني ما أطمئن إليه وأثق به من عهودكم ومواثيقكم أدخل مصركم معكم، وإن لم تفعلوا وكنتم كارهين لقدومي انصرفت على المكان الذي جئت منه، والسلام.

فقال له الحر: أما والله ما ندري بهذه الكتب التي تقول.

فقال: يا عقبة (2) بن سمعان، أخرج الخرجين وأخرجها، فنشر الكتب بين يديه.

فقال الحر: لسنا من هؤلاء.

وإذا بكتاب قد ورد من الكوفة من عبيدالله بن زياد إلى الحر:

أما بعد:

يا حر، فإذا أتاك كتابي فجعجع بالحسين ولا تفارقه حتى تأتيني به، فإني قد أمرت رسولي أن يلازمك فلا يفارقك حتى تأتيني بإنفاذ أمري إليك، والسلام.

فلما قرأ الكتاب بعث إلى بقاية من أصحابه (3) فدعاهم، ثم قال: ويحكم قد ورد علي كتاب هذا اللعين ابن زياد يأمرني أن أقدم على الحسين بما يسوء

(1) في المقتل: معذرة إليكم اقدمها إلى الله وإلى.

(2) كذا في المقتل، وفي الأصل: عتبة.

(3) في المقتل: إلى ثقات أصحابه.

( 246 )

ولا والله لا تطاوعني نفسي بذلك ولا تجيبني.

قال: فالتفت إليه رجل من أصحاب الحر يقال له أبو الشعثاء الكندي إلى رسول ابن زياد فقال له: فيما جئت ثكلتك امك؟

فقال: أطعت إمامي، ووفيت ببيعتي، وجئت برسالة أميري.

فقال له أبو الشعثاء: لعمري لقد عصيت ربك، وأطعت إمامك، وأهلكت نفسك، والتبست (1) عاراً، فبئس الإمام إمامك، قال الله سبحانه: « وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمّةً يَدْعُونَ إِلَى النّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لاَ يُنصَرُونَ» (2).

وقام الحسين عليه السلام على قدميه عند ذلك، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إنا أهل بيت نبيكم صلى الله عليه وآله، ونحن أولى بولاية هذا الأمر عليكم من هؤلاء المدعين ما ليس لهم، السائرين فيكم بالظلم والعدوان، فإن تتقوا وتعرفوا الحق لأهله فيكون ذلك رضى، وإن كرهتمونا وجهلتم حقنا، وكان رأيكم على خلاف ما جاءت به كتبكم انصرفت عنكم.

فأجابه الحر بما أجابه، وقال: امرنا إن لقيناك لا نفارقك حتى نقدم بك على الأمير.

قال: فتبسم الحسين صلوات الله عليه، ثم قال: يا ابن يزيد، أولا تعلم أن الموت أولى من ذلك؟ ثم التفت الحسين إلى أصحابه وقال: احملوا النساء واركبوا حتى ننظر ما (3) الذي يقدر أن يصنع هذا وأصحابه.

(1) في المقتل: واكتسبت.

(2) سورة القصص: 41.

(3) كذا في المقتل، وفي الأصل: ماذا؟

( 247 )

قال: فركب أصحاب الحسين وساقوا النساء بين أيديهم لينصرفوا إلى مكة، فتقدمت خيل أهل الكوفة حتى حالت بينهم وبين المسير، وضرب الحسين بيده إلى سيفه، وقال: يا ابن يزيد، ثكلتك امك، ما الذي أن تصنع؟

فقال الحر: أما والله يا حسين، لو قالها أحد من العرب غيرك لرددتها عليه كائناً من كان، ولكن والله مالي إلى ذكر امك من سبيل، غير أني لابد أن أنطلق بك إلى ابن زياد.

فقال الحسين عليه السلام: أما والله لا أتبعك أو تذهب نفسي.

فقال الحر: إذا والله لا افارقك أو تذهب نفسي ونفس أصحابي.

قال الحسين عليه السلام: فذر أصحابك وأصحابي وابرز إلي، فإن قتلتني حملت رأسي إلى ابن زياد، وإن قتلتك أرحت الخلق منك.

فقال الحر: إني لم أؤمر بقتالك، وإنما امرت أن لا أفارقك أو أقدم بك على ابن زياد، وأنا كاره والله أن ابتلي بشيء من أمرك، غير أني أخذت بيعة القوم وخرجت إليك، وأنا أعلم أنه ما يوافي أحد من هذه الامة يوم القيامة الا وهو يرجو شفاعة جدك، وأنا خائف إن قاتلتك أن أخسر الدنيا والآخرة، لكن يا أبا عبدالله، لا أقدر على الرجوع إلى الكوفة في وقتي هذا، فخذ في غير الطريق وامض حيث شئت حتى أكتب إلى ابن زياد ان الحسين خالفني الطريق فلم أقدر عليه، وانا انشدك الله في نفسك.

فقال: يا حر، كأنك تخبرني أني مقتول.

قال الحر: نعم يا أبا عبدالله، ما أشك في ذلك إلا أن ترجع من حيث

( 248 )

جئت.

فقال الحسين عليه السلام: لا أدري ما أقول لك، ولكن أقول كما قال أخو الأوس لابن عم له لقيه وهو يريد نصر رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: أين تذهب إنك مقتول؟

فقال:

سأمضي وما بالموت عار على الفتى      إذا مـا نـوى حـقاً وجـاهد مسلما
وواسـى الـرجال الصالحين بنفسه      وفـارق  مـذموماً وخـالف مجرماً
أقــدم نـفـسي لا اريـد بـقاءها      لتلقى خميساً في الوغى(1) وعرمرما
فـإن  عشت لم اذمم وإن مت لم الم      كـفى  بـك ذلاً أن تـعيش فترغما

ثم أقبل الحسين عليه السلام على أصحابه، وقال: هل فيكم أحد يعرف (2) الطريق على غير الجادة؟

فقال الطرماح (3): نعم، يا ابن رسول الله، أنا أخبر الطريق.

فقال الحسين عليه السلام: سر بين أيدينا، فسار الطرماح واتبعه الحسين

(1) في المقتل: النزال.

(2) في المقتل: يخبر.

(3) هو الطرماح بن عدي الطائي.

( 249 )

صلوات الله عليه وأصحابه، وجعل الطرماح يرتجز (ويقول) (1):

يا ناقتي لا تجزعي(2) من زجر      وامـضي  بنا قبل طلوع الفجر
بـخير  فـتيان وخـير سـفر      آل  رسـول الله آل(3) الـفخر
السادة البيض الوجوه الزهر(4)      الـطـاعنين بـالرماح الـسمر
الـضاربين  بالسيوف(5) البتر      حـتى  تـحلى بكريم النجر(6)
الماجد  الجد(7) الرحيب الصدر      أتـى بـه(8) الله لخير أمر(9)
عـمـره الله بـقـاء الـدهـر      يـا  مـالك الـنفع معاً والضر
أيـد حـسيناً سـيدي بـالنصر      عـلى الـطغاة مـن بقايا الكفر
عـلى  الـلعينين سليلي صخر      يـزيد لا زال حـليف الـخمر

وابن زياد العهر وابن العهر (10)

(1) من البحار.

(2) في المقتل والبحار: لا تذعري.

(3) في المقتل: أهل.

(4) في المقتل: الغر.

(5) في المقتل: بالصفاح.

(6) في البحار: الفخر.

(7) في المقتل: الحر.

(8) في البحار: أثابه.

(9) بقية الأرجاز في المقتل هكذا:

عـمره  الله بـقاء الـدهر      وزاده مـن طـيبات الذكر
يـا مالك النفع معاً والضر      أيـد  حسيناً سيدي بالنصر
على الطغاة من باقايا الكفر      أعني  اللعينين سليل صخر
وابن زياد العاهر ابن العهر      فـأنت يـا رب به ذو البر

(10) من قوله: (ثم أقبل الحسين عليه السلام) إلى هنا نقله المجلسي رحمه الله في البحار:

( 250 )

قال: وأصبح الحسين عليه السلام من وراء عذيب الهجانات (1) وإذا بالحر قد ظهر له (2) أيضاً في جيشه، فقصد الحسين، فقال: ما وراءك يابن يزيد؟ أليس أمرتنا أن نأخذ على غير الطريق فأخذنا وقبلنا مشورتك؟

فقال: صدقت، ولكن هذا كتاب ابن زياد ورد علي يؤنبني ويضعفني في أمرك.

قال الحسين: فذرنا ننزل بقرية نينوى أو الغاضرية؟

فقال الحر: والله ما أستطيع ذلك، هذا رسول ابن زياد معي، وإنما بعثه عيناً علي.

فأقبل زهير بن القين على الحسين، فقال: يابن رسول الله، ذرنا نقاتل هؤلاء القوم فإن قتالنا إياهم الساعة أهون علينا من قتال من يأتينا بعدهم.

فقال الحسين عليه السلام: صدقت يا زهير، ولكن ما كنت بالذي أبدأهم بالقتال حتى يبدأوني.

فقال زهير: سر بنا حتى ننزل كربلاء فإنها (على) شاطىء الفرات فنكون هناك، فإن قاتلونا قاتلناهم واستعنا عليهم بالله.

فدمعت عينا الحسين عليه السلام، وقال: أللهم إني أعوذ بك من

 44/378 ـ 379 عن كتابنا هذا وكذا في عوالم العلوم: 17/229.

(1) عذيب الهجانات قريب من عذيب القوادس، وعذيب القوادس ماء بين القادسية والمغيثة، بينه وبين القادسية أربعة أميال، وقيل غير ذلك. (معجم البلدان) 4/92).

(2) في المقتل: عارضه.

(3) من المقتل.

( 251 )

الكرب والبلاء ونزل الحسين في موضعه ونزل الحر حذاءه. (1).

وقام إلى الحسين رجل من شيعته يقال له هلال بن نافع الجملي (2)، فقال: يا ابن رسول الله، الست تعلم أن جدك رسول الله صلى الله عليه وآله لم يقدر أن يشرب الناس محبته، ولا أن يرجعوا من أمره إلى ما يحب (3)، وقد كان (منهم) (4) منافقون يعدونه النصر ويضمرون له الغدر، ويلقونه بأحلى من العسل، ويخلفونه بأمر من الحنظل حتى قبضه الله تعالى إليه، وأن أباك أمير المؤمنين عليه السلام كان في مثل ذلك، فقوم اجتمعوا على نصره وقاتلوا معه الناكثين والقاسطين والمارقين (وقوم قعدوا عنه وخذلوه) (5) حتى آتاه الله أجله فمضى إلى رحمة الله ورضوانه، وأنت اليوم عندنا في مثل تلك الحالة، فمن نكث عهده وخلع بيته فلن يضر إلا نفسه، والله تعالى مغن عنه، فسر بنا معافى راشداً إن شئت مشرقاً أو مغرباً، فوالله ما أشفقنا من قدر الله،ولا كرهنا لقاء ربنا، وإنا على نياتنا وبصائرنا، نوالي من والاك، ونعادي من عاداك.

ثم وثب إليه رجل من شيعته يقال له برير بن خضير الهمداني، فقال: والله يا ابن رسول الله، لقد من الله تعالى بك علينا أن نقاتل بين يديك، وتقطع (فيك) (6) أعضاؤنا، ثم يكون جدك صلى الله عليه وآله شفيعاً لنا يوم القيامة، لا أفلح قوم ضيعوا ابن (بنت) (7) نبيهم، اف لهم غداً ما يلاقون، ينادون بالويل والثبور في نار جهنم.

(1) مقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي: 1/229 ـ 234. وانظر: وقعة الطف: 167 ـ 173.

(2) كذا في المقتل، وفي الأصل: البجلي.

(3) في المقتل: ما كان أحب.

(4 و 5 و 6 و 7) من المقتل.

( 252 )

قال: فجمع الحسين عليه السلام ولده وإخوته وأهل بيته بين يديه، ثم نظر إليهم، فبكى ساعة، ثم قال: اللهم إنا عترة نبيك صلى الله عليه وآله وقد اخرجنا وطردنا وازعجنا عن حرم جدنا،وتعدت بنو امية علينا، فخذ لنا بحقنا، وانصرنا على القوم الظالمين.

ثم نادى عليه السلام بأصحابه ورحل من موضعه (1) حتى نزل كربلاء في يوم الأربعاء أو الخميس، وذلك في اليوم الثاني من المحرم سنة إحدى وستين، ثم أقبل على أصحابه، فقال: الناس عبيدالدنيا، والدين لعق على ألسنتهم يحوطونه ما درت (2) معايشهم، فإذا محصوا بالبلاء قل الديانون. ثم قال: أهذه كربلاء (3)؟ فقالوا: نعم.

فقال: هذا موضع كرب وبلا، هاهنا مناخ ركابنا، ومحط رحالنا، ومقتل رجالنا، ومسفك دمائنا. (4)

فنزل القوم وحطوا أثقالهم ناحية من الفرات، وضربت خيمة الحسين لأهله وبنيه وبناته، وضرب إخوته وبنو عمه خيامهم حول خيمته، وجلس

(1) كذا في المقتل، وفي الأصل: ودخل موضعه.

(2) كذا في المقتل، وفي الأصل: ما دارت.

(3) في (ح) وردت هذه الأبيات:

وجـد  الـسرى يـطوي الفيافي      إلى أن أتى في سيره أرض كربلا
فـلم  ينبعث مهر الحسين بخطوه      فـقال  الله يا صحب ما هذه الفلا
فـقالوا تـسمى كربلا قال هونوا      مـسيركم يـا قـوم قد نزل البلا

(4) انظر: الفتوح لابن أعثم: 5/149، مطالب السؤول: 2/36، نظم درر السمطين: 216، أمالي الصدوق: 132، تيسير المطالب: 92، المناقب لابن شهراشوب: 4/97،مثير الأحزان: 49، كشف الغمة: 2/47، البحار: 44/315.

( 253 )

الحسين عليه السلام يصلح سيفه ومعه جون مولى أبي ذر الغفاري، فأنشأ الحسين يقول:

يـا دهـر أف لك من خليل      كـم لك بالإشراق والأصيل
مـن طالب بحقهن قتيل(1)      والـدهر لا يـقنع بـالبديل
وكـل  حـي سـالك سبيل      ما  أقرب الوعد من الرحيل
وإنـما الأمـر إلـى الجليل      (سبحانه جل عن المثيل)(2)

فسمعت بذلك اخت الحسين زينب وام كلثوم، فقالت: يا أخي، هذا كلام من أيقن بالموت.

فقال: نعم، يا اختاه، لوترك القطا لغفا ونام.

فقالت زينب: واثكلاه ليت الموت أعدمني الحياة،مات جدي رسول الله صلى الله عليه وآله، ومات أبي علي، وماتت امي فاطمة، ومات أخي الحسن، والآن ينعى إلي أخي الحسين نفسه.

قال: وبكت النسوة، ولطمن الخدود، وشققن الجيوب، وجعلت ام كلثوم تنادي (3): وامحمداه، واعلياه، وااماه، واحسناه، واحسيناه ، واضيعتاه، يا أبا عبدالله.

فعزاها الحسين وصبرها، وقال: يا اختاه، تعزي بعزاء الله، وارضي بقضاء الله، فإن سكان السماء يفنون (4)، وأهل الأرض يموتون، « كل شيء

(1) في المقتل: من صاحب وطالب قتيل.

(2) من المقتل.

(3) في المقتل: وجعلت اخته تنادي.

(4) في المقتل: فإن أهل السماء يفوتون.

( 254 )

هالك إلا وجهه» يا اختاه، كان أبي وجدي وأخي وامي أفضل مني وقد ذاقوا الموت، وصاروا تحت الثرى، وان لي ولهم ولكل مؤمن اسوة برسول الله.

وعزاها الحسين: يا اختاه يا ام كلثوم ويا زينب ويا فاطمة، انظرن إذا قتلت فلا تشققن علي جيباً، ولا تخمشن وجهاً، ولا تقلن هجراً.

وقال الطرماح بن عدي: الوجه عندي في ذلك يا ابن رسول الله أن تركب معي جمازه فإني (أبلغ) (3) بك الليلة قبل الصباح أحياء طي، واسوي لك امورك، واقيم بين يديك خمسة آلاف مقاتل يقاتلون عنك.

فقال الحسين عليه السلام: ليس من مروة الرجل أن ينجو بنفسه ويهلك أهل وعياله.

فقال له أصحابه: إن هؤلاء إذا لم يجدوك لم يفعلوا بالعيال مكروهاً ، فلم يلتفت إلى قولهم، وجزى الطرماح خيراً.

وأقبل الحر حتى نزل بإزاء الحسين بكربلاء.

وكتب ابن زياد إلى الحسين عليه السلام:

أما بعد:

يا حسين، فقد بلغني نزولك بكربلاء، وقد كتب إلي أميرالمؤمنين يزيد أن لا أتوسد الوثير، ولا أشبع من الخمير، أو الحقك باللطيف الخبير، أو ترجع إلى حكمي وحكم يزيد.

(1) سورة القصص: 88.

(2) من المقتل.

( 255 )

فلما ورد كتابه على الحسين عليه السلام وقرأه رماه من يده، وقال: لا أفلح قوم شروا مرضاة المخلوق بسخط الخالق.

فقال له الرسول: الجواب يا أبا عبدالله.

فقال له: ما له عندي جواب، لأنه قد حقت عليه كلمة العذاب، فرجع الرسول إلى ابن زياد، فخبره بذلك، فغضب عدو الله أشد الغضب، ثم جمع أصحابه وقال: من منكم يتولى قتال الحسين أتولى به (1) أي بلد شاء؟ فلم يجبه أحد، والتفت إلى عمر بن سعد بن أبي وقاص وقد كان قبل ذلك بأيام قد عقد له عهداً وولاه الري وتستر، وأمره بحرب الديلم فأراد أن يخرج إليها، فلما كان ذلك أقبل عليه ابن زياد: فقال: اريد أن تمضي إلى حرب الحسين فإذا نحن فرغنا من أمره سرت إلى عملك.

فقال عمر بن سعد: أيها الأمير، إن رأيت أن تعفيني عن قتال الحسين منعماً علي.

فقال ابن زياد: فإنا قد أعفيناك، فاردد علينا عهدنا الذي كتبناه لك واجلس في منزلك حتى نبعث غيرك.

فقال عمر: فأمهلني اليوم حتى أنظر في أمري.

قال: قد أمهلتك.

قال: فانصرف عمر بن سعد إلى منزله ليستشير إخوانه ومن يثق به، فلا يشير عليه أحد بذلك غير أنهم يقولون: آثر الله واتق ربك ولا تفعل، وأقبل اليه حمزة بن المغيرة بن شعبة وهو ابن اخته، فقال انشدك الله يا خال ان تسير إلى

(1) في المقتل: بولاية.

( 256 )

(قتال) (1) الحسين فإنك تأثم بذلك وتقطع رحمك، فوالله لئن خرجت من سلطان الأرض كلها هو خير لك من أن تلقى الله بدم الحسين.

قال: فسكت عمر وفي قلبه من الري ما فيه (2)، فلما أصبح أقبل على ابن زياد، فقال له: ما عندك يا عمر؟

فقال: أيها الأمير، إنك وليتني هذا بعمل، وقد تسامع الناس به، فإن رأيت أن تفسده لي وتولي غيري فافعل، فإن في الكوفة أسماء بن خارجة، وكثير بن شهاب، ومحمد بن الأشعث، وغيرهم.

فقال له ابن زياد: لا تعلمني بأشراف الكوفة، فإني لا أستأمرك فيمن اريد أن أبعث، فإن سرت أنت فرجت عنا هذه الغمة، وأنت الحبيب القريب، وإلا فاردد علينا عملنا (3)، والزم منزلك فإنا لا نكرهك.

قال: فسكت عمر، وغضب ابن زياد، وقال: يا ابن سعد، والله لئن لم تمض إلى حرب الحسين (4) وتتولاه لأضربن عنقك، ولأهدمن دارك، ولأنهبن مالك (ولا ابقي عليك) (5) كائنا من كان.

فقال: إذاً فأنا سائر إليه غداً، فجزاه ابن زياد خيراً، ووصله وأعطاه، وضم إليه أربعة آلاف فارس، وقال له: خذ بكظم الحسين ، وحل بينه وبين ماء الفرات أن يشرب منه، ثم سار عمر بن سعد في أربعة آلاف نحو الحسين، وكان

(1 و 5) من المقتل.

(2) كذا في المقتل، وفي الأصل: ما في قلبه.

(3) في المقتل: عهدنا.

(4) في المقتل: لم تسر إلى الحسين.

( 257 )

(الحر) (1) عنده ألف فذلك خمسة آلاف، ثم دعا عمر بن سعد برجل من أصحابه يقال له عروة بن قيس، فقال له: امض إلى الحسين فاسأله ما الذي جاء به إلى هذا الموضع؟ وما الذي أخرجه من مكة؟

فقال عروة: أيها الأمير، إني كنت قبل اليوم اكاتب الحسين ويكاتبني، وأنا أستحي أن أصير إليه، فإن رايت أن تبعث غيري، فبعث ابن سعد برجل يقال له كثير بن عبدالله الشعبي (2)، وكان ملعوناً ناصبياً شديد العداوة لأهل البيت عليهم السلام فسل سيفه، فلما رأى أبو ثمامة الصائدي (3) قال للحسين: يا ابن رسول الله، قد جاءك شر الناس واجرأهم على سفك الدماء.

قال: فقام الحسين وقال له: ضع سيفك حتى نكلمك فقال: لا ولا كرامة، إنما أنا رسول فإن سمعت مني بلغت ما ارسلت به، وإن أبيت انصرفت.

فقال له أبو ثمامة: تكلم بما تريد ولاتدن من الحسين فإنك رجل فاسق، فغضب ورجع إلى ابن سعد، وقال: إنهم لم يتركوني أن أدنو من الحسين فابلغه رسالتك فابعث غيري، فأرسل إليه برجل يقال له قرة بن قيس الحنظلي، فلما أشرف على عسكر الحسين قال الحسين لأصحابه: هل تعرفون الرجل؟

فقال حبيب بن مظاهر: نعم، يا ابن رسول الله، هذا رجل من بني تميم ثم من بني حنظلة، وقد (4) كنت أعرفه حسن الرأي، وما ظننت أنه يشهد هذا المشهد، ثم تقدم الحنظلي حتى وقف بين يدي الحسين عليه السلام وأبلغه

(1) من المقتل.

(2) كذا في المقتل، وفي الأصل: يقال غيلان بن عبدالله السبيعي.

(3) كذا في المقتل، وفي الأصل: الصيداوي.

(4) كذا في المقتل، وفي الأصل: هذا رجل من تميم وقد.

( 258 )

رسالة عمر بن سعد.

فقال الحسين عليه السلام: يا هذا، أبلغ صاحبك اني لم ارد هذا البلد، ولكن كتب إلي أهله أن آتيهم يبايعوني ويمنعوني وينصروني، فإن كرهتموني انصرفت عنكم من حيث جئت.

ثم وثب إليه حبيب بن مظاهر، وقال: ويحك يا قرة، عهدي بك وأنت حسن الرأي في أهل البيت، فما الذي غيرك حتى جئتنا بهذه الرسالة، فأقم عندنا وانصر هذا الرجل الذي قد أتانا الله به؟

فقال الحنظلي: سمعت مقالتك، وهو أحق بالنصر من غيره، ولكني أرجع إلى صاحبي بالرسالة وأنظر في ذلك، ثم انصرف وأخبر ابن سعد بمقالة الحسين.

فقال ابن سعد: الحمد لله، والله إني لا أرجو أن يعافيني الله من حربه، ثم كتب إلى ابن زياد:

إلى الأمير عبيدالله بن زياد من عمر بن سعد.

أما بعد:

فإني نزلت بالحسين، ثم بعثت إليه رسولاً وسألته عما أقدمه، فذكر ان أهل الكوفة أرسلوا يسألونه القدوم عليهم ليبايعوه وينصروه، فإذا قد بدا لهم في نصرته فإنه ينصرف من حيث أتى ويلحق بيزيد بن معاوية، أو يلحق بأي بلد أردت فيكون كواحد من المسلمين، فأحببت أن اعلم الأمير بذلك.

فلما قرأ ابن زياد كتاب عمر فكر ساعة، ثم قال: الآن وقد علقت مخاليبنا يرجو ابن أبي تراب النجاة منها، هيهات لانجى الله ابن زياد إن نجا منها

( 259 )

الحسين، ثم كتب إلى ابن سعد:

أما بعد:

فقد بلغني كتابك وما ذكرت من أمر الحسين، فإذا ورد عليك كتابي هذا فأعرض عليه البيعة ليزيد، فإن فعل وأجاب إلى البيعة وإلا فائتني به، والسلام.

فلما ورد الكتاب على ابن سعد قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، أخاف أن ابن زياد لا يقبل العافية، والله المستعان، فلم يعرض ابن سعد على الحسين ما أرسل به ابن زياد لأنه علم أن الحسين لا يبايع يزيد أبداً (1).

قال: ثم جمع ابن زياد الناس في جامع الكوفة، ثم خرج فصعد المنبر، ثم قال: أيها الناس، إنكم بلوتم آل أبي سفيان فوجدتموهم كما تحبون، وهذا أمير المؤمنين يزيد قد عرفتموه حسن السيرة، محمود الطريقة، محسناً إلى الرعية، يعطي العطاء في حقه، قد أمنت السبل على عهده، وكذلك كان أبوه معاوية في عصره، وهذا ابنه يزيد من بعده يكرم العباد، ويغنيهم بالأموال ويكرمهم، وقد زادكم في أرزاقكم مائة مائة، وأمرني أن اوفرها عليكم واخرجكم إلى حرب عدوه الحسين، فاسمعوا له وأطيعوا.

ثم نزل عن المنبر ووفر للناس العطاء، وأمرهم أن يخرجوا إلى حرب الحسين عليه السلام، ويكونوا عوناً لابن سعد على حربه، فأول من خرج شمر بن ذي الجوشن في أربعة آلاف، فصار ابن سعد في تسعة آلاف، ثم أتبعه بيزيد بن ركاب الكلبي في ألفين، والحصين بن نمير السكوني في أربعة آلاف، وفلان المازني في ثلاثة آلاف، ونصر بن فلان في ألفين، فذلك عشرون ألفاً.

(1) في المقتل: لا يجيبه إلى ذلك أبداً.

( 260 )

ثم أرسل إلى شبث بن ربعي أن أقبل إلينا فإنا نريد أن نوجه بك إلى حرب الحسين، فتمارض شبث وأراد أن يعفيه ابن زياد، فأرسل إليه:

أما بعد:

فإن رسولي خبرني بتمارضك، وأخاف أن تكون من الذين إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزءون (1)، إن كنت في طاعتنا فأقبل إلينا مسرعاً، فأقبل إليه شبث بعد العشاء، لئلا ينظر الملعون إلى وجهه فلا يرى عليه أثر العلة، فلما دخل رحب به وقرب مجلسه، وقال: احب أن تشخص إلى قتال هذا الرجل عوناً لابن سعد عليه.

فقال: أفعل أيها الامير. (2)

فما زال يرسل إليه بالعساكر حتى تكامل عنده ثلاثون ألفاً ما بين فارس وراجل، ثم كتب إليه ابن زياد: إني لم أجعل لك علة في كثرة الخيل والرجال، فانظر لا اصبح ولا امسي إلا وخبرك عندي غدوة وعشية، وكان ابن زياد يستحث عمر بن سعد على قتال الحسين عليه السلام، وعمر بن سعد يكره ذلك. (3)

قال: والتأمت العساكر عند عمر بن سعد لستة أيام مضين من المحرم (4)، وأقبل حبيب بن مظاهر إلى الحسين عليه السلام، فقال: يا ابن رسول الله، هاهنا

(1) إشارة إلى الآية: 14 من سورة البقرة.

(2) كذا في خ ل الأصل والمقتل، وفي الأصل: الرجل.

(3) في المقتل: يكرة أن يكون قتل الحسين يده.

(4) في البحار :وكان ابن زياد يستحث عمر بن سعد لستة ايام مضين من المحرم .

( 261 )

حي من بني أسد بالقرب منا أفتأذن لي بالمصير إليهم (الليلة) (1) فأدعوهم إلى نصرتك، فعسى الله أن يدفع بهم الأذى عنك؟

قال: قد أذنت لك، فخرج حبيب إليهم في جوف الليل مستنكراً مستعجلاً حتى أتى إليهم فعرفوه أنه من بني أسد، فقالوا: ما حاجتك، يا ابن عمنا؟

فقال: إني قد أتيتكم بخير ما أتى به وافد إلى قوم، أتيتكم أدعوكم إلى نصرة ابن بنت نبيكم فإنه في عصابة من المؤمنين، الرجل منهم خير من ألف رجل، لن يخذلوه، ولن يسلموه بيد أعدائه (2) وهذا عمر بن سعد قد أحاط به، وأنتم قومي وعشيرتي، وقد أتيتكم بهذه النصيحة، فأطيعوني اليوم في نصرته تنالوا بها شرف الدنيا والآخرة (3)، فإني اقسم بالله لا يقتل أحد منكم في سبيل الله مع ابن بنت رسول الله صابراً محتسباً إلا كان رفيقاً لمحمد صلى الله عليه وآله في عليين. قال: فوثب إليه رجل من بني أسد يقال له عبدالله بن بشر، فقال: أنا أول من يجيب إلى هذه الدعوة، ثم جعل يرتجز (ويقول) (4):

قد علم القوم إذا تواكلوا (5)    وأحجم الفرسان أو تثاقلوا (6)

أني شجاع بطل مـقاتل (7)     كأنني لـيث عـرين باسـل

(1) من المقتل.

(2) في البحار: ولن يسلمه أبداً.

(3) في المقتل: وحسن ثواب الآخرة.

(4) من البحار.

(5) في المقتل: تناكلوا.

(6) في المقتل: إذ تناضلوا.

(7) في المقتل: إني الشجاع البطل المقاتل.

( 262 )

ثم تنادى (1) رجال الحي حتى التأم (2) منهم تسعون رجلاً فأقبلوا يريدون الحسين عليه السلام، وخرج رجل في ذلك الوقت من الحي يقال له (فلان) (3) ابن عمرو حتى صار إلى عمر بن سعد فأخبره بالحال، فدعا ابن سعد برجل من أصحابه يقال له الأزرق الشامي ـ وهو الذي قتله وبنيه قاسم بن الحسن عليه السلام واحداً بعد واحد ـ ، فضم إليه أربعمائة فارس ووجه (به) (4) نحو حي بني أسد، بينا اولئك القوم قد أقبلوا يريدون عسكر الحسين عليه السلام في جوف الليل إذ استقبلتهم خيل ابن سعد على شاطىء الفرات، وبينهم وبين عسكر الحسين النهر (5)، فناوش القوم بعضهم بعضاً واقتتلوا قتالاً شديداً، وصاح حبيب بن مظاهر بالأزرق: ويلك مالك ومالنا؟ انصرف عنا ودعنا يشقى بنا غيرك (6)، فأبى الأزرق أن يرجع ، وعلمت بنو أسد أنه لا طاقة لهم بالقوم فانهزموا راجعين إلى حيهم، ثم إنهم ارتحلوا في جوف الليل خوفاً من ابن سعد أن يبينهم، ورجع حبيب بن مظاهر إلى الحسين عليه السلام فخبره بذلك.

فقال عليه السلام: لا حول ولا قوة إلا بالله.

قال: ورجعت خيل ابن سعد حتى نزلوا على شاطىء الفرات، فحالوا بين الحسين وأصحابه وبين الماء، وأضر العطش بالحسين وأصحابه، فأخذ الحسين

( 263 )

عليه السلام فأساً وجاء إلى وراء خيمة النساء فخطا في (1) الأرض تسع عشرة خطوة نحو القبلة، ثم حفر هناك، فنبعت له عين من الماء العذب، فشرب الحسين عليه السلام وشرب الناس بأجمعهم وملؤا أسقيتهم، ثم غارت العين، فلم ير لها أثر. (2)

وبلغ ذلك ابن زياد، فأرسل إلى عمر بن سعد: بلغني أن الحسين يحفر الآبار، ويصيب الماء، فيشرب هو وأصحابه، فانظر إذ ورد عليك كتابي فامنعهم من حفر الآبار ما استطعت، وضيق عليهم، ولا تدعهم يذوقوا الماء، وافعل بهم كما فعلوا بالزكي عثمان.

فعندما ضيق عليهم عمر بن سعد غاية التضييق.

ثم دعا بعمرو بن الحجاج الزبيدي فضم إليه خيلاً عظيمة، وأمره أن ينزل علي الشريعة التي (هي) (3) حذاء عسكر الحسين.

قال: فنزلوا على الشريعة، فلما اشتد العطش بالحسين دعا بأخيه العباس بن علي فضم إليه ثلاثين فارساً وعشرين راجلاً وبعث معه عشرين قربة، فأقبلوا في جوف الليل حتى دنوا من الفرات.

فقال عمرو بن الحجاج: من أنتم؟

فقال رجل من أصحاب الحسين عليه السلام يقال له هلال بن نافع الجملي (4): أنا ابن عمم لك من أصحاب الحسين، جئت أشرب من هذا الماء الذي

(1) في المقتل: على.

(2) انظر أيضاً: مناقب ابن شهراشوب: 4/50 عنه مدينة المعاجز: 3/494 ح 1007.

(3) من المقتل.

(4) كذا في المقتل، وفي الأصل والبحار: البجلي.

( 264 )

منعتمونا إياه (1).

فقال عمرو: اشرب هنيئاً.

فقال هلال: ويحك كيف تأمرني أن أشرب والحسين بن علي ومن معه يموتون عطشاً؟!

فقال عمرو: صدقت، ولكن امرنا بأمر لا بد أن ننتهي إليه، فصاح هلال بأصحابه، فدخلوا الفرات، وصاح عمرو بالناس، فاقتتلوا على الماء قتالاً شديداً، فكان قوم يقاتلون وقوم يملأون (القرب) (2) حتى ملؤها، (قتل من أصحاب عمرو بن الحجاج جماعة) (3) ولم يقتل من أصحاب الحسين أحد، ثم رجع القوم إلى معسكرهم، فشرب الحسين ومن كان معه، ولهذا (4) سمي العباس عليه السلام السقاء.

ثم أرسل الحسين عليه السلام إلى عمر بن سعد لعنه الله: إني أريد أن اكلمك فالقني الليله بين عسكري وعسكرك، فخرج إليه ابن سعد في عشرين وخرج إليه الحسين في مثل ذلك، فلما التقيا أمر الحسين عليه السلام أصحابه فتنحوا عنه، فبقي معه أخوه العباس، وابنه علي الأكبر، وأمر عمر بن سعد أصحابه فتنحوا عنه، وبقي معه ابنه حفص وغلام له.

فقال له الحسين عليه السلام: ويلك يا ابن سعد، أما تتقي الله الذي إليه معادك؟ أتقاتلني وأنا ابن من علمت؟ ذر هؤلاء القوم وكن معي فإنه أقرب لك إلى الله تعالى.

(1) في المقتل: عنه.

(2 و 3) من المقتل.

(4) في البحار: ولذلك.

( 265 )

فقال عمر بن سعد: أخاف أن تهدم داري.

فقال الحسين عليه السلام: أنا أبنيها لك.

فقال: أخاف أن تؤخذ ضيعتي.

فقال الحسين عليه السلام: أنا أخلف عليك خيراً منها من مالي بالحجاز.

فقال: لي عيالي (1) وأخاف عليهم.

(فقال: أنا أضمن سلامتهم.

قال: ) (2) ثم سكت ولم يجبه إلى شيء فانصرف عنه الحسين عليه السلام وهو يقول: مالك ذبحك الله على فراشك عاجلاً، ولا غفر لك يوم حشرك؟ فوالله إني لا أرجو أن تأكل من بر العراق إلا يسيراً.

فقال ابن النحس سعد: في الشعير كفاية عن البر ـ مستهزئاً بذلك القول (3) ـ ، ثم رجع ابن سعد إلى معسكره، وإذا كتاب ابن زياد قد ورد عليه يؤنبه ويضعفه ويقول: ما هذه المطاولة؟ انظر إن بايع الحسين وأصحابه فابعث بهم إلي سالمين، وإن أبوا فازحف إليهم حتى تقتلهم وتمثل بهم فإنهم لذلك مستحقون، فإذا قتلت الحسين فأوطىء الخيل ظهره وبطنه، فإنه عاق شاق، فإذا فعلت ذلك جزيناك جزاء السامع المطيع، وإن أبيت ذلك فاعتزل خيلنا وجندنا وسلم الجند والعسكر إلى شمر بن ذي الجوشن فإنه أحزم منك أمراً، وأمضى عزيمة.

(1) في المقتل والبحار: عيال.

(2) من المقتل.

(3) من قوله: (فلم يعرض ابن سعد) إلى هنا نقله المجلسي رحمه الله في البحار: 44/385 ـ 389 عن كتابنا هذا، وكذا في عوالم العلوم: 17/236.

( 266 )

وروي أن ابن زياد بعث رجلاً يقال له جويرية بن زياد (1) (وقال) (2): إذا أوصلت كتابي هذا إلى عمر بن سعد فإن قام من ساعته لحرب الحسين فذاك، وإن لم يقم فخذه وقيده،وابعث به إلي، ويكون شمر بن ذي الجوشن الأمير على الناس.

فوصل الكتاب (وكان في الكتاب) (3): إني لم أبعثك يا ابن سعد لمنادمة الحسين، فإذا أتاك كتابي هذا فخيره بين أن تأتيني به أو تقاتله، فوثب ابن سعد من ساعته وأخبر الحسين بذلك، فقال الحسين عليه السلام: أخرنا إلى غد. (4)

وأقبل العباس إلى القوم الذين مع عمر بن سعد، فقال: يا هؤلاء، إن أبا عبدالله يسألكم الانصراف عنه باقي يومكم حتى ننظر (5) في هذا الأمر، ثم نلقاكم به غداً (6).

قال: فخبر القوم بذلك أميرهم، فقال عمر بن سعد لشمر: ماذا ترى؟

قال: أنا أرى رأيك ايها الأمير، فقل (7) ما تشاء.

فقال عمر بن سعد: إني أحببت ألا أكون أميراً فلم اترك وأكرهت، ثم أقبل عمر بن سعد على أصحابه، فقال: الرأي عندكم.

فقال رجل من أصحابه وهو عمرو بن الحجاج: سبحان الله! والله لو كانوا

(1) في المقتل: جويرة بن يزيد التميمي.

(2 و 3) من المقتل.

(4) مقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي: 1/236 ـ 246.

وانظر وقعة الطف: 175 ـ 189، الملهوف على قتلى الطفوف: 138 ـ 142.

(5) في المقتل: ينظر.

(6) كذا في المقتل، وفي الأصل: نلقاك غداً.

(7) في المقتل: فافعل.

( 267 )

من أهل الترك والديلم ويسألوا هذه الخصلة (1) لكان ينبغي أن نجيبهم إلى ذلك، فكيف وهم آل الرسول؟

فقال عمر بن سعد: خبروهم أنا قد أجلناهم باقي يومنا.

فنادى رجل من أصحاب ابن سعد: يا شيعة حسين، إنا قد أجلناكم يومنا إلى غد، فإن استسلمتم ونزلتم عل الحكم وجهنا بكم إلى الأمير، وإن أبيتم ناجزناكم، فانصرف الفريقان، وجاء الليل فبات الحسين عليه السلام ليلته تلك راكعاً وساجداً وباكياً ومستغفراً ومتضرعاً، وكذلك كانت صبيحته عليه السلام، وكان يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة.

وقيل (2) لعلي بن الحسين ما أقل ولد أبيك؟!

فقال عليه السلام: العجب كيف ولدت أنا له، إنه كان يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة، فمتى كان يتفرغ للنساء؟

وكذلك أصحابه باتوا كذلك لهم دوي كدوي النحل، وأقبل شمر في نصف الليل (يتجسس) (3) ومعه جماعة من أصحابه حتى قرب من عسكر الحسين عليه السلام، والحسين رافع صوته يتلو هذه الآية: « وَلاَ يَحْسَبَنّ الّذِينَ كَفَرُوا أَنّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً» (4) الآية: ثم تلا: « مَا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى‏ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى‏ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطّيّبِ» (5)

(1) في المقتل: الليلة.

(2) انظر: الملهوف على قتلى الطفوف: 154، البحار: 44/196 ح 10، وج82/311 ح17، وعوالم العلوم:17/61 ح 1.

(3) من المقتل.

(4) سورة آل عمران: 178.

(5) سورة آل عمران: 179.

( 268 )

فصاح رجل من أصحاب شمر وقال: نحن ورب الكعبة الطيبون وأنتم الخبيثون، وقد ميزنا منكم، فقطع برير بن خضير صلاته، ثم ناداه: يا فاسق: يا فاجر، يا عدو الله، يا ابن البوال على عقبيه، أمثلك يكون من الطيبين والحسين من الخبيثين؟! والله ما أنت إلا بهيمة لا تعقل، فأبشر بالخزي يوم القيامة،فصاح به شمر وقال: أيها المتكلم، إن الله قاتلك وقاتل صاحبك عن قريب.

فقال برير: يا عدو الله، أبالموت تخوفني، والله إن الموت مع ابن رسول الله أحب إلي من الحياة معكم، والله لا نال شفاعة محمد قوماً أراقوا دماء ذرياته (1) وأهل بيته.

وأقبل رجل من أصحاب الحسين، فقال: يا برير، إن أبا عبدالله يقول: إرجع إلى مكانك (2)، ولا تخاطب القوم، فلعمري لئن كان مؤمن آل فرعون نصح لقومه وأبلغ في الدعاء فلقد نصحت وأبلغت.

فلما (3) كان وقت السحر خفق الحسين عليه السلام برأسه، ثم استيقظ، فقال: أتعلمون ما رأيت في منامي الساعة؟ رأيت كأن كلاباً قد شدت علي (لتنهشني) (4) وفيها كلب أبقع رأيته أشدها، وأظن الذي يتولى قتلي رجل أبرص من بين هؤلاء ، ثم اني رايت جدي رسول الله صلى الله عليه وآله ومعه جماعة من أصحابه وهو يقول لي: يا بني، أنت شهيد آل محمد، وقد استبشرت بك ملائكة السماوات (5) وأهل الصفيح الأعلى فليكن إفطارك عندي الليلة، فعجل

(1) في المقتل: ذريته.

(2) في المقتل: موضعك.

(3) انظر أيضاً: البحار: 45/3، وج61/183 ح50.

(4) من المقتل.

(5) في المقتل: وقد استبشر بك أهل السماوات.

( 269 )

ولا تتأخر، فهذا ملك من السماء قد نزل ليأخذ دمك في قارورة خضراء فهذا ما رأيت، وقد أزف الأمر واقترب الرحيل من هذه الدنيا، لا شك في ذلك (1).

قال: فلطمت زينب وجهها وصاحت.

فقال الحسين عليه السلام: مهلاً، يا اختاه، لا يشمت (2) القوم بنا.

ثم جمع الحسين عليه السلام أصحابه بالليلة، فحمد الله وأثنى عليه، ثم أقبل عليهم، فقال:

أما بعد، فإني لا أعلم أصحاباً أصلح (3) منكم، ولا أهل بيت آثر (4) ولا أفضل من أهل بيتي، فجزاكم الله (عني) (5) جميعاً خيراً، وهذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملاً، وليأخذ كل رجل منك بيد رجل من أهل بيتي، وتفرقوا في سواد(هذا) (6) الليل وذروني وهؤلاء، فإنهم لا يريدون غيري.

فقال له إخوته وبنو عمه وأولاد عبدالله بن جعفر: ولم نفعل ذلك؟ لنبقى بعدك! لا أرانا الله ذلك أبداً، وكان الذي بدأ بهذا القول العباس بن أميرالمؤمنين، ثم تابعوه الباقون.

ثم نظر الحسين عليه السلام إلى بني عقيل فقال: حسبكم من القتل بصاحبكم مسلم، اذهبوا فقد أذنت لكم.

وروي من طريق آخر: فتكلم إخوته وجميع أهل بيته، وقالوا: يا ابن

(1) مقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي: 1/250 ـ 252.

(2) في الملهوف: خيراً.

(3) في الملهوف: أبر.

(4) في الملهوف: أبر.

(5 و 6) من الملهوف.

( 270 )

رسول الله، ما تقول الناس لنا؟ وماذا نقول لهم؟ إنا (1) تركنا شيخنا وكبيرنا وابن (بنت) (2) نبينا ولم نرم معه بسهم، ولم نطعن برمح، ولم نضرب بسيف، لا والله يا ابن رسول الله لانفارقك أبداً ولكنا نفديك (3) بأنفسنا حتى نقتل بين يديك ونرد موردك، فقبح الله العيش بعدك.

ثم قام مسلم بن عوسجة، وقال: نحن نخلفك (4) هكذا وننصرف عنك وقد أحاط بك هذا العدو! والله لا يراني الله أبداً أفعل ذلك حتى أكسر في صدورهم رمحي، واضاربهم بسيفي ما ثبت قائمه بيدي، ولو لم يكن لي سلاح اقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة، ولم افارقك أو أموت.

قال: وقام سعيد بن عبدالله الحنفي فقال: لا والله يا ابن رسول الله لا نخليك أبداً حتى نعلم أنا قد حفظنا فيك رسول الله صلى الله عليه وآله (5)، ولو علمت أني اقتل(فيك) (6)، ثم احيى، ثم احرق، ثم اذرى، يفعل ذلك بي سبعين مرة، ما فارقتك حتى ألقى حمامي من دونك، فكيف وإنما هي قتله واحدة، ثم أنال الكرامة التي لا انقضاء لها؟!

ثم قام زهير بن القين، وقال: والله يا ابن رسول الله وددت أني قتلت، ثم نشرت ألف مرة وأن الله تعالى قد دفع هذه الفتنة عنك (7) وعن هؤلاء الفتية من إخوتك وولدك وأهل بيتك.

(1) في الملهوف: إذ.

(2 و 6) من الملهوف.

(3) في الملهوف: نقيك.

(4) في الملهوف: نخليك.

(5) في الملهوف: حتى يعلم الله ... فيك وصية رسوله محمد صلى الله عليه وآله.

(7) في الملهوف: قد دفع بذلك القتل عنك.

( 271 )

وتكلم جماعة أصحابه بنحو من ذلك، وقالوا: أنفسنا لك الفداء نقيك بأيدينا ووجوهنا، فإذا نحن قتلنا بين يديك نكون قد وفينا لربنا (وقضينا) (1) ما علينا.

وقيل لمحمد بن بشير الحضرمي في تلك الحال: قد اسر ابنك بثغر الري.

فقال: عند الله أحتسبه ونفسي، ما كنت احب أن يؤسر وأبقى بعده.

فسمع الحسين عليه السلام قوله، فقال: رحمك الله، أنت في حل من بيعتي، فاعمل في فكاك ابنك.

فقال: أكلتني السباع حياً إن فارقتك.

قال: فأعط ابنك هذه الأثواب البرود (2) يستعين بها على (3) فكاك أخيه.

فأعطاه خسمة أثواب قيمتها ألف دينار.

قال: فلما كان الغداة أمر الحسين بفسطاطه فضرب، وأمر بجفنة فيها مسك كثير وجعل عندها نورة، ثم دخل ليطلي.

فروي أن برير بن خضير (4) وعبدالرحمن بن عبد ربه الأنصاري وقفا على باب الفسطاط فتطليا بعد الحسين عليه السلام، فجعل برير يضاحك عبدالرحمن.

فقال عبدالرحمن: يا برير، أتضحك؟! ما هذه ساعة ضحك ولا باطل. (5)

(1) من الملهوف.

(2) في الملهوف: هذه البرود، والبرد: ثوب.

(3) في الملهوف: في.

(4) في الملهوف: حصين.

(5) كذا في الملهوف: وفي الأصل: أتضحك هذه حال باطل؟

( 272 )

فقال برير: لقد علم قومي أنى ما أحببت الباطل كهلاً ولا شاباً، وإنما أفعل ذلك استبشاراً بما نصير إليه فوالله ما هو إلا أن نلقى (1) هؤلاء القوم بأسيافنا نعالجهم بها ساعة، ثم نعانق الحور العين. (2).

قال: وركب أصحاب عمر بن سعد، فقرب إلى الحسين عليه السلام فرسه فاستوى عليه، وتقدم نحو القوم في نفر من أصحابه، وبين يديه برير بن خضير فقال له الحسين عليه السلام: كلم القوم، فتقدم برير حتى وقف قريباً من القوم وقد زحفوا نحو الحسين بأجمعهم، فقال لهم برير: يا قوم (3)، اتقوا الله فإن ثقل محمد صلى الله عليه وآله قد أصبح بين أظهركم، هؤلاء ذريته وعترته وبناته وحرمه، فهاتوا ما عندكم وما الذي تريدون أن تصنعوه بهم؟

فقالوا: نريد أن نمكن منهم الأمير ابن زياد فيرى رأيه فيهم.

فقال لهم برير: افلا تقبلون (4) منهم إن يرجعوا إلى المكان الذي جاءوا منه؟ ويلكم ـ يا أهل الكوفة ـ أنسيتم كتبكم وعهودكم التي أعطيتموها وأشهدتم الله عليها؟ يا ويلكم أدعوتم أهل بيت نبيكم وزعمتم أنكم تقتلون أنفسكم دونهم، حتى إذا أتوكم أسلمتموهم إلى ابن زياد، وحرمتموهم (5) عن ماء الفرات؟ بئسما خلفتم نبيكم في ذريته، مالكم لا سقاكم الله (6) يوم القيامة، فبئس القوم أنتم.

(1) كذا في الملهوف، وفي اأصل: بما يصير، فوالله ما هو إلا نلقى.

(2) الملهوف على قتلى الطفوف: 151 ـ 152.

(3) في المقتل: يا هؤلاء.

(4) في المقتل: ترضون.

(5) في البحار: وحلأ تموهم.

(6) لفظ الجلالة أثبتناه من المقتل.

( 273 )

فقال له نفر منهم: يا هذا، ما ندري ما تقول؟

فقال برير: الحمد لله الذي زادني فيكم بصيرة، اللهم إني أبرأ إليك من فعال هؤلاء القوم، اللهم ألق بأسهم بينهم حتى يلقوك وأنت عليهم غضبان، وفجعل القوم يرمونه بالسهام، فرجع (1) برير إلى ورائه.

وتقدم الحسين عليه السلام حتى وقف بإزاء (2) القوم، فجعل ينظر إلى صفوفهم كأنهم (3) السيل، ونظر إلى عمر بن سعد واقفاً في صناديد الكوفة، فقال: الحمد لله الذي خلق الدنيا فجعلنا دار فناء وزوال، ومتصرفة بأهلها حالاً بعد حال، فالمغرور من غرته، والشقي من فتنته، فلا تغرنكم هذه الدنيا، فإنها تقطع رجاء من ركن إليها، وتخيب طمع من طمع فيها، وأراكم قد اجتمعتم على أمر قد أسخطتم الله في عليكم، وأعرض بوجهه الكريم عنكم، وأحل بكم نقمته، وجنبكم رحمته، فنعم الرب ربنا هو، وبئس العبيد أنتم، أقررتم بالطاعة وآمنتم بالرسول صلى الله عليه وآله، ثم أنتم قد رجعتم (4) إلى ذريته وعترته تريدون قتلهم، لقد استحوذ عليكم الشيطان وانساكم ذكر الله، فتباً لكم ولما تريدون، إنا لله وإنا إليه راجعون، هؤلاء قوم كفروا بعد إيمانهم، فبعداً للقوم الظالمين.

فقال عمر بن سعد: ويلكم كلموه فإنه ابن أبيه، والله لو وقف فيكم هكذا يوماً جديداً لما انقطع ولا حصر، فكلموه، فتقدم إليه شمر، فقال: يا حسين (ما) (5) هذا الذي تقول؟ أفهمنا حتى نفهم.

(1) كذا في المقتل والبحار، وفي الأصل: فجعل.

(2) في المقتل: قبالة.

(3) في المقتل: كأنها.

(4) في المقتل والبحار: ثم إنكم زحفتم.

(5) من المقتل والبحار.

( 274 )

قال عليه السلام: أقول: أتقوا الله ولا تقتلون، فإنه لا يحل لكم قتلي، (ولا انتهاك حرمتي) (1) فإني ابن بنت نبيكم، وجدتي خديجة زوجة نبيكم، ولعلكم قد بلغكم قول نبيكم صلى الله عليه وآله: الحسن والحسين سيدا (شباب) (2) أهل الجنة (3)، فإن كذبتموني فإن فيكم من الصحابة مثل جابر بن عبدالله (وسهل بن سعد) (4) وزيد بن أرقم وأنس بن مالك فاسالوهم عن هذا الحديث فإنهم يخبرونكم انهم سمعوه من رسول الله صلى الله عليه وآله، وإن كنتم في شك من أمري أفلست ابن بنت نبيكم؟ أتشكون في ذلك؟ فوالله ما (5) بين المشرقين والمغربين ابن بنت نبي غيري، أتطلبوني بدم أحد قتلته منكم، أو بمال استملكته (6)، أو بقصاص من جراحات (استهلكته) (7)؟ فسكتوا لا يجيبونه.

ثم قال عليه السلام: والله لا اعطي (8) بيدي إعطاء الذليل، ولا أفر فرار العبيد، عبادالله إني عذت بربي وربكم (أن ترجمون وأعوذ بربي وربكم) (9) من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب.

فقال شمر: يا حسين، الشمر يعبدالله على حرف إن كان يدري ما تقول.

(1) من المقتل والبحار.

(2 و 4 و 7 و 9) من المقتل.

(3) زاد في المقتل: ما خلا النبيين والمرسلين، فإن صدقتموني بما أقول وهو الحق، والله ما تعمدت كذباً مذ علمت أن الله يمقت عليه أهله.

ومن قوله: (وركب أصحاب عمر بن سعد) إلى هنا نقله المجلسي رحمه الله في البحار:

45/5 ـ 6 عن كتابنا هذا.

(5) ليس ـ خ ل ـ .

(6) كذا في المقتل، وفي الأصل: استهلكته.

(8) في المقتل: اعطيهم.

( 275 )

قال: فسكت الحسين عليه السلام، وناداه حيبيب بن مظاهر: إني أظنك تعبدالله على سبعين حرفاً يا فاسق، وأنا أشهد أنك ما تدري ما تقول، وأن الله تعالى قد طبع على قلبك.

فقال له الحسين عليه السلام (1): حسبك يا أخابني أسد، فقد قضى القضاء، وجف القلم، والله بالغ أمره، وإني لأشوق إلى جدي وأبي وامي وأخي وأسلافي من يعقوب إلى يوسف عليه السلام وأخيه، ولي مصرع أنا ملاقيه. (2)

ثم إن الحسين عليه السلام عبأ أصحابه وكان ذلك اليوم يوم عاشوراً، وكان معه اثنان وثلاثون فارساً وأربعون راجلاً، وفي رواية اخرى: إثنان وثمانون راجلاً، فجعل على ميمنته زهير بن القين، وعلى ميسرته حبيب بن مظاهر، ودفع اللواء إلى أخيه العباس، وثبت الحسين عليه السلام مع أهل بيته في القلب.

وعبأ عمر بن سعد أصحابه، فجعل على ميمنته عمرو بن الحجاج، وعلى ميسرته شمر، وثبت هو في القلب، وكان جنده (3) اثنين وعشرين ألفاً.

وفي رواية عن الصادق عليه السلام: ثلاثين ألفاً لما رواه ابن بابويه رضي الله عنه في أماليه في قول الحسن للحسين عليهما السلام: يزدلف إليك ثلاثون ألفاً. (4)

وروي أن الحسين عليه السلام لما أحاط به القوم وامراؤهم (وأيقن

(1) في المقتل: يا حسين بن علي أنا أعبدالله على حرف إن كنت أدري ما تقول.

(2) مقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي: 1/252 ـ 254.

(3) كذا في المقتل، وفي الأصل: وكانوا ... على اثنين وعشرين ألفاً.

(4) أمالي الصدوق: 101 ح 3، مناقب ابن شهراشوب : 4/86، مثير الأحزان: 23، الملهوف على قتلى الطفوف: 99، إثبات الهداة: 2/556 ح7، البحار: 45/218 ح44.

( 276 )

أنهم) (1) قاتلوه قام خطيباً في أصحابه، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: قد نزل من الأمر ما ترون، إن الدنيا قد أدبرت (2) وتنكرت، وأدبر معروفها، حتى لم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء، أو (3) خسيس عيش كالمرعى الوبيل، أما ترون الحق لا يعمل به، والباطل لا يتناهى عنه؟ ليرغب المؤمن في لقاء الله، وإني لا أرى الموت إلا سعادة، والحياة (4) مع الظالمين إلا برماً.

وروي عن زيد بن علي، عن أبيه ـ بحذف الأسانيد ـ ،قال: خطب الحسين عليه السلام أصحابه، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، خط الموت على بني آدم خط (5) القلادة على جيد الفتاة، ما أولعني بالشوق إلى اسلافي، وإن لي مصرعاً أنا لاقيه، كأني أنظر إلى أوصالي تقطعها وحوش الفلوات قد ملأت مني أكرشها، رضى الله رضانا أهل البيت نصبر على بلائه ليوفينا اجور الصابرين، لن تشذ عن رسول الله صلى الله عليه وآله لحمته (6) وعترته، ولن تفارقه أعضاؤه، وهي مجموعة له في حضيرة القدس تقربهم (7) عينه.

وروي أنه لما عبأ عمر بن سعد أصحابه لمحاربة الحسين عليه السلام، ورتبهم (في) (8) مراتبهم، وأقام الرايات في مواضعها، وعبأ (الحسين أصحابه

(1 و 8) من المقتل.

(2) في المقتل: تغيرت.

(3) في المقتل: من.

(4) في المقتل: والعيش.

(5) في المقتل: كمخط.

(6) كذا في المقتل، وفي الأصل: حرمته.

(7) في المقتل: بها.

( 277 )

في) (1) الميمنة والميسرة، وأحاطوا بالحسين من كل جانب حتى جعلوه في مثل الحلقة، فخرج حتى أتى الناس فاستنصتهم، فأبوا أن ينصتوا، حتى قال لهم: ويلكم ما عليكم ان تنصتوا إلي، فتسمعوا قولي، وإنما أدعوكم إلى سبيل الرشاد.

ثم قال ـ بعد كلام طويل ـ : الا إن الدعي بن الدعي، قد ركز بين اثنتين، بين السلة (2) والذلة، وهيهات منا آخذ الدنية، أبى الله(ذلك) (3) ورسوله، جدود طابت، وحجور طهرت، وانوف حمية، ونفوس أبيه، ألا وقد أعذرت وأنذرت، ألا إني زاحف بهذه الاسرة على قلة العتاد، وخذلة الأصحاب، ثم أنشأ:

فإن نهزم فهزامون قدما    وإن نهزم فغير مهزمينا

وما ان طبنا جبن ولكن    منايانا ودولة آخـرينا

ألا ثم لا تلبثون بعدها إلا كريث ما يركب الفرس، حتى تدور بكم (دور) (4) الرحى، عهد عهده إلي أبي (عن جدي) (5) فاجمعوا أمركم وشركاءكم، ثم كيدوني فلا تنظرون، اللهم احبس عنهم قطر السماء، وابعث عليهم سنيناً كسنين يوسف، وسلط عليهم غلام ثقيف يسقيهم كأساً مصبرة، ولا يدع منهم (6) أحداً إلا قتله (قتله) (7) بقتله، وضربة بضربة، ينتقم لي ولأوليائي ولأهل بيتي منهم، فإنهم غرونا وخذلونا، وأنت ربنا، عليك توكلنا،وإليك أنبنا، وإليك

(1 و 4 و 7) من المقتل.

(2) كذا في الملهوف، وفي الأصل: القلة، وفي المتقل: القتلة.

(3) من المقتل، وفي الملهوف: وهيهات منا الذلة، يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون، حجور طابت، وحجور طهرت.

(6) في المقتل: فيهم.

( 278 )

المصير (1).

ثم قال صلوات الله عليه: ادعوا لي عمر بن سعد، فدعي له ـ وكان كارهاً لا يحب أن يأتيه ـ، فقال: يا عمر، أنت تقتلني وتزعم أن الدعي بن الدعي يوليك الري وجرجان، والله لا تتهنأ بذلك أبداً، عهد معهود، فاصنع ما أنت صانع، فإنك لا تفرح بعدي بدنيا ولا آخرة، ولكأني براسك على قصبة قد نصبت بالكوفة، يتراماه الصبيان بالحجارة ويتخذونه غرضاً بينهم. (2)

فاغتاض (3) عمر بن سعد من كلامه، ثم صرف وجهه عنه ونادى بأصحابه: ما تنظرون؟ احملو عليه بأجمعكم.

قال: فدعا الحسين عليه السلام بفرس رسول الله عليه وآله المرتجز، فركبه وعبأ أصحابه، وزحف إليه عمر بن سعد ونادى غلامه دريداً: قدم رايتك، ثم وضع عمر سهمه في قوسه، ثم رمى، وقال: اشهدوا لي عند الأمير عبيدالله أني أول من رمى الحسين، فرمى أصحابه كلهم بأجمعهم، فما بقي أحد من أصحاب الحسين عليه السلام إلا اصابه من سهامهم (4)

قيل: فلما رموهم هذه الرمية قل أصحاب الحسين عليه السلام، وبقي القوم الذين يذكرون، وقتل في هذه الحملة الاولى من أصحاب الحسين خمسون رجلاً رحمة الله عليهم (5)، فعندها ضرب الحسين عليه السلام بيده إلى

(1) انظر الأحاديث الغيبية: 2/311 ح 572.

(2) تيسير المطالب: 95 ـ 97.

(3) في المقتل: فغضب.

(4) في المقتل: من رميتهم سهم.

(5) من قوله: (فرمى أصحابه كلهم) إلى هنا نقله المجلسي رحمه الله في البحار: 45/12 عن كتابنا هذا. وكذا في عوالم العلوم: 17/255.

( 279 )

لحيته، وقال: اشتد غضب الله على اليهود والنصارى إذ جعلوا له ولداً، واشتد غضب الله على المجوس إذ عبدت (الشمس والقمر و) (1) النار، واشتد غضب الله على قوم اتفقت آراؤهم على قتل ابن بنت نبيهم، والله لا اجيبهم إلى شيء مما يريدونه أبداً حتى ألقى الله وأنا مخضب بدمي.

ثم صاح عليه السلام: أما من مغيث يغيثنا لوجه الله تعالى؟ أما من ذاب يذب عن حرم رسول الله؟

وكان الحر حين أمره عبيدالله بن زياد بالمسير الى حرب الحسين وخرج من منزله نودي ثلاث مرات: يا حر، أبشر بالجنة، فالتفت فلم ير أحد.

فقال: ثكلت الحر امه، يمضي إلى حرب ابن رسول الله ويدخل الجنة! فنم ذلك الكلام في فؤاده، فلما سمع الحسين عليه السلام يستغيث اضطرب قلبه، ودمعت عيناه، فخرج باكياً متضرعاً مع غلام له تركي، وأتى إلى عمر بن سعد، وقال: أمقاتل أنت هذا الرجل؟

فقال: إي والله قتالاً أيسره (أن) (2) تسقط الرؤوس وتطيح الأيدي.

فقال: أما لكم في الخصال التي عرض عليكم رضى؟

قال: والله لو كان الأمر إلي لفعلت، ولكن أميرك قد أبى ذلك.

فأقبل الحر حتى وقف موقفاً من أصحابه وأخذه مثل الأفكل (3)، فقال له المهاجر بن أوس: والله إن أمرك لمريب، ولو قيل: من أشجع أهل الكوفة؟ لما

(1) من المقتل: وفي الملهوف: إذ عبدوا الشمس والقمر دونه.

(2) من المقتل.

(3) الأفكل: الرعدة من برد أو خوف. (لسان العرب: 11/ 19 ـ أفكل ـ).

( 280 )

عدوتك، فما هذا الذي أرى منك؟

فقال: والله إني اخير نفسي بن الجنة والنار، فوالله لا أختار على الجنة شيئاً ولو قطعت وحرقت.

ثم ضرب فرسه قاصداً الحسين عليه السلام ويده على رأسه وهو يقول: اللهم إني تبت فتب علي، فقد أرعبت قلوب أوليائك وأولاد نبيك.

وقال للحسين عليه السلام: جعلت فداك، أنا صاحبك الذي حبستك عن الرجوع، وسايرتك في الطريق، والله الذي لا إله إلا هو، ما ظننت أن القوم يردون عليك ما عرضت عليهم، والله لو حدثتني (1) نفسي أنهم يقتلوك لما ركبتها منك (2) أبداً، وإني قد جئتك تائباً إلى ربي، ومواسيك بنفسي حتى أموت بين يديك، فهل ترى لي من توبة؟

قال: نعم يتوب الله عليك ويغفر لك، ما اسمك؟

قال: انا الحر.

قال: أنت الحر كما سمتك امك إن شاء الله في الدنيا والآخرة، انزل.

قال: أنا لك فارساً خير مني لك راجلاً، اقاتلهم على فرسي ساعة، وإلى النزول مصيري، ثم قال (3): يا ابن رسول الله، كنت أول خارج عليك، فائذن لي لأكون أول قتيل بين يديك، وأول من يصافح جدك غداً ـ وإنما قال الحر: لأكون أول قتيل من المبارزين،وإلا فإن جماعة كانوا قد قتلوا في الحملة

(1) في المقتل: لو سولت لي.

(2) في المقتل: أنهم يقتلونك لما ركبت هذا منك.

(3) من هنا نقله المجلسي رحمه الله في البحار: 45/13 عن كتابنا هذا وعن مناقب ابن شهراشوب والكامل في التاريخ: 4/64. وكذا في عوالم العلوم17/257.

( 281 )

الاولى كما ذكر ـ ، فكان أول من تقدم إلى براز القوم، وجعل ينشد ويقول:

إني أنـا الحر ومـأوى الضيــف     أضرب في أعناقكم بالسيف

عن خير من حل بأرض (1) الخيف     أضربكم ولا أرى من حيف

وروي أن الحر لما لحق بالحسين عليه السلام قال رجل من تميم يقال له يزيد بن سفيان: أما والله لو لحقته لأتبعته السنان، فبينا هو يقاتل، وان فرسه لمضروب على اذنيه وحاجبيه، وان الدما لتسيل، إذ قال الحصين: يا يزيد هذا الحر الذي كنت تتمناه (فهل لك به) (2)؟

قال: نعم.

قال: فخرج إليه، فما لبث الحر أن قتله وقتل أربعين فارساً وراجلاً، فلم يزل يقاتل حتى عرقب (3) فرسه، وبقي راجلاً (فجعل يقاتل) (4) وهو يقول:

إني أنا الحر ونجل الحر     أشجع من ذي لبد هزبر

ولست بالجبان عند الكر     لكنني الوقاف عند الفر (5)

ثم لم يزل يقاتل حتى قتل رحمة الله عليه، فاحتمله أصحاب الحسين

(1) في المقتل: بوادي.

(2 و 4) من المقتل.

(3) كذا في المقتل، وفي الأصل: غرقت.

(5) روى الأرجاز في المقتل هكذا:

إني تعقروا بي فأنا ابن الحر    أشجع من ذي لبدة هزبر

ولست بالخوار عنـد الكـر    لكنني الثابت عند الفر (5)

( 282 )

عليه السلام حتى وضعوه بين يدي الحسين عليه السلام وبه رمق، فجعل الحسين يمسح وجهه ويقول: أنت الحر كما سمتك امك، وأنت الحر في الدنيا، وأنت الحر في الآخرة.

ورثاه رجل من أصحاب الحسين عليه السلام، وقيل: بل رثاه علي بن الحسين عليه السلام:

لنعم الحر حر بني رياح     صبور عنـد مختـلف (1)

ونعم الحر إذ نادي حسين    فجاد بنفسه عند الصياح (2)

وروي أن الحر كان يقول:

آليت لا اقتل حتى اقتلا    أضربهم بالسيف ضرباً معضلا

لا ناكل عنهم ولا معللا     لا عـاجز عنهـم ولا مبـدلا

أحمي الحسين الماجد المؤملا (3)

وكان من أراد الخروج ودع الحسين صلوات الله عليه، وقال: السلام عليك يا ابن رسول الله، فيجيبه: وعليك السلام، ونحن خلفك، ويقرأ عليه السلام: « فَمِنْهُم مّن قَضَى‏ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدّلُوا تَبْدِيلاً» (4).

ثم برز برير بن خضير الهمداني رضي الله عنه بعد الحر، وكان من عباد الله الصالحين، فبرز وهو يقول:

(1) في المقتل: مشتبك.

(2) كذا في المقتل، وفي الأصل: الصفاح.

(3) روى الأرجاز في المقتل هكذا:

آليـت لا اقتـل حتـى اقتـلا     ولا اصاب اليوم إلا مقبلا

أضربهم بالسيف ضرباً معضلا     لا نـاكلاً فيهم ولا مهللا

(4) سورة الأحزاب: 23.

( 283 )

أنـا بريـر وأبـي خضير    يروغ الاسـد عـن الزبير

يعرف فينا الحبر بن الحبر     أضربكم ولا أرى من ضير

كذلك فعل الخير من برير (1)

وجعل يحمل على القوم وهو يقول: اقتربوا مني يا قتلة المؤمنين، اقتربوا مني يا قتلة أولاد البدريين، اقتربوا مني يا قتلة أولاد رسول رب العالمين وذريته الباقين، وكان برير أقرأ أهل زمانه، فلم يزل يقاتل حتى قتل ثلاثين رجلاً، فبرز إليه رجل يقال له يزيد من معقل، فقال لبرير: أشهد أنك من المضلين.

فقال له برير: هلم فلندع الله أن يلعن الكاذب منا، وأن يقتل المحق منا المبطل، فتصاولا فضرب يزيد لبرير ضربة خفيفة لم تعمل شيئاً، ضربه برير ضربة قدت المغفر ووصلت إلى دماغه فسقط قتيلاً.

قال: فحمل رجل من أصحاب ابن زياد فقتل بريراً رحمة الله عليه، وكان يقال لقاتله بجبر بن أوس الضبي، فجال في ميدان الحرب وجعل يقول:

سلي تخبرني عني وأنت ذميمـة        غداة حسيـن والرمـاح شوارع

ألم آت أقصى ما كرهت ولم تحل     غداة الوغى والروع ما أنا صانع

(1) روى الأرجاز في المقتل هكذا:

أنا برير وقتـي خضيـر      أضربكم ولا أرى من ضير

يعرف في الخير أهل الخير    كذلك فعل الخير مـن برير

( 284 )

مـعـي يـزنـي لـم تـخنه كـعوبه      وأبـيض  مـشحوذ الـغرارين قـاطع
فـجردته فـي عـصبة لـيس ديـنهم      كـديـني وإنــي بـعـد ذاك لـقانع
وقد صيروا (1) للطعن والضرب حسرا      وقــد  جـالدوا لـو أن ذلـك نـافع
فـأبـلغ عـبـيدالله إذ مــا لـقـيته      بـأنـي  مـطـيع لـلـخليفة سـامع
قـتـلت بـريـراً ثـم جـلت بـهمة      غـداة الـوغى لـما دعـا مـن يقارع

قال : ثم ذكر له بعد ذلك أن بريراً كان من عباد الله الصالحين فجاءه ابن عم له وقال: ويحك يا بجير، قتلت برير بن خضير فبأي وجه تلقى ربك؟

قال: فندم الشقي، وأنشأ يقول:

فلو شاء ربي ما شهدت قتالهـم      ولا جعل النعماء عند ابن جائر

فقد كان ذا عار علي وشبهة(2)      يعير بها الأبناء عند المعـاشر

(1) في المقتل: صبروا.

(2) في المقتل: لقد كان ذلك اليوم عاراً وسبة.

( 285 )

فياليت إني كنت في الرحم حيضة     ويـوم حسين كنت ضمن المقابر(1)

فيا سوأتى مـاذا أقـول لخالقي؟      وما حجتي يوم الحساب القماطر؟

ثم برز من بعده وهب بن عبدالله بن حباب الكلبي، وقد كانت معه امه يومئذ، فقالت: قم يا بني، فانصر ابن بنت رسول الله.

فقال: أفعل يا اماه ولا اقصر، فبرز وهو يقول:

إن  تـنكروني فـأنا ابـن الكلبي      سـوف  تـروني وترون ضربي
وحملتي وضربتي (2) في الحرب      أدرك ثـأري بـعد ثـأر صحبي
وأدفـع  الـكرب أمام(3) الكرب      ليس جهادي(4) في الوغى باللعب

ثم حمل فلم يزل يقاتل حتى قتل منهم جماعة، فرجع إلى امه وامرأته فوقف عليهما، فقال: يا اماه أرضيت؟

فقالت: ما رضيت إلا أن تقتل بين يدي الحسين.

فقالت امرأته: بالله لا تفجعني في نفسك.

(1) في المقتل: في رمس قابر.

(2) في المقتل والبحار: وصولتي.

(3) في المقتل: بيوم.

(4) في المقتل: فما جلادي.

( 286 )

فقالت امه: يا بني، لا تقبل (1) قولها، وارجع فقاتل بين يدي ابن رسول الله صلى الله عليه وآله فيكون غداً في القيامة شفيعاً لك بين يدي الله، فرجع قائلاً:

إنـي  زعـيم لـك ام وهـب      بـالطعن فـيهم تارة والضرب
ضرب  (2) غلام مؤمن بالرب      حـتى يـذيق القوم مر الحرب
إنـي  امـرؤ ذو مرة وعصب      حسبي إلهي من عليم حسبي(3)

فلم يزل يقاتل حتى قتل تسعة عشر فارساً واثني عشر راجلاً، ثم قطعت يداه، فأخذت امرأته عموداً وأقبلت نحوه، وهي تقول: فداك أبي وامي، قاتل دون الطيبين حرم رسول الله، فأقبل كي يردها إلى النساء، فأخذت بجانب ثوبه وقالت: لن أعود أو أموت معك.

وجعل يقاتل حتى قتل رضوان الله عليه.

قال: فذهبت امرأته تمسح الدم عن وجهه فبصر بها شمر فأمر غلاماً له فضربها بعمود كان معه فشدخها وقتلها، وهي أول امرأة قتلت في عسكر (4) الحسين عليه السلام.

(1) في المقتل: لا تسمع.

(2) في المقتل: فعل.

(3) روى في المقتل هذا الرجز هكذا:

إني امرؤ ذو مرة وعصـب     ولست بالخوار عند النكب

حسبي بنفسي من عليم حسبي    إذا انتميت في كرام العرب

(4) في المقتل: حرب.

( 287 )

ورأيت حديثاً أن وهب هذا كان نصرانياً، فأسلم (هو وامه) (1) على يد الحسين عليه السلام، فقتل في المبارزة أربعة وعشرين رجلاً واثني عشر فارساً، ثم أخذ أسيراً، فاتي به عمر بن سعد، فقال: ما أشد صولتك؟ ثم أمر فضربت عنقه، ورمى براسه إلى عسكر الحسين عليه السلام، فأخذت امه الرأس فقبلته، ثم رمت بالرأس إلى عسكر ابن سعد فأصابت به رجلاً فقتلته، ثم شدت بعمود الفسطاط فقتلت (به) (2) رجلين.

فقال لها الحسين: ارجعي يا ام وهب، أنت وابنك مع رسول الله صلى الله عليه وآله في الجنة، فإن الجهاد مرفوع عن النساء، فرجعت وهي تقول: إلهي لا تقطع رجائي.

فقال لها الحسين عليه السلام: لا يقطع الله رجاءك ام وهب.

ثم برز من بعده عمرو بن خالد الأزدي، وهو يقول:

اليوم  يا نفس إلى الرحمن      تمضين بالروح وبالريحان
اليوم تجزين على الاحسان      قـد كان منك غابر الزمان
ما خط في اللوح لك الديان      لا تـجزعي فكل حي فان

والصبر أحظى لك بالأمان (3)

ثم قاتل حتى قتل رضي الله عنه.

(1 و 2) من المقتل.

(3) روى الرجز الأخير في المقتل هكذا:

ما خط باللوح لدى الديان    فاليوم زال ذاك بالغفـران

لا تجزعي فكل حي فان     والصبر أحظى لك بالأمان

( 288 )

ثم تقدم ابنه خالد بن عمرو، وهو يرتجز:

صـبراً  على الموت بني قحطان      كيما تكونوا(1) في رضى الرحمن
ذي  الـمجد والـعزة والـبرهان      وذي  الـعلا والـطول والاحسان
يـا  لـيتني قـد صرت بالجنان      فـي قـصر در حسن البنيان(2)

فلم يزل يقاتل حتى قتل رضوان الله عليه.

ثم برز من بعده سعد بن حنظلة التميمي، وهو يقول:

صبراً على الأسياف والأسنة      صـبراً  عليها لدخول الجنة
وحـور عـين ناعمات هنه      لـمن  يريد الفوز لا بالظنة
يـا نفس للراحة فاجهدنه(3)      وفـي طلاب الخير فارغبنه

ثم حمل فقاتل قتالاً شديداً، ثم قتل رضوان الله عليه.

وخرج من بعده عمير بن عبدالله المذحجي، وهو يرتجز:

قـد  عـلمت سعد وحي مذحج      أني لدى الهيجاء ليث محرج(4)
أعـلو  بـسيفي هـامة المدجج      وأتـرك  القرن لدى التعرج(5)
فـريسة  الضبع الأزل الأعرج      (فـمن  تـراه واقفاً بمنهج)(5)

ولم يزل يقاتل حتى قتله مسلم الضبابي وعبدالله البجلي.

ثم برز من بعده مسلم بن عوسجة رضي الله عنه، وهو يرتجز.

(1) في المقتل: نكون.

(2) روى آخر الرجز في المقتل هكذا:

ذي المجد والعزة والبرهان    يا أبتا صرت في الجنان

(3) في المقتل: فاطرحنه.

(4) في المقتل: أني ليث الغاب لم أهجهج.

(5)من المقتل.

( 289 )

إن تسألوا عني فإنـي ذو لـبد     من فرع قوم من ذرى بني أسد

فمن بغانا (1) حائد عن الرشد      وكافـر بدين جـبار صمـد

ثم قاتل قتالاً شديداً فسقط إلى الأرض وبه رمق، فمشى إليه الحسين عليه السلام ومعه حبيب بن مظاهر، فقال له الحسين عليه السلام: رحمك الله يا مسلم، « فَمِنْهُم مّن قَضَى‏ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدّلُوا تَبْدِيلاً» (2) ثم دنا منه حبيب، فقال: يعز علي مصرعك، يا مسلم، أبشر بالجنة.

فقال له قولاً ضعيفاً: بشرك الله بخير.

فقال له حبيب: لولا أعلم أني في الأثر لأحببت أن توصي إلي بكل ما أهمك.

فقال مسلم: فإني اوصيك بهذا ـ وأشار إلى الحسين عليه السلام ـ فقاتل دونه حتى تموت.

فقال حبيب: لأنعمنك عيناً.

ثم مات رضوان الله عليه.

قال: فصاحت جارية له: يا سيداه، يا ابن عوسجتاه.

فنادى أصحاب ابن سعد مستبشرين: قتلنا مسلم بن عوسجة.

فقال شبث بن ربعي لبعض من حوله: ثكلتكم امهاتكم، أما إنكم تقتلون أنفسكم بأيديكم، وتذلون عزكم، أتفرحون بقتل مسلم بن عوسجة؟ أما والذي

(1) في المقتل: بغاني.

(2) سورة الأحزاب: 23.

( 290 )

أسلمت له، لرب موقف له في المسلمين كريم، لقد رأيته يوم آذربيجان قتل ستة من المشركين قبل أن تلتئم خيول المسلمين.

ثم حمل شمر بن ذي الجوشن في الميسرة، فثبتوا له وقاتلهم أصحاب الحسين عليه السلام قتالاً شديداً وإنما هم إثنان وثلاثون فارساً فلا يحملون على جانب من أهل الكوفة إلا كشفوهم (1)، فدعا عمر بن سعد بالحصين بن نمير في خمسمائة من الرماة، فأقبلوا (2) حتى دنوا من الحسين وأصحابه، فرشقوهم بالنبل، فلم يلبثوا أن عقروا خيولهم، وقاتلوهم حتى انتصف النهار، واشتد القتال، ولم يقدروا أن يأتوهم إلا من جانب واحد، لاجتماع أبنيتهم، وتقارب بعضها من بعض، فأرسل عمر بن سعد الرجال ليقوضوها عن أيمانهم وشمائلهم، ليحيطوا بهم (3)، وأخذ الثلاثة والأربعة من أصحاب الحسين يتخللون (بينها) (4) فيشدون على الرجل وهو يقوض وينهب فيرمونه عن قريب فيصرعونه ويقتلونه.

فقال ابن سعد: احرقوها بالنار وأضرموا فيها.

فقال الحسين عليه السلام: دعوهم يحرقوها فإنهم إذا فعلوا ذلك لم يجوز إليكم، فكان كما قال صلوات الله عليه.

وقيل: أتاه شبث بن ربعي، وقال: أفزعنا النساء فاستحيا، وأخذوا لا يقاتلونهم إلا من وجه واحد، وشد أصحاب زهير بن القين فقتلوا أبا عذرة

(1) في المقتل: كشفوه.

(2) كذا في المقتل، وفي الأصل: فاقتتلوا، وهو تصحيف.

(3) في المقتل: بها.

(4) من المقتل.

( 291 )

الضبابي من أصحاب شمر.

فلم يزل يقتل من أصحاب الحسين الواحد والاثنان فيبين ذلك فيهم لقلتهم، ويقتل من أصحاب عمر العشرة (والعشرون) (1) فلا يبين فيهم ذلك لكثرتهم.

فلما رأى ذلك أبو ثمامة الصيداوي قال للحسين عليه السلام: يا أبا عبدالله، نفسي لنفسك الفداء، هؤلاء اقتربوا منك، ولا والله لا تقتل حتى اقتل دونك، واحب أن ألقى الله ربي وقد صليت هذه الصلاة، فرفع الحسين رأسه إلى السماء وقال: ذكرت الصلاة جعلك الله (2) من المصلين، نعم هذا أول وقتها. ثم قال: سلوهم أن يكفوا عنا حتى نصلي، فكفوا عنهم، فصلى الحسين عليه السلام وأصحابه.

فقال الحصين بن نمير: إنها لا تقبل.

فقال حبيب بن مظاهر: لا تقبل الصلاة زعمت من ابن رسول الله، وتقبل منك يا ختار، فحمل عليه الصحين بن نمير، وحمل عليه حبيب فضرب وجه فرسه بالسيف فشب (به) (3) الفرس ووقع عنه الحصين فاحتوشه أصحابه فاستنقذوه.

فقال الحسين عليه السلام لزهير بن القين وسعيد بن عبدالله: تقدما أمامي حتى أصلي الظهر، فتقدما أمامه في نحو من نصف أصحابه حتى صلى بهم صلاة الخوف.

(1) من المقتل.

(2) لفظ الجلالة أثبتناه من المقتل والبحار.

(3) من البحار.

( 292 )

وروي أن سعيد بن عبدالله الحنفي تقدم أمام الحسين عليه السلام، فاستهدف لهم يرمونه بالنبل، كلما أخذ الحسين عليه السلام يميناً وشمالاً قام بين يديه، فما زال يرمى حتى سقط إلى الأرض، وهو يقول: اللهم العنهم لعن عاد وثمود، اللهم أبلغ نبيك السلام عني، وأبلغه ما لقيت من ألم الجراح، فإني أردت ثوابك في نصرة (1) ذرية نبيك، ثم مات رضي الله عنه، فوجد به ثلاثة عشر سهماً سوى ما به من ضرب السيوف وطعن الرماح. (2) ثم خرج عبدالرحمن بن عبدالله اليزني، وهو يقول:

أنا ابن عبـدالله من آل يـزن     ديني على دين حسين وحسن

أضربكم ضرب فتى من اليمن     أرجو بذاك الفوز عند المؤتمن

ثم حمل .

ثم تقدم جون مولى أبي ذر الغفاري وكان عبداً أسود، فقال له الحسين عليه السلام: أنت في إذن مني، فإنما تبعتنا طلباً للعافية، فلا تبتل بطريقنا.

فقال: يا ابن رسول الله، أنا في الرخاء ألحس قصاعكم (3)، وفي الشدة أخذلكم؟! والله إن ريحي لمنتن، وإن حسبي للئيم، ولوني لأسود، فتنفس علي بالجنة، فيطيب ريحي، ويشرف حسبي، ويبيض وجهي، لا والله لا افارقكم حتى يختلط هذا الدم الأسود مع دمائكم.

(1) في المقتل والبحار: أردت بذلك نصرة.

(2) من قوله: (ثم برز من بعده سعد بن حنظلة) إلى هنا نقله المجلسي رحمه الله في البحار: 45/18 ـ 21 ، وكذا في عوالم العلوم : 17/261 وما بعدها.

(3) كذا في المقتل، وفي الأصل: الرخاء الحسن اصحابكم.

( 293 )

ثم برز للقتال، وهو (ينشد و) (1) يقول:

كيف يرى الكفار ضرب الأسود    بالسيف ضرباً عن بني محمد

أذب عنـهم بـاللسـان واليـد     أرجو به الجنة يوم المورد(2)

ثم قاتل حتى قتل، فوقف عليه السلام، وقال: اللهم بيض وجهه، وطيب ريحه، واحشره مع الأبرار، وعرف بينه وبين محمد وآل محمد.

وروي عن الباقر، عن علي بن الحسين عليهم السلام: أن الناس كانوا يحضرون المعركة، ويدفنون القتلى، فوجدوا جوناً بعد عشرة أيام تفوح منه رائحة المسك رضوان الله عليه. (3)

قال: ثم برز عمر بن خالد الصيداوي فقال للحسين عليه السلام: يا أبا عبدالله، قد هممت أن ألحق بأصحابي، وكرهت أن أتخلف وأراك وحيداً من (4) أهلك قتيلاً.

فقال له الحسين عليه السلام: تقدم فإنا لاحقون بك عن ساعة، فتقدم فقاتل حتى قتل رضوان الله عليه.

(1) من البحار.

(2) روى الأرجاز في المقتل هكذا:

كيف يرى الفجار ضرب الأسود      بـالـمشرفي الـقاطع الـمهند
أحـمي  الـخيار من بني محمد      أذب عـنـهم بـاللسان والـيد
أرجـو  بذاك الفوز عند المورد      مـن  الإلـه الـواحد الـموحد

(3) من قوله: (ثم برز للقتال وهو ينشد ويقول: كيف يرى) إلى هنا نقله المجلسي رحمه الله في البحار: 45/22 ـ 23. وكذا في عوالم العلوم: 17/266.

(4) في الملهوف: بين.

( 294 )

قال: وجاء حنظلة بن سعد الشبامي فوقف بين يدي الحسين عليه السلام يقيه السهام والرماح والسيوف بوجهه ونحره، وأخذ ينادي: « وَقَالَ الّذِي آمَنَ يَاقَوْمِ إِنّي أَخَافُ عَلَيْكُم مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ«30» مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبَادِ«31» وَيَاقَوْمِ إِنّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التّنَادِ«32» يَوْمَ تُوَلّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُم مِنَ اللّهِ مِنْ عَاصِمٍ» (1).

يا قوم، لا تقتلوا حسيناً فيسحتكم الله بعذاب وقد خاب من افترى (2).

ثم التفت إلى الحسين عليه السلام وقال: أفلا نروح إلى ربنا ونلحق بإخواننا؟

فقال له الحسين عليه السلام: بلى (3)، رح إلى ما هو خير لك من الدنيا وما فيها، وإلى ملك لا يبلى.

وقاتل حتى قتل أبطالاً، وصبر صبراً جميلاً على احتمال الأهوال (4)، حتى قتل رضي الله عنه.

قال: وتقدم (سويد) (5) بن عمر بن أبي المطاع، وكان شريفاً كثير الصلاة، فقاتل قتال الاسد الباسل، وبالغ في الصبر على الخطب النازل، حتى سقط بين القتلى وقد اثخن بالجراح، فلم يزل كذلك وليس به حراك حتى سمعهم يقولون: قتل الحسين، فتحامل وأخرج سكيناً من خفه، وجعل يقاتل حتى قتل رضوان

(1) سورة غافر: 30 ـ 33.

(2) إقتباس من الآية: 61 من سورة طه.

(3) في الملهوف: بل.

(4) في الملهوف: وصبر على احتمال الأهوال.

(5) من الملهوف.

( 295 )

الله عليه.

ثم خرج الحجاج بن مسروق وهو مؤذن الحسين عليه السلام، وهو يقول:

أقـدم حـسين هـادياً مهدياً      الـيوم تـلقى جـداك النبيا
ثـم  أباك ذا الندى(1) عليا      (والحسن الخير الرضا الوليا
وذا  الـجناحين الفتى الكميا      وأسـد الله الشهيد الحيا)(2)

ثم حمل، فقاتل حتى قتل.

ثم خرج من بعده زهير بن القين(البجلي) (3) رضي الله عنه، وهو يرتجز:

أنـا  زهير وأنا ابن القين      أذودكم بالسيف عن حسين
إن  حـسيناً أحد السبطين      من عترة البر التقي الزين
ذاك رسول الله غير المين      أضربكم ولا أرى من شين

* يا ليت نفسي قسمت قسمين*

فقاتل حتى قتل مائة وعشرين رجلاً، فشد عليه كثير بن عبدالله الشعبي ومهاجر بن أوس التميمي فقتلاه.

فقال الحسين عليه السلام حين صرع زهير: لا يبعد الله (يا زهير) (4)، ولعن قاتلك لعن الذين مسخوا قردة وخنازير.

ثم خرج سعيد بن عبدالله الحنفي، وهو يرتجز:

أقدم حسين اليوم تلقى أحمدا     وشيخك الحبر علياً ذا الندى

(1) في المقتل: العلا.

(2 و 3) من المقتل.

(4) من البحار.

( 296 )

وحسناً كالبدر وافى الأسعدا    وعمك القرم الهمام الأرشدا (1)

حمزة ليث الله يدعى أسدا     وذا الجناحين تبوأ مقعدا

* في جنة الفردوس يعلو صعدا (2)*

فلم يزل يقاتل حتى قتل.

ثم برز حبيب بن مظاهر الأسدي، وهو يقول:

أنـا  حـبيب وأبـي مظهر      فـارس هيجاء وحرب تسعر
وأنـتم عـند الـعديد أكـثر      ونـحن أعلى حجة وأقهر(3)
(وأنـتم عـند الـهياج غدر      ونحن أوفى منكم وأصبر)(4)

فقتل اثنين وستين رجلاً، فقتله الحصين بن نمير وعلق رأسه في عنق فرسه.

ثم برز هلال بن نافع البجلي (5)، وهو يقول:

أرمي بها معلمـة أفواقـها     والنفس لا ينفعها إشفاقها

مسمومة تجري بها أخفاقها      ليملأن أرضها رشاقها

فلم يزل يرميهم حتى فنيت سهامه، ثم ضرب بيده إلى سيفه فاستله،

(1) في المقتل: القرم الهجان الأصيدا.

(2) روى الرجز الأخير في المقتل هكذا:

وحمزة ليث الإله الأسدا    في جنة الفردوس نعلو صعدا

ومن قوله: (فقاتل حتى قتل مائة وعشرين) إلى هنا نقله المجلسي رحمه الله في البحار: 45/25 ـ 26.

(3) في المقتل: وأظهر.

(4) من المقتل.

(5) لعله هو نفسه نافع بن هلال الجملي. وقد ذكرنا أن نسبة الجملي أصح.

( 297 )

وجعل يقول:

أنا الغلام اليمني البجلي    (1) ديني على دين حسين وعلي

إن اقتل اليوم فهذا أملي     فـذاك رأيي والاقـي عمـلي

فقتل ثلاثة عشر رجلاً فكسروا عضديه، واخذ أسيراً، فقام إليه شمر فضرب عنقه.

قال: ثم خرج شاب قتل أبوه في المعركة، وكانت امه معه، فقالت له امه: اخرج يا بني وقاتل بين يدي ابن رسول الله، فخرج، فقال الحسين عليه السلام: هذا شاب قتل أبوه، ولعل امه تكره خروجه.

فقال الشاب: امي أمرتني بذلك، فبرز وهو يقول:

أمـيري حسين ونعم الأمير      سـرور فؤاد البشير النذير
عـلـي  وفـاطمة والـداه      فـهل تعلمون له من نظير؟
له طلعة مثل شمس الضحى      لـه غـرة مـثل بدر منير

وقاتل حتى قتل، وحز رأسه ورمي به إلى عسكر الحسين عليه السلام، فحملت امه رأسه وقالت: أحسنت يا بني، يا سرور قلبي، ويا قرة عيني، ثم رمت برأس ابنها رجلاً فقتلته، وأخذت عمود خيمة وحملت عليهم، وهي تقول:

أنا عجوز سيدي ضعيفة(2)    خـاوية باليـة نحـيفة

أضربكم بضـربة عنـيفة     دون بني فاطمة الشريفة

(1) في المقتل: الجملي.

(2) في المقتل: أنا عجوز في النساء ضعيفة.

( 298 )

وضربت رجلين فقتلتهما، فأمر الحسين عليه السلام بصرفها ودعا لها.

وجاء عابس بن أبي شبيب (1) الشاكري ومعه شوذب مولى شاكر، فقال: يا شوذب، ما في نفسك أن تصنع؟

قال: ما أصنع؟! اقاتل حتى اقتل.

قال: ذاك الظن بك، تقدم بين يدي أبي عبدالله حتى يحتسبك (2) كما احتسب غيرك، فإن هذا يوم ينبغي لنا أن نطلب فيه الأجر بكل ما نقدر عليه، فإنه لا عمل بعد اليوم وإنما هو الحساب.

فتقدم فسلم على الحسين عليه السلام، وقال: يا أبا عبدالله، (أما) (3) والله ما أمسى على وجه (4) الأرض قريب ولا بعيد أعز (علي) (5) ولا أحب إلي منك، ولو قدرت على أن أدفع عنك الضيم أو القتل بشيء أعز علي من نفسي ودمي لفعلت، السلام عليك يا أبا عبدالله، أشهد أني على هداك وهدى أبيك، ثم مشى (6) بالسيف نحوهم.

قال ربيع بن تميم: فلما رأيته مقبلاً عرفته ـ وقد كنت شاهدته في المغازي ـ وكان أشجع الناس، فقلت: أيها الناس، هذا أسد الاسود، هذا ابن أبي شبيب، لا يخرجن إليه أحد منكم، فأخذ ينادي: ألا رجل؟ ألا رجل؟

فقال عمر بن سعد: أرضخوه بالحجارة، فرمي بالحجارة من كل جانب،

(1) كذا الصحيح، وفي الأصل: عابس بن شبيب. وكذا في الموضع الآتي.

(2) في المقتل: حتى أحتسبك ويحتسبك.

(3 و 5) من البحار.

(6) في البحار: مضى.

( 299 )

فلما رأى ذلك ألقى درعه ومغفره، ثم شد على الناس، فوالله لقد رأيته يطرد أكثر من مائتين من الناس، ثم إنه (1) تعطفوا عليه من كل جانب، فقتل، فرأيت رأسه في أيدي رجال ذوي عدة، هذا يقول: أنا قتلته، والآخر يقول كذلك.

فقال عمر بن سعد: لا تختصموا هذا لم يقتله إنسان واحد، حتى فرق بينهم بهذا القول.

ثم جاءه عبدالله وعبدالرحم ن الغفاريان، فقالا: يا أبا عبدالله، السلام عليك، أحببنا أن نقتل بين يديك وندفع عنك.

فقال: مرحباً بكما، ادنوا مني، فدنوا منه (2)، وهما يبكيان، فقال: يا ابني أخي ما يبكيكما؟ فوالله إني لأرجو أن تكونا بعد ساعة قريري العين.

فقالا: جعلنا الله فداك، والله ما على أنفسنا نبكي ولكن نبكي عليك نراك قد احيط بك ولا نقدر على أن نمنعك. (3)

فقال: جزاكما الله يا ابني أخي بوجدكما من ذلك ومواساتكما إياي بأنفسكما أحسن جزاء المتقين، ثم استقدما وقالا:

السلام عليك يا ابن رسول الله.

فقال: وعليكما السلام ورحمة الله وبركاته.

فقاتلا حتى قتلا رضي الله عنهما.

(1) في البحار: إنهم .
(2) كذا في المقتل والبحار، وزاد في الأصل: ثم قاتلا حتى قتلا، ثم جاءه سيف بن الحارث بن سريع ومالك بن سريع فدنوا منه.
(3) في البحار: ننفعك.

( 300 )

قال: ثم خرج غلام تركي كان للحسين عليه السلام، وكان قارئاً للقرآن، فجعل يقاتل (ويرتجز) (1) ويقول:

البحر من طعني وضربي يصطلي    والجو من سهمي ونبلي يمتلي

إذا حـسامي بـيميـني ينجـلي     ينـشق قلب الحاسـد المبجل

فقتل جماعة، ثم سقط صريعاً ، فجاءه الحسين عليه السلام فبكى ووضع خده على خده، ففتح عينيه فرأى الحسين عليه السلام فتبسم، ثم صار إلى ربه رضي الله عنه.

(قال: ثم رماهم يزيد بن زياد بن الشعثاء بثمانية أسهم ما أخطأ منها بخمسة أسهم، وكان كلما رمى قال الحسين عليه السلام: اللهم سدد رميته، واجعل ثوابه الجنة، فحملوا عليه فقتلوه) (2)

وكان يأتي الحسين عليه السلام الرجل بعد الرجل، فيقول: السلام عليك يا ابن رسول الله، فيجيبه الحسين، ويقول: وعليك السلام ونحن خلفك، ثم يقرأ: « فَمِنْهُم مّن قَضَى‏ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مّن يَنتَظِرُ» (3) حتى قتلوا عن آخرهم رضوان الله عليهم، ولم يبق مع الحسين إلا أهل بيته.

وهكذا (4) يكون المؤمن يؤثر دينه على دنياه، وموته على حياته في سبيل الله، وينصر الحق وإن قتل، قال سبحانه: « وَلاَ تَحْسَبَنّ الّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ» (5) وقال النبي صلى الله عليه

(1 و 2) من البحار.
(3) سورة الأحزاب: 23.
(4) الكلام من هنا للخوارزمي.
(5) سورة آل عمران: 169.

( 301 )

وآله: كل قتيل في جنب الله شهيد، ولما وقف رسول الله صلى الله عليه وآله على شهداء احد وفيهم حمزة رضي الله عنه قال: أنا شهيد على هؤلاء القوم زملوهم بدمائهم فإنهم يحشرون يوم القيامة وأوداجهم تشخب دماً، فاللون لوم الدم، والريح ريح السمك (1)، (فهم) (2) كما قيل:

كسته القنا حلة من دم     فأضحت لدى الله من أرجوان

جزته معانقة الدارعين    معانقة القاصرات الحسان (3)

ولقد أحسنت في وصفهم، وبالغت نعيهم بالتعزية، وسميتها بـ (مجرية العبرة ومحزنة العترة) وهي التي وضعتها لتعزية المؤمنين يوم التاسع من المحرم، وستأتي في المجلس التاسع يوم التاسع إن شاء الله، وهي مشتملة على نكت لطيفة، واستعارات ظريفة، وأشعار رائقة، وعبارات شائقة، أنشأتها بإذن الله، وأوردتها على المنبر بحضور جمع من المؤمنين، قبالة ضريح سيدالشهداء، وثالث الأوصياء، وخامس أصحاب الكساء في حضرته الشريفة، أبكيت بها عيون المؤمنين، وأحزنت قلوب المخلصين، راجياً أن يكون جزائي عنها وثوابي منها ثواب المستشهدين بين يدي حضرته، الباذلين أنفسهم دونه ودون اسرته.

ولما قتل أصحاب الحسين عليه السلام ولم يبق إلا أهل بيته، وهم: ولد علي، وولد جعفر، وولد عقيل، وولد الحسن، وولده صلوات الله عليه اجتمعوا

(1) من قوله: (فقتل اثنين وستين) إلى هنا نقله المجلسي رحمه الله في البحار: 45/27 ـ 32 عن كتابنا هذا.
(2) عن المقتل.
(3) انتهى كلام الخوارزمي.

( 302 )

وودع (1) بعضهم بعضاً، وعزموا على الحرب، فأول من برز من أهل بيته عبدالله ابن مسلم بن عقيل بن أبي طالب عليه السلام، وهو يرتجز ويقول:

اليوم ألقى مسـلماً وهو أبـي    وفتية بادوا على دين النبي

ليسو بقوم (2) عرفوا بالكذب     لكن خيار وكـرام النسب

(من هاشم السادات أهل الحسب) (3).

فقاتل حتى قتل ثمانية وتسعين رجلاً في ثلاث حملات، ثم قتله عمرو ابن صبيح الصيداوي وأسد بن مالك.

ثم خرج من بعده جعفر بن عقيل، وهو (يرتجزو) (4) يقول:

أنا الغلام الأبطحي الطالبي    من معشر في هاشم وغالب

ونحن حقاً سادة الذوائـب     هذا (5) حسين أطيب الأطائب

* من عترة البر التقي العاقب *

فقتل خمسة عشر فارساً، ثم قتله بشر بن سوط الهمداني (6).

ثم خرج من بعده أخوه عبدالرحمن بن عقيل، وهو يقول:

(1) في البحار: يودع.
(2) في المقتل: كقوم.
(3 و 4) من البحار.
(5) في المقتل: فينا.
(6) ذكر في وقعة الطف: 247 أن قاتله عمرو بن صبيح الصدائي.
وفي ذوب النضار: 122: عمرو بن صبيح الصيداوي طلبه المختار رحمه الله فأتوه وهو على سطحه بعد ما هدأت العيون، وسيفه تحت رأسه، فأخذوه وسيفه، فقال: قبحك الله من سيف، ما أبعدك على قربك؟! فجيء به إلى المختار، فلما كان من الغداة طعنوه بالرماح حتى مات.

( 303 )

كهول صدق سادة الأقران    هذا حسين شامخ البنيان

وسيد الشيب مع الشبان (1)

فقتل سبعة عشر فارساً، ثم قتله عثمان بن خالد (2) الجهني.

وخرج من بعده محمد بن عبدالله بن جعفر بن أبي طالب، وهو يقول:

نشكو إلى الله من العدوان     قتال (3) قوم في الردى عميان

قد تركوا معالـم القـرآن     ومحكم الـتنزيل والبـيان (4)

* وأظهروا الكفر مع الطغيان*

ثم قاتل حتى قتل عشرة أنفس، ثم قتله عامر بن نهشل التميمي.

ثم خرج من بعده عون بن عبدالله بن جعفر، وهو يقول:

إن تنكروني فأنا ابن جعفر    شهيد صدق في الجنان أزهر

بطير فيها بجناح أخضـر    كفى بهذا شـرفاً في المحشر

ثم قاتل حتى قتل من القوم ثلاثة فوارس وثمانية عشر رجلاً، ثم قتله عبدالله بن قطبة الطائي.

(1) روى الرجز الأخير في المقتل هكذا:
فينا حسين سيد الأقران    وسيد الشباب في الجنان
(2) ذكر في وقعة الطف: 347 أن عثمان بن خالد بن أسير الجهني وبشر بن حوط القابضي الهمداني اشتركا في قتل عبدالرحمن بن عقيل بن أبي طالب، واشتركا في سلبه. وهما كانا في الجبانة فأخذهما المختار رحمه الله فضرب أعناقهما، ثم أحرقهما بالنار، انظر: ذوب النضار:118. (3) في المقتل: فعال. (4) في البحار: والتبيان. وروى الرجز الأخير في المقتل هكذا:
قد تركوا معالم القرآن     وأظهروا الكفر مع الطغيان

( 304 )

ثم خرج من بعده عبدالله بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام. وفي أكثر الروايات أنه القاسم بن الحسن عليه السلام وهو غلام صغير لم يبلغ الحلم، فلما نظر الحسين عليه السلام إليه قد برز اعتنقه وجعلا يبكيان حتى غشي عليهما، ثم استأذن الحسين عليه السلام في المبارزة، فأبى الحسين أن يأذن له، فلم يزل الغلام يقبل يديه ورجليه حتى أذن له، فخرج ودموعه تسيل على خديه، وهو يقول:

إن تنكروني فأنا فرع الحسن    سبط النبي المصطفى والمؤتمن

هذا حسين كالأسير المرتهن     بين اناس لاسقوا صوب المزن

وكان وجهه كفلقة القمر، فقاتل قتالاً شديداً حتى قتل ـ على صغره ـ خمسة وثلاثين رجلاً.

قال حميد: كنت في عسكر ابن سعد، فكنت أنظر إلى هذا الغلام عليه قميص وإزار ونعلان قد انقطع شسع أحدهما.

فقال عمرو بن سعد الأزدي: والله لأشدن عليه.

فقلت: سبحان الله! وما تريد بذلك؟ والله لو ضربني ما بسطت إليه يدي، يكفيك هؤلاء الذين تراهم قد احتوشوه.

قال: والله لأفعلن، فشد، فما ولى حتى ضرب رأسه بالسيف ووقع الغلام لوجهه، ونادى: يا عماه.

قال: فجاءه الحسين كالصقر المنقض فتخلل الصفوف، وشد شدة الليث الحرب فضرب عمراً قاتله بالسيف، فاتقاه بيده فأطنها من المرفق، فصاح

( 305 )

فتنحى عنه، وحملت (خيل) (1) أهل الكوفة فاستنقذوه من يد الحسين، فوقف الحسين على رأس الغلام وهو يفحص (برجليه) (2)، فقال الحسين: يعز على عمك أن تدعوه فلا يجيبك، أو يجيبك ولا ينفعك (3)، بعداً لقوم قتلوك.

ثم احتمله، فكأني أنظر إلى رجلي الغلام يخطان في الأرض، وقد وضع صدره على صدره، فقلت في نفسي: ما يصنع؟ فجاء حتى ألقاه بين (4) القتلى من أهل بيته.

ثم قال: اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، ولا تغفر لهم أبداً، صبراً يا بني عمومتي، صبراً يا أهل بيتي، لا رأيتم هواناً بعد هذا اليوم أبداً.

ثم خرج عبدالله بن الحسن الذي ذكرناه أولاً وهو الأصح أنه برز بعد القاسم، وهو يقول:

إن تنـكرونـي فأنا ابن حـيدره     ضرغام آجام وليـث قسـوره

على الأعادي مثل ريح صرصره    (أكيلكم بالسيف كيل السندره)(5)

فقتل أربعة عشر رجلاً، ثم قتله هانىء بن ثبيت الحضرمي لعنه الله فاسود وجهه.

(1) من المقتل والبحار.
(2 و 5) من المقتل.
(3) في المقتل والبحار: فلا يعينك.
(4) في المقتل: مع.

( 306 )

ثم تقدم إخوة الحسين عليه السلام عازمين على أن يموتوا دونه، فأول من خرج منهم أبوبكر بن علي، واسمه عبيدالله (1)، وامه ليلى بنت مسعود بن خالد بن ربعي التميمية، فتقدم، وهو يرتجز ويقول:

شـيخي عـلي ذوالـفخار الأطول      مـن  هاشم الصدق الكريم المفضل
هـذا  حـسين بـن النبي المرسل      عـنه نـحامي(2) بالحسام المصقل
تـفـديه نـفسي مـن أخ مـبجل      (يا رب فامنحني ثواب المجزل)(3)

فلم يزل يقاتل حتى قتله زحر بن بدر (4) النخعي، وقيل: عبدالله بن عتبة الغنوي.

ثم برز من بعده أخوه عمر بن علي ، وهو يقول :

اضربكم  ولاارى فيكم زحر      ذاك  الـشقي بالنبي قد كفر
يازحر يازحر تدان من عمر      لـعلك  اليوم تبوء من سقر
شر  مكان في حريق وسعر      لانـك الـجاحد ياشر البشر

ثم حمل على زحر قاتل اخيه فقتله ، واستقبل القوم وجعل يضرب بسيفه ضرباً منكراً وهو يقول :

خلوا عداة الله خلوا عن عمر      خلوا عن الليث العبوس المكفهر

يـضربـكم بسـيفه ولايـفر     وليس فيها (5) كالجبان المنحجر

(1) كذا في البحار، وفي الأصل والمقتل: عبدالله.
(2) في المقتل: نذود عنه.
(3) من المقتل.
(4) في المقتل: قيس.
(5) في المقتل: يغدو.

( 307 )

فلم يزل يقاتل حتى قتل.

ثم خرج من بعده أخوه عثمان بن علي، وامه ام البنين بنت حزام بن خالد من بني كلاب، وهو يقول:

إنـي  أنـا عـثمان ذو المفاخر      شـيخي  علي ذو الفعال الظاهر
وابــن عـم لـلنبي الـطاهر      أخـي  حـسين خـيرة الأخائر
وسـيـد  الـكبار والأصـاغر      بعد الرسول فالوصي الناصر(1)

فرماه خولي بن يزيد الأصبحي على جنبه (2) فسقط عن فرسه، وحز (3) رأسه رجل من بني أبان بن حازم فقتله.

ثم برز من بعده أخوه جعفر بن علي، وامه ام البنين أيضاً، وهو يقول:

إني أنا جعفر ذو المعالي      ابـن (1) علي الخـير ذوالنـوال

حسبي بعمي شرفاً وخالي     أحمي حسيناً ذي الندى المفضال (5)

ثم قاتل فرماه خولي الأصبحي (6) فأصاب شفيته أو عينه (7).

(1) بدل قوله: (وابن عم ... فالوصي الناصر) في المقتل:
صنو النبي ذي الرشاد السائر     ما بين كل غائب وحاضر
(2) في البحار: جبينه. (3) في البحار: وجز. (4) في المقتل: نجل. (5) روى هذا الرجز في المقتل هكذا:
أحمي حسيناً بالقنا العسال     وبالحسام الواضح الصقال
(6) ذكر في تسمية من قتل مع الحسين بن علي عليهما السلام: 149رقم 3 ان قاتله هانىء بن ثبيت الحضرمي.
(7) في (ح) روى سلمان الفارسي قال: كان سيدنا أميرالمؤمنين عليه السلام يحدثنا كثيراً بالأشياء المغيبات التي تحدث على مرور السنين والأوقات، وانه كان يوم الجمعة

( 308 )

ثم برز أخوه عبدالله بن علي (وأمه ام البنين أيضاً) (1) وهو يقول:

أنا ابن ذي النجدة والإفضال     ذاك علي الخير ذو (2) الفعال

سيف رسول الله ذو النكال      في كل قوم ظاهر الأهوال (3)

فقتله هانىء بن ثبيت الحضرمي (4).

وكان العباس (5) السقاء قمر بني هاشم صاحب لواء الحسين عليه يخطب على منبره في مسجد الكوفة فقال في خطبته: أيها الناس، سلوني قبل أن تفقدوني، فوالله لاتسألوني عن فئة تضل مائة وتهدي مائة إلا نبأتكم بناعقها وسائقها إلى يوم القيامة.

قال: فقام إليه رجل فاجر فاسق، وقال: يا علي، اخبرني كم في رأسي ولحيتي من طاقة شعر؟ فقال له الإمام عليه السلام: لقد أخبرني بسؤالك هذا ابن عمي رسول الله صلى الله عليه وآله ونبأني بما سألت عنه، وانه على كل طاقة شعر من شعر رأسك ولحيتك شيطاناً يلعنك ويلعن ولدك ونسلك، وان لك ولداً رجساً ملعوناً يقتل ولدي وفرخي وقرة عيني الحسين عليه السلام ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله، وأنت وولدك بريئان من الايمان، ولولا أن الذي سألتني عنه يعسر برهانه لأخبرتك به، ولكن حسبك فيما نبأتك به من لعنك ورجسك وولدك الملعون الذي يقتل ولدي ومهجة قلبي الحسين عليه السلام.

قال: وكان له ولد صغير في ذلك الوقت، فلما نشأ وكبر وكان من أمر الحسين عليه السلام ما كان نما الصبي وتجبر وتولى قتل الحسين عليه السلام. وقيل: إن ذلك الصبي كان اسمه خولي بن يزيد الأصبحي، وهو الذي طعن الحسين عليه السلام برمحه فخرج السنان من ظهره فسقط الحسين عليه السلام على وجهه يخور في دمه ويشكو إلى ربه. (فخر الدين صاحب مجمع البحرين) (المنتخب: 165). (1) من المقتل. (2) في المقتل: في. (3) في المقتل: وكاشف الخطوب والأهوال. (4) ذكر في تسمية من قتل مع الحسين بن علي عليهما السلام: 149 رقم 4: رماه خولي بن يزيد الأصبحي بسهم، وأجهز عليه رجل من بني تميم بن أبان بن دارم. (5) ما يتعلق بمصرع العباس بن علي عليه السلام والأرجاز نقله المؤلف رحمه الله من =

( 309 )

السلام، وهو أكبر الاخوان، مضى يطلب الماء فحملوا عليه وحمل عليهم، وجعل يقول:

لا أرهب الموت إذا الموت رقى      حتى اواري في المصاليت (1) لقى

نفسي لنفس المصطفى الطهر وقا     إنـي أنا العباس أغـدو بالـسقا

* ولا أخاف الشر يوم الملتقى *

ففرقهم، فكمن له زيد بن ورقاء (2) من وراء نخلة، وعاونه حكيم بن الطفيل السنبسي فضربه على يمينه، فأخذ السيف بشماله وحمل، وهو يرتجز:

والله إن قطعتم يمـيني     اني احامي أبداً عن ديني

وعن إمام صادق اليقين     نجل النبي الطاهر الامين

فقاتل حتى ضعف، فكمن له الحكيم (3) بن الطفيل الطائي من وراء نخلة فضربه على شماله، فقال:

يا نفس لا تخشي من الكفار     وأبشري برحمة الجبار

مع النبي السيـد المـختار     قد قطعوا ببغيهم يساري

فأصلهم يا رب حر النار

 مناقب ابن شهراشوب: 4/108.

(1) المصلات: الشجاع، الماضي في الحوائج.
(2) الصحيح: زيد بن رقاد. انظر: تسمية من قتل مع الحسين بن علي عليهما السلام: 149 رقم 2.
(3) كذا في المقتل، وفي الأصل والبحار: الحكم.

( 310 )

فضربه ملعون بعمود من حديد فقتله، فلما رآه الحسين عليه السلام صريعاً على شاطىء الفرات بكى، وأنشأ:

تـعديتم  يـا شـر قـوم بـبغيكم      وخالفتموا(1)  قول(2) النبي محمد
أمـا كان خير الرسل أوصاكم بنا؟      أما نحن من نجل(3) النبي المسدد؟
(أمـا كـانت الزهراء امي دونكم؟      أما كان من خير البرية أحمد؟)(4)
لـعنتم واخـزيتم بـما قـد جنيتم      فـسوف تـلاقوا حـر نـار توقد

ولما قتل العباس قال الحسين عليه السلام: الآن انكسر ظهري، وقلت حيلتي.

قال: تقدم علي بن الحسين عليه السلام، وامه ليلى بنت أبي مرة بن عروة بن مسعود الثقفي، وهو يومئذ ابن ثماني عشرة سنة، ورفع الحسين سبابته (5) نحو السماء وقال: اللهم اشهد على هؤلاء القوم فقد برز إليهم غلام أشبه الناس خلقاً وخلقاً ومنطقاً برسولك صلى الله عليه وآله، كنا إذا اشتقنا إلى نبيك صلى الله عليه وآله نظرنا إلى وجهه، اللهم امنعهم بركات الأرض، وفرقهم

(1) في المناقب: بفعلكم ... وخالفتم.
(2) في البحار: دين.
(3) في المناقب: نسل.
(4) من المناقب والبحار.
(5) في المقتل: شيبته.

( 311 )

تفريقاً، ومزقهم تمزيقاً، واجعلهم طرائق قدداً، ولا ترض الولاة عنهم أبداً، فإنهم دعونا لينصرونا، ثم عدوا علينا يقاتلوننا.

ثم صاح الحسين بعمر بن سعد: مالك؟ قطع الله رحمك، ولا بارك لك في أمرك وسلط عليك من يذبحك بعدي على فراشك، كما قطعت رحمي، ولم تحفظ قرابتي من رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم رفع الحسين عليه السلام صوته وتلا: « إِنّ اللّهَ اصْطَفَى‏ آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ«33» ذُرّيّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» (1).

ثم حمل علي بن الحسين على القوم، وهو يقول:

أنـا  عـلي بـن الحسين بن علي      مـن  عـصبة جد أبيهم النبي(2)
والله  لا يـحكم فـينا ابـن الدعي      أطـعنكم  بـالرمح حـتى يـنثني
أضربكم بالسيف أحمي عن أبي(3)      ضـرب غـلام هـاشمي عـلوي

فلم يزل يقاتل حتى ضج الناس من كثرة من قتل منهم، وروي أنه قتل على عطشه مائة وعشرين رجلاً، ثم رجع إلى أبيه وقد أصابته جراحات كثيرة، فقال: يا أبة، العطش قد قتلني، وثقل الحديد أجهدني، فهل إلى شربة من ماء سبيل أتقوى بها على الأعداء؟

(1) سورة آل عمران :23 و 34 .
(2) في المقتل : نحن وبيت الله اولى بالنبي .
(3) في المقتل : حتى يلتوي .

( 312 )

فبكى الحسين عليه السلام، وقال: يا بني، يعز على محمد صلى الله عليه وآله، وعلى علي بن أبي طالب عليه السلام، وعلي (1) أن تدعوهم فلا يجيبوك، وتستغيث بهم فلا يغيثوك.

يا بني، هات لسانك، فأخذ بلسانه فمصه ودفع إليه خاتمه، وقال: أمسكه في فيك وارجع إلى قتال عدوك فإني أرجو أنك لا تمسي حتى يسقيك جدك بكأسه الأوفى شربة لا تظمأ بعدها أبداً، فرجع عليه السلام إلى القتال، وهو يقول:

الحرب قد قامت (2)ها الحقائق    وظهرت من بعدها مصادق

والله رب العـرش لا نـفارق     جموعكم أو تغمد البوارق

فلم يزل يقاتل حتى قتل تمام المائتين، ثم ضربه مرة بن منقذ (3) العبدي لعنه الله على مفرق رأسه ضربة صرعته، وضربه الناس بأسيافهم، ثم اعتنق عليه السلام فرسه، فاحتمله الفرس إلى عسكر الأعداء فقطعوه بسيوفهم إرباً إرباً.

فلما بغلت الروح (4) التراقي قال رافعاً صوته: يا أبتاه، هذا جدي رسول

(1) في المقتل: وعلى أبيك.
(2) في المقتل والبحار: بانت.
(3) كذا الصحيح، وفي الأصل والمقتل والبحار: منقذ بن مرة.
وهو مرة بن منقذ بن النعمان الكندي. انظر: تسمية من قتل مع الحسين بن علي عليهما السلام: 150 رقم 8.
(4) في المقتل: روحه.

( 313 )

الله صلى الله عليه وآله قد سقاني بكأسه الأوفى شربة لا أظمأ بعدها أبداً، وهو يقول(لك) (1): العجل العجل، فإن لك كأساً مذخورة حتى تشربها الساعة.

فصاح الحسين عليه السلام وقال: قتل الله قوماً قتلوك، ما أجرأهم على الله (2) وعلى رسوله، وعلى انتهاك حرمة الرسول؟! على الدنيا بعدك العفا.

قال حميد بن مسلم: فكأني أنظر إلى امرأة خرجت مسرعة كأنها الشمس الطالعة تنادي بالويل والثبور، وتقول: يا حبيباه، يا ثمرة فؤاداه، ويا نور عيناه، فسألت عنها، فقيل: هي زينب بنت علي عليه السلام، وجاءت وانكبت عليه فجاء (إليها) (3) الحسين فأخذ بيدها فردها إلى الفسطاط، وأقبل عليه السلام بفتيانه وقال: احملوا أخاكم، فحملوه من مصرعه، فجاءوا به حتى وضعوه عند الفسطاط الذي كانوا يقاتلون أمام (4)

قال: وخرج غلام من تلك الأبنية وفي اذنيه درتان (5)، وهو مذعور فجعل يلتفت يميناً وشمالاً، فحمل عليه هانىء بن ثبيت لعنه الله، فقتله، فصارت شهربانوا تنظر إليه ولا تتكلم كالمدهوشة.

ثم التفت الحسين عن يمينه فلم ير أحداً من الرجال، والتفت (عن) (6)

(1 و 3) من المقتل.
(2) في البحار: الرحمن.
(4) في (ح) فنظر الحسين بطرفه إلى السماء وقال: اللهم أنت الشاهد على القوم الذين قتلوا أشبه الخلق بنبيك.
والله مالي أنيس بعد فرقتكم     إلا البكاء وقرع السن من ندمي
ولا ذكرت الذي أيد الزمان      لكم إلا جرت أدمعي ممزوجة بدم
(5) في المقتل: قرطان.
(6)من البحار.

( 314 )

يساره فلم ير أحداً، فخرج علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام، وكان مريضاً لا يقدر أن يقل سيفه، وام كلثوم تنادي خلفه: يا بني، ارجع.

فقال: يا عمتاه، ذريني اقاتل بين يدي ابن رسول الله. وقال الحسين عليه السلام: يا ام كلثوم، خذيه لئلا تبقى الأرض خالية من نسل آل محمد صلى الله عليه وآله.

ولما فجع الحسين عليه السلام بأهل بيته وولده، ولم يبق غيره وغير النساء والذراري نادى: هل من ذاب يذب عن حرم رسول الله صلى الله عليه وآله؟ هل من موحد يخاف الله فينا؟ هل من مغيث يرجو الله في إغاثتنا؟ (هل من معين يرجو ما عند الله في إعانتنا) (1)؟ وارتفعت أصوات النساء بالعويل، فتقدم صلوات الله عليه إلى باب الخيمة، فقال: ناولوني علياً ابني الطفل حتى اودعه، فناولوه الصبي، فجعل يقبله وهو يقول: ويل لهؤلاء القوم إذا كان جدك محمد صلى الله عليه وآله خصمهم، والصبي في حجره، إذ رماه حرملة بن كاهل الأسدي لعنه الله بسهم فذبحه في حجر الحسين، فتلقى الحسين دمه حتى امتلأت كفه، ثم رمى به إلى السماء فما رجع منه شيء، ثم قال: لا يكون أهون عليك من فصيل، اللهم إن كنت حبست عنا النصر فاجعل ذلك لما هو خير لنا. (2)

(1) من المقتل.
(2) في (ح) ونقل انه لما قتل العباس تدافعوا الرجال على الحسين عليه السلام وأصحابه، فلما نظر ذلك منهم نادى بالقوم: أما من مجير يجيرنا؟ أما من مغيث يغيثنا؟ أما من طالب حق ينصرنا؟ أما من خائف من النار يذب عنا؟ أما من أحد يأتينا بشربة من الماء لهذا الطفل الصغير فإنه لا يطيق الظمأ؟
فقام إليه ولده الأكبر شبيه الرسول، فقال: أنا أتيك بالماء يا سيدي.

( 315 )

ثم قام الحسين عليه السلام وركب فرسه وتقدم إلى القتال، وهو يقول:

كـفـر الـقـوم وقـدماً رغـبوا      عــن  ثـواب الله رب الـثقلين
قـتـل(1)  الـقوم عـلياً وابـنه      حـسن  الـخير كـريم الأبـوين
حـنـقاً مـنهم وقـالوا أجـمعوا      واحشروا الناس إلى حرب الحسين
(يــا لـقـوم مـن انـاس رذل      جـمع  الجمع لأهل الحرمين)(2)
ثــم سـاروا وتـواصوا كـلهم      بـاجـتياحي لـرضاء الـملحدين
لـم  يـخافوا الله فـي سفك دمي      لـعـبيد  الله نـسـل الـكافرين
وابـن  سـعد قـد رمـاني عنوة      بـجنود  كـوكوف الـهاطلين(3)
لا  لـشيء كـان مـني قـبل ذا      غـير  فـخري بـضياء النيرين
بـعلي  الـخير مـن بـعد النبي      والـنـبي  الـقـرشي الـوالدين
خـيـرة  الله مـن الـخلق أبـي      ثـم امـي فـأنا ابـن الـخيرين
فـضة قـد خـلصت مـن ذهب      فـأنـا الـفضة وابـن الـذهبين
مـن  لـه جـد كجدي في الورى      أو كـشيخي فـأنا ابـن الـعلمين

 فقال: امض بارك الله فيك.

قال: فأخذ الركوة بيده واقتحم الشريعة وملأ الركوة فأقبل بها نحو أبيه عليه السلام وقال: الماء طلبت، يا أبي، اسق آخي الصغير فإنه لا يطيق العطش، فإن بقي شيء فصبه علي، فإني والله عطشان.

فبكى الحسين عليه السلام من قوله وأجلس ولده الصغير على فخذه وأخذ الركوة وقربها إلى فمه، فلما هم وأراد أن يشرب الطفل الماء أتاه سهم مسموم فوقع في حلقه فذبحه قبل أن يشرب من الماء شيئاً، فبكى الحسين عليه السلام ورمى الركوة من يده، الفخري مؤلف مجمع البحرين. (المنتخب: 443).

(1) في البحار: قتلوا.
(2) من البحار.
(3) يقال: وكف البيت بالمطر: تقاطر وسال قليلاً، والهطل: تتابع المطر والدمع وسيلانه.

( 316 )

فـاطم الـزهراء امـي وأبـي      قـاصم الـكفر بـبدر وحـنين
عــبـدالله غـلامـاً يـافـعاً      وقـريـش  يـعبدون الـوثنين
يـعبدون الـلات والـعزى معاً      وعـلي كـان صـلى الـقبلتين
وأبــي شـمس وامـي قـمر      فـأنا  الـكوكب وابـن القمرين
ولـه  فـي يـوم احـد وقـعة      شـفت  الـغل بفض العسكرين
ثـم فـي الأحـزاب والفتح معاً      كـان  فـيها حتف أهل الفيلقين
فـي  سـبيل الله مـاذا صنعت      امـة الـسوء مـعاً بـالعترتين
عـترة الـبر الـنبي المصطفى      وعلي القرم(1) يوم الجحفلين(2)

ثم وقف صلوات الله عليه قبالة القوم وسيفه مصلت في يده آيساً من الحياة، عازماً على الموت، وهو يقول:

أنـا ابن علي الطهر(3) من آل هاشم      كـفاني بـهذا مـفخراً حـين أفـخر
وجـدي  رسـول الله أكرم من مضى      ونحن سراج الله في الأرض(4) نزهر
وفـاطم امـي مـن سـلالة أحمد(5)      وعـمي يـدعى ذو الـجناحين جعفر

(1) في البحار: الورد.
(2) انظر الأبيات أيضاً في: الاحتجاج: 301، الفتوح لابن أعثم: 5/210، مطالب السؤول: 2/29، كشف الغمة: 2/27، عبرات المصطفين: 2/93.
(3) في المقتل: الخير.
(4) في البحار: الخلق.
(5) في المقتل: وفاطمة امي ابنة الطهر أحمد.

( 317 )

وفـينا كتاب الله انزل صادقاً(1)      وفينا  الهدى والوحي بالخير بذكر
ونـحن  أمان الله للناس(2) كلهم      نـسر بـها فـي الأنـام ونهجر
ونحن  ولاة الحوض نسقي ولاتنا      بكأس رسول الله ما ليس ينكر(3)
وشيعتنا في الناس أكرم شيعة(4)      ومـبغضنا يـوم الـقيامة يخسر

وذكر أبو علي السلامي في تاريخه أن هذه الأبيات للحسين عليه السلام من إنشائه، وقال: وليس لأحد مثلها:

وإن  تـكن الـدنيا تـعد نـفيسة      فـإن  ثـواب الله أعـلى وأنـبل
وإن  تـكن الأبدان للموت انشئت      فقتل امرىء بالسيف في الله أفضل
وإن  تـكن الأرزاق قـسماً مقدراً      فقلة  سعي المرء في الكسب أجمل
وإن تـكن الأمـوال للترك جمعها      فـما  بال متروك به المرؤ يبخل؟

(1) في المقتل: صادعاً.
(2) في المقتل: في الخلق.
(3) في المقتل: نسقي محبتنا ... بكأس وذاك الحوض للسقي كوثر.
(4) في المقتل: فيسعد فينا في القيام محبنا.

( 318 )

(سأمضي وما بالقتل عار على الفتى     إذا في سبيل الله يمضي ويقتل)(1)

ثم إنه عليه السلام دعا الناس إلى البراز، فلم يزل يقتل كل من دنا منه من عيون الرجال، حتى قتل منهم مقتلة عظيمة.

ثم (2) حمل عليه السلام على الميمنة وقال:

الموت خير من ركوب العار    ( والعار أولى من دخول النار )(3)

ثم على الميسرة، وهو يقول:

أنا الحسين بن علي     آلـيـت ألا انـثـني

أحمي عيـالات أبي     أمضي على دين النبي

ولم يزل يقاتل حتى قتل ألف رجل وتسعمائة رجل وخمسين رجلاً سوى المجروحين.

فقال عمر بن سعد لقومه: الويل لكم أتدرون لمن تقاتلون؟ هذا ابن الأنزع البطين، هذا ابن قتال العرب، فاحملوا عليه من كل جانب، وكانت الرماة أربعة آلاف ترمية بالسهام فحالوا بينه وبين رحله.

فصاح بهم: ويحكم يا شيعة آل أبي سفيان، إن لم يكن لكم دين، وكنتم لا تخافون المعاد، فكونوا أحراراً في دنياكم، وارجعوا إلى أحسابكم إن كنتم أعراباً.

(1) من المقتل.
(2) من هنا إلى قوله: (من كل جانب) نقله المؤلف رحمه الله من مناقب ابن شهراشوب: 4/110.
(3) من المناقب.

( 319 )

فناداه شمر، فقال: ما تقول، يا ابن فاطمة؟

قال: أقول: انا الذي اقاتلكم وتقاتولني، والنساء ليس عليهن جناح، فامنعوا عتاتكم عن التعرض لحرمي ما دمت حياً.

فقال شمر: لك هذا، ثم صاح شمر: إليكم عن حرم الرجل، فاقصدوه في نفسه، فلعمري لهو كفو كريم.

قال: فقصدوه القوم وهو في ضمن ذلك يطلب شربة ماء، فكلما حمل بفرسه على الفرات حملوا عليه أجمعهم حتى أحالوه (1) عنه، ثم رماه رجل من القوم يكنى أبا الحتوف الجعفي لعنه الله بسهم، فوقع السهم في جبهته، فنزعه من جبهته، فسالت الدماء على وجهه ولحيته،فقال صلوات الله عليه، اللهم إنك ترى ما أنا فيه من عبادك هؤلاء العصاة، اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تذر على وجه الأرض منهم أحداً، ولا تغفر لهم أبداً.

ثم حمل عليهم كالليث المغضب، فجعل لا يلحق منهم أحداً إلا بعجه بسيفه فقتله، والسهام آخذة له من كل ناحية وهو يتقيها بنحره وصدره، ويقول: يا امة السوء ، بئسما خلفتم محمداً في عترته، أما إنكم لن تقتلوا بعدي عبداً من عباد الله فتهابوا قتله، بل يهون عليكم عند قتلكم إياي، وأيم الله إني لأرجو أن يكرمني ربي بالشهادة بهوانكم، ثم ينتقم لي منكم من حيث لا تشعرون.

قال: فصاح به الحصين بن مالك السكوني، فقال: وبماذا ينتقم لك منا؟

قال: يلقي بأسكم بينكم، ويسفك دماءكم، ثم يصب عليكم العذاب الأليم.

(1) في المقتل: أجلوه.

( 320 )

ثم لم يزل يقال حتى أصابته جراحات عظيمة.

وروي عن أبي عبدالله الصادق عليه السلام، قال: وجد بالحسين عليه السلام ثلاث وثلاثون طعنة وأربع وثلاثون ضربة.

وقال الباقر عليه السلام: اصيب الحسين عليه السلام ووجد به ثلاثمائة وبضعة وعشرون طعنة برمح، وضرب بسيف، ورمية بسهم.

وفي رواية: ألف وتسعمائة جراحة، وكانت السهام في درعة كالشوك في جلد القنفذ، وروي أنها كانت كلها في مقدمته.

وهذا الروايات رواها الشيخ الثقة رشيد الدين بن شهراشوب المازندراني رضي الله عنه في كتابه المناقب. (1)

فوقف صلوات الله عليه يستريح ساعة وقد ضعف عن القتال، فبينا هو واقف إذ أتاه حجر فوقع على جبهته، فأخذ الثوب (2) ليمسح الدم عن وجهه فأتاه سهم محدد مسموم، له ثلاث شعب، فوقع السهم في صدره (3)، فقال الحسين عليه السلام: بسم الله، وبالله، وعلى ملة رسول الله، ورفع رأسه إلى السماء وقال: إلهي إنك تعلم أنهم يقتلون رجلاً ليس على وجه الأرض ابن نبي غيره، ثم أخذ السهم فأخرجه من قفاه فانبعث الدم كالميزاب، فوضع يده على

(1) مناقب ابن شهراشوب : 4/ 110 _ 111، عنه البحار : 45 / 52 ، وعوالم العلوم : 17/ 295
(2)كذا في المقتل والبحار ، وهو الصحيح ، وفي الاصل : التراب
(3) في المقتل : قلبه

( 321 )

الجرح، فلما امتلأت (دماً) (1) رمى به إلى السماء، فما رجع من ذلك الدم قطرة، وما عرفت الحمرة في السماء حتى رمى الحسين عليه السلام بدمه إلى السماء، ثم وضع يده ثانياً، فلما امتلأت لطخ بها رأسه ولحيته، وقال: هكذا أكون حتى ألقى جدي رسول الله صلى الله عليه وآله وأنا مخضوب بدمي، وأقول: يا رسول الله، قتلني فلان وفلان.

ثم ضعف عليه السلام عن القتال فوقف، فكلما أتاه رجل من الناس وانتهى إليه انصرف عنه (وكره أن يلقى الله بدمه) (2)، حتى جاء رجل من كندة يقال له مالك بن النسير (3) لعنه الله فضربه بالسيف على رأسه، وعليه برنس (4) فقطع البرنس فامتلأ دماً.

فقال له الحسين عليه السلام: لا أكلت بها ولا شربت (5)، وحشرك الله مع الظالمين، ثم ألقى البرنس وليس قلنسوة واعتم عليها وقد أعيى، وجاء الكندي وأخذ البرنس، وكان من خز، فلما قدم (به) (6) بعد الوقعة على امرأة فجعل يغسل الدم عنه، فقالت له امرأته، أتدخل بيتي سلب ابن رسول الله؟ اخرج عني حشى الله قبرك ناراً، فلم يزل بعد ذلك فقيرأ بأسوء حال ويبست يداه، وكانتا في الشتاء ينضحان دماً، وفي الصيف يصيران يابستين كأنهما عودان.

(1 و 2 و 6) من المقتل.
(3) كذا ضبطه في الكامل في التاريخ: 4/75،لكنه عاد وسماه مالك بن بشير البدي، وذلك في ص 239 حينما أحضره المختار رحمه الله فأمر بقطع يديه ورجليه وترك يضطرب حتى مات.
وفي المقتل والملهوف: النسر، وفي والأصل: البشير، وفي البحار: اليسر.
(4) البرنس: القلنسوة الطويلة.
(5) في المقتل: لا أكلت بيمينك ولا شربت بها.

( 322 )

ولما ضعف عليه السلام نادى شمر لعنه الله: ما وقوفكم؟ وما تنتظرون بالرجل؟ قد أثخنته الجراح والسهام، احملوا عليه ثكلتكم امهاتكم، فحملوا عليه من كل جانب، فرماه الحصين بن تميم في فيه، وأبو أيوب الغنوي بسهم في حلقه، وضربه زرعة بن شريك التميمي على كتفه اليسرى، وعمر بن خليفة الجعفي على حبل عاتقه، وطعنه صالح بن وهب المزني في جنبه، وكان قد طعنه سنان (1) بن أنس النخعي في صدره، فوق صلوات الله عليه على الأرض على خده الأيمن، ثم استوى جالساً ونزع السهم من حلقه (2). ثم دنا عمر بن سعد من الحسين عليه السلام.

قال حميد: وخرجت زينب بنت علي عليه السلام وقرطاها يجولان بين اذنيها، وهي تقول: ليت السماء انطبقت على الأرض، يا عمر بن سعد: أيقتل أبوعبدالله وأنت تنظر إليه؟ ودموع عمر تسيل على خديه ولحيته، وهو يصرف وجهه عنها، والحسين عليه السلام جالس وعليه جبة خز، وقد تحاماه الناس، فنادى شمر: ويلكم ما تنتظرون به؟ اقتلوه ثكلتكم امهاتكم، فضربه زرعة بن شريك فأبان كفه اليسرى، ثم ضربه على عاتقه، ثم انصرفوا عنه، وهو يكبوا مرة ويقوم اخرى.

فحمل عليه سنان في تلك الحال فطعنه بالرمح فصرعه، وقال لخولي بن يزيد: اجتز رأسه، فضعف وارتعدت يده، فقال له سنان: جب (3) الله عضدك،

(1) كذا في المقتل والبحار، وفي الأصل: سفيان، وهو تصحيف.
(2) في المقتل: نحره.
(3) في المقتل والبحار: فت.

( 323 )

وأبان يدك، فنزل إليه شمر (1) لعنه الله، وكان اللعين أبرص، فضربه برجله فألقاه على قفاه، ثم أخذ بلحيته، فقال الحسين عليه السلام: أنت (الكلب) (2) الأبقع الذي رأيتك في منامي. فقال: اتشبهني بالكلاب؟ ثم جعل يضرب بسيفه مذبح الحسين عليه السلام. (3)

وقيل: لما جاء شمر والحسين عليه السلام بآخر رمق يلوك لسانه من العطش، فطلب الماء فرفسه شمر لعنه الله برجليه، وقال: يا ابن أبي تراب، ألست تزعم أن أباك على حوض النبي يسقي من أحبه؟ فاصبر حتى تأخذ الماء من يده، ثم جلس على صدره.

فقال له الحسين عليه السلام: أتقتلني ولا تعلم من أنا؟

فقال: أعرفك حق المعرفة: امك فاطمة الزهراء، وأبوك علي المرتضى، وجدك محمد المصطفى،وخصمك العلي الأعلى، أقتلك ولا ابالي، فضربه بسيفه اثنتا عشرة ضربة، ثم جز رأسه صلوات الله وسلامه عليه ، ولعن الله قاتله ومقاتله والسائرين إليه بجموعهم.

ثم سلبوه (4) عليه السلام لباسه وجميع ما كان عليه؛ فأخذ عمامته جابر ابن يزيد الأزدي،وقميصه إسحاق بن حيوة (5)، وثوبه جعونة بن حوبة

(1) في المقتل: فنزل إليه نصر بن خرشة الضبابي، وقيل: بل شمر.
(2) من المقتل: وفيه (رأيته) بدل (رأيتك).
(3) من قوله: (ولما قتل أصحاب الحسين) إلى هنا نقله المجلسي رحمه الله في البحار: 45/32 ـ 56 عن كتابنا هذا.
(4) انظر في أسماء من سلبه عليه السلام: مناقب ابن شهراشوب: 4/111.
(5) كذا في الكامل: 4/80 ووقعة الطف: 255، وفي الأصل غير مقروءة، وفي الملهوف: =

( 324 )

الحضرمي، وقطيفته من خز قيس بن الأشعث الكندي، وسرواويله بحير بن عمرو الجرمي (1)

وكان عليه السلام قد قال لأهله: ائتوني بثوب لا يرغب فيه لئلا اسلبه، فأتوه بتبان، فقال: هذا من لباس أهل الذمة، فأتوه بسراويل أوسع منه فسلبوه إياها، سلبها (بحير بن) (2) عمرو المذكور؛ وقيل: أخذها بحر بن كعب التميمي، وأخذ القوس والحلل الرحيل بن خيثمة الجعفي وهانىء بن ثبيت الحضرمي وجرير بن مسعود الحضرمي، ونعليه الأسود الاوسي،وسيفه رجل من بني نهشل بن دارم (3)، وقيل: الأسود بن حنظلة، فأحرقهم المختار رضي الله عنه بالنار، ثم مال الناس على الورس والأمتعة والإبل فانتهبوها، ثم تسابقوا على نهب بيوت آل الرسول حتى كانوا ينزعون ملحفة المرأة عن رأسها وظهرها.

وعن فاطمة بنت الحسين قالت: لما دخلت العامة علينا بالنهب دخل رجل وأنا صغيرة وفي رجلي خلخالان فنزعهما من رجلي وهو يبكي، فقلت: ما يبكيك؟

فقال: وكيف لا أبكي وأنا أسلب ابنة رسول الله؟!

فقلت: لا تسلبني.

فقال: أخاف أن يأخذه غيري.

 حوبة، وفي البحار: حوية.

(1) في الكامل: 4/77 و 78 ووقعة الطف: 255 والملهوف: بحر بن كعب التيمي، وفي البحار: أبجر بن كعب التيمي.
(2) أثبتناه للضرورة.
(3) في المقتل: نهشل من بني دارم.

( 325 )

وقال حميد بن مسلم: انتهيت إلى علي بن الحسين عليه السلام وهو مضطجع على فراش له وهو مريض، وإذا شمر معه رجل يقول: ألا نقتل هذا الصبي؟

سبحان الله! ما معنى قتل الصبيان؟ فما زال دأبي كذلك أدفع عنه حتى جاء عمر بن سعد، فقال: لا يدخلن أحد بيوت هذه النسوة، ولا يتعرض لهذا الغلام أحد، ومن أخذ من متاعهم شيئاً فليرده، فوالله ما رد أحد شيئاً غير انهم كفوا.

فقال لي علي بن الحسين عليه السلام: جزيت خيراً فقد دفع الله عنا ـ بمقالتك ـ أشرار الناس. (1)

ولما دخل الناس بعد قتل الحسين الفسطاط ـ فسطاط النساء ـ للنهب أقبلت امرأة من عسكر ابن سعد كانت مع زوجها، فلما اقتحم الناس الفسطاط وأقبلوا يسلبون النساء أخذت سيفاً وأقبلت نحو الفسطاط، ونادت: يا آل بكر ابن وائل، أتسلب بنات رسول الله؟ يا لثارات رسول الله، فأخذها زوجها فردها إلى رحله.

ثم أمر ابن سعد بإخراج النساء من الخيمة وأضرموا فيها النار، فخرجن حواسر مسلبات حافيات باكيات، يمشين سبايا في أسر الذلة.

قال بعض من شهد الوقعة: ما رأيت مكثوراً (2) قط قتل ولده وإخوته وبنو عمه، وأهل بيته وأنصاره أربط جأشاً، ولا أمضى جناناً ما رأيت قبل ولا بعده

(1) في المقتل: شر هؤلاء.
(2) المكثور: المغلوب.

( 326 )

مثله ـ أعني الحسين عليه السلام ـ لقد رأيت الرجال تنكشف عنه انكشاف المعزى إذا عاث (1) فيها الذئب.

ثم إن عمر بن سعد لعنه الله نادى: من ينتدب للحسين فيطأه بفرسه (2)؟ فانتدب له عشرة نفر، منهم: أخنس بن مرثد الحضرمي، وهو القائل (3):

نحن رضضنا الظهر بعد الصدر     بكل يعبوب شديد الأسر

(حتى عصـينا الله رب الأمـر     بصنعنا مع الحسين الطهر)(4)

وقال عمر بن سعد لعنه الله: بهذا أمر الأمير عبيدالله.

قال الراوي (5) : فنظرنا في هؤلاء العشرة فوجدناهم أولاد زنا، وهؤلاء أخذهم المختار رضي الله عنه وشد أيديهم وأرجلهم بسكك من حديد، ثم أوطأهم الخيل حتى ماتوا.

وأقام عمر بن سعد يومه ذاك بعد الواقعة إلى الغد، فجمع قتلاه فصلى عليهم ودفنهم، وترك الحسين وأصحابه منبوذين بالعراء، فلما ارتحلوا إلى الكوفة وتركوهم على تلك الحال عمد أهل الغاضرية من بني أسد فصلوا عليهم ودفنوهم. (6)

(1) كذا في المقتل، وفي الأصل: غارت.
(2) في المقتل: فيوطئة فرسه.
(3) نسب الرجز في الملهوف: 183 إلى أسيد بن مالك.
(4) من المقتل.
(5) هو أبو عمرو الزاهد: انظر في ترجمته: وفيات الأعيان: 1/500، تاريخ بغداد: 2/356، الأعملام للزركلي: 6/254.
(6) من قوله: (وأقام عمر بن سعد يومه) إلى هنا نقله المجلسي رحمه الله في البحار: 45/62 عن كتابنا هذا. وكذا البحراني في عوالم العلوم: 17/306.

( 327 )

وابتلى الله سبحانه الذين أخذوا سلب الحسين عليه السلام كل واحد منهم ببلاء، فالذي أخذ سراويله بحير بن عمرو الجرمي فلبسها فصار زمناً مقعداً، والذي أخذ عمامته وهو جابر بن يزيد فصار مجذوماً، والذي أخذ درعه مالك بن نسير صار معتوهاً، والذي أخذ خاتمه وهو بجدل بن سليم الكلبي وقطع اصبعه عليه السلام مع الخاتم أخذه المختار وقطع يديه ورجليه وتركه يتشحط بدمه حتى مات. (1)

وارتفعت في السماء ـ في تلك الساعة التي قتل فيها صلوات الله عليه وآله ـ غبرة شديدة سوداء مظلمة، فيها ريح حمراء، لا يرى فيها عين ولا أثر، حتى ظن القوم أن العذاب قد جاءهم.

وقتل صلوات الله عليه (2) يوم عاشوراء عاشر المحرم الحرام سنة إحدى وستين من الهجرة، وهو ابن أربع وخمسين سنة وستة أشهر ونصف.

قال: وأقبل فرس الحسين عليه السلام وقد عدا من بين أيديهم أن لا يؤخذ، فوضع ناصيته في دم الحسين عليه السلام، ثم أقبل يركض نحو خيمة النساء، وهو يصهل ويضرب الأرض برأسه عند الخيمة حتى مات. (3)

والسيف الذي كان مع الحسين صلوات الله عليه حين قتل ليس هو بذي الفقار، وإنما هو غيره، لأن ذا الفقار (كان مذخوراً ومصوناً مع أمثاله) (4) من

(1) انظر ذوب النضار: 123.
(2) زاد في المقتل: باتفاق الرواة، وفي البحار: باتفاق الروايات.
(3) من قوله: (وقتل صلوات الله عليه يوم عاشوراء) إلى هنا نقله المجلسي رحمه الله في البحار: 45/60 عن كتابنا هذا. وكذا البحراني في عوالم العلوم: 17/304.
(4) من الملهوف.

( 328 )

ذخائر النبوة والامامة لا يطلع عليه أحد.

وكان عدة القتلى من أصحاب الحسين عليه السلام الذين قتلوا معه اثنين وسبعين رجلاً رضوان الله عليهم ورحمته وسلامه هؤلاء الذين قتلوا قبل أهل بيته. وأما عدة المقتولين من أهل بيته فالأكثرون على أنهم كانوا سبعة وعشرين:

سبعة من بني مسلم ومن بني عقيل (1): مسلم المقتول بالكوفة، وجعفر، وعبدالرحمن(ابنا عقيل) (2)، ومحمد بن مسلم، وعبدالله بن مسلم، وجعفر بن محمد بن عقيل، ومحمد بن أبي سعيد بن عقيل.

وثلاثة من ولد جعفر: محمد بن عبدالله بن جعفر، وعون الأكبر بن عبدالله، وعبيدالله بن عبدالله.

وتسعة (3) من ولد أميرالمؤمنين عليه السلام: الحسين عليه السلام، والعباس؛ ويقال: وابنه محمد بن العباس. (4)

ذكر صاحب مقاتل الطالبيين ان العباس بن علي بن أبي طالب، وعثمان ابن علي بن ابي طالب، وجعفر بن علي بن أبي طالب، وعبدالله بن علي بن أبي طالب هؤلاء الأربعة صلوا مع الحسين عليه السلام وكانت امهم ام البنين بنت

(1) في البحار: سبعة من بني عقيل، وفي مناقب ابن شهراشوب: 4/112: (تسعة) بدل (سبعة) وزاد في الأسماء: عون بن عقيل فقط.
(2) من البحار.
(3) كذا في المناقب والبحار، وفي الأصل: سبعة.
(4) مقال الطالبيين: 53 ـ 56، عنه البحار: 45/39.

( 329 )

حزام بن خالد بن ربيعة بن الوحيل (1)،وهو عامر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، وكان العباس أكبرهم، وهو آخر من قتل من إخوته لامه وأبيه. وفي العباس عليه السلام يقول الشاعر:

أحـق الناس أن يبكي عليه      فتى  أبكى الحسين بكربلاء
أخـوه وابـن والـده علي      أبو الفضل المضرج بالدماء
ومـن واساه لا يثنيه شيء      فـجادله  على عطش بماء

وفيه يقول الكميت بن زيد:

وأبو الفضل إن ذكرهم الحلو     شفاء النفوس من أسقام

قتـل الأدعيـاء إذا قـتلوه    أكرم الشاربين صوب الغمام

وكان العباس رجلاً جسيماً وسيماً جميلاً، وكان يركب الفرس المطهم (2) ورجلاه تخطان الأرض، وكان يقال له قمر بني هاشم، وكان لواء الحسين عليه السلام معه يوم قتل.

وكانت ام البنين ام هؤلاء الإخوة الأربعة تخرج إلى البقيع فتندب بنيها أشجى ندبة وأحرقها، فيجتمع الناس إليها يسمعون منها، وكان مروان يجيء فيمن يجيء فيسمع ندبتها ويبكي.

وعبدالله الأصغر، ومحمد الأصغر، وأبوبكر، يشك في قتله.

وأربعة من بني الحسن عليه السلام: أبوبكر، وعبدالله، والقاسم؛ وقيل:

(1) كذا في مقاتل الطالبيين، وفي الأصل: بنت حزام بن خويلد بن الوحيل.
(2) المطهم من الناس والخيل: الحسن التام كل شيء منه على حدته، فهو بارع الجمال (لسان العرب: 12/372 ـ طهم ـ.)

( 330 )

وبشر؛ وقيل: عمر وكان صغيراً.

وستة من أولاد الحسين عليه السلام مع اختلاف فيهم: علي الأكبر، (وإبراهيم) (1)، وعبدالله، وعلي الأصغر، وجعفر، ومحمد، وذبح (2) عبدالله في حجره.

وأسروا الحسن بن الحسن مقطوعة يده، وقيل: لم يقتل محمد الأصغر ابن الحسين (3) لمرضه، ويقال: رماه رجل من بني دارم فقتله.

والمقتولون في الحملة الاولى من أصحاب الحسين: نعيم بن عجلان، وعمران بن كعب، وأنس بن حارث (4) الأشجعي، وحنظلة بن عمرو الشيباني (5)، وقاسط بن زهير، وكنانة بن عتيق، وعمرو بن مشيعة (6)، وضرغامة ابن مالك، وعامر بن مسلم، وسيف بن مالك النميري، وعبدالرحمان ألأرحبي، ومجمع العائذي،وحباب بن الحارث، وعمروالجندعي، والحلاس ابن عمرو الراسبي، وسوار بن حمير (7) الفهمي، وعمار بن سلامة (8) الدالاني،

(1) من المناقب والبحار.
(2) في المناقب: عبدالله ومحمد وحمزة وعلي وجعفر وعمر وزيد، وذبح...
(3) في المناقب: محمد الأصغر بن علي بن أبي طالب عليه السلام.
(4) في المناقب والبحار: عمران بن كعب بن حارث، وما في المتن يوافقه ما في تسمية من قتل مع الحسين بن علي عليه السلام: 152 رقم 27 وص 153 رقم 53.
(5) ذكر فيما مر حنظلة بن سعد الشبامي.
(6) كذا في المناقب والبحار، وفي الأصل: عمر بن شيبة، وسماه في تسمية من قتل مع الحسين بن علي عليه السلام: 153 رقم 42: عمرو بن ضبيعة.
(7) في المناقب: سوار بن أبي عمير، وفي البحار: سوار بن أبي حمير، وسماه في تسمية من قتل مع الحسين عليه السلام: 156 رقم 103: سوار بن حمير الجابري.
(8) في المناقب والبحار: عمار بن أبي سلامة.

( 331 )

والنعمان ابن عمرو الراسبي، وزاهر بن عمرو مولى ابن الحمق، وجبلة بن علي،ومسعود بن الحجاج، وعبدالله بن عروة الغفاري،وزهير بن بشر الخثعمي، وعمار بن حسان، وعبدالله بن عمير، ومسلم بن كثير، وزهير بن سليم (1)، وعبدالله وعبيدالله ابنا زيد البصري، وعشرة من موالي الحسين عليه السلام، وموليان من موالي أميرالمؤمنين عليه السلام.

هؤلاء المقتولون في الحملة الاولى الى تمام الخمسين، والباقون قتلوا بعد هؤلاء، وهم: الحر، وبرير، وعمرو بن خالد الأسدي، وحبيب بن مظاهر، وزهير بن القين، وغيرهم ممن ذكرنا أولاً رضي الله عنهم أجمعين، ولعن الله قاتلهم إلى يوم الدين.

قال: ثم إن عمر بن سعد لعنه الله سرح (2) برأس الحسين عليه السلام يوم عاشوراء ـ يوم قتل فيه عليه السلام ـ مع خولي بن يزيد الأصبحي وحميد بن مسلم الأسدي إلى ابن زياد لعنه الله، ثم أمر برؤوس الباقين من أهل بيته وأصحابه فقطعت وسرح بها مع شمر بن ذي الجوشن (وقيس بن الأشعث وعمرو بن الحجاج) (3) إلى الكوفة، وأقام ابن سعد يومه ذلك وغده إلى الزوال ـ كما أشرنا أولاً ـ .

وروي أن رؤوس أصحاب الحسين عليه السلام وأهل بيته كانت ثمانية وسبعين رأساً، وأقتسمتها القبائل لتتقرب بذلك إلى عبيدالله وإلى يزيد:

فجاءت كندة بثلاثة عشر رأساً، وصاحبهم قيس بن الأشعث.

(1) كذا في المناقب والبحار، وفي الأصل: مسلم.
(2) في الملهوف: بعث.
(3) من الملهوف.

( 332 )

وجاءت هوازن باثني عشر رأساً، وصاحبهم شمر.

وجاءت تميم بسبعة عشر رأساً.

وجاءت بنو أسد ستة عشر رأساً.

وجاءت مذحج بسبعة رؤوس.

وجاء سائر الناس بثلاثة عشر رأساً. (1)

ثم أذن ابن سعد بالرحيل إلى الكوفة، وحمل بنات الحسين وأخواته وعلي بن الحسين وذراريهم، فاخرجوا حافيات حاسرات مسلبات باكيات يمشين سبايا في أسر الذلة، فقلن: بحق الله ما نروح معكم ولو قتلتمونا إلا ممرتم بنا على مصرع الحسين، فأمر ابن سعد لعنه الله ليمروا بهم من المقتل حتى رأين إخوانهن، وأبناءهن، وودعنهم، فذهبوا بهن إلى المعركة، فلما نظر النسوة إلى القتلى صحن وضربن وجوههن.

قال: فوالله ما أنسى زينب بنت علي وهي تندب الحسين وتنادي بصوت حزين: يا محمدا، صلى عليك مليك السماء، وهذا حسين مرمل بالدماء، مقطع الأعضاء، وبناتك سبايا، إلى الله المشتكى، وإلى محمد المصطفى، وإلى علي المرتضى، وإلى حمزة سيدالشهداء.

وا محمداه هذا حسين بالعراء، تسفي عليه الصبا، قتيل أولاد البغايا، يا حزناه واكرباه، اليوم مات جدي رسول الله، يا أصحاب محمد، هؤلاء ذرية

(1) نقل هذه القطعة المجلسي رحمه الله في البحار: 45/62 عن كتابنا هذا، وكذا البحراني في عوالم العلوم: 17/ 306.

( 333 )

المصطفى يساقون سوق السبايا.

وفي بعض الروايات: يا محمداه، بناتك سبايا، وذريتك قتلى، تسفي عليهم الصبا، هذا ابنك مجزوز (1) الرأس من القفا، لا هو غائب فيرجى، ولا جريح فيداوى، فما زالت (تقول هذا القول) (2) حتى أبكت والله كل صديق وعدو، حتى رأينا دموع الخيل تنحدر على حوافرها، ثم إن سكينة اعتنقت جسد الحسين فاجتمع عدة من الناس حتى جروها. (3) (4).

قلت: ولما قرعت هذه الأخبار الشنيعة بقوارعها سمعي، وأحرقت هذه الآثار الفضيعة فؤادي، وأجرت دمعي بصورته عليه السلام صريعاً بين يدي الأعادي بين بصيرتي، ومثلته طريحاً في سري وفكرتي، ونقشت صورة ذاته الشريفة في لوح حياتي، وأجريت ذكره قتيلاً في خاطري وبالي، وأوقفت في عالم الخيال نحيل بدني بين يديه، ومزقت بيد فكري جيب صبري جزعاً عليه ، وناديت صارخاً بأنه ينبىء عن عظيم مصيبتي، وندبت جازعاً بزفرة

(1) في الملهوف، محزوز. (2) من المقتل. (3) في (ح): لمحرره الحقير:
أخـي يـابن امي ليتك اليوم غائب      فـلم أراك قـط قـبل يـوم وفـاة
فأرضى  على نيران هجرك أحرق      بشرط حياتك يا ذا الجود والحسنات
فـيرجو  وصـالك قلبي وقلب من      هـواك  مـن الأحـباب حال حياة
ويـا  ليت امي لم تلدني ولم أعش      ولم أر جسمك مجروحاً بسيف طغاة
أخـي نور عيني أنت امي ووالدي      فـأيـتـمتني  والله والأخــوات
تـنوح  سـكينة بـالحزن والأسى      تـقول أبي وأين صاحب الحملات
أبـي مـا ... يـا أنـيسي وكافلي      لـحزن  طـويل مـنتهاه حـياتي
(4) مقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي: 2/4 ـ 39، الملهوف على قتلى الطفوف: 156 ـ 190.

( 334 )

تجبر في جنبه رزيتي، قائلاً: يا حزني، موضع انقضاك مماتي، ويا وجدي خذ منتهاك وفاتي، ويا عبرتي موضع جمودك حفرتي، ويا زفرتي وقت جمودك منيتي،ويا مهجتي تصاعدي دماً بنار أحزاني من مقلتي، ويا كبدي ذوبي بضرام أشجاني ونفسي، فلأي فقيد أدخر دمعي بعد مصابي بأحبائي؟ وعلى أي شهيد أبذل جهدي بنحيبي وبكائي.

فيا من خدت واقعة أخاديد في خدودي من ماء جفوني، وأذابت رزيته أحشائي فاسالتها دماً من شؤون عيوني، أعلى أي قانت سواك أشق ثوب صبري؟ أم على أي هالك غيرك أهتك مصون ستري؟ وحبك ديني ومعتقدي، وولاؤك روحي في جسدي ، وذكرك انيس وحدتي ، ومدحك جليس خلوتي، وخيالك في سواد مقلتي، وجمالك في سويداء مهجتي، أيليق البكاء إلا على مصيبتك؟ أم يحسن العزاء إلا لرزيتك؟ هل لنبي سبط غيرك شهيداً فأبكيه؟ أم لوليي قرة عين سواك فأرثيه؟ أم للزهراء ثمرة قلب إلا جمال بهجتك؟ وهل لأئمة الهدى شرف إلا من شريف حضرتك؟

واقعتك أرخصت في سوق الأحزان عقيق عبرتي، ومصيبتك هدت بمعاول الأشجان قواعد تثبتي ، وأحرقت بقوادح الأسقام مهجتي، وأغرقت أسفاً بتناثر العبرات وجنتي، وبدلت برقادي سهادي، وصيرت الأوصاب دثاري ومهادي، فجسمي سقيم، وصبري عديم، وقلبي حريق، وطرفي غريق، لشيك الخضيب، وخدك التريب، ونسوتك الاسارى، وذريتك الحيارى، وأطفالك الذين سقوا من ثدي الحمام قبل الفطام، وجرعوا كؤوس الممات بمقابل الطعام، ذكر ظعنك يطيف الأحزان بقلبي، وتفور حتفك يهيج نيران الأسى غمومي وكربي، ومصرع شبانك يذهل عقلي ولبي، ومقتل فتيانك

( 335 )

يجعل من دموعي شربي، لغمتك شجرة الغموم بقلبي نبتت، ولكربتك قواعد الهموم بلبي ثبتت، سحقاً لأيامي إن استمسكت بغير عروتكم يدي، وبعداً لمقامي إن جعلت سواكم معتقدي، وخرساً للهاتي إن فاهت بغير مدحتكم، وعمىً لطرفي إن نظر جميلاً سوى بهجتكم، لا قرت عيني إن نثرت على غير عروس مجدكم فائق نثري. ولا راف معيني إن أطافت بسوى كعبة جودكم رائق شعري.

أنتم وسيلتي إلى خالقي، وبكم وضحت في الحق طرائقي، وإلى نحوكم منطق شكري صرفته، وعلى مدحكم بديع نظامي وقفته، إن رضيتم خدي موطئاً لأقدامكم، ووجهي موضعاً لنعالكم،وأثبتم اسمي في جرائد عبيدكم، ووفرتم قسمي من عنايتكم وجودكم، فيا زلتفي من ربي، ويا وصولي وقربي، وإن طردتموني عن أبواب كرمكم، ومحو تموني من دفاتر خدمتكم، فيا خسارة صفقتي ويا سوء عاقبتي، فيا سعادة أنفساً بذلت في طاعتكم أرواحاً وأبداناً، ويا فرحة طائفة بلغت في نصرتكم بوجوهها وصدورها حساماً وسناناً.

فلعمري لقد حازوا بجميل صبرهم ثواباً جسيماً، فياليتني كنت معهم فأفوز فوزاً عظيماً، جلت رياض الجنة عرائس أزهارها على زهيرهم، وأعلت على منازل أبرارها درجة حرهم وبريرهم، وجعلت حبيبهم حبيب حور عينها، وصيرت لمنثور لؤلؤها لون جونها، ووهب وهبتها من غرفاتها أعلاها، ويسرت لمسلمها من قداح لذاتها معلاها، كانت دار النعيم أشد شوقاً إليهم، وأشد ابتهاجاً بمقدمهم منهم عليها، وفوا لله سعيهم فوفى لهم بما عاهدهم، وصدقوا ما عاهدوه عليه فأنالهم الحسنى وزيادة على ما وعدهم.

( 336 )

فوا أسفاه إذ لم أكن معهم شهيداً، وواحزناه إذ لم أكن في زمرتهم عديداً، أتلقى عن سيدي رماح الأعداء كما تلقوا بقلوبهم وصدورهم،واقابل صفاح الأشقياء كما قابلوا بوجوههم ونحورهم، وأجعل خدي جنة لجنتي في حشري، ووجهي وقاية لمعادي يوم نشري، ويراني سيدي لأمره سميعاً مطيعاً، وبين يديه شهيداً صريعاً، قد قطعت في نصره أعضائي، واريقت في جنبه دمائي، مجاهداً عنه بقولي وفعلي، مجالداً بسيفي ونبلي، قائلاً:

يا امة كفرت بأنعم ربها، واستوجبت سوء العذاب بحربها، وقطعت رحم رسولها، وانتهكت حرمة بتولها، وهدمت بنية إسلامها، ونكثت بيعة إمامها، تباً لك من امة شرت ضلالها بهداها، ودنياها باخراها، ونكصت على أعقابها ، بلامع سرابها.

ويلكم أتدرون على من جردتم سيوفكم، ورتبتم صفوفكم؟ هذا سبط خاتم الرسل، وريحانة موضح السبل، أشرف من مشى على وجه الغبراء، وأفضل من تأزر بالمجد وارتدى، وأفخر من قامت سيدة النساء،وأجمل من كفلته البضعة الزهراء، حجرها مهده، وفرعها ولده، وثديها مشربه، وكتف والدها مركبه، عنه سماء صلب نبيكم انفطرت، ومنه ينابيع ذرية وليكم تفجرت، خادم مهده جبرائيل،وبشير مولده ميكائيل، وولي عقد نكاح امه الملك الجليل، وخطيب عرس والده راجيل.

سفهت أحلامكم، ونكست أعلامكم، وأحاطت أطواق العار بأعناقكم، واستوجبت أطباق النار بنفاقكم، يا عباد الجبت والطاغوت، ويا كفاراً بصاحب العزة والجبروت، يا جند الشيطان، ويا أعداء الرحمن، أليس

( 337 )

هذا ابن نبيكم وهاديكم؟ أليس أبوه بنص الغدير واليكم؟ نقضتم حبل إسلامكم، وعكفتم على أصنامكم، أهذا كان جزءاً من ارسل إليكم رحمة، وعليكم نعمة، أن تقتلوا ذريته، وتهتكوا اسرته، وتذبحوا أطفاله، وتقتلوا رجاله، تباً لكم يا قتلة أولاد النبيين، وبعداً لكم يا خذلة أوصياء المرسلين.

ثم أزدلف لقتالهم بقالبي وقلبي، مشتاقاً بجهدي إلى لقاء ربي، طالباً درجة الشهادة بين يدي وليي وابن وليي، راغباً في منازل السعادة بمرافقة رسولي ونبيي، اورد حسامي من نحورهم،واصدر عاملي من صدورهم، أتلقى سيوفهم بسواعدي ومناكبي، وأرد سهامهم بوجهي وترائبي، لا ضارع ولا ناكل، ولا خاضع ولا متواكل، بل عزمي أمضى من ذي شفرتين، وحدي أقطع من ذي حدين، أقذف بعزيز نسبي في جموعهم، وابالغ بعروفي عصبي في تقطيعهم،مبالغاً في النصيحة لولي أمري. سمحاً في جهاد أعدائه بالبقية من عمري، متلقياً من سهام القوم ما يصل إليه، مقطعة اوصالي بسيوفهم بين يديه.

فيالها حسرة في قلبي مدتها لا تنقضي، وغصة في نفسي جمرتها لا تنطفي، إذ لم أرق بقدم الشهادة إلى منازل الأبرار، ولم اطر بقوادم السعادة إلى مواطن الأخيار، بل قعد بي جسدي، وكل عن ذلك جدي، وتأخر زمن وجودي، وغابت أنجم سعودي، قبل بلوغ مجهودي، ونيل مقصودي.

فها أنذا أنشد من قلب بسهام المصائب مصاب، وأروي عن فؤاد بضرام النوائب مذاب، مرتدياً ببردة حزني على ولد البتول، ومعارضاً برائق نظمي ببردة أشرف نبي ورسول:

( 338 )

الـصبر والـحزن مـقطوع وموصول      والـنـوم والـدمع مـمنوع ومـبذول
والـجسم  مـنسقم والـطرف مـنسجم      والـوجـد  مـحتكم والـقلب مـتبول
وفـي فـؤادي مـن فرط الأسى حرق      مـنها الـحشا بـضرام الحزن مشعول
من ما جرى بعد خير الرسل من عصب      فـي  الـدين مـن سعيها نقص وتبديل
خـانـت  عـهـوداً وأيـماناً مـؤكدة      فـالحق  مـن جهلها في الناس مجهول
مـما جـنت سـفها يـوم الـسقيف دم      الـوصي صـنو رسـول الله مـطلول
وسـبـطه  بـوجـي الـسم مـخترم      وشـلوه  فـي صـعيد الـطف مقتول
خـانـوه إذ وعــدوه حـفظ اسـرته      فـالعقد مـنهم بـكف الـغدر مـحلول
وفـي الـغدير أقـروا باللسان وفي ال      فــؤاد  عـهـدهم بـالنقض مـفلول
يــا امــة كـفرت بالله إذ مـكرت      بـعـقد خــم وغـرتـها الأبـاطيل
وضـيعوا مـا بـه أوصـى النبي وما      يـوم الـقيامة عـنه الـمرء مـسؤول

( 339 )

مـن صـدق ود اولي قربى النبي ومن      فـيـهم أتـانا مـن الـرحمن تـنزيل
قــوم ولاؤهــم فــرض وحـبهم      حـبل  بـحبل إلـه الـعرش موصول
سـل  عـنهم (هل أتى) تلقى بها شرفاً      فــي  ذكـره لـهم مـدح وتـفضيل
وفـي  الـعقود وفـي النجوى مديحهم      يـزيـنه مـن سـليم الـقلب تـرتيل
وإن  تـلاه زنـيم الأصـل حـل بـه      مـن خـبث بـاطنه بـالجهل تـأويل
فـكل  فـخر عـلى أبـواب مـجدهم      لــه  سـجـود وإذعــان وتـقبيل
الـبـحر  عـلـمهم والـطود حـلمهم      بـفضلهم كـامل الإفـضال مـفضول
أخـنى الـزمان عـليهم فـانثنوا ولهم      بــأس  لـمجمله بـالصبر تـفصيل
فـي كـربلاء أصـبحوا يروي مناقبهم      حـتـى  الـقيامة جـيل بـعده جـيل
طـافت  عـليهم بـكأس الموت طائفة      فـكـلهم  لـعـقاب الـحتف مـغلول

( 240 )

فـاستشعروا  حـبنا من حسن صبرهم      بـهـا رضـا الله مـطلوب ومـأمول
مـضوا  كـراماً بأرض الطف يشملهم      مـن  ذي الـمعارج تـوقير وتـبجيل
نـالوا بـقتلهم فـي الله مـا قـصرت      عـن وصـفه مـن بني الدنيا الأقاويل
حـازوا  الـسعادة من بذل النفوس ففي      دار الـخـلود لـهم فـضل وتـفضيل
لـم  يـنسخ الـظل منها ضوء مشرقه      فـيـا لـهم بـجميل الـصبر تـنويل
راقــت  مـشاربها فـاقت عـجائبها      فـسـعى طـالبها مـا فـيه تـضليل
أشـباحهم  فـي الـثرى مـنبوذة ولهم      أرواح صـدق لـها بـالصفو تـكميل
قـوم  لأوجـههم يـوم الـقراع وفـي      بــذل  الـمـكارم تـقطيب وتـهليل
قـوم  تـراهم وسـوق الـحرب قائمة      والـرمح  والـسيف منصوب ومسلول
أسـد الـشرى في ظلام النقع ترفل في      سـرد الـحديد لـها سـمر الـقناغيل

( 341 )

أجـسادهم بـعروض الـموت قـطعها      مـن الـصوارم فـي الـهيجاء تفاعيل
لـها ثـرى كـربلاء مـغنى وللملأ ال      أعـلى  لـدى تـربها حـمداً وتـهليل
فـي  الله مـذ بـذلوا الأرواح قيل لهم      فـي  جـنة طـاب مـثواها لـكم قيل
مـعـارج الـعـالم الـعلوي مـنزلهم      لــه عـلـيه بـأمـر الله تـنـزيل
يـا  مـن مـصابهم أوهـى قواي فما      لـلحزن عـن قـلبي المكروب تحويل
قـضية الـصبر فـي أحـشائي مهملة      والـكرب  والـغم مـوضوع ومحمول
لـهفي لـنسوتكم عـنفاً تـساق عـلى      كـور الـمطي لـها بـالسير تـعجيل
وفـي  الـرماح بـدور مـن وجوهكم      لـها بـشمس الـضحى بالحسن تمثيل
يـا  امـة قـتلت آل الـرسول وفـي      عـفـو الإلــه لـها بـالظن تـأميل
ضـلـت مـساعيكم خـابت ظـنونكم      فـما لـكم غـير خـزي الله محصول

( 342 )

قـد هـيئت لـكم فـي الـحشر أربعة      نــار وعــار وأغــلال وتـنكيل
يـعوذ  أهـل لـظى مـنكم ويـلعنكم      أهــل الـضلال وفـرعون وقـابيل
قـتـلتم عـتـرة خـير الأنـام لـهم      جـد  وسـادسهم فـي الـعد جـبريل
ومـن  بـفضلهم فـي الذكر قد شهدت      مـن  غـافر الـذنب في القرآن تنزيل
ومـن  لـهم بـفؤادي مـنزل رحـب      بـخـالص  الـود مـعمور ومـأهول
يـا عـاذلي لا تـلمني إن بـكيت دماً      لـما عـراهم فـما ذو الـحزن معذول
من  سفح عيني في سفح الطفوف جرى      عـقيق دمـع بـكف الـوجد مـعمول
ويـا مـعاشر لـوامي عـلى جـزعي      لـمـا  أصـابـهم مـا شـئتم قـولوا
اسـناد  وجـدي صـحيح لا خلاف به      لـكـن  أحـاديث سـلواني مـراسيل
دعـواي  صـدق ولاءهـم لا يـدنسه      شــك  بـوسوسة الـشيطان مـغلول

( 343 )

لـمرسل  الـدمع مـن عـيني معجزة      فـيها  دلـيل عـلى صـدق ومـدلول
صـرفت  نـحوهم مـن منطقي دررا      بـيانها مـن مـعاني الـحب مـنقول
إذا تـلاهـا ولــي طــاب مـولده      لـه  فـؤاد عـلى الاخـلاص مجبول
بـهـذه  طـربـاً مـوصول نـعمتها      ومــن  بـلاغـتها وصـل وتـذييل
يـا سـادتي يـا بـني طه الهداة ومن      بـحبهم عـملي فـي الـحشر مـقبول
ومـن إذا خـابت الآمـال كـان بـهم      لـي  فـي الـمعاد إذا حوسبت مأمول
كـم شـانىء صـده الله الـعلي بـكم      عـني فـرد بـغيض وهـو مـخذول
يـصـد عـنـي بـوجه كـالح ولـه      طـرف  بـمرود مـا يـجفيه مكحول
رام  انـتـقاصي بـرأي قـائل فـلذا      ك  الـحـد مـنه بـعون الله مـغلول
إذا تـصورت مـا ابـداه مـن حـمق      فـيـه لـقـلبي تـخـويف وتـهويل

( 244 )

جـعلتكم  جـنتي مـن يـنل فتنته      فـتنثني وهـو بـالتوبيخ مـرذول
يا من هم عصمتي في النائبات ومن      أمـري إلـيهم مـدى الأيام موكول
لا  تـطردوني عـن أبواب جودكم      فـأنتم غـايتي والـقصد والـسؤل
حـساد رائـق شـعري في مديحكم      إلـي  تـرمق مـنهم أعـين حول
مـددت  كـف سـؤالي نحو سيبكم      إذ ليس لي غيركم في الناس مسؤول
سـجل  دعواي في صدق الولاء له      مـن حـاكم الـعقل أبيات وتسجيل
ولـي شـهود عـلى إثبات معتقدي      لـها  مـن الله بـالتصديق تـعذيل
لـدر  فـائق نـظمي فـي محبتكم      بـالدر  مـن نـاقد الألـفاظ تعديل
مـني عـليكم سـلام ليس يحصره      مـن طـالب عـده جـد ولا قـيل
مـا  لاح صـبح به للناظرين هدى      أو  فـاح روض بماء المزن مبلول

( 345 )

المجلس الثامن

في الأحوال التي جرت بعد قتل الحسين عليه السلام من سبي ذراريه ونسائه، وحملهم إلى اللعين ابن مرجانة لعنه الله، ثم منه إلى يزيد بن معاوية عليهما لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.

الخطبة:

الحمد لله الذي أشرقت بنور عناية قلوب العارفين، وتعلقت بأذيال رحمته أرواح السالكين، وغرقت في بحار ربوبيته عقول العالمين،واحترقت بشعاع سحاب بهجته أفئدة العالمين، وأطلعت على أسرار حكمته نفوس المخلصين، وتاهت في بيداء إلهية أفكار الطالبين، فانقلبت أبصار بصائرهم حيرة عن إدراك كمال عظمته، ورجعت أنفسهم خاسئة عن تصور جلال عزته، وقعد بهم جدهم عن الوصول إلى كعبة عرفانه، وطال عهدهم في طلب المحجوب من أسرار عظيم شأنه، فعلموا أن جلاله جل عن الاحاطة بفكر وضمير، ومجده عز عن الشبيه والنظير، فعزفت أنفسهم عن مشاركة اولي الأنفس الناقصة لكمالها وتمامها، وعرجت إلى الرفيق الأعلى بأقدام عزمها وإقدامها، وشربت من عين الحياة الباقية التي لا ا نقطاع لمعينها، وطلبت درجة السعادة العالية التي لا انقضاء لنعيمها، فأطلعها مبدعها على أسرار ملكوته،

( 346 )

ونفعها صانعها بحلل عرفان صفات جبروته، فأشرقت أنوار توفيقه على مرايا أفئدتها، فانطبع مثال العالم العلوي والسفلي في ألواح معرفتها.

ولما أفرغ سبحانه حلل العناية على أعطافها، ومنحها من كنوز العصمة ذخائر ألطافها، أنزلها إلى عالم الفناء لاستنقاذ عباده من ورطة جهالتهم، وتخليص أنامه من لجة حيرتهم، وأن يسلكوا بهم سبيل النجاة إلى نعيم جنته، ولو رودهم معين الحياة من زلال رحمته، ويحكوا لهم ما شاهدوا من عجائب حكمته، ويصفوا ما عاينوا من غرائب صنعته،وما أطلعهم عليه سبحانه من خواص قدرته، وما أعد للمتقين من نعيم لا تفنى أيامه، ولا تنقضي أعوامه، ولا تبلى ثيابه، ولا يتسن طعامه وشرابه.

فهدوهم النجدين، وأوضحوا لهم السبيلين، وأروهم ما توعد به من أرخى لامارته عنان شهوتها، وأجرى جواد معصيته في ميدان لذتها، من نار فضيع عقابها، وجيع عذابها، ساطع لهبها، شديد كلبها، حامية قدورها، فضيعة شرورها، سلاسلها طوال، ومقامعها ثقال، وأهلها في بلاء شامل، وعناء متواصل، لا ينظر إليهم، ولا يعطف عليهم، قد أغلقت أبواب الرحمة عنهم وانقطعت الآمال منهم، حتى إذا أوضحوا لهم الدليل، وهدوهم السبيل، ونقعوا غليلهم من عين صافية، بكأس وافية، فلبى دعوتهم،واتبع شرعتهم، واقتفى أثرهم، وأطاع أمرهم.

رجال صدقت عهودهم، ووفت وعودهم، وخلص يقينهم، وصفى معينهم، لم يلبسوا الظلم إيمانهم، ولم يشوبوا بشك إنفاقهم، بذلوا الأجساد في طاعتهم، وجادوا بالأرواح في نصرتهم، فأثبتهم سبحانه في ديوان خواصه، وشرفهم بتشريفه واختصاصه، وألحقهم بدرجة سادتهم، ورقى بهم إلى منزل

( 347 )

قادتهم، لما بذلوا الأرواح والأجساد في جهاد الأعداء طاعة لربهم، وتلقوا الصفاح والصعاد (1) من أكف الأشقياء في حربهم، وقويت بامتثال عزائم الله منهم العزائم، يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم، جعلهم أشرف أهل الجنة بعد الأنبياء والمرسلين، وسادة الشهداء من الأولين والآخرين.

وكان أعظم من اختص بهذه الصفات السنية،والمقامات العلية، وجعل نفسه جنة لولي أمره، ووقاية لإمام عصره، لما كفر من كفر، وأنكر من أنكر، أصحاب كربلاء الذين أشرقت أنوار العناية على سرائرهم، وبرقت بوارق الكرامة من ضمائرهم، فشاهدوا ما القي إليهم من غيوب البرزخ بأبصار بصائرهم، ولا حظوا قيام الخلق شتاتاً حين مصادرهم،ورأوا سبط نبيهم، ورهط وليهم، قد حفت بساحته كتائب الطغيان، وأحدقت بعرصته مواكب البهتان، قد خلعوا أربقة الايمان من أعناقهم، وقادهم الشيطان بزمام نفاقهم، فاعتقدوه رباً وخالقاًُ ومدبراً ورازقاً فآثروا طاعته على طاعة ربهم، وامتثلوا أوامره بقالبهم وقلبهم، وارتدوا على أدبارهم خاسرين، وأصبحوا بأنعم ربهم كافرين، قد حقت عليهم كلمة العذاب، واستوجبوا سوء العقاب، يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم، ويهدموا منار الاسلام باعتامهم وسفهائهم، وخذلوا الأطهار من ذرية رسولهم، ونصروا الأشرار بفعلهم وقولهم، فاستحبوا العمى على الهدى، وباعوا الآخرة بالاولى، وكحلوا بمرود الوقاحة أحداقهم، ولووا عن سماع الموعظة أعناقهم، وكفروا بعد إسلامهم،وجعلوا سيد شباب أهل الجنة غرضاً لسهامهم، وأشركوا وألحدوا، وأخلفوا ما أوعدوا، وصبوا شآبيب نبالهم

(1) الصعدة: ... قيل: هي نحو من الألة،والألة أصغر من الحربة.
(لسان العرب: 3/255 ـ صعد ـ )

( 348 )

على شريف خده، وأوردوا معابل انتقامهم من وريد ولده، وجعلوا عياله يندبن صارخات، ويتوسلن متصرخات.

فعندها بعث روح القدس في عقولهم، وهزتهم أريحية الايمان لما شاهدوا من بنات رسولهم، وجعلوا نحورهم موارد الصفاح، وصدورهم مصادر الرماح، ووجوههم وقاية لولي أمرهم، وجباههم جنة لوسيلتهم إلى ربهم في حشرهم.

ولما صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وأصبحو صرعى بين يديه، قد تحملواا الأذى واللأواء، وسبقتهم أعضاؤهم إلى جنة المأوى، واطلع سبحانه على أسرارهم وإعلانهم، فوجدهم لا يزيد على إخلاصهم وإيمانهم، نقلهم إلى جوار حضرته، ونعيم جنته، في قصور عالية، وقطوف دانية، وأنهار جارية، ورياض زاهية، قد تفجرت عيونها، وراق معينها، وابتسمت أزهارها، وأينعت ثمارها، نعيمها لا يبرح، وساكنها لا ينزح، وظلها مديد، وعيشها رغيد، وأزواجها أطهار، وحورها أبكار، لا يذوقون الموت، ولا يخشون الفوت، سقفها عرش الرحمن، وصعيدها رضا المنان .

ولما فارقت الأرواح منهم الأشباح، وتكاملت بالسعادة الأبدية لهم الأفراح، وسيقوا إلى الجنة زمراً،واستنشقوا رياح الرحمة نشراً، اقيموا على أعتابها، واوقفوا بأبوابها، منتظرين قائدهم،وورود رائدهم، حتى إذا شرب صلوات الله عليه من كأس المنية ما شربوا، ورغب من جوار الله بما فيه رغبوا، أقبلت صفوف الملائكة بين يدي حضرته قائمين، بشرائط خدمته قائلين: أبشر بلقاء جدك وأبيك، وجوار امك وأخيك، فهم إلى رؤيتك مشوقون، ولمقدمك متشوفون.

( 349 )

ولما شاهد صلوات الله عليه شهداء قد سبقوا، وبفناء الجنة أحدقوا، قد حمدوا مشاربهم، وبلغوا مناهم، وشكروا مسعاهم، قد أزلفهم مولاهم، وأتحفهم وحياهم، وقربهم وأدناهم، واطمأنت بهم الدار، وطاب لهم القرار، وزالت المتاعب، وأمنت المصائب، وجمع شملهم بحبيب قلوبهم، وانيلوا من النعيم المقيم زيادة على مطلوبهم، وفتحت لهم أبواب الجنة بأمر رب العالمين، وقيل لهم: « ادْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ آمِنِينَ» (1). فاستوطنوا من غرفها أعلاها، واستشعروا من حللها أضفاها، وسقوا من كؤوسها أصفاها، وعانقوا من حورها أسناها، تجري من تحت أبنيتهم الأنهار، والملائكة يدخلون عليهم من كل باب « سَلامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدّارِ» (2).

ولما أحلهم سبحانه دار المقامة، وأنزلهم منازل الكرامة، وأزارهم ملائكة المقربين، ورافق بهم أنبياءه المرسلين « وَقَالُوا الْحَمْدُ للّهِ‏ِ الّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوّأُ مِنَ الْجَنّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ» (3) فأقاموا في نعمة لا حصر لعدها، وداموا في سعادة لا انتهاء لحدها، « يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلّدُونَ«17» بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِن مَعِينٍ«18» لَا يُصَدّعُونَ عَنْهَا وَلاَ يُنزِفُونَ«19» وَفَاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيّرُونَ«20» وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ«21» وَحُورٌ عِينٌ«22» كَأَمْثَالِ اللّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ«23» جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ» (4).

فيا حسرتي إذ لم أكن من السابقين في حلبتهم، أو المصلين في سبقتهم، المحسوبين في زمرتهم، المعدودين من جملتهم، أتمتع برؤية أوليائي كما

(1) سورة الحجر: 46.
(2) سورة الرعد: 24.
(3) سورة الزمر: 74.
(4) سورة الواقعة: 17 ـ 24.

( 350 )

تمتعوا، وأنقع غليلة أشواقي بمشاهدة ساداتي كما نقعوا، إذا بارك الجليل عليهم من فوق عرشه عمتني بركته، وإذا أرسل جوده إليهم غمرتني رحمته، وإذا علم سبحانه ذلك من خالص نيتي، وصادق طويتي، فالمرجو من فيضه العميم، وفضله الجسيم، أن يلحقني بدرجتهم، ويرقى بي إلى منزلتهم، وأن يبلغ فؤادي بهذه النية الخالصة غاية أمله، فإن نية المرء خير من عمله.

المناجاة

يا حليماً لا يعجل في حكمه، ويا عليماً لا يخرج شيء عن علمه، ويا قاهراً لا يعجزه شيء من مخلوقاته، ويا قادراً على كل من عداه من مصنوعاته، ويا مبدع كل صورة لا من مادة وصورة، ويا من كل نفقس في قبضة قهره مأسورة، ويا من أحيى قلوب أوليائه بزلال محبته، ويا من فطر نفوس أحبائه على مراقبته وطاعته، واستخلصهم لنفسه واصطفاهم، وأيدهم بروح قدسه واجتباهم، وتجلى لهم في ذكره الصادر عن حضرة عزته، فظهر لبصائرهم في بدائع ما اخترع من لطيف صنعته، فشاهدوا كل ما سواه حقيراً في جنب عظمته أسيراً في قبضة مننه، معدوماً بالنسبة إلى وجوب وجوده، موسوماً بسمة الافتقار الى فيضان جوده.

ولما ارتوت أنفسهم القدسية من معين عرفانه، واطلعت أرواحهم العلوية على جلال عظيم سلطانه، بذلوا تلك النفوس الطاهرة في حبه، وطلبوا بهممهم العالية منازل قربه،ووالوا أولياءه بقلوب لا يشوبها شك، وجاهدوا أعداءه بأبدان لا يشيبها شرك، يرون القتل في حبه عز الآخرة والاولى، والموت في طاعته وسيلة إلى السعادة الكبرى، كشف لهم الحجاب فشاهدوا ما ستر عن

( 351 )

( 251 )

غيرهم، وحثوا الركاب فنالوا المنى بسيرهم.

ولما علموا أنهم لا يمنعهم من حصول المطلوب بوصال المحبوب، ولا يحجبهم عن السر المحجوب في سترات الغيوب، إلا خلع ملابس الحياة الفانية، والتجرد عن خيالات النفس الواهية، والاتصال بالمبدع الأكمل، والترقي إلى المقام الأفضل.

بذلوا الأجساد والأموال لتخليص أنفسهم من كدورات ظلمات أبدانها، وبالغوا في إخراجها عن محل متاعها وحوادث أزمانها، وباعوها من ربها بالثمن الأوفى، وبذلواها لمالكها بالعوض الأعلى، وجاهدوا أعداءه إعلاءً لكلمته، ونصروا أولياءه إخلاصاً بطاعته حتى خلصت أنفسهم من سجون أحسادها، وبلغت أرواحهم من السعادة الأبدية أقصى مرادها، فأصبحوا في عرصة كربلاء بين مخذول قد فقدت منه الأنصار، ومقتول تسفي عليه عواصف الأعصار، وظمآن سقى نهلته بكؤوس الحتوف، ولهفان لم تنقع غلته إلا غروب السيوف.

أسألك بحق تلك الأرواح المبذولة في محبتك، والأشباح المنبوذة في نصرتك، والأوداج المقطعة في إعلاء كلمتك، والأشباح المبضعة لتأييد حجتك، وبحق تلك النفوس التي قواعد إيمانها على التقوى مؤسسة، وبحق تلك الأبدان التي اصول مجاريها بطهور العصمة مقدسة، وبحق تلك الضرائح التي هي مهابط متقربي ملائكتك، وبحق تلك المشاهد التي شرفت ثراها بأجساد اوليائك وخاصتك أن تصلي على محمد وآل محمد، وأن تجعلنا ممن جل مصابه لمصيبتهم، وعظم بلاؤه لبليتهم، وأضرمت نيران الأحزان شواظها في فؤاده، وأوردته موارد الأشجان في إصداره وإيراده، وأغرقت في لجة العبرات إنسان

( 352 )

مقلته، وأحرقت بتصاعد الزفرات لهفان مهجته، وأن يكشف كربنا بقيام قائمهم الداعي إليك، وأن تدفع غمنا بظهور عالمهم الدليل عليك، وأن تجعلهم شفعاءنا إليك في حشرنا، ووسائلنا لديك يوم نشرنا، إنك سميع قريب، رحيم مجيب.

( 353 )

فصل

ثم إن عمر بن سعد لعنة الله عليه ارتحل في اليوم الثاني عشر من مقتل الحسين عليه السلام وساق حرم رسول الله عليه وآله كما يساق الاسارى، حافيات حاسرات مسلبات باكيات يمشين في أسر الذل، حتى إذا وصل الكوفة خرج الناس لاستقباله، فجعلوا يبكون ويتوجعون، وعلي بن الحسين عليه السلام مريض قد نهكته العلة، فجعل يقول: إن هؤلاء يبكون ويتوجعون من أجلنا، فمن قتلنا؟!

قال بشير بن خزيم (1) الأسدي: نظرت إلى زينب بنت علي عليه السلام فلم أر خفرة قط أنطق منها كأنما تفرغ من (2) لسان أمير المؤمنين عليه السلام، فأومت إلى الناس أن اسكتوا فسكتت الأصوات، فقالت:

الحمد لله، والصلاة على محمد (3) رسول الله وعلى آله الطيبين الأخيار.

يا أهل الكوفة، يا أهل الختل والخذل، أتبكون؟ فلا رقأت الدمعة، ولا هدأت الرنة، فإنما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً، تتخذون أيمانكم دخلاً بينكم.

(1) في المقتل: حذيم، وفي مستدركات علم الرجال: 2/37: جزيم.
(2) في المقتل: كأنما تنطق عن.
(3) في المقتل: أبي محمد، وفي الملهوف: جدي محمد.

( 354 )

ألا وهل فيكم إلا الصلف النطف، والصدر الشنف، وملق (1) الاماء، وغمز الأعداء؟ أو كمرعى على دمنة، أو كقصة (2)(على) (3) ملحودة.

ألا ساء ما قدمت لكم أنفسكم أن سخط الله عليكم وفي العذاب أنتم خالدون.

أتبكون وتنتحبون؟ إي والله فابكوا كثيراً، واضحكوا قليلاً، (فلقد) (4) ذهبتم بعارها وشنارها، ولم ترحضوها بغسل بعدها أبداً، وأنى ترحضون قتل سليل(خاتم) (5) الأنبياء، وسيد شباب أهل الجنة غداً، وملاذ خيرتكم، ومفزع نازلتكم، ومنار حجتكم، ومدرة ألسنتكم.

ألا ساء ما تزرون، فبعداً لكم وسحقاً، فلقد خاب السعي، وتبت الأيدي، وخسرت الصفقة، وبوئتم بغضب من الله، وضربت عليكم الذلة والمسكنة.

ويلكم يا أهل الكوفة، أتدرون أي كبد لرسول الله صلى الله عليه وآله فريتم؟! وأي دم له سفكتم؟ (وأي كريمة له أبرزتم؟!) (6) واي حريم له أصبتم؟! وأي حرمة له انتهكتم؟! « لّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً«89» تَكَادُ السّماوَاتُ يَتَفَطّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقّ الْأَرْضُ وَتَخِرّ الْجِبَالُ هَدّاً» (7) إن (ما) (8) جئتم بها (لصلعاء عنقاء سوداء فقماء) (9) خرقاء شوهاء كطلاع الأرض أو ملء السماء.

(1) كذا في المقتل والملهوف، وفي الأصل: قلق.
والصلف: الوقاحة. النطف: التلطخ بالعيب. الشنف: الكراهة والبغض.
(2) كذا في المقتل، وهو الصحيح، وفي الأصل والملهوف: كفضة.
والقصة: الجصة بلغة أهل الحجاز.
(3 و 4 و 5 و 6 و 8 و 9) من المقتل.
(7) سورة مريم: 89 و 90.

( 355 )

أعجبتم أن مطرت (1) السماء دماً؟ ولعذاب الآخرة (أشد و) (2) أخزى وأنتم لا تنصرون، فلا يستخفنكم المهل، فإنه لا يحفزه البدار، ولا يخاف فوت الثار، كلا وإن ربكم لبالمرصاد، فترقبوا أول النحل وآخر صاد. (3).

قال بشير: فوالله (4) لقد رأيت الناس حيارى يومئذ يبكون وقد وضعوا أيديهم (5) في أفواههم، ورأيت شيخاً من قدماء أهل الكوفة وقد بكى حتى اخضلت لحيته بدموعه وهو يقول: صدقت المرأة، كهولهم خير كهول، وشبانهم خير شبان، ونساؤهم إذا نطقن أنطق النسوان (ونسلكم خير نسل لا يخزى ولا يبزى). (6) وروى زيد بن موسى (7)، قال: حدثني أبي، عن جدي عليه السلام، قال: خطبت فاطمة الصغرى بعد أن ردت (8) من كربلاء، فقالت:

الحمد لله عدد الرمل والحصى، وزنة العرش إلى الثرى، أحمده وأؤمن به

(1) في المقتل: قطرت.
(2) من المقتل.
(3) أي قوله تعالى في سورة النحل: 1 : « أتى أمر الله فلا تستعجلوه»، وقوله تعالى في سورة ص: 88: « ولتعلمن نبأه بعد حين».
(4) كذا في المقتل، وفي الأصل: فوت الثار، وإن ربك لبالمرصاد. قال: فوالله.
(5) كذا في المقتل، وفي الأصل: وقد ردوا أبدانهم.
(6) مقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي: 2/40 ـ 42، الملهوف: 190 ـ 194. ومابين المعقوفين أثبتناه من المقتل.
(7) هو زيد بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام، توفي نحو سنة «250» هـ.
انظر في ترجمته، مقاتل الطالبيين: 534، جمهرة الأنساب: 55، الكامل في التاريخ: 6/104، الأعلام للزركلي: 3/61.
(8) في الملهوف: وردت.

( 356 )

وأتوكل عليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وآله، وأن ذبحوا آله بشط (1) الفرات بغير ذحل (2) ولا ترات.

اللهم إني أعوذ بك أن أفتري عليك الكذب، وأن أقول عليك خلاف ما أنزلت عليه من أخذ العهود لوصية علي بن أبي طالب عليه السلام، المسلوب حقه، المقتول من غير ذنب كما قتل والده بالأمس في بيت من بيوت الله، فيه معشر مسلمة ألسنتهم، تعساً لرؤوسهم، ما دفعت عنه ضيماً في حياته ولا عند مماته، حتى قبضته إليك محمود النقيبة، طيب العريكة، معروف المناقب، مشهور المذاهب، لم تأخذه (اللهم) (3) فيك لومة لائم، ولا عذل عاذل، هديته يا رب بالاسلام صغيراً، وحمدت مناقبه كبيراً، لم يزل ناصحاً لك ولرسولك صلى الله عليه وآله حتى قبضته إليك، زاهداً في الدنيا، غير حريص عليها، راغباً في الآخرة، مجاهداً (لك) (4) في سبيلك، رضيته فهديته (5) إلى صراط مستقيم.

أما بعد: يا أهل الكوفة، يا أهل المكر والغدر والخيلاء، إنا أهل بيت ابتلانا الله بكم، وابتلاكم بنا، فجعل بلاءنا حسناً، وجعل علمه عندنا، وفهمه لدينا، فنحن عيبة علمه، ووعاء فهمه وحكمته، وحجته على الأرض في بلاده لعباده، أكرمنا الله بكرامته، وفضلنا بنبيه محمد صلى الله عليه وآله على كثير ممن خلق تفضيلاً بيناً.

(1) في الملهوف: وأن ذريته ذبحوا بشط.
(2) الذحل: الحقد والعداوة، يقال: طلب بذحله، أي بثأره. (الصحاح: 4/1701 ـ ذ حل ـ ).
(3 و 4) من الملهوف.
(5) في الملهوف: رضيته فاخترته وهديته.

( 357 )

فكذبتمونا وكفرتمونا، ورأيتم قتالنا حلالاً وأموالنا نهباً، كأنا أولاد ترك وكابل، كما قتلتم جدنا بالأمس، وسيوفكم تقطر من دمائنا أهل البيت لحقد متقدم، قرت بذلك عيونكم، وفرحت قلوبكم، افتراء على الله ومكراً مكرتم، والله خير الماكرين.

فلا تدعونكم أنفسكم إلى الجذل بما أصبتم من دمائنا، ونالت أيديكم من أموالنا، فإن ما أصابنا من المصائب الجليلة والرزء العظيم في كتاب من قبل أن نبرأها، إن ذلك على الله يسير، لكيلا تأسوا على ما فاتكم ، ولا تفرحوا بما أتاكم والله لا يحب كل مختال فخور، أمثالكم (1)، فانتظروا اللعنة والعذاب، فكأن قد حل بكم، وتواترت من السماء نقمات فيسحتكم بما كسبتم، ويذيق (2) بعضكم بأس بعض، ثم تخلدون في العذاب الأليم يوم القيامة بما ظلمتمونا، ألا لعنة الله على الظالمين.

ويلكم، اتدرون أي أيد طاعنتنا منكم؟ وأي (3) نفس نزعت إلى قتالنا؟ أم بأية رجل مشيتم إلينا تبغون محاربتنا؟ قست والله (4) قلوبكم، وغلظت أكبادكم، وطبع على أفئدتكم، ختم على سمعكم وبصركم (5)، وسول لكم الشيطان وأملى لكم، وجعل على بصركم غشاوة فأنتم لا تهتدون.

تباً لكم يا أهل الكوفة، (أي) (6) ترات لرسول الله صلى الله عليه وآله

(1) في الملهوف: تباً لكم.
(2) في الملهوف: فيسحتكم بعذاب ويذيق.
(3) في الملهوف: أيد يدٍ ... وأية.
(4) لفظ الجلالة أثبتناه من الملهوف.
(5) في الملهوف: أسماعكم وابصاركم.
(6) من الملهوف.

( 358 )

قبلكم، وذحول له لديكم بما عنتم (1) بأخيه علي بن أبي طالب عليه السلام جدي وبنيه عترة النبي الطاهرين الأخيار.

وافتخر بذلك مفتخركم (2)، فقال:

نحن قتلنا علياً وبني علي(3)    بسيوف هندية ورماح

وسبينا نسـاءهم سبـي ترك     ونطحناهم فأي نطاح

بفيك أيها القائل الأثلب والكثكث (4)، افتخرت بقتل قوم زكاهم الله وطهرهم تطهيراً، وأذهب عنهم الرجس، فاكظم واقع كما أقعى أبوك،وإنما لكل امرىء ما اكتسب وما قدمت أوائله (5)، حسدتمونا ـ ويلا ً لكم ـ على ما فضلنا الله به.

فما ذنبنا إن جاش دهراً بحورنا     وبحرك ساج ما يواري الدعامصا (6)

« ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم» (7) « ومن لم يجعل الله نوراً فما له من نور» (8).

قال: فارتفعت الأصوات بالبكاء، وقالوا: حسبك يا ابنة الطيبين، فقد

(1) في الملهوف: عند تم.
(2) كذا في الملهوف، وفي الأصل: وافتخر مفتخر.
(3) كذا في الملهوف، وفي الأصل: قد قتلنا علي وابن علي.
(4) في (ح): الأثلب والكثكث ـ بكسر الهمزة في الأول والكافين في الثاني ـ : لفظان مترادفان يعني دقاق التراب والحجر يستعملان في الحقارة والذم.
(5) في الملهوف: يداه.
(6) الدعموص: دويبة تغوص في الماء. (الصحاح: 3/1040 ـ دعمص ـ ).
(7) سورة الحديد: 21.
(8) سورة النور: 40.

( 359 )

أحرقت قلوبنا، وأنضجت (1) نحورنا، وأضرمت أجوافنا، فسكتت.

قال: وخطبت ام كلثوم بنت علي عليه السلام في ذلك اليوم من وراء كلتها، رافعة صوتها بالبكاء، وقالت:

يا أهل الكوفة، شوه (2) لكم، ما لكم خذلتم حسيناً (وقتلتموه، وانتهبتم أمواله، وورثتموه، وسبيتم نساءه) (3) ونكثتموه؟ فتباً لكم وسحقاً.

ويلكم أتدرون أي دواه دهتكم؟ وأي وزر على ظهوركم حملتم؟ وأي دماء سفكتموها؟ (وأي كريمة اهتضمتموها؟ وأي صبية سلبتموها؟ وأي أموال نهبتموها؟) (4) قتلتم خير رجالات بعد النبي صلى الله عليه وآله، ونزعت الرحمة من قلبوكم، الا إن حزب الله هم الغالبون وحزب الشيطان هم الخاسرون.

ثم قالت:

قـتلتم أخـي صـبراً فويل لأمكم      سـتجزون نـاراً حـرا يتوقد(5)
سـفكتم دمـاء حـرم الله سـفكها      وحـرمـها الـقرآن ثـم مـحمد
ألا فـابشروا بـالنار إنـكم غـداً      لـفي  سـقر حـقاً يـقيناً تخلدوا

(1) في الملهوف: وأنضحت.
(2) في الملهوف: سوءاً.
(3) من الملهوف. وفيه : (ونكبتموه) بدل(ونكثتموه).
(4) من الملهوف.
(5) في الملهوف: لفي قعر نار حرها يتصعد.

( 360 )

وإنـي لأبكي في حياتي على أخي      على خير من بعد النبي سيوجد(1)
بـدمع  غـزير مـستهل مكفكف      على الخد مني دائماً(2) ليس يحمد

قال: فضج الناس بالبكاء والحنين (3) والنوح، ونشرت النساء شعورها ووضعن التراب على رؤوسها، وخمشن الوجوه، وضربن الخدود (4)، ودعون بالويل والثبور، وبكى الرجال(ونتفوا لحاهم) (5)، فلم ير باكياً ولا باكية أكثر من ذلك اليوم.

ثم إن زين العابدين عليه السلام أومأ إلى الناس أن اسكتوا (فسكتوا) (6)، فقام قائماً فحمد الله وأثنى عليه، ذكر النبي (بما هو أهله) (7) فصلى عليه، ثم قال: أيها الناس، من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا (أعرفه بنفسي: أنا) (8) علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أنا ابن المذبوح بشط الفرات من غير ذحل ولا ترات، أنا ابن من انتهك حريمه، واستلب نعيمه، وانتهب ماله، وسبي عياله، أنا ابن من قتل صبراً، وكفى بذلك فخراً.

أيها الناس، ناشدتكم بالله هل تعلمون أنكم كتبتم إلى أبي وخدعتموه

(1) في الملهوف: سيولد.
(2) في الملهوف: دائب.
(3) في الملهوف: قال الراوي: فضج الناس بالبكاء والنحيب.
(4) في الملهوف: ونشرت النساء شعورهن، وحثين التراب على رؤوسهن، وخمشن وجوههن، ولطمن خددوهن.
(5 و 6 و 7 و 8) من الملهوف.

( 361 )

وأعطيتموه من أنفسكم العهد والميثاق والبيعة وقاتلتموه وخذلتموه؟! فتباً لما قدمتم لأنفسكم، وشوهاً (1) لرأيكم، بأية عين تنظرون إلى رسول الله صلى الله عليه وآله غداً إذ يقول لكم: قتلتم عترتي، وانتهكتم حرمتي، فلستم من أمتي؟!

قال (الراوي) (2): فارتفعت اصوات الناس بالنحيب من كل ناحية، ويقول بعضهم لبعض: هلكتم وما تعلمون.

فقال صلوات الله عليه: رحم الله امرءً قبل نصيحتي، وحفظ وصيتي، في الله وفي رسوله وآهل بيته، فإن لنا في رسول الله صلى الله عليه وآله اسوة حسنة.

فقال الناس كلهم باجمعهم: نحن كلنا يا ابن رسول الله سامعون مطيعون، حافظون لذمامكم (3)، غير زاهدين فيك، ولا راغبين عنك، فمرنا بأمرك يرحمك الله، فإنا حرب لحربك، وسلم لسلمك، لنأخذن يزيد ونبرأ ممن ظلمك وظلمنا.

فقال عليه السلام: هيهات هيهات، أيها الغدرة المكرة، حيل بينكم وبين ما تشتهي أنفسكم (4)، أتدرون أن تأتوا إلي كما أتيتم إلى آبائي (5) من قبل؟! كلا ورب الراقصات، فإن الجرح لما يندمل، قتل أبي صلوات الله عليه بالأمس وأهل بيته معه، ولم ينسني ثكل رسول الله صلى الله عليه وآله وثكل أبي وبني

(1) في الملهوف: وسوءاً.
(2) من الملهوف.
(3) في الملهوف: لذمامك.
(4) في الملهوف: وبين شهوات أنفسكم.
(5) في الملهوف: أبي.

( 362 )

أبي، ووجده بين لهواتي (1)، ومرارته بين حناجري وحلقي، وغصصه تجري في فراش صدري، ومسألتي ألا تكونوا لنا ولا علينا.

ثم قال صلوات الله عليه:

لا  غرو إن قتل الحسين فشيخه      قد  كان خيراً من حسين وأكرما
فإن  تفرحوا ياأهل كوفان بالذي      أصـاب حسيناً كان ذلك أعظما
قـتيل  بشط النهر روحي فداؤه      وإن الذي ارداه يجزى جهنما(2)

ثم قال عليه السلام: رضينا منكم رأساً برأس، فلا يوم لنا ولا يوم علينا. (3)

قال (الراوي) (4): ثم إن ابن زياد جلس في القصر للناس، وأذن للناس إذناً عاماً، وجيء برأس الحسين عليه السلام فوضع بين يديه، وأدخل نساء الحسين وبناته وأخواته وصبيانه (إليه) (5).

فجلست زينب بنت علي سلام الله عليها متنكرة، فسأل عنها؛ فقيل : هذه زينب بنت علي.

فأقبل عليها، فقال لعنة الله عليه: الحمد لله الذي فضحكم وأكذب

(1) كذا في الملهوف، وفي الأصل: لهاتي.
(2) في الملهوف: جزاء الذي ارداه نار جهنما.
(3) في الأصل ـ خ ل ـ : فلا اليوم لنا واليوم علينا، وفي الملهوف: فلا يوم لنا ولا علينا.
(4 و 5) من الملهوف.

( 363 )

احدوثتكم!!

فقالت: إنما يفتضح الفاسق ويكذب الفاجر، وهو غيرنا.

فقال ابن زياد: كيف رأيت صنع الله بأخيك وأهل بيتك؟

فقالت: ما رأيت إلا جميلاً، وهؤلاء قوم كتب (1) عليهم القتل، فبرزوا إلى مضاجعهم، وسيجمع الله بينك وبينهم ـ يا ابن زياد ـ فيحاجون ويخاصمون (2)، فانظر لمن الفلج يومئذ (3)، هبلتك امك يا ابن مرجانة.

(قال الراوي:) (4) فغضب ابن زياد فكأنه هم بها، فقال عمرو بن حريث: إنها إمرأة (5)، والمرأة لا تؤاخذ بشيء من منطقها.

فقال ابن زياد: يا زينب، شفيت نفسي من طاغيتك (6) الحسين والعصاة المردة من أهل بيتك.

فقالت زينب: لعمري لقد قتلت كهلي، وقطعت فرعي، واجتثثت أصلي فإن كان هذا شفاك فقد اشتفيت.

فقال ابن زياد لعنه الله: هذه سجاعة، ولقد كان أبوها شاعراً سجاعاً.

(1) في الملهوف: كتب الله.
(2) في الملهوف: فتحاج وتخاصم.
(3) كذا في الملهوف، وفي الأصل: فانظر يومئذ الفلج.
(4) من الملهوف.
(5) في الملهوف: فقال له عمرو بن حريث: أيها الأمير إنها امرأة.
وعمرو هذا هو: عمرو بن حريث بن عمرو بن عثمان المخزومي، كانت داره مأوى لأعداء أهل البيت عليهم السلام، ولي الكوفة لزياد بن أبيه ولابنه عبيدالله، مات سنة (85) هـ. (سير أعلام النبلاء: 3/417 ـ 419، الأعلام: 5/76).
(6) في الملهوف: فقال لها ابن زياد: لقد شفى الله قلبي من طاغيتك.

( 364 )

فقالت: يا ابن زياد، ما للمرأة والسجاعة؟ إن لي عن السجاعة لشغلاً.

فالتفت ابن زياد إلى علي بن الحسين، فقال: من أنت؟

فقال: أنا علي بن الحسين.

فقال: ألم يقتل الله (1) علي بن الحسين؟ فسكت.

فقال: ما لك لا تتكلم؟

فقال: كان لي أخ يقال له علي (2)، قتله الناس ـ أو قال: قتلتموه ـ وان له منكم مطلباً يوم القيامة.

فقال الملعون: بل الله قتله.

فقال علي بن الحسين عليه السلام: « اللّهُ يَتَوَفّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا» (3)، « وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلّا بِإِذْنِ اللّهِ كِتَابَاً مُؤَجّلاً» (4).

فقال الملعون: أنت والله منهم، وبك جرأة على جوابي، اذهبوا به، فاضربوا عنقه.

فسمعت عمته زينب، فقالت: يا ابن زياد، إنك لم تبق منا أحداً، فإن كنت قد عزمت على قتله فاقتلني معه.

فقال علي بن الحسين: اسكتي يا عمة حتى اكلمه.

(1) في الملهوف: أليس قد قتل الله؟
(2) في الملهوف: كان لي أخ يسمى علي بن الحسين.
(3) سورة الزمر: 42.
(4) سورة آل عمران: 145.

( 365 )

ثم أقبل عليه (1)، فقال: أبالقتل تهددني يا ابن زياد؟ أما علمت أن القتل لنا عادة وكرامتنا الشهادة؟

فقال ابن زياد: دعوه ينطلق مع نسائه، اخرجوهم عني، فأخرجوهم إلى دار في جنب المسجد الأعظم، فقالت زينب: لا يدخلن علينا عربية إلا ام ولد أو مملوكة، فإنهن سبين وقد (2) سببنا. (3)

ثم أمر ابن زياد برأس الحسين عليه السلام فوضع في طشت بين يديه فجعل ينكت بقضيب في وجهه وقال: ما رأيت مثل حسن هذا الوجه قط، وكان يشبه (4) وجه رسول الله صلى الله عليه وآله.

وقيل: إن ابن زياد أرسل إلى أبي برزة صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال: كيف شأني وشأن الحسين؟

قال أبو برزة: الله أعلم، فما علمي بذلك؟

فقال: إنما أسألك عن علمك؟

قال: أما إذا سألتني فإن الحسين يشفع فيه رسول الله جده صلى الله عليه وآله ويشف لك زياد.

فقال: اخرج، لو لا ما جعلت لك لضربت عنقك.

وروى (محمد بن) (5) خالد الضبي، عن إبراهيم؛ قال: لو أني كنت ممن

(1) في الملهوف: إليه.
(2) في الملهوف: كما.
(3) الملهوف على قتلى الطفوف: 194 ـ 202.
(4) في المقتل: فقلت: أما إنه كان يشبه.
(5) من المقتل.

( 366 )

قاتل الحسين ثم أتيت بالمغفرة من ربي فادخلت الجنة لاستحييت من محمد صلى الله عليه وآله ان أمر عليه فيراني.

وعن زيد بن أرقم: قال: كنت جالساً عند عبيد الله بن زياد إذ أتى برأس الحسين صلى الله عليه فوضع بين يديه فأخذ قضيبة فوضعه بين شفتيه، فقلت: إنك تضع قضيبك في موضع طالما لثمه رسول الله صلى الله عليه وآله! فقال: قم إنك شيخ قد ذهب عقلك.

ثم رفع زيد صوته يبكي وخرج وهو يقول: ملك عبد حراً، أنتم ـ يا معشر العرب ـ العبيد بعد اليوم، قتلتم ابن فاطمة، وأمرتم ابن مرجانة حتى يقتل خياركم،ويستعبد شراركم، رضيتم بالذل فبعداً لمن رضي. (1)

وعن شهر بن حوشب: قال: لما جاء نعي الحسين عليه السلام لعنت ام سلمة رضي الله عنها أهل العراق، وقالت: قتلوه قتلهم الله تعالى، غروه وأذلوه لعنهم الله.

قيل: إن أول ذل دخل على العرب قتل الحسين وادعاء زياد. (2)

ذكر سيدنا السيد الجليل فخر آل الرسول علي بن موسى بن محمد الطاوس الحسني رضي الله عنه ان ابن زياد لعنه الله أمر برأس الحسين عليه السلام فطيف به في سكك الكوفة.

ثم قال رضي الله عنه: ويحق أن أتمثل بابيات لبعض ذوي العقول يرثي

(1) من قوله : « ثم رفع يزيد » الى هنا اخرجه المجلسي رحمه الله في البحار : 45/ 117 عن كتابنا هذا . وكذا البحراني في عوالم العلوم : 17 / 384 .
(2) مقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي : 2/ 41 ـ 46.

( 367 )

بها قتيل آل الرسول:

رأس  ابـن بنت محمد ووصيه      لـلناظرين عـلى قـناة يـرفع
والـمسلمون بـمنظر وبـمسمع      لا مـنـكر مـنهم ولا مـتفجع
كـحلت  بمنظرك العيون عماية      وأصـم  رزؤك كـل اذن تسمع
أيـقظت  أجفاناً وكنت لها كرى      وأنـمت  عيناً لم تكن بك تهجع
مـا روضـة إلا تـمنت أنـها      لك حفرة ولخط قبرك موضع(1)

قال: ثم خرج ابن زياد لعنه الله ودخل المسجد، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: الحمد لله الذي أظهر الحق وأهله، ونصر أميرالمؤمنين يزيد وأشياعه، وقتل الكذاب ابن الكذاب!!

قال: فما زاد على هذا الكلام شيئا حتى وثب إليه عبدالله بن عفيف الأزدي، وكان من رؤساء الشيعة وخيارهم، وكانت عينه اليسرى قد ذهبت يوم الجمل، والاخرى يوم صفين، وكان لا يكاد أن يفارق المسجد (2) الأعظم يصلي فيه إلى الليل، ثم ينصرف إلى منزله، فلما سمع مقالة اللعين وثب إليه قائماً وقال: يا ابن مرجانة، إن الكذاب وابن الكذاب أنت وأبوك، ومن استعملك وأبوه، يا عدو الله، أتقتلون أبناء خير النبيين (3) وتتكلمون بهذا الكلام على منابر المسلمين؟

فغضب ابن زياد، ثم قال: من المتكلم؟

فقال: أنا المتكلم، يا عدو الله، أتقتل الذرية الطاهرة التي أذهب الله عنها

(1) في الملهوف: مضجع.
(2) في الملهوف: وكان يلاز م المسجد.
(3) في الملهوف: أتقتلون أولاد النبيين.

( 368 )

الرجس في كتابه وتزعم أنك على دين الاسلام؟ واغوثاه، اين أبناء المهاجرين والأنصار، (ينتقمون منك و) (1) من طاغيتك اللعين بن اللعين على لسان محمد نبي رب العالمين؟

قال: فازداد غضب عدو الله، ثم قال: علي به، فوثب إليه الجلاوزة فأخذوه فنادى بشعار الأزد وعبدالرحمن بن مخنف الأزدي في المسجد، فقال: ويحك أهلكت نفسك وقومك، وكان في الكوفة يومئذ سبعمائة (مقاتل) (2) من الأزد، فوثبوا إليه وانتزعوه منهم، وانطلقوا به إلى منزله، ونزل ابن زياد عن المنبر ودخل القصر، ودخل عليه أشراف الناس، فقال: أرأيتم ما صنع هؤلاء القوم؟

فقالوا: قد رأينا أصلح الله الأمير، وإنما الأزد فعلت ذلك فشد يدك على ساداتهم فهم الذين استنقذوه من يدك، فأرسل ابن زياد إلى عبدالرحم ن بن مخنف الأزدي فأخذه، وأخذه معه جماعة من (أشراف) (3) الأزد فحبسهم، وقال: لاخرجتم من يدي أن تأتوني بعبدالله بن عفيف، ثم دعا بعمرو بن الحجاج الزبيدي ومحمد بن الأشعث وشبث بن ربعي وجماعة من أصحابه، وقال لهم: اذهبوا إلى هذا الأعمى الذي أعمى الله قلبه كما أعمى بصرى فائتوني به.

وانطلقت رسل اللعين، يريدون ابن عفيف، وبلغ ذلك الأزد فاجتمعوا، واجتمع معهم قبائل اليمن ليمنعوا صاحبهم عبدالله بن عفيف.

وبلغ ذلك ابن زياد فجمع قبائل مضر وضمهم إلى محمد بن الأشعث

(1) من الملهوف.
(2 و 3) من المقتل.

( 369 )

وأمره (1) بقتال القوم.

قال: فأقبلت قبائل مضر نحو قبائل اليمن فاقتتلوا قتالاً شديداً، وبلغ ذلك ابن زياد فأرسل إلى أصحابه يوثبهم ويضعفهم، فأرسل إليه عمرو بن الحجاج يخبره باجتماع اليمن عليهم، وبعث إليه شبث بن ربعي: أيها الأمير، إنك أرسلتنا إلى اسود (2) الآجام فلا تعجل.

قال: واشتد قتال القوم حتى قتل بينهم جماعة من العرب.

ووصل القوم إلى دار عبدالله بن عفيف، فكسروا الباب واقتحموا عليه، وصاحب ابنته: يا أباه، أتاك القوم من حيث تحذر.

فقال: لا عليك يا ابنتي ناوليني سيفي، فناولته السيف، فأخذه وجعل يذب عن يمينه وشماله بسيفه (3) ويقول:

أنا ابن ذي الفضل عفيف الطاهر     عفيف شيخي وابن ام عامر

كم دارع من جمـعكم وحاسر       وبـطل جـندلـته مـغاور؟

وجعلت ابنته تقول: القوم عن يمينك، القوم عن يسارك، يا ليتني كنت رجلاً فاقاتل بين يديك هؤلاء الفجرة، قاتلي العترة البررة.

وجعل القوم يدورون حوله عن يمينه وشماله ومن ورائه وهو يذب عن

(1) في الملهوف: وأمرهم.
(2) كذا في المقتل، وفي الأصل: سواد.
(3) في المقتل والملهوف: وجعل يذب عن نفسه.

( 370 )

نفسه بسيفه وليس أحد يقدم عليه، ثم تكاثروا عليه من كل ناحية حتى أخذوه.

فقال جندب بن عبدالله الأزدي صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله: إنا لله وإنا إليه راجعون، اخذ والله عبدالله بن عفيف، فقبح العيش (1) من بعده، وقام ثم قاتل من دونه فاخذ أيضاً، وانطلق بهما إلى ابن زياد لعنه الله وعبدالله يقول:

اقسم لو يكشف (2) لي عن بصري     ضاق عليكم موردي ومصدري

فلما ادخلا على ابن زياد قال لعبد الله: الحمد لله الذي أخزاك.

قال عبدالله: وبما أخزاني، يا عدو الله؟

والله لو يكشف لي عن بصري     ضاق عليكم موردي ومصدري

فقال له ابن زياد: يا عدو نفسه، ما تقول في عثمان؟

فقال: يا ابن مرجانة، ويا ابن سمية الزانية (3)، ما أنت وعثمان أساء أم أحسن، أصلح أم أفسد؟ والله تعالى ولي خلقه، يقضي بينهم وبين عثمان بالعدل، ولكن سلني عنك، وعن أبيك، وعن يزيد وأبيه.

فقال ابن زياد: لا أسألك عن شيء إلا أن تذوق الموت.

فقال ابن عفيف: الحمد لله رب العالمين، أما إني كنت أسأل ربي أن يرزقني الشهادة قبل أن تلدك مرجانة، وسألته أن يجعل ذلك على يد ألعن خلق

(1) في المقتل: أخذوا والله... فقبح الله العيش.
(2) في الملهوف: يفسح.
(3) في المقتل: يابن سمية، يا عبد بني علاج.

( 371 )

الله وأبغضه إليه، فلما ذهب بصري أيست من الشهادة، والآن الحمد لله الذي رزقنيها بعد اليأس منها، وعرفني الإجابة منه لي في قديم دعائي.

فقال ابن زياد لعنه الله: اضربوا عنقه، فضربت وصلب رحمه الله. (1)

ثم دعا ابن زياد لعنه الله بجندب بن عبدالله رضي الله عنه، فقال: يا عدوه الله، ألست صاحب علي بن أبي طالب يوم صفين؟

قال: نعم، وما زلت له ولياً، ولكم عدواً، ولا أبرأ من ذلك إليك ولا أعتذر ولا أتنصل.

فقال ابن زياد: أما إني أتقرب إلى الله بدمك.

فقال جندب: والله ما يقربك دمي إلى الله تعالى، ولكن يباعدك منه، وبعد فلم (2) يبق من عمري إلا أقله، وما أكره أن يكرمني الله بهوانك.

فقال لعنه الله: أخرجوه عني فإنه شيخ قد خرف وذهب عقله، فاخرج وخلي سبيله.

ثم دعا بعبد الرحمن بن مخنف الأزدي، فقال: ما هذه الجماعة على بابك؟

فقال: ليس على بابي جماعة وقد قتلت صاحبنا، وأنا لك سامع مطيع وإخوتي جميعاً، فسكت ابن زياد، وخلى سبيله وسبيل أصحابه. (3)

(1) زاد في الملهوف: في السبخة.
(2) في المقتل: وبعد فإني لم.
(3) مقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي: 2/52 ـ 55، الملهوف على قتلى الطفوف: 203 ـ 207.

( 372 )

وكان ابن زياد حين قتل الحسين عليه السلام أرسل يخبر يزيد بذلك، وكتب أيضاً إلى عمرو بن سعيد بن العاص ابن أخ عمرو بن العاص أمير المدينة بمثل ذلك.

فأما عمرو بن سعيد فحيث (1) وصله الخبر صعد المنبر وخطب الناس وأعلمهم ذلك، فعظمت واعية بني هاشم، وأقاموا سنن المصائب والمآتم، وكانت زينب بنت عقيل تندب الحسين عليه السلام وتقول:

مـاذا تـقولون إذ قـال النبي لكم      مـاذا فـعلتم وأنـتم آخـر الامم
بـعترتي  وبـأهلي بـعد مفتقدي      مـنهم اسارى ومنهم ضرجوا بدم
ما كان هذا جزائي إذ نصحت لكم      أن تخلفوني بسوء في ذوي رحمي

قال: فلما جاء الليل سمع أهل المدينة هاتفاً يقول:

أيـها القاتلون جهلاً(2) حسيناً      أبـشروا  بـالعذاب والتنكيل
كل من في السماء يدعو عليكم      مـن  نبي ومرسل وقبيل(3)
قـد لعنتم على لسان ابن داود      وموسى(1) وصاحب الإنجيل

(1) في الملهوف: فحين.
(2) في الملهوف: ظلماً.
(3) في الملهوف: يبكي عليه ... من نبي وشاهد ورسول.

( 373 )

وأما يزيد فلما قرأ كتاب ابن زياد أرسل إليه يأمره بحمل رأس الحسين عليه السلام ورؤوس أصحابه ومن قتل معه، وأمره بحمل أثقاله ونسائه وعياله وأطفاله، فاستدعى ابن زياد بمحفر بن ثعلبة العائذي (2) وسلم إليه الرؤوس والاسارى والنساء ومعهم علي بن الحسين وأخواته وعماته وجميع نسائه إلى يزيد، فسار بهم محفر حتى دخل الشام كما يسار بسبايا الكفار، ويتصفح وجوههم أهل الأقطار. (3)

وروى سيدنا فخر العترة وجمال الاسرة علي بن موسى بن جعفر بن طاوس الحسني رضي الله عنه عن ابن لهيعة وغيره حديثاً أخذنا منه موضع الحاجة، قال: كنت أطوف بالبيت وإذا أنا برجل يقول: اللهم اغفر لي وما أراك فاعلاً.

فقلت: يا عبدالله، اتق الله ولا تقل مثل هذا، فلو أن ذنوبك مثل قطر الأمطار (4)، وروق الأشجار واستغفرت الله لغفر لك، فإنه غفور رحيم.

(1) كذا في الملهوف، وفي الأصل: عيسى.
(2) كذا في الملهوف، وفي الأصل: مخفر بن ثعلبة العابدي.
وهو محفر بن ثعلبة بن مرة بن خالد، من بني عائذة، من خزيمة بن لؤي، من رجال بني امية في صدر دولتهم.
انظر في ترجمته: نسب قريش 441، جمهرة الأنساب: 165، أعلام الزركلي: 5/219.
(3) الملهوف على قتلى الطفوف: 207 ـ 208.
(4) في الملهوف: الأمصار.

( 374 )

فقال: تعال حتى اخبرك بقصتي فأتيته، فقال: اعلم أنا كنا خمسين نفراً ممن سار برأس الحسين إلى الشام، وكنا إذا أمسينا وضعنا الرأس في تابوت وشربنا الخمر حوله، فشرب أصحابي ليلة حتى إذا سكروا ولم أشرب معهم وجن علينا الليل سمعت رعداً أو رأيت برقاً وإذا بأبواب السماء قد فتحت، ونزل آدم ونوح وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ونبينا محمد صلى الله عليه وآله ومعهم جبريل وخلق كثير من الملائكة، فدنا جبرئيل من التابوت، فأخرج الرأس فضمه إلى نفسه وبكى وقبله، ثم فعل الأنبياء كذلك والملائكة كلهم وبكى النبي صلى الله عليه وآله على رأس الحسين عليه السلام وعزاه الأنبياء.

وقال جبرئيل للنبي صلى الله عليه وآله: يا محمد، إن الله تعالى أمرني أن اطيعك في امتك، فإن أمرتني زلزلت بهم الأرض، وجعلت عاليها سافلها كما فعلت بقوم لوط.

فقال النبي صلى الله عليه وآله: لا يا جبرئيل، فإن لي معهم (1) موقفاً بين يدي الله يوم القيامة، ثم جاء الملائكة نحونا ليقتلونا، فقلت: الأمان يا رسول الله.

فقال: اذهب لا غفر الله (2)لك. (3)

(1) في الملهوف: فإن لهم معي.
(2) لفظ الجلالة أثبتناه من الملهوف.
(3) الملهوف على قتلى الطفوف: 208 ـ 209، عنه عوالم : 17/425.

( 375 )

فصل

في ذكر حمل سبايا رسول الله صلى الله عليه وآله وبناته وأحفاده إلى الشام

قلت: ولما مر بفكري، وخطر في سري، وتصور قلبي، وانتعش في لبي، مسير بنات المصطفى والمرتضى، وحمل ولد الزهراء على الأقتاب قسراً، قد غاب الشفيق عنهن، وبعد الشقيق منهن، صرخت بصوت ينبي عن عظيم أحزاني، وصرخت بلساني عما حوى جناني، ونثرت دمعي لديهن، وأشرت بنثري إليهن، قائلاً:

يا خفرات المصطفى، ويا بنات المرتضى، ويا مخدرات الزهراء، ويا سيدات نساء أهل الدنيا والاخرى، عجباً للسماء لما أصابكن لا تنفطر، وللكواكب لمصابكن لم تنتثر، وللشمس لم تكور، وللبحار لم تفجر، وللجبال لم تسير، وللأرض لم تفطر! ذكر أسركن أسر قلبي، وأطلق عبرتي، وذبح طفلكن هيج وجدي، وأحرق مهجتي، وذكر مسيركن على الأقتاب قرح جفني، وخبر ورودكن على اللعين بغير نقاب ولا جلباب أثار حزني ، ورؤوس رجالكن المرفعة على الرماح هيج بلبالي،ونفوس فتياتكن المنتزعة بحدود الصفاح أشغل بالي.

فيا عيوني لغربتن أذرفي، ويا نار حزني لكربتهن لا تنطفي، ويا سعير

( 376 )

وجدي عليهن لا تخمدي، ويا زفراتي لما نالهن لا تبردي، فلو أني نظرت بعيني مسير رواحلهن، وشاهدت عديد سبائهن لوضعت أكفي لأكف مطاياهن موطئاً، بل خدي، ولبذلت في خلاصهن غاية جهدي وجدي، ولجاهدت القائد والسائق، وللعنت الناظر والرامق، ولاستغثت بصوت يفصح عما ضمت عليه جوانحي من غصتي، ولناديت بأنه ينبىء عن عظيم رزيتي ومصيبتي، ولحثوت التراب على ترائبي ورأسي، ولأضرمت الخافقين بتصاعد زفراتي وأنفاسي، ولشققت قلبي بعويلي إلى جيبي، ولصدعت الصم الرواسخ بنديبي وتحريبي، منشداً بلسان حالي، موضحاً عما في بالي:

يـا  طـول حـزني ويا نحيبي      حـزناً  عـلى الـنازح الغريب
عـلى  أجـل الـورى نـجارا      دمـعي  كـالعارض الـسكوب
تـضرم  نـار الأسـى بـقلبي      مـأتـم فـي يـومه الـعصيب
فـيا  أحـشائي بـنار حـزني      ووجــد قـلبي عـليه ذوبـي
ويـا عـيوني سـحي بدمع من      ك  بـفـيض الـدماء مـشوب
وابـنته  بـين الـعدى تـنادي      هـل من مغيث هل من مجيب؟

( 377 )

وأســرة مـن ذويـه أمـسوا      قـوتـاً لـذي مـخلب وذيـب
أكــرم بـهم عـصبة كـراماً      واســوة مـن فـتية وشـيب
بـاعـت  مــن الله أنـفـساً      لم  تهن لدى الروع في الحروب
مذ أصبحوا في الطفوف صرعى      فـي  الـخلد أمسوا قبل المغيب
يــا  امــة فـارقت هـداها      واحـتـقبت أشـنـع الـذنوب
لـيـس لـكـم بـالذي فـعلتم      في  عفو ذي العرش من نصيب
قـتـلتم  سـبـط مـن إلـيكم      ارسـل  مـن عـالم الـغيوب
لـهفي  عـلى شـلوه صـريعا      لـهـفي عـلى خـده الـتريب
لـهفي  عـلى رأسـه الـمعلى      لـهفي  عـلى شـيبه الخضيب
لـهفي عـلى رهـطه اسـارى      يـعـلن  بـالـويل والـنحيب
يـسـقن عـنـفاً بـين الأعـا      دي بــلا كـفيل ولا حـسيب

( 378 )

إذ  تـذكـرتـهم حــيـارى      يـخفق قـلبي مـن الـوجيب
واغـرق الـصدر من دموعي      واحــرق  الـقلب باللهيـب
لـهفي عـلى صـحبه صراعاً      لـهفي  عـلى ثـقله الـنهيب
لـهفي عـلى ثـغره الـمفدى      يـنـكته الـرجس بـالقضيب
يـا  خـير مولى من خير قوم      بـهم نـجاتي مـن الـخطوب
ومـن هـم فـي الـعباد اولى      بالجود والصنيع من سحوب(1)
أنـتم  مـعاذي أنـتم مـلاذي      أنـتم عـياذي مـن الـكروب
إلــى فـنا جـودكم مـديحي      وجـهت  بـاللطف من نسيبي
تـميس  حـسناً فـي برد نظم      يـنـسخ أوصـافـكم فـشيب
بـكل معنى في اللطف أضحى      يــدق عـن فـكره الـلبيب

(1) كلمة (سحوب) غير مقروءة في الأصل، وأضفناها لإتمام البيت.

( 379 )

يـمجه سـمع ذي نـفاق      قـد ضل في شكه المريب
يبادل الصفو في حضوري      ويأكل  العرض في مغيب
إذا  تـذكرت مـا عراني      مـن حمقة قلت يا مجيبي
خـذ لي بحقي ولا تدعني      فـريسة  الـغادر الكذوب
فأنت  حسبي من كل سوء      وسـاتر  في الملا عيوبي

قال: ولم يزل القوم سائرين بحرم رسول الله صلى الله عليه وآله من الكوفة إلى الشام على محامل بغير وطاء من بلد إلى بلد، ومن منزل إلى منزل كما تساق اسارى الترك والديلم. (1)

روي عن سهل بن سعد الساعدي، قال: خرجت إلى بيت المقدس حتى أتيت دمشق فرأيت أهلها قد علقوا الستور والحجب والديباج، وهم فرحون مستبشرون، وعندهم نساء يلعبن بالدفوف، فقلت في نفسي: الأهل الشام عيد لا نعرفه؟ فرأيت قوماً يتحدثون، فقلت: يا قوم، ألكم في الشام عيد لا نعرفه؟

قالوا: يا شيخ، نراك غريباً؟

قلت: أنا سهل بن سعد، رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله (وحملت

(1) مقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي: 2/55.

( 380 )

حديثه) (1). قالوا: يا سهل، ما أعجب (2) السماء لا تمطر دماً، والأرض لم تنخسف بأهلها؟

قلت: ولم ذاك؟

قالوا: هذا رأس الحسين عترة محمد صلى الله عليه وآله يهدى من العراق.

فقلت: واعجبا! يهدى رأس الحسين والناس يفرحون! قلت: من أي باب يدخل؟ فاشاروا الى باب يقال له باب الساعات.

قال سهل: فبينا أنا كذلك إذ أقبلت الرايات يتلو بعضها بعضاً، وإذا بفارس بيده رمح منزع السنان،عليه رأس من أشبه الناس وجهاً برسول الله، وإذا من ورائه نسوة على جمال بغير وطاء، فدنوت من أولاهن فقلت لجارية منهن (3): يا جرية، من أنت؟

قالت: أنا سكينة بنت الحسين عليه السلام.

فقلت: ألك حاجة، فأنا سهل بن سعد الساعدي، وقد رأيت جدك وسمعت حديثه؟

قالت: يا سهل، قل لصاحب الرأس أن يقدم الرأس أمامنا حتى يشتغل الناس بالنظر إليه ولا ينظرو إلى حرم رسول الله صلى الله عليه وآله.

(1) من المقتل.
(2) في المقتل: ما أعجبك؟
(3) في المقتل: فدنوت من إحداهن فقلت لها.

( 381 )

قال سهل: فدنوت من صاحب الرأس: فقلت: هل لك أن تقضي لي حاجة وتأخذ مني أربعمائة درهم؟

قال: ما هي؟

قلت: تقدم الرأس أمام الحرم، ففعل ذلك فسلمت إليه الدراهم، ووضع الرأس في طشت وادخل على يزيد، فدخلت مع الناس، وكان يزيد جالساً على السرير، وعلى رأسه تاج مكلل، وحوله كثير من مشايخ قريش، فلما دخل صاحب الرأس جعل يقول:

أوقر ركابي فضة وذهبا     أنا قتلت السيد المـهذبا (1)

قتلت خير الناس اماً وأبا    وخيرهم إذ ينسبون(2) النسبا

فقال يزيد: إذا علمت أنه خير الناس فلم قتلته؟

قال: رجوت الجائزة.

فقيل: إن يزيد أمر بقتله. (3)

وروى سيدنا السند علي بن طاوس رضي الله عنه، قال: لما قرب القوم بالرؤوس والاسارى من دمشق دنت ام كلثوم من شمر لعنه الله، وكان في جملتهم، فقالت: لي إليك حاجة.

قال: وما حاجتك؟

قالت: إذا دخلت البلد فأدخلنا في درب قليل النظارة، وتقدم إلى

(1) في المقتل: المحجبا.
(2) في المقتل: يذكرون.
(3) مقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي: 2/60 ـ 61، عنه عوالم العلوم: 17/427.

( 382 )

أصحابك أن يخرجوا الرؤوس من بين المحامل وينحونا عنها فقد خزينا من كثرة النظر إلينا ونحن في هذا الحال، فأمر في جواب سؤالها أن يجعلوا الرؤوس على الرماح في أوساط المحامل بغياً منه وكفراً، وسلك بهم على تلك الحال بين النظارة حتى أتى بهم باب دمشق فاقيموا على درج باب المسجد الجامع حيث يقام السبى، فروي أن بعض الفضلاء التابعين لما شهد رأس الحسين عليه السلام أخفى نفسه شهراً من جميع أصحابه، فلما وجدوه بعد أن فقدوه سألوه عن سبب ذلك، فقال: أما ترون ما نزل بنا؟ ثم أنشأ يقول:

جـاءوا برأسك يا ابن بنت محمد      مـتـرملاً  بـدمـائه تـرمـيلا
فـكأنما  بـك يـا ابن بنت محمد      قـتلوا  جـهاراً عـامدين رسولا
قـتلوك عـطشاناً ولـما يـرقبوا      فـي قـتلك الـتأويل والـتنزيلا
ويـكبرون  بـأن قـتلت وإنـما      قـتلوا  بـك الـتكبير والـتهليلا
يا من إذا حسن العزاء عن امرىء      كـان الـبكاء حـسناً عليه جميلا
فـبكتك  أرواح الـسحائب غدوة      وبـكتك أرواح الرياح أصيلا(1)

وروي أنهم لما دخلوا دمشق واقيموا على درج المسجد منتظرين الإذن من يزيد حيث يقام السبي أقبل شيخ من أهل الشام حتى دنا منهم، فقال: الحمد لله الذي قتلكم وأهلكم، وأراح العباد من رجالكم، وأمكن أميرالمؤمنين منكم.

فقال له علي بن الحسين عليه السلام: يا شيخ، هل قرأت القرآن؟

(1) مقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي: 2/125 ـ 126، الملهوف على قتلى الطفوف: 210، وفيهما الأبيات الأربعة الاولى فقط.

( 383 )

قال: نعم.

قال: قرأت هذه الآية « قُل لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلّا الْمَوَدّةَ فِي الْقُرْبَى» (1)؟

قال الشيخ: قرأت ذلك.

فقال علي بن الحسين عليه السلام: فنحن الـقربى، يا شيخ، هل قرأت « وَاعْلَمُوا أَنّمَا غَنِمْتُم مِن شَيْ‏ءٍ فَأَنّ للّهِ‏ِ خُمُسَهُ وَلِلرّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى» (2)؟

قال: نعم.

قال: فنحن القربى، يا شيخ، هل قرأت « إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً» (3)؟

قال: نعم.

قال: فنحن أهل البيت الذي خصصنا به.

قال: فبقي الشيخ مبهوتاً ساعة ساكتاً نادما على ما تكلم به، ثم رفع رأسه إلى السماء، فقال: اللهم إني اتوب إليك من بغض هؤلاء القوم، ثم التفت إلى علي بن الحسين، فقال: بالله أنتم هم؟

فقال علي بن الحسين عليه السلام: تالله إنا لنحن هم من غير شك، وحق جدنا رسول الله صلى الله عليه وآله.

قال: فبكى الشيخ ورمى عمامته، ثم رفع رأسه إلى السماء، فقال: اللهم

(1) سورة الشورى: 23.
(2) سورة الأنفال: 41.
(3) سورة الأحزاب: 33.

( 384 )

إني أبرأ إليك من عدو آل محمد من جن أو إنس، ثم قال: هل من توبة، يا ابن رسول الله؟

قال: نعم، إن تبت تاب الله عليك، وأنت معنا.

فقال: وأنا تائب، فبلغ يزيد مقالته، فأمر بقتله.

قال: ثم ادخلوا على يزيد وهم مقرنون بالحبال، وكان أول من دخل شمر بن ذي الجوشن على يزيد بعلي بن الحسين عليه السلام مغلولة يده إلى عنقه، فلما وقفوا بين يديه على تلك الحال قال له علي بن الحسين عليه السلام: انشدك (1) بالله يا يزيد، ما ظنك برسول الله صلى الله عليه وآله لو رآنا على هذا الحال ما كان يصنع؟ فأمر يزيد بالحبال فقطعت (2)، ثم وضع رأس الحسين في طشت بين يديه، وأجلس النساء خلفه كيلا ينظرون إليه، وأما زينب فإنها لما رأته أهوت إلى جيبها فشقته (3)، ثم نادت بصوت حزين يقرح (4) القلوب: يا حسيناه، يا حبيب رسول الله، يا ابن مكة ومنى، ويا ابن فاطمة الزهراء سيدة النساء، يا ابن بنت المصطفى.

قال: فوالله لقد أبكت كل من في المجلس ويزيد ساكت.

ثم جعلت امرأة من بني هاشم كانت في دار يزيد تندب الحسين عليه السلام وتنادي: واحسيناه، واسيداه، يا ابن محمداه، يا ربيع الأرامل واليتامى، يا قتيل أولاد الأدعياء.

(1) اقسمك ـ خ ل ـ .
(2) بقطع الحبال ـ خ ل ـ .
(3) فشقت وجهه ـ خ ل ـ .
(4) كذا في الملهوف، وفي الأصل: يفزع.

( 385 )

قال: فأبكت كل من سمعها. (1)

قال (2): وقام من أهل الشام أحمر، فقال: يا أمير المؤمنين، هب لي هذه الجارية تعنيني.

قالت: وكنت (3) جارية وضيئة، فارتعدت وفرقت وظننت أنه يفعل ذلك، فأخذت بثياب اختي زينب فقال: كذبت والله ولؤمت ما ذلك لك ولا له.

فغضب يزيد، فقال: بل أنت كذبت إن ذلك لي، ولو شئت فعلته.

فقالت: كلا والله ما جعل الله ذلك لك إلا أن تخرج من ملتنا وتدين بغير ديننا.

فقال يزيد: إياي تستقبلين بهذا؟ إنما خرج من الدين أبوك وأخيك.

فقالت: بدين الله ودين أبي وجدي اهتديت.

قال: كذبت يا عدوة الله.

قالت زينب: أمير متسلط يشتم ظلماً، ويقهر بسلطانه، اللهم إليك أشكو دون غيرك، فاستحيا يزيد وندم وسكت مطرقاً.

(1) مقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي: 2/61 ـ 62، الملهوف على قتلى الطفوف: 211 ـ 214.
(2) في المقتل: وروي عن فاطمة بنت الحسين أنها قالت: لما ادخلنا على يزيد ساءه ما رأى من سوء حالنا، وظهر ذلك في وجهه، فقال: لعن الله ابن مرجانة، وابن سمية، لوكان بينه وبينكم قرابة ما صنع بكم هذا، وما بعث بكن هكذا، قالت: فقام إليه رجل من أهل الشام...
(3) كذا في المقتل، وفي الأصل: قال: وكانت.

( 386 )

وأعاد الشامي فقال: يا أميرالمؤمنين، هب لي هذه الجارية.

فقال يزيد: اعزب لعنك الله، ووهب لك حتفاً قاضياً، ويلك لا تقل ذلك، فهذه بنت علي وفاطمة، وهم أهل بيت لم يزالوا مبغضين لنا منذ كانوا. (1)

قال الشامي: الحسين بن فاطمة وابن علي بن أبي طالب!!

قال: نعم.

فقال الشامي: لعنك الله يا يزيد، تقتل عترة نبيك وتسبي ذريته، والله ما توهمت إلا أنهم سبي الروم.

فقال يزيد: والله لألحقنك بهم، ثم أمر به فضربت عنقه.

قال: ثم تقدم علي بن الحسين بين يدي يزيد وقال:

لا تطمعوا أن تهينونا نكرمكم     وأن نكف الأذى عنكم وتؤذونا

الـله يعلـم أنا لا نحـبكـم     ولا نلومكم إذ (3) لم تحبونا

فقال يزيد: صدقت ولكن أراد أبوك وجدك أن يكونا أميرين، فالحمد لله الذي قتلهما، وسفك دمهما، ثم قال: يا علي، إن أباك قطع رحمي، وجهل حقي، ونازعني سلطاني، فصنع الله به ما قد رأيت.

فقال علي بن الحسين عليه السلام: « مَا أَصَابَ مِن مُصِيَبةٍ فِي الْأَرْضِ وَلاَ فِي أَنفُسِكُمْ إِلّا فِي كِتَابٍ مِن قَبْلِ أَن نَبْرَأَهَا إِنّ ذلِكَ عَلَى‏ اللّهِ يَسِيرٌ» (4).

(1) مقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي: 2/62.
(2) الملهوف على قتلى الطفوف: 218 ـ 219.
(3) في المقتل: فالله يعلم ... إن.
(4) سورة الحديد: 22.

( 387 )

فقال يزيد لابنه (خالد) (1): اردد عليه، فلم يدر ما يقول، فقال يزيد: « وَمَا أَصَابَكُم مِن مُصِيبَةٍ فَبِمَ-ا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَن كَثِيرٍ» (2).

ثم قال علي بن الحسين عليه السلام: يا ابن معاوية وهند وصخر، إن النبوة والإمرة لم تزل لآبائي وأجدادي من قبل أن تولد، ولقد كان جدي علي بن أبي طالب يوم بدر واحد والأحزاب في يده راية رسول الله صلى الله عليه وآله، وأبوك وجدك في أيديهما رايات الكفار.

ثم جعل صلوات الله عليه يقول:

ماذا تقولون إذ قال النبي لكم     ماذا فعلتم وأنتم آخر الامم

ثم قال علي بن الحسين عليه السلام: ويلك يا يزيد لو تدري ما صنعت، وما الذي ارتكبت من أبي وأهل بيتي وأخي وعمومتي إذاً لهربت في الجبال، وافترشت الرماد، ودعوت بالويل والثبوران ان يكون رأس الحسين بن فاطمة وعلي ولده منصوبان (3) على باب مدينتكم، وهو وديعة رسول الله صلى الله عليه وآله، (فيكم) (4) فابشر بالخزي والندامة غداً إذا جمع الناس ليوم القيامة. (5)

ووجدت رواية أحببت إيرادها هنا بحذف الأسانيد، قال: لما ادخل رأس الحسين عليه السلام وحرمه على يزيد وكان رأس الحسين بين يديه في طشت جعل ينكت ثناياه بمخصرة في يده يقول:

(1) من المقتل.
(2) سورة الشورى: 30.
(3) في المقتل: أيكون رأس أبي الحسين بن علي وفاطمة منصوباً.
(4) من المقتل.
(5) مقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي: 2/63.

( 388 )

لـيت أشـياخي ببدر شهدوا      جزع الخزرج من وقع الأسل
لأهـلـوا واسـتهلوا فـرحاً      ثـم قـالوا يـا يزيد لا تشل
لـست من خندف إن لم أنتقم      مـن بـني أحمد ما كان فعل

فقامت زينب بنت علي فقالت: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيد المرسلين صدق الله كذلك يقول: « ثُمّ كَانَ عَاقِبَةَ الّذِينَ أَسَاءُوا السّوءى‏ أَن كَذّبُوا بِآيَاتِ اللّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ» (1) أظننت يا يزيد حين أخذت علينا أقطار الأرض وآفاق السماء فأصبحنا نساق كما تساق الأسرى أن بنا هواناً على الله، وبك عليه كرامة؟ وان ذلك لعظيم خطرك عنده، وشمخت بأنفك، ونظرت إلى عطفك جذلان سروراً حين رأيت الدنيا مستوسقة، والامور متسقة، وحين صفا لك ملكنا وسلطاننا، فمهلاً مهلاً أنسيت قول الله سبحانه: « وَلاَ يَحْسَبَنّ الّذِينَ كَفَرُوا أَنّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ» (2) آمن العدل ـ يا ابن الطلقاء ـ تخديرك حرائرك وإمائك، وسوقك بنات المصطفى رسول الله كسبايا قد هتكت ستورهن، وأبديت وجوههن من بلد الى بلد يستشر فهن أهل المناهل، ويتصفح وجوههن القريب والبعيد، والدني والشريف، وليس معهن من رجالهن ولي، ولا من حماتهن حمي، وكيف (ترتجى) (3) مراقبة من لفظ فوه أكباد السعداء (4)، ونبت لحمه بدماء الشهداء؟! وكيف يستبطأ في بغضنا أهل البيت من نظر إلينا بالشنف والشنآن والإحن

(1) سورة الروم: 10.
(2) سورة آل عمران: 178.
(3) من الملهوف.
(4) في الملهوف: الأزكياء.

( 389 )

والأضغان، ثم تقول غير متأثم ولا مستعظم.

لأهلوا واستهلوا فرحاً     ثم قالوا يا يزيد لا تشل

منحنياً على ثنايا أبي عبدالله سيد شباب أهل الجنة تنكتها بمخصرتك.

وكيف لا تقول ذلك وقد نكأت القرحة، واستأصلت الشأفة، بإراقتك دماء آل محمد، وتهتف بأشياخك زعمت تناديهم؟ ولتردن وشيكاً موردهم، ولتودن أنك شللت وبكمت ولم تكن قلت ما قلت.

وقالت: اللهم خذ بحقنا، وانتقم ممن ظلمنا، واحلل غضبك بمن سفك دماءنا وقتل حماتنا، فوالله ما فريت إلا جلدك، ولا حززت إلا لحمك، وسترد على رسول الله صلى الله عليه وآله بما تحملت من سفك دماء ذريته، وانتهكت من عترته وحرمة ولحمته، وليخاصمنك حيث يجمع الله تعالى شملهم، ويلم شعثهم ويأخذ لهم بحقهم، « وَلاَ تَحْسَبَنّ الّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ» (1).

وحسبك بالله حاكماً، وبمحمد صلى الله عليه وآله خصيماً، وبجبرئيل ظهيراً، وسيعلم من سول لك هذا ومكنك من رقاب المسلمين أن بئس للظالمين بدلاً، وأيكم شر مكاناً وأضعف جنداً.

ولئن جرت علي الدواهي مخاطبتك، أني لأستصغر قدرك، وأستعظم تقريعك، وأستكثر توبيخك، لكن العيون عبرى، والصدور حرى.

ألا فالعجب كل العجب لقتل حزب الله النجباء بحزب الشيطان الطلقاء،

(1) سورة آل عمران: 169.

( 390 )

فهذه الأيدي تنطف (1) من دمائنا، والأفواه تتحلب من لحومنا، وتلك الجثث الطواهر الزواكي تنتابها (2) العواسل، وتعفوها امهات الفراعل، ولئن اتخذتنا مغنماً لتجدنا وشيكاً مغرماً، حين لا تجدر إلا ما قدمت (يداك) (3) « وَمَا رَبّكَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيد»ِ(4) فإلى الله المشتكى وعليه المعول.

فكد كيدك، واسع سعيك، وناصب جهدك، فوالله لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا، ولا تدرك أمدنا، ولا ترحض عنك عارها، وهل رأيك إلا فند، وأيامك إلا عدد، وجمعك إلا بدد؟ ويوم ينادي المناد: ألا لعنة الله على الظالمين.

والحمد لله الذي ختم لأولنا بالسعادة والمغفرة، ولآخرنا بالشهادة والرحمة، ونسأل الله (5) أن يكمل لهم الثواب، ويوجب لهم المزيد، ويحسن علينا الخلف (6)، إنه رحيم ودود، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

فقال يزيد لعنه الله:

يا صيحة تعلن من صوائح     ما أهون الحزن(7) على النوائح(8)

قال: ودعا يزيد الخاطب وأمره أن يصعد المنبر ويذم الحسين وأباه

(1) في الملهوف: تنضح.
(2) في الملهوف: تتناهبها.
(3) من المقتل والملهوف.
(4) سورة فصلت: 46.
(5) لفظ الجلالة أثبتناه من المقتل والملهوف.
(6) في الملهوف : الخلافة.
(7) يا صيحة تحمد ... الموت.
(8) مقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي: 2/64 ـ 66، الملهوف على قتلى الطفوف 214 ـ 218، البحار: 45/133

( 391 )

عليهما السلام، فصعد وبالغ في سب أميرالمؤمنين والحسين عليهما السلام والمدح لمعاوية ويزيد.

فصاح به علي بن الحسين عليه السلام: ويلك أيها الخاطب، اشتريت مرضاة المخلوق بسخط الخالق، فتبوؤ مقعدك من النار.

ولقد أحسن من قال:

أعلى المنابر تعلنون بسبه     وبسيفه نصبت لكم أعوادها؟ (1)

وروي: أن علي بن الحسين عليه السلام لما سمع ما سمع من الخاطب لعنه الله قال ليزيد: اريد لي أن اصعد المنبر فأتكلم بكلمات فيهن لله رضاً ولهؤلاء الجلساء أجر، فأبى يزيد:

فقال الناس: يا أمير المؤمنين ائذن فليصعد، فلعلنا نسمع منه شيئاً.

فقال: إنه إن صعد لم ينزل إلا بفضيحتي وبفضيحة آل أبي سفيان.

فقيل له: وما قدر ما يحسن هذا؟

فقال: إنه من أهل بيت قد زقوا العلم زقاً.

قال: فلم يزالوا به حتى أذن له، فصعد المنبر (2)، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم

(1) الملهوف على قتلى الطفوف: 219.
(2) في (ح): حكي عن الشعبي الحافظ لكتاب الله عزوجل أنه قال: استدعاني الحجاج بن يوسف يوم الأضحى فقال لي: أيها الشيخ أي يوم هذا؟ فقلت: هذا يوم الأضحى، قال بم يتقرب به الناس في مثل هذا اليوم؟ فقلت: بالأضحية والصدقة وأفعال البر والخير.
فقال: اعلم أني قد عزمت اليوم أن اضحي برجل حسيني.
قال الشعبي: فبينما هو يخاطبي إذ سمعت من خلفي صوت لسلسلة وحديد فخشيت أن ألتفت فيستخفني، وإذا قد مثل بين يديه رجل علوي وفي عنقه سلسلة وفي رجليه قيد من حديد، فقال له الحجاج: ألست فلان بن فلان؟

( 392 )

 قال: نعم. فقال له: أنت القائل إن الحسن والحسين من ذرية رسول الله ؟

قال: ما قلت وما أقول، ولكني قلت وأقول: إن الحسن والحسين ولدا رسول الله وفرخاه، وإنهما دخلا في ظهره وخرجا من صلبه على رغم أنفك يا حجاج.

قال: وكان الملعون مستنداً فصار جالساً وقد اشتد غيضه وغضبه وانتفخت أوداجه حتى تقطعت أزرار بردته فدعا ببردة غيرها فلبسها، ثم قال للعلوي: يا ويلك إن لم تأتني بدليل من القرآن يدل على ان الحسن والحسين ولدا رسول الله دخلا في ظهره وخرجا من صلبه وإلا لأصلبنك ولأقتلنك في هذا الحين أشر قتلة، وإن أتيتني بدليل يدل على ذلك أعطيتك هذه البدرة التي بيدي وخليتك سبيلك.

قال الشعبي: وكنت حافظاً لكتاب الله تعالى كله وأعرف وعده ووعيده، وناسخة ومنسوخه، فلم تخطر على بالي آية تدل على ذلك، فحزنت في نفسي يعز والله علي ذهاب هذا الرجل العلوي.

قال: فابتدأ الرجل يقرأ الآية فقال: بسم الله الرحمن الرحيم، فقطع عليه الحجاج قراءته وقال: لعلك تريد أن تحتج علي بآية المباهلة. (وهي قوله تعالى : « قُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ» سورة آل عمران: 61) فقال العلوي: هي والله حجة مؤكدة معتمدة، ولكني آتيك بغيرها، ثم ابتدأ يقرأ: « بسم الله الرحمن الرحيم وَمِن ذُرّيّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى‏ وَهَارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ـ وَزَكَرِيّا وَيَحْيَى» (سورة الأنعام: 84 ـ 85) وسكت فقال له الحجاج: فلم لا قلت عيسى أنسيت عيسى؟

فقال: نعم صدقت يا حجاج، فبأي شيء دخل عيسى في صلب نوح عليه السلام (وليس له أب؟ فقال له الحجاج: انه دخل في صلب نوح) من حيث امه، فقال العلوي: وكذلك الحسن والحسين دخلا في صلب رسول الله من امها فاطمة الزهراء.

قال: فبقي الحجاج كأنما ألقي حجر في فيه.

فقال له الحجاج: ما الدليل على أن الحسن والحسين إمامان؟ فقال العلوي: يا حجاج لقد ثبتت لهما الامامة بشهادة الرسول في حقهما لأنه قال في حقهما: (ولداي هذان إمامان فاضلان إن قاما وإن قعدا، تميل عليهما الأعداء فيسفكون دماءهما ويسبون حرمهما) ولقد شهد لهم النبي بالإمامة أيضاً فقال: (ابني هذا ـ يعني الحسين ـ إمام ابن إمام أبو أئمة تسعة). 

( 393 )

خطب خبطة أبكى بها العيون، وأوجل منها القلوب، ثم قال: أيها الناس، اعطينا ستاً، وفضلنا، بسبع اعطينا: العلم، والحلم والسماحة والفصاحة والشجاعة والمحبة في قلوب المؤمنين، وفضلنا بأن منا النبي المختار محمد صلى الله عليه وآله، ومنا الصديق، ومنا الطيار، ومنا أسد الله وأسد رسوله، ومنا خيرة (1) نساء العالمين، ومنا سبطا هذه الامة (وسيدا شباب أهل الجنة) (2)، من عرفني فقد

 فقال الحجاج: يا علوي وكم عمر الحسين في دار الدنيا؟

فقال: ثماني وخمسون سنة، فقال له: وفي أي يوم قتل؟

قال: اليوم العاشر من المحرم بين الظهر والعصر.

فقال: ومن قتله؟

فقال: يا حجاج، لقد جند الجنود ابن زياد بأمر اللعين يزيد لعنه الله، فلما اصطفت العساكر لقتاله فقتلوا حماته وأنصاره وأطفاله وبقي فريداً، فبينما هو يستغيث فلا يغاث، ويستجير فلا يجار، يطلب جرعة من الماء ليطفى بها حر الظمأ، فبينما هو واقف يستغيث إلى ربه إذ جاء سنان فطعنه بسنانه، ورماه خولي بسهم ميشوم فوقع في لبته، وسقط عن ظهر جواده إلى الأرض يجول في دمه، فجاء الشمر لعنه الله فاجتز رأسه بحسامه ورفعه فوق قناته، وأخذ قميصه إسحاق الحضرمي، وأخذ سيفه قيس النهشلي، وأخذ بغلته حارث الكندي،وأخذ خاتمه زيد بن ناجية الشعبي، وأحاط القوم بخبائه، وعاثوا في باقي أثاثه، وأسبوا حريمه ونساءه.

فقال الحجاج: هكذا جرى عليهم يا علوي، والله لو لم تأتني بهذا الدليل من القرآن وبصحته إمامتهما لأخذت الذي فيه عيناك، ولقد نجاك الله تعالى مما عزمت عليه من قتلك، ولكن خذ هذه البدرة لا بارك الله لك فيها؛ فأخدها العلوي وهو يقول: هذا من عطاء ربي وفضله لا من عطائك يا حجاج، ثم إن العلوي بكى وجعل يقول:

صـلى  الإله ومن يحف بعرشه      والـطيبون  على النبي الناصح
وعـلى قـرابته الـذين نهضوا      بـالنائبات وكـل خـطب فادح
طلبوا الحقوق فابعدوا عن دارهم      وعـوى  عـليهم كل كلب نائح

(1) في المقتل: سيدة. (المنتخب للطريحي: 491 ـ 493)
(2) من المقتل.

( 394 )

عرفني، ومن لم يعرفني أنبأته بحسبي ونسبي.

أيها الناس، أنا ابن مكة ومنى، أنا ابن زمزم والصفا، أنا ابن من حمل الركن بأطراف الرداء، أنا ابن خير من اتزر وارتدى، أنا ابن خير من انتعل واحتفى، أنا ابن خير من طاف وسعى، أنا ابن خير من حج ولبي، أنا ابن من حمل على البراق في الهواء، أنا ابن من اسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، أنا ابن من بلغ به جبرئيل إلى سدرة المنتهى، أنا ابن من دنا فتدلى فكان من ربه كقاب قوسين أو أدنى، أنا ابن من صلى بملائكة السماء، أنا ابن من أوحي إليه الجليل ما أوحى، أنا ابن محمد المصطفى، أنا ابن علي المرتضى، أنا ابن من ضرب خراطيم الخلق حتى قالوا: لا إله إلا الله، أنا ابن من ضرب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله بسيفين، وطعن برمحين، وهاجر الهجرتين، وبايع البيعتين، وقاتل ببدر وحنين، ولم يكفر بالله طرفة عين.

أنا ابن صالح المؤمنين، ووارث النبيين، وقامع الملحدين، ويعسوب المسلمين, ونور المجاهدين، وزين العابدين، وتاج البكائين، وأصبر الصابرين، وأفضل العالمين، وأفضل القائمين، من آل طه وياسين، أنا ابن المؤيد بجبرئيل، المنصور بميكائيل، أنا ابن المحامي عن حرم المسلمين، وقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين، والمجاهد أعداءه الناصبين، وأفضل من مشى من قريش أجمعين، وأول من استجاب لله ولرسوله من المؤمنين، وأول السابقين، وقاصم المعتدين، ومبيد المشركين، وسهم مرامي الله على المنافقين، ولسان حكمة العابدين، وناصر دين الله، وولي أمر الله، وبستان حكمة الله وعيبة علمه.

سمح سخي، بهلول زكي، مقدم همام، صبار صوام، مهذب قوام، قاطع

( 395 )

الأصلاب، ومفرق الأحزاب، أربطهم عناناً، وأثبتهم جناناً، وأمضاهم عزيمة، وأشدهم شكيمة، أسد باسل يطحنهم في الحروب إذا ازدلفت الأسنة، وقويت الأعنة طحن الرحا، ويذروهم فيها ذري الريح الهشيم.

ليث الحجاز، وكبش العراق، مكي مدني(أبطحي تهامي،) (1) خيفي عقبي، بدري احدي، شجري مهاجري، من العرب سيدها، وفي الوغا ليثها، وارث المشعرين، وأبوالسبطين، الحسن والحسين (مظهر العجائب، ومفرق الكتائب، والشهاب الثاقب، والنور العاقب، أسد الله الغالب، مطلوب كل طالب) (2)، ذاك جدي علي بن أبي طالب.

ثم قال: أنا ابن فاطمة الزهراء، أنا ابن سيدة النساء.

فلم يزل يقول أنا أنا حتى ضج الناس بالبكاء والنحيب والأنين، وخشي يزيد اللعين أن تكون فتنة فأمر المؤذن، فقال: اقطع عليه الكلام.

فلما قال المؤذن: الله أكبر الله أكبر، قال عليه السلام: الله أكبر من كل شيء.

فلما قال: أشهد أن لا إله إلا الله، قال علي بن الحسين عليه السلام شهد بها شعري وبشري ولحمي ودمي.

فلما قال المؤذن: أشهد أن محمداً رسول الله، التفت علي عليه السلام من فوق المنبر إلى يزيد، فقال: محمد هذا جدي أم جدك، يا يزيد؟ فإن زعمت أنه جدك فقد كذبت وكفرت، وإن زعمت أنه جدي فلم قتلت عترته؟

(1 و 2) من المقتل.

( 396 )

قال: وفرغ المؤذن من الأذان والاقامة، وتقدم يزيد وصلى صلاة الظهر.

قال: وروي أنه كان في مجلس يزيد حبر من أحبار اليهود، فقال من هذا الغلام، يا أميرالمؤمنين؟ قال: هو علي بن الحسين. قال: فمن الحسين؟ قال: ابن علي بن أبي طالب. قال: فمن امه؟ قال: فاطمة بنت محمد.

فقال الحبر: يا سبحان الله! فهذا ابن بنت نبيكم قتلتموه في هذه السرعة، بئسما خلفتموه في ذريته، لو ترك فينا موسى بن عمران سبطاً من صلبه لظننا أنا كنا نعبده من دون ربنا، وأنتم فارقتم نبيكم بالأمس فوثبتم على ابنه فقلتموه، سوءة لكم من امة.

قال: فأمر به يزيد فوجىء في حلقه ثلاثاً، فقام وهو يقول: إن شئتم فاقتلوني، وإن شئتم فذروني (1)، فإني أجد في التوراة ان من قتل ذرية نبي لا يزال ملعوناً أبداً ما بقي، فإذا مات أصلاه الله جهنم وساءت مصيراً. (2)

قال: ثم أمر يزيد بهم فانزلوا منزلاً لا يكتمهم (3) من حر ولا من برد، فأقاموا فيه حتى تقشرت وجوههم، وكانوا مدة مقامهم في البلد المشار إليه

(1) كذا في المقتل، وفي الأصل: إن شئتم فاضربوني، وإن شئتم فاقتلوني وتذروني.
(2) مقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي: 2/69 ـ 71.
(3) في الملهوف: ولا يكنهم.

( 397 )

ينوحون على الحسين عليه السلام. (1)

وروى عن زيد بن علي، (و) (2) عن محمد بن الحنفية رضي الله عنه، عن علي بن الحسين عليه السلام أنه لما أتي برأس الحسين إلى يزيد لعنه الله كان يتخذ مجالس الشرب ويأتي برأس الحسين ويضعه بين يديه ويشرب عليه، فحضر ذات يوم في مجلس يزيد رسول ملك الروم وكان من عظمائهم، فقال: يا ملك العرب، هذا رأس من؟ فقال يزيد: مالك ولهذا الرأس؟ فقال: إني إذا رجعت إلى ملكنا يسألني عن كل شيء رأيته فأحببت أن اخبره بقصة هذا الرأس وصاحبه حتى نشاركك في السرور والفرح.

قال يزيد لعنه الله: هذا رأس الحسين بن علي بن أبي طالب.

فقال: ومن كانت امه؟ قال: فاطمة الزهراء. قال: بنت من؟ قال: بنت رسول الله.

فقال النصراني: اف لك ولدينك، ما من دين اخس من دينك (اعلم) (3) إني من أحفاد (4) داود، وبيني وبينه آباء كثيرة والنصارى يعظمونني ويأخذون

(1) الملهوف على قتلى الطفوف: 219.
(2 و 3) من المقتل.
(4) كذا في المقتل، وفي الأصل: حوافد، وكذا في الموضع الآتي.

( 398 )

التراب من تحت قدمي تبركاً به لأني من أحفاد داود، وأنتم تقتلون ابن بنت نبيكم وما بينه وبين نبيكم إلا ام واحدة، فأي دين دينكم؟ ثم قال: هل سمعت بحديث كنيسة الحافر؟

فقال يزيد: قل حتى أسمع.

قال: إن بين عمان والصين بحر مسيرة سنة، ليس فيه عامر (1) إلا بلدة واحدة في وسط الماء، طولها ثمانون فرسخاً في ثمانين، ما على (وجه) (2) الأرض بلدة أكبر منها، ومنها يحمل الكافور والياقوت، أشجارهم العود ومنهم يحمل العنبر، وهي في أيدي النصارى، لا ملك لأحد فيها من الملوك، وفي تلك البلدة كنائس كثيرة أعظمها كنيسة الحافر، في محرابها حقة من ذهب معلقة فيها حافر يقولون إنه حافر حمار كان يركبه عيسى عليه السلام، وقد زينوا حول الحقة من الذهب والديباج ما لا يوصف، في كل عام يقصدونها العلماء من النصارى، يطوفون بتلك الحقة ويقبلونها، ويرفعون حوائجهم إلى الله سبحانه، هذا شأنهم ودأبهم بحافر حمار يزعمون أنه حافر حمار عيسى، وأنتم تقتلون ابن بنت نبيكم، فلا بارك الله فيكم، ولا في دينكم.

فقال يزيد (لأصحابه) (3): اقتلوا هذا النصراني، فإنه يفضحني إن رجع إلى بلاده فيشنع علي، فلما أحس النصراني بالقتل قال: يا يزيد، تريد أن تقتلني؟

قال: نعم.

قال: اعلم أني رأيت البارحة نبيكم في المنام (وهو) (4) يقول لي: يا نصراني، أنت من أهل الجنة، فتعجبت من كلامه، وها أنا أشهد أن لا إله إلا

(1) في المقتل: عمران.
(2 و 3 و 4) من المقتل.

( 399 )

الله ، وأن محمداً رسول الله، ثم وثب إلى رأس الحسين عليه السلام وضمه إلى صدره، وجعل يقبله ويبكي حتى قتل رحمه الله.

وفي رواية أن النصراني اخترط سيفه وحمل على يزيد، فحال الخدم بينهما، ثم قتل على المكان وهو يقول: الشهادة الشهادة.

وذكر أبو مخنف ان يزيد أمر بأن يصلب رأس الحسين عليه السلام على باب داره، وأمر بالنسوة أن يدخلوا داره، فلما دخلت النسوة دار يزيد لم تبق امرأة من آل أبي سفيان ومعاوية (1) إلا استقبلتهن بالبكاء والصراخ والنياحة على الحسين عليه السلام، وألقين ما عليهن من الثياب والحلل والحلي، وأقمن المآتم ثلاثة أيام، وخرجت هند بنت عبدالله بن (عامر بن) (2) كريز امرأة يزيد مكشوفة الرأس، وكانت قبل ذلك تحت الحسين عليه السلام حتى شقت الستر وهي حاسرة، فوثبت إلى يزيد وهو في مجلس عام فغطاها، ثم قال: نعم فاعولي عليه ـ يا هند ـ وابكي على ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وصريخة قريش، عجل عليه ابن زياد فقتله قتله الله.

ثم إن يزيد أنزلهم في داره الخاصة، فما كان يتغدى ولايتعشى حتى يحضر علي بن الحسين عليه السلام معه.

وروي أنه عرض عليهم المقام بدمشق، فأبوا ذلك، فقالوا: بل ردنا إلى المدينة لأنها مهاجر جدنا.

فقال للنعمان بن بشير: جهز لهؤلاء بما يصلحهم، وابعث معهم رجلاً أميناً صالحاً، وابعث معهم خيلاً وأعواناً، ثم كساهم وحباهم وفرض لهم الأرزاق

(1) كذا في المقتل، وفي الأصل: لم يبق من آل أبي سفيان ومعاوية أحد.
(2) من المقتل.

( 400 )

والأنزال، ثم دعا بعلي بن الحسين فقال له : لعن الله ابن مرجانة، أما والله لو كنت صاحبه ما سألني خطة إلا أعطيته إياها، ولدفعت عنه الحتف بكل ما قدرت ولو بهلاك بعض ولدي، ولكن قضى الله ما رأيت، فكاتبني بكل حاجة تكون لك (1)، ثم أوصى بهم الرسول، فخرج بهم الرسول يسايرهم فيكونون أمامه حيث لا يفوتوا بطرفه، فإذا نزلوا تنحى عنهم وتفرق هو وأصحابه كهيئة الحرس، ثم ينزل بهم حيث أراد واحدهم الوضوء، ويعرض عليهم حوائجهم ويتلطف بهم حتى دخلوا المدينة.

قال الحارث بن كعب: قالت (لي) (2) فاطمة بنت علي: قلت لأختي زينب: قد وجب علينا حق هذا لحسن صحبته لنا، فهل لك أن نصله؟

قالت: والله ما لنا ما نصل به إلا أن نعطيه حلينا، فأخذت سواري ودملجي وسوار اختي ودملجها فبعثنا بها إلى الرسول واعتذرنا من قلته، وقلنا: هذا بعض جزائك لحسن صحبتك إيانا.

فقال: لو كان الذي فعلته للدنيا لكان في بعض هذا رضاي، ولكن والله ما فعلته إلا لله ولقرابتكم من رسول الله صلى الله عليه وآله. (3)

وآقول: لعن الله يزيد وأباه، وجديه وأخاه، ومن تابعه وولاه، بينا هو ينكت ثنايا الحسين ويتمثل بشعر ابن الزبعرى: يا غراب البين ما شئت فقل، إلى آخره، واغلاظه لزينب بنت علي بالكلام السيء لما سأله الشامي، وقال: هب لي هذه الجارية ـ يعني فاطمة بنت الحسين عليه السلام ـ ،

(1) كذا في المقتل، وفي الأصل: فكاتبني وأنه إلى كل حاجة تكون لك.
(2) من المقتل.
(3) مقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي: 2/72 ـ 75، عنه البحار: 45/142 ـ 145.

( 401 )

وقوله لعلي بن الحسين عليه السلام: أراد أبوك وجدك أن يكونا أميرين، فالحمد لله الذي قتلهما وسفك دماءهما، وإن أباك قطع رحمي، وجهل حقي ونازعني سلطاني، إلى آخر كلامه كما أشرنا إليه من قبل، ونصب رأس الحسين عليه السلام عليه السلام على باب القرية الظالم أهلها ـ أعني بلدة دمشق ـ وإيقافه ذرية الرسول على درج المسجد كسبايا الترك والخزرج، ثم إنزاله إياهم في دار لا يكنهم (1) من حر ولا قر حتى تقشرت وجوههم، وتغيرت ألوانهم، وأمر خطيبه أن يرقى المنبر ويخبر الناس بمساوىء أميرالمؤمنين ومساوىء الحسين عليهما السلام وأمثال ذلك، ثم هو يلعن ابن زياد ويتبرى من فعله وينتصل من صنعه، وهل فعل اللعين ما فعل إلا بأمره وتحذيره من مخالفته؟ وهل سفك اللعين دماء أهل البيت إلا بإرغابه وإرهابه له بقوله، ومراسلته بالكتاب الذي ولاه فيه الكوفة وجمع له بينها وبين البصرة الذي ذكرنا لما وصل إليه الخبر بتوجه مسلم بن عقيل إلى الكوفة وحثه فيه على قتله، وأمره له بإقامة الارصاد وحفظ المسالك على الحسين، وقوله لابن زياد في كتابه: إنه قد ابتلى زمانك بالحسين من بين الأزمان، وفي هذه الكرة يعتق أو يكون رقاً عبداً كما تعبد العبيد فاحبس على التهمة واقتل على الظنة، الوحا الوحا، العجل العجل ـ كما ذكرنا أولاً ـ .

وإنما أظهر اللعين التبري من فعل ابن زياد لعنه الله خوفاً من الفتنة وتمويهاً على العامة لأن أكثر الناس في جميع الآفاق والأصقاع أنكروا فعله الشنيع وصنعه الفضيع، ولم يكونوا راضين بفعله وما صدر عنه خصوصاً من كان حياً من الصحابة والتابعين في زمنه كسهل بن سعد الساعدي والمنهال بن عمرو

(1) لا يصونهم ـ خ ل ـ.

( 402 )

والنعمان بن بشير وأبي برزة الأسلمي ممن سمع ورأى إكرام الرسول صلى الله عليه وآله له ولأخيه، وكذلك جميع أرباب الملل المختلفة من اليهود والنصارى، وناهيك مقال حبر اليهود ورسول ملك الروم لما شاهداه وهو ينكث ثنايا الحسين عليه السلام بالقضيب ـ كما ذكر ـ ولم يكن أحد من المسلمين في جميع البلاد راض بفعله إلا من استحكم النفاق في قلبه من شيعة آل أبي سفيان، بل كان أكثر أهل بيته ونسائه وبني عمه غير راضين بذلك.

روي أن عبدالرحمن بن الحكم أخو مروان بن الحكم كان حاضراً عند يزيد لما وضع رأس الحسين عليه السلام بين يديه وعرضت عليه سبايا رسول الله صلى الله عليه وآله فجعل عبدالرحمن يقول:

لهام بجنب الطف أدنى قرابـة     من ابن زياد العبد ذي النسب (1) الوغل

سمية أمسى نسلها عدد الحصى    وبنت رسول الله ليست بذي نسل (2)

فقال له يزيد: سبحان الله! أفي مثل هذا الموضع تتكلم بهذا؟ أما يسعك السكوت؟ (3)

وروي أنه لما وضع رأس الحسين بين يدي يزيد فجعل ينكث ثنايا الحسين بالقضيب ويقول: لقد كان أبوعبدالله حسن المضحك، فأقبل إليه أبو برزة صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وكان حاضراً في مجلسه، وقال:

(1) في المناقب: الحسب.
(2) في المناقب: أمست بلا نسل.
(3) مناقب ابن شهراشوب: 4/114. وفيه: يحيى بن الحكم.

( 403 )

ويحك يا يزيد، أتنكت بقضيبك ثغر الحسين؟ لقد أخذ قضيبك هذا من ثغره مأخذاً، أشهد لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله يرشف ثناياه وثنايا أخيه الحسن، ويقول: إنهما سيدا شباب أهل الجنة، قتل الله قاتلكما ولعنه وأعد له جهنم وساءت مصيراً، أما أنت يا يزيد لتجيء يوم القيامة وعبيدالله بن زياد شفيقك، ويجي هذا وشفيقه محمد رسول الله صلى الله عليه وآله، فغضب يزيد وأمر بإخراجه، فاخرج سحباً.

وقيل: إن سمرة بن جندب صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله لما رأى يزيد يقلب ثنايا الحسين عليه السلام قال: يا يزيد، قطع الله يدك ارفع قضيبك، فطال ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله يلثم هاتين الشفتين، ولم يكن أحد من أكثر الناس في جميع الآفاق راضياً بفعله فلذلك أبدى الاعتذار، وركن إلى الانكار، خوفاً أن يفتق عليه فتق لا يرتق، وأن ينفتح عليه باب من الشر لا يغلق، فاعتذر وأنى له الاعتذار، ولم يكن له موافقاً على فعله وكفره إلا أهل القرية الظالم أهلها ـ أعني شبيهة سدوم المؤتفكة، والطائفة الجاهلة المشركة أهل بلدة دمشق الشام فإنهم ارتضعوا ثدي النفاق (1) من أخلاف أسلافهم،

(1) في (ح): روي أن ام الحجاج بن يوسف قاتل السادات والحجاج ولدته مشوهاً لا دبر له فاثقب له دبر، وأبي أن يقبل الثدي من امه وغيرها فأعياهم أمره.
وفي الحديث ان إبليس تصور لهم بصورة حارث بن كلدة زوج امه الأول، فقال: اذبحوا له تيساً والعقوه من دمه، واطلوا به وجهه وبدنه كله، ففعلوا به ذلك فقبل الثدي، فلهذا لا يقدر يصبر عن سفك الدماء، وكان ... لذاته سفك الدم وارتكاب امور لا يقدر عليها غيره، واحصر من قتل بأمره سوى من قتل في حروبه فكانوا مائة ألف وعشرين ألفاً، ووجد في سجنه خمسون ألف رجل وثلاثون ألف مرأة لم يجب على أحد منهم حد ولا قطع، وكان يحبس الرجال والنساء في موضع واحد، وقيل لو جاءت كل امة بفساقها وخبيثها وجي بالحجاج وحده لزاد عليهم كفرا ونفاقاً. انتهى

( 404 )

وجبلت على بغض أهل البيت طينتهم.

ولقد القي على لساني من فيض فكري وجناني كلمات قصدتهم فيها بلعني وزجري، ووجهت إليهم مطايا ذمي في نثري، وأشرت إليهم بتعنيفي، وخاطبتهم بتأفيفي، أبعدهم الله من رحمته، وأحل بهم أليم عقوبته.

أيها الأمة المغرورة برتبة دنياها، الكفورة بنعمة مولاها، المنكرة معادها ومبدأها، المنهمكة بطغواها في غيها، المارقة بسعيها وبغيها، الجاحدة نص نبيها، المنكرة فضل وليها، السالكة نهج شركها، الحائرة في ظلمة شكها.

يا أتباع أحزاب الشيطان، ويا نصاب أنصاب الأوثان، ويا شيعة آل أبي سفيان، ويا صحبة الشجرة الملعونة في القرآن، يا من لم يؤمنوا منذ كفروا، ولم يؤتمنوا منذ غدروا، ألمع لهم شراب الباطل فوردوه، وظنوه شراباً فلم يجدوه، ونعق بهم ناعق الظلم فأطاعوه، وبرق لهم بارق البغي فاتبعوه، ولمع لهم علم الضلالة فأموه، وبدا لهم طريق الجهالة فسلكوه، لما كذبهم رائدهم، وأضلهم قائدهم، أردتهم آراؤهم، وقادتهم أهواؤهم، إلى النار الموصدة، والعمد الممدة، لا جرم من كان ابن الباغية دليله، ونجل النابغة قبيله، كان جزاؤه من عذاب الله جزاء موفوراً، وأعد له جهنم وساءت مصيراً.

ويلكم ألم يأتكم نبأ الذين راموا محق شمس الاسلام في احدهم وبدرهم، وإطفاء مصابيح الايمان بأحزابهم وقهرهم؟ ألم يكونوا لقائدكم آباء ولنبيكم أعداء؟ أليست امه آكلة أكباد الصديقين؟ أليس أبوه قائد أحزاب المشركين؟ الذي لعنه وآباه وابنه الرسول الصادق في قوله صلى الله عليه وآله: اللهم العن الراكب والقائد والسائق؟ أليست عمته حمالة الحطب التي تب الله يدها ويد بعلها أبي لهب؟ يا ويلكم أضلكم الشيطان فأزلكم، وزين لكم بغروره

( 405 )

سوء عملكم، توادون من حاد الله ورسوله، وتتبعون من كان الشيطان قائده ودليله، لا يشك في كفركم إلا كافر، ولا يرتاب في فجوركم إلا فاجر، أيصلب رأس ابن نبيكم على باب جامعكم، ويسب صنور رسولكم في مجامعكم، وتساق نساؤه وبناته إلى يزيدكم، ويقمن مقام الخروج والترك على باب يزيدكم؟

لا منكر منكم ينكر بلسانه وقلبه، ولا متقرب يتقرب بسترهم إلى ربه، فأنتم قبل الفتح خير منكم بعده، وآباؤكم الهالكون على الكفر أفضل منكم يا أهل الردة، أزنى من قوط لوط أمتكم، وأشأم من سدوم قريتكم، زنوة الفسوق، وجبهة العقوق، ومنزل الشيطان، ومعدن البهتان، تأتون الذكران من رجالكم، وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم، الابنة فاشية في أبنائكم، والغلمة ناشئة في نسائكم، أورثكم ذلك بغض وصي نبيكم، وسبكم له على منابركم بكفركم وغيكم، آه لو أن لي بكم قوة يا بني الزواني، أو آوي إلى ركن شديد من أشباهي وإخواني، لاصلينكم في الدنيا قبل الآخرة ناراً، ولغادرتكم رماداً مستطاراً، ولمحوت آثاركم، ولقطعت أخباركم، ولعجلت بواركم، ولهتكت أستاركم، ولقضيت بصلب قضاتكم، وحرب عتاتكم، وسبي نسائكم، وذبح أبنائكم، وقطع غراسكم، وقلع أساسكم.

يا أهل المؤتفكة، يا أتباع الطائفة المشركة، والله ما نظرتم حيث نظر الله، ولا اخترتم من اختار الله، ولا واليتم من والى الله، ولم تزالوا أتباع العصابة المفتونة، والشجرة الملعونة، تدحضون الحق بأيديكم وألسنتكم، وتنصرون الباطل في سركم وعلانيتكم، كم زينتم صفوفكم بصفين؟ وكم قتلتم أعلام المهاجرين الأولين؟ لما جبيت على بغض الوصي جوانح أضلاعكم، وأعلنتم

( 406 )

بسبه في جوامعكم ومجامعكم، قامت سوق النفاق في الآفاق، وعلت كلمة الشقاق على الاطلاق، وصار ولي أمركم وسبيل كفركم يزيد القرود، ويزيد اليهود، ويزيد الخمور، ويزيد الفجور.

يا ويلكم أيقرع ثغر ابن النبي بمرأى منكم؟ أيطاف ببناته ونسائه في شوارعكم؟ فأبعد بكم وبما صدر عنكم، رماكم الله بذل شامل، وعدو قاتل، وسيف قاطع، وعذاب واقع، ليس له من الله من دافع.

ويحكم أتتخذون يوم مصاب نبيكم بولده عيداً، وان بوار رهطه موسماً جديداً، وتظهرون فيه تمام زينتكم، وتعدونه رأس سنتكم؟ فاقسم بالله الذي جعل لكم الأرض قراراً، والسماء بناءً، لأنتم أشر من اليهود والنصارى، أسأل الله أن يرمي دمشق شامكم، ومحل طغاتكم، وبيت أصنامكم، ومقر أنصابكم وأزلامكم، بالموت الذريع، والأخذ السريع، والقحط الفضيع، والظلم الشنيع، حتى تصيروا حصيداً خامدين، ومواتاً جامدين، وعباديد في الأقطار، ومتفرقين في الأمصار، أن يطمس على أموالكم، ويشدد على قلوبكم، فلا تؤمنوا حتى تروا العذاب الأليم تريدون أن تخرجوا من النار وما أنتم بخارجين ولكم عذاب مقيم.

وسأختم هذا المجلس بقصيدة تنبىء عن خالص ودادي، ومصاص اعتقادي، وطويل أحزاني ومديد أشجاني، ومحتث منامي، ووافر كربي وهيامي، في مدح من هدت مصيبته أركان أفراحي ومسراتي، وشيدت واقعته قواعد أحزاني وكرباتي، وقلدت جند خدي عقيقاً من عبراتي، وأضرمت في أحشائي حريقاً من زفراتي، أعني من جعل الله قلبي لحبه وحب أهل بيته مسكناً، ولولائه وولاء آبائه وأبنائه موطناً، ولساني على مدحهم موقوفاً،

( 407 )

وشكري إلى كعبة جودهم مصروفاً.

سيدي وابن سادتي، وقائدي وابن قادتي، أشرف من ارتدى بالمجد وأنور، وأفضل من عرف بالفخر واشتهر، سبط نبيي، ورهط وليي، ونجل سيدتي، ووالد سادتي، وغناي يوم فقري وحاجتي،وغياثي إذا انقطعت من الدنيا وصلتي، سيد الكونين وابن سادة الكونين، وإمام الثقلين وأب أئمة الثقلين، المنزه عن كل رجس ودين، مولاي وسيدي أبي عبدالله الحسين، عليه من صلواتي ما نما وزكا، ومن تحياتي ما صفا وضفا، جعلها الله حجاباً من أليم عذابه، وستراً من وخيم عقابه، وهي هذه:

الـفـت فـؤادي بـعدكم أحـزاني      لـما جـفا طـيب الـكرى أجفاني
يـا  مـن لـهم مـني بقلبي منزل      ضـمت  عـليه جـوانحي وجناني
أنـا واحـد فـي حـبكم لـم يثنن      حـتى مـماتي عـن هـواكم ثاني
أوقـفت  مـدحي خـالصاً لجلالكم      وعـلى  مـراثيكم وقـف لـساني
هـدت  مـصيبتكم ومـا فيكم جرا      مـمن جـرا فـي كـفره أركـاني
فـلأبـكـينكم  بـدمـع فـيـضه      بـزري بـصور الـعارض الهتان
ولأضـربـن بـمهجتي لـمصابكم      نـاراً  تـذيب الـطود من أشجاني
أالام إن أرسـلـت نـحو جـمالكم      مـن  مـنطقي نـظماً جـاه بياني
أو  أرسـلت عـيني لفرط صبابتي      دمــع  يـمـازجه نـجيع قـاني
وبـكم  مـعادي إن عـرتني أزمة      بـقـوارع مـن طـارق الـحدثان
وبـكم ارجـي فـرحة يـوماً بـه      اءمـيـت أو الـف فـي أكـفاني
وكـذلك فـي قبري إذا اجلست في      ظـلـماته وسـئلت عـن إيـماني
وبـيوم  حـشري لا أرى لي منقذاً      إلا ولاءكــم لــدى الـرحـمن

( 408 )

وصـفـاء  ود لا يـشاب بـشبهة      مـقـرونة بـوسـاوس الـشيطان
وأراكـم  مـن بـعد أفضل مرسل      خـير  الـورى مـن نازح أو دان
وأبـاكم ذا الـمجد أشرف من مشى      فـوق  الـثرى مـن إنسها والجان
قـصام أبـطال الحروب وكاسر ال      أصـنـام يـوم الـفتح والأوثـان
وأخ  الـرسول وصـنوه ووصـيه      ونـديده فـي الـفضل والإحـسان
مـا مـن نـبي مـرسل كـلا ولا      مـلك رقـى بـالقرب خـير مكان
ألا  وفـضل أبـيكم مـن فـضلهم      مـا  آن لـه يـوم الـتفاضل ثاني
يـا  خـير من في الله وفي مخلصاً      بـجـهاده فـي الـسر والاعـلان
يـا  من عناه المصطفى والمرتضى      والـطهر فـاطم خـيرة الـنسوان
يـا  ابن الأباطح والمشاعر والصفا      والـبيت  ذي الأسـتار والأركـان
يـا  خـامساً لذوي الكسا فصبغ ما      لاقـيـته  ثـوب الـسقام كـساني
ومـشير رأسـك بـالدما مـخضبا      مـنه  الـمشيب عـلى سنان سنان
وأذاب  قـلـبي ثـم صـعده دمـاً      مـن مـقلتي كـالسيل في الجريان
لـنسائك  الـلاتي يـسقن حواسراً      يـسـترن  أوجـهـهن بـالأردان
ولـقتل  اسـرتك الـتي جادت بأن      فـسها  عـليك كـمسلم مـع هاني
وكـذلك  مـن جعلوا وجوههم وقى      لـك مـن سـهام عـصابة البهتان
أضحوا بعرصة كربلاء صرعى وأم      ســوا فـي نـعيم دائـم وأمـان
فـي  جـنة يـسقون من بعد الظما      فـيها كـؤوساً مـن يـد الـولدان
مـن  سـلسبيل فـي مـنازل جنة      مـحـفوفة بـالـروح والـريحان
يـا  راكـباً يـطوي الفلاء بجسرة      كـالدال  فـي بـيد بـغير تـوان
عـج  بـالطفوف مقبلاً أزكى ترى      مـن حـبه فـرض عـلى الأعيان
سـبط الـنبي وخامس الأشباح وال      مـخصوص بـالتطهير في الفرقان

( 409 )

هـدموا بـمقتله الـطغاة قواعد ال      اســلام والأحـكـام والإيـمـان
أبـلغه  عـني مـن سلامي ما زكا      واخـبره عـما سـاءني ودهـاني
مـن  فـرط أحـزاني لما لاقاه من      عـصب  الـضلالة من بني سفيان
قـوم  بـأنعم ربـهم كـفروا فـكم      قـصـدوا  نـبـي الله بـالشنئان؟
فـي  حرب خير المرسلين ورهطه      بـذلـوا عـنـاداً غـاية الامـكان
وعـليه فـي بـدر واحـد واجلبوا      بـمـضـمر ومـهـند وسـنـان
وجـرت  صـفوفهم بـصفين على      نـهج الالـى سـلفوا اولي الطغيان
حـتى إذا أكـلتهم الـحرب الـتي      يـروى مـواقعها مـدى الأزمـان
وعـليهم  زأرت اسـود هـريرها      لـما الـتقى فـي جـنحها الجمعان
دامـوا  فـراراً حين صاروا طعمة      فـيـها  لـكـل مـهـند ويـمان
ورأوا  دمـاء حـماتهم مذ أصبحوا      فـوق  الـصعيد كـمفعم الـغدران
رفـعوا  الـمصاحف حيلة وخديعة      مـذ  آل أمـرهم إلـى الـخسران
كـفروا  بـأنعم ربـهم فـغدوا لما      فـعـلوه  بـغـياً حـمة الـنيران
وعـلى ابـن هند عجلهم عكفوه ك      قـوم الـسامري الـغادر الـخوان
تـركوا  أخـص العالمين برتبة ال      هـادي  الـبشير بـشاهد الـقرآن
وبـنص أفـضل مـرسل ومـبلغ      وبـحـجة مـن سـاطع الـبرهان
وبـنوا مـعالم ديـنهم جـهلاً على      ابـن قـحافهم ثـم الـعتل الـثاني
فـأضـل  امــه أحـمد بـريائه      واسـامـها  فـي مـرتع الـبهتان
وأشـار بـالشورى فعاد الجور من      ه  مـكملاً والـعدل فـي نـقصان
حـتى إذا مـا قـام ثـالثهم وحـا      نـثـهم  ونـاكـثهم فـتى عـفان
جـعل الـعتل زمـامه بـيد العتي      د ابـن الـطريد حـميمه مـروان
وغـدا لـمال الله يـفرس جـاهداً      كـالذئب  عـاث بـثلة مـن ضأن

( 410 )

حـتـى إذا غـمر الأنـام بـظلمه      وتـبـرمت مـن حـكمه الـثقلان
أردتـه  بـطنته فـأصبح جـارعاً      كــأس الـمنية واهـي الأركـان
حـتـى  إذا قـام الـوصي بـعده      لــلـه لا نـكـس ولا مـتـوان
قـصـدته راكـبة الـبعير بـفتنة      يـذكي  ضـرام سـعيرها رجسان
حـتى إذا الـحرب العوان تحكمت      بـوقودها  مـن أنـفس الـشجعان
صـارا  طـعام عـوامل ومناصل      لـلعكس  قـد نـأيا عـن الأوطان
جـاءا  لنصر عصابة الشيطان فاخ      تـرما بـبطش عـصابة الـرحمن
يـا  فـرقة نـكثت عـهود نـبيها      وأتــت بـكـل مـنـافق فـتان
يـا  جند راكبة البعير ومن عصت      بـالـبغي أمــر الـحاكم الـديان
وأتـت مـن الـبلد الـحرام وقلبها      يـغلي  بـنار الـحقد والأضـغان
حـتى  إذا صـارت حـماة بعيرها      قـوتـاً  لـزائرها مـن الـسيدان
أبـدت خـضوعاً واسـتقالت عثرة      واسـتـسلمت  بـالذل والإذعـان
صـفح الـكريم بـحلمه عنها وأف      رشـهـا  مـهـاد تـحنن وأمـان
وأعـادها كـرماً فـعادت وهي ذو      عـقـل لـفـادح هـولها ولـهان
لـما اطـمأنت دارهـا قـفلت إلى      نـحو ابـن هـند ذا حـشاً مـلآن
واسـتنفرته فـسار بـالجيش الذي      رايـاته  نـصبت عـلى الـبهتان
فـهي  الـتي جعلت ضرام وقودها      أجـسـاد  قـادتها مـن الـفرسان
لـما أتـت بـقميص عـثمان علي      ه نـجـيعه كـالارجـوان الـقاني
دارت  رحـاء الحرب واشتبك القنا      مـن سـعيها واسـتقتل الـجيشان
والله  مـا خـذل الـوصي وقـتله      مـتـبتلاً  فــي طـاعة الـمنان
إلا  لـهـا فـيـه نـصيب وافـر      ولـسـان  بــاغ غـادر ويـدان
وكـذاك قـتل ابن الرسول ورهطه      دوح الـفـخار وأشـرف الأفـنان

( 411 )

لـم أنـسها يـوم الزكي وقد غدت      بـالـقول  تـنفث نـفقة الـثعبان
آلـيـت ألا تـدفنوا فـي مـنزلي      مـن  لـست أهـواه ولا يـهواني
يـا بـن أرذل تـيم مـرة خادم ال      تـيمي  نـجل زعـيمهم جـدعان
هـذي الـشجاعة مـن أبيك بخيبر      جـاءتـك تـرقل رقـلة الـفحلان
يـا  آل أحـمد إن جـزعت لثابت      فـي الـناس غـيركم فـما أشقاني
حـزني  عـليكم سرمداً لا ينقضي      مـا شـبه فـي الـقلب بـالسلوان
كـم  نـاصب عـلم الأذية لي بكم      أمـسـى لـلعن عـدوكم يـلحاني
ويـلسمني وقـراً إذا مـا ضل عن      لـعن الـطواغيت الالـى يـنهاني
عـن جاحدي نص الغدير وغاصبي      فـدكاً مـن الـزهراء ذات الـشان
سـت الـنساء وبـنت أكرم مرسل      شـرفـت  بـرفعته بـنو عـدنان
يـا  من مصابهم جميع مصائب ال      دنـيـا  وفـادح خـطبها أنـساني
أنـتم  عـياذي والـذي أرجـوهم      حـصناً إذا الـخطب الجسيم دهاني
وبـكم  ارجـي يـوم حشري زلفة      مــن خـالقي بـالعفو والـغفران
وإلـيه أفـزع مـن عـدو كـاشح      بـالـبغي يـقـصدني وبـالعدوان
إن يـعدني عـدواً عـليه يرى لها      مـتسربلاً  بـالخزي ثـوب هوان
ويـصـده  عـنـي بـذل شـامل      لـيـكون  مـعتبراً لـمن نـاواني
أو أن تـصبرني عـلى ما حل بي      مـن حـمقه وأضـر بـي ودهاني
ثـم  الـصلاة عـليكم مـا غردت      ورقـاء فـي دوح عـلى الأغصان
أو  حـركت ريـح الصباء صاعداً      نــاء عـن الأوطـان والـخلان

( 412 )

( 413 )

المجلس التاسع

مفتتحاً بالتعزية التي وسمتها بـ (مجرية العبرة ومحزنة العترة) قلتها بإذن الله، وتلوتها يوم التاسع في شهر المحرم الحرام على المنبر في جمع لا يحصى كثرة أجريت بها عيون المؤمنين، وأحزنت قلوب المتقين، وأخزيت من رام هظمي من الشانئين تجاه ضريحه الشريف، ومقامه المنيف، متقرباً بذلك إلى الله رب العالمين، ونبيه الأمين، ووليه سيد الوصيين، وآلهم الأئمة الطاهرين.

الخطبة:

الحمد لله الذي نور قلوب أوليائه بأنوار معرفته، وأظهر نفوس أصفيائه على أسرار حكمته، واختبرهم بالتكاليف الشاقة من حكمه لينالوا الزلفى من رحمته، وامتحنهم بالمحن السابقة في علمه، ليصلوا بها إلى جوار حضرته، وابتلى عباده بفرض مودتهم وجعلها ثمن جنته، وألزمهم بالتزام عروة عصمتهم وقرن طاعتهم بطاعته، فمن امتثل أمر الله بإخلاص وده لهم في سره وعلانيته، واستمسك بحبل ولائهم واعتقده سبباً منجياً في دنياه وآخرته، فقد استمسك بالعروة الوثقى من عفو ربه ومغفرته، وفاز بالسعادة العظمى يوم فقره وفاقته، ومن أخذ ذات اليمين وذات الشمال في معتقده ونحلته، واتبع غير سبيل

( 414 )

المؤمنين فيما ينظر من خبث سريرته، ولاه الله ما تولى وأحل به نكال عقوبته.

نحمده على ما وفقنا له من عرفان حقهم، والإقرار بفضلهم وصدقهم، والإستمساك بعروة عصمتهم، والإلتزام بحبل مودتهم، وتضليل من خالفهم بقوله وفعله، وتكفير من أجلب عليهم بخيله ورجله، والبراءة ممن تقدمهم غاصباً، وتحلى بغير اسمه كاذباً، ولعن من نصب لهم العداوة والبغضاء علانية وسراً، وتخطئة من رد مقالهم خفية وجهراً.

ونشكره إذ جعلنا من فضل طينتهم، وغذانا بلبان مودتهم، وجعلنا من ورق شجرتهم، وأسكن قلوبنا لذة معرفتهم، حبنا إياهم دليل على طهارة مولدنا، وبغضنا أعداءهم سبيل إلى إخلاص ودنا في معتقدنا.

نحمده على هذه النعمة الجسيمة، والمنة الوسيمة، اللاتي جهل الأشقياء عرفان قدرها، وقصر البلغاء عن تأدية شكرها، ونشهد أن لا إله إلا الله شهادة توافق بها قلوبنا ألسنتنا، ويوافق بها سرنا علانيتنا، ونشهد أن محمداً عبده ورسوله الأمين، وحبله المتين، وصراطه المستقيم، ونهجه القويم، صدع بالحق ناطقاً، وخبر عن الله صادقاً، تمم الله به الرسالة، وأيد بالمعجز مقاله، واختاره حاكماً بأمره، وموضعاً لسره، وشرفه بالاسراء إلى حضيرة قدسه، وجعل خطابه إياه ليلة المعراج انساً وشرفاً لنفسه، فهو أصل الشرف وفرعه، وبصر المجد وسمعه.

سرة البطحاء مغرس أصله، ومنكب الجوزاء مركب فضله، أروقة المفاخر على هامة عظمته مضروبة، وألوية المآثر على رفعة حضرته منصوبة، وظلال الشرف تتفيؤ على جلال نبوته، وحلال الكرم وقف على رتبته.

سلالة طود العلم فمنه تفجرت عيونه، ودوح المجد فعليه تهدلت

( 415 )

غصونه، أعرض عن الدنيا صفحاً، وطوى عنها كشحاً، وشمر عنها ذيلاً، ولم يرزء منها كثيراً ولا قليلاً، تحببت إليه فأبغض، وتشوقت نحوه فرفض، وتعرضت به فأعرض، وعلى نفسه وخاصته تركها أوجب وفرض، ولأدلتها نقض، ولحججها أدحض، ولم يزل صلوات الله عليه يحذر غرورها، ويخوف زورها،حتى نصبت له الغوائل، وأصمت منه المقاتل، وآذته في أهله واسرته، وأغرت سفهاءها بنيه وعترته، وغادرتهم بين قتيل ومطلول، وأسير مخذول، وطريد مشرد، ومسجون مصفد، تساق نساؤهم اسارى، على الأقتاب حيارى، بغير نقاب ولا جلباب، يطاف بهن في البلاد، ويتشرفهن الحاضر والباد، فلو أن عيناً بعدها كفت لعظيم ما وكفت، ونفساً تلفت لفرط ما تلهفت، وقلب انقطع بسيوف الحزن غماً، وروحاً فارقت جسدها كرباً وهماً، لم يكونوا في شرح الحقيقة ملومين ، ولا بين أرباب الطريقة مذمومين؟

فتفكروا في نبيكم ووليكم، وانهما الذين هم الوسيلة لكم إلى ربكم، كيف تجرأت لقتالهم بقايا الأحزاب، وتكالبت على استئصالهم أبناء الكلاب، وجردت عليهم من مناصلها وعواملها، وفوقت نحوهم سهامها ومعابلها، هذا خاتم النبيين وسيدالمرسلين إمام الدين، وقائد الخير ونبي الرحمة، وشفيع الامة، صاحب الحوض والكوثر، والناتج والمغفر، والخطبة والمنبر، والركن والمشعر، والوجه الأنور، والجبين الأزهر، والدين الأظهر، والنسب الأطهر، محمد سيد البشر، الذي لا يسامي في الفضل، ولا يساوي في المجد، ولا يجاري في حلبة الفخر، ولا يضاهى في رفعة القدر.

السبع الطباق ميدان سباقه، وسدرة المنتهى غاية براقة، و« سبحان

( 416 )

الذي أسرى» (1) حظو الرهان، « فَأَوْحَى‏ إِلَى‏ عَبْدِهِ مَا أَوْحَى» (2) خلعة المليك السلطان، ووضع له كرسي الكرامة في عالم الملكوت الأعلى، ونصب لأخمصه منبر الزعامة فوق طرائق السبع العلى، حتى رقى بقدم الصدق إلى أعلى مراقي الشرف، ونطق بلسان الحق في ذلك المقام المشرف، فخوطب في سرائره، ونودي في ضمائره: يا من أطلعته على سري المصون، وأيدته بكلامي المخزون « قُلْ يَاأَيّهَا النّاسُ إِنّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الّذِي لَهُ مُلْكُ السّماوَاتِ وَالْأَرْضِ لاَ إِلهَ إِلّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النّبِيّ الْأُمّيّ الّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتّبِعُوهُ لَعَلّكُمْ تَهْتَدُونَ» (3) فصدع بها ناطقاً، وأعلن بها صادقاً، فعندها جرى قلم القدرة على لوح المشيئة بيد المشيئة لرقم منشور نبوته، واثبت أرباب ديوان الصفيح الأعلى على قرطاس الشرف مسطور عموم ولايته.

الابتداء: « كَتَبَ اللّهُ لَأَغْلِبَنّ أَنَا وَرُسُلِي إِنّ اللّهَ قَوِيّ عَزِيزٌ» (4) الانتهاء: « ادْعُ إِلَى‏ سَبِيلِ رَبّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ» (5) باللفظ الوجيز.

لما علم قيوم الملكوت تسدده في ذاته وإخلاصه ختم بيد العظمة والقدرة مرقوم ولايته بمهر الخاصة، وأشهد على ذلك رهبان صوامع العالم الأقدس، وأمرهم بالتمسك في مقام الخدمة في ذلك المقام المقدس، جبرئيل عن يمينه يعضده، وميكائيل عن يساره يمجده.

(1) سورة الاسراء: 1.
(2) سورة النجم: 10.
(3) سورة الأعراف: 158.
(4) سورة المجادلة: 21.
(5) سورة النحل: 125.

( 417 )

ولما وضع تاج الكرامة على همته، وافرغت خلع العصمة على أعطاف نبوته، أثبت الكرام الكاتبون نسخة الميسور في رق منشور، متصل الثبوت إلى يوم النشور، يفخر اللوح المحفوظ بتقريره، ويزهر الكتاب المسطور بمسطوره، وتشرق السموات السبع بنوره، ويخضل كل أمير لشرف أميره، اعيد إلى قراره من البلد الحرام، بعد أخذ ميثاق ولايته على الخاص والعام، الروحانيون يتألمون لفراقه، والكروبيون مكتنفوا براقه، وجبرائيل آخذ بركابه، وميكائيل غاشيه دار جنابه، قد نشرت أعلام الفخر عليه، وسلمت مقاليد الجنة والنار إليه، وجعل مدار أمر الدنيا والآخرة في قبضة حكمه، وعلوم الأولين والآخرين كالقطرة في بحر علمه.

فما عسى أن أقول في وصف من (لولاك لما خلقت الأفلاك) حلة نبوته، والسفرة الكرام البررة من الأملاك ملازموا حضرته، وسموه بعزل السماك الأعزل سمو عن مقام رفعته، وعلوه يتبدل انباك المجرة علو بعالي همته، به قوام العالم، وله مقام السلطنة على بنى آدم، ناقل كل مجد رفيع مجده، ويخضع كل شريف لشرف جده، ويفخر الخليل بنبوته، وتشمخ جبريل بنبوته، وتفضل إسماعيل على إسرائيل بوصلته، ويمن اللطيف الخبير على الجم الغفير من خلقه ببعثته.

البائع نفسه من خالقه، الواضع سيفه على عاتقه، تلوذ الأبطال بجانبه إذا حمي الوطيس، وتعوذ الرجال بشجاعته إذا التقى الخميس بالخميس، سل عنه بدراً واحد إذا انزلت الملائكة المتوجون له جنداً.

لما قام داعياً إلى الله على بصيرة من أمره، مخلصاً في جهاد أعداء الله في علانيته وسره، قاطعاً في الله الأقربين من اولى أرحامه، واصلاً للأبعدين بآلائه

( 418 )

وإنعامه، تألبت على قتاله أحزاب الشيطان، وتكتبت لاستئصاله كتائب البهتان، وخلعت العرب أعنة الطاعة لأمره، ورامت خفض ما رفع إليه من قدره، وهد ما شد من أركانه، وهدم ما اسس من بنيانه، وإدحاض ما أوضح من حجته، وإخفاء ما بين من أدلته، وأبى الله إلا أن ينصر دينه، ويؤيد نبيه وأمينه.

ولم يزل صلى الله عليه وآله مجاهداً صابراً يتلقى حدود الصفاح بشريف طلعته، ويقابل رؤوس الرماح بزاهر بهجته، ويذل بشدة بأسه كل متكبر جبار، ويقل بشباء سيفه كل متغلب ختار، يباشر بنفسه الحتوف، ويتلقى بوجهه السيوف، حتى كسرت في احد رباعيته، وشجت لمناوشته القتال جبهته، وقتل في بدر واحد وحنين أهله واسرته، لم يثنه ثان عن نصرة دين الله، ولم يكن له في الخلق ثان في جهاد أعداء الله.

قال أميرالمؤمنين صلوات الله عليه : كنا إذا احمر البأس اتقينا برسول الله صلى الله عليه وآله، فلم يكن أحد منا أقرب إلى العدو منه. (1)

ولم يزل صلى الله عليه وآله يقاسي الأهوال في حروبه وغزواته، ويقطع الآجال بتواصل صولاته وعزماته، حتى قبضه الله إليه سعيداً، ودعاه إلى جواره شهيداً، موفياً ببيعته، موضحاً سبيل الحق بدعوته، ولما نقله الله إلى جواره وقبضه إليه واختاره اشتد البلاء على ذريته، وضاق الفضاء بعترته، ورمتهم عصب الباطل بسهام نفاقها، وأصمت منهم المقاتل بمعابل شقاقها، وجحدت نص الغدير ولم يطل العهد، وضللت الهادي البشير ولم تخلف المعتمدة (2)،

(1) انظر: بحار الأنوار: 16/117 و 121 و 232 و 254 و 340، وج 19/191 ح 44، وج 72/5.
(2) كذا في الأصل.

( 419 )

ووضعت الحق في غير محله، ونكثت ما عاهدت عليه الرسول في أهله وأظهرت فيهم الأجناد، ورمتهم عن قوس واحدة دون العباد، ومنعت الزهراء نحلتها من والدها، وردت شهادة شاهدها، ولطموا خدها وخلوا جدها، حتى ماتت بغصتها من قولهم وفعلهم، وأوصت أن تدفن ليلاً من أجلهم.

يا ويلهم مما ارتكبوا من ظلم آل نبيهم، واحتقبوا من غصب حق وليهم، جعلوا الضرير يقود مبصرهم، والضليل الشرير حبرهم وخيرهم، والكذوب على الله ورسوله زعيمهم وصديقهم، الظلوم لآل وليهم وفاروقهم، فضلوا وأضلوا، وزلوا وأزلوا، وسلكوا منهاج الشرك، وأظهروا كلمة الكبر، وارتدوا عن الدين الحنيف، وباعوا الآخرة بالنزر الطفيف.

فأبعدهم الله كما بعدت ثمود، وأوردهم النار وبئس الورد المورود، ذلك بأنهم اتخذوا آيات الله هزواً ولعباً، وافتروا على الله كذباً، فأبوا شر مآب، ونكصوا على الأعقاب، حتى إذا اكملت العدة، وانقضت المدة، وأرهقتهم سعور وقدموا على ما قدموا من موبقات الذنوب وتكدر من دار غرورهم ما راق وصفا، ورأوا المجرون النار فظنوا أنهم مواقعوها ولم يجدوا عنها مصرفاً.

قد تهيأت ملائكة العذاب لعذابهم، وسجرت دركات النيران لعقاقهم، وحاق بهم ما كانوا بهم يستهزئون، وردوا إلى الله مولاهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون، وشاهدوا كتاب عملهم قد أحصى ما اقترفوه حساباً وعدواً قالوا: يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها؟! ووجدوا ما عملوا حاضراً ولا يظلم ربك أحداً هنالك تشتمل أعناقهم الأغلال بجوامعها، وتنتابهم الزبانية بمقامعها، ويلقون في شر سجن يشرف عليهم إبليس فيلعنهم، وتطلع إليهم عبدة الأوثان فتوبخهم، لا فترة من ريحة عقابها، ولا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها.

( 420 )

لم يرض وليهم وفاروقهم، بل جبتهم وطاغوتهم بتقلد عارها في دار الفناء، حتى احتقبه وزرها إلى دار البقاء، وأفضى بوصيته إلى من ضارعه من أهل النفاق، وتابعه من اولي الشقاق، بقتل ذرية نبيهم، والانتقام من عترة وليهم، وألا يقتلوا عترتهم، ولا يرحموا عبرتهم، فنسجوا على منواله، واقتدوا بأفعاله وأقواله، وقتلوهم تحت كل كوكب، وذهبوا بهم كل مذهب.

فلا أنس وإن نسيت، ولا يعزب عن علمي ما حييت، قائدة الفتنة، وقاعدة المحنة، ابنة رأس الظلمة، وأساس الآثمة، أول باغ بغى في هذه الامة، وأخبث طاغ طغى وأحل بآل الرسول ظلمه، يخب بها جملها من البلد الحرام، قد أجلبت بخيلها ورجلها على علمة الإسلام، وإمام الأنام، أفضل من صلى وصام، وأجمل من نام وقام، وأكمل من دق ودرج، وأتقى من ولج وخرج، قصام الأصلاب إذ تضرم الوقائع نارها، وقسام الأسلاب حين تضع الحرب أوزارها.

شقيق النبي في المجانسة، ورفيقة في المجالسة، ومساوية في الحقيقة، ومواليه في الطريقة، ونفسه في المباهلة، وسيفه في المصاولة، وعليه الأعلى، ووليه الأدنى.

أعبد العباد، وأزهد الزهاد، وبدل الأبدال، ومنكس الأبطال، يقط الأصلاب إن بارز، ويجز الرقاب إن ناجز، يمشي إلى الحتوف مشياً سجحاً، ويبدي للضرب وجهاً سمحاً، يخطر في الحرب والمنايا أليفة سيوفه، ويشمر للضرب والبلايا طلائع صفوفه.

كم قصم قفاراً يدي قفاره؟ وكم جندل مغواراً بشباء غراره؟ وكم افترس

( 421 )

أسداً بثعلب رمحه؟ وكم فل عدداً بمبين فتحه؟ وكم أغنى عائلاً بعد سوء حاله؟ وكم آثر سائلا بقوته وقوت عياله؟

كالبدر المنير وجهه عند السؤال، وكالبحر الغزير كفه عند النوال، وكالشمس الطالعة عند حل المشكلات، وكالهضبة المانعة عند حلول المعضلات، وحلة إمامته « إنما وليكم» (1)، وحلية زعامته « قل لا أسألكم» (2)، وجبريل في وقائعة مكتب كتائبه، وميكائيل في حروبه يعجب من ضرائبه.

فهو علم الإسلام، وعالم الأنام، وحبر الزمان ، وحبوة المنان، من تمسى بإمره المؤمنين سواه فالتراب بل الكثكث بفيه، ومن انتمى في الشرف إلى غير علاه فالوبل والنكال له وفيه، فما عسى أن أقول في وصف سيد نفسه نفس سيد الأنبياء، وعرسه سيدة النساء، وغرسه أئمة الهدى، وشجرته من دوحة الأصفياء، راهب الليل ، ومجاري السيل ، ومدوخ كل عنيد ، ومشدخ كل صنديد ، صاحب بدر واحد وقاتل عمرو بن ود، ضربته يوم الأحزاب تعادل عمل الامة إلى يوم الحساب.

هـو الامـام الـذي مـا شـانه نـجل      ولا  نـبـي قـلبه عـن قـرنه فـشل
مـن وجـهه قـمر فـي لـحظه قـدر      فـي  سـخه أجـل مـن عـفوه أمـل
إذا مـشى الـحين والـسيف فـي يـده      حـسبت  بـدر الـدجى فـي كفه زحل

(1) سورة المائدة: 55.
(2) سورة الشورى: 23.

( 422 )

مـا زال في الأرض أبطال فمنذ نشأ ال      وصـي  أبـطلها يـوم الـوغى بـطل
يـنبي  بـبدر فـقال الـمبصرون لـه      جـلاله  مـلك ذا الـشخص أو رجـل
سـل  سـلة الـبيض مـن سـل النفو      س بـها مـن تـخطت به الخطية الذبل
تــراه  يـقـطع آجــال الـكماة إذا      مـا  واصـل السيف ضرب منه متصل
حـسـامه  يـنثني مـن عـند هـزته      كـأنـه  مــن طـلى أعـداءه ثـمل
لـلسيف فـي يـده ضـحك ولـيس فم      ولـلـرؤوس  بـكـاء مـنه ولا مـقل
سـائل  بـه فـي الوغى والموت يقذفه      والـرعب مـقتبل والـضرب مـختبل
والبيض إن واصلت بيض الرؤوس ترى      لـها الـرؤوس عـن الأجـساد تـنتقل
والـمـشرفية عـند الـضرب مـشرفة      والـسـمهرية  عـند الـطعن تـشتعل
والـخيل  راكـعة فـي الـنفع سـاجدة      لـها  مـن الـدم ثـوب مـسبل خظل
والـلـيل نـقع وهـاتيك الأسـنة قـد      يـلـمعن فـيـه نـجوم ثـم او شـعل
هـنـاك  تـلقى بـه سـيفاً بـمضربه      جـهل  عـلى مـعشر لـلحق قد جهلوا

( 423 )

خطبة مشتملة على السور القرآنية:

ذاك صديق النبي الأكبر، ووصيه الأطهر، أبي شبير وشبر، المسمى بحيدر، وما أدراك ما حيدر؟ هو الكوكب الأزهر، بل القمر الأنور، الذي فضائله في فاتحة الذكر مذكورة، ومناقبه في ام الكتاب مسطورة، « وَمِنَ النّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللّهِ» (1) في سورة البقرة بفضله قاطعة، وفي آل عمران رجالاً ونساء لشرف رجاله ونسائه خاضعة، ووجوه المحامد مصروفة إلى مائدة إنعامه، وأعراف أنفاله، والبراءة من النار لا تكتب إلا للمخلص بولائه وولاء آله، ويونس في الظلمات دعى ربه بجاهه وحقه، وهود يوم الطاغية توسل بإخلاصه وصدقه، ونجى به يوسف من كيد إخوته لما أرعدوا وأبرقوا، « وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبّ» (2) وبينه وبين أبيه فرقوا، وصارت النار برداً وسلاماً على إبراهيم لكونه في صلبه، ولا جلس من حجر إلا من حرها، « وأتى أمر الله» (3) إليه بوجوب حبه.

وكشف الجليل سبحانه ليلة الاسراء لنبيه الحجب من الملكوت الأعلى حتى شاهد من وراء الحجب جلال بهجته، وأنزل عليه الكتاب « وَلَمْ يَجْعَل لّهُ عِوَجا«1» قَيّماً» (4) بفرض إمامته، وضربه مثلاً كابن مريم فأذعن من أذعن، وصد

(1) سورة البقرة: 207.
(2) سورة يوسف: 10.
(3) سورة النحل: 1.
(4) سورة الكهف: 1.

( 424 )

من صد، وفضله نبينا طه على سائر الأنبياء، فقبل من قبل، ورد من رد، وائتمنه صلى الله عليه وآله على تأدية براءة يوم الحج الأكبر وأن يفيد إلى المشركين عهدهم، فأقر الله عيون المؤمنين في ذلك اليوم بنور فرقانه، وأعلى مجده وأثنى عليه في محكم تنزيله.

فما عسى أن يقول البلغاء والشعراء في وصفه، وآتاه ملكاً يفوق ملك صاحب النمل وأيده بلطفه، قصص الذكر في بدر واحد بذكر شجاعته ناطقة، وأحاديث مصير دين الشرك كالعنكبوت يوم كسرة الأصنام صادقة، وللذكر موافقة، بطلت أبطال فارس والروم عند ذكر شدته وقوته، وغدت حكمة لقمان كالقطرة في اليم في جنب حكمته، وامرت أحكام البلاغة بالسجدة لكعبة بلاغته.

كم سبا بفاطر حسامه في حروبه من المشركين ذرية ونساء؟ وكم أباح الله للفقراء والمساكين من فيض أكفه ثراء وغناء، « وَكُلّ شَيْ‏ءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ» (1) راية مجده، « وَقِفُوهُمْ إِنّهُم مّسْؤُولُونَ» (2) في سورة الصافات آية عهده.

كم صاد بثعلب رمحه في حروبه أسداً، وفرق زمراً؟ وكم أغنى بطوله عائلاً، وآثر فيه من صنائعه أثراً؟ في الذكر الحكيم آيات مناقبه فصلت، وفي سورة الشورى تفاصيل مراتبه اجملت، زخرف حج أعدائه كالدخان يعلو ثم يذهب جفاء، وأعلام شريعته تسمو إذ غيرها تصير هباء.

لما جعله سبحانه صاحب أحقاف الأعراف في الاخرى، وأيده في قتاله.

(1) سورة: يس : 12.
(2) سورة الصافات: 24.

( 425 )

بالفتح، وأسكنه حجرات الرئاسة الكبرى، صار ملكه شاملاً بسيط بساط الأرض من قاف إلى قاف، وسلطان أعدائه كرماد اشتدت به الذاريات بشدة الاعصاف، فضل صاحب طور سيناء في جنب فضله كفضل النجم بالنسبة إلى القمر، وواقعة سيفه إلى الايمان بالرحمن أشهر من أن تشهر، كالحديد قلبه في مجادلة عصب الضلال، وكالبحر كفه لكن فيضه بالعذب الزلال.

شفيعنا إلى ربنا في حشرنا، ومعاذنا يوم معادنا ونشرنا، قلوبنا ممتحنة بحبه إذ اوقفنا كصف الجمعة بين يدي إلهنا، وصار المنافقون في تغابن إذ نرى مقام إخلاصنا، لما التزم صلوات الله عليه بطلاق الدنيا وتجرعها على نفسه آتاه الله ملكاً عظيماً وأيده بروح قدسه، وأجرى قلم القدرة على لوح المشية بدوامه إلى حين حلول الحاقة الكبرى، وزاده ذوالمعارج بسطة في العلم والجسم فما أحقه بالمجد وأحرى، سأل نوح ربه بحقه فنجى من الطوفان والغرق، وإليه يفزع الجن والإنس إذا حسرت الأنام والجم الخلق العرق، جعل المزمل المدثر بأمر الله الرئاسة العامة فيه وفي نجله إلى حين حلول القيامة الطامة، يوم ينظر الانسان ما قدمت يداه (1) من ولائه وحبه، وترى مرسلات العذاب آخذة أعداءه إلى النار بإذن ربه، فهو النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون (2)، والعهد المأخوذ في عالم الذر فهم عنه مسؤولون.

فيا حاسد صيرت مدائحي له روحه في النازعات وقلبه أعمى، وكورت إنسان بصره عن ضوء شمس الحق أعشى، بلت كبدك إذا السماء انفطرت من رائق شعري، وعيناك إذا النجوم انكدرت من فائق نثري، رمت تطفيف

(1) إشارة إلى الآية: 40 من سورة النبأ.
(2) إشارة إلى الآية: 2 و 3 من سورة النبأ.

( 426 )

مكيال فصلي فانشقت هامة فؤادك، وتبرجت في بروج تيهك فهوى طارق مرادك، رمت أن تكون الأعلى على جواد فصاحتي فصرت حامل الغاشية، وأردت إخفاء فجر بلاغتي فصارت حمقتك في البلد فاشية.

لما أشرقت شمس فضلي كاشفة ليل الضلال بضحاها، انشرحت صدور المؤمنين فما أحلاها في قلوبهم وأجلاها، وما عسى أن أقول في وصف من التين والزيتون بفضله نطقت، والدنيا والآخرة لذريته خلقت؟ ناداني ربي في سرائري: « اقْرَأْ بِاسْمِ رَبّكَ الّذِي خَلَقَ» (1)، وانطق بمدح وليك فما أعلى قدر من يمدحه نطق، بينه دعواك جنة لذي معدلة، وأقدام أعدائك عن طريق الحق مزلزلة، لا تخف عاديات قارعتهم فهم الذين ألهاهم التكاثر وحب الرئاسة، وفتنتهم عصر الدنيا وطلب النفاسة، حتى صار كل منهم همزة لمزة قد جمع مالاً وعدده، يحسب أن ماله أخلده (2)، « أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ» (3).

لما على ربهم تكبروا؟ أما سمعوا ما حل بقريش لما على نبيهم تجبروا؟ صار ماعون شركهم مكفو في بدر بكف صاحب الكوثر، وناداهم الحق سبحانه، سحقاً لمن أصر على الجحد بصاحب الفتح في الأحزاب وخيبر، وتباً لمن نازع من فضله من أهل التوحيد وفضله من فلق الصبح أشهر، وأضحى مقدماً عليه في الناس من لا يعادل شسع نعل عبده قنبر.

هذه الذي أوردت ذرة من طود دلائله، وصببت قطرة من بحر فضائله،

(1) سورة العلق: 1.
(2) إشارة إلى الآيات: 1 ـ 3 من سورة الهمزة.
(3) سورة الفيل: 1.

( 427 )

وذكرت قليلاً من كثير من حلائل مناقبه، وأسمعت نزراً من غزير من فواضل مراتبه، هوالذي أجلبت المدعوة بامكم على حربه، وكشفت عن ساق عداوته وثلبه، ونكثت بيعته، وقتلت شيعته، وخالفت أمر ربها وبعلها، وأجلبت على هدم الإسلام بخيلها ورجلها، فلعنة الله على فرعها وأصلها وقومها وأهلها، أجلبت على حرب أشرف العالمين قبيلاً وأقومهم قيلاً، الذي من استمسك بحبل ولائه فقد ابتغى إلى ذي العرش سبيلاً (1)، الذي أنزل الله فيه وفي أهل بيته « رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مّن قَضَى‏ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدّلُوا تَبْدِيلاً» (2).

عن رسول الله صلى الله عليه وآله: يا علي، ما ينتظر أشقى هذه الامة فيضربك على هامتك ضربة يخضب منها لحيتك؟

وروي أيضاً عنه صلى الله عليه وآله: يا علي، كأني بك وأنت قائم تصلي لبرك وقد انبعث أشقى الأولين وأشقى الآخرين، شقيق عاقر ناقة ثمود، فضربك على هامتك ضربة خضب منها لحيتك.

قال أميرالمؤمنين: فقلت: يا رسول الله، أفي سلامة من ديني؟

قال: نعم، في سلامة من دينك.

يا علي، من قتلك فقد قتلني، ومن أبغضك فقد أبغضني، ومن سبك فقد سبني، لأنك مني وأنا منك، طينتك طينتي، أنت أبو ولدي، وخليفتي على امتي في حياتي وبعد موتي، اقسم بالله إنك أميرالمؤمنين وحجة الله على

(1) إشارة إلى الآية: 42 من سورة الاسراء.
(2) سورة الأحزاب: 23.

( 428 )

الخلق أجمعين (1).

روي أن أميرالمؤمنين قال لابنته ام كلثوم ليلة ضرب: يا بنية، إني أراني قل ما أصحبكم.

قالت: وكيف يا أبتاه؟

قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يمسح الغبار عن وجهي ويقول: يا علي، لا عليك لا عليك، قضيت ما عليك.

قالت: فما مكثنا حتى ضرب تلك الليلة.

وفي رواية أنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله يشير إلى بكفه: يا علي إلينا إلينا، فما عندنا خير لك (2).

ولما فاز صلوات الله عليه بدرجة الشهادة، وحاز دوحة السعادة، قال مولانا وسيدنا السبط التابع لمرضاة الله:

أيـن مـن كان لعلم ال      مصطفى في الناس بابا؟
أيـن مـن كـان إذا ما      أقـحط الـناس سحابا؟
أيـن  مـن كان إذا نو      دي فـي الحرب أجابا؟
أيـن  مـن كـان دعاه      مـستجاباً  ومـجابا(3)

غيره:

(1) انظر: الأحاديث الغيبية: 1/53 ح 23. وقد تقدم مثل هذا الحديث في المجلد الأول.
(2) انظر: الأحاديث الغيبية: 2/137 ح 431.
(3) مناقب ابن شهراشوب: 3/313.

( 429 )

قـام  فـي الـمحراب لله يناجي      فانبرى أشقى الورى نجل الزيوف
فـلق الـهامة مـن خـير وصي      فـاز بـالزلفة في الشهر الشريف
وأذاقــوا الـفتى الـسم عـمداً      لـعنة الله عـلى الرجس المديف

* * *

يـا  آل أحـمد مـاذا كان جرمكم      فـكل أرواحـكم بـالسيف تنتزع
تـلقى  جـموعكم صرعى مشتتة      دون الأنام(1) وشمل الناس مجتمع
وتـسـتباحون  أقـماراً مـنكسة      تـهوى وأنفسها(2) بالسمر تنتزع
مـا  لـلحوادث لا تعنو بظالمكم؟      مـا  للمصائب عنكم ليس ترتدع؟
مـنكم  طـريد ومقتول على ظمأ      ومـنكم دنـف بـالسم مـنصرع
ومـن مـحرق جـسم لا يزار له      قـبر ولا مـشهد يأتيه مرتدع(3)

* * *

يـا  آل بـيت محمد وجدي بكم      قـد  قـل عنه تصبري وتجلدي
مـا لـلمصائب أنشبت أظفارها      فـيكم فـبين مـطرد ومـشرد؟
مـن كـل نـاحية عـليكم نائح      يـنـعاكم  فـي مـأتم مـتجدد
مـن ذا أنوح له ومن أبكي ترى      تـبعاً لـكم يـا آل بـيت محمد

(1) في المناقب: بين العباد.
(2) في المناقب: وأرؤسها.
(3) الأبيات للزاهي، المتوفى سنة 352 هـ، أخرجها المحمودي في زفرات الثقلين: 2/42 عن مناقب ابن شهراشوب: 2/214.

( 430 )

أعـلى قـتيل الملجمي وقد ثوى      مـتخصباً بـدمائه فـي المسجد
أم لـلذي لـلسم اسـقي عـامداً      أم لـلغريب الـنازح الـمتفرد؟
أم  للعطاش مجندلين على الثرى      مـن  كـل كـهل سيد ومسود؟
أم  للرؤوس السائرات على القنا      مثل البدور إذا سرت في الأسعد؟
أم لـلسبايا مـن بـنات مـحمد      تـسبى  مهتكة كسبي الأعبد(1)

وثن بابنة آكلة الأكباد الزنيم الطاغي، وابن هند الأثيم الباغي، رأس العصابة الأموية، وابن الفاجرة البغية، كيف أجلب على حرب أميرالمؤمنين، وقتل أعلام المهاجرين الأولين، ووسم غير إبله، وخالف الله ورسوله بقوله وعمله، ثم دبر في قتل سبط المصطفى، وقرة عين سيدة النسا، وأداف له قواتل سمومه، ولم يحسن الله في حديثه وقديمه، بعد أن فرق جموعه بتدبيره ومكره، وأفسد جنوده بذهابه وغدره؟

وأعانه على ذلك قوم ظاهرهم الوفاق، وباطنهم النفاق، غرتهم الدنيا بزينتها، واستهوتهم بزهرتها، فباعوا الآجلة بالعاجلة، والعالية بالسافلة، ونكثوا عهده، وأخلفوا وعده، ولم يحفظوا النبي في عترته، ولم يراعوا الوصي في اسرته، وانتهبوا ثقله، وراموا قتله، وأظهروا ما كان من غدرهم مصوناً،

(1) مناقب ابن شهراشوب: 2/216. والأبيات لابن حماد العبدي.

( 431 )

ومن حقدهم مكنوناً، وأطلع الله وليه على ما دبروا، وحاق بهم سيئات ما مكروا، فمال صلوات الله عليه إلى إظهار الهدنة، وإطفاء الفتنة، لعدم الناصح، وقلة المناصح، وحقناً لدماء ذريته وذويه، وظناً بالمخلصين من شيعته وشيعة أبيه، وعاد إلى حرم جده وقد حصل ما حصل، وعاد بدار الهجرة وهو أعلم بما فعل، كل ذلك وابن هند يدبر في إهلاكه، وينصب له أشراك كفره وإشراكه، حتى قضى صلوات الله عليه شهيداً سعيداً، مظلوماً مسموماً، قد انتهكت حرمة الرسول بانتهاك حرمته، وعظمت مصيبة البتول لعظم مصيبته.

يـا خـير مـبعوث وأكـرم مرسل      أضـحى  لـدين الـحق فينا شارعاً
لـو  أن عـينك عاينت بعض الذي      بـبنيك  حـل لـقد رأيـت فظائعا
أمـا  ابـنك الـحسن الـزكي فإنه      لـما مـضيت سـقوه سـماً نـاقعا
فـفروا  بـه كـبداً لـديك كـريمة      مـنـه  وأحـشـاء لـه وأضـالعا
وسقوا حسيناً في الطفوف على الظما      كـأس الـمنية فـاحتساها جـارعا
قـتلوه عـطشاناً بـعرصة كـربلا      وسـبوا  حـلائله وخـلف ضـائعا
جـسداً  بـلا رأس تمد على الثرى      رجـلاً بـه وتكف اخرى نازعا(1)

( 432 )

قيل: لما بلغ معاوية موت الحسن عليه السلام سجد وسجد من حوله، وكبر وكبروا معه، فدخل عليه ابن عباس بعدها، فقال معاوية: يا ابن عباس، أمات الحسن أبومحمد؟

قال: نعم، رحمة الله وبركاته عليه وعلى روحه وبدنه، وبلغني تكبيرك وسجودك، أما والله لا يسد جثمانه حفرتك، ولا يزيد انقضاء أجله في عمرك.

قال: أحسبه ترك صبية صغاراً ولم يترك عليهم كثير معاش.

فقال: إن الذي وكلهم إليه غيرك، وكلنا كنا صغاراً فكبرنا.

قال معاوية: فأنت تكون سيد القوم بعده؟

فقال: أما وأبوعبدالله الحسين حي، فلا. (2)

يا  ابن بنت المصطفى      وابن الوصي المرتضى
بــك حـزني مـاله      حـتى  مـماتي انقضا
كـان ودي لـو أكـن      مـنك  بروحي عوضا
فـيـمن  الله عـلـى      رمـسك  بـرد ورضا

وإذا ما مر ذكر الواقعة العظمى، والمصيبة الكبرى، وما مر بعرصة كربلاء بذرية المصطفى، ففرغ نفسك ـ أيها المؤمن ـ لقيام المآتم، واستفرغ غرب

(1) مناقب ابن شهراشوب: 4/43، زفرات الثقلين: 2/7، وليس فيهما البيت الأول. والأبيات للصقر البصري.
(2) مناقب ابن شهرا