1439 / جمادی‌الآخرة / 4  |  2018 / 02 / 21         الزيارات : 570450         صلاة الصبح |         صلاة الظهر والعصر |         صلاة المغرب والعشاء |

ثمرات الأعواد ج 1

{ علي بن الحسين الهاشمي النجفي الخطيب }
ثمرات الأعواد ج 1

المؤلف في سطور

هو الخطيب البارع والأديب اللامع المغفور له السيد علي ابن الحسين الهاشمي النجفي عطر الله تربته وعلى في الجنان رتبته.

ولد ـ كما ذكر ذلك من ترجم له ـ في عاصمة العلم والدين النجف الأشرف على مشرفها آلاف التحية والثناء عام 1326 هجرية وفيها نشأ وترعرع.

تلقى رضوان الله عليه تحصيله العلمي تحصيله العلمي ودراسته الدينية على أيدي استاتذة مبرزين معروفين كان من بينهم:

1 ـ السيد مهدي الأعرجي.

2 ـ الشيخ علي ثامر.

3 ـ الشيخ علي كاشف الغطاء

تلقى مبادىء الخطابة على جملة من أماثل خطباء المنبر الحسيني الشريف منهم الخطيبان البارعان:

1 ـ السيد صالح الحلي

2 ـ الشيخ محمد حسين الفيخراني

وقد لازم الهاشمي الأخير ردحاً من الزمن حتى انفرد بنفسه.

لم يكن المترجم له خطيباً مفوهاً وكاتباً مبدعاً ومحققاً يشار إليه بالبنان فحسب، بل كان طاب ثراه وجعل الجنة مثواه بالإضافة إلى ما تقدم شاعراً مجيداً نظم الكثير من القصائد الممتعة والقطع الرائعة التي تكشف ولا شك عن شاعرية مرنة.

وبودي أن احيلك ـ قارىء العزيز ـ على كتابين جليلين لتقف من خلالهما على نماذج من شعره الرائق وهما:

1 ـ شعراء الغري للشيخ علي الخاقاني.

2 ـ معجم الخطباء للسيد داخل السيد حسن

حيث حوى كل من الكتابين المذكورين ترجمة للهاشمي مع نماذج من شعره رحمه الله.

له عليه الرحمة والرضوان مؤلفات قيمة وكتب نافعة أستطيع القول أنها ملأت فراغاً في المكتبتين العربية والإسلامية، إليك أسماء بعض منها:

1 ـ الحسين في طريقه إلى الشهادة

( 4 )

2 ـ قبور الصحابة في العراق.

3 ـ عقيلة بني هاشم

4 ـ محمد ابن الحنفية

5 ـ شرح ميمية أبي فراس

6 ـ واقعة الجمل

7 ـ كميل ابن زياد النخعي

8 ـ موسى الكاظم عليه السلام

9 ـ الهاشميات ـ يضم هذا الكتاب ما بين دفتيه قسماً من شعره الدارج ـ .

10 ـ المطالب المهمة في تأريخ النبي والزهراء والأئمة.

11 ـ سعيد ابن جبير.

12 ـ ثمرات الأعواد وهو الكتاب الماثل بين يديك أخي القارىء ويعد هذا الكتاب المنيف من أشهر وأنفس مؤلفاته رحمه الله.

وقد طبع عدة طبعات في العراق وايران وغيرهما من البلدان غير أنه لم يكن في تلك الطبعات خالياً من الأخطاء والإشتباهات التحريف والتصحيف فعز ذلك على أخينا وعزيزنا خادم العترة الطاهرة الاستاذ الفاضل محمد صادق الكتبي دام علاه فطلب إلي مشكوراً أن أتولى مراجعة الجزء الثاني من الكتاب وأن ارجع ما ورد فيه من نصوص شريفة وأخبار منيفة إلى مصادرها فكان الذي أراد حيث أرجعت أغلب الأخبار وأكثر النصوص إلى منابعها الأصلية مع ذكر أرقام الآيات البينات وأسماء سورها وبيان اسم الشاعر الذي استشهد المؤلف بشعره ما وسعنى ذلك.

وهنا يجمل بي أن اشير إلى أن الجزء الأول من الكتاب كان قد تولى تحقيقه ومراجعته تجل المؤلف البار الأخ العزيز حجة الإسلام السيد رأفت الهاشمي وفقه الله لخير الدارين وسعادة النشأتين الا أن ظروفاً قاهرة حالت بينه وبين إتمام الجزء المذكور حيث انتهى به العمل إلى المجلس 47 فقمت بتحقيق ما تبقى منه والحمد لله.

استأثرت بروحه الرحمة الإلهية في الثالث والعشرين من شهر صفر من سنة 1396 هجرية في مدينة الكاظيمة المقدسة وحمل جثمانه الطاهر إلى النجف الأعلى حيث أقبر بجوار جده أميرالمؤمنين ومولى الموحدين علي بن أبي طالب عليه صلوات الله وتسليماته.

10 / ربيع الأول 1420

قم المقدسة ـ هادي الهلالي

( 5 )

المطلب الاول

في ولادة الحسين عليه السلام

ولد الحسين بن علي بن ابي طالب عليه السلام لثلاث ليال من شعبان (1) أو لخمس منه (2) , سنة اربع من الهجرة (3) , وكانت مدة حمله ستة اشهر , و لم يولد لستة اشهر , الا عيسى بن مريم و الحسين , و قيل : يحيى بن زكريا عليه السلام (4) .

و لما ولد الحسين عليه السلام هبط الامين جبرائيل على النبي صلى الله عليه وله وسلم و معه الف ملك يهنئونه بولادة الحسين عليه السلام , ثم جئ به اليه فأذن في أذنه اليمنى , و اقام في اليسرى , ثم حنكه بريقه , و غذاه من لعاب فمه , و دعا له (5) .

و روي عن الصادق عليه السلام انه قال : (لم يرتضع الحسين من ثدي فاطمة و لا من انثى , بل كان يؤتى به النبي صلي الله عليه واله و سلم فيضع ابهامه في فيه , فيمص منها ما يكفيه

(1) مسار الشيعه : 61 , مصباح المتهجد : 758 .

(2) ارشاد المفيد : 2/27 , مناقب ابن شهر اشوب : 4/76 , مقاتل الطالبين : 78, اسد الغابة : 2/18 , الفصول المهمة لابن الصباغ :170.

(3) انظر ما تقدم في (1) و (2) .

(4) انظر تاريخ الخميس :1/417 .

(5) مناقب ابن شهر اشوب : 4/82 .

( 6 )

اليومين و الثلاث , فنبت لحم الحسين من لحم رسول الله صلى الله عليه و اله وسلم و دمه من دمه ) (1) .

و عن ابي الحسن الرضا عليه السلام ( ان النبي صلى الله عليه واله وسلم كان يؤتى بالحسين فيلقمه لسانه , فيمصه فيجتزئ به , و لم يرضع من انثى ) (2) . و الى ذلك اشار الشاعر بقوله :

لـله مـرتضع لـم يـرتضع ابـدا      مـن  ثدي انثى و من طه مراضعه
يـعطيه  ابـهامه طـورا و اونـة      مـن  ريـقه فـاستوت منه طبائعه
سـر  بـه خـصه باريه اذ جمعت      و  اودعـت فـيه عـن امر ودائعه
غـرس سـقاه رسـول الله من يده      و طاب من طيب ذاك الاصل فارعه

نعم ما رضع الحسين عليه السلام عند ولادته من ثدي اثنى اربعين يوما وليلة , كما ذكر ذلك ابن شهر اشوب في المناقب . قال : اعتلت فاطمةعليها السلام لما ولدت الحسين و جف لبنها , فطلب رسول الله صلى الله عليه و اله وسلم مرضعة فلم يجد , فكان يأتيه فيلقمه ابهامه يمصها ويجعل الله في ابهام رسوله رزقا يغذيه (4) , ففعل ذلك اربعون يوما و ليلة , فانبت الله لحمه من لحم رسول الله صلى الله عليه و اله وسلم (5) .

و لما كان اليوم السابع سماه حسينا (6) و عق عنه كبشا , و امر امه ان تحلق

(1) اصول الكافي : 1 : 386/4 .

(2) المصدر السابق : ذيل الحديث .

(3) الأبيات .

(4) في المصدر زيادة : و يقال : بل كان رسول الله صلى الله عليه و اله وسلم يدخل لسانه في فيه , فيغره كما يغر الطير فرخه , فيجعل الله في ذلك رزقا .

(5) مناقب ال ابي طالب :4 / 57 .

(6) ذكر علي بن عيسى الاربلي عن عمران بن سليمان , قال : «ان الحسن و الحسين (إسمان ) =

( 7 )

رأسه و تتصدق عنه بوزن شعره فضة كما فعلت لاخيه الحسن عليه السلام , فأمتثلت ما امرها به النبي (1) .

و بقي مع جده رسول الله ثماني سنين , و مع ابيه امير المؤمنين عليه السلام ثمانية و ثلاثين سنة , و بعد اخيه الحسن عليه السلام عشر سنين (2) .

و كان حبيبا لرسول الله صلى الله عليه و اله وسلم , و قال ابن عباس : ( كان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يحبه و يحمله على كتفه و يقبل شفتيه و ثناياه (3) .

و ذكر في كتاب كشف الغمة ( لعلي ابن عيسى الاربلي ) , ( و ابن عساكر ) في التأريخ الكبير , عن ام الفضل لبابة الكبرى بنت الحارث (4) ـ زوجة العباس بن

= من اسماء اهل الجنة , لم يكونا في الجاهلية »

اقول : لم نعثر عليه في مصنف علي بن عيسى الاربلي ( كشف الغمة ) , و ذكره ابن عساكر في تاريخه في ترجمة الامام الحسن عليه السلام ,17 , و ذكره ايضا ابن سعد في ترجمة الامام الحسن عليه السلام : تحقيق العلامة المحقق الكبير عبد العزيز الطباطبائي رحمه الله من القسم غير المطبوع من كتاب الطبقات الكبير و الذي نشر في مجلة تراثنا (ع 11 ـ سنة 1408 هـ ) ص 128 , وفيه ايضا من عمران بن سليمان .

(1) الفصول المهمة لأبن الصباغ : 170 .

(2) .

(3) .

(4) لبابة بنت الحارث ابن حزن الهلالية , الشهيرة بأم الفضل , زوجة العباس بن عبد المطلب , انجت له سبعة منهم الفضل و عبدالله و عبيد الله و غيرهم , و يقال : انها اول امرأة اسلمت بعد مولاتنا خديجة الكبرى عليها السلام ( على قول ابن سعد ) , و كانت امرأة جليلة و لها موقف المؤرخون : و هم ضربتها ( لابي لهب ) بعمود الحجرة و شج رأسه , و مات بعدها على اثر تلك الضربة بسبعة ايام , و ذلك ردا عليه حين رأته يضرب ( ابا رافع ) مولى رسول الله صلى الله عليه و اله وسلم و حجرة زمزم بعد وقعة «بدر» , و كان رسول الله يكرمها و يزورها و يقيل في بيتها وروت عنه احاديث , انظر ترجمتها في : الاصابة 4 /398 ـ ( رقم: 942 ) و 4/483 ـ (رقم : =

( 8 )

عبدالمطلب ـ قالت : رأيت فيما يرى النائم كأن عضوا من اعضاء رسول الله صلى الله عليه و اله وسلم سقط في حجري فلما انتبهت اتيت الى النبي صلى الله عليه و اله وسلم و قلت له : يا رسول الله رأيت في منامي كذا وكذا ؛ فقال صلى الله عليه و اله وسلم : (خيرا رأيت يا أم الفضل , ستلد ابنتي فاطمة ولدا فترضعيه بلبن ابنك قثم) قالت : فولدت فاطمة الحسين فكفلته . قالت : و تركته يوما عند جده النبي صلى الله عليه و اله وسلم و مضيت لاتيه بماء , فلما رجعت وجدت النبي صلى الله عليه و اله وسلم يبكي فقلت له : بأبي انت و أمي مم بكائك؟ قال : (يا ام الفضل هذه جبرائيل يخبرني ان ولدي هذا يقتل , تقتله امتي , لا انالهم الله شفاعني يوم القيامة ). (1)

و لما اتت على الحسين عليه السلام سنة كاملة هبط على النبي صلى الله عليه و اله وسلم اثنا عشر ملك , محمرة وجوههم , و باكية عيونهم و قد نشروا اجنحتهم و هم يقولون :(يا محمد إنه سينزل بولدك الحسين بن فاطمة ما نزل بهابيل و قابيل , و سيعطى مثل اجر هابيل , و يحمل على قاتله مثل وزر قابيل) , و لم يبق في السماوات ملك الا و نزل على النبي صلى الله عليه و اله وسلم و يعرض عليه تربته , و النبي صلى الله عليه و اله وسلم يقول : (اللهم اخذل من خذله , و اقتل من قتله , و لا تمتعه بما طلبه) (2) .

و لما اتى على الحسين عليه السلام من مولده سنتان خرج النبي صلى الله عليه و اله وسلم في سفر له , فوقف في بعض الطريق ثم استرجع فدمعت عيناه , فسال عن ذلك , فقال صلى الله عليه و اله وسلم : (هذا جبرائيل يخبرني عن ارض بشط الفرات يقال لها كربلاء , يقتل فيها ولدي الحسين بن فاطمة ) ؛ فقيل له : يا رسول الله و من يقتله : قال صلى الله عليه و اله وسلم : «رجل يقال له

= 1448) , و الاستيعاب (بهامش الاصابة) 4/398 و 4/482 , و سيرة ابن هشام (طبعة الحلبي) :2/302 و 3/58, و الروض الانف : 2/78 , و الاعلام للزركلي : 5/239.

(1) تأريخ ابن عساكر : 14/114 و 196 و 197 و كشف الغمة : 2/7 , و الملهوف للسيد ابن طاووس رحمه الله :91 .

(2) مقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي : 1/163 , و الملهوف للسيد ابن طاووس رحمه الله 92 .

( 9 )

يزيد ( لا بارك الله في نفسه) (1) , و كأني انظر الى مصرعه و مدفنه» (2) .

و لما رجع من سفره صعد صلى الله عليه و اله وسلم على المنبر مهموما و مغموما , فخطب الناس ووعظهم و كان الحسن و الحسين عليهم السلام بين يديه , فلما فرغ من خطبته وضع يده اليمنى على رأس الحسن و اليسرى علي رأس الحسين عليهم السلام , ثم رفع رأسه الى السماء و قال : « اللهم ان محمدا عبدك و رسولك و نبيك , و هذان اطائب عترتي و خيار ذريتي , و ارومتي ومن اخلفهما في امتي , و قد اخبرني جبرائيل ان ولدي هذا مخذول و مقتول , اللهم فبارك له في قتله , و اجعله من سادات الشهداء , اللهم و لا تبارك في قاتليه و خاذليه».

قال الراوي : فضج الناس بالبكاء , فقال صلى الله عليه و اله وسلم اتبكونه و لا تنصرونه؟! ثم رجع و هو متغير اللون , محمر الوجه , فخطب خطبة اخرى موجزة و عيناه تهملان دموعا , ثم قال :

«ايها الناس اني مخلف فيكم الثقلين كتاب الله و عترتي اهل بيتي , فانهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض , و اني لا اسالكم في ذلك الا ما امرني ربي ان اسألكم , المودة في القربى , فانظروا ان لا تلقوني غدا على الحوض و قد ابغضتم عترتي و ظلمتوهم» (3) .

(1) زيادة اوردناها من المصدر .

(2) في المصدر زياده بعد (ومدفنه) : «بها و قد اهدي رأسه , و الله ما ينزر احد الى رأس ولدي الحسين فيفرح الا خالف الله بين قلبه و لسانه» . (يعني) : ليس في قلبه ما يكون بلسانه من الشهادة ...

(3) انظر مقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي :1/164 , و للخبر بقية في المصدر . و ذكره السيد ابن طاووس في الملهوف : 7 , و ابن نما في مثير الاحزان : 17 , و عنه في البحار : 44 / 264 _ الحديث (46) .

( 10 )

و كان صلى الله عليه واله وسلم لا زال يوصي بعترته اذ انه يعلم ما يصيبهم من شرار أمته من بعده من قتل الرجال , و سبي العيال من بلد الى بلد , و ليته يرى ولده الحسين يوم عاشوراء و قد مثلوا به اهل الكوفة بكل مثلة , قطع الشمر رأسه , و بجدل اصبعه , و الجمال يديه , و اخذ ابن سعد درعه و سلبه ابحر ابن كعب ثوبه , و تركوه مجدلا عفيرا , كما قال السيد رحمه الله :

عفيرا متى عاينته الكماة     يختطف الرعب ألـوانها

تريب المحيا تظن السما     بأن على الارض كيوانها (1)

و قال الاخر :

عاري اللباس قطيع الرأس منخمد      الانفاس في جندل كالجمر مضطرم

(1) انظر اسرار الشهادات للفاضل الدربندي : 3 / 124 .

(2) و زينب عليها السلام كأني بلسان حالها :

(نصاري)

يبو روح العزيزة اشلون ساجم     ابهالشمسة وعلى التربان نايم

ثلث تيام عن المـاي صـايـم     عاري امگطع امخضب امعفر

(دكسن)

يخويه ابيش اضمك وين اوديك     يخويه اشلون اصد عنك و خليك

تراني اتحيرت يا مهجتي بـيك     يخويه ابيش اضلـلك عن الحـر

و لسان حال الحسين لشيعته :

(بحراني)

شيعتي كثر البـچه حـگي عـليكم و النحيب     شفتو مثلي بالخلگ مذبوح عطشان و تريب

و الچفن سافي ياشيعه و بالدمه شيبي خضيب      و الحراير نصب عيني من خدرها امشتته

(تخميس)

فان يمس فوق الترب عريان لم تقم     له ماتما تبكيه فـيه مـحارمه

فاي حشى لم يمس قـبرا لجسـمه     و في اي قلب ما اقيمت مأتمه

( 11 )

المطلب الثاني

في كرم الحسين عليه السلام

قال محمد ابن ابي طلحة الشافعي في (مطالب السؤول في مناقب ال الرسول) ؛ في الفصل السابع _ في كرم الامام الحسين عليه السلام و جوده :

قد اشتهر النقل عنه عليه السلام بأنه يكرم الضيف , و يمنح الطالب , و يصل الرحم , و ينيل الفقير , و يسعف السائل , و يكسو العاري , و يشبع الجائع و يعطي الغارم , و يشد من الضعيف , و يشفق على اليتيم , و يعين ذي الحاجة , و قل ان وصله المال الا فرقه (1).

و كان عليه السلام يقول : (شر خصال الملوك الجبن عن الاعداء , و القسوة على الضعفاء , و البخل على الاعطاء) (2) .

ذكر صاحب «عقد اللال في مناقب الال» : ان الحسين عليه السلام كان جالسا في مسجد رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم بعد وفاة اخيه الحسن عليه السلام و كان عبد الله بن الزبير جالسا في ناحية المجلس , و عتبة ابن سفيان (3) أخرى , فجاء اعرابي على ناقة فعقلها

(1) مطالب السؤول في مناقب ال الرسول: 2/28 .

(2) مناقب ابن شهر اشوب: 4/65 .

(3) عتبة ابن ابي سفيان : اخو معاوية لامه و ابيه , ولد على عهد الرسول صلى الله عليه و اله و سلم , يكنى ابا .

( 12 )

بباب المسجد و دخل , فوقف على عتبة بن ابي سفيان فسلم عليه فرد عليه السلام , فقال له الاعرابي : اني قتلت ابن عم لي , و طولبت بالدية , فهل لك ان تعطيني شيئا ؟ فرفع راسه الى غلامه و قال , ادفع اليه مائة درهم , فقال الاعرابي : ما اريد الا الدية تماما ؛ ثم تركه و اتى عبد الله ابن الزبير , و قال له مثل ما قال لعتبة , فقال عبدالله لغلامه : ادفع مائتي درهم , و قال الاعرابي : ما اريد الا الدية تماما , ثم تركه و اتى الحسين عليه السلام فسلم عليه , و قال : يابن رسول الله اني قلت ابن عم لي و قد طولبت بالدية , فهل لك ان تعطيني شيئا ؟ فقال : يا اعرابي نحن قوم لا نعطي المعروف الا قدر المعرفة , فقال : سل ما تريد ؟ فقال له الحسين : يا اعرابي ما

الوليد امه : هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد الشمس , و كانت تذكر في مكة بفجور و عهر ومن ذوات الرايات , و قالوا : ان عتبة كان يعزى الى الصباح ؛ مغن كان لعمارة ابن الوليد , و كان ايضا اجيرا لابي سفيان , و كان شابا وسيما , فدعته هند الى نفسها فغشيها: و قالوا ايضا : ان هند كرهت تضعها في بيتها , فخرجت الى اجياد فوضعته هناك , و في هذا المعنى يقول حسان بن ثابت ايام المهاجاة بين المسلمين و المشركين في حياة الرسول صلى الله عليه واله وسلم قبل عام الفتح :

لمن الصبي بجانب البطحا     في الترب ملقى غير ذي مهد

نـجلت به بـيضاء انسة      من عبد شـمس صلته الـخد

و في زمن خلافة عمر بن الخطاب ولاه عمر المدينة الطائف , و شهد يوم الدار مع عثمان , و شهد يوم الجمل مع عائشة و فقئت عينيه , و في زمن خلافة معاوية حج بالناس سنتين (41/42 هـ) , ثم ولاه معاوية زمنا على المدينة و الطائف و الموسم , و اخيرا ولاه مصر بعد وفاة عمرو بن العاص , فهلك هو الاخر و دفن فيها , و كان هلاكه في سنة اربع و اربعين , و قدمه الى مصر و توليه امرها كان سنة ثلاث و اربعين للهجرة .

انظر : الاستيعاب (بهامش الاصابة) : 3 /121 , رغبة الامل من كتاب الكامل : 4/33 و 8/153 ـ 271 , و النجوم الزاهرة : 1/122 , و الاعلام للزركلي : 4/200 , و شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد : 1/336 . و ديوان حسان بن ثابت : 157

( 13 )

النجاة من الهلكة ؟ قال : التوكل على الله عزوجل , فقال : و ما الهمة ؟ قال : الثقة بالله , ثم سال الحسين غير ذلك فاجابه الاعرابي , فامر الحسين بعشرة الاف درهم , و قال له : هذه لقضاء ديونك و عشرة الاف درهم اخرى , و قال : هذه تلم بها شعثك و تحسن بها حالك و تنفق منها على عيالك , فانشا الاعرابي و يقول :

طربت و ما هاج لي معبق      و لا لـي مقام و لا معشق
و لكن طربت لال الرسول      فـلذ  لي الشعر و المنطق
هم  الاكرمون هم الانجبون      نـجوم  الـسما بهم تشرق
سبقت الأنام الى المكرمات      و  انت الجواد و فلا تلحق
ابوك  الذي ساد بالمكرمات      فـقصر عـن سبقه السبق
به فتح باب الله باب الرشاد      و باب الفساد بكم يغلق (1)

و عن انس, قال : كنت عند الحسين عليه السلام فدخلت عليه جارية بيدها طاقة ريحان فحيته بها , فقال لها : انت حرة لوجه الله تعالى , فقلت له جارية تجيئك بطاقة ريحان فتعتقها ؟ فقال : كذا ادبنا الله فقال تبارك و تعالى : «وَإِذَا حُيّيتُم بِتَحِيّةٍ فَحَيّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدّوهَا » (2) و كان احسن منها عتقها (3) .

و جنى بعض مواليه بعض جناية توجب التأديب فأمر بتأديبه , فقال : يا مولاي قال الله تعالى : « وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ » (4) قال عليه السلام : خلوا عنه فقد كظمت غيظي, فقال : « وَالْعَافِينَ عَنِ النّاسِ » (5) فقال عليه السلام : قد عفوت عنك, قال : « وَاللّهُ يُحِبّ الْمُحْسِنِينَ» (6)

(1) عن مقتل الحسين للخوارزمي 1/155 (باختلاف يسير) .

(2) سورة النساء 4 : 86 .

(3) كشف الغمة 2/31 .

(4 ـ 6 ) سورة ال عمران 3 : 134 .

( 14 )

قال : انت حر لوجه الله تعالى , و أجازه بجائزة سنية (1) .

و ذكر «ابن عساكر» في تأريخه , قال : ان سائلا خرج يتخطى أزقة المدينة حتى اتى باب الحسين عليه السلام فقرع الباب و انشأ يقول :

لم يخب اليوم من رجاك ومن      حرك من خلف الباب بابك الحلقه

أنـت ذوالـجود انت مـعدنه     أبـوك قـد كان قاتـل الـفسقة

و كان الحسين واقفا يصلي , فخف من صلاته , فخرج الى العرابي فرأى عليه اثر ضر وفاقة , فرجع و نادى بقنبر فأجابه : لبيك يابن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم , قال : ما تبقى معك من نفقتنا ؟ قال : مائتا درهم أمرتني بتفريقها على اهل بيتك ؛ فقال عليه السلام : هاتها فقد اتى من هو احق بها , فأخذها وخرج يدفعها الى الاعرابي و انشأ عليه السلام يقول :

خـذها  فـأني الـيك مـعتذر      و اعـلم بـأني عليك ذو شفقه
ولو كان في سيرنا الغداة عصى      كـانت  سـمانا عـليك مندفقه
و لـكن ريـب الزمان ذو غير      والـكف مـني قـليلة الـنفقه

و من شعره المنسوب له عليه السلام :

ذا جاءت الدنيا بك فـجد بـها     على الناس طرا قبل أن تتفلت

فلا الجود يفنيها اذا هي اقبلت      ولا البخل يبقيها اذا هي ولت (2)

و جاء اعرابي اليه يوما فقال له : يابن رسول الله قد ضمنت دية كاملة و عجزت عن اداءها , فقلت في نفسي أسأل أكرم الناس وأنا ما رأيت اكرم من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه و اله وسلم أحد ؛ فقال الحسين عليه السلام : يا اخا العرب أسألك عن ثلاث

(1) كشف الغمة :2/31 .

(2) تاريخ ابن عساكر : 14/185 .

( 15 )

مسائل فان اجبت عن واحدة أعطيتك ثلث المال , وان اجبت عن اثنين أعطيتك ثلثي المال , وان اجبت عن الكل اعطيتك المال كله ؛ فقال الاعرابي : يابن رسول الله أمثلك يسأل مثلي و أنت ابن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم !! فقال الحسين عليه السلام : بلى سمعت جدي رسول الله يقول : «المعروف بقدر المعرفة» فقال الاعرابي : سل عما بدا لك , فان أجبت و الا تعلمت منك و لا قوة الا بالله , فقال الحسين عليه السلام : اي الاعمال افضل ؟ فقال الاعرابي : الايمان بالله , فقال الحسين عليه السلام : فما النجاة من الهلكة ؟ فقال الاعرابي : الثقة بالله , فقال الحسين عليه السلام : فما يزين الرجل؟ فقال الاعرابي : علم مع حلم , فقال عليه السلام : فان اخطأ ذلك ؟ قال : مال معه مروءة , فقال عليه السلام : فان أخطأ ذلك ؟ فقال : فقر معه صبر , فقال الحسين عليه السلام : فان أخطأ ذلك ؟ فقال الاعرابي: فصاعقة تنزل من السماء و تحرقه فأنه أهل لذلك ؛ فضحك الحسين عليه السلام و رمى اليه بصره فيها الف دينار ؛ وقيل و أعطاه خاتمه و قيمته مائة درهم ,وقال له : اعطي الذهب الى غرمائك و اصرف هذا الخاتم في نفقتك , فأخذ الاعرابي ذلك كله , وقـال : الله يعـلم حيث يجعل رسـالته (1) .

و كان للحسين عليه السلام ثلاث خواتم , الخاتم الاول : الذي اعطاه لهذا الاعرابي كما سمعت , والخاتم الثاني : الذي اعطاه لولده علي الكبر يوم عاشوراء , و قد رجع اليه من الحرب و هو يقول : أبه العطش قد قتلني , و ثقل الحديد قد الجهدني , فهل من شربة ماء من سبيل اتقوى بها على العداء ؟ فقال له الحسين عليه السلام : «يعز و الله على ابيك ان تدعوه فلا يجيبك , بني هات لسانك , فاخذ لسانه فمصه ودفع اليه خاتمه الشريف , وقال له بني امسكه في فيك و ارجع الى قتال عدوك» (2) فرجع

(1) مقتل الحسين للخوارزمي: 1/157.

(2) أسرار الشهادات للفاضل الدربندي: 2/641.

( 16 )

علي الكبر الى الحرب ... الخ . و اما الخاتم الثالث : فقد اخذه بجدل بن سليم الكلبي (1) و أقسم بالله لو أن بجدل طلب من الحسين عليه السلام هذا الخاتم لجاد به عليه كما جاد على ذلك الاعرابي , ولكن ابى اللعين الا فعل الاراذل , طلب قطعة سيف و حز به خنصر الحسين عليه السلام و قد جمد عليه الدم و استخرج الخاتم.

لهفي على تلك الأنامل قطعت      و لو انها اتصلت لكانت ابحرا (2)

(1) اسرار الشهادات للفاضل الدربندي : 3/124 .

(2)

(بحراني)

فـعل  بجدل يا خلق ما صار مثله او لا جرى      هـيج  احـزاني عليه و يفت گلبي امن اذكره
مـا كـفاه اتـقطعت اوصاله و الا حز الوريد      او لا ترضض جثته ابخيل العدى فوگ الصعيد
او عـاين الخاتم يلوح ابخنصر احسين الشهيد      جـامده عـليه الـدما و احـنا يحز ابمخنجره
و  عـلى التكه و يح گلبي گطع جماله الكفوف      عاينه  اموزع على التربان من ضرب السيوف
او عـاين التكه و لزمه و لا دخل قلبه الخوف      مـا  دره احـسين ايـة الله واهو جثه امطبره
مـد  ابـو سكنه يمينه او گطعه او مد الشمال      اورد بـراها ولـكوان تـزلزلت والعرش مال
او  نزل خير الرسل طه والوصي فخر الرجال      و الـحسن والـزاكيه امـه و الشعور امنشره

(نصاري)

من  عادت البلمعركه يطيح      لو بي سلامه لخوته ايصيح
او  لو مات ما يبگه طريح      يشيلوه  ويسوون له اظريح
مشفنة اليگع بين المجاريح      وامـسبح ابدم راسه تسبيح
يـبكه  ابمچانه محد ايزيح      عنه  العدى او يمسى ذبيح

(تخميس)

فادح شب في الحشى بأوار     و مصاب قد حط كل مناري

يوم نادى العلاء و الدمع جار

قوضي يا خيام عليا نزار      فلقد قوض العماد الرفيع

( 17 )

المطلب الثالث

في حب النبي صلى الله عليه واله وسلم للحسين عليه السلام

روى ابن ماجة في «السنن» وابن عساكر في «التاريخ» , وابو الحسن علي بن عيسى الاربلي في «كشف الغمة» عن يعـلي بن مرة العـامري (1)أنه قال : خرج رسول الله صلى الله عليه واله وسلم الى طعام دعوا له, فأذا الحسين في السكة مع غلمان يلعب , فتقدم رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يضاحكه حتى أخذه فوضع أحدى يديه تحت قفاه و الاخرى تحت ذقنه و قبله , و قال : «حسين مني و انا من حسين احب الله من احب حسينا , حسين سبط من الأسباط» (2) .

(1) يعلى بن مرة بن وهب العامري , و يكنى : ابو المرازم الثقفي , من ثقيف , و هو يعلي بن سيابة و هي امه , شهد مع النبي صلى الله عليه واله وسلم الحديبية و خيبر و الفتح و الطائف و حنين , و روي عنه و عن أمير المؤمنين عليه السلام و عن ابيه مرة , و اولاده عبدالله و عثمان و رووا عنه , وكان صحابيا فاضلا في عداد اهل الكوفه , وقيل : له دار بالبصرة , وله ثلاث احاديث صحيحة ذكرها العامة في كتبهم في فضائل سيد الشهداء الامام الحسين عليه السلام و انظر مصادر الترجمة : طبقات ابن سعد : 6/40 , و تاريخ الدوري : 2/683 , وطبقات خليفه : 53/131 و182 ومسند احمد : 4/170,وتاريخ البخاري الكبير : 8/3536 , و تهذيب اهل الكمال : 32 : 398/7118 , والاستيعاب (بهامش الاصابه) : 3/665 , و الاصابة : 3: 669/9361 .

(2) سنن إبن ماجة : 1 : 51/144 ـ باب (11) , وتاريخ ابن عساكر : 14/148 و149, وكشف الغمة : 2/6 .

( 18 )

و ذكر صاحب «الاستيعاب» عن ابي هريرة انه قال : ابصرت عيناي هاتان , و سمعت اذناي رسول الله صلى الله عليه واله وسلم و هو يقول : «ترق عين بقه» (1), قال : فرقى الغلام حتى وضع قدميه على صدر رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ثم قال له رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : افتح فاك ثم قبله , ثم قال : «اللهم احبه فأني احبه» (2)

وروى صاحب «ينابيع المودة» عن ابي هريرة ايضا , قال: كان النبي صلى الله عليه واله وسلم يدلع لسانه للحسين فيرى الصبي حمرة لسانه فيهش اليه , فقال عينية ابن بدر : أراه يصنع هذا فوالله ان لي ولد فما قبلته قط , فقال صلى الله عليه واله وسلم «من لا يرحم لا يرحم» (3) .

وعن البراء بن عازب (4) قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم حامل الحسين بن علي

(1) البقة (البعوضة) كأنه يقول اصعد يا صغير الجثة .

(3) ينابيع المودة : 2 : 204/590 .

(4) البرآء بن عازب : صحابي , ولد قبل الهجرة بعشر سنين, و قيل : بإثنتي عشر سنه , شهد مع رسول الله صلى الله عليه واله وسلم خمس عشرة غزوة اولها غزوة (احد), وشهد مع امير المؤمنين عليه السلام «الجمل و صفين و النهروان», وممن كتم الشهادة لأمير المؤمنين عليه السلام بخصوص «حديث الغدير بخم» ـ في محضر أميرالمؤمنين عليه السلام ـ في قول رسول الله صلى الله عليه واله وسلم «من كنت مولاه فهذا علي مولاه» , فقال أمير المؤمنين عليه السلام لجمع من صحابة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : هل تشهدون على ذلك ؟ فشهد من حضر و كتم شهادته البرآء بن عازب و أنس بن مالك فدعى عليهم امير المؤمنين عليه السلام , فأصاب البرآء عمى , وأصاب أنس البرص , وروى الشيخ المفيد رحمه الله في الارشاد : ان امير المؤمنين عليه السلام قال للبرآء بن عازب ذات يوم بالأبواء : «يقتل ابني الحسين وانت حي لا تنصره» . فلما قتل الحسين عليه السلام كان البرآء بن عازب يقول : صدق والله علي بن ابي طالب , قتل الحسين ولم أنصره . ثم يظهر الحسرة على ذلك و الندم . مات البرآء في الكوفة سنة احدى وسبعين أو أثنتي وسبعين . انظر : ترجمة «البرآء بن عازب» في تاريخ من دفن في العراق من الصحابة : 57

( 19 )

على عاتقه وهو يقول : « اللهم اني احبه فاحبه» (1) .

وربما كان صلى الله عليه واله وسلم يحمل الحسنين على كتفيه تارة وفي حجرة اخرى , بل وكان يصعدهما معه على منبره , كما يروى عن بريدة انه قال : كان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يخطبنا , اذ جاء الحسن و الحسين عليهم السلام و عليهما قميصان احمران يمشيان و يعثران , فنزل رسول الله صلى الله عليه واله وسلم من المنبر فحملهما بين يديه , ثم قال : «صدق الله حيث قال «أَنّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ» (2) نظرت الى هذين الصبيان يمشيان و يعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثي و رفعتهما» (3)

و كان صلى الله عليه واله وسلم ينوه على الاشهاد بحبهما , وعن أسامة بن زيد قال : طرقت النبي صلى الله عليه واله وسلم ذات ليلة في بعض الحاجة , فخرج النبي صلى الله عليه واله وسلم و هو مشتمل على شئ لا أدري ما هو , فلما فرغت عن حاجتي قلت : ما هذا الذي انت مشتمل عليه؟ فكشفه فأذا الحسن و الحسين على وركيه, فقال : «هذان إبناي و إبنا إبنتي, اللهم إني أحبهما فأحبهما و أحب من يحبهما» (4) .

وفي «الأصابة» عن مسند ابي يعلى بسنده : كان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يصلي , فإذا سجد وثب الحسن و الحسين على ظهره , فأذا أرادوا أن يمنعوهما أشار إليهم ان دعوهما , فإذا قضى الصلوة وضعهما في حجره , فقال : «من أحبني فليحب هذين» (5) .

(1) ينابيع المودة : 2/35/9 .
(2) سورة الانفال: 8/28 .
(3) تاريخ ابن عساكر : 14/161 .
(4) تاريخ ابن عساكر : 4/155 .
(5) الإصابة في تمييز الصحابة : 2/12 .

( 20 )

و عن أبي هريرة (1) أيضا قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وله وسلم و معه الحسن والحسين هذا على عاتقه وهذا على عاتقه , وهم يلثم هذا مرة وهذا مرة حتى إنتها إلينا , فقال : «من أحبهما فقد أحبني ومن أبغضهما فقد أبغضني» (2) .

وقال صلى الله عليه واله وسلم : «من احب الحسن والحسين احببته , ومن أحببته أحبه الله , ومن أحبه الله أدخله الجنة, ومن أبغضهما أبغضته , ومن أبغضته أبغضه الله , ومن أبغضه الله أدخله النار» (3) .

وعن زيد بن أرقم (4) : أن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال لعلي و فاطمة والحسن والحسين:

(1) أبو هريرة الدوسي : من صحابة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم , وحاله معروف في صناعة الاخبار والأحاديث الملفقة و نسبتها إلى الرسول الأعظم صلى الله عليه واله وسلم , وذلك لمصالحه الشخصية و إرضاءاً لبني اميه «عليهم جميعاً لعنة الله».
انظر تدوين السنة الشريفة :297 , 486 .
(2) نفس المصدر السابق .
(3) تاريخ ابن عساكر : 14/156 وزاد فيه: وله عذاب مقيم .
(4) زيد ابن أرقم: الانصاري , الصحابي الجليل , ولد قبل الهجرة على ما يبدو , فقد شهد (معركة احد) و استضغر , وشهد مع رسول الله سبع عشرة غزوة , ويقال اول مشاهده «غزوة بني المصطلق» او «المريسيع» وهي قرية من ناحية «قديد» بأطرف مكة , وشهد مع أمير المؤمنين عليه السلام صفين , وقال الكشي : من السابقين الذين رجعوا إلى امير المؤمنين , وله مواقف عديدة تظهر حسنه و منزلته العالية , منها : موقفه في سقيفة بني ساعدة على ما ذكره مفصلا في «زهر العيون و جلاء القلوب» , و ما ذكره ابو الفرج في «الأغاني» و من رده على المغيره بن شعبة و اعتراضه على سبه لأمبر المؤمنين عليه السلام , و ذكر ابن مزاحم المنقري , في «وقعة صفين» , انه دخل على معاوية فأذا عمرو ابن العاص جالس معه على السرير , فلما ذلك جاء حتى رمى بنفسه بينهما , فقال له عمرو ابن العاص : أما وجدت لك مجلسا الا أن تقطع بيني و بين أمير المؤمنين ؟ فقال زيد : ان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم غزا غزوة و انتما معه , فرآكما مجتمعين , فنظر اليكما . فقال : صلى الله عليه واله وسلم في اليوم الثالث : اذا رأيتم معاوية و عمرو بن .

( 21 )

«أنا سلم لمن سالمتم , وحرب لمن حاربتم» (1) .

و مما جاء في فضلهما ما روي عن الصادق عليه السلام : انه اصطرع الحسن و الحسين بين يدي رسول الله صلى الله عليه واله وسلم , فقال رسول الله : «أيها حسن خذ حسينا , فقالت فاطمة : يا رسول الله أتستنهض الكبير على الصغير ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم هذا جبرائيل يقول إيها حسين خذ حسنا» (2) .

وعن صحيح الترمذي بسنده , قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : «الحسن و الحسين سيدا شباب اهل الجنه» (3) .

و عن عبدالله ابن شداد , عن ابيه , انه قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه واله وسلم في

العاص مجتمعين ففرقوا بينهما , فأنهما لم يجتمعا على خير». و ذكر المنقري أيضا : أن زيد أبن أرقم قال : قال النبي صلى الله عليه واله وسلم : «ألا أدلكم على ما إن تسالمتم عليه لم تهلكوا؟ إن وليكم وامامكم علي بن ابي طالب , فناصحوه و صدقوه , فإن جبرائيل أخبرني بذلك» . هذا وقد روى زيد ابن أرقم الكثيرة من الأحاديث , و منها «حديث الثقلين».
وكان قد سكن الكوفة و ابتنى بها له دارا في كندة , و قد رد على ابن زياد حين نكث ثغر الحسين عليه السلام بقضيبه و شهادته بإنه رأى شفتي رسول الله صلى الله عليه واله وسلم عليهما , و توفي زيد ابن أرقم بالكوفة و دفن فيها , ولا يعرف له قبر اليوم في الكوفة فقد عفي أثره , وكانت وفاته سنة ثمان و ستين وقيل : ست و ستين و قيل : بعد مقتل سيد الشهداء عليه السلام , رضي الله عنه وأرضاه فقد كان يعد في خواص امير المؤمنين عليه السلام و كان محباً لاهل البيت .
مصادر الترجمة ك شذرات الذهب للحنبلي : 1/74 , الطبقات الكبير لأبن سعد : 6/18 , النجوم الزاهرة : 1/181 , الأغاني : 6/2 , وقعة صفين : 218 , تاريخ الاسلام للذهبي: 3/18 , سير أعلام النبلاء : 3/112 , رجال الكشي : 38/78 , تاريخ من دفن في العراق من الصحابة : 181
(1) تاريخ ابن عساكر : 14/157 و 158 ـ رواه بأربعة طرق ـ .
(2) كشف الغمة : 2/7 و ذكره في اسد الغابة : 1/497 .
(3) الجامع الصحيح للترمذي : 5 : 656/ح 3768 ـ باب 31

( 22 )

إحدى صلاتي العشاء و هو حاملا حسنا أو حسينا , فتقدم النبي صلى الله عليه واله وسلم فوضعه ثم تقدم كبر للصلاة , فأطال سجدة الصلاة , فرفعت رأسي فأذال الصبي على رأس رسول الله صلى الله عليه واله وسلم و هو ساجد , فرجعت الى سجودي فلما قضى الصلاة قيل له : يا رسول الله انك سجدت بين ظهري سجدة اطلتها , حتى ظننا انه قد حدث أمر وأنه يوحي اليك , قال : «كل ذلك لم يكن و لكن إبني إرتحلني فكرهت أن أعجله حتى ينزل هو» (1) .

نعم هكذا كان حبه لولده الحسين و ريحانته , قالت ام سلمة : دخل ذات يوم النبي صلى الله عليه واله وسلم في حجرتي ونام , فأقبل الحسين و جلس على صدر جده رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فأتيت إليه و أردت أن أرفعه عن صدر جده لئلا ينتبه النبي صلى الله عليه واله وسلم , ففتح النبي عينيه و قال : «لا يا ام سلمة , دعي ولدي على كبدي» (2) .

و روى ابن الصباغ في «الفصول المهمة» عن زيد بن أبي زياد , قال : خرج رسول الله صلى الله عليه واله وسلم من بيت عائشة , فمر على بيت فاطمة فسمع صلى الله عليه واله وسلم حسينا يبكي , فقال «الم تعلمي ان بكائه يؤذيني» (3) .

كـان يؤذيه بكائه وه     و فـي المهد رضيع

بـابنه  قـدما وهـو      ذوالـشـأن رفـيع

    ليته اليوم يراه وهـو      في الرمضى صريع(4)

(1) تاريخ ابن عساكر : 14/160 , و آخره : حتى يقضي حاجته .
(2) تاريخ ابن عساكر : 14/160 و آخره : حتى يقضي حاجته .
(3) الفصول المهمة لابن الصباغ : 171 ؛ ذكره ابن شهر آشوب في المناقب : 4/71 , عن كتاب فضائل العشرة لأبو السعادات , قال يزيد ابن أبي زياد : ... (وساق الحديث) .
(4) نعم نظرت اليه الحوراء زينب عليها السلام و هو على أرض كربلاء فخاطبت جدها صلى الله عليه و اله وسلم وا محمدا

( 23 )

صلى عليك مليك السما هذا حسينك بالعرى مقطع الاعضاء و لسان حالها:
(نصاري)
يـجدي مات محد وگف دونه     و لا نغار غمضله اعيونه
وحيد ايعالج و منخطف لونه     ولا واحد ابحلگه ماي قطر
(دكسن)
يجدي مات مـحد مدد ايديه      و لا واحد يجدي عدل رجليه
يعالج بالشمس محد گرب ليه     يحطله اظلال يا جدي من الحر
(عاشوري)
يـجدي الـرمح بـفاده تثنه      يجدي  أو بالوجه للسيف رنه
يـجدي و شـيبه ابدمه تحنه      يـجدي  و بالرمل خده تعفر
أحسين هل وافاك جدك زائرا      و  رآك مقطوع الوريد معفرا
* * *
 أحسين هل وافاك جدك زائراً     ورآك مقطوع الوتين معفراً

( 24 )

المطلب الرابع

في بكاء الأنبياء على الحسين عليه السلام

روى المجلسي عن كتاب الدر الثمين , قال : في تفسير قوله تعالى «فَتَلَقّى‏ آدَمُ مِنْ رَبّهِ كَلِمَاتٍ» (1) يروى ان آدم عليه السلام رأى على ساق العرش اسم النبي صلى الله عليه واله و سلم و الأئمة عليهم السلام , فلقنه جبرائيل بها , وقال له : قل يا حميد بحق محمد , يا علي بحق علي , يا فاطر بحق فاطمة , يا محسن بحق الحسن و الحسين , [ومنك الاحسان] (2) . فلما ذكر الحسين سالت دموعه وانخشع قلبه , فقال: أخي جبرائيل مالي إذا ذكرت الخامس ينكسر قلبي وتسيل عبرتي ؟ فقال جبرائيل : ولدك هذا يصاب بمصيبة تصغر عندها المصائب , قال : يقتل عطشانا و غريبا وحيدا , ولو تراه يا آدم هو ينادي وا عطشاه حتى يحول العطش بينه و بين السماء كالدخان , فبكى آدم (3) .

وروى ان زكريا سأل ربه أن يعلمه أسماء الخمسة , فهبط جبرائيل و علمه إياها , فكان زكريا عليه السلام اذا ذكر الحسين عليه السلام خنقته العبرة , فقال ذات يوم الهي

(1) سورة البقرة 2 : 37 .
(2) أثبتناه من المصدر .
(3) بحار الأنوار : 44 : 245 / 44 ـ باب (30) .

( 25 )

ما بالي اذا ذكرت اربعة منهم تسليت بأسمائهم من همومي , واذا ذكرت الحسين عليه السلام تدمع عيني ؟! فأنبأه الله تعالى عن قصته , و قال : «كهيعص» (1) فالكاف : اسم كربلاء , و الهاء : هلاك العترة الطاهرة , و الياء : يزيد وهو ظالم للحسين عليه السلام , والعين : عطش الحسين عليه السلام , و الصاد : صبره , فلما سمع زكريا علا بكاءه وزاد (2) .

ويروى ان رجلا من بني اسرائيل سأل موسى ابن عمران أن يسأل ربه ليعفو عنه , فسأل موسى ربه فقال عز من قائل : يا موسى اغفر لكل من سألني إلا لقاتل الحسين عليه السلام , فقال موسى : ومن يقتله ؟ قال : تقتله امة جده , عطشانا غريبا , و ينهب رحله ,وتسبى نسائه , وتقتل أصحابه ؟,وتشهر رؤسهم على أطراف الرماح , يا موسى صغيرهم يميته العطش , و كبيرهم جلده منكمش ؛ فبكى موسى و لعن قاتل الحسين عليه السلام (3) .

ومن مناجاة موسى عليه السلام قال : يارب , بم فضلت امة محمد على سائر الامم ؟ فقال الله تعالى لعشر خصال , فقال موسى , وما تلك الخصال التي يعملونها : قال تعالى :الصلاة , والزكاة , والصوم , والحج , والجهاد , والجمعة , والجماعة , والقرآن , والعلم , والعاشوراء , قال موسى : يا ربي وما العاشوراء ؟ قال : البكاء والتباكي على سبط محمد صلى الله عليه واله وسلم , والمرثية والعزاء على مصيبته , يا موسى ما من عبد من عبيدي في ذلك الزمان بكى أو تباكى و تعزى على سبط محمد صلى الله عليه واله وسلم إلا و كانت له الجنة خالدا فيها , ومن أنفق من ماله في محبة ابن بنت نبيه درهما أو

(1) سورة مريم 19 : 1 .
(2) بحار الأنوار : 44 : 223 / 308 .
(3) بحار الانوار : 44/308 .

( 26 )

دينارا إلا وباركت له في دار الدنيا , الدرهم بسبعين , وكان منعما في الجنة , و غفرت له ذنوبه , يا موسى و عزتي و جلالتي ما من رجل من امتي أو أمة من إمائي جرت من دموع عينيه قطرة واحدة إلا وكتبت له أجر مائة شهيد (1) .

وروي ان نوحا عليه السلام لما ركب السفينة طافت به جميع الدنيا , فلما مر بكربلاء أخذه الموج , وخاف نوح الغرق و فدعى ربه , فنزل جبرائيل و قال : يا نوح في هذا الموقع يقتل الحسين عليه السلام سبط محمد خاتم الأنبياء , فبكى نوح : وقال : يا جبرائيل ومن قاتله ؟ قال : لعين أهل السماوات و الأرض ؛ فلعنه نوح و سارت السفينة (2) .

وروي ان إبراهيم عليه السلم مر بكربلاء وهو راكب على فرسه , فعثرت به الفرس فسقط الى الارض و شج رأسه وسال دمه , فأخذ يكثر من الأستغفار وقال : الهي أي شئ حدث مني ؟ فنزل عليه جبرائيل وقال : يا إبراهيم ما حدث منك ذنب , و لكن هنا يقتل سبط خاتم النبيين , فسال دمك موافقة لدمه , فبكى إبراهيم ثم قال : يا جبرائيل ومن القاتل له ؟ قال : لعين أهل السماوات والأرض , فرفع إبراهيم يديه الى السماء و قـال : اللهم العـن قاتـل الحسين عليه السلام (3) .

وروي ان إسماعيل كانت أغنامه ترعى بشط الفرات , فأخبره الراعي إنها لا تشرب الماء من هذه المشرعة , فسأل إسماعيل ربه عن سبب ذلك , فأوحي الله اليه : سل غنمك فإنها تجيبك عن سبب ذلك , فقال لها إسماعيل لم لا تشربين من هذا الماء ؟ فأجابته بلسان فصيح : قد بلغنا إن ولدك الحسين عليه السلام سبط

(1) ذكره الفاضل الدربندي في أسرار الشهادات : 1/210 , قائلا : ذكر جمع من العلماء حديثا ... (وساق الحديث) .
(2) بحار الأنوار :44 : 243/38 ـ باب (30) عنه باختصار .
(3) بحار الأنوار :44 : 243/39 ـ باب (30) عنه باختصار .

( 27 )

محمد صلى الله عليه واله وسلم يقتل هنا عطشانا , فنحن لا نشرب من هذه المشرعة ؛ فبكى إسماعيل و سألها عن قاتله , قالت : هو لعين أهل السماوات والأرض , فقال إسماعيل : اللهم العن قاتل الحسين عليه السلام (1) .

وروي ان سليمان كان يجلس على بساطه ويسير به في الهواء , فمر ذات يوم بأرض كربلاء , فأدار الريح بساطه ثلاث دورات حتى خاف سليمان السقوط ثم سكنت الريح , فنزل البساط في أرض كربلاء , فقال سليمان للريح : لم سكنتي ؟ فقالت : ان هنا يقتل الحسين عليه السلام , قال : ومن يكون الحسين ؟ قالت : هو سبط محمد خاتم الأنبياء فبكى سليمان , ولعن قاتله , فهبت الريح وسار البساط (2) .

وروي إن عيسى عليه السلام كان سائحا في البراري ومعه الحواريون , فمروا بكربلاء , فرأوا أسدا كاسرا قد أخذ الطريق , فتقدم عيسى الى الأسد وقال له : لم جلست في هذا الطريق ولا تدعنا نمر فيه ؟ فنطق الأسد بكلام فصيح وقال : إني لا أدعكم تمرون حتى تلعنوا يزيد بن معاوية قاتل الحسين ؟ [فقال عيسى عليه السلام ومن يكون الحسين ؟] قال : هو سبط محمد النبي الأمي , فبكى عيسى ومن معه , ثم قال : ومن يقتله قال : لعين أهل السماوات والأرض , فلعنه عيسى ولعنه الحواريون , فتنحى الأسد عن طريقهم فساروا لقصدهم (3) . فالحسين عليه السلام بكاه آدم و جميع الأنبياء عليهم السلام , وهو إذ ذاك بساق العرش , وأما بعد ولادته بكاه جده رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وأبوه علي وأمه فاطمة عليهما السلام , وأما بعد قتله

(1) بحار الأنوار :44 : 243 / 40 ـ باب (30) .
(2) بحار الأنوار :44 : 244 / 42 ـ باب (30) .
(3) بحار الأنوار :44 : 244 / 43 ـ باب (30) .

( 28 )

فقد بكته الملائكة و الشمس والقمر , بل وكل العلوية والسفلية وكل ما خلق الله . ما يرى وما لا يرى , فكيف إذا لا تبكيه عيون المؤمنين الى يوم القيامة :

على مثل هذا الرزء يستحسن البكا     وتقلع منا أنفس من سرورها

وهو القائل : أنا عبرة كل مؤمن ومؤمنة , ويحق للموالي أن يقول :

تبكيك عيني لا لأجل مثوبة     لكنما عيني لأجلك باكيه (1)

(1)
(ابوذيه)
نياب الدهر عضني ولاجن     على الظل باشمس لا ظل ولا جن
ما لجل الثواب ابچيت لچن     لجل شخصك يــبن حامي الحميه
(بحراني)
يـلي تـناشدني عـليمن تـهمل العين      كل  البكا والنوح والحسرى على احسين
حـبه  ابگلبي وتظهره ابصبها ادموعي      مـجبور فـي حـبه ولاشوفة ابطوعي
يـاليت گبل اضلوعه انرضت ضلوعي      ومـن  گبـل خده اتعفرت مني الخدين
ابـكي  عـلي مصابه بكل صبح مسيه      وانحب واساعد على البكا الزهرة الزكيه
ولا  زال تـندب يـا ضحايا الغاضرية      يـا حسين يبني يا عزيزي يا گرة العين
* * *
أفدي الذي رزؤه أبكى السماء دما      وزعزع الدين و الأركان و الحرما
يا من بخيل الأعادي صدره حطما
أي المحاجر لا تبكي عليك دما      أبكيت والله حتى محجر الحجر

( 29 )

المطلب الخامس

في بكاء فاطمة عليها السلام على ولدها الحسين عليه السلام

روى فرات بن إبراهيم في تفسيره عن الصادق عليه السلام , انه قال : كان الحسين ابن علي عليه السلام مع امه تحمله فأخذه النبي صلى الله عليه واله وسلم و قال : لعن الله قاتلك , ولعن الله سالبك , واهلك الله امتوازرين عليك , وحكم بيني و بين من أعان عليك , فقالت فاطمة يا أبة أي شئ تقول ؟ قال : يا بنتاه ذكرت ما يصيبه بعدي و بعدك من الأذى و الظلم والغدر [البغي] (1) وهو يومئذ في عصبة كأنهم نجوم السماء يتهادون الى القتل و كأني أنظر الى معسكرهم و إلى موضع قتلهم (2) وتربتهم .قالت : يا أبة وأين هذا الموضع الذي تصف ؟ قال : هو موضع يقال له كربلاء و هي [دار] كرب وبلاء علينا وعلى الامة , يخرج عليهم شرار امتي و إن احدهما لو يشفع فيه السماوات و الأرض ما شفعوا له , وليأتيه قوم من محبينا ليس في الأرض أعلم بالله ولا أقوم بحقنا منهم , اولئك مصابيح الدجى وهم الشفعاء يوم القيامة , واردون حوضي غدا , أعرفهم إذا وردوا عليه بسيماهم فبكت فاطمة عليها السلام , فقال لها رسول الله صلى الله عليه و اله وسلم : يا بنتاه إن أفضل أهل الجنة هم الشهداء الذين بذوا أنفسهم

(1) أثبتناه من المصدر .
(2) في المصدر : رحالهم .

( 30 )

في مرضاة الله , فما عند الله خير من الدنيا ومافيها , ومن كتب عليه القتل خرج إلى مضجعه , ومن لم يقتل فسوف يموت , يا فاطمة بنت محمد أما تحبين إذا تأمرين غذا بأمر فتطاعي في هذا الخلق ؟ أما ترضين أن يكون ولدك من حملة العرش ؟ أما ترضين أن يكون أبوك يأتونه فيسألونه الشفاعة ؟ أما ترضين أن يكون بعلك من يذود الخلق يوم العطش الأكبر عن الحوض كما يذاد البعير الصادر عن ثناء فيسقي منه أوليائه ويذود عنه اعدائه ؟ يا فاطمة بنت محمد أما ترضين أن يكون بعلك قسيم الجنة والنار ؟ يأمر النار فتطيعه , يخرج منها من يشاء ويترك من يشاء , يا فاطمة بنت محمد أما ترضين أن تنظري إلى الملائكة على أرجاء السماء ينظرون إليك و إلى ما تأمرين به ؟ وينظرون إلى بعلك قد حضر الخلائق وهو يخاصمهم عند الله ؟ فما ترين الله صانعا بقاتل الحسين عليه السلام وقاتليك وقاتلي بعلك ؟ يا فاطمة بنت محمد أما ترضين أن الملائمه تيكي على ولدك ؟ أما ترضين أن يكون من ابن ولدك زائرا في ضمان الله ؟ ويكون من أتاه بمنزلة من حج البيت و اعتمر ؟ ولم يخل من الرحمه طرفة عين , وإدذا مات مات شهيدا , وإن بقى لم تنزل الحفظة تدعوا له ما بقي , ولم ينزل في حفظ الله امانه حتى يخرج من الدنيا ؟ قالت فاطمة عليه السلام : يا أبة سلمت ورضيت بذلك (1) .

وفي خبر آخر قالت عليه السلام : يا أبة متى يكون ذلك ؟ قال : في زمان خال مني و منك ومن بعلك , فاشتد بكاءها , وقالت : يا أبة فمن يبكي عليه , ومن يلتزم بإقامة العزاء عليه ؟ فقال لها : بنية إن نساء امتي يبكون على نساء أهل بيتي , ورجالهم يبكون على رجال اهل بيتي , ويجددون العزاء جيلا بعد جيل في كل سنة , فإذا كان يوم القيامة تشفعين أنت للنساء , وأنا أشفع للرجال , وكل من يبكي

(1) تفسير فرات الكوفي :1 : 1717/219 .

( 31 )

منهم على مصاب الحسين أخدناه بيده وأدخلناه الجنة , يا فاطمة كل عين باكية يوم القيامة الا عين بكت على مصاب الحسين عليه السلام فإنها ضاحكة مستبشرة بنعيم الجنة (1) .

وروي : أن فاطمة عليها السلام لما دنت منها الوفاة دعت ابنتها زينب , فشمتها من نحرها , وقبلتها من صدرها , وقالت لها : هذه وديعة لي عندك , فإدا رأيت اخيك وحيدا فريدا شميه في نحره , وقبليه في صدره , فإن نحره موضع سيف ابن ذي الجوشن و إن صدره موضع حوافر خيول بني أميه , قال : فامتثلت الحوراء زينب ذلك , ولما كان يوم عاشوراء وبقي الحسين وحيدا فريدا , أراد أن يودع العيال و يمضي الى القتال , أقبلت إليه ام المصائب وقالت له اخي اكشف لي عن صدرك وعن نحرك , فكشف له الحسين عليه السلام عن صدره , قلته في صدره وشمته في نحره , ثم وجهت وجهها نحو المدينة صائحة : يا اماه قد إسترجعت الوديعة وأخذت الأمانة , فتعجب الحسين من كلامها فقال لها : أخية ومن الأمانة ؟ قالت : اعلم يابن ام لما دنت الوفاة من امنا فاطمة , قربتني اليها وشمتني في نحري وقبلتني في صدري , وقالت لي : يا بني هذه وديعة لي عندك , فإذا رأيت أخاك الحسين وحيدا فريدا شميه في نحره وقبليه في صدره . قال الراوي : فلما سمع بذكر امه بكى! وسمع مناد ينادي بين السماء والأرض : والولداه وا حسينا .

فالزهراء تبكي على ولدها , بل وتحضر جميع المآتم كما روى : أن فضيل صنع مآتما للحسين عليه السلام , ولم يخبر به إمامنا الصادق عليه السلام , فلما كان اليوم الثاني أقبل إلى الإمام روحي فداه , فقال له : يا فضيل اين كنت البارحة ؟ قال : سيدي شغل عاقني , فقال : يا فضيل لا تخفي علي , أما صنعت مأتما وأقمت بدارك عزاء في

(1) بحار الأنوار : 44/292 ـ الحديث (37) .

( 32 )

مصاب جدي الحسين عليه السلام ؟ فقال : بلى سيدي , فقال عليه السلام : وأنا كنت حاضرا , قال : سيدي إذا ما رأيتك ؟! أين كنت جالس ؟ فقال عليه السلام : لما أردت الخروج من البيت أما عثرت بثوب أبيض ؟ قال : بلى سيدي , قال عليه السلام : انا كنت جالسا هناك , فقال له : سيدي لم جلست بباب البيت ولم تصدرت في المجلس ؟ فقال الصادق عليه السلام :كانت جدتي فاطمة بصدر المجلس جالسة , لذا ماتصدرت إجلالا لها .

ففاطمة عليه السلام تحضر في كل عزاء يعقد لولدها الحسين عليه السلام , كما حضرت مصرعه فرأته يوم عاشوراء بعد الظهر بساعة .

تريب المحيا تظن السما     بأن على الأرض كيوانها (1)

(1)
(نصاري)
لون حاضرة يحسين يمك     وابوك النفل والطيار عمك
چـا ما راح اضياع دمك     وظـليت متـحيرة بلـمك
(بحراني)
تـناديه  يـبني من گطع راسك والكفوف      من كسر اضلوعك يعقلي بضرب السيوف
ومن گطع اوصالك يعيني بضرب السيوف      يـا  مـهجتي مـذبوح لا مطلب ولا دين
يـحسين گلـي مـن گطع بالسيف نحرك      يـا  نـور عيني من وطا بالخيل صدرك
ومـن سـلب ايتامك ويا هو حرك خدرك      ويـا  هو الذي شتت بناتي اشمال و يمين
(عاشوري)
منـي الوالدة يحسين يبني     ويمن ريت ذبـاحك ذبحني
أسعدني على ابني يلتحبني     مصابك بهض حيلي وكتلني
* * *
فالمعالي بالعزا قائمة     ودموع الأنبيا ساجمة
وعليه حورها لاطمة
ميت تبكي له فاطمة     وأبوها وعلي ذو العلى

( 33 )

المطلب السادس

في بكاء الأئمة وشيعتهم على الحسين عليه السلام

قال الله تعالى : «إِنّ عِدّةَ الشّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السّماوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدّينُ الْقَيّمُ فَلاَ تَظْلِمُوا فِيهِنّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافّةً وَاعْلَمُوا أَنّ اللّهَ مَعَ الْمُتّقِينَ» (1) , وهذه الأشهر الأربعة هي : رجب ـ الذي بين جمادي وشعبان ـ الملقب: بالأصم , وذوالقعدة , وذوالحجة , ومحرم (2) .

فهذه الأشهر الأربعة كانت محترمة في الجاهلية , لا يوقعون فيها قتالا , وإذا تنافسوا فيما بينهم جعلوا عدة الأشهر غيرها , بل وحرموا القتال فيها إحتراما لها , فهذه الأشهر الأربعة محترمة سواء كانت في الجاهلية أو في الأسلام , حتى حكي : أن ضبة بن أركان كان له ابنان , أحدهما يسمى «سعد» والثاني «سعيد» فخرجا إلى سفر فهلك سعد ورجع سعيد , فخرج والدهما مفتشا عن إبنه الهالك في الأشهر الحرم ومعه الحارث بن كعب , فبينما هما ذات يوم سائران يتحدثان , إذ مرا بمكان , فقال الحارث لقيت في هذه المكان شابا صفته كذا وكذا فقتلته , وهذا

(1) سورة التوبة 9 : 36 .
(2) انظر تفسير الطبري : 14 234 .

( 34 )

سيفه , فقال ضبة : «الحديث ذو شجون» اي ـ حديثك محزن ـ فذهب قوله مثلا, ثم إن ضبة قتل الحارث فلامه الناس على إستحلال الأشهر الحرم , فقال :«سبق السيف العذل» (1) فهكذا كانوا يحترمون الاشهر الحرم .

وذكر ابن أبي الحديد : أن العرب تسمى آخر يوم من شوال فلتة , من حيث ان كل من لم يدرك ثأره فيه فاته , لأنهم إذا كانوا إذا دخلوا الأشهر الحرم لا يطالبون الثأر , وذوالقعدة من الأشهر الحرم (2) .

في البحار عن إبراهيم ابن أبي محمود قال : قال الرضا عليه السلام : ان المحرم شهر كان أهل الجاهلية «في مامضى» يحرمون فيها القتال فاستحلت فيه دمائنا وهتكت فيه حرمتنا , وسبي فيه ذرايتنا ونسائنا , وأضرمت النيران في مضاربنا , وانتهب منها ثقلنا , ولم ترع لرسول الله صلى الله عليه واله وسلم فيه حرمة في أمرنا .

ثم قال عليه السلام: إن يوم الحسين اقرح جفوننا , «وأسبل دموعنا» , واذل عزيزنا , بأرض كرب وبلاء وأورثنا الكرب والبلاء إلى يوم الإنقضاء , فعلى مثل الحسين عليه السلام فليبك الباكون , فأن البكاء عليه يحط الذنوب العظام .

ثم قال الرضا عليه السلام : كان أبي إذا دخل شهر المحرم لا يرى ضاحكا وكانت الكآبة تغلب عليه حتى تمضي عشرة ايام , فإذا كان يوم العاشر كان ذلك اليوم مصيبته وحزنه وبكائه , ويقول : هو اليوم الذي قتل فيه الحسين عليه السلام (3) .

وعن الريان بن شبيب قال : دخلت على الرضا عليه السلام في أول يوم من المحرم , فقال لي : يابن شبيب , أصائم أنت؟ فقلت : لا , قال : إن هذا اليوم هو اليوم الذي

(1) جمهرة الأمثال :1: 377/566 .
(2) شرح نهج البلاغة : 2/26 .
(3) أمالي الصدوق : 190/199 ـ المجلس (27) ـ الحديث (2) .

( 35 )

دعا فيه زكريا عليه السلام ربه عز وجل , فقال : «رَبّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ذُرّيّةً طَيّبَةً إِنّكَ سَمِيعُ الدّعَاءِ» (1) فاستجاب الله له , وأمر الله ملائكته فنادت زكريا , وذلك قوله تبارك وتعالى : «فَنَادَتْهُ الْمَلاَئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلّي فِي الْمَ-حْرَابِ أَنّ اللّهَ يُبَشّرُكَ بِيَحْيَى‏ مُصَدّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللّهِ وَسَيّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِنَ الصّالِحِينَ» (2)فمن صام في هذا اليوم ثم دعا الله فانه يستجيب له , كما استجاب لزكريا عليه السلام .

ثم قال يابن شبيب ,إن المحرم هو الشهر الذي كان أهل الجاهلية فيما مضى يحرمون فيه الظلم والقتال لحرمته , فما عرفت هذه الامة حرمة هذا الشهر ولا حرمة نبيها صلى الله عليه واله وسلم , لقد قتلوا في هذا الشهر ذريته , وسبوا نساءه , وانتهبوا ثقله , فلا غفر الله لهم ذلك ابدا , يابن شبيب , إن كنت باكيا لشئ فابك على الحسين عليه السلام , فأنه ذبح كما يذبح الكبش , وقتل معه من أهل بيته ثمانية عشر رجلا , ما لهم في الأرض شبيه , لقد بكت السماوات السبع والأرضون السبع لقتله , ولقد نزل إلى الأرض من الملائكة أربعة لآلاف ملك لنصرته فلم يأذن لهم (3) .

وفي العيون والخبر الآخر , أنهم نزلوا فوجدوه قد قتل , فهم عند قبره شعث غبر إلى أن يقوم صاحب الأمر فيكونون من أنصاره , وشعائرهم : يا لثارات الحسين (4) . و كان الصادق عليه السلام أذا هل المحرم لا يرى شاحطا قط , وكذلك الأئمة واحدا بعد واحد , بل وهذه سيرة سارت في مواليهم وشيعتهم إذا هل عاشوراء اجتمعت

(1) سورة ال عمران 3 : 38 .
(2) سورة ال عمران 3 : 39 .
(3) أمالي الصدوق : 192/202 ـ المجلس (27) ـ الحديث (5) .
(4) عيون أخبار الرضا عليه السلام :1: 299/58 ـ الباب (28) . وانظر المصدر السابق ايضا >

( 36 )

عليهم الاحزان والكروب ؛ ولعل الخبر يشير إلى ذلك :

«شيعتنا خلقوا من فاضل طينتنا , وعجنوا بنور ولايتنا , يصيبهم ما أصابنا , يفرحون لفرحنا , ويحزنون لحزننا» (1) وكانوا عليهم الصلاة والسلام يجلسون للعزاء كما تجلس شيعتهم اليوم . و كان الرضا عليه السلام يجلس في كل عشرة من المحرم كئيبا حزينا , ويعقد مجلسا للعزاء , ويجلس نساءه وراء الستار , وكان إذا دخل عليه أحد من الشعراء يأمره بالإنشاد على جده الحسين عليه السلام , كما في قصة دعبل الخزاعي لما دخل عليه وقال له : أنشدني , فأنشده التائية التي منها :

أفاطم لو خلت الحسين مجدلا     وقد مات عطشانا بشط فرات (2)

وكذلك الصادق عليه السلام لما دخل عليه هارون المكفوف , فقال عليه السلام : أنشدني في جدي الحسين عليه السلام , فأنشأ يقول :

أمرر على جدث الحسين     وقل لأعظمه الزكية

فبكى الصادق عليه السلام وقال : أنشدني كما تنشدون بالرقة فقال :

يا مريم نوحي على مولاك     وعلى الحسين ألا أسعدي ببكاك

فصاحت ابنة الصادق عليه السلام : واجداه واحسيناه (3) . وهكذا ساير أهل البيت عليهم السلام ولا زالوا صارخين معولين عطاشا جائعين من اول شهر محرم إلى يوم العاشر .

وقيل للصادق عليه السلام : سيدي جعلت فداك , إن الميت يجلسون له بالنياحه بعد

(1) أورده الفاضل الدربندي في أسرار الشهادة : 1/104 , في كلام للإمام الصادق عليه السلام .
(2) بحار الأنوار : 45/257 ـالحديث (15) .
(3) انظر ثواب الأعمال للشيخ الصدوق : 109/1/ باب (146) .

( 37 )

موته أو قتله , وأراكم تجلسون أنتم وشيعتكم من أول الشهر بالمأتم والعزاء على الحسين عليه السلام !! فقال عليه السلام : «يا هذا إذا هل هلال محرم نشرت الملائكة ثوب الحسين عليه السلام وهو مخرق من ضرب السيوف , وملطخ بالدماء , فنراه نحن وشيعتنا بالبصيرة لا بالبصر , فتنفجر دموعنا» .

وقال عليه السلام فيما قال لمسمع كردين : «يا مسمع ما من عين بكت على الحسين عليه السلام إلا ونعمت بالنظر إلى الكوثر , أو شربت منه إلى يوم القيامة) (1) . فأي عين لا تبكي عليك يا أبا عبدالله , السلام على من دمه غسله , والتراب كافوره , ونسج الرياح أكفانه , والرماح الخطية نعشه , وفي قلب من والاه قبره :

إن يبقي ملقى بلا دفن فإن له     قبرا بأحشاء من والاه محفورا (2)

(1) بحار الأنوار : 44/289 ـ الحديث (31) , من حديث طويل .
(2)
(ابوذية)
لو لاك الفرض يحسين ماتم     وحگ گلبك الـمنة ثـلث ماتم
إلك ابگـلوبنا يحـسين ماتم     نجيمة ابكل صباح وكل مسية
(بحراني)
وحق راسك المقطوع يا شمس المضية      لـلحشر  مـا نـنسا مصابك والرزية
نـنسى  وسـهم الصاب گلبك يا ذرانا      ذلـلنة  وفـت اگلـوبنا ونـكس لوانا
وتگطـيع  جسمك بالثرى گطع امعانا      وخيل الوطت صدرك على حر الوطية
داست  بين حيدر علي صدور المحبين      وبگلـوبنا انـخليك عاري بغير تكفين
وذبـح الطفل ننساه هذا محال يحسين      ولا ننسى اركوب الوديعة اعلى المطية
* * *
غدت ربة الأخدار و لهى أسيرة     تقاذفها البيدا ضحى وظهيرة
وتهتف بالحامي الجوار مشيرة
أترضى وأنت الثاقب العزم غيرة     يلاحظها حسرى القناع يزيد

( 38 )

المطلب السابع

في بكاء النبي صلى الله عليه واله وسلم على الحسين عليه السلام

وأن البكاء والرقة من شأن المعصوم

العجب كل العجب ممن يزعم أن المعصوم عليه السلام لا يبكي , أو أن البكاء لا يليق له وليس من شأنه , فاذا خطر مثل هذا في البال فهو وهم صرف , إذ أن البكاء والرقة من صفات المعصوم عليه السلام , كما أن الرحمة والرقة مودوعة في قلب كل نبي و كل معصوم , بل وكل مؤمن فضلا عن النبي و المعصوم , انظر الى النبي صلى الله عليه واله وسلم وقد دلت الأخبار المتواترة أنه صلى الله عليه واله وسلم بكى في مواطن كثيرة, كان أولها «يوم احد» , وذلك لما رأى عمه الحمزة عليه السلام قتيلا ورأى ما مثل به شهق (1) .

. ذكر ابن أبي الحديد : أن النبي صلى الله عليه واله وسلم كان يومئذ إذا بكت عمته صفية يبكي , وإذا انشجت ينشج , وكذلك لما رأى ابنته فاطمة عليها السلام تبكي على عمها بكى (2) .

. وذكر أحمد ابن حنبل : أن النبي صلى الله عليه واله وسلم لما رجع من «احد» فجعلت نساء الأنصار يبكين على من قتل من أزواجهن , فقال صلى الله عليه واله وسلم : «ولكن عمي حمزة لا

(1) المستدرك الحاكم :3/195 , وانظر أيضا : المحب الطبري في ذخائر العقبى : 180 , والهيثمي في مجمع الزوائد : 6/118 ـ باب مقتل حمزه عليه السلام .
(2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 15/17 ـ الباب (19) .

( 39 )

بواكي له» , ثم نام وانتبه وهن يبكين : قال : «فهن اليوم اذا بكن يندبن بحمزه» (1).

. ومنها: بكى على جعفر بن أبي طالب عليه السلام يوم «مؤتة» لما قتل (2)، ومنها: لما اصيب زيد ابن حارثة انطلق النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى منزله فلما رأته إبنتة زيد أجهشت بالبكاء، فسالت دمعته (3).

ومنها : عند موت ولده إبراهيم بكى , فقيل له : أتبكي وأنت رسول الله ؟ فقال صلى الله عليه واله وسلم : «إنما أنا بشر مثلكم , تدمع العين ويحزن القلب , ولا أقول ما يغضب الرب , وأنا بفراقك يا إبراهيم لمحزون» . ذكره البخاري في «صحيحه في الجزء الأول منه» (4) .

ومنها : يوم ماتت إحدى بناته جلس على قبرها وعيناه تدمعان , هكذا ذكر البخاري ايضا (5) .

ومنها : يوم مات صبي لأحدى بناته , إذ فاضت عيناه يومئذ فقال له سعد : ما هذا يا رسول الله ؟! قال : «هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده , وإنما يرحم من عباده الرحماء» . هكذا في الصحيحين ايضا (6) .

وأخرج الإمام أحمد من حديث ابن عباس ـ في الجزء الأول من مسنده ـ من جملة حديث ذكر فيه موت رقية بنت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم , وبكاء النساء عليها ,

(1) مسند أحمد ابن حنبل : 7/98 ـ الحديث (4984) .
(2) تاريخ الإسلام للذهبي : 2/488 و884 , وانظر ايضا : مختصر تاريخ دمشق لابن منظور : 6/73 و12/73 .
(3) تاريخ الإسلام للذهبي : 2/496 .
(4) صحيح البخاري (بشرح الكرماني) : 7 : 96/1228 .
(5) صحيح البخاري (بشرح الكرماني) : 7 : 81/1213 .
(6) صحيح مسلم : 2 : 635 / , وصحيح البخاري (بشرح الكرماني) :7 : 80/1212.

( 40 )

قال : فجعل عمر يضربهن بسوطه : فقال صلى الله عليه واله وسلم : «دعهن يبكين» . ثم قال صلى الله عليه واله وسلم : «مهما يكن من الفلب والعين فمن الله الرحمة» . وقعد على شفير القبر وفاطمة الى جنبه تبكي قال: فجعل النبي صلى الله عليه واله وسلم يسمح بعين فاطمة بثوبه رحمة لها (1) .

ومما يعاضد ذلك بكاؤه على الحسين عليه السلام في مواطن كثيرة , منها قبل ولادته وهبك عليه جبرائيل , قال : يا محمد يولد لك تقتله شرار امتك , فبكى صلى الله عليه و اله وسلم وقال : «لا حاجة لي فيه» فقال جبرائيل : يا رسول الله إن الإمامة تكون فيه وفي ولده؛ فسكت صلى الله عليه واله وسلم (2) .

وبكى عند ولادته , وذلك لما جاءت به صفية بنت عبد المطلب تحمله أخذه وشمه ثم بكى , فقالت له صفية : يا رسول الله وما هذا البكاء ؟! فقال لها صلى الله عليه واله وسلم : «إن ولدي هذا تقتله شرار امتي , لا تخبري ابنتي فاطمة فإنها جديدة عهد بولادتها».

ومنها : بكاءه صلى الله عليه واله وسلم لما دخل على فاطمة ورأى الحسين عليه السلام يبكي في المهد , فقال صلى الله عليه واله وسلم «بني سكتيه فأن بكاءه يؤذيني» ؛ ثم بكاه , وكان صلى الله عليه واله وسلم كلما نظر اليه يبكي , وإذا رآه في يوم عيد يبكي , واذا رآه يلعب يبكي.

وكان صلى الله عليه واله وسلم يقول : «حسين مني» , «حسين طمئنينتي» ، «حسين روحي التي بين جنبي»،«حسين مني وأنا من حسين» ، «أحب الله من أحب حسينا».

قال (3) : ودخل الحسن واخوه الحسين عليهما السلام على النبي صلى الله عليه واله وسلم يوما فشم الحسن عليه السلام في فمه , وشم الحسين عليه السلام في نحره , فقام الحسين وأقبل إلى امه ،

(1) مسند الإمام أحمد :5 : 41/3103 .
(2) اصول الكافي : 1 : 386/4 , والبحار :44 : 232/ , الحديث .
(3) والكلام لابن عباس .

( 41 )

فقال لها : اماه شمي فمي , هل تجدين فيه رائحة يكرهها جدي رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ؟ فشمته في فمه فإذا هو أطيب من المسك , ثم جاءت به إلى أبيها فقالت له : أبه لم كسرت قلب ولدي حسين عليه السلام ؟ فقال صلى الله عليه واله وسلم: مم ؟ قالت : تشم أخاه في فمه وتشمه من نحره , فلما سمع صلى الله عليه واله وسلم بكى , وقال : «بنية أما ولدي الحسن عليه السلام فإني شممته في فمه لأنه يسقى السم فيموت مسموما , وأما الحسين عليه السلام فإني شممته من نحره لأنه يذبح من الوريد الى الوريد» ؛ فلما سمعت فاطمة بكت بكاءا شديدا وقالت :أبة متى يكون ذلك؟ فقال : «بنية في زمان خال مني ومنك ومن أخيه وأخيه» فاشتد بكاؤها ثم قالت : ابه فمن يبكي عليه؟ ومن يلتزم بإقامة العزاء عليه؟ فقال له : «بنية فاطمة إن نساء امتي يبكون على نساء أهل بيتي ورجالهم يبكون على ولدي الحسين عليه السلام وأهل بيته , ويجددون عليه العزاء جيلا بعد جيل , فإذا كان يوم القيامة أنت تشفعين للنساء وأنا أشفع للرجال وكل من يبكي على ولدي الحسين عليه السلام أخذنا بيده وأدخلناه الجنة» (1) .

و قال صلى الله عليه واله وسلم : «على الحسين فلتشق القلوب لا الجيوب».

وقال صلى الله عليه واله وسلم: «ألا وصلى الله على الباكي على ولدي الحسين عليه السلام».

فرسول الله صلى الله عليه واله وسلم تراه تارة يدعو للباكي على ولده الحسين واخرى يخبر بفضل الباكي عليه وما له يوم القيامة من الأجر , لقوله صلى الله عليه واله وسلم : «كل عين باكيه يوم القيامة الاعين بكت على ولدي الحسين , فإنها ضاحكة مستبشرة بنعيم الجنة» (2)

(1) الخبر ذكره الفاضل الدربندي رحمه الله في أسرار الشهادات : 2/720 , وهو خبر طويل ومفصل وأورده هنا المؤلف رحمه الله على وجه الاختصار .
(2) انظر أسرار الشهادات للدربندي : 2/496 .

( 42 )

وروى المجلسي رحمه الله قال :

حكى السيد علي الحسيني قال : كنت مجاوراً في مشهد علي بن موسى الرضا عليه السلام مع جماعة من المؤمنين فلما كان يوم العاشر من المحرم عقدنا مأتما للحسين عليه السلام فابتأ رجل منا يقرأ مقتل الحسين عليه السلام فقرأ رواية عن الباقر عليه السلام إنه قال : «من ذرفت عيناه بالدموع على مصاب الحسين عيله السلام ولو كان مثل جناح البعوضة غفر الله ذنوبه , ولو كانت مثل زبد البحر» , وكان في المجلس معنا رجل يدعي العلم ولا يعرفه , فقال : ليس هذا صحيح وأن العقل لا يقبله .

قال : وكثر البحث بيننا ثم افترقنا وهو مصر على ماهو عليه , فلما نام تلك الليلة رأى في منامه كأن القيامة قد قامت وحشر الناس في صعيد واحد , وقد نصبت الموازين وامتد الصراط , ووضع للحساب ونشرت الكتب , واسعرت النيران وزخرفت الجنان , واشتد الحر عليه وعطش عطشا شديدا , فجعل يطلب الماء فلا يجده , فالتفت هناك وإذا بحوض عظيم الطول والعرض , فقال في نفسه : هذا هو الكوثر ؛ فأقبل إليه وإذا عليه رجلان وامرأة انوارهم مشرقة لابسين السواد , قال : فسألت عنهم فقيل لي : هذا رسول الله صلى الله عليه واله وسلم , وهذا علي عليه السلام , وهذه فاطمة عليها السلام , فقلت: اذا لماذا لابسين السواد فقيل لي أليس هذا اليوم يوم قتل فيه الحسين عليه السلام , قال: فدنوت اليهما وقلت لفاطمة: سيدتي إني لعطشان، فنظرت إلي شزرا , وقالت لي : أن الذي تنكر فضل البكاء على ولدي الحسين عليه السلام , لن تذوق منه قطرة واحدة حتى تتوب ما أنت عليه ؛ قال : فانتبه من نومه فزعا مرعوبا وجاء إلى أصحابه , وقص عليهم رؤياه وقال والله يا أصحابي أنا ندمت مما صدر مني , وأنا تائب عما كنت عليه (1) .

(1) بحار الأنوار : 44/293 ـ الحديث (38)

( 43 )

أقول : فليتها كانت حاضره يوم عاشوراء ومعها جرعة من ماء الكوثر وتسقي ولدها الحسين عليه السلام , لما نادى : يا قوم وحق جدي أنا عطشان . قال رجل من القوم: رايت شفتي أبي عبد الله يتحركان بكلام لم أفهمه , فقلت : إن كان الحسين عليه السلام يدعو علينا هلكنا ورب الكعبة. فأقبلت اليه فسمعته ينادي إسقوني جرعة من الماء , وقال: فأتيت الى ابن سعد (لعنه الله) وقلت له : يا أمير إن الرجل قد ضعف عن القتال ولا قابلية له على حمل السلاح , ما يضرك لو سقيته جرعة من الماء ؟ قال : فسكت اللعين , فعلمت ان السكوت من الرضا , فأقبلت إلى خيمتي وأخذت ركوة فملئتها ماء وأتيت مسرعا الى الحسين فبينا أنا في بعض الطريق و إذا بالكون قد تغيرت , وهبت ريح سوداة مظلمة , وتزلزلت الأرض , وإذا بالمنادي ينادي : قتل الإمام ابن الإمام أخو الإمام أبو الأئمة . فنظرت وإذا برأس الحسين عليه السلام على رأس رمح طويل .

وشيبته مخضوبة بدمائه     يلاعبها غادي النسيم ورائحه (1)

(1) وزينب عليها السلام كأني بلسان حالها :
(نصاري)
يـشيـال راسـه لا تـلـوحـه     وهبط من بگايا الروس رمحه
أخاف ايفوت ريح الهوى بجرحه     وجـرحه علـيه يگوم يسعر
(دكسن)
يشال راس حامـينه او ولينه     دريض خلي اتودعه اسكينه
ليش احسين ساچت عن ونينه     گـلي تعب لو جـرحه تخدر
كأني بها تخاطب رأس الحسين عليه السلام بلسان الحال :
(عاشوري)
يحسين لا تلتفت لينه     واتشوفنه نشگف بدينه
نسوان تدري وانولينه     وعليلك المچتف ولينه

( 44 )

المطلب الثامن

في مكارم أخلاق الحسين عليه السلام

جمع الحسين بن علي عليه السلام الفضائل أجمع , كالعلم وأسراره , وفصاحة اللسان وبيانه، ومنتهى الشجاعة , وأقصى غاية الجود والعدل والصبر والحلم والعفاف والمروءة والورع والزهد ومكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال , كما خصه الله عزوجل بسلامة الفطرة , وجمال الخلقة , ورجاحة العقل , وقوة الجسم , وأضعف إلى هذه المحامد كلها كثرة العبادة , وأفعال الخير , كالصلاة والصوم و الحج, والجهاد في سبيل الله , والأحسان للناس , وكان عليه السلام سخيا بماله , متواضعا للفقراء , معظماً عند الخلفاء , مواصلا للصدقة على الأيتام والمساكين , منتصفا للمظلومين , وكان عليه السلام علم المهتدين , وهدى للمسترشدين بأنوار محاسنه وآثار فضله.

اما علمه فإنه كان يغر العلم غرا , وأنه ورث العلم من جده رسول الله صلى الله عليه واله وسلم , ومن أبيه علي عليه السلام , ومن كان النبي صلى الله عليه واله وسلم معلمه ومن كان ابوه علي بن أبي طالب

(تخميس)
رأت الرمح زينب حين مالا     وعليه رأس الحسين تلالا
خاطبته مذ راح يزهو هلالا
يا هلالا لما استتم كمالا     غاله خسفه فأبدى غروبا

( 45 )

وامه فاطمة الزهراء ناشئا في أصحاب جده وتلامذة أبيه فلا شك انه كان يغر العلم غرا , ومنه أخذ علم الجفر والجامعة الأئمة التسعة صلوات الله عليهم.

وكان الناس يقدمون على الحسين عليه السلام وينتفعون بما يسمع منه , ويضبطون ما يروون عنه من الأحاديث والفتيا .

وأما فصاحته , ناهيك عن خطبته التي خطبها بالمدينة ومكة قبل خروجه إلى العراق , والتي سجلها له التاريخ في كربلاء , فمن خطبته الشهيرة بمكة إذ يقول في أولها :

« ألا إن الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين , بين السلة والذلة , وهيهات منا الذلة , يأبى الله لنا ذلك , ورسوله , والمؤمنون , وحجور طابت , و بطون طهرت , وانوف حمية , ونفوس أبية , من أن تؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام» (2) .

واما شجاعته فصارت تضرب بها المثل , قال صاحب اسعاف الراغبين : «كان الحسين شجاعا مقداما من حين كان طفلا» (3) . وروى ابن أبي الحديد في شرح النهج قال : فيما أفتخرت به بنو هاشم على بنو أمية قولهم : من مثل الحسين بن علي عليه السلام يوم الطف , ما رأينا مكثورا (4) قد فرق من اخوته واهله وانصاره أشجع منه , كان كالليث الوجوب يحطم الفسان حطما , وما ظنك برجل أبت نفسه الدنيا الدنيه وأن يعطي بيده , فقاتل حتى قتل

(1) كشف الغمة في معرفة الأئمة : 2/29 .
(2) الملهوف على قتلى الطفوف : 155 , واظر تاريخ ابن عساكر : 317 .
(3) اسعاف الراغبين : 202 «بهامش نور الابصار للشبلنجي».
(4) المكثور : المغلوب .

( 46 )

هو وبنوه واخوته وبنو عمه , بعد بذل الامان لهم والتوثقة بالايمان المغلظة , وهو الذي سن للعرب الإباء , واقتدى به أبناء الزبير وبنو الملهب , وغيرهم (1) .

وقال ابن أبي الحديد أيضا : سيد أهل الإباء , الذي علم الناس الحميه واموت تحت ظلال السيوف , اختيارا له على الدنية , أبو عبدالله الحسين بن علي بن أبي طالب عليهما السلام , عرض عليه الأمان وأصحابه , فأنف من الذل وخاف من ابن زياد أن يناله بنوع من الهوان مع أنه لا يقتله , فاختار الموت على ذلك , قال : وسمعت النقيب أبا زيد يحيى ابن زيد العلوي البصري يقول كأبيات أبي تمام في محمد بن حميد الطائي ما قيلت الى في الحسين عليه السلام :

وقـد  كان فوت الموت سهلا فرده      إلـيه  الحفاظ المر والخلق والوعر
ونـفس  تـعافي الضيم حتى كأنه      هو  الكفر يوم الروع أو دونه الكفر
فـأثبت فـي مستنقع الموت رجله      وقال  لها من تحت أخمصك الحشر
تـردى ثياب الموت حمرا فما أتى      لها الليل إلا وهي من سندس خضر

وقال صاحب كشف الغمة: شجاعة الحسين يضرب بها المثل , وصبره في الحرب أعجز الأواخر والأول , وأما سخاءه وجوده, فأنه كان يهب الألوف من الدنانير حتى عد من سادات أجواد العرب , (3) .

روى «ابن عساكر» في تأريخه عن أبي هشام القناد انه كان يحمل إلى الحسين عليه السلام بالمتاع من البصرة , ولعله لا يقوم حتى يهب عامته , ودخل عليه السلام يوما على اسامة بن زيد وهو مريض فسمعه يقول : واغماه , فقال له الحسين عليه السلام: وما غمك يا أخي؟ قال : ديني وهو ستون ألف درهم ؛ فقال الحسين عليه السلام : هو علي , قال : إني

(1) و (2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد .
(3) كشف الغمة في معرفة الأئمة : 2/20 .

( 47 )

أخشى أن أموت ؟ فقال عليه السلام : لن تموت حتى أقضيها عنك , فقضاها قبل موته ( (1)) .

أما جماله وحسنه : فقد كان يشبه جده رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بجمال وجهه الشريف , قال «صاحب الخزانة» في ترجمة «عبيدالله ابن الحر الجعفي» أنه قال : ما رأيت أحداً قط أحسن ولا املأ للعين من الحسين عليه السلام (2) .

وعن أنس بن مالك : أتى عبيد الله بن زياد على رأس الحسين بن علي عليه السلام , فجعل في طشت فجعل ابن زياد ينكث ثناياه , وقال في حسنه شيئا: رحمك الله يا حسين فلقد كنت حسن الثغر، فقال أنس إبن مالك: كان أشبههم برسول الله صلى الله عليه وسلم (3) .

وأما عبادته : فإنه كان ينهج نهج أبيه أمير المؤمنين عليه السلام في عبادته , فقد ذكر «الملك المؤيد أبو الفداء» في تاريخه قال: كان الحسين يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة , وقد حج خمس وعشرين حجة ماشيا على قدميه ونجائبه تقاد بين يديه , إلى غير ذلك من عبادته (4).

وأما تواضعه : فقد ذكر «ابن عساكر» في التأريخ الكبير : أن الحسين عليه السلام مر بمساكين يأكلون في الصفة , فقالوا : الغداء ؛ فنزل عليه السلام وقال : إن الله لا يحب المتكبرين , فتغدى , ثم قال لهم : قد أجبتكم فأجيبوني , قالوا : نعم , فمضى بهم إلى منزله وقال للرباب خادمته: اخرجي ما كنت تدخرين (5) .

أقول يظهر من الرواية أن ابن عساكر اشتبه في الرباب خادمة الحسين عليه السلام ،

(1) تاريخ ابن عساكر .
(2) خزانى الادب للبغدادي : 1/298 .
(3) انظر تاريخ ابن عساكر «ترجمة الإمام الحسين عليه السلام»: 46/49 , 50 ، 51 .
(4) تاريخ أبي الفداء . وذكر ذلك ايضا :ابن عساكر في تأريخه )ترجمة الامام الحسين عليه السلام( : 215 و216 .
(5) تاريخ ابن عساكر (ترجمة الامام الحسين عليه السلام) : 218/198 .

( 48 )

وما سمعنا أن للحسين خادمة اسمها رباب , لكن رباب زوجته وهي بنت امرء القيس الكندي الذي يقول فيها :

لعمرك إنني لأحب داراً     تحل بها السكينة والرباب

أحبهما وأبذل جل مالي     وليس لعاتب عندي عتاب (1)

(1) كتاب الأغاني : 16/138 .
نعم إن الحسين عليه السلام آلت ان لا تستظل تحت ظل بعد شهادة أبي عبد الله عليه السلام وذلك لما رجعت مع النسوة إلى المدينة أمرت البناء أن يرفع السقف وكان لها بكاء ونحيب على فقد الامام الحسين عليه السلام وولدها عبدالله الرضيع , ولسان حالها :
(الموشح)
دايـك  مـا يـطيب وداي أبوك النوب      داي  الـلي يـفلش ولـو سـبع اگلوب
حـسبت  احساب واحسابي طلع مگلوب      سـكنة امـيسرة وانـته الـفگد يرجاي
يـا  رجـواي يـلغيرك بـعد ما لوليت      اخلاف احسين عيب اگعد تحت ظل بيت
يـبني لـكربلا يـبني عـسن لاجـيت      يـبني  اتـموت يـبني ما شربت الماي
(تخميس)
سألت ربع الندى والدمع ينهمل     عن معشر هاهنا عهدي بهم نزلوا
أين استقلوا عن الاوطان وارتحلوا
بالأمس كانوا معي واليوم قد رحلوا     وخلفوا في سويد القلب نيرانا

( 49 )

المطلب التاسع

في ترجمة يزيد وكفره

ذكر «القرماني» في تأريخه : عن أبي الدرداء قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول : «أول من يبدل سنتي رجل من بني امية يقال له يزيد ابن معاوية وامه ميسون الكلبية» (1) .

وذكر أرباب التاريخ : انه دخل معاوية ابن أبي سفيان يوما على زوجته ميسون بنت بجدل بن أنيف الكلبي فسمعها تنشد هذه الابيات :

لـلبس  عباءة وتقر عيني      أحب إلي من لبس الشفوف
وبـيت  تخفق الارياح فيه      أحب  إلي من قصر منيف
وبكر يتبع الأضعان صعب      أحـب إلي من بغل زفوف
وكلب ينبح الأضياف دوني      أحـب  إلي من هر ألوف
وخرق  من بني عمي فقير      أحـب إلي من علج عنيف

فقال لها معاوية : مارضيت يا ابنة بجدل حتى جعلتيني علجا نيفا , إلحقي بأهلك . فمضت إلى أهلها مع عبد أبيها (2) .

وروى المداءني في كتاب بهجة المستفيد : ان يزيد ابن معاوية امه ميسون

(1) و(2) أخبار الدول وآثار الاول للقرماني : 130 .

ثمرات العواد /ج1 50

بنت بجدل الكلبية امكنت عند أبيها من نفسها فحملت بيزيد , وإلى هذا أشار النسابة البكري من علماء السنة بقوله:

فإن يكن الزمان أتى علينا     لقتل الترك والموت الوحيي (1)

فقد قتل الدعي وعبد كلب     بأرض الطف أولاد النبي

اراد بالدعي عبيد الله ابن زياد , فإن أباه زياد بن سمية , وهذه كانت عاهرة ذات علم , ولدت زيادا على فراش أبي عبيد من بني علاج , فادعى معاوية أن أبي سفيان زنى بام زياد و أنه اخوه وكان اسمه «الدعي» حتى أن عايشة كانت تسميه زياد ابن ابيه لأن ليس له أب معروف , (2) ومراده بعبد كلب وهو يزيد بن معاوية لأنه من عبد بجدل الكلبي .

وكانت ولادته في ايام عثمان ابن عفان , سنة خمس وعشرين في بادية طب بني أخواله , وهم نصارى , وتربى هناك تربيه نصرانية حتى إذا ترعرع جيء به إلى أبيه , وكان لا يشابه أباه , ضخم الجسم , كثير اللحم , اسمر , في وجهه اثار الجدري , ولقد بويع له بالخلافة يوم وفاة أبيه معاوية , وكانت ولايته ثلاث سنين وستة أشهر .

ففي السنة الأولى : قتل الحسين بن علي بي أبي طالب عليهم السلام سيد شباب أهل الجنة .

(1) موت وحي [أي] سم حي: سريع: انظر :
(2) نقول: قال الذهبي في سير أعلام النبلاء :
يقال: «إن أبا سيان أتى الطائف , فسكر , فطلب بغيا , فواقع سمية , وكانت مزوجة بعبيد , فولدت من جماعه زيادا , فلما رآه معاوية من أفراد الدهر , أستعطفه وادعاه , وقال : نزل من ظهر أبي» . انظر سير اعلام النبلاء للذهبي : 3/495 .
وفي صحيح البخاري في (الفرائض) / باب (من ادعى الي غير أبيه) : 8/194 , وفيه : قال صلى الله عليه واله وسلم : «من ادعى الى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام» .

( 51 )

وفي السنة الثانية : نهب المدينة , وأباحها ثلاثة ايام , وفتك الفتك العظيم بأهلها حتى قتل في الوقعة (1) جماعة من الصحابة , ولم يبقي بدري بعد ذلك , وقتل من سائر الناس من الموالي والعرب والتابعين عشرة آلاف , وافتضت ألف عذراء (2) .

وفي السنة الثالثة : غزا الكعبة فهدمها.

قال المسعودي : شمل الناس جور يزيد بن معاوية وعماله , وعمهم الظلم وما ظهر من فسقه , ومن قتل ابن بنت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم , وما ظهر من شرب الخمور , وسيرته سيرة فرعون ، بل كان فرعون أعدل منه في الرعية (3) (4) .

وقال محمد بن علي ـ المعروف بالطقطقي ـ في كتابه «الفخري» : إن يزيد بن معاوية كان موفر الرغبة في اللهو , والقنص , والخمر , والنساء , والشعر (5) .

وفي أيامه ظهر الغناء بمكة والمدينة , واستعملت الملاهي (6) , ومن قوله في الخمرة :

(1) انظر أخبار «وقعة الحرة» في : الفخري في الآداب السلطانية .
(2) قال ياقوت في معجم البلدان (حرة) : واستباحوا الفروج , وحملت منهم ثمانمئة حرة وولدان وكان يقال لأولئك الأولاد أولاد الحرة .
(3) مروج الذهب للمسعودي : 3/68 .
(4) وروى ابن سعد في «الطبقات» ترجمة عبدالله بن حنظلة :
«انه بايع أهل المدينة ـ ليلة الحرة ـ على الموت , وقال : ياقوم , اتقوا الله وحده لا شريك له , فوالله ما خرجنا على يزيد حتى خفنا أن نرمى بالحجارة من السماء , إن رجلا ينكح الامهات والبنات والخوات , ويشرب الخمر , ويدع الصلاة , والله لو لم يكن معي أحد من الناس لأبليك لله فيه بلاءا حسنا» . انظر طبقات ابن سعد : 5/66 .
(5) الفخري في الآداب السلطانية : 98 .

( 52 )

أقول لصحب ضمت الكأس شملهم     وداعي صبابات الهوى يترنم

خذوا بـنصيـب مـن نعيم ولذه     فكل وإن طال المدى يتصرم

وهو القائل لما نهاه أبوه عن شرب الخمر الكثير :

أمن شـربة من ماء كـرم شربتها     غضبت علي اليوم طاب لي الخمر

سأشرب فاسخط او رضيت كلاهما     حبيب إلى قلبي عـقوقك والسـكر

يروى أن معاوية أرسل سرية إلى قسطنطنية الروم وأمر عليها سفيان ابن عوف ثم ورد الخبر أنهم أصابهم جوع ومرض شديد , فأنشأ يزيد يقول :

إذا ارتفعت على الانماط مصطبحا     بدير مران عندي ام كلثوم

فما ابـالي بمـا لاقت جـنودهم     بالغذ قذونة من حمى وموم (1)

وكان له قرد يكنى بأبى قيس , يحضره في مجلس منادمته , ويطرح له متكأ , وكان قردا خبيثا , وكان يحمله على أتان وحشية , قد ريضت وذللت لذلك بسرج ولجام , وكان يسابق بها الخيل يوم الحلبة ' فجاء في بعض الايام سابقا , فتناول القصبة ودخل الحجرة قبل الخيل , وعلى أبي قيس قباء من الحرير الأحمر والأصفر , منقوش يلمع بأنواع الألوان , فقال في ذلك بعض شعراء الشام :

تمسك أبا قـبيس بـفضل عنانها     فليس عليها إن سقطت ضمان

ألا من رأى القرد الذي سبقت به     جـياد امـير المؤمنين أتان (2)

وقال المسعودي في «مروج الذهب» : كان يزيد صاحب طرب , وجوار , وكلاب , وقرود , وفهود , ومنادمة علي الشراب , وجلس ذات يوم على شرابه

(1) انظر كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني : 17 /210 .
(2) مروج الذهب للمسعودي : 3/68 .

( 53 )

وعن يمينه عبيد الله بن زياد (1) , وذلك بعد قتل الحسين عليه السلام فأقبل على ساقيه فقال :

أسقني شربة تروي حشاشتي      ثـم قم فاسق بعدها ابن زياد
صاحب السر والامانة عندي      ولـتسديد مـغنمي وجهادي
قاتل  الخارجي اعني حسينا      ومـبيد الاعـداء والـحساد

ويروى ايضا إنه لما جيء أليه برأس الحسين عليه السلام وهو في طشت من لجين وضع بين يديه , فجعل يشرب الخمر ويصب فضلته حول الطشت ألذي فيه رأس الحسين عليه السلام وهو يتمثل بأبيات ابن الزبعري :

ليت اشياخي ببدر شهدوا     جزع الخزرج من وقع الأسل (3)

ويروى انه لما وضعوا الرؤوس بين يدي يزيد وفيها رأس الحسين عليه السلام جعل يقول :

أبى قومنا أن ينصفونا فأنصفت     قواظب في ايماننا تقطر الدما

نفـلق هاما من رجـال أعزة     علينا وهم كانوا أعق وأظلما

(1) هوعبيد الله بن زياد : كان يكنى أبا حفص , وكان أباه زياد قد طلق امه (مرجانة) وزوجها من شيروية الأسواري ودفع اليها عبيد الله , فنشأ بين الأساورة ومن هنا جاءته اللكنة , وكان ولاه معاوية خراسان ثم ولي البصرة خمس سنين , ولما هلك ابوه ضمت اليه الكوفة فكانت ولايته على العراقيين ثمان سنين , بعد هلاك يزيد اخرجه اهل البصرة من داره واستجار بمسعود بن عمرو الأزدي , ولما قتل مسعود هرب الى الشام فكان مع مروان بن الحكم وكان يوم «مرج راهط» على إحدى مجنبتي عسكره , فلما ظفر مروان بالضحاك بن قيس الفهري وقتله ورده مروان إلى العراق فبينا هو قد قرب من الكوفة إلتقى به إبراهيم بن الأشتر النخعي على جيش من جيوش المختار بن عبيد الثقفي فناجزه الحرب فظفر به وقتله , وكان قتله يوم عاشوراء سنة (67هــ) . راجع ترجمة (عبيدالله بن زياد) في :
(2) مروج الذهب للمسعودي : 3/67 .
(3) هذه الابيات نسبها السيد ابن طاووس في اللهوف إلى ابن الزبعري.

( 54 )

فقام يحيى بن الحكم وهو يقول :

لهام بجنب الطف أدنـى قرابة     من ابن زياد النغل ذي الحسب الوغل

سمية أمسى نسلها عدد الحصى     وبنت رسول الله لـيست بـذي نسل

وجعل يزيد ينكث ثنايا الحسين عليه السلام بعود الخيزران بمنظر من بناته وأخواته .

أتضربها شلت يمينك إنها     وجوه لوجه الله طال سجودها (1)

(1) وزينب عليها السلام كأني بها :
(نصاري)
يحسين راسك حين شفتة     تلعب عصى ايزيد على شفته
ذاك الوطت وجهي لطمتة     صديتله ابـحرگه ونـدهـتة
شلت يمينك يالضربته
(ابوذية)
هضمنا ما جرى اعلى احد وشافه     بري بينه العدو وجرحـه وشافـه
على راس الـسبط تلعب وشافه     عصى ايزيد ويسب حامي الحميه
* * *
أيهدى الى الشامات رأس ابن فاطم    وينكته بالخيزرانة كاشحه

( 55 )

المطلب العاشر

في سبب عداوة يزيد ابن معاوية مع الحسين عليه السلام

الأضغان أصلية وفرعية , أما الأصلية فهي ما وقع بين هاشم وعبد شمس , لأنهما ولدا توأمين وقد إلتصقت إبهام رجل هاشم بجبهة عبد شمس , ففرق بينهما بالسيف وخرج الدم وفتفؤل بوقوع عداوة بين ذريتهما , ومن هنا كانت العداوة بين حرب ابن امية وبين عبد المطلب بن هاشم , وبين النبي صلى الله عليه واله وسلم وبين أبي سفيان بن حرب , وبين علي عليه السلام وبين معاوية .

وأما سبب عداوة يزيد بن معاوية مع الحسين فأنها فرعية (1) .

يروى انه كانت امرأة تسمة ارينب بنت اسحاق زوجة لعبد الله بن سلام , بارعة في الجمال , وكانت مثلاً لأهل لحسنها وجمالها ,فعشها يزيد بن

(1) ذكر هذه القصة «محمد بن مسلم بن قتيبة» في كتاب )الإمامة والسياسة) و(انويري) في (نهاية الإرب) , وذكرها صاحب (المستطرف) وغيرهم من المؤرخين على اختلاف بسيط شأن أرباب التاريخ , انظر : الامامة والسياسه : 1/216 , وثمرات الوراق (بهامش المستطرف) : 1/169 , ونهاية الإرب : 6/180 ـ 185 , وتاريخ الطبري : 2/252 ـ 254 , وطبقات ابن سعد : 1/76 , والمستطرف : وفصل النزاع والتخاصم فيما بينى بني اميه وبني هاشم للبقريزي : (6 , 18 , 38) , والنصائح الكافية للشريف اليمني السيد ابن عقيل : (هامش ص 97) , والأرجوزه اللطيفة لأحمد خيري : 20 ـ 21 (الأبيات 37 ـ 39) .

( 56 )

معاوية وهام بها حتى مرض مرضا ً شديدا , فلما نظر إليه معاوية وهو بتلك الحالة ظن أنه قد أصابه مرض اعيى الأطباء عن معالجته , وقد قيل له : إن ولدك هذا عاشق , ولا تنفعه معالجتنا , وهو لا يبرء حتى تأتيه بطلبته , فانظر ما بغيته وما طلبته , فاذا أتيت به إليه فإنه يبرء ؛ فدعا معاوية عبد له يدعى سرجون , وقال له : اختل مع يزيد واسأله ما بغيته وما طلبته ؟ فاختلى به سرجون وأخبر فأطلعه يزيد على ذلك , فجاء سرجون وأخبر معاوية انه عاشق لأرينب بن إسحاق , فاخذ معاوية يدبر الحيلة في إيصالها له بكل طريق , فأرسل الى زوجها عبدالله بن سلام «أني قلبت الأمر ظهرا لبطن (1)ونظرت فرأيت ان اهل الشام أوباش , وأنهم لا يليقون لهذا الأمر وقد وجدتك مستحقا للخلافة فأقدم إلينا حتى أجعلك ولي عهدي» .

فلما ورد الكتاب على عبدالله بن سلام فرح وسر سرورا عظيما , وتجهز من وقته وساعته وجعل يجد السير ليلا ونهارا , حتى إذا وصل الشام وبلغ معاوية قدومه خرج لاستقباله هو حفدته كأبي الدرداء وأبي هريرة ونظائرهما , فلما نظر عبدالله إلى ذلك اطمأن قلبه وفرح , ثم جئ به الى دار من دور معاوية فأنزل فيها , وبقى في الشام مدة من الزمن , فقال له معاوية يوما : أريد أن أزوجك أبنتي حتى تكون الخلافة لك من بعدي , ـ وكان ذلك على يد أبي الدرداء (2) وأبي هريرة ـ

(1) يعني أمر الخلافة وولاية العهد.
(2) أبو الدرداء هو : عامر بن زيد الانصاري ' كان صحابيا وكان يعد من ثلاثة علماء أهل الأرض قال بن قتيبة : إن أبا الدرداء وأبي هريرة جاءا لعلي ـ ولقد بعثهما معاوية ـ فقالا لعلي : إن لك فضلا لا يدفع , وقد سرت مسيرة فتى الى سفيه من السفهاء , ومعاوية يسألك أن تدفع اليه قتلة عثمان , فإن فعلت ذلك وقاتلك كنا معك ؛ فقال عليه السلام : أتعرفانهم : ؟ قالا : نعم , فقال عليه السلام : فخذاهم , فأتيا محمد بن أبي بكر وعمار بن ياسر والأشتر فقال : أنتم من قتلة عثمان قد امرنا بأخذكم , قال : فخرج اليهم اكثر من عشرة الاف رجل فقالوا : نحن قتلة

( 57 )

فقبل عبدالله , فأخبر معاوية بذلك وجاء معاوية الى ابنته وقال لها : إذا أتاك أبو الدرداء وأبو هريرة ليخطباك لعبدالله فقولي لهما : إن عبد الله كفؤ كريم , وقريب حميم , غير أنه تحت ارينب بنت إسحاق وأنا خائفة أن يعرض لي من الغيرة ما يعرض للنساء , فأتولي منه ما أسخط الله فيه فيعذبني عليه , ولست بفاعلة حتى يفارقها , وإذا طلقها رضيت به بعلاً .

ثم ان ابي الدرداء وابي هريرة جاءا إلى معاوية وقالا له : قد أخبرنا عبدالله وسر سروراً عظيما , فقال لهما معاوية , أن ادخلا على إبنتي وكلماها في هذا الأمر ؛ فدخلا عليه , وعرضا عليه ما ارتضاه لها ابوها , فقالت لهما بالذي علمها أبوها , فجاءا لمعاوية وأخباه بذلك , قال : أمضيا وأعلما عبد الله ببغيتها ؛ فدخلا على عبد الله وأعلما ببغيتها قال : نعم إن زوجتي بنت اسحاق طالق , فطلقها بشهادتهما فرجعا لمعاوية وأخبراه , ولما بلغ لارينب الخبر اعدت بعدتها , وبقي عبد الله باشام راجيا أن يزوجه معاوية ابنته وأن يجعله ولي عهده , فصار معاوية بعد ذلك لا بعبأ به ولا يلتفت إليه .

ولما ان قضت عدت ارينب , دعا معاوية ابي الدرداء وقال له : تمضى الى المدينة خاطبا ارينب لولدي يزيد , وليكن المهر حكمها بالغا ما بلغ ؛ فسار أبو الدرداء حتى إذا وصل المدينة فقال في نفسه : والله لا ابتدأ بشئ قبل أن ازور قبر النبي صلى الله عليه واله وسلم , فجاء ودخل مسجد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فزار النبي صلى الله عليه واله وسلم , ثم خرج وقال في نفسه : لأمضين إلى زيارة سيدي و مولاي الحسين عليه السلام , فلما رآه رحب به وقال

عثمان فقالا : لا نرى امرا شديدا .
وذكر نصر بن مزاحم ان أبا الدرداء رجع من صفين ولم يشهد القتال . انظر : الامامة والسياسة لابن قتيبة 1/128 , ووقعة صفين للمنقري : 190

( 58 )

له : من أين أقبلت يا أبا الدرداء ؟ قال ؟ سيدي من الشام , فقال له الحسين عليه السلام : ما حاجتك ؟ قال : خاطبا ارينب ليزيد ابن معاوية ,فقال له الحسين عليه السلام : أجل اذكرني عندها , واجعل مهرها حكم لسانها بالغاً ما بلغ ؛ فقال : اعرض عليها انشاء الله .

ثم خرج من عند الحسين عليه السلام , فلقيه القثم ابن العباس ابن عبد المطلب (1), فسأله عن سبب مجيئه فأخبره بما جاء فيه , فقال : اذكرني عندها ؛ ثم لقيه عبدالله بن الزبير فسأله عن سبب قدومه الى المدينة , فأخبره بذلك فقال له :اذكرني عندها ؛ قال :افعل . ثم أقبل حتى دخل عليها , فسلم فردت عليه السلام , ورحبت به , فلما استقر بها المجلس قال لها : يا ارينب اني اتيت خاطباً لك ؛ قالت : لمن ؟ قال : لأربعة نفر للحسين بن علي بن ابي طالب , وليزيد ابن معاوية , وللقثم بن العباس , ولعبد الله بن الزبير , والصداق ما تحكمين به انت بالغاً ما بلغ . فتبسمت , فقال لها : لا تتبسمي ولي فيك رغبة , فقالت له : أستشيرك والمستشار لا يخون , فقال : أنا اشير عليك , واعرض لك الحقيقة , أما اذا أردت الدنيا بلا لآخرة فعليك بيزيد ابن معاوية , وإن كنت تريدين الجمال والبهاء فعليك بالقثم ابن العباس , وإن كنت تريدين الشجاعة والبسالة فعليك بابن الزبير إلا انه بخيل , وإن كنت تريدين شرف الدنيا والآخره فعليك بالحسين بن علي بن ابي طالب عليه السلام , وان كنت

(1) القثم ابن العباس بن عبد المطلب : ولد على عهد الرسول صلى الله عليه واله وسلم وليست له رواية عنه لأنه كان صغيرا , وكان من خواص امير المؤمنين عليه السلام , وكان عامله على مكة , وكتب إليه في بعض كتبه : «اقم للناس الحج , وذكرهم بايام الله , واجلس لهم العصرين , فأفت المستفتي وعلم الجاهل وذاكر العالم ... إلى اخر كلامه عليه السلام»ومنها يعرف جلالة قدره وعدالته وثقة امير المؤمنين عليه السلام به , [انظر نهج البلاغة : 3 : 140/67] . وفي رجال الشيخ الطوسي ؟ 55/7 , وفيه: في بعض النسخ المعتبرة قبره بسمرقند ؛ وفي المعارف : 122 , قال ابن قتيبة : قتل بسمرقند

( 59 )

تريدين لا دنيا لا آخرة فعليك بي . قالت : إعقدها للحسين بن علي عليه السلام ؛ فعقدها أبو الدرداء للحسين عليه السلام , وبذل لها الحسين اموالاُ جزيرة , وأفرغ لها دارا وأعزها وأكرمها , ولم يصل إليها ولم يدخل بها , وأما عبد الله بن سلام فإن معاوية تركه وقكع عنه روافده لسوء قوله فيه , وأسقط ما في يديه , فرجع الى المدينه وقد بلغه ما فعل الحسين عليه السلام سر سروراً عظيما , حيث انها لم تصل الى ليزيد ابن معاوية فصادف الحسين عليه السلام في الطريق فسلم عليه وقبل يده , فقال له الحسين عليه السلام : يا عبد الله ما فعل بك معاوية ؟ قال : سيدي ما لا خفاء به عليك . فقال له الحسين : ألك حاجة عند ارينب ؟ قال : نعم , اودعت عندها حقاً , وفيه شئ من الدر , سيدي أسألها لعلها ترده علي , . وكان يظن أنها تجحده لطلاقها من غير سبب كان منها له , فقال له الحسين عليه السلام : امض بنا اليها , فمضى عبد الله يمشي خلف الحسين عليه السلام , حتى وافيا المنزل فصاح الحسين عليه السلام : ربة الخدر أرسلي عليك جلبابك ؛ فأرسلت عليها جلبابها ثم سألها الحسين عليه السلام عن الحق , قالت : نعم هو عندي ولا أعلم بما فيه , وانه مختوم بخاتمه . ثم قامت ودخلت الحجرة وجاءت بالحق فوضعته بين يدي الحسين عليه السلام , فلما نظر اليه عبدالله والى ختمه على حالته بكى , فقال له الحسين : مم بكاؤك ؟ قال : سيدي لحسن وفائها وأنها لم تخني بشئ قط منذ كانت عندي , وأبكي أسفا على ما ابتليت به . فقال له الحسين عليه السلام : أتحب ؟أن ترجع إليها ؟ فسكت عبد الله ؛ فقال الحسين عليه السلام : أشهد الله انها طالق ثلاثاً , اللهم إنك تعلم أني لم استنكحها رغبة في مالها ولا في جمالها ولكني اردت احلالها لبعلها .

قال الراوي : ولم يأخذ الحسين عليه السلام ما ساق لها من مهرها قليلا ولا كثيرا , وكان عبدالله سأل ارينب التعويض على الحسين عليه السلام , فأجابته إلى ذلك شكرا لما صنعه , فلم يقبل الحسين عليه السلام وقال : الذي أرجو عليه الثواب خير لي منه ؛ فلما

( 60 )

انقضت اقراؤها تزوجها عبدالله بن سلام , وعاشا متحابين حتى قبضهما الله تعالى (1) .

قال الراوي: ولما بلغ يزيد ابن معاوية صنع الحسين عليه السلام عظم ذلك عليه , وبقي قبله يغلي على الحسين عليه السلام كالمرجل , وكادت شضايا قالبه أن تخرج مع نفسه , لذا لما هلك معاوية كتب يزيد إلى الوليد بن عتبة بن أبي سفيان , وكان والياً على المدينة أن خذ من أهل المدينة البيعة لي عامة , ومن الحسين خاصة , وإن أبى فليكن جواب كتابي هذا مع رأس الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام

ولما خاف الحسين عليه السام أن تهتك حرمة جده خرج من أهل المكة بأهله وعياله , كما قال السيد جعفر رحمه الله :

خرج الحسين من المدينة خائفاً      كخروج موسى خائفاً يتكتم

أقول فلو كان الحسين خائفا من أحد للزم غير الجادة , كما فعل ابن الزبير وأخوه فأنهما هربا على طريق الفرع , والحسين عليه السلام أشاروا عليه في ذلك وقالوا له : لو تنكبت الطريق كما فعل ابن الزبير لئلا يلحقك الطلب ؟ فقال : لا والله , لا افارق الطريق الأقوم حتى يقضي الله ما هو قاض .

ولكنه إنما خرج ليلا خوفا على حرمه لئلا يقع عليهن عيون الأجانب , لذا قال السيد جعفر :

خرج الحسين من المدينة خائفا     كخروج موسى خافاُ يتكتم

وقد انجلى عن مكة وهو ابنها     وبها تشرفت الحطيم وزمزم

(1) انظر الإمامة والسياسة لابن قتيبة : 1/216 , وثمرات الاوراق في المحاضرات : 1/196 .

( 61 )

لم يدر أين يريح بدن ركابه     فكأنما المأوى عليه محرم (1) (2)

(1) انظر ديوان السيد جعفر الحلي رحمه الله .
(2)
(حدي)
يـوم  الذي راعي الشيم      انــوه يـشد الـراحله
جـاب الـمحامل للحرم      كل فرد وجه فرد حيد اله
طـب  لعد زينب مبتسم      عـباس  راعي المرجله
گاللها  يـا ضـنوة علي      گومـي  نـريد لـكربله
گالـتله خـويه مـحملي      يـا  هـو الـذي يتچفله
گاللها  عـيناچ ابـشري      امــرچ نـود نـتمثله
طـلعن  اوعباس ايحدي      والـزمل ضـج اهلاهله
كـل ساع وعباس ونزل      مـحمل الـحره ايـعدله
صـد  له لحسين وناشده      شـنهي نـزلتك بـالفله
گلــه يـخويه نـزلتي      تـدري  بـختنه امـدلله
مـا  تحمل الذل والهظم      نـشات على العز والعله
ريـتك  ياعباس اتحضر      يـوم  اطلعت من كربله
سـترت  وجهها اچفوفها      والدمعه  على الخد سايله
(نصاري)
آنه بگيت امحيره واصفگ باليدين     لا عباس يبرالي ولا احسين
سضربوني من ابچي وتدمع العين     وتبگه عبرتي ابصدري تكسر
(تخميس)
هذه زينت ومن قبل كانت     بفنا دارها يحط الرحال
أضحت اليوم واليتامى عليها     يالقوم تصدق والأنذال

( 62 )

المطلب الحادي عشر

في مراسلة أهل الكوفة للحسين ووصية معاوية ليزيد

وروى المفيد رحمه الله قال : لما قضى الحسن بن علي عليهما السلام اجتمع نفر من أهل الكوفه في دار سليمان بن صرد الخزاعي (1), وكتبوا الى الحسين عليه السلام كتابا يعزونه

(1) سليمان بن صرد الجون الخزاعي :
كان صحابيا , اسمه في الجاهليه : يسار , فسماه رسول الله صلى الله عليه واله وسلم سليمان ويكنى أبا المطرف , ونقل الكشي عن الفضل بن شاذان: أنه كان من التابعين الكبار ورؤسائهم وزهادهم, وقال ابن الأثير في اسد الغابة في «ترجمة سليمان» : وكان له قدر وشرف في قومه , وشهد مع علي بن أبي طالب مشاهده كلها , وهو الذي قتل حوشباذاظليم الألألهاني بصفين مبارزة , وكان فيمن كتب إلى الحسين عليه السلام بعد هلاك معاوية يسأله القدوم إلى الكوفة , فلما قدمها كان في حبس ابن زياد , فلما قتل الحسين عليه السلام ندم وهو المسيب بن نجية الفزاري وجميع من خذله ولم يقاتل معه , وقالوا ما لنا توبه إلا أن نطلب بدمه , وخرجوا من الكوفة مستهل ربيع الآخر سنة اربع وستين , وولو أمرهم سليمان وسموه أمير التوابين , وساروا الى عبيد اله بن زياد , وكان قد سار من الشام في جيش ثير يريد العراق فالتقوا بعين الوردة من أرض الجزيرة وهي رأس عين , قتل سليمان ومسيب وكثير ممن معهما , وحمل رأسيهما الى مروان بن الحكم بالشام وكان عمر سليمان حين قتل ثلاثا وتسعين سنة . انظر رجال الكشي : 96/124 , واسد الغابة : 2/351 , والإصابة : / رقم (3450) , وتاريخ الإسلام للذهبي : 3/17 , والأعلام للزركلي : 3/127 , وتاريخ من دفن في العراق من الصحابة (للمؤلف رحمه الله ) : 219 .

( 63 )

فيه بوفاة اخيه الحسن عليه السلام , وهو :

بسم الله الرحمن الرحيم

إلى الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام .

من شيعته وشيعة أبيه , أما بعد ...

«فقد بلغنا وفاة أخيك الحسن عليه السلام , فرحمه الله , وضاعف حسناته بدرجة جده محمد صلى الله عليه واله وسلم , وأبيه علي عليه السلام , وضاعف لك الأجر بالمصاب , فعند الله نحتسبه , فإنا لله وإنا إليه راجعون مما اصيب بهذه الامة عامة , ورزيت به خاصة , فاصبر يا ابا عبد الله , فان ذلك من عزم الامور , وإنك والحمد لله خلف من كان قبلك , وإن الله يعطي رشده لمن كان سبيلك , ونحن شيعتك المحزونون بحزنك , والمسرورون بسرورك , والمنتظرون لأمرك , والسلام» (1)

ثم صار الناس يقولون : إن هلك معاوية لن نبدل بالحسين أحدا , وصاروا يختلفون إليه , فبلغ ذلك معاوية , فكتب للحسين عليه السلام كتابا يقول فيه :

بسم الله الرحمن الرحيم

من معاوية بن أبي سفيان إلى الحسين بن علي بن أبي طالب ... أما بعد ...

«فقد بلغني عنك أشياء قد انتهت الي , واظنها باطلة , ولعمري إن كان ما بلغني عنك كما ظننت , فأنت بذلك أسعد , وبعهد الله أوفى , ولا تحملني على أن أقطعك , فأنك متى تكدني أكدك , ومتى تكرمني أكرمك , ولا تشق عصى هذه

(1) نقول : لم نعثر على هذه المكاتبة في كتاب الإرشاد في كتاب المفيد رحمه الله , وذكره اليعقوبي في تاريخه باختلاف يسير: انظر تاريخ اليعقوبي : 2/216 .

( 64 )

الأمة فقد خبرتهم وبلوتهم, فانظر لنفسك ولدينك , والسلام» (1) .

فلما وصل الكتاب إلى الحسين كتب إليه :

أما بعد ... فقد وصلني كتابك , وفهمت ما ذكرت فيه , ومعاذ الله أن أنقض عهداً عهده إليك أخي الحسن عليه السلام , وأما ما ذكرت من الكلام , فإنما أوصله اليك الوشاة الملقون بالنمائم , فإنهم والله يكذبون , والسلام .

ولما وصل الكتاب الى معاوية امسك عنه , ولم يجبه إلى أن أحس بدنو اجله , وكان نغله يزيد غائبا , فدعى بدواة وبياض , وكتب له وصية , وهي:

بسم الله الرحمن الرحيم

أما بعد ... فان الله خلق كل شئ لميقات يوم معلوم , ولو خلد في هذه الدنيا أحد , لكان رسول الله أولى بذلك , يا بني اوصيك بوصية لا تزال بخير ما دمت حافظا عليها , اوصيك بأهل الشام فانهم منك وأنت منهم , فمن قدم عليك منهم فأكرمه : وإذا دهمك عدو سر بهم إليه , وإذا ظفرت فردهم الى بلدهم , فإنهم متى أقاموا بغير بلدهم فسدوا عليك , لأنهم لا يعقلون , وانظر يا بني الى اهل العراق في امورهم , فان سألوك ان تعزل عنهم في كل يوم عاملاً فافعل , فإن عزل العامل أهون عليك من شقق العصى , واعلم يا بني إني قد وطئت لك البلاد , وذللت لك رقالب العباد , ولا اخشى عليك إلا من أربعة أنفار , فإنهم لا يبايعونك , أولهم : عبد الرحمن بن أبي بكر , فأنه صاحب الدنيا , فمده بدنياه , وأعطه ما يريد .

والثاني : عبد الله بن عمر (2) , فإنه صاحب محراب وقرآن , وقد تخلى من

(1) الإمامة والسياسة : 1/201 . (2) هو عبدالله بن عمر بن الخطاب , كان يكنى أبا عبد الرحمن , أسلم مع أبيه بمكة وهو صغير , يروى أنه دخل على الحجاج أيام عبد الملك بن مروان وقال له : مد يدك اُبايعك لعبد الملك , .

( 65 )

الدنيا ولا أظنه ينازعك في هذه الأمر .

والثالث عبد الله ابن الزبير , فإنه يراوغك مراوغة الثعلب , ويجثوا لك جثو الأسد , فإن حاربك فحاربه , وإن سالمك فسالمه , وإن أشار عليك فاقبل مشاورته.

والرابع : الحسين بن علي بي أبي طالب , يا بني فإن الناس لا يدعونه حتى يخرج عليك , فإن ظفرت به فاحفظ قرابته من رسول الله , واعلم يا بني أن أباه خير من أبيك , وإن اُمه خير من اُمك , وإن جده خير من جدك , وللمرء ما بقلبه , وهذه وصيتي إليك والسلام (1).

أقول : لو أمعنا النظر إلى هذه الوصية التى اوصا بها معاوية نغله لوجدناها في الحقيقة كما يقال : (كلمة حق يراد بها باطل(, كأنه يريد ان يقول : لا يعزب عنك ان الحسين بن رسول الله وابوه أمير المؤمنين واُمه سيدة نساء العالمين , وهو حي يرزق , والأبصار شاخصة له , وله الأهلية في الخلافة , لشرفه وفضيلته , فالناس لا يتركونه حتى يبايعون له , ويخرج الأمر من يدك , فإذا ظفرت به فاقتله .

لذا كتب الى الوليد كتابا في أخذ البيعة له من الحسين وإن أبى فليكن رأس الحسين مع جواب الكتاب , وبعدها كتب إلى ابن زياد في أمر الحسين عليه السلام , وكتب ابن زياد إلى قائد جيش الظلال وهو عمر ابن سعد : فإذا قتلت حسينا فأوطئ

فمد الحجاج اليه رجله ـ وكان نائما ـ وقال له : إصفق على هذه , وبعد هذا دس إليها الحجاج رجلا من جنده فسم زج رمحه والتقى معه في الطريق , فزحمه وطعنه في ظهر قدمه بالزج المسموم , فتورمت قدمه وسرى السم في جسمه فمات . انظر ترجمة (عبدالله بن عمر) في : طبقات ابن سعد : 4/105ـ 138 , تهذيب الأسماء : 1/278 , الأعلام : 4/108
(1) ذكر الجاحظ في كتابه البيان والتبين وصية معاوية بتحريف , منها : وأما الحسين فإني أرجو أن يكفيك الله بمن قتل أباه وخذل أخاه . انظر : البيان والتبين : 2/106 .

( 66 )

الخيل صدره وظهره , فإنه عات ظلوم , فكان كل ذلك بايعاز من يزيد بن معاوية , إذ أن ابن زياد لا يستبد برأيه , وامثال القائد بما أمره به زياد , فلما قتل الحسين أعطى الجيش إرادة لازمة برض الجسد الشريف , ونادى باعلى صوته , من ينتدب للحسين فيوطئ الخيل صدره وظهره ؟ فانتدب اليه عشرة عشرة يقدمهم الأخنس عليه اللعنه , وداسوا صدر الحسين بحوافر خيولهم بمرئ من الحوراء زينب :

يا عقر الله تلك الخيل اذ جعلت     اعضاءه لعوايدها مضاميرا

رضت جلايا الخيل صدري ان سلى     بالطف قلبي رض تلك الاضلع (1)

(1)
(نصاري)
نادى ابن سعد گوموا يـفرسان     العبوا فوگ صدر احـسين ميدان
تعنت خيل عشرة الفخر عدنان     خبوها اعلى صدره اشلون جاسين
(دكسن)
داسـت خيـلهم ظهر المچنة     بـحوافرها يـويلي جلبنة
ظهره فوگ صدره رضرضنه     ردن من بعد ما فعلن الشين
وزينب وكأني بها :
(عاشوري)
يخويه فوگ اصاويبك يرضوك     ولا راعوا شرف جدك ولا ابوك
عـطشان من الـورد منعوك     وچثـته امـعفرة فـوگ الوطية
(ابوذية)
اليمة تـنصب ابـعاشور عـشرة     على الداست اضلوعة اخيول عشرة
متنسه الشابچه اعلى الراس عشرة     لو متنسه اچـفوف ابو فاضل وخية
* * *
ولصدره تطأ الخيول وطالما     بسريره جبريل كان موكلا

( 67 )

المطلب الثاني عشر

في بعض وصية معاوية وتخلف يزيد

وكتابه الى الوليد بن عتبة الى المدينة

قال أهل السير : إن معاوية لما دنا أجله بعث على نغله يزيد , وكان والياً على حمص (1), يأمره بالقدوم إليه , فأقبل إليه الرسول وكان يزيد على سطح الدار , فسمع النحيب , نظر الى سطح الدار فرأى الرسول واقفا , فقال له ويلك مات معاوية ؟ قال : لا , فأنشأ [يزيد] يقول :

جاء البريد بقرطاس يحث به     فأوجس القلب من قرطاسه جزعا

قلنا : لك الويل ماذا في صحيفتكم؟     قال الخليفة أضحى مدفنا وجعا

(1) في ولاية يزيد (لعنه الله) على حمص , قال بها دول الإسلام :37 .
حمص : مدينة مشهورة قديمة وكبيرة , بناها رجل يقال له : حمص بن المهر , وتقع في بلاد الشام بين دمشق وحلب , وتعتبر من المدن الاسلامية المهمة , فيها مشهد أمير المؤمنين علي عليه السلام , فيه عمود عليه موضع إصبعه عليه السلام , (هكذا يقال) ويقال ايضاً : أن فيها قبر (قنبر) مولى امير المؤمنين عليه السلام , وقبر سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم , وبها قبور لأولاد جعفر الطيار عليه السلام , وإن شئت التفصيل أكثر فراجع معجم البلدان للحموي : 2/302 وفيه : ان يزيد بن معاوية كان والياً عليها في خلافة أبيه .

( 68 )

فمادت الأرض أو كادت تميد بنا     حتى كأن قوى أركانها قلعا

ثم تهيأ للمسير من وقته وساعته , وسار إلى الشام فوجده حياً , وكان معاوية قد كتب له وصية كما تقدم , وقد كتب له في أمر الأربعة وكيف يعاملهم , وهم الحسين بن علي بن ابي طالب , وعبدالرحمن ابن ابي بكر , وعبدالله بن عمر , وعبدالله بن الزبير ؛ فقال ارباب التاريخ :

ولما فرغ يزيد من دفن أبيه جلس للعزاء فدخل عليه الناس وهم لا يدرون يعزونه ام يهنئونه , فتقدم اليه عبدالله بن همام السلوي , وقال : آجرك الله يا أمير على الرزية , وبارك لك في العطية , فاشكر الله على عطيته , واصبر على عظيم رزيته , ثم أنشأ يقول :

اصـبر  يزيد لقد لاقيت معظلة      واشكر ايادي التي للملك أعطاكا
لا  رزء أعظم والأقوم قد علموا      لـقد  رزيـت ولا عقباً كعقباكا
أصبحت والي جميع الناس كلهم      فـأنت تـرعاهم والله يـرعاكا

ودخل عليه الضحاك بن قيس الفهري , وقال : يا أمير أصبحت خليفة ورزيت بخليفة , هنيئت بالعطية وأجرت على الرزية .

ولما تمت له الامور كتب إلى الوليد ابن عتبة ابن أبي سفيان , كتاباً يأمره بأخذ البيعة له من أهل المدينة عامة , ومن الحسين بن علي , وعبد الرحمن ابن ابي بكر , وعبدالله ابن عمر , وعبدالله ابن الزبير, خاصة (1).

وقال اليعقوبي في تأريخه : كتب إلى الوليد بن عتبة بن أبي سفيان , وهو عامل المدينة :

(1) المنتظم لابن الجوزي : 5/322 , تاريخ الاُمم والملوك للطبري : 5/338 ـ 328 , وانظر كتاب التعازي والمراثي لابن المبرد : 119 ـ 121 .

( 69 )

إذا أتاك كتابي هذا فأحضر الحسين بن علي , وعبد الله بن الزبير , فخذهما بابيعة , فان امتنعا فاضرب عنقيهما , وابعث الي برأسيهما , وخذ الناس بالبيعة , فمن امتنع فانفذ فيه الحكم , وفي حسين بن علي وعبدالله ابن الزبير , والسلام (1) .

فلما وصل اليه الكتاب بعث على مروان بن الحكم , فأحضره واستشاره في أمر هذه الأربعة , فقال له مروان : الرأي أن ترسل إليهم في الليل , وتدعوهم الى البيعة, فإن فعلوا فذاك , وإلا فاضرب عنقهم . ولما جن الليل أنفذ الوليد اليهم رسولاً , فذكر له أنهم مجتمعون عند قبر النبي صلى الله عليه واله وسلم , فجاء إليهم وقال لهم , إن الأمير يدعوكم ؛ فقالوا له : انصرف , نحن نأتي خلفك . فلما أنصرف الرسول قال ابن الزبير للحسين عليه السلام : يابن رسول الله أتدري ماذا يريد منا الوليد ؟ قال عليه السلام : نعم إن معاوية قد مات , وقد خل نغله يزيد من بعده , وولاه الأمر , وقد وجه في طلبكم ليأخذ منكم البيعة له , فما أنتم قائلون ؟ فقال عبد الرحمن ابن بي بكر: أما أنا فأدخل داري وأغلق علي الباب ولا أبايعه ؛ وقال عبد الله بن عمر : أما أنا فعلي بقرآءة القرآن ولزوم المحراب ؛ وقال ابن الزبير : أما أنا فلا اُبايع , حتى يصير السيف والرمح بيني وبينه ؛ وقال الحسين عليه السلام : أما أنا فأجمع فتيتي وأتركهم بباب الدار وأدخل على الوليد , فأناظره ويناظرني , وأطالب بحقي .

قال الراوي : ثم تفرقا , وجاء الحسين عليه السلام الى داره وجمع مواليه وإخته , وهو تسع عشر , وخرج حتى وافى دار الوليد , فقال لإخوته : أنا داخل على هذا الرجل فاجلسوا انتم على الباب , فإن سمعتم صوتي قد علا فقد هجموا عليه لتمنعوه عني ؛ ثم دخل عليه فوجد عنده مروان بن الحكم , فقام الوليد اجلالاً له , ورحب به وأجلسه إلى جنبه , ثم أخرج إليه كتاب يزيد , ونعى إليه معاوية , ودعا الى

(1) تاريخ اليعقوبي : 2/229 .

( 70 )

البيعة .

فقال الحسين عليه السلام : انا لله وإنا إليه راجعون , إذا مثلي لا يبايع سراً , ولا أظنكم تردون مني في السر , ولكن إذا خرجت إلى الناس ودعوتهم الى البيعة كنت أول مبايع . وكان الوليد يحب حسن العواقب بالُامور , فقال له : انصرف يا أبا عبد الله على اسم الله , حتى تأتينا غداً . فقال له مروان : إن فاتك الثعلب لم تر إلا غباره فلا تدعه يخرج إلا يبايع أو تضرب عنقه ؛ فلما سمع الحسين كلامه وثب إليه قائماً على قدميه , وقال له : يابن الزرقاء (1) أنت تقلتني أم هو ؟! كذبت والله واثمت ؛ ثم التفت الحسين عليه السلام الى الوليد , وقال له : يا أمير نحن أهل بيت النبوة , ومعدن الرسالة , بنا فتح الله , وبنا يختم , ويزيد رجل فاسق شارب الخمر , ومثلي لا يبايع مثله , ولكن نصبح وتصبحون , وننظر وتنظرون , أينا أحق بالبيعة والخلافة .

فبينا هو كذلك اذ دخلوا اخوة الحسين مجردين سيوفهم , وكأني بهم يقدمهم أبو الفضل العباس شاهراً سيفه , منتظراً أمر أخيه الحسين .

قال الراوي: ثم خرج الحسين من عند الوليد وقد احدقت به اخوته، وهو يقول:

لا ذعرت السوافي فلق الصبح      مغيراً فلا دعيت يزيدا

(1) الزرقاء : هي جدة مروان وهي كانت مشهورة بالفجور , وكانت لمروان مع الحسين عليه السلام مواقف كثيرة , وكان شديد العداوة للحسين عليه السلام , منها : انه صعد يوما على المنبر بالمدينة وقال : يا بني هاشم انما فخركم بامرأة وهي فاطمة وكان الحسين عليه السلام جالساً فقام إليه ولوى عمامته في عنقه حتى خرج الدم من انفه , ثم أراد قتله فأقسم الناس عليه بجده رسول الله صلى الله عليه واله وسلم إن يتركه فترك . انظر : تاريخ الطبري : 4/338 , وتاريخ اليعقوبي : 2/229 , وتاريخ الخميس : 2/297 , وتاريخ ابن خلدون : 3/19 , والكامل في التاريخ لأبن الأثير : 4/14 .

( 71 )

يوم أعطي مخافة الموت ضميما     والمنايا يرصدنني أن أحيدا

أقول : أجل أين كانت عنه هذه الفتية من بني هاشم لما افترق عليه أهل الكوفة أربعة فرق , نعم كانوا بقربة مجزرين كالأضحي :

على الأرض صرعى من كهول وفتية     فرادا على حر الصفا وتوام (1)

(1) وكأني بالحسين عليه السلام لما نظر الى اصحابه صرعى مجزرين على أرض كربلاء :
(بحراني)
ظـل يـناديهم يـفرساني تـخلوني وحـيد      شالسبب عفتوا مخيمكم او نمتوا على الصعيد
لا  ولـد ليه بقه يحمي حريمي او لا عضيد      اوابـن  سـعد بـعدي يسير هالحراير نيتة
واشـلون يا عباس تتركني او حريم امحيره      عـايف الـخيمة يـبوفاضل ونـايم بالثرى
وهـاي زينب عگب عينك بالحرم متمرمره      او تـدري باليفگد عضيده اتقل يخويه حيلته
(موشح)
صاح يا زهير او يا مسلم يا هلال ويا حبيب      صـحبتي كـلكم نسيتوها وتركتوني غريب
مـا  تـجون الها اليتامه ذبوني امن النحيب      ظـلت  اجثثهم تموج وتضطرب من نخوته
تصيح يامحنه يبو سكنه ترى احنا مصرعين      شـوفنا  هـذا كـفوفه امگطعه وهذا طعين
صاح  معذورين يالي على التراب امجزرين      واگبـل عـلى امـخيمه عزمه يودع نسوته
(تخميس)
لهفي عليهم وبحد السيف قد صرعوا     وبعدهم لأسى والحزن ارتضع
بالله هل لهم في رجعة طمع
نذر علي لئن عادوا وإن رجعوا     لأزرعن طريق الطف ريحانا

( 72 )

المطلب الثالث عشر

في موبقات معاوية

ذكر ابن عساكر في تأريخه , قال :

«أربعة خصال كن في معاوية لو لم يكن فيه منهن إلا واحدة لكانت موبقة (1) : إنتزاءه على هذه الاُمة بالسفهاء حتى ابتزها امرها بغير مشورة منهم وفيهم بقايا الصحابة وذوالفضيلة (2) , واستخلافه إبنه [يزيد] بعده سكيراً خميراُ يلبس الحرير ويضرب بالطنابير , وادعاؤه زياداً ـ وقد قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : «الولد للفراش وللعاهر الحجر» ـ وقتله حجر ابن عدي؛ فيا ويلاله من حجر , ويا ويلاله من حجر وأصحاب حجر» (3) .

(1) قوله تعالى «وجعلنا بينهم موبقا» أي : مهلكاً , ويوبقهن (أي) : يهلكهن , ومنه : «اعوذ بك من موبقات الذنوب» , اي : مهلكاتها , من إضافة الصفة الى الموصوف , أي : الذنوب المهلكة : الموبق : واد في جهنم ؛ انظر سورة الكهف 18 : 52 , و مجمع البيان : 6/735 , ومجمع البحرين .
(2) قال المبرد في الكامل : ويروى انه يزيد ابن معاوية قال لمعاوية في يوم بويع له على عهده , فجعل الناس يمدحونه ويقرظونه : يا أمير المؤمنين انخدع الناس أم يخدعوننا ؟ فقال له معاوية : كل من أردت خديعته فتخادع لك حتى تبلغ حاجتك فقد خدعته . انظر الكامل للمبرد : 305 .
(3) تاريخ ابن عساكر . ونقله فضيلة الاستاذ المرحوم أحمد خيري عن ابن الأثير والطبري

( 73 )

قال أرباب التأريخ : أما سبب قتله حجر بن عدي , فإنه كان المغيرة بن شعبة والي الكوفة من قبل معاوية , فكان يلعن علي بن ابي طالب عليه السلام في خطبته , فيقوم له حجر بن عدي الكندي ويقول له : إن الفقراء محتاجون , فلو قسمت مال المسلمين عليهم لكان خير من هذا ـ وغرضه أن يهيج عليه , حتى يمتنع من سب أمير المؤمنين عليه السلام ـ فقيل له : لو ضربت عنقه فقد أهاج الناس عليك , فقال : إنه رجل صحابي وتابعي , وما أحب أن ألقى الله بدمه , وسيأتي غيري , فيفعل معه مثل ما يفعل بي , فيتولي قتله .

حتى إذا ولى المصرين زياد ابن أبيه ـ وهما الكوفة والبصرة ـ صار يلعن أمير المؤمنين عليه السلام أمام خطبته , فيقوم له حجر ويقول له مثل ما كان يقوله للمغيرة : قسم المال على الفقراء فإنهم محتاجون , ودع لعن علي بن أبي طالب .

فأمر زياد (لعنه الله) بقبضه , فقبض ومعه ثلاثون رجلاً وبعثه الى معاوية , فلما وصلوا «مرج عذراء» (1) حبسا هناك , فاُخبر معاوية بوصولهم , فأمر معاوية بقتل حجر وبعض من كان معه وعفى عن الباقين لتشفع اقوامهم بهم , فلما قدموا

وايضاً عن ابن عبد ربه , وذلك في ارجوزته اللطيفة :19 / البيت (35) .
انظر : الكامل للتأريخ لابن الأثير : 3/209 , وتاريخ الطبري : 6/157 , والإستيعاب (بهامش الإصابة) : 1/134 .
وفي خزانة الادب للبغدادي نقله ايضاً , وأضافه بعدها ما نصه: (وروي عن الشافعي أنه أسر إلى الربيع أن لا يقبل شهادة أربعة , وهم : معاوية وعمرو ابن العاص والمغيرة وزياد) . انظر خزانة الأدب للبغدادي : 2/519
(1) مرج عذراء : قرية بغوطة دمشق فتحها حجر بن عدي الكندي , وقتل بها (رضوان الله عليه) , وقبره بها وفيها يقول الشاعر :
وكم من قتيل يوم عذراء لم يكن     لصاحبه في أول الدهر قاليا
انظر معجم البلدان للحموي : 4/91 .

( 74 )

للقتل , قال حجر : أمهلوني حتى اصلي لربي ركعتين , فأمهلوه , فقام حجر فتوضأ وصلى ركعتين , أطال فيهما ليرى الناس أنه مسلم موحد , فبم يستحل معاوية قتله؟ فلم ير في ذلك اليوم من يقول له : هذا مسلم وموحد , بم تستحل قتله؟ ولما قتله ؟ فسمعت ابنة حجر بقتل أبيها فأنشأت تقول :

تـرفع  أيـها الـقمر المنير      لـعلك  أن ترى حجراً يسير
يـسير إلى معاوية بن حرب      لـيقتله كـما زعـم الأمـير
تـجبرت الـجبابر بعد حجر      وطاب  لها الخورنق والسدير
وأصـبحت  البلاد به محولاً      كـأن  لـم يـأتها يوم مطير
ألا يـاحجر حـجر بن عدي      تـلقتك الـسلامة والـسرور
أخـاف  عليك ما أردى عدياً      وشـيخاُ فـي دمشق له زئير
فـأن يـهلك فـكل عميد قوم      إلى هلك من الدنيا يصير (1)

وحدث زكريا بن أبي زائدة , عن أبي إسحاق قال : أدركت الناس وهم يقولون : إن أول ذل دخل الكوفة هو لما مات الحسن بن علي عليه السلام وقتل عدي بن حجر الكندي (2) .

إذ أن حجر كان ثقة , معروفاً صحابياً وتابعاً , شهد مع علي عليه السلام صفين ,

(1) قيل هذه الابيات لهند بنت زيد الأنصارية قالتها حينما ساروا بحجر إلى معاوية , وذكر بعضهم ان هذه الأبيات لأخت حجر , ورثاه ايضاً عبدالله بن خليفة الطائي بقوله :
أقول ولا والله أنسى فعالهم     سجين الليالي أو أموت فاقبرا
وكذلك رثاه قيس ابن فهدان بقوله :
يا حجر يا ذاالخير والأجر     يا ذالفضائل نـابـه الذكـر
انظر : ترجمة «حجر بن عدي» من بغية الطالب لابن العديم : 151 , 159 .
(2) تاريخ الطبري : 5/279 , وفي آخره: ودعوة زياد. (أي) : ادعاه معاوية لزياد واستلحاقه بأبي سفيان .

( 75 )

والنهروان , والجمل , وكان من رجاله المشهورين , ولما قتله معاوية ندم على ما فعل , فدخل عليه رجل من الناس , وقال له : أين صار عنك أبي سفيان؟ قال له : حين غاب عني مثلك (1) .

وكان معاوية بعدها يقول, ما قتلة أحداً إلا وأنا أعرف فيم قتلته, وما خلا حجراً فإني لا أعرف بأي ذنب قتله .

وروى اليعقوبي في تاريخه: قال معاوية للحسين بن علي عليه السلام : يا أبا عبدالله علمت أنا قتلنا شيعة أبيك فحنطناهم , وكفناهم , وصلينا عليهم , ودفناهم , فقال الحسين عليه السلام: حججتك ورب الكعبة , لكنا والله إن قتلنا شيعتك , ما كفناهم , ولا حنطناهم , ولا صلينا عليهم , ولا دفناهم (3) .

أقول: لا يخفي على العارف مغزى جواب الحسين عليه السلام , كأنه يقول : إن أصحاب أبي إسلام , وأصحابك ليسوا بإسلام .

وذكر اليعقوبي ايضاً : قالت عائشة لمعاوية حيث حج , ودخل إليها : يا معاوية أقتلت حجراً وأصحابه ؟ فأين عزب حلمك عنهم ؟ أما إني سمعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول : «يقتل بمرج عذراء نفر يغضب لهم أهل السماوات (4) قال : لم يحضرني رجل رشيد يا أم المؤمنين. ويروى ان معاوية كان يقول: ما أعد نفسي

(1) انظر ترجمة حجر بن عدي الكندي في كتاب الصاحب كمال الدين عمر بن أحمد بن أبي جرادة , المعروف «بابن العديم» المتوفي (سنة 660 هـ ) والمطبوع مستلاً من كتابه : بغية الطلب في تاريخ حلب , بتحقيق الدكتور سهيل زكار .
(2) وكان قتل حجر سنة احدى وخمسين , وقيل سنة ثلاث وخمسين من الهجرة .
انظر : المنتظم لابن الجوزي : 5/241 , وتاريخ الطبري : 5/253 , والكامل في التأرخ لابن الأثير : 3/209 .
(3) تاريخ اليعقوبي : 2/219 .
(4) كنز الكمال للمتقي الهندي : 11/30887 , مثله .

( 76 )

حليما بعد قتلي حجراً وأصحاب حجر (1) .

وأما استلحاقه زياد بن أبيه وقد كان زياد يدعي لجماعة , وكان اخطب الناس وألسنهم فخاف معاوية عاقبة أمره لأنه كان يتشيع ويرى ولاية علي بن أبي طالب , ولما قتل أمير المؤمنين عليه السلام استمال الناس لولده الحسن عليه السلام , فخاف منه معاوية , فاستلحق زياداً به لأن أباه أبا سفيان كان من جملة الذين وقعوا على امه سمية ـ فكان ما كان من أمرها ـ فرغبه معاوية بالمال وألحقه به (2), ونسى قول النبي صلى الله عليه واله وسلم : «الولد للفراش وللعاهر الحجر» (3) .

وأما استخلافه يزيد (لعنه الله) من بعده وأخذ البيعة له , فقد رواه المؤرخون كمحمد بن عبدالله بن مسلم بن قتيبة في كتاب الإمامة والسياسة , قال : لم يلبث معاوية بعد وفاة الحسن بن علي عليه السلام إلا يسيراً حتى بايع ليزيد بالشام , وكتب بيعته الى الآفاق وإلى عماله , وكان عامله على المدينة مروان بن الحكم , فكتب له يأمره أن يجمع من قبله من قريش وغيرهم من أهل المدينة , ثم ليبايعوا يزيداً.

فلما قرأ مروان كتاب معاوية أبى ذلك, وأبته قريش, فكتب له , إن قومك قد أبوا إجابتك إلى بيعتك يزيد , فأرني رأيك , والسلام . فلما بلغ معاوية كتاب مروان عرف ان ذلك من قبله , فعزله واستعمل سعيد ابن العاص (4) .

(1) تاريخ اليعقوبي : 2/219 ـ 220 .
(2) تاريخ اليعقوبي : 2/207 ـ 208 .
(3) رواه الترمزي في سننه : 5 : 433 / 2120 و434 / 2121 ـ الباب (5) ـ كتاب الوصايا .
ورواه السيوطي في الجامع الصغير : 2 : 723 / 9688 , وغيرهما باسانيد اخرى , وهو من الاحاديث المتواترة والمسلم على صحتها عند المسلمين عامة وخاصة .
(4) الإمامة والسياسة : 1/197 .

( 77 )

قال أهل السير : وأمر معاوية ان يأتيه من كل مصر وفد إليه , فلما إن وفدت عليه الوفود قال للضحاك بن قيس الفهري : لما تجتمع الوفود عندي , أتكلم فإذا سكت فكن أنت الذي تدعو الى بيعة يزيد , وتحثني عليها , فلما جلس معاوية للناس , وتكلم فعظم الاسلام وحرمة الخلافة وحقها , وما أمر الله بها , ثم ذكر يزيد وفضله وعلمه بالسياسة , وعرض بيعته عليهم , فقام الضحاك وقال : يا أمير المؤمنين انه لابد للناس من وال بعدك , ويزيد ابن أمير المؤمنين في حسن هديه , وقصد سيرته , وهو من افضلنا علماً , وحلماً , فوله عهدك , واجعله علماً لنا بعدك ؛ قال :

وقام عمرو بن سعيد الأشدق وتكلم بنحو من ذلك ؛ وقام يزيد بن المقفع العذري , فقال : هذا أمير المؤمنين ـ وأشار إلى معاوية ـ فإن هلك فهذا ـ وأشار الى يزيد (لعنه الله) ـ ومن أبي فهذا ـ وأشار الى سيفه ـ , فقال معاوية : إجلس فأنت سيد الخطباء .

وقال معاوية للأحنف بن قيس (1): ما تقول يا أبا البحر ؟ فقال : نخافكم إن صدقنا , ونخاف الله إن كذبنا , وأنت يا أمير أعلم بيزيد في ليله ونهاره , وسره وعلانيته (2) .

وروى أبو جعفر الطبري , قال:

بايع الناس ليزيد بن معاوية (لعنه الله) , غير الحسين بن علي بن أبي طالب , وعبد الله بن عمر , وعبدالله الزبير , وعبدالرحمن ابن أبي بكر (3) .

(1) هو أبو البحر : واسمه الضحاك , قيل صخر بن قيس بن معاوية بن حصين بن عبادة بن النزال بن مرة بن عبيد بن الحارث بن عمرو بن كعب بن سعد بن مناة بن تيم التميمي السعدي , والأحنف إنما كان لقبه لأن برجليه حنف ـ اي اعوجاج رجليه ـ وكان مع أمير المؤمنين عليه السلام في صفين وتوفي سنة (67) , انظر تاريخ من دفن في العراق من الصحابة :13 .
(2) الكامل في التاريخ لأبن الأثير : 3/507 .
(3) في المصدر زيادة : وابن عباس , انظر تاريخ الطبري : 5/303 .

( 78 )

أما ابن الزبير فأنه هرب إلى مكة على طريق الفرع هو وأخوه جعفر , وليس معهما ثالث , وأرسل الوليد خلفه أحد وثمانين راكباً فلم يدركوه , وخرج الحسين من المدينة الى مكة فسمع يزيد (لعنه الله) بذلك , فغضب على الوليد لصنعه , وعزله عن المدينة , وولاها عمر بن سعيد الاشدق , فدخلها في شهر رمضان سنة ستين من الهجرة, واما الحسين فإنه خرج من المدينة بفتيتة كما قال الشاعر :

في عصـبة من هاشـم علويـة     طهرت أرومتهم وطاب المولد

ساروا ولو لا قضاء الله يمسكهم     لم يتركوا لبني سفيان من أثـر (1)

(1)
(نصاري)
طـلعوا آل هـاشم عن وطنهم      وظـل خالي حرم جدهم بعدهم
سـاروا ابـليلهم ابـعد ظعنهم      ولن صوت العليلة ابگلب محتر
دريـضوا هـنا يـهلنه للعليلة      يـهلنه افـراگكم مل ليش حيلة
يـهلنه  بـعدكم مـا نـام ليلة      او عـيني من بعدكم دوم تسهر
يـهلنه خـلوا خوية الطفل بالله      يظل  عندي وارحوا وداعة الله
يـهلنه  من المرض گلبي تگلة      يـهلنه خلوا خوية الطفل وسدر
بچن  ويـلي ونـادنها دخـليه      اهـلها  وابـحضن امها درديه
طفل  وفراگ امه يصعب عليه      ولا  امـه عـلى فـرگاه تصر
صـاح يا حسين يا فاطم دردي      دردي لـلمدينة وطـن جـدي
اودي  لچ عـلى ابني او چبدي      ولابـد مـا تـجي يمچ امخبر
(دكسن)
ردت للمدينة وسار أبوها     او ظلت ترتقب عمها وابوها
ظنـت فاطمة لنهم يجوها     اخوها والبطل عمـها المشكر
(تخميس)
من منشد عن صحب هنا نزلوا     مثل البدور بها الانوار تشتعل
من طيبة طلعوا من كربلاء أفلوا
بالأمس كانوا معي واليوم رحلوا     وخلفوا في سويد القلب نيرانا

( 79 )

المطلب الرابع عشر

في زيارة الحسين عليه السلام قبر جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ووداعه

ذكر صاحب مدينة المعاجز وغيره :

لما هم الحسين عليه السلام على الخروج من المدينة الى مكة اقبل في نصف الليل إلى قبر جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقف باكياً , وقال : «السلام عليك يا رسول الله , أنا الحسين بن فاطمة , فرخك وابن فرختك , وسبطك الذي خلفتني من امتك , فاشهد عليهم يا رسول الله انهم قد خذلوني , وضيعوني , ولم يحفظوني, وهذه شكواي اليك حتى ألقاك» . ثم قام عليه السلام وصف قدميه , ولم يزل تلك الليلة قائماً وقاعداً , وراكعاً وساجداً .

وأرسل الوليد الى منزله رسولاً لينظر أخرج الحسين عليه السلام من المدينة ام لا , فجاء الرسول فلم يصبه في منزله , ورجع وأخبر الوليد بذلك فقال : الحمد لله الذي اخرجه ولم يبتلني بدمه .

قال الراوي : وعند الصباح رجع الحسين عليه السلام الى منزله , وفي الليلة الثانية خرج الى القبر ايضاً , فصلى عنده ركعات , ولما فرغ من صلاته جعل يقول : (اللهم ان هذا قبر نبيك محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وأنا ابن بنت نبيك , وقد حضرني من الأمر ما قد علمت , اللهم اني أحب المعروف وأنكر المنكر , وأنا اسألك ياذاالجلال والإكرام بحق القبر ومن فيه , إلا اخترت لي ما هو لك رضى ولرسولك صلاح» . ثم جعل يبكي عند القبر حتى إذا كان قريباً من الصباح وضع رأسه على القبر فأغفى،

( 80 )

فإذا برسول الله صلى الله عليه واله وسلم قد أقبل في ركباً من الملائكة ورعيل (1) من الأنبياء , عن يمينه , وعن شماله , ومن خلفه , وبين يديه , حتى ضم الحسين إلى صدره , وقبل ما بين عينيه , وقال: (حيبي يا حسين كأني أراك عن قريب مزملاً بدمائك, مذبوحاً بأرض كرب وبلاء , في عصابة من أمتي, وأنت مع ذلك عطشاناً لا تسقى, وظمئاناً لا تروى , وهم مع ذلك يرجون شفاعتي، لا أنالهم الله شفاعتي يوم القيامة , حبيبي يا حسين إن أباك وعمك وأخاك قدموا علي , وهم مشتاقون اليك , وإن لك في الجنان درجات لن تنالها الا بالشهادة».

قال الراوي : فجعل الحسين عليه السلام يبكي , ويقول : يا جداه لا حاجة لي بالرجوع إلى الدنيا , خذني إليك وادخلني معك في قبرك :

ضـمني عـندك يا جداه في هذا الضريح      عـلي  يـا جـد من بلوى زماني أستريح
ضاق  بي يا جد من فرط الاسى كل فسيح      فـعسى  طـود الأسـى يندك بين الدكتين
جـدُ صفو العيش من بعدك بالأكدار شيب      وأشـاب الـهم رأسـي قبل أبان المشيب
فـعلى  مـن داخـل الـقبر بكاء ونحيب      ونـداء بـافتجاع يـا حـبيبي يـا حسين
أنـت يـا ريـحانة الـقلب حـقيق بالبلا      إنـمـا  الـدنـيا أعـدت لـبلاء الـنبلا
لـكن الـماضي قـليل بـالذي قـد أقبلا      فـاتخذ درعـين مـن حزم وعزم سابغين
سـتذوق  الـموت ظلماً ظاميا في كربلاء      وسـتـبقى فـي ثـراها ثـاوياً مـنجدلا
وكـأن  بـلئيم الأصـل شـمر قـد علا      صـدرك  الـطاهر بالسيف يحز الوجدين
وكـأني  بـالأيامي مـن بـناتي تستغيث      لـغباً  تستعطف القوم وقد عز المغيث(2)
قد برى اجسامهن الضرب والسير الحثيث      بينها السجاد في الأصفاد مغلول اليدين (3)

(1) الرعيل : اسم كل قطعة متقدمة من خيل أو رجال أو طير , جمعه : رعال . انظر : القاموس المحيط .
(2) لغب : «وتلغب السير فلاناً» أتعبه أشد التعب . انظر : مجمع البحرين .
(3) للدمستاني رحمه الله , انظر : ديوان الدمستاني .

( 81 )

فقال له النبي صلى الله عليه واله وسلم : لابد لك من الرجوع الى الدنيا حتى ترزق الشهادة وما قد كتب الله لك فيها من الثواب الجزيل والثناء الجميل , حبيبي يا حسين فإنك وأباك وعمك وعم أبيك تحشرون يوم القيامة في زمرة واحدة حتى تدخلون الجنة .

قال الراوي : فانتبه الحسين عليه السلام من نومه فزعاً مرعوباً , ورجع إلى منزله وقص رؤياه على أهل بيته وبني عبد المطلب , فلم يكن في ذلك اليوم في مشرق ولا مغرب أهل بيت أشد غماً من آل بيت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم , ولا أكثر باكي وباكية , لأنهم يريدون أن يفارقوا سيدهم وزعيمهم , وهم مع ذلك يعلمون أن ذاك الأمر م الله ورسوله , إذ يقول له جده في منامه : يا بني لابد لك من الرجوع الى الدنيا حتى ترزق الشهادة وما قد كتب الله لك فيها من الثواب الجزيل والثناء الجميل . فكأن النبي صلى الله عليه واله وسلم يقول له , أي بني إن حياة هذه الأمة بشهادتك .

في الحقيقة ان الحسين عليه السلام صار هو المعلم الروحاني لأمة جده , فأخرج الناس من ظلمات الجهل إلى نور الهداية بقتله كما تشير بذلك الزيارة :

«أخرج عبادك من الجهالة وحيرة الضلالة , والذي جرى عليه عليه السلام نزلت به صحف مكرمة وذلك عند موت النبي صلى الله عليه واله وسلم» .

يروى انه استدعى عليا , وأعطاه اثنى عشر صحيفة , وقال : «يا علي هذه الصحف مختومة من رب العزة لك وللأئمة من ذريتك , فانظر أنت ما في صحيفتك واعمل بها» . فكان أمير المؤمنين عليه السلام بعد وفاة النبي صلى الله عليه واله وسلم ينظر في صحيفته ويعمل على ما فيها .

ولما حضرته الوفاة استدعى ولده الحسن عليه السلام , وأعطاه أحد عشر صحيفة وأخبره بذلك , ولما أخذ الحسن عليه السلام صحيفته عمل على ما فيها وبما أمر به إلى أن حضرته الوفاة استدعى الحسين عليه السلام وأعطاه عشرة صحائف وأخبره بذلك , فعمل الحسين على ما فيها وبما اُمر به , حتى إذا جاء كربلاء وقتلت إخوته واولاده وأنصاره وبقي وحيداً فريداً , ناداه منادي : «يا حسين أين المهد بع نفسك وأنا

( 82 )

المشتري» . فقام عليه السلام في ذلك المقام الرهيب ووقف تجاه أعدائه وهم يريدون قتله , ولما حمل عليهم ونازلهم , وقاتلهم مقاتلة الأبطال حتى دمر فيهم وأزالهم عن مواقفهم , فقلب القلب على الجناحين , والظهير على الكمين , ولما نظر قائد الجيش إلى الشجاعة الحسينية قال لأصحابه وهو مشرف على الميدان ينظر إلى الحسين عليه السلام: والله لإن بقي الحسين على هذه الحالة إفنانا عن آخرنا , انظروا كيف الحيلة إلى قتله ؟

فقال شبث بن ربيعي : يا أمير الحيلة أن تأمر الجيش فيفترق عليه أربعة فرق , فرقة بالسيوف , وفرقة بالرماح , وفرقة باسهام، وفرقة بالحجارة ؛ فأنفذ بن سعد ما أشار عليه شبث بن ربيعي , ونادا منادى العسكر : افترقوا عليه اربعة فرق , فرق بالسيوف والرماح والسهام والحجارة .

فوجهوا نحوه في الحرب أربعة     والسيف و السهم والخطي والحجرا (1)

(1)
(نصاري)
دار العسكر على احسين يا حيف      نـاس  بـالرماح وناس باليسف
يشبه  دورها على الليث المخيف      بـياض  الـعين بصبيها ايتدور
تـلگه انـباها احـسين ابوريده      نـوب  بـالضلوع ونـوب بيده
تـلايم  غـيمها واثـجل رعيده      او بـالزانات فوچ احسين يمطر
ثگل  مـا يـندره ابنشابها امنين      يجيه اوزانها يخطف على احسين
سـهم  بيده وسهم ابحاجب العين      يـويلي وافغرت روحه من الحر
(دكسن)
صار اشبيح بيه امن المنية     ألف نبله يويلي او تسع ميّه
وگف تبة نبل بالغاضريّة     اوزور ارماح شابچ عيب يـنطر
* * *
وقف الطرف يستريح قليـلاً     فرماه القضا بـسهـم متاح
فهوى العرش للثرى وادلهمّت     برماد المصاب منها النّواحي

( 83 )

المطلب الخامس عشر

في وداع الحسين عليه السلام للهاشميين والهاشميات وترجمة ام سلمة

يا  بنفسي مودعين وفي العين      بـكاها  وفـي القلوب لظاها
مـن  بـحور تضمنتها قبور      وبـدور  قـد غـيبتها رباها
ركبهم  والقضا بأضغانهم يس      ري وحادي الردى أمام سراها
والـمساعي من خلفهم نادبات      والـمعالي  مـشغولة بشجاها
سـاكبات الـدموع لا تتلاقى      بـين أجـفانها وبـين كراها

كان يوم خرج الحسين عليه السلام من مدينة جده صلى الله عليه واله وسلم أعظم يوم على الهاشميين والهاشميات , إذ إن الحسين كان سلوة لهم عن جده رسول الله صلى الله عليه واله وسلم , وعن أبيه أمير المؤمنين عليه السلام , وعن أخيه الحسن عليه السلام , فأقبلت الهاشميات نساء بني عبد المطلب إلى دار الحسين عليه السلام لوداعه والتزود به ووداع عيالاته وأطفاله , فجعلن يبكين ويندبن , فمشى فيهن الحسين عليه السلام , وقال : انشدكن الله ان لا تبدين هذا الأمر , لأنه معصية لله ولرسوله . فقلن : يا أبا عبد الله فعلا من نتلقى النياحة والبكاء بعدك ؟ وهذا اليوم عندنا كيوم مات فيه الرسول صلى الله عليه واله وسلم , وعلي وفاطمة والحسن عليهم السلام , جعلنا الله فداك يا حبيب الأبرار.

( 84 )

قال الراوي : وجاءت اُم سلمة (1) وقالت له : يا بني لا تحزني بخروجك إلى

(1) ام سلمة :
اسمها : هند , وهي من امهات المؤمنين , بنت أبي امية بن المغيرة بن عبدالله بن عمرو بن مخزوم القرشية المخزومية واسم أبيها : حذيفة , وقيل : سيل , ويلقّب : زاد الراكب , لأنه كان أحد الأجواد , فكان إذا سافر لا يترك أحداً يرافقه ومعه زاد بل يكفي رفقته من الزاد ؛ واُمها عتكة بنت عامر بن ربيعة بن مالك الكنانية , من بني فراس , وكانت زوج ابن عمها أبي سلمة , فمات عندها , وقد اسلمت قديماً هي وزوجها وهاجر إلى الحبشة فولدت له سلمة . ثم قدما مكة وهاجرا إلى المدينة فولدت له عمر , ودرة , وزينب ؛ ولما أراد أن يهاجر بها زوجها إلى المدينة منعه رجال من بني المغيرة ونزعوا خطام البعير من يده , فنضب عند ذلك بنو عبد الأسد وهو والي سلمة , وقالوا : والله لا نترك ابننا عندها إذا نزعتموها من صاحبنا , فتجاذبوا سلمة حتى خلعوا يده وانطلق به عبد الأسد وتركها زوجها حتى لحق إلى المدينة ففرق بينها وبين زوجها وابنه فكانت تخرج الى الابطح تبكي وتولول سبعة ايام , فقال لها قومها : إلحقي بزوجك . فقصدت المدينة، وكان زوجها نازلاً في قرية بني عمرو ابن عوف بقباء، فقصدته وقيل: إنها أول امرأه خرجت مهاجرة الى الحبشة , واول ضعينة دخلت المدينة .
وقال أرباب التاريخ : ولمّا توفي زوجه وانقضت عدتها خطبها أبو بكر فلم تتزوجه , فبعث النبي صلى الله عليه واله وسلم , يخطبها , فقال للرسول : أخبر رسول الله صلى الله عليه واله وسلم إني امرإة غيري وإني امرإة مصيبة , وليس أحد من أوليائي شاهد . فقال : قل لها أما قولك إني امرأة غيري فساعدو الله فتذهب غيرتك , وأما قولك إني امرأه مصيبة فسلي صبيانك , وأما قولك ليس أحد من أوليائك شاهد فليس أحد من أوليائك شاهد وغاب يكره ذلك , فقالت لإبنها عمر : قم فزوج رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ابنتها سلمة .
وأخرج ابن سعد من طريق عروة عن عائشة , قالت : لمّا تزوج رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ام سلمة حزنت حزناً شديدا لما ذكر لنا من جمالها , فتلطفت حتى رأيتها , فرأيت والله أضعاف ما وصفت , فذكرت ذلك لحفصة فقالت : و ما هي كما يقال , قالت : فرأيتها بعد ذلك فكان ما قالت حفصة , ولكنّي كنت غيري , وكانت ام سلمة موصوفة بالجمال البارع والعقل البالغ والرأي الصائب , وأشارتها على النبي صلى الله عليه واله وسلم يوم الحديبة تدل على وفور عقلها و صواب

( 85 )

العراق , فإني سمعت جدك رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول : يقتل ولدي الحسين في العراق بأرض يقال لها كربلاء . فقال لها : يا اُماه والله إني أعلم ذلك وإني مقتول لا محالة وليس لي من هذا بد , وإني والله لأعرف اليوم الذي أقتل فيه , وأعرف من يقتلني , وأعرف البقعة التي أدفن فيها , وأعرف من يقتل من أهل بيتي وقرابتي وشيعتي , وإن أردت يا اماه اريك حفرتي ومضجعي, قال : ثم أشار بيده الشريفة إلى جهة كربلاء .

قال صاحب مدينة المعاجز وإثبات الوصية قال : «بسم الله الرحمن الرحيم» فانخفضت الأرض بإذن الله تعالى حتى أراها مضجعه ومدفنه وموضع عسكره . فعند ذلك بكت ام سلمة وسلمت أمرها إلى الله , فقال لها الحسين عليه السلام : يا اُماه قد شاء الله أن يراني مقتولاً مذبوحاً ظلماً وعدواناً , وحرمي ورهطي ونسائي مسبيين , وأطفالي مشردين .

فقالت ام سلمة : يا أبا عبد الله عندي تربة دفعها اليّ جدك رسول الله صلى الله عليه واله وسلم في قاروة , فقال عليه السلام : والله إني مقتول كذلك , وإن لم أخرج الى العراق يقتلوني .

ثم انه عليه السلام أخذ تربة وجعلها في قارورة وأعطاها إياها , وقال لها : اجعليها مع قارورة جدي رسول الله , فإذا فاضتا دماً فاعلمي أني قد قتلت . فأخذتها ام سلمة ووضعتها مع قارورة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم (1) .

ولمّا سار الحسين عليه السلام الى العراق جعلت ام سلمة كل يوم تتعهد

رأيها .
قال صاحب الاستيعاب :شهدت ام سلمة غزوة خيبر فقالت : سمعت وقع السيف في أسنان مرحب (يعني سيف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام) وهي آخر امهات المؤمنين موتاً . توفّيت سنة 63 من الهجرة . انظر : الإستيعاب بهامش الإصابة , وطبقات ابن سعد
(1) إثبات الوصية للمسعودي: 166 , ومدينة المعاجز للبحراني

( 86 )

القارورتين حتى إذا كان يوم عاشوراء أقبلت على عادتها لتنظر إلى القارورتين فنظرتهما وإذا بهما دماً عبيطا , صاحت وولوت وندبت الحسين , فاجتمعن عندها الهاشميات بخبرتهن بالخبر , ووقعت الصيحة بالمدينة , وصار كيوم مات فيه رسول الله صلى الله عليه واله وسلم , وصار الناس ينتظرون البريد حتى إذا وافى البريد بقتل الحسين جدّجوا العزاء والنياحة على الحسين عليه السلام , وهكذا اتّصلت النياحة حتى يوم ورد السجاد وزين العابدين عليه السلام بعمّاته وبخواته من أسر يزيد (لعنه الله) فاتصلت الصيحات و النياحات على الحسين , ولمّا دخلت الحوراء زينب الى المدينة صارت إلى قبر جدها رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وقد حفّتها الهاشميّات مشققات الجيوب ينادين : وا حسينا . ودخلت زينب على قبر جدها رسول الله صلى الله عليه واله وسلم مناديه : يا جد إني ناعية إليك عزيزك الحسين .

قتلوه بعد علم منهم     إنه خامس أصحاب الكسا (1)

(1) وزينب عليها السلام تخاطب جدّها صلى الله عليه واله وسلم بلسان الحال :
(نصاري)
يجدّي  احسينكم رضّوا اضلوعة      او شاف الموت روعه بعد روعه
يـصد  لعياله او تسچت ادموعه      يـخافنها  عگب عـينه تـيسّر
يـجدّي  احسينكم ذبحوا انصاره      ابـو فـاضل تـكوّر بـالمعاره
وجّ ابگلـب اخـوه حسين ناره      دمـع  عـينه عـلى خدّه تخدّر
(دكسن)
جدّي گوم ذاك احـسين مذبوح     على الشاطي وعلى التربان مطروح
يجدّي ما بگت له من الطعن روح     يـجدّي گـلب اخـويه احسين فطّر
(تخميس)
ولو أن أحمد قد رآك على الثرى     لفرشن منه لجسمك الأحشاء
أو في الطفوف رأت ظماك سقتك     من ماء المدامع امك الزهراء

( 87 )

المطلب السادس عشر

في هيئة سفر الحسين عليه السلام الى العراق

لا يعذر الله ابن أحمد أن يرى     عز الرشاد بذلـة وخضوع

حتى يغض له الوجود مصائبا     تبكي السماء له بحمر دموع

قال أرباب التاريخ : لمّا اراد الحسين عليه السلام الخروج من المدينة جمع أولاده وإخوته , وأولاد أخيه وبنو عمومته , ومواليه وجواريه , ثم أمر بإحضار ماءتين وخمسين مركب من الخيل والجمال , لما أن احضرت أمر أن تحمل عليها الأثقال ما يحتاجه في الطريق ولوازم السفر , كالخيم والمراجل والأواني والقرب , وكل ما هيئه من الامتعة , حتى الزعفران والورس , وكثير من الصناديق المملوءة من البرود اليمانية والحلل السندسية , عدا الصناديق التي ملئت بالدنانير والدراهم , وأمر أيضاً بخمسين شقة من الهوادج حملت على النوق التى أعدها لحمل العائلة من النساء والأطفال والخدم والجواري , وأحضر كل من الهاشميين جواده ثم أمر بإحضار فرس رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وكان يدعى «المرتجز» (1) فركبه

(1) المُرتجز : «اسم فرس لرسول الله صلى الله عليه واله وسلم , سمي بذلك لجهارة صهيله وحسنه , وكان رسول

( 88 )

هو عليه السلام , والمرتجز هو الفرس الذي شهد به خزيمة بن ثابت ذي الشهادتين , وكان صاحبه رجلاً من بني مرة (1) , اشتراه رسول الله صلى الله عليه واله وسلم منه بالمدينة بعشرة أوراق , وقيل : اشتراه رسول الله بأربعة آلاف درهم , واول غزوة غزا به صلى الله عليه واله وسلم عزوة «احد» , وكان من جياد الخيل على ما رواه بن قتيبة في «المعارف» (2) .

ثم لما قبض رسول الله صلى الله عليه واله وسلم انتقل هذه الجواد الى علي بن أبي طالب عليه السلام , وقد ركبه يوم صفين على مارواه نصر بن مزاحم في «كتاب صفين» (3) .

ثم صار من بعده الى ولده الحسين , فركبه «يوم الطف» ووقف قبالة القوم فخطبهم ووعظهم فلم يتّعضوا , وقال عليه السلام : «أنشدكم لله هل تعلمون ان هذه فرس رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أنا راكبه ؟ قالوا : اللّهم نعم» . ولما صرع الحسين عليه السلام يوم الطف من على ظهره , جعل يحوم حول الحسين عليه السلام , ثم مرّغ ناصيته بدم الحسين ونحا نحو خيم العيال يصهل ويحمحم معلناً بقتل الحسين عليه السلام .

قال الراوي : ثم أمر باحضار سيف رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فتقلّد به , وكان اسمه البتّار , وقيل الرسوب , وقيل العضب , وقيل الحتف (4) , وكان مكتوبا عليه هذه البيت :

الله صلى الله عليه وآله قد اشتراه من الأعرابي، وشهد له خزيمة بن ثابت». انظر لسان العرب: 5/352 (مادة: رجز).
(1) انظر الكامل في التأريخ لابن الأثير : 2 / 214 , واسد الغابة للجزري : 1 / 30
(2) المعارف لابن قتيبة : 149 .
(3) وقعة صفين : 403 .
(4) ذكر ابن الأثير في تأريخه «أنه كان لرسول الله صلى الله عليه واله وسلم عدّة سيوف , منها : البتّار والحتف والرسوب والعضب» , انظرالكامل في تاريخ ابن الاثير : 2 / 316 , وانظر لسان العرب : 1 / 418 , وانظر اسد الغابة : 1 30

( 89 )

الجبن عار وفي الإقدام مكرمة     والمرء بالجبن لا ينجوا من القدر

وهو الذي أعطاه إلى علي عليه السلام «يوم اُحد» على ما ذكره السمعاني «في كتاب الفضائل» وحمله أمير المؤمنين عليه السلام في حروبه الثلاث , وقاتل به ثم انتقل إلى ولده الحسين عليه السلام وكان يحارب به «يوم الطف» , ولقد استشهد الحسين عليه السلام على أهل الكوفة به في خطبته , إذ قال : «أنشدكم الله هل تعلمون أن هذا سيف رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أنا متقلده ؟ قالوا : اللهم نعم» . ولمّا إن قتل عليه السلام تكاثرت القوم على سلبه , فأخذه جميع بن الخلق (لعنه الله)

ثم أمر بإحضار درع رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فأفرغها على بدنه الشريف , وكان اسمها الصعديّة , وقيل : فضة , وقيل : ذات الفضول , وقيل: ذات الوشاح (1) , ولقد اعطاها رسول الله صلى الله عليه واله وسلم إلى علي عليه السلام , فأفرغها على بدنه الشريف أيضاً في حروبه الثلاث , البصرة وصفين والنهروان .

ثم من بعده انتقلت إلى ولده الحسين عليه السلام , وقد لبسها «يوم الطف» , ولما ان وعظ القوم وقال لهم فيما قال : «انشدكم الله هل تعلمون أنّ هذا درع رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أنا لابسها ؟ قالوا : اللّهم نعم» . ولمّا قتل سلام الله عليه أخذها عمر بن سعد قائد الجيش ولبسها , ودخل على عيالات الحسين عليه السلام فتقدمت زينب عيلها السلام وقالت : يا ابن سعد أيقتل أبو عبدالله وأنت تنظر إليه ؟!

(1) قال ابن الاثير في تأريخه : «انه كان لرسول الله صلى الله عليه واله وسلم درعاً يقال له «الصعديّة» , واخرى يقال لها «فضة» , واخرى يقال لها «ذات الفضول» واخرى يقال لها «ذات الوشاح» , انظر الكامل في التاريخ : 2 / 316 .
وفي اسد الغابة أيضاً قال عز الدين الجزري : كان له (دروع) تسمى : ذات الفضول , وذات الوشاح , وغيرها , انظر اسد الغابة : 1 / 30 .

( 90 )

ثم أمر باحضار عمامة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم , وكان اسمها «السحاب» (1) وكانت من الخزّ دكناء , وكان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قد تعمم بها يوم «بدر» و «حنين» , ولما ان قبض صلى الله عليه واله وسلم تعمّم بها أمير المؤمنين عليه السلام «يوم صفين» على ما رواه نصر بن مزاحم في «كتاب صفين» (2) , ولما ضربه ابن ملجم «لعنه الله» بسيفه وفضى نحبه ورثها ولده الحسن عليه السلام , ثم انتقلت بعد الحسن عليه السلام الى الحسين فتعمم بها «يوم الطف» , ولما ناشد القوم في خطبته وقال فيما قال : «أيها الناس أنشدكم هل تعلمون أن هذه عمامة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أنا لابسها ؟ قالوا : اللهم نعم» .

ثم أمر باحضار حربة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم , وكانت حربة صغيرة تشبة العكازة يقال لها العنزة , وكانت تحمل مع رسول الله صلى الله عليه واله وسلم في الاعياد , وتركز بين يديه فيصلّي بالناس صلاة العيد , وكان يصحبها في أسفاره , وذكرها عز الدين الجزري في «اسد الغابة» (3) , ثم لما توفي صلى الله عليه واله وسلم ورثها أمير المؤمنين عليه السلام , وكانت معه «يوم صفين» يحملها كما ذكر ذلك «نصر بن مزاحم» (4) , ثم لما استشهد عليه السلام انتقلت إلى الحسن عليه السلام , ثم إلى الحسين عليه السلام , وكانت معه «يوم الطف» وكان اذا حمل على جيش أهل الضلال ورجع من الحرب الى مركز يتكئ عليها و هو يقول : «لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم» .

أقول : بهذه الهيئة وبهذه الصفة خرج بن رسول الله من مدينة جدّه , وهو

(1) انظر اسد الغابة : 1 / 30 .
(2) وقعة صفين : 403 .
(3) اسد الغابة : 1 / 30 .
(4) وقعة صفين .

( 91 )

يقدم ضعينته من بني هاشم مجرّدين سيوفهم شاهرين ماحهم قد احدقوا بالمحامل .

ركـب حـجازيون بـين رحالهم      تـسري الـمنايا انجدوا او اتهموا
يـحدون  في هزج التلاوة عيسهم      والـكـل فـي تـسبيحه يـترنّم
مـتـقلّدين  صـوارمـا هـندية      من عزمهم طبعت وليس تكهّم (1)

(1)
(بحراني)
طـوح  الـحادي والـضعن هـاج ابحنينة      او  زيـنب تـنادي سـفرة الگشـرة علينه
صـاحت  ابـكافلها شـديد الـعزم والباس      شـمر اردنـاك وانـشر الـبيرق يا عباس
چنّـي اعـاينها مـصيبة اتـشيب الـراس      مــا ظـنـتي نـرجع ابـدولتنا الـمدينة
گلـها  يـزينت هـاج عـزمي لا تـنخين      مـا دام آنـة مـوجود يـختي مـا تـذلّين
لــو تـنـجلب شـامـاتها يـالـعراگيين      لـطحن جـماجمهم ونـا حـامي الـظعينة
لا تـهيجيني اولا يـدش ابگلـبچ الـخوف      ميروعني الطعن والرماح او ضرب السيوف
بـس  طـلبي امـن الله يسلم لس هالكفوف      لـحمل  عـلى الـعسكر واذكـرهم بـبونا
گالـت  اعـرفك بـالحرب يـا خوية وافي      او قـطع الـزند هـذا الـذي مـنّه مخافي
الـيوم  الـمعزّه او بـعدكم مـدري شوافي      يـاهو الـيرد الـخيل لـو هـجمت علينه
* * *
فاين تلك البدور التمّ لا غربوا     وأين تلك البحور الفعم لا نضبوا

( 92 )

المطلب السابع عشر

في ترجمة ام هاني ووداعها للحسين عليه السلام

لما بلغ خبر الحسين عليه السلام الى الهاشميات ونساء بني عبد المطلب صرن يأتين إلى دار الحسين عليه السلام وينحن ويبكن , قتل [الراوي :]

وأقبلن عدّة من الهاشميات إلى عمة الحسين «ام هاني» (1) فأخبرنها الخبر , وكانت «أم هاني» من النساء الجليلات القدر العظيمات الشأن , وكيف لا تكون كذلك وهي إبنة أبي طالب شيخ الاباطح , وأخت علي أمير المؤمنين عليه السلام وشقيقته , وقد اختلف المؤرخين في إسمها فبعض يقول ان اسمها هند , وقال بعضهم : إنها فاطمة , وقال بعضهم : أنها فاختة وهو الأصح ؛ وامها فاطمة بنت أسد ام أميرالمؤمنين عليه السلام , وكان زوجها هبيرة المخزومي (2) , وكان من المشركين ومن المبغضين لرسول الله صلى الله عليه واله وسلم , ومن المؤلبين عليه و المساعدين على حربه , وما قامت راية لحرب رسول الله صلى الله عليه واله وسلم إلا وهو في مقدمة من يحارب النبي فيها , وكان

(1) انظر ترجمة ام هاني في : اسد الغابة : 5/501 , وكذلك في الإستيعاب : 4/517 . هي ام هاني بنت ابي طالب بن عبد الطلب بن هاشم اخت علي بن ابي طالب عليه السلام كانت تحت هبيرة بن أبي وهب بن أبي عمر بن عائذ بن عمران بن مخذم اسلمت عام الفتح ولدت ام هاني لهبيره عمر وبه كان يكنى وهانئا ويوسف وجعدة .
(2) انظر ترجمة «هبيرة المخزومي » .

( 93 )

مع أبي سفيان حين تحزبت الأحزان على حرب رسول الله صلى الله عليه واله وسلم , وهو من جملة الذين عبروا الخندق مع عمرو بن عبد ود العامري , ولمّا قتل عمرو فرّ هبيرة منهزماً , وفي ذلك يقول لزوجته ام هاني :

لـعمرك  مـا وليت ظهري محمدا      وأصـحابه  جـبناً ولا خيفة القتل
ولـكننّي  قـلّبت ظـهري فلم أجد      لسيفي غناء إن أن ضربت ولا نبل
وقـفت  فـلما خفت ضيعة وقفتي      رجـعت لـعود كالهزير أبا الشبل

ولما فتح النبي صلى الله عليه وآله وسلم مكة وذعنت له قريش فر هبيرة منهزماً من رسول الله صلى الله عليه واله وسلم إلى نجران ومات فيها كافراُ وفي ذلك يقول :

الله يعلم ما تركت قتالهم     حتى رموا فرسي بأشقر مزيد

وكان الاسلامها «يوم الفتح» وقد استجار عندها جماعة من المشركين في ذلك اليوم لعلمهم بها إنّها تجيرهم , وكان من المستجيرين بها الحرث بن هشام , وقيس بن السائب , فجاء علي عليه السلام وهو مقنع بالحديد لا يرى منه إلا حدقتا عينيه , فطرق الباب عليها , فخرجت اليه ام هاني وقالت له : ما تريد يا عبد الله ؟ قال : اخرجوا من آويتهم ؛ فقالت : إنصرف يا عبد الله إني ابنة عم محمد صلى الله عليه واله وسلم , واخت علي عليه السلام ؛ فلم يلتفت إليها وقال أن لم تخرجيهم وإلا هجمت عليهم الدار . وقالت : والله لأشكونك إلى رسول الله ؛ فلما سمع أمير المؤمنين عليه السلام ذلك ألقى المغفر من على رأسه فعرفته , فألقت بنفسها عليه وقالت له : أخي فدتك اختك تريد أن تخفر جواري بين العرب ؟ ثم قالت : أخي إني حلفت أن اشكوك عند رسول الله صلى الله عليه واله وسلم , فقال لها : إمضي فإنه في الوادي , فأقبلت ام هاني فلما رآها صلى الله عليه واله وسلم مقبله قال لها : مرحباً بك يا ام هاني , جئتيني تشكين علياً عندي فإنه أخاف أعداء الله وأعداء رسوله , ثم نادى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : انا قد أجرنا من أجارته ام هاني .

نعم أسلمت ام هاني في ذلك اليوم , ولمّا بلغ هبيرة زوجها خبر إسلامها

( 94 )

اغتاظ غيظاً شديداً , وفي ذلك يقول معاتباً لها :

لـئن  كنت قد تابعتي دين محمد      وقـطعت الارحـام مـنك حبالا
فكوني على أعلى سحيق بهضبة      مـمـنعة  لا يـستطاع قـلالها
فـإني  مـن قـوم إذا جد جدّهم      على  أي حال أصبح القوم حالها
وإني  لأحمي من وراء عشيرتي      إذا كـثرت تحت العوالي مجالها
وطارت  بأيدي القوم بيض كأنها      مـخاريق ولـدان تنوش ظلالها
وإن  كـلام المرء من غير كنهه      لنبل تهوي ليس فيها نصالها (1)

وكانت قد ولدت له أربعة أولاد : أحدهم جعدة بن هبيرة , وولدت له ثاناً فكنيت به , وعمرو فكنى به أبوه , ويوسف (2) , أمّا جعدة فإنه ولد على عهد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم , وليست له صحبة وقال العجلي , إنه تابعي , وقيل : بل هو من الصحابة . قال ابن أبي الحديد في «شرح النهج» : أدرك رسول الله صلى الله عليه واله وسلم , وأسلم يوم الفتح مع امه «ام هاني» (3) .

وشهد جعدة مع أمير المؤمنين عليه السلام صفين (4) , وأبلى بلاءاً حسناً , ودعاه يومئذ عتبة فناداه : يا جعدة فاستأذن جعدة من أمير المؤمنين عليه السلام في الخروج إليه , فأذن له . واجتمع الناس لكلامهما , فقال له عتبة : يا جعدة إنه والله ما اخرجك علينا إلا حبك لخالك وعمك ابن أبي سلمة عامل البحرين , وإنا والله ما نزعم إن معاوية احق بالخلافة من علي [عليه السلام] , ولو لا أمره في عثمان , ولكن معاوية احق بالشام لرضا أهلها به , فاعفوا لنا عنها , فوالله ما بالشام رجل به طرق إلا هو إجد من

(1) الإستيعاب (بهامش الإصابة) .
(2) انظر شرح نهج البلاغة لابن الحديد : 10/79 .
(3) انظر شرح نهج البلاغة لابن الحديد : 10/77 .
(4) وقعة صفين للمنقري : 463 ـ 465 .

( 95 )

معاوية في القتال , ولا بالعراق من له مثل جدّ علي بن أبي طالب في الحرب , ونحن أطوع لصاحبنا منكم لصاحبكم , وما اقبح بعلي ان يكون في قلوب المسلين أولى الناس بالناس , حتى إذا أصاب سلطاناً أفنى العرب . فقال جعدة : أمّا حبي لخالي فوالله لو كان لك خال مثله لنسيت أباك , وأما ابن أبي سلمة فلم يصب أعظم من قدره , والجهاد احب الي من العمل , وأمّا فضل علي على معاوية فهذا ممّا لا يختلف عليه اثنان , وأمّا رضاكن ياليوم بالشام من رجل إلا وهو أجد من معاوية وليس بالعراق لرجل مثل جدّ علي عليه السلام فهكذا ينبغي أن يكون , مضى بعلي يقينه وقصر بمعاوية شكه , وقصد أهل الحق خير من جهد أهل الباطل , وأمّا قولك نحن اطوع لمعاوية منكم لعلي عليه السلام فوالله ما نسأله ان سكت ولا نرد عليه إن قال , وأمّا قتل العرب فإن الله كتب القتل والقتال فيمن قتله الحق فإلى الله , فغضب عتبة وفحش على جعدة , فلم يجبه جعدة وأعرض عنه وانصرفا جميعاً مغضبين , فلما انصرف عتبة جمع خيله فلم يستبق «منها» شيئاً , وجلّ اصحابة السّكون والصّدف والأزد , ويهيأ جعدة بما استطاع فالتقيا , وصبر القوم جميعاً , وباشر جعدة يومئذ القتال بنفسه , وجزع عتبة واسلم خيله وأسرع هارباً إلى معاوية , فقال له معاوية : فضحك جعدة وهزمتك , لا تغسل رأسك منها أبداً , فقال عتبة : لا والله , لا أعود إلى مثلها «أبداً» , ولقد أعذرت وما كان على أصحابي من عتب , ولكن أبى الله ان يديلنا منهم , فما أصنع وحضّي بها جعدة عند علي ؛ فقال النجاشي فيما كان من شتم عتبة لجعدة وشعراً في ذلك اليوم :

إنّ شتم الكريم يا عتب خطب      فـاعلمنه من الخطوب عظيم
امّــه  امّ هـانـي وأبـوه      مـن مـعدّ ومن لؤي صميم
ذاك  مـنها هبيرة بن أبي وه      ب  أقـرت بـفضله مخزوم

( 96 )

كـان فـي حـربكم يعد بألف      حـين  تلقى به القروم القروم
وإبـنه جـعدة والـخليفة منه      هـكذا يـخلف الفروع الأروم
كـل شـئ تـريده فـهو فيه      حـسبٌ ثـاقبٌ وديـنٌ قـويم
وخـطـيب إذا تـمعرت الأو      جـه  يشجى به الألدّ الخصيم
وحـليم إذا الـحبى حلّها الجه      ل وخـفّت من الرجال الحلوم
وشـكيم الـحروب قد علم النا      س إذا حلّ في الحروب الشكيم
ما عسى أن تقول للذهب الأح      مـر  عيباً هيهات منك النجوم

وقال الشّني في ذلك لعتبة

مــا زلـت فـي عـطفيك أبـهةً      لا يعرف الطرف منك التّية والصّلف
لا  تـسحب الـقوم إلا فـقع قرقرة      أو  شـحمة بـزّها شـاو لها نطف
حـتّى  لـقيت ابن مخزوم وأيّ فتى      أجـيـا  مـآثر آبـاء لـه سـلفوا
إن  كـان رهط أبي وهب جحاجحة      فـي الأولـين فـهذا مـنهم خـلف
أشـجاك  جـعدة إذ نـادى فوارسه      حـاموا عـن الدين والدنيا فما وقفوا
حـتى  رمـوك بـخيل غير راجعة      إلا وسـمر الـعوالي مـنكم تـكف
قـد  عـاهدوا الله لـن يثنوا أعنّتها      عـند  الـطّعان ولا في قولهم خلف
لـمـا  رأيـتهم صـبحاً حـسبتهم      أشـد  الـعرين حمى أشبالها الغرف
نـاديت خـيلك إذ عضّ الثّقاف بهم      خـيلي  إلي , فما عاجوا ولا عطفوا
هـلّا عـطفت عـلى قتلن مصرّعة      مـنها السكون ومنها الأزد والصّدف
قـد كـنت في منظر من ذا ومستمع      يـا عتب لو لا سفاه الرّأي والسّرف
فـاليوم يـقرع مـنك السّن عن ندم      مـا لـلمبارز إلا الـعجز والنصف

فهذان الشاعران مدحا جعدة بموقفه «يوم صفين» تجاه العدو , الموقف المشرف وحق لمثله أن يمدح تمثل هذا الشعر الرائق , وكان جعدة مازماً لخاله

(  97 )

أمير المؤمنين عليه السلام إلى قتل أمير المؤمنين عليه السلام , فلازم بعده الحسن والحسين عليهم السلام إلى أن توفي أيام معاوية , وكان جعدة يفتخر ـ ويحق له الفخر ـ ويقول :

أبي من بني مخزوم إن كنت سائلاً     ومن هاشم أمي لخير قـبيل

فمـن ذا الـذي يـبني علي بخاله     كخالي علي ذي النّدى وعقيل (1)

«ولقد كاتب الحسين عليه السلام بعد وفاة أخيه الحسن عليه السلام :

أما بعد فإن الشيعة متطلعة أنفسها إليك , لا يعدلون بك الى أحد وقد عرفوا رأي أخيك الحسن في دفع الحرب , وعرفوك باللين لأوليائك والغلظة لأعدائك , فإن أحببت أن تطلب هذا الأمر لك فقد وطنّا أنفسنا على الموت معك».

فأجابه الحسين عليه السلام غير أن جوابه يظهر كان لعموم الشيعة :

«أما بعد فإن أخي الحسن أرجو أن يكون الله قد وفقه وسدده , فيما يأتي , وأما أنا فليس رأيي ذاك , فألصقوا بالأرض واحترسوا عن الظنّة والتهمة ما دام معاوية حيّاً , فإن حدث به حادث كتبت إليكم برأي والسلام».

فأم هاني على ما ذكرت كانت جليلة القدر , عظيمة الشأن , روت عن النبي صلى الله عليه واله وسلم أحاديث كثيرة ذكرت في الصحاح ؛ ولعظم شأنها أن الهاشميات إذا أصابتهن مصيبة أو نزلت بهنّ نازلة فزعن إليها , لذا لمّا بلغهن خبر سفر الحسين عليه السلام الى العراق أقبلن إليها وقلن لها : يا ام هاني أما علمت بما عزم عليه الحسين عليه السلام , فإنه عزم الى المسير الى العراق , فهل لك أن تمضن لنودّع النسوة ونتزوّد من الحسين ؟ فقامت ام هاني ـ وهي امرأة عجوز محدوبة الظهر ـ حتى أقبلت إلى دار الحسين عليه السلام , وكان الحسين واقفاً على باب داره , فلمّا نظر أليها نظر إلى غلامة وقال له : من هذه المقبلة ؟ فقال له : سيدي أظنّها عمتك ام هاني ؛

(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد .

( 98 )

فقال له : اضرب بيني وبينها ستراً , فوقف قبالة الحسين عليه السلام ودخلت ام هاني على النساء وهي تبكي , فدخل الحسين عليه السلام وقال لها : يا عمّة ما هذا البكاء ؟ فقالت: عمّة عميت عين لا تبكي من بعدك . فقال لها الحسين عليه السلام : عمّه لا تتطريني , فقالت : والله لست بمتطيّرة ولكن سمعت البارحة هاتفاً يقول :

و إن قتيل الطف من آل هاشم     أذلّ رقاباً من قريش فذلّت

فقال لها عليه السلام : عمّه لا تقولي من قريش ولكن قولي : «أذل رقاب المسلمين فذلّت».

فقال الراوي : وعلا صراخ النساء وبكاؤهن , هذا والحسين نصب أعينهن. أقول: إذاً كيف حالهن لما دخل بشر بن حذلم المدينة ونادى :

يا أهل يثرب لا مقام لكم فيها     قتل الحسين فأدمعي مدرار

الجسم منه بكربلاء مضرّج     والرأس منه على القناة يدار (1)

(1)
(نصاري)
يـولي  اتـقابلن للنوح والون      ربـاب اتـعددّلهن وهن يبجن
ظلمه  دورها او بالحزن يدون      وهن بالنوح دامن على الوقتين
گومـن جاي نلطم على الشبّان      وسـط  الـدور ونغلّج البيبان
بعد احسين وحشه هاي الوطان      گومن جاي نتساعد على البنين
وزينب عليها السلام :
يدور أهلي أعايـنـچن بيا عين     عگب عباس اخويه وعگب الحسين
نعب بيجن اغراب الحزن والبين     او عليچن يها الدور الحـزن غـيّم
(تخميس)
أنقيم في جور الزمان وذلّه     يا منية الباقي وكـعبة نيله
كم غائب سرّ الإله بوصله
يا ليت غائبنا يعود لأهله     فنقول أهلاً بالحبيب ومرحبا

( 99 )

المطلب الثامن عشر

في سبب عدم سفر محمّد بن الحنفية مع أخيه الحسين عليه السلام

كان السبب لعدم خروج محمّد بن الحنفية مع أخيه الحسين عليه السلام إلى العراق أمران :

أحدهما ـ على ما رواه المؤرخون وأهل السير ـ أنه اهدي درع لحسين فلما لبسه الحسين عليه السلام فضل عليه مقدار أربعة اصابع , فأراد الحسين عليه السلام أن يرسله إلى بعض الحدادين ليقطع منه مقدار أربعة أصابع , وكان محمد بن الحنفية جالساً فأخذه ولواه على يديه وسرده , فأصابه بعض الحاضرين بنظرة فشلّت يده من وقتها وساعتها , وصار لا يقدر على حمل السلاح .

والأمر الثاني : هو أنه إعتراه مرض الأغماء , وهذا الذي منعه عن الخروج مع أخيه الحسين عليه السلام , وكان أمير المؤمنين عليه السلام يحبّه حبّاً شديداً , وشهد معه الجمل وصفين , وله فيهما المقام المحمود , وفي بعض أيام صفين قال لأبيه عليه السلام :أبه لم لم تأذن لأخوي الحسنين بالبراز وتأذن لي ؟ فقال له عليه السلام : أن الحسن والحسين عيناي , وأنت يميني , فأنا ادافع على عيني بيميني .

وكان عالماً , فقيهاً , منطقياً , فارساً , شجاعاً , يكفي من شجاعته ما ظهر منه يوم الجمل وصفين , ويكفي من بلاغته خطبته المشهورة يوم صفين , وحتى أن

( 100 )

جماعة إلى الان يدّعون بإمامته وهم «الكيسانيّة» وبزعمهم أنه لم يمت وأنه حي يرزق , وانه مقيم «بجبل رضوي» وأنه هو المهدي من آل محمد , وأما من طرقنا فإن محمد بن الحنفية مات ودفن «بابلة» أو «بالطائف» (2) وفي بعض الأخبار بالمدينة , مات وله من العمر خمس وستون سنة (3) .

وكان يحبّ الحسين حبّاً جمّاً , ولمّا علم أن الحسين عازم على الخروج من المدينة أقبل إليه وقال له : يا أخي أنت أحب الناس إلي , وأعزّهم علي , ولست والله أدخر النصيحة لأحد من الخلق [إلا لك] (4) , وليس أحد أحق بها منك , (لأنك زاج مائي ونفسي , وروحي وبصري , وبكير أهل بيتي , ومن وجبت طاعته في عنقي , لإن الله قد شرفك علي وجعلك من سادات أهل الجنة) (5) , تنح ببيعتك عن يزيد وعن الأمصار ما استطعت , ثم أبعث رسلك إلى الناس على فادعهم إلى نفسك , فإن بايعك (6) الناس حمدت الله على ذلك , وان اجتمع الناس على غيرك لم ينقص الله بذلك دينك ولا عقلك ولا تذهب به مروئتك ولا فضلك , أخي إني أخاف عليك أن تدخل مصراً من هذه الامصار فيختلف الناس بينهم , فطائفة معك واخرى عليك , فيقتتلون فتكون لأول الأسنة غرضاً , فإذا خير هذه الامة كلها نفساً وأبا وامّا اضيعها دماً وأذلّها أهلاً .

(1) انظر : رجال الكشّي : 94/149 و96/152 و127/204 , وانظر : المعارف لابن قتيبة : 622 , والملل والنحل : 1/131 , وفرق الشيعة : 26 ـ 31 , والفرق بين الفرق : 38/52 , وتعليقة الوحيد البهبهاني : 410 .
(2) انظر : محمد بن الحنفية ـ للمؤلف ـ ص 82 .
(3) انظر : كانت وفاته سنة احدى وثمانين في ايام عبد الملك بن مروان . محمد بن الحنفية ـ للمؤلف .
(4) أثبتناها من المصدر .
(5) ما بين القوسين لم يرد في نسختنا من المصدر .
(6) في المصدر : تابعك .

( 101 )

فقال له الحسين عليه السلام : «فأين أذهب يا أخي؟» . قال : تخرج الى مكة فإن اطمأنّت بك الدار بها فذاك وإلا خرجت إلى اليمين , فإنهم أنصار جدّك وأبيك , وهم أرأف الناس وأرقهم قلباً وأوسع الناس بلاداً , فإن إطمأنت بك الدار فذاك وإلا لحقت بالرمال وشعوب الجبال , وجزت من بلد الى بلد حتى تنظر ما يؤل إليه أمر الناس , ويحكم الله بيننا وبين القوم الفاسقين , فإنك أصوب ما تكون رأياً حين تستقبل الأمر استقبالاً .

فقال الحسين عليه السلام : «يا أخي والله لو لم يكن في الدنيا ملجأ ولا مأوى لما بايعت يزيد بن معاوية» . فقطع محمد بن الحنفية كلامه وبكى , وبكى الحسين معه ساعة ثم قال : «يا أخي جزاك الله خيراً فقد نصحت وأشفقت , وأرجوا ان يكون رأيك سديداً موفقاً , وانا عازم على الخروج إلى مكة , وقد تهيأت لذلك انا وأخوتي وبنو إخي , وشيعتي أمرهم أمري , ورأيهم رأيي , وأما انت فلا عليك الّا ان تقيم بالمدينة فتكون عيناً عليهم , ولا تخفي عني شيئا من امورهم (1) .

ثم دعى الحسين عليه السلام بدوات وبياض وكتب هذه الوصيّة لإخيه محمد بن الحنفية :

بسم الله الرحمن الرحيم

هذا ما أوصي به الحسين بن علي بن أبي طالب إلى أخيه المعروف «بابن الحنفية»...

«إن الحسين يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له , وان محمداً عبده ورسوله , جاء بالحق من عند الحق , وأن الجنة حق , وأن الساعة آتية لا ريت فيها , وأن الله يبعث من في القبور , وإني لم أخرج أشراً ولا بطراٍ ولا مفسداً ولا ظالماً , وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدّي محمد صلى الله عليه واله وسلم أريد أن آمر بالمعروف

(1) انظر : إرشاد المفيد : 2/34 ـ 35 .

( 102 )

وأنهي عن المنكر وأسير بسيرة جدي محمد صلى الله عليه واله وسلم وأبي علي بن أبي طالب عليه السلام , فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق , ومن رد علي هذا أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق وهو خير الحاكمين , هذه وصيتي يا أخي إليك , وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه انيب».

ثم طوى الكتاب وختمه بخاتمه , ودفعه إلى أخوه محمد بن الحنفية ثم ودّعه وخرج من عنده (1) .

أقول : وصايا الحسين عليه السلام أربع , الاولى : الّتي أوصى بها محمد بن الحنفية كما مرّ آنفاً , أوصاه بالنسبة الى شؤون المدينة وأن يراسله في أمرها , وأن يكون عيناً له عليها .

والوصية الثانية : الّتي أوصى بها ولده السجّاد وهي بالنسبة للإمامة نصبه علماً للناس وإماماً من بعده وسلّمه مواريث الأنبياء (2) .

أمّا الوصيّة الثالثة : أوصى بها اخته الحوراء زينب ليلة العاشر من محرم , فقد قال لها : اخيّة إذا أنا قتلت فلا تسقّي علي جيباً ولا تخمشي علي وجهاً ... إلى آخرها (3) .

وأما الوصية الرابعة : أوصى بها شيعته جيلاً بعد جيل إلى يوم القيامة , وذلك ما روي عن سكينة بنت الحسين قالت : لما رميت بنفسي على جسد أبي الحسين أشمّه واوّدعه , سمعت الكلام يخرج من منحر أبي الحسين وهو يقول : «بني سكينة إقرأي شيعتي عني السلام وقولي لهم إن أبي الحسين قتل عطشاناً وقيل عن لسانه :

(1) محمد بن الحنفية ـ للمؤلف ـ ص 60 .
(2) اسرار الشهادات للفاضل الدربندي : 2/779 ـ784 .
(3) أسرار الشهادات للفاضل الدربندي : 2/225 , نقلها عن الإرشاد للشيخ المفيد : 2/93 ـ 94 .

( 103 )

شيعتي مهما شربتم عذب ماء فاذكروني     أو سمعتم بقتيل أو شهيد فانـدبـوني

وأنا السبط الذي من غـير جرم قـتلوني     وبجرد الخيل بعد القتل عمداً سحقوني

صرت استسقي بطفلي فأبوا أن يرحموني (1)

وقال المؤلف مخمساً بيتين من قصيدة الشيخ صالح العرندس :

أيا زائراً قبراً على العرش قد علا     تضمّن سبط المصطفى خيرة الملا

اسل دمـعـك القاني وقل متمثّلا     أيـقـتل عطـشاناً حـسين بكربلا

وفي كل عضو من أنامله بحر

فمن مبلّغ الزهراء بضعة احمد     قضـى نـجلها ظام بمصارم ملحد

أيـقضي ظماً سبط النبي محمد     ووالده الساقي على الحوض في الغد

وفاطمة ماء الفرات لها مهر (2) (3)

(1) أسرار الشهادات للفاضل الدربندي :3/282 .
(2) ديوان الهاشميات للمؤلف رحمه الله : 69 ـ 70 .
(3) ولسان حال الزهراء عليها السلام إلى ولدها ليلة الحادي عشر من المحرم :
(نصاري)
شافت  الزهرة احسين محزوز الوريدين      ليلة  اهد عشر وهي صاحت آه يحسين
مـا لـومك او لشرة عليك او لا اعتبك      ارخـصت  هالروح العزيزة الدين ربّك
يبني أريد أشبگك وحط گلبي فوگ گلبك      وبچي ونــادي سـاعدوني يـلمحبين
شـلتك ابـطني تـسعة اشهر يا جنيني      وسـهرت  لـيلي او سيدتك عن يميني
تـالهيا مرمي اعله الثرى تنظرك عيني      عگب  الدلال اعلى الترب اتنام يحسين
يـحسين  يـبني مصرعك گطع اگليبي      يـا ريـت دونـك يـذبحني يا حبيبي
ابـروحي فديتك واشربت صافي حليبي      او  برباك يوليدي اسهرت يا گرّة العين
(تخميس)
قضى ظامياً ما ذاق للماء برده     بحرّ هجير تصهر الشمس خـدّه
فوالله لو يوماً تقومين بعده
إذا للطمت الخـدّ فاطم عـنده     وأجريت دمع العين في الوجنات

( 104 )

المطلب التاسع عشر

في كيفية خروج موسى من مدينة فرعون

وخروج الحسين عليه السلام من مدينة جدّه صلى الله عليه واله وسلم

كان خروج الحسين بن علي عليه السلام من المدينة يوم الأحد ليومين بقين من رجب سنة ستين من الهجرة , وكـان خرجه ليـلاً خائفاً يتكتّم (1) , كما قال المرحوم السيد جعفر الحلّي رحمه الله في قصيدته الغرّاء الميمية :

خرج الحسين من المدينة خائفاً     كخروج موسى خائفاً يتكتّم (2)

ولكن هناك فرق عظيم بين خروج الحسين عليه السلام وخروج موسى عليه السلام , خرج من مدينة فرعون شرّ خلق الله والحسين عليه السلام خرج من مدينة جدّه صلى الله عليه واله وسلم خير خلق الله , وموسى خرج خائفاً على نفسه , والحسين عليه السلام خرج خائفاً من ان يقتل بالمدينة وتهتك حرمة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم , وموسى عليه السلام خرج وحده لم تكن معه عائلة ولا أطفال والحسين عليه السلام خرج بعيالاته وأطفاله ؛ قالت سكينة : خرج أبي بنا في ليلة ظلماء , وما كان أحد أشدّ خوفاً منّا .

(1) إرشاد المفيد : 2/34 .
(2) ديوان السيد جعفر الحلي رحمه الله .

( 105 )

وموسى عليه السلام لمّا وصل إلى «مدينة شعيب» أمن ونجا , والحسين عليه السلام لمّا وصل إلى «مكّة» حرم الله وبيته لم يأمن على نفسه من القتل لأن يزيد بن معاوية كان قد دسّ له من الحاج ثلاثين شيطاناً من شياطين بني امية وقال لهم : اقتلوا الحسين أينما وجدتموه ولو كان متعلقاً بأستار الكعبة .

موسى عليه السلام لمّا وصل ألى «مدين» وجد بنتي شعيب على البئر يسقيان , فسقى لهنّ وكان الدلو لا يجره إلا عشرة فجره , وقد حكى الله ذلك في محكم كتابه المجيد :« وَلَمّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لاَ نَسْقِي حَتّى‏ يُصْدِرَ الرّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ«23» فَسَقَى‏ لَهُمَا ثُمّ تَوَلّى إِلَى الظّلّ» ـ وكان جائعاً خائفاً «فَقَالَ رَبّ إِنّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ» (1)فأقبلتا إلى أبيهما بالماء وقد أسرعتا في الرجعة , وتعجّب شعيب وقال : أسرعتنّ ؟! فقالت إحداهنّ : إن رجلاً صفته كذا وكذا سقى لنا قبل الناس ؛ فبعث إحداهنّ خلفه , وقد أشار تعالى إلى ذلك بقوله عزّ إسمه العظيم «فَجاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنّ أَبِي يَدْعُوكَ»(سورة القصص:24) فمشى خلفها وجاءت الريح فحملت ثوبها فأدار موسى عليه السلام وجهه عنها , وقال لها : إمشي خلفي ورام لي الحصاة على الطريق فإنا قوم لا ننظر على أعجاز النساء ؛ فصارت تمشي خلفه ـ «فَلَمّا جَاءَهُ وَقَصّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ» (2) .

فموسى عليه السلام إستسقى بطريقة لبنات شعيب , والحسين عليه السلام سقى في طريقه الحرّ وأصحابه الذين كانت عدّتهم ألف فارس عدا خيولهم ؛ موسى عليه السلام لمّا قصّ

(1) سورة القصص 28 : 23 , 24 .
(2) سورة القصص 28 : 25 .

( 106 )

على شعيب قصّته وهو خائف قال له : «لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ»(سورة القصص:25) , والحسين عليه السلام لمّا قصّ قصّته للحرّ عند التوجه إلى العراق جعجع به الحرّ وارعبت العائلة ؛ قال أرباب التفسير :

ولمّا جاء موسى إلى شعيب ورغبت فيه إحدى إبنتيه كما حكى الله تعالى ذلك «قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيّ الْأَمِينُ«26» قَالَ إِنّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى‏ ابْنَتَيّ هَاتَيْنِ عَلَى‏ أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ » (1)

والعلّة في خدمة موسى عليه السلام لشعيب ـ وهو كليم الله ـ هي : أن شعيب عليه السلام بكى من خشية الله حتى ذهب بصره فأعاد الله عليه بصره , فبكى ثانية فذهب بصره فأعاد الله عليه بصره ثلاثاً , فأوحى الله : «يا شعيب ممّ بكاءك طمعاً في جنّتي أعطيتك إياها , أو خوفاُ من ناري أمنتك» ؛ فقال [شعيب] : «ربّي لا ذا ولا ذاك , ولكن رأيتك أهلاً أن تخشى» , فأوحى الله اليه : «وعزّتي وجلالي لأخدمنّك كليمي موسى» .

«فَلَمّا قَضَى‏ مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطّورِ نَاراً قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا» ـ وكانت زوجته حاملة ـ «إِنّي آنَسْتُ نَاراً لَعَلّي آتِيكُم مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النّارِ لَعَلّكُمْ تَصْطَلُونَ» (2) .

ويروى في ذلك الحين كان قد أخذها الطلق , فلمّا مضى الى النار وأراد أن يقتبس منها مالت عليه فولّى هارباً , وإذا بالنداء : «يَامُوسَى‏ إِنّي أَنَا اللّهُ رَبّ

(1) سورة القصص 28 : 27 .
(2) سورة القصص 28 : 29 .

( 107 )

الْعَالَمِينَ » (1) وما أحسن ما قيل من باب المثل في ذلك : «ربّ أمر ليس يرجى لك في الغيب يخبي» , إن موسى عليه السلام راح كي يطلب ناراً فتنّبى , وإذا بتلك النار هي نور الجلالة فبعثه الله الى فرعون .

أقول : خاف موسى عليه السلام من تلك النار بمجرّد أن رأى الميلان صار عليه وهرب منها , والحسين عليه السلام مالت عليه سيوف أهل الكوفة ورماحهم يوم «عاشوراء» ونار الحرب تستعر فلم يرع منها , بل كان ثابت الجنان , رابط الجأش , حتى شهد له العدو بذلك , فقال بعضهم : «والله ما رأينا مكثوراُ قط قتل ولده وأهل بيته أربط جأشاً من الحسين عليه السلام , ولقد كان يشد علينا وقد تكاملنا ثلاثين ألفاً فننكشف من بين يده إنكشاف المعزى إذا شدّ فيه الذئب , وهو يقول : والله لا اعطيكم بيدي إعطاء الذليل ولا أقرّ لكم إقرار العبيد».

فـأبـى أن يـعـش إلا عـزيـزاً      أو تـجلى الـكفاح وهـو صـريع
فـتـلقّى الـجـموع فـرداً ولـكن      كـل  عـضو في الروع منه جموع
زوج  الـسـيف بـالنفوس ولـكن      مهرها الموت والخضاب النجيع (1)

(1) سورة القصص 28: 30.
(2)
لاح  ابظهر غوجه احسين      او  سل سيفه وتعنّه الگوم
صـكها  الـحيد وراواها      انـجوم  الظهر ذاك اليوم
تـجلى الـغيم مـن سيفه      او تموت العده امن اتشوفه
خطفها وخطف منه الروح      ومـن  الـخوف مخطوفه
بـرض الغاضريّه احسين      ابـد  مـا تـرك بالكوفه
بـيت الله الـنوايح بـيه      تـنوح  ومگدر او مهموم

( 108 )

لا  چن لـوله مـا يـنزل      امـن الباري العهد لحسين
نــاداه  الـوعـد ويـنه      او  گال انچان هـذا الدين
أبـد  ما يستقيم الّه بچتلي      اخـذيني  يا سيوف الحين
يـسيوف الـعده او دارت      عـليه  وكـل كتر ملزوم
حـاطت  بـيه بس ترميه      بـحجار او نـبل وسـهام
هـذا  ايـطعنه بـالخطي      او ذاك ايضربه بالصمصام
حـال الـعطش عن شوفه      او  عن الماي بالطّف صام
مـن كـثر الـنبل والزان      مــا يگدر يـولي ايگوم
الـف  وتسعميت اصواب      الـمـثلث مــرد گلـبه
او  وگع لـلگاع ابو اليمه      وعـليه  الـدينا مـنجلبه
گطع  راسه الشمر بالسيف      او  فـزعوا كـلهم السلبه
او لامـت حـربه سلبوها      او عليه ما تركو من اهدوم
عـليه مـا تركو من ثياب      ومـوسد  عـلى الـتربان
ورضّـت  خـيلهم جسمه      او  راسه على سنان اسنان
ظـل  عـاري ثـلث تيّام      ابـلياليها او گضه عطشان
او مـاي الـعذب مهر امّه      او  من عنده انچتل محروم
(تخميس)
أيـقـتـل ضمآناً حسين بـكربلا     وفي كل عضو من أنامله بحر
ووالده الساقي على الحوض في غد     وفاطمة ماء الفرات لها مهر

( 109 )

المطلب العشرون

في خروج الحسين عليه السلام من المدينة ودخوله مكة المكرمة

قال الشيخ المفيد رحمه الله : فسار الحسين عليه السلام [من المدينة] إلى مكة [وهو يقرأ] (1) : «خَائِفاً يَتَرَقّبُ» ـ وهو يقول ـ «رَبّ نَجّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ» (2) ولزم الطريق الأعظم , فقال له أهل بيته : [لو تنكبت الطريق الأعظم كما صنع ابن الزبير] (3) لئلا يلحق الطلب , فقال : [لا والله لا افارقه حتى يقضى الله ما هو قاض].

ولمّا دخل [الحسين] (4) مكة المشرفة , وكان دخوله إياها يوم الجمعة لثلاث مضين من شعبان [سنة ستين من الهجرة] (5), ودخلها وهو يقرأ: «وَلَمّا تَوَجّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى‏ رَبّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السّبِيلِ» (6) ثم نزل بها (فأقام بقية شعبان

(1) ما أثبتناه من المصدر .
(2) سورة القصص 28 : 21 .
(3) ما أثبتناه من المصدر , وفي الأصل : خلّ عن هذا ...
(4) ما أثبتناه من المصدر .
(5) لم ترد في المصدر , وأثبته المؤلف رحمه الله نقلاً عن الملهوف للسيد إبن طاووس : 101 .
(6) سورة القصص 28 : 22 .

( 110 )

وشهر رمضان وشوال وذي القعدة وثمان ليال خلون من ذي الحجة) (1) (وكان الناس يختلفون إليه وكان عبدالله) (2) بن الزبير (3) بها قد لزم جانب الكعبة [فهو قائم يصلي عندها ويطوف , ويأتي الحسين عليه السلام فيمن يأتيه , فيأتيه اليومين المتواليين , ويأتيه بين كل يومين مرة] (4) , وصار الحسين أثقل خلق الله لأنه يعلم إن أهل الحجاز لا يبايعونه ما دام الحسين عليه السلام موجوداً بمكة , وأن الحسين أطوع للناس منه وأجلّ وأشرف (5).

وكان ابن الزبير يسمى [حمامة الحرم] لأنه يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة، وكان [ضبّ خب] (6) كما قال أمير المؤمنين عليه السلام : «بنصب الآخرة حبائل للدنيا ويروم أمر فلا يدركه] (7). وكان يتردد على الحسين عليه السلام بين اليوم واليومين , ويقول له : يا أبا عبدالله إن أهل الكوفة شيعتك وشيعة أبيك ؛ وكان الحسين عليه السلام يعرض عنه فالتفت إليه ابن عباس يوماً وقال : يابن الزبير تريد أن يخلو لك

(1) ما بين القوسين من المؤلف رحمه الله , لم ترد في المصدر , وأثبتها عن السيد ابن طاووس :101 .
(2) ما بين القوسين من المؤلف رحمه الله , وفي المصدر : وأقبل أهلها يختلقون إليه , ومن كان بها من المعتمرين وأهل الآفاق , ...
(3) ولد عبدالله بن الزبير بعد الهجرة بعشرين شهراً ـ كما ذكر الواقدي ذلك ـ وكان يكنى : ابا بكر , وابا حبيب , قتله الحجاج بعد أن حاصره بمكة وقد أصابته رمية فمات بها , وكان بخيلاً , وهو صاحب المثل «اكلتم تمري , وعصيتم أمري» حتى قال فيه الشاعر :
رأيت أبا بكر وربّك غالب     على أمره , يبغي الخلافة بالتمر
قتل وهو ابن ثلاث وسبعين سنة , وصلب حيث اصيب .
(4) ما أثبتناه من المصدر , لعلّه سقط في الأصل .
(5) إرشاد المفيد : 2/35 .
(6) يقال : رجل خبّ ضبّ ـ أي ـ مراوغ , والضب ـ أيضاَ الحقد الخفي .
(7) الظاهر من كلامه عليه السلام [انّه] يروم الخلافة فلا يحصل عليها , وهذه من المغيبات التي أخبر عنها أمير المؤمنين عليه السلام .

( 111 )

الحجاز من الحسين ؟ ثم التفت إلى الحسين عليه السلام وقال له : «يا ابن العم إنّي أتصبر ولا أصبر , أنت سيد أهل الحجاز فأقم في هذه البلد , وإن أبيت إلا أن تخرج فاخرج الى اليمن فإنهم أنصار جدّك وأبيك , وهم أرق الناس عليك فإني أخاف عليك أن تقتل ونساؤك واطفالك تنظر إليك» . فقال الحسين عليه السلام: إنّ جدّي رسول الله قد أمرني بأمر وأنا ماض فيه» (1)

ثم قال له عبدالله بن الزبير : يابن رسول الله قد حضر الحج وأنت ماض إلى العراق ؟ فقال عليه السلام : «لإن ادفن بشاطئ الفرات أحب إلي من أن ادفن بفناء الكعبة , فإن أبي حدثني أنّ بها كبشاً يستحلّ حرمتها , فما أحب أن أكون ذلك الكبش» (2).

قال السيد ابن طاووس رحمه الله في «الملهوف» : وجاء إليه محمد بن الحنفية فأجابه مثل ما أجاب عبدالله بن عباس (3), ، وجاءه عبدالله بن عمر (4)فأشار عليه بصلح أهل الضلالة وحذره من القتل والقتال , فقال عليه السلام : «يا أبا عبدالرحمن أما علمت أنّ من هوان الدنيا على الله أن رأس يحيى بن زكريا اهدي إلى بغي من بغايا

(1) انظر الملهوف للسيد ابن طاووس : 101
(2) وهذه من المغيبات التي أخبر عنها امامنا أمير المؤمنين عليه السلام , فإن ابن الزبير حوصر بمكة خمسة أيام ـ حاصره الحجاج ـ ثم قتل في البيت , فكان هو الكبش , وأمر به الحجاج فصلب بمكة , وكان مقتله يوم الثلاثاء لأربع عشرة ليلة خلت من جمادي الأول سنة (73 هـ)
انظر : تاريخ ابن الأثير : 4/135 , تاريخ الطبري : 7/202 , فوات الوفيات : 1/210 , تاريخ الخميس : 2/301 , الأعلام للزركلي : 4/87 , شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد :
(3) ابن عباس , حبر الأمة والصحابي الجليل رضي الله عنه , ولد بمكة ولازم الرسول صلى الله عليه واله وسلم وروى عنه , وشهد مع أمير المؤمنين عليه السلام الجمل وصفين ونهروان , كف بصره في آخر عمره وسكن الطائف وتوفي بها سنة (68 هـ) . انظر : الإستيعاب , والإصابة , وصفة الصفوة : 1/314 , حلية الاولياء : 1/314 , نسب قريش : 26 , المحبر : 98 , الأعلام للزركلي : 4/95 .
(4) عبدالله بن عمر : وكنيته أبو عبدالرحمن , آخر من توفي بمكة من الصحابة , وكانت ولادته بمكة . انظر : الإصابة , الإستيعاب , طبقات بن سعد : 4/105 .

( 112 )

بني إسرائيل , أما تعلم أنّ بني إسرائيل كانوا يقتلون ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس سبعين نبياً ثم يجلسون في أسواقهم يبيعون ويشترون كأنهم لم يفعلوا شيئا , فلم يجعل الله عليهم بل أخذهم بعد ذلك أخذ عزيز ذي انتقام , اتّق الله يا أبا عبدالرحمن , ولا تدع نصرتي».

وقال : وسمع أهل الكوفة بقدوم الحسين عليه السلام إلى مكة وامتناعه من البيعة ليزيد , فاجتموا في منزل سليمان بن صرد الخزاعي , فلما تكاملوا قام [سليمان] فيهم خطيباً , وقال في آخر خطبته :

«[يا معشر الشيعة] , إنكم قد علمتم بأن معاوية قد هلك , وقد قعد في موضعه إبنه يزيد [شارب الخمور والضارب بالطنبور] , وهذا الحسين بن علي عليه السلام قد خالفه وجاء الى مكة , وأنتم شيعته وشيعة أبيه من قبل , فإن كنتم تعلمون أنكم ناصروه ومجاهدون دونه , فاكتبوا إليه وإن خفتم الوهن والفشل فلا تغرّوا الرجل» .

قال : فأجابوه بأننا نبايعه ونجاهد عدوّه , فقال : إذاً اكتبوا إليه كتاباً ؛ فكتبوا إليه

بسم الله الرحمن الرحيم

إلى الحسين بن علي بن أبي طالب .

من سليمان بن صرد الخزاعي (1), والمسيب بن نجبة (2) ورفاعة بن

(1) تقدّمت ترجمته عن المؤلف رحمه الله , وذكرنا هناك مصادر ترجمته .
(2) المسيب بن نجمة الفزّاري : تابعي , وشهد القادسية وفتوح العراق , وشهد مع أمير المؤمنين عليه السلام حروبه الثلاثة , وكان شجاعاً مقداماً , ومتعبداً ناسكاً , ثار مع التوابين في طلب دم الامام الحسين عليه السلام , واستشهد مع سليمان بن صرد الخزاعي بالعراق في وقعة «عين الوردة» , وحمل رأسيهما إلى مروان بن الحكم (لعنه الله) , وكان الذي حمل رأسيهما هو

( 113 )

شدّاد (1), وحبيب ابن مظاهر , وعبدالله بن وائل , وشيعته من المؤمنين . سلام الله عليكم .

أما بعد , فالحمدلله الذين قصم عدوّكم عدوّ أبيك من قبل , الجبار العنيد الغشوم الظلوم , الذي ابتزّ هذه الامة أمرها , وغصبها فيأها , وتأمّر عليها بغير رضى منها , ثم قتل خيارها واستبقى شرارها , فبعداً له كما بعدت ثمود وجعل مال الله دولة بين جبابرتها وعتاتها , فبعداً له كما بعدت ثمود .

ثمّ أنّه ليس علينا إمام غيرك , فأقبل لعلّ الله يجمعنا بك على الحق , والنعمان في قصر الامارة , فإنّا لا نجتمع معه لا جمعة ولا جماعة , ولا نخرج معه إلى عيد، ولو بلغنا قدومك لأخرجناه حتى يلحق بالشام، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته (2).

قال أهل السير : وجعلت الكتب تترى على الحسين عليه السلام ومن اهل الكوفة حتى ملأ منها خرجين (3), وإلى ذلك أشار الشاعر بقوله :

قد بايعوا السبط طوعاً منه ورضى      وسـيّروا  صـحفاً بالنصر تبتدر
أقـدم فـإنا جـميعاً شـيعة تـبع      وكـلّنا  نـاصر والـكل مـنتظر
أقبل وعجّل قد اخضرّ الجناب وقد      زهـت  بـنظرتها الانهار والثمر

أدهم بن بحير الباهلي (لعنه الله) وكانت وقعة «عين الوردة» في أول ربيع الآخر سنة (65 هـ ) . انظر : الكامل في التاريخ لابن الأثير : 4/68 و الإصابة : رقم (8424) , الإعلام للزركلي : 7/225 , تاريخ من دفن في العراق من الصحابة (للمؤلف رحمه الله) : 220 (آخر ترجمة : سليمان بن صرد الخزاعي). (1) رفاعة ابن شداد البجلي :
(2) الملهوف على قتلى الطفوف للسيد ابن طاووس :102 ـ 105 .
(3) الأخبار الطوال للدينوري : 229 .

( 114 )

أنـت  الامام الذي نرجوا بطاعته      خـلد  الـجنان اذا النيران تستعر
لا رأي لـلناس إلّا فـيك فأت ولا      تخشى اختلافاً ففيك الامر منحصر
وأثـمـوه إذا لـم يـأتهم فـأتى      قـوماً لـبيعتهم بالنكث قد خفروا
فـعاد نـصرهم خـذلاً وخـذلهم      قـتلاً لـه بسيوف للعدى ادّخروا
يا  ويلهم من رسول الله كم ذبحوا      ولـداً  لـه وكـريمات له أسروا

وكان آخر كتاب قدم عليه مع هانئ بن هانئ السبيعي وسعيد بن عبدالله الحنفي , فضّه وقرأه وإذا فيه :

بسم الله الرحمن الرحيم

من شيعته وشيعة أبيه أمير المؤمنين

أما بعد , فإن الناس ينتظرونك لا رأي لهم إلى غيرك , فالعجل العجل يابن رسول الله , فقد احضر الجناب , وأينعه الثمار , وأعشبت الأرض , وأورقت الاشجار , فأقدم علينا إذا شئت , فإنما تقدم على جند لك مجنّدة , والسلام عليك وعلى أبيك من قبلك ورحمة الله وبركاته .

فقال الحسين عليه السلام للرسول وهو هانئ بن هانئ السبيعي : «اخبرني من هؤلاء الذين كتبوا إلي هذه الكتاب ؟» قال : يابن رسول الله هم شيعتك , فقال عليه السلام : من هم ؟ قال : شبث بن الربيعي , وحجّار بن أبجر , ويزيد بن رويم , وعروة بن قيس , وعمر بن الحجاج الزبيدي (1) , وهؤلاء كلهم من اعيان الكوفة .

(1) الملهوف على قتلى الطفوف للسيد بن طاووس : 105 ـ 107 , وفي الأخبار الطوال للدينوري : شبث بن ربيعي وحجار بن ابجر ويزيد بن الحارث وعزرة بن قيس وعمرو بن الحجاج ومحمد بن عمير بن عطارد , وكان هؤلاء الرؤساء من أهل الكوفة ... ؛ انظر ذلك ص 229

( 115 )

اقول هؤلاء كلهم حضروا يوم الطف ورأوا الحسين عليه السلام يستغيث فلا يغاث , ويستجير فلا يجار , فما نصروه وما أجابوه , بل أعانوا عليه , أما شبث بن الربيعي فإنّه قال لابن سعد : يا أمير آمر العسكر أن يفترق عليه أربعة فرق ضرباً بالسيوف , وطعناً بالرماح , ورمياً بالسهام , ورضخاً بالحجارة ؛ فافترقوا على الحسين اربعة فرق كما أشار شبث بن ربعي على ابن سعد , وهؤلاء ايضاً كلهم هجموا على خدره وانتهبوا ثقله واحرقوا خيمه وروّعوا عياله وأطفاله .

ومخـدرات من عقائل أحمد     هجــمت علـيه الخيل في أبياتها

وحائرات اطال القوم أعينها     رعباً غدات عليها خدرها هجموا (1)

(1) وزينب عليها السلام كأني بها تخاطب أخاها الحسين عليه السلام بلسان الحال :
(ابوذية)
الحراير من لهيب النار هاجن     ولعد جسمك يبو السجّاد هاجن
يگـلّنـك علـينه الليل هاجن     وانته اموسـّد الغبرة رمـيـّه
* * *
يخوية النار بوسط الخيم تنهاب     او وصلت خيلهم للخدر تنهاب
الماعدها عشيرة اشلون تنهاب     يليث الغاب ما تـلـحك عليه
(طور عبود غفلة)
يـفترن  خوات احسين      مـن  خـيمه لعد خيمه
ينخن  وين راحو اوين      مـا مـش بالكفر شيمه
كـل  خيمة تشب ابنار      ردن ضـربن الـهيمة
و الـسجاد اجو سحبوه      ودمعه اعلى الوجه ساله
(تخميس)
قلّبوه عن نطع مسـجّى فوقه     فبكت له أملاك سـبع شداد
ويصيح وا ذلاه أين عشيرتي     وسراة قومي أين أهل وداد

( 116 )

المطلب الحادي والعشرون

في خطبة الحسين عليه السلام قبل خرجه من مكة المشرفة

لـقد  دمعت عيون البيت حزناً      لـفقد  مـنى قـلوب العارفينا
وطـافت  طائفوه طواف ثكلى      وقـد  لـبسوا الـسواد ملهّفينا
وكـانت تـلبياتهم رثـا رثاءاً      لـسبط  كـان خـير الناسكينا
فـقد هـا هـنا قـصراً مشيداً      وبـيت  الـعزّ والـبلد الأمينا
فـقد  هـا هـنا كهف الايامى      وسور المحتمين طور سينا (1)

روي السيد في اللهوف وغيره قال :

لمّا همّ الحسين عليه السلام ان يتوجه الى العراق قام خطيباً في أصحابه فقال :

«الحمد لله ماشاء ولا حول ولا قوة إلا بالله , وصلى الله على رسوله محمد وآله أجمعين , خط الموت على ولد آدم مخطّ القلادة على جيد الفتاة , وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب الى يوسف , وخيّر لي مصرع أنا لاقيه , وكأني بأوصالي تقطعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء , فيملأن مني اكراشاً جوفاً وأجربة سغباً , لا محيص عن يوم خطّ بالقلم , رضى الله رضانا أهل البيت , نصبر على بلائه ويوفينا أجور الصابرين , حين تشذّ عن رسول الله لحمته , وهي

(1) هنا أشار عليه السلام إلى ابن الزبير , فإن تقتله هتك حرمة الحرم , وهذه من معيباته التي أخبر عنها عليه السلام

( 117 )

مجموعة له في حظيرة القدس تقرّ بهم عينه وينجز بهم وعده» .

ثم قال عليه السلام : «ألا ومن كان فينا باذلاً مهجته موطناً على لقاء الله نفسه فاليرحل معنا فإني راحل مصبحاً انشاءالله تعالى» (1) .

قال أرباب التاريخ : وجاء كتاب من ابن عمه مسلم بن عقيل من الكوفة مع عابس بن شبيب الشاكري يقول فيه :

«أما بعد , فإن الرائد لا يكذب اهله وقد بايعني من أهل الكوفة ثمانية عشر ألف رجل , فعجّل الإقبال حين وصول كتابي , فإن الناس كلهم معك , وليس لهم في آل معاوية «آل أبي سفيان» رأي ولا هوى والسلام» (2) .

وروي محمد بن داود القمي إسناده عن أبي عبدالله الصادق عليه السلام قال : «وجاء بن الحنفية الى الحسين في الليلة التي اراد الحسين الخروج من صبيحتها من مكة فقال له : يا أخي أن أهل الكوفة قد عرفت غدرهم بأبيك وأخيك , وقد خفت أن يكون حالك كحال من مضى , فإن رأيت أن تقيم فإنك أعز من بالحرم وأمنعه» فقال له : يا أخي قد خفت أن يغتالني يزيد بن معاوية بالحرم , فأكون الذي يستباح به حرمة هذا البيت (3) .

فقال له ابن الحنفية : فإن خفت ذلك فصر إلى اليمين أو بعض نواحي البرّ , فأنك أمنع الناس به , ولا يقدر عليك أحد . [فقال الحسين عليه السلام] (4) : أنظر فيما قلت .

ولما كان السحر ارتحل الحسين عليه السلام , فبلغ ذلك محمد بن الحنفية فأتاه

(1) الملهوف في قتلى الطفوف للسيد بن طاووس : 126 .
(2) الاخبار الطوال : 243 .
(3) هنا أشار عليه السلام إلى بن الزبير , فإن يقتله هتك حرمة الحرم , وهذه من مغيباته التي أخبر عنها عليه السلام .
(4) أثبتناه من المصدر , والظاهر أنه سقط في الاصل .

( 118 )

وأخذ بزمام ناقته التي ركبها , وقال له : يا أخي ألم تعدني النظر فيما سألتك ؟ قال : بلى , قتل : إذاً فما حداك على الخروج عاجلاً ؟ فقال له : يا أخي أتاني رسول الله بعد ما فارقتك وقال لي : يا حسين اخرج قد شاء الله أن يراك قتيلاً , فقال ابن الحنفية : إنا لله وإنا إليه راجعون , أخي إذاً فما معنى حملك هذه النسوة وأنت تخرج على مثل هذه الحالة والصفة ؟ قال له : أخي قد شاء الله أن يراهن سبايا على اقتاب المطايا» (1) .

أخـي إن الله شـاء بـأن يـرى      جـسمي بفيض دم الوريد مخضّبا
ويرى النساء على الجمال حواسراً      أسـرى  وزيـن الـعابدين سليباً
فـاكفف  فـقد حطّ القضاء بأنني      أمـسي  بـعرصة كربلاء غريبا

وفي رواية أخرى قال له : «أخي اناشدك الله أن لا تسير إلى قوم غدروا بأبيك سابقاً , وغدروا بأخيك لاحقاً , وأبقوا عدوكم , فأقم في حرم جدّك رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وإلا فارجع إلى حرم الله , فإن لك فيها أعواناً كثيرة , فقال له : «لابد من المسير الى العراق» , فقال له محمد إنه ليفجعني ذلك , ثم بكى وقال : والله يا أخي لا أقدر ان أقبض على قائم سيفي ولا أقدر على حمل رمحي , ثم لا فرحت بعدك أبداً» . ثم ودّعه وسار الحسين عليه السلام .

قال الراوي : وعند خرجه من مكة لقيه رجل من أهل الكوفة يكنّى أبا هرة الازدي , فسلم عليه ثم قال له : يا بن رسول الله من الذي أخرجك عن حرم الله وحرم جدك رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ؟ فقال له عليه السلام : «ويحك يا أبا هرة إن بني امية أخذوا مالي فصبرت , وشتموا عرضي فصبرت , وطلبوا دمي فهربت , وايم الله ان تقتلني الفئة الباغية , وليلبسنّهم الله ذلاً شاملاً , ويرسل عليهم سيفاً قاطعاً , وليسلّطنّ عليهم من يذلّهم حتى يكونوا أذل من قوم سبأ أذ ملكتهم إمرأة فحكمت في

(1) الملهوف للسيد ابن طاووس رحمه الله : 127 .

( 119 )

أموالهم ودمائهم» (1) قال : ثم ودّعه وسار الحسين عليه السلام ومن معه قاصدين العراق (2) .

ومـقوّضين  تـحملوا وعلى      مـسراهم الـمعروف محتمل
وكبوا  إلى العز الردى وحدى      لـلموت فـيهم سـائق عجل
وبـهم تـرامت لـلعلى شرفاً      أبـل  الـمنايا السود لا الإبل
نزلوا بأكناف الطفوف ضحى      وإلى الجنان عشية رحلوا (3)

(1) كلما ذكره الحسين عليه السلام لأبي هرة جرى على أهل الكوفة من قبل المختار وأضرابه .
(2) الملهوف للسيد بن طاووس رحمه الله : 132 .
(3)
(نصاري)
سار  احسين واصحابه بلضعون      وصـلوا  كربلا ووچب الميمون
ركب  ستة افراس امن اليسجون      وگفـوا  وانـشد اجموع الحمية
شسم هالگاع گالوا شاطي الفرات      وسـمها نـينوى والـغاضريات
رد  انـشد وگالـوله الـمسنات      ورض  لـعراگ يا شبل الزچيّه
بچه اوگلـهم دمع العين مذروف      هـم  الـها اسم گالوله الطفوف
رجع  سايل اسمها البيها معروف      سـكتوا  والـدموع اتـكت هيه
نـاده احـسين والـيكم تـرونه      سـايـلكم وشــو مـتجاوبونه
گالـوا كـربلا واهـلّت اعيونه      او تـحسّر والگلـب ناره سرّيه
(دكسن)
صاح  احسين يصحابي انزلونه      ابـهاي  الگاع كـلنه ايذبحونه
او بـس يـبگه علي ويگيدونه      او طـفلي يـنذبح ما بين ايديه
يگومـي ابـهاي يتشتت شملنه      او نـبگه بالشمس والدم غسلنه
او تسبى احريمنا او تندب يهلنه      چه  تـرضون نـتيسّر هـديّه
(تخميس)
يا من إذا ذكرت لديه كـربلا     لطم الخدود وللمدامع اهـملا
مهما مررت على الفرات فقل ألا
بعداً لشطّك يا فرات فمرّ لا     تخلوا فإنك لا هني ولا مري

( 120 )

المطلب الثاني والعشرون

في استنصار الحسين عليه السلام

إسنتصر الحسين عليه السلام جماعة في طريقه الى كربلاء , وألقى عليهم الحجج وحذّرهم من سماع واعيته , وكان استنصاره لهم تارة بلسانه , وتارة بإرسال رسول من قبله إلى من يستنصره , وتارة بالكتب , ومنهم من أجاب ورزق الشهادة معه , وسعد في الدارين بل وحضى السعادة الأبدية , ومنهم من اعتذر بتجارة له , ومنهم من لم يجبه على ذلك بشئ وبعدها أسف وندم على ما فاته من فضل الشهادة , فالذي أجاب الحسين عليه السلام لما دعاه لنصرته هو «زهير بن القين البجلي رحمه الله» , وأرسل عليه الحسين أثناء الطريق وطلب منه النصرة , فأجاب ورزق الشهادة وحظى بالسعادة والذي اعتذر بتجارته هو «عمرو بن قيس المشرفي» ـ كما ذكره صاحب أسرار الشهادات ـ قال عمرو :

دخلت على الحسين عليه السلام أنا وابن عم لي وهو في «قصر بني مقاتل» فسلُمنا عليه , فقال له ابن عمي : يا أبا عبدالله هذا الذي أرى خضاب أو شعرك ؟ فقال [عليه السلام] : «خضاب , والشيب إلينا بني هاشم يعجل» , قال : ثمّ أقبل عليه السلام علينا , وقال : جئتما لنصرتي؟ قال عمرو : وقلت له : سيدي إني رجل كبير السن , كثير الدين , كثير العيال , وفي يدي بضائع للناس ما أدري ماذا يكون من أمرك , وأكره أن اضيع أمانتي , وقال له ابن عمي مثل ذلك : فقال لنا : «إذاً انطلقا ولا تسمعا لي

( 121 )

واعية , ولا تريالي سوادا , فإنه من سمع واعيتنا أو شهد سوادنا ولم يعيننا كان حقاً على الله عزّوجل أن يكبه من منخريه في النار) (1) .فهذا هو عمرو بن قيس وابن عمه تقاعدا من النصرة واعتذرا للحسين عليه السلام بالتجارة .

وأما الذي استنصره الحسين عليه السلام وما أجابه وندم بعدها على عدم نصرته هو «عبيدالله بن الحر الجعفي» ـ كما ذكره صاحب در النظيم ـ عن أبي مخنف قال :

لمّا نزل الحسين عليه السلام «قصر بني مقاتل» رأى فسطاطاً مضروباً فقال : لمن هذا الفسطاط ؟ فقيل له : لعبيدالله بن الحرّ الجعفي , وكان مع الحسين عليه السلام الحجاج بن مسروق الجعفي وزيد بن معقل الجعفي , فأرسل الحسين عليه السلام الحجاج ليدعوه إليه , فلمّا أتاه وقال له : يابن الحرّ أجب الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام , فقال له : أبلغ الحسين عني وقل له إني لم أخرج من الكوفة إلا فراراً من دمك , ولئلا أعين عليك , والحسين ليس له ناصر بالكوفة ولا شيعة .

فجاء الحجاج وبلّغ الحسين عليه السلام مقالته فعظم ذلك على الحسين عليه السلام , ثم أنه دعى بنعليه وقد ركبها , وأقبل يمشي حتى دخل على عبيدالله وهو في الفسطاط , فلمّا رأى الحسين أقبل قام إجلالاً له وأوسع له عن صدر المجلس حتى أجلسه في مكانه ـ قال يزيد بن مرة : حدّثني بن الحر , قال : دخل علي الحسين عليه السلام ولحيته المباركة كأنها جناح غراب , وما رأيت أحداً قط أحسن ولا أملأ للعين من الحسين , ولا رققت لأحد قط كرقّتي على الحسين حين رأيته يمشي وأطفاله حواليه (2)ـ , فألفت الحسين عليه السلام ألى عبيدالله وقال له : «ما يمنعك يابن الحرّ أن

(1) أسرار الشهادات للفاضل الدربندي : 2/166 (المجلس الرابع) .
(2) هذا الخبر جاء اعتراضي من المؤلف رحمه الله ضمن سرد خبر «الدرّ النظيم» , وسيعود إلى اتمامه بعد تمام هذا الخبر .

( 122 )

تخرج معي ؟» فقال : لو كنت ممن كتب لك مع من كتب لكنت معك ثم كنت من أشد أصحابك على عدوك , وأنا الآن أحب أن تعفيني من الخروج معك , ولكن هذه خيلي المعدّة والأدلاء من أصحابي وهذه فرسي «الملحقة» فوالله ما طلبت عليها شيئاً إلا أدركته , وما طلبني أحد إلا فلت , فدونكها فأركبها حتى تلحق بمأمنك , وأنا ضمين لك بالعيالات حتى أؤديهم إليك أو أموت أنا وأصحابي دونهم , وأنا كما تعلم إذا دخلت في أمر لا يضمني فيه أحد . فقال له الحسين عليه السلام : «هذه نصيحة منك لي ؟» قال: نعم فوالله الذي لا فوقه شئ , فقال الحسين عليه السلام : «أني سأنصحك كما نصحتني , مهما استعطت أن لا تشهد وقعتنا ولا تسمع واعيتنا , فوالله لا يسمع اليوم واعيتنا أحد ثم لا ينصرنا إلا أكبة الله على منخريه في النار» (1) .

وفي أمالي الصدوق رحمه الله : فقال له عليه السلام :«لا حاجة لنا فيك ولا في فرسك , ـ ثم تلا ـ «وَمَا كُنتُ مُتّخِذَ الْمُضِلّينَ عَضُداً» (2)» . قال: ولما قتل الحسين عليه السلام ندم عبيدالله على عدم نصرته فأنشأ يقول:

فيا ندمى على أن لا أكون نصرته      ألا  كـلّ نـفس لا تـسدّد نادمه
سـقى الله أرواح الـذين تأزروا      على نصره سقياً من الغيث دائمه
تـأسوا على نصر ابن بنت نبيهم      بـأسيافهم  آسـاد غيل ضرغامه

وله أيضاً قال متأسف على عدم نصرته للحسين عليه السلام :

فيا لك حسـرةً ما دمـت حيّا     تردّد بين حلقي والتراقـي

حسين حين يطلب بذل نصري     على أهل الضلالة والنّفاق

(1) الدر النظيم .
(2) سورة الكهف / 51 .

( 123 )

غـداة يقول لي بالقصر قولاً      أتـتركنا وتـزمع بـالفراق
ولـو أنـي أواسـيه بنفسي      لـنلت كـرامة يـوم التلاق
مع ابن المصطفى نفسي فداء      تـولّى  ثـم ودع بـانطلاق
فـلو فـلق التلهّف قلب حيًّ      لـهم  الـيوم قـلبي بانقلاق
فقد فاز الاولى نصروا حسيناً      وخاب  الآخرون ذوو النفاق

فهذا عبيدالله بن الحر يتأسف ويتلهّف لعدم نصرته الحسين عليه السلام , وذلك لمّا رأى إنّ الذين نصروه سعدوا في الدارين , ونالوا بنصرته تلك المرتبة العالية والمنزلة السامية , قال الأعسم رحمه الله:

نصروا ابن بنت نبيهّم طوبى لهم     نالوا بنصرته مراتب سامية

وأي مرتبة هي أعظم وأرفع من هذه المرتبة بحيث يقف عليهم الصادق عليه السلام ويخاطبهم بقوله : «بأبي أنتم وأمي , طبتم وطابت الأرض التي فيها دفنتم , وفزتم والله فوزاً عظيماً».

صالوا وجالوا وادّوا حقّ سيدهم     في موقف عقّ فيه الوالد الولد

يتهادون الى الحرب سـكارى     طرباً فيه وما هم بسكارى (1)

(1)
(نصاري)
گضوا حگ العليهم دون الخيام     ولا خلّوا خوات حسين تنضام
لمّا طاحوا تفايض منهم الهام     تهاهوا مثل مهوى النجم من خر
(دكسن)
هذا الرمح بفّادة ايـتـثـنـّه     وهذا بيه للنـشّاب رنـّة
وهذا الخيل صدره رضرضنّه     وهذا وذاك بالهندي اموذّر
(عاشوري)
ركب غوجه وتعنّه احسين ليها     لگاها بس جثث وامسـلّـبيها

( 124 )

المطلب الثالث والعشرون

في ترجمة مسلم بن عقيل عليه السلام

روى المدائني وغيره , قال :

قال معاوية ابن أبي سفيان لعقيل بن أبي طالب يوماً : هل من حاجة فأقضيها لك؟ قال : نعم , جارية عرضت عليّ وأبى أصحابها أن يبيعوها إلا بأربعين ألفاً. فأحب معاوية أن يمازحه , فقال له : وما تصنع بجارية قيمتها أربعين ألفاً وانت أعمى وتجتزي بجارية قيمتها أربعون درهماً؟ فقال عقيل : أرجوا أن أطأها فتلد لي غلاماُ إذا أغضبته ضرب عنقك بالسيف؛ فضحك معاوية وقال : مازحناك يا أبا يزيد (1) , وأمر فابتيعت له الجارية التي أولدها مسلماً (2) .

صـبّ الدمـع واتلـهّف عليها     وگال احتسب عند الله واصبر
(تخميس)
يا عاذليّ اقطعوا ما عندكم ودعوا     أبكي على من بقلبي حبهم طبعوا
غابوا وعن ناظري طيب الكرى منعوا
 نذر عليّ لئن عادوا وإن رجعوا     لأزرعنّ طريق الطفّ ريحانا
(1) الشهيد مسلم بن عقيل للسيد المقرم ص 68 .
(2) هي علية النبطية من آل فرزندا, هكذا ذكرها بن قتيبة في المعارف. انظر: المعارف لابن قتيبة: 204 , وطبقات ابن سعد : 4/29

( 125 )

فلما أتت على مسلم سنين وقد مات أبوه عقيل وجاء إلى الشام وقال لمعاوية : إن لي أرضاً بمكان كذا من المدينة (1), وقد اعطيت بها مائة ألف , وقد احببت أن ابيعك إياها فادفع لي ثمنها ؛ فأمر معاوية بقبض الأرض ودفع الثمن إليه , فبلغ ذلك الحسين عليه السلام فكتب إلى معاوية : «أمّا بعد فإنك أغررت غلاماً من هاشم فابتعت منه أرضاً لا يملكها فاقبض منه ما دفعته إليه واردد الينا أرضنا».

فبعث معاوية إلى مسلم فأقراه كتاب الحسين عليه السلام وقال له: اردد علينا مالنا وخذ أرضك , فإنّك بعت مالا تملك . فقال مسلم : أمّّا دون أن أضرب رأسك بالسيف فلا , فاستقلى معاوية ضاحكاً يضرب برجليه الأرض ويقول له : يا بني هذا والله ما قاله أبوك حين ابتاع امّك . ثم كتب إلى الحسين أن قد رددت أرضكم وسوّغت مسلماً ما أخذ (2) .

قال أهل السير : كان مسلم بن عقيل فارساً شجاعاً , شهد مع عمه أمير المؤمنين عليه السلام «صفين» , وكان من القواد الذين جعلهم أمير المؤمنين عليه السلام على الميمنة «يوم صفين» (3) , كان يوم بعثه الحسين عليه السلام الى الكوفة قد ذرف على الاربعين.

وروى أبو مخنف وغيره , أنّ أهل الكوفة لما كتبوا الى الحسين عليه السلام دعا مسلماً وسرحه مع قيس بن مسهر الصيداوي وعبدالرحمن بن عبدالله وجماعة من الرسل , وأمره بتقوى الله وكتمان أمره واللطف , فإن رأي الناس مجتمعين

(1) وهي البغيبغة , وفيها عين ماء وهي للحسين , فباع مسلم قسم منها على معاوية وهي التي أراد الحسين عليه السلام أن يعطيها لابن سعد عوض ملك الري الذي حرمه الله منه . انظر :
(2) شرح نهج البلاغة : 3 / 82 طبعة مصر .
(3) المناقب: 2 / 260 .

( 126 )

[مستوثقين] (1) عجّل إليه بذلك (2) . وكتب الحسين عليه السلام إلى أهل الكوفة كتاباً يقول فيه : «أمّا بعد , فقد أرسلت إليكم أخي وابن عمي , وثقتي من أهل بيتي , مسلم بن عقيل , وأمرته أن يكتب لي إن رآكم مجتمعين , فلعمري ما الامام إلا من قام بالحق وما يشاكل هذا».

فخرج مسلم من مكة في نصف شهر رمضان (3) , وأتى المدينة فصلّى في مسجد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وودع أهله وخرج، فإستأجر دليلين من بني قيس وودع قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسار , فلمّا أن صار في بعض الطريق ضلا الدليلان وأصابه عطش شديد , فقالا له : هذا طريق ينتهي بك إلى الماء فلا تفارقه .ثم ماتا , فكتب مسلم بن عقيل الى الحسين عليه السلام من الموضع المسمى «بالمضيق»:

«أما بعد فإني اخبرك يابن رسول الله إني قد أتيت مع الدليلين فضلّا عن الطريق واشتد بهما العطش فماتا , فتطيرت من وجهي هذا» . فلمّا وصل الكتاب الى الحسين عليه السلام كتب جوابه :

بسم الله الرحمن الرحيم

من الحسين بن علي بن أبي طالب

إلى ابن عمّه مسلم بن عقيل

«أما بعد , يابن العم إني سمعت جدّي رسول الله يقول «ما منّا أهل البيت من يتطيّر به» فإذا قرأت كتابي هذا فامض على ما أمرتك به , والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته».

(1) ما أثبتناه من المصدر .
(2) مقتل الحسين عليه السلام لابي مخنف : 19 .
(3) انظر مروج الذهب للمسعودي : 3 54 .

( 127 )

فلما ورد الكتاب إلى مسلم وقرأه سار من وقته وساعته حتّى مر بماء «لطي» فنزل عليه , ورأى رجلاً قد رمى ظبية فصرعها فقال : نقتل عدوّنا هكذا انشاء الله تعالى . قال : وسار حتى وافى الكوفة , فدخلها ونزل في دار المختار بن أبي عبيدة الثقفي (1) .

وقال ابن شهر آشوب : لما دخل مسلم الكوفة نزل في دار سالم بن المسيب , ولما دخل ابن زياد الكوفة انتقل من دار سالم إلى دار هاني بن عروة المرادي المذجي (2) في جوف الليل (3) . وكان دخوله يوم الخامس من شوال سنة ستين (4) .

فجعل الناس يختلفون إليه وجعل مسلم كلما دخل عليه جماعة من أهل الكوفة قرأ عليهم كتاب الحسين عليه السلام وهم يبكون , حتى بايعه في ذلك اليوم ثمانون ألف , وقيل : حتى صار مجلسه ثمانية عشر ألفاً (5) .

ويروى أنه بايعه ثمانية عشر ألف كما كتب الى الحسين عليه السلام : «أما بعد فإن الرائد لا يكذب أهله , وقد بايعني من أهل الكوفة ثمانية عشر ألف فالعجل العجل بالإقبال حين يأتيك كتابي هذا , فإن الناس كلهم معك وليس لهم في آل معاوية رأي ولا هوى» . ثم أرسل الكتاب مع عابس بن شبيب الشاكري إلى مكة (6).

(1) الشهيد مسلم بن عقيل : 14 عبدالرزاق المقرم .
(2) مذحج : كمجلس , أبو قبيلة من قبائل اليمن , وهو مذحج بن جابر بن مالك بن زيد كهلان بن سبأ ومراد : بطن من مذحج , وكان هانئ بن عروة مرادياً . انظر :
(3) المناقب لابن شهر آشوب : 4 / 91 .
(4) مروج الذهب للمسعودي : 3 / 54 .
(5) الملهوف على قتل الطفوف : 108 .
(6) الاخبار الطوال للدينوري : 243 .

( 128 )

قال : ولما سمع النعمان بن بشير الانصاري (1) بقدوم مسلم إلى الكوفة كتب كتاباً إلى يزيد : «اما بعد فإن مسلم بن عقيل قد دخل الكوفة وقد بايعه الناس فإن كانت لك في الكوفة حاجة فابعث إليها من ينفذ أوامرك» .

وكتب ـ ايضاً ـ عبدالله بن شعبة الحضرمي (2)إلى يزيد : «اما بعد فإن مسلم بن عقيل ورد الكوفة وقد بايعه شيعة الحسين , فإن كانت لك في الكوفة حاجة فانفذ إليها رجلاً قوّياً فإن النعمان ضعيف أو يتضاعف».

وكتب له عمر بن سعد بنحو ذلك , فدعى يزيد بمولى له يقال له سرجون , فاستشاره بهذا الأمر , فقال له : لو نشر لك معاوية حيّاً لما عدا رأيه عن أبن زياد , قتل : فكتب يزيد الى بن زياد وهو يومئذ وال على البصرة : «اما بعد فإني ولّيتك المصرين الكوفة والبصرة (3) , فخذ بالرأي السديد واعمل النصح , ثم قد بلغني أن مسلم بن عقيل قد ورد الكوفة وقد اجتمع عليه الناس يبايعونه , فإني لا أجد سهماً أرمي به عدّوي أجرأ منك , فإذا قرأت كتابي هذا فسر من قوّتك وساعتك , وإياك والإبطاء والتواني , واجتهد ولا تبقي من نسل علي بن أبي طالب , واطلب مسلم بن عقيل طلب الخرزة واقتله , وابعث إلي رأسه والسلام».

(1) النعمان بن البشير : كان والياً على الكوفة من قبل معاوية فأقره يزيد عليها , وامّه : عمره بنت رواحة اخت عبدالله بن رواحة , قال ابن أبي الحديد في الشرح : كان النعمان بن البشير منحرفاً عنه ـ يعني علياً عليه السلام ـ وعدواً لله وخاض الدماء مع معاوية خوضاً , وكان من أمراء يزيد بن معاوية حتى قتل وهو على حاله . ويروى أنه قتله حمص في فتنة ابن الزبير , لأنه كان والياً عليها . انظر : شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : «النعمان بن بشير».
(2) وكان أول ما كاتب يزيد في حرب الحسين عليه السلام .
(3) أو يقال : العراقين , وهي البصرة والكوفة , وذكر ابن قتيبة وغيره أن اول من جمع له (العراقين) هو زياد بن أبيه وذلك في زمن معاوية , ثم جاء يزيد بن معاوية فجمع (العراقين) لابن زياد فكان ثاني من يجمع له (العراقين) . انظر : المعارف لابن قتيبة : 346 , 347 .

( 129 )

ودفع الكتاب إلى مسلم بن عمرو الباهلي (1), وقال له : امض الى البصرة وافع كتابي هذا إلى عبيدالله بن زياد . فأخذه اللعين وجاء به , فلما قرأه بن زياد «لعنه الله» صعد على المنبر خاطباً وقال : يا أهل البصرة إن الخليفة يزيد ولّاني الكوفة والبصرة , وقد عزمت على الرحيل إليها , وقد استخلفت عليكم أخي عثمان بن زياد , فاسمعوا له وأطيعوا له , وإياكم الأراجيف , فوالله ان بلغني أن رجل منكم خالف أمري لاقتلن عزيزه ولآخذّن الأدنى بالأقصى حتى تستقيموا .

ثم خرج من البصرة يريد الكوفة ومعه جماعة منهم : المنذر بن جارود العبيدي , وشريك الأعور الحارثي , ومالك بن مشيع , ومسلم بن عمرو الباهلي , ويقال : أن هؤلاء الثلاثة تكاسلوا في الطريق وما مضى معه الى الكوفة إلا اللعين مسلم بن عمرو الباهلي , فجاء معه حتى دخلا الكوفة .

هذا اللعين (مسلم بن عمرو الباهلي) هو الذي قابل مسلم بن عقيل عليه السلام

(1) مسلم هذا والد قتيبة بن مسلم أمير خراسان المشهور ؛ باهلي وباهلة : من قيس عيلان , وليس لهم في الشرف من ذكر , وعن أمالي الطوسي قال أميرالمؤمنين عليه السلام : «فو الذي فلق الحبة وبرء النسمة ما لهم في الاسلام نصيب» . يعني بهذا الكلام قبائلا منهم : باهلة .
وفي الكامل للمبرد : أنشد أبو العباس لرجل من عبد القيس :
أباهلي يـنـجي كلبكم     وأسدكم كـكلاب العرب
إذا قيل للكلب يا باهلي     عوى الكلب من لؤم هذا النسب
وقال الآخر :
إذا ولدت حـليلة باهلـي     غلاماً زيد في عدد اللئام
انظر : أمالي الطوسي : 116 / 180 (المجلس الرابع ـ الحديث 34) .

( 130 )

بكلمات حين جيء به مكتوفاً , فرأى قلّة (1)على باب القصر , فقال اسقوني ماء؟ فقال له اللعين مسلم بن عمرو الباهلي : والله لن تذوق منها قطرة واحدة حتى تذوق الحامية وتشرب من حميمها , فقال له مسلم عليه السلام : لأمّك الثكل , ما أجفاك وأفضلك وأقسى قلبك : ثم قال له : من أنت ؟ قال : أنا مسلم بن عمرو الباهلي , فقال له , يابن باهلة أنت أولى وأحق بالحميم من نار جهنم , ويلك أنا أرد على رسول الله وأشرب من الكوثر (2) .

ثم أدخل على ابن زياد وجراحاته تشخب دماً .

ومذ به شاء الإله ما به قد حكما     للقصر أقبلوا به لهفي له يشكوا الظما (3)

(1) القلة : إناء كبير يوضع فيه الماء , ويكون من الفخار لكي يبرد الماء فيه .
(2) انظر مروج الذهب للمسعودي : 3 / 59 .
(3)
( نصاري)
ضـرب وجـهه يويلي نغل حمران      او وصل گصر الإمارة وهو عطشان
عـلـيه  آمـر يچتـلونه الـخوّان      او ذبّـه مـن السطح لرض الوطية
صـعدوا  بـيه وهـو زاد لـونين      او  على صوب المدينة ايدير بالعين
صـله  وصـاح الله ويـاك يحسين      او گطـعوا رايـه او أمـيه رمـيّة
(بحراني)
مصيبتهم مصيبة اتصدع الجبال     من گبل المشيّب تشيب الاطفال
شفت ميت يجـرّونـة بالحبال     يصاحب لا تظن صارت مثلها
(تخميس)
عين جودي لمسلم بن عقيل     لرسول الحسين سبط الرسول
لشهيد بين الأعادي وحـيداً     وقتيل لنصر خير قـتـيـل

( 131 )

المطلب الرابع والعشرون

في كيفية دخول بن زياد الى الكوفة

قال أبو مخنف (1):

كان دخول بن زياد الكوفة ممّا يلي البر , وعليه ثياب بيض وعمامة سوداء متلثّماً , وانتعل نعلين يمانيتين وتختّم بيده اليمنى , وكان راكباً على بغله شهباء , وبيده قضيب من الخيزران , وكان دخوله يوم الجمعة , هذا وقد انصرف الناس من الصلاة وهو يتوقعون قدوم الحسين عليه السلام , فلمّا رأوه ضنّوا أنه الحسين لتشبه به بلباسه فجعلوا يقولون : مرحباً بك يابن رسول الله , قدمت خير مقدم ؛ وصار لا يمر على ملأ إلّا ويسلم عليه بقضيبه وهم يستبشرون . فلما وصل إلى قصر الإمارة قال لهم مسلم بن عمرو الباهلي : تأخرّوا عن وجه الأمير , فليس هو طلبتكم ؛ ثم أسفر ابن زياد عن وجهه , فلمّا رأوه وعرفوه تفرقوا عنه , فجاء وطرق باب القصر فأشرف النعمان وإذا على الباب ابن زياد , وصاح ابن زياد : ويلكم افتح , لا فتحت حصنة دارك وضيعة مصرك . ثم دخل القصر , وبات مسلم بن عقيل والناس

(1) مقتل الحسين لأبي مخنف : 26 , 28 .

( 132 )

حوله , فلما أصبح الصباح دخل شريك بن الأعور (1)إلى الكوفة ونزل في دار هاني بن عروة المرادي فبقي عنده حتى مات .

وقال ابن زياد : فلينادي منادي الصلاة جامعة ؛ فنادى المنادي واجتمع الناس في المسجد , فصعد ابن زياد على المنبر خطيباً وقال :

«أيها الناس من عرفني فقد عرفني , ومن لم يعرفني فأنا اعرفه بنفسي , أنا عبيدالله بن زياد , وإن الامير يزيد بن معاوية قد ولاني مصركم هذا , وأمرني بالانصاف للمظلوم , وإعطاء المحروم , والإحسان إلى محسنكم , والتجاوز على مسيئكم , وأنا متبع فيكم أمره , وأمرني أن أزيد في عطائكم , وأن أضع السيف في رقاب الذين يخالفوني» . ثم نزل عن المنبر , وأمر مناديه أن ينادي في قبائل العرب أن اثبتوا على بيعة يزيد بن معاوية .

قال أبو محنف : فلمّا سمع أهل الكوفة جعل بعضهم يقول لبعض : مالنا الدخول بين السلاطين , ونقضوا بيعة الحسين عليه السلام وبايعوا يزيد بن معاوية , وخرج مسلم عليه السلام الى المسجد ليصلي صلاة الظهر فلم يجد أحداً , فأذّن وأقام وجعل يصلي وحده , فلما فرغ من صلاته وإذا هو بغلام فقال له : يا غلام ما فعل أهل هذا المصر؟ قال: سيدي إنهم نقضوا بيعة الحسين عليه السلام وبايعوا يزيد بن

(1) قال ابن الاثير : كان شريك بن الاعور الحارثي كريماً على ابن زياد وعلى غيره من الامراء , وكان شديد التشيّع , وشهد مع أمير المؤمنين عليه السلام «صفين» وله حكاية مشهورة مع معاوية حين قال له : أنت شريك وليس لله شريك .
وأبوه الحارث الهمداني رحمه الله الذي كان من خواص أميرالمؤمينين عليه السلام , وهو الذي قال له أمير المؤمنين عليه السلام الكلمات التي نظمها السيد الحميري شعراً :
يا حار همدان من يمت يرني     من مؤمن أو منافق قبلا الخ
انظر : الكامل في التاريخ لابن الاثير : 4 / 26 , ووقعة صفين للمنقري : 117 , وتاريخ من دفن في العراق من الصحابة ـ للمؤلف .

( 133 )

معاوية , فلما سمع مسلم عليه السلام صفق بين يديه وخرج من المسجد متّجهاً إلى دار هاني بن عروة , فلما أتى عليها رأى على الباب جارية فقال لها : أمة الله أدخلي على هاني وقولي له أن على الباب رجل , فأن سألك عن إسمي فقولي له مسلم بن عقيل ؛ فدخلت الجارية هنيئة وخرجت , فقالت : ادخل يا سيدي , وكان هاني بن عروة يومئذ عليلاً , فنهض ليعتنقه فلم يقدر وجلسا يتحدّثان .

قال الراوي : ولم يعلم ابن زياد بمكان مسلم بن عقيل عليه السلام , وضاع عليه خبره فجعل العيون على مسلم بن عقيل عليه السلام , ومن جملتهم مولاه «معقل» وكان داهية دهماء, وأعطاه ثلاثة آلاف درهم وقال له :خذ الدراهم واجعل نفسك من الموالين للحسين لعلّك تأتيني بخبر مسلم بن عقيل . فأخذ معقل الدراهم وجعل يدور في الكوفة ويسأل عن مكان مسلم , حتى أرشد إلى مسلم بن عوسجة , فجاء إليه وهو يصلي في المسجد , فلما فرغ من صلاته قام إليه معقل واعتنقه واظهر له الإخلاص , وقال له , أنا رجل شامي وقد أنعم الله عليّ بحب أهل البيت , وعندي ثلاثة آلاف درهم وقد أحببت أن ألقى الرجل الذي بايع على يده الناس لابن رسول الله , وقد دللت عليك وأنا اريد منك أن تأخذ هذه الدراهم إليه وتدخلني عليه , فأنا ثقة من ثقاته وعندي كتمان أمره . فقال له مسلم بن عوسجة : يا اخا العرب أعزب عن هذا الكلام , مالنا وأهل البيت , وما أصاب الذي أرشدك الي ؟ فقال له معقل : إن كنت لم تطمئن فخذ عليّ العهود والمواثيق , ثم حلف له الايمان وأقسم عليه قسماً عظيماً أني لم أخبر بسرّه أحداً , ولم ينزل به حتى اطمئن منه مسلم بن عوسجة فادخله على مسلم بن عقيل عليه السلام وأخبره بخبره , فوثق به مسلم عليه السلام وأخذ منه البيعة للحسين عليه السلام , ثم أن مسلم عليه السلام أعطى الدراهم لأبي ثمامة

( 134 )

الصائدي وكان هو الذي يقبض الأموال ويشتري السلاح , وكان فارساً شجاعاً (1) .

قال الراوي : وصار معقل يأخذ أسرارهم حتى استقصى أسرارهم , فخرج من عند مسلم عليه السلام وجاء إلى ابن زياد وأخبره بمكان مسلم وبثّ إليه أسراره , فصار ابن زياد جلّ همّه أن يحتال بهاني ويقبضه وقد أخبر أنه مريض , فأرسل إليه : أريد أن أعودك ؛ فقال هاني لمسلم : أن ابن زياد بلغه أنّي مريض وهو يريد أن يعودني , فخذ هذا السيف وادخل المخدع فإذا جلس أخرج إليه وأقتله , وأحذر أن يفوتك , فإن فاتك فإنه يقتلني ويقتلك , انظر إذا أنا رميت عمامتي عن رأسي ؛ فقال مسلم عليه السلام : أفعل .

قال الراوي : ولما فرغ ابن زياد من صلاة العشاء أقبل يعود هانياً , ولم يكن معه سوى حاجبه , فلما صار على الباب استخبر هاني فقال لمسلم : خذ السيف وأدخل الى المخدع , فقام مسلم عليه السلام ودخل المخدع , ودخل ابن زياد على هاني وسلم عليه وجلس إلى جنبه وجعل يحادثه ويسأله عن حاله , وهاني يشكو إليه الذي يجده وهو مع ذلك يستبطي خروج مسلم , فجعل هاني يأخذ معامته من على رأسه ويضعها على الارض مراراً مسلم لا يخرج , ثم وضعها على رأسه , ولم يزل يصنع هاني هكذا ثلاث مرّات ومسلم لا يخرج , فجعل هاني يتمثّل بهذه الأبيات وهي

مـا  الإنتظار بسلمى لا تحييّها      كـأس  المنية بالتعجيل اسقوها
هل شربة عذبة أسقى على ظمأ      ولـو  تلفت وكانت منيتي فيها
فـإن  أحست سليماً منك داهية      فـلست  تأمن يوماً من دواهيها

فلم يزل هاني يردد هذه الأبيات ومسلم لم يخرج , فقال ابن زياد : ما بال

(1) تاريخ الطبري : 5 / 346 .

( 135 )

الرجل ؟ يهجر ؟ فقيل له ؟ بلى يهجر من شدّة المرض , ويقال إنه احسّ بشيء وقام من عند هاني وخرج وأقبل إلى قصر الإمارة . فقال هاني لمسلم : مالذي منعك عن قتله ؟! قال سمعت خبراً عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قال : «لا إيمان لمن قتل مسلمً» فقال له شريك : ما منعك من قتله ؟ قال : خلصتان : إحداهما كرهت أن يقتل في دارك , والثانيه لحديث حدّثنيه الناس عن النبي صلى الله عليه واله وسلم أنه قال : «الإيمان قيد الفتك فلا يفتك مؤمن» ؛ فقال لها هاني : أما والله لو قتلته لقتلت فاسقاً فاجراً (1) . وقال بعض المؤرخين : إنّ ابن زياد جاء ليعود شريكاً حيث لمّا ورد الكوفة ونزل في دار هاني بن عروة ؛ هكذا روى أبة الفرج الأصفهاني والدينوري (2)

أقول امتنع مسلم من قتل ابن الزاينة , لا والله بل القضاء والقدر حال بينهما , ولو لا القضاء والقدر لما أدخل عليه مسلم بن عقيل عليه السلام مكتوفاً , فلما أدخل عليه لم يسلّم , فقال له الحرس : لم لا تسلّم على الأمير؟ فقال ما هو لي بالأمير , فقال له ابن زياد : لا عليك إن سلّمت أو لم تسلّم فإنك مقتول لا محالة , فقال مسلم : إن قتلتني فقد قتل من هو شرّ منك خير منّي , فقال ابن زياد : يا شاق أتيت الناس وهو جمع فشتّت كلمتهم وفرّقت جماعتهم , فقال مسلم : كلا ما لهذا أتيت , ولكن أهل هذا المصر زعموا أنّ أباك قتل خيارهم وسفك دماءهم وعمل فيهم أعمال كسرى وقيصر , فأتيناهم لنأمر بالمعروف وننهي عن المنكر ؛ فجعل ابن زياد يشتمه ويشتّم عقيلاً والحسن والحسين ومسلم ساكت لا يتكلم .

أقول : كان اللعين ابن زياد هذا دأبه وهذا سجيًته وهذا دينده , يشتم

(1) انظر تاريخ الطبري : 5 / 360 ـ 363 .
(2) مقاتل الطالبين : 98 , الأخبار الطوال : 234 .

( 136 )

أمير المؤمنين عليه السلام , حتى إذا جاؤا إليه بالسبايا صعد المنبر وتكلم بكلمات الظفر وجعل يشتم أمير المؤمنين عليه السلام والحسن والحسين عليهم السلام .

أعلى المنابر تعلون بسبّه     وبسيفه نصبت لكم إعوادها (1)

(1)
(نصاري)
دشّت  على ابن زياد زينب والخواتين      ويـاهم الـسجاد يـهمل دمـعة العين
والـرجس فـوگ التخت يتفرج عليها      كـلـها بـليا اسـتار بـستر بـيديها
بـيده  قـضيب او ينكت ابمبسم وليها      ويگول  هاللي امغلل ابزنجيل من وين
گالـوا  علي گلهم على يقولون مذبوح      گالوا نعم الأكبر ابوادي الطف مطروح
جـذّام أبـوه احسين ظل يعالج الروح      وهـذا الـذي ظل من أولاد الهاشميين
اتـكلم وبو محمد يجيبه وابدمع سكّاب      گلّـه  بـعد تگكدر عليه اترد الجواب
وآمـر يـسحبونه ابقيده فوگ التراب      وضـجت الـحاله بالبكا ذيك الخواتين
او زيـنب تـنادي وين عزنا ماخذينه      گلـبي اتـقطعت هـالولد لا تسحبونه
وانـكان يـا ظـالم عـزمكم تذبحونه      گبله اذبحوني عيشتي گشري ابلا معين
وكأني بمولاتي زينب عليها السلام تلتفت إلى رأس الحسين عليه السلام ولسان الحال :
(عاشوري)
إن صحت خويه يضربوني     وإن صحت بويه يشتموني
(تخميس)
جور الزمان رماني منه بالعجب     وحكمه جار في السادات بالعطب
لم يبق ذا حسب مني ولا نسب
أخي ذبيح ورحلي قد ابيح وبي     ضاق الفسيح وأطفالي بغير حمي

( 137 )

المطلب الخامس والعشرون

في كيفية قبض هاني بن عروة وقتله رحمه الله

كان هاني بن عروة هو وأبوه من وجوه الشيعة , يروى أنه كان كأبيه صحابياً , وحضرا مع أمير المؤمنين عليه السلام حربه الثلاث , وهو القائل يوم الجمل شعراً :

بالك حرباً حثّها جمالها     يقودها لنقصها ضلالها

هذا علي حوله إقبالها (1)

وروى المسعودي في مروج الذهب : أنه كان شيخ مراد وزعيمها , وكان يركب في أربع آلاف دارع وثمانية آلاف راجل , فإذا تلاها أحلافها من كندة ركب في ثلاثين ألف دارع (2) .

وكان معمراً , ذكر بعضهم إن عمره كان ثلاث وثمانين سنة , وقيل : بضع تسعين سنة , وكان يتوكأ على عصى بها زجّ , وهي التي ضربه ابن زياد بها .

وروى أبو مخنف : أن ابن زياد لمّا أخبره معقل بخبر هاني أرسل إليه محمد ابن الأشعث وأسماء بن خارجة وقال لهما : إءتياني به آمناً , فقالا , وهل أحدث

(1) انظر تاريخ من دفن في العراق من الصحابة : 466 .
(2) مروج الذهب : 3 / 59 .

( 138 )

حدثاً ؟! قال : لا , فأتوه إليه جماعة , وقالوا له : ما الذي يمنعك من لقاء الأمير فإنه قد ذكرك وقال : لو أعلم إنه مريض لعدته ولكن بلغني إنه يجلس في باب داره , وأنت تعلم إن الإستبطاء والجفاء لا يحتمله السلطان , فإنا نقسم عليك إلا ما ركبت معنا .

قال : فدعى هاني بثيابه فلبسها , ثم دعى ببغلته فركبها , وجاء معهم حتى إذا دنى من القصر كأن نفسه أحسّت ببعض الذي كان فقال لحسّان بن أسماء بن خارجة : يابن أخي إني والله لخائف من هذا الرجل , فقال له : اي عم والله ما أتخوّف عليك شيئا ولم تجعل على نفسك سبيلاً وأنت برئ (1)؛ فأدخل هاني على ابن زياد فلمّا رآه عبيدالله بن زياد جعل يقول :

أتتك بخائن رجلاه تسعى     يقود النفس منها للهوان

وكان قد عرس عبيدالله بن زياد إذ ذاك بأم نافع ابنة عمارة بن عقبة المرادي , فلمّا دنا من ابن زياد وعنذه شريح القاضي إلتفت إليه وقال :

أريد حياته ويريد قتلي     عذيرك من خليلك من مراد (2)

فقال هاني : وما ذاك يا أمير ؟ قال : ايه هاني ما هذا الأمور التي تربص في دارك , جئت بمسلم بن عقيل فأدخلته دارك , وجمعت له السلاح والرجال في الدور حولك , وظننت إن ذلك يخفي علي ؟ قال : يا أمير ما فعلت ذاك وليس عندي مسلم . قال: بل عندك ؛ ولما كثر الكلام بينهم دعى ابن زياد معقلاً , فجاء اللعين والتفت ابن زياد إلى هاني وقال له , أتعرف هذا ؟ قال : نعم ؛ ثم أسقط ما في

(1) يقال إن حسان بن أسماء بن خارجة كان لا يعلم في أي شئ بعثه ابن زياد , وكان محمد بن الاشعث من جملة من كان معه .
(2) وهذا البيت لعمرو بن معدي كرب الزبيدي .

( 139 )

يده , وعلم أن هذا كان عيناً له , ثم أن نفسه راجعته وقال له : أسمع مني وصدّق مقالتي فوالله لا أكذب , والله الذي لا إله غيره فإني آويت مسلماً وقد كان أمره الذي بلغك فإن شئت أعطيتك رهينة في يدك حتى أنطلق وآمره أن يخرج من داري إلى حيث شاء من الارض فأخرج من ذمامه وجواره , فقال : لا والله لا تفارقني حتى تأتيني به ؛ قال : والله لا آتيك به .

فقام مسلم بن عمرو الباهلي وقال : يا أمير دعني أكلمه ؛ ثم أخذه واعتزل به بحيث إذا تكلموا تارة يسمعهم ابن زياد وتارة لا يسمعهم , فقال له مسلم بن عمرو الباهلي ـ ولم يكن شامي ولا بصري غيره ـ قال : سلّم له مسلماً فإنّي أخشا عليك من القتل . فقال هاني : والله لا أسلمه حتى أقتل ؛ فسمع ابن زياد (لعنه الله) كلامه فصاح بمسلم بن عمرو : ادنه مني , فأدناه منه فقال له ابن زياد : لتأتيني به أو لأضربنّ عنقك ؟ فقال هاني : إذا تكثر البارقة حول دارك . فقال : وا لهفتاه أبالبارقة تخوفنيي ـ يظن أن عشيرته سيمنعونه ـ فقال ابن زياد : ادنوه مني , فأخذ يدنوا إليه فاستعرض وجهه بالقضيب , فلم يزل يضرب وجهه فكسر أنفه وسال دماء على ثيابه حتى كسر القضيب، فضرب هاني يده على قائم سيف شرطي فجاذبه الشرطي ومنعه , قال ابن زياد (لعنه الله) : خذوه واحبسوه في حجرة من هذه الحجر وأغلقوا عليه بابها : فأخذ هاني وحبس .

فسمعت مذحج وسمعت عمرو بن الحجاج أن هانياً قد قبض , لأن روعة أخت عمرو ابن الحجاج تحت هاني بن عروة (1) فأقبلوا حتى أحاطوا بالقصر , ونادى عمرو بن الحجاج : أنا عمرو وهذه فرسان مذحج ووجوهها لم تخلع طاعة ولم تفارق جماعة , فقيل لعبيدالله بن زياد : هذه مذحج بالباب ! فقال لشريح

(1) وهي أم يحيى بن هاني الذي قتل بالطف مع اصحاب الحسين في الحملة الاولى .

( 140 )

القاضي : أدخل عليه صاحبهم وانظر إليه ثم اخرج إليهم وأعلمهم أن صاحبهم حي لم يقتل ؛ فقام شريح ودخل على هاني في الحبس وتكلم معه , فقال هاني : والله لو خل علي من مذحج عشرة لأنقذوني من هذا اللعين . ثم خرج شريح من عنده وأقبل حتى أشرف على مذحج وقال لهم : إن الامير لما بلغه مكانكم ومقالتكم في صاحبكم أمرني بالدخول إليه فأتيته فنظرت إليه وخرجت لأخبركم أنه صحيح سالم , والذي بلغكم من موته كان باطلاً . فعند ذلك انصرفوا وهم يقولون فأمّا إذا لم يقتل فالحمدلله (1) .

وبقي هاني في السجن حتى إذا قبض على مسلم وقتل أمر ابن زياد بإخراج هاني إلى السوق الذي تباع فيه الأغنام , فأخرج مكتوفا فجعل ينادي : وا مذحجاه لا مذحج لي اليوم .. وامذحجاه وأين عني مذحج ...

فلما رأي أن لا ينصره أحد اجتذب يده من الكتاف فنزعها ثم قال : أما من عصا أو سكينا أو حجرا أو عظماً يذب به الرجل عن نفسه ! فتواثبوا عليه وشدّوه وثاقاً فقيل له : امدد عنقك! قال : ما أنا بها مجد سخي , وما أنا بمعينكم على نفسي ! فضربه مولى لعبيدالله بن زياد (تركي) يقال له الرشيد (2) بالسيف فلم يصنع شيئا , فقال هاني : إلى الله المعاد اللهم إلى رحمتك ورضوانك (3).

ثم حزوا رأسه وجاؤا بجثته وجثة مسلم بن عقيل وربطوا برجليهما الحبال , وجعلوا يسحبونهما في الاسواق , وفي ذلك يقول عبيدالله بن الزبير الاسدي من

(1) مقتل أبي مخنف : 39 ـ 40 .
(2) قال ابن الاثير في الكامل : لما كان يوم خازر نظر عبدالرحمن بن الحصين المرادي إلي رشيد التركي وقال قتلني الله إن لم أقتله أو أقتل دونه ثم حمل عليه بالرماح فقتله ورجع إلى موقفه . انظر الكامل لابن الاثير : 5/ 379 .
(3) مقتل أبي مخنف : 56 ـ 57 .

( 141 )

بني أسد ـ وكان يتشيع ويقال أنه للفرزدق ـ شعراً (1):

أن كنت لا تدرين مالموت فانظري      إلـى هـانىء بالسوق وابن عقيل
إلـى بـطل قد هشم السيف وجهه      وآخـر يـهوي مـن طمار جديل
أصـابهما فـرخ الـبغي فأصبحا      أحـاديث  مـن يسري بكل سبيل
تـرى  جسداً قد غيّر الموت لونه      ونـضج دمـاً قـد سال أي مسيل
فـتىً  كـان أحـيا من فتاة حيية      وأقـطع مـن ذي شفرتين صقيل
أيـركب  أسماء (2) المهاليج آمنا      وقــد طـلبته مـذحج بـذخول
وتـطيف  حـواليه مـراد وكلّهم      عـلى رقـبة مـن سائل ومسول
فـإن أنـتم لـم تـثاروا بـأخيكم      فـكونوا بـغايا أرضـيت بـقليل

وكان قتل مسلم وهاني يوم التروية , قال : وأمر ابن زياد (لعنه الله) بجثة هاني ومسلم فصلبتا بالكناسة , وبعث برأسيهما إلى يزيد بن الزبير بن الأروح التميمي وهاني بن أبي حيّة الوداعي (4).

أقول : وكان رأس مسلم أول رأس حمل من بين هاشم , وأول جثّة منهم صلبت وبعدها رأس الحسين عليه السلام ورؤوس أخوته وأولاده وبنو عمومته وأصحابه , فلئن حمل رأس مسلم من الكوفة إلى الشام فقد حمل رأس الحسين عليه السلام على قتاة من كربلاء إلى الكوفة ومن الكوفة إلى الشام , بمرءى من

(1) نسبها في رياض المصائب : 268 , إلى الفرزدق , انظر في ذلك ايضاً : الكامل في التاريخ (لابن الأثير) : 4 / 15 , الملهوف في قتلى الطفوف : 123 , والأخبار الطوال للدينوري : 242 , والإرشاد للشيخ المفيد : 2 /64 , ومثير الأحزان لابن نما : 37 .
(2) هو أسماء بن خارجة الفزاري أحد الثلاثة الذين ذهبوا بهانىء بن عروة الى ابن زياد .
(3) مقتل أبي مخنف :57 ـ 58 .
(4) مقتل أبي مخنف : 59 .

( 142 )

عيون أخواته وبناته , وهو يتلوا القرآن تارة ويدعوا على حامله اخرى , وربما وعض القوم . وقال زيد ابن أرقم : كنت في روشن لي فمرّوا علي برأس الحسين بن علي عليه السلام وهو على رأس رمح طويل فسمعته يتلو : «أَمْ حَسِبْتَ أَنّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً» (1) قال زيد : فضربت رأسي بالروشن وقلت : يابن رسول الله رأسك أعجب وأعجب (2).

يـتلوا  الـكتاب على السنان وإنما      رفـعوا  بـه فـوق الـسنان كتابا
ألـم  تـعه يـتلوا الـكتاب ونوره      يـشق  ظـلام الليل والليل مسدف
يا رأس مفترس الضياغم في الوغى      كـيف انـثنيت فـرية الاوغاد(3)

(1) سورة الكهف 18 : 9 .
(2) الإرشاد للمفيد : 2 / 117 .
(3) وزينب عليها السلام كأني بلسان حالها :
(دكسن)
ما تدري يخوية اشلون حالي     على راس الرمح راسك اگبالي
كلمن شاف ذل حـالي بچالي     عدوانـك علـي غدو يبچون
(ابوذية)
راسك على الرمح يمشي ويتلي      الـكتاب  ونـار محنتكم ويتلي
ابگلـبي  جـارت الدنيا ويتلي      المصايب من وصلت الغاضرية
زجـر  يحسين من بعدك محنا      ابـسفر واعـداك ما بيهم محنا
عـلى راس الرمح اشبيك محنا      ابـدماه  او بس يدير العين ليه
(تخميس)
لك نور بجبهة الحسن لا لا     بمحيّا كساه ربي جـمالا
ضاء في الدهر حقبة ثم زالا
يا هـلالاً لم استتمّ كـمالا     غاله خسفه فأبدى غروبا

( 143 )

المطلب السادس والعشرون

في غدر أهل الكوفة بمسلم عليه السلام وهاني

روى الشيخ المفيد رحمه الله عن عبدالله بن خازم , قال : أنا والله أول رسول لابن عقيل أمضي إلى القصر وأنضر ما فعل بهاني , فمضيت حتى إذا ضرب وحبس , ركبت فرسي وكنت أول أهل الدار دخل على مسلم بن عقيل بالخبر , وإذا نسوة من مراد مجتمعات ينادين : يا عبرتاه ! يا ثكلاه ! فدخلت على مسلم وأخبرته بخبر هاني فأمرني أن أنادي في أصحابه وقد ملأ بهم الدور حوله , وكانوا أربعة آلاف رجل , فناديت : يا منصور أمت , فتنادى أهل الكوفة واجتمعوا إليه فعقد لعبدالله بن عزيز الكندي راية على ربع كندة , ويروى أنه عقد لحبيب بن مظاهر راية وبعثه إلى ركن من أركان الكوفة , وعقد راية لمسلم بن عوسجة , وعقد راية إلى المختار بن أبي عبيدة الثقفي , وعقد راية إلى عابس بن شبيب الشاكري (1).

وخرج عليه السلام ومعه ما ينوف على الألفين فجاءوا واحاطوا بالقصر , فخاف ابن زياد واضطرب وضاق عليه أمره فأخذ يفكّر ولا يدري ما يصنع , فاستشار محمد بن الأشعث وشبث بن ربعي فأشارا عليه أن يخرج لهم من القصر ثلاثين رجلاً شاكّين بالسلاح ويتفرّقون مع اصحاب مسلم بن عقيل ويتكلّم بعضهم مع

(1) الارشاد للمفيد : 2 / 51 ـ 52 , ومقتل الحسين عليه السلام لابي مخنف : 41 ـ 42 .

( 144 )

بعض على أن الأمير قد بعث جيشاً جراراً إلى الكوفة لقتال مسلم بن عقيل بحيث يسمع أصحاب مسلم فإذا سمعوا ذلك فانّهم يتفرّقون عن مسلم ويتخاذلون فيما بينهم . قال : وقام إليه أنس بن مالك , وقال : يا أمير الان معك في قصرك ما ينوف على ثلاثمائة رجل فاخرج إليهم وقاتلهم ؛ فالتفت إليه ابن زياد وقال له :اعرض عن هذا الكلام , والتفت إلى شبث بن ربعي وقال له : القول ما قلت أنت , فدعى ابن زياد ثلاثين رجلاً من اصحابه وقال لهم : إنزلوا جميعاً والحقوا بأصحاب مسلم بن عقيل ؛ فنزلوا واختلطوا مع أصحاب مسلم , وجعلوا يسبّون ابن زياد ويزيد , وجعلم يكلم بعضهم بعضاً بأن الأمير يزيد بن معاوية قد بعث جيشاً جراراً لقتال مسلم بن عقيل , وصاح شبث بن ربعي من أعلي القصر: أيها الناس ... إلحقوا بأهاليكم ولا تعجّلوا الشرّ ولا تعرضوا أنفسكم للقتل , فإن جنود أمير المؤمنين يزيد قد أقبلت من الشام , فإن صممتم على حربنا ولم تنصرفوا من عشيتكم هذا فيحرم ذريّتكم العطاء ويفرّق مقاتلتكم ؛ وتكلّمت الأشراف بنحو من ذلك فلما سمعوا أصحاب مسلم جعلوا يتشتتون ويتفرّقون عنه .

قال ابو مخنف : حدّثني مجالد بن سعيد , قال : إن المرأة كانت تأتي ولدها وأخاها فتقول له : انصرف فالناس يكفونك , ويأتي الرجل إلى إبنه وأخيه ويقول له : انصرف غداً يأتيك أهل الشام فما تصنع بالحرب والشر !! حتى يذهب به , فما زالوا يتخاذلون ويتفرقون حتى أمسى مسلم ولم يبقي معه إلا ثلاثون رجلاً , فدخل المسجد وصلى المغرب والعشاء وهم معه , ثم خرج من باب كندة فنظر وأذا عشرة , ثم صار في بعض الأزقة فنظر إلى ورائه فلم يجد أحداً من يدّله على الطريق , فمضى على وجهه يتلدد في أزقة الكوفة ولا يدري إلى أين يذهب ؟! حتى خرج إلى دور بني جبلة من كندة فمشى حتى انتهى إلى باب الدار وعليها أمرأة يقال لها «طوعة» ام ولد , وكانت تحت الاشعث بن قيس , ثم تزوّجها أسيد

(  145 )

الحضرمي فولدت له بلالاً , ومات أسيد عنها , فاستسقاها ماء فسقته , ثم وقف , فقالت له : ألم تشرب الماء؟! قال : بلى , فقالت له : إذاً فما وقفك على باب داري ؟ فقال لها : ألا تجيريني ولعلي مكافئك به بعد اليوم , فقالت له : من أنت ؟ قال أنا مسلم بن عقيل غدر بي أهل مصركم هذا , فقالت له : أنت مسلم رسول الحسين عليه السلام ؟! قال : نعم , فقالت له : ادخل على الرحب والسعة . فدخل دارها وجعلته في بيت لها , ولمّا إن جاء إبنها بلال إلى الدار رأى أمه تكثر الدخول والخروج إلى تلك الحجرة , فسألها فلم تجيبه حتى ألح عليها , استحلفته أن لا يخبر أحداً بأمره , فعاهدها وأقسم لها أن لا يخبر أحداً , فقالت : هذا مسلم بن عقيل .

ويروى : إنه لما كان وقت الفجر جاءت طوعة إلى مسلم بالماء ليتوضأ , فقالت له : يا مولاي ما رأيتك رقدت هذه الليلة!! فقال : اعلمي أني رقدت رقدة ورأيت في منامي عمّي أمير المؤمنين وهو يقول: الوحا الوحا العجل العجل العجل ولا أظن إلا وهذا اليوم هو آخر أيامي من الدنيا .

وأما ابنه بلال فإنه بات ليلته ينتظر الصباح , حتى إذا أصبح خرج من الدار وأقبل إلى قصر الإمارة , فرأى ابن زياد جالساً وعنده الأشراف من أهل الكوفة وهو في حديث مسلم , فجاء وجلس إلى جانب محمد بن الأشعث وأخبره بخبر مسلم وقال ابن زياد : ما أسرك هذا الغلام ؟ فأخبره بمقالته وأن امه أجارت مسلم ابن عقيل في بيتها , فقال ابن زياد : طوّقوه بطوق من ذهب , فطوقوه من حينه بطوق من ذهب والتفت ابن زياد إلى محمد ابن الاشعث وقال له : قم فأتني به الساعة ؛ فخرج محمد بن الاشعث في سبعين رجل حتى إذا وصلوا الدار خرج إليهم مسلم وهو يقول :

هو الموت فاصنع ويك ما أنت صانع     فأنت لكأس الموت لا شك جارع

فصـبراً لأمـر الله جـل جـلالـه     فحكم قضاء الله في الخلق ذايـع

( 146 )

قال الراوي : وجعل يضرب بسيفه فصاح محمد بن الاشعث يا مسلم لك الأمان لا تقتل نفسك فجعل يقول :

اقـست لا أُقـتل إلّا حـرّا      وإن رأيت الموت شيئاً نكرا
كـلُّ  امرء يوم يلاقي شرّا      أخـاف  أن اكذب أو أغرّا
ردّ شـعاع الشمس فاستقرّا      وتـخلط الـبارد سخناً مرّا

فقال له محمد بن الأشعث : يا مسلم لا تكذب ولا تقر أنت آمن , فقال له مسلم : لا أمان لكم أهل الكوفة !! فجعل يقاتلهم حتى قتل منهم جماعة , فأرسل محمد بن الأشعث لابن زياد أن مدّني بالخيل والرجال , فبعث إليه جند كثير فجعل مسلم يقاتلهم حتى قتل منهم مقتلة عظيمة , فأرسل محمد بن الأشعث أن مدّني بالخيل والرجال , فبعث إليه ابن زياد : إنّما بعثتك على رجل واحد من بني هاشم فكيف لو بعثتك إلى من هو أشجع منه ؟! يعني الحسين عليه السلام فأرسل إليه [ابن الأشعث] : [أيّها الأمير أتظن أنك] بعثنتي على بقال من بقاقيل الكوفة أم إلى جرمقان (1)من جرامقة الحيلة ؟! هذا مسلم بن عقيل عمّه على ابن أبي طالب , فمدّه ثلاثاً بالخيل والرجال ومسلم يقاتلهم حتى اثخن بالجراح , وكثرت عليه الحجارة والخشب والرماد من فوق الدور , وجعلوا يضرمون النار بأطناب (2) القصب ويرمونه عليه , فلما شاهدوا منه هذه البسالة وهذه الشجاعة قد دمّر فيهم عزموا أن يأخذوه غيلة , فحفروا له حفيرة وأسقفوها بجريد النخل والليف ووضعوا عليها التراب , ثم لمّا حمل عليهم انكسروا بين يديه , فأقبل يعدو خلفهم حتى سقط في الحفيرة , فلمّا سقط فيها اغمى عليه فجاء إليه بكر بن حمران

(1) الجرمقان : هو رقاع الأخذية .
(2) اطناب : جمع طنب والطنب الحزمة من الحطب .

( 147 )

الأحمري وبيده سيفه فضربه على شفته العليا فقطعها , ومضى السيف إلى السفلى , ثم ازدحموا عليه فقبضوه وقد ضعف حاله وأوثقوه كتافاً فأراد أن يمشي معهم فما استطع المشي, فجاؤو اليه ببغلة وأركبوه عليها واجتذبوا سيفه من يده , فجرت دموعه على خديه فكأنه أيس من نفسه .

فقال عمرو السلمي : أن من يطلب مثل الذي تطلب إذا نزل به مثل هذا لا يبكي فقال: والله ما لنفسي بكيت ولا لها من القتل أرثى , وإن كنت لا أحب لها التلف طرفة عين ولكني أبكي لأهلي المقبلين , ابكي لحسين وآل الحسين .

بكتك دماً يابن عمّ الحسيـن     محاجر شيعتك السافحة

ولا برحت هاطلات العيون     تحييك غاديـة رائحة (1)

(1)
(نصاري)
يـمسلم  ويـن ذاك الـيوم عمّك      يـجيك ايـعاينك غـارگ ابدمك
يـمسلم مـحّد مـن الـناس يمك      وحـيـد ابـهالبلد مـالك تگيّـة
يـمسلم ويـن ذاك الـيوم عباس      يـجيك ابـشيمته امـفرّع الراس
يشوفك  يوم صابك نغل الأرجاس      وهويت من الگصر لرض الوطية
(ابوذية)
عاد اليستجيره ايكون ينـجـار     وعن چتله حليف الشرف ينجار
مثل مسلم صدق بالحبل ينجار     وتتفرّس ابچتله عـلوج أمـيه
* * *
ما شدّ لحييه من عمرو العلى أحد     كلا ولا ندبـته الأهـل من أمم
نائي العشيـرة منبوذ بـمصرعه     مترّب الجـسم من قرن الى قدم

( 148 )

المطلب السابع والعشرون

في شهادة مسلم بن عقيل عليه السلام

لما جيء بسلم بن عقيل إلى قصر الأمارة مكتوفاُ التفت إلى محمد بن الاشعث وقال له : أتستطيع أن تبعث رجلاً عن لساني يبلغ حسيناً , فإنّي لا أراه وقد خرج إليكم اليوم , أو هو خارج غداً وأهل بيته معه وإن ما ترى من جزعي لذلك , فيقول الرسول : «إن مسلماً بعثني إليك وهو في قبضة القوم أسير لا يرى أن يمسي حتى يقتل وهو يقول ارجع بأهل بيتك ولا يغرك أهل الكوفة فإنهم أصحاب أبيك الذي كان يتمنى فراقهم بالموت أو القتل , فإن أهل الكوفة قد كذبوك وكذبوني وليس لمكذوب رأي» . فقال محمد ابن الأشعث : افعل . إلّا انه ما فعل .

قال الراوي : وأقبلوا بمسلم بن عقيل إلى باب القصر وقد كضّه العطش لأنه لم يشرب الماء يومين , فرأى قلة فيها ماء قال : اسقوني ماء , فقال له مسلم بن عمرو الباهلي : والله لن تذوق الماء حتى ترد الحميم من نار جهنم , فالتفت إليه مسلم وقال له : من أنت يا هذا؟! قال : أنا مسلم بن عمرو الباهلي الذي أطاع لأميره إذ عصيته , فقال : أنت يا يابن باهلة أولى بالحميم من نار جهنم , أنا أرد على رسول الله وعلى علي وعلى فاطمة وعلى الحسن فيسقوني من ماء الكوثر .

ثم أدخل على ابن زياد لم يسلم الإمرة على ابن زياد , فقال له الحرس : لم

( 149 )

لا تسلم على الأمير , فقال ابن زياد : دعه إن سلم أو لم يسلم فإنه مقتول لا محالة , ثم التفت إليه وقال : يا عاق يا شاق أتيت الناس وهم جمع فشتت كلمتهم وفرقت جماعتهم , فقال مسلم : كلا ما لهذا أتيت ولكن أهل هذا المصر زعموا أن أباك قتل خيارهم وسفك دمائهم , فأتيناهم لنأمر بالعدل وننهى عن الفحشاء المنكر ؛ فقال له ابن زياد : وما أنت وذاك يا فاسق كنت تشرب الخمر في المدينة . فقال مسلم : الفاسق من ولغ في دماء المسلمين ولغا ؛ ثم قال له : لأقتلنّك شرّ قتلة , فقال : إن قتلتني فلقد قتل شرّ منك خير منّي .

قال الراوي : ثم أقبل عليه يشتمه ويشتم علياً وعقيلاً , ومسلم ساكت لا يتكلم ثم قال: يابن زياد إن كنت عازم على قتلي دعني أوصي بعض قومي , قال : افعل , فنظر مسلم إلى جلسائه فإذا فيهم عمر بن سعد بن أبي وقاص , فقال: يا عمر إن بيني وبينك لقرابة (1)ولي إليك حاجة وهي وصية ؛ فأبى ابن سعد , فقال له عبيدالله : قم وانظر لحاجة بن عمّك , فقام معه وجلس بحيث ينظر إليه ابن زياد , فقال : أوصي , قال : وصيّتي «فأنا أشهد أن لا أله إلا الله وإن محمداً رسول الله وأن علياً ولي الله ووصيّه وخليفته في امته , يابن سعد وإن عليّ دين بالكوفة استدنته منذ دخلت الكوفة , وهي سبعمائة درهم بع لامتي واقضها عنّي , استوهب جثتي من ابن زياد فوارها , ثمّ ابعث إلى الحسين من يرّده , فإني كتبت إليه أعلمه أن الناس معه ولا أراه إلا مقبلاً) .

فقال عمرو بن سعد لابن زياد : يا أمير أتدري ما قال لي ؟! قال كذا وكذا فقال ابن زياد : ما خانك الأمين ولكن ائتمنت الخائن , ثم قال : أمّا درعه فبعها واقض بها

(1) كان ابن أبي وقاص بن وهيب والد آمنة وإن لم عمر بن سعد وام علي بن الحسين عليه السلام الأكبر امهاتهن أخوات فمن هنا ادّعاه مسلم بالقربة .

( 150 )

دينه , وأمّا جثته إذا قتلناه لا نعبأ بجثته , وأما الحسين فإنه إن لم يردنا لم نرده , ثم صاح من الذي ضربه على وجهه؟ فقيل له : هو بكر بن حمران الأحمري قال: هو يتولى قتله , فأمر باحضاره فاحضر فقال له : اصعد به إلى أعلى القصر واضرب عنقه وارمه من أعلى القصر إلى الأرض واتبع رأسه جسده ؛ فصعد به بكر بن حمران ومسلم يسبّه الله ويقدّسه ويكبّره ويستغفره وهو يقول : احكم بيننا وبين قوم غرّونا وكذّبونا وذلّونا .

قال مسلم : يا بكر دعني اصلّي لربّي ركعتين , فقال : صلّ , فصلّي مسلم حتى إذا فرغ من الصلاة وجّه وجهه نحو مكّة وقال : «السلام عليك يا أبا عبدالله , السلام عليك يا بن رسول الله» فصيح به : يا بكر عجّل عليه , فشهر بكر سيفه وضرب عنق مسلم ورمى برأسه من أعلى القصر الى الأرض وأتبع جسده , وأراد أهل الكوفة في ذلك اليوم إرضاء ابن مرجانة بفعلهم فجاؤا لمسلم ولهاني ورضعوا الحبال برجليهما وجعلوا يسحبونهما في بالأسواق (1) .

بـكتك دماّ يابن عم الحسين      مـحاجر  شـيعتك السافحه
ولا رحـت هاطلات العيون      تـحـييك  غـادية رائـحه
لأنـك لـم تـرز من شربة      ثـناياك فـيها غدت طائحه
رموك من القصر إذا أوثقوك      فهل  سلمت فيك من جارحه

(1) ولما قتل ابن زياد مسلماً وهانياً صلب جثتيهما ثلاثة أيام وبعث برأسيهما إلى يزيد بن معاوية مع هاني بن أبي حية الوادعي والزبير بن الأروح التميمي , وكان قتلهما في يوم الثامن من ذي الحجة يوم التروية في ذلك اليوم كان خرج الحسين من مكة المشرفة .
ويروى أنه لما قتلا مسلم وهاني أمر ابن زياد باخراج جماعة من الحبس وقتلهم فقتلوا ويروى أنه كان قبض مسلم على غير هذا وانهم أعطوه الأمان ؛ راجع ابصار العين للسماوي : 48 .

( 151 )

وسـحـباً تـجرّ بـأسواقهم      ألـست  أمـيرهم الـبارحه
أتـقضي  ولم تبكك الباكيات      أما  لك في المصر من نائحه
لـئن تـقض نحباً فكم زرود      عليك العشية من صائحه (1)

(1) الابيات للمرحوم السيد باقر الهندي رحمه الله انتهى . ابصار العين للسماوي : 48 .
وذلك لما وصل خبر الستشهاد مسلم عليه السلام للحسين عليه السلام وكان في زرود , كأني به استرجع قائلاً إنا لله وإنا إليه راجعون , ثم إنه عليه السلام عمد إلى خيمة النساء ونادى الحوراء زينب عليها السلام قائلاً ائتني بحميدة , فلما أقبلت إليه وضعها في حجره وأخذ يمسح على رأسها :
(نصاري)
أخـذ بـت مسلم من الخيم بيده      يمسح على راسها ابحسره شديده
وبـالشر  حـست الطفله حميده      گالـتله يـعمي وسـالت العين
يـعمي لاحـت ابوجهك علامه      على راسي امسحت گلي علامه
الـسجيه هـاي بس ويّه اليتامه      أظن  عودي گضه ويتّمني البين
(دكسن)
غده يمسح دمعها ومحنّي ضلعه     ابوچ آنه يگلها ويـهـل دمعه
يعمّي النوح دلالي يـصـدعه     وبطلي البچه وهوّدي لا تونّين
(تخميس)
مسح الحسين برأسها فاستشعرت      بـاليتم وهـي عـلامة تـكفيها
لـم يـبكها عـدم الوثوق بعمّها      كـلّا ولا الـوجد الـمبرّح فيها
لـكـنها تـبكي مـخافة أنـها      تـمسي يـتيمة عـمّها وأبـيها

( 152 )

المطلب الثامن والعشرون

في استعلام الحسين عليه السلام بقتل مسلم عليه السلام

روى الصدوق في أماليه , باسناده عن ابن جبير , عن ابن عباس , قال : قال علي عليه السلام يوماً لرسول الله صلى الله عليه واله وسلم : يا رسول الله إنّك لتحب عقيلاً ؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم : «اي والله إني لأحبّه حبّاً لأبي طالب عليه السلام , إن ولده مقتول في محبّة ولدك , فتدمع عليه عيون المؤمنين وتصلي عليه الملائكة المقربون» ثم بكى حتى جرت دموعه على خدّيه , ثم قال : إلى الله اشكوا ما تلقى عترتي من بعدي (1).

ولعظم قدره بكاه رسول الله صلى الله عليه واله وسلم , كيف لا يكون كذلك وهو رائد الحسين وسفيره عليهما السلام والذي يدّلنا على جلالة قدره وعظيم شأنه كتاب الحسين عليه السلام الذي كتبه الى الكوفة : «أمّا بعد ... فقد بعثت إليكم أخي وابن عمّي وثقتي من أهل بيتي , مسلم بن عقيل رأيه رأيي , أمره أمري , فأطيعوا له ...» . ورحم الله الأعرجي حيث أنشد:

أيا ابن عقيل ومن قد سمى      فخاراً  إلى الكوكب الثاقب
لسرّ  سليل النبي اصطفاك      لـه دون آل أبـي طالب
هـنيئاً فرفعة قدر المنوب      تـدلّ عـلى رفعة النائب

(1) أمالي الصدوق .

( 153 )

ولعظم قدره ومنزلته عند الحسين عليه السلام وحبّه له فقد بكاه في مواطن عديدة وذلك لما استعلم بقتله , فالموطن الأول هو :

ما قد رواه أبو مخنف عن عبدالله بن سليمان والمنذر ابن المشعل الأسديان , قالا : لما قضينا حجّنا لم تكن لنا همّة إلا اللحاق بالحسين في الطريق للنظر ما يكون من أمره وشأنه , فأقبلنا ترقل بنا ناقتنا مسرعين حتى لحقناه بزرود , فلما دنونا منه وإذا نحن برجل من أهل الكوفة قد عدل عن الطريق حين رأى الحسين , قالا : فوقف الحسين وكأنه يريده ثمّ تركه ومضى . فقال أحدنا لصاحبه امض بنا إليه لنسأله بخبر الكوفة , قال : فانتهينا إليه وسلمنا عليه , وانتسبنا له وانتسب لنا , فإذا هو بكير بن المثبعة الأسدي , فاستخبرناه عن الكوفة فقال : ما خرجت من الكوفة حتى رأيت مسلماً وهانياً قتيلين يجرّان من أرجلهما في الأسواق , قالا : ثم ودّعنا وسار فلحقنا بالحسين فسلمنا عليه وسايرناه حتى نزل الثعلبيه ممسياً , فدخنا عليه وقلنا له : يا ابن رسول الله , إنا عندنا خبراً إن شئت أخبرناك به سرّاً وإن شئت علانية ؟ قال : فنظر إلى أصحابه وقال : مادون هؤلاء سرّ , فقلنا : رإيت الراكب الذي استقبلك عشية أمس ؟ قال : نعم وقد أردت مسألته , فقلنا وقد استبرئنا لك خبره وكفيناك مسئلته , وهو امرء منا ذوي رأي وصدق وفضل وعقل وقد حدّثنا يابن رسول الله قال : لم أخرج من الكوفة حتى قتل مسلم بن عقيل وهاني , فاسترجع وقال : رحمة الله عليهما وكررهما مراراً , فقلنا : ننشدك الله في نفسك وأهل بيتك إلا انصرفت فإنه ليس لك في الكوفة ناصر بل نتخوّف أن يكونوا عليك ؛ فالتفت إلى بني عقيل وقال : ما ترون يا بني عقيل : فقالوا : والله لا نرجع حتى نصيب ثارنا أو نذوق ما ذاق مسلم , ثم التفت إلينا وقال : قبّح الله العيش بعد هؤلاء . فعلمنا أنه عزم على المسير فقلنا له : خار الله لك , قال : يرحمكم الله .

( 154 )

والموطن الثاني : وذلك لمّا ورد الحسين عليه السلام زبالة أخرج كتاباً لأصحابه فقرأه عليهم , وفيه : «أما بعد ... فقد أتانا خبر فضيع بأنه قتل مسلم بن عقيل وهاني ابن عروة وعبدالله بن يقطر , وقد خذلتنا شيعتنا فمن أحبّ منكم الانصراف فالينصرف فليس عليه منّا ذمام» . قال : فتفرّق الناس عنه يميناً وشمالاً إلا صفوته .

وروي في خبر آخر , إنه لقيه رجل من شيعة أبيه في زبالة فسلم عليه , فرد السلام عليه عليه السلام فقال له : يابن رسول الله كيف تركن لأهل الكوفة وهم الذين قتلوا بن عمك مسلم بن عقيل؟! قال : فاستعبر الحسين عليه السلام باكياً , وقال: رحم الله مسلماً فلقد صار إلى روح الله وريحانه وتحيته ورضوانه , ألا إنه قد قضى ما عليه وبقي ما علينا , ثم أنشأ يقول:

فــإن تـكن الـدنيا تـعدّ نـفيسة      فــإن  ثـواب الله أعـلى وأنـبل
وإن تـكن الأبـدان لـلموت أنشأت      فـقتل امـرء بـالسيف لـله أفضل
وإن  تـكن الأرزاق قـسماً مـقدراً      فقلّة حرص المرء في الحرص أجمل
وإن تـكن الأمـوال لـلترك جمعها      فـما بـال مـتروك به المرء يبخل

ثم قال : «اللهم اجعل لنا ولشيعتنا منزلاً كريماً , واجمع بيننا وبينهم في مستقر رحمتك , إنك على كلّ شيء قدير».

والموطن الثالث : يروى أيضاً عن زهير بن القين البجلي قال : بينا نحن جلوس في زرود إذ طلع علينا رجل من جهة الكوفة , وبيده لواء أسود وركزّ اللواء بباب خيمتي , ثم دخل وقال : السلام عليك يا أبا عبدالله الحسين , فقلت له : من تريد ؟ قال : الحسين بن علي بن إبي طالب . فقال له الناس : وما تريد منه ؟ قال: أريد أن أعلمه بقتل ابن عمّه مسلم بن عقيل , قال : فأشاروا له على خيمة الحسين . قال : فقام الرجل وأقبل الى الخيام فرأى حول الخيام أطفالاً يلعبون , فقال للأطفال : من يدلّني على خيمة الحسين ؟ فقامت إليه بنت صغيرة وقالت : يا هذا

(  155 )

وما تريد منه ؟ قال : أريد أن أعلمه بقتل ابن عمّه مسلم بن عقيل , فصاحت البنت : واأبتاه وامسلماه ... ثم وقعت مغماً عليها , أقبل إليه الحسين وأقبلت بنو هاشم وقالوا للرجل : ما صنعت بها؟ قال : والله ما قلت له شيء إلا أن قلت له إرشديني على خيمة الحسين , فقالت : وما تريد منه؟ فقلت لها : أريد أن اعلمه بقتل ابن عمّه مسلم بن عقيل , فقالوا : يا هذا إنّها إبنة مسلم .

قال الراوي : وأخذها الحسين إلى الخيمة فأجلسها في حجره فجعل يمسح على رأسها وناصيتها فقالت له : عم استشهد والدي مسلم؟ فقال لها : بنية أنا أبوك وبناتي إخوتك :

مسح الحسين برأسها فاستشعرت      بـاليتم وهـي عـلامة تـكفيها
لـم  يـبكها بعدم الوثوق بعمّها      كـلا ولا الـوجد الـمبّرح فيها
لـكـنّها تـبكي مـخافة أنـها      تـمسي يـتيمة عـمّها وأبـيها

أقول: ولا تسمّى هذه الطفلة يتيمة وإن كان اليتم للأب لكن بوجود عمّها الحسين لا تعد يتيمة , لأن الحسين عليه السلام ما نزل إلا ودعاها وأجلسها في حجره يلاطفها ويسلّيها , فهي عزيزة مكرّمة بوجود عمها الحسين عليه السلام , وعمومتها من بني عقيل وبني هاشم واخوتها , بل اليتيمة سكينة لانها بعد قتل أبيها الحسين عليه السلام لم تجد أحداً يسلّيها , بل كان يقرعها شمر برمحه ويضربها زجر بسوطه وهي القائلة «كلما دمعت من أحدنا عين أو بكت منّا طفلة قرعوا راسها بالرمح».

يـقنّعها بالسوط شمر وإن شكت      يـؤنبها زجـر ويوسعها زجراً
تسوّد  من ضرب السّياط متونها      ووجوهها بلظى الهواجر تسطلي
فـإن يـبكي الـيتيم أباه شجواً      مسحن  سياطهم رأس اليتيم (1)

(1) نعم سكينة بنت الحسين عليه السلام كانت تضرب بكعب الرمح إذا دمعت لها عين .

( 156 )

المطلب التاسع والعشرون

في مقتل أولاد مسلم بن عقيل

ذكر الصدوق رحمه الله في أماليه :

«إنه لما قتل الحسين عليه السلام وهجم القوم على رحله , فرّت العيالات والأطفال كالطيور الهاربة من النار , فمن جملة من هرب من الاطفال طفلي مسلم بن عقيل , ولمّا ألقي القبض عليهما جيء بهما إلى الكوفة وادخلا على ابن زياد فأمر بهما أن يزجا في السجن , حتى إذا مرت عليهما سنة كاملة وهما في السجن , وقد ضاقت صدورهما , فقال الصغير ذات يوم لأخيه الكبير : أخي .. يوشك أن تفنى أعمارنا

(نصاري)
يــســلّنها السياط ولوّعنها     ومن ضرب السياط اسود متنها
يتيمه اتيتّمت من زغر سـنها     يسيره او يالعده او ركبت هزلها
(ابوذيّة)
سرى حادي الظعن بالحرم وحده     ولا بالي بس على السجّاد وحده
يسارى وبس تـهل الـدمع وحده     يـضربوها وتـون ونّه خـفيّه
(تخميس)
كم دعاك اليتيم في قفر واد     لم تجبه وكنت غوث المنادي
يا أخي ندبه أذاب فؤادي
ما أذل الـيتـيم حين ينادي     بأبـيـه لا يراه مجـيـبـا  

( 157 )

في هذا السجن , فلم لا نخبر السجّان بخبرنا ونعرفه أنفسنا لقربنا من رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ؟ ولما إن جاء إليهما السجّان بقوتهما قام إليه الصغير وقال له : يا هذا أتعرف محمد المصطفى نبي هذه الأمة ؟ قال : وكيف لا أعرف النبي !! فقال له : أو تعرف ابن عمّه علي بن أبي طالب عليه السلام ؟ قال : وكيف لا أعرفه وهو إمامي !! فقال له : يا شيخ أو تعرف مسلم بن عقيل؟ قال : نعم , فقال له : يا هذا فنحن أولاده فمالك ومالنا لا ترحمنا لصغر سننّا؟! فلمّا سمع السجان بكى وانكب عليهما ويقبلهما , وهو يقول : نفسي لكما الفداء , والله ما كان لي علم بأنكما أبني مسلم وإن أمير المؤمنين عمكما , سيّدي هذا باب السجن مفتوح فخذا أي طريق شئتما وسيرا في الليل واكمنا في النهار .

قال الراوي : فأطلقهما من السجن وخرجا وهما لا يدريان إلى أين يتوجّهان , فجعلا يسيران في شوارع الكوفة حتى إذا كان وقت طلوع الفجر ودخلا في بستان هناك فكمنا , فمرّت عليهم جارية فسألتهما عن حالهما , فأقسما عليها أن لا تخبر أحداً بخبرهما , وعلما منها انها موالية لعمهما , فقصا لها خبرهما فقالت لهما : سيدي إمضيا معيا فإن مولاتي موالية لعمكما ومحبّة لكما . فجاءا معها حتى إذا وصلا سبقتهما الجارية على مولاتها وأخبرتها فلّما سمعت قامت لاستقبالهما وقالت لهما : ادخلا البيت على الرحب والسعة ورفّهت عليهما .

هذا وقد استخبر ابن زياد بخروجهما من السجن فأمر مناديه أن ينادي : من جائني بولدي مسلم له عند الأمير الجائزة العظمى . فصار أجلاف أهل الكوفة يفتشون عليهما ويطلبونهما , ومن جملتهم زوج تلك المرأه التي جارتهما , قال : فلما جنّ الليل أقبل زوجها وقد أتعب نفسه في طلبهما رجاء الجائزة , فقالت له زوجته : أين كنت اليوم وأرى عليك آثار التعب؟! فحكى لها بما نادى منادي ابن زياد وقد أتعب نفسه في طلب الطفلين , فلمّا سمعت الحرّة قالت له : مالك وذرية

( 158 )

عبد المطلب أما تخشى أن يكون محمداً غداً خصمك ؟ فقال لها : دعيني من هذا ؛ فبينما هي تكلّمه ويكلّمها إذ سمع همهمة من داخل الحجرة فقال لها : أي شيء أسمعه هل عندنا أحد ؟! فأعرضت وتلجلجت فقام اللعين وأخذ الضياء ودخل الحجرة وإذا بالطفلين قائمين يصليان حتى إذا فرغا قال لهما : من أنتما ؟ فقالا : أولاد مسلم بن عقيل أجارتنا هذه الحرّه , فقال اللعين : أتعبت نفسي وفرسي في طلبكما وأنتما في داري !!

ثم رفع يده ولطم الكبير على وجهه وجاء لهما بالحبال واوثقهما كتافاً فقالا له : مالك تفعل بنا هذا الفعل وامرأتك أضافتنا ؟ أما تخاف الله فينا , أما تراعي يتمنا وقربنا من رسول الله ؟ فلم يعبأ اللعين بكلامهما ولا رقّ لهما فتركهما في الحجرة يبكيان حتى الصباح .

ثم أخرجهما من داره وتبعته امرأته وولده وعبده , هذا وامرأته تتوسّل به وتمانعه وتذكره الله , حتى جاء بهما إلى جانب الفرات ليقتلهما فالتفت إلى عبده وقال له : خذ السيف واضرب عنقيهما وأثنى برأسيهما , فأخذهما العبد وأراد قتلهما فقالا له : يا هذا ما أشبه سوادك بسواد بلال مؤذن رسول الله ... يا هذا لا تقتلنا فإنّك إن قتلتنا يخاصمك رسول الله يوم القيامة . فقال لهما : من أنتما ؟! فقالا : نحن أولاد مسلم بن عقيل .

قال : فانكب العبد عليهما يقبّلهما ورمى السيف من يده وألقى نفسه في الفرات وعبر إلى جانب الآخر , فصاح به مولاه : عصيتني ؟! فقال له : عصيتك لما عصيت الله , فقال اللعين : والله لا يتولّى قتلهما أحد غيري . فأخذ السيف وأتى إليهما فلمّا هم بقتليهما جاء إليه ابنه وقال له : أبه ارحمهما لقربهما من رسول الله ولصغر سنّهما , فلم يعبأ به فلما رأيا صنعه تباكيا ووقع كل منهما على الآخر يودعه ويعتنقه , والتفتا إليه وقالا له , يا هذا لا تدعنا نطالبك بدمنا أمام رسول الله يوم

( 159 )

القيامة خذنا حييّن إلى ابن زياد يصنع بنا ما يشاء , فقال : ليس إلى ذلك من سبيل , فقالا : يا هذا بعنا في السوق وانتفع بأثماننا ولا تقتلنا , فقال : لابد من قتلكما . فقالا له : أما ترحم يتمنا وصغر سننّا , وإن كنت عزمت على قتلنا فدعنا نصلّي لربّنا ركعتين . قال : صليا ما شئتما إن نفعتكم الصلاة , فلما فرغا من الصلاة شهر سيفه وقدّم الكبير ليضرب عنقه فقال له الصغير : أقتلني قبل أخي , فقال الكبير: إنّي لا أحب أن أرى أخي قتيلاً , فشهر سيفه وضرب الكبير فقتله فوقع عليه الصغير يتمرّغ بدم أخيه وهو ينادي : واأخاه ثم اجتذبه وضرب الصغير فقتله , وقطع رأسيهما وحملهما في مخلاة له ورمى بأبدانهما في الفرات , وسار برأسيهما إلى ابن زياد , فلمّا مثّل بين يديه ووضع المخلاة فقال له ابن زياد : ما معك ؟ فأخرج إليه الرأسين فكشف عن وجهيما وإذا هما كالقمرين فقال له : لم قتلتهما ؟قال : طمعاً بالجائزة , فقال أين ظفرت بهما ؟ قال : في داري وإن زوجتي أجارتهما , فقال له ابن زياد , ما عرفت لهما حق الضيافة وقتلتهما , ولو جئتني بهما أحياء لضاعفت لك الجائزة , ثم قال : ويلك ما قالا لك حين أردت قتلهما ؟ قتل : قالا : لي ارحم يتمنا ولا تقتلنا فيكون خصمك محمداً يوم القيامة وامضي بنا إلى ابن زياد حييّن , وإن شئت فبعنا في السوق وانتفع بثمننا . فقلت لهما : لابدّ من قتلكما , فنظر ابن زياد إلى جلسائة وقال : ما أفضه وأجفاه .

قال الراوي : فامر ابن زياد بقتله فقتل عليه لعائن الله وأمر الرأسين أن يدفنا في المكان الذي قتلا به , وليت اللعين فعل هذا الفعل ودفن رأس الحسين ورؤوس أهل بيته مع الجثث , بل سير على أطراف الرماح من كربلاء إلى الكوفة ومن الكوفة إلى الشام وفي مقدمة الرؤوس رأس إمامنا الحسين عليه السلام كأنه البدر ليلة تمامه :

رأس ابن بنت محمد ووصيّه      للنــاظرين عـلى قناة يرفع

( 160 )

والـمـسلمون بـمشهد وبـمسمع      لا مـنـكر مـنـهم ولا مـتفجّع
يـتلو الـكتاب وما سمعت بواعظ      تـخذ  الـقنا بـدلاً عـن الأعواد
أحـامل  ذاك الرأس قل لي برأس      من تمايل هذا السمهري الثقف (1)

(1) وزينب عليه السلام كأني بلسان حالها تخاطب رأس الحسين عليه السلام وهو على الرمح :
(نصاري)
لحگتك على ريحة الـخوّه     أشوفك عفتني ابگاع شلوه
بديرة غرب ما هي امروّه     تدري الشمر بيّه اشـسوّه
سوطه على امتوني تلوّه
(بحراني)
نـاداها  مـن فوگ الرمح الله يرعاچ      صـبري يختي وسلّمي أمرچ المولاچ
راسى على راس الرمح هالرايح اوياچ      ويّـاچ  يبره العايله ويرعى اليطيحون
يـختي  اسـتعدّي للهظم والهظم جدّام      ولابـد  يـودّوك يساره الطاغي الشام
ولابـد  تسمعون المسبّه ابمجلس العام      ولابـد تـشوفون المذلّه الوان وافنون
(تخميس)
خفرات الرسول في الاسر تجلى     أرملات في السبي جاوبن ثكلى
من لها والحماة بالطف قتلى
فترفّق بــها فـما هـي إلا     نــاظـر دامع وقـلب مروع

( 161 )

المطلب الثلاثون

في شهادة رسول الحسين عليه السلام قيس رحمه الله

قال شيخنا المفيد : لما بلغ ابن زياد قدوم الحسين من مكة المشرفة يريد الكوفة بعث الحصين بن نمير صـاحب شرطته حتى نـزل القادسية (1), ونظم الخيل والرجال ما بين القادسية إلى خفان (2), وما بين خفان إلى القطقطانية (3), وقال للناس : هذا الحسين يريد العراق .

(1) قال ابو عمر وقيل سمّيت القادسية بقادس هراة وقال المدايني كانت القادسية تسمى قدّيساً , وروى أبو عيينة قال : مر ابراهيم الخليل بالقادسية فرأى زهرتها ووجد هناك عجوزاً فغلست رأسه فقال قدّست من أرض فسمّيت القادسية وبهذا الموضع كان يوم القادسية بين سعد ابن أبي وقاص والمسلمين والفرس في أيام عمر بن الخطاب في سنة ستة عشر من الهجرة وقاتل المسلمون يومئذ وسعد في القصر ينظر إليهم فنسب إلى الجبن فقال رجل من المسلمين :
ألـم تـر أن الله نـصره     وسعد بباب القادسية معصم
فأبنا وقد أمت نساء كثيرة     ونسوة سعد ليس ليهنّ آيـم
(2) خفان بالخاء المعجمة والفاء المشدودة والألف والنون موضع فوق الكوفة قرب القادسية .
(3) قال أبو عبدالله السكوني القطقطانيه بينها وبين الريهمة مغربا نيف وعشرون ميلاً إذا خرجت من القادسية تريد الشام ومنه إلى قصر مقاتل وقال ياقوت في المعجم ورواه اللأزهري بالفتح موضع قرب الكوفة من جهة البرية بالطف كان به سجن النعمان بن منذر وقال السكوني وقصر مقاتل قريباً منها وهو منسوب إلى مقاتل بن حسان ولم يذكر قصر بني مقاتل وأما عين التمر فهي الآن تعرف بشفاثا .

( 162 )

وروى المفيد رحمه الله قال : لما بلغ الحسين الحاجر (1)من بطن الرمة (2), بعث قيس بن مصهر الصيداوي (3), وقيل : بعث أخاه من الرضاعة عبدالله بن يقطر (4) وكتب معه كتاباً يقول فيه :

«من الحسين بن علي بن أبي طالب إلى إخوته المؤمنين ,

سلام عليكم

أما بعد .. فإن كتاب مسلم بن عقيل قد جائني يخبر فيه بحسن رأيكم , واجماع ملّتكم على نصرنا , والطلب بحقنا , فسئلت الله أن يحسن لنا الصنع , وأن يثيبكم على ذلك أعظم الأجر , وقد شخصت إليكم يوم الثلاثاء لثمان مضين من ذي الحجة , فإذا قدم عليكم رسولي فانكمشوا في أمركم وجدّوا , فإني قادم عليكم في أيامي هذه والسلام»

ويروى أنه كتب كتاباً غير هذا إلى أشراف أهل الكوفة ممن كان يظن أنه على رأيه , فكتب :

بسم الله الرحمن الرحيم

من الحسين بن علي بن أبي طالب ...

(1) بحاء مهملة وجيم وراء مهملة اسم مكان .
(2) الرمة بضم الراء المهملة وتشديد الميم وقد تختلف قاع عظيم بنجد .
(3) أحد بني الصيداء وهي قبيلة من بني أسد وإيّاهم عنى الشاعر :
يا بني الصيداء ردّوا فرسي     إنّما يفـعل هـذا بـالذليل
وقال علماء السير : كان قيس رجلاً شريفاً شجاعاً مخلصاً في محبة أهل البيت عليهم السلام .
(4) روى عزالدين الجزري في اسد الغابة والعسقلاني في الإصابة كان عبدالله بن يقطر صحابياً لأنه لدة الحسين واللدة الذي ولد مع الإنسان في زمان واحد لأن يقطر كان خادماً عند رسول الله وكانت زوجته ميمونة في بيت أمير المؤمنين عليه السلام فولدت عبدالله قبل ولادة الحسين بثلاثة أيام وكانت حاضنة للحسين عليه السلام .

( 163 )

إلى سليمان بن صرد الخزاعي والمسيّب بن نجيبة ورفاعة بن شدّاد وعبدالله بن وائل وجماعة المؤمنين ...

«أما بعد ... فقد علمتم أن رسول الله قد قال في حياته : «من رأى سلطاناً جائراً مستحلّاً لمحارم الله , ناكثاً لعهد الله , مخالفاً لسنة رسول الله , يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان , ثم لم يغير بقول ولا فعل كان حقيقياً على الله أن يدخله مدخله» وقد علمتم أن هؤلاء القوم قد لزموا طاعة الشيطان , وتوانوا عن طاعة الرحمن , وأظهروا الفساد , وعطّلوا الحدود , واستأثروا بالغيّ , وأحلّوا حرام الله , وحرّموا حلاله , وإنّي أحق بهذا الأمر لقرابتي من رسول الله , وقد أتتني كتبكم وقدمت علي رسلكم ببيعتكم , أنكم لا تسلّموني ولا تخذلوني , فإن وفيتم لي ببيعتكم فقد أصبتم حظكم ورشدكم , ونفسي مع أنفسكم , وأهلي وولدي مع أهليكم وأولادكم , فلكم بي اُسوة , وإن لم تفعلوا ونقضتم عهودكم وخالفتم بيعتكم فلعمري ما هي منكم بنكر , لقد فعلتموها بأبي وأخي وابن عمّي , والمغرور من اغترّ بكم , فحظّكم وأخطأتم , ونصيبك ضيّعتم , ومن نكث فعلى نفسه , وسيغنينى الله عنكم» .

ثم طوى الكتاب ودفعه لقيس بن مسهر الصيداوي , فسار قيس بكتاب الحسين عليه السلام حتى إذا بلغ القادسية قبض عليه الحصين بن نمير ليفتّشه , فأخرج قيس الكتاب حرقه , فحمله الحصين إلى ابن زياد بالكوفة , فلمّا مثل بين يديه قال له : من أنت ؟ قال :أنا رجل من شيعة أمير المؤمنين . قال : لماذا أحرقت الكتاب ؟ قال : لئلا تعلم بما فيه ؛ قال : ممّن الكتاب وإلى من ؟ قال : من الحسين بن علي بن أبي طالب إلى جماعة لا أعرف أسمائهم .

قال : فغضب ابن زياد وقال : والله لا تفارقني حتى تخبرني بأسماء القوم , أو تصعد المنبر فتسب الحسين وأباه وأخاه , وإلا قطعتك بالسيف إرباً إرباً .

( 164 )

فقال قيس : أما القوم فلا اخبرك بأسمائهم , وأما السب فأفعل ـ وحاشاه ـ قال :إذا فاصعد المنبر .

[فصعد المنبر] , فحمد الله وأثنى عليه وذكر النبي فصلّى عليه , وأكثر من الترحم على علي وولده , ثم لعن ابن زياد وأباه وأخاه , وعتات بني امية عن آخرهم , ثم قال : «أيها الناس .. أنا رسول الحسين إليكم , وقد خلّفته بموضع كذا وكذا , فأجيبونني» فغضب ابن زياد وأمر أن يصعد به إلى أعلى القصر , وأن يوثّقوه كتافاً ويرموه من أعلى القصر إلى الأرض حيّا فصعدوا به إلى أعلى القصر ورموه إلى الأرض فتكسرت عظامه , فوقع به رمق الحياة فأقبل إليه رجل من أهل الكوفة يسمّى عبد الملك بن عمير اللخمي فذبحه بمديه وعيب عليه بعد ذلك , فقال : أردت أن أريحه .

ولمّا بلغ خبره الحسين عليه السلام فاستعبر باكياً , هذا وقد سمع بقتله ولم يسمع بأنه يجر من رجليه في الأسواق , إذاً ما حاله عليه السلام حين سمع بخبر مسلم بن عقيل وقد رموه من أعلى القصر إلى الارض ووضعوا الحبال في رجلي مسلم وهاني وسحبوهما في الأسواق :

ولو كان في الكوفة غير مسلم      ومــسـلم ما قطّعوه إربا (1)

(1)
اويلي اعلى ابو طاهر اويلاه      يـوم الـذي خـانت رعاياه
واصبح  غريب ابولية اعداه      ومـن  اخوته ما واحد اوياه
او يجر صارمه ويمنع اليدناه      شـالته  الغيره ويومه ساواه
يـشبه  الـعمّه حامي احماه      مـن  ضعف والطاغي تلقّاه
وبـمـرهفه  وگع ثـنـاياه      وجـتفوا يـساره فوگ يمناه
وظـل يـلتفت ويدير عيناه      ولـحسين ذيگ الـسا تمنّاه

( 165 )

المطلب الواحد والثلاثون

في كتب الحسين عليه السلام إلى البصرة

قال السيد في اللهوف :

كتب الحسين عليه السلام إلى أهل البصرة اثنى عشر كتاباً وحين أراد الخرج من مكة المشرفة مع مولى له يقال له : سليمان , ويكنّى : أبا رزين (1), يدعوهم إلى نصرته واللزوم تحت طاعته , منها : كتاب إلى يزيد بن مسعود النهشلي , ومنها : كتاب المنذر بن الجارود العبدي , ومنها : إلى الأحنف بن قيس , ومنها إلى مالك بن

يـويلي  و لابن زياد من جاه      فــرحـان مـتـشمّت لگاه
او من فوگ عالي القصر ودّاه      وانـوخذ  مـا واحـد ترجّاه
آه ولـرجـس يـوم الـتولّاه      گص راسـه والـجسمه رماه
او  لـلگاع صار النفل مهواه      او بـحبال سحبوه عالي الجاه
* * *
قتلوه ثم رموه مـن أعل البنا     وعلى الثرى سحبوه وهو قتيل
ربطوا برجليه الحبال ومثّلوا     فيه فليت أصابني الـتـمثـيل
(1) أقول : سليمان المكنى بأبي رزين , مولى الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام , أرسله بكتبه إلى رؤساء الأخماس بالبصرة حين كان بمكة , وامه كبشة كانت جارية للحسين اشتراها بألف درهم , وكانت تخدم في البيت ام اسحاق بنت طلحة بن عبدالله التميمية زوجة الحسين , ثم تزوج الجارية أبو رزين فولدت منه سليمان فهو مولى للحسين عليه السلام .

( 166 )

مسمع البصري , ومنها : إلى قيس بن الهيشم ... وغيرهم من الرؤساء والأشراف (1) .

فأما الأحنف بن قيس فإنه كتب إلى الحسين عليه السلام يصبرّه ويرجّيه , والباقون كتموا أسرارهم إلّا المنذر بن الجارود العبدي فإنه خاف أن يكون دسيسة من عبيدالله بن زياد , فإنه جاء بالكتاب والرسول إلى ابن زياد وكانت بنت المنذر بحرية زوجة عبيدالله بن زياد. فأخذ عبيد الله ابن زياد الرسول فصلبه ثم صعد المنبر فخطب وتوعّد أهل البصرة على الخلاف وإثارة الأرجاف .

وأما يزيد بن مسعود النهشلي فإنه جمع بني تميم وبني حنظلة وبني سعد , فلما حضروا عنده قام فيهم خطيباً وقال : يا بني تميم كيف ترون موضعي منكم وحسبي فيكم؟ فقالوا : بخ بخ أنت والله فقرة الظهر ورأس الفخر , حللت في الشرف وسطاً وتقدمت فرطاً . فقال : إني جمعتكم لأمر أريد أن اشاوركم فيه واستعين بكم عليه . فقالوا : أما والله نمنحك النصيحة ونحمد لك الرأي , فقل نسمع ونطع . فقال : إن معاوية قد هلك فاهون به هالكاً ومفقوداً إلا إنه قد انكسر باب الجور وتضعضعت أركان الظلم , وقد كان أحدث بيعة ظن إنه قد أحكمها , فهيهات الذي أراده اجتهد , ففشل وشاور فخذل , وقام من بعده نغلة يزيد شارب الخمور ورأس الفجور , يدعي للخلافة على المسلمين مع قلة علمه وقصر فهمه , لا يعرف من الحق موطيء قدمه , واقسم بالله قسماً مبروراً لجهاده على الدين

(1) وهذا ما كتبه إليهم :
بسم الله بالرحمن الرحيم
من الحسين بن علي بن أبي طالب
«أما بعد ... فإن السنة قد اميتت , والبدعة قد احييت , فإن أجبتم دعوتي أهديكم إلى سبيل الرشاد والسلام».
وكان عليه السلام إذا أراد أن يكتب كتاباً مثل هذا يوجز لأن «خير الكلام ما قل ودل».

( 167 )

افضل من جهاد المشركين , وهذا الحسين بن علي ذي الشرف الأصيل والرأي الأثيل له فضل لا يوصف وعلم لا ينزف , وهو أولى بهذا الأمر لسابقته وقدمه , يحنو على الكبير ويعطف على الصغير , فأكرم به من راعي رعيه وإمام حق وجبت لله به الحجة , وبلغت به الموعظة , وقد كان صخر بن قيس انخذل بكم يوم الجمل , فاغسلوها بخروجكم مع بن بنت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم , وها أنا قد لبست للحرب لامتها , وادرعت لها بدرعها , فمن لم يقتل يمت , ومن يهرب لم يفت , فأحسنوا رحمكم الله ردّ الجواب .

فتكلمت بنو حنظلة وقالوا : يا أبا خالد نحن نبل كنانتك وفرسان عشريتك , إن غزوت بها فتحت , لا تخوض غمرة إلا خضناها , ولا تلقى شدّة إلا لقيناها , ننصرك بأسيافنا ونقيك بأبداننا , فانهض لما شئت .

وتكلمت بنو تميم فقالوا: يا أبا خالد نحن بنو ابنك وحلفاؤك لا ترضى إن غضبت والأمر إليك إذا شئت.

وتكلمت بنو سعد فقالوا : يا أبا خالد إن أبغض الأشياء علينا خلافك والخروج من رأيك , وقد كان صخر بن قيس أمرنا بترك القتال , فحمدنا أمره وبقى عزنا فينا , فأمهلنا حتى نراجع المشورة ونأتيك بالجواب .

فقال : والله يا بني سعد لإن فعلتموها لا رفع الله السيف عنكم ولا زال سيفكم فيكم أبداً .

ثم كتب إلى الحسين عليه السلام كتاباً يقول فيه : أما بعد .. فقد وصل إلي كتابك وفهمت ما ندبتني إليه , ودعوتني من الأخذ بحظي من طاعتك والفوز بنصيبي من نصرتك , وإن لم يخل الأرض من عامل عليها بخبر وأنتم حجج الله على خلقه وأمناؤه على عباده , تفرّعتم من زيتونة أحمدية هو أصلها وأنتم فرعها , فاقدم سعدت بأسعد طائر , فقد ذللت لك أعناق بني تميم وتركتهم أشد تتابعاً في طاعتك من الإبل الظما لورود الماء في يوم خمسها , وذللت لك أعناق بني سعد ,

( 168 )

وغسلت درن صدرهم بماء سحابة مزن حين استهل برفقها فلمع .

قال : ثم سرح الكتاب إلى الحسين عليه السلام فورد على الحسين وهو إذ ذاك بكربلاء وحيداً فريداً وقد قتلت أصحابه وإخوته , فلمّا فض الكتاب وقرأه جعل يقول : مالك يابن مسعود آمنك الله يوم الخوف الأكبر .

قال الراوي : وتجهزّ يزيد بن مسعود , وخرج من البصرة بأثنى عشر ألف رجل , فلما صار في بعض الطريق بلغه خبر قتل الحسين عليه السلام فشهق شهقة ومات .

هذا ولم ير ما صنع بإمامه , فيعز على ابن مسعود لو رأى سيده الحسين قد احاطت به أعداؤه هذا يضربه بسيفه وهذا يطعنه برمحه وهذا يرميه بالحجارة .

ولقد غشوت فضارب ومفوّق     سهماً إليه وطاعن متقصّد (1)

(1) نعم هذا يزيد بن مسعود بلغه خبر قتل الحسين عليه السلام فشهق شهقته ومات ساعد الله قلب الحوراء زينب عليها السلام حين نظرت إلى أخيها وفيه ألف وتسعمائة جراحة كأنها بها :
(نصاري)
يـحسين  خـوية اشيوجعك گول      او  مـن يا جرح يا خوي معلول
لـو  نـاشدونة الـناس شنگول      يـالچنت سـور او سيف مسلول
دون  الـحرم يـا ريـع المحول      وسافه  اعلى حگك تمسي مگتول
مـرمي اوعـليك اتدوس الخيول      او من فوگ صدرك گامت اتجول
تـمنّيت ألـك مـن هاشم اشبول      يـشوفون جـسمك على الرمول
وراسـك  بـراس الرمح مشيول      ويـشوفنّه اشـمنّه الـعد تـنول
(ابوذية)
الگلب شاجر على ابن امي وداوي     تضعضع وانهدم سوري وداوي
لا مـجروح حـتى اگعد وداوي     ولا غايـب وأگول ايـعود ليه
(تخميس)
قد كنت فينا في الشدائد معقلاً     ولبيتنا السامي سراجاً مشعلا
واليوم مالك لم تجبنا ثكّلا
ألمحنة شـغـلتك عنّا ام قلى     حاشاك إنك ما برحت ودودا

( 169 )

المطلب الثاني والثلاثون

في من حضي بالشهادة من أهل البصرة

لما كاتب الحسين بن علي عليه السلام أشراف أهل البصرة ورؤسائهم يدعوهم إلى نصرته ؛ واللزوم تحت طاعته , أجابه من أجابه كيزيد بن مسعود النهشي , ومعه اثنى عشر ألف , لكنهم فاتتهم نصرة الحسين عليه السلام إذ إنهم خرجوا من البصرة متّجهين إلى الحسين عليه السلام فوافاهم خبر قتله في بعض الطريق , فرجعوا خائبين من نصرته .

وأما الذين سعدوا ورزقوا الشهادة فهم ستة كما ذكرهم أهل المقاتل , أولهم : عبدالله الفقعسي , وكان شيخاً كبيراً طاعناً في السن , وولده أربعة : والسادس هو سعيد بن مرة التميمي , اما سبب خروج هذا الشيخ وولده (1)على ما يروى أنه كان إمرأة من أهل البصرة تسمى مارية بنت منقذ العبدي , وكانت تتشيّع , وهي من ذوي البيوت والشرف , وقد قتل زوجها وأولادها يوم الجمل مع أمير المؤمنين عليه السلام , وقد بلغها إن الحسين عليه السلام كاتب أشراف أهل البصرة ودعاهم إلى نصرته , وكان عندها ناد يجتمع فيه الناس فجائت وجلست بباب مجلسها وجعلت تبكي , حتى علا صراخها فقام الناس في وجهها وقالوا لها : ما عندك ومن

(1) اي : عبدالله الفقعسي .

( 170 )

أغضبك ؟ قالت : ويلكم , ما أغضبني أحد , ولكن أنا إمرأة ما أصنع , ويلكم سمعت إن الحسين بن بنت نبيّكم استنصركم وأنتم لا تنصروه , فأخذوا يعتذرون منها لعدم السلاح والراحلة , فقالت : أهذا الذي يمنعكم ؟ قالوا : بلى ؛ فالتفتت إلى جاريتها وقالت لها: أنطلقي إلى الحجرة وآتيني بالكيس الفلاني، فإنطلقت جارية وأقبلت بالكيس إلى مولاتها , فاخذت مولاتها الكيس وصبته وإذا هو دنانير ودراهم , وقالت : فاليأخذ كل رجل منكم ما يحتاجه وينطلق إلى نصرة سيدي ومولاي الحسين .

قال الراوي : فقام عبدالله الفقعسي وهو يبكي ـ وكان عنده أحد عشر ولداً ـ فقاموا في وجهه وقالوا : إلى أن تريد ؟ قال : إلى نصرة ابن بنت رسول الله . ثم التفت إلى من حضر وقال : ويلكم هذه إمرأة أخذتها الحمية وأنتم جلوس؟ ما عذركم عند جده رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يوم القيامة .

قال : ثم خرج من عندها وتبعه من ولده أربعة فأقبلوا يجدون السير , حتى استخبروا بأن الحسين عليه السلام ورد كربلاء , فجاء الشيخ بأولاده إلى كربلاء ورزقوا الشهادة .

وأما السادس : فهو سعيد بن مرّة التميمي , وكان سعيداّ شاباً له من العمر تسعة عشر سنة , فإمّا لما سمع بأن الحسين عليه السلام يستنصر أشراف أهل البصرة في كتبه أقبل إلى امه في صبيحة عرسه وصاح : امّاه علي بلامة حربي وفرسي .. قالت : وما تصنع بها ؟! قال : اماه قد ضاق صدري واريد ان أمضي خار البساتين , فقالت له : ولدي إنطلق إلى زوجتك ولاطفهما , فقال : يا امّاه لا يسعني ذلك ... فبينما هم كذلك إذ إقبلت إليه زوجته وقالت له : إلى أين تريد يا ابن العم ؟ فقال لها : أنا ماضي إلى من هو خير مني ومنك . فقالت له : ومن هو خير منك ومنّي ؟! فقال لها : سيدي ومولاي الحسين بن علي عليه السلام . فلمّا سمعت أمه بكت وقالت له : ولدي

( 171 )

جزاك الله عن الحسين خيراً , ولكن يا ولدي أما حملتك في بطني تسة أشهر ؟ قال : بلى , قالت : أما سهرت الليالي في تربيتك ؟ قال : بلى , وأنا لست بمنكر لحقّك عليّ . قالت : إذاً عندي وصية , قال : وما هي يا أماه ؟ فقالت له : ولدي إذا أدركت سيد شباب أهل الجنّة إقرأه عني السلام وقل له فليشفع لي يوم القيامة . فقال لها : يا أماه وأنا أوصيك بوصية , قالت : ماهي ؟ قال : إذا رأيت شاباً لم يتهنّا بشبابه وعرّيساً لم يهنأ بعرسه اذكري عرسي وشبابي .

قال الراوي : ثم ودّعها وخرج من البصرة , وأقبل يجدّ السير في الليل والنهار واستخبر ببعض الطريق أن الحسين قد نزل كربلاء , وجعل يجدّ السير حتى وافى الحسين يوم العاشر من المحرم وحيداً فريداً , فلما رآه الحسين قال : سعيد هذا ؟! قال : نعم سيدي , قال : يا سعيد ما قالت لك امك ؟ فقال : سيدي تقرؤك السلام ؛ فقال الحسين عليه السلام : عليك وعليها السلام , يا سعيد إن امك وامي في الجنّة . ثم قال سعيد : سيّدي أتأذن لي أن اسلم على بنات الرسالة ؟ قال : نعم ؛ فأقبل سعيد حتى وقف بإزاء الخيام ونادى : السلام عليكم يا آل بيت رسول الله . فصاحت جاريه زينب : وعليك السلام , فمن أنت ؟ قال : سيدتي أنا خادمكم سعيد بن مرّة التميمي , جئت إلى نصرة سيدي ومولاي الحسين . فقالت : يا سعيد أما تسمع الحسين عليه السلام ينادي هل من ناصر ؟ هل من معين ؟ قال : ثم سلّم عليهن ورجع إلى الحسين ووقف يستأذنه للبراز , فأذن له الحسين عليه السلام , فحمل على القوم وجعل يقاتل حتى قتل جمعاً كثيراً , فعطفوا عليه أعداء الله فقتلوه , ولمّا قتل سعيد مشى لمصرعه الحسين فجلس عنده , وأخذ رأسه ووضعه في حجره , وجعل يمسح الدم والتراب عن وجهه , وهو يقول : أنت سعيد كما سمّتك أمك , سعيد في الدنيا وسعيد في الآخرة .

وكان عليه السلام كلما قتل منه قتيل يقف عند مصرعه ويؤبنه إما بآية من القرآن , او بكلمة تناسبه .

( 172 )

ولما صرع الغلام التركي مشى لمصرعه الحسين عليه السلام ووضع خّده على خّده , وكان الغلام مغمى عليه فلما أفاق رأي الحسين عليه السلام واضعاً خده على خذه فقال : من مثلي وابن رسول الله واضعاً خدّه على خّدي .

نصروا ابن بنت نبيهم طوبى لهم     نالوا بنصرته مراتب سامية (1)

(1)
(بحراني)
عـاف  العرس وگبل سعيد اوحيدته ليك      ايـنادي  ابـلسانه والگلب يحسين لبيك
ودّع  سـعيد امّـه و تـعنّه الـغاضرية      لـيل  او نهار ايسير في صبح او عشيه
امـن  ابعيد شاف احسين مفرد بين اميّه      ايـنادوه الـمن تـنتظر يـحسين يأتيك
لـن هـالشباب ايصيح الك روحي فديّه      عـبدك سعيد اگبل رحت يحسين رجليك
اووّدع احسين او صال بمجموع العساكر      او خـلّه الايادي اوية الجماجم بس تناثر
ادّع الـعـيله وطـاح بـالميدان عـافر      او نـاده يـبو سـكنة سعيد ايسلم عليك
راح  الـسبط مـسرع او جابه يم الخيام      او مدد سعيد ابصف علي الاكبر او جسّام
او ناح او بچه او ناده الفواطم ويّه الايتام      نـوحوا وگولـوا يـا شـباب الله يهنيك
هـذا تـره مـعرّس شـباب ومـا تهنّه      امّـه وبـت عـمه ابـصباحه فـارگنة
دارن عـلـيه رمـلـه ولـيله يـندبنه      اوزيـنب  تنادي اشلون من دمك نحنّيك
(تخميس)
كيف الـسلو ونار الحزن تشتعل     تـلهـّبا ودموع العين تنهمل
سحاً على جيرة في كربلا نزلوا
بالأمس كانوا معي واليوم قد رحلوا     وخلّفوا في سويد القلب نيرانا

( 173 )

المطلب الثالث والثلاثون

في ترجمة زهير بن القين البجلي رحمه الله

ذكر صاحب إبصار العين , قال : كان زهير بن القين البجلي رجلاً شريفاً , شجاعاً في المغازي موافق مشهورة وكان أولاً عثمانياً , حجّ سنة ستين من الهجرة بأهله ثم عاد من الحج فوافق الحسين عليه السلام في الطريق.

حدث جماعة من فزارة وبجليه , قالوا : كنا مع زهير بن القين البجلي حين أقبلنا من مكة نساير الحسين عيله السلام , فلم يكن شئ أبغض علينا من أن ننازله في منزل , فإذا نزل الحسين تقدم زهير , وإذا سار الحسين تخلف زهير , فلم نزل هكذا حتى صرنا في منزل لم نجد بدّاً من أن ننازله فيه , فنزل الحسين جانبا ونزل زهير إلى جانب آخر , فبينما نحن جلوس نتغذى إذا برسول الحسين قد أقبل علينا حتى دخل الخيمة , فسلم عينا فرددنا عليه السلام ثم قال : يا زهير إن الحسين يدعوك . قال : فطرح كل انسان ما كان في يده , حتى كأن على رؤوسنا الطير .

قال ابو مخنف , حدثتني دلهم بنت عمرو زوجه زهير , قالت : فقلت له يا سبحان الله يبعث لك الحسين ثم لا تجيبه ؟! فأجبه واسمع منه كلامه ثم انصرف . قال : ثم مضى إلى زهير , فما لبث إن جاء مستبشراً وأمر بفسطاطه وثقله فقوّض وحمل الى الحسين عليه السلام . ثم قال : أنت طالق , إلحقي بإهلك فإني

( 174 )

أحب أن يصيبك بسببي إلا خيراً ؛ ثم التفت إلى اصحابه وقال : من أحب منكم إن يتبعني وإلا فهذا آخر العهد ؛ ثم التفت إليهم ثانياً وقال : إني احدثكم بحديث :

غزونا بلنجر (1) , فتح الله عينا , وأصبنا غنائم كثيرة , فقال لنا سلمان بن ربيع الباهلي : أفرحتم بما فتح الله على ايديكم وأصبتم من الغنائم ؟ قلنا : نعم , قال : إذا أدركتم سيد شباب أهل الجنة , فكونوا أشد فرحاً بقتالكم معه , فأما أنا فأستودكم الله (2).

ثم صار الى الحسين عليه السلام , وكان معه سلمان بن مضارب بن قيس ـ ابن عم

(1) في القاموس : بلنجر كغضنفر ـ بفتحين وسكون النون وجيم مفتوحة وراء ـ هي مدينة ببلاد الخزر خلف باب الابواب , فتحت في زمان عثمان في سنة اثنين وثلاثين على يد عبدالرحمن بن ربيع الباهلي , كما ذكره أصحاب السير , وقال البلاذري : فتحها سليمان بن ربيعه الباهلي , وتجاوزها , ولقيه خاقان في جيشه خلف بلنجر , فاستشهد هو وأصحابه , وكانوا أربعة آلاف , وكان في أول الامر قد خافهم الترك وقالوا : إن هؤلاك ملائكة لا يعمل فيهم السلاح , فاتفق ان تركيا اختفا في غيضة ورشق مسلماُ بسهم فقتله , فنادا في قومه ان هؤلاء يموتون كما تموتون فلم تخافوهم , فاجترؤا عليهم ووقعوهم حتى استشهد عبد الرحمن بن ربيعة , وأخذ الراية أخوه سلمان بن ربيعة ولم يزل يقاتل حتى امكنه دفن اخيه بنواحي بلنجر , ورجع ببقية المسلمين على طريق جيلان , فيهم سلمان الفارسي وابو هريرة , فقال عبدالرحمن بن جمانة الباهلي :
وإن لـنا قـبرين قـبر بلنجر     وقبر بأرض الصين يا لك من قبر
فهذا الذي الصين عمت فتوحه     وهـذا الـذي يـسقى به سبل القطر
يريد أن الترك لما قتلوا عبد الرحمن بن ربيعة وأصحابه كانوا ينظرون في كل ليلة نوراً على مصارعهم , فأخذوا سلمان بن ربيعة وجعلوه في تابوت فيهم يستسقون به إذا اقطعوا , وإذا الذي بالصين فهو قتيبة ابن مسلم الباهلي. (أقول) فقول زهير قال لنا سلمان أي سلمان بن ربيعة الباهلي لا سلمان الفارسي توفي في زمن الخليفة الثاني وبلنجر فتحت في زمن عثمان ولم يشهد سلمان الفارسي وقعة بلنجر . (2) ابصار العين : 95

( 175 )

زهير بن القين لحاً ـ فالقين أخو مضارب وأبوهما قيس , وكان سلمان حج مع ابن عمه سنة ستين , ولما مال زهير مع الحسين عليه السلام مال معه في مضربه , وقتل ايضا يوم الطف (1).

ولما بلغ الحسين عليه السلام ذو حسم (2), قام خطيباً في أصحابه , فحمد الله واثنى عليه , وذكر النبي فصلى عليه , ثم قال:

اما بعد , فإنه قد نزل بنا من الأمر ما قد ترون , وإن الدنيا قد تغيرت وقد تنكرت , وأدبر معروفها , ولم يبق منها الا صبابة كصبابة الإناء , وخسيس عيش كالمرعى الوبيل , ألا ترون إلى الحق لا يعمل به , وإلى الباطل لا يتهاهى عنه , ليرغ المؤمن في لقاء الله محقّاً , إلا وإن لا أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برما .

قال : فقام إليه زهير بن القين البجلي رحمه الله , وقال لأصحابه : أتتكلّمون ام اتكلّم ؟ فقالوا : بل تكلم . فحمد الله واثنى عليه، ثم قال :

قد سمعنا هداك الله يابن رسول الله مقالتك , والله لو كانت الدنيا لنا باقية , وكنا فيه مخلدين (3) , لآثرن النهوض معك على الاقامة فيها . قال الراوي : فدعا له

(1) ابصار العين : 100 . (2) حسم بضمتين وهو اسم لموضع وفي شعر النابغة :
أليلتنا بذي حـسم أنـيري     إذا انت انقضيت فلا تحوري
فإن يك بالذنائب طال ليلي      فقد ابكى من الليل القصيري
انظر نهاية الارب : 15 / 401 .
وقال لبيد :
بذي حسم قد عربت ويزينها     دماث فليج وهو هاو المحافل
(3) في المصدر زيادة : إلا ان فراقها في نصرك ومواساتك ...

( 176 )

الحسين عليه السلام وقال له : جزاك الله عن ابن بنت نبيك أخيراً (1).

وقال كثير بن عبدالله الشعبي : لمّا زحفنا نحو (2)الحسين عليه السلام يوم عاشوراء , خرج إلينا زهير بن القين البجلي على فرس له ذنوب , ووقف بين الصفين ونادى بأعلى صوته :

يا أهل الكوفة نذاري لكم من عذاب الله , نذار ان حقا على المسلم نصيحة أخيه المسلم , ونحن حتى الان إخوة على دين واحد على ملة واحدة ما لم يقع بيننا وبينكم السيف (3) ,، فإذا وقع السيف انقطعت العصمة , وكنّا أمة وكنتم امّة , أيها الناس (4): أن الله قد ابتلانا واياكم بذرية نبيه محمد صلى الله عليه واله وسلم لينظر ما نحن وأنتم عاملون , إنا ندعوكم إلى نصرهم وخذلان الطاغية يزيد (5)وعبيد الله بن زياد , فإنكم والله لا تدركون منهما إلا بسوء عمر سلطانهما كله , وإنهم والله ليسملان أعينكم , ويقطعان ايديكم وأرجلكم , ويصلبانكم على جذوع النخل, ويمثلان بكم (6), ، أمثال حجر بن عدي وأصحابه وهاني بن عروة وأشياعه (7).

قال : فسبوه , واثنوا على عبيدالله بن زياد فحمدوه , وقالوا : والله يا زهير لا تبرح حتى نقتل صاحبك ـ يعني الحسين عليه السلام ـ ومن معه , أو نبعث به إلى ابن زياد سالماً . فقال زهير : ويلكم يا أهل الكوفة , إن ولد فاطمة أحقّ بالودّ من ابن سميّة , فإن لم تنصروه فأعيذكم بالله أن تقتلوه , فخلوا بين هذا الرجل وبين يزيد بن

(1) مقتل أبي مخنف : 86 .
(2) في المصدر : قبل .
(3) في المصدر زيادة : وأنتم للنصيحة منا أهل ...
(4) أيها الناس , لم ترد في المصدر .
(5) يزيد , لم يرد في الصدر .
(6) في المصدر بعد (وأرجلكم) : ويمثلان بكم , ويرقعانكم على جذوع النخل , ويقتلان أمثلكم وقرّائكم , ...
(7) في المصدر : وأشباهه .

( 177 )

معاوية , فلعمري انه ليرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين .

قال الراوي : فرماه شمر (1) وقال : أسكت , أسكت الله نامتك، (2) , أبرمتنا بكثرة كلامك , فقال له زهير : يا ابن البوّال على عقبيه , ما إياك أخاطب إنما أنت بهيمة , والله لا أظنك تحكم من كتاب الله آيتين فابشر بالخزي يوم القيامة والعذاب الأليم. فقال الشمر إن الله قاتلك وصاحبك عن ساعة، فقال زهير: أفبالموت تخوّفني , فوالله الموت معه أحبّ إلي من الخلد معكم .

قال : ثم أقبل على الناس رافعاً صوته , فقال : عباد الله لا يغرّنكم عن دينكم هذا الجلف الجافي وأشباهه , فوالله لن ينالوا شفاعة محمد صلى الله عليه واله وسلم قط قوم أراقوا دماء ذريته وعترته , وقتلوا من نصرهم وذبّ عن حريمهم .

قال الراوي : فناداه رجل من أصحابه : يا زهير إن الحسين عليه السلام يقول لك : أقبل , فلعمري لئن كان مؤمن آل فرعون نصح قوم , وابلغ في الدعاء لقد نصحت لهؤلاء وأبلغت لو نفع النصح والإبلاغ . فرجع إلى الحسين عليه السلام , فقال له عليه السلام : جزاك الله عن رسوله واله خيراً (3) .

قال (4) : ولما أتت نوبته حمل على القوم , فجعل يقاتل قتالاً شديداً لم ير مثله قط , ولم يسمع بشبهه , وهو يقول :

أنا زهير وأنا ابن القين     أذودكم بالسيف عن حسين

أن حسيناً احد السبطين     من عترة البر التقي الزين

ثم رجع ووقف الامام الحسين عليه السلام , وقال :

(1) في المصدر : بسهم .
(2) النامة : بالتشديد الصوت يقال ذلك كناية عن الموت وهو دعاء العرب مشهور وأبرمتنا أي أضجرتنا بكثرة كلامك . (3) مقتل أبي مخنف : 119 ـ 120 , باختلاف بسيط . (4) والكلام للراوي .

( 178 )

فدتك نفسي هادياً مـهديّا     اليوم ألقى جدك الـنـبيا

وحسنا والمرتضى وعلياً     وذاالجناحين الشهيد الحيّا

فكأنه ودعه , وعاد يقاتل حتى قتل مائة عشرين رجلاً , فشدّا عليه كثير بن عبدالله الشعبي ومهاجر بن اوس التميمي فقتلاه , ولما سقط الى الارض مشى لمصرعه الحسين عليه السلام ووقف عنده , وتكلم بكلمات , وقال : لا يبعدنك الله يا زهير عن وحمته , ولعن قاتليك لعن الذين مسخوا قردة وخنازير (1) .

جادوا بأنفسهم عن نفس سيدهم     والجود بالنفس اقصى غاية الجود

ويروي في تذكرة ابن الجوزي : انه لما قبل زهير قالت امرأته لغلامه : إذهب وكفن مولاك , فقال لها : أكفن مولاي وأدع الحسين ؟! لا والله (2) .

ما غسلوه ولا لفوه في كفن     يوم الطفوف ولا مدوا عليه ردا (3)

(1) انظر تاريخ الطبري : 6 / 253 .
(2) تذكرة الخواص لابن الجوزي : 256 , نقول : امرأة زهير انما قالت ذلك للغلام بعد مقتل الحسين عليه السلام , ومفاده أنه لا يريد أن يترك الحسين بلا كفن ويكفن مولاه .
(3) وزينب عليها السلام نادت القوم أما فيكم مسلم يواري هذا الغريب , اما فيكم مسلم يكفن هذا السليب فلم يجيبوها كأني بها التفتت إلى أهلها :
(نصاري)
تعـالوا لـبنكم غـسلوه     ويّاكـم كـفنكم دجـيـبوه
جيبو گطن للجرح شدّوه     ثلث تيام مرمي بغير تغسيل
(ابوذية)
ادمن للگلب يحسين يرحـين     وبس الهن دموع العين يرحين
خواتك عالهزل للسير يرحين     او يعوفن جثتك بالطف رمـيّة
(تخميس)
يا سائلاً وشظايا القلب في شجن     هل جـهّـزوا لقتيل مات ممتحن
أجبته بفؤاد خافق وهن
ما غـسلـوه ولا لفوه في كفن     يوم الطفوف ولا مدّوا عليه ردا

( 179 )

المطلب الرابع والثلاثون

في ملاقات الحسين عليه السلام للحرّ وما جرى بينهما

روي عن عبدالله بن سليم والمذري بن المشمعل الأسديين قالا : كنّا نساير الحسين عليه السلام حتى نزل شراف (1) , ولما كان السحرة أمر أصحابه أن يحملوا الماء وإن يكثروا , فلما أصبحوا ساروا من شراف حتى انتصف النهار , فبينما هم يسيرون إذ كبر رجل من اصحابه , فقال له الحسين عليه السلام : الله اكبر , لم كبرت ؟! قال : سيدي رأيت النخل , فقال له رجل من اصحابه : ما رأينا في هذا المكان نخلة واحدة !! فقال الحسين عليه السلام : وما ترون ؟ قالوا : والله لا نرى إلا أسنّة الرماح , وآذان الخيل , فقال عليه السلام : وأنا والله أرى ذلك , ثم قال عليه السلام : ما لنا ملجأ نلجأ إليه ونجعله

(1) شراف بفتح اوله وآخره فاء وثانيه مخفف فعال من الشرف وهو العلو وقال أبو عبيدة السكوني ومن شرف إلى واقصة ميلان وهناك بركة تعرف باللوزة وفي شراف ثلاث آبار كبار رشاؤها أقل من عشرين قامة وماؤها عذب كثير وبها آبار كثيرة طيبة الماء يدخلها ماء المطر وقيل شراف استنبطه رجل من العماليق اسمه شراف فسمّي به . وقال الكلبي : شراف وواقصة ابنا عمرو بن معتق بن زمرة بن عبيد بن عوص بن آدم بن سام بن نوح عليه السلام. وقال زميل بن زامل الفزاري قاتل ابن داه :
لقد عضّني بالجو جو كثيفة     ويوم التقينا من وراء شراف
قصرت له الدعسى ليعرف نسبتي     وأنبأته أني ابن عبد مناف

( 180 )

خلف ظهورنا , ونستقبل القوم بوجه واحد ؟ قالوا : بلى , هذا ذوحسم إلى جنبك , فمل إليه عن يسارك . فأخذت ذات اليسار , قالا: فما كان بأسرع من أن طلعت علينا هوادي (1)الخيل كأن أسنّتهم اليعاسيب (2), وكأن راياتهم أجنحة الطير .

فأمر الحسين عليه السلام بالأبنية فضربت , وجاء القوم زهاء ألف فارس يتقدّمهم الحرّ (3)بن يزيد الرياحي , وكان مجيئه من القادسية (4), فنزل حذاء الحسين عليه السلام في حر الظهيرة , والحسين وأصحابه جالسين متقلّدي أسيافهم , فقال الحسين عليه السلام لفتيانه : اسقوا القوم [وارووهم من] (5) الماء , ورشّفوا الخيل ترشيفا , فأقبلوا يملؤن القصاع والطساس ثم يدنونها من الفرس , فإذا عب فيها ثلاثاً أو أربعاً عزلت وسقى الاخرى , حتى سقوهم عن آخرهم . قال علي بن الطعان المحاربي : كنت يومئذ مع [الحرّ بن يزيد]، (6), فجئت في آخر من جاء من أصحابه , فلما رأى الحسين عليه السلام ما بي وبفرسي من العطش , قال لي : يا ابن أخي إنخ الجمل ؛ فأنخته

(1) الهوادي جمع الهادي العنق والمتقدم وهنا يريد مقدمة الخيل .
(2) جمع يعسوب أمير النحل وذكرها يشبه لمعان الأسنة بلمعان أجنحة اليعاسيت في الشمس .
(3) الحر بن يزيد الرياحي كان شريفاً في قومه جاهلية وإسلاماً فإن جده عتابا كان رديف النعمان بن المنذر وولد عتاب قيسا وقعنبا ومات عتاب فردف فقيس النعمان ونازعه الشيبانيون فقامت بسبب ذلك حرب يوم الطخلة والحر بن عم الاخوص الصحابي الشاعر . (4) القادسية وحسبما جاء في ج4 ص 291 من كتاب المعجم البلدان للحموي موضع بينه وبين الكونة خمسة عشر فرسخاً وبينه وبين العذيب أربعة أميال وبحفدا الموضع كان يوم القادسية بين سعد ابن أبي وقاص والمسلمين والفرس في أيام عمر بن الخطاب وذلك سنة 16 من الهجرة .
(5 و 6) ما اثبتناه من المصدر .

( 181 )

فجعلت كلما أشرب سال الماء (1) , وسقيت فرسي (2).

قال الراوي : وما زال الحر موافقاً للحسين عليه السلام حتى حضرت وقت صلاة الظهر , فأمر الحسين عليه السلام الحجاج بن مسروق الجعفي أن يؤذن , فأذّن , ثم خرج الحسين عليه السلام والتفت إلى الحرّ , وقال : أتصلي بأصحابك؟ فقال الحرّ : كلا , بل تصلي ونصلّي بصلاتك , فصلّى بهم الحسين عليه السلام , فلما فرغ من صلاته اقبل عليهم بوجهه , فحمد الله وأثني عليه , وذكر النبي فصلّى عليه , ثم قال :

أيها الناس , إني لم آتيكم حتى أتتني كتبكم , وقدمت علي رسلكم فإن كتبتم لقدومي كارهين انصرفت عنكم إلى المكان الذي جئت منه , فقال الحرّ : أنا والله لا أدري ما هذه الكتب والرسل !! فصاح الحسين عليه السلام لعقبة بن سلمان , أخرج الخرجين المملوئين صحفاً , فأخرجها عقبة ونشرها بين يدي الحسين عليه السلام والحرّ , فقال الحرّ : لست من هؤلاء الذين كتبوا إليك , وقد أمرت أن لا افارقك حتى ادخلك الكوفة , واضع يدك في يد ابن زياد .

فقال الحسين عليه السلام : إذاً الموت أدنى إليك من ذلك . ثم أن الحسين عليه السلام أمر أصحابه أن يسيروا , فحال الحرّ بينهم وبين المسير , فقال الحسين عليه السلام : ثكلتك امك , ما تريد منهم ؟ فقال الحرّ : لو غيرك من العرب قالها لي وهو في هذا الحال الذي أنت عليه ما تركت ذكر امه بالثكل كائناَ من كان , ولكن والله مالي إلى ذكر امك من سبيل إلا بأحسن ما نقدر عليه . فقال الحسين عليه السلام : إذاُ ما تريد ؟ قال : اريد أن أنطلق بك إلى الكوفة إلى ابن زياد . فقال الحسين عليه السلام : إذاً والله لا أتّبعك .

(1) هنا سقط في الاصل : من السقاء , فقال الحسين عليه السلام : اخنث السقاء (أي) إعطفه . قال : فجعلت لا أدري كيف أفعل , فقام الحسين عليه السلام فخنثه فشربت ...
(2) عن أبي مخنف في مقتل الحسين عليه السلام : 81 ـ 82 .

( 182 )

فقال الحرّ : إذاً والله لا أدعك ؛ فترادّا القول فيما بينهم ثلاث مرات , فخشي الحرّ الفتنة فقال : يا أبا عبدالله إني أمرت إذا لقيتك لا أفارقك , فإذا كان الأمر كذلك فخذ طريقاً لا يردك إلى المدينة ولا يدخلك الكوفة , ليكون بيني وبينك نصفاً , حتى أكتب الى ابن زياد , فلعلّ الله أن يأتي بأمر يرزقني فيه [العافيه] (1) من أن أبتلي بشئ من أمرك , فخذ هاهنا تياسراً من طريق العذيب والقادسية . فرضي الحسين بذلك , فساروا (2).

فبينما هم يسيرون إذ التفت الحر الى الحسين عليه السلام وقال له : يا أبا عبد الله إني أذكرك الله في نفسك , فإني أشهد لئن قاتلت لتقتلنّ . فقال له الحسين عليه السلام : أفبالموت تخوفني ؟ وهل يعدو بكم الخطب أن تقتلونني ؟ وسأقول كما قال أخو الأوس لابن عمه , وهو يريد نصرة رسول الله فخوّفه ابن عمّه وقال له : أين تذهب ؟ إنك مقتول , فأنشأ يقول :

اقــدم  نـفسي لا أريـد بـقاءها      لـتلقي  خميساً في الوغي وعرمرما
سأمضي وما بالموت عار على الفتى      إذا مـا نـوى حـقّاً وجـاهد مسلما
وواسـى الـرجال الصالحين بنفسه      وفــارق  مـثبوراً وودع مـجرما
فـإن  عشت لم أندم وإن مت لم أذم      كـفى  بك ذلاً أن تعيش وترغما(3)

قال : فلما رأى امتناع الحسين عليه السلام سكت وجعل يسايره , فلما أصبح الصباح نزل وصلى , ثم عجل بالركوب , فأخذ يتياسر بأصحابه يريد ان يفرّقهم ,

(1) ما أثبتناه من المصدر .
(2) انظر مقتل الحسين عليه السلام لابي مخنف : 83 ـ 85 . ومقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي : 1/ 231 ـ 233 , وأخبار الطوال للدينوري : 249 .
(3) مقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي : 1/ 233 , وانظر انساب الأشراف : 3 / 171 , وتاريخ الكامل لابن الأثير :

( 183 )

فيأتيه الحر وكان إذا ردّهم نحو الكوفة ردّاً شديداً امتنعوا عليه , فلم يزالوا يتياسرون كذلك حتى انتهوا الى نينوى (1) . (2)

ويروى أن زهير بن القين البجلي قال للحسين عليه السلام : سيدي دعنا نقاتلهم , فإن قتال هؤلاء الساعة أهون علينا من قتال من يأتينا من بعدهم، فلعمري ليأتينا بعدهم ما لا قبل لنا بهم , فقال الحسين عليه السلام : ما كنت لأبدءهم بالقتال (3) . ثم قال : والتفت الحسين عليه السلام إلى أصحابه وقال : من منكم يعرف الطريق على غير الجادة ؟ فقال الطرماح (4): أنا يابن رسول الله ؛ فقال له الحسين عليه السلام تقدم , فتقدم الطرماح أمام الركب وجعل يرتجز :

يا ناقتي لا تذعري من زجر      واسـر بنا قبل طلوع الفجر
بـخير  فـتيان وخير سفر      وآل  رسـول الله آل الفخر
السادة البيض الوجوه الزهر      الـضاربين  بالسيوف البتر
الـطاعنين  بالرماح السمر      يـا مالك النفع معاً و الضر
أيّـد  حسيناً سيّدي بالنصر      عـلى الطغاة من بقايا الكفر

واخذل يزيد العهر ابن العهر

(1) نينوى : المكان الذي نزل به الحسين عليه السلام , وهي ناحية بسواد الكوفة , وقيل : قرية يونس بن متى . انظر معجم البلدان : 8 / 368 .
(2) الارشاد للشيخ المفيد : 2 / 82 , ومقتل الحسين عليه السلام لابي مخنف : 92 .
(3) مقتل الحسين عليه السلام لابي مخنف : 94 , ورواه في الارشاد : 2 / 84 .
(4) هو الطرماح بن عدي: عده الشيخ الطوسي رحمه الله في أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام وقال: رسوله عليه السلام إلى معاوية , وعده أيضاً في اصحاب الامام الحسين عليه السلام , وقال المولى عناية الله القهباني: الطرماح بن عدي بن حاتم الطائي : وطرماح ـ كسنمار ـ العالي النسب المشهور . انظر رجال الشيخ : 46 / 3 , و75 /1 , ومجمع الرجال : 3 / 229 . انظر ترجمته في تنقيح المقال : 2 / 109 .

( 184 )

أقول : وإنما حدا الطرماح لغاية هناك رام أن تسير الإبل سيراً سهلاً على عادتها في الحداء , ولتسكن روعات النساء إذا سمعت بمدح عميدها الحسين عليه السلام , فسارت الى كربلاء على هذه الحالة , قد حفّتها بنو هاشم وأصحابه الصفوة , والطرماح يحدوا بها , ولكنها يوم خرجت من كربلاء حفت بها الأعداء من كل جانب , وسارت على حالة يحدو بها شمر بن ذي الجوشن وزجر بن قيس .

أيسقوها زجر بضرب متونها     والشمر يحدوها بسبّ أبيها (1)

(1) وزينب عليها السلام تخاطب أخاها الحسين عليه السلام بلسان الحال :
(نصاري)
ودعـتك الله يـا عـيوني      يـردون  عـنك ياخذوني
او زجر او خوله اليباروني      لـلكوفة انـووا يـمشّوني
نخيت اخوتي ولا جاوبوني      وابـغصب عنكم فارگوني
گطعت الرجه او خابت اظنوني
وكاني بها توجهت الى جهة العلقمي وخاطبت الجمّال :
(دكسن)
يجمال مر بينا اعلى عباس     اخونة العجيد اليرفع الراس
تگلة تراهم گوم الارجاس     خذونة وعلينة الشمر حراس
تتفرج على أحوالنا الناس
(تخميس)
مخـدرة المـختار مـن بعد مجدها     تـسيرهـا ابناء حرب لوغدها
دعت مذ نأى عن عينها بدر سعدها
ونادت على الاقتاب من عظم وجدها     أبا حسن يا خير من ضمه القبر

( 185 )

المطلب الخامس والثلاثون

في كيفية سعادة الحر ولحوقه بالحسين عليه السلام

روي عن عقبة بن سمعان (1) قال : لما سار الحسين عليه السلام من قصر بني مقاتل (2) سرنا معه , فبينا نحن نسير إذ خفق الحسين عليه السلام وهو على ظهر جواده , ثم قال : إنا لله وإنا إليه راجعون [والحمد لله رب العالمين] (3) ؛ فأقبل عليه ولده علي الاكبر فقال له : أبه مم حمدت الله واسترجعت ؟ فقال : يا بني أني خفقت برأسي

(1) عقبة بن سمعان : عده الشيخ الطوسي رحمه الله في أصحاب الحسين عليه السلام (78/27) , وقيل : انه كان عبدا للرباب زوجة الامام الحسين عليه السلام , وإنه كان يتولى خدمة أفراسه عليه السلام وتقديمها له , فلما استشهد عليه السلام أخذه أهل الكوفة أسيراً , ثم اطلق سراحه , وجعل يروي واقعة الطف , ومنه اخذت أخبارها , وروي عنه ابي أبي مخنف بالواسطة , ويقول العلامة المامقاني رحمه الله : حاله مجهول , بل تخلفه عن نصرة الامام عليه السلام يجعلنا في ريب منه . وقال السيد الخوئي رحمه الله : ممن وقع التسليم عليه في الزيارة الرجبية , وأنه استشهد معه عليه السلام . انظر : معجم رجال الحديث : 14 : 170 / 7736 , تنقيح المقال : 2 : 254/7969 .
(2) قصر بني مقاتل : قال ياقوت الحموي : «قصر كان بين عين التمر والشام , وقال السكوني : هو قرب القطقطانة وسلام ثم القريات , وهو منسوب إلى مقاتل بن حسان بن ثعلبة بن أوس بن ابراهيم ابن ايوب بن مجروف بن عامر بن عصية مرىء القيس بن زيد بن مناة بن تميم» انظر معجم البلدان : 4 / 364 .
(3) ما أثبتناه من المصدر .

( 186 )

خفقه فعن لي فارس [على فرس] (1)وهو يقول : القوم يسيرون والمنايا (تسير بهم الى الجنة) (2), فقال علي بن الحسين : افلسنا على الحق ؟ قال : بلى والذي إليه مرجع العباد , فقال : أبه أذا لا نبالي بالموت , فقال الحسين : أذا جزاك الله [من ولد] (3)خير ما جزى ولداً عن ولده (4) .

قال المفيد : ولما أصبح نزل وصلى بأصحابه , ثم عجل الركوب , فأخذ يتياسر , فورد كتاب ابن زياد الى الحر يلومه في أمر الحسين ويأمره بالتضييق عليه , فتعرض له الحر وأصحابه ومنعوه من المسير , فقال له الحسين عليه السلام : ألم تأمرنا بالعدول عن الطريق؟ قال : بلى ولكن كتاب الامير قد ورد الي يأمرني بالتضييق عليك , وقد جعل علي عيناً يطالبني بذلك (5) .

قال السيد رحمه الله في اللهوف , ثم أن الحسين ركب وصار كلما أراد المسير يمنعونه تارة ويسايرونه اخرى حتى ورد كربلاء في اليوم الثاني من المحرم (سنة أحدى وستين فبينا هو يسير واذا بجواده قد وقف فقال الحسين) (6) : ما اسم هذه الارض ؟ فقيل له : (نينوى , فقال : ألها اسم غير هذا ؟ فقيل له : الغاضريات , قال : ألها اسم غير ذلك؟ فقيل له : المسنات , فقال : ألها اسم غير هذا ؟ فقيل له) (7): كربلا , قال : كرب وبلا , هاهنا محط رحالنا , هاهنا مقتل رجالنا , هاهنا تذبح

(1) ما أثبتناه من المصدر .
(2) ما بين القوسين لم يرد في المصدر وجاء فيه : تسري أليهم .
(3) ما أثبتناه من المصدر .
(4) مقتل الحسين عليه السلام لأبي مخنف : 92 , وايضاً الارشاد للشيخ المفيد : 2 / 82 .
(5) الارشاد للشيخ المفيد : 2 / 82 ـ 83 (باختلاف بسيط) .
(6) ما بين القوسين لم يرد في نسختنا من المصدر , وجاء فيه : فلما وصلها , قال ...
(7) ما بين القوسين لم يرد في نسختنا من المصدر .

( 187 )

أطفالنا ؛ ثم أمر اصحابه بالنزول فنزلوا وأمر بأبنيته فضربت , ونزل الحر الى جانب (1).

فلما بلغ ابن زياد نزول الحسين عليه السلام كربلاء جمع الجيوش والعساكر وأمر عليهم عمر بن سعد , وجاءت تترى الى كربلاء حتى تكاملت الجيوش سبعين ألف , فلما رأى الحر تصميم القوم على قتل الحسين عليه السلام وأهل بيته أقبل على ابن سعد وقال له : أمقاتل أنت هؤلاء القوم ؟ يعني الحسين , قال , اي والله , قتالاً ايسره أن تطيح فيه الرؤوس والأيدي ؛ فرجع الحر ووقف مع اصحابه فأخذه مثل الإفكل , فقال له مهاجر بن أوس التميمي : ان أمرك لمريب ! ما هذا الذي أراه منك ؟ ولو قيل من اشجع العرب لما عدوتك . فقال له الحر : ان نفسي تخيرني بين الجنة والنار , فوالله لا اختار على الجنة شيئا ولو قطعت واحرقت . ثم ضرب فرسه , ولحقه ولده حتى صار قريبا من خيم الحسين عليه السلام , فنزل من على ظهر فرسه وقلّب ترسه وأغمد سيفه , ووضع يده على رأسه , وجاء الى الحسين عليه السلام وهو يقول : « اللهم اليك اتوب واليك انيب فتب علي فقد ارعبت قلوب اولاد نبيك » . ثم سلم على الحسين عليه السلام , فرد الحسين عليه السلام , وقال : سيدي أنا صاحبك الذي منعتك عن الرجوع , وجعجعت بك في الطريق , سيدي وما ظننت ان القوم يبلغون بك الى ما ارى , سيدي انا تائب الى الله عليك , ثم قال : فهل ترى إلي من توبة ؟ فقال له الحسين عليه السلام : نعم إن تبت تاب الله عليك ؛ فقال : سيدي كنت أول خارج عليك فأذن لي أن أكون أول قتيل بين يديك , فإذن له الحسين عليه السلام للبراز , فبرز وهو يقول :

إني أنا الحر ومأوى الضيف     أضرب في أعناقكم بالسيف

عن خير من حل بأرض الخيف

(1) الملهوف على قتلى الطفوف : 139 .

( 188 )

قال : ثم رجع إلى الحسين عليه السلام وقال : سيدي أني احدثك بشيء ثم أعود للحرب , اعلم لما وجهني ابن مرجانة الى الخروج إليك فخرجت من باب قصره سمعت منادياً ينادي : يا حر ابشر بالجنة فالتفت الى ورائي فلم أر أحد , فقلت في نفسي : سبحان الله بعثني هذا الطاغية ألى ابن بنت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فما هذا النداء؟ يا سيدي والآن تحقق عندي أني ارزق الشهادة بين يديك.

ثم ودع الحسين عليه السلام , وحمل على القوم , فلم يزل يقاتل حتى قتل جمعاً كثيراً , ثم عقروا فرسه وبقي يقاتل راجلاً , حتى قتل اربعين فارساً , وخمسة عشر راجلاً , فتعطفوا عليه أعداء الله وقتلوه , ولما قتل مشى لمصرعه الحسين عليه السلام , وجلس عند رأسه وهو يقول : « انت كما سمّتك امك حر في الدينا وحر في الاخرة » .

ورثاه علي بن الحسين قال :

لنعمر الحر حر بني رياح     صبور عند مشتبك الرماح

ونعم الحر إذا واسا حسيناً     وجاد بنفسه عند الصياح (1)

ويروى أن الحسين عليه السلام عصب جبينه بمنديل كان عنده.

أقول: أنا لا أدري لما صرع هو عليه السلام من حضر عنده وعصب رأسه؟ نعم،

(1) توضيح : قال المفيد رحمه الله : اشترك رجلان في قتل الحر احدهم ايوب ابن مسرح ورجل آخر من فرسان أهل الكوفة انتهى . وقال صاحب الابصار : وإنما دفنت بنو تميم الحر على نحو ميل من الحسين عليه السلام حيث قبره الان اعتناء به ويقال ان بعض ملوك الشيعة وهو الشاه اسماعيل استغرب ذلك فكشف عن قبر الحر فوجده على صفته التي ترجم بها ورأسه غير مقطوع لأن لمّا أرادوا قطع الرؤوس منعت بنو تميم وقالوا : رأس الحر لا يقطع فدفن ولم يقطع رأسه ووجده ذلك الملك معصباً بالعصابة التي عصبهه بها الحسين فطمع بها فحلها ليأخذها تبركاً بها فأنبعث الدم من جبينه فخاف ذلك الملك فشدها وخرج من القبر وصنع على قبره صندوقاً .

( 189 )

مالك بن النسر لما شهر سيفه وضرب الحسين عليه السلام على ام رأسه , وكان على رأسه برنس فامتلأ البرنس دماً , فقال له الحسين عليه السلام , لا أكلت بيمينك ولا شربت بها :

ولقد غشوه فضارب ومفرق     سهماً إليه وطاعن متقصد (1)

(1) ويروى ان الحسين عليه السلام عصب جيبته بمنديل كان عنده وبعد ذلك اقبلت عشيرته ووارته حيث قبره الآن , أسفي عليك يا ابا عبدالله من الذين عصب جبينك من الذي دفن جثمانك , وفي ذلك يقول الخضري :
(موشح)
جـله  اهموم الفواطم مجلة القتوت      ورج  الـغاضرية او حامي البيوت
وعگب ما شافت امن امذهبة الموت      طاح  او فيض دمه على الثر يسيل
اجـاه  احـسين مـثل الليث يهدر      يـنادي  ودمـع عـينه عليه يحدر
امّـك  مـا خـطت من سمتك حر      مـسح  عنه التراب ومدمعة ايسيل
او من ناده الرجس يا خيلنه اوصاح      عمامه  ابغيض سلت بيض الصفاح
ابـذيج  الخيل نادت كل بني رياح      عـميد الـحر عجب ينداس بالخيل
عـلى خـشوم الـزلم رغماً نشيلة      وكـل  مچتـول تـنهضله جـبيله
تـسل  بـيض الـسيوف وتعتنيله      لـعند الـمعركه و لـجثته اتـشيل
الـعيره  شـالته ابـحر الـظهيره      الـكل مـنهم عـليه شـالته الغيره
بـس  ظـلو الـما عـدهم عشيره      ضحايا  على الثرى من غير تغسيل
(تخميس)
كان يستسقي به غيث السما     فقضى روحي فداه بالضما
وبخيل الكفر عدواً حطما
غسلـوه بـدم الطعن وما     كفنوه غير بوغاء الثرى

( 190 )

المطلب السادس والثلاثون

في نصيحة كامل لابن سعد لعنه الله

لما وافى الحسين عليه السلام ومعه الحر الى كربلاء , فإذا هم براكب على نجيب له , وعليه السلاح متنكبّاً قوساً , مقبلاً عليه , فوقفوا جميعاً ينتظرونه , فلما انتهى اليهم سلم على الحر ولم يسلم على الحسين عليه السلام , ثم أخرج كتاباً من ابن زياد ودفعه الى الحر ,وإذا فيه :

أما بعد ... فجعجع بالحسين , ولا تنزله إلا بالعراء , في غير حصن وعلى غير ماء , وقد أمرت رسولي أن يلزمك ولا يفارقك حتى يأتيني بإنفاذك أمري .

وكان مع الحسين عليه السلام يزيد بن مهاجر الكندي (1) , فجاء الى رسول ابن زياد فعرفه فقال له : ثكلتك امك , بماذا جئت ؟ قال : أطعت إمامي ووفيت ببيعتي ؛ فقال له ابن المهاجر : بل عصيت ربك , وأطعت امامك في هلاك نفسك , وكسبت النار والعار , وبئس الإمام امامك , كما قال عز من قائل : « وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمّةً يَدْعُونَ إِلَى

(1) هو يزيد ابن زياد المهاجر الكندي , أبو الشعثاء البهدلي , من بني بهدلة , كان رجلاً شريفاً شجاعاً فاتكاُ , ويهدلة حي من كندة , وقد جاء ذكره في الزيارة الناحية المقدسة والتسليم عليه استشهد رضي الله عنه مبارزاً .
انظر ذخيرة الدارين : 239 .

( 191 )

النّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لاَ يُنصَرُونَ »(سورة القصص:41) فأمامك هذا منهم .

قال : ونزل الحسين عليه السلام في كربلاء على غير ماء ولا كلاء , فقال زهير بن القين البجلي : يا بن رسول الله إن قتال هؤلاء القوم الساعة اهون علينا من يأتينا من بعدهم , فقال عليه السلام : ما كنت لأبدئهم بالقتال .

قال : ولما بلغ ابن زياد نزول الحسين كربلاء صعد على المنبر وخطب الناس , وأمرهم بالخروج إلى حرب الحسين، ووفر لهم العطاء , وكان عدتهم سبعين ألف , وأراد أن يؤمر عليه أميراً فدعى ابن سعد وقال له , أريد أن أؤمرك على هذا الجيش , وان تتولى قتل الحسين ولك ولاية الري , فقال له ابن سعد أمهلني حتى اراجع نفسي .

ثم انصرف إلى منزله متفكراً , فاستشار رجلاً يقال له (كامل) ـ وكان صديقاً لأبيه سعد , وكان على اسمه كاملاً ـ فقال له : ويلك يا ابن سعد تريد ان تقتل الحسين ابن بنت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ؟! اف لك ولدينك , اسفهت الحق وضللت الهدى ؟! اما تعلم الى حرب من تخرج ولمن تقاتل ؟! والله لو اعطيت الدنيا على أن أقتل رجلاً واحداً من امة محمد صلى الله عليه واله وسلم ما فعلت , فكيف وأنت تريد أن تقتل ريحانة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم , وما الذي تقوله لرسول الله إذا وردت عليه يوم القيامة وقد قتلت سبطه ؟ وإني اقسم بالله لئن حاربته أو قاتلته أو أعنت عليه لا تلبث في الدنيا إلا القليل ؛ فقال ابن سعد : أفبالموت تخوفني !! واني إذا فرغت من قتله أكون أميراً على سبعين ألف وأتولى ملك الري . فقال له كامل : إذاً احدثك بحديث , فقال ابن سعد : قل حتى اسمع . قال : إعلم إني سافرت مع أبيك سعد الى الشام فانقطعت عن أصحابي في الطريق وعطشت عطشاً شديداً , فلاح لي دير راهب

(  192 )

فملت إليه وأتيت إلى باب الدير , فقال لي الراهب : ما تريد يا هذا ؟ قلت له : إني عطشان , فقال لي : أنت من أمة محمد الذين يقتلون بعضهم بعضا على حب الدينا . فقلت له : أنا من الامة المرحومة أمة محمد ؛ فقال : انكم لشر الامة , فالويل لكم يوم القيامة , وانكم لتقتلون ابن بنت نبيكم , وان قاتله لعين أهل السماوات والأرض , اعلم يا هذا وان قاتله لا يلبث بعده الا قليلاً ؛ قال كامل: فقلت إني اعيذ نفسي من أن أكون مم يقاتل إبن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؛ فقال لي: أن لم تكن أنت وإلا فرجل قريب منك ؛ ثم ردم الباب في وجهي ودخل الدير فركبت فرسي ولحقت بأصحابي .

[وحدّثت أباك بما جرى بيني وبين الراهب من الكلام] , فقال لي أبوك سعد : صدقت وأنا مررت بالراهب قبلك فقال لي من ولدك من يقتل ابن بنت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم , فاحذر يا عمر ودع عنك هذا الامر فإنه خير لآخرتك ودنياك .

قال : فبلغ الخبر إلى بن زياد فاستدعى كاملاً فقطع لسانه , وعاش يوماً او بعض يوم ثم مات رحمه الله .

قال : وجعل ابن سعد يفكر في ولاية الري أو الخروج الى حرب الحسين فصمم رأيه أن يخرج إلى حرب وانشأ يقول :

فـوالله  لا أدري وإنـي لحائر      افـكر على أمري على خطرين
أأترك  ملك الري والريّ منيتي      أم  أرجـع مأثوماً بقتل الحسين
حسين ابن عمي والحوادث جمّه      لعمري  ولي في الري قرّة عين
وإن  إلـه الـعرش يغفر زلتي      ولـو  كـنت فيها أظلم الثقلين
ألا إنـما الـدنيا لـخير معجّل      ومـا  عـاقل باع الوجود بدين

( 193 )

يـقولون إن الله خـالق جنة      ونـار وتـعذيب وغل يدين
فإن صدقوا فيما يقولون إنني      أتوب الى الرحمن من سنتين
وإن  كذبوا فزنا بدنيا عظيمة      ومـلك عـقيم دائم الحجلين

قال : فأجابه القائل :

ألا أيـها الـنغل الذي ليس مثله      ويـمضي مـن الدنيا بقتلة شين
إذا  أنت قاتلت الحسين بن فاطم      وانـت  تـراه أشـرف الثقلين
فلا تحسبن الري يا أخسر الورى      تـفوز بـه من بعد قتل الحسين

قال الراوي : فلما لبث أن خرج إلى حرب الحسين عليه السلام وكان اول رام بسهم على حرم الحسين , فإنه خرج من الخيمة بيده القوس فقال : اشهدوا لي عند الأمير فأنا أول رام . ثم رمى السهم نحو الحسين ورمت اصحابه حتى صار السهام كالمطر , وأنفذ اللعين أوامر ابن مرجانة بالحسين , منها : انه كتب له امنعه عن شرب الماء هو وأصحابه وعياله وأطفاله , فمنعهم ذلك .

ومنها : كتب إليه بعد قتله احرق مضاربه ومضارب من معه , فحرقها .

ومنها : كتب إليه إذا قتلت حسيناً فأوطئ الخيل صدره وظهره وما أظن إن هذا يضر به بعد القتل شيئاً , ولكن على قول قد قتله فصنع اللعين ذلك .

والذي زاده هو من نفسه أنه لما صرع الحسين عليه السلام وأقبلوا على سلبه وسلبوه حتى تركوه عرياناً , فأخذ بن سعد درعه ولبسها ودخل على حرمه , فلما رأينه وقد لبس درع الحسين عليه السلام صحن : وا حسينا ... وخرجت زينب من الخيمة واضعة عشر أصابعها على رأسها , تنادي : وا جدّاه وا محمداه ... يا جد هذا حسينك

(  194 )

بالعرا محزوز الرأس من القفا مسلوب العمامة والردا (1) .

(1)
(نصاري)
يجدّي اگعد وشوف ابنك رميّة      خذوا راسه او جسمه اعلى الوطيه
عليه اتـجول گامت خيل اميه     ولا ظل بـيه مفـصل ما تهشم
(دكسن)
يجدي شوف أصاويب البصدره     تسع ميه والف طعنه وطـبره
غير اللي تعدى الخزر ظهـره     شبج فوگه او لعند الخزر فصم
(ابوذية)
لتوالي العمر ذاخرتـك وريـداك     عفتني وذبل يبن امي وريداك
عسى سيف الگطع بالطف وريداك     گطع مني الوريد وعـمل بيه
(تخميس)
أخـي ذا فؤادي سـقيم جريح     وجفني عليك يابن امي قريح
ولم لا وأنت عفير طريح
أخي هد ركني وصبري استبيح     وبـدد شملي فـلم يـجمع

( 195 )

المطلب السابع والثلاثون

في اجتماع الحسين عليه السلام مع ابن سعد

لما وافى ابن سعد كربلاء وضرب أبنيته أرسل إليه الحسين عليه السلام « اني اريد أن ألقاك » . فامتثل لأمر الحسين عليه السلام واجتمعا ليلاً , وتناجيا طويلاً , وكان الحسين عليه السلام مع ولده علي الاكبر , وابن سعد مع ولده حفص , ثم رجع الحسين عليه السلام الى خيمته , وإن ابن سعد دعا بدوات وبيضا وكتب الى زياد كتاباً يقول فيه :

« اما بعد ... فإن الله أطفأ الثائرة وجمع الكلمة , وأصلح أمر الامة , وهذا الحسين بن علي عليه السلام قد أعطاني عهداً , أن يرجع الى المكان الذي اتى منه أو أن يسير إلى ثغر من الثغور , فيكون رجلاً من المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم أو أن يأتي أمير المؤمنين يزيد فيرى رأيه فيه » .

فلما ورد الكتاب الى ابن زياد قال : هذا كتاب ناصح مشفق ؛ فقال الشمر : أتقبل هذا منه وقد حل بأرضك , فوالله لئن رحل من بلادك ليكونن اولى بالقوة ولتكونن أولى بالضعف , فلا تعطه هذه المنزلة فإنها من الوهن , ولكن فالينزل على حكمك ؛ فقال ابن زياد : الرأي رأيك , اخرج بهذا الكتاب الى ابن سعد

( 196 )

فليعرض على الحسين النزول على حكمي فأن فعل فليبعث إليّ به وبأصحابه سلما , وإن هم أبوا فليقاتلهم , فان فعل فاسمع له وأطع وإن أبى فأنت أمير الجيش .

ثم كتب الى ابن سعد :

« اما بعد ... فإني لم أبعثك الى الحسين لتمنيه السلام او البقاء , ولا لتكون له عندي شفيعا , انظر فإن نزل الحسين على حكمي إبعث الي به وبأصحابه سلما , وإن أبى فقاتله , وإن قتلت حسيناً فأوطئ الخيل صدره , ولا أرى الله أن هذا يضر بعد القتل شيئاً ولكن على قول قد قلته » .

قال الراوي : فجاء الشمر بكتاب ابن زياد الى كربلاء وعرضه على ابن سعد , فلما [نظر في الكتاب] قال له : مالك ... ويلك يابن ذي الجوشن لا قرب الله دارك , وقبّح الله ما قدمت به , والله لأظنك أنت الذي نهيته عما كتبت به إليه , والله إن الحسين لا يبايع وإن نفس أبيه لبين جنبيه .

قال الراوي : ثم ضيّق على الحسين وقسّم الجيش , وجعل على المسنّاة أربعة آلاف وأمرهم أن يمنعوا الحسين وأصحابه من حمل الماء , وكتب الكتائب , فلما رأى الحسين عليه السلام ذلك جلس في خيمته يصلح سيفه وهو يقول :

يـا دهر اف لك من خليل      كم  لك بالإشراق والأصيل
مـن طـالب بـحقه قتيل      والـدهر لا يـقنع بالبديل
وكـل  حـيّ سالك سبيل      ما أقرب الوعد من الرحيل

وإنما الامر الى جليل

( 197 )

وفي رواية عن الامام زين العابدين عليه السلام : إن الحسين عليه السلام قال هذه الأبيات عشيّة اليوم التاسع من المحرم , قال علي بن الحسين عليه السلام :

« إني لجالس في تلك الليلة التي قتل أبي في صبيحتها وعندي عمّتي زينت تمرضني وإذا اعتزل أبي في خباء له وعنده جون مولى أبي ذر الغفاري , وهو يعالج سيفه ويصلح وأبي ينشد هذه الابيات فأعادها مرتين أو ثلاثاً حتى فهمتها , وعرفت ما أراد وخنقتني العبرة فرددتها ولزمت السكوت وعلمت إن البلاء قد نزل , وأما عمتي لمّا سمعت وهي امرأة من شأن النساء الرقّة والجزع لم تملك نفسها دون أن وثبت تجر ثوبها حتى انتهت إليه نادت : وا ثكلاه ... وليت الموت أعدمني الحياة ... اليوم ماتت أمي فاطمة وأبي علي وأخي الحسن , يا خليفة الماضين وثمال الباقين . فنظر إليها الحسين عليه السلام وقال لها : « يا اختاه لا يذهبن بحلمك الشيطان » . فقالت : أخي نفسي لك الفداء , فردّت عليه غصّته وترقرقت عيناه بالدموع ثم قال : « لو ترك القطا ليلاً لنام » , فقالت: يا ويلتاه افتغصب نفسك اغتصاباً ؟ فذلك اقرح لقلبي وأشدّ على نفسي .. , ثم لطمت وجهها وأومت إلى جيبها فشقّته فخرجت مغشيّاً عليها , فقام إليها الحسين عليه السلام فصب على وجهها الماء حتى أفاقت فقال لها الحسين : « يا اختاه تعزي بعزاء الله , فإن سكان السماوات يفنون , وأهل الأرض كلهم يموتون , وجميع البرية يهلكون , وكل شيء هالك إلا وجهه الذي خلق الخلق بقدرته , ويبعث الخلق ويعيدهم وهو فرد وحده , جدي خير مني وأبي خير مني وأخي خير مني , ولي ولكم ولكل مسلم برسول الله اسوة , ثم قال لها : يا اختاه إني أقسمت عليك فأبرّي قسمي , ولا تشقّي

(  198 )

علي جبينا , ولا تخمشي عليّ وجها , ولا تدعي عليّ بالويل والثبور » .

أخت  يا زينب أوصيك وصايا فاسمعي      إنـني  في هذه الارض ملاق مصرعي
واصبري  فالصبر من شيم كرام المفزع      كـل حـي سـينجيه عن الأحياء حين
واجمعي شمل اليتامى بعد فقدي وانظمي      اطعمي من جاع منهم ثم روّي من ظمي
واعـلمي  أنـي فـي حفظهم طل دمي      لـيتني بـينهم كـالبدر بـين الفرقدين

قال الراوي: ولما سكنت خرج الحسين عليه السلام من الخيمة وجمع أصحابه ثم خطبهم وقال :

« اللهم احمدك على ما أكرمتنا بالنبوّة , وعلمتنا القرآن , وفقّهتنا بالدين , فاجعلنا من الشاكرين ـ ثم قال ـ : أصحابي انطلقوا أنتم في حل مني , وإن القوم لا يريدون إلا قتلي » . فقالوا له اخوته واولاد عمه : لم نفعل ذلك , أتحب أن نبقى بعدك عاراً في الناس ؟ لا أرانا الله ذلك يا أباعبدالله ... , وبدأهم في ذلك العباس بن علي , ثم التفت الحسين عليه السلام الى بني عقيل وقال :

« يا بني عقيل ... حسبكم من القتل بمسلم , فاذهبوا أنتم في حلّ مني » . فقالوا : يا سبحان الله !! ما نقول للناس وما يقولون لنا لو نترك سيدنا وبنو عمومتنا ولم نرم معهم بسهم ونطعن معهم برمح ولم نضرب معهم بالسيف , لا والله لا نفعل ذلك نفديك بأنفسنا ونقتل دونك حتى نرد موردك , قبح الله العيش بعد يا أبا عبدالله .

وتكلمت أصحابه , قالوا : أبا عبدالله .. نحن نخلي عنك ؟ وبماذا نعتذر الى الله في أداء حقك ؟ لا والله لا نفارقك حتى نطعن في صدورهم رماحنا ونقاتلهم

( 199 )

بأسيافنا .

أقول : بيض الله وجههم , لقد بذلوا مهجهم دون أبي عبدالله الحسين عليه السلام ولله در من قال :

جادوا بأنفسهم عن نفس سيدهم     والجود بالنفس أقصى غاية الجود (1)

(1)
(نصاري)
اطـربوا  بالمنايه او غدوا يحدون      او دون ابـنات وحي الله يحامون
لـمن طاحوا ضحايا ابخطة الكون      او  عـليهم بـالشهادة الباري أنعم
غدوا هذا اعلى حر الگاع مطروح      او  ذاك ايعالج او دم منحره ايفوح
وهذا من الطعن ما بگت بي روح      او ذاك مـن الـطبر جسمه تخدّم
تـعنّه  احـسين واوچب بالعماره      لگال  امـطرحه او دمعها ايتجاره
صـفگ بيده وتلهف على انصاره      او  عليهم دمع عينه انحدر واسجم
(ابوذية)
يحگ لي انصب على اهل المجد مأتم     بدر تم بالبلوغ وبـدر ما تــم
عـجـيـد اصياح مـنهم أبد ما تم     بـس اديارهم أمـسـت خـلية
* * *
أحباي لو غير الحمام أصابكم     عتبت ولكن ما على الموت معتب

( 200 )

المطلب الثامن والثلاثون

في ما صدر في ليلة العاشر من المحرم

لما كانت الليلة العاشرة من المحرم جمع الحسين عليه السلام أصحابه عند المساء , قال علي بن الحسين عليه السلام : فدنوت منه لأسمع ما يقول لهم , وان إذ ذاك مريض , فسمت أبي يقول لأصحابه :

« اثني على الله احسن الثناء وأحمده الى السرّاء والضرّاء , اللهم إني أحمدك على ما كرمتنا بالنبوّة , وعلمتنا القرآن , وفقهتنا في الدين , وجعلت لنا أسماعاً وأبصاراً وأفئدة , فاجعلنا من الشاكرين , أما بعد ... فإني لا أعلم أصحاباً أوفى ولا خيراً من أصحابي , وأهل بيت أبر ولا أوصل من أهل بيتي , فجزاكم الله عني خيراً , الا واني اظن أن يوما لنا من هؤلاء القوم , الا واني قد أذنت لكم فانطلقوا جميعاً , أنتم في حل مني ليس عليكم مني ذمام , وهذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملاً , وليأخذ كل واحد منكم بيد رجل من أهل بيتي , وتفرقوا في سواد هذا الليل , ودعوني وهؤلاء القوم , فإنهم لا يريده غيري » . فقالوا له إخوته وأبناءه وبنو أخيه وأبناء عبدالله بن جعفر ؟ ولم تفعل ذلك لنبقي بعدك ؟ لا أرانا الله ذلك أبداً .

فبدأهم بهذا القول العباس بن علي وأتبعه الجماعة عليه فتكلموا بمثل هذا , ثم نظر الى بني عقيل فقال : « حسبكم من القتل بمسلم إذهبوا فقد إذنت لكم » .

( 201 )

فقالوا : يا سبحان الله , فما يقول الناس لنا ؟ وماذا نقول لهم ؟ انا تركنا شيخنا وسيدنا وبني عمومتنا خير الاعمام , ولم نرم معهم بسهم , ولم نطعن معهم برمح , ولم نضرب معهم بسيف , ولا ندري ما صنعوا , لا والله لا نفعل ذلك ولكنا نفديك بأنفسنا وأموالنا وأهالينا .

وقام إليه مسلم بن عوسجة الأسدي فقال : أنحن نخلي عنك وقد أحاط بك هذا العدو ؟! وبماذا نعتذر إلى الله في أداء حقك ؟ لا والله ... لا يراني الله أبدا وأنا أفعل ذلك حتى أكسر في صدورهم رمحي , وأضاربهم بسيفي ما ثبت قائمة بيدي , ولو لم يكن معي سلاح اقاتلهم به أقذفهم بالحجارة ولا افارقك أو أموت معك .

وقام سعيد بن عبدالله الحنفي فقال : لا والله يابن رسول الله لا نخليك أبداً حتى يعلم الله أنا قد حفظنا فيك وصية رسوله فيك يابن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم , والله لو علمت أني اقتل فيك ثم أحيا ثم أحرق حياً ثم أذري ويفعل بي ذلك سبعين مرة ما فارقتك حتى ألقى حمامي دونك , وكيف لا أفعل ذلك ؟ وإنما هي قتلة واحدة ثم أنال الكرامة التي لا انقضاء لها أبداً .

وقام زهير بن القين وقال : والله يابن رسول الله لوددت أني قتلت ثم نشرت ألف مرة , وان الله يدفع بذلك القتل عن نفسك وعن أنفس هؤلاء الفتيان من إخوتك وولدك وأهل بيتك .

وتكلم جماعة من أصحابه بكلام يشبه بعضه بعضاً وقالوا : أنفسنا لك الفداء نقيك بأبداننا وأنفسنا , فإذا نحن قتلنا بين يديك نكون قد وفينا لربنا وقضينا ما علينا .

وكان من جملة أصحابه وهب بن عبدالله الكلبي , وكان رجلاً نصرانياً نازلاً على بئر ام عمير بالكوفة , ولما بعث ابن زياد الجيوش الى حرب الحسين عليه السلام

( 202 )

جعل يسأل العسكر : إلى أين ماضين ؟ فيقولون له : الى حرب الحسين ؛ فسألهم : ابن من ؟ فقالوا له : ابن بنت رسول الله . قال : فجاء هو وامه وزوجته حتى وافوا كربلاء , فجاء الى الحسين عليه السلام فأسلم هو وامه وزوجته على يد الحسين , ولما كانت اليوم العاشر من المحرم أراد البراز فأقبلت زوجته تمانعه فصاحت به امه : بني دع كلامها وانصر ابن بنت رسول الله , فتركها وحمل سيفه وأقبل الى الحسين يستأذنه , فأذن له الحسين فحمل على القوم , فبينما هو يقاتل وإذا زوجته أتت إليه من خلفه وهي تنادي : وهب ... قاتل دون الطيبين آل رسول الله ؛ فرجع إليها وقال لها , ويلك الآن كنت تنهيني عن القتال ؛ قالت : وهب لا تلمني إن واعية الحسين كسرت قلبي , ثم قال لها : ارجعي الى خدرك , فلم ترجع لأنها مدهوشة ... أقبل وهب الى الحسين وقال له : سيدي ارجعها . فجاء إليها الحسين وأرجعها , فحمل وهب على القوم وجعل يقاتل حتى قتل منهم مقتلة عظيمة , فتعطفوا عليه أعداء الله وقتلوه واحتزوا رأسه رموا به نحو معسكر الحسين , فأخدته أمه ووضعته في حجرها وجعلت تقول : بني وهب بيض الله وجهك ... , وحملت على القوم وجعلت تقول :

أنا عجوز في النسا ضعيفه     خـاوية بـالـية نحيفة

اضـربكم بـضربة عنيفة     دون بني فاطمة الشريفة (1)

يقول الراوي : فأصابت رجلين فقتلتهما , نظر الحسين عليه السلام وإذا بامرأة تقاتل فعندها أقبل إليها وقال لها : يا ام وهب ارجعي الى الخدر .

كتب القتل والقتال علينا     وعلى المحصنات جرّ الذيول

(1) توضيح ذكر صاحب الإبصار أن صاحبة الرجز هي ام عمرو بن جنادة وإن ام وهب قتلها رستم غلام الشمر بعمود والله أعلم .

( 203 )

اقول : سيدي أبا عبدالله أشفقت على امرأة عجوز برزت بين العساكر !! إذاً كيف حالك وما كنت صانعاً لو نظرت الى حال مخدراتك وقد أحاط بهن العدو من كل جانب ومكان , وهن يلذن ببعضهن وقد أشعلوا النار في خدورهن فخرجن من الخدور ناشرات الشعور مشققات الجيوب .

لقد فزعت من هجمة الخيل ولها     الـى ابـن ابيها وهو فوق الثرى مغف

ونـادت عليه حين الفته عارياً     على جسمه تسفى صبا الريح ما تسفي (1)

(1)
(عاشوري)
لـمن لـفتها الخيل غاره      وعلى  المخيم غدت داره
طـلعت  تـحشم للمعارة      شـافت وليها البي نماره
عالگاع  دم نحرة ايتجارة      صاحت يابن حمّاي جاره
گوم  الخواتك سوي چاره      ولتها العدى وظلت حياره
(ابوذية)
انگطع بت گلبي من الحزن والتل     على الهامت ابذاك الشعب والتل
گـوم احمي الحرم يحسين والتل     جبتـها ابشــيمتك للغاضرية
(تخميس)
أخي يا تاج عزّي وافتخاري     ويا بدر المنير لكل ساري
أخي كيف السلوّ وأنت عار
أخي لم لا يفارقني اصطباري     ومم وكيف لا يعلوا نحيبي

( 204 )

المطلب التاسع والثلاثون

في ترجمة حبيب بن مظاهر رحمه الله

ذكر صاحب «إبصار العين» انه كان حبيب بن مظاهر الأسدي (1)صحابياً , وقيل : تابعياً , وكان من خواص أمير المؤنين عليه السلام , والمقتبسين علومه , فمن علومه ما رواه الكشّي , قال : مر ميثم التمار (2) على فرس له فاستقبله حبيب بن مظاهر عند

(1) في ابصار العين : حبيب بن مظهر : قال أهل السير إن حبيباُ نزل الكوفة وصحب علياً في حروبه كلها , وكان من خاصته وحملة علومه .
انظر : إبصار العين : 56 , وتاريخ من دفن في العراق من الصحابة .
(2) ميثم التمار : كان من حواري أمير المؤمنين عليه السلام , وقد أطلعه على علوم جمة وأسرار خفية , فكان ميثم يحدث ببعض ذلك , فمنه ما يروى عن أبي خالد التمار قال : كنت مع ميثم التمار بالفرات يوم الجمعة , فهبت ريح وهو في سفينة من سفن الرمان , قال : فخرج ونظر الى الريح وقال : شدوا برأس سفينتكم , أن هذا الريح عاصف مات معاوية الساعة , قال : ولما كانت الجمعة القادمة وقدم البريد من الشام فلقيته واستخبرته وقلت له : يا عبدالله ما اللخبر ؟ قال : الناس على احسن حال , هلك معاوية وبايع الناس يزيداً . قلت : أي يوم هلك ؟ قال : يوم الجمعة .
وروى المفيد وقال : كان ميثم الثمار عبداً لأمرأة من بني أسد فاشتراه أمير المؤمنين عليه السلام وأعتقه وقال : اسمك ؟ فقال : سالم , فقال عليه السلام : أخبرني حبيبي رسول الله صلى الله عليه واله وسلم إن اسمك الذي أسماك به أبوك ميثم . قال : صدق رسول الله وصدقت يا أمير المؤمنين والله أنه لاسمي ؛

( 205 )

مجلس بني أسد , فتحادثا حتى اختلفت أعناق فرسيهما , فقال حبيب: لكأني بشيخ اصلع ضخم البطن يبيع البطيخ عند سوق الطعام يصلب في حب آل البيت نبيه وتبقر بطنه على الخشبة ؛ وقال ميثم : واني لأعرف رجل أحمر له ضفيرتان يخرج الى نصرة ابن بنت نبيه فيقتل بين يديه ويجال برأسه في الكوفة معلق بلبان الفرس ؛ فضحكا وافترقا . قال أهل المجلس : ما رأينا أحد أكذب من هذين .

قال الراوي : ولم يفترق أهل المجلس حتى اقبل رشيد الهجري (1)

فقال عليه السلام : ارجع الى اسمك الذي سماك به رسول الله ودع سالماُ . فرجع الى ميثم وكنى بأبي سالم .
وقال له أمير المؤمنين عليه السلام يوماً : كيف بك يا ميثم إذا دعاك دعي بني أمية عبيدالله ابن زياد إلى البراءة مني ؟ قال : فقلت : يا أمير المؤمنين والله لا أبرء منك : قال عليه السلام : إذا والله يقتلك ويصلبك , قلت : اصبر فذاك في الله قليل . فقال : إذاً تكون معي في درجتي .
وحج ميثم في السنة التي قتل فيها , ولما رجع قبضه ابن زياد وحبسه مع المختار ابن ابي عبيدة الثقفي , ثم أخرجه وصلبه على خشبة حول باب عمرو بن حريث فجعل ميثم يحدث بفضائل أمير المؤمنين , فقيل لابن زياد : قد فضحكم هذا العبد , قال : الجموه , فكان ميثم أول من الجم في الاسلام , ولما كان اليوم الثامن طعن بالحربة ثم انبعث في آخر النهار فمه وانفه دماً فمات رحمه الله , كان قتله بعد شهادة مسلم بأيام قليلة , قال : وبقي مصلوباً حتى اجتمع سبعه من التمارين وسرقوا جثته , وجاءوا به الى فيض ماء في مراد فدفنوه ورموا الخشبة في خربة هناك . انظر رجال الكشي : 80/135 و83/139 .
(1) كان رشيد الهجري من رجال أمير المؤمنين عليه السلام , ومن أعيان الشيعة المشهورين , وكان أمير المؤمنين عليه السلام يسميه رشيد المنايا , علمه أمير المؤمنين علم المنايا والبلايا , كان يقول : فلان يموت بموته كذا وكذا , وفلان يقتل بقتله كذا وكذا .
روى الشيخ الكشي رحمه الله في رجاله عن ابي حيان البجلي , عن قنواء بن رشيد الهجري رحمه الله , قال : قلت لها : اخبريني بما سمعت من أبيك , قالت : سمعت أبي يقول : أخبرني مولاي أمير المؤمنين عليه السلام قال : يا رشيد كيف صبرك إذا ارسل إليك دعيّ بني أمية فقطع يديك .

( 206 )

فطلبهما , فقالوا : له : افترقا وسمعناهما يقولان كذا وكذا , فقال رشيد : رحم الله ميثماً , نسي ويزاد في عطاء الذي يجيء بالرأس مائة درهم , ثم أدبر .. فقال القوم : هذا والله اكذبهم .

فقال القوم : والله ما ذهبت الايام واليالي حتى رأينا ميثماً مصلوباً على باب عمرو بن حريث , وكذلك قتل حبيب بن مظاهر مع الحسين عليه السلام وجيء برأسه , ورأينا كلما قالوه (1) .

وذكر أهل السير : ان حبيب بن مظاهر كان ممن كاتب الحسين عليه السلام وحبّذ له القدوم الى الكوفة , وكان رحمه الله هو ومسلم بن عوسجة يأخذان البيعة للحسين في الكوفة , حتى إذا دخل عبيدالله ابن زياد الكوفة وخذل أهلها عن مسلم بن عقيل أخفوهما عشايرهما , ولما ورد الحسين عليه السلام كربلاء خرجا إليه مختفيين يسران الليل ويكمنان النهار حتى وصلى إليه ليلة السابعه أو الثامنة من المحرم .

وذكر صاحب «أسرار الشهادة» : انه لما نزل الحسين عليه السلام كربلاء عقد اثني

ورجليك ولسانك ؟ فقلت : يا أمير المؤمنين آخر ذلك في الجنة ؟ فقال عليه السلام : يا رشيد أنت معي في الدنيا والآخرة .
قالت : فوالله ما ذهبت الايام والليالي حتى أرسل إليه عبيد الله بن زياد فدعاه الى البراءة من أمير المؤمنين عليه السلام فأبى أن يتبرأ منه , فقال له الدعي : فأي ميتة قال لك مولاك تموت ؟ فقال : أخبرني خليلي إنك تدعوني الى البراءة منه فلا أتبرأ , فتقدمني قتقطع يدي ورجلي ولساني , فقال : والله لأكذبن قوله فيك . قالت : فقدموه فأمر به فقطعت يده ورجليه وترك لسانه , فحملت أطراف يديه ورجليه فقلت له : يا أبتاه هل تجد ألماً أصابك ؟ فقال : لا يابني إلا كالزحام بين الناس , فلما احتملناه واخرجناه من القصر اجتمع الناس حوله , فقال : ائتوني بصحيفة ودواة أملي لكم ما يكون الى يوم الساعة ! فأرسل إليهم الحجام فقطع لسانه فمات في ليلته رحمة الله عليه , انتهى . انظر رجال الكشي : 75 /131 .
(1) رجال الكشي : 78 / 133 .

( 207 )

عشر راية وقسمها على أصحابه , فبقيت في يده راية واحدة فأقبل إليه رجل من أصحابه فقال له : سيدي سلمني هذه الراية , فقال له الحسين عليه السلام : انت نعم رجل ولكن لهذه الراية رجلاً يركزها في صدور القوم وهو يعرفني حق المعرفة وسأكتب إليه كتاباً يأتي ان شاء الله تعالى ؛ فقال له : سيدي ومن تعني بذلك ؟ فقال له عليه السلام : أعني حبيب بن مظاهر الأسدي , فقال : انه لكفؤ كريم .

قال الراوي : ثم دعى الحسين عليه السلام بدواة وبياض وكتب إليه كتاباً يقول فيه :

بسم الله الرحمن الرحيم

من الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام ...

إلى أخيه النجيب حبيب ...

أما بعد ... يا حبيب فقد نزلنا كربلاء وقد بانت من أهل الكوفة الخيانة كما خانوا بأبي سابقاً , وبأخي لاحقاً , فإن كنت يا حبيب تروم أن تحظى بالسعادة الأبدية فبادر الى نصرتنا والسلام .

ثم ختم الكتاب بخاتمه الشريف ودفعه الى رجل من أصحابه فأقبل به يجد السير حتى دخل الكوفة , وكان حبيب حينئذ قد قدّمت اليه زوجته طعاماً يتغذّى به وهي واقفة على رأسه تروح له , فبينا هو يأكل تغير لونه , فقالت له زوجته : مالي أراك كففت عن الاكل وتغيّرت ؟! فسكت رحمه الله , ثم قالت : إن صدق ظني الان يأتيك رسولاً من الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام , فبينا هما بالكلام وإذا بالباب تطرق فقام حبيب وفتح الباب , وإذا برسول الحسين عليه السلام سلم فرد عليه السلام ثم قال : الله الله صدقت الحرة بمقالاتها , ثم دخل الرسول الى الدار وخرج الكتاب وسلمه الى حبيب .

فضه وقرأه , ولما علم بما فيه جرت دموعه على شيبته ووضع الكتاب على عينيه وعلى رأسه وقال : أفديه بنفسي وأهلي وولدي , ثم قال لرسول , ابلغ سيدي عني السلام وقل له يأتي خلفي ان شاء الله .

( 208 )

ثم خرج الرسول من عنده فجاءت اليه زوجته وقالت له : يا أبا القاسم سمعت كلمات حدثك به الرسول , فقال حبيب : اسكتي لا يشعر بسرّنا أحد , فقالت له : كأنّك خائف من أخبر أحداً , والله يا حبيب إن لم تمض الى نصرة سيدي ومولاي الحسين عليه السلام لألبسن ملبوس الرجال وأنا أمضي الى نصرته .

قال الراوي : وكان حبيب في كل يوم يخرج خارج البساتين في زي المتنزه فالتفت ذلك اليوم الى عبده وقال له : خذ الجواد وامض به خارج البساتين وانتظرني هناك , فخرج العبد بالجواد فودع حبيب أهله واولاده ثم خرج حتى إذا صار قريباً من العبد يخاطب الجواد وهو يقول : والله إن لم يأت إليك صاحبك ويركبك لأنا أركبك وأمضي الى نصرة سيدي ومولاي الحسين .

فلما سمع حبيب ما سمع من العبد بكى وقال : بأبي أنت وامي يا أبا عبدالله العبيد تريد نصرتك ومؤازرتك فكيف بنا ؟

قال : فجاء إليه حبيب وأخذ منه الجواد وقال له : انطلق أنت حر لوجه الله , فوقع العبيد على قدميه وهو يقول : سيدي أيسرك أن تمضي الى الجنة وانا أمضي الى النار ؟ لا كان ذلك أبداً بل أمضي معك الى نصرة سيدي ومولاي الحسين عليه السلام , فقال له حبيب : امض بارك الله فيك .

قال : فجاء حبيب يجد السير ومعه عبده حتى ورد كربلاء في اليوم الثامن من المحرم , وكان الحسين عليه السلام جالساً في خيمته ومعه أخوته وأولاده وأصحابه , إذ التفت الى اصحابه وقال لهم : هذا حبيب قد أقبل , ثم إنه لما قرب من خيم الحسين عليه السلام نزل من على ظهر جواده الى الأرض وأقبل يمشي حتى دخل على الحسين عليه السلام ووقع على قدميه يقبلهما وهو يبكي ويقول : سيدي لعن الله غادريك .

قال : واستبشر أصحاب الحسين بقدوم حبيب , وكذلك عيالات الحسين استبشرن بقدومه .

(للشيخ قاسم محي الدين رحمه الله) :

(  209 )

بـنفسي أنـصاراً فـدوا سبط أحمد      وجـدوا  بنصر السبط في كل مشهد
وفـوا  حـيث وافوا طالبين ليصره      وبـالـعزم كـل الـبسالة مـرتدي
وقـد آثـروا الـموت الزؤام وورده      بنصر ابن هاديها على كل مورد (1)

(1)
گام ابـنة الـوصي الـبيه الـكفاية      عـدل  عـسكره او شـد الـروايه
جـسمها  اعلى اهلها او بگت رايه      ذاخـرها  لـعد ضـنوة الـطيبين
ذاخـرهـا  لـعـد ذاك الـمچنـه      حـبيب اولـيه الـطارش من تعنة
طـلع  لـيه ايـتلگه وجـذب ونّه      يگلـه انـته يطارش مگصدك وين
يگلـه  وينحب الطارش على الباب      الـك گاصـد و مـتعني ابهالكتاب
گلـه  اسـدر او دمع العين سچاب      لـبو اليمة أجي على الراس والعين
هـله  صاحت حبيب احسين ينخاك      أظـن بـالغاضريه الـيوم يـتناك
بالله اعـليك اخـذني الزينب اوياك      اشـوفـنها وشــوف الـهاشميين
يگلـها الـهلچ روحي امودعه اليوم      گطع لرض الطفوف افجوع واحزوم
وصـل للطف وشاف الخيل والگوم      كـلها امـدرچله او خيمت صوبين
گصد  يبچي او يهل دمعه على خده      لـمـخيم  الـحسين اويـاه عـبده
حـب ايـد الامـام او فـاخ وجده      هـله ابـجية حبيب ايصيح لحسين
ولما سمعت بذلك مولاتنا زينب عليها السلام قالت : اقرؤه عني السلام , ولمّا بلغه ذلك استأذن من الحسين عليه السلام في السلام على بنات الرسالة وقال : السلام عليكن يا بنات رسول الله , وعليك السلام يا عم يا حبيب وكأني بها :
(نصاري)
اوصيك يا عمي بالحسين     اولاده واهـل بيـته قلـيلين
انا خايفه من هجمة البين     على العباس يا عمي والحسين
(تخميس)
رجال  تواصوا حيث طابت أصولهم      وأنـفسهم بالصبر حتى قضوا صبراً
حـماة حـموا خـدراً أبى الله هتكه      فـعـظمه  شـأنـاً وشـرّفه قـدرا
فـأصبح  نـهباً لـلمغاوير بـعدهم      ومنه بنات المصطفى ابرزت حسرى

( 210 )

المطلب الأربعون

في استنصار حبيب بن مظاهر لبني أسد

ذكر صاحب « أسرار الشهادة » : ان حبيب بن مظاهر كان ذات يوم بالكوفة واقفاً عند عطار يشتري صبغاً لكريمته , فمر عليه مسلم بن عوسجة فالتفت إليه حبيب وقال له : يا مسلم إني أرى أهل الكوفة يجمعون الخيل والرجال والأسلحة فبكى مسلم وقال : صمموا على قتال ابن بنت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ؛ فبكى حبيب ورمى الصبغ من يده وقال : لا والله لا تصبغ هذه إلا من هذه . وأشار إلى نحره ثم سار حتى وافى كربلاء .

وذكر محمد بن أبي طالب في مقتله : إنه لمّا رأى حبيب بن مظاهر كثرة العساكر وتصميمهم على حرب الحسين أقبل الى الحسين وقال له : سيدي ان هاهنا حي من بني أسد أفتأذن لي أن أمضي إليهم وأدعوهم الى نصرتك ؟ فقال له الحسين عليه السلام: بلى امض . فانسل حبيب في جوف الليل حتى إذا جاء الى ذلك الحي اجتمعوا عليه ورحبوا به , ثم قالوا له : ما حاجتك ؟ فقال : إني أتيتكم خير ما أتى به وافد على قومه , جئتكم أدعوكم الى نصرة ابن بنت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم , وهذا ابن سعد أحاط به وأنتم عشيرتي أطيعوني تنالوا شرف الدنيا والآخرة , والله لا

( 211 )

يقتل احد منكم إلا وكان لمحمد صلى الله عليه واله وسلم رفيقاً يوم القيامة .

فقام إليه رجل يسمى عبدالله بن بشير , فقال : يا حبيب أما أنا فأول من يجيبك الى هذه الدعوة , وها أنا ماض معك . قال : فتبادروا حتى اجتمعوا تسعون رجلاً وأقبلوا معه يريدون الحسين عليه السلام .

قال : وخرج رجل من ذلك الحي وأقبل الى ابن سعد فأخبره , فدعى اللعين بالأزرق الشامي وضم إليه خمسمائة فارس ووجّههم معه الى بني أسد , فاستقبلهم الأزرق ليلاً على شاطيء الفرات , فتصادموا معه بنو أسد سويعة , وصاح به حبيب : ويحك يا أزرق دع يشقى بنا غيرك ؛ قال : ولمّا رأوا بنو أسد أن لا طاقة لهم على القوم تراجعوا الى حيّهم ورحلوا عن منازلهم , وبقي حبيب وحده فرجع الى الحسين عليه السلام وأخبره بالخبر , فقال الحسين : انا لله وانا اليه راجعون , وما تشاؤون إلا ان يشاء الله , ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .

قال الراوي :

واعترضه علي الاكبر فقال : يا عم حبيب أن أهل الكوفة قد تألبوا لقتال أبي الحسين واستلوا سيوفهم عليه , ونحن اسرة قليلة لا تنهض بالدفاع عنه ولا عن سلامته , فلو إن أبي يسلم ونحن نقتل ما بالينا بالموت , فالله في هذه النسوة والأطفال إذا جن عليهم الليل وهم من غير محام ولا كفيل ولا حمى ولا ولي .

فأطرق حبيب رأسه الى الارض هنيئة ثم رفع رأسه وقال : ما الذي تريد يابن سيدنا ؟ قال : اريد منك ان تشير على والدي بالرجوع الى المدينة .

فقال حبيب : هيهات يابن سيدنا قد جرى في علم الله ما تحاذر , ولأجل أبيك طلّقنا حلائلنا وفارقنا أهالينا وأعرضنا عن زهرة دنيانا , أما عمك حبيب

(  212 )

فشيخ كبير قد أعرض عنه النعيم الفاني , أفلا تحب أن يرحل إلى النعيم الباقي ؟ وما أشوقني أن أكون أول قتيل بين أيديكم ولا أسمع واعيتكم ولا أرى هاشمية تسبى .

فقال علي بن الحسين : أما أنت يا عم فقطب رحاها وليث وغاها وأنا إنما استعملت خبرك بكلامي معك لأواجه به عمتي زينب , فإنها قالت لي , يابن أخي إن أباك الحسين خطب أصحابه وأذن لهم بالتفرق والموت , يابن أخي مر وكرته مطعمه أفلا تتعرض لعمك حبيب وترى ما عنده ؟ وبقي حبيب على هذا الحال , وكان حبيب بواباً على خيمة الحسين عليه السلام وحاملاً لوائه يوم عاشوراء .

قال : ولما كان اليوم العاشر من المحرم جلس حبيب بإزاء خيمة النساء واضعاً رأسه في حجره يبكي ثم رفع رأسه وقال : آه آه لو جدك يا زينب يوم تحملين على بعير ظالع يطاف بك البلدان ورأس أخيك الحسين أمامك , وكأني برأسي هذا معلق بلبان الفرس تضربه بركبتيها .

فضربت زينب رأسها بعمود الخيمة وقالت : بهذا أخبرني البارحة , لوددت أن أكون عمهاء (1) .

ثم جاء حبيب واستأذن الحسين عليه السلام للبراز , فأذن له , فحمل على القوم وهو يقول :

أقسم لو كنّا لكم أعدادا     أو شطركم وليتم اكتادا (2)

ثم قاتل القوم فأخذ يحمل فيهم بسيفه وهو يقول:

(1) عمهاء : من العمة , (انظر لسان العرب 13 / 519 ) .
(2) اكتاد جمع كتد وهو مجتمع الكتفين من الانسان وغيره انتهى .

( 213 )

أنـا حـبيب وأبي مظهر      فارس هيجاء وليث قسور
أنـتم أعـد عـدة وأكثر      ونحن أوفى منكم واصبر
ونحن أعلى حجة وأظهر      حقاً  , وأتقى منكم وأعذر

ولم يزل يقاتل حتى قتل من القوم مقتلة عظيمة , فحمل عليه بديل بن صريم العقفاني (1) فضربه بسيفه , وحمل عليه آخر من تميم فطعنه برمح فوقع على الأرض , فذهب ليقوم فضربه الحصين بن تميم على رأسه بالسيف فسقك الى الارض , فتزل اليه الحصن فاحتزّ رأسه .

وروى عن أبي مخنف قال : لما قتل حبيب هد قتله الحسين عليه السلام , فجاء الى مصرعه وقال : عند الله احتسب نفسي وحماة اصحابي , إنا لله وإنا إليه راجعون , فقتل والله أسد من آساد الله , يذب عن حرم الله , رحمك الله يا حبيب , لقد كنت شجاعاً فاضلاً تختم القران في ليلة واحدة (2) .

وفي ذلك يقول الشيخ محمد السماوي رحمه الله :

إن يـهد الحسين قتل حبيب      فـلقد  هـد قـتله كل ركن
بطل  قد لقى جبال الاعادي      مـن  حـديد فردها كالعهن
لا يبالي بالجمع حيث توخىّ      فهو ينصب كأنصاب المزن
أخـذ الـثار قبل أن يقتلوه      سـلفاً مـن مـنية دون منّ
قـتلوا  مـنه للحسين حبيباً      جامعاً  للفعال من كل حسن

(فائدة) : وإنما دفنت بنو أسد حبيباً عند رأس الحسين عليه السلام اعتناء به , أو

(1) العقفاني بالعين المهملة والقاف والفاء نسبة الى عقفان بضم العين وهو (حي من خزاعة) .
(2) مقتل أبي مخنف : 145 ـ 147 .

( 214 )

ولكونه كان يوم الطف بوّباً على خيمة الحسين عليه السلام , وكان لحبيب أولاد ثلاثة : محمد وعبدالله والقاسم أكبرهم , ولمّا أن سمعت زوجته بقدوم السبايا وأنهم دخلوا الكوفة دعت ولدها القاسم وقالت له : ولدي إنطلق الى السبايا وقل لهم إن أمي تقول: أبي حبيب بيّض وجوهنا أم لا؟

فأقبل الغلام حتى قرب من السبايا فرأى رأس أبيه معلّق بلبان الفرس , فجعل يصرخ ويبكي , ثم أقبل على الموكل برأس أبيه وقال له : إدفع لي هذا الرأس وأنا إعطيك مقداراً من الدنانير .

فقال اللعين : إن جائزة الأمير خير لي . ولما قاربوا دار حبيب رفع الغلام حجراً وضرب رأسه , ودخل على امه باكياً يصيح : امّاه قومي واستقبلي رأس أبي . فخرجت أمه ولما رأت رأس زوجها معلق بلبان الفرس صاحت : حبيب بيّض الله وجهك كما بيّضت وجهي عند الزهراء عليه السلام .

ويروى إن القاسم سأل عن قاتل أبيه فعرفوه , فجعل يتربّص به الدوائر مدّة من الزمن إلى زمن مصعب بن الزبير , فلما غزا مصعب باجميرا (1) جاء القاسم ودخل في معسكر مصعب , فإذا قاتل أبيه في فسطاطه نائماً فجثى القاسم على صدره فانتبه اللعين , فقال له القاسم : أتعرفني من أنا ؟ قال : لا , قال : أنا ابن حبيب بن مظاهر , فعرفه , ثم إن القاسم إحتزّ رأسه وأقبل به حتى دخل على مصعب بن الزبير فوقف أمامه وقال له : إعلم يا أمير ما نامت عيناي منعمة إلي إن أخذت ثاري

(1) باجمير الباء المفردة والجيم المضمومة والميم المفتوحة والياء المثناة والراء المهملة والألف المقصورة موضع من أرض الموصل كان مصعب ابن الزبير يعسكر في محاربه عبدالملك بن مروان حين يقصده من الشام أيام منازعتهما في الخلافة . انظر معجم البلدان : 1 / 314

( 215 )

من قاتل أبي , فقال له : من أنت ؟ قال : أنا ابن حبيب بن مظاهر , فشكره ابن الزبير على صنعه وأطلقه .

أقول : أجل ومتى يؤخذ بثار الحسين عليه السلام :

متى ينجلي ليل النوى عن صبحه      نرى الشمس فيها طالعتنا من الغرب (1)

(1)
(موشّح)
بـحشاك  الـنوايب خـلفت شـطّار      والـهم جـرح دلّالـك يـراعي الثار
اول جـرح كـسر الـضلع والبسمار      ومـغـيبك يـبـدر الـعصر تـاليه
متى  اتگوم او تجرد السيف من غمدة      ونـشـوف  الـمنايا اتـلوح ابـحده
حـيدر  مـن سـجد مـا تمم السجده      وبـن مـلجم جـسم هـامته ابماضيه
دلالـك تـمرمر لـون مـن مـرمر      چان  انـفطر من عظم الصبر وتفطّر
مـن تـذكر امـصاب الحسن تتحسّر      يـالصاحب اومـن تـسمع ابـطاريه
مـهر  احـسين انشده امن انچتل يمه      چلـه  اشـلون بالطف طاح ابو اليمه
يـخربرك مـن تـحنت چصته ابدمه      وســدّر يـصهل او زادت بـواچيه
گلـبك  خـلص من كثر الهضم والهم      مـن  خلصوا هلك ما بين چتل و سم
حـتى  الـطفل يوم الطف سبح بالدم      يـالغايب  شـله ويـالگوم مـن سيه
متى يابن الحسن تنهض او يمته اتگوم      او  تـاخذ ثـار طـفل البسهم مفطوم
يـا  يـوم الـمبارك يـا بدر مخزوم      تـروي الـسيف بـالدم من بني اميه
* * *
ادرك تراتك أيها الموتور     فلكم بكل يد دم مهدور
ما صارم إلا وفي شفراته     نحر لآل محمد منحور

( 216 )

المطلب الواحد والأربعون 

في ترجمة العباس بن علي بن أبي طالب عليهم السلام

ولد العباس بن علي عليه السلام سنة ست وعشرين من الهجرة (1), وامّه ام البنين فاطمة بنت حزام الكلابية , وقد أشار عليه عقيل بأخذها كما رواه السيد الداودي في العمدة , قال :

إن أمير المؤمنين عليه السلام قال لأخيه عقيل ـ وكان نسّابه عارفاً بأخبار العرب وأنسابهم ـ : اريد منك أن تختار لي امرأة من ذوي البيوت والشجاعة , حتى اصيب منها ولداً ينصر ولدي الحسين بطف كربلاء , فأطرق عقيل برأسه إلى الارض هنيئة , ثم رفع رأسه وقال له : أخي أين أنت عن فاطمة بنت حزام الكلابية , فإنه ليس في العرب اشجع من أبنائها (2) .

وفي آبائها يقول لبيد للنعمان ملك الحيرة :

نحن بنو ام البنين الأربعة     ونحن خير عامر بن صعصعه

الضاربين الهام وسط المعمعه

(1) انظر بحار الانوار : 45 .
(2) عمدة الطالب : 357 (بتصرف) .

( 217 )

فلا ينكر عليه أحد من العرب , ومن قومها ملاعب الأسنة أبو برآء (1)الذي لم يعرف في العرب مثله في الشجاعة , والطفيل بن مالك فارس فرزل (2), وابنه عامر ابن الطفيل فارس للزنوق (3).

قال : فتزوجها أمير المؤمنين عليه السلام فولدت له أربعة أولاد أنجبت بهم , وأول ما ولدت العباس , وبعده عبدالله , وبعده جعفر , وبعده عثمان (4), وعاش العباس مع أبيه أربعة عشر سنة , ومع أخيه الحسن أربعة وعشرين سنة , ومع أخيه الحسين أربع وثلاثين سنة , وذلك مدة عمره وكان يلقب قمر بني هاشم , ويكنى أبا الفضل , وقال المؤوخين : حضر العباس بن علي بعض حروب أبيه كالجمل وصفّين والنهروان ولم يقاتل , وكان يقال له السقّا .

ويروى ان امير الؤمنين عليه السلام كان جالساً في المسجد وحوله الحسن والحسين عليهما السلام والعباس , وإذ عطش الحسين عليه السلام فقام العباس وهو صبي صغير وجاء الى ام البنين فقال لها : امّاه إن أخي الحسين عطشان , فقامت فاطمة ام البنين وملئت له الركوة ووضعتها على رأس العباس , فجاء به الى المسجد والماء يتصبب على كتفيه حتى جاء به الى الحسين , فلما رآه امير المؤمنين عليه السلام صاح : ولدي عباس أنت ساقي عطاشا كربلاء ؛ فسمي عند ذلك السقّاء .

ويقال إن أمير المؤمنين عليه السلام لما عممه ابن ملجم (لعنه الله) بسيفه وحضرته

(1) انظر بطل العلقمي : 1 / 121 .
(2) اسم فرس له , والفرزل : الضخم , وقيل : القيد، وقيل: المقراض (وهو الذي يقطع به الحداد الحديد) : و الرجل الفرزل : كالقنفذ الضخم . تاج العروس : 8 / 57 , ولسان العرب : 11 / 518 , وانظر ما كتبه الشيخ المظفر في ترجمته في كتاب بطل العلقمي : 1 / 118 .
(3) اسم فرس له
(4) انظر بطل العلقمي : 1 / 91 .

( 218 )

الوفاة , جمع أولاده وجعل يوصيهم واحداً بعد واحد , ثم دعى العباس وأوصاه بوصيّة خاصّة , فقال له : « ولدي أبا الفضل إذا كان يوم عاشوراء وملكت المشرعة لا تشرب الماء وأخوك الحسين عطشاناً » .

قال : ولما كتب ابن سعد الى ابن زياد كتابه الذي يقول فيه : « الحمد لله الذي أطفأ النائرة , وجمع الكلمة , وأصلح أمر الأمة , وهذا الحسين قد اعطاني عهداً أن يرجع إلى المكان الذي أتى منه » . فقام إليه شمر ابن ذي الجوشن وتلكم بما ذكرنا آنفاً , وكتب الى ابن سعد يعرض على الحسين عليه السلام النزول على حكمه ... إلى آخر الكتاب . فقام إليه عبدالله ابن أبي المحل بن حزام بن خالد ـ وكانت عمته ام البنين ـ فطلب من عبيد الله كتاباً فيه أماناً للعباس وأخوته , فكتب عبيدالله له كتاباً فيه أماناً للعباس وأخوته وسلّمه الى الشمر فجاء به الى كربلاء .

ولما كان اليوم التاسع من المحرم ركب جواده وجاء حتى وقف إزاء خيم الحسين عليه السلام , وصاح : أين بنو اختنا , أين العباس وأخوته ؟ وكان العباس حينئذ جالساً بين يدي الحسين , فأطرق برأسه حياء من الحسين عليه السلام , فصاح الشمر ثانياً , وثالثاً , فالتفت الحسين إلى أخيه العباس وقال : أخي قم وانظر ما يريد هذا الفاجر ؛ فقام العباس وركب جواده وأقبل إليه وقال له : ما تريد يا ابن ذي الجوشن ؟ فقال : هذا كتاب من ابن زياد يذكر فيه إنك أنت الأمير على هذا الجيش , وأنت وإخوتك آمنون , فلا تعرض نفسك للقتل ؛ فقال له العباس : لعنك الله ولعن أمانك , أتؤمنا وابن رسول الله لا أمان له ؟! ويلك أفبالموت تخوفني ؟! وأنا المميت خوّاض المنايا , أأترك من خلقني الله لأجله وأدخل في طاعة اللعناء وأولاد اللعناء ؟! ويلك أنا أدعوك الى الجنة وأنت تدعوني الى النار ؟! يابن ذي الجوشن فأقبل نصيحتي , وكن مع غريب رسول الله ولك عند جده الجائزة العظمى .

فلما سمع الشمر كلام العباس لوى عنان جواده , ورجع ابو الفضل العباس

(  219 )

يتهدرس كالأسد الغضبان , استقبلته الحوراء زينب وقد سمعت كلامه مع الشمر , قالت له : يا أخي [اريد] ان احدّثك بحديث ؛ قال : حدّثيني يا زينب , لقد حلا وقت الحديث . قالت : اعلم يابن والدي لما ماتت امنا قال أبي لأخيه عقيل : اريد منك ان تختار لي امرأة من ذوي البيوت والشجاعة حتى اصيب منها ولداً ينصر ولدي الحسين بطف كربلاء , وقد ادّخرك أبوك لمثل هذا اليوم , فلا تقصر يا أباالفضل . فما سمع العباس كلامها تمطى في ركاب سرجه حتى قطعهما وقال لها : أفي مثل هذا اليوم تشجعيني وأنا ابن أمير المؤمنين عليه السلام , فلما سمعت كلامه سرت سوراً عظيماً .

بطل إذا ركب المطـهّم خلته     جبـلاً أسم يخف فـيه مطهم

بطل تورث من أبيه شجاعة     فيها أنوف بني الظلالة ترغم (1)

(1)
بـالطف  صـول العباس      صـولت عـلي الماصوفه
سـل  سـيفه وصرخ بيها      او  كـوّر عـسكر الكوفه
كــور كــل روايـاها      او عـملت بـدر راواهـا
چدسـهـا اوتـاه مـنواها      وبـالـمذهب  مـنـاياها
تـمـوج الـخيل خـلاها      او غـوجه ايخوض بدماها
الـملازم  والـزلم والخيل      طـواها عـلى الـمردوفة
شـبل  الـمرتضى الكرار      صول  على الخيل او غار
مـشهر صـارمه الـبتار      سـم  يگطـر ويلهب نار
بـالطف حـارب الـكفار      حرب  الماجره او لا صار
أبـدك  الـرمك ثار اغبار      مـنه  الـشمس مـكسوفه
سـم جـتال سـل او داي      مـا  خـلة بصير او داي
صال اعلى الشريعه احماي      صـاح  الـعلگمي بحماي

( 220 )e

(فائدة) : زوجته لبابة بنت عبيدالله بن العباس بن عبدالمطلب , كان له من الأولاد خمسة : عبيدالله والفضل والحسن والقاسم , وبنتاً . وعدّ ابن شهرآشوب في الطف ولد له وهم : محمد وعبيدالله والفضل أمهما لبابة بنت عبيدالله .

خـاضه والگلـب حمّاى      ذبّه او گال أضوگ الماي
او عـبدالله الطفل ظامي      او  روح الـسبط ملهوفه
سل  سيفه او لگف جوده      او رمـحه فصم اعجوده
وفـده مـن بـحر جوده      دون ابـن النبي او جوده
ابـغفله  گطـعوا ازنوده      او  طـر هامته ابعاموده
الكندي او جاه ابو السجاد      شـافه  المگطعه اچفوفه
او عـينه انطفت والهامه      ابـذاك  الـعمد مخسوفه
يروحي ويا ضوة اعيوني      نـاده او صـبن ادموعه
گلـت  حيلتي او صبري      او  عليه اتحنت اضلوعه
(عاشوري)
تخوصر يم عضيده وصاح اويلي     يشمس انهاري ويا بدر ليلي
يـبو فـاضل يخويه اگطعت حيلي     او طود الصبر من بعدك تهدم
(تخميس)
عباس يا حامي الضعينه والحرم     بحماك قد نامت سكينه بالخيم
صرخت ونادت يوم قد سقط العلم
الـيوم نـامت اعين بك لم تـنم     وتسهدت اخرى وعزّ منامها

( 221 )

المطلب الثاني والأربعون

في ترجمة العباس بن علي عليهما السلام ومصرعه

قال أهل السير : يروى عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال : « إن ولدي العباس زق العلم زقّا » (1) .

وذكر المؤرخون : إن العباس بن علي كان أعلم أصحاب الحسين عليه السلام يوم عاشوراء , وأضجعهم وأصلبهم إيماناً , وكان بطلاً , فارساً , وسيماً , جسيماً , بين عينيه أثر السجود , وكان إذا ركب الفرس المطهم يخطان رجلاه في الأرض خطاً .

وبلغ من شجاعته في كربلاء إن عمرو بن خالد الصيداوي , وسعداً مولى حسان بن الحارث , وجمع من عبيده العائدي , حملوا على أعدائهم فلما وغلوا فيهم عطفوا عليهم واقتطعوهم من أصحابهم وأحاطوا بهم , وقال ابن الأثير :

فانتدب لهم العباس بن علي عليه السلام وحده , وحمل على القوم ففرقهم واستنقذ أصحابه , فلما رآهم وكانوا قد جرحوا عدة جراحات , قويت به قلوبهم فتحاملوا بجراحاتهم وجعلوا يقاتلون القوم حتى رجع العباس إلى موقفه .

ومن صلابة إيمانه أنه عليه السلام لما ضاق صدره [كان] ـ ونظر إلى حالة أخيه الحسين عليه السلام , وحالة أصحابه , وحالة عيالاته ـ ينظر الى الحسين عليه السلام فيشاهده

(1) انظر أسرار الشهادات (للدربندي) : 324 , (الطبعة الحجرية) .

( 222 )

حزيناً كئيباً , وينظر أصحاب أخيه فيشاهدهم مجزرين كالأضاحي , وينظر عيالاته فيشاهدهن يتصارخن من شدّة العطش , سئم الحياة ومنعه إيمانه أن يبرز بلا رخصة من أخيه الحسين عليه السلام , فجاء الى الحسين عليه السلام وقال له , أخي قد ضاق صدري وسئمت الحياة واريد أن أطلب بثاري من هؤلاء المنافقين , فهل لي من رخصة ؟ فقال الحسين عليه السلام : أجل اطلب لهؤلاء الأطفال قليلاً من الماء ؛ فذهب الى القوم ووعظهم وحذرهم فما افاد الوعظ ولا التحذير , رجع الى الحسين وسمع الاطفال ينادون العطش , أقبل الى الخيمة ـ ومعه الحسين عليه السلام ـ ليودع عياله ويأخذ القربة ليملأها لهم من الفرات , وقد كانت زينب قالت لاختها ام كلثوم : اخي في هذا اليوم كل فرد من أخوتنا إذا أراد البراز يأتينا الى المخيم ويودعنا , والان لم يبق من اخوتنا الا الحسين والعباس , فإذا جاء إلينا نقسم عليه بالجلوس فإذا جلسا خذي أنت بطرف رداء العباس وأنا آخذ بطرف رداء الحسين , ولا ندعهما يخرجان من الخيمة . فلما رأتهما الحوراء زينب أقسمت عليهما بالجلوس , فجلسا فقامت زينب وجلست الى جنب إخيها الحسين , وكذلك ام كلثوم [جلست] وبيدها رداء العباس وهن يبكين , فبينما هم في هذا ونحوه إذا المنادي ينادي : يا حسين ويا أبا الفضل جبنتما عن الحرب وجلستما بإزاء النساء , فنبض العرق الهاشمي بين عيني العباس , فاجتذب رداءه من اخته ام كلثوم وقام , فتعلقت به ام كلثوم , فناداها الحسين : اخيّه دعيه يمضي فقد اشتاق الحبيب الى حبيبه ؛ فصاحت زينب : أمري وأمركما الى الله , فقام العباس وركب جواده :

لا  تـنس للعباس حسن مقامه      بـالطف عـند الغارة الشعواء
واسـا  أخـاه بها وجاد بنفسه      فـي  سـقي أطفال له ونساء
رد الالـوف على الالوف معاً      رضاً حد السيوف بجبهة غراء

ويروى أنه سمع الاطفال ينادون العطش , رمق السماء بطرفه وقال : « الهي

(  223 )

اريد ان أعتد بعدتي , وأملأ لهؤلاء الاطفال قربتي » . فركب فرسه وحمل قربته على كتفه , وأخذ الرايه معه وقصد المشرعة , ونزل الى الفرات فلما أحس ببرد الماء وقد كضّه العطش , اغترف بيده غرفة ليشرب فذكر وصية أبيه أمير المؤمينين عليه السلام وتذكر عطش أخيه الحسين عليه السلام وعيالاته , رمى الماء من يده وقال : لا والله لا أشرب الماء وأخي الحسين عطشان , ثم جعل يقول :

يا نفس من بعد الحسين هوني     وبعده لا كنت أو تكوني

هـذا حـسين وارد الـمنون     وتشربيـن بـارد المعين

ثم ملأ القربة وحملها على كتفه وخرج من المشرعة , استقبله الكتائب وصاح ابن سعد : اقطعوا عليه طريقه , فلما رأى العباس عليه السلام ذلك حمل عليهم بسيفه وهو يقول :

إنـي أنا العباس اغدوا بالسقا     ولا أخاف الشر يوم الملتقى

نفسي لنفس الطاهر الطهر وقا     حتى أواري ميّتاً عند اللقا

فجعل يقاتلهم مقاتلة الأبطال في ذلك المجال , حتى قتل منهم جماعة , فبينما هو يقاتل فجاء سهم الى القربه فأصابها واريق ماؤها , فدمعت عيناه فوقف متحيراً , فبينما هو كذلك أذ أتاه السهم فوقع في عينه اليمنى , وضربه الحكيم بن الطفيل السنبسي على يمينه فقطعها , أخذ الواء بشماله وهو يقول :

والله إن قطعتموا يميني     إني احامي أبداً عن ديني

وعن امام صادق اليقين

فضربه زيد بن ورقاء الجهني على شماله فقطعها , فضم اللواء الى صدره ببقية يده وهو يقول :

يا نفس لا تخشي من الكفار      وأبـشري بـرحمة الجبار
مـع الـنبي سـيد الابرار      مع جملة السادات والأطهار
فـقد قطعوا ببغيهم يساري      فـأصلهم  يا رب حر النار

( 224 )

فحمل عليه رجل تميمي من أبناء ابان بن دارم وبيده عمود من حديد فضربه على ام رأسه , خر صريعاً إلى الارض ونادى بأعلى صوته : ادركني يا أخي , فانقض عليه الحسين عليه السلام كالصقر , فرآه مقطوع اليدين , مرضوض الجبين , السهم نابت في العين , المخ سائل على الكتفين , نادى : الان انكسر ظهري , الان قلت حيلتي , الان شمت بي عدوي .

ويقال : إنه عليه السلام أخذ رأسه ووضعه في حجره , وكان العباس مغمى عليه , أفاق فظن أن رجلاً من الأعداء يريد حز رأسه , فقال العباس عليه السلام : بالله عليك امهلني حتى يأتي إلي ابن والدي , فقال له الحسين عليه السلام : أخي أنا أخوك .

ثم أن الحسين وضع رأس العباس على الأرض, وقام ووضع يديه تحت ظهره أراد حمله إلى المخيم , فقال العباس: بالله عليك ألا ما تتركني في مكاني , فقال له الحسين عليه السلام: لماذا يا أخي ؟ فقال العباس : لحاليتين الاولى فقد نزل بي الموت الذي لابد منه , والثانية إني واعدت سكينة بالماء والان مستحي منها .

ثم فاضت نفسه الزكية , فقام الحسين عليه السلام من عنده وأقبل الى المخيم يكفكف دموعه بكمه لا تراه النساء , استقبلته سكينة فقالت له : أين عمي العباس ؟ لعله شرب الماء ونسي ما وراه ؛ فقال لها : بني عظم الله لك الأجر بعمك العباس , فصاحت : وا عماه وا عباساه , من للنساء الضائعات [من بعدك] :

عباس تسمع زينباً تدعوك من     لي يا حماي إذ العدى سلبوني

أو لست تسمع ما تقول سكينة     عمّـاه يوم الأسر من يحميني

(فائدة) : وفيه يقول : ـ رائياً ـ حفيده الفضل بن الحسن بن عبدالله بن العباس رضوان الله عليهما :

إنـي لأذكـر للـعباس موقفـه     بكربلاء وهام القوم تختطف

يحمي الحسين ويحميه على ظمأ     ولا يولي ولا يثني فيختلف

( 225 )

ولا أرى مشهداً يوماً كمشهده     مع الحسين عليه الفضل والشرف

أكرم به مشهداً بانت فضيلته     ومـا أضاع له أفـعالـه خـلف

(فائدة) : روى جماعة عن القاسم بن الأصبغ بن نباتة , قال : رأيت رجلاً من بني أبان بن دارم أسود الوجه , وقد كنت أعرفه قديماً شديد البياض جميلاً , فسألته عن سبب تغيره , وقلت له : ما كدت أعرفك ؟! فقال : إني حضرت كربلاء وقتلت وسيماً وجسيماً بين عينيه أثر السجود , فما بت ليلة منذ قتلته الى الان إلا وجائني ذلك الرجل بالنوم وأخذ بتلابيبي وقادني الى جهنم , فيدفني فيها فأضل أصيح فلا يبقي أحد في الحي إلا ويسمع صياحي وتنتبه الناس من نومها , قال الاصبغ : والمقتول هو العباس بن علي بن إبي طالب عليه السلام .

(فائدة) : وأنما دفن العباس في مكان مصرعه لأن بني أسد ما استطاعوا حمله لتوزيع أعضاءه كما إن الحسين عليه السلام لم يحمله على العادة كما كان يحمل القتلى .

(فائدة)

بذلت أيا عباس نفساً نفيسة     لنصر حسيـن عـز بالمجد عن مثل

أبيت التذاذ الماء قبل التذاذه     فحسن فعال المرء فرع عن الأصل (1)

(1)
(نصاري)
خـاض الـماي بـس هيّس ابرده      تـرس  چفـه ويروي عطش چبده
تـذكر لـن أخـوه حـسين بـعده      ذب الـماي مـن چفّـة اوتـحسّر
هـذا الـماي يجري ببطون حيّات      وضوگة  گبل اخوية احسين هيهات
اظـن طفله يويلي من العطش مات      وظـن مـوتي گرب والعمر گصر
شلون اشرب وخوي حسين عطشان      وسـكنه والـحرم واطفال رضعان
وظـن گلـب الـعيل التهب نيران      يـريت  الـماي بعد لا حله او مر

( 226 )

المطلب الثالث والأربعون 

في ترجمة علي الأكبر عليه السلام

روى ابن إدريس في السرائر , قال : ولد علي الأكبر بعد وفاة جده أمير المؤمنين عليه السلام بسنتين ؛ ورواره المفيد ايضاً في الارشاد .

وأمه ليلى بنت أبي مرة بن عروة الثقفي , وقيل : ولد في أوائل خلافة عثمان ؛ وروى الحديث عن جده أمير المؤمنين عليه السلام ؛ وكان أشبه الناس خلقاً ومنطقاً برسول الله صلى الله عليه واله وسلم .

هـمته  بس يوصل الماي لحسين      لا گامــن او گعــدن الچفـين
هـمته  اطـفال موته بالصواوين      عـطشان اگلوبهم تلهب امن الحر
اجـاه  الـسهم لـلگربه او فراها      وگف يـبچي وسـكنه مـا نساها
مـواعدها عـلى امـيّه لـحشاها      او  مـنها يـستحي لـلخيم يسدر
سمع حسّه الحسين او ركب وارزم      غـار  اعلى العده من باب المخيم
رد يـمّه او شـافه سـابح ابـدم      تـخوصر فوگ راسه والدمع خر
حـط راسه بحضنه او راد الوادع      شـاله  وتـربه عـباس بـالگاع
رد احـسين راسـه ابگلب مرتاع      شـالـه اردود لـلتربان والـحر
(تخميس)
نادى وقد ملأ البوادي صيحة     صـم الصخـور لهو لها تـتألم
أأخي من يـحمي بنات محمد     إن صرن يسترحمن من لا يرحم

( 227 )

وروى أبو الفرج الأصبهاني : إن معاوية ابن أبي سفيان قال يوماً : من أحق الناس بهذا الأمر ـ يعني ـ الخلافة ؟ فقال له جلساؤه : أنت ! قال : لا , إن أولى الناس بهذا الأمر علي بن الحسين الأكبر لأن جده رسول الله صلى الله عليه واله وسلم , وفيه شجاعة بني هاشم وسخاء بني أمية وزهو ثقيف .

وكانت تقصده الوفود والشعراء , فممّا مدح به قول الشاعر :

لـم  تـر عـين نظرت مثله      مـن محتف يمشي ومن ناعل
يـغلي  نـييء اللحم حتى إذا      انـضج  لـم يغل على الآكل
كــان إذا شـبّت لـه نـاره      يـوقـدها بـالشرف الـطائل
كـيما  يـراها بـائس مرمل      أو  فـرد حـي لـيس بالآهل
لا  يـؤثر الـدنيا عـلى دينه      ولا يـبـيع الـحق بـالباطل
أعني ابن ليلى ذاالسدى والندى      أعني ابن بنت الحسب الفاضل

وكان يكنى اباالحسن , ويلقب بالأكبر , ]لأنه أكبر[ أولاد الحسين عليه السلام على ما رواه صاحب كتاب « الحدائق الوردية » في قول العقيقي وكثير من الطالبية , لأن أولاد الحسين عليه السلام ثلاثة منهم اسمهم اسم أبيه علي عليه السلام .

وعن كثير ابن شاذان : شهدت علي الأكبر وهو إذ ذاك صبي وقد اشتهى عنباً في غير أوانه , فقال لأبيه الحسين : ابه إني اشتهيت عنباً ! فضرب الحسين عليه السلام على يده إلى إسطوانة المسجد فأخرج له عنباً وموزاً في غير أوانه ودفع إليه وقال له : ولدي كل من فضل ما أنعم الله علينا . ثم التفت إلينا وقال : ما عندالله لأوليائه أكثر .

وذكر أرباب التأريخ في تأريخهم وأجمعوا على أن علي الأكثر شابه جده رسول الله صلى الله عليه واله وسلم , لا بل شابح الأشباح الخمس وهم : رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وعلياً وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام , أما شباهته بجده رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فكان إذا تلى آية أو

( 228 )

روى رواية شابه رسول الله صلى الله عليه واله وسلم في كلامه ومقاله , بل وفي خلقه وأخلاقه .

يروى : إنه دخل رجل نصراني مسجد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فقال له الناس : أنت رجل نصراني اخرج من المسجد . فقال لهم : إني رأيت البارحة في منامي رسول الله ومعه عيسى ابن مريم , فقال عيسى ابن مريم : أسلم على يد خاتم الأنبياء محمد ابن عبدالله فإنه نبي هذه الأمه حقّا ؛ وأنا أسلمت على يده وأتيت الآن لاجدد اسلامي على رجل من أهل بيته . قال : فجاؤا به الى الحسين عليه السلام فوقع على قدميه يقبلهما , فلما استقر به المجلس قص له الرؤيا التي رآها في المنام فقال له : أتحب أن آتيك بشبيهه ؟ قال : بلى سيدي ؛ قال : فدعى الحسين عليه السلام بولده علي الأكبر ـ وكان إذ ذاك طفل صغير وقد وضع على وجهه البرقع ـ فجيء به إلى أبيه , فلما رفع الحسين عليه السلام البرقع من على وجهه ورآه ذلك الرجل وقع مغمى عليه , فقال الحسين عليه السلام : صبّوا الماء على وجهه , ففعلوا فلما أفاق إلتفت إليه الحسين عليه السلام وقال : يا هذا إن ولدي هذا شبيهاً بجدي رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ؟ فقال الرجل : اي والله ؛ فقال له الحسين عليه السلام : يا هذا إذا كان عندك ولد مثل هذا وتصيبه شوكة ما كنت تصنع ؟ قال : سيدي أموت ! فقال الحسين عليه السلام : أخبرك إني أرى ولدي هذا بعيني مقطّعاً بالسيوف إرباً إرباً .

وأما شباهته بجده أمير المؤمنين عليه السلام فإنه شابه عليه السلام بالإسم والكنية وبالشجاعة وتعصّبه للحق , وناهيك عن شجاعته عما رواه شيخنا أبو جعفر ابن بابويه القمي قال : ولما حمل عليه بن الحسين على القوم زحزحهم عن أماكنهم وأنهضهم عن مواضعهم , حتى قتل على عطشه مائة وعشرين رجلاً .

وروي : أنه لما حمل على القوم يوم عاشوراء اختلف العسكر فيه وأخذ أصحاب ابن سعد كل يسأل من صاحبه : ابن من هذا ؟! ومن يكون هذا الصبي ؟! وأما الذين هم آخر الجيش فقد أخذتهم الدهشة حتى ظنّوا أن أمير المؤمنين عليه السلام

(  229 )

قد خرج إليهم من قبره , فلما رأى علي بن الحسين عليه السلام ذلك جعل يرتجز ويقول :

أنـا عـلي بن الحسين بن علي     نحن وبـيت الله إولى بالنبي

أضربكم بالسيف أحمي عن أبي     ضرب غلام هاشمي علوي

فرجعت الخيل تسحق بعضها بعضاً .

قال بعض الرواة : وشد علي على الناس مراراً , وقتل منهم جمعاً كثيراً حتى ضج الناس من كثر من قتل منهم .

وفي بعض التواريخ إن حملاته بلغت إثني عشر حملة فهذه شباهته بجده أمير المؤمنين عليه السلام .

وأما شباهته بالزهراء عليه السلام فقد أجمع المؤرخون على أن الزهراء عليها السلام توفيت ولها من العمر ثمانية عشر سنة , وكذلك علي الأكبر عليه السلام قتل يوم كربلاء وله من العمر ثمانية عشر سنة .

وأما شباهته بعمه الحسن عليه السلام فقد شابهه بالبهاء والهيبة . يروى أن الحسن عليه السلام كان إذا مشى في الطريق لا يسبقه سابق , وإذا جلس بباب داره ينقطع الطريق لهيبته , وإذا جلس في البيت المظلم لا يحتاج الى ضياء , وكذلك علي الأكبر كان مهاباً يتلألأ وجهه نوراً .

وأما شباهته بأبيه الحسين عليه السلام فقد شابهه بالإباء والكرم ؛ يروى إن علي ابن الحسين بنى داراً للضيافة في زمن أبيه الحسين عليه السلام بالمدينة وكانت تقصده الشعراء والوفود حتى قيل فيه :

يغلى نيء اللحم حتى إذا     انضج لم يغل على الآكل

قال أبو الفرج وغيره : كان علي الأكبر أول قتيل من بني هاشم من بعد الحسين عليه السلام .

ويروى : إنه لما نظر إلى وحدة أبيه الحسين عليه السلام تقّدم إليه وهو على فرس له

( 230 )

يدعى «ذاالجناح» فاستأذنه للبراز , وكان علي الأكبر من أصبح الناس وجهاً وأحسنهم خلقاً , فنظر إليه الحسين عليه السلام نظر آيس وأرخى عينيه بالدموع وأطرق برأسه لئلا يراه العدو فيشمت به , ثم رفع رأسه مشيراً بسبابتيه إلى السماء وقال :

« اللهم اشهد عليهم فقد برز إليهم أشبه الناس خلقاً وخلقاً ومنطقاً برسولك محمد صلى الله عليه واله وسلم , وكنّا إذا اشتقنا إلى نبيك نظرنا على هذا الصبي , اللهم امنعهم بركات الأرض وفرقهم تفريقا , ومزقهم تمزيقا , واجعلهم طرائق قددا , ولا ترضي الولاة عنهم أبداً , فإنهم دعونا لينصرونا ثم عدوا علينا يقاتلوننا »

قال : وصاح بعمر ابن سعد : ويلك يابن سعد قطع الله رحمك كما قطعت رحمي (1) , ولا بارك الله لك في أمرك , وسلط الله عليك من يذبحك على فراشك ؛ ثم تلا قوله تعالى : « إِنّ اللّهَ اصْطَفَى‏ آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ«33» ذُرّيّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ«34»(سورة ال عمران)

قال الراوي : فكأنما علم الرخصة من أبيه فحمل على القوم وجعل يرتجز ويقول :

أنـا عـلي بن الحسين بن علي     نحن وبـيت الله إولى بالنبي

أضربكم بالسيف أحمى عن أبي     ضرب غلام هاشمي علوي

* * *

(1) كما قدمنا آنفاً لأن ام ليلى وام عمر بن سعد أخوات , لذا خاطبه الحسين عليه السلام : قطع الله رحمك كما قطعت رحمي .
(فائدة) : وإنما جعل يوم الثامن مخصوصاً بعلي الأكبر ويلقى مصرعه فيه لأنه جاء بالماء يوم الثامن من المحرم كما إن العباس جاء بالماء يوم السابع , وكما إن برير جاء بالماء يوم التاسع , انتهى .

( 231 )

[ولله در من قال] :

وعـلي  قـدر من ذوائبه هاشم      عـبقت شـمائله بطيب المحتد
في بأس حمزة في شجاعة حيدر      بـأبا  الحسين وفي مهابة أحمد
وتـراه  في خلق وطيب خلائق      وبـليغ النطق كالنبي محمد(1)

(1)
(نصاري)
الأكـبر لا ظـهر الـغوج وارزم      او عليه احسين دمعه انحدر واسجم
تچنّـه ابـوالده وعـالخيل ذبـها      او يـمنه الـحرب عاليسرة چلبها
چسـب نـوماسها وضـيع دربها      او لـف رايـاتها او للسرب حطم
عگب  مـا بالطفوف ابده الفراسه      او  راواهـم حرب حيدر او باسه
الـعبدي غافله وصابه اعلى راسه      او  تـغير نـور وجهه بحمر الدم
(دكسن)
شبگ  على المهر لبّابه يوديه      لبوه  حسين عن الگوم يحميه
اويـلي المهر للعدوان فر بيه      واوچب  آه بـوسط الـعسكر
هـذا يگطـع ابـسيفه وريده      او  هـذا بالخناجر فصل ايده
وهـذا يـغط رمـحه الحديده      ابخاصرته وهو يعالج لو يفغر
(عاشوري)
تـعانّاله  وعـلى ابـنيه تخوصر      او صاح بصوت منه الصخر ينطر
عـلى  الـدنيا العفه بعدك يالأكبر      عگب  عـيناك ريـت الكون يعدم
يـبويه  مـن وصل ليك او تدناك      او خـضّب وجـهك الشعاع بدماك
يـبويه  ريت روحي اتروح وياك      او  لا شـوفك خضيب الوجه بالدم
(تخميس)
لا طاب عيش بعد فقدك لا صفا     واظلمت الدنيا بعيني مذ خفا
منها ضياؤك يا شبيه المصطفى
فلتذهب الدنيا على الدنيا العفا      ما بعد يومك من زمان أرغد

( 232 )

المطلب الرابع والأربعون 

في شهادة علي بن الحسين الأكبر عليهما السلام

ذكر أرباب المقاتل أنه لما قتل أصحاب الحسين عليه السلام فلم يبق معه إلا أهل بيته , تقدم إليه ولده علي الأكبر فاستأذنه للبراز ثم حمل على القوم فجعل يرتجز ويقول :

أنا علي بن الحسين بن علي .... الخ

قال الراوي : فجعل يقاتل القوم مقاتلة الأبطال في تلك المجال , وناداه رجل من أهل الكوفة : يابن الحسين إن لك رحماً بأمير المؤمنين يزيد , فإن شئت آمنّاك ؟ فقال له علي بن الحسين : ويلك لقرابة رسول الله أحق أن ترعى !!

قال : ولما رأى ابن سعد ما رأى من شجاعته وبسالته دعا طارق بن كثير ـ وكان شجاعاً فارساً مناعاً ـ فقال له : أنت الذي تأكل نعمة الأمير وتأخذ منه العطاء , فاخرج الى هذا الغلام , وثنّى برأسه فقال له : يابن سعد أنت تأخذ ملك الري وأنا أخرج إليه ؟! بل الواجب عليه أن تبارزه أنت أو أن تضمن لي عند الأمير إمارة الموصل . قال : فضمن له ذلك فخرج طارق الى مبارزة علي بن الحسين, فتراجع الناس فحمل عليه علي الأكبر فضربه ضربة منكرة فرقع صريعاً يخور بدمه , فلما رآه أخوه وقد صرعه علي الأكبر وعطف عليه بضربة فوقعت على عينيه فخر صريعاً .

( 233 )

قال : وخرج ابن طارق ثائراً بأبيه وعمه , فحمل عليه علي بن الحسين فقتله , ثم طلب البراز فلم يبرز عليه أحد فحمل على القوم وجعل [يضرب] فيهم بسيفه , هذا والحسين عليه السلام واقف بباب الخيمة وليلى تنظر في وجه الحسين عليه السلام تراه يتلألأ نوراً وسروراً بشجاعة ولده علي , فبينما هو كذلك إذ تغيّر لون وجهه , فقالت له ليلى : سيدي أرى لون وجهك قد تغير ! هل اصيب ولدي ؟ فقال لها : لا يا ليلى ولكن برز له من أخاف منه عليه , يا ليلى ادعي لولدك علي .

دخلت ليلى الى الفسطاط , نشرت شعرها , جرّدت عن ثدييها , قائلة : الهي بغربة أبي عبدالله..الهي بعطش أبي عبدالله..يا راد يوسف الى يعقوب اردد إلي ولدي علي .

قال الراوي : فاستجاب الله دعء ليلى ونصر علياً على بكر فقتله وحز رأسه , وجاء به الى الحسين عليه السلام وقد قتل مائة وعشرين فارساً , وهو ينادي : ابه العطش قد قتلني وثقل الحديد قد اجهدني (1), فهل إلى شربة ماء من سبيل اتقوى بها على الأعداء؟ فقال الحسين عليه السلام : بني هات لسانك , أخذ بلسانه فمصه ثم دفع إليه خاتمه الشريف وقال له , ولدي امسكه في فيك وارجع الى قتال عدوك , فكأنه ارتوى .

ويروى : أنه قال : ولدي دونك امك في الخيمة فودعها ؛ فدخل علي الأكبر الى الخيمة فتعلقت به امه وتعلقن به النسوة فصاح الحسين عليه السلام : دعنه فقد اشتاق الحبيب الى حبيبه .

(1) قوله وثقل الحديد قد اجهدني هل إن الحديد الذي كان معه أجهده كالسيف والدرع والدرقة قالوا لا وانما أراد بهذا القول حديد الجيش وسلاح الأعداء أو لكثرة العسكر والتعبير بالعسكر بالحديد تعبير شايع انظر الى قول الكشي في حبيب ابن مظاهر لو كان من السبعين الذين نصروا الحسين ولقوا جبال الحديد .

( 234 )

قال الراوي : وأفلت علي الأكبر نفسه من النساء ورجع الى الحرب وجعل يقاتل حتى قتل المائتين .

قال حميد بن مسلم : كنت واقفاً وبجنيب مرّة بن منقذ التميمي وعلي بن الحسين يشد على القوم يمنة ويسرة فيهزمهم , فقال مرة : عليّ آثام الحرب إن مر بي هذا الغلام ولم أثكل به أباه . فقلت : لا تقل هذا يكفيك هؤلاء الذين احتوشوه ؛ فقال : والله لأفعلنّ.

قال : ومر بنا علي الأكبر وهو يطرف كتيبه أمامه فطعنه برمحه فانقلب على قربوس سرج فرسه , واعتنق الفرس فحمله الفرس الى معسكر الأعداء فاحتوشوه وقطعوه بسيوفهم إرباً إرباً , ولمّا بلغت روحه التراقي نادى رافعاُ صوته : ابه عليك مني السلام هذا جدي رسول الله قد سقاني بكأسه الأوفى شربة اظما بعدها ابدا ، وهذا كاسا مذخورا لك حتى تشربه .

قالت سكينة : ولما سمع ابي صورت اخي علي جعل تارة يجلس وهو يقول : وا ولداه ... ثم انحدر اليه الحسين عليه السلام ومعه اهل بيته حتى وقف عليه ، ورآه مقطعا بالسيوف اربا اربا ، فقال يا بني قتل الله قوما قتلوك ما اجراهم على ارحمن وعلى انتهاك حرمة الرسول . ثم استهلت عيناه بالدموع وقال : ولدي على الدنيا بعدك العفا ، اما انت يا بني فقد استرحت من هم الدنيا وغمها وبقي ابوك لهمها ولكربها .

قال حميد بن مسلم : لكاني انظر الى امراة خرجت من الفسطاط وهي تنادي : يا حبيباه يا ابن اخياه ... فسالت عنها فقيل لي : هي عمته زينيب . فجاءت حتى انكبت عليه فاخذها الحسين بيده وردها الى الفسطاط ثم التفت الى فتيانه وقال : احملوا اخاكم .. فحملوه وجاؤا به الى الخيمة وهم يبكون ، قيل : وارسلت ليلى الى الحسين عليه السلام قائلة : سيدي اريد ان ابكي على ولدي ، مر اهل بيتك ان

( 235 )

يخرجوا من الخيمة ، فامر الحسين عليه السلام اهل بيته فخرجوا من الخيمة ودخلت ليلى الى الخيمة ودخلن النساء معها وجعلن ينحن على شبيه رسول الله صلى الله عليه واله وسلم .

تقول ليلى بدر ليلى خبا     منه ضياء باعتراض الظلام

وددت أني لم أكن حاملاً     أو أنني أسقطت قبل التمام (1)

(فائدة) : قتل علي الاكبر عليه السلام ولا عقب له .

(فائدة) اختلف أرباب المقاتل في عمره , ففي رواية كان عمره خمساً وعشرين سنة , والأصح : ثمانية وعشرين سنة , وذهب عليه أكثر الرواة .

(1)
فـجيده يـا عـلي يـبني فـجيده      بـعيده شـوفتك صـارت بـعيده
الـمدّ  ايـده عـليك انـشلّت ايده      او  شرابه ولا هنه ولا طالبه الزاد
هـذا حـسين ابوك امحنب اعليك      عـن لـلعده او عـين التصد ليك
اسـمع  يـا عـلي وامّك تحاچيك      يـا  رجـواي بـيك ارباي ما فاد
تگلـه يـا عـلي يـبني شگلـك      يـذخـري  لـلكبر هـذا مـحلك
دگلـي  لـو شـفت شـبان حلك      اشو لن اصبر وهودن وثني الوساد
* * *
وزينب قابلت ليلى وقالت     أعيدي النوح يا ليلى أعيدي

( 236 )

المطلب الخامس والأربعون

في ترجمة القاسم بن الحسن وشهادته عليه السلام

الشجاعة حالة طبيعية وهي عزيزة الحصول في البشر , وقل ما تراها في بعض الرجال , وفي الحقيقة هو فرع من الجنون , ولقد قال أمير المؤمنين عليه السلام : « جنونان لا أخلاني الله منهما الشجاعة والكرم » . لان الشجاعة هي عبارة عن بذل النفس , وتوجه الشجاع الى العدم وهي تضحية تجاه الحياة السعيدة , وتسلم الشجاع نفسه للموت وعلى الأخص إذا كان المقابل له شجاعاً أعظم قوّة منه من حيث العدة والاستعداد , وهناك يعلم المنازل أن للحرب رحى طحانة تطحن الهام وتقضي على المهج , وبها تزهق النفوس الغالية , فهو لا يعبأ بها للغريزة التي فيه من الشجاعة .

وقد قيل : إن الشجاعة قسمان : غريزية وكسبية , فالكسبية تحصل بالتمرين والممارسة , فترى الرجل إذا باشر الحرب يحصل بعدها على القوة في الجنان , ولا يعبأ بمنازلة الأقران . وأما الغريزية فهي من طبيعة الإنسان من حيث هو شجاع , وربما تكون الشجاعة وراثة خلفاً عن سلف , وقد جمعت الخصال الحميدة كلها في بني هاشم لاسيّما الشجاعة .

( 237 )

وقد قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يوم الفتح : « رحم الله عمي أبو طالب , لو أولد الناس كلهم لكانوا شجعاناً » . وناهيك عما ابدوه أشبال علي عليه السلام في كربلاء مع قلة عددهم وكثرة الأعداء ممن شاهد منهم الحروب قبلاً ومن لم يشاهدها قبل يوم كربلاء كالقاسم بن الحسن عليه السلام حتى قال حميد بن مسلم: خرج إلينا القاسم ابن حسن عليه السلام وبيده سيفه , ووجهه كفلقة قمر طالع , وعليه قميص وإزار , وفي رجليه نعلان من ليف , فجعل يضرب هذا وقد تكاملوا عليه أهل الكوفة سبعين ألف رجل (1).

أقول : ولو تصفّحت التاريخ لما وجدت غلاماً كهذا الغلام يبرز إلى سبعين ألف وعليه قميص وإزار , والحالة إن العرب كانوا لا يبرزون الا بعد الاستعداد ويفرغون عليهم الدروع والمغافر , حتى ان الرجل منهم كان لا يعرف لكثرة ما عليه من الحديد ومن لامة الحرب ولا يرى منه إلا عيناه , والقاسم بن الحسن عليه السلام برز يوم عاشوراء الى الاعداء وعليه قميص وإزار كما سمعت , فأين هذا من ذاك ؟! وأعجب من هذا أن القاسم لعدم مبالاته بكثرة الاعداء بحيث انقطع شسع (2) نعله وقف بين تلك الجموع وهذا مما يغيض العدو , ولقج أجاد الشيخ السماوي رحمه الله حيث قال :

أتراه حين أقام يصلح نعله     بين العدى كي لا يروه بمحتف (3)

غلبت عليه شهامة حسنيّة     أم كـان بالأعداء ليس بمحتف (4)

(1) مقتل أبي مخنف : 169 .
(2) الشسع ما يدخل بين الاصبعين في النعل العربي ممتد الى الشراك .
(3) الإحتفاء هنا المشي بلا نعل .
(4) الإحتفاء هنا الإعتناء يقال احتف به ولم يحتف . انظر إبصار العين في أنصار الحسين : 36 .

( 238 )

ولبسالته وصباحة وجهه قال بعض الاعداء: والله لو بسط الي هذا الغلام يده وضربني لما رفعت يدي وضربته .

وللحرب قواعد وشؤون تعرف منها أنه لابد أن يكون مع المحاربين سقاة وجراحون ومحرضات , ولابد للجيش من مقدم وكمين وقلب وجناحين , ولكل واحدة من هذه الوظائف اناس يقومون بها لا يشاكلهم أحد , أما وظيفة السقاة فإنهم يجعلون الماء بالقرب فإذا رجع المحارب سالماً استقبلوه بالماء، وإذا سقط جريحاً أدركوه بالماء. وحرب كربلاء خال من هذه الاشياء كلها , أما الماء فقد منعوا اصحاب الحسين عليه السلام من أن يصلوا إليه وعلى المشرعة أربعة آلاف محارب , فمن أين لهم الماء إذا رجع المحارب حتى يسقوه ؟! أو إذا جرح المقاتل وسقط على وجه الارض ؟!

وللمحارب أيضاً صفات خاصة وهي إذا برز لابد وأن تقوم أعمامه وأخواله وإخوته وأولاده , ويقفون بمكان حيث يرونه خوفاً عليه من الغيلة او أن يجعل له ظهيراً كما صنع أمير المؤمنين عليه السلام ذلك يوم صفين لولده محمد بن الحنفية .

والقاسم [بن الحسن] عليه السلام لم يجد ظهيراً لما برز , وهناك فرق عظيم بين القاسم وبين عمه محمد بن الحنفية لان محمد بن الحنفية شاهد حروباً جمّة والقاسم صبي لم يبلغ الحلم ولم يشاهد حرباً قبل يوم كربلاء .

ومنها أن محمد بن الحنفية برز وعليه لامة الحرب , والقاسم برز يوم كربلاء سافراً على ذراعيه .

ومنها أن محمد بن الحنفية كان إذا رجع من الحرب استقبله أمير المؤمنين والحسن والحسين عليهم السلام وأصحابه يحملون الماء له , والقاسم كان إذا رجع استقبلته

( 239 )

عمته زينب صارخة باكية وامة رملة معولة .

ومنها أن محمد بن الحنفية كان إذا حمل على القوم وضايقه العدو أدركه المدد من أبيه بالأبطال والشجعان وإن ناداهم ادركوه , والقاسم حمل على القوم وهو ينظر الى أصحاب عمه مجزرين كالاضاحي وينظر الى عمه يستغيث فلا يغاث وينظر الى النسوة بالخيمة وقد علا صرخهن .

ومنها أن محمد بن الحنفية تكعكع يوم الجمل لرأى السهام ترشق إليه أراد حتى تنفذ سهام القوم , والقاسم أراد الحسين عليه السلام تأخيره عن الحرب مراراً وهو يلح على عمه ويقبل يديه ورجليه وهو يقول : يا عماه لا طاقة لي على البقاء وأرى بنو عمومتي وأخوتي مجزرين وأراك وحيداً فريداً , والحسين يقول له : ياابن أخي أنت الوديعة .

قال الأروي : فلم يزل يستأذن عمه الحسين عليه السلام حتى إذن له (1).

أقول : فلو فكر الإنسان إلى ما لاقاه القاسم يوم كربلاء لعرف بسالته وشجاعته تجاه العدو لما حمل على القوم وجعل يضربهم بسيفه , فهذه أفعاله يوم الطف , وأما أقواله فتبهر العقول وذلك هو لما ارتجز وهو في الميدان غايته أن يعرفهم نفسه قائلاً بل مفتخراً :

إن تنكروني فأنا نجل الحسن     سبط النبي المجتبى والمـؤتمن

هذا حسين كالأسير المرتهن     بين اناس لا سقوا صوب المزن

(1) لم نعثر عليه , وأحسبه من مصادر ابناء العامة حيث لم يذكره آغا بزرك رحمه الله في الذريعة , وأغلب الظن هو الشيخ إبراهم الآروي شارح مسند الشافعي المطبوع بالهند سنة 1305 هـ .

( 240 )

وكانت همته أن يقتل حامل راية عمر ابن سعد فبينا هو يقاتل إذ انقطع شسع نعله اليسرى فوقف ليشدها , فقال عمر بن سعيد بن نفيل الأزدي : والله لأشدن عليه وأثكلن به امه .

قال حميد بن مسلم : فقلت : سبحان الله وما تريد منه يكفيك هؤلاء الذين احتوشوه من كل جانب ؟! فقال : والله لافعلن ثم حمل عليه فما ولى وجهه حتى ضرب الغلام بالسيف على رأسه فوقع القاسم لوجه وصاح : أدركني يا عماه ... فأتاه الحسين عليه السلام ورآه يفحص بيديه ورجليه . قال : وحمل على قاتله فقتله ثم رجع إلى القاسم ووقف عليه قائلاً : يا ابن اخي بعداً لقومٍ قتلوك ومن خصمهم يوم القيامة جدك وأبوك ... ثم قال: يابن أخى عز والله على عمك أن تدعوه فلا ينفعك أجابته يوم كثر واتره وقل ناصره ... ثم حمله على صدره ورجلاه يخطان في الارض خطاً حتى جاء به الى المخيم ووضعه الى جانب ولده علي الأكبر وهو يقول : يا ابن أخي أنت الوديعة .

(فائدة) : القاسم بن الحسن عليه السلام لم أقف على تزويجه في كربلاء إلا في منتخب الطريحي رحمه الله فإنه يذكر قضية تزويجه نقلاً عن الغير , ولم يثبت هناك من مصدر معلوم , ومن المؤكد إن هذا الخبر مرسل يأباه العقل السليم وتركه أولى من ذكره .

(فائدة) : كان القاسم بن الحسن عليه السلام أخص أولاده , وقد خصه بالوصايا الأكيدة والنصائح الشديدة , وقد سأل القاسم عمه الحسين عليه السلام ليلة العاشر من المحرم عمن يقتل , فجعل الحسين عليه السلام يخبره , فقال له الحسين عليه السلام : وكيف القتل

( 241 )

عندك يا قرة عيني ؟ فقال : يا عم فو حقك إن القتل عندي أحلى من الشهد ؛ فأخبره الحسين عليه السلام بقتله فاستبشر القاسم عليه السلام (1) .

(1) انظر مقتل أبي مخنف : 170 ـ 171 , وإبصار العين في أنصار الحسين عليه السلام : 36 .
ثم حمله على صدره ورجلاه يخطان في الأرض حتى جاء به الى المخيم ووضعه الى جنب ولده علي الأكبر وهو يقول يابن أخي أنت الوديعة .
(دكسن)
جـابه ومدده مـا بين اخوته     بچه عدهم يويلي وهم موته
بس ما سمعن النسوان صوته     اجت رمله تصيح الله واكبر
(نصاري)
يـبني  امهنه ابطيب نومك      عـريان وامـسلبه اهدومك
حـر الشمس غير ارسومك      لون  تنشره ابروحي لسومك
ويـن  الـذي ياخذ اعلومك      لبوك الحسن وهلك او گومك
اويـلاه  يـالغسلك ادمومك      اويـلاه يـبني يـوم يومك
(ابوذية)
أنه ردتك ما ردتك دنيا ولا مال     تحضرني لو وگع حملي ولا مال
يجاسم خابت اظـنوني والآمـال     محل الضيـج يبـني اگطعت بية
(بحراني)
رملة  تنادي والدمع على الخد سجام      شـيبت  راسي بالحزن يبني يجسام
لـما  رأيتك على الثرى يبني رميه      حلحلت جسمي وهيجت حزني عليه
عگبك يروحي ما دريت اشصار بية      ويا هو اليركبني عگب عينك يجسام
* * *
خــلفت والـدة ولها مـحـيرةً     ترعى نجوم الدجى في الليل بالسهر

( 242 )

المطلب السادس والأربعون

في ما جرى في يوم التاسع من المحرم

روى صاحب أسرار الشهادة عن سكينة بنت الحسين عليه السلام قالت : عزّ ماؤنا يوم التاسع من المحرم حتى كظّنا العطش , فلما أمسى المساء عطشت أنا وبعض الفتيات والأطفال فقمت الى عمتي زينب كي أخبرها بعطشنا لعلها قد ادخرت لنا ماء , فوجدتها جالسة في خيمتها وفي حجرها أخي الرضيع وهي تارة تقوم وتارة تجلس وأخي الرضيع يضطرب على يديها اضطراب السمكة في الماء وهو يصرخ وهي تقول : يابن أخي وأنى لك الصبر وأنت على هذه الحالة يعز والله على عمتك أن تراك عطشاناً .

قالت سكينة : فلما سمعت كلامها انتحبت باكية فالتفتت إلي وقالت لي : يا ابنة أخي ما يبكيك ؟! فقلت لها ؟ عمة أبكي لحال أخي الرضيع . ولم أعلمها بعطشي خشية أن يزيد همها , ثم قلت لها : عمة لو أرسلت إلى بعض عيالات الأنصار أن يكون عندهم ماء ؟ فقامت وأخذت الطفل بيدها فمرت بخيم عمومته وأولاد عمه فلم تجد عندهم ماء , فرجعت وقد تبعهم بعض أولاده رجاء أن تسقيهم الماء , ثم جلست في خيمة أولاد عمي الحسن وأرسلت الى خيم الأصحاب لعل عندم ماء , فلم يكن عندهم شيئاً من الماء , فلما أيست رجعت الى خيمتها ومعها ما يقرب من عشرين صبي وصيبة فأخذت بالعويل ونحن

( 243 )

نتصارخ بالقرب منها , فمر علينا رجل من أصحاب أبي الحسين يقال له « برير بن خضير الهمداني » فلما سمع بكاءنا رق لحالنا وجعل يبكي , فنادى أصحابه وقال لهم :

اصحابي ما رأيكم ايسركم ان تموت هذه الصبية عطشاً وفي أيدينا قوائم سيوفنا ؟ لا والله لا خير في الحياة بعدهم بل نرد دونهم حياض الموت... أصحابي فاليأخذ كل واحد منا بيد فتاة من هذه الفتية ونهجم على المشرعة قبل أن يهلكوا من الظمأ , وإن قاتلنا القوم قاتلناهم .

فقال له يحيى المازني : إن الحرس يمنعونا ويقاتلوننا فإذا أخذنا الأطفال ربما تنالهم بعض السهام فنكون نحن السبب لذلك , لكن الرأي أن نحمل معنا قربة ونملأها لهم فإن قاتلونا قاتلناهم ومن قتل منا يكون فداء لبنات رسول الله صلى الله عليه واله وسلم .

فقال له برير : شأنك ..

ثم أخذوا قربة وساروا قاصدين الفرات وأقبلوا نحو المشرعة , فأحس بهم الحراس وصاحوا : من هؤلاء ؟ فقال لهم برير : أنا برير وهؤلاء أصحابي وقد كظنا العطش ... فقالوا لهم : مكانكم حتى نخبر رئيسنا إسحاق بن حوية (لعنه الله) .

ثم إنهم نزلوا إلى المشرعة ونزل برير فلما أحس ببرد الماء انتحب باكياً وقال : لعن الله ابن سعد هذا الماء يجري وأطباد الفاطميات تذوب من العطش ... ثم صاح : أصحابي أذكروا ما وراءكم واملؤا القربة ولا تشربوا حتى ترووا أكباد الفاطمياة .

فقال له أصحابه : والله يا برير لا نشرب قبل أطفال الحسين عليه السلام .

قالت : فسمعه رجل من الحرس فصاح بهم ما كفاكم الورود حتى تحملوا الماء الى هذا الخارجي ؟ والله لأخبرن بأمركم إسحاق بن حوية . فقال له برير : اكتم

( 244 )

عيلنا أمرنا ... ثم دنى منه وهو يريد قبضه فولى منهزماً وأخبر إسحاق بذلك , فقال اللعين : إعترضوهم وآتوني بهم وإن أبوا فقاتلوهم .

فلما تعرضوا لهم وصاحوا بهم إن إسحاق بن حوية لا يرضى بحملكم الماء , فلم يلتفتوا , فصاحوا بهم ثانية إن فيه إراقة دمائكم , فقال برير : إراقة الدماء أشهى إلينا من إراقة الماء , والله ماذاق منا أحد طعم فراتكم وإنما همتنا أن نروي أكباد أطفال الحسين , والله لا ندع الماء حتى تراق دماؤنا حول هذه القربة.

فقال أحدهم : إن هؤلاء مستميتون على يسير من الماء ولا يجدي لهم نفعاً ؟ وقال بعضهم : لا تخالفوا حكم الأمير ... ثم أحاطوا بهم فوضع برير وأصحابه القربة على الأرض ووقفوا دونها , وبرير يبكي دونها ويقول : وا لهفتاه على أكباد الفاطمياة , صد الله رحمته عمن صد عنكم ياآل بيت رسول الله .

قالت : فحملها رجل منهم على عاتقه فأحسوا الحرس فجعلوا يرشقونهم بالسهام فأصاب حبل القربة سهم حتى خاطه الى عاتقه وسال الدم على ثوبه , فلما نظر إلى الدم يسيل من رقبته قال : الحمدلله الذي جعل رقبتي وقاء لقربتي . فلما رأى برير إن القوم غير تاركيه صاح بأعلى صوته : ويلكم يا أعواه آل أبي سفيان لا تثيروا الفتنة ودعوا أسياف بني همدان في مغامدها ـ وكان حول الحسين عليه السلام جماعة ـ فقال رجل منهم : إني أسمع صوت برير ينتدب أصحابه تارة ويعض القوم اخرى , فقال لهم الحسين عليه السلام : إلحقوا به , فقام أبو الفضل العباس وتبعه بعضهم وركبوا , فلما رأوا الحرس إن العباس انحدر نحوهم انكشفوا عن برير وأصحابه .

قالت : وجاء برير بالقربة حتى دنا من الخيمة وقال : إشربوا يا آل بيت رسول الله , فتباشرت الأطفال بالماء وصحن الفتيات صيحة واحدة : هذا برير قد جاءنا بالماء , ورمين بأنفسهم على القربة هذه تحضنها والاخرى تضع فؤادها

( 245 )

عليها والاخرى تضمها الى كبدها , ولما كثر ازدحام الأطفال على القربة أنفعلت ركاعها فأريق ماءها , فصحن الفتيات : أريق الماء يا برير ... فرجعن الى الخيمة باكيات صارخات .

قال الراوي : ولما أصبح الصباح وهو يوم عاشوراء جاءت الحوراء زينب الى أخيها الحسين عليه السلام تحمل عبدالله الرضيع فدفعته الى الحسين وهي باكية وقالت له : أخي خذ طفلك هذا واطلب له قليلاً من الماء , فأخذه الحسين عليه السلام وقد غارت عيناه من شدة العطش حتى جاء به نحو الأعداء .

فدعى الأقوام يا لله للخطب الفضيع     نبئوني أأنا المـذنب أم هذا الرضـيع

لا حظوه فعليه شـبه الهادي الشفيع     لا يكن شافعكم خصماً لكم في النشأتين

اختلف العسكر فيما بينهم , ومنهم من لعن عمر ابن سعد , ومنهم قال : إذا كان ذنب للكبار فما ذنب هذا الطفل ؟

فلما رأى ابن سعد اختلاف العسكر صاح بحرملة بن كاهل : ويلك يا حرملة اقطع نزاع القوم . قال : ما أصنع ؟ قال : ارم الطفل بسهم .

قال حرملة : فوضعت سهما في كبد القوس وتأملت أين أرمي الطفل , فرأيت رقبته تلمح على عضد أبيه الحسين عليه السلام فرميت الطفل بسهمي وذبحته من الوريد الى الوريد , فلما أحس الطفل بحرارة السهم أخرج يده من القماط واعتنق أباه الحسين وجعل يرفرف كالطير المذبوح .

ثم ملأ الحسين عليه السلام كفه من دمه ورمى به الى السماء وقال : اللهم لا يكون أهون عليك من فصيل ناقة صالح .

ويروى انه قال : « يارب إن كنت حبست عنا النصر من السماء فاجعل ذلك لما هو خير منه وانتقم لنا من هؤلاء الضالمين » . فنودي : دعه يا حسين فإن له مرضعاً في الجنة .

( 246 )

وروي عن الباقر عليه السلام أنه قال : لم يقع من ذلك الدم إلى الأرض قطرة واحدة (1).

ثم جاء به المخيم , استقبلته سكينة قائلة : أبه لعلك سقيت أخي الماء وجئتنا ببقيته ؟ فقال لها الحسين عليه السلام : بنية خذي أخاك مذبوحاً ... فلما رأته صاحت : وا أخاه وا عبدالله ... وجاءت إليه أمه فرأته والسهم مشكوك في نحره صاحت : وا ولداه ...

ومـذ رأتـه أمـه أنـشأت      تدعوا بصوت يصدع الجلمدا
تـقول عـبدالله مـا ذنـبه      مـنفطماً  آب بـسهم الردى
لم  يمنحوه الورد بل صيّروا      فـيض  وريـده لـه موردا

وقال الآخر :

وكـل  رضيع يغتذى در امه      ويـرضع  من ألبانها ثم يفطم
سوى  إن عبدالله كان رضاعه      دمـاه وغـذته عن الدر أسهم
تـبسم  لـم جـاء سهم حتفه      وكـل رضـيع للحلوبة يبسم
تـخيّله مـاءاً لـيروي غليله      ففاض عليه الغمر لكنّه دم (2)

(1) مقتل أبي مخنف : 173 .
(2) أقول : ساعد الله قلب الحسين عليه السلام لما نظر إلى رضيعه كأني بلسان حاله :
(ابوذية)
مياتم للحزن ننصب ونبني     فجعني حرملة ابسهمه ونبني
الطفل عاده يفطمونه ونبني     انفطم يا ناس بسـهام المنيه
(نصاري)
تگلة احسين دم الطفل بيدة     شحالة الينچتل ابحضنة اوليدة
سال وترس چفة من وريدة     وذبه للسما ولـلگـاع ما خر

( 247 )

(فائدة) :

أقول : كان تبسمه لشيء آخر وهو أنه لما أحس بحرارة السهم فتح عينه فرأى جدّته الزهراء عليها السلام فاتحة باعها ترحب به فتبسم لها .

وأما أمه الرباب فكأني بها :
هـاي  امـك يعبدالله انطفت عيني      يـا ظـيها الـعلى دربـي يجدّيني
سـهم الـصابك الـماذيك مـاذيني      ابـنحرك ما نبت يبني نبت بحشاي
يـا  زهرة الدنية الشلت راسي بيك      لبوك احسين عين او عين تربي ليك
حـسبت  احساب سالم ومك اتربيك      ومـك  سالمه او تخلف عليه ارباي
(تخميس)
فمذ لاح السهم النحر ودت لو أنها     تشاطره سهم الردى وتساهمه
أقلـته بالـكفين ترشـف ثغـره     وتلثم نحراً قبـلها السهم لائمه

( 248 )

المطلب السابع والأربعون

في ما جرى في ليلة العاشر من المحرم

روى صاحب الدمعة الساكبة : أنه كان أخص الناس بالحسين عليه السلام وأكثرهم ملازمة « نافع بن هلال الجملي » (1), وكان رجلاً حازماً بصيراً بالسياسة , قال :

(1) يجري على بعض الألسن ويذكر في بعض الكتب هلال بن نافع البجلي وهو غلط صرف وهو نافع بن هلال الجملي , كما مذكور في كتب التراجم والأنساب والرجال , والجملي ينسب الى جمل بطن من مذحج , ذكره محمد بن مسلم بن قتيبة في كتاب المعارف , وما رأيت في كتب المقاتل هلال بن نافع بل نافع بن هلال بن نافع وهو مذكور في الناحية انتهى .
وذكره الشيخ محمد السماوي رحمه الله نافع بن هلال الجملي في إبصار العين , وكان نافع سيداً شريفاً سريّاً شجاعاً وكان قارئاً كاتباً ومن حملة الحديث ومن أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام , وحضره معه حربه الثلاث في العراق , وخرج الى الحسين عليه السلام فلقيه في الطريق .
قال أبو مخنف : كان نافع قد كتب إسمه على أفواق نبله فجعل يوم العاشر من المحرم يرمي أعداء الله , فقتل إثني عشر منهم سوى من جرح حتى إذا فنيت نباله جرد سيفه وحمل عليهم وهو يقول :
أنا الهزبر الجملي     أنا على دين علي
فوثبوا عليه وأطافوا به يتضاربون حتى كسروا عضديه ثم أخذوه أسيراً الى ابن سعد فأمر ابن سعد بقتله , فجرد الشمر سيفه وقتله رحمه الله , انتهى .
انظر : المعارف لابن قتيبة : 105 ـ 106 , ورجال الشيخ : 80 / 2 , وإبصار العين للسماوي : 86 , ومقتل أبي مخنف : 134 .

( 249 )

ولما كانت الليلة العاشرة من المحرم خرج الحسين عليه السلام في نصف الليل خارج الخيام حتى ابتعد , فتقلد نافع سيفه وخرج في أثره , فنظر الحسين عليه السلام الى ورآءه فرآه , قال : أنافع هذا؟ قال: نعم سيدي، قال عليه السلام: يا نافع ما أخرجك في هذا الليل؟ قال: سيدي أزعجني خرجك الى معسكر هذا الطاغي الباغي , فقال : يا نافع خرجت اتفقد هذا التلاع مخافة أن تكون مكان لهجوم الخيل يوم تحملون ويحملون , قال نافع : ثم رجع وهو قابض على يساري وهو يقول : والله وعد لا خلف فيه ... ثم قال : يا نافع ألا تسلك ما بين هذين الجبلين وتنجو بنفسك ؟ فوقع نافع على قدمي الامام يقبلهما وهو يقول : إذاً ثكلتني أمي .. سيدي إن سيفي بألف وفرسي بمثله فوالله الذي من علي بهذا الموقف معك لا افارقك حتى يكلا عن فري وجري .

قال نافع : ثم فارقني ودخل خيمة اخته الحوراء زينب , فوقفت بباب الخيمة ورجوت أن يسرع الحسين عليه السلام في خروجه , فاستقبلته زينب ووضع له متكأ وجلس يحدثها سرّاً , فما لبث إن اختنفت بعبرتها وصاحت : وا أخاه وا حسينا .. أخي اشاهد مصرعك وابتلى برعاية هذه المذاعير في النسوة ؟ يعز والله علي مصرعك ومصرع هؤلاء الفتية الصفوة .

ثم قالت له : أخي هل استعملت أصحابك من نياتهم فإني أخاف أن يسلموك عند الوثبة واصطكاك الأسنة ؟ فقال لها الحسين عليه السلام : اما والله يا زينب لقد لهزتهم وبلوتهم وليس فيهم إلا الأسوش الاقعس , يستأنسون بالمنية دوني كاستئناس الطفل بمحالب أمه .

فلما سمع نافع بكى وقال : اي والله . ثم إن نافع رجع الى خيمته وجعل

(  250 )

طريقه على خيمة حبيب بن مظاهر الأسدي فوجده جالساً وبيده سيفه مصلت وهو يصلحه ويقول :

أيها الصارم استعد جوابا     لسؤالي إذا العجاج أثيرا

فدخل عليه نافع فسلم , فرد حبيب السلام عليه , فقال له حبيب : أنافع هذا ؟ قال : نعم , قال : يا نافع ما أخرجك في هذا الليل ؟ قال نافع : فحكيت له القصة إلى أن بلغت إلى قول الحسين عليه السلام لاخته الحوراء زينب : يستأنسون بالمنية دوني كاستئناس الطفل بمحالب أمه .

فقال حبيب : اي والله لو لا انتظاره لهم لعاجلتهم بسيفي هذا ما ثبت قائمه بيدي , فقال نافع : يا حبيب إني قد فارقت الحسين عليه السلام وهو عند اخته العقيلة زينب وهي في حال وجل ورعب وأظن إن النساء قد أفقن وشاركهن بالحسرة والزفرة فهل لك أن تجمع أصحابك وتواجههن بكلام يسكن قلوبهن ويذهب رعبهن ؟ فقال : طوع إرادتك يا نافع .

ثم خرج حبيب ناحية ونافع الى جنبه ونادى :

يا أصحاب الحمية ويا ليوث الكريهة ... فتطالعوا (1)من منازلهم كالليوث الضارية , يقدمهم العباس عليه السلام رام عمامتة من على رأسه , وهو يقول : ما تريد يا بن مظاهر ؟ لمثل هذا ادّخرني والدي , فقال حبيب لبني هاشم : ارجعوا الى مضاربكم لا سهرت عيونكم .

ثم إنه خطب أصحابه وقال : أصحابي هذا نافع يخبرني بكيت وكيت وقد خلف اخت سيدكم وبقايا عيالاته وأهل بيته يتشاكين ويتباكين , أصحابي

(1) في بعض الرواياة : فتطالع الأنصار والهاشميون ....

( 251 )

أخبوني عما أنتم عليه ؟ فجردوا صوارمهم ورموا عمائمهم إلى الأرض وقالوا : يا حبيب والذي من علينا بهذا الموقف لئن زحف القوم إلينا لنحصدن رؤوسهم بأسيافنا ولنلحقنهم بأشياخهم أذلاء صاغرين ولنحفظن وصية رسول الله صلى الله عليه واله وسلم في أبنائه .

قال حبيب : إذاً هلمّوا معي ... ثم قام حبيب يمشي وتبعه أصحابه حتى جاء ووقف بين أطناب الخيم ونادى : السلام عليكم يا أهلنا , السلام عليكم يا فخرنا , السلام عليكم يا سادتنا ويا معشر حرائر رسول الله صلى الله عليه واله وسلم , هذه صوارم فتيانكم آلو أن لا يغمدوها إلا في رقاب أعدائكم، وهذه أسنة غلمانكم آلو أن لا يركزوها إلا في صدور أعدائكم.

فخرجت إليهم [الحوراء] زينب وهي ملتحفة بملحفة امها فاطمة الزهراء عليها السلام فبكت وبكت النسوة , فنادتهم امرأة من الأنصار : حاموا أيها الطيبون عن الطيبات حرائر رسول الله صلى الله عليه واله وسلم , قال : فاستقرت عيالات الحسين تلك الليلة إلا أنه لم تنم لهم عين قط .

قال : وقام الحسين عليه السلام وأصحابه تلك الليلة ولهم دوي كدوي النحل ما بين قائم وقاعد وراكع وساجد .

سمة العبيد من الخـشوع عليهم     لله أن ضــمتهم الأســحار

وإذا ترجّلت الضحى شهدت لهم     بيـض القواضب أنـهم أحرار

بيض الله وجوههم لقد بذلو الجد والجهد دون سيدهم حتى كان الرجل منهم يتلقى السيوف والسهام والنبال بصدره ونحره بل كانوا يتسابقون الى القتال ,

( 252 )

فهذا مسلم بن عوسجة نصر الحسين عليه السلام حياً وأوصى به ميتأً (1).

قال ابن سعد في طبقاته : مسلم بن عوسجة كان صحابياً ممن رأى النبي صلى الله عليه واله وسلم (2).

وذكر غيره قال : كان مسلم بن عوسجة فارساً شجاعاً له في المغازي مواقف مشهورة , وفي الفتوح الإسلامية مواطن مشهودة , وكان ممن كاتب الحسين ووفى له , ولما دخل عبيدالله بن زياد الكوفة وسمع به مسلم بن عقيل خرج اليه لمحاربته فعقد على مسلم بن عوسجة على ربع مذحج وأسد , ولابي تمامة على ربع تميم وهمدان , ولعبيد الله بن عمر بن عزيز الكندي على ربع كندة وربيعة , وللعباس بن جعدة الجدلي على أهل المدينة , فانهدوا إليه حتى حبسوه في قصره ثم إنه فرق الناس بالتخذيل عنه , قال أبو جعفر : وبعد أن قبض مسلم بن عقيل اختفى مسلم بن عوسجة ولما بلغه إن الحسين عليه السلام قد نزل كربلاء فرّ بأهله الى الحسين عليه السلام فوافاه بكربلاء وفداه بنفسه .

قال أهل السير وأرباب المقاتل : لما التحم القتال حملت ميمنة عمر بن سعد (لعنه الله) على ميسرة الحسين عليه السلام وفي ميمنة ابن سعد عمرو بن الحجاج الزبيدي وفي مسيرة الحسين عليه السلام زهير بن القين البجلي , وكانت حملتهم نحو الفرات فاضطربوا ساعة , وكان مسلم بن عوسجة في الميسرة , فقاتل قتالاً شديداً لم يسمع بمثله قط , فكان يحمل على القوم وسيفه مصلت بيمينه وهو يقول :

(1) ممن ذكر في ناحية المقدسة , انظر بحار الأنوار : 101 / 269 , وهو أول قتيل من أنصار الحسين عليه السلام , انظر تارخ الطبري : 5 / 369 , وبحار الانوار : 45 / 69 .
(2) طبقات ابن سعد .

( 253 )

إن تسألوا عني فإني ذو لبد     وإن بيتي في ذرى بني أسد

فمن بغاني حائد عن الرشد     وكـافر بـدين جبار صمد

ولم يزل يضرب فيهم بسيفه حتى عطف عليهم مسلم بن عبدالله الضبابي وعبدالرحمن بن خشكارة البجلي فاشتركا في قتله , وثارت لشدة الجلاد غبرة عظيمة فلما انجلت الغبرة إذ هم بمسلم صريعاً , فمشى لمصرعه الحسين عليه السلام وكان به رمق الحياة فقال له الحسين : رحمك الله يا مسلم ثم تلى « فَمِنْهُم مّن قَضَى‏ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدّلُوا تَبْدِيلاً» (1)

ثم دنا منه حبيب وقال له : عز علي مصرعك يا أخي يا مسلم أبشر بالجنة , فقال له مسلم قولاً ضعيفاً : بشرك الله بالخير , فقال له حبيب : لو لم أعلم أني بالأثر لأحببت أن توصني بجميع ما أهمك , فقال له : أخي اوصيك بهذا الغريب ـ وأشار بيده الى الحسين عليه السلام ـ فقال له حبيب : والله لأنعمنك عيناً

أوصى ابن عوسجة حبيباً قائلاً     فقاتل دونه حتى الحمام تذوقا

نصـروه أحياء وعند مماتهم      يوصي بنصرته الشفيق شفيقاً

قال الراوي : فما كان بأسرع من أن فاضت نفسه فصاحت جاريته : واسيداه وا ابن عوسجتاه , فتباشر أصحاب عمر بن سعد بذلك فقال لهم شبث بن ربعي : ثكلتكم امهاتكم إنما تقتلون أنفسكم بإيديكم وتذلون أنفسكم لغيركم , أتفرحون أن يقتل مثل مسلم بن عوسجة ؟ أما والذي اسلمت له لرب لموقف له قد رأيته في المسلمين كريم لرأيته يوم « سلق آذربايجان » قتل ستة من المشركين قبل أن تلتئم

(1) سورة الاحزاب 33 : 23 .

( 254 )

خيول المسلمين , أفيقتل منكم مثله وتفرحون بمثله ؟! (1)

قال الراوي : والتفتت جاريته الى غلامه فقالت له : كفن مولاك مسلماً ؛ فقال لها : أكفن مسلماً وسيدي ومولاي الحسين لا يكفنه أحد ؟! لا كان ذلك أبدا (2).

وا صريعا عالج الموت بلا      شـد لحـيين ولا مد ردا

غـسلوه بـدم الطعن وما     كفنوه غير بوغاء الثرى (3)

(1) مقتل أبي مخنف : 136 ـ 138 .
(2) إبصار العين للسماوي : 61 .
(3) وزينب عليها السلام :
(نصاري)
عـسه الـوياي كون الصار وياك      عسه  بحشاي سهم الصاب بحشاك
عسه لعضاي خيل الداست اعضاك      يخويه  او روحي الروحك فده الها
ولا  واحـد صـديج الـبيه غيرة      ولا  حـاضر جريب امن العشيرة
يـسوي  الـجثت ابن امي حفيره      چفـنها  الـذاري او دمـها غسها
(دكسن)
يا ناس ضيعت البصيره      وحيّرني زماني اشلون حيره
ابن والـدي ماله عشيره     ولا من گرابـه البيه غـيره
يسوون لبن امي حفيره
(تخميس)
وأمـيـن الله أدمى خده     وجميع الرسل تبكي فقده
وأبوه النوح أمسى ورده
لو رسول الله يحيى بعده     قـعـد اليوم عليه للعزا

( 255 )

المطلب الثامن والاربعون

في حالة الحسين عليه السلام ليلة العاشرة من المحرم

عن سكينة بنت الحسين : انه لما كانت الليلة العاشرة من المحرم ـ وكانت ليلة مقمرة ـ كنت جالسة في الفسطاط , وإذا أنا ببكاء ونحيب , فسكت خوفاً من أن يعلمن النسوة , فخرجت وأن أطأ أثوابي فأتيت الى خيمة أبي الحسين فرأيته جالساً وأصحابه حوله , وهو يقول لهم :

« أصحابي أنتم جئتم معي لعلمك بأني أذهب الى جماعة بايعوني قلباً ولساناً , والان تجدونهم قد استحوذ عليهم الشيطان ونسوا ذكر الله , وقد لبّوا لقتلي وقتل من معي , فمن يكره نصرتنا فليذهب في هذه الليلة , ومن بقي ونصرنا بنفسه يكون معنا في الدرجات العالية من الجنان , ولقد أخبرني أبي عن جدي رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : إن ولدي الحسين يقتل بطف كربلاء , إلا ومن نصره فقد نصرني ونصر ولده القائم , ومن نصرنا بلسانه فأنه في حزبنا يوم القيامة » .

قالت سكينة : والله ما تم كلامه حتى تفرق منه أصحابه من عشرة ومن عشرين حتى لم يبق معه إلا ما ينقص عن الثمانين , ورأيت أبي وقد أطرق برأسه , فخنقتني العبرة فرددتها ولزمت السكوت ورفعت طرفي الى السماء وقلت :

« اللهم إنهم خذلونا فاخذلهم , ولا تجعل لهم في الأرض مساكناً , وسلط عليهم الفقر ولا تنلهم شفاعة جدّنا » .

(  256 )

ثم رجعت إلى الفسطاط وأنا أهمل دموعي , فنظرت الى عمتي ام كلثوم فقالت : مالك ؟! فحكيت لها ما رأيت , فصاحت : وا جداه ... وا محمداه ... وا أباه ... وا علياه ... وا حسناه ... وا حسيناه ... وا قلة ناصراه ... وكيف الخلاص من الاعداء وليت الأعادي يقتلوننا بدلاً عن أخي الحسين عليه السلام .

قالت سكينة : فاجتمعن النسوة وبكين , فسمع أبي بكاءنا فخرج من الفسطاط وقال : مم هذا البكاء ؟ فقربت إليه عمتي وقالت له : أخي ردنا إلى حرم جدنا ؟ فقال : يا اختاه كيف لي بذلك وقد أحاط بنا الأعداء ؟ فقالت : أخي هل ذكرتهم محل جدك وأبيك وجدتك وأخيك ؟ فقال : بلى ذكرتهم فلم يذكروا , ووعظتهم فلم يتعظوا , وليس لهم رأي سوى قتلي , ولابد أن ترينى على التراب جديلاً , ولكن يا أختاه اوصيكن بالصبر والتقوى . (3)

وروى ابن شهر آشوب : إنه لما كان وقت السحر خفق الحسين عليه السلام خفقة واستيقظ وقال : أتعلمون ما رأيت في منامي الساعة ؟ قالوا : وما الذي رأيت يابن رسول الله ؟ قال : رأيت كلاباً قد شدت علي لتنهشني وفيها كلب أبرص ورأيته أشدها عليّ , وأظن ان الذي يتولى قتلي رجل أبرص من هؤلاء القوم , ثم رأيت بعد ذلك جدي رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ومعه جماعة من أصحابه وهو يقول لي : يا بني أنت شهيد آل محمد , وقد استبشر بك أهل السماوات فاليكن إفطارك عندي الليلة , وهذا ملك قد نزل من السماء ليأخذ من دمك في قارورة خضراء , فهذا ما رأيت .

وفي الخرائج والجرائح للراوندي , روي عن زين العابدين عليه السلام أنه قال : لما كانت الليلة العاشرة من المحرم قام أبي الحسين في أصحابه خطيباً قال :

« يا أصحابي إن هؤلاء يريدونني دونكم , ولو قتلوني لم يصلوا إليكم , فالنجاة النجاة وأنتم في حل مني فإنكم إن أصبحتم معي قتلتم كلكم » .

( 257 )

فقالوا : لا نخذلك ولا نختار العيش بعدك .

فقال عليه السلام : إنكم تقتلون حتى لا يفلت منكم أحداً .

فقالوا : الحمد لله الذي شرفنا بالقتل معك .

ثم أنه دعا لهم , وقال : ارفعوا رؤوسكم وانظروا ؛ فجعلوا ينظرون الى منازلهم في الجنة .

ويروى إنه قال في آخر خطبته : « أصحابي .. بنو عمومتي .. أهل بيتي ألا ومن كانت في رحله امرأة فاليبعث بها إلى أهلها , فإن نسائي تسبى وأخاف على نسائكم السبي » . فقام من بينهم حبيب بن مظاهر الأسدي وأقبل إلى خيمته فتبسّمت زوجته في وجهه , فقال لها : دعينا والتبسّم قومي والحقي ببني عمك من بني أسد , فقالت : لم يابن مظاهر ؟ أهل فعلت معك مكروها ؟ قال : حاشا لله , ولكن أما سمعت غريب رسول الله صلى الله عليه واله وسلم خطبنا في هذه الساعة ؟ قالت : بلى , ولكن سمعت في آخر خطبته همهمة لا أعرفها ؟ قال : خطبنا وقال : ألا ومن كانت في رحله امرأة فليبعث بها الى أهلها , فلما سمعت الحرة نطحت برأسها بعود الخيمة وقالت : ما أنصفتني يابن مظاهر أيسرك أن زينب يسلب إزارها وأنا أتزين بإزاري ؟! أم يسرك إن سكينة يسلب قرطها وأنا أتزين بقرطي ؟! لا كان ذلك أبداً , بل أنتم تواسون الرجال ونحن نواسي النساء . فلما سمع منه ذلك رجع الى الحسين عليه السلام فرآه جالساً ومعه أخوه العباس فسلم عليه وجلس , وقال : أبت الأسدية أن تفارقكم .

أبت المروة أن تفارق أهلها     وأبى العزيز أن يكون ذليلا

فقال الحسين عليه السلام : جزاكم الله خير الجزاء , ثم قام الحسين عليه السلام ومعه أخوه العباس وأقبل الى خيمة السجاد ـ وكان حينئذ مريض ـ وعنده عمّته زينب تمرضه , فما نظر الى أبيه قد أقبل نادى : عمّتها سنّديني إلى صدرك فإن أبن

(  258 )

رسول الله قد أقبل . فسنّدته إلى صدرها فجعل الحسين والعباس يسئلانه عن حاله وعن مرضه والسجاد يحمد الله ويشكره ثم قال : أبه أمقاتل أنت هؤلاء القوم في مكاننا هذا ؟ قال : نعم يا بني , فقال : أبه دعنا نرحل عن مكاننا هذا ؟ فقال له العباس : يابن أخي أتحب أن ترحل من هذا المكان ؟ قال : نعم يا عم , فقال له : أمهلنا إلى غداة غد نرحل بأجمعنا فيصير الأمر إليك فلما سمعت زينب أختنقت بعبرتها وقامت، فقال لها الحسين عليه السلام : إلى أين يا قرة عيني ؟ فقالت : أخي أنا ماضية إلى خيمتي أبكي بيني وبين ربي.. أخي إن كلام العباس قطع نياط قلبي .

ثم إن الحسين عليه السلام قام وتوضأ ودخل الى الخيمة قد صنع له محرابا , ولم يزل تلك الليلة قائماً وقاعداً , وراكعاً وساجداً إلى الصباح , وأما أصحابه فإنهم إغتسلوا ولبسوا أكفانهم وباتوا تلك الليلة ولهم دوي كدوي النحل , ما بين قائم وقاعد وراكع وساجد ينتظرون الصباح .

ادركوا بالـحسيـن أكـبر عيد     فغدوا في منى الطفوف أضاحي (1)

(1) وذلك بعد أن خطبهم ليلة العاشوراء وأراهم منازلهم من الجنة لما عرف منهم الثبات وكانوا في حالة من الإستبشار بلقاء الله عزوجل وحب الشهادة بين يدي الحسين عليه السلام , وكان لبنات الرسالة وخصوصاً زينب عليها السلام مع الحسين عليه السلام لقاء خاص .
زيـنب  لفت يم حسين      لاچن گابـعـه بـالهم
تگلـة  يا ضوه عيوني      عـليمن هـالفزع ملتم
تـعنت  لـيه لـلخيمة      او تفسر والصخر ونتها
طـبت  گعـدت اگباله      او عـالخد تهل دمعتها
تگلة  اعليك ضلع امك      الـمظلومه او مصيبتها
سـولفلي  يماي العين
لا  تخفي علي يحسين
عليمن هالفزع صوبين

( 259 )

واشوف ابكثر عج الخيل     وادي كربلاء غيّم
* * *
اويلي من سمعها حسين      سـالت  دمـعة اعيونه
يگلـها خـاف اسولفلچ      اوّجـهچ  ينخطف لونه
چتلي او چتل أهل بيتي      يـختي الچوم يـردونة
او لابـد ما تشوفينه
فوگ الثره امگطعينه
يـزينب  لا تنوحينه
عينچ عاليتامه النار     لو شبت بالمخيم
* * *
 تگله الكاتبك يحسين     من هالناس چا وينه

( 260 )

المطلب التاسع والأربعون

في تعبئة الحسين عليه السلام أصحابه للقتال يوم عاشوراء

روى السيد بن طاووس (1)قال : لما أصبح الحسين عليه السلام يوم عاشوراء عبأ أصحابه وجعل زهير بن القين البجلي رحمه الله في الميمنة , وحبيب بن مظاهر في الميسرة , وأعطى الراية إلى أخيه العباس بن علي عليه السلام , وجلعوا البيوت في ظهورهم , وأمر الحسين بحطب وقصب كان من وراء البيوت أن يترك في الخندق الذي حفروه , وأن يضرم فيه النار مخافة أن تأتي القوم من ورائهم .

قال : وعبأ عمر بن سعد لعنه الله اصحابه وجعل على الميمنة عمر بن الحجاج الزبيدي , وعلى الميسرة شمر بن ذي الجوشن الضبابي , وعلى الخيل عروة بن قيس , وعلى الرجالة شبث بن ربعي , وأعطى الراية دريداً مولاه (2).

وروى المفيد رحمه الله (3)قال : ولما صار يوم عاشوراء، ورأى الحسين كثرة الأعداء , رفع يديه الى السماء وقال : اللهم أنت ثقتي في كل كرب , وأنت رجائي في كل شدة , وأنت لي في كل أمر نزل بي ثقة وعدة , كم من كرب يضعف فيه

(1) انظر الملهوف على قتلى الطفوف ص 158 .
(2) مثير الأحزان لابن نما : 53 .
(3) في ج2 ص 96 من كتابه الإرشاد .

( 261 )

الفؤاد , وتقل عنه الحيلة , ويخذل فيه الصديق , ويشمت فيه العدو , أنزلته بك , وشكوته إليك , رغبة مني إليك عمن سواك ففرّجته وكشفته، فأنت ولي كل نعمة , وصاحب كل حسنة , ومنتهى كل رغبة .

قال علي بن الحسين عليه السلام : فجعل القوم يجولون حول الخيم فرأوا الخندق وقد اضرمت فيه النار .

قال الراوي : ونادى شمر بن ذي الجوشن لعنه الله بأعلى صوته : تعجلت بالنار يا حسين قبل يوم القيامة ! فقال الحسين عليه السلام : من هذا كأنه الشمر ؟ فقيل له : نعم , فقال : يابن راعية المعزى , أنت أولى بها صليّاً .

قال : وأراد مسلم بن عوسجة أن يرميه بسهم فمنعه الحسين عليه السلام , فقال له : سيدي دعني أرميه فإنه فاسق , فقال له الحسين عليه السلام : إني أكره أن أبدئهم (1)بالقتال .

وقال محمد بن أبي طالب : وأمر الحسين بإحضار جواده , فقرب إليه واستوى عليه , وتقدم في نفر من أصحابه وبين يديه برير بن خضير الهمداني (2), فقال له الحسين : يا برير كلم القوم , فتقدم برير وقال : يا قوم اتقوا الله فإن ثقل محمد صلى الله عليه واله وسلم قد أصبح بين أظهركم , هؤلاء ذريته وعترته وبناته وحرمه , وما الذي تريدون أن تصنعون بهم ؟ فقالوا : نريد أن نمكن منهم الأمير زياد لعنه الله فيرى

(1) نفس المهموم : 239 .
(2) من أقادم أصحاب مولانا الحسين عليه السلام , وصفه الشيخ السماوي في ص70 من كتابه الجليل «أبصار العين في أنصار الحسين» بقوله «كان برير شيخاً ناسكاً قارئاً للقران من شيوخ القراء... »
ووصفه الشيخ عباس القمي في ص 266 من الجزء الأول من كتابه «سفينة البحار» بقوله : «كان من عباد الله الصالحين , وكان شيخاً جليلاً من أشراف الكوفة من همدان الذين قال فيهم أمير المؤمنين عليه السلام :
فلو كنت بوّاباً على باب الجنة     لقلت لهمدان ادخلوا بسلام

( 262 )

رأيه فيهم . فقال لهم برير : أفلا تقبلون أن يرجعوا إلى مكان الذي أتوا منه ؟ ويلكم يا أهل الكوفة أنسيتم كتبكم التي كتبتموها وعهودكم التي أعطيتموها وأشهدتم الله عليها ؟ ويلكم دعوتم أهل بيت نبيكم وزعمتم أنكم تقتلون أنفسكم دونهم حتى إذا أتوكم أسلمتموهم عن ماء الفرات , بئسما خلفتم نبيكم في ذريته , مالكم لا سقاكم الله يوم القيامة , فبئس القوم أنتم .

فقال رجل منهم : يا هذا ما ندري ما تقول . فقال برير : الحمد لله الذي زادني فيكم بصيرة , اللهم إني أبرء إليك من فعال هؤلاء القوم , اللهم إلق بئسهم بينهم حتى يلقوك وأنت عليهم غضبان (1).

قال : فجعل القوم يرمونه بالسهام : فرجع برير الى وراءه (2), وتقدم الحسين حتى وقف بإزاء القوم , وجعل ينظر الى صفوفهم وكأنهم السيل (3), ونظر الى ابن سعد لعنه الله واقفاً وحوله صناديد أهل الكوفة , فقال : الحمدلله الذي خلق الدنيا فجعلها دار فناء وزوال , متصرفة بأهلها حالاً بعد حال , فالمغرور عن غرته , والشقي من قتلته , أيها الناس فلا تغرنكم هذه الدنيا فإنها تقطع رجاء من ركن إليها , وتخيب من طمع فيها , رأراكم قد اجتمعتم على أمر قد اسخطتم الله فيه عليكم , وأعرض بوجهه الكريم عنكم , وأحل بكم نقمته , وجنبكم رحمته , فنعم الرب ربنا , وبئس العبيد أنتم , أقررتم بالطاعة وآمنتم بالرسول محمد صلى الله عليه واله وسلم ثم أنكم زحفتم على ذريته وعترته تريدون قتلهم , لقد استحوذ عليكم الشيطان فأنساكم ذكر الله العظيم , فتبّاً لكم ولما تريدون وإنا لله وإنا إليه راجعون , هؤلاء

(1) مقتل الحسين اللخوارزمي : 1 / 252 .
(2) تظلّم الزهراء : 180 .
(3) البحار : 45 / 5 .

( 263 )

قوم كفروا بعد إيمانهم فبعداً للقوم الظالمين (1).

فقال عمر بن سعد لعنه الله : كلموه فإنه ابن أبيه ووالله لو وقف فيكم هذا يوماً كاملاً لما انقطع (2). فتقدم إليه شمر بن ذي الجوشن وقال : يا حسين مالذي تقول ؟ أفهمنا حتى نفهم .

فقال عليه السلام : أقول أتقوا الله ربك ولا تقتلونني فإنه لا يحل لكم قتلي , ولا انتهاك حرمتي , فإني ابن بنت نبيكم , وجدتي خديجة زوجة نبيكم , ولعله قد بلغكم قول نبيكم : الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة (3) .

فقال له قيس بن الأشعث : ما ندري ما تقول , ولكن أنزل على حكم الأمير ابن زياد .

فقال الحسين عليه السلام : لا والله , لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل , ولا أقر لكم إقرار العبيد (4).

رامـت تـسوق المصعب      الـهدار مـستاق الـذلول
ويـروح  طـوع يـمينها      قـود  الجنيب أبو الشبول
خـلط الـشجاعة بـالبرا      عـة  فالصليل عن الدليل
لــف  الـرجال بـمثلها      وثنى الخيلول على الخيول
لــسـانـه ولـسـانـه      صـدقان مـن طعن وقيل

(1) مناقب ابن شهر آشوب : 4 / 100 .
(2) نفس المهموم : 245 .
(3) بحار الأنوار : 45 / 6 .
(4) الإيقاد : 103 .

( 264 )

المطلب الخمسون

في خطبة الحسين عليه السلام يوم عاشوراء

قال أهل السير : لما عبأ الحسين عليه السلام أصحابه وعبأ ابن سعد أصحابه لمحاربة الحسين عليه السلام , ورتب مراتبم وأقام الرايات في مواضعها , خرج الحسين عليه السلام عند ذلك ممتطياً جواده حتى أتى نحو القوم فاستنصتهم , فأبوا أن ينصتوا فصاح بهم : ويلكم , ما عليكم أن تنصتوا فتسمعوا قولي وإنما أعدوكم الى سبيل الرشاد , فمن أطاعني كان من المرشدين , ومن عصاني كان من المهلكين , وكلكم عاص لأمري غير مستمع لقولي , فقد ملئت بطونكم من الحرام , وطبع على قلوبكم , ويلكم ألا تنصتون , ألا تسمعون , فتلاوموا فيما بينهم وقالوا : انصتوا له (1). فلمّا رآهم الحسين عليه السلام قد سكتوا , قال :

تباً لكم أيتها الجماعة وترحا , أحين استصرختمونا والهين , فاصرخناكم موجفين سللتم علينا سيفاً في إيمانكم , وحششتم علينا ناراً اقتدحناها على عدونا وعدوكم , فأصبحتم البا لأعدائكم على أوليائكم بغير عدل أفشوه فيكم , ولا أمل أصبح لكم , فهلا لكم الويلات تركتمونا والسيف مشيم , والجأش طامن , والرأي لما يستحصف , ولكن أسرعتم إليها كطيرة الدبى , وتداعيتم إليها كتهافت

(1) الإيقاد : 104.

( 265 )

الفراش , فسحقاً لكم يا عبيد الأمة , وشذاذ الأحزاب , ونبذة الكتاب , ونفثة الشيطان , وعصبة الأنام , ومحرّفي الكتاب , ومطفيء السنن , وقتلة أولاد الأنبياء , ومبيري عترة الأوصياء , وملحقي العار بالنسب , ومؤذي المؤمنين , وصراخ أئمة المستهزئين , الذين جعلوا القرآن عضين , وأنتم على ابن حرب واشياعه تعتمدون , وإيانا تخاذلون , أجل والله , غدر فيكم , وشجت عليه اصولكم , ونازرت عليه فروعكم , فكنتم أخبث ثمر شجي للناظر , وأكلة للغاصب , ألا وإن الدعي بن الدعي قد ركز بين أثنتين ؛ بين السلة والذلة , وهيهات منا الذلة , يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون , وحجور طابت وطهرت , وانوف حمية ونفوس أبيه من أن تؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام , ألا وقد اعذرت , ألا قد أنذرت , ألا وإني زاحف بهذه الأسرة على قلة العدد وخذلان الناصر , ثم أنشأ يقول :

فإن  نهزم فهزامون قدما      وإن  تهزم فغير مهزّمينا
وما  إن طبنا جبن ولكن      مـنايانا ودولـة آخرينا
فـقل للشامتين بنا أفيقوا      سيلقى الشامتون كما لقينا

ثم قام : أما والله لا تلبثون بعدها إلا كريث ما يركب الفرس حتى تدور بكم دوران الرحى , وتقلق بكم قلق المحور , عهد عهده إلي أبي عن جدي , فأجمعوا أمركم وشركائكم , ثم لا يكن أمركم عليكم غمة , ثم أقضوا إلي ولا تنظرون «إِنّي تَوَكّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبّي وَرَبّكُم مَا مِن دَابّةٍ إِلّا هُوَ آخِذُ بِنَاصِيَتِهَا إِنّ رَبّي عَلَى‏ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ »(سورة هود:56) , اللهم احبس عنهم قطر السماء , وابعث عليهم سنين كسني يوسف , وسلط عليهم غلام ثقيف , يسقيهم كأساً مصبرة , ولا يدع فيهم أحداً إلا قتلة بقتلة , وضربة بضربة , ينتقم لي ولآبائي وأهل بيتي وأشياعي منهم , فإنهم

(1) إقتباس من الآية 56 من سورة هود .

( 266 )

غرونا وكذبونا وخذلونا , أنت ربنا عليك توكلنا وإليك أنبئنا وإليك المصير (1).

ثم قال عليه السلام : أين عمر بن سعد لعنه الله ؟ فجاء إليه فقال : يا عمر , أنت تقتلني وتزعم أنه يوليك الدعي بن الدعي بلاد الري وجرجان ؟! والله لا تتهنأ بذلك أبدا , عهد معهود، فاصنع ما أنت صانع، فأنت لا تفرح بعدي بدنيا ولا آخرة، وكأني برأسك على قصبة قد نصبت بالكوفة يتراماه الصبيان , ويتخذونه غرضاً بينهم .

فاغتاض اللعين من كلام الحسين عليه السلام ثم صرف بوجهه عنه ونادى بأصحابه : ما تنتظرون , احملوا بأجمعكم إنما هي أكلة واحدة (2), ثم أخذ سهماً ووضعه في كبد القوس ورمى به نحو مخيم الحسين , وقال : اشهدوا لي عند الأمير ابن زياد لعنه الله فإني أول من رمى الحسين (3), ثم رمى العسكر كله.

قال الراوي: فما بقي من أصحاب الحسين أحد، إلا وأصابه سهم أو سهمين، من تلك السهام (4) فقال الحسين عليه السلام لأصحابه , قوموا رحمكم الله الى الموت الذي لابد منه , فإن هذه السهام رسل القوم إليكم (5).

قال فحملوا أصحاب الحسين حملة واحدة , وجعلوا يقاتلون حتى اقتتلوا ساعة من النهار . قال الراوي : فقتل من أصحاب الحسين عليه السلام خمسين رجلاً . قال : ثم أمر أصحابه أن يحملوا على القوم واحداً بعد واحد , وكان الرجل منهم إذا أراد البراز يستأذن الحسين عليه السلام فيأذن له , ثم يقول : السلام عليك يا أبا عبدالله , فيقول الحسين : وعليك السلام , ثم يحمل على القوم حتى أن عابس بن شبيث

(1) الملهوف على قتلى الطفوف : 157 .
(2) الإيقاد : 105 .
(3) مثير الأحزان لابن نما : 56 .
(4) تظّلم الزهراء : 158 .
(5) نفس المهموم للشيخ عباس القمي : 250 .

( 267 )

الشاكري (1)لشوقه واشتياقه للقتل , خرج من الخيام حاسراً (2)وانحدر نحو القوم , فقيل له : عابس أجننت ؟ قال : نعم , إن حب الحسين عليه السلام أجنني .

يتهادون الى الحرب سكارى     طرباً فيه وما هم بسكارى

(1) وصفه الشيخ المامقاني في ج2 ص 112 من كتابه «تنقيح المقال» بقوله : «كان عابس من رجال الشيعة رئيساً شيخاً خطيباً ناسكاً متهجّداً ...»
(2) مقتل الحسين للخوارزمي : 2 / 23 .

( 268 )

المطلب الواحد و الخمسون

في وحدة الحسين عليه السلام وخطبته يوم العاشر

لما كانت اليوم العاشر من المحرم وتقدمت أنصار الحسين عليه السلام فقتلوا , ثم تقدمت إخوته وأولاده فقتلوا وبقي وحيداً فريداً , أقبل الى الخيمة ودعى أخته الحوراء زينب , فجاءت فقال لها : اختاه علي بفرس رسول الله المرتجز (1) وسيفه وعمامته , فجاءت بها إليه فتعمم بعمامة رسول الله وتقلد بسيف رسول الله , وركب فرس رسول الله , ثم انحدر نحو القوم ونادى بأعلى صوته : أنشدكم الله هل تعرفونني من أنا ؟ قالوا : اللهم نعم , أنت ابن رسول الله حقا . قال أنشدكم الله هل تعلمون ان جدي رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ؟ قالوا : اللهم نعم . قال : انشدكم الله هل تعلمون أن أبي أبي علي بن أبي طالب عليه السلام ؟ قالوا : اللهم نعم . قال : انشدكم الله هل تعلمون أن امي فاطمة بنت محمد صلى الله عليه واله وسلم ؟ قالوا . اللهم نعم . قال : أنشدكم الله هل تعلمون أن جدتي خديجة بنت خويلد أول نساء هذه الامة أسلاماً ؟ قالوا : اللهم نعم . قال : انشدكم الله هل تعلمون أن جعفر الطيار في الجنة عمي ؟ قالوا : اللهم نعم . قال . انشدكم الله هل تعلمون هذا سيف رسول الله أنا متقلده ؟ قالوا : اللهم نعم . قال : انشدكم الله هل تعلمون أن هذه عمامة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أنا لابسها ؟ قالوا : اللهم نعم . قال : انشدكم الله هل تعلمون أن أبي علي بن أبي طالب أول القوم إسلاماً

(1) الملهوف على قتل الطفوف : 158 .

( 269 )

وأكثرهم علماً وأرجحهم حلماً وأنه ولي كل مؤمن ومؤمنة ؟ قالوا : اللهم نعم . قال إذا بم تستحلون دمي وأبي الذائد عن الحوض يذود عنه رجالاً كما يذاد البعير الصادر عن الماء , ولواء الحمد بيده يوم القيامة ؟

قالوا : قد علمنا ذلك كله ونحن غير تاركيك حتّى تذوق الموت عطشاً . فأخذ الحسين بطرف كريمته المباركة وهو يومئذ ابن سبع وخمسين سنة , قال : اشتدّ غضب الله على اليهود حين قالوا العزيز ابن الله , واشتد غضبه على النصارى حين قالوا : المسيح ابن الله , واشتد غضبه على المجوس حين عبدو النار من دون الله , واشتد غضبه على قوم قتلوا نبيهم , واشتد غضبه على هذه العصابة الذين يريدون قبل ابن بنت نبيهم (1) .

قال الراوي : ولما رأى الحسين إصرارهم على قتله أخذ المصحف ونشره على يده ونادى : يا قوم بيني وبينكم كتاب الله وسنة جدي رسول الله صلى الله عليه واله وسلم , يا قوم بم تستحلون دمي ؟ ألست أنا ابن بنت نبيكم ؟ أو لم يبلغكم قول جدي في وفي أخي الحسن , هذان ولداي سيدا شباب أهل الجنة , فإن لم تصدقوني فاسئلوا جابر بن عبدالله الأنصاري , وزيد بن أرقم , وأبا سعيد الخدري , فوالله ما تعمدت الكذب أبداً مذ علمت أن الله يمقت أهله , والله ليس في مشرق ومغرب ابن بنت نبيّ فيكم غيري .

فأجابه الشمر قائلاً : انزل على حكم ابن زياد . فقال الحسين عليه السلام : لا والله ثم حمل عليهم بسيفه وهو يقول (2)

أنا ابن علي الطهر من آل هاشـم     كفاني بـهذا مـفخراً حين أفـخر

وجدي رسول الله أفضل من مشى     ونحن سراج الله في الأرض نزهر

(1) أمالي الشيخ الصدوق : 222 وما بعدها .
(2) كما في ج 45 ص 49 من بحار الأنوار للشيخ المجلسي .

( 270 )

فانكشفوا من بين يديه انكشاف المعزي إذا شدّ فيها الذئب , ثم انحدر نحو المشرعة وكان عليها أربعة آلاف , فكشفهم عن المشرعة واقتحم الفرس في الفرات ونزل في الماء . قال : فمد الحسين يده وغرف غرفة ليشرب وإذا بمنادي ينادي : يا حسين أتلتذ بالماء وقد هتكت حريمك ؟ فرمى الماء من يده وخرج من الفرات (1) فحمل الى القوم فكشفهم على وجهه ونظر إلى الخيمة فإذا بها سالمة , فعلم إنها مكيدة , وناداه رجل آخر : ألا ترى الفرات يجري في بطون الحيات والله لن تذوق منه قطرة حتى تموت عطشا (2), ثم حمل على القوم مرة ثانية وهو يقول :

أنا الحسين بن علي     آليت أن لا أنثني

فلم يزل يقاتل حتى قتل جمعاً كثيراً من الأعداء , ثم رجع الى مركزه وهو يقول : لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم (3).

قال : واصيب بجراحات عديدة , جاء إلى مخيمه وصاح بالنساء , فخرجت إليه الحوراء زينب , فقال لها : أخيه، علي بالمنديل لأشد به هذا الجرح , فجاءت إليه بمنديل لتشد له جرحه , وإذا ببدنه كله يشخب دما , فقالت له : أخي، اي جرح اشده لك , الجرح الذي في رأسك ؟ أم الجرح الذي في جبهتك ؟ أم الجرح الذي في صدرك ؟ فرفع الثوب عن خاصرته وقال لها : اخية هذا الجرح ضرّني , فصاحت وا أخاه وا حسيناه . (3)

سهم أصابك يابن بنت محمد     قلباً أصاب لفاطم وفؤادها

(1) البحار : 45 / 51 .
(2) فقال الحسين عليه السلام , اللهم أمته عطشاً . قال الراوي : فكان ذلك اللعين يقول اسقوني ماء فيأتون إليه الماء فيشرب حتى يخرج من فيه حتى هلك .
(3) نفس المهموم : 354 .

( 271 )

بقية المجلس في حملات الحسين عليه السلام يوم عاشوراء

بأبي ابن فاطمة والسيف في يده     إن ابن ميمون سراً يعبد الصنما

أو رأسه يتجلى لـلهدى قمرا     على الاسنة يجلو نـوره الظلما

قال أرباب المقاتل : ولما أراد الحسين عليه السلام أن يحمل على القوم حملته الأخيرة , جعل يودع عياله وأطفاله , فتصارخت العيال والأطفال ودرن حوله ؛ فمنهن من تقبل رأسه , ومنهن من تقبل وجهه , ومنهن من تقبل يده ورجليه , وإذا بالمنادي ينادي من القوم : يا حسين , جبنت عن الحرب وجلست في خيمة النساء , فقام وركب الجواد وانحدر نحو القوم , فبينما هو يسير وإذا بصوت من خلفه : أبة لي إليك حاجة , التفت وإذا هي سكينة , فقال لها : بنية ما حاجتك ؟ قالت : أبه حاجتي أن تنزل من على ظهر جوادك الى الأرض وأريد أن أودعك وداع اليتامى . فنزل الحسين عليه السلام من على ظهر جواده وجلس على الأرض فجعلت سكينة تبكي , فقال الحسين عليه السلام :

سيطول بعدي يا سكينة فاعلمي      مـنك  البكاء إذا الحمام دهاني
لا تـحرقي قلبي بدمعك حسرة      ما  دام مني الروح في جثماني
فـإذا قـتلت فأنت أولى بالذي      تـأتينه يـا خـيرة الـنسوان

قال الراوي : وأقبلت إليه أخته الحوراء زينب , فقالت له أخي أكشف لي

(1) مناقب آل أبي طالب : 4 /109 .

( 272 )

عن صدرك وعن نحرك , فكشف لها الحسين عليه السلام صدره وعن نحره , شمته في نحره وقبلته في صدره , ثم حولت وجهها نحو المدينة وصاحت : يا اماه قد استرجعت الأمانة , فتعجب الحسين عليه السلام من كلامها , فقال لها : اخية , وما الأمانة ؟ قالت : اعلم يابن والدي , لما دنت الوفاة من امنا فاطمة , قربتني إليها وشمتني في نحري وقبلتني في صدري وقالت لي : بنية زينب , هذه وديعة لي عندك , فإذا رأيت أخاك الحسين وحيداً فريداً , شميه في نحره وقبليه في صدره ؛ اما نحره فإنه موضع السيف , وأما صدره فإنه موضع حوافر الخيول .

قال الراوي : والله لقد سمعنا منادياً ينادي بين السماء والأرض , وا والداه وا حسيناه , ثم ودعهم وحمل على القوم فجعل يضرب فيهم بسيفه وهو يقول (1):

الموت أولى من ركوب العار     والعار أولى من دخول النار

قال بعض الرواة : ما رأيت مكثوراً (2)قط قد قتل منه ولده وأهل بيته وأصحابه أربط جأشاً منه عليه السلام , وإن كانت الرجال لتشد عليه ويشد عليها بسيفه فتنكشف عنه انكشاف المعزى إذا شد فيها الذئب , ولقد كان يحمل عليهم وقد تكاملوا ثلاثين ألف , فينهزمون من بين يديه كالجراد المنتشر (3), ثم يرجع الى مركزه وهو يقول : لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم , فكان كما قال المتنبي (4):

واستعار الحديد لوناً وألقى     لونه في ذوائب الأطفال

هذا والعطش قد أثر بعينه حتى صار لا يبصر بهما، وأثر بلسانه حتى صار

(1) كما في صفحة 170 من كتاب « الملهوف على قتلى الطفوف » .
(2) المكثور : المغلوب .
(3) تاريخ الطبري : 4 / 345 .
(4) في قصيدته التي يمدح بها عبدالرحمن بن المبارك الإنطاكي ومطلعها :
حيلة الهجر لي وهجر الوصال     نكساني في السقم نكس الهلال

( 273 )

كالخشبة اليابسة , وأثر بأحشائه حتى صار الغبار يدخل في فيه وينزل الى جوفه ثم يخرج مثلما دخل , وأثر العطش في قواه وهو مع ذلك يضرب فيهم بسيفه , فصاح عمر بن سعد بأصحابه : الويل لكم يا حمقاء , أتدرون من تقاتلون , هذا ابن الأنزع البطين , هذا ابن قتال العرب , فاحملوا عليه حملة رجل واحد (1) . ثم إنهم افترقوا عليه أربعة فرق : ضرباً بالسيوف , طعناً بالرماح , رمياً بالسهام , رضخاً بالحجارة والخشبة , فبينما هو كذلك إذ أتاه حجر مشوم فرقع في جبهته , وسالت الدماء على كريمته المباركة (2), أخذ ثوبه ليمسح الدم , بان صدره الشريف إلى الأعداء فرماه ابو الحتوف الجعفي لعنه الله بسهم محدد مسموم له ثلاث شعب , فوق لبة قلبه (3), فرفع رأسه الى السماء وقال : الهي أنت تعلم أنهم يقتلون رجل ليس على وجه الارض ابن نبي غيره (4), وكلما عالج وأراد أن ينتزعه من موضعه ما تمكن , انحنى على قربوس سرج فرسه قائلاً : بسم الله وبالله وعلى ملة جدي رسول الله صلى الله عليه واله وسلم , فاستخرج السهم من قفاه وجرى الدم كالميزاب (5).

قال الراوي : وخرج ثلثاً كبده مع السم , فخرّ صريعاً الى الأرض , فجعل جواده يدور حوله ويأخذ عنانه بأسنانه ويضعه بيد الحسين عليه السلام مشيراً إليه بالقيام , فلما رأى الجواد إن الحسين لا قابلية له على النهوض , خضب ناصيته بدمه ورجع نحو خيمه كي يعلم النساء بقتله , وهو يصهل ويحمحم ويقول في صهيله :

(1) مناقب ابن شهر آشوب : 4 /110 .
(2) مقتل الحسين للخوارزمي : 2 / 34 .
(3) تظلم الزهراء : 209 .
(4) مثير الأحزان لابن نما : 73 .
(5) الملهوف على قتلى الطفوف : 172 .

( 274 )

الظليمة الظليمة الهضيمة الهضيمة من امة قتلت ابن بنت نبيها (1), فدرن الهاشميات حوله وجعلن يتصارخن ويبكين وكأني بالحوراء زينب تخاطبه :

يا جواد الحسين أين الحسين     أين من كان لي عماداً ضلالا

قال أرباب المقاتل : ولما صرع الحسين عليه السلام سقط عن ظهر جواده إلى الأرض , وعمل له وسادة من التراب , فنام عليها ثلاث ساعات من النهار , ثم أنه عليه السلام أراد النهوض فلم يتمكن , احتبى بحمائل سيفه وجلس محتبيا .

قال الراوي : وخرج غلام صغير من المخيم وهو عبدالله بن الحسن عليه السلام (2)وقرطاه يتذبذبان على خديه , فلحقته زينب بنت علي لتحبسه , فأبى وامتنع امتناعاً شديداً , فقال : لا والله , لا افارق عمي الحسين حتى إذا جاء الى مصرع عمه الحسين عليه السلام وجلس في حجره فصاح به الغلام : ويلك أتضرب عمي , ثم رفع يده ليمنع الضربة عن عمه فضربه اللعين فاتّقاها الصبي بيده فأطنها الى الجلدة وإذا هي مطلقة , فنادى الغلام : يا عماه , فأخذه الحسين وضمه إليه وقال له : يابن أخي أصبر على ما نزل بك , واحتسب في ذلك الخير , فإن الله يلحقك بآبائك الصالحين . قال : فرماه حرملة بن كاهل بسهم فوقع الغلام إلى جنب عمه الحسين قتيلاً (3).

قال الراوي : ورمق الحسين عليه السلام السماء بطرفه وجعل يقول :

تركت الخلق طراً في هواكا     وأيتمت العيال لكي أراكا

فلو قطعتـني بالـحب أرباً     لما مال الفؤاد الى سواكا

(1) مقتل الحسين للمحقق الثبت السيد عبدالرزاق المقرم رحمه الله : 283 .
(2) حسب ما جاء في ج2 ص 110 من كتاب الإرشاد للشيخ المفيد .
(3) بحار الأنوار : 45 / 54 .

 

 
 
البرمجة والتصميم بواسطة : MWD