العتبة الحسينيةمؤسسة وارث الأنبياء
مخطوطة العتبة الحسينيةمخطوطة وارث الأنبياء
حياة علي الأكبر عليه السلام

حياة علي الأكبر عليه السلام

  • المؤلف: محمّد علي عابدين

  • الطبعة: الأولى

  • سنة الطبع: 1398 هـ

-(إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)(القرآن الكريم).

- ((... أشبه النّاس خَلقاً ومنطقاً وخُلقاً برسولك، وكنّا إذا اشتقنا إلى نبيّك نظرنا إلى وجهه )). الإمام الحسين (عليه السّلام).

- (... لا... إنّ أولى النّاس بهذا الأمر - ويقصد الخلافة - هو عليّ بن الحسين بن علي بن أبي طالب؛ جدّه رسول الله، وفيه شجاعة بني هاشم، وسخاء بني أُميّة! وزهو ثقيف ). معاوية بن أبي سفيان أثناء اعتراف ذاتي.

مقدّمة

عليّ هذا علمُ من الأعلام، وعظيم من عظماء الشبيبة الهاشميّة الذين جسّدوا إرادة الإسلام، وواحد من كواكب كربلاء، كوكب سطع في اُفق الطفِّ فوق بطحاء كربلاء، مجاهد عنيد لمبادئ يؤمن بها وقضاياً يتبنّاها.

لقد أنجبت عائلة محمّد بن عبد الله حاملِ رسالة السّماء، قائدِ حركة الانعتاق، رافعِ مشعل النور (صلّى الله عليه وآله)، أنجبت نخبةً ممّن شكلوا امتداداً لخطّهِ النبوي ونهجه المحمّدي الخلاّق، نماذجَ من الشبان الصارمين الحديين الرافضين، رجالاً من أخطر من شهدتهم عهود الملوك وأدوار الحاكمين وحقب التاريخ. وليس أدل على ذلك ممّا شهدته الحقبة التاريخيّة الحسينيّة، ليس أدل على ذلك ممّا شهدته مكّة والمدينة فميدان كربلاء.

لم تفتح كربلاء مسرحها أو أبواب ميدانها لتسمح بالدخول من أجل استعراضٍ بطولي ومباريات مجد عسكرية طارئة أو مؤقتة، إنّ كربلاء لقاء على مستوى العقيدة، وصراع على صعيد الفكر، ومباريات قوامها المبادئ.

كربلاء الحسين ترجمة أمينة النقل من نظرية الإسلام إلى عمل الإسلام وفعالياته في حيز التطبيق، ترجمة أمينة لروح الأصالة في المواقف الرافضة، وترجمة حيوية لروح الحرية، وبالتالي فهي ترجمة عملية واضحة الرؤية للرسوخ الإيماني والرقي العقائدي.

فتحت كربلاء أبوابها لتسليط الأضواء على حقيقة هويات رجال من الأُمة وليسوا منها، هوية الاُمويّة ومن ختم بخاتم معاوية، كذلكم ولتسلط الضوء على حقيقة هويات رجال من شباب وكهول وشيوخ حالفوا الحق ومارسوه، وأبوا إلاّ الختام جنبه والموت عليه دون أن ينسوه أو يتركوه.

إنّه وبغض الطرف عن الأحداث الدمويّة والاشتباكات المسلحة العسكرية والنهايات المؤلمة، فإنّ النتيجة هي غير ما تمخّض عنه الصراع من قتل وثكل وسبي وانتهاك الحرمات... النتيجة هي الإجلاء الكامل والبيان التام لمبدأ خطير من مبادئ الإسلام، مبدأ مطموس لا تنهض به كلمة اللسان وخطب بيان الإنسان.

مبدأ لا يبقى خالداً عبر الزمان بكل مكان، هو أُم المبادئ وسنامها، وكل المبادئ باقية وهو قوامها، وإلاّ فكلها ضعيفة لغيابه وبعده ٍ، إنه مبدأ الجهاد الذي لا تنهض به غير النهضة التي أضحت قضية، وأي قضية حيث قد خطّت بحبر من دماء أجساد زكية!

ما برحت ثورة الإمام الحسين (عليه السّلام) في خلود أيامها ومجد ذكراها مليئة بالأصالة، معبرة عن العزِّ والكرامة والحرية، متمتعة بالجلال والهيبة؛ لأنها نقية خالية من الشوائب، كاملة الصفاء، نزيهة الدوافع، قدسية النيّة؛ ولأنها ثرية غنية بالعطاء، تؤتي اُكلها كل حين بإذن ربّها، ولكن مَن يأخذ منها يا ترى، أم من ينتهل ويغترف؟! من ذا الذي يحسن أخذ بعض جودها وسخاء يدها المعطاءة؟!

وإن تجلّت الثورة الحسينيّة بما تجسّد فيها من اعتبارات رساليّة جمة وجليلة، ذات خطر على المنحرفين، فإنها قد أبرزت لنا نجوماً وضّاءة ما زالت ساطعة لامعة، وستبقى رهينة الخلود قيد المجد ما بقي للتاريخ حبر يسطّره، وما بقي في الأُمة رجل يترجمه عملاً...

نجوماً مشعّة في سماء الفكر، وكواكب متألّقة تمثّلت بتلك الشبيبة العملاقة، وهذا واحد منها، إنه علي الأكبر بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السّلام).

عُرف بالأكبر، وهو الكبير في كل امتيازاته؛ في عزمه وعلمه وجهاده، الكبير في نسبه ومصرعه، في كل أوصافهِ وصفائهِ.

ولم تكن كلمة (الأكبر) لتزيد منه أو لترفعه أو لتكبر مقامه، كلاّ بل هي تمييز له من حيث السن عن أخيه الإمام العظيم علي زين العابدين (عليه السّلام) الأصغر منه سناً. فعلي ليكن أصغر أو أوسط أو أكبر، إنّه واحد لا يتغيّر، إنّه عليٌّ في علاه، عليٌّ في علمه وهداه، عليٌّ في إيمانه وتقواه، عليُّ عند الناس وفي السماء عند الله.

نرجو أن يحالفنا التوفيق للكتابة عن هذا العَلم نجل الحسين، حفيد أمير المؤمنين علي، سليل النبي، وحفيد الزهراء الطاهرة سيدة نساء العالمين (صلوات الله عليهم أجمعين).

نبتهل للرحمان بأن لا يحرمنا عطاء هذا البيان، إنه ولي التوفيق والإحسان.

محمّد علي عابدين - مدينة الكوفة المقدّسة

محرم الحرام 1398 هـ

القسم الأوّل

علي الأكبر في شخصيّته الفذّة  في ذروة المجد

الهاشميّون

رفض الإسلام أية مفاضلة اُممية أو قبلية، وأية مبادرة حتّى للتصنيفات الفردية بمعزل عن المعيار الذي قدّره القرآن، والمقياس الذي أعلنه كركيزة لا نحيد عنها عند المفاضلة والتصنيف، إنه مقياس الإيمان، ركيزة التقوى.

ولو أنّ مشروعاً منصفاً للتفاضل اُقيم وعلى مستوى النسب بين فروع العجم وقبائل العرب لما فاز به غير الهاشميِّين؛ إذ لم يكن اعتباطاً أو جزافاً خروج صفوة العرب وأعيان الأُمة الإسلاميّة وأعلامها منهم، وعلى رأسهم يقف زعيم هاشم وعميد العروبة، سيد الأُمة والإنسانيّة محمّد رسول الله (صلّى الله عليه وآله).

اختاره الله تبارك وتعالى من الشجرة الهاشميّة بالذات؛ لأنها أقوى عوداً وأعمق جذوراً، وأكرم شرفاً وأمعن أصالة. وما كانت إرادة السماء لتفرّط بعملها وبعثة نبيها من موقع عادٍ ونسب بسيط قليل الشأن بمضمونه وطهارته، أو بشرفه عند الناس وسمعته وعلو منزلته، حتّى إذا ما أعلن النبي دعوته مثلاً للقبائل والبشر قابلوه بمؤاخذات على أصالته نسباً؛ حيث أصله الرديء، أو سيرته، حيث وصمات ماضيه.

ما كان الله سبحانه ليزيل باطلاً ويقيم محله حقّاً بصرح قويٍّ يتوخّى اعتبارات المستقبل، وذلك بأيدي ضعيفة قليلة القيمة، بل كان حتماً ترشيح الأيدي النزيهة القوية الكفوءة قبل تقرير النتيجة، ترشيح العائلة العاملة بجميع أعضائها وضمان كونها ذات موقع جليل قبل تقدير الثمرة المصطفاة.

ويؤكد هذا - بما لاشك فيه - تكرار المعنى، وارداً في جملة من أحاديث الرسول (صلّى الله عليه وآله) بشأن اختيار الله لهاشم ثمّ عبد المطلب، ثمّ عبد الله، ثمّ هو شخصه الشريف، حيث رشح بلا منافس كصفيٍّ ومصطفى، ثمّ علي أمير المؤمنين وكل أهل بيت النبوة (عليهم السّلام) وفق عملية أمينة للاصطفاء، والأحاديث كثيرة(1).

ولقد انحدر علي الأكبر (عليه السّلام) من أعلى تلك الشجرة، من فوق شموخها الأشم كواحدٍ ممّن خضع للترشيح الإلهي والانتخابات وفق إرادة ليس لها معارض، إنّه جاء إلينا عضواً نزيهاً عاملاً ضمن مجموعة حزب الله وجند الرحمان من خلال مروره (بالاصطفاء) حسبما يصطلح القرآن الكريم.

ولا مراء فيما تلعبه الوراثة من دور فعّال في تكوين الشخصيّة فضلاً عمّا يلعبه البيت بتربوياته السليمة السامية من أدوار في البناء الشخصي، حتّى ليتجلّى كلّ من معالم الوراثة ومعالم التربية على شخصيته في سيرته من خلال نشاطاته وفعالياته الرساليّة، وهذا ما لاحظه الشاعر في علي الأكبر: جمع الصفاتِ الغرَّ وهي تراثُه...

في بأسِ (حمزةَ) في شجاعة (حيدرٍ)                     

بإبا (الحسينِ) وفي مهابة (أحمدِ)

وتراه في خُلقٍ وطيبِ خلائقٍ
 
وبليغِ نطقٍ كالنبيِّ (محمّدِ) 

____________________

(1) انظر مثلاً ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى - لمحب الدين الطبري، وغيره كثير.

 والده

عند التحدّث عن أي شخصيّة مهما كانت لا بدّ من الرجوع للحديث عن اُسرته، لا سيما والده ووالدته؛ فثمة صلة هامة ورابطة خطيرة بين الحديثين للوقوف على الحقائق، ولإماطة اللثام عن واقع الشخصيّة المعنية؛ نظراً للدور الأبوي الفعّال في الشخص، بدءاً من كونه نطفة، ومروراً بمراحل التكوين حتّى الولادة فالتربية والتهذيب.

مَن ذا الذي يجهل والد سيدنا علي الأكبر؟ كلنا يعرفه، وكلنا يجهله؛ نعرفه بالاسم وببعض الاُمور، ونجهل حقيقته الكاملة.

إنّ الإمام سبط الرسول الحسين بن علي (صلوات الله عليهم) ليس أباً فحسب، وليس بمستوى الاُبوة فقط، إنّه فوق ذلك المستوى بما يمثّله من إشراف على الأُمة بكلِّ أبنائها وبناتها، وبما يتبنّاه من قضايا أبناء الأُمة ودينهم الإسلامي الحنيف في بعده المستقبلي.

هذا الأب العظيم من شأنه - دونما جدال - أن ينجب ابناً بمثابة أُمة من الناس، أن ينجب من يكون نوراً ونبراساً، وقائداً وقدوة؛ وعليه فلا نستكثر على ذلك الإمام إنجاب القادة ورجال العقيدة وهو الإمام الذي تمكّن من أن يصون شعوب الإسلام، ويحفظ الأُمة العملاقة مع دينها ومبادئها الخلاّقة.

ولا نريد هنا أن نتكلم عن أبي عبد الله الحسين (عليه السّلام)؛ فهذه الصفحات خاصة بولده ونجله فقط، كما أنّ الحديث عن الإمام (عليه السّلام) لا يُعدّ محاولة هيّنة ويسيرة بناءً على أنه ليس شخصاً عادياً يصح عنه الكلام كيفما اتفق الكلام، وإنما هو شخص امتزجت فيه المبادئ فجسّدها عملاً على أرض الواقع، إنّه صاحب رسالة وسيّد قضية، رسالة ممتدة من رسالة جدّه الرسول الأعظم، وقضية تبرعمت من شجرة قضية جده النبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله).

وبعد، فإنما نتجنب الخوض في الحديث عن الإمام سيد الشهداء فلسعة مهمته الرساليّة التي يلزمنا التحدث فيها وعنها، ولبعد وظيفته الإلهية ورحابة طرحه لقضيته، وأخيراً فلأنه حقق عملياً - وعلى المدى البعيد - للأُمة ما لم تستطع كل الأًمة تحقيق بعضه.

ذلك هو الوالد والأب والمربّي الصارم القويّ، معلم الأُمة الذي أنجب للانعتاق والتحرير طاقات نورٍ متمثلةٍ بالشخصيات المضيئة التي اخترقت أستار الظلام عبر عصور الظلم والاضطهاد، ووسط تفاقم الأوضاع.

أخذ الإمام الحسين (عليه السّلام) عن جدِّهِ (مدينة العلم) ثروة من العلم والحكمة، وثروة من السمات البالغة في السمو... أخذ الإمام الحسين عن أبيه (باب مدينة العلم) وافر العلوم والامتيازات، أبوه أمير المؤمنين عليّ الذي ارتشف من نفس منهل النبي (صلّى الله عليه وعليهم أجمعين)، وراح الحسين (عليه السّلام) بدوره يوزّع ما عنده دون أن ينقص مخزونه أو ينضب ويفيض بما لديه على أولاده الأطهار والتابعين له بإحسان، ( وكلّ إناء بالذي فيه ينضحُ ).

كان حسينٌ رحيماً ورحمة للمؤمنين، فكان علي الأكبر يشاطر والده في هذه الخصوصية الرحمانيّة.

كان حسينٌ قاسياً وقسوة على الكافرين والمنحرفين، فكان علي الأكبر حليف والدهِ صارماً لا يلين.

كان حسينٌ ثائراً وثورة يأبى الضيم، عزيز النفس، وكان نجله مثله ولا يختلف عنه؛ شديد التمسك بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حريصاً جداً على الجهاد المصيري.

وكان الإمام الحسين حسيناً بجميع حسنيّات الإسلام، وكان نجله علي الأكبر عليّاً رفيع المقام، يحذو حذو أبيه، حذو الحقائق بعضها وراء بعض. ولو أن رجالاً وشباباً عاشوا مع الحسين(عليه السّلام) بعض الوقت وبعض العمر لما انفكّوا عن تأثيره الرسالي الخطير، فكيف يكون تأثّر نجله به إذاً؟!

وكيف ستكون طبيعة الأثر والآثار وهو فلذة كبده، المنحدر من شامخ صلبه الطاهر؟! (ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ).

والدته السيدة ليلى الثقفيّة

أمّا والدته فهي السيدة ليلى الثقفية، وهي عربيّة الأصل كما يوحي نسبها إلى بني ثقيف ذات الشهرة والصيت الذائع في الطائف وكلِّ البقاع العربيّة.

السيدة ليلى هذه نالت من الإيمان والحظوة لدى الله سبحانه وتعالى بحيث وُفقّت لأن تكون مع نساء أهل بيت النبوة، تعيش أجواء التقى والإيمان، وتعيش آلام آل الرسول (صلوات الله عليهم) وآمالهم، وتشاطر الطاهرات أفراحهن وأتراحهن.

وقد ظفرت بتوفيق كبير آخر؛ حيث أضحت وعاءً لأشبه الناس طرّاً برسول الله (صلّى الله عليه وآله)؛ فهي امرأة رشيدة، جليلة القدر، سامية المنزلة، عالية المكانة، رفيعة الشرف في الأوساط الاجتماعيّة. كيف لا وهي زوجة سبط سيد المرسلين وسيد شباب أهل الجنّة أبي عبد الله الحسين (عليه السّلام)؟!

ونرى أنّ من الضروري التحدّث عن أبيها عروة بن مسعود الثقفي كما سيأتي بعد أسطر.

أمّا والدة ليلى فهي ميمونة بنت أبي سفيان بن حرب بن اُميّة، أي أنّ أبا سفيان يعد جدّاً لليلى، بيد أنّ شوائب اُميّة لم تمسّ من ليلى أو تؤثر فيها بقدر تأثير العنصر العربي الثقفي فيها.

ونسبتها هذهِ لبني أُميّة كانت مسوّغاً للجيش الاُموي بكربلاء كيما يستميل علي الأكبر إلى جبهته باُسلوب مضحك هزيل، وبمحاولة فاشلة، وسنقف عليها في القسم الثاني من هذه الدراسة المتواضعة.

أبو مرة عروة بن مسعود الثقفي

من المعروف تاريخيّاً أنّ الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) قد بذل كثيراً وحرص على الصدع برسالته الخلاّقة، وكانت الطائف هي أحد المراكز التي قصدها (صلّى الله عليه وآله)، ومن المعروف جيداً مبلغ المعاناة من جرّاء جهل أهل الطائف لهذا الداعية المحرر؛ فقد عاد النبي (صلّى الله عليه وآله) من الطائف وهو متعب ومخضب بالدم، فلم يستجب لدعوته أحد قط سوى رجل واحد تبع أثره ولحق به، لا يعرف غيره.

ثمّ إنّه اتّصل به فأسلم وحسن إسلامه، ذلك هو قطب ثقيف، والد السيدة ليلى التي لا يعرف ما إذا كانت مولودة أو غير مولودة في تلك الفترة.

إنه عروة بن مسعود بن معتب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن ثقيف، واسمه قيس بن منبّه بن بكر بن هوزان بن عكرمة بن حصفة بن قيس عيلان الثقفي. أبو مسعود، وقيل: أبو يعفور، شهد صلح الحديبية، وكني بأبي مرة(1).

فعروة بن مسعود الثقفي زعيم من زعماء العرب، وسيد ممّن ساد قومه فأحسن السيادة، وهو رابع أربعة من العرب سادوا قومهم كما ورد عن النبي (صلّى الله عليه وآله) قول حول عروة والثلاثة الآخرون، وهو قوله: (( أربعة سادة في الإسلام؛ بشر بن هلال العبدي، وعدي بن حاتم، وسراقة بن مالك المدلجي، وعروة بن مسعود الثقفي ))(2).

____________________

(1) انظر الاستيعاب في معرفة الأصحاب - لابن عبد البر، ق 3 ج 3 / 1066 - 1067، طبعة مصر.

(2) انظر نَفَس المهموم - للشيخ القمي.


 

وعلى هذا فإنّ مركز عروة في المجتمع العربي مركز رفيع مرموق، وذلك قبل أن يُسلم ويعلن إسلامه، بحيث بلغت منزلته عند العرب مبلغاً متزايداً حتّى بالغوا به فتطرّفوا إذ عظّموه تعظيماً على حساب محمّد ذي الخلق العظيم، وعظّموه ليجعلوا منه شخصيّة تضاهي النبي الأعظم (صلّى الله عليه وآله).

وهذا ما نص عليه القرآن الكريم في موقف معروف؛ إذ حكى عنهم ما قاله أحدهم - الوليد بن المغيرة - على سبيل المقارنة الفاشلة: (قَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ)(1).

والمقصود من القريتين هو مكّة والطائف، أمّا المقصود من العظيمين فيهما فهو القائل نفسه الوليد بن المغيرة بمكة، ويعني بالثاني عروة الثقفي بالطائف كما عن قتادة، وورد في الإصابة والاستيعاب ذلك.

أجل كان عروة شخصيّة مرموقة، لكنه أبى أن يزعم العظمة كغيره مثل ابن المغيرة وأمثاله. وكان شجاعاً وجريئاً بحيث أنه صمم على أن يدعو قومه للإسلام حالما يعود إلى الطائف، وهكذا كان. فبعدما أسلم على يد الرسول (صلّى الله عليه وآله) الذي تبع أثره من الطائف وأدركه قبل دخول المدينة، وبعد أن تمكّن الإسلام والإيمان من قلبه، استأذن النبي (صلّى الله عليه وآله) كي يرجع لهداية قومه.

وسأل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أن يرجع إلى قومه بالإسلام، فقال: يا رسول الله، أنا أحبُّ إليهم من أبصارهم. وكان فيهم محبباً مطاعاً، فخرج يدعو قومه إلى الإسلام، فأظهر دينه رجاء ألا يخالفوه

____________________

(1) سورة الزخرف / 31.

لمنزلته فيهم، فلما أشرف على قومه(1) وقد دعاهم إلى دينه، رموه بالنبل من كلِّ وجه فأصابه سهم فقتله.

ومن إيمانه ورضاه وقناعته بواجب الصدع بالرسالة مع تحمل دفع الثمن باهظاً أنه أجاب بجواب واضح اليقين حينما سألوه: ما ترى في دمك؟

قال: كرامة أكرمني الله بها، وشهادة ساقها الله إليّ، فليس فيّ إلاّ ما في الشهداء الذين قتلوا مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قبل أن يرتحل عنكم(2).

هذا وكان من حسن الهيئة كالمسيح عيسى،( وكان عروة يُشبَّه بالمسيح (عليه السّلام) في صورته )(3).

وكان من حسن العاقبة والمصير كما نسب للنبي (صلّى الله عليه وآله) قوله: (( إنّ مثله في قومه مثل صاحب يس من قومه(4)؛ دعا قومه إلى الله فقتلوه ))(5).

فضلاً عن ذلك قال النبي (صلّى الله عليه وآله): (( رأيت عيسى بن مريم، فإذا أقرب مَن رأيت به شبهاً عروة بن مسعود ))(6).

يتجلّى من ذلك أنّ هذا الصحابي الجليل كان أثيراً عند النبي (صلّى الله عليه وآله)، وله في نفسه موقع ومكانة. هذا وإنّ التاريخ لم يورد عنه ما يسيء إليه أو يتهمه؛ فهو رجل نزيه السمعة، صاحب مكانة، وسامي الرفعة، كما أنه شخصيّة عظيمة قياساً لشخصيات القبائل الأُخرى، والله مطلق العظمة.

أسلم في السنة التاسعة من الهجرة بُعيد رجوع النبي (صلّى الله عليه وآله) من رحلته الرساليّة إلى الطائف، وقُتل عروة الثقفي أثناء إعلانه دينه ودعوته، وكان يتأهّب لأداء فريضة الصلاة كما جاء في (نَفَس المهموم).

____________________

(1) ويلفظ: فلما أشرف عليه قومه. راجع الاستيعاب.

(2) الاستيعاب، والإصابة 3 / 112 - 113 المطبوع على هامش الاستيعاب.

(3) المصدران نفساهما.

(4) المصدران نفساهما.

(5) نَفَس المهموم - للقمي.

(6) المصدر نفسه.

أمّا كلمات الرسول (صلّى الله عليه وآله) التي وردت بصدد عروة فهي لعمرك من أروع أوسمة التقدير التي منحها الرسول القائد إلى جنده الدعاة الصامدين الصابرين، أوسمة الشرف المذخور والفخر الخالد في الدنيا والآخرة. وأهم وسام بعد إعلان أنه شبيه النبي عيسى (عليه السّلام) هو أنه نظير النبي ياسين في قومه.

ولا نعتقد أنّ الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) يشبّه بياسين لمجرد أنه دعا قومه فقتلوه كياسين (عليه السّلام)، وإنما لأنّه رجل دعوة على بينة من دينه، ورجل إيمان وتقى، وإخلاص ويقين، ولأنه بلغ من شرف الإيمان ما منحه شرف الشهادة، ثمّ شرف الإشادة به على لسان الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله).

ذلك هو والد السيدة ليلى، المجاهد الشهيد عروة بن مسعود الثقفي (رضوان الله عليه).

وقد ترك في نفس ابنته ليلى آثار الهدى والإيمان والاستقامة على الدين الحنيف. وفي أي سن كانت الفتاة ليلى فإنها ولا شك قد أحسّت بفقد والدها الحبيب، وكلّما نضجت وكبرت شعرت بأنّ أباها مضى ضحية

قضية سماوية مقدسة، حتّى بلغت اليقين بأنه صُرع وقُتل لا كمن صرع وقتل من العرب وأشراف القبائل، لقد راح والدها شهيداً وقرباناً لله من أجل رسالته، وليس قتيلاً أثناء صراع قبلي رخيص؛ وعليه فقد كانت أول نكبة أصابت قلبها هي هذه الحادثة الشديدة الوقع على الفتيات اللواتي يصعب عليهنّ الاستغناء عن حنان الاُبوة [وظل] الوالد المؤمن الشجاع.

ثمّ توالت عليها النكبات بعد أن أضحت ليلى أحد أعضاء هيئة نساء البيت المحمدي الكريم؛ إذ راحت تعيش أجواء بيت النبوة والرسالة صاحب القوة والأصالة، في مواصلة الصدع بمقررات القرآن ومبادئ الإسلام حتّى ختمت ليلى حياتها وهي صابرة صامدة محتسبة، قد تحمّلت ألوان الأسى والألم، وقدّمت لرسالة الإسلام ما أنجبت من صالحين وطاهرين.

أي أنّ استشهاد والدها ليس مجرد أول نكبة، بل أول درس على ضرورة الصمود ووجوب الصبر لمواصلة العمل من قبل المؤمن والمؤمنة، البنت والزوجة، وأول تجربة للسيدة ليلى على تحمل شدة وطأة نتائج الدعوة، ودفع ثمن العمل لدين الله سبحانه وتعالى.

أجل تلك هي ليلى الثقفية والدة علي الأكبر التي لم تستمد قيمتها من اُمّها، ولم تستمد كرامتها ومنزلتها حتّى من أبيها، وإنما استمدت رقيّها من تقواها وانتمائها، ثمّ انتسابها للأسرة المحمدية المقدسة، ولارتباطها الوشيج بشخص الإمام العظيم أبي عبد الله الحسين (عليه السّلام)، وكفاها بذلك فخراً حين تفتخر.

الفصل الثاني

علي الأكبر

ميلاده المجيد

تعوّدنا الاختلاف في الروايات المدوّنة حول كثير من الاُمور التاريخيّة، ووفق هذهِ العادة الملحوظة يأتي الكلام عن زمن ولادة عليّ الأكبر (عليه السّلام).

أمّا مكان ولادته فهو مدينة جدّه المنورة من دون مبرر للشك والاختلاف في ذلك، اللهّم [إلاّ] إذا اعتبرنا ولادته في عهد خلافة الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السّلام)، فحينئذٍ يكون لدينا [احتمال] بأنّ المكان هو مدينة الكوفة، لا سيما وقد كان الإمام الحسين (عليه السّلام) مقيماً فيها يومذاك. فزمن ولادته هو في خلافة عثمان(1). وقيل: قبل قتل عثمان بسنتين(2). وجاء أنه ولد بعد استشهاد الإمام علي أمير المؤمنين (عليه السّلام)(3).

ولعلّ ما أورده الأصفهاني أضبط من غيره، مؤيّداً بما أورده النسابة الكلبي ومصعب؛ حيث ذكرا أنه ولد قبل قتل عثمان بسنتين. هذا وإنّ للأصفهاني قرائن تؤكّد ولادته حين ذلك، وتؤكّد معاصرته للإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام). فمما قاله الأصفهاني: وقد روى عن جدّه علي بن أبي طالب (عليه السّلام)(4). لكنه لم يسجّل لنا بعضاً ممّا رواه علي الأكبر عن جدِّه (عليه السّلام)؛ لضيق الوقت كما قال الأصفهاني، أو لعدم المناسبة في ذلك الموضوع.

أمّا فيما يتعلق بأخبار ميلاده الأغر فليس لدينا شيء منها، بيد أن هناك مجموعة روايات عن عائشة بصدد ميلاد علي الأكبر؛ فقد جاء بكتاب مطبوع حديثاً أنّ لعائشة روايات كثيرة حول [ولادته] (عليه السّلام)(5)، ولم يورد الكتاب بعض تلك الروايات والذي يبدو أن تلك المجموعة من الأخبار والروايات ليست موجودة أو مدوّنة، وإنّما هي مجرد إشارات ينوهون بها فقط.

ولو تجشّم المؤرّخون بعض الأتعاب الجزئية لتدوينها وسردها لما أخذت منهم وقتاً كما نرى، لا سيما وهي خير قرائن تفيد تحديد مدة ولادته الشريفة ومتعلقاتها، وتوحي إلى عدة اُمور يمكن الاستفادة منها.

____________________

(1) انظر مقاتل الطالبيِّين - لأبي الفرج الأصفهاني / 81.

(2) نسب قريش / 57.

(3) الإرشاد - للشيخ المفيد.

(4) مقاتل الطالبيِّين / 81، ط 2 بمصر سنة 1970.

(5) وسيلة الدارين - للسيد إبراهيم الزنجاني / 286، طبع ببيروت.

نشأته وترعرعه

ولد علي (عليه السّلام) في بيت يتمتع بالحضور الكامل للإيمان والتقوى، بيت رحب الفكر، واسع المعرفة، مزدحم بالصالحين والطاهرين والذين لا تأخذهم في الله لومة لائم، الذين لا يفتؤون يحرصون على صيانة مبادئ رسالتهم، ويتمسّكون بحرفيتها، ويرفعون ألوية العقيدة عالياً، بيت هو العقيدة بذاتها؛ الأمر الذي يفسر دعوة الله للناس كي يحبوا ذلك البيت ويوادّوه، ويحاربوا من يكرهه ويعادوه، بيت عامر بكل ما يمتّ للإسلام بصلة، وللحق والحقائق بروابط وعلائق.

ومن شأن الوليد الذي يفتح عينه في أجواء الصفاء لبيت الصفوة، وأوساط الشرف والسؤدد، وبيئة الخير والصلاح والهدى، من شأنه أن ينشأ على إفاضات ذلك البيت النبيل، وقبسات أهل ذلك البيت من الرجال الذين اُنيطت بهم حراسة القضية الإسلاميّة، وصيانة الشرع الشريف، وحفظ الدين المحمّدي الحنيف.

نشأ وهو يرتشف لبن صدور المؤمنات التقيات، وقد تشرّب بأخلص العواطف وصادق الحنان، وراح جسده ينمو وتنمو مشاعرهُ السليمة وروحه الطاهرة ونفسه السوية، أكل وشرب ممّا أنعم الله به حلالاً طيباً لا يأتيه الباطل والشبهة، نشأ على أسمى معاني المؤمنين الأتقياء ومزاحهم الجميل معه؛ فمادته ومعنوياته من فيض حوض طاهر نقي، بمعنى أن جسده وروحه تنزّها عن الشوائب المكدرة والأدران المقيتة.

ترعرع علي الأكبر في تلك الأوساط النظيفة، حيث قضى سني حياة صباه يدرج بين صفوة الرجال وصفوة النساء، وخيرة الفتيان والصبيان، بين شخصيات جليلة القدر، وشباب يسمون نحو الكمال والعز والإباء.

نشأ وترعرع وهو ملء العين، فتخطّى الزمن وتجاوز الأيام، مضى يقضي أياماً زاهرة وليالي مباركة، وأشهراً وسنيناً خالدات، متسلقاً الدهر، يعلو فوق هامة التاريخ شخصاً فريداً في مجمل خصوصياته، وشاباً خلاّقاً في ربيع حياته؛ فرجلاً بطلاً ينفرد في مميزات جمة وجليلة سامية؛ إذ نال من التربية ما يصعب على الكثيرين حصوله ونيله حتّى أبناء الملوك والأمراء، أبناء الأكاسرة والقياصرة، وما هو وجه الشبه حتّى نذكر ونمثّل بأبناء الملوك؟!


 

تربيته

شب نحو العُلا والكمال فهو بمستوى تعاطي القيم والمثل والتربويات القيّمة. والحق أنّ آل الرسول (صلّى الله عليه وآله) مكيّفون لذلك منذ الصغر، بدءاً من نعومة أظفارهم، أي لا يشترط فيهم بلوغ سنٍّ معينة ليكونوا على استعداد لأمر ما؛ كالتربية مثلاً التي تساير نشأتهم وترافق ترعرع صغارهم (الكبار).

أخذ علي الأكبر من التربية الشيء الكثير دون أن نستكثره عليه (سلام الله عليه)، وذلك من أعضاء الاُسرة الرساليّة، سواء الرجال أم النساء، وخصوصاً والده الإمام الحسين (عليه السّلام) الذي يقع عليه عبء إعدادهِ وتعبئتهِ (إن صح قولنا: عبء).

والحق أن ذلك لم يكن عبئاً بنظرتهم أهل البيت (عليهم السّلام)؛ لأنه من أخص خصوصياتهم، فلا يصعب عليهم تكوين النموذج الحي في التربية.

لقد ندرك ببساطة عوامل بلوغ أحدهم مستوىً تربوياً عالياً جدّاً، وهي بعض عوامل تضلّعهم [في] العلم واضطلاعهم بالحكمة فضلاً عن التربية بالذات؛ وذلك عندما نأخذ بنظر الاعتبار وجود العناصر، أو توفر المقدمات الأساسية هذهِ سلفاً، وهي:

1 - خلو الشخصيّة من الشوائب السلبيّة المعكّرة، والرافضة للإيجابيات، والنافرة من الصفاء.

2 - طهارة الروح وصفاء النفس.

3 - سلامة الضمير والتجاوب مع الوجدان.

4 - نزاهة المشاعر وسمو الأحاسيس.

5 - التطلّع للأفضل والتوق للأحسن.

6 - السعي للاقتراب من الكمال، وبلوغ مستوى المسؤوليات، ومستوى حمل الرسالة.

هذه كلها مجتمعة تشكّل تربة الأرض الخصبة لبذر بذور التربية، وغرس أشجار التربية الراسخة الاُصول، الضاربة الجذور، الثابتة في الواقع طالما تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها.

لقد كان أهل البيت (عليهم السّلام) يحرصون على تطبيق نظرياتهم التربوية الرحبة، ويشددون على ضبط الأساليب التهذيبيّة، ويخلصون في ممارستهم المنهجية من أجل إعداد الإنسان إعداداً لا يقبلونه إن لم يكن معادلاً لمهامه، ومعادلاً لواجباته ومخاطر مسؤولياته الموكل بها.

إنّهم لا يقلّدون أحداً أو فئة في طرائق التربية، وإنّما لهم عمقهم الفكري، وبُعد نظرتهم، وإبداع أساليبهم، وممارساتهم المبتكرة، إنّهم يأخذون من الإسلام ما فيه من شذرات ليضيفوا إليها؛ ليوضّحوها ويفصلوها بتحويلها إلى فعل وعمل، إلى ترجمة حيوية صادقة؛ وذلك بجرّها جرّاً إلى حيز التطبيق لتدخل دائرة التجربة المؤكدة النجاح والحتمية العطاء.

أضف إلى تلك الممارسات الجادة امتلاكهم للخبرة الواسعة جدّاً، وإدراكهم للمناهج الفاشلة في هذا المضمار.

ثمّ إنّ خرّيج مدارسهم إنسان رفيع في التربية، عالٍ في العلم علوّاً يؤهله وبجدارة لأن يكون هو بشخصه مربّياً ومعلّماً ينهج ويبدع في المنهج الإسلامي، بل يكون هو بالذات مدرسة مستقلة كفيلة باستيعاب المجتمع وتقديم العطاءات الإصلاحية له؛ لأنّ خريج مدارسهم مكيّف لذلك، جاهز له بحكم مضمونه ومحتواه، (وكلُّ إناء بالذي فيه ينضحُ).

ولمن يريد الوقوف على مدارس التربية عند أهل البيت (عليهم السّلام) ومناهجهم الواعية، ولمن يريد التوفّر على نظرياتهم الثرية فما عليه إلاّ أن يراجع مذخوراتهم، والثروة الكبيرة من التراث الذي خلفوه (سلام الله عليهم).

إنّ خصوصيات مناهجهم التربوية قد انعكست على مواقفهم الصارمة الحاسمة، ففوق أنها سر كمالهم فهي تفسّر مواقفهم المبدئية وقراراتهم الخطيرة التي آلوا على ألاّ يفرطوا في جنبها.

ونحن إذ نمجّد، والمسلمون إذ يمجّدون ذلك فيهم فليس من باب الزهو بهم، وإنّما من باب التأثّر والاقتداء بهم؛ لندرك أسرار سيرتهم، وأبعاد أعمالهم الصعبة، وأمرهم المستصعب الذي عجز الرجال عن تحمله؛ لافتقارهم للرجولة، ولأنّ رجولتهم الضعيفة تنقصها تربويّات الإسلام وفق منهاجه التامّة.


 

أوصافه وصفاته

تمتّع آل الرسول (صلّى الله عليه وآله) بأوصاف جميلة وصفات جليلة، أوصاف ظاهرة على شخصيّاتهم للعيان، وصفات كامنة تتجلّى منهم عند التعرّف إليهم ومعايشتهم كما لاحظها وعايشها المعاصرون لهم.

تمتّعوا بتجميع الكمالات لديهم دون استثناء أو افتقار لشيء صغير أو كبير، تمتّعوا بتجمّع كبريات المواصفات وحُسنيات الصفات النبيلة الساميات؛ فلم يتركوا جميلاً جليلاً إلاّ ولهم فيه خصوصية، وما من قبيح حقير إلاّ ولهم في النهي عنه وحربه ممارسات وظيفية؛ ذلك لأنّ تمتّعهم بما ذكرنا هو من أخصّ خصوصياتهم التي أهّلتهم للرسالة، بل هو - بتعبير أدق - من أهم اختصاصاتهم؛ إذ إنّهم ينبغي أن يكونوا في مستوى ما يدعون إليه.

وليس من المعقول أن يكونوا روّاداً لنظريات ومبادئ وهم بعيدون عنها أو يفتقرون لمؤهّلاتها ومتطلباتها؛ سواء أثناء الدعوة أم خلال التطبيق لما لديهم من مقررات؛ فالنظرية والتطبيق ممّا لا يمكن فصلهما قط، وبذلك فإنّ اختصاصهم الفعّال هو كونهم المثل الأعلى والقدوة الحُسنى.

ولو قمنا باستقصاء النظر في مميّزاتهم، واستقرأنا مواصفاتهم وأخصّ خصوصيّات شخصياتهم لما عدونا علي الأكبر عنهم فيما كانوا عليه ممّا لم يشاركهم أحد فيه، بل هو في ذروة المميزات، وله الحظ الأكبر والقسط الأوفر منها؛ بحكم أنه شبيه جده النبي (صلّى الله عليه وآله) الذي حاز قصب السبق؛ إذ كان الأول كما كان المنبع والمصدر (صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله).

وما قولنا بأنه شبيه جدّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) مأخوذ من راوٍ أو مؤرّخ أو شاهد عيان بسيط ومعاصر عادي، وإنّما هو مأخوذ عن شاهد دقيق النظر، صادق صدوق؛ فقد صرّح بذلك والده الإمام الحسين (عليه السّلام)، وعنه روى الراوي وأرّخ المؤرخ، لا سيما وأنّ الإمام (عليه السّلام) أعرف الناس برسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وأكثرهم التصاقاً به، وأشدّهم تعلّقاً به، كما أنه ورث منه واكتسب عنه.

فلمّا ولد نجله علي الأكبر وشبّ يافعاً فقد أخذ يوحي بصورته وأخلاقه ومنطقه إلى الرسول (صلّى الله عليه وآله)، فأضحى ذكراه وتذكاره حتّى كان الناس من أهل المدينة يشتاقون لرؤياه (سلام الله عليه).

ثمّ ليس أكثر من أبيه الإمام الحسين (عليه السّلام) حضوراً لملامح جدّه ومعالم تلك الشخصيّة العظيمة؛ وعليه فإنّ كلامه - والذي سنسجّل نصه في القسم الثاني بمكانه المناسب - الذي يؤكّد محاكاة علي للنبي (صلّى الله عليه وآله)، وأنه أشبه الناس به خَلقاً وخُلقاً ومنطقاً، كلام بمستوى الحضور الحقيقي.

وكان (علي الأكبر) من أصبح الناس وجهاً وأحسنهم خلقاً(1) حسبما اتّفق المؤرّخون فضلاً عن اتّفاقهم وإجماعهم على مضمون تصريح أبيه الحسين (عليه السّلام) من كونه مثيل الرسول (صلّى الله عليه وآله) من حيث الخلقة والأخلاق والنطق.

وحري بنا أن نعود لتسجيل بعض ما ورد عن النبي الأعظم بالذات، فقد كان (صلّى الله عليه وآله) يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر، أطول من المربوع وأقصر من المشذب (أي الطويل القامة)، عظيم الهامة، رجل الشعر(2)، أزهر اللون، واسع الجبين، أزج الحواجب، سوابغ في غير قرن(3)، بينهما عِرق يدرّه الغضب، أقنى العِرنين(4)،

____________________

(1) كتاب (لواعج الأشجان) - للسيد الأمين / 136.

(2) رجل الشعر: أي ليس بمجعد ولا مسترسل.

(3) أي دقيق وطويل الحاجبين. والسوابغ: الاتصال بينهما.

(4) أي محدب الأنف.

وله نور يعلوه يحسبه من لم يتأمّله أشم(1)، كثّ اللحية(2)، سهل الخدين(3)، أدعج، ضليع الفم(4)، أشنب مفلج الأسنان(5)، دقيق المسرُبة(6)، كأن عُنقه جيد دُمية في صفاء الفضة، معتدل الخلق بادناً متماسكاً، سواء البطن والصدر، عريض الصدر... حتّى يقول: خافض الطرف، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء، جُلّ نظره الملاحظة، يسوق أصحابه ويبدر من لقي بالسلام(7). تلك بعض أوصافه المقدّسة.

ومن بعض صفاته الجليلة تقرأ: كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) متواصل الأحزان، دائم الفكرة، ليس له راحة، ولا يتكلّم في غير حاجة، طويل السكوت، يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه(8)، ويتكلّم بجوامع الكلم، فصلاً لا فضولاً ولا قصيراً فيه.

دمثاً(9) ليس بالجافي ولا بالمهين، يُعظم النعمة وإن دقّت، ولا يذم منها شيئاً، ولا يذم ذوّاقاً ولا يمدحه، ولا تغضبه الدنيا وما كان لها، إذا تعوطي الحق لم يعرفه أحد، ولم يقم لغضبه شيء حتّى ينتصر له، ولا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها، وإذا غضب أعرض وأشاح(10)، وإذا فرح غضّ من طرفه. جُلّ ضحكه التبسّم(11). وغير تلك الصفات والأوصاف الشيء الكثير لذلك الرجل الكامل، سيد الكمالات وصاحبها.

على أن ما يروى بهذا الصدد إنما هو محاولة لتقريب شخصه الشريف للأذهان.

____________________

(1) الشمم: ارتفاع في قصبة الأنف مع استواء أعلاه.

(2) أي كثيف الشعر في اللحية.

(3) أي قليل اللحم.

(4) يعني واسع وعظيم الفم.

(5) أشنب الأسنان: أي أبيضها. ومفلج: أي مفرج بينها.

(6) المسربة: الشعر وسط الصدر إلى البطن.

(7) انظر كتاب (مكارم الأخلاق) - للشيخ الطوسي / 11 - 12، ط 6 بيروت / 1292هـ.

(8) الأشداق: جوانب الفم، ويعني أنه لا يفتح كل فاه. وفي بعض النسخ (بابتدائه) وليس بأشداقه.

(9) الدماثة: سهولة الخلق.

(10) أشاح: بمعنى أظهر الغيرة، والشائح: الغيور.

(11) للمزيد راجع المصدر نفسه (مكارم الأخلاق).

وبعد، فلنا أن نؤكّد حقائق هامة قبل أن نختم الموضوع، فنقول: بأنّ حرصنا للوقوف على الأوصاف والصفات، وتأكيد التقاء علي الأكبر بالنبي الأعظم (صلّى الله عليه وآله) في مميزاته يرجع إلى أسباب هامة ومبررات موضوعية جادّة، منها مثلاً:

1 - إجلاء الشخصيّة الحيوية السامية، لا لأنها منتسبة إلى الرسول (صلّى الله عليه وآله)، وإنما لما اتّسمت به ممّا توفّر في شخص الرسول (صلّى الله عليه وآله) بالذات، ولمضمون الشخصيّة ومحتواها، وبحكم أنها تشكل المثل الأعلى.

2 - إنّ الانتساب للرسول (صلّى الله عليه وآله) كان يكفي للاحترام والامتناع عن القتل، ولكن الأوصاف والصفات كانت تشكّل حجة أكبر بجمعها مع النسب الشريف المقدس؛ ومن هنا كان العدو يخشى قتل علي الأكبر أو يتجنّبه كما قيل، لا لأنه سليل الرسول (صلّى الله عليه وآله)، بل لما فيه من اجتماع لمواصفات الرسول (صلّى الله عليه وآله)(1)، بيد أنهم تناسوا ذلك كله فانتهكوا حرمته.

3 - إنّ أوصافهم وصفاتهم تعطي إيحاءات راقية، ومفاهيم خلقية، وقيماً ومثلاً نبيلة لها دورها في إبراز مصداقية المعاني السامية الكريمة التي تكمن فيهم والتي يتسربلون بها.

4 - وأخيراً فمن الضروري جدّاً إدراك هذه الناحية، وهي أنه ليست المميزات المتطابقة مهمة بقدر أهمية تطابق المواقف الرساليّة. وقد شهد التاريخ لعلي الأكبر مواقف جدّه الصلبة الصارمة، وشهد له أنه شبيه جدّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) خلقاً وخُلقاً ومنطقاً، وموقفاً وعملاً.

فنحن إذ نقف على الخصال الخيرة المتطابقة فليس على حساب تطابق النتائج، لا سيما وأنّ ثمة علاقة بين المميزات المتشابهة كمقدمات وبين المواقف المصيرية كنتائج.

ولنختم هذا الفصل ببيتين لشاعر الرسول (صلّى الله عليه وآله) حسان بن ثابت الذي قالها في علي الأكبر، وهي:

وَأَحسَنُ مِنكَ لَم تَرَ قَطُّ عَيني
وَأَجمَلُ مِنكَ لَم تَلِدِ النِساءُ
 
خُلِقتَ مُبَرَّأً مِن كُلِّ عَيبٍ

كَأَنَّكَ قَد خُلِقتَ كَما تَشاءُ

____________________

(1) جاء عنه أثناء دخوله ساحة المعركة أنه أخذ يكر عليهم وهم لا يجسرون على قتله؛ لأنه شبيه بجده رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وفيه شجاعة حيدر (عليه السّلام). سفينة النجاة 1 / 74.


 

الفصل الثالث

شخصيته، واعتراف معاوية

أشواق أهل المدينة المنورة

دخل الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) يثرب التي نارت به وتنوّرت بوجوده، فأضحت تدعى (المدينة المنوّرة).

وعاش الرسول (صلّى الله عليه وآله) معهم حتّى ألفوه، وما أن رحل عنهم منتقلاً إلى الرفيق الأعلى حتّى اتّخذوا من سبطيه الحسنين (عليهما السّلام) عوضاً عن صورته وأخلاقه الخلاّقة؛ فهم ينظرون إلى الحسن والحسين (عليهما السّلام) فيتذكّرون بهما رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ذلك المنقذ العملاق، سيد المُحرّرين من شتى أشكال العبوديات.

وبعد أن ولد علي الأكبر وتسلّق السنوات، فشبَّ فتىً هاشميّاً محمّديّاً، وظهرت عليه مجمل خصائص النبي (صلّى الله عليه وآله) حتّى راحوا يتشوقون إليه؛ ليستمدوا من ملامحه وشمائله، ومعانيه وجماله ذكرى الرسول (صلّى الله عليه وآله) وذكرياتهم الماضية مع رسولهم الهادي؛ فعلي الأكبر يعكس لهم الصورة الحيوية لسيّد البشرية الراحل؛ فهو صورة طبق الأصل كما تبدو لناظريهم، وبرؤية واضحة ليست غامضة.

وقد روي أنهم إذا اشتاقوا للنظر [إلى] رسول الله (صلّى الله عليه وآله) طفقوا إلى عليّ الأكبر يزورونه ويتزوّدون من طلعته البهية، بحيث أنّ هذا الانعكاس الحيوي للصورة النبوية المقدّسة أقرّها والده الحسين (عليه السّلام)، وهو إذا اشتاق لجدّه (صلّى الله عليه وآله) تطلع إلى ولده.

على أنّ عواطف أهل المدينة وأشواقهم لنبيهم وأهل بيته كانت تقابل بالتجاوب طبعاً، فلم يضن عليهم عليُّ الأكبر بلقاء أو مجالسة في المدينة وأحيائها، أو داخل المسجد النبوي الشريف، أو في بيته الخاص؛ إذ روي أن الإمام الحسين (عليه السّلام) أفرد له بيتاً مستقلاً خاصاً به، فأخذ يستقبل المحبّين، معرباً عن خاصية الكرم، ومترجماً عملياً موقفه من الضيافة.

فمن الناس مَن يفد عليه للتحدّث إليه والتعلم بين يديه، ومن الناس من يزوره نوالاً لجوده وعطاء يده الكريمة، فضلاً عمّا يهدفون إليه من التزوّد من ذكريات الماضي المجيد ويوميات الرسالة والرسول الذي تتجلّى معالمه على سليله علي (عليه السّلام).


 

كان يؤم داره اُناس من جميع الطبقات والمستويات لا سيما الفقراء. كانت داره عبارة عن منتدىً ثقافي للوفود، ومنتجع للكرم والجود.

أمّا الشعراء فلم تفتهم الفرصة لدخول بيت كرمهِ من باب جوده وعلو شرفه حتّى وصفه أحدهم فقال عنه:

لم ترَ عينٌ نظرت مثلَهُ

من محتفٍ يمشي ومن ناعلِ
يغلي بنيّ اللحمِ حتّى إذا

أنضجَ لم يغلُ على الآكلِ 

كان إذا شبّت له نارُهُ

أوقدها بالشرف القابلِ
كيما يراها بائسٌ مرملٌ

أو فردُ حيٍّ ليس بالآهلِ
أعني ابنَ ليلى ذا السّدى والندى

أعني ابنَ بنت الحسب الفاضلِ
لا يؤثر الدنيا على دينه

ولا يبيع الحقَّ بالباطلِ
تلك القطعة الأدبيّة والمقطوعة الشعريّة تعتبر وثيقة على حقيقة فتح بابه لكل الطبقات والهيئات والفئات.

والذي نستشفه من تلك الأبيات هو أنّ الشاعر قد شاهد علياً (عليه السّلام) وكان له معاصراً، إنه رآه عياناً بمشيته ومظهره حسبما يوحي البيت الأول. أمّا البيت الثاني فيفيد بأنه كان حريصاً على السخاء والبذل، بحيث أنه يعلن عن موقع الجود؛ وذلك بإيقاد النار فوق المكان العالي المرتفع كعادة الكرام المحسنين، تلك النار التي تدلل على البيت والمضيف. وقد كان الغرباء والفقراء المعسرون يتطلعون دوماً إلى الأماكن التي تتصاعد منها ألسنة النيران؛ كيما ترشدهم إلى صاحب الضيافة، وسيد الكرم حسبما عبّر البيت الثالث والرابع.

ثمَّ يمجّد السيدة ليلى ذات الشرف والحسب الفاضل ليختم ببيت هو في غاية الأهمية؛ إذ يؤكد عقائدية هذهِ الشخصيّة وصرامتها وحدّيتها، بحيث لا قيمة للحياة ولا فائدة من التعامل بالباطل، بل لا معنى للحياة بحضور الباطل.


 

إنّه لا يؤثر الدنيا، كما لا يستعيض عن الحق والحقيقة بالأثمان القليلة الرخيصة؛ لأنه ليس من عشاق الحياة الدنيا، إنه صاحب قضية، فهو صاحب موقف لا يغيره؛ لأنه رائد من رواد الحق، ذلك هو البيت الأخير، وهو أيضاً بيت القصيد.

كان أهل المدينة يرتادون منزله الرحب الواسع بما فيه وبما يحويه، فالبائس بحاجة ماسة إلى من يطعمه، وإنّ مَن ليس له أهل أو لا يملك قوت يومه بحاجة ملحّة إلى تلك النار التي تعلو لتدعو الجائع، ولتعلن مدى كرم من أوقدها وأشعلها... هكذا كان نظير جدّه (صلّى الله عليه وآله) في الخَلق والخُلق والمنطق.

ولا أكتمكم سراً لو قلت بحقيقة: إنّ أهل المدينة ينطلقون في أشواقهم لرؤيا النبي (صلّى الله عليه وآله) بلقاء علي من باب العواطف والذكرى فحسب، لا من باب تجديد عهد بالنبي (صلّى الله عليه وآله)، أو تأكيد ولاء لعلي (عليه السّلام)؛ بدلالة موقفهم من الثورة الحسينيّة المتمثل بالإحجام والتهرّب وعدم الإسهام، إلاّ من عصم ربك من المؤمنين حقاً، (وَقَلِيلٌ مَا هُمْ)، المؤمنون فقط لا غيرهم، (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ)(1).

ذلك هو الذي كانت المدينة عامرة به وبأبيه العظيم، كانت عامرة بوجوده وجوده، بكيانه وكرمه، بسموه وسخائه الذي كان موطن حب للمسلمين، والذي عاش وهو محطّ أشواق الناس لنبيهم.

____________________

(1) سورة يوسف / 103.


اعتراف معاوية

ممّا سبق يتّضح جلياً ما لعليّ من شخصيّة ذات مؤهلات وكفاءات عالية رفيعة... وهو ما لم يدركه المحبون والمؤمنون والذين يشتاقون لرؤيته وزيارته فقط، بل يدركه أيضاً اُولئك الكارهون والمعادون؛ وعليه فقد كان علي الأكبر مثار إعجاب الأعداء فضلاً عن الأصدقاء والتابعين بإحسان.

إعجاب يجبرهم عليه شخصه؛ إذ يفرض نفسه فرضاً بما يتمتّع به من مواصفات كبرى، بحيث شهدوا له رغماً عنهم، واعترفوا به وهو غني عنهم، ومدحوه وهم له ولاُسرته كارهون، ولرسالته وأهدافه مبغضون، هكذا هم الأعداء، فما ظنك بما ينبغي أن يقوله الأصدقاء؟!

والعدو يندر أن يتكلّم ويقول الحقيقة، ولكنه يأتي بها مشوّهة نسبياً، وفي حالات ونوبات نفسيّة معينة، وخلال شكّه بنفسه وفقدانه الثقة بشخصه؛ ولهذا قال معاوية - وغيره كثيرون - في الإمام عليّ أمير المؤمنين (عليه السّلام) وعموم أهل البيت النبوي ما قال وصرح بعظمة علي أمير المؤمنين (عليه السّلام)، ولا يسعنا هنا أن نذكر ذلك.

والآن نذكر الرواية التالية عن أبي الفرج الأصفهاني التي سجّلها في معرض حديثه عن علي الأكبر، فقال: وإيّاه عنى معاوية في الخبر الذي حدّثني به محمّد بن محمّد بن سليمان، قال: حدّثنا يوسف بن موسى القطان، قال: حدّثنا جرير، عن مغيرة قال: قال معاوية: مَن أحقّ الناس بهذا الأمر؟ (أي الخلافة)(2).

فأجابه جلساؤه فوراً بأنه هو، هو أحق بهذا الأمر وبالخلافة.

لم تكن الجلسة جلسة مداعبة أو لهو، وبالضبط لم يكن السؤال لمجرد التفكّه كما قد يتوهم الساذج، ولم يطرحه معاوية على سبيل الفكاهة، وقد تتجلى جدّية السؤال من خلال نفي معاوية نفسه للجواب الفوري الذي حصل عليه.

- مَن أحق الناس بهذا الأمر؟ قالوا: أنت... قال: لا(3).

____________________

(1) مقاتل الطالبيِّين / 81.

(2) مقاتل الطالبيِّين / 80.

(3) المصدر نفسه.

وهم يعلمون أنّهم أكذب الناس طراً حينما أجابوه فوراً دونما تفكير، ورفض معاوية جوابهم الذي يعرفه ويعرفهم سلفاً. ولم يسكت معاوية؛ إذ أردف بالجواب بعد نفيه، فيبدو أن في خلده شيء، وقد اختلج في صدره شيء فاعتملت فيه واستحوذت عليه، لا سيما وأنّ الحقيقة لا يمكن أن تخفى، بل كل شيء عموماً خاضع للكشف، (( ما أضمر أحد شيئاً إلاّ ظهر في فلتات لسانه ))(1)، وهكذا اعترف معاوية.

-... لا... إنّ أولى الناس بهذا الأمر علي بن الحسين بن علي؛ جدّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وفيه شجاعة بني هاشم، وسخاء بني اُميّة! وزهو ثقيف(2). (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا)(3).

لنقف كيما نعقّب، فنقول:

1 - إنّ كلام معاوية قاصر عن تحديد حقيقة مواصفات الخليفة المرجو، وما ينبغي أن يكون عليه من يجب أن يتولى الأمر. فثمة شروط للخلافة لم يذكرها معاوية وهي متوفّرة في علي الأكبر، ترى هل نسيها أو تناساها؟ أم خشي الفضيحة لو ذكرها وهو خلو منها؟!

فقد تجاهل الاعتبارات الكبرى والشرائط العظمى للخليفة وولي الأمر، ذاكراً ثلاث صفات سنعلق عليها.

2 - وتجنب معاوية إبراز خصوصيات الهاشميِّين ومؤهلاتهم الجليلة، فلم يذكر سوى ما هو مشهور عنهم وهي الشجاعة (وفيه شجاعة بني هاشم)، وكأن ليس لبني هاشم غير الشجاعة! وكأن هذه الصفة ركيزة يعول عليها الخليفة!

3 - ثمّ إنّ عليّ الأكبر وعموم أهل البيت يتنزهون عن الزهو حتّى يصفه معاوية بأنّ له زهو ثقيف.

4 - وحاول بكلامه جر مواصفات علي إلى الاُمويّة، وأراد فرض العنصر الاُموي في سلوك عليّ الأكبر؛ لأن جدته لاُمّه من بني اُميّة، فقال عنه: وفيه (سخاء بني اُميّة).

____________________

(1) نهج البلاغة 4 / 569، وهذه قاعدة يخضع لها محبُّ علي (عليه السّلام) وعدوُّه.

(2) مقاتل الطالبيِّين / 80.

(3) سورة يوسف / 26.

والحق أنّ سبب ربط السخاء بالاُمويّة يرجع إلى شهرة عليّ الأكبر بالجود والكرم والعطاء، وإلى تصنّع معاوية لتلبّس شخصه وحكمه ألبسة براقة؛ فلطالما أخذ مواصفات ومميزات أهل الحق والحقيقة؛ كالحلم والعفو، كالذكاء والدهاء، كالعدل وحسن السيرة. لقد قام معاوية باقتباسها له فتوشّح بها، واستعار أوسمتها دون معانيها، وأسماءها دون مسمّياتها.

5 - وعلى كل حال فنحن نرى أنّ الزهو ليس ممّا يشترط توفرها عند الخليفة، كما أنّ السخاء ليس ضرورة أو من أوليات صفات الخليفة.

أما قوله (جدّه رسول الله) فهذا صحيح، ولكنه لا يكفي مبرراً لتولّي الأمر حسبما علّمنا أهل البيت أبناء الرسول (صلّى الله عليه وآله) وأحفاده، فبعد النسب لآل الرسول يجب حضور الشرائط والكفاءات، فلماذا لم يذكر معاوية أهم تلك الشرائط وأولويات صفات ولي الأمر؟

6 - لماذا تجاهل معاوية والد علي وهو الإمام الحسين بن علي (عليه السّلام)؟ لا بدّ أنّ تجاهله الإمام (عليه السّلام) لأنه في مقام الندِّ له، والواقف له بالمرصاد، بحيث لو تحرّك لحرب الاُمويّة بنفسه لكان هناك مستساغاً حتّى عند معاوية وجلسائه، بينما ذكره لعلي الأكبر أهون وأخف؛ لأنّ علياً لا يخرج لحرب معاوية لوحده.

7 - وسواء كان أولى الناس هو علي الأكبر أو والده الإمام الحسين أو أهل البيت (عليهم السّلام)، فما المبرر الذي يبقي معاوية على عرش الملك بصفة ولي الأمر وخليفة رسول الله، وأبناء رسول الله (صلّى الله عليه وآله) محكومون مهددون؟!

يبدو أنّ مجلسه يخلو من رجل صريح يسأله عن سبب قعوده وعدم تسليمه الحكم لبني هاشم أو لعلي!

8 - وإنّما سجّلنا الرواية مع وقفة وتأمّل، فليس [ذلك معناه] أنّ الرواية تزيد إيماننا بقضايانا، كلاّ فنحن على إيمان راسخ بحقيقة الخلافة والإمامة ولمَن تجب. ولو أنّ معاوية وأبناءه وأمثالهم قد كذبوا الحق وحاربوه، ومهما عملوا كما قد فعلوا لما ارتبك القلب واضطرب الفؤاد أو ضعف الإيمان.

وليس كلام معاوية بمفرح مبهج لنا بقدر ما هو برهان ودليل وحجة، هكذا نأخذه، لا كلام نفرح به ونتسلى به، أو ندهش ونعجب له، (والفضل ما شهدت به الأعداءُ).

ذلك هو علي الأكبر في شخصيّته الفذة العظيمة، ذلك هو الشاب المبدئي صاحب المواقف الجريئة والملامح المضيئة الذي أضحى ملء العين رضاً لله وعطاءً للاُمّة.

وأخيراً فقد أطلقنا لفظة ( اعتراف) ولم نقل: شهادة معاوية، فلأسباب موضوعية، منها:

1 - أننا لا نحتاج لشاهد على ما نقول، ولا نحتاج لشهادة العدو.

2 - أنه اعتراف بمعنى الكلمة على:

أ - الشخصيّة الفذة لعلي.

ب - عدم جدارته هو - معاوية -، وافتقاره للكفاءة في منصبه.

هذا الفهم وهذه الإفادة ليست مجرد شهادة، وإنما اعتراف، (وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ)(1).

____________________

(1) سورة يوسف / 21.

 

الفصل الرابع

الأحداث التي عاصرها على الأكبر

ما قبل العهد الاُموي

يمكن الإحاطة بما عاصره علي من أحداث ووقائع؛ وذلك من حيث إمكانية الوقوف على زمن ولادته وعمره الشريف. وقد سبق لنا القول بأنه ولد في مدة خلافة عثمان بن عفان، وعلى هذا الأساس فإنه يكون معاصراً للأحداث الممتدة من تلك المدة حتّى سنة ستّين للهجرة، حين إسهامه الكبير بالحدث الجهادي الجليل المتمثّل بثورة أبيه (عليه السّلام) وجهاده [من أجل] الإسلام على بطحاء كربلاء.

ولا يخفى على اللبيب إدراك أنّ عليّاً لم يجهل الأحداث الماضية والوقائع السابقة لميلاده؛ نظراً لكونها مقدّمات لما يجري ممّا يعاصره، ولكونها تتكفّل استيعابه لما يعيشه ويشهده، فما يقع أيام حياته إنّما هو امتداد لحلقات الحوادث المنصرمة.

هذا وإنّ معلوماته لمجريات الاُمور ومشكلات الماضي ما هي إلاّ دروس تاريخيّة قيّمة، ما هي إلاّ أحد مواضيع تربيته وتهيئته وإعداده. وعليه فهو - لا سيما في شبابه - على بينة ممّا قد حدث؛ الأمر الذي يزيده وعياً ويقظة لما يعاصره.

ولنحاول أن نمر سريعاً بما عاصره علي الأكبر:

أولاً: لقد عاصر أزمة الخلافة الثالثة والمعضلات التي تراكمت على عثمان حتّى تبلورت الاُمور، فاشتدت مناوأته ومناهضته؛ فتألب المسلمون عليه، وجرت مشاكل مزعجة واضطرابات سياسية واجتماعية، وبرزت المشكلة الاقتصاديّة فانكشفت مسألة التمايز عند بعض واستئثارهم بأموال المسلمين.

ولم يتمكّن عثمان من وضع حدّ للاضطرابات، فأودت بحياته؛ حيث قتله بعض الثوار، ومضى دون أن يلبي المطالب الإيجابية التي اُريدت منه. كان ذلك أيام صغره، أي علي الأكبر.


 

ثانياً: ثمّ شهد وهو صبي جدّه الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السّلام) وهو أحرص الناس على الدين، وأحوطهم على الإسلام. فحينما قُتل عثمان، وحينما انتهى عهد الخلفاء الثلاثة تجلّت حالة الاُمّة وهي في حالة يرثى لها، في وضع منهار، متردية متداعية، والأنكى من ذلك أن عثمان ترك على الأمصار عمالاً وولاة لا همَّ لهم سوى أنفسهم وتوسيع نطاق الانهيار والتردي الاجتماعي.

شهد جده (عليه السّلام) وهو يتجنب قيادة مسيرة الاُمّة؛ بناءً على ما أصاب الاُمّة من تفكك وثغرات يصعب تلافيها، ولا تزول إلاّ بوقت وزمان. شهد جدّه الإمام (عليه السّلام) وقد أضحى خليفة وإماماً اُنيطت به عمليات النقد النظري، ومباشرة التصحيح العملي التي تمخّض عنها حروب ثلاثة. فكأن أعداء الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) لم يرغبوا به خليفة، وإنما رغبوا بالخلافة لهم؛ ولهذا رغبوا بالحرب وسيلة بلوغ رغبتهم، فكانت معركة الجمل في البصرة.

أمّا صفّين فهي معركة مع معاوية الذي كان من أكثر الناس ولعاً بالدم، وأوّل الناس سفكاً للدم الحرام. وأعقبتها معركة النهروان التي كان طرفها المقابل فئة الخوارج الحمقى الذين امتازوا بالرعونة والتطفل على فهم القرآن الكريم، والتعالي على علي أمير المؤمنين (عليه السّلام).

وقد فرّقوا بين علي (عليه السّلام) والقرآن، وتكابروا عليهما في نفس الأوان، وكأن ليس (( عليٌّ مع القرآن والقرآن مع عليٍّ، وعليٌّ مع الحقِّ والحقُّ مع عليٍّ يدور معه حيثما دار ))!

ثالثاً: عاش عليّ الأكبر مأزق عمهٍ الإمام الحسن (عليه السّلام)، حيث قاد مجتمعاً هجيناً يحتوي على الضعفاء في الدين والإيمان؛ فهو لم يتمّ نقده وتصحيحه جيداً خلال خلافة الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) المشهورة بأنها قصيرة.

فمجتمع الكوفة كان بأمس الحاجة إلى التربية والتصفية قبل الخوض به من أجل مستقبله، بيد أن مباغتات العدو ومواقفه تجبر القائد على أن يسرع في إعلان الموقف المناسب؛ فخرج الإمام الحسن (عليه السّلام) بهم وهم يحملون بذور الهزيمة؛ الأمر الذي يفسّر مواقف الجبن والخيانة التي أظهرها بعضهم بحيث عصفت بالموقف الجهادي الصارم، وأجبرت الإمام (عليه السّلام) - وبعد أن انتظر ولم يرجُ منهم خيراً، وأحب أن يكون الخير منه - على ما حدث من اتفاق مشروط لا يقبل التزييف والمراوغة، وقد وقّع عليه معاوية كميثاق وعهد يجب عليه الالتزام بكل مواده ومقرراته.

ولكن معاوية خان العهد وخاس به، فنقضه دونما استثناء لمادة واحدة.


 

في عهد بني اُميّة

فاستهل معاوية حكمه وافتتح عهد الاُمويِّين بالخيانة العظمى، ثمّ لم يكتفِ بذلك؛ فقد خطط لعملية التخلص من الإمام الحسن (عليه السّلام) بالقتل؛ وذلك بواسطة جنود له من عسل على حد تعبير معاوية نفسه، فدسّ له السمَّ ليقتله.

وهكذا شهد علي الأكبر - وهو في ربيع عمره - استشهاد عمه الحسن (عليه السّلام)، وساعات احتضاره حتّى انتقاله إلى جوار ربه (صلوات الله وسلامه عليه)، وهو حدث له وقع شديد عليه، ويترك في نفسه أثراً وآثاراً غير هينة.

هذا وقد سبق أن عاش الصدمة الكبرى للأُمة كلها، وهي استشهاد جده الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام)، حيث نفذت مؤامرة وقحة وجريئة ضدّه هزت العالم، وأحدثت ضجة ذات أصداء وانعكاسات.

هذه الواقعة والتي أعقبها استشهاد عمه الحسن (عليه السّلام) وغيرها مما سبقها أو يلحقها تحتاج إلى عمق في الدراسة، وقبل أن نستطرد من الضروري جداً أن نفهم ما يلي:

1 - أننا نمر بما يعاصره علي مروراً سريعاً، ولا نلم أو نذكر متعلقات الحادث.

2 - نحرص على إدراج أبرز الحوادث وأكبرها.

3 - يجب أن لا نحدد وعي علي الأكبر بمحدوديتنا وبعقليتنا؛ فالذي يعاصر الوقائع أدرى وأعمق تأثراً ووعياً منّا نحن الذين نطالع أو ندرس نتفاً موجزة عن حقب طويلة.

فبعد الخيانة ومقتل الإمام الحسن (عليه السّلام) هناك حدث أو أحداث متسلسلة متصلة ومستمرة من الإرهاب والاضطهاد الذي كان يستهدف الشيعة الموالين لآل الرسول (صلّى الله عليه وآله)، فضلاً عن استهدافه لآل الرسول بالذات.

وأوّل مسعى لفتح باب الإرهاب هو شتم الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) علناً، وسبّهِ من فوق المنابر، وبهذا فقد أضحى شيعة أهل البيت في خطر. وفعلاً كتب معاوية إلى عماله أن أسقطوا كلَّ شيعي واحرموه من العطاء، بل عمم طلبه بملاحقتهم وقتلهم.

ومن أبرز الاُمور تنصيب معاوية جملة من الولاة القساة القتلة، سافكي الدماء، كما أن من أبرز الأحداث تهجير آلاف الشيعة من إقليم الكوفة إلى خراسان، وقد أجلاهم واليه على الكوفة زياد بن أبيه تحت ألوان من العسف وأساليب التنكيل؛ خوفاً من بقائهم الذي يهدد بقاء حكم بني اُميّة.

وخلال تلك الفترة قتل جملة من زعماء الإسلام الشيعة، وأبرزهم كما هو معروف حجر بن عدي الكندي وثلة من رفاقه في الجهاد، فضلاً عن مجاهدين آخرين حرص معاوية على تصفيتهم رغم جلال مكانتهم وسمو منزلتهم وإيمانهم؛ فقد كان حجر بن عدي صحابياً أدرك الرسول (صلّى الله عليه وآله).

عاش علي الأكبر هذه الأحداث وسمع الأخبار التي تصل إلى أبيه، والمشاكل التي يطرحها بعض المسلمين والمجاهدين، وشهد والده وهو في حيرة من أمرهِ لا لشيء سوى أن الناس ضعفاء لا يوثق منهم أثناء نهضة جهادية.

ومن أبرز ما عاصره عليّ هو محاولة معاوية لإقرار الناس على أنّ ولي عهده يكون ولده يزيد، وقد أعد لهذه المحاولة طريقة توهم بأنّها ناجحة تماماً، ولا نريد أن نطيل.

ثمّ دارت عجلة الزمن لتسحق رأس معاوية، فهلك ومضى مستوزراً بأوزاره، وأعلن يزيد بأنه ورث العرش والملك، وورث بيت مال المسلمين، وحتّى المسلمين أنفسهم.

وبعد، فإن لعلي الأكبر موقفاً من كلِّ حدث يجري، له مواقف ومواقف من معاوية وحكمه وأعمالِه؛ ذلك لأنّ علياً من أهل بيت المواقف الشجاعة الرساليّة التي لا تهاب الموت، ولا تأبه لسيف، وله أن يعلن موقفه وينشر قراره في بلاغ له.

أجل، بيد أنّ موقفه وقراره إنّما لم يبرز ولم يعلنه شخصياً؛ [وذلك] بحكم انضمامه إلى الموقف الأشمل لأبيه الحسين (عليه السّلام)، وبحكم انضوائه تحت القرار الأعم الأكمل لوالده (صلوات الله وسلامه عليه).

لم يعد الصمت ممكناً، وليس بعد كل الذي ساد وجرى مبرر أو مسوّغ للسكوت، وهكذا تحرّك الإمام سبط سيد المرسلين (صلوات الله وسلامه عليه) في ثورته المجيدة الخالدة، لا ليحارب يزيد فحسب، بل ليقوّض الاُمويّة الرعناء.


 

الفصل الخامس

الصلابة والبأس الشديد

في مسيرة الركب التاريخيّة

انطلق الركب الحسيني بمسيرته التاريخيّة من المدينة المنورة إلى مكّة المكرمة، البلد الأمين، دار السلام والاطمئنان. وبعدما أضحت مكّة غير ذات أمان مهتوكة الحرمة، ولأسباب متظافرة اتجهت المسيرة العملاقة نحو الشمال إلى العراق حيث إقليم الكوفة فكربلاء.

وأخذ الركب يلفّ الصحراء ويطوي البيداء، ويعبر ويصعد الهضاب، ويقطع السهول، متجاوزاً التلال والمرتفعات، يحثّ خطى السير لا يلوي على شيء، قد حملت الجمال معدات السفر والعتاد ومحامل النساء، فيما امتطى الفرسان صهوات جيادهم.

وقد لحقهم مئات من الرجال النفعيّين الذين ظنوا بإقبال الدنيا على الحسين (عليه السّلام)، وقد أدرك الإمام (عليه السّلام) دوافعهم؛ فسلك معهم عدة أساليب لإرجاعهم وإبعادهم عن جهاده النقي، وللإبقاء على صفوة الرجال وخلاصة الرساليِّين الأبطال ممّن لا منفعة دنيوية تحدوهم، ولا مصلحة شخصيّة تدعوهم إلاّ إعلاء كلمة الله بإظهار الحق ودمغ الباطل(1).

مرّ الركب بعدة مناطق في الطريق؛ كمنطقة الصفاح، وزرود، والخزيميّة، ومنطقة الثعلبيّة... إلخ.

وهنا في هذه المنطقة بالذات حيث بلغها الركب في المساء، وعليّ الأكبر يسير معهم ليلاً نهاراً، يسير كلّما ساروا، ويقف كلما وقفوا، ويحثّ جواده كلما حثوا الجياد حتّى بلغ منهم النصب وأخذهم التعب.

وفي ذلك المساء بتلك المنطقة غفا الإمام الحسين (عليه السّلام) وأخذه الكرى، فرأى في نومه المؤقت رؤيا أزالت عنه الكرى، وفتح عينيه على أثرها، وأخذ يسترجع: (( إنّا لله وإنّا إليه راجعون ))(2). وهذا عبارة عن تعقيب على مضمون الرؤيا ومعناها.

فانتبه نجله علي الأكبر الذي كان يسير على مقربة منه، فالتفت حالما سمعه ليستفسر من والده العظيم عمّا دعاه للاسترجاع، فأجابه الأب القائد: (( رأيت فارساً وقف عليّ وهو يقول: أنتم تسيرون والمنايا تسرع بكم إلى الجنّة. فعلمت أن أنفسنا قد نعيت إلينا )). وفي رواية لا توجد عبارة (إلى الجنّة).


 

فبادر ولده علي قائلاً بصرامة المؤمن القوي: يا أبة، أفلسنا على الحق؟!.

قال إمام الحق: (( بلى يا بني والذي إليه مرجع العباد )).

فردّ علي بكلمة نابعة من العزة والإباء: يا أبة، إذاً لا نبالي بالموت.

وفي الأعيان أنه قال: فإننا إذاً لا نبالي أن نموت محقّين.

فعقّب والده الإمام (عليه السّلام) بكلمة التقدير العالية الرفيعة التي جاءت بصيغة الدعاء، وأي دعاء من أب لولده، أم أي كلمة هذه التي ينطق بها الإمام الحسين (عليه السّلام) شخصياً لولده عليّ الأكبر بالذات: (( جزاك الله يا بني عنّي خير ما جزى به ولداً عن والده ))(3).

وهكذا هي تحية الإجلال لموقف الصلابة الشجاع، أكرم بهذه الاُبوة وتلك البنوة الممتدين من اُصول الأنبياء وخاتم النبوة!

لقد تحدّى كل العقبات والمعوقات التي تحول دون تحقيق أهداف الحق؛ فطالما نحن على حقٍّ ينبغي أن لا نهاب الموت، الموت الذي حتّى لو أيقنّا قربه ودنوه منا، الموت المؤكّد في الموقف المعين بالذات، الموت على الإيمان واليقين.

واليقين من أسماء الموت، (( أشهد أنك قد أقمت الصلاة، وآتيت الزكاة، وأمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر، وأطعت الله ورسوله حتّى أتاك اليقين... )).

فلا بدّ من نصب الموت أمام الأعين في السلم والحرب، ولا بدّ للمؤمن من حمل الكفن إن لم يحمل معه خشبة الصَلب، فلا يقول أحد: إنّ منيته وأجله في غير هذه الحادثة الجهادية، أو هذه الحرب؛ لأنّ ذلك معناه سابق نية على التهرب والانسلال، وعدم الرغبة في تمام التحرير وكامل الاستقلال.

إنّ هذه الرواية وحديث علي مع أبيه (عليهما السّلام) لا بدّ أن نستفيد منه، ولنتعرّف على حقيقة شخصيّة علي من خلاله، (وفي الحديث من الدلالة على جلالة علي بن الحسين الأكبر، وحسن بصيرته، وشجاعته ورباطة جأشه، وشدة معرفته بالله تعالى ما لا يخفى)(4).

____________________

(1) وقد سبق لنا دراسة هذه الحالة وعمليات التصفية والتمحيص الحسيني لذوي الدوافع الرخيصة والبواعث اللاعقائديّة، وذلك في القسم الثاني من كتاب (الدوافع الذاتية لأنصار الحسين).

(2) في رواية أنه قال: (( إنّا لله وإنا إليه راجعون، والحمد لله ربّ العالمين )). أعيان الشيعة - للسيد الأمين 41 / 171.

(3) الفتوح لابن أعثم 5 / 123، وبحار الأنوار - للمجلسي 44 / 379 - 380، وتاريخ الإسلام - للذهبي 2 / 346، والأعيان، وغيرها بتفاوت ملحوظ في صيغ الروايات المدونة.

(4) السيد الأمين في الأعيان.


لقد كان حواراً جهادياً عظيماً يذكّرنا بحوار نبي الله إبراهيم مع نجله النبي إسماعيل (عليهما السّلام)، فحينما قصّ إبراهيم (عليه السّلام) الرؤيا، (يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ)، أجابه ابنه إسماعيل (عليه السّلام) بقوله: (يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ)(1).

فثمة تشابه من حيث الغرض، وهو الفداء والتضحية، غير أنّ ثمة فوارق؛ فجواب إسماعيل (عليه السّلام) كان مفروضاً عليه بحكم طبيعة الرؤيا؛ فهو مطالب بالرد المناسب، ومطلوب للتضحية بذاته دون سواه، بينما لم يكن مفروضاً على علي الأكبر أن يجيب، وليس الرد مطلوباً منه، ولم يك مطلوباً للتضحية بذاته ولوحده، وكان بمقدوره أن لا يجيب على ما ذكره أبوه من رؤيا، لكنه أجاب بنبرات الصارم وعزيمة الصابر الصامد الذي لا يلين.

ولا نريد أن نعقد مقارنة بين الحوارين؛ فلا تفاضل بين النجلين الطاهرين بحصول الفرق بين الموقفين وطبيعة القضيتين.

وبعد، فقد تقدّم إسماعيل صابراً ليقدّمه والده قرباناً ويبقى هو - والده - حياً، ثمّ غيّر الله سبحانه قضاءه؛ إذ بدا له أن ينزل كبشاً كبديل (فَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ)، فنجا إسماعيل من مذبحة كادت تنهيه.

بينما تقدّم علي الأكبر مع والده وكوكبة الرجال والشبّان صفوة الاُمّة المسلمة، تقدم بأقدام ثابتة وخطوات لا تثنيها أي قوة مضادة إلى حيث مذبحة التي ذُبح عليها، وقُطّع تقطيعاً هو ومَن سبقه بمرأى [من] والده، بل مضى حتّى والده قرباناً وضحية. أجل ذلك بحكم اختلاف القضية، ويا لها من قضية عظيمة لا كبش - مهما كان عظيماً - يعوّضها أو يعادلها.

أجل سار علي وواصل مع الركب المجيد، سار والحق يحدوه، وأمامه نُصبت صخرة الذبح من أجل أقدس قضية حَتَمَت أرقى فداء وتفانٍ وتضحية.

____________________

(1) سورة الصافات / 102.

علي يرابط في كربلاء مع المرابطين

حتّى إذا وصل الركب في مسيرته ربى الطفِّ وتلاع شاطئ الفرات، وقف الإمام الحسين (عليه السّلام) ليتعرّف على اسم المنطقة، وما هي إلاّ برهة زمنيّة حتّى أعلن بأنها موعده ومستودعه، ومنازل الأبطال ومقابر الشهداء.

- (( ها هنا والله مناخ ركابنا، وهنا هنا قَتلُ رجالنا... حتّى قال: وها هنا تُزار قبورنا، بهذه التربة وعدني جدي رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، ولا خلف )).

فنزلها الرجال والشباب، وقد انطلق الصبيان يلعبون ويرتعون، بينما أخذ الرجال يبنون البيوت وينصبون الفساطيط والخيام، فبانت أطناب الخيام، وظهرت مواقعها بأهلها المرابطين على الحق. ورابط علي الأكبر في بطحاء كربلاء منذ اليوم الثاني حتّى العاشر من شهر محرم.

أمّا الجيش المعادي الذي يرابط على شط الفرات فقد أخذ يتكاثر كلّ ضحى، وكلّ يوم حتّى كملت عدته يوم تاسوعاء؛ إذ كانت الكتائب تتوافد لترابط قِبالة الجبهة الحسينيّة؛ ولكثرتها تسنّى لها تنفيذ أوامر منع الماء الصادرة من ابن زياد؛ حيث ضربوا على نهر الفرات حصاراً يحول دون بلوغ ضفافه أي ضام عطشان.

وظل علي في انتظار دوره وأداء مهامه، فهو يترقب بدء القتال مع الأعداء، وبدء دوره خصوصاً؛ إذ كان في رأيه أن يكون هو أول قتيل وشهيد. لقد وقف إلى جانب ثلة الهاشميِّين تحت لواء عمّه العملاق العباس بن علي (عليهما السّلام)، ليطالب بأن يكونوا هم - بنو هاشم - أول من يبرز للميدان.

بيد أن عصبة الأنصار ترى أنها هي الأوّل دخولاً للميدان، وقد تجمّعوا تحت لواء المجاهد حبيب بن مظاهر الأسدي وهم يطالبون بعدم سبق الهاشميِّين للجهاد والقتل.

وتدور بين الطرفين مباراة كلامية، ويستمر تنافس الجناحين على الظفر بالأولوية لخوض غمار الحرب العادلة، ولا أحد يرضى بأن يكون ثانياً، كلٌّ يؤثر نفسه على الموت قبل غيره، وبطبيعة الحال فإنّ علياً كان أكثر عزماً وأشد رغبة في إحراز تلك الأسبقية والأولوية؛ فهو من جناح الهاشميِّين الذي يقول بضرورة تَقَدّم بني هاشم؛ لأنهم حَمَلة الرسالة، وثقل الحديد لا يحمله إلاّ أهله.

وأخيراً احتكم الجناحان إلى الإمام الحسين (عليه السّلام)، فحكم الإمام القائد للأنصار بالسبق لدخول الساحة. وظل الهاشميّون في ترقب لدورهم، وظل علي الأكبر خصوصاً أشد شوقاً لساعته ولحظات سعادته.


 

على مصارع الأنصار، ومصرع الحرِّ الرياحي

حمى الوطيس، واحتدم الصراع؛ إذ دارت رحى حرب ضروس، جالت خلالها الخيل، واشتد اشتباك الأسنة واختلاف السيوف، فما انجلت الغبرة إلاّ عن جمع من القتلى. كانت تلك هي الحملة الأولى في صبيحة عاشوراء التي اشترك فيها الجميع، وتمخّضت عن قتل عشرات ومئات الاُمويِّين، كما أسفرت عن خمسين قتيلاً شهيداً من رجالات الإسلام الحسينيِّين (عليهم سلام الله ورضوانه).

ثم آب كلٌّ إلى موقعه، وبدأت عصبة الأنصار - أي ممّن تبقّى منهم - يستأذنون الإمام الحسين (عليه السّلام) للجهاد مثنى وفرادى وهو يأذن لهم. وكان عاشوراء يوماً مشهوداً؛ حيث صعدوا مسرح الجهاد والاستشهاد وهم لا يلوون على شيء، ولا يفكّرون بشيء سوى الفداء والفناء من أجل مجد الإسلام والبقاء الرسالي.

ظل علي يرمق ببصره البعيد أطراف الميدان، مكبراً تفاني الأنصار البواسل الشجعان؛ فقد كان قوي العزيمة، لا تخونه إرادته ولا تلين عزيمته أو تضعف شكيمته، قوي البأس، ثابت الجنان، صلب صامد على مصارع عصبة الأنصار، حتّى إنّه شهد مصارعهم وكان يرثيهم ويؤبّنهم، مشتاقاً لما آلوا إليه.

كما وقف على جسد أحدهم وهو يرثيه بأبيات نفيسة؛ إذ أشرف علي الأكبر على جسد البطل المجاهد الحر بن يزيد الرياحي، وقد سبقه والده الحسين (عليه السّلام) الذي أبّنه بقوله: (( بخ بخ لك يا حر! أنت الحر كما سمّتك اُمّك، وأنت الحر في الدنيا والآخرة )) أو (( سعيد في الآخرة )).

فعقّب علي الأكبر قائلاً:

لَنعمَ الحرُّ حرَّ بني رياحِ
 
صبورٌ عند مشتبك الرماحِ
 
ونعم الحرُّ إذ نادى حسيناً
 
فجاد بنفسه عند الصباحِ
(1)
 
____________________

(1) مقتل الحسين - للخوارزمي 2 / 11، ومقتل العوالم / 85، ورويت الأبيات مع إضافات، كما وقيل: إنها للإمام الحسين (عليه السّلام):

لنعمَ الحرُّ حرَّ بني رياحِ
 
صبورٌ عند مشتبكِ الرماحِ
 
ونعمَ الحرُّ في وهج المنايا
 
إذ الأبطالُ تخطر بالصفاحِ
 
ونعم الحرُّ إذ واسى حسيناً

وجاد بنفسه عند الصباحِ
فيا ربّي أضفه في جنانٍ
وزوجه من الحور الملاحِ
لقد فاز الاُلى نصروا حسيناً
وفازوا بالكرامة والفلاحِ
إنّه يقرر بأبياته أنّ للحر صبراً، فيقرر أنّ له إيماناً قوياً بحيث أنه تحمل المخاطر، وصبر - لكي ينجز مهمته - رغم اشتداد اشتباك الأسنة والسيوف وكلّ الأسلحة، (صبورٌ عند مشتبك الرماح).

كما ويقرر أنه قدّم أغلى ما لديه، وسخا بما عنده، وجاد بما يملك من ثمين ونفيس، وهل أثمن من النفس والحياة؟! (فجاد بنفسه عند الصباحِ)، والحق أنّ (الجود بالنفس أقصى غاية الجود).

فضلاً عما نلمسه من إكبار وافتخار بمن هو نعم الرجل، نعم الشخصيّة الفاضلة، ونعم الحر، بحيث أبى التقيّد بالذل والارتهان بالعبودية، ورنا إلى نعماء العز والحرية دونما خوف من دفع الضريبة الباهضة لتلك النعمة، وهي ضريبة الدم والروح، وهكذا تكون سجية الأبطال.

وبقي علي الأكبر يرقب الميدان عن كثب، معرباً عن روعة صمود الصابرين المجاهدين، ومكبراً جهادهم، متشوقاً إلى دوره ونزوله للساحة بعد أن مضى مَن مضى وبقي مَن بقي، (رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً)(1). صدق الله العلي العظيم

____________________

(1) سورة الأحزاب / 23.

الفصل السادس

السبق للجهاد

المبادرة الفورية

لقد أدّى الأنصار أدوارهم على أحسن ما يرام، فمضوا إلى حيث نعم الله ورضوان ربهم، وجنان وعدهم إياها، إنه لا يخلف الميعاد.

ولم يدع علي واحداً يسبقه بعد إذ انفرد الإمام وأهل بيته (عليهم السّلام)، فكانوا البقية الباقية من الشجرة المحمّديّة، والوحيدون على وجه الأرض من آل الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله)، فطفق بعضهم يودع بعضاً، ومال أحدهم على الآخر يعانقه بحرارة وشوق.

وصف المؤرّخون ذلك المشهد الرهيب، واتّفقوا على هذا المعنى: لمّا قُتل أصحاب الحسين (عليه السّلام) ولم يبقَ معه إلاّ أهل بيته خاصة، وهم وُلد علي بن أبي طالب (عليه السّلام)، وولد جعفر، وولد عقيل، اجتمعوا يودّع بعضهم بعضاً، وعزموا على الحرب؛ فتقدّم علي بن الحسين (عليه السّلام)، وكان من أصبح الناس وجهاً وأحسنهم خَلقاً وخُلقاً.

أمّا وداع علي لأهله من النساء؛ كاُمّه وأخواته وعمّاتهِ، لا سيما عمّته الحوراء زينب (عليها السلام)، فقد حفل بالآلام والأشجان؛ فقد آن فراق ذكرى المصطفى (صلّى الله عليه وآله)، هكذا شعرن وأحسّت كلٌّ منهنّ.

ظهر علي بأنه شديد الحرص على السبق للساحة، وعلى أن يكون أول ضحية وقرباناً لله سبحانه وتعالى(1)، وهذه الظاهرة تحتاج إلى وقفة؛ فلاشك أنّ المسؤوليات الجسام لا تناط إلاّ بأهلها، وخليق بهم تحمل عبئها وما يترتب عليها من مضاعفات؛ لأنهم سدنة الرسالة، وحرّاس المبادئ ذات الأصالة؛ فهم لا يختارون التأخير عن دورهم؛ الأمر الذي يفسر حالات التنافس بين الهاشميِّين والأنصار، وعمليات الرهان على الأسبقية كما أشرنا؛ حيث حسم الإمام ذلك الموقف لرغبة الأنصار المجاهدين على رضا منه.

أمّا وأنّ علياً يسبق إخوته من الهاشميِّين فذلك ما يفسره نفس المعنى. فنظراً لكونه نجل الإمام القائد، المنحدر من صلبه الشامخ، فهو يشعر بخصوصيته، لا لكي يسلم وينعم، بل لكي يبادر ويعمل ويضحّي فيكون المثل الأعلى. وليس هذا من باب المفاضلة والمكابرة بقدر ما هو من باب الإيثار؛ فخليق به أن يتقدّم على الجميع مؤثراً سلامتهم، وعدم نظرهِ لجراحهم أو مواقع مصارعهم.

ولما كانت القضية قضية الإسلام الحسينيّة فلا يحسن به أن ينتظر إلى آخر شوط وآخر دور؛ فهو نجل القائد، ومن باب أولى أن يكون هو المتقدّم.

وهكذا يتجلّى علوّ التربية ورفعة التوجيه، وسمو الآداب وجلال التهذيب المتوفر في شخص علي الأكبر؛ فما كانت تربية أهل البيت تنصّ على معنى يخالفه عملهم، ليس فيهم قوّال غير فعّال، وإنّما جُبلوا على ممارسة تطبيقات مقررات الرسالة والدين الحنيف، وحتّى الآداب والمُثل البسيطة والمفاهيم الخُلقيّة العمليّة.

____________________

(1) وقيل: إنّه ليس الأوّل، بل لقد أدرجه ابن أعثم في الفتوح 5 / 207 فجعله آخر من قُتل، وهذا ما لا شهرة فيه.


 

الاستئذان للنزال

اتّجه نحو أبيه الإمام (عليه السّلام) فاتّخذ له موقفاً أمامه، وظل صامتاً مطرقاً برأسه، نظر إليه والده الحسين (عليه السّلام) فأدرك ما يريد، فكلّ ما ظهر عليه من لامة حربه ومدرعته وإسراجه لفرسه يدل على عزمه للمضي على ما مضى عليه مَن سبقوه، يدل على لهفته لمباشرة الجهاد المسلّح.

وراح الحسين (عليه السّلام) ينظر إليه بنظرات ملؤها الرفق والحنان والإشفاق، أخذ يطيل النظر إليه، فاتّخذت عواطف الاُبوة الطاهرة مستقرها بين جوانح الأب العظيم.

دار التفاهم على صعيد الصمت، وتمّ تبادل البيان من خلال مؤشرات موقف الأشجان، ولم يكن الفراق عجيباً ولا غريباً إذا (( خُطّ الموت على ولد آدم مخطّ القلادة على جيد الفتاة ))، (( لا محيص عن يوم خُطّ بالقلم، رضا الله رضانا أهل البيت، نصبر على بلائه فيوفّينا أجور الصابرين )) كما في خطابه التاريخي بمكّة.

ترى هل عزّ على الحسين (عليه السّلام) فراق حبيبه وريحانته وذكرى رسول الله (صلّى الله عليه وآله)؟ هل يا ترى يمنعه عن التسرع أو يؤجل دوره إلى حين؟ نعم عزّ عليه ولكنه لا يمنعه أو يؤجّل جهاده.

عزّ عليه عزّاً لا حد له، بيد أنّ الحسين يسيطر عليه أمر أكبر وأخطر؛ ذلك هو عزّ القضية التي من أجلها نهض بنهضته وصدع بمبدأ الجهاد. فبعز رسالته هان عليه عزّ الأحبة وآلام الوحدة والغربة؛ فالموقف شجي ومحرج لكنه في غاية التحرّج في قضية الدين، بحيث هوّنت عليه فقد الحياة وحراجة تقديم البنين.

وأخذت الآهات مأخذها في داخل صدره، وراح ينظر إليه، إلى أشبه من وطئ الحصى بجدِّهِ النبي المصطفى (صلّى الله عليه وآله). واغرورقت عيناه بالدموع، وطفق إليه ليضمّه ليحتضنه ويلثمه، ووقف الشباب الهاشمي أمام المشهد الحزين وقد دام العناق طويلاً، فماذا تتصور عن عناق صدق الأشواق، عناق لحظات الفراق؟! أجل إنّها آخر فرصة لتبادل القبلات المنغصة.

وفهم علي الأكبر، وأدرك من تلك الإجراءات الأبوية أنه لا مانع من خوض غمار الحرب الرساليّة فوراً، فمال إلى جواده الذي أعدّه وأسرجه؛ فامتطى صهوته واتّجه نحو تأكيد الحقائق، وراحت عيون الهاشميِّين ترمقه بحب عظيم وإشفاق كبير، فكيف بأبيه الحسين (عليه السّلام) الذي أخذت عيناه ترافقه، واستمر يلاحقه بنظراته، وتابعه بقلبه البصير الذي يخفق على النهاية والمصير لهذا الفتى المحمدي؟!

لقد وجدناه يحول طرفه ليرمق السماء وليناجي ربه، رافعاً شيبته الشريفة وقد أرخى عينيه لتسيل الدموع كلّ مسيل: (( اللهمَّ اشهد على هؤلاء القوم، فقد برز إليهم غلام أشبه الناس خَلقاً وخُلقاً ومنطقاً برسولك محمّد (صلّى الله عليه وآله)، وكنّا إذا اشتقنا إلى وجه رسولك نظرنا إلى وجهه... اللهمَّ فامنعهم بركات الأرض، وفرّقهم تفريقاً، ومزّقهم تمزيقاً، واجعلهم طرائق قدداً، ولا ترضي الولاة عنهم أبداً؛ فإنّهم دعونا لينصرونا ثمّ عدوا علينا يقاتلوننا ))(1).

في تلك الأثناء كان عليٌّ (سلام الله عليه) يبتعد رويداً رويداً متّجهاً نحو الحشود البشريّة المتراكمة كالغنم النائمة، وقد وبخ الإمام (عليه السّلام) قائدَ الأعداء عمر بن سعد بن أبي وقاص، وتوعّده مؤكّداً له استحالة حصوله على نيل مصالحه من قتال عترة الرسول (صلّى الله عليه وآله) وإبادتهم وقطع رحمهم، فصاح به: (( ما لَك! قطع الله رحمك، ولا بارك الله لك في أمرك، وسلّط الله عليك مَن يذبحك بعدي على فراشك كما قطعت رحمي، ولم تحفظ قرابتي من محمّد رسول الله ))(2).

ثمّ حوّل طرفه إلى ولده الذي دنا من الجيش الهجين وأخذ ينظر إليه، وقد رفع الإمام (عليه السّلام) صوته وهو يتسلّى بتلاوة قول الله تبارك وتعالى(3): (( إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ))(4).

سمع الجميع تلاوة الإمام الحسين (سلام الله عليه)، سمعوا حقيقة كون علي الأكبر ممّن اصطفاه الله سبحانه وارتضاه، وأنه ماضٍ إلى حيث أداء حقِّ الاصطفاء، وحقّ المسؤوليات في ظل العز والإباء.

____________________

(1) الفتوح 5 / 2، 7 / 208، ومقتل الحسين (عليه السّلام) - للخوارزمي 2 / 30 بتفاوت لفظي.

(2) المصدران نفساهما.

(3) المصدران نفساهما.

(4) سورة آل عمران / 33 - 34.

 

محاولة اُمويّة لاستمالته

ساد في العصر الجاهلي البائد صراع وخراب أدى إلى سفك الدماء وإراقتها دونما حساب؛ وذلك بفعل الروح العشائريّة والعصبيّة القبليّة، وقد اشترك في تلك الحروب والمعارك أفراد وجماعات لا ناقة لهم فيها ولا جمل كما يقول المثل. فلا يتأخّرون عن إشعال نار معركة لأدنى سبب تافه وصلة قربى رخيصة، ولربما كانت صلة مصطنعة وهمية أو مجرد استلحاق لا غير.

ويكفينا أن نتذكر أدوار زياد بن أبيه ومهامه الإجراميّة الشنيعة عقيب استلحاق معاوية له بأبيه صخر بن حرب (أبي سفيان)؛ إذ أضحى زياد بن أبي سفيان، وصار أبو سفيان والد زياد بالاستعارة، فكان عليه أن يؤدّي حق النسب والرحم، وقل: حق الاستلحاق والرابطة الوهمية.

وقد جرّت على الاُمّة ويلات ومآسي نتيجة لوهم النسب هذا، ونتيجة لتمكين معاوية لزياد من رقاب المؤمنين؛ فالمعاني الجاهليّة التي عادت لتسود في زمن بني اُميّة كان لها الأثر البالغ في صنع كثير من الأحداث، وفي حرب أهل الحق وآل الرسول (صلّى الله عليه وآله).

ويحدث أحياناً استمالة بعض العناصر من طرف ما إلى طرف آخر من هذا المنطلق، ووفق منطق الصراع القبلي، فما أن يُلاحظ وجود عناصر أو عنصر واحد له صلة رحمية حتّى يعرضوا عليه منطق حمية الجاهليّة. وقد أشرنا إلى أنّ جدّة علي الأكبر لأمهِ، وهي ميمونة، من بني اُميّة؛ (ولهذا دعاه أهل الشام - حسب قول البخاري - إلى الأمان، وقالوا: إنّ لك رحماً بأمير المؤمنين يزيد بن معاوية. يريدون رحم ميمونة بنت أبي سفيان)(1).

وهذا ما أشار إليه الزبيري، ولم يقل: أهل الشام، أو أن القائل هو شامي، وإنما عراقي: (وكان رجل من أهل العراق دعا عليّ بن الحسين الأكبر إلى الأمان، وقال له: إنّ لك قرابة بأمير المؤمنين - يعني يزيد بن معاوية - ونريد أن نرعى هذا الرحم، فإن شئت أمنّاك)(2).

وثمة شيء آخر وهو أن قائد الجيش عمر بن سعد بن أبي وقاص من اُمٍّ اُمويّة، وهي أخت ميمونة، أي من بنات أبي سفيان(3).

فللنسب والرحم سلطان على نفوس الناس، يسوقهم حيثما اشتهى مَن بيده زمام اللعبة، كسلطان الطائفيّة اليوم في السياسة الدولية المعاصرة؛ حيث إنّ السُّني أو الشيعي، ثمّ المسيحي أو اليهودي، أو مَن له أدنى رابطة بأيٍّ من تلك الطوائف يمكن أن يُسخّر ويستغل ويستخدم، وهو ما نلاحظه ونلمسه لمس اليد.


 

ولأنّ سلطان العصبيّة مستحوذ على الاُمويِّين وأذنابهم من الشاميِّين والعراقيِّين، ولأنّ سطوة القبلية مهيمنة عليهم، برزت اُطروحة حمية الجاهليّة بلا حياء ولا خجل، وعُرضت على علي الأكبر ظناً منهم بجدواها، وقد كانوا من البلادة والغباء بحيث قارنوا أفذاذ الاُمّة كعلي الأكبر بأنفسهم هم شذّاذ الآفاق ونبذه الكتاب، ونسوا أن علياً ونظائره لا يستجيبون لتلك الدعوات حتّى وإن بلغ السيل الزبى.

فما [هو] موقف علي من تلك الاُطروحة وذلك العرض؟

لا بدّ أن ندرك بأنّ العرض هذا رخيص، وعليٌّ يتجاوب مع العرض الثمين النفيس الذي يكون أقل ما يدفع له الجسد والروح. وقد سبق له أن استجاب لعرض لا يدانيه عَرض آخر، لم يقدّمه شامي ولا عراقي، عرض ليس من أجل يزيد والرحم، وإنّما قدّمه رجل آخر، وأي رجل ذلك الذي هز مهده جبرائيل، سبط المرسلين ونجل سيد الوصيِّين، وابن الصديقة الطاهرة سيدة نساء العالمين!

أي رجل هذا وأي عرض يحمل! إنّ هذا الرجل بذاته وعظمته يكفي قبل أن يقدّم ما عنده من عرض مبدئي؛ فهو بذاته عرض رسالي نفيس لا يقاس.

أجل إنّ لعلي الأكبر عهداً ووعداً بالمصادقة على ميثاق وقّعه حول ما قُدّم له، حيث اُطروحة الحسين الحرة؛ ولهذا أجاب أهل العرض الرخيص بجواب حدي بقوله: لقرابة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أحقّ أن تُرعى(4). ثمّ هجم عليهم.

فلا رحم ولا قرابة أقدس ممّا وصّى القرآن بها وحرص بشدة عليها، فأي يزيد، أم أية رحم اُمويّة هذه؟! (لقرابة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أحقّ أن تُرعى من قرابة يزيد بن معاوية. ثمّ شد عليهم)(5).

____________________

(1) كتاب سر السلسلة العلوية - لأبي نصر البخاري / 30، وهو من أعلام القرن الرابع للهجرة، حقق كتابه السيد صادق الصدر - طبعة النجف الأشرف.

(2) كتاب نسب قريش - للزبيري / 57، وهو من أعلام القرن الثالث للهجرة، حقق كتابه المستشرق أفرنستال.

(3) وسيلة الدارين - للزنجاني / 292.

(4) نسب قريش - للزبيري / 57.

(5) سر السلسلة العلوية - للبخاري / 30.

وبهذا فقد قابل علي منطق الجاهليّة الرعناء بمنطق الرسالة والقرآن العظيم: (قُل لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى)(1).

وأعظم ما في الموقف أنه لم يقل لهم: إنه أبي وأنا ابنه فعليَّ أن اُدافع عنه، ولم يذكّرهم بأنه سليل الرسول ولهذا يراعي رحمه وصلته بالهاشميِّين، وإنّما كان جوابه جواب المؤمن بالرسالة، وحتمية حفظ قربى الرسول.

وقد يكون مستساغاً أن يعلن كونه يراعي نسبه المقدّس، ولم يعلن ذلك، وإنما قرّر بصيغة جوابه الواجب الشرعي على كلِّ فرد مسلم كأمر مفروض لا محيص عنه ولا مناص منه؛ فقرابة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أحق أن ترعى، لا لأنها مجرد قرابة الرسول (صلّى الله عليه وآله) [ فحسب]، وإنما لأنها قد اُنيطت بها الرسالة والدين الحنيف.

أخيراً كان علي في غنى عن تلك البادرة البليدة؛ لأنه أسمى من تلك العروض التافهة، لكن العدو كان مضطرب العقلية مرتبك الموقف. كما أننا في غنى عن الوقوف الطويل هنا لولا الحاجة الماسّة للتأكيد البياني على الأخلاق الجاهليّة، والقيم والمثل الجاهليّة التي حورب بها الإمام الحسين وآله وأنصاره (عليهم السّلام)؛ من حيث عورضت بها الرسالة من قبل، وحورب بها مسبقاً جدّه الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله).

____________________

(1) سورة الشورى / 23.

الفصل السابع

المجاهد العنيد

الجولة الاُولى

وامتشق حسامه المهنّد من غمده، ونزل مخترقاً صفوف العدو المتكبّر، فراح الأكبر في كبرياء العزِّ يضرب الأجلاف، ويجندل الجبناء، ويحصد بهم فيوقع أكبر الخسائر في أوساطهم. راح يضربهم فوق الأعناق ويضرب منهم كل بنان.

ظهر تأثيره عليهم حينما دخل دائرتهم وأخذ يخوض في وسطهم العسكري ليمزّق جمعهم، ويفرّق صفوفهم، ويشتت شملهم الشريد؛ فقلب وقوفهم وحالة سكونهم إلى حركة دائمة، وركضٍ وهروبٍ فهزيمة، فالرجل مَن إذا هرب نجا.

وغاب شخص علي الأكبر بينهم غياباً تاماً يتجلى للعيان بما يلعبه فيهم ويؤثر عليهم، فلا يظهر منه غير نشاطه المتمثل بهز العسكر وزعزعة الجيش؛ إذ كان نزاله المسلح بكلِّ طاقاته وقدراته ممّا أعيا الفرسان المدجّجين والكماة الناصبين، واستمر في فعالياته البطولية يخرق الصفوف ويتحدّى السيوف.

نزل فيهم نزول الأسد الجريح، وخاض بهم خوضاً لم يشهدوا له مثيلاً قط؛ فما يترك كتيبة إلاّ وعاد إليها، وما يلبث أن يرجع لمن فرّقهم بسيفه الصقيل، مضى يتصرف بهم حسبما يريد، وقد عجزوا عن وضع حدٍّ له وإيقاف قواه التي تواصل استعراضهم فتكيل لهم الضرب، وتنزل بهم الخسائر الجسيمة؛ (ولهذا حرصوا على أن ينتقموا منه بعد قتله؛ وذلك بتمزيق جسده).

حتّى إذا ما جهلوه، وظنوا أنه علي بن أبي طالب (عليه السّلام) قد خرج إليهم؛ لأنهم لم يصدّقوا أنّ هذه الحملات الشجاعة لغيره، طفق يكشف لهم عن هويته المقدّسة واسمه الشريف كما قيل عن سبب اُرجوزته التالية.

أو أنه أراد توضيح شخصيته ومهمّته المنوطة به، فبادر معلناً لهم، وهو ما زال ماضياً بعزم لا يلين، ينشدهم اُنشودته الخالدة واُرجوزته المجيدة:


 

أنا عليُّ بنُ الحسين بنِ علي
 
نحنُ وربِّ البيت أولى بالنبي
 
تالله لا يحكمُ فينا ابنُ الدعي
 
أضرب بالسيف اُحامي عن أبي
 
ضربَ غُلامٍ هاشميٍّ علوي
(1)

أعلن لهم أنه نجل الحسين حفيد أمير المؤمنين علي (عليهم السّلام)، كما أعلن رفضه لحكم الطلقاء وسياسة إدارة الأدعياء، فلا وفاق عليها مهما بلغ الثمن، (تالله لا يحكمُ فينا ابنُ الدعي).

أبلغهم أنه سيواصل سيره بسيفه المصلت فوق رؤوسهم، ذاباً عن الدين الحنيف، ومحامياً لأبيه سيد الاُمّة. نبّههم أن صرامته وتصلبه وضرباته الفتّاكة لها ما وراءها من رصيد هاشمي؛ فقوة ضربته وعزيمة ساعده، وتحمّله لمشاق المعارك وهول الحروب إنّما له أصالته، بدءاً من هاشم خير الكيان القرشي. تلك المعاني السامية والإيحاءات الجدية تصك أسماع الأعداء، وهو يكرر اُنشودته ويكرّ عليهم كرّات جدِّه الكرار، فلا يعرف أي معنى للفرار.

(فلم يزل يقاتل حتّى ضجّ أهل الكوفة لكثرة مَن قُتل منهم، حتّى روي أنه على عطشه قتل مئة وعشرين رجلاً)(2).

____________________

(1) الإرشاد - للشيخ المفيد، وغيره كالمقتل للخوارزمي، وأعيان الشيعة، وفي الفتوح بعض الزيادة عن هذا، وفي الطبري والكامل نقصان عنه، وهكذا بتفاوت جلي.

(2) مقتل الحسين (عليه السّلام) - للخوارزمي 2 / 30، وفي الفتوح 5 / 209 جاء (فلم يزل يقاتل حتّى ضجّ أهل الشام من كثرة مَن قُتل منهم، فرجع إلى أبيه وقد أصابته جراحات كثيرة)، بمعنى أن ثمة تسليمٌ بوجود بعض الشاميِّين.

لم يفت في عضده العطش، بل حتّى الجراح المعضلة، يسمو، يحدق فيهم متعالياً فوق الجواد الناهض، وإذا ما تحاوموه بجمع وكتائب يردّهم ويجبرهم على التقهقر والنكوص قسراً.

يرمي الكتائبَ والفلا غصّت بها
 
في مثلها من بأسه المتوقّدِ
 
فيردّها قسراً على أعقابها
 
في بأس عرنينِ العرينة ملبدِ
 
وما همّ بالعجز، وهو شامخ على صهوة جواده بجراحه الدامية المتدفقة دماً عبيطاً، حتّى إذا زاد ألم العطش وأخذ منه مأخذاً إلى جانب الجراح والدماء السائلة، رجع وهو يأمل أن ينال شربة من الماء لو وصل إلى المخيّمات.


 

العودة المؤقتة

وعاد ولكن ليرجع، عاد كيما يعود إليهم؛ إذ توعدهم، ثمّ إنّه على موعد مع الله سلفاً، موعد لا يخلفه في مكان وزمان سوى، غير أنه الآن عطشان لحدٍّ قد يمكّن العدو منه، فهو ظمآن إلى درجة تفقده الرؤية الجيدة، فلا يرى الأوباش ولا يميّز الأشياء.

عاد.. عاد وهو يحمل رأس أحد فرسان الاُمويّة المدعو بكر بن غانم الذي تحدّى عليّاً وصمم على قتله بقوله: لأثكلن أباه. لكن علي الأكبر تلقّاه فبارزه حتّى صرعه وأرداه، وحمل رأسه وهو يحس بالجهد الشديد الوطأة، فوصل المخيم الحسيني وقد رمى بالرأس وهو يردد:

صيدُ الملوكِ أرانبٌ وثعالبُ
 
وإذا برزت فصيديَ الأبطالُ
 
هذا ما جاء في رواية، بينما أجمعت الروايات حول عودته المؤقّتة على جفاف حشاشته، ويبوسة فمه، وذبول شفتيه، حتّى بلغ لسانه أقصى حدود الذبول بعظم الظمأ الذي ناله.

فهل كان متيقناً أو معتقداً حصوله على جرعة ماء يطفي بها لهيب العطش؟ فحن نقرأ له كونه طلب من أبيه شربة من الماء: يا أبه، العطش قد قتلني، وثقل الحديد قد أجهدني، فهل إلى شربة من الماء سبيل أتقوى بها على الأعداء(1)؟

فترقرقت واغرورقت عينا أبيه.

وأي سبيل هذا يا سيدي، أم كيف؟! ليت شعري! أومَا يرى عليٌّ حال أهله وذويه، ويبوس حتّى شفتي أبيه، وإنّ فاقد الشيء لا يعطيه؟!

وكأني به يجيب فيقول: أجل، وهو كذلك، فأنا أدرى بسر الحال، ولكن الأمل.. إنه الأمل في إطفاء غائلة الظمأ.

إنّه يعلم جيداً، بيد أنّ أمله كان قويّاً، وأراد أن يقتنع أو يقنع نفسه فقط؛ فهي حالة نفسيّة ألحّت عليه بالعودة، وإلاّ فالماء غير موجود، (إِلاَّ حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قضاها)(2).

وهذا الحدّ الأدنى من أمل الارتواء النسبي لم يتحقق؛ ولذا دمعت عينا أبيه الحسين (عليه السّلام)، ولا أدري كيف دمعت وسالت الدموع حينما أجاب الأب العطشان ولده بقوله: (( وا غوثاه! ما أسرع الملتقى بجدك فيسقيك بكأسِه شربة لا تظمأ بعدها أبداً )).

____________________

(1) الفتوح 5 / 209، مقتل الحسين (عليه السّلام) - للخوارزمي 2 / 30 - 31.

(2) سورة يوسف / 68.


 

وفي رواية أنه أجابه بقوله: (( يا بُني، قاتل قليلاً، فما أسرع ما تلقى جدك محمّداً (صلّى الله عليه وآله) فيسقيك بكأسه الأوفى ))(3).

وعن الخوارزمي: فبكى الحسين وقال: (( يا بُني، عزّ على محمّد وعلى علي وعلى أبيك أن تدعوهم فلا يجيبونك، وتستغيث بهم فلا يغيثونك. يا بُني، هات لسانك )). فأخذ لسانه فمصّه، ودفع إليه خاتمه وقال له: (( خُذ هذا الخاتم في فيك وارجع إلى قتال عدوك؛ فإنّي أرجو أن لا تُمسي حتّى يسقيك جدّك بكأسه الأوفى شربة لا تظمأ بعدها أبداً ))(4).

ثمَّ إنّه (عليه السّلام) انتزع الخاتم ليضعه عليٌّ في فمه تحت لسانه، وهذه عملية إسعافيّة قد تفيد أن للخاتم أو أي شيء بنفس حجمه دور في إثارة الغدد لتفرز ما يسعف الحال(5).

وبعُدَ أقلُّ القليل من الماء، فعطف ليودّع اُمّه التي روي عنها أنها كانت شديدة القلق عليه حتّى اُغمي عليها، وأفاقت ورأسها في حجر ولدها العائد من الجولة الاُولى، والذي لا بدّ له من جولة ثانية كيما ينال شرف الشهادة المقدّسة.

وراح يودّع الجميع ليواصل المسيرة الفردية المسلّحة رغم مكابدته لوطأة العطش وضنى الظمأ، وقد كتب في حالته هذه أحد الشعراء المؤمنين قائلاً فيه:

ويؤوبُ للتوديع وهو مكابد
 
لظما الفؤاد وللحديد المجهدِ
 
صادي الحشا وحسامُه ريّان من
 
ماءِ الطّلى وغليلُه لم يبردِ
 
يشكو لخير أبٍ ظماه وما اشتكى
 
ظمأ الحشا إلاّ إلى الظامي الصدي
 
كانت حشاشتُه كصالية الغضا
 
ولسانُه ظمأٌ كشقة مبردِ
 
فانصاع يؤثره عليه بريقِهِ
 
لو كان ثمة ريقُه لم يجمدِ
 
ومذ انثنى يلقى الكريهةَ باسما
 
والموتُ منه بمسمعٍ وبمشهدِ
 
لفَّ الوغى وأجالها جولَ الرحى
 
بمثقفٍ من بأسهِ ومهنّدِ
 
___________________

(1) الفتوح 5 / 209، مقتل الحسين (عليه السّلام) - للخوارزمي 2 / 30 - 31.

(2) سورة يوسف / 68.

(3) الفتوح - لابن أعثم 5 / 209.

(4) مقتل الحسين (عليه السّلام) - للخوارزمي 2 / 31.

(5) مقتل الحسين (عليه السّلام) - للسيّد المقرّم - هامش / 313.

الجولة الثانية

- (( ما أسرع الملتقى بجدّك فيسقيك بكأسه الأوفى شربة لا تظمأ بعدها أبداً )).

وما أروع هذا الارتواء الروحي والشربة المعنوية والجرعة المشبعة بالمعاني الجليلة، وقد عملت عملها في نفس علي الأكبر، فغدا إلى الحلبة في جولته هذه وهو أشد اشتياقاً للارتواء الأبدي بماء الكأس الأوفى لجدّه المصطفى (صلّى الله عليه وآله) من حوض الكوثر وجنة عدن! إنها لبشارة مبهجة لا يعيها أو يستوعبها فيتأثّر بها إلاّ ذوو العلم والإيمان واليقين بما ينتظرهم من نعيم الفردوس، ويفيض من على موائدها أو ضفاف أنهارها.

وتقدّم البطل العملاق العطشان، الراوي من الإيمان، وامتشق حسامه فرنّ رنينه إيذاناً ببدء فعالياته، وشقَّ الرمال معتلياً صهوة جواده الذي خلّف وراءه غبرة غليظة ممتدة، شدّ عليهم ليكتسحهم كسحاً، ويكرد جحافلهم كرداً.

(فزحف فيهم زحفة العلوي السابق، وغبّر في وجوه القوم، ولم يشعروا أهو (الأكبر) يطرد الجماهير من أعدائه، أم أنّ (الوصي) (عليه السّلام) يزأر في الميدان، أم أن الصواعق تترى في بريق سيفه، فأكثر القتلى في أهل الكوفة حتّى أكمل المئتين)(1).

هذا وهو يؤكّد لهم بأنّ ثمة حقائق قد تجلب للحرب هذه، وهي حقائق ثابتة، ولا مجال للتفريط في حقِّ تلك الحقائق ذات البراهين والمصاديق الواضحة البيّنة على الساحة؛ فأثناء شنّهِ لحملاته صرّح لهم مؤكّداً، وباُسلوبه الجميل من خلال اُرجوزة جميلة واُنشودة ثانية جليلة كرّرها على مسامعهم بمنطقة المسدد:

الحربُ قد بانت لها حقائقُ
وأظهرت من بعدها مصادقُ
واللهِ ربِّ العرش لا نفارقُ
جموعَكم أو تُغمد البوارقُ
فبناء على تلك الحقائق وما تبعها من مصاديق عملية، فهو يواصل دورَه أبداً دون أن يترك الساحة، كيما يقوم بتدعيم المصاديق، ولن يفارق مهمته قط؛ لأنه سليل أهل الحق وسادة الحقيقة، وربّان الحقائق التي بدأت جلية على أيديهم، وواصلوا الكفاح من أجلها والجهاد خلال الصراع في خضمّ التنازع على البقاء والإبقاء، وأنه سيبقى وسيثابر على ثباته، ويكرّر وثباتهِ بتحدٍّ وصرامة وغلظة، (واللهِ ربِّ العرش لا نفارقُ).

فأضمروا له الكيد، وبيّتوا له المكر؛ إذ أوغر صدورهم وملأها رعباً، وقلّل من شأن شجعانهم، مستصغراً فرسانهم. مضى بلا ملل يؤدي أعماله في ضوء أقواله، ويحقق منطق اُنشودته الخطيرة، وليبرّ بقسمه براً لا حدّ له عبر صولاته المحمدية، صولة إثر صولة وسط الحلبة في آخر جولة، زاحفاً زحفه الجهادي، باطشاً بطش الأسد الغاضب.

ويكاد ينهار البطل العقائدي العطشان؛ فقد تقاسمت طاقاته كلٌّ من التعب والإرهاق، والظمأ الشديد، والجراح التي توزّعت على جسده الشريف، فأخذ الدم يتدفق وينساب من جراح جسمه كالميزاب، لكنه ظل شامخاً بجراح جسده، يقاتل قتالاً شديداً؛ إذ بلغت فيه روح التفاني حدّ الاستهانة بالدنيا واستصغار شأن الحياة. قتال مَن ليس لسلامته أدنى أمل.

وعلى هذا الأساس ومن هذا المقياس عليك أن تتأمّل وتحسن تقدير موقف هذه الشخصيّة الشابة، الشخصيّة العقائدية العملاقة؛ فالتضحية من أجل القضايا العادلة، والثبات الدائم، والمثابرة والتوثب على العدو ممّا لا غنى عنه؛ إذ إنّ الصمود قوة نستمدها من الصامدين، والصبر نستلهمه مفهوماً حركياً لا مفهوماً انهزامياً، مفهوماً إيجابياً حساساً لا سلبياً رديئاً. والصبر مفهوم حركي علينا أن نستلهم من رواده أبعاده ومراميه، ومنهم نحدد معانيه.

ما برح علي يجول في أوساط معسكرهم يلقّنهم أقسى الدروس، ولا يكادون يحددون له ساحة أو موقعاً كيما يضيقوا عليه حتّى يوسعها عليهم بشنّه للهجمات. وشاهد بعضهم جسده الذي سالت منه الدماء كل مسيل، فأدركوا أنه قد ضعف عن القتال أو يكاد، ولاحظوا وهم في رعب وذعر وانهزام أنه قد يجفّ جسده من الدم كما جفّ من الماء، وعندها سيشفون به صدورهم الموغرة.

____________________

(1) مقتل الحسين (عليه السّلام) - للمقرّم /313.

الانتقام

(عليَّ آثام العرب، إن مرّ بي وهو يفعل مثل ما كان يفعل إن لم أثكله أباه)(1).

هذا ما قاله أحد المرتزقة في معسكر العدو، وقد التاع وتعذّب من شدة حملات علي الأكبر وصولاته، حتّى بلغ من البغض له والحنق عليه والحقد بحيث صمّم على التصدّي لهذا المجاهد العطشان.

ولا شك أنّ هذا المرتزق قد ذاق أنواع العذاب من هروب وهزيمة وجبن من سيف علي الأكبر، ولكنه حينما لاحظ تعب عليّ وإرهاقه تجرّد من جبنه، واستجمع جرأته، وقال قولته تلك. إنّه المدعو (مرة بن منقذ بن النعمان العبدي) الذي تتضح روحه الجاهليّة من كلماته ومنطقه: (عليَّ آثام العرب...).

والحق أن آثام العرب يستحقها، وهي عليه وهو بمستواها؛ إذ إنه كاره ومعادٍ وقاتل لأشبه الناس بسيد العرب والعجم. وبالرغم من المنطق القرآني الناهي لمثل ذلك المعنى: (وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)(2) نجد أن ذلك الجندي الجاهلي مصمم على تحمّل أوزار العرب، مع أنه مستوزر كثيراً من الأوزار.

وهكذا أحب أن يحمل على ظهره هو ومَن على شاكلته أوزاراً ثقيلة لا طاقة لهم ببعضها، (وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَاءَ مَا يَزِرُونَ)(3).

ولولا العار عليه من قبل رفاقه لصمّم ولأقسم باللات والعزى ومناة الثالثة الاُخرى، لكن صيغة تصميمه تلك أقل كشفاً لمضمونه الجاهلي كما يتوهم. وعلى كلِّ حال فإنّ الأهداف والدوافع الدفينة قد انكشفت، وتكشّفت عن الحرب الجارية هذه حقائق لم تخف أو تنطمس.

الحربُ قد بانت لها حقائقُ
 
وأظهرت من بعدها مصادقُ
 
ولكي لا نهمل النص السابق علينا أن نلاحظ ما فيه، ونرى ما يمكن أن نستوحيه. قال: (... إن مرّ بي)، كما قال: (... وهو يفعل مثل ما كان يفعل).


 

يبدو جليّاً أنّ علياً كان لا يترك لهم جمعاً إلاّ ومر به، ولا كتيبة إلاّ وهاجمها، وكأنه كان يستعرضهم بحملاته استعراضاً عسكرياً مرعباً، بحيث إنّه ما إن يترك كتيبة إلى غيرها حتّى يعود إليها وإلى غيرها، وهكذا دواليك بنشاط منقطع النظير، بحيث إنهم يتوقعون معاودته وكرّته عليهم ثانية؛ لهذا توقّع ذلك الجندي فقال (... إن مرّ بي).

ويبدو أنه كان يفعل بهم فعلاً لم يشهدوه طوال حياتهم العسكرية من شاب مسلّح بمفرده؛ فكان استعراضه للجيش رهيباً. إنّ مرّة العبدي لاحظ حرص علي الأكبر على تلقين جموعهم دروساً قاسية، وتعليم جحافلهم حقائق بطولية رساليّة لا تنسى. لاحظ حرصه على عدم إهمال أي كتيبة دون أن يطعمها بالقتلى والجرحى، ويختم لها بالهزيمة المنكرة؛ فحقد حقداً قوياً. (عليَّ آثام العرب، إن مرّ بي وهو يفعل مثل ما كان يفعل إن لم أثكله أباه).

فانتظر دور الكرّة العلوية على كتيبته الاُمويّة، وقد نزع منه لباس الهروب والهزيمة، وكأنه نسي أنه جبان جلف جافٍ، فراح يتربص ويلتمس الفرص ليطعنه ولو عن بُعد منه، وبينما كان الشجاع العطشان يستعرضهم رغم ضعف بدنه ذي الجراح المثخنة المكثفة، ويزحف على جموعهم بالتتابع، كأنما هو زحف منتظم.

وبينما كان يشق طريقه مقاتلاً بقواه الباقية، دنا الجندي المرتزق فتأهّب مستجمعاً جرأته على الله ورسوله، وجسارته على الحقائق، مسدداً رمحه الطويل في ظهر عليٍّ(2) (سلام الله عليه)، فغرز الرمح أو السهم فيه، فانحنى عليٌّ على جواده، ثمّ ثنّى له العدو بضربة على رأسه الشريف ففجّه، حينها أطلق علي الأكبر صوته بالسلام على أبيه: يا أبتاه! عليك مني السلام، هذا جدّي يُقرئك السلام ويقول لك: (( عجّل القدوم إلينا )). ثمّ شهق شهقة فاضت إثرها روحه الزكية.

لكنهم لم يتركوه، فثمة دور ومهمة لهم، ترى ماذا فعلوا به وبجسده الذي أذاقهم مرّ طعم المواقف المسلحة؟

____________________

(1) تاريخ الطبري 4 / 340.

(2) سورة الأنعام / 164.

(3) سورة النحل / 25.

(4) وفي كتاب اللهوف - لابن طاووس أنه سدد له سهماً قائلاً...

الفصل الثامن

الشهيد

المنتقمون

ما إن تناهى إلى مسامع أبيه الحسين (عليه السّلام) صوتُ حبيبه وسلامُ ريحانته حتّى طفق نحو الساحة معتلياً جواده، كأنه في سرعته طائر ينقضّ من علو الفضاء. ولكن بأي حال وجده، أم بأي وضعية رآه! لقد وجده جسداً ممزّقاً، مبعثر الأشلاء، متناثر الأعضاء، تتدلى بعضُ أوصاله من جانبي جواده الذي كساه الدم الزاكي حلة حمراء، هكذا تركوه!

فلم يتركوه إلاّ بعد أن مثّلوا به سريعاً؛ إذ احتوشوه من كل جهة، وما أسرع ما وضعوا سيوفهم وحرابهم وسكاكينهم ليقطّعوه تقطيعاً، ويمزّقوا جسمه تمزيقاً؛ ليشفوا غيظ صدورهم، ويرووا حقد قلوبهم ممّا أدخله عليهم من عذابٍ دنيوي هذا الشاب العطشان الشجاع الذي شكّل جيشاً يقابلهم بمفرده، وعسكراً لوحده، وأُمّة بذاته.

كان (سلام الله عليه) صلباً صابراً في البأساء، شديداً في الله، غليظاً على الأعداء؛ الأمر الذي يفسّر شوق ابن العبدي للانتقام منه، ثمّ أشواق اُولئك المرتزقة الذين آلوا إلاّ أن يشبعوا غريزة الانتقام، وكان كل منهم أراد أن يتبرّك بجسده، ويتزلف للشيطان بطعنه وغرز حربته بعضو من أعضائه الشامخة التي أذاقتهم مرّ الحياة، وحنظل المواقف العسكرية.

ولولا مجيء الإمام الحسين (عليه السّلام) لأكلوه، لأكلوا كبده وقلبه، وما يدريك؟ ولِم العجب؟! ألم تلك (آكلة الأكباد) هند الاُمويّة كبد عمّه حمزة الذي كان يجول في بطحاء الجزيرة؟! أجل لولا إسراع الحسين (عليه السّلام) لأتوا على أشلائه بأنيابهم فضلاً عن حرابهم، ولكان أثراً بعد عين، وتلك سجية الأجلاف.

وصل الإمام (عليه السّلام) إليه، وأخذ يطيل النظر إليه، ثمّ التحق به شباب هاشم، فأخذوا مواقعهم حول الجسد الصريع وهم يقرؤون آيات البطولة الرساليّة والعظمة على صفحات جسده وعظامه المهشّمة.

وهدأ جيش الأعداء بعد ضجيج دام خلال الجولتين، وسكن العسكر بعد اضطراب طويل؛ فتنفسوا الصعداء، وانشغل بعضهم بجرّ القتلى مع أوزارهم، ودفن الجثث البالية، فيما انشغل الجرحى بدمل جراحهم وأنين الشقاء يصدر منهم، بينما انشغل الباقي بتراشق التهم والعيوب، وكلّ منهم يعيّر صاحبه بالهزيمة، ويتبرأ كذباً من الهروب.

الإمام الحسين (عليه السّلام) مع أشلاء الشهيد

لا نفهم لماذا وضع الإمام (عليه السّلام) خدّه على خدِّ ولده المجاهد العظيم؟! وبالأحرى نحن لا نفهم ما رتّله الإمام (عليه السّلام) وتلاه حينذاك، فلم ندرك سر هذا الإجراء الذي لا يخلو من معنى. غير أننا نفهم بأنّ الآلام قد ألمّت بالإمام نتيجة التنكيل وشدة الانتقام بهذا الجسد الشريف، وقد ضاق به مشهد ولده سليل المصطفى (صلّى الله عليه وآله)؛ فهو عبارة عن أشلاء موزّعة وأعضاء مقطّعة.

ثمّ تزداد حسرات الإمام وآهاته لما يدركه عميقاً من منزلة لهذا القتيل، ومن شأنٍ وحرمةٍ عند الله وعند رسول الله (صلّى الله عليه وآله)؛ لذلك تمتم: (( قتل الله قوماً قتلوك يا بُني، ما أجرأهم على الرحمان وعلى انتهاك حرمة الرسول! على الدنيا بعدك العفا ))(1).

فصغرت الدنيا بعين الإمام (عليه السّلام)، ثمّ إنّه قال وآثار الشجون قد تجلّت على سحنته الشريفة:

____________________

(1) تاريخ الطبري 4 / 340، واللهوف / 44، وابن الأثير 3 / 293.

 (( أمّا أنت يا ولدي فقد استرحت من همِّ الدنيا وغمِّها، وسرت إلى رَوحٍ وريحان وجنّة ورضوان، وبقي أبوك لهمِّها وغمِّها، فما أسرع لحقوه بك! )).

ونزلت بالحسين (عليه السّلام) آلام ظهرت معالمها على كيفية قيامه من الأرض، كأنه العجوز المتعب، وظهرت معالمها حينما اعتذر من حمل ولده بنفسه؛ فطلب من الشبيبة الهاشميّة أن تتبنى حمله؛ لأنه قد صرّح: (( والله، لا طاقة على حمله ))(1).

قام الحسين (عليه السّلام)، ونهض الشباب الهاشمي وقد حملوا الشهيد العظيم، قام الحسين (عليه السّلام) وهو مختنق بعبرته، يحبس حسراته وآهاته في صدره، قام وهو يكفكف بقايا دموعه محتسباً صابراً.

وأخذ يطيل النظر إلى الشهيد المحمول، فكما تابعه حينما خرج للحرب وودّعه يتابعه الآن بطرفه، ويلاحقه بالنظر إلى جثمانه الممزّق وهو يقطر ويسيل دماً، تحمله أكفّ الشباب بمطارف حمراء ناقعة بالدم، شباب لا يخيفهم الموقف ولا يرهبهم المنظر، كما لا يخشون نفس المصير الذي آل إليه هذا المحمول.

شباب ينتظرون مهامهم وأدوارهم، يتنافسون ويتسابقون وكأنما هم يتسلّون، وفي الحلبات يمرحون، وكأني بهم لا يحملونه فحسب، بل يحملون الثأر له ولمَن سبقه، يحملون فكره وعقيدته.

وإذ هم يضعونه في مخيم الشهداء فلا ليبقوا معه؛ هم جاؤوا به لا ليجلسوا حوله، وإنّما لكي يواصلوا دوره، أو يجدّدوا صولاته في الميدان. وفعلاً كانوا يحملونه ليرجعوا، ولولا الأوامر الحسينيّة بحمله إلى المخيم لما عاد الشباب المؤمن العقائدي إليها، ولباشروا وشهروا السيوف من هناك؛ ذلك لأنّ الشهيد عندهم يغري الآخرين بالشهادة ولا يخيفهم منها، يشوّقهم ويجعلهم يتلهفون لها ولا يرهبونها.

تبقى في ذهن الحسين (عليه السّلام)، هذا الأب الكبير، ذكرى ولده علي الأكبر، ويبقى في تصوره صوتُ علي، وصورةُ علي، ومنطقُ علي، وخلقُ علي، ومجملُ مواصفات النبي (صلّى الله عليه وآله). وإذ كان هو ذكرى الرسول (صلّى الله عليه وآله) ومنعكس صورة النبي، فقد فقده وفقدوه جميعاً.

ويتذكّر الأب العظيم علويّات ولده ومحمديّات ابنه، أقواله الصارمة وكلماته الصلبة الكثار التي لا نملك منها إلاّ أقل القليل. يتذكّره جيداً وهو أدرى بما قاله ولده بمنطقه الجميل واُسلوبه الجليل؛ فهو يتصوره متكلماً مرة:

- لَقرابة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أحق أن ترعى.

- نحن وربِّ البيت أولى بالنبي.

- يا أبه، أفلسنا على الحق؟

- إذاً لا نبالي بالموت.

- والله لا يحكم فينا ابن الدعي.

- الحرب قد بانت لها حقائقُ.

- يا أبتاه! عليك مني السلام.

آه! ذكريات أيام وساعات مضت، (( جزاك الله يا ولدي خير ما جزى به ولد عن والده ))، (( ما أجرأهم على الرحمان وانتهاك حرمة الرسول! )).

____________________

(1) وسيلة الدارين / 291.

آثار المصرع

تناهى إلى مسامع الفاطميات خبرُ مصرع علي الأكبر، ووصول جثمانه الموزّع والمقطّع بالحراب والأسنّة، فكان للحادث وقعه العميق على النساء المخدّرات، وأي وقع أم أي عمق وهنّ ينظرن إلى شبيه جدهنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) محمولاً وقد فارقت روحه الطاهرة جسده الزكي! هذا الذي كنّ يجدن أسعد ما هنّ فيه ساعات اللقاء به والتحدث إليه، وإذا به قد آثر الصمت والرحيل إلى حيث لا عودة أو رجوع.

إنّه لَمصاب جليل على أُمّه، أخواته، عماته، وأعظمهن مصاباً عمّته الكبرى عقيلة بني هاشم، حفيدة الرسول (صلّى الله عليه وآله) الحوراء زينب (عليها السّلام)؛ إذ التاعت ألماً، وازدادت أسىً وتفجّعاً، وقيل: إنّها خرجت تندبه وتنادي باسمه.

فعن أبي جعفر الطبري، عن شاهد عيان - حميد بن مسلم الأزدي - جاء هذا القول: وكأني انظر إلى امرأة خرجت مسرعة كأنها الشمس الطالعة، تنادي يا: أُخيّاه! ويابن أخاه! قال: فسألت عنها، فقيل لي: هذه زينب ابنة فاطمة ابنة رسول الله (صلّى الله عليه وآله)(1).

زينب التي إذا خرجت هرعت خلفها النساء من داخل خدورهنّ وخيامهنّ، وإذا قالت قلن معها، وإذا سكتت سكتن، وإن عادت عُدن؛ اقتداءً بها، ومواساةً لها، وهكذا بدأ رثاء المجاهد الكبير الشهيد العظيم.

ولمّا كان موكب النسوة يولّد موقفاً سلبياً؛ لأنه سيُشمت الأعداء، ويسرهم ويبهجهم، ولمّا كان الإمام الحسين (صلوات الله عليه) شديد الحرص على ألاّ يدخل السرور على الأعداء، وألاّ يشمتوا بأهل الحق، فقد رأى أن ترجع جميع النساء فوراً، ولكن من يستطيع إرجاعهنّ، أو يقدر أن يسيطر على موقف العواطف المتدفقة ساعات الأسى العميق واللوعة الكبيرة؟!

فمن الصعب أن يصغين لدعوة الرجوع من أحد سوى الإمام الحسين (عليه السّلام) الذي وجد في شقيقته الحوراء زينب أوّل من ينبغي أن تعود؛ لأنّ الباقيات الصالحات سيتبعنها بالتأكيد. فأخذ الإمام (عليه السّلام) بيدها وأرجعها إلى الخيمة(2).

ورجعن جميعهن إلى خيامهن كسرب طيور تؤوب إلى أوكارها، رجعن كيلا يشمتن الأعداء، فلم يظهر منهنّ صوت حزن عالياً، لا سيما ولهنّ فيما بعد أوقات طويلة للبكاء والنحيب، يروّحن بها عن أنفسهن، وجراح صدورهن، وتصدعات قلوبهن، وهو ما أشار إليه الإمام (عليه السّلام) ورجاهنّ الصبر: (( أن اسكتن؛ فإنّ البكاء أمامكن )).

أو كما كلّم ابنته وحبيبته السيدة سكينة فيما بعد، فمما قال لها:

سيطولُ بعدي يا سكينة فاعلمي
 
منك البكاءُ إذا الحمام دهاني
 
أجل هكذا، فنحن لا نطالب النساء مهما كان إيمانهن كبيراً، وحتّى نسائنا اليوم أن لا يبكين ويندبن ويرثين؛ فهو أمر لا مفرّ منه. وهل نريد منهنّ أن يتحملن الألم، ألم فقدنا ثمّ يسكتن؟!

إننا نطالبهن بأن يقدّرن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن لا ينهين الإخوان والأبناء عن المعروف، ويثبطنهم عن العمل والسعي في سبيل الله، كما نطالب من يبرّر قعوده عن الجهاد من أجل إعلاء كلمة الله بثكل اُمّه وتدهور أحوال أهله أن يقلع عن هذه الشيطانيات، ولا يكون أسير الشيطنة، رهين ضيق الاُفق.

فلتبك النساء، ولتمت الاُم والاُمّهات، وتلتاع الأخوات، كل ذلك مع سفك الدم والتضحية بالروح بعد كمال الفداء والتفاني من أجل مبادئ الإسلام الخلاّقة.

____________________

(1) تاريخ الطبري 4 / 341.

(2) مقتل الحسين (عليه السّلام) - للخوارزمي 2 / 31 وغيره.

رثاء الشعراء

كلاّ، إنّ رثاء روّاد الحقائق لا كرثاء الميت العادي الذي يعني رثاؤه ختم حياته ودوره، وإعطاءه اعتباره وكفى، ثمّ إهالة التراب وغلق قبره. إنّ رثاء روّاد الحقائق هو إثراء للقيم والمفاهيم؛ ذلك لأنهم شهداء بكل ما للكلمة من معنى.

فعلي الأكبر إذ يترنّح أرضاً، وأضحى طريح رمال ربى الطفِّ يظلله فسطاط الشهداء إلى جانب الذين صُرّعوا ممّن قد سبقوا عليّاً؛ إذ هو في مرقده المقدس كغيره، كأبيه لم يزل فكراً نيراً، ومثلاً شامخاً سامياً، ومن شأن الفكر والقضية المبدئية أن لا تنالها يد السوء والردى إن نالت الجسم والجسد.

 

ومحا الردى يا قاتلَ الله الردى
 
منه هلالَ دجى وغرّة فرقدِ
 
يا نجعةَ الحيِّين هاشم والندى
 
وحمى الذمارين العلا والسؤددِ
 
فلتذهب الدنيا على الدنيا العفا
 
ما بعد يومك من زمان أرغدِ
 
كيف ارتقت هممُ الردى لك صعدةً
 
مطرودة الكعبين لم تتأوّدِ
 
أفديه من ريحانةٍ ريّانةٍ
 
جفّت بحرِّ ظما وحرّ مهنّدِ
 
بكر الذبولُ على نضارة غصنِهِ
 
إنّ الذبول لآفةِ الغصن الندي
 
لله بدرٌ من مراق نجيعِه
 
مزج الحسام لجينه بالعسجدِ
 
ماءُ الصبا ودم الوريد تجاريا
 
فيه ولاهبُ قلبه لم يخمدِ
لم أنسه متعمّماً بشبا الضّبا
بين الكماة وبالأسنّة مرتدي
خضبت ولكن من دمٍّ وفراته

فاخضرّ ريحان العذار الأسودِ
 
هكذا يرثيه الشيخ العاملي، كما رثاه شيخ آخر بقوله:

يا نفسُ ذوبي أسىً يا قلبُ مت كمداً
 
يا عينُ سحّي دماً يا أدمعُ انسكبي
 
هذي المصائبُ لا ما كان في قِدمٍ
 
لآل يعقوبَ من حزنٍ ومن كربِ
 
أنى يضاهي ابنَ طه أو يماثله
 
في الحزن يعقوبُ في بدءٍ وفي عقبِ
 
إنْ أحدبت ظهره الأحزانُ أو ذهبتْ
 
عيناه من مدمعٍ والرأس إن يشبِ
 
فإنّ يوسفَ في الأحياء كان سوىً
 
إنّ الفراق دهى أحشاه بالعطبِ
 
هذا ويحضره من ولده فئةٌ
 
وإنه لنبيٍّ كان وابنَ نبي
 
فكيف حال ابنِ بنت الوحي حين رأى
 
شبيه أحمدَ في خلق وفي خطبِ
 
موزّعاً جسمُه بالبيض منفلقاً
 
بضربهٍ رأسه ملقى على الكثبِ
 
هناك نادى على الدنيا العفا وغدا
 
يكفكف الدمع إذ ينهلّ كالسحبِ
 
وللسيد إبراهيم الطباطبائي قصيدة منها:

فاستقبلوه وقطّعوا جثمانه
 
إرباً فإرباً بالسيوف البتّرِ
 
يلقى السيوف بطلق وجهٍ أزهرِ
 
كالبدر يشرق في العجاج الأكدرِ
(1)
 
تركت سيوفُ اُميّةٍ جثمانَه
 
متوزّعاً بين القنا المتكسّرِ
 
تعدو الجيادُ عليه وهي ضوابحٌ
 
عقر الهاتيك الجياد الضمّرِ
 
إننا ننتقي مقاطع أدبيّة شعريّة قصيرة دون أن نطيل.

ولم يكن هؤلاء شعراء محترفون للشعر، بل إنّ هذا ما جادت به قرائح علماء وأدباء شغفوا بحب أهل البيت (عليهم السّلام)، واستغرقوا في تصوّر أنشطتهم، والوقوف على أحداثهم وبطولاتهم، وروائع مواقف ثباتهم المبدئي.

ولنتمثل بأبيات أبي تمام حول علي الأكبر (عليه السّلام):

ألا في سبيلِ الله من عطلت له
 
فجاجُ سبيل الله وانثغر الثغرُ
 
فتىً كلّما فاضت عيونُ قبيلةٍ
 
دماً ضحكتْ عنه الأحاديثُ والذكرُ
 
فتىً دهره شطران فيما ينوبُه
 
ففي بأسه شطرٌ وفي جوده شطرُ
 
فتىً مات بين الطعن والضرب ميتةً
 
تقوم مقام النصر إن فاته النصرُ
 
وما مات حتّى مات مضربُ سيفِه
 
من الضرب واعتلّت عليه القنا السمرُ
 
غداة غدا والحمدُ نسجُ ردائه
 
فلم ينصرف إلاّ وأكفانه الأجرُ
 
تردّى ثيابَ الموت حمراً فما دجا
 
له الليل إلاّ وهي من سندسٍ خضرُ
 
___________________

(1) لأبي الحسن التهامي أبيات يرثي بها ولده، وهكذا يقول:

يا كوكباً ما كان أقصرَ عمرَه
 
وكذاك عمرُ كواكبِ الأسحارِ
 
وهلال أيامٍ مضى لم يستدرْ
 
بدراً ولم يمهل لوقت سرارِ
 
عَجِل الخسوف عليه قبل أوانِه
 
فمحاه قبل مظنّةِ الإبدارِ
 
فكأنّ قلبي قبره وكأنّه
 
في طيّه سرٌ من الأسرارِ
 
فإذا كان يصف ولده بالكوكب والهلال فماذا عساه يصف علياً لو رآه؟! وماذا عسى الشعراء أن يقولوا بعلي؟! أو ما عسى أن يقول أبوه أبياتاً فيه؟!

 (سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ)

لو استحضرنا قصة يوسف ومعاناة يعقوب (عليهما السّلام) لنقابلها بقصة علي الأكبر ومعاناة الحسين (عليهما السّلام) فليس من باب المفاضلة والتفاضل أو المقارنة، وإنّما من باب الحرص على التنبيه وإلفات النظر؛ حيث لا تشابه بين القصّتين إلاّ من حيث طبيعة المردود وأثر المفقود.

فيعقوب النبي (عليه السّلام) لم يبتلِ بما ابتلى به الحسين الوصي (عليه السّلام)، وليس له مشكلة سوى أنه فقد ابنه ولم يستيقن قتله، فعانى ما عاناه حتّى ابيضّت عيناه من الحزن فهو كظيم، وكاد أن يكون حرضاً أو من الهالكين. فليس عنده مشكلة قياساً لما عند الحسين (عليه السّلام) بكربلاء وهو يشهد ريحانته قتيلاً مقطّعاً إرباً إرباً، فيفقده نهائياً وبمحضره. وليس ليعقوب وولده يوسف قضية بقدر ما للحسين ونجله (عليهم السّلام جميعاً) من قضية ذات أبعاد مستقبلية.

ترى هل لنا أن ندرك الثمن الذي قدّمه الإمام الحسين (صلوات الله عليه) من أجلنا نحن، من أجل أن نحيا تحت ظل ديننا العملاق؟ أم هل لنا أن نتفهّم حقيقة مهمّة الحسين (عليه السّلام) بحيث دفع بكلِّ سخاء، وجاد بكلِّ كرم بأعزِّ ما لديه من أجل حياة حرّة لاُمّته الكريمة؟

صحيح أن مقتل ولده قد هدّ من قواه وأحنى ظهره، هو أرزاه فكانت فاجعة رغم أنها متوقعة غير مفاجئة، لكن ذلك ما كان ليغيّر من موقفه الواحد، بل ما كان ليؤثّر سلبياً على قضيته أدنى تأثير؛ لا تردد، لا تراجع أو تبديل، إنها مسألة حدّيّة، وقضية رفض مبدئيّة ليس للفواجع أي طارئ عليها، كيف والاستشهاد إنما هو من باب سموّ التفاني وكمال التضحية!

فالإمام الحسين (عليه السّلام) تملكه قضيته الإلهية الرساليّة، تملك عليه جميع مشاعره وعواطفه وجوارحه؛ ولهذا يجود لنا، لمستقبلنا المرجو، لبقائنا المأمول، بولده علي الأكبر، بل بكل ولده وإخوته، وأبناء عمومته وأصحابه الأحرار؛ فالإسلام أثمن حتّى من نفسه هو بالذات، فمتى نستيقظ ممّا نحن فيه من سبات؟! فهل لنا أن نقف لنتبصّر طريقنا إلى تبنّي قضايانا بنكران ذواتنا، أم هل لآبائنا استعداد بأن يجودوا اليوم بنا؟ سنجود إن شاء الله بأنفسنا وبكل ما لدينا وحتى بآبائنا.


 

لم يرد الإمام (عليه السّلام) أن نبقى نعيش النزاع، أرادنا اُمّة ترنو إلى العز، تأبى الضيم، تسعى للتحرر والسعادة والهناء. علينا إذاً أن نقف على سرِّ دوام وجودنا، نتفكّر، نتأمّل حول سرِّ فداء الحسين (عليه السّلام)، نربط بين الثورة المجيدة للإسلام وبين البقاء المتّصل للمسلمين.

أجل ما إن استشهد علي حتّى حمله الشباب الهاشمي، ثمّ عادوا إلى حيث استشهد ليستشهدوا بعد جهاد باسل، وخلال عطش قاتل؛ لأنهم لم يقاتلوا لكي يبقوا، وإنّما لكي نبقى، لا لكي يبقوا هم، وإنما لكي نبقى نحن، وهذا ما كان في روع كلِّ الشهداء ودونما استثناء، وهو ما كان يحمله في طيّات قلبه ذلك المجاهد الكريم علي الأكبر، فسلام عليه يوم ولد، ويوم استشهد، ويوم يبعث حياً...

سلام عليه وعلى عصبة الأنصار الذين سبقوه، وثلةِ الهاشميِّين الذين لحقوه، وسلام على من ختم قائمة الشهداء قائدهم السبط العظيم، اُولئك الذين خلدوا بالفكر، بالقضية، بالمهام القدسيّة، وبمراقدهم المشرّفة التي تهوى إليها القلوب والأفئدة، (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ)(1)، (سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ)(2)، (تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)(3). صدق الله العلي العظيم

____________________

(1) سورة النور / 36.

(2) سورة الرعد / 24.

(3) سورة القصص / 83.

نهاية المطاف

(لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لاُوْلِي الأَلْبَابِ)(1)

فنحن إذاً - والحال هذه - إن لم نعتبر ونسترشد ونستنر منهم، من خطوات رجالهم ونسائهم أهل البيت، نكن قد ظلمنا أنفسنا، ولم نظلم عدونا، بل أسعدناه فقرّت عينه بنا.

مشكلتنا الاُم أننا لم نتوفّق إلى أن نتمثّل آل رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، أهل بيت التحرير، كما لم نستلهم معاني القرآن بآياته التي قد طالما نلوكها بألسنتنا. ولقد أكد القرآن المجيد حقيقة، (إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)(2).

ومع هذا التأكيد بأن الله اشترى، وأنه تعهد بالشراء والعطاء نلمس أن هناك من لا يريد أن يبيع، ولربما كان هذا ممّن يدّعي الدين والإيمان! لا يريد أن يبيع رغم أنه ممّن يتلو آيات الشراء الإلهي، ويرتّل آيات القرآن، ويقرأ أو يتسمع لآيات البطولة في كربلاء وغير كربلاء. إنه ليفصل بين الآيات النظرية في المصحف الكريم وبين الآيات العمليّة في الساحة الكربلائيّة. لا يريد أن يبيع، ولا أفهم كيف يحب المرء منا أن يربح وهو يتمنّع من المبيع؟!

الحق على أصحاب الأقلام والمنابر والمساجد الذين لم يتجشّموا عناء الحديث عن سبيل سلوك السوق التجاريّة الرابحة ليعلّموا الناس كيف يربحون؛ وذلك بأن يدلّوهم على كيفية الممارسات التجاريّة الناجحة الرابحة. فلا بدّ لكي يبيع الناس، ويبيع المسلم والمسلمة ما عندهما أن نعلّمهما التجارة الرابحة في السوق الإسلاميّة الواسعة الرحبة، وإلاّ غشّهم وخدعهم بعضُ السماسرة.

وإلى أن نلتقي ببحث حول التجارة نرجو أن نوفق بحول الله وبإذنه،(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ)(3).(قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)(4).

____________________

(1) سورة يوسف / 111.

(2) سورة التوبة / 111.

(3) سورة الصف / 10 - 11.

(4) سورة يوسف / 108.

والحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسّلام على محمّد وآله الطاهرين