العتبة الحسينيةمؤسسة وارث الأنبياء
مخطوطة العتبة الحسينيةمخطوطة وارث الأنبياء
أُصول المقتل الحسيني ـ دراسة تسلّط الضوء على الأُصول الكوفية للمقتل الحسيني

أُصول المقتل الحسيني ـ دراسة تسلّط الضوء على الأُصول الكوفية للمقتل الحسيني

  • المؤلف: الشيخ عامر الجابري

  • الطبعة: الأولي

  • الناشر : مؤسسة وارث الأنبياء للدراسات التخصصية في النهضة الحسينية

  • سنة الطبع: 1436 هـ ـ 2015 م

مقدمة المؤسسة

الماضي والحاضر والمستقبل، ثلاثة حلقات، يربطها العلم والمعرفة، فتتكوّن منها منظومة متكاملة ممتدة الجذور عبر التاريخ، وواضحة الهوية في الحاضر، وترنو إلىٰ مستقبل سعيد.

إنّ أعظم ما أنعم الله تعالىٰ به علىٰ الإنسان، العلم، فبه يُعرف الله تعالىٰ وبه يُطاع، وبه تتحقق الغاية (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)([i]). وهذا أمر عظيم ومقدس؛ ولأجل ذلك حازت أماكن العلم والتعلّم القداسة والاحترام عند عامّة عقلاء البشـر؛ كونها تصنع الإنسان من خلال رسم الطريق الصحيح والمعرفة الهادية، فالضـرورة قاضية بأهميّة تأسيس الحوزات والمدارس العلمية، والجامعات، والمؤسسات والمراكز البحثية والتحقيقية؛ كونه الخطوة الأهم والأساسية في طريق الحقيقة.

من هنا؛ عمدت الأمانة العامّة للعتبة الحسينية المقدّسة بتأسيس الجامعات والمؤسسات والمراكز العلمية والتحقيقية؛ لنشـر العلم وإنماء المعرفة، وتوسعة دائرة الفضيلة، وتثبيت ركائز الحقيقة، ونشـر معالم النور، إلىٰ جنب ما تبذله من مشاريع خدمية وثقافية وتربوية كثيرة في أماكن متعددة ومتباعدة.

وقد كان للتخصّص دور لافت في تلك المشاريع؛ كونه من شأنه أن يبرز الموضوع الذي تخصّص به بشكل أكبر وأوضح وأفضل، وفي هذا الميدان كان لمؤسسة وارث الأنبياء للدراسات التخصصية في النهضة الحسينية في النجف الأشرف وقم المقدسة السمة الأبرز والأوضح في مجال التخصّص العلمي التحقيقي، فهي مؤسسة علمية تخصصية تهتمّ بجميع معالم النهضة الحسينية المقدسة سواء التاريخية منها أو الاجتماعية، أو السياسية، أو العقائدية، أو غيرها، وسواء النقلية أو التحليلية أو التحقيقية وغيرها، وقد عملت المؤسسة علىٰ مجموعة من المشاريع الكبرىٰ في هذا الصدد:

1ـ قسم التحقيق، والعمل فيه جار على تحقيق موسوعة حول التراث المكتوب عن الإمام الحسين× ونهضته المباركة، ما يشمل المقاتل والتاريخ والسيرة وغيرها، وسواء التي كانت بكتاب مستقل أو ضمن كتاب. وكذا العمل جار في هذا القسم على متابعة المخطوطات الحسينية التي لم تُطبع إلى الآن؛ لجمعها  وتحقيقها، ثم طباعتها ونشـرها.

2ـ قسم التأليف، والعمل فيه جار على تأليف كتب حول الموضوعات الحسينية المهمة التي لم يتم تناولها بالبحث والتنقيب أو التي لم تُعطَ حقها من ذلك، كما ويتم استقبال الكتب الحسينية المؤلفة خارج المركز  ومتابعتها علمياً وفنياً من قِبل اللجنة العلمية، وبعد إجراء التعديلات والإصلاحات اللازمة يتم طباعتها ونشـرها.

3ـ مجلّة الإصلاح الحسيني، وهي مجلّة فصلية متخصصة في النهضة الحسينية، تهتم بنشـر معالم وآفاق الفكر الحسيني، وتسليط الضوء على تاريخ النهضة  المباركة وتراثها، وكذلك إبراز الجوانب الإنسانية والاجتماعية والفقهية والأدبية في تلك النهضة المباركة.

4ـ قسم ردّ الشبهات، ويتم فيه جمع الشبهات المثارة حول الإمام الحسين× ونهضته المباركة، ثم فرزها وتبويبها، ثم الردّ عليها بشكل علمي تحقيقي رصين.

5ـ قسم الموسوعة العلمية من كلمات الإمام الحسين×، وهي موسوعة تجمع كلمات الإمام الحسين× في مختلف العلوم وفروع المعرفة، ثم تبويبها حسب التخصصات العلمية، ووضعها بين يدي ذوي الاختصاص؛ ليستخرجوا لنا نظريات علمية واضحة تمازج بين كلمات الإمام الحسين× والواقع العلمي.

6ـ قسم دائرة معارف الإمام الحسين×، وهي موسوعة تشتمل على كل ما يرتبط بالنهضة الحسينية من أحداث ووقائع ومفاهيم ورؤى وأسماء أعلام وأماكن وكتب وغير ذلك من الأُمور، مرتّبة حسب حروف الألف باء، كما هو معمول به في دوائر المعارف والموسوعات، وعلى شكل مقالات علمية رصينة تراعى فيها كل شروط المقالة العلمية، ومكتوبة بلغة عصرية وبأُسلوب سلس ومقروء.

7ـ قسم الرسائل الجامعية، والعمل فيه جار على إحصاء الرسائل الجامعية التي كُتبت حول النهضة الحسينية ومتابعتها من قِبل لجنة علمية متخصصة؛ لرفع النواقص العلمية وتهيئتها للطباعة والنشـر. كما ويتم إعداد موضوعات حسينية تصلح لكتابة رسائل وأطاريح جامعية تكون بمتناول طلّاب الدراسات العليا.

8 ـ قسم الترجمة، والعمل فيه جار على ترجمة التراث الحسيني باللغات الأُخرى إلى اللغة العربية.

9ـ قسم الرصد، ويتم فيه رصد جميع القضايا الحسينية المطروحة في الفضائيات والمواقع الالكترونية والكتب والمجلات وغيرها؛ مما يعطي رؤية واضحة حول أهم الأُمور المرتبطة بالقضية الحسينية بمختلف أبعادها، وهذا بدوره يكون مؤثّراً جدّاً في رسم السياسات العامة للمؤسسة، ورفد بقية الأقسام فيها، وكذا بقية المؤسسات والمراكز العلمية بمختلف المعلومات.

10ـ قسم الندوات، ويتم من خلاله إقامة ندوات علمية تخصصية في النهضة الحسينية، يحضرها الباحثون والمحققون وذوو الاختصاص.

11ـ قسم المكتبة الحسينية التخصصية، حيث قامت المؤسسة بإنشاء مكتبة حسينية تخصصية تجمع التراث الحسيني المطبوع.

وهناك مشاريع أُخرى سيتم العمل عليها قريباً إن شاء الله تعالى.

مجلّة الإصلاح الحسيني

ومن بين أبرز المشاريع التي أنشأتها هذه المؤسسة المباركة هو إصدار مجلّة فصلية متخصصة في النهضة الحسينية، تحمل عنوان وشعار وهدف وغاية ومنهج وفكر وهداية (الإصلاح الحسيني) وقد احتوت علىٰ المقالات العلمية التحقيقية الرصينة، وقد اتفقت مجموعة من المقالات في تناول موضوع واحد من جهات مختلفة وبإساليب متعدّدة، فكان من المناسب ـ بل والضروري ـ أن تجمع هكذا أبحاث في كتاب واحد حتىٰ تُلملم أطراف البحث الواحد وتعم الفائدة المطلوبة، فكان من الأُمور المهمة التي عملت عليها المؤسسة في قسم مجلّة الإصلاح الحسيني هو إصدار سلسلة مؤلّفات بعنوان كتاب المجلة.

 وهذا الكتاب الذي بين يديك عزيزي القارئ هو الكتاب الثاني من هذه السلسلة والذي يحمل عنوان (أُصول المقتل الحسيني ) للشيخ عامر الجابري، والتي تم نشـرها في أعداد سابقة من المجلّة مع إضافات جديدة تفضّل بها الكاتب مشكوراً.

وهو يضم بين دفّتيه مجموعة من أُصول المقاتل الحسينية، والتي كانت مصدراً لكتّاب التاريخ في وقتها، وكانت محلاً للاعتماد ومحوراً للنقل، فقد نقل عنها أصحاب الموسوعات التاريخية كثيراً، واعتمدوا عليها.

وقد اختار المؤلّف في هذا الكتاب هذه المجموعة من المقاتل؛ كونها تتفق في قواسم مشتركة من قبيل أنها أقدم المقاتل، وكون مؤلّفيها من الشيعة بالمعنىٰ العام أو الخاص، وكونهم جميعاً من أهل الكوفة.

وفي الختام نتمنىٰ للمؤلف وللإخوة العاملين في قسم مجلّة الإصلاح الحسيني دوام التوفيق في خدمة القضية الحسينية، ونسأل الله تعالىٰ أن يـبارك لنا في أعمالنا إنّه سميع مجيب.

اللجنة العلمية في

مؤسسة وارث الأنبياء

للدراسات   التخصصية في النهضة الحسينية


المقدمة

تُعتبر كتابة المقاتل من أقدم أنواع الكتابة التاريخيّة، وقد ظهر هذا النوع من الكتب إلىٰ جانب كُتب السِّيَر والمغازي والفتوح في مرحلة مبكرة من مراحل كتابة التاريخ الإسلامي، سبقت ظهور كتب التاريخ العام.

وموضوع كُتب المقاتل هو عبارة عن رموز وشخصيات بارزة في المجتمع الإسلامي تعرَّضت إلىٰ القتل، حيث يحاول المؤرِّخ أن يبذل ما بوسعه لرصد جميع ما يرتبط بتفاصيل حادثة القتل وملابساتها ومقدّماتها وإرهاصاتها وتداعياتها وردود الأفعال المباشرة لها، بالإضافة إلىٰ تسليط الضوء علىٰ شخصيّة القتيل وأبعادها وتحديد القاتل المباشر وغيره.

وبهذا البيان يتّضح للقارئ الكريم أنّ هذه الكُتب ليست مقصورة علىٰ رواية مقتل الإمام الحسين×، «فثَمَّة مؤلفون كثيرون كتبوا في (مقتل عليّ)، (مقتل زيد)، (مقتل عثمان)، (مقتل حجر بن عدي)، وغير ذلك، ويجد الباحث أسماء عشرات من كتب المقتل في موضوعات مختلفة»([2]).

ولكن لا ريب في أنّ أكثر تلك الكُتب قد كُتبت في مقتل الإمام الحسين×.

ألهت بني تغلب عن كلِّ مكرمة

قصيدةٌ قالها عمرو بن كلثوم

       وقد أحصىٰ الشيخ آغا بُزُرْك الطهراني في موسوعته القيمة (الذريعة إلىٰ تصانيف الشيعة) عشـرات الكتب في المقتل الحسينيّ، كُتبت بلغات مختلفة: كالعربيّة، والفارسيّة، والأُرديّة، وغيرها، وهي تنتمي إلىٰ عصور مختلفة ومؤلِّفين من طبقات مختلفة ومستويات متفاوتة.

وقد امتاز المقتل الحسينيّ بميزة أُخرىٰ ألا وهي المواظبة علىٰ قراءته في كلّ عام صبيحة اليوم العاشر من محرَّم في شتّىٰ المجتمعات الشيعيّة، ولم تنقطع هذه العادة إلّا في بعض الظروف الاستثنائية؛ ومن هنا وبمرور الأيام تطوّر معنىٰ كلمة (المقتل) حتّىٰ صارت تدلّ بنفسها ـ وبلا إضافة ـ علىٰ مدلولِ شهادة الإمام الحسين×، فإذا قلتَ: (قرأتُ المقتلَ)، انصرف الذهن إلىٰ مقتل الإمام الحسين×، فصار (المقتل) اصطلاحاً في الكتاب الذي يروي أحداث ووقائع شهادة الإمام الحسين×([3]). قال ابن طاووس: «فإن قيل: فعَلامَ تُجدّدون قراءة المقتل والحزن كلَّ عام؟ فأقول: لأنّ قراءته هو عرض قصّة القتل علىٰ عدل الله (جلّ جلاله) ليأخذ بثأره كما وعد من العدل»([4]).

وقد جرت العادة أن يبدأ الحديث عن المقتل الحسينيّ من وفاة معاوية منتصف رجب عام (60هـ)؛ إذ من هنا تبدأ المواجهة الفعليّة بين الحسين× ويزيد، ثمَّ تصل المواجهة أوجها بحدوث المعركة الخالدة في مطلع سنة (61هـ) أي: في العاشر من المحرّم كما هو معلوم، ويستمرّ أكثر أرباب المقاتل بعرض ما جرىٰ بعد الواقعة من تداعيات وردود أفعال مباشرة، كأحداث الدفن والسبي والآيات الكونيّة التي حدثت بعد مقتل الحسين×.

وقد يذهب بعض المؤرِّخين إلىٰ أبعد من ذلك في الحديث عن الإرهاصات والمقدّمات، كالحديث عن صلح الإمام الحسن× بوصفه مقدّمة لثورة الحسين×، أو الحديث عن الإخبارات الغَيبيّة التي تنبّأت بمقتله×، كما أنّه قد يُفرط البعض أيضاً في الحديث عمّا تلا الواقعة من تداعيات وردود أفعال، كالحديث عن معركة عين الوردة، أو قيام المختار، وما شاكل ذلك.

وفي الواقع أنّنا لو نظرنا إلىٰ إرهاصات واقعة الطفّ ومقدّماتها بهذا المنظار فإنّنا لا ننتهي إلىٰ نقطة محدّدة في التاريخ، فالتاريخ بشكل عام ـ أو تاريخ المعصومين^ علىٰ الأقل ـ هو عبارة عن حلقات متواصلة يرتبط بعضها بالبعض الآخر، كما أنّ لواقعة الطف ردود أفعال وتداعيات مستمرّة إلىٰ قيام الساعة، ولعل ما نكتبه الآن هو من تلك التداعيات وردود الأفعال.

إذا اتّضح هذا نقول: إنّ هناك مجموعة من المقاتل التي كُتبت بعد وقعة الطف يمكن اعتبارها الأُصول التاريخيّة الأُولىٰ والمنابع الأساسية لتاريخ وقعة كربلاء.

والضابطة في كون الكتاب أصلاً تاريخيّاً لهذه الواقعة، هو أن يحتوي علىٰ مادّة تاريخيّة مأخوذة مباشرة من أفواه الرواة، ولم تسجّل في كتاب آخر غير هذا الكتاب، وهذا ما ينطبق علىٰ مجموعة من المقاتل الحسينيّة القديمة، وفي مقدّمتها المقاتل السبعة التالية:

1ـ مقتل الأصبغ بن نباتة الكوفي (ت بعد 101هـ).

2ـ مقتل جابر بن يزيد بن الحارث الجعفي الكوفي (ت128هـ).

3ـ مقتل عمّار بن معاوية الدهني الكوفي (ت133هـ).

4ـ مقتل فضيل بن الزبير الأسدي الكوفي (ت بين عامي122ـ 148هـ).

5ـ مقتل أبي مخنف لوط بن يحيىٰ الأزدي الغامدي الكوفي (ت157هـ).

6ـ مقتل هشام بن محمّد الكلبي الكوفي (ت204 ـ 206هـ).

7ـ مقتل نصر بن مزاحم المنقري الكوفي (ت212هـ).

ولا ريب في أنّ أُصول المقاتل لا تنحصر بهذا العدد، وإنّما قصـرنا البحث في هذا الكتاب علىٰ هذه المقاتل دون غيرها لوجود ثلاثة قواسم مشتركة تربط فيما بينها، وهي:

1ـ إنّ هذه المقاتل هي أقدم المقاتل الحسينيّة علىٰ الإطلاق، حيث كُتبت بأجمعها بين عامي 100هـ ـ 212هـ.

2ـ إنّ أصحاب هذه المقاتل جميعهم من أهل الكوفة.

3ـ إنّ أصحاب هذه المقاتل جميعهم من المحسوبين علىٰ التشيُّع بمعناه الخاص أو العام.

وبملاحظة هذه القواسم المشتركة يمكننا القول وبقوّة: إنّ حركة التأليف والتصنيف حول واقعة الطفّ كانت في بداياتها حركة كوفيّة شيعيّة، وأنّ شيعة الكوفة هم رادة هذا المجال والسبّاقون إليه.

هيكليّة الكتاب

يتكوّن الكتاب الذي بين أيدينا من سبعة فصول؛ إذ خصصنا لكلّ واحد من هذه المقاتل فصلاً مستقلاً، ويتكوّن كلّ فصل من مبحثين أساسيين: يتضمّن أحدهما ترجمة وافية لصاحب المقتل، ويشتمل الآخر علىٰ ما توصّلنا إليه من تحقيق وتنقيب فيما يخصّ كتابه في المقتل، وقد بدأنا كلّ فصل بتقديم مقتضب وختمناه بخاتمة بأهم النتائج التي توصّلنا إليها حول المقتل وصاحبه.

هذه هي هيكليّة الكتاب الأساسية، وقد مهّدنا لذلك بمدخل تمهيدي يشتمل علىٰ المبحثين التاليين:

المبحث الأول: تأخّر تدوين أخبار كربلاء إلىٰ مطلع القرن الثاني الهجري.

المبحث الثاني: نظرة عامّة حول مدينة الكوفة.

وفي ختام هذه المقدّمة، نسأل الله سبحانه وتعالىٰ أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، وما توفيقي إلّا بالله عليه توكّلت وإليه أُنيب.

مدخل تمهيدي

لمّا كانت الدراسة التي بين أيدينا تتمحور أحاديثها حول (أُصول المقاتل الكوفيّة)، ولما كانت تلك الأُصول قد كُتب أقدمها بعد وقعة الطف بما يقرب من أربعين عاماً، كان لا بدّ لنا أن نستهلّ هذه الدراسة بمدخل عام يشتمل علىٰ المبحثين التاليين:

المبحث الأوّل: تأخّر تدوين أخبار كربلاء إلىٰ مطلع القرن الثاني.

المبحث الثاني: نظرة عامّة حول مدينة الكوفة.

المبحث الأوّل

 تأخّر تدوين أخبار كربلاء إلى مطلع القرن الثاني الهجري

من الحقائق التاريخيّة التي يجهلها الكثير هو أنّ أحداث ووقائع كربلاء قد بقيت أحاديث وحكاياتٍ شفهيّة، تلهج بها الألسن، ويتهامس بها الرواة في البيوت والمجالس الخاصّة، ما يزيد علىٰ الأربعين عاماً من دون أن يتصدّىٰ أحدٌ إلىٰ جمع تلك الأخبار وتدوينها في القراطيس والصحف.

فمن العبث أن نبحث عن وجود عمل تدويني حول واقعة كربلاء قبل مطلع القرن الثاني الهجري، أي: في العقود الأربعة التي تلت واقعة الطف 61هـ؛ وذلك لوجود عاملين أساسيين تسبّبا في تأخّر مسيرة جمع وتدوين روايات هذه الواقعة، وهما: (جريمة منع تدوين الحديث) و(التقية) التي كان يعيشها أهل البيت^ وأتباعهم في أيام دولة بني أُميّة لا سيما في العقود الأربعة الأُولىٰ، وفيما يأتي تفصيل عن هذين العاملين بحدود ما يتناسب وحجم هذا المدخل.

العامل الأوّل: جريمةُ منعِ تدوين الحديث

كان منع تدوين السنّة النبويّة الشريفة في بداية الأمر مجرّد فكرة أو رؤية أو وجهة نظر تبنّاها بعض الصحابة من قريش، وفي طليعتهم الخليفة الأول والخليفة الثاني ومَن كان يدور في فلكهما وتلتقي غاياته مع غاياتهما.

والأساس النظري المُعلن لهذه الوجهة هو أنّ هؤلاء كانوا لا يرون في النبي| كائناً معصوماً مسدّداً، وإنّما هو بشر عادي يُخطئ ويُصيب، وإذا كان هناك نوع من العصمة يتمتّع بها النبي| فهي لا تتعدّىٰ حدود تبليغ القرآن الكريم.

وكان أوّل إعلان عن هذه النظرية في حياة النبي|، فقد روىٰ الدارمي بسندٍ صحيح عن عبد الله بن عمرو، قال: «كنت أكتب كلّ شيء أسمعه من رسول الله(صلى الله عليه وسلم)أُريد حفظه، فنهتني قريش، وقالوا: تكتب كلّ شيء سمعته من رسول الله(صلى الله عليه وسلم)، ورسول الله(صلى الله عليه وسلم) بشـر يتكلَّم في الغضب والرضا؟ فأمسكت عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول الله(صلى الله عليه وسلم)، فأومأ بإصبعه إلىٰ فيه، وقال: اكتب؛ فوالذي نفسي بيده، ما خرج منه إلّا حق»([5]).

فهذا كان أقدم تصريح بهذا التوجّه، وكان أوّل مَن وقف في وجهه هو نفس النبي|، وبقي في حياته| مجرّد صوت نشاز خافت لا يُصغىٰ إليه. وبعد وفاة النبي| واستتباب الأُمور لأصحاب هذه النظرية وتسلُّطهم علىٰ رقاب المسلمين([6]) عمدوا علىٰ الفور إلىٰ تفعيل هذه النظرية وبلورتها علىٰ المستويين النظري والعملي.

فعلىٰ المستوىٰ النظري كانت جهودهم تصبّ في اتّجاهين:

الاتّجاه الأوّل: خلق مبررات نظريّة وفكريّة جديدة حاولت أن تُرمّم المنطلق الفلسفي الذي تقوم عليه هذه النظريّة، وقد تعرّض السيّد عليّ الشهرستاني في (منع تدوين الحديث) إلىٰ جميع هذه المبرّرات، وقام بمناقشتها مناقشةً موضوعيّة علمية جديرة بالاهتمام والرجوع إليها.

الاتّجاه الثاني:وضع روايات عن النبي| تتضمّن النهي عن تدوين السنّة النبويّة الشريفة، وقد تعرّض الشيخ جعفر السبحاني في كتابه (الحديث النبويّ) إلىٰ أشهر تلك الروايات، وأثبت ضعفها من ناحيتي السند والدلالة معاً.

وأمّا علىٰ المستوىٰ العمليّ، فإنّ الأُمور قد تطوّرت في ثلاثة مسارات:

المسار الأوّل: قوننة قضية المنع

حيث تحوّلت قضية منع التدوين من مجرّد رأي أو فكرة إلىٰ قانون رسمي تتبنّاه الدولة، وتتّخذ التدابير اللازمة لضمان تطبيقه علىٰ أفضل وجه وأكمل صورة.

جاء في تذكرة الحفّاظ للذهبي: «أنّ الصدِّيق جمعَ الناسَ بعد وفاة نبيِّهم، فقال: إنَّكم تحدّثون عن رسول الله(صلى الله عليه وسلم)أحاديث تختلفون فيها، والناس بعدكم أشدّ اختلافاً، فلا تحدّثوا عن رسول الله(صلى الله عليه وسلم)شيئاً. فمَن سألكم فقولوا: بيننا وبينكم كتاب الله، فاستحلّوا حلاله، وحرّموا حرامه»([7]).

فهذه هي أوّل بادرة رسمية في هذا الجانب، وقد سبق أن بادر أبو بكر إلىٰ حرق خمسمائة حديث كان جمعها من أحاديث رسول الله|، كما حدَّثت عنه ابنته عائشة، ولكنّها لم تكن خطوة رسمية ومعلنة كما يبدو([8]).

وفي عهد عمر بن الخطاب أصبح منع تدوين الحديث قانوناً صارماً يتعرّض المخالفُ له إلىٰ شتّىٰ أنواع العقوبة. قال السيّد جعفر مرتضـىٰ العاملي: «ثمّ كانت خلافة عمر بن الخطاب، فكان التحرّك في هذا الاتّجاه أكثر دقّة، كما كان أكثر شموليّة واستقصاء، حتىٰ ليخيل إليك: أنّ هذا الأمر هو أعظم ما كان يشغل بال الخليفة، ويقضّ مضجعه، فكان يتابع هذا الأمر، ويحثّ عليه، ثمَّ يراقب ويعاقب ويتّخذ القرارات والإجراءات بصورة ظاهرة ومستمرّة ودؤوبة»([9]).

ولعلّ أوسع خطوة عمليّة قام بها عمر بن الخطاب في هذا المجال ما رواه الخطيب البغدادي بسنده، عن القاسم بن محمّد بن أبي بكر، قال: «إنّ عمر بن الخطاب، بلغه أنّه قد ظهر في أيدي الناس كتب فاستنكرها وكرهها، وقال: أيُّها الناس، إنّه قد بلغني أنّه قد ظهرت في أيديكم كتب فأحبّها إلىٰ الله أعدلها وأقومها، فلا يبقين أحدٌ عنده كتاب إلّا أتاني به، فأرىٰ فيه رأيي. قال: فظنّوا أنّه يريد أن ينظر فيها ويقوّمها علىٰ أمر لا يكون فيه اختلاف، فأتوه بكتبهم فأحرقها بالنار، ثمّ قال: أُمنية كأُمنية أهل الكتاب»([10]).

وهكذا استمرّ الحال بعد عمر، وسار مَن جاء بعده من الخلفاء ـ باستثناء فترة خلافة أمير المؤمنين والحسن÷ ـ في نفس هذا المسار، حتىٰ أصبح التدوين في تلك الأيام عيباً يُعيَّر به صاحبه.

المسار الثاني: تقليل التحديث ثمَّ المنع منه

إذا كان الهدف الحقيقي من وراء منع التدوين هو طمس السنّة النبويّة الشريفة بالكامل ـ كما أشرنا سابقاً ـ فمن الطبيعي أن تقوم السلطة الحاكمة بمحاصرة التحديث وتطويقه، ثمَّ منعه من الأساس، وهذا ما حصل بالفعل في خطوات تدريجيّة متتابعة.

فقد لاحظنا سابقاً أنّ الخليفة الأوّل قد نهىٰ الناس عن التحديث عن رسول الله| بقوله: «فلا تحدّثوا عن رسول الله شيئاً»، بيد أنّ الناس لم يلتزموا بأوامر أبي بكر في هذا المجال حتىٰ جاء عمر بن الخطاب إلىٰ السلطة، فاتّخذ خطوات متشدّدة في هذا المجال.

فقد روىٰ ابن سعد بسنده، عن قرظة بن كعب الأنصاري، أنّه قال: «أردنا الكوفة فشيَّعَنا عمر إلىٰ صرار، فتوضأ فغسل مرّتين، وقال: تدرون لِمَ شيَّعتكم؟ فقلنا: نعم، نحن أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وسلم). فقال: إنّكم تأتون أهل قرية لهم دويّ بالقرآن كدويّ النحل، فلا تصدّوهم بالأحاديث فتشغلوهم. جرِّدوا القرآن وأقلّوا الرواية عن رسول الله(صلى الله عليه وسلم)، امضوا وأنا شريككم»([11]).

وروىٰ ابن عساكر بسنده، عن السائب بن يزيد، قال: «سمعت عمر بن الخطاب يقول لأبي هريرة: لتتركنّ الحديث عن رسول الله(صلى الله عليه وسلم) أو لأُلحقنك بأرض دوس. وقال لكعب: لتتركنّ الحديث أو لأُلحقنك بأرض القردة»([12]).

قال الذهبي ـ بعد نقله لهذه الرواية ـ : «قلت: هكذا هو، كان عمر يقول: أقلّوا الحديث عن رسول الله(صلى الله عليه وسلم)، وزجر غير واحد من الصحابة عن بثِّ الحديث...»([13]).

وذكر المؤرِّخون: «أنّه جمع الصحابة من الآفاق، وطالبهم بما أفشوه من حديث رسول الله|، ثمَّ أمرهم بالمقام عنده، وأن لا يفارقوه ما عاش، ومنعهم من مغادرة المدينة، فبقوا فيها إلىٰ أن مات»([14]).

وقد استطاع ابن الخطاب بهذه السياسة أن يمنع التحديث عن رسول الله|، أو علىٰ الأقل استطاع أن يطوِّقه ويحاصره إلىٰ أبعد حدٍّ ممكن.

فقد كان أبو هريرة يقول ـ بعد وفاة عمر ـ : «كان يقول: إنّي لأحدِّث أحاديث لو تكلَّمت بها في زمان عمر ـ أو عند عمر ـ  لشجّ رأسي»([15]).

وقال عمرو بن ميمون: «صحبت عبد الله بن مسعود سنين فما سمعته يروي حديثاً إلّا مرّة واحدة»([16]).

ويقول الشعبي: «قعدت مع ابن عمر سنتين، أو سنة ونصفاً، فما سمعته يحدِّث عن رسول الله(صلى الله عليه وسلم)إلّا هذا الحديث»([17]).

وقد أصبح الإقلال من رواية الحديث أو منعها سنّة يستنّ بها الخلفاء الذين جاؤوا بعد عمر «فكانوا يعلنون أنّ منهجهم في ذلك منهج عمر، وقاموا بما قام به عمر من تهديد الصحابة، ومنعهم من الرواية. وبما أنّ السلطة قد تمكّنت من الرقاب بشكلٍ لا تخشىٰ من أيّ شيء ومن أيّ أحدٍ، فإنّ أهداف المنع من الحديث ـ تدويناً وروايةً ـ لم تَعدُ طيّ الكتمان، بل بدأت يُعلن عنها، ويُتحدّث بها علىٰ المنابر، وتُصدّر الأوامر الأميريّة بها»([18]).

المسار الثالث: تعميم المنع وتمديده من الناحية العمليّة

وهذا ما يلامس الموضوع الذي نحن بصدده بالصميم، فالمنع المعلَن وإن كان من الناحية النظرية خاصّاً بالسنّة النبويّة الشريفة، إلّا أنّه من الناحية الميدانيّة والإجرائيّة كان شاملاً للسيرة والتاريخ. يقول محمّد هادي اليوسفي الغروي: «ولم يُدوَّن في تأريخ الإسلام أو في سيرته| شيء حتىٰ مضت أيام الخلفاء، لم يُدوَّن في هذه المدّة شيء سوىٰ القرآن الكريم وتقويم إعرابه بمبادئ وقواعد النحو علىٰ يد أبي الأسود الدؤلي بإملاء أمير المؤمنين عليّ ابن أبي طالب×»([19]).

وهناك الكثير من الآثار الشاهدة علىٰ صحّة هذا المدّعىٰ، من بينها:

1ـ مرّ علينا «إنّ عمر بن الخطّاب بلغه أنّه قد ظهرت في أيدي الناس كتب»، إلىٰ أن تقول الرواية: «فأتَوْه بكتبهم، فأحرقها بالنّار».

وحينما ندقّق في عبارات هذه الرواية لا نجد فيها ما يشير إلىٰ كون تلك الكتب مختصّة بنقل الحديث النبويّ الشريف، وإن كان بعضها مشتملاً عليه. ويبدو أنّ هدف عمر الأساسي هو منع تدوين السنّة النبويّة الشريفة، ولكنّه من الناحيّة العمليّة كان يمنع من انتشار الكتب ـ ماعدا القرآن الكريم ـ بنحو مطلق، ولا يفرِّق بين ما كان موضوعه السنّة النبويّة وما كان موضوعه شيئاً آخر، ولعلّه كان يقوم بهذه الإجراءات احتياطاً وتحسّباً من تسـرّب بعض الأحاديث إلىٰ طيات تلك الكتب.

2ـ وممّا يؤيِّد تطوّر المنع من الناحية العمليّة إلىٰ الحدّ الذي أشرنا إليه ما روي أنّ عمر ابن الخطاب ضرب رجلاً من عبد القيس لأنّه نسخ كتاب دانيال، وأمره بمحوه بالحميم والصوف الأبيض([20]).

3ـ وقال عمرو بن ميمون الأودي: «كنَّا جلوساً بالكوفة، فجاء رجل ومعه كتاب، فقلنا: ما هذا؟ قال: كتاب دانيال. فلولا أنّ الناس تحاجزوا عنه لقُتِلَ، وقالوا: كتاب سوىٰ القرآن؟!»([21]). ومن الواضح أنّ كتاب دانيال لم يكن يتضمّن شيئاً من السنّة.

4ـ وعن ميمون بن مهران، قال: «أتىٰ عمر بن الخطاب رجل، فقال: يا أمير المؤمنين، إنّا فتحنا المدائن أصبت كتاباً فيه كلام معجِب، قال: أمن كتاب الله؟ قلت: لا. فدعا بالدرّة فجعل يضربه بها...»([22]).

وقد استمرّ المنع ـ بالشدّة التي ذكرناها والشمول الذي صوّرناه ـ ساري المفعول إلىٰ أيام الخليفة الأُمويّ عمر بن عبد العزيز الذي وصل إلىٰ رأس السلطة عام 99هـ، وأوقف هذه المهزلة وأصدر أمراً رسميّاً بتدوين الحديث.

قال السيوطيّ (ت911هـ): «وأمّا ابتداء تدوين الحديث، فإنّه وقع علىٰ رأس المائة في خلافة عمر بن عبد العزيز بأمره»([23]).

ويرىٰ بعض المحقّقين ـ استناداً إلىٰ العديد من كلمات مؤرِّخي السنّة ـ أنَّ عمر بن عبد العزيز وإن أصدر أمراً بالتدوين، إلّا أنّ أمره لم يُنفَّذ في حياته، وبقي حبراً علىٰ ورق، وقد اضطربت كلماتهم في تحديد البداية الدقيقة لعصر التدوين([24]).

ومهما يكن، فإنّ المنع قد استمرّ بعد واقعة الطف 61هـ ما يناهز الـ (40) عاماً علىٰ أقلِّ التقادير، وهذه جناية أُخرىٰ تُضاف إلىٰ الجنايات التي تمخض عنها المنع.

العامل الثاني: التقيّة

إنّ العقود الأربعة التي تلت واقعة الطف (61هـ) هي أقسىٰ مقطع تاريخي مرّ علىٰ التشيُّع والشيعة، فهي فترة تسلّط الأُمَويّين والمروانيّين والزبيريّين علىٰ رقاب المسلمين، وكان أهل البيت^ وأتباعهم يعيشون في هذه الحقبة في أقصىٰ حالات التقيّة، حتىٰ قال بعض الباحثين: «إنّ بقاء التشيّع في هذه العصور المظلمة كان معجزة من معاجز الله سبحانه»([25])، فكان القيام بجمع وتدوين روايات وقائع عاشوراء في تلك السنين يُعدّ عمليّة انتحارية لا يجرؤ أحدٌ علىٰ الإقدام عليها.

ولعل خير ما يُبيِّن لنا حقيقة الأُمَويّين وأيامهم المظلمة هو ما جاء في وصفهم علىٰ لسان أمير المؤمنين×، فمن ذلك ما نقله ابن الأثير عن عليٍّ× أنّه قال مخاطباً لأهل العراق وواصفاً الحزب الأُمَويّ: «قاتلوا مَن حادَّ الله ورسوله، وحاول أن يطفئ نور الله، فقاتلوا الخاطئين الضالّين القاسطين الذين ليسوا بقرّاء قرآن، ولا فقهاء في الدين، ولا علماء في التأول، ولا لهذا الأمر بأهل في سابقة الإسلام، والله، لو وُلّوا عليكم لعملوا فيكم بأعمال كسرىٰ وهرقل»([26]).

وعندما نزل أمير المؤمنين× الأنبار، والتأمت عليه العساكر خطب الناس وحرّضهم علىٰ الجهاد، وقال: «سيروا إلىٰ قتلة المهاجرين والأنصار، قد طالما سعوا في إطفاء نور الله، وحرّضوا علىٰ قتل رسول الله| ومَن معه، ألا إنّ رسول الله| أمرني بقتال القاسطين، وهم هؤلاء الذين سرنا إليهم، والناكثين وهم هؤلاء الذين فرغنا منهم، والمارقين ولم نلقهم بعد، فسيروا إلىٰ القاسطين فهم أهمّ علينا من الخوارج، سيروا إلىٰ قوم يقاتلونكم كيما يكونوا جبّارين يتّخذهم الناس أرباباً، ويتّخذون عباد الله خولاً ومالهم دولاً»([27]).

وأمّا المجازر التي ارتكبها الحزب الأُمَويّ في عهد الإمام عليّ× ـ فضلاً عن العهود التالية ـ فحدِّث عنها ولا حرج، فقد ذكر التاريخ «أنّ معاوية بن أبي سفيان بعث بسـر بن أرطاة بعد تحكيم الحكمين ـ وعليّ بن أبي طالب× يومئذٍ حيّ ـ وبعث معه جيشاً ووجه الضحاك ابن قيس الفهري في جيش آخر، وضمّ جيشاً آخر إلىٰ رجل من غامد، وأمرهم أن يسيروا في البلاد فيقتلوا كلّ مَن وجدوه من شيعة عليّ بن أبي طالب× وأصحابه، وأن يغيروا علىٰ سائر أعماله، ويقتلوا أصحابه، ولا يكفّوا أيديهم عن النساء والصبيان، فمرّ بسر لذلك علىٰ وجهه حتىٰ انتهىٰ إلىٰ المدينة فقتل بها أُناساً من أصحاب عليّ× وأهل هواه، وهدم بها دوراً، ومضىٰ إلىٰ مكّة وقتل نفراً من آل المهلب، ثمّ إلىٰ السراة فقتل بها مَن وجد من أصحابه، وأتىٰ نجران وقتل عبد الله بن عبد المدان الحارث وابنه، وكانا من أصهار ابن العباس عامل عليّ×، ثمَّ أتىٰ اليمن وعليها عبيد الله بن العباس عامل عليّ بن أبي طالب×، وكان غائباً فلم يصادفه بسر ووجد ابنين له صبيّين فأخذهما بسـر لعنه الله وذبحهما بيده بمدية كانت معه، ثمّ انكفأ راجعاً إلىٰ معاوية، وفعل مثل ذلك سائر مَن بعثه معاوية، فقصد الغامدي الأنبار فقتل ابن حسان البكري، وقتل رجالاً كثيرين ونساء من الشيعة» ([28]).

كان هذا كلّه قد حدث في أيام حكومة الإمام عليّ×، والشيعة لا تزال لهم دولة وكيان قائم يستظلون بظله، وما أن استُشهد الإمام عليّ× سنة 40هـ حتىٰ بدأ عهد جديد من العهود المظلمة التي مرّت علىٰ الشيعة، وقد حفظ لنا التاريخ ـ عن تلك الحقبة ـ صفحات سوداء مظلمة يندىٰ لها الجبين، ويشيب لها الرضيع تضاف إلىٰ ملف الأُمَويّين الأسود.

ونحن نكتفي هنا بتسجيل هذا النص أو الوثيقة الذي يشتمل علىٰ توصيف دقيق لمجمل ما آلت إليه الأُمور بعد شهادة الإمام عليّ×، والذي نقله لنا ابن أبي الحديد المعتزلي عن كتاب الأحداث لأبي الحسن عليّ بن محمّد بن أبي سيف المدائني، قال: «كتب معاوية نسخة واحدة إلىٰ عمّاله بعد عام الجماعة أن برئت الذمّة ممَّن روىٰ شيئاً من فضل أبي تراب وأهل بيته، فقامت الخطباء في كلّ كورة وعلىٰ كلّ منبر يلعنون عليّاً×، ويبرأون منه ويقعون فيه وفي أهل بيته، وكان أشدّ الناس بلاء حينئذٍ أهل الكوفة؛ لكثرة مَن بها من شيعة عليّ×، فاستعمل عليهم زياد بن سمية وضمّ إليه البصرة، فكان يتتبّع الشيعة وهو بهم عارف؛ لأنّه كان منهم أيام عليّ×، فقتلهم تحت كلّ حجر ومدر وأخافهم، وقطع الأيدي والأرجل وسمل العيون، وصلبهم علىٰ جذوع النخل، وطرفهم وشردهم عن العراق، فلم يبقَ بها معروف منهم، وكتب معاوية إلىٰ عمّاله في جميع الآفاق ألّا يُجيزوا لأحد من شيعة عليّ وأهل بيته^ شهادة، وكتب إليهم أن اُنظروا من قِبَلكم من شيعة عثمان ومحبّيه وأهل ولايته والذين يروون فضائله ومناقبه، فاُدنوا مجالسهم وقرّبوهم وأكرموهم واكتبوا ليّ بكلّ ما يروي كلّ رجل منهم واسمه واسم أبيه وعشيرته. ففعلوا ذلك حتىٰ أكثروا في فضائل عثمان ومناقبه؛ لما كان يبعثه إليهم معاوية من الصلات والكساء والحباء والقطائع ويفيضه في العرب منهم والموالي، فكثر ذلك في كلّ مصـر وتنافسوا في المنازل والدنيا، فليس يجيء أحد مردود من الناس عاملاً من عمّال معاوية فيروي في عثمان فضيلة أو منقبة إلّا كتب اسمه وقرّبه وشفّعه، فلبثوا بذلك حيناً. ثمَّ كتب إلىٰ عمّاله أنّ الحديث في عثمان قد كثر وفشا في كلّ مصر وفي كلّ وجه وناحية، فإذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس إلىٰ الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء الأولين، ولا تتركوا خبراً يرويه أحدٌ من المسلمين في أبي تراب إلّا وتأتوني بمناقض له في الصحابة، فإنّ هذا أحبّ إليّ وأقرّ لعيني وأدحض لحجّة أبي تراب وشيعته، وأشدّ عليهم من مناقب عثمان وفضله. فقُرئت كتبه علىٰ الناس، فرويت أخبار كثيرة في مناقب الصحابة مفتعلة لا حقيقة لها.

وجدّ الناس في رواية ما يجري هذا المجرىٰ حتىٰ أشادوا بذكر ذلك علىٰ المنابر، وأُلقي إلىٰ معلمي الكتاتيب فعلَّموا صبيانهم وغلمانهم من ذلك الكثير الواسع، حتىٰ رووه وتعلّموه كما يتعلّمون القرآن وحتىٰ علّموه بناتهم ونساءهم وخدمهم وحشمهم، فلبثوا بذلك ما شاء الله.

ثمّ كتب إلىٰ عمّاله نسخة واحدة إلىٰ جميع البلدان: اُنظروا مَن قامت عليه البيِّنة أنّه يحبّ عليّاً وأهل بيته^ فامحوه من الديوان وأسقطوا عطاءه ورزقه.

وشفع ذلك بنسخة أُخرىٰ: مَن اتّهمتموه بموالاة هؤلاء القوم فنكِّلوا به واهدموا داره. فلم يكن البلاء أشدّ ولا أكثر منه بالعراق، ولا سيما بالكوفة حتىٰ أن الرجل من شيعة عليّ× ليأتيه مَن يثق به فيدخل بيته فيلقي إليه سرّه ويخاف من خادمه ومملوكه ولا يحدِّثه حتىٰ يأخذ عليه الأيمان الغليظة ليكتمن عليه، فظهر حديث كثير موضوع وبهتان منتشر ومضىٰ علىٰ ذلك الفقهاء والقضاة والولاة، وكان أعظم الناس في ذلك بليةً القرّاء المراؤون والمستضعفون الذين يظهرون الخشوع والنسك، فيفتعلون الأحاديث ليحظوا بذلك عند ولاتهم ويقربوا مجالسهم ويصيبوا به الأموال والمنازل، حتىٰ انتقلت تلك الأخبار والأحاديث إلىٰ أيدي الديّانين الذين لا يستحلّون الكذب والبهتان، فقبلوها ورووها وهم يظنّون أنّها حقّ، ولو علموا أنّها باطلة لما رووها ولا تديّنوا بها.

فلم يزل الأمر كذلك حتىٰ مات الحسن بن عليّ× فازداد البلاء والفتنة، فلم يبقَ أحدٌ من هذا القبيل إلّا وهو خائف علىٰ دمه أو طريد في الأرض. ثمّ تفاقم الأمر بعد قتل الحسين× وولي عبد الملك بن مروان فاشتدّ علىٰ الشيعة، وولّىٰ عليهم الحجّاج بن يوسف، فتقرّب إليه أهل النُسك والصلاح والدين ببغض عليّ وموالاة أعدائه وموالاة مَن يدّعي من الناس أنّهم أيضاً أعداؤه، فأكثروا في الرواية في فضلهم وسوابقهم ومناقبهم، وأكثروا من الغضِّ من عليٍّ× وعيبه والطعن فيه والشنئان له حتىٰ أنّ إنسـاناً وقف للحجّاج ـ ويقال: إنّه جدّ الأصمعي عبد الملك بن قريب ـ فصاح به: أيُّها الأمير، إنّ أهلي عقّوني فسموني عليّاً وإنّي فقير بائس، وأنا إلىٰ صلة الأمير محتاج. فتضاحك له الحجّاج، وقال: للطف ما توسّلت به قد ولّيتك موضع كذا»([29]).

فهذا النصّ أو الوثيقة يكشف لنا بوضوح عن كيفيّة وكميّة الظلم الواقع علىٰ أهل البيت^ وشيعتهم، ويدلّنا ـ كذلك ـ علىٰ ارتفاع مؤشِّر هذا الظلم وتزايده باستمرّار كلّما مشينا في الحقبة التاريخية التي تلت رحيل الإمام عليّ×، حتىٰ بلغ الظلم غايته بعد مقتل الإمام الحسين×، فكان أهل البيت^ وأتباعهم ومحبِّوهم يمرّون في أحلك الظروف وأسواها، ويمكن القول: إنّ الأمر قد وصل في عهد الإمام زين العابدين× إلىٰ حدِّ الاستئصال والإبادة لولا مشيئة الله (عزّ وجلّ) في حفظ هذه الجماعة، فقد جاء في نصٍّ آخر ـ مروي عن الإمام الباقر× ـ يتناسب مع النصّ السابق: «ثمّ لم يزل البلاء يشتدّ ويزداد إلىٰ زمان عبيد الله بن زياد قاتل الحسين×، ثمّ جاء الحجّاج فقتلهم كلّ قتلة، وأخذهم بكلّ ظنّة وتهمة، حتّىٰ أنّ الرجل ليقال له: زنديق أو كافر، أحبّ إليه من أن يقال: شيعة عليّ×...» ([30])، وبهذا تعرف أنّنا لم نغالِ حينما قلنا ـ في بداية حديثنا ـ : إنّ القيام بجمع وتدوين روايات وقائع عاشوراء في تلك السنين يُعدُّ عملية انتحاريّة لا يجرؤ أحدٌ علىٰ الإقدام عليها.

المبحث الثاني

نظرة عامّة حول مدينة الكوفة

قلنا في المقدّمة: بأنّ حركة التأليف والتصنيف حول واقعة الطفِّ كانت في بداياتها حركة كوفيّة شيعيّة، وأنّ شيعة الكوفة هم رادة هذا المجال والسبّاقون إليه.

من هنا؛ كان لا بدّ لنا أن نمهِّد لذلك بما يثبت أهمّية الكوفة من الناحية العلميّة وصيرورتها مركزاً من المراكز الفكريّة للشيعة والتشيُّع خلال مدّة وجيزة نسبياً بعد تمصيرها.

1ـ الكوفة، بالضم: الرملة الحمراء المجتمعة. وقيل: المستديرة، أو كلّ رملة تخالطها حصباء أو الرملة ما كانت.

والكوفة: مدينة العراق الكبرىٰ، وهي قبّة الإسلام، ودار هجرة المسلمين، واختُلف في سبب تسميتها، فقيل: سُميت لاستدارتها. وقيل: بسبب اجتماع الناس بها. وقيل: لكونها رملة حمراء، أو لاختلاط ترابها بالحصىٰ. ويقال لها أيضاً: كوفان، بالضم، قال اللحياني: كوفان: اسم للكوفة، وبها كانت تُدعىٰ قَبْل. وقال الكسائي: كانت الكوفة تُدعىٰ كوفان([31]).

ومهما يكن، فقد مُصِّرت الكوفة في عهد عمر بن الخطاب عام 17 أو 18 أو 19هـ([32])‍، وذلك بعد فراغ الجيش الإسلامي ـ بقيادة سعد بن أبي وقاص ـ من وقعة القادسية وفتح المدائن، وحكاية ذلك باختصار هو ما ذكره البلاذري: «أنّ عمر بن الخطاب كتب إلىٰ سعد ابن أبىٰ وقاص يأمره أن يتّخذ للمسلمين دار هجرة، وأن لا يجعل بينه وبينهم بحراً، فأتىٰ الأنبار وأراد أن يتّخذها منزلاً، فكثر علىٰ الناس الذباب، فتحوّل إلىٰ موضع آخر فلم يصلح، فتحوّل إلىٰ الكوفة فاختطها وأقطع الناس المنازل، وأنزل القبائل منازلهم، وبنىٰ مسجدها»([33]).

فقد كان الغرض من تأسيس هذه المدينة غرضاً عسكريّاً خالصاً، حيث أُريد لها أن تكون قاعدة عسكريّة تنطلق منها الجيوش الإسلاميّة لفتوح البلدان، وقد نُظِّم الجيش فيها علىٰ أساس قَبَلي، وكانوا يقسمون الأرزاق في معسكراتهم باعتبار القبائل والبطون التي ينتمون إليها أيضاً([34]).

وقد قُسِّمت الجيوش فيها علىٰ سبعة تجمّعات رئيسة، وهي:

كنانة وحلفاؤها وجديلة.

قضاعة وبُجيلة وغسان وخثعم وكندة وحضرموت والأزد.

مذحج وحمير وهمدان.

4ـ تميم ورباب.

بنو أسد ومحارب ونمر من بني بكر وتغلب، وأكثرية هؤلاء من ربيعة.

إياد وبنو عبد قيس وأهل هجر والحمر (وهم بقايا الجيش الفارسي كما سنشير).

مُلملَمَة أظهرهم طي.

وقد غيَّر الإمام عليّ× بعد ذلك تشكيل هذه التجمّعات إلىٰ ما يلي:

1ـ همدان وحمير والحمر.

2ـ مذحج وأشعر وطي.

3ـ قيس وعبس وذبيان وعبد القيس.

4ـ كندة وحضرموت وقضاعة ومهرة.

5ـ الأزد وبجيلة وخثعم والأنصار.

6ـ بكر وتغلب وبقية ربيعة.

7ـ قريش وكنانة وأسد وتميم وضبة ورباب([35]).

ولم يكن الجيش وحده قد نُظِّم وفق الأساس القبلي، بل كانت الروح القبليّة سائدة ومتحكِّمة في كلِّ شيء، فالتخطيط العمراني في الكوفة ابتداءً من توزيع الأحياء ومروراً بالشوارع والسكك وانتهاءً بالمقابر، كلّ ذلك كان يُخطّط له علىٰ أساس قبلي([36]).

2ـ ولم يكن العنصر العربي هو العنصر الوحيد الذي استوطن الكوفة، بل استوطنتها إلىٰ جانبه عناصر أُخرىٰ، ساهمت مساهمة كبيرة في تقدُّم عجلة الحياة الفكريّة والثقافيّة في هذه المدينة، ولعل أهمّ هذه العناصر هو العنصر الفارسي، فقد «كان مع رستم يوم القادسية أربعة آلاف يسمون جند شهانشاه، فاستأمنوا علىٰ أن ينزلوا حيث أحبّوا ويحالفوا مَن أحبّوا، ويفرض لهم في العطاء، فأُعطوا الذي سألوه، وحالفوا زهرة بن حوية السعدي من بني تميم، وأنزلهم سعد بحيث اختاروا، وفرض لهم في ألف ألف، وكان لهم نقيب منهم يقال له: ديلم. فقيل: حمراء ديلم... والعرب تُسمِّىٰ العجم الحمراء، ويقولون: جئت من حمراء ديلم. كقولهم: جئت من جهينة وأشباه ذلك»([37]).

ويمكن اعتبار هؤلاء الجند بمثابة الموجة الفارسيّة الأُولىٰ التي استوطنت الكوفة، ثمَّ بدأت أعدادهم تزداد بمرور الوقـت، وقد كان لهذه الجالية ـ بصفتها جالية متحضّـِرة ـ دور كبير في دفع عجلة التقدُّم الحضاري في مدينة الكوفة علىٰ كافّة الأصعدة.

وقد عانت هذه الجالية ما عانت من ممارسة التمييز العنصـري العرقي في عهد الخليفتين الثاني والثالث، ولم يذوقوا طعم العدالة والمساواة إلّا في عصـر أمير المؤمنين×، فقد روىٰ الفضل بن أبي قرّة عن الإمام الصادق×، قال: «أتت الموالي أمير المؤمنين× فقالوا: نشكو إليك هؤلاء العرب، إنّ رسول الله| كان يعطينا معهم العطايا بالسوية، وزوّج سلمان، وبلالاً، وصهيباً، وأبوا علينا هؤلاء، فقالوا: لا نفعل. فذهب إليهم أمير المؤمنين× فكلَّمهم فيهم، فصاح الأعاريب: أبينا ذلك يا أبا الحسن، أبينا ذلك. فخرج وهو مغضب يجرّ رداءه وهو يقول: يا معشر الموالي، إنّ هؤلاء قد صيَّروكم بمنزلة اليهود والنصارىٰ، يتزوَّجون إليكم ولا يزوِّجونكم، ولا يعطونكم مثل ما يأخذون، فاتّجروا بارك الله لكم، فإنّي قد سمعت رسول الله| يقول: الرزق عشـرة أجزاء، تسعة أجزاء في التجارة وواحد في غيرها»([38]).

ومنذ ذلك الحين أصبح ميل وهوىٰ هذه الجالية لأهل البيت^، وبدأ أفرادها يدخلون إلىٰ التشيُّع بمعناه الرسمي بشكل تدريجي، وقد كان للمختار الثقفي دور كبير في كسب هذه الجماعة وتقريبهم من التشيُّع، وكان لها دور كبير في حركته ودولته، فقد ذكر الدينوري: «أنّ أكثر مَن استجاب له همدان، وقوم كثير من أبناء العجم الذين كانوا بالكوفة... وكانوا يُسمَّون الحمراء، وكان منهم بالكوفة زهاء عشرين ألف رجل»([39]).

ومن العناصر التي سكنت الكوفة وتركت أثراً إيجابياً علىٰ نموّها الفكريّ والحضاريّ، هو العنصر النبطيّ، والأنباط ـ بحسب رأي بعض الباحثين ـ من عرب شمال الجزيرة، ولعلّهم أقرب الدول القديمة إلىٰ عرب الحجاز، فأغلب الأسماء التي كانت شائعة عندهم تشبه الأسماء المستعملة عند ظهور الإسلام، مثل: حارثة، ومليكة، وجذيمة، وكليب، ووائل، ومغيرة، وقصي، وعدي، وعائذ، وعمر، وعميرة، ويعمر، وكعب.

كما أنّ تركيب لغتهم يُشبه تركيب النحو العربي المعروف لدينا، غير أنّهم يستعملون في الكتابة والمكاتبات الرسمية والمعاملات التجارية اللغة الآرامية، فكانت لهم لغة للتخاطب ولغة للكتابة([40]).

وعلىٰ أيّ حال، فقد نزل الأنباط الكوفة بعد تمصيرها، وكان لهم دور فعّال في تطوير الحياة المدنيّة فيها، ويكفي أن تعرف أنّ الخط العربي الكوفي هو نسخة محورة عن الخطّ النبطي، وهو بدوره نسخة محورة عن الخط الآرامي المشتق من الفينيقي([41]).

ويقول الشيخ باقر شريف القرشي: «وكانت الأنباط مِن العناصر التي سكنت الكوفة، وقد أثّروا في الحياة العامّة تأثيراً عقليّاً واجتماعيّاً»([42]).

هذا من جهة، ومن جهة أُخرىٰ لم يكن المسلمون وحدهم يسكنون في هذه المدينة
ـ وإن كانوا هم العنصر المتسيِّد ـ  بل كانت تضمّ إلىٰ جانبهم اليهود والمسيحيين، وقد كان لهاتين الفئتين دور مهم في بلورة الحياة الاقتصاديّة في الكوفة، ولا سيما المسيحيين الذين كانت لهم أكبر محلات الصيرفة في الكوفة([43]).

3 ـ ومن الأُمور التي ساهمت في تطوير الحياة العلميّة في هذه المدينة، وساعدت ـ من جهة أُخرىٰ ـ علىٰ انتشار التشيُّع فيها، هو نزول ثلّة من صحابة الرسول| فيها في وقت مبكِّر، كعبد الله بن مسعود، وعمّار بن ياسر، والبراء بن عازب الأنصاري وغيرهم، وقد كان لبعض هؤلاء مهام إداريّة أو علميّة، ولم يكونوا أفراداً من عامّة الناس، فعمّار بن ياسر جاءها والياً من قِبَل عمر بن الخطاب بعد ما عزل واليها الأسبق سعد بن أبي وقاص... وعبد الله بن مسعود بعثه عمر ليكون معلِّماً للقرآن.

 ويرىٰ الدكتور عبد الرسول الغفاري بأنّ هؤلاء الصحابة وأمثالهم كانوا يعرفون أهمّية الإمام عليّ× في الخلافة والإمرة، ويعترفون بفضله، وسابقيّته في الإسلام، وعلمه، وشجاعته، فكانوا ممَّن يميلون إليه ويتشيّعون له، وهم الذين بذروا بذور التشيُّع في الكوفة، بنشـرهم ما كانوا يعرفونه من فضائل ومناقب أمير المؤمنين×؛ ولذا كانت الكوفة ـ حسب رؤية الغفاري ـ تميل إلىٰ أمير المؤمنين عليّ× قبل أن يدخلها بعنوانه خليفةً للمسلمين أو يتّخذها عاصمة للدولة الإسلامية([44]).

4 ـ وبعد عقد ونصف من تمصيرها تقريباً أضحت الكوفة مركزاً لصحابة رسول الله|، والتابعين وأهل العلم، يوم نزلها أمير المؤمنين×، باب مدينة العلم بحسب الحديث الشريف: «أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها»([45])؛ ولذا ازدلفت إلىٰ هذه المدينة «زرافات من خيار الصحابة ورجالات التابعين ورواد العلم وحفّاظ الحديث، فمَن والج مدينة العلم من بابه المفتوح علىٰ هذه الحاضرة الدينيّة بكلا مصراعيه، ومَن كارع من فضل بحره المديد الوافر متهذِّب بخلقه العذب النمير، ومعتبر بعظاته البالغة، وآخذ منه معالم دينه وراوٍ عنه صدق الحديث، ومحض الحقيقة»([46]).

وقد ذكر لنا المؤرِّخون أنّ مجموع الصحابة الذين نزلوا العراق مع أمير المؤمنين× وناصروه في حروبه لا يقلّون عن ألفين وثمانمائة صحابي، قال المسعودي: «وكان ممَّن شهد صفِّين مع عليٍّ من أصحاب بدر سبعة وثمانون رجلاً، منهم سبعة عشر من المهاجرين، وسبعون من الأنصار، وشهد معه من الأنصار ممَّن بايع تحت الشجرة وهي بيعة الرضوان من المهاجرين والأنصار من أصحاب رسول الله| تسعمائة، وكان جميع مَن شهد معه من الصحابة ألفين وثمانمائة»([47]).

وقد اسـتقرّ قسـم كبير من هؤلاء الصـحابة المذكوريـن في نصِّ المسـعودي ـ بعد أن وضعت الحرب أوزارها ـ في الكوفة، واتّخذوها موطناً لهم، وساهموا في تنشيط الحركة العلميّة فيها، قال ابن سعد: «هبط الكوفة ثلاثمائة من أصحاب الشجرة وسبعون من أهل بدر»([48]).

فنزول أمير المؤمنين× في الكوفة كان له أكبر تأثير في دفع عجلة التقدُّم في هذه المدينة، وعلىٰ جميع الأصعدة، حتىٰ قال ابن الوردي: «الكوفة مدينة علويّة بناها عليّ بن أبي طالب×»([49])، مشيراً بذلك إلىٰ الدور الكبير الذي تركه أمير المؤمنين× علىٰ جوانب هذه المدينة لا سيما الجانب العقديّ والفكريّ.

5 ـ وقد قطنت الكوفة بعد مرور مدّة قصيرة علىٰ تمصيرها العديد من الأُسَر العلميّة التي أسهمت في نشـر نور العلم والمعرفة في هذه المدينة، وأضحت ببركة أبنائها قبلة الباحثين عن العلم والمتزودين من حياض المعرفة، وقد عدَّ مؤرِّخ الكوفة الكبير السيد حسين البراقي واحداً وعشرين من الأُسّر العلميّة التي سكنت الكوفة وتفرّعت فيها، وكان لها أكبر الأثر في رفد الحركة العلميّة فيها، وهذه الأُسَر هي:

1 ـ آل أبي جعد.

2 ـ آل أبي الجهم.

3 ـ آل أبي رافع.

4 ـ آل أبي سارة.

5 ـ آل أبي شعبة الحلبيون.

6 ـ آل أبي صفية.

7 ـ آل أعين.

8 ـ آل حيان التغلبي.

9 ـ آل نعيم الأزدي الغامدي.

10ـ آل أبي أراكة.

11ـ بنو الحرّ الجعفي.

12ـ بنو الياس البجلي.

13ـ بنو عبد ربّه بن أبي ميمونة بن يسار الأسدي.

14ـ بنو أبي سبرة.

15ـ بنو سوقة.

16ـ بنو نعيم الصحاف.

17ـ بنو عطية.

18ـ بنو رباط.

19ـ بنو فرقد.

20ـ بنو درّاج.

21ـ بنو عمّار البجلي الدهني .

هذه هي الأُسَر العلميّة التي استوطنت الكوفة، وقد أشار البراقي إلىٰ ما تفرّع عن كلِّ أُسرة من هذه الأُسَر ممَّن انخرط في سلك أهل العلم من أبنائها، وأشار إلىٰ مجمل ما أنتجته من ثمار العلم والمعرفة([50]).

لهذه العوامل المختلفة المتقـدّمة أضـحت الكوفة ـ وخلال مدّة وجيزة ـ مركزاً علميّاً هامّاً يعجّ بالعلماء والفقهاء والمفسِّرين والمحدِّثين والأخباريين والنحاة والشعراء، فليس غريباً علىٰ الكوفة بعد هذا كلّه أن تكون المنطلق الأَوّل والقاعدة الأساسيّة لحركة جمع وتتبّع وتدوين أخبار كربلاء، لا سيما وأنّ أكثر رواة الواقعة المباشرين هم من أهل الكوفة، فنهض فيها في القرن الثاني للهجرة سبعة من الأخباريين والمحدِّثين المنتسبين إلىٰ التشيُّع، وانبروا إلىٰ تسجيل أحداث واقعة الطفِّ، فأثمرت جهودهم عن سبعة مقاتل اشتملت علىٰ أقدم مادّة تاريخيّة مسجلة حول هذه الواقعة.

الفصل الأول: مقتل الأصبغ بن نباتة التميمي الكوفي(أقدم المقاتل الحسينيّة)

الفصل الأول

مقتل الأصبغ بن نباتة التميمي الكوفي (ت ـ بعد 101هـ)

(أقدم المقاتل الحسينيّة)

تقديم

يُعتبر مقتل الأصبغ بن نباتة التميمي أقدم عمل تدويني قام به مؤرِّخٌ حول أحداث ووقائع كربلاء، إلّا أنّه من المحزن حقّاً أن نُعلن عن فقدان هذا المقتل واندثاره بشكل كامل، بحيث لا ترىٰ له من أثر، والأغرب من ذلك أن لا تجد مَن ينقل عن هذا المقتل بالرغم من بقائه في متناول العلماء ما يزيد علىٰ ثلاثة قرون، كما سنبيِّن من خلال البحث.

والصفحات القليلة التالية هي نتاج ليالٍ وأيام من البحث المستمرّ كنت خلالها أحفر في بطون كتب التاريخ، وأُنقِّب فيما وصَلَنا من نصوص حول الأصبغ ومقتله؛ بغية الوصول إلىٰ بصيص نور في هذا المجال.

وقد أرغمتـنا ندرة الوثائق التاريخيّة ـ المتوفِّرة في هذا الجانب ـ علىٰ التوسُّع قليلاً في التحليل والاستنتاج لترميم وترقيع الكثير من الجوانب المرتبطة بترجمة الأصبغ ومقتله المفقود، لنخرج بصورة مقبولة ومقروءة.

والبحث عن هذا المقتل المفقود ـ من وجهة نظرنا ـ له ثلاثة أهداف علىٰ الأقل:

الهدف الأول: هو الهدف النظري البحت، فالتعرُّف علىٰ صاحب أَوّل عمل تدويني حول واقعة كربلاء، هو مطلب علميّ يستحقّ البحث والدراسة، بغضِّ النظر عمّا سيترتَّب علىٰ هذا المطلب من آثار ميدانيّة وعمليّة، وقد دأب أصحاب التراجم والرجال علىٰ ذكر كلِّ ما يتعلَّق بالمترجَم له من مؤلفات وغيرها؛ ممّا له دور في إبراز شخصيّة صاحب الترجمة علميّاً، وإن لم يكن ذلك الكتاب قد وصل إليهم.

الهدف الثاني: هو تقديم الشكر والعرفان لهذا المؤرِّخ المسلم الإماميّ الذي بذل جهده وقدّم ما عليه في رصد وملاحقة وجمع وتدوين روايات كربلاء، ولكنّ الأقدار قد حالت بينه وبين وصول مقتله إلينا، وهل من الإنصاف أن نتنكّر لريادة هذا الرجل وأسبقيته في هذا الميدان بحجّة أن لا فائدة عمليّة مرجوة من هذا العمل؟!

الهدف الثالث:هو أنّنا نستطيع أن ندّعي أنّ لهذا البحث أثراً عمليّاً؛ فإنّنا نحتمل بأنّ روايات مقتل الأصبغ لم تُهمَل، بل تسلّلت إلىٰ المدونات التاريخيّة من دون الإشارة إلىٰ أنّ مصدرها هو مقتل الأصبغ، خصوصاً وأنّه قد بقي موجوداً في الأوساط لعدّة قرون، وإنّا وإن كنّا لا نستطيع تحديد تلك المدونات ومواضع نقلها من هذا المقتل، إلّا أنّ دَيْدَن العلماء في التأليف هو الاستفادة من مؤلفات السابقين، ولا أقل من أنّ الأصبغ بتأليفه للمقتل قد ألهمَ الآخرين تأليف المقاتل.

ومهما يكن، ينبغي لنا الآن أن نترجم للأصبغ، ثمَّ نحاول أن نسلِّط الضوء علىٰ مقتله.

المبحث الأول

ترجمة الأصبغ

 1 ـ اسمه ونسبه وكنيته

هو (الأصبغ) ـ بـالألف واللام، كما هو شائع علىٰ الألسن، وكما عنونت له الكثير من المصادر([51]). أو (أصبغ) بتعريته منهما، كما هو معنون في مصادر أُخرىٰ([52]) ـ بن نُباتة بن الحارث بن عمرو بن فاتك بن عامر([53]) التميمي الحنظلي الدارمي المُجاشعي، أبو القاسم الكوفي([54]).

والتميمي: بفتح التاء وكسر الميم وسكون الياء وكسر الميم، نسبةً إلىٰ تميم التي تنتسب إليها عدّة من القبائل العربيّة المعروفة، والمنتسب إليها جماعة من الصحابة والتابعين([55])، ولا زالت هذه القبائل موجودة إلىٰ يومنا هذا، بل في بعض الروايات ما يشير إلىٰ بقائها إلىٰ زمان ظهور القائم#،حيث ورد في أحاديث أنّ صاحب راية المهديّ# رجل من تميم يقال له: شعيب بن صالح التميمي([56]).

والحنظلي: بفتح الحاء وسكون النون وفتح الظاء وكسر اللام، نسبة إلىٰ حنظلة بطن من تميم، وهو حنظلة بن مالك بن زيد بن مناة بن تميم([57]).

والدارمي: بفتح الدال وكسر الراء، هذه النسبة إلىٰ بني دارم، وهو دارم بن مالك بن حنظلة([58]).

والمُجاشعي: بضم الميم، وفتح الجيم، وكسر الشين، هذه النسبة إلىٰ بني مُجاشِع، وهو مجاشع بن دارم([59]).

قال صاحب الاشتقاق: «... واشتقاق الأَصبغ من قولهم: فرس أصبغ، والأُنثىٰ صبغاء، وهو الذي طرف ذنبه بياض. والصبغ معروف. وثوب صبيغ ومصبوغ. ونُباتة: فُعالة من النبت»([60]).

كان الأصبغ من خاصّة أمير المؤمنين×، وكان من المعدودين من شرطة الخميس الذين ضمنوا لأمير المؤمنين× الذبح وضمن لهم الفتح، «وكان من ذخائر على ممَّن قد بايعه علىٰ الموت، وكان من فرسان أهل العراق، وكان عليّ× يضن به علىٰ الحرب والقتال»([61]).

2 ـ ولادته ونشأته

الذي يراجع كتب السيرة والتاريخ والتراجم يلاحظ أنّ أكثر المشاهير في التاريخ من علماء وأُدباء وملوك وأُمراء وغيرهم، لا يعرف المؤرِّخون تواريخ مواليدهم، وغاية ما يتمكّنون منه هو تحديد وفياتهم؛ ولذا نجد أنّ هناك عدداً من المؤرِّخين قد ألّفوا كتباً في الوفيات، كوفيات المصريين لأبي إسحاق الْحَبَّال (ت418هـ)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (ت681هـ)، والوافي بالوفيات للصفدي (ت764هـ)، والوفيات لابن رافع السلامي (ت774هـ)، والوفيات لابن قنفذ (ت810هـ)، بينما لا نجد مَن ألّف في المواليد إلّا نادراً كمولد العلماء ووفياتهم للربعي (ت397هـ).

والسبب في ذلك أنّ الرجل من هؤلاء العظماء يُولَد كما يولَد ملايين الأطفال من عامة الناس، فلا تُبادر أُسرته أو مجتمعه إلىٰ تسجيل زمان ولادته، فهم لا يعلمون الغيب كي يتنبَّأوا بأنّ هذا الطفل أو ذاك سيكون له شأن أو منزلة رفيعة في المستقبل.

وقد يلجأ بعض الباحثين في مثل هذه الحالات إلىٰ الاعتماد علىٰ بعض القرائن والمؤشرات العقليّة والتاريخيّة لتخمين فترة زمنيّة معينة وقعت فيها ولادة الشخصية المترجَم لها، كما لو عرفنا تاريخ وفاة والدة المترجَم له، فإن ّولادته ستكون حتماً قبل هذا التاريخ، أو عرفنا تاريخ وفاة والده، فإنّنا سنعلم أنّ ولادته كانت قبل هذا التاريخ أو بعده بأشهُر؛ لاحتمال أن يكون قد توفّي والده بعد الحمل وقبل الولادة، وهكذا.

وفيما يخصّ المترجَم له: فإنّنا لم نعثر علىٰ نصٍّ يحدد لنا زمان ولادته بالدقّة، غير أنّنا نستطيع القول: بأنّ ولادته كانت في حياة النبي|؛ يدلّنا علىٰ ذلك ما رواه ابن عساكر بإسناده إلىٰ الأصبغ بن نباتة أنّه قال: «إنّا لجلوس ذات يوم عند عليّ بن أبي طالب× في خلافة أبي بكر إذ أقبل رجل من حضرموت لم أرَ رجلاً قط أنكر منه ولا أطول...»([62]).

فهذا النصّ يدلّ علىٰ أنّ الأصبغ كان رجلاً أو صبياً مميِّزاً علىٰ أقل تقدير في زمان خلافة أبي بكر، وبما أنّ خلافته لم تمتد لأزيد من سنتين وعدّة أشهُر([63])، فيكون الأصبغ قد أدرك زمان رسول الله|؛ ولذا عنوَن له ابن حجر في الإصابة في ضوء هذا المؤشر([64]).

وممّا يدعم ذلك ما وصفه به نصر بن مزاحم المنقري بعد إحدىٰ مبارزاته في صفِّين، حيث قال: «فرجع الأصبغ وقد خُضّب سيفه دماً ورمحه، وكان شيخاً ناسكاً عابداً»([65]).فإنّ لفظة الشيخ لا تُطلق في اللغة إلّا علىٰ مَن ظهر عليه الشيب، أو تجاوز الـ 50 أو 51 عاماً([66])، وهذا يعني أنّه قد بلغ هذا السنّ أو قاربه أو تجاوزه في وقعة صفِّين التي حصلت سنة 37هـ.

وعلىٰ أيّة حال، فإنّ هذا النصّ الذي أسنده ابن عساكر إلىٰ الأصبغ يرشدنا إلىٰ ملازمته لأمير المؤمنين× ومتابعته له في مرحلة مبكِّرة جدّاً من حياته، قبل تولّيه للخلافة، ممَّا يؤكِّد إخلاص الأصبغ وعمق ولائه لأمير المؤمنين×، وأنّه لم يكن يتحرّك بدافع دنيوي أو سياسي أو مصلحي.

وقد بقي الأصبغ ـ كما تشير النصوص ـ في شرف هذه الصحبة إلىٰ آخر لحظة من لحظات حياة أمير المؤمنين×، فقد انتقل معه إلىٰ العراق، وشهد معه وقعة الجمل وصفِّين([67])، وحينما نزل أمير المؤمنين× في الكوفة واتّخذها عاصمة للدولة الإسلاميّة، استقرّ معه فيها متتلمذاً علىٰ يديه، مقتفياً أثره، مستضيئاً بنور علمه، وفي هذا الصدد نقل عنه أنّه قال: «حفظت من الخطابة كنزاً لا يزيده الإنفاق إلاّ سعة وكثرة، حفظت مائة فصل من مواعظ عليّ بن أبي طالب×»([68]).

 وتشير بعض النصوص إلىٰ انتقال الأصبغ من الكوفة إلىٰ المدائن في الأيام الأخيرة من ولاية سلمان الفارسي عليها([69])، ولا تسعفنا النصوص في تحديد المهمّة التي أُنيطت بالأصبغ في المدائن.

 وعلىٰ أيّة حال، فالذي يظهر من نصوص أُخرىٰ أنّ مكثه في المدائن لم يدم طويلاً؛ إذ وجدناه حاضراً في الكوفة في شهر رمضان من عام 40 هـ، وهو الشهر الذي قُتل فيه أمير المؤمنين×([70])، وقد كان حاضراً في الليلة التي ضُرب فيها أمير المؤمنين× معه في بيته([71]).

ولا تهدينا النصوص إلىٰ معرفة ما آل إليه أمر الأصبغ بعد رحيل أمير المؤمنين×، ولا نعرف شيئاً كثيراً عن طبيعة علاقته بالأئمّة^ من بعده، كما أنّ الأخبار لا تفيدنا بشـيءٍ عن نشاطه في الكوفة بعد غياب أمير المؤمنين× عنها.

والمظنون أنّه قد كرّس جهده وما بقي من عمره في نشـر التشيّع وترويج أُصوله وأُسسه ومفاهيمه من خلال ما سمعه ووعاه من أمير المؤمنين×، نتلمس ذلك ونتحسسه من خلال ما نقله الرواة عنه من أحاديث في العقيدة والفقه والتفسير والأخلاق والعرفان...

والذي نعتقده أنّه لم يهاجر من الكوفة بعد استشهاد أمير المؤمنين×، وإنّما بقي فيها إلىٰ آخر لحظات عمره.

3 ـ مكانته العلميّة وطبقته ومصنَّفاته

 كان الأصبغ رجلاً فاضلاً كما عبّر عنه المفيد في الاختصاص([72])، وهو من الأوصاف التي تُطلَق علىٰ أهل العلم في عُرفِهم، وفي معالم العلماء لابن شهر آشوب: «إنّ أوّل مَن صنّف فيه [يعني في الإسلام]أمير المؤمنين×، ثمَّ سلمان، ثمّ أبو ذرّ، ثم الأصبغ بن نباتة...»([73]).

ويمكن أن نتلمّس الجانب العلمي في شخصيّة الأصبغ من خلال مروياته الكثيرة في فنون العلم: الفقه والتفسير والحكم وغيرها، فقد كان كثير الرواية، متقناً في حديثه، وكان أكثر رواياته عن أمير المؤمنين×، وقد روىٰ عن الصحابة، عن النبي| فضائل عليٍّ×. وله روايات في فضل الشيعة، كما في اختصاص المفيد، وغيره([74]).

أمّا طبقته، فقد عدّه الطوسي في رجاله من أصحاب الإمام أمير بالمؤمنين×، ثمَّ عاد مرّة أُخرىٰ وعدّه من أصحاب الإمام الحسن×([75]).

وقد عدّه ابن حجر من الطبقة الثالثة، المشتملة علىٰ أسماء الطبقة الوسطىٰ من التابعين([76])، بل إنّه احتمل في الإصابة ـ كما ألمحنا ـ أن يكون مُدرِكاً للنبي|، وأن تكون له صحبة.

ووقع الأصبغ في إسناد اثنتين وستّين رواية في الكتب الأربعة عدا ما روىٰ في غيرها، بعنوان (الأصبغ بن نباتة) في إسناد ستّ وخمسين رواية، وبعنوان (الأصبغ) في إسناد خمس روايات، وبعنوان (أصبغ بن نباتة الحنظلي) في إسناد رواية واحدة ([77]).

روىٰ عنه أبو الجارود زياد بن منذر، وأبو حمزة الثمالي، وأبو الصباح الكناني، والحارث بن المغيرة، وخالد النوفلي، وسعد بن طريف، وعبد الحميد الطائي، وعبد الله بن جرير العبدي، وعليّ الحزور، ومحمّد بن داود الغنوي، ومحمّد بن الفرات، ومسمع، والأجلح بن عبد الله الكندي، وثابت بن أسلم البناني، ورزين بياع الأنماط، وسعيد بن مينا، وعليّ بن الحزور، وفطر بن خليفة، ومحمّد بن السائب الكلبي، والوليد بن عبدة الكوفي، ويحيىٰ بن أبي الهيثم العطار وآخرون([78]).

والأصبغ هو مَن روىٰ عهد مالك الأشتر الذي عهده إليه أمير المؤمنين× لمّا ولّاه مصر، وروىٰ ـ أيضاً ـ وصية أمير المؤمنين× إلىٰ ابنه محمّد بن الحنفيّة، كما ذكر ذلك شيخ الطائفة الطوسي في فهرسه، وقال: «أخبرنا بالعهد ابن أبي جيد، عن محمّد بن الحسن، عن الحميري، عن هارون بن مسلم، والحسن بن ظريف جميعاً، عن الحسين بن علوان الكلبي، عن سعد بن طريف، عن الأصبغ بن نباتة، عن أمير المؤمنين×.

وأمّا الوصية، فأخبرنا بها الحسين بن عبيد الله، عن الدوري، عن محمّد بن أحمد بن أبي الثلج، عن جعفر بن محمّد الحسيني، عن عليّ بن عبدك الصوفي، عن الحسن بن ظريف، عن الحسين بن علوان، عن سعد بن طريف، عن الأصبغ بن نباتة المجاشعي، قال كتب أمير المؤمنين× إلىٰ ولده محمّد بن الحنفيّة بوصيته»([79]).

وروىٰ الطوسي عنه أيضاً مقتل الحسين× كما سيأتي عمّا قريب.

وقد روىٰ الأصبغ ـ أيضاً ـ القضايا التي حكم فيها أمير المؤمنين×، وهو برواية إبراهيم بن هاشم القمّي، وتوجد نسخة منه في مكتبة جامعة طهران برقم (3915) وبتاريخ (1064هـ)، ونسخة في تركيـا مكتبـة حميـديّة رقم (1447) من 149 آ ـ 153 آ، وهي بعنوان (أقضية أمير المؤمنين×).

وكانت عند السيِّد محسن الأمين العاملي صاحب أعيان الشيعة نسخة ثمينة من هذا الكتاب، ضمن مجموعة عليها تواريخ سنة (410 و420) باسم (عجائب أحكام أمير المؤمنين× ومسائله)، أدرجها في كتاب ألّفه باسم (عجائب أحكام وقضايا ومسائل أمير المؤمنين×)([80]).

4 ـ مذهبه ومعتقده

 لا ينبغي التوقّف في القول بتشيُّع الأصبغ وموالاته لأهل البيت^، بل لا ينبغي التردّد في كونه من الناشرين لمذهبهم والمروِّجين لفكرهم، ويمكن للقارئ الكريم أن يتأكَّد من ذلك من خلال ما بثّه الأصبغ من روايات تحمل فضائل أهل البيت^ ومناقبهم وفضائل شيعتهم ومحبّيهم.

ونحن نكتفي هنا بإيراد رواية واحدة رواها الصدوق بإسناده إلىٰ الأصبغ بن نباتة أنّه قال: «خرج علينا أمير المؤمنين عليُّ بن أبي طالب× ذات يوم ويده في يد ابنه الحسن×، وهو يقول: خرج علينا رسولُ الله| ذات يوم ويدي في يده هكذا، وهو يقول: خير الخلق بعدي وسيِّدهم أخي هذا، وهو إمام كلّ مسلم، ومولىٰ كلّ مؤمن بعد وفاتي. ألا وإنّي أقول: خير الخلق بعدي وسيِّدهم ابني هذا، وهو إمام كلّ مؤمن، ومولىٰ كلّ مؤمن بعد وفاتي، ألا وإنّه سيُظلَم بعدي كما ظُلمت بعد رسول الله|، وخير الخلق وسيِّدهم بعد الحسن ابني أخوه الحسين المظلوم بعد أخيه، المقتول في أرض كربلاء، أما إنّه وأصحابه من سادة الشهداء يوم القيامة، ومن بعد الحسين تسعة من صلبه، خلفاء في أرضه وحججه علىٰ عباده، وأمناؤه علىٰ وحيه، وأئمّة المسلمين وقادة المؤمنين، وسادة المتّقين، تاسعهم القائم الذىٰ يملأ الله (عزّ وجلّ) به الأرض نوراً بعد ظلمتها، وعدلاً بعد جورها، وعلماً بعد جهلها، والذي بعث أخي محمداً بالنبوّة واختصّني بالإمامة لقد نزل بذلك الوحي من السماء علىٰ لسان الروح الأمين جبرئيل، ولقد سُـئل رسـول الله| ـ وأنا عنده ـ عن الأئمّة بعده، فقال للسائل: والسماء ذات البروج: إنّ عددهم بعدد البروج، وربّ الليالي والأيام والشهور: إنّ عددهم كعدد الشهور. فقال السائل: فمَن هم يا رسول الله؟ فوضع رسول الله| يده علىٰ رأسي، فقال: أوّلهم هذا وآخرهم المهدي، مَن والاهم فقد والاني، ومَن عاداهم فقد عاداني، ومَن أحبّهم فقد أحبّني، ومَن أبغضهم فقد أبغضني، ومَن أنكرهم فقد أنكرني، ومَن عرفهم فقد عرفني، بهم يحفظ الله (عزّ وجلّ) دينه، وبهم يعمر بلاده، وبهم يرزق عباده، وبهم نزل القطر من السماء، وبهم يخرج بركات الأرض هؤلاء أصفيائي وخلفائي وأئمّة المسلمين وموالي المؤمنين»([81]).

والمحتوىٰ العقائدي الذي تحمله هذه الرواية ونظائرها ممّا كان ينشـره الأصبغ بين الناس هو جوهر العقيدة الإماميّة ومحورها؛ ومن هنا عبَّر عنه الرجاليون بألفاظ دالّة علىٰ عمق تشيّعه ورسوخ عقيدته في أهل البيت^، فقد عبَّر عنه النجاشي ـ وهو يوافق قول الطوسي أيضاً ـ بقوله: «كان من خاصّة أمير المؤمنين×»([82])، وقال عنه المفيد: «وكان من شرطة الخميس»([83])، وهذه العبارة لا تُطلق إلّا علىٰ خيار شيعة أمير المؤمنين×، والمقصود بالخميس: الجيش، سُمّي به لأنّه مقسوم إلىٰ خمسة أقسام: المقدّمة، والساقة، والميمنة، والميسرة، والقلب، وهم ستّة آلاف رجل أو خمسة آلاف، وهم أصحاب أمير المؤمنين× الذين قال لهم: «تشـرّطوا فأنا أُشارطكم علىٰ الجنّة، ولست أُشارطكم علىٰ ذهب ولا فضّة»([84]).

روىٰ الكشي، عن محمّد بن مسعود، قال حدَّثني عليّ بن الحسين، عن مروك بن عبيد قال: حدَّثني إبراهيم بن أبي البلاد، عن رجل، عن الأصبغ، قال: قلت له: كيف سُمِّيتم شرطة الخميس يا أصبغ؟ قال: «إنّا ضمنّا له الذبح وضمن لنا الفتح»([85]).

هذا من زاوية أتباع مدرسة أهل البيت^، أمّا من زاوية العامّة فتكاد تتّفق كلمتهم علىٰ تشيُّعه ونسبته إلينا، فهذا ابن قتيبة يعدّه من رجال الشيعة([86])، وقال ابن سعد: «كان شيعيّاً»([87])، وقال ابن حجر: «رُمي بالرفض»([88])، وقال العقيلي: «كوفي كان يقول بالرجعة»([89]). وقال ابن حبان: «وهو ممَّن فُتن بحبِّ عليّ×»([90]). وقال الخركوشي عنه: إنّه من الشيعة المحترقين([91]).

5 ـ وثاقته وعدالته

قلنا ـ فيما تقدّم ـ : إنّ الأصبغ من المعدودين من (شرطة الخميس)، وقد تحدَّثنا عن معنىٰ هذه العبارة وعن دلالتها علىٰ تشيُّع مَن أُطلقت في حقّه، ونريد أنّ نضيف الآن بأنّها قد تـدلّ علىٰ الوثـاقة ـ أيضاً ـ كما صرّح به صاحبُ سـماء المقال بقوله: «ثمّ إنّه لا يخفىٰ أنّها [يعني عبارة شرطة الخميس]تدلّ علىٰ غاية قوّة إيمان مَن ذُكر في حقّه... كما أنّ الظاهر دلالتها علىٰ الوثاقة، كما جرىٰ عليه جمع من الطائفة...»([92]).

ولا كلام في كون الأصبغ من المعدودين من شرطة الخميس، كما نصَّ علىٰ ذلك المفيد، بل نصّت علىٰ ذلك جملة من المصادر من الفريقين([93])، وإنّما الكلام كلّ الكلام في دلالة هذه العبارة علىٰ وثاقة مَن أُطلقت في حقّه، والواقع أنّ العبارة لا تدلّ بذاتها علىٰ التوثيق وإن دلّت علىٰ التشيّع، وإنّما اكتسبت هذه الحمولة، وصارت تدلّ علىٰ التوثيق من خلال الروايات المادحة لـ(شرطة الخميس)، وهي بأجمعها ضعيفة، كما صرّح بذلك السيِّد الخوئي([94]).

ومن هنا؛ لم ينصّ النجاشي والطوسي علىٰ عدالة الأصبغ واكتفيا بالتعبير عنه بأنّه:
 
«من خاصّة أمير المؤمنين×»، وهذا التعبير لا يدلّ ـ عند الدرائيـين ـ علىٰ أكثر من المدح والحسن([95])، ونعته العلّامة الحلّي في الخلاصة بـلفظ (مشكور) بعد ما ذكره في القسم المخصَّص للرواة المعتمد عليهم، وهو من الألفاظ التي تفيد المدح كما في الراشحة الثانية عشـر من الرواشح السماوية([96])، واعتبره صاحب نهاية الدراية من ألفاظ المدح من المرتبة الثانية([97])، ومثله ما وصفه به فائق المقال، حيث قال عنه: «وكان جليل القدر، خيّراً»([98])، وهو من تعابير المدح أيضاً دون التوثيق، وكذا صنع الخوئي؛ إذ وصفه بقوله: «وهو من المتقدِّمين، من سلفنا الصالحين»([99])، وهذه الكلمات لا تدلّ علىٰ غير المدح أيضاً، كما لا يخفىٰ علىٰ مَن تتبّع كتب كلمات الدرائيين ومصطلحاتهم.

ويتلّخص ممّا تقدم: أنّ المستقرّ عليه هو أنّ الرجل من الممدوحين في رجالنا، ولم يصـرِّح أحدٌ منهم بتوثيقه وتعديله، غير أنّ النَفْس غير راضية بما قالوه، ونحن نرىٰ وثاقته ونرجِّح عدالته لوجوه:

الوجه الأول: إنّ الرجل قد تكرّر اسمه في تفسير عليّ بن إبراهيم القمّي (كان حيّاً سنة307هـ)، وهذا الوجه حجّة علىٰ مَن يذهب إلىٰ وثاقة جميع مَن وقع في إسناد هذا التفسير.

الوجه الثاني: ورود اسمه في إسناد كامل الزيارات، فهو أيضاً موثّق عند مَن يرىٰ وثاقة جميع الواقعين في سلسلة الإسناد.

الوجه الثالث: أن نرفض القوالب التي وضعها علماء الدراية في تحديدهم لألفاظ الجرح والتعديل، ونقول: بأنّ عبارة «من خاصّة أمير المؤمنين×» تدلّ علىٰ التوثيق، بل هي من أرفع عبارات التوثيق، ويتّضح ذلك من خلال عرض العبارة علىٰ العرف([100]).

الوجه الرابع([101]): وهو مبني علىٰ مسلك (الاطمئنان) المتاخم للعلم الحاصل من ملاحظة مجموع الأوصاف التي وصفها به علماء الرجال والتاريخ، ومجموع ما قيل عنه وما صدر منه.

فإنّ كلّ مفردة ـ إذا فُصلت عن نظائرها ـ وإن لم تفد الوثوق والاطمئنان النوعي، إلّا أنّها بمجموعها قد تفيد العلم، أو علىٰ الأقل الاطمئنان بوثاقته، بل بما هو فوق الوثاقة، أي: الدرجات العالية منها.

ومن العبارات: قول النجاشي والطوسي: «كان من خاصّة أمير المؤمنين×»، وكذا عبارة «مشكور»، و«كان جليل القدر، خيِّراً»، و«من المتقدِّمين من سلفنا الصالحين...» إلخ، فإذا ضـممنا إلىٰ ذلك وقـوعه في إسـناد كامـل الزيارات، وتفسير عليّ بن إبراهيم ـ وإن لم نقل بوثاقة جميع مَن ورد في إسنادهما علىٰ المبنىٰ فرضاً ـ ثمَّ ضممنا إلىٰ ذلك كلّه ما وصفه به رجاليو العامّة، كقول ابن حبان: «وهو ممَّن فُتِن بحبِّ عليٍّ»([102])، وإذا ضممنا إلىٰ ذلك كلّه أنّ بعض العامّة قد وثّقه كالعجلي، بل وابن عدي، رغم أنّ ذلك علىٰ خلاف القاعدة منهم، وإذا ضممنا إلىٰ ذلك أيضاً ما ذُكر له من الأوصاف والأعمال والمواقف، مثل كونه من شرطة الخميس، وكونه راوياً لمقتل سيِّد الشهداء×، وكونه الراوي لعهد الأشتر عن أمير المؤمنين×، وكونه الراوي لوصيّة أمير المؤمنين× إلىٰ ابنه محمّد بن الحنفية، ومثل مضامين مجموعة من رواياته التي رُويت عنه ورواها كبار علمائنا في موسوعاتهم الروائية، كما في رواية الكـشي عنه خبر المائة وأويس القرني([103])، ورواية أبي الجارود عنه في قوله: «إلّا أنّ سيوفنا علىٰ عواتقنا فمَن أومأ إليه [أي: مَن أومأ إلىٰ أمير المؤمنين×]ضربناه بها»([104])، وكروايته قضية دخول حارث الهمداني علىٰ أمير المؤمنين×، وقوله× له: «يا حار همدان مَن يمت يرني...»([105]).

أقول: إذا ضممنا ذلك كلّه بعضه إلىٰ بعض؛ فالظاهر أنّه يُطمأن ـ دون شكٍّ ـ بوثاقته، وذلك سواء أقلنا: بأنّ (الاطمئنان) الشخصي حجّة، أم قلنا: بأنّ الحجّة هي للاطمئنان النوعي، أي: حصول الوثوق النوعي من المجموع، وإن لم يحصل للشخص نفسه اطمئنان شخصي، فإنّ العقلاء بملاحظتهم مجموع ذلك، يحصل لهم الاطمئنان بوثاقته، فحجّية هذا الظنّ الحاصل من المجموع مستندة إلىٰ بناء العقلاء، كما يمكن إسنادها إلىٰ أنّها نوع استبانة، بل من أظهر مصاديقها ـ والأشياء كلّها علىٰ ذلك حتىٰ تستبين أو تقوم البينة ـ كما تشملها آية النبأ، بلحاظ التعليل فيها([106]).

هذه بعض الوجوه، ولعل المتتبّع يجد وجوهاً أُخرىٰ يُستفاد منها توثيق الأصبغ.

أمّا في رجال العامّة فقد ذهب أكثرُهم إلىٰ ردِّ روايته ونكارة حديثه([107])، ولم يوثِّقه منهم سوىٰ العجلي الذي قال عنه: «كوفي، تابعي، ثقة»([108])، وتوسّط في أمره ابن عدي فاعتبره في نفسه ثقة، وجعل الإنكار من جهة مَن روىٰ عنه، فقال: «وإذا حدّث عن الأصبغ ثقة، فهو عندي لا بأس بروايته، وإنّما الإنكار من جهة مَن روىٰ عنه، لأنّ الراوي عنه لعلّه يكون ضعيفاً»([109]).

وفي الحقيقة إنّك لو فتّشت عن سبب مقنع لتضعيف الأصبغ وجرحه، فلن تجد سوىٰ حبّه لأمير المؤمنين× وعشقه له، ونقله لفضائله ومناقبه، وهذا ما صرّح به ابن حبان جهاراً نهاراً، حيث قال: «وهو ممَّن فُتن بحبِّ عليٍّ، أتىٰ بالطامات في الروايات، فاستحقّ من أجلها الترك»([110]).

فقد بَانَ السبب إذن، فلم يكن الأصبغ تاركاً للصلاة ولا شارباً للخمر ولا زانياً ولا ولا... وإنّما كان ذنبه الوحيد هو افتتانه بحبِّ أمير المؤمنين×، ونقله لما يغيظ ابن حبان ومَن علىٰ شاكلته، «فالصواب ما قاله العجلي، من أنّه ثقة، وأشار إليه ابن عدي بقوله: لا بأس بروايته، وجعل الإنكار من جهة مَن روىٰ عنه، ولا يُلتفت إلىٰ قدح مَن قدح فيه؛ لأنّ الجرح إنّما يُقدَّم علىٰ التعديل إذا لم يكن الجرح مستنداً إلىٰ سببٍ عُلِمَ فساده»([111]).

6 ـ وفاته

نصَّ النجاشي ـ ومن بعده الطوسي ـ علىٰ أنّ الأصبع قد عمَّر بعد أمير المؤمنين×، ولكنّهما لم يحددا لنا سنة وفاته([112]).

ولا يوجد ما نستند إليه في تحديد سنة وفاة الأصبغ عدا أمرين:

أ ـ ذكر الذهبي له في تاريخه في الطبقة الحادية عشرة ـ بحسب تقسيمه للطبقات في هذا الكتاب ـ وقد حصر وفيات هذه الطبقة بين عامي 101- 120هـ([113]).

ب ـ عدّ ابن حجـر له في تقريب التهذيب في الطبقة الثـالثةـكما تقـدَّم ـوقد صرّح في مقدّمة الكتاب أنّ المعدودين في الطبقة الثالثة إلىٰ آخر الثامنة كلّهم من المتوفّين بعد المائة الأُولىٰ للهجرة([114]).

وفي ضوء ذلك ذكر الطهراني: أنّ وفاته كانت بعد عام مائة للهجرة، ذكر ذلك مرّتين: تارة عند ذكره لكتابته عهد أمير المؤمنين× إلىٰ مالك الأشتر([115])، وأُخرىٰ عند ذكره لكتابته وصية أمير المؤمنين× لابنه محمّد بن الحنفيّة([116]).

 


المبحث الثاني

كتاب مقتل الحسين  ×  للأصبغ

الظاهر أنّ الأصبغ بن نباتة هو أول مَن كتب في مقتل الحسين×، وكتابه أسبق كتب المقاتل([117])، بل الظاهر أنّه أوّل مؤرِّخي واقعة الطف علىٰ الإطلاق، فكتابه كان يحوي أقدم مادّة تاريخيّة مسجّلة عن واقعة الطف؛ لأنّه كان معاصراً للواقعة.

وينبغي أن نتحدّث عن هذا المقتل من عدّة نواحي:

الناحية الأُولى:

لعلّ المصدر الوحيد الذي أشار إلىٰ وجود كتاب باسم مقتل الحسين× للأصبغ بن نباتة هو كتاب الفهرست للطوسي (ت460هـ)، فبعد أن ذكر من كتبه عهد أمير المؤمنين× لمالك الأشـتر، ووصيته إلىٰ محمّد بن الحنفية، قال: «وروىٰ الـدوري عنه ـ أيضاً ـ مقتل الحسين بن عليّ×، عن أحمد بن محمّد بن سعيد، عن أحمد بن يوسف الجعفي، عن محمّد ابن يزيد النخعي، عن أحمد بن الحسين، عن أبي الجارود، عن الأصبغ، وذكر الحديث بطوله»([118]).

رجال السند الواقعون بين الشيخ والأصبغ:

والرواة الظاهرون في سند هذا الحديث ستّة رجال: الدوري، أحمد بن محمّد بن سعيد، أحمد بن يوسف الجعفي، محمّد بن يزيد النخعي، أحمد بن الحسين، أبو الجارود. والدوري أقربهم إلىٰ الشيخ، والشيخ لا يروي عنه مباشرة، بل يروي عنه بواسطة شيخه الحسين بن عبيد الله الغضائري، وإنّما لم يصرِّح بالواسطة لوضوحها في ذهن المتتبّع لأسانيد الشيخ، وهذه الطريقة تُسمّىٰ في فنِّ الرجال بـ(التعليق).

وعلىٰ أساس ذلك؛ يكون عدد الرجال الواقعين في السند بين الشيخ والأصبغ سبعة رجال، سنحاول فيما يلي أن نقف علىٰ كلِّ واحد منهم والتعريف به تعريفاً مقتضباً؛ تمهيداً لاستنتاج بعض النتائج التاريخيّة المهمّة التي ترتبط بمقتل الأصبغ.

1ـ الحسين بن عبيد الله بن إبراهيم الغضائري (ت411هـ): هو شيخ النجاشي، وقد ذكره في الرجال قائلاً: «الحسين بن عبيد الله بن إبراهيم الغضائري، أبو عبد الله، شيخنا w»، ثمَّ قال بعد أن ذكر عدداً من كتبه: «أجازنا جميعها وجميع رواياته، عن شيوخه، ومات رحمه الله في نصف صفر سنة إحدىٰ عشرة وأربعمائة»([119]).

أقول: وقد ثبت في محلِّه من علم الرجال وثاقة جميع شيوخ النجاشي([120]).

وهو من مشايخ الطوسي أيضاً، وقد ذكره في رجاله في باب مَن لم يروِ عنهم^، ووصفه بكثير السماع بالرجال، وقال: إنّ له تصانيف ذكرها في الفهرست([121])، ولكن النُّسَخ الموجودة من الفهرست لا تحتوي علىٰ ترجمة للغضائري، وقد احتمل السيد الخوئي سقوطها منها وأنّها كانت موجودة في نسخة الأصل؛ فإنّ جلالة مقام الشيخ تأبىٰ عن أن يُخبر بشيء لا أصل له([122]).

أقول: وما ذهب إليه السيد الخوئي من سقوط ترجمة الغضائري من الفهرست يحلّ لنا إحدىٰ الإشكاليات التي ابتُلينا فيها في الرجال، أعني إشكالية إعراض الأُصول الرجاليّة عن ترجمة عدد كبير من الرواة والشخصيات العلميّة؛ إذ من المحتمل أن تكون قد سقطت تراجمهم من النُّسخ الأصلية للأُصول، كما سقطت ترجمة الغضائري من رجال الشيخ، وفي ضوء هذا الاحتمال لا يكون عدم الترجمة للراوي ـ بالضرورة ـ مساوياً للتقليل من شأنه والحطّ من أهمّيته.

2ـ الدوري: هو أحمد بن عبد الله بن أحمد بن جُلّين الدّوري. أبو بـكر الـورّاق (299ـ 379هـ)، من أهل بغداد([123])، قال فيه النجاشي: «كان من أصحابنا، ثقة في حديثه، مسكوناً إلىٰ روايته، لا نعرف له إلّا كتاباً واحداً، في طرق ردّ الشمس...»([124]).

3ـ أحمد بن محمّـد بن سـعيد: وهو المعروف بـ(ابن عقـدة) (249ـ 233هـ)، وهذا رجل جليل القدر معظَّم عند جميع فرق المسلمين، مشهور بالحفظ، وكان كوفيّاً زيديّاً جارودياً علىٰ ذلك حتّىٰ مات([125]). قال عنه الطوسي في الفهرست: «وأمره في الثقة والجلالة وعِظم الحفظ أشهر مِن أن يُذكر»([126])، وقال النعماني في غيبته: «وهذا الرجل ممَّن لا يُطعن عليه في الثقة، ولا في العِلم بالحديث والرجال الناقلين له»([127]).

4ـ أحمد بن يوسف الجعفي (ت ـ بعد 271هـ)([128]): هو من أهل الكوفة ومن شيوخ ابن عقدة، وقد ذكر النجاشي اسمه ونسبه بشكل مفصَّل في ترجمة (الحسن بن عليّ بن أبي حمزة البطائني)، قال: «وله [يعني للبطائني]كتاب فضائل القرآن أخبرناه أحمد بن محمّد بن هارون عن أحمد بن محمّد بن سعيد، قال حدَّثنا أحمد بن يوسف بن يعقوب بن حمزة بن زياد الجعفي القصباني يُعرف بابن الجلا [الحلا] بعرزم...»([129]).

والعجيب أنّ النجاشي والطوسي لم يعنونا له، مع كثرة ذكر النجاشي له في تراجم الآخرين، وكثرة رواية ابن عقدة عنه وتصريحه بأنّ له (كتاباً وأصلاً) كان يحدِّثه ممَّا فيه([130])؛ ولذا لم يجد الخوئي بُداً من القول([131]) باتّحاده مع أحمد بن يوسف الذي عنون له الطوسي في الفهرست، وقال: «له روايات»([132])، وباتّحاده مع أحمد بن يوسف مولىٰ بني تيم الله الذي ذكره في رجاله في عداد أصحاب الرضا×، وقال عنه: «كوفي كان منزله بالبصـرة، ومات ببغداد، ثقة»([133])، ولا تعارض بين كونه جعفياً وبين ولائه لبني تيم الله، فإنّ منزله كان بالبصرة، فجاز ولاؤه فيها لبني تيم الله، كما ذكر الخوئي([134]).

5ـ محمّد بن يزيد النخعي: لم يعنون له النجاشي، وهو شيخ أحمد بن يوسف وتلميذ أحمد بن الحسين، كما يبدو من هذا السند، وقد روىٰ عن سيف بن عميرة، كما في ترجمة أبان ابن تغلب من رجال النجاشي ([135]).

أمّا الشيخ، فقد ذكر عشرة أشخاص بعنوان (محمّد بن يزيد)، سبعة منهم يمكن تمييز بعضهم عن الآخر، كما يمكن تمييزهم عن المترجَم له؛ وذلك من خلال ملاحظة الصفات والأحوال التي ذكرها في تراجمهم([136])، والثلاثة الباقون وإن كان يمكن تمييز أحدهم عن الآخر بوضوح، إلّا أنّ كلّ واحد منهم إذا قارناه بصاحبنا فإنّنا لا نجد ما يميزه عنه ـ لا علىٰ مستوىٰ المؤشرات اللفظيّة، ولا علىٰ مستوىٰ المؤشرات الخارجيّة ـ وعليه يمكن أن نقول: إنّه مشترك بين هؤلاء الثلاثة، وهم([137]):

الأوّل: محمّد بن يزيد الكوفي من أصحاب الصادق× برقم (391)، لم يوثَّق ولم يضعّف= مهمل.

الثاني: محمّد بن يزيد: من أصحاب الكاظم× برقم (16)، بدون جرح أو تعديل= مهمل.

الثالث: محمّد بن يزيد: من أصـحاب الكاظم×ـ أيضـاً ـ برقم (41)، وقال عنه: مجهول.

وخلاصة الكلام في محمّد بن يزيد النخعي: أنّه مشترك بين مجهول الحال ومهمَلَين.

6ـ أحمد بن الحسين: لا يوجد له ذِكْر في الرجال، بل ليس له ذِكْر في غير هذا الموضع علىٰ الإطلاق، وقال الأبطحي في تهذيب المقال: «وأحمد بن الحسين مشترك بين الضعيف وغيره»([138])، ونحن لا نوافقه علىٰ ذلك، فإنّ الذين يشتركون مع المترجَم له في اسمه واسم أبيه ممَّن عنونت لهم الأُصول الرجاليّة كلّهم معروفون بصفات وأحوال ومؤشرات خارجية، ونستبعد معها احتمال الاتّحاد بين المترجَم له وكلّ واحد منهم، فالصحيح ما ذكرناه: من عدم عنونة المترجَم له في كتب الرجال، ونُخمّن أنه كان زيديّاً جاروديّاً من أتباع أبي الجارود، وقد لا يكون له نشاط علميّ سوىٰ نقله لهذا المقتل؛ ولهذا السبب أعرضوا عن ترجمته.

7ـ أبو الجارود: وهو زياد بن المنذر الهمداني الكوفي، وإليه تُنسب الزيديّة الجاروديّة، قال عنه النجاشي: «كان من أصحاب أبي جعفر وروىٰ عن أبي عبد الله‘، وتغيّر لمّا خرج زيد رضي الله عنه»([139]).

وهذا الذي ذكره النجاشي يؤكِّده الطوسي بقوله فيه: «زياد بن المنذر، أبو الجارود الهمداني، الحوفي الكوفي تابعي زيدي أعمىٰ، إليه تُنسب الجارودية منهم»([140]).

فهنا لا يشير الطوسي إلىٰ إماميّته قبل خروج زيد، ولكنّه يؤكِّد علىٰ ما يؤكِّد عليه النجاشي من اعتناقه لمذهب الزيديّة، ويظهر منهما استمراره علىٰ هذا الحال إلىٰ آخر عمره.

وقد أورد الصدوق روايتين تدلّان دلالة واضحة علىٰ رجوع أبي الجارود إلىٰ مذهب الإماميّة في آخر حياته([141]).

وعلىٰ أيّة حال، فقد اختلفت كلمة القوم في وثاقته، فذكر الكشي أنّ أبا الجارود سُمي سرحوباً، ونُسبت إليه السرحوبية من الزيديّة، سمّاه بذلك أبو جعفر×، وذكر أنّ سرحوباً اسم شيطان أعمىٰ يسكن البحر، وكان أبو الجارود مكفوفاً أعمىٰ، أعمىٰ القلب، ثمَّ أورد عدَّة روايات عن أبي عبد الله× في ذمّه([142]).

وقد ناقش السيد الخوئي في تلك الروايات وأثبت ضعفها([143]).

وأمّا النجاشي والشيخ، فلا يظهر منهما جرح أو تعديل للرجل، وإنّما اكتفيا ببيان مذهبه وطبقته كما مرّ عليك.

وأمّا ابن الغضائري، فمن قوله فيه: «... حديثه في حديث أصحابنا أكثر منه في الزيديّة، وأصحابنا يكرهون ما رواه محمّد بن سنان عنه، ويعتمدون ما رواه محمّد بن بكر الأرجني»([144]).

وهذا يدلّ علىٰ أنّ الرجل ثقة في نفسه، وإنّما حصل التشويش بسبب ما رواه بعض الضعفاء عنه؛ ولذا فإنّ رأينا فيه كرأي المحقق النوري الذي قال فيه: «وأمّا أبو الجارود، فالكلام فيه طويل، والذي يقتضيه النظر بعد التأمّل فيما ورد وفيما قالوا فيه أنّه كان ثقة في النقل، مقبول الرواية، معتمداً في الحديث، إمامياً في أوله وزيديّاً في آخره»([145]).

استنتاجات في ضوء ما تقدّم:

حينما نتأمّل في سلسلة هذا السند نستنتج الأُمور التالية:

1ـ إنّ هذا المقتل قد كُتب في الكوفة، وأملاه الأصبغ فيها، حيث تلقّاه زياد بن المنذر من الأصبغ وهو من أهل الكوفة، ومن الغريب أن لا يروي هذا المقتل عن الأصبغ غير هذا الرجل، لا سيما القاسم بن الأصبغ بن نباتة الذي كان مهتمّاً علىٰ ما يبدو بموضوع روايات كربلاء كما سنُشير.

2ـ من المرجح أنّ هذا المقتل قد بقي محبوساً في الكوفة يتوارثه تلاميذ الأصبغ، فمن أبي الجارود إلىٰ أحمد بن الحسين إلىٰ محمّد بن يزيد النخعي إلىٰ أحمد بن يوسف الجعفي، الذي كان حيّاً عام 271هـ، بمعنىٰ أنّه قد بقي حوالي 170عاماً في الكوفة، أي: أربعة أجيال.

3ـ إنّ الذي نقل هذا المقتل إلىٰ بغداد هو ابن عقدة الذي كان زيديّاً جاروديّاً حتىٰ مات، وهذا ما يجعلنا نرجّح بأنّ الواقعِين في السند بين أبي الجارود وابن عقدة كلّهم من الزيديّة الجاروديّة، ممَّا قد يفسِّر لنا عدم النقل عن هذا المقتل خلال تلك الفترة، فقد كان هذا المقتل محبوساً في الكوفة عند أتباع أبي الجارود، وهؤلاء بدورهم كانوا منشغلِين عن نشـر هذا المقتل بالدفاع عن مذهبهم الذي كان لا يزال فَتيِّاً في تلك الفترة هذا من جانب.

ومن جانب آخر، فإنّ انتماءهم الفكري والمذهبي سيكون مانعاً من الاتّصال بهم لدىٰ الكثير من المؤرِّخين المختلفين معهم في المذهب.

وعلىٰ أيّة حال، فقد انتقل هذا المقتل إلىٰ بغداد قبل عام 333هـ التي هي سنة وفاة ابن عقدة، وقد بقي متداولاً هناك إلىٰ أن وصل إلىٰ يد شيخ الطائفة الطوسي(ت 460هـ).

والسبب واضح في انتقال هذا المقتل إلىٰ بغداد في هذه الفترة بالذات، ففي هذه الفترة وتحديداً عام 320هـ كان مبدأ قيام الدولة البويهيّة الشيعيّة، فكانت لهم السلطة في العراق وبعض بلاد إيران كفارس وكرمان وبلاد الجبل وهمدان وأصفهان والري([146])، وفي هذه الفترة أظهر الشيعة ما كان مدفوناً من تراثهم، واستطاعوا أن يعيدوا الحياة لهذا التراث، وقام العلماء ببذل جهود جبارة في تنظيم ونشـر وترويج فكر أهل البيت^ في تلك الفترة.

الناحية الثانية:

لقد عرفنا الآن بأنّ مقتل الأصبغ قد بقي إلىٰ أيام شيخ الطائفة الطوسي (ت460هـ)، أي: ما يزيد علىٰ ثلاثة قرون، وقد بقي حوالي نصف هذه المدَّة في الكوفة، منحصـراً بين تلاميذ أبي الجارود من الزيديّة، ثمَّ نقله ابن عقدة إلىٰ بغداد في بدايات الحكم البويهي، ثمَّ وصل إلىٰ الدوري، فابن الغضائري، فالطوسي، وربما كانت هناك نسخة من هذا المقتل في المكتبة العامّة التي أنشأها الوزير أبو نصر سابور بن أردشير وزير بهاء الدولة ابن عضد الدولة، وكانت من دُور العلم المهمّة في بغداد بناها هذا الوزير الجليل في محلة بين السورين في الكرخ سنة 381 هـ علىٰ مثال بيت الحكمة الذي بناه هارون الرشيد.

قال ياقوت الحموي: «وبها كانت خزانة الكتب التي أوقفها الوزير أبو نصـر سابور بن أردشير وزير بهاء الدولة بن عضد الدولة، ولم يكن في الدنيا أحسن كتباً منها، كانت كلّها بخطوط الأئمّة المعتبرة وأُصولهم المحررة»([147]).

وعند مجيء طغرل بيك أُحرقت هذه المكتبة العظيمة في جملة ما أُحرق من محال الكرخ، ثمّ توسعت الفتنة فدخلوا دار شيخ الطائفة، فأحرقوا كُتبَه وكرسيَّه الذي كان يجلس عليه للتدريس([148]).

قال ابن الجوزي في حوادث سنة (449ه‍): «وفي صفر هذه السنة كبست دار أبي جعفر الطوسي متكلِّم الشيعة في الكرخ، وأُخذ ما وُجد من دفاتره وكرسي يجلس عليه للكلام، وأُخرج إلىٰ الكرخ وأُضيف إليه ثلاث مجانيق بيض كان الزوار من أهل الكرخ قديماً يحملونها معهم إن قصدوا زيارة الكوفة، فأُحرق الجميع»([149]).

من هنا؛ فنحن نرجِّح أنّ مقتل الأصبغ قد أُتلف فيما أُتلف في الحملة السلجوقيّة التي تسبّبت بتدمير عدد هائل من الأُصول الشيعيّة، وفي مقدِّمتها الأُصول الأربعمائة التي كانت موجودة في هذه المكتبة.

وقد كان الطوسي بعد انتقاله للنجف منهمكاً بإعادة ما يمكن إعادته من هذا التراث التالف، ولا ريب في أنّ الشغل الشاغل له هو التركيز علىٰ الجانب العقدي والفقهي من هذا التراث، وسيكون التركيز علىٰ الجانب التاريخي تركيزاً هامشياً. وممّا يدعم ذلك: أنّ الطوسي نفسه كان له مقتل، كما صرّح بذلك في الفهرست عند ترجمته لنفسه([150])، وقد فُقد هذا المقتل أيضاً، ولعلّه أيضاً ممّا أُتلف في هذه الحملة، إلّا أنّ الوقت لم يكن يسمح للطوسي بإعادة كتابته.

الناحية الثالثة:

ذكر السيِّد محمّد طاهر الياسري الحسيني روايتين عن القاسم بن الأصبغ، روىٰ أحدهما الطبري والأُخرىٰ أبو الفرج، واحتمل كونهما ممَّا نقله القاسم عن مقتل والده([151])، فتكون الروايتان بحسب هذا الاحتمال هما بقيّة هذا المقتل، وسنورد الروايتين، ثمَّ نناقشهما:

الرواية الأُولىٰ: روىٰ الطبري، عن هشام الكلبي بسنده، عن القاسم بن الأصبغ بن نُباتة، قال: «حدَّثني مَن شهد الحسين× في عسكره: أنّ حسيناً حين غُلب علىٰ عسكره ركب المسناة يريد الفرات، قال: فقال رجل من بني أبان بن دارم: ويلكم! حولوا بينه وبين الماء لا تتام إليه شيعته. قال: وضرب فرسه، واتبعه الناس حتىٰ حالوا بينه وبين الفرات، فقال الحسين: اللّهم أظمه، قال: وينتزع الأباني بسهم، فأثبته في حنك الحسين، قال: فانتزع الحسين السهم، ثمَّ بسط كفيه فامتلأت دماً، ثمَّ قال الحسين: اللّهم، إنّي أشكو إليك ما يُفعل بابن بنت نبيك. قال: فوالله، إن مكث الرجل إلّا يسيراً حتىٰ صبَّ الله عليه الظمأ، فجعل لا يروىٰ. قال القاسم بن الأصبغ: لقد رأيتني فيمَن يروح عنه والماء يبرد له فيه السكر وعساس فيها اللبن، وقلال فيها الماء، وإنّه ليقول: ويلكم! اسقوني قتلني الظمأ. فيعطىٰ القلة أو العس كان مُرْوِياً أهل البيت فيشـربه، فإذا نزعه من فيه اضطجع الهنيهة، ثمَّ يقول: ويلكم! اسقوني قتلني الظمأ. قال: فو الله، ما لبث إلّا يسيراً حتىٰ انقد بطنه انقداد بطن البعير»([152]).

الرواية الثانية: روىٰ أبو الفرج عن المدائني، بسنده إلىٰ القاسم بن الأصبغ بن نباتة قال: «رأيت رجلاً من بني أبان بن دارم أسود الوجه، وكنت أعرفه جميلاً، شديد البياض، فقلت له: ما كدت أعرفك. قال: إنّي قتلتُ شابّاً أمرد مع الحسين، بين عينيه أثر السجود، فما نمتُ ليلة منذ قتلته إلّا أتاني، فيأخذ بتلابيبي حتىٰ يأتي جهنم فيدفعني فيها، فأصيح، فما يبقىٰ أحد في الحيّ إلّا سمع صياحي. قال: والمقتول العباس بن عليّ‘»([153]).

والمتأمِّل في سند الروايتين لا يرىٰ وجهاً لما احتمله الحسيني من كون هاتين الروايتين ممّا تبقىٰ من آثار مقتل الأصبغ.

 فرواية الطبري صريحة في كون منبع الرواية هو أحد الرواة الذين كانوا متواجدين في الطف، وظاهر الرواية أنّ القاسم يروي عن هذا الراوي مباشرة، ولا علاقة لأبيه بالموضوع لا من قريب ولا من بعيد.

وأمّا رواية المقاتل، فهي أشدّ صراحة؛ حيث صرّح فيها بأنّ القاسم هو الراوي المباشر لهذا الخبر وأنّه كان شاهد عيان في الحادثة.

نعم، يمكن أن يُقال: إنّ نفس القاسم كان أحد المصادر التي اغترف منها الأصبغ في مقتله؛ وحينئذٍ يتّجه هذا الاحتمال، وهو ما يُسمّىٰ عند الدرائيين بـ(رواية الأكابر عن الأصاغر)([154])، ولكن هذا الكلام هو بمثابة ارتفاع المانع لا بمنزلة المقتضي، أي: إنّه لا مانع من رواية الوالد عن ولده وإن كان ذلك نادراً، ولكن وقوع ذلك وتحقّقه بالفعل يحتاج إلىٰ دليل، وهو مفقود في مورد بحثنا.

ومهما يكن، فإنّ في هاتين الروايتين إشارة إلىٰ اهتمام آل الأصبغ بجمع أخبار كربلاء وملاحقتها من منابعها ومصادرها الأُولىٰ.


 

خاتمة بأهمّ النتائج

النتيجة الأُولىٰ: إنّ الأصبغ بن نباتة هو من كبار محدِّثي الإماميّة في القرن الأوّل وبدايات القرن الثاني، وقد كان له شرف الريادة والمبادرة إلىٰ الكتابة حول وقعة كربلاء.

النتيجة الثانية: إنّ مقتله هو أقدم المقاتل الحسينيّة، وكان يتضمّن أقدم مادّة تاريخيّة حول هذه الوقعة.

النتيجة الثالثة: إنّ هذا المقتل قد بقي إلىٰ منتصف القرن الخامس الهجري، وقد رجّحنا أنّه قد أُتلف في الحملة السلجوقيّة التي قضت علىٰ الدولة البويهيّة.

النتيجة الرابعة: إنّنا لم نعثر علىٰ منقولات من هذا المقتل في المدوّنات التاريخيّة التي تأخّرت عنه؛ ممّا يعني أنّ هذا المقتل قد ضاع من بين أيدينا بشكل نهائي.

الفصل الثاني: مقتل جابر بن يزيد الجعفي الكوفي

الفصل الثاني

مقتل جابر بن يزيد الجعفي الكوفي (... ــ 128هـ)

 

تقديم

كان جابر بن يزيد الجعفي من المعاصرين للإمام السجّاد والباقر والصادق^ كما يبدو من مروياته، ولكنّه كان مختصّاً بالإمام الباقر× وقد أكثر الرواية عنه، وتوفّي في أيام الإمام الصادق×.

ويُعَدّ الجعفي من الشخصيات العلميّة البارزة في الربع الأوّل من القرن الثاني الهجري، وقد أثارت شخصيته وكتبه ومروياته جدلاً واسعاً بين العلماء، فرفعه قوم إلىٰ مصاف سلمان الفارسي وأبي ذرّ الغفاري، ورماه البعض بالاختلاط والجنون.

ويعتبر الجعفي من أوائل مَن تصدّىٰ إلىٰ حفظ وتسجيل النصِّ الكربلائي، ولم يسبقه في هذا المضـمار سوىٰ الأصبغ بن نباتة التميمي (توفّي بعد101هـ)، ولكـن ـ مع الأسف الشديد ـ أنّ كتابه في المقتل لم يصل إلينا، وقد طالته يد التلف والضياع كما طالت غيره من أُصول المقاتل، ولم تُبقِ لنا الأيام من هذا المقتل سوىٰ روايات عثرنا عليها في بطون المدونات التاريخيّة، وأغلب الظنّ أنّها كانت ممَّا كان قد أودعه الجعفي في مقتله.

وسننطلق أوّلاً للحديث عن ترجمة جابر بن يزيد الجعفي، ثمَّ نتّجه للحديث عن كتابه في مقتل الحسين×.

المبحث الأول

ترجمة جابر بن يزيد الجعفي

1 ـ اسمه وكنيته ونسبه وأولاده

قال النجاشي: «جابر بن يزيد أبو عبد الله، وقيل: أبو محمّد الجعفي، عربي قديم، نسبه: ابن الحارث بن عبد يغوث بن كعب بن الحارث بن معاوية بن وائل بن مرار بن جعفي»([155]).

وجعفي علىٰ وزن كرسي أبو قبيلة من القحطانية، والنسبة إليه كذلك، وهم بطن من سعد العشيرة، وهو جعفي بن سعد العشيرة بن مالك بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب([156]).

قال ابن دريد: «واشتقاق جعفي من قوله: جعفت الشيء أجعفه جعفاً. إذا اقتلعته من أصله. وضربه حتىٰ انجعف، أي: انصرع»([157]).

وقد أنجبت قبيلة جعفي العديد من الرواة والمحدِّثين الذين كانوا من أصحاب الأئمّة^، وروّاد مجالسهم، وأكثرهم من سكان الكوفة، وممَّن صحب الإمامين الباقر والصادق÷، فمنهم: بشر بن جعفر الجعفي أبو الوليد، وسالم الجعفي، ويزيد بن عبد الملك الجعفي، وجميعهم من أصحاب الإمام الباقر×.

وأحمد بن معاذ الجعفي الكوفي، وأيوب بن مهاجر الجعفي الكوفي، وأشعر بن الحسن الجعفي الكوفي، وبكر بن عبد الله الجعفي الكوفي، وجميعهم من أصحاب الصادق×([158]).

2 ـ ولادته ونشأته

وُلِد جابر ونشأ وتعلّم في الكوفة، ولكن ليس في أيدينا ما نقطع معه بإعطاء تاريخ دقيق لمولده، وإن كنّا نقدّر ـ كما قدر السيِّد محمّد عليّ الأبطحي ـ أنّ ولادته كانت حوالي سنة 50هـ، وهو ما جمع الأبطحي لإثباته العديد من الشواهد والقرائن، قال في تهذيب المقال: «لم أقف علىٰ ذكر لتاريخ مولد جابر الجعفي في كلام أصحابنا وغيرهم، إلّا أنّه يمكن [أن] تعرف عصر مولده ممّا اتّفق عليه الأكثرون، من أنّه مات سنة ثمان وعشرين ومائة، وأيضاً من كونه شيخاً كبير السن حين مات، وهو في العادة ابن ثمانين أو قبله أو بعده بقليل. ومن أنّه روىٰ عن غير واحد من الصحابة وأكابر التابعين، كما سيأتي ذكرهم. ومن كونه تابعياً، كما صرَّح به الشيخ في أصحاب الصادق× بقوله: (تابعي أُسند عنه)، وقد عدّ جماعة من نظرائه من أصحاب الصادق× من التابعين، مثل: أبي حمزة الثمالي، وإسماعيل بن عبد الرحمان الكوفي، وعبد الله بن الحسن بن الحسن بن عليّ‘، وغيرهم كما في مناقب ابن شهر آشوب في أصحابه× من التابعين. وغير ذلك من الشواهد... وعلىٰ هذا؛ فهو علىٰ الظاهر من مواليد سنة خمسين أو قُبيل ذلك أو بُعيدها»([159]).

والمعروف أنّ الجعفي لم يمكث طوال حياته في الكوفة، بل طوىٰ 18عاماً في خدمة الإمام الباقر× في المدينة المنوّرة؛ ولذا كانت أكثر أحاديثه عن هذا الإمام×، وقد كان من خواصّه وحملة علومه وأسراره.

وروىٰ الطوسي في أماليه بسنده، عن جابر بن يزيد الجعفي، قال: «خدمت سيِّدنا الإمام أبا جعفر محمّد بن عليّ‘ ثماني عشرة سنة، فلمّا أردت الخروج ودّعته، وقلت: أفِدْني. فقال: بعد ثماني عشرة سنة يا جابر؟! قلتُ: نعم، إنّكم بحر لا ينزف ولا يبلغ قعره. فقال: يا جابر، بلِّغ شيعتي عنّي السلام، وأعلمهم أنّه لا قرابة بيننا وبين الله (عزّ وجلّ)، ولا يُتقرب إليه إلّا بالطاعة له.

يا جابر، مَن أطاع الله وأحبَّنا فهو ولينا، ومَن عصىٰ الله لم ينفعه حبّنا. يا جابر، مَن هذا الذي يسأل الله فلم يُعطه، أو توكل عليه فلم يكفه، أو وثق به فلم يُنجه.

يا جابر، أنزل الدنيا منك كمنزلٍ نزلته تريد التحويل عنه، وهل الدنيا إلّا دابة ركبتها في منامك فاستيقظت وأنت علىٰ فراشك غير راكب ولا آخذ بعنانها، أو كثوب لبسته أو كجارية وطأتها.

يا جابر، الدنيا عند ذوي الألباب كفيء الظلال، لا إله إلّا الله إعزاز لأهل دعوته، الصلاة تثبيت للإخلاص وتنزيه عن الكبر، والزكاة تزيد في الرزق، والصيام والحجّ تسكين القلوب، القصاص والحدود حقن الدماء، وحبُّنا أهل البيت نظام الدين، وجعلنا الله وإياكم من الذين يخشون ربّهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون»([160]).

وحيث إنّنا نعلم أنّ فترة تولّي الإمام الباقر× لشؤون الإمامة الفعلية تمتدّ بين عامي95ـ 114هـ، أي: قرابة الــ (19) عاماً، فيمكن القول: إنّ جابر قد لازم الإمام الباقر× طيلة فترة إمامته ما عدا عام واحد، ولنا أن نقدِّر حينئذٍ أنّ انتقال جابر من الكوفة إلىٰ المدينة المنوّرة كان في بين عامي 95ـ 96هـ، وأنّ عودته إلىٰ الكوفة مرّة أُخرىٰ كانت بين عامي 113ـ 114هـ.

نعم، يمكن أن يُقال: إنّ مبدأ خدمة جابر للإمام الباقر× كانت قبل تولّيه شؤون الإمامة الفعليّة، أي: في عهد والده الإمام السجاد×، وهذا ما قد تشير إليه قصّة الخيط التي رواها جابر عن الإمامين السجاد والباقر÷، حيثُ تبدو من القصّة ملازمة جابر للإمام الباقر× منذ ذلك الحين([161]).

نعم روىٰ الكشي بإسناده عن جابر، قال: «دخلت علىٰ أبي جعفر× وأنا شابٌّ، فقال: مَن أنت؟ قلت: من أهل الكوفة. قال ممَّن؟ قلت: من جعفي. قال: ما أقدمك إلىٰ هيهنا؟ قلت: طلب العلم. قال: ممَّن؟ قلت: منك. قال: فإذا سألك أحد من أين أنت؟ فقل: من أهل المدينة. قال، قلت: أسألك قبل كلّ شيء عن هذا، أيحلّ لي أن أكذب؟ قال: ليس هذا بكذب، مَن كان في مدينة فهو من أهلها حتىٰ يخرج. قال: ودفع إليّ كتاباً وقال لي: إن أنت حدَّثت به حتىٰ تهلك بنو أُميّة فعليك لعنتي ولعنة آبائي، وإذا أنت كتمت منه شيئاً بعد هلاك بني أُميّة فعليك لعنتي ولعنة آبائي. ثمَّ دفع إليّ كتاباً آخر، ثمَّ قال: وهاك هذا فإن حدَّثت بشيء منه أبداً فعليك لعنتي ولعنة آبائي»([162]).

فإنّ ظاهر هذه الرواية ـ لو صحّت ـ يدلّ علىٰ أنّ قدوم جابر علىٰ أبي جعفر×، كان في أيام إمامته الفعليّة، يعني بعد عام 195هـ، مع أنّ جابر يصف نفسه بـ (الشابّ)، وهذا ما لا ينسجم مع القول بولادته حدود سنة 50هـ، فإنّ المفروض أن يكون عمره وقتئذٍ قد تجاوز الـ (45) عاماً علىٰ أقلّ تقدير.

 وعلىٰ أيّة حال، فإنّ جابر لم ينقطع عن المدينة المنورة بعد رحيل الإمام الباقر×، بل جعل يتردّد عليها، ويتزوّد من الإمام الصادق×، كما تشهد بذلك رواياته التي يرويها عن الإمام الصادق× بلا واسطة([163]).

3 ـ مكانته العلمية وطبقته ومصنفاته

يُعتبر جابر بن يزيد الجعفي من علماء أصحاب الأئمّة الذين ساهموا بنشـر وترويج مذهب أهل البيت^، وقد عدّه الشيخ المفيد من الفقهاء، والأعلام الرؤساء، المأخوذ عنهم الحلال والحرام، والفُتيا والأحكام، ومن أصحاب الأُصول المدوَّنة والمصنَّفات المشهورة([164]).

ووصفه الذهبي في ميزان الاعتدال بكونه أحد علماء الشيعة([165])، وفي تاريخ الإسلام بأحد أوعية العلم([166]).

وقال عنه الزركلي: «تابعي، من فقهاء الشيعة... وكان واسع الرواية غزير العلم بالدين»([167]).

أمّا طبقته: فقد قال النجاشي: «لقي أبا جعفر وأبا عبد الله‘ ومات في أيامه»([168])، وعدّه الشيخ الطوسي أوّلاً: في أصحاب الإمام الباقر×([169])، ثمَّ رجع ثانياً: وعدَّه في أصحاب الإمام الصادق×([170]).

بل عدّه بعض الرجاليين في أصحاب الإمام زين العابدين×، استناداً إلىٰ بعض الروايات التي رواها جابر عنه×([171]).

وعدّه ابن حجر في الطبقة الخامسة([172])، وقد روىٰ عن: الحارث بن مسلم، وخيثمة بن أبي خيثمة البصري، وزيد العمي، وسالم بن عبد الله بن عمر، وطاووس بن كيسان، وعامر بن شراحيل الشعبي، وأبي الطفيل عامر بن واثلة الليثي الصحابي، وأبي حريز عبد الله بن الحسين قاضي سجستان، وعبد الله بن نجي، وعبد الله بن عبد الرحمان بن الأسود ابن يزيد، وعطاء بن أبي رباح، وعكرمة مولىٰ ابن عباس، وعمار الدهني، والقاسم بن عبد الرحمان بن عبد الله بن مسعود، وغيرهم.

وروىٰ عنه: إسرائيل بن يونس، وحسان بن إبراهيم الكرماني، والحسن بن صالح بن حي، وحفص بن عمر البرجمي الأزرق، وزهير بن معاوية، وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، وسلام بن أبي مطيع، وشريك بن عبد الله، وشعبة بن الحجاج، وشيبان بن عبد الرحمان، وعبد الرحمان بن عبد الله المسعودي، وقيس بن الربيع، وأبو حمزة محمّد بن ميمون السكري، ومسعر بن كدام، وغيرهم([173]).

أمّا مصنفاته: فقد ذكرها الطوسي في الفهرست([174])، والنجاشي في الرجال([175])، وابن شهر آشوب في المعالم([176])، وتبلغ قائمة كتبه عشرة كتب هي:

1 ـ أصل جابر الجعفي (ذكره الطوسي وابن شهر آشوب).

2 ـ التفسير (ذكره الطوسي والنجاشي وابن شهر آشوب).

3 ـ النوادر (ذكره النجاشي).

4 ـ الفضائل (ذكره النجاشي).

5 ـ الجَمَل (ذكره النجاشي).

6 ـ صفِّين (ذكره النجاشي).

7 ـ النهروان (ذكره النجاشي).

8 ـ مقتل أمير المؤمنين× (ذكره النجاشي).

9 ـ مقتل الحسين× (ذكره النجاشي).

10ـ رسالة أبي جعفر× إلىٰ أهل البصـرة (ذكرها النجاشي، وقال: وتضاف إليه رسالة...).

4 ـ مذهبه ومعتقده

لسنا بحاجة إلىٰ إثبات تشيُّع جابر بن يزيد الجعفي واختصاصه بالمذهب الإمامي، فإنّ هذا الأمر من المسلَّمات التي لم يناقش فيها أحد، بل لسنا بحاجة إلىٰ إثبات كونه من خواص الأئمّة وبطانتهم وحملة علومهم وأسرارهم، وقد ذكرنا سابقاً أنّه كان بوّاب الإمام الباقر× لمدّة 18 عاماً.

وقد روىٰ الشيخ المفيد بإسناد صحيح، عن الصدوق، عن محمّد بن موسىٰ بن المتوكِّل، عن عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسىٰ بن عبيد، عن أبي أحمد الأزدي، عن عبد الله بن الفضل الهاشمي، قال: كنت عند الصادق جعفر بن محمّد÷ إذ دخل المفضل بن عمر، فلمّا بصر به ضحك إليه، ثمَّ قال: «إليّ يا مفضل» ـ إلىٰ أن قال: ـ فقال: «يا بن رسول الله، فما منزلة جابر بن يزيد منكم؟ فقال×: منزلة سلمان من رسول الله|»([177]).

وقد عدّه في الرسالة العددية ـ كما مرّ ـ من الأعلام الرؤساء، المأخوذ عنهم الحلال والحرام، والفتيا والأحكام، وعدّه في الاختصاص ممَّن اعتبرهم أصحاب محمّد بن عليّ الباقر×، وهم: جابر بن يزيد الجعفي، حمران بن أعين، وزرارة، وعامر بن عبد الله بن جذاعة، حجر بن زائدة، عبد الله بن شريك العامري، فضيل بن يسار البصـري، سلام بن المستنير، بريد بن معاوية العجلي، الحكم بن أبي نعيم([178]).

وقد صرّح الكثير من علماء العامّة بنسبته إلىٰ التشيُّع أو الرفض، فقال الذهبي: «جابر ابن يزيد... بن الحارث الجعفي الكوفي أحد علماء الشيعة»([179])، وقال عنه أيضاً: «جابر بن يزيد الجعفي الكوفي...أحد أوعية العلم علىٰ ضعفه ورفضه»([180])، وقال ابن حجر: «... رافضـي من الخامسة»([181])، وقال الزركلي: «جابر بن يزيد بن الحارث الجعفي... من فقهاء الشيعة»([182])، وقال عمر كحالة: «جابر بن يزيد... الجعفي، الكوفي، الشيعي...»([183]).

5 ـ وثاقته وعدالته

اختلف القدماء في وثاقة جابر وعدالته اختلافاً كبيراً، فقد عدّه الشيخ المفيد من فقهاء أصحاب الأئمّة، والأعلام الرؤساء المأخوذ عنهم الحلال والحرام، والفتيا والأحكام، الذين لا يُطعن عليهم، ولا طريق إلىٰ ذمّ واحد منهم، وهم أصحاب الأُصول المدوَّنة، والمصنَّفات المشهورة([184]).

وأمّا ابن الغضائري، فقال: «إنّ جابر بن يزيد الجعفي الكوفي ثقة في نفسه، ولكن جُلَّ مَن روىٰ عنه ضعيف، فمَن أكثر عنه من الضعفاء: عمرو بن شمر الجعفي، ومفضل بن صالح، والسكوني، ومنخل بن جميل الأسدي، وأرىٰ الترك لما روىٰ هؤلاء عنه، والوقف في الباقي إلّا ما خرج شاهداً»([185]).

وأمّا النجاشي، فقد بالغ في تضعيفه، فقال: «...وكان في نفسه مختلطاً، وكان شيخنا أبو عبد الله محمّد بن محمّد بن النعمان رحمه الله ينشدنا أشعاراً كثيرة في معناه تدلّ علىٰ الاختلاط، ليس هذا موضعاً لذكرها»([186]).

والحقّ أنّ جابر من أصحاب الأئمّة^ الذين لا يُطعن عليهم، ولا طريق إلىٰ ذمّ واحد منهم، كما قال الشيخ المفيد، وكان ثقة في نفسه كما قال ابن الغضائري، وأمّا رمي النجاشي له بالاختلاط فيمكن مناقشته من عدّة وجوه:

1ـ إنّنا لا نعرف المعطيات والمؤشرات التي وقف عليها النجاشي، وحكم من أجلها باختلاط جابر، فلعلّه قد وقف علىٰ بعض الآراء المنسوبة لجابر، والتي كانت تُعدّ غلواً وارتفاعاً من منظور النجاشي، ومن المعلوم أنّ القدماء لم يتّفقوا فيما بينهم علىٰ ضابطة موحدة في مسألة الغلو والتقصير، فما كان غلواً وارتفاعاً في منظور القمّيين لم يكن كذلك في منظور البغداديين.

يقول المامقاني: «قد نبّهنا غير مرّة علىٰ أنّ رمي القدماء ـ سيما القمّيين منهم ـ الرجل بالغلو لا يُعتنىٰ به؛ لأنّ الاعتقاد بجملة ممّا هو الآن من ضروريات المذهب كان معدوداً عندهم من الغلو، ألا ترىٰ عدَّهم نفي السهو عن النبي| والأئمّة× غلوّاً، مع أنّ مَن لم ينفِ السهو عنهم اليوم لا يعدّ مؤمناً، ولقد أجاد الفاضل الحائري حيث قال: رمي القمّيين بالغلو، وإخراجهم من قمّ لا يدلّ علىٰ ضعفٍ أصلاً، فإنّ أجلّ علمائنا وأوثقهم غالٍ علىٰ زعمهم، ولو وجدوه في قم لأخرجوه منها لا محالة»([187]).

2ـ يمكن أن يكون اختلاط جابر ممّا أشاعه عليه المخالفون من أجل إسقاطه من عيون الناس وإبعادهم عنه، فقد روىٰ الكشي بسنده عن عبد الحميد بن أبي العلا، قال: «دخلت المسجد حين قُتل الوليد، فإذا الناس مجتمعون، قال: فأتيتهم فإذا جابر الجعفي عليه عمامة خزٍّ حمراء، وإذا هو يقول: حدَّثني وصي الأوصياء ووارث علم الأنبياء محمّد بن علّي×. قال: فقال الناس: جُنَّ جابر، جُنَّ جابر»([188]).

وقد روىٰ لنا العقيلي عن الحميدي ما يكشف لنا مَن هم هؤلاء الناس الذين رموا جابر بالجنون، قال الحميـدي: «سـمعت ابن أكثم الخراسـاني قال لسـفيان: أرأيت ـ يا أبا محمّد ـ الذين عابوا علىٰ جابر الجعفي قوله: حدَّثني وصىٰ الأوصياء؟ فقال سفيان: هذا أهونه»([189]).

3 ـ كما يمكن أن يكون رمي جابر بالاختلاط أو الجنون، كان بسبب تظاهره بذلك في فترة من الفترات بأمر من الإمام الباقر× للحفاظ عليه من السيف، فقد روىٰ الشيخ المفيد بسنده، عن النعمان بن بشير، قال: «زاملت جابر بن يزيد الجعفي إلىٰ الحجّ، فلمّا خرجنا إلىٰ المدينة ذهب إلىٰ أبي جعفر الباقر‘، فودعه ثمَّ خرجنا، فما زلنا حتىٰ نزلنا الأخيرجة، فلمّا صلَّينا الأُولىٰ ورحلنا واستوينا في المحمل إذا دخل رجل طوال آدم شديد الأدمة، ومعه كتاب طينه رطب من محمّد بن عليّ الباقر‘ إلىٰ جابر بن يزيد الجعفي، فتناوله جابر وأخذه وقبّله، ثمّ قال: متىٰ عهدك بسيِّدي؟ قبل الصلاة أو بعد الصلاة؟ قال: بعد الصلاة الساعة. قال: ففكّ الكتاب وأقبل يقرأه ويقطب وجهه، فما ضحك ولا تبسّم حتىٰ وافينا الكوفة، وقد كان قبل ذلك يضحك ويتبسّم ويحدِّث، فلمّا نزلنا الكوفة دخل البيت فأبطأ ساعة، ثمَّ خرج علينا قد علق الكتاب في عنقه وركب القصب، ودار في أزقة الكوفة، وهو يقول: منصور بن جمهور أمير غير مأمور. ونحو هذا من الكلام، وأقبل يدور في أزقة الكوفة والناس يقولون: جُنَّ جابر، جُنَّ جابر. فلمّا كان بعد ثلاثة أيام ورد كتاب هشام بن عبد الملك علىٰ يوسف بن عثمان بأن اُنظر رجلاً من جعف يقال له: جابر ابن يزيد، فاضرب عنقه، وابعث إليّ برأسه. فلمّا قرأ يوسف بن عثمان الكتاب التفت إلىٰ جلسائه، فقال: مَن جابر بن يزيد؟ فقد أتاني من أمير المؤمنين يأمرني بضرب عنقه وأن أبعث إليه برأسه؟ فقالوا: أصلح الله الأمير، هذا رجل علّامة صاحب حديث وورع وزهد وأنّه جُنَّ وخولط في عقله، وها هو ذا في رحبة يلعب مع الصبيان. فكتب إلىٰ هشام بن عبد الملك: أنّك كتبت إليّ في أمر هذا الرجل الجعفي وأنّه جُنَّ! فكتب إليه دعه. قال: فما مضت الأيام حتىٰ جاء منصور بن جمهور فقتل يوسف بن عثمان، فصنع ما صنع»([190]).

هذا بحسب رجالنا، أمّا العامّة، فقد اختلفوا فيه أيضاً، فوثقه جماعة، وضعفه جماعة، وهم الأكثر.

 قال سفيان الثوري: إذا قال جابر: حدَّثنا، وأخبرنا، فذاك. وكان يقول أيضاً: كان جابر ورعاً في الحديث، ما رأيت أورع في الحديث منه.

وقال شعبة: جابر صدوق في الحديث، وقال أيضاً: كان جابر إذا قال: حدَّثنا، وسمعت، فهو من أوثق الناس.

وقال زهيـر بن معاويـة: كان إذا قال ـ يعني جابر ـ : سـمعت، أو سألت، فهو من أصدق الناس.

وكان وكيع يقول: مهما شككتم في شيء، فلا تشكّوا في أنّ جابراً ثقة.

وقال يحيىٰ بن معين: لم يدع جابراً ممَّن رآه إلّا زائدة، وكان جابر كذّاباً. وقال في موضع آخر: لا يُكتب حديثه، ولا كرامة.

وقال يحيىٰ بن سعيد: تركنا حديث جابر، قبل أن يقدم علينا الثوري.

وقال زائدة: أمّا جابر الجعفي، فكان ـ والله ـ كذّاباً يؤمن بالرجعة.

وقال أبو حنيفة: ما لقيت فيمَن لقيت أكذب من جابر الجعفي، ما أتيته بشيء من رأيي إلّا جاءني فيه أثر، وزعم أنّ عنده ثلاثين ألف حديث، عن رسول الله|، لم يظهرها.

وقال: عبد الرحمان بن مهدي، يقول: ألا تعجبون من سفيان بن عيينة؟ لقد تركت جابراً الجعفي لقوله لما حكىٰ عنه أكثر من ألف حديث، ثمَّ هو يحدِّث عنه.

وقال النسائي: متروك الحديث. وقال في موضع آخر: ليس بثقة، ولا يُكتب حديثه([191]).

ومن الملاحظ علىٰ أقوال الجارحين أنّهم قد تركوا روايته لأحد سببين:

السبب الأول: كثرة أحاديثه، ونحن نظنّ أنّ أكثر هذه الأحاديث ممَّا رواه عن الإمام الباقر×، وهو أمر طبيعي بالنسبة لمَن قضىٰ 18عاماً من عمره في خدمة الإمام الباقر×، ولكنّنا نعتقد أنّ مشكلة القوم لم تكن مع جابر، بل مع أستاذ جابر، أعني به: الإمام الباقر×، فإنّهم يعتقدون أنّ كلّ ما رواه الإمام الباقر× ولم يسنده فهو من المراسيل ظاهراً وواقعاً؛ وبالتالي، فإنّ روايات جابر أو غيره عن الإمام الباقر× عن النبي| تُعدّ من المراسيل في نظرهم ما لم تُبيَّن الواسطة بين الإمام الباقر× والنبي|.

قال الذهبي ـ في ترجمة الإمام الباقر× من سـير أعلام النبـلاء ـ : «روىٰ عـن جدَّيه: النبي(صلى الله عليه وسلم) وعليّ (رضي الله عنه) مرسلاً، وعن جدَّيه: الحسن والحسين مرسلاً أيضاً»([192]).

ونحن نعتقد أنّ أحاديث الإمام الباقر× عن جدِّه رسول الله| كلّها مأخوذة عن طريق آبائه المعصومين^، سواء صرح الإمام× بإسناده أو لا.

فقد روىٰ الشيخ المفيد في أماليه بسنده عن جابر، أنّه قال: «قلتّ لأبي جعفر محمّد بن علي الباقر‘: إذا حدَّثتني بحديث فأسنده لي. فقال: حدَّثني أبي، عن جدِّي، عن رسول الله|، عن جبرئيل×، عن الله (عزّ وجلّ)، وكلّ ما أحدِّثك بهذا الإسناد»([193]).

السبب الثاني: اعتراضهم علىٰ بعض المفاهيم التي كانت تحملها بعض تلك الأحاديث، وهذا ما صرّح به المزي بعد نقله لتلك الأقوال، حيث قال: «وقد احتمله الناس، ورووا عنه، وعامّة ما قذفوه به: أنّه كان يؤمن بالرجعة...»([194]).

6 ـ وفاته

توفّي جابر ـ علىٰ ما ذكر النجاشي ـ عام 128هـ في حياة الإمام الصادق×([195])، وهذا هو المشهور المنصور، فقد قال به محمّد بن سعد صاحب الطبقات (ت230هـ) عن الفضل بن دكين([196])، ولعلّه أقدم مَن نقل ذلك، وأحمد بن حنبل (ت241هـ) كما في رجال الطوسي([197])، وإسماعيل بن إبراهيم البخاري (ت256هـ) عن أبي نعيم([198])، ومحمّد بن عبد الله بن أحمد بن سليمان بن زبر الربعي(ت397هـ)([199])، وأبي الحجاج يوسف المزي (ت742هـ)، عن أبي موسىٰ محمّد بن المثنىٰ([200])، وغيرهم.

وقيل: مات جابر سنة 127هـ، وقيل: سنة132هـ ([201])، وقيل سنة 167هـ ([202]).


المبحث الثاني

مقتل الحسين× لجابر بن يزيد الجعفي

وصلنا للكلام حول مقتل الحسين× لجابر بن يزيد الجعفي، وهو ما سنوزعه ضمن ثلاث جهات:

الجهة الأُولى: بقاء هذا المقتل إلى منتصف القرن الخامس الهجري

إنّ كتاب مقتل الحسين× لجابر بن يزيد الجعفي، من الكتب المفقودة في زماننا شأنه شأن سائر كتبه، ولعلّ أقدم مَن نصَّ علىٰ وجود هذا الكتاب، هو الرجالي الكبير أبو العباس النجاشي (ت450هـ)، قال: «...وكتاب الجَمَل، وكتاب صفِّين، وكتاب النهروان، وكتاب مقتل أمير المؤمنين×، وكتاب مقتل الحسين×. روىٰ هذه الكتب الحسين بن الحصين العمّي، قال: حدَّثنا أحمد بن إبراهيم بن معلىٰ، قال: حدَّثنا محمّد بن زكريا الغلابي وأخبرنا ابن نوح، عن عبد الجبار بن شيران الساكن نهر خطىٰ، عن محمّد بن زكريا الغلابي، عن جعفر بن محمّد بن عمّار، عن أبيه، عن عمرو بن شمر، عن جابر بهذه الكتب».

والملاحظ: أنّ النجاشي له طريقان إلىٰ هذا المقتل، كلاهما ينتهي بمحمّد بن زكريا الغلابي (ت298هـ)، الذي يروي هذا المقتل عن جابر بن يزيد الجعفي بثلاث وسائط.

فالغلابي من الرواة الأساسيـين لهذا المقتـل: وهو مولىٰ بني غلاب ـ بالغين المفتوحة واللام المفتوحة المخففة ـ وبنو غلاب قبيلة بالبصرة من بني نصـر بن معاوية، وكان هذا الرجل وجهاً من وجوه الإماميّة بالبصرة في القرن الثالث الهجري، وكان مؤرِّخاً كبيراً صنَّف العديد من الكتب، منها: كتاب مقتل الحسين×([203])، وهو أيضاً مفقود في هذا الزمان.

ويبدو لي ـ من خلال التأمّل في طريق النجاشي إلىٰ الجعفي ـ : أنّ هذا المقتل، قد انتقل من الكوفة إلىٰ البصرة، فكان موجوداً في البصرة في القرن الثالث الهجري، وكانت نسخته موجودة عند محمّد بن زكريـا الغـلابي (ت298هـ)، ثمَّ انتقـل بعد ذلك ـ مع الرواة ـ من البصرة إلىٰ بغداد، فكان موجوداً في بغداد في القرن الخامس الهجري عند النجاشي الذي وصلته ـ علىٰ ما يبدو ـ نسختان من هذا الكتاب، إحداهما: عن طريق الحسين بن الحصين العمّي، وأُخراهما: عن طريق ابن نوح السيرافي، وهاتان النسختان، هما في الأصل نسخة واحدة، وهي نسخة الغلابي.

ولا نعلم شيئاً بعد ذلك عن مصير هذا المقتل، ففي سنة 447هـ، أي: قبل وفاة النجاشي بثلاث سنين، ورد طغرل بك أول ملوك السلاجقة إلىٰ بغداد، الذي اضطهد الشيعة، وخرَّب الكثير من مراكزهم العلميّة، ومنها: المكتبة العامّة التي وقفها الوزير أبو نصر سابور بن أردشير وزير بهاء الدولة بن عضد الدولة، ولم يكن في الدنيا أحسن كتباً منها، كانت كلّها بخطوط الأئمّة المعتبرة وأُصولهم المحررة، فاحترقت فيما أُحرق من محال الكرخ([204]).

ثمّ توسعت الفتنة فطالت علماء الشيعة وكبار رجال الطائفة، فقد قال ابن الجوزي في أحداث سنة 449هـ : «وفي صفر هذه السنة: كُبست دار أبي جعفر الطوسي متكلِّم الشيعة بالكرخ، وأُخذ ما وُجد من دفاتره، وكرسيّ كان يجلس عليه للكلام، وأُخرج ذلك إلىٰ الكرخ وأُضيف إليه ثلاثة مجانيق بيض كان الزوّار من أهل الكرخ قديماً يحملونها معهم إذا قصدوا زيارة الكوفة، فأُحرق الجميع»([205]).

ويبدو أنّ هذه الأحداث قد وقعت بعد هجرة الشيخ الطوسي إلىٰ النجف بعام واحد، إذ ذكر ابن الجوزي في أحداث سنة 448هـ ما نصّه: «وقد هرب أبو جعفر الطوسي، ونُهبت داره»([206])، يعني في سنة 448هـ.

كما أنّ النجاشي لم يسلم من هذه الفتنة أيضاً علىٰ ما يبدو، فنفذ بجلده إلىٰ مطير آباد
ـ وهي ناحية من نواحي سامراء ـ وبقي إلىٰ أن توفّي هناك سنة 450هـ ([207])، ولا تسعفنا المصادر عن السنة التي كان خروجه فيها إلىٰ هذه الناحية.

وعلىٰ أيّة حال، فإنّ هذه الفتنة قد تسبّبت بضياع الكثير من الكتب، بدليل وجودها في متناول العلماء قبل هذه الفتنة، واختفائها بعد ذلك مباشرةً، فكتاب مقتل الحسين× لجابر بن يزيد الجعفي كان موجوداً في متناول العلماء إلىٰ منتصف القرن الخامس الهجري تقريباً، ثمَّ اختفىٰ بعد ذلك.

الجهة الثانية: ما تبقّىٰ  من آثار مقتل الحسين× لجابر بن يزيد الجعفي

قلنا في الجهة السابقة: إنّ مقتل جابر بن يزيد الجعفي غير موجود في زماننا، والغريب أنّنا لا نجد من آثار هذا المقتل في الكتب المتأخِّرة عن عصر الجعفي، سوىٰ مجموعة قليلة من الروايات ـ ممّا وقع الجعفي في طرقها ـ ونحتمل أنّها ممّا كان أودعه الجعفي في مقتله، وهي متوفرة بشكل رئيسي في كتاب مقاتل الطالبيين لأبي فرج الأصفهاني (ت356هـ)، وكتاب كامل الزيارات لابن قولويه (ت368هـ)، وهناك روايات أُخرىٰ متفرِّقة في تاريخ الأُمم والملوك لمحمّد بن جرير الطبري (ت310هـ)، وتفسير العياشي لمحمّد بن مسعود العياشي (ت320هـ)، والكافي لمحمّد بن يعقوب الكليني (ت329هـ)، والهداية الكبرىٰ لأبي عبد الله الحسين بن حمدان الخصيبي (ت334هـ)، والخرائج والجرائح وقصص الأنبياء لقطب الدين الراوندي (ت573هـ).

 وعلينا الآن أن نشير إلىٰ مواضع تلك الروايات في المصادر المشار إليها أعلاه ضمن العناوين التالية:

1ـ روايات مقتل الجعفي في مقاتل الطالبيين:

1ـ تعيين قاتل جعفر بن عليّ÷، قال: قال نصر بن مزاحم: حدَّثني عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفـر محمّـد بن عليّ÷: «أنّ خـولي بن يزيـد الأصبحي ـ لعنه الله ـ قتل جعفر بن عليّ»([208]).

2ـ تعيين قاتل العباس×، قال: حدّثني أحمد بن عيسىٰ، قال: حدَّثني حسين بن نصـر، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر×: «أنّ زيد ابن رقاد الجنبي، وحكيم بن الطفيل الطائي، قتلا العباس بن عليّ»([209]).

3ـ تعيين قاتل محمّد الأصغر بن عليّ بن أبي طالب^، قال: حدَّثني أحمد بن عيسىٰ، قال: حدَّثنا الحسين بن نصر، عن أبيه، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر...: «أنّ رجلاً من تميم من بني أبان بن دارم قتله ـ رضوان الله عليه ـ ولعن الله قاتله»([210]).

4ـ تعيين قاتل أبي بكر بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب^، قال: وفي حديث عمرو ابن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر×: «أنّ عقبة الغنوي قتله»([211]).

أقول: الروايات الثلاث الأُولىٰ ممّا يندرج ضمن مقتل نصـر بن مزاحم المنقري (ت212هـ) أيضاً، كما سيأتي إن شاء الله تعالىٰ، وبهذا تعرف أنّ مقتل جابر الجعفي هو من المصادر التي اعتمدها نصر بن مزاحم المنقري في تصنيفه لمقتله.

2ـ روايات مقتل الجعفي في كامل الزيارات:

1ـ قال: وحدَّثني محمَّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد، عن سعد بن عبد الله، عن محمّد بن عيسىٰ، عن صفوان بن يحيىٰ، عن الحسين بن أبي غندر، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر×، قال: قال أمير المؤمنين×: «زارنا رسول الله| وقد أهدت لنا أُمّ أيمن لبناً وزبداً وتمراً، فقدمنا منه، فأكل ثمَّ قام إلىٰ زاوية البيت، فصلّىٰ ركعات، فلمّا كان في آخر سجوده بكىٰ بكاءً شديداً، فلم يسأله أحدٌ منّا إجلالاً وإعظاماً له، فقام الحسين× وقعد في حجره، فقال: يا أبه، لقد دخلت بيتنا فما سررنا بشيء كسرورنا بدخولك، ثمَّ بكيت بكاء غمّنا، فما أبكاك، فقال: يا بني، أتاني جبرئيل× آنفاً فأخبرني أنّكم قتلىٰ وأنّ مصارعكم شتّىٰ...»([212]).

2ـ قال: حدَّثني محمّد بن عبد الله بن جعفر الحميري، عن أبيه، عن محمّد بن الحسين ابن أبي الخطاب، عن محمّد بن حماد الكوفي، عن إبراهيم بن موسىٰ الأنصاري، قال: حدَّثني مصعب، عن جابر، عن محمّد بن عليّ÷، قال: قال رسول الله|: «مَن سرّه أن يحيىٰ حياتي ويموت مماتي ويدخل جنتي، جنة عدن غرسها ربّي بيده، فليتولَّ عليّاً ويعرف فضله، والأوصياء من بعده، ويتبرّأ من عدوي، أعطاهم الله فهمي وعلمي، هم عترتي من لحمي ودمي، أشكو إلىٰ ربّي عدوهم من أُمّتي، المنكرين لفضلهم، القاطعين فيهم صلتي، والله، ليقتلن ابني، ثمَّ لا تنالهم شفاعتي»([213]).

3ـ قال: حدَّثني محمّد بن جعفر الرزاز، عن خاله محمّد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن نصر بن مزاحم، عن عمرو بن سعيد، عن عليّ بن حماد، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي عبد الله×، قال: قال عليّ× للحسين×: «يا أبا عبد الله، أُسوة أنت قدماً. فقال: جعلت فداك ما حالي؟ قال: علمت ما جهلوا وسينتفع عالم بما علم، يا بني، اسمع وأبصر من قَبْل أن يأتيك، فوالذي نفسي بيده، ليسفكن بنو أُمّية دمك، ثمَّ لا يزيلونك عن دينك، ولا ينسونك ذكر ربّك...»([214]).

4ـ وحدَّثني أبيw، عن سعد بن عبد الله، عن إبراهيم بن هاشم، عن عثمان بن عيسىٰ، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر×، قال: قال رسول الله|: «إنّ في النار لمنزلة لم يكن يستحقّها أحد من الناس إلّا قاتل الحسين بن عليّ ويحيىٰ بن زكريا‘»([215]).

5ـ وحدَّثني عليّ بن الحسين بن موسىٰ، عن عليّ بن إبراهيم وسعد بن عبد الله جميعاً، عن إبراهيم بن هاشم، عن عليّ بن فضال، عن أبي جميلة، عن جابر، عن أبي جعفر×، قال: «ما بكت السماء علىٰ أحد بعد يحيىٰ بن زكريا إلّا علىٰ الحسين بن عليّ‘، فإنّها بكت عليه أربعين يوماً»([216]).

أقول تعليقاً علىٰ هذه الروايات: إنّ الروايتين الأُولىٰ والثانية قد ذكرتا في الباب (22) قولَ رسول الله|: إنّ الحسين× تقتله أُمّته من بعده. والرواية الثالثة قد ذكرت في الباب (23) قولَ أمير المؤمنين× في قتل الحسين× وقول الحسين له في ذلك، والرواية الرابعة في الباب (25) ما جاء في قاتل الحسين× وقاتل يحيىٰ بن زكريا÷، والرواية الخامسة في الباب (28) بكاء السماء والأرض علىٰ قتل الحسين× ويحيىٰ بن زكريا÷.

ولقائل أن يقول: إنّ هذه الروايات لا تدخل في صميم أحداث يوم عاشوراء، كما أنّها لا تتحدَّث عمّا سبقه من تمهيدات ومقدِّمات، أو ما لحقه من وقائع السبي، فالروايات الثلاث الأُولىٰ تندرج ضمن النبوءات التي تحدَّثت عن مقتل الحسين× قبل وقوعه، والرواية الرابعة تندرج ضمن عقوبة قتلة الحسين×، والرواية الخامسة تندرج ضمن الأحداث الكونيّة التي حدثت بعد مقتله×، ومعه كيف يُحتمل أن تكون هذه الروايات كانت مودعة في مقتل جابر الجعفي؟

وهذا الكلام غير صحيح، فإنّ أرباب المقاتل قد دأبوا علىٰ ذكر هذه الروايات وأمثالها في كتب المقتل، ونحن وإن كنّا نفتقد كتب المقاتل القديمة (الأُصول)، ولا يمكننا أن نطّلع علىٰ تبويبها بشكل مباشر، ولكن يمكن أن نقيسها علىٰ ما وصلنا من كتب المقاتل التي كُتبت بعد ذلك، وكمثال علىٰ ذلك مقتل الخوارزمي، فقد عُقد الفصل الثامن من هذا الكتاب في إخبار رسول الله| عن الحسين× وأحواله، وأورد فيه نبوءات الرسول| عن مقتل الحسـين×، ثمَّ عُقد بعد ذلك الفصل الثاني عشر في بيان عقوبة قاتل الحسين× وخاذله وما له من الجزاء.

3ـ شذرات من مقتل الجعفي:

بقي علينا أن نشير إلىٰ شذرات متناثرة من هذا المقتل عثرت عليها عدّة من المصادر التاريخيّة، وهي ـ ما أشرنا إليها سابقاً ـ : تاريخ الأُمم والملوك لمحمّد بن جرير الطبري (ت310هـ)، وتفسير العياشي لمحمّد بن مسعود العياشي (ت320هـ) ، والكافي لمحمّد ابن يعقوب الكليني (ت329هـ)، والهداية الكبرىٰ لأبي عبد الله الحسين بن حمدان الخصيبي (ت334هـ)، والخرائج والجرائح وقصص الأنبياء لقطب الدين الراوندي (ت573).

1ـ محمّد بن جرير الطبري (ت310هـ) في تاريخ الأُمم والملوك: قال: قال هشام: حدَّثني عمرو بن شمر، عن جابر الجعفي، قال: «عطش الحسين حتىٰ اشتدّ عليه العطش، فدنا ليشرب من الماء، فرماه حصين بن تميم بسهم، فوقع في فمه، فجعل يتلقّىٰ الدم من فمه، ويرمي به إلىٰ السماء، ثمَّ حمد الله وأثنىٰ عليه، ثمَّ جمع يديه، فقال: اللّهم، أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تذر علىٰ الأرض منهم أحداً»([217]).

أقول: وهذه الرواية تندرج ـ أيضاً ـ ضمن مقتل هشام بن محمّد بن السائب الكلبي (ت204هـ) ـ كما سيأتي ـ وبهذا يكون مقتل جابر الجعفي من المصادر التي استقىٰ منها الكلبي في مقتله.

2ـ محمّد بن مسعود العياشي (ت320هـ) في تفسيره: قال: عن جابر، عن أبىٰ جعفر×، قال: «نزلت هذه الآية في الحسين×(وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ)قاتل الحسين.(إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا) قال: الحسين×»([218]).

3ـ محمّد بن يعقوب الكليني (ت329هـ) في الكافي: قال: أبو عليّ الأشعري، عن محمّد بن سـالم، عن أحمد بن النضر، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر×، قال: «قُتل الحسين بن عليّ‘ وعليه جبّة خزّ دكناء فوجدوا فيها ثلاثة وستّين من بين ضربة بالسيف وطعنة بالرمح أو رمية بالسهم»([219]).

4ـ قطب الدين الراوندي (ت573هـ) في الخرائج والجرائح وقصص الأنبياء:

أ ـ في الخرائج والجرائح: عن أبي سعيد سهل بن زياد: حدَّثنا الحسن بن محبوب: حدّثنا ابن فضيل: حدّثنا سعد الجلاب، عن جابر، عن أبي جعفر×، قال: قال الحسين ابن عليّ÷ لأصحابه قبل أن يُقتل: «إن رسول الله| قال: يا بني، إنّك ستُساق إلىٰ العراق، وهي أرض قد التقىٰ بها النبيون، وأوصياء النبيين، وهي أرض تُدعىٰ (عمورا)، وإنّك تُستَشهد بها ويُستشهد معك جماعة من أصحابك، لا يجدون ألم مسِّ الحديد، وتلا:  (قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ)­­­ تكون الحرب عليك وعليهم برداً وسلاماً. فأبشروا: فو الله، لئن قتلونا، فإنّا نرد علىٰ نبينا. ثمّ أمكث ما شاء الله، فأكون أول مَن تنشقّ عنه الأرض، فأخرج خرجة يوافق ذلك خرجة...»([220]).

ب ـ في قصص الأنبياء: عن جابر، عن أبي جعفر×، قال: «إنّ عاقر ناقة صالح كان أزرق ابن بغيّ، وكانت ثمود تقول: ما نعرف له فينا أباً ولا نسباً، وأنّ قاتل الحسين بن عليّ صلوات الله عليهما ابن بغيّ، وأنّه لم يقتل الأنبياء ولا أولاد الأنبياء إلاّ أولاد البغايا، وقال في قوله تعالىٰ جلّ ذكره:(لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا)­­  قال: يحيىٰ بن زكريّا لم يكن له سميّ قبله ، والحسين بن عليّ لم يكن له سميّ قبله، وبكت السّماء عليهما أربعين صباحاً، وكذلك بكت الشّمس عليهما، وبكاؤها أن تطلع حمراء وتغيب حمراء»([221]).

الجهة الثالثة: السبب في إعراض المؤرِّخين عن مقتل الجعفي

استنتجنا في الجهة الأُولىٰ ـ بناءً علىٰ بعض المعطيات ـ  بقاء مقتل الجعفي في متناول أيدي العلماء إلىٰ منتصف القرن الخامس الهجري، ومع بقاء هذا المقتل طوال هذه المدّة، وانتشـاره في الكـوفة والبصـرة وبغـداد، غـير أنّنا قد لاحظـنا ـ في الجهة الثانيـة ـ إعراض المؤرِّخين عن هذا المقتل، وندرة اعتمادهم عليه، فالطبري ـ مثلاً ـ لم يروِ عنه سوىٰ رواية واحدة، وهناك مصادر ـ كالإرشاد للشيخ المفيد (ت313هـ) ـ قد خلت تماماً من مرويات هذا المقتل، وهذا ما يثير الاستغراب، ويدفع بنا للبحث عن وجود تفسير لذلك:

التفسير الأوّل: تخطيط ومؤامرة الدولة العباسية ضد كتاب الجعفي

يرىٰ السيِّد سامي البدري في كتابه (المدخل إلىٰ دراسة مصادر السيرة النبويّة والتاريخ الإسلامي): أنّ هذا الإعراض عن مقتل الجعفي وندرة الاعتماد عليه، كان مؤامرة مدبَّرة، خطّط لها الساسة العباسيون، ونفّذها أبو مخنف والمؤرِّخون بعده، يقول البدري: «أقول: بل وضع كتابه في المقتل [يعني: أبو مخنف] علىٰ ما يبدو في قبال كتاب جابر بن يزيد الجعفي لتطويقه واحتوائه؛ إرضاءً للعباسيين في خطّتهم التي استهدفت وصف أهل الكوفة خاّصة بأنّهم خذلوا الحسين×، وأنّهم المسؤولون عن قتل الحسين× دون يزيد، وقد نجح أبو مخنف في تحقيق ما أرادوا، وصار كتابه أفضل الكتب المؤلّفة في بابه وتبّناه المؤرِّخون بعده».

وهذا الرأي يمكن مناقشته والاعتراض عليه من عدّة وجوه:

1ـ إنّ مقتل أبي مخنف وإن احتوىٰ علىٰ بعض المرويات التي تحاول رفع المسؤولية عن يزيد، غير أنّه قد اشتمل علىٰ مرويات أُخرىٰ مضادّة، فعلىٰ سبيل المثال، قال أبو مخنف: «وأمّا ما حدَّثَنا به المجالد بن سعيد والصقعب بن زهير الأزدي وغيرهما من المحدِّثين، فهو ما عليه جماعة المحدِّثين، قالوا: إنّه قال: اختاروا منّي خصالاً ثلاثاً: إمّا أن أرجع إلىٰ المكان الذي أقبلت منه، وإمّا أن أضع يدي في يد يزيد بن معاوية، فيرىٰ فيما بيني وبينه رأيه، وإمّا أن تسيِّروني إلىٰ أيّ ثغرٍ من ثغور المسلمين شئتم، فأكون رجلاً من أهله، لي ما لهم وعليَّ ما عليهم»([222]).

فهذا النصّ من النصوص التي حاولت إلصاق المسؤوليّة بعمر بن سعد وحده، وتبرئة يزيد، إلّا أنّ الظاهر أنّ أبا مخنف قد أورده كمقدِّمة لتفنيده ونقل ما يضاده، حيث قال بعد ذلك مباشرة: «فأمّا عبد الرحمن بن جندب، فحدَّثني عن عقبة بن سمعان، قال: صحبت حسيناً فخرجت معه من المدينة إلىٰ مكّة، ومن مكّة إلىٰ عراق، ولم أُفارقه حتىٰ قُتل، وليس من مخاطبته الناس كلمة بالمدينة ولا بمكّة ولا في الطريق ولا بالعراق ولا في عسكر إلىٰ يوم مقتله إلّا وقد سمعتها، ألا والله، ما أعطاهم ما يتذاكر الناس وما يزعمون، من أن يضع يده في يد يزيد ابن معاوية، ولا أن يُسيّروه إلىٰ ثغر من ثغور المسلمين، ولكنّه قال: دعوني فلأذهب في هذه الأرض العريضة حتىٰ ننظر ما يصير أمر الناس»([223]).

ويظهر من كلام ابن سمعان أنّ الرواية الأُولىٰ كانت قد انتشرت في وقت مبكر، فكان لا بدّ له من عرضها وإيراد ما يناقضها.

2ـ إنّنا قد نؤمن بنظرية المؤامرة في هذا الخصوص، ولكنّها لم تكن كما صوّرها البدري، بل المؤامرة كانت ضدّ جميع أصحاب الأُصول الشيعيّة في المقتل، كالأصبغ بن نباتة التميمي، وجابر بن يزيد الجعفي، وأبي مخنف، وغيرهم.

هذا من جانب، ومن جانب آخر، فإنّ المؤامرة لم تكن من قِبَل ساسة بني العباس؛ إذ إنّنا نسأل ما هي مصلحة بني العباس بتحسين صورة يزيد؟!

بل المؤامرة كانت ـ في تصورنا ـ من قِبَل المؤرِّخين أنفسهم، وبدافع مذهبي، فكان كلّ واحد منهم ينتقي من الأخبار ما ينسجم مع ميوله وتوجهاته المذهبية، وكانت نظرة الواحد منهم إلىٰ بني أُميّة عموماً ويزيد خصوصاً قد لعبت دوراً مهمّاً وخطيراً في هذا المجال، ونحن نعلم أنّ نظرة مؤرِّخي العامّة إلىٰ بني أُميّة عموماً ويزيد خصوصاً لم تكن متساوية، بل كانت متفاوتة أشدّ التفاوت.

3ـ لو تنزلنا عن المناقشتين السابقتين، فإن هذا الرأي يبقىٰ قاصراً عن تفسير الإعراض عن مقتل الجعفي من عموم المؤرخين، فإن هذا الإعراض لم يكن خاصاً بمؤرخي السنّة، بل يشمل مؤرخي الشيعة أيضاً، كالشيخ المفيد الذي لم يورِد من هذا المقتل شيئاً في الإرشاد.

التفسير الثاني: ما توصلنا إليه في المقام

نحن نعتقد أنّ الإعراض عن مقتل الجعفي وندرة الاعتماد عليه، جاء نتيجة أحد الأسباب التالية:

1ـ قد يكون إعراض البعض عن هذا المقتل بسبب تضعيف الجعفي من قِبَل شريحة كبيرة من المؤرِّخين السنّة والشيعة معاً، كما ذكرنا ذلك سابقاً، وهذا وإن لم يكن خاصّاً بالجعفي، فقد ضعّفوا أبا مخنف أيضاً، ومع ذلك اعتمد عليه الطبري كثيراً، ولكنّ المتأخّرين عن الطبري قد انتقدوه في ذلك، ولم يسلم من طعونهم، قال ابن كثير: «...ولهذا توسّع [يعني الطبري] في إيراده [يعني المقتل] بروايات أبي مخنف لوط بن يحيىٰ، وهو متّهم فيما يرويه، ولا سيما في باب التشيُّع...»([224]).

2ـ قد يكون إعراض البعض عن هذا المقتل بسبب ضعف تلامذة الجعفي الذين نقلوا عنه هذا المقتل، وقد نقلنا سابقاً قول ابن الغضائري: «إنّ جابر بن يزيد الجعفي الكوفي ثقة في نفسه، ولكن جلّ مَن روىٰ عنه ضعيف، فمن أكثر عنه من الضعفاء: عمرو بن شمر الجعفي، ومفضل بن صالح، والسكوني، ومنخل بن جميل الأسدي، وأرىٰ الترك لما روىٰ هؤلاء عنه، والوقف في الباقي إلّا ما خرج شاهداً»([225]).

وهذه الرؤية التي يتبنّاها ابن الغضائري، لو عُمِّمت إلىٰ آخرين، ووسِّعت لتشمل مروياته التاريخيّة، ستكون من أخطر أسباب محاصرة هذا المقتل وتطويقه، فإنّ عمرو بن شمر الجعفي ـ مثلاً ـ هو الراوي الأساسي لهذا المقتل.

3ـ قد يكون إعراض البعض عن هذا المقتل، بسبب عدم اشتهاره بين المؤرِّخين؛ فإنّ الجعفي وإن كان من المؤرِّخين القدماء، وقد صنّف عدّة كتب في مجال التاريخ، إلّا أنّ شهرته لم تكن بمستوىٰ شهرة أبي مخنف والكلبي وأضرابهما، وقد يؤيِّد ذلك عدم النصِّ علىٰ وجود هذا المقتل في كتب الفهارس ومعاجم المؤلّفات، سوىٰ نصّ النجاشي عليه.


 

خاتمة بأهمّ النتائج

1ـ كان جابر بن يزيد الجعفي من الشخصيات الشيعيّة العلميّة الكوفيّة التي برزت في الربع الأوّل من القرن الثاني للهجرة.

2ـ وُلِد جابر ونشأ وتعلّم في الكوفة، ثمَّ رحل إلىٰ المدينة المنوّرة، ليمكث فيها (18) عاماً في خدمة الإمام الباقر×، ثمّ عاده ثانية إلىٰ الكوفة، ليُتوفّىٰ فيها عام 128هـ.

3ـ كان جابر مختصّاً بالإمام الباقر×، وملازماً له، وقد أكثر الرواية عنه، ولكنّه قد صحب الإمامين السجّاد والصادق÷، وروىٰ عنهما أيضاً.

4ـ يُعتَبر جابر من رواة المعارف، وقد أثارت مروياته في هذا المجال جدلاً واسعاً، كما أنّه كان من المهتمين بكتابة التاريخ الإسلامي، وله عدّة كتب في هذا المجال.

5ـ كان جابر من المختصين بمذهب أهل البيت^، ولم يناقش أحدٌ في تشيِّعه، بل في إماميّته، ولكنّ النقاش قد وقع بعد ذلك في وثاقته وعدالته، فوثّقه قوم وضعّفه آخرون، وقد ناقشنا ذلك بشيءٍ من التفصيل، ورجّحنا وثاقته وعدالته.

6ـ يُعتَبر مقتل جابر بن يزيد الجعفي من أُصول المقاتل، وقد نصَّ النجاشي علىٰ وجوده وذكر طريقه إليه، ولكنّه مفقود في عصرنا، ولم يتبقَّ منه سوىٰ مجموعة قليلة من الروايات التي روتها المدوَّنات التاريخيّة عن جابر، وقد ناقشنا بعد ذلك السبب في إعراض هذه المدوَّنات عن هذا المقتل وندرة اعتمادها عليه.

الفصل الثالث: مقتل عمّار الدهني، الكوفي

الفصل الثالث

مقتل عمّار الدهني، الكوفي (ت133هـ)

 

تقديم

نحن بين يدي المحدِّث والأخباري القديم عمّار الدهني، وهو من الشخصيات الكوفية التي برزت في نهايات القرن الأوّل وبدايات القرن الثاني، وقد عُرف بوصفه محدِّثاً أكثر من أيِّ شيءٍ آخر.

وعمّار الدهنـي هو والـد معاوية بن عمّار المحدِّث المعروف، ولكن لم تكن منزلة عمّار ـ عندنا نحن الإماميّة ـ كمنزلة وَلَدِه معاوية، فقد وقع خلاف حول مذهب عمّار ومعتقده، كما أنّ موقف علمائنا غامض من وثاقته وعدالته كما سيجيء، بينما لا نجد خلافاً حول إماميّة معاوية بن عمّار، كما لا يُشكك أحد في كونه من ثقات محدِّثي الطائفة وأجلّائها.

كان عمّار الدهني من المهتمّين بمعرفة تفاصيل مقتل الحسين×، وكان يطمح أن تكون معرفته بما جرىٰ في كربلاء معرفة يقينيّة، معرفة غير قائمة علىٰ الحَدْس والتخمين اللذين لا ينفكّان عن إخبارات المؤرِّخين وحكاياتهم، فلم يجد مَن يجمع بين هذين الأمرين سوىٰ الإمام الباقر×، فذهب إليه، وطلب منه أن يحدِّثه بمقتل الحسين× حديثاً يكون معه عمّار الدهني بمنزلة الحاضر في تلك الأحداث، فحدَّثه الإمام× عن ذلك، في رواية مفصلة سنأتي عليها في مطاوي البحث.

ولو سَلِم هذا المقتل من تلاعب الرواة الذين جاؤوا بعد الدهني، لكان في هذا المقتل غنىٰ عن سائر المقاتل، ولكنّه مع الأسف لم يُروَ عن طرقنا، بل وصلنا عن طريق العامّة، وقد توسّط في الطريق بعض الكذّابين والمدلِّسين الذين تلاعبوا بالنصّ بالحذف تارة، وبالدسِّ أُخرىٰ؛ ففقد بذلك قيمته، وأهملته المصادر الشيعيّة المعنيّة بذكر وقعة الطف.

وفي الصفحات التالية ستكون لنا رحلة تحقيقيّة نفصِّل الكلام في المبحث الأوّل منها حول ترجمة عمّار الدهني، ثمَّ نتحدَّث في المبحث الثاني حول مقتله.

المبحث الأول

ترجمة عمّار الدهني

1 ـ اسمه ونسبه وكنيته وذرّيته

هو عمّار بن أبي معاوية، واسم أبي معاوية خباب([226])، وقيل: معاوية([227]) بن عبد الله الدهني أبو معاوية.

عُرِف عمّار بـ (الدهني)، حيث كان مولىٰ لبني دهن، وهو بضم الدال وسكون الهاء نسبة إلىٰ حي من بجيلة، وهم: بنو دهن بن معاوية بن أسلم بن أحمس بن الغوث بن أنمار([228]).

قال السمعاني: «قرأت بخطِّ أبي بكر الأودني ببخارىٰ، علىٰ وجه الجزء التاسع والعشرين من كتاب الغريب لأبي سليمان الخطابي، سمعت أبا سليمان يقول: سمعت أبا سعيد بن الأعرابي يقول: سمعت عباساً الدوري يقول سمعت يحيىٰ بن معين يقول: عمّار الدهني، دهن قبيلة من بجيلة»([229]).

وقال ابن عبد البرّ: «ومن بطون بجيلة: دهن بن معاوية بن أسلم بن أحمس بن الغوث بن أنمار، ومن دهن هذا: عمّار بن أبي معاوية الدهني»([230]).

معاوية بن عمّار:

وعمّار هذا هو والد معاوية بن عمّار المحدِّث الإمامي الثقة المشهور، الذي كان من خواصّ الإمام الصادق×، وكان ـ بحسب تعبير النجاشي ـ : «وجهاً في أصحابنا ومقدَّماً، كبير الشأن عظيم المحل»([231]). له عدّة كتب، منها: كتاب الحجّ، وكتاب يوم وليلة، وكتاب الزكاة، وغير ذلك([232]).

معاوية بن حكيم:

ومن أحفاد عمّار: معاوية بن حكيم بن معاوية بن عمّار الدهني، وهو من الثقات الأجلّاء، ومن أصحاب الإمام الرضا×. قال أبو عبد الله الحسين بن عبيد الله: سمعت شيوخنا يقولون: «روىٰ معاوية بن حكيم أربعة وعشرين أصلاً لم يروِ غيرها. وله كتب، منها: كتاب الطلاق، وكتاب الحيض، وكتاب الفرائض، وكتاب النكاح، وكتاب الحدود، وكتاب الديِّات، وله نوادر»([233]).

أحمد بن معاوية:

ومن أولاده: أبو الفضل أحمد بن معاوية بن حكيم بن معاوية بن عمّار، سمع منه ابن عقدة، وقال: مات سنة 292 هـ، وله ثمان وستّون سنة([234]).

يونس بن يعقوب:

ومن أسباط عمّار: يونس بن يعقوب بن قيس أبو عليّ الجلاب البجلي الدهني، حيث إنّ أُمّه هي منية بنت عمّار الدهني، وهو من خواص الإمامين الصادق والكاظم÷، وكان وكيلاً للإمام الكاظم×، ومات في المدينة في أيام الرضا×، فتولّىٰ أمره، وكان من المحظوظين والموثقين عند الأئمّة^([235]).

2 ـ ولادته ونشأته

توجد ثلاث حقائق تاريخيّة ـ في سيرة عمّار الدهني ـ لا يرتقي إليها شكّ، ولا تطالها شبهة:

الحقيقة الأُولىٰ: إنّه قد وُلد بالكوفة، كما تشهد بذلك المصادر التي تعرَّضت لترجمته ولقبته بـ (الكوفي)([236])، أو التي قالت: إنّ عداده في أهل الكوفة([237]).

ولم ينسب عمّار إلىٰ أيِّ مدينة سوىٰ الكوفة، وهذا ما يجعلنا نطمأنّ بأنّه من مواليد هذه المدينة، ولم يكن مجرَّد نزيل فيها.

الحقيقة الثانية: إنّه قد نشأ وتعلَّم الحديث فيها أيضاً، يدلّنا علىٰ ذلك أنّ أكثر شيوخه وأساتذته هم من أهل الكوفة.

الحقيقة الثالثة: إنّه قد حدَّث وبثَّ ما لديه من العلم فيها كذلك، وهذا واضح من خلال مراجعة سير وتراجم تلامذته والمستفيدين منه، حيث إنّ غالبيتهم من أهل الكوفة.

فهذه الحقائق الثلاث ممّا لا ريب فيه، ولكن ما يحتاج إلىٰ مزيد من البحث والتنقيب، هو تحديد أو علىٰ الأقل تخمين زمان ولادته، وفي الحقيقة أنّنا نفتقر إلىٰ وجود نصٍّ في هذا المجال، ولا يمكننا أن نحدِّد زمان ولادة عمّار الدهني تحديداً دقيقاً.

ولعل أهم ما ينفعنا في هذا الصدد، هو روايته عن عدّة ممَّن كانت وفياتهم في تسعينيات القرن الهجري الأوّل، ومنهم:

1ـ سعيد بن جبير، قُتل سنة 94 أو 95هـ.

1ـ إبراهيم النخعي مات: سنة 96هـ.

2ـ إبراهيم التيمي: مات سنة92 أو 94هـ.

وقد تتبّعت شيوخ الدهني وأساتذته، فلم أجد فيهم مَن توفّي في ثمانينيات القرن الأوّل، وهذا إن دلّ علىٰ شيء فإنّما يدلّ علىٰ أنّه كان صبياً صغيراً غير مؤهلٍ لتلقّي الحديث في الثمانينيات، وبهذا نستطيع أن نُخمِّن أنّ ولادته كانت قُبَيل أو بُعَيد عام 80هـ، وأنّه طلب العلم في فترة التسعينيات، ولعله لم يكن قد بلغ آنذاك؛ ولذا نجد أنّ ابن عياش كان يشكِّك في سمع سعيد بن جبير([238]).

نعم، روىٰ العقيلي عن عبد الله بن أحمد، عن البخاري، عن عليّ بن المديني، قال: قال: سفيان: «قطع بشر بن مروان عرقوبيه([239]). فقلت: في أيِّ شيء. قال: في التشيُّع»([240]).

وبشر بن مروان هو أخو عبد الملك بن مروان الذي ولي إمرة العراق لأخيه عبد الملك، وكانت وفاته سنة 75هـ([241])، فإذا افترضنا أنّ عمر الدهني في أيام بشر كان 15عاماً كما هو أقل الفروض المحتملة، تكون ولادته حوالي عام 60هـ، وهذا يعني أنّه كان في الثمانينيات شابّاً قد تجاوز العشرين، وهذا بدوره يتعارض مع عدم نقله ولو لحديث واحد من رجل واحد من رواة الحديث الذين كانت وفياتهم في الثمانينيات، ولعل الذهبي كان ملتفتاً إلىٰ هذا التعارض، حيث يقـول ـ بعد أن أشار إلىٰ هذه الرواية ـ : «وأراه كان صبياً شابّاً في أيام بشر»([242]).

أقول: إنّ افتراض كونه صبياً شابّاً في أيام بشر لا يحلّ الإشكالية، وإنّما افترض الذهبي ذلك ليتفصّىٰ من ردّ الرواية، وأنّىٰ له ذلك، فالرواية ـ بناءً علىٰ ما تقدم ـ غير قابلة للإثبات التاريخي.

وممّا يُثير الشكّ حول هذه الرواية أيضاً، أنّ العقيلي ذاته، قد روىٰ مضمون هذه الرواية عن سفيان نفسه، ولكن بحقِّ مصدع، أبي يحيىٰ الأعرج، وليس في حقِّ الدهني([243]).

3 ـ مكانته العلمية وطبقته ومصنفاته

لم يُعرف الدهني بكونه مؤرِّخاً، بل اشتُهر بوصفه محدِّثاً، ولعل أهمّ وأدقّ ما قيل في بيان مكانته العلميّة، هو نعت الذهبي له بـ (الإمام المحدِّث)([244])، ووصف النجاشي له
ـ في ترجمة ابنه معاوية ـ حيث قال:
«وكان أبوه عمّار ثقة في العامّة وجهاً»([245]).

وقد عدّه ابن النديم من فقهاء الشيعة ومحدِّثيهم وعلمائهم ومن مشايخهم الذين رووا الفقه عن الأئمّة^([246]). وسيأتي الحديث عن مذهبه، وكونه من الشيعة بالمعنىٰ العام للتشيُّع، والمساوي للميل والمحبّة لأهل البيت^.

وأمّا طبقته، فقد عدّه الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق×([247])، مع أنّه قد روىٰ عن الإمام الباقر× أيضاً، ويكفي أن نستشهد علىٰ ذلك بكتاب المقتل الذي نحن بصدده، حيث يدّعي أنّه يرويه عنه×.

وقـد عدّه ابن حجـر من الطبقـة الخامسـة([248])، وقد روىٰ ـ كـما في تهذيب الكمال ـ عن إبراهيم التيمي، وبكير الطويل، والحكم بن عتيبة، وسالم بن أبي الجعد، وسعيد بن جبير، وأبي فاختة سعيد بن علاقة، وأبي وائل شقيق بن سلمة، وأبي الطفيل عامر بن واثلة، وعبد الله بن شداد بن الهاد، وعبد الجبار بن العباس الشبامي، وعبد الرحمن بن القاسم بن محمّد ابن أبي بكر، وعطية العوفي، ومالك بن عمير الحنفي، ومجاهد بن جبر المكّي، وغيرهم.

وروىٰ عنه الأجلح الكندي، وإسرائيل بن يونس (س)، وجابر الجعفي، وأبو صخر حميد بن زياد المدني، وخالد بن يزيد بن أسد بن عبد الله القسـري، وزهير بن معاوية، وسفيان الثوري (س)، وسفيان بن عيينة (س ق)، وشريك بن عبد الله، وشعبة بن الحجاج، والصباح بن يحيىٰ، وعبد الله بن الأجلح، وعبد الله بن شبرمة، وعبد الجبار بن العباس الشبامي، وعبيدة بن حميد، وغيرهم كثير([249]).

ولم يكن للدهني نشاطاً تأليفيّاً واسعاً، ولعل السبب في ذلك ـ في تقديرنا ـ هو أنّه قد توفّي ما بين عامي 33 ـ 40 بعد المائة الهجرية كما سنبيِّن، وقد كانت حركة التدوين والتأليف والتصنيف في هذه الفترة ضعيفة جدّاً عند العلماء المخالفين لخطّ أهل البيت^، فمع أنّ قانون منع التدوين الجائر قد أُلغي في مطلع القرن الثاني الهجري بقرار من عمر بن عبد العزيز([250])، غير أنّ التفاعل مع هذا القرار والتجاوب معه بشكل واعٍ وشامل قد تأخّر لعقود، وقد كان تجاوب العلماء معه ـ وقت صدوره ـ متفاوتاً، فالعلماء الواعون الذين كانوا يرون قانون منع التدوين قانوناً ظالماً، قد رحبّوا بهذا القرار، وبادروا مباشرة إلىٰ تدوين ما يحملونه من العلم، وهؤلاء هم العلماء الذين كانوا يسيرون علىٰ هدىٰ أهل البيت^، ويستضيئون بتعليماتهم وتوجيهاتهم، وأمّا العلماء الذين لم يكونوا علىٰ صلة وثيقة بخطّ أهل البيـت^ ـ ومنهم عمّار الدهني ـ فقد كانت استجابتهم لهذا القرار بطيئة، ولم يتفاعلوا معه كما ينبغي.

قال أبو طالب المكّي: «يقال: إن أوّل كتاب صنّف في الإسلام كتاب ابن جريج في الآثار وحروف من التفاسير عن مجاهد وعطاء وأصحاب ابن عباس بمكة، ثم كتاب معمر بن راشد الصنعاني باليمن جمع فيه سنناً منثورة مبوّبة، ثم كتاب الموطأ بالمدينة لمالك بن أنس في الفقه، ثم جمع ابن عيينة كتاب الجوامع في السنن والأبواب وكتاب التفسير في أحرف من علم القرآن، وجامع سفيان الثوري الكبير في الفقه والأحاديث. فهذه من أوّل ما صُنّف ووُضع من الكتب بعد وفاة سعيد بن المسيب وخيار التابعين وبعد سنة عشرين أو أكثر ومائة من التاريخ، فكان العلماء الذين هم أئمة هؤلاء العلماء من طبقات الصحابة الأربعة ومن بعد موت الطبقة الأُولىٰ من خيار التابعين هم الذين انقرضوا قبل تصنيف الكتب وكانوا يكرهون كتب الحديث، ووضع الناس الكتب»([251]).

وقال الغزالي: «الكتب والتصانيف مُحدَثة ولم يكن شيء منها زمن الصحابة وصدر التابعين، وإنّما حدث بعد سنة (120هـ)، وبعد وفاة جميع الصحابة وجلّة التابعين، وبعد وفاة سعيد بن المسيب (ت105هـ)، والحسن البصري (ت110هـ)، وخيار التابعين، بل كان الأوّلون يكرهون كتب الحديث، وتصنيف الكتب»([252]).

وعلىٰ أيّة حال، لم يذكر أصحاب الفهارس إلّا كتاباً واحداً من تأليف عمار الدهني، قال الطوسي: «عمّار بن معاوية الدهني له كتاب ذكره ابن النديم»([253]).

وهذا الكتاب هو ما أشار إليه ابن النديم في الفنّ الخامس من المقالة السادسة تحت عنوان (فقهاء الشيعة ومحدِّثوهم وعلماؤهم) فقال ـ عند عدِّ الكتب المصنفة لهم ـ : «كتاب عمّار بن معاوية الدهني...»([254]).

وهذا الكتاب غير موجود الآن، ولا نعرف محتوياته تفصيلاً، وإن تبدّىٰ لنا من كلام ابن النديم أنّه كان يحتوي علىٰ مرويات فقهيّة رواها عمّار الدهني عن أهل البيت^؛ إذ يقول: «هؤلاء مشايخ الشيعة الذين رووا الفقه عن الأئمّة، ذكرتهم علىٰ غير ترتيب فمنهم... كتاب عمّار بن معاوية الدهني...»([255]).

ويمكن أن نُضيف إلىٰ هذا الكتاب كتاباً آخر صنّفه الدهني، وهو كتاب المقتل الذي نحن بصدده، هذا إن صح كونه كتاباً، وستأتي مناقشة ذلك.

4 ـ مذهبه ومعتقده

كان عمّار الدهني يميل إلىٰ أهل البيت^ إلىٰ درجة أنّه صنّف كتاباً ممّا رواه من فقههم^ ـ كما مرَّ علينا ـ وكان من المهتمّين بمرويات كربلاء، وقد حرص أن يأخذ تفاصيلها عن الإمام الباقر×، كما سيأتي عند الحديث عن مقتله.

وقد كان الإمام الصادق× يهتمّ به ويُخلي له المجلس، فقد روىٰ محمّد بن يعقوب بإسناده، عن معاوية بن عمّار، قال: «كنّا عند أبي عبد الله× نحواً من ثلاثين رجلاً، إذ دخل عليه أبي فرحب به أبو عبد الله× وأجلسه إلىٰ جنبه، فأقبل عليه طويلاً، ثمّ قال أبو عبد الله×: إنّ لأبي معاوية حاجة فلو خفّفتم. فقمنا جميعاً، فقال لي أبي: ارجع يا معاوية فرجعت، فقال أبو عبد الله×: هذا ابنك؟ قال: نعم»([256]).

ومع هذا كلّه، فإنّ عمّار الدهني لم يكن شيعيّاً إماميّاً، بل كان عامّياً معتدلاً محبّاً لأهل البيت^، وهذا ما يظهر من كلام النجاشي الذي مرّ علينا؛ إذ وصفه بكونه: «ثقّة في العامّة وجهاً».

قال بحر العلوم ـ بعد نقله لكلام النجاشي ـ : «وظاهر كلام النجاشي أنّ عمّاراً هذا ليس منّا»([257]).

وهذا ما فهمه السيد الخوئي أيضاً من عبارة النجاشي؛ إذ قال: «إنّ قول النجاشي كان ثقة في العامّة وجهاً، ليس معناه أنّ عمّاراً كان ثقة عند العامّة أيضاً، وإلّا لم يقل: في العامّة، بل معناه أنّه كان ثقة في رواة العامّة وجماعتهم؛ فيكون ذلك شهادة من النجاشي علىٰ أنّ الرجل لم يكن شيعيّاً»([258]).

وعلىٰ هذا؛ فإنّ عدَّ البعض من علماء العامّة له من الشيعة([259])، يُحمل علىٰ التشيُّع بالمعنىٰ العام المنسجم مع القول بأنّ الإمامة بالاختيار، وممَّا يؤيد ذلك أنّهم أجمعوا علىٰ وثاقته وعدالته كما سيجيء، ولو كان تشيُّعه بالمعنىٰ الخاص للتشيُّع، لكان ذلك من أكبر الطعون فيه، ولحكموا بردِّ روايته كما فعلوا مع غيره.

وقد يُستدلّ علىٰ تشيُّعه برواية تفسير الإمام العسكري×، ومفادها: أنّ القاضي ابن أبي ليلىٰ ردّ شهادة عمّار الدهني، معلّلاً ذلك بكونه رافضياً، فبكىٰ عمّار، وقال: نسبتَني إلىٰ مرتبة شريفة لست من أهلها، فقيل هذا للصادق×، فقال: «لو أنّ علىٰ عمّار من الذنوب ما هو أعظم من السماوات والأرضين لَمُحِيَت عنه بهذه الكلمات، وإنّها لتزيد في حسناته عند ربِّه حتىٰ جعل كلّ خردلة منها أعظم من الدنيا ألف مرّة»([260]).

وقد ردّ السيِّد الخوئي هذه الرواية بوجهين:

الوجه الأوّل: إنّ نسبة هذا التفسير إلىٰ الإمام× غير ثابتة، بل هي معلومة العدم.

الوجه الثاني: إنّ الصدوق قد روىٰ عن أبي كهمس، أنّه قال: تقدّمت إلىٰ شريك في شهادة لزمتني، فقال لي: كيف أُجيز شهادتك وأنت تُنسب إلىٰ ما تُنسب إليه؟! قال أبو كهمس: فقلتُ: وما هو؟ قال: الرفض. قال: فبكيتُ، ثمَّ قلتُ: نسبتَني إلىٰ قوم أخاف أن لا أكون منهم. فأجاز شهادتي، وقد وقع مثل ذلك لابن أبي يعفور ولفضيل سكرة، فإنّ عدم تعرّض الصدوق لذكر عمّار يؤيِّد عدم صحّة القصّة المنسوبة إليه([261]).

وخلاصة القول: إنّ كلَّ المعطيات والدلائل التي بين أيدينا تشير إلىٰ ميل عمّار الدهني ومودّته الشديدة لأهل البيت×، ولكنّنا لا نستطيع أن نثبت تشيُّعه بالمعنىٰ الخاص للتشيُّع.

5 ـ وثاقته وعدالته

يمكن أن يُدّعىٰ توثيق عمّار الدهني ـ بحسب مباني علم الرجال لدينا ـ بعدِّة وجوه:

الوجه الأوّل: هو أن يُستدلّ علىٰ وثاقته وعدالته برواية تفسير العسكري× السالفة، فقد ورد فيها ما يدلّ علىٰ وثاقة عمّار وعدالته، بل إنّ قول الإمام×: «لو أنّ علىٰ عمّار من الذنوب ما هو أعظم من السماوات والأرضين لَمُحِيت عنه بهذه الكلمات، وإنّها لتزيد في حسناته عند ربِّه حتىٰ جعل كلّ خردلة منها أعظم من الدنيا ألف مرّة». هو من أعلىٰ عبارات التوثيق، ولا يخفىٰ أنّ توثيق الإمام× هو أرفع طرق التوثيق، قال جعفر السبحاني: «إذا نصَّ أحد المعصومين^ علىٰ وثاقة الرجل، فإنّ ذلك يثبت وثاقته قطعاً، وهذا من أوضح الطرق وأسماها، ولكن يتوقّف ذلك علىٰ ثبوته بالعلم الوجداني، أو برواية معتبرة»([262]).

ولكن قد عرفت حال هذه الرواية من خلال الوجهين اللذين أوردهما السيِّد الخوئي عليها.

الوجه الثاني: مرّ علينا وصف النجاشي له بكونه: «ثقة في العامّة وجهاً»، والنجاشي من علمائنا المتقدِّمين، وهو خرِّيت هذه الصناعة، وقوله يقدّم حتىٰ علىٰ قول الطوسي عند التعارض، وإنّما الكلام في دلالة هذه العبارة، وهل أنّ النجاشي يريد أن يقول: إنّ الدهني ثقة عندنا، مع أنه وجهاً من وجوههم؟ أي: أنّ الفارزة تقع بعد كلمة (ثقة). هذا احتمال، والاحتمال الآخر: هو أنّه يريد أن يقول: إنّ الدهني ثقة عند العامّة ووجهاً لديهم، أي: نجعل الفارزة بعد عبارة (ثقة في العامّة).

وقد استظهر السيِّد الخوئي ـ كما مرّ علينا ـ من هذه العبارة توثيق النجاشي له، إذ سمعناه يقول: «إنّ قول النجاشي: كان ثقة في العامّة، وجهاً، ليس معناه أنّ عمّاراً كان ثقة عند العامّة أيضاً، وإلّا لم يقل: في العامّة، بل معناه أنّه كان ثقة في رواة العامّة، وجماعتهم».

فهو ـ إذن ـ يرجّح الاحتمال الأوّل في فهم عبارة النجاشي، وقد استظهر السيِّد الخوئي ذلك من كلمة (في).

ولكن ممّا يرجّح الاحتمال الآخر هو وجود معطىٰ خارجي واضح لا يمكن تجاوزه أو صرف النظر عنه، وهو أنّ عمّاراً بالفعل ـ كما سيجيء عمّا قريب ـ موثّق عند العامّة، بل هم مجمعون علىٰ ذلك، فالاحتمال الآخر هو المتبادر إلىٰ الذهن بعد الاطّلاع علىٰ هذا المعطىٰ.

الوجه الثالث: إنّ الطوسي قد عنوَن لعمّار الدهني في الرجال([263])، والفهرست([264])، وهو وإن لم يوثقه، أو يمدحه، ولكنه لم يجرحه أيضاً، وإنّما أهمله، ومَن كانت هذه حاله فهو معتمَد علىٰ أخباره عند جماعة؛ إذ المهمل غير المجهول الذي صرّح علماء الرجال بجهالة حاله، وقد كان ابن داود يعمل بخبر المهمل كما يعمل بخبر الممدوح([265]).

وهذا هو مبنىٰ العلامة الحلّي أيضاً، حيث قال في إبراهيم بن هاشم: «ولم أقف لأحد من أصحابنا علىٰ قول في القدح فيه ولا علىٰ تعديله بالتنصيص، والروايات عنه كثيرة، والأرجح قبول قوله»([266]). وقال في أحمد بن إسماعيل بن سمكة: «ولم ينصّ علماؤنا عليه بتعديل، ولم يرد فيه جرح، فالأقوىٰ قبول روايته مع سلامتها من المُعَارِض»([267]).

نعم، كان العلّامة الحلّي يشترط في توثيق الشخص المهمل أن يكون إماميّاً، وهذا ما لم يثبت بحقِّ المترجَم له.

الوجه الرابع: إنّ ابن داود قال في ترجمة معاوية بن عمّار نقلاً عن الكشـي: «وأبوه عمّار أيضاً ثقة»([268]).

والكشي من علمائنا المتقدِّمين، وتوثيقاته معتمدة بلا خلاف، شأنه شأن سائر المتقدِّمين كالنجاشي والشيخ وغيرهما، وقد ألّف كتاباً أسماه (معرفة الرجال) أو (معرفة الناقلين عن الأئمّة الصادقين) أو (معرفة الناقلين)، ولكنّه لم يصل إلينا، والموجود بين أيدينا هو ما اختصره الطوسي من هذا الكتاب، وأسماه (اختيار معرفة الرجال)، وحينما نراجع هذا المختصر (أعني: اختيار معرفة الرجال)، لا نجد أثراً لهذه العبارة، ويوجد في المقام عدّة احتمالات:

الاحتمال الأوّل: إنّ هذه العبارة موجودة في أصل الكتاب، وإنّ هذا الأصل كان موجوداً عند ابن داود، وكان يرتشف منه مباشرة، لا من (اختيار معرفة الرجال)، فقد قيل: إنّ الأصل كان موجوداً عند السيِّد جمال الدين أحمد بن موسىٰ بن طاووس؛ لأنّه تصدّىٰ إلىٰ ترتيب هذا الكتاب وتبويبه وضمّه إلىٰ كتب أُخرىٰ من الكتب الرجالية وأسماه (حل الإشكال في معرفة الرجال)([269])، وزمان ابن داود ليس بعيداً عن زمان السيِّد ابن طاووس، فقد كان الأخير أُستاذ الأوّل.

وممّا يؤيِّد ذلك أنّ القهبـائي كان يقول ـ في كيفيّة عمل الشيخ في رجال الكشـي ـ : «إنّ الأصل كان في رجال العامّة والخاصّة، فاختار منه الشيخ الخاصّة»([270])، وبما أنّ عمّاراً كان من العامّة ـ كما رجحّنا فيما سلف ـ فمن الطبيعي أن لا نجد له ذكراً في اختيار الشيخ إلّا ما وقع عَرَضَاً.

الاحتمال الثاني: أن تكون عند ابن داود نسخة من (اختيار معرفة الرجال) تختلف في بعض الموارد عن النسخة المتداولة، فإنّ لابن داود طريقه الخاص إلىٰ الشيخ كما صرّح في مقدِّمة رجاله، وبالتالي تكون لديه نسخته الخاصّة التي قد تكون غير متطابقة مع النسخة المتداولة في بعض الموارد.

قال في المقدِّمة: «وطريقي إلىٰ الكشي شيخنا نجم الدين أيضاً، والشيخ مفيد الدين محمّد بن جهيم جميعاً، عن السيِّد شمس الدين فخار، عن أبي محمّد قريش ابن سبيع بن مهنا بن سبيع الحسيني، عن الحسين بن رطبة السوراوي، عن أبي عليِّ عن أبيه أبىٰ جعفر الطوسي، عن عدّة من أصحابنا، عن أبي محمّد هارون بن موسىٰ التلعكبري، عن الكشي رحمه الله تعالىٰ»([271]).

الاحتمال الثالث:أن تكون هذه العبارة من إنشاء ابن داود، وقد امتزجت بكلام الكشـي بسبب سوء النسخ، وفي ضوء هذا الاحتمال تسقط قيمة هذه العبارة في توثيق عمّار الدهني إلّا علىٰ المبنىٰ القائل بصحّة الاعتماد علىٰ توثيقات المتأخّرين، وهو ما قال به جماعة([272]).

هذا بحسب رجالنا، وأمّا في رجال العامّة، فقد وثقوه واعتمدوا مروياته، قال الذهبي: «وثقة أحمد، وابن معين، وأبو حاتم، والناس، وما علمت أحداً تكلَّم فيه إلّا العقيلي، فتعلّق عليه بما سأله أبو بكر بن عياش: أسمعت من سعيد بن جبير؟ قال: لا. قال: فاذهب»([273]).

وقد أشرنا إلىٰ هذه الرواية سابقاً، وهذه الرواية ـ إن ثبتت ـ فهي لا تدلّ علىٰ أكثر من كون مرويات عمّار عن ابن جبير مرسلة، والإرسال في نفسه لا يُعَدُّ طعناً في الراوي، ما لم يدّعِ المرسِّل المباشرة، كأن يقول: حدَّثني، أو أخبرني، وما شابه ذلك من العبارات التي تفيد التلقّي المباشر، ففي هذه الحالة يكون الإرسال تدليساً، وهذا لم يثبت في حقّ عمّار.

6 ـ وفاته

يوجد حول وفاة عمّار الدهني قولان:

القول الأوّل: قال المزّي: قال محمد بن عبد الله الحضـرمي: «مات سنة ثلاث وثلاثين ومائة»([274]).

وهذا القول هو الذي تبنّاه الذهبي في سير أعلام النبلاء([275])، وميزان الاعتدال([276])، وتاريخ الإسلام([277])، ومَن له رواية في الكتب الستّة([278])، ونُسب هذا القول في سير أعلام النبلاء وتاريخ الإسلام إلىٰ مطين، ومطين هو لقب محمّد بن عبد الله الحضرمي، وقد لُقِّب بـ(مطين) لأنّه كان وهو صغير يلعب مع الصبيان في الماء فيطينون ظهره([279]).

إذاً؛ فالمزّي والذهبي استندا في هذا القول علىٰ نفس المصدر، وهو محمّد بن عبد الله الحضرمي الملقب بـ (مطين)، وجميع مَن تبنّىٰ هذا القول ممَّن تأخّر عنهما، فإنّه قد أخذه عنهما عن مطين.

القول الثاني: ما تفرّد به الصفدي من أنّ عمّار الدهني قد توفّي في حدود الأربعين ومائة([280])، وفي تقديري أنّ هذا القول غير نابع من نصّ روائي، وإلّا لذكر الصفدي مصدره، ولعلّه قد استنتجه من خلال ملاحظة طبقتَي شيوخ وتلامذة الدهني، ومعرفة وفياتهم، وهذا ما توحي به طريقته المرنة في التعبير؛ حيث قال: (في حدود)، وهذه العبارة تسـتخدم ـ في العادة ـ في حالة التقدير.

ومهما يكن، فإنّنا بالجمع بين هذين القولين، نستطيع القول: إنّ وفاة الدهني كانت بين عامي 133 ـ 140هـ.

المبحث الثاني

مقتل الحسين× للدهني

يروي الدهني مقتل الإمام الحسين× عن الإمام الباقر×، وهذا ما يزيد من أهمّية البحث حول هذا المقتل، ومن الملفت للنظر أنّ هذا المقتل لم يروَ بطرقنا الخاصّة، وليس له أيُّ أثر في مدوناتنا الحديثيّة.

وينبغي أن يُعلم أنّه لا يوجد كتاب مستقلّ بعنوان مقتل الحسين× من تصنيف عمّار الدهني، لا في هذا العصر ولا في العصور السابقة، كما لا تجد إشارةً إلىٰ وجود كتاب بهذا العنوان في كتب الفهارس ومعاجم المؤلفات، والظاهر أنّ هذا المقتل كان عبارة عن رواية شفهية مطوّلة، ولم يكن مدوّناً علىٰ قرطاس قبل تدوينه في تاريخ الطبري، فأقدم نسخة من هذا المقتل هي نسخة الطبري المتوفَّىٰ عام 310هـ، ورواية الطبري له غير متّصلة، بل أورده في ثلاثة مقاطع.

ويُعَدُّ هذا المقتل من الأُصول التي اعتمدها أبو الفرج الأصفهاني (ت356هـ) في كتابه مقاتل الطالبيين، حيث ذكره في جملة المصادر التي استقىٰ منها حديثه حول مقتل الحسين×([281]).

ونلاحظ أنّ العامّة قد ضخّموا من شأن هذا المقتل، واهتمّوا بروايته؛ لأنّه ينسجم إلىٰ حدٍ كبير مع نظرتهم إلىٰ واقعة الطف، ويمكن القول: إنّ أهمّية مقتل عمّار الدهني عند العامّة كأهمّية مقتل أبي مخنف عند الشيعة.

قال ابن حجر(ت852هـ) ـ بعد أن روىٰ مقتـل الحسـين× برواية عـمّار الدهنـي ـ : «وقد صنّف جماعة من القدماء في مقتل الحسين تصانيف فيها الغثّ والسّمين، والصّحيح والسّقيم، وفي هذه القصّة التي سقتها غنىٰ»([282]).

وعلىٰ أيّة حـال، فنحن الآن سنورد مقتل عمّار الدهنـي كامـلاً برواية الطـبري ـ لأنّها الأصل علىٰ ما يبدو ـ بعد وَصْلِ بعضها بالبعض الآخر، ثمَّ نذكر أهمّ المناقشات التي أُثيرت حول هذه الرواية.

مقتل عمار الدهني برواية الطبري([283]):

قال الطبري: «حدَّثني زكريا بن يحيىٰ الضـرير، قال: حدَّثنا أحمد بن جناب المصيصي ـ ويُكنّىٰ أبا الوليد ـ قال: حدَّثنا خالد بن يزيد بن أسد بن عبد الله القـسري، قال: حدَّثني عمّار الدهني، قال: قلت لأبي جعفر×: حدَّثني بمقتل الحسين حتىٰ كأنّىٰ حضرته.

قال×: مات معاوية، والوليد بن عتبة بن أبي سفيان علىٰ المدينة، فأرسل إلىٰ الحسين بن عليّ ليأخذ بيعته، فقال له: أخّرني وأرفِقْ. فأخّره، فخرج إلىٰ مكّة، فأتاه أهل الكوفة ورسلهم:

إنّا قد حبسنا أنفسنا عليك، ولسنا نحضر الجمعة مع الوالي، فأقدِمْ علينا. وكان النعمان بن بشير الأنصاري علىٰ الكوفة. قال: فبعث الحسين إلىٰ مسلم بن عقيل بن أبي طالب ابن عمّه، فقال له: سِرْ إلىٰ الكوفة فانظُر ما كتبوا به إليّ، فإن كان حقّاً خرجنا إليهم. فخرج مسلم حتىٰ أتىٰ المدينة، فأخذ منها دليلين، فمرا به في البرِّية، فأصابهم عطش، فمات أحد الدليلين، وكتب مسلم إلىٰ الحسين يستعفيه، فكتب إليه الحسين: أن امضِ إلىٰ الكوفة.

فخرج حتىٰ قدمها، ونزل علىٰ رجل من أهلها يُقال له: ابن عوسجة. قال: فلمّا تحدَّث أهل الكوفة بمقدمه دبّوا إليه فبايعوه، فبايعه منهم اثنا عشر ألفاً. قال: فقام رجل ممَّن يهوىٰ يزيد بن معاوية إلىٰ النعمان بن بشير، فقال له: إنّك ضعيف أو متضعِّف، قد فسد البلاد! فقال له النعمان: أن أكون ضعيفاً وأنا في طاعة الله أحبُّ إليّ من أن أكون قوياً في معصية الله، وما كنت لأهتك ستراً ستره الله.

فكتب بقول النعمان إلىٰ يزيد، فدعـا مولىٰ له يُقـال له: سـرجون ـ وكـان يسـتشيره ـ فأخبره الخبر، فقال له: أكنت قابلاً من معاوية لو كان حيّاً؟ قال: نعم. قال: فاقبل منّي، فإنّه ليس للكوفة إلّا عبيد الله ابن زياد، فولها إياه ـ وكان يزيد عليه ساخطاً، وكان همَّ بعزله عن البصرة ـ فكتب إليه برضائه، وأنّه قد ولّاه الكوفة مع البصرة، وكتب إليه أن يطلب مسلم بن عقيل فيقتله إن وجده.

قال: فأقبل عبيد الله في وجوه أهل البصرة حتىٰ قدم الكوفة متلثِّماً، ولا يمرّ علىٰ مجلس من مجالسهم فيسلم إلّا قالوا: عليك السلام يا بن بنت رسول الله ـ وهم يظنّون أنّه الحسين بن عليّ× ـ حتىٰ نزل القصر، فدعا مولىٰ له، فأعطاه ثلاثة آلاف، وقال له: اذهب حتىٰ تسأل عن الرجل الذي يبايع له أهل الكوفة فأعلمه أنّك رجل من أهل حمص جئت لهذا الأمر، وهذا مال تدفعه إليه ليتقوّىٰ. فلم يزل يتلطّف ويُرفق به حتىٰ دُلّ علىٰ شيخ من أهل الكوفة يلي البيعة، فلقيه فأخبره، فقال له الشيخ: لقد سرّني لقاؤك إياي، وقد ساءني، فأمّا ما سرّني من ذلك فما هداك الله له، وأمّا ما ساءني فإنّ أمرنا لم يستحكم بعد. فأدخله إليه، فأخذ منه المال وبايعه، ورجع إلىٰ عبيد الله فأخبره.

فتحوّل مسلم حين قدم عبيد الله بن زياد من الدار التي كان فيها إلىٰ منزل هانئ بن عروة المرادي، وكتب مسلم بن عقيل إلىٰ الحسين بن علي× يخبره ببيعة اثني عشر ألفاً من أهل الكوفة، ويأمره بالقدوم.

وقال عبيد الله لوجوه أهل الكوفة: ما لي أرىٰ هانئ بن عروة لم يأتني فيمَن أتاني! قال: فخرج إليه محمّد بن الأشعث في ناس من قومه وهو علىٰ باب داره، فقالوا: إنّ الأمير قد ذكرك واستبطأك، فانطلق إليه، فلم يزالوا به حتىٰ ركب معهم وسار حتىٰ دخل علىٰ عبيد الله وعنده شريح القاضي، فلمّا نظر إليه قال لشريح: أتتك بحائن رجلاه. فلمّا سلّم عليه، قال: يا هانئ، أين مسلم؟ قال: ما أدري. فأمر عبيد الله مولاه صاحب الدراهم فخرج إليه، فلمّا رآه قطع به، فقال: أصلح الله الأمير! والله، ما دعوته إلىٰ منزلي ولكنّه جاء فطرح نفسه عليّ. قال: ائتني به، قال: والله، لو كان تحت قدميّ ما رفعتهما عنه. قال: أدنوه إليّ. فأُدني فضربه علىٰ حاجبه فشجّه، قال: وأهوىٰ هانئ إلىٰ سيف شرطي ليسلّه، فدُفِع عن ذلك، وقال: قد أحلّ الله دمك، فأمر به فحُبس في جانب القصر»([284]).

ثمَّ قال:  «فبينا هو كذلك إذ خرج الخبر إلىٰ مذحج، فإذا علىٰ باب القصر جلبة سمعها عبيد الله، فقال: ما هذا؟ فقالوا: مذحج، فقال لشريح: اخرج إليهم فأعلمهم أنّي إنّما حبسته لأسائله. وبعث عيناً عليه من مواليه يسمع ما يقول، فمرّ بهانئ بن عروة، فقال له هانئ: اتّقِ الله يا شريح، فإنّه قاتلي. فخرج شريح حتىٰ قام علىٰ باب القصر، فقال: لا بأس عليه، إنّما حبسه الأمير ليُسائله. فقالوا: صدق، ليس علىٰ صاحبكم بأس، فتفرّقوا، فأتىٰ مسلماً الخبر، فنادىٰ بشعاره، فاجتمع إليه أربعة آلاف من أهل الكوفة، فقدّم مقدمته، وعبّىٰ ميمنته وميسرته، وسار في القلب إلىٰ عبيد الله، وبعث عبيد الله إلىٰ وجوه أهل الكوفة، فجمعهم عنده في القصر، فلمّا سار إليه مسلم فانتهىٰ إلىٰ باب القصر أشرفوا علىٰ عشائرهم فجعلوا يكلِّمونهم ويردّونهم، فجعل أصحاب مسلم يتسلّلون حتىٰ أمسىٰ في خمسمائة، فلمّا اختلط الظلام ذهب أُولئك أيضاً.

فلمّا رأىٰ مسلم أنّه قد بقي وحده يتردّد في الطرق أتىٰ باباً فنزل عليه، فخرجت إليه امرأة، فقال لها: اسقيني. فسقته، ثمّ دخلت فمكثت ما شاء الله، ثمَّ خرجت فإذا هو علىٰ الباب، قالت: يا عبد الله، إنّ مجلسك مجلس ريبة، فقم. قال: إنّي أنا مسلم بن عقيل، فهل عندك مأوىٰ؟ قالت: نعم، ادخُل. وكان ابنها مولىٰ لمحمّد بن الأشعث، فلمّا علم به الغلام انطلق إلىٰ محمّد فأخبره، فانطلق محمّد إلىٰ عبيد الله فأخبره، فبعـث عبيـد الله عمرو بن حريث المخزومي ـ وكان صاحب شرَطـه ـ إليه، ومعه عبد الرحمن بن محمّد بن الأشعث، فلم يعلم مسلم حتىٰ أُحيط بالدار، فلما رأىٰ ذلك مسلم خرج إليهم بسيفه فقاتلهم، فأعطاه عبد الرحمن الأمان، فأمكن من يده، فجاء به إلىٰ عبيد الله، فأمر به، فأُصعد إلىٰ أعلىٰ القصر فضُـربت عنقه، وألقىٰ جثته إلىٰ الناس، وأمر بهانىٰء فسحب إلىٰ الكناسة، فصُلب هنالك، وقال شاعرهم في ذلك:

فإن كنتِ لا تدرين ما الموت فاُنظري
إلى ٰ هانئ في السوقِ وابن عقيل
أصابهما أمر الإمام فأصبحا

أحاديثَ مَن يسعىٰ بكلِّ سبيل

أيركب أسماء الهماليج آمناً

وقد طلبَتْه مذحجٌ بذحول»([285])

ثمّ قال: فأقبل حسين بن عليّ بكتاب مسلم بن عقيل كان إليه، حتىٰ إذا كان بينه وبين القادسية ثلاثة أميال، لقيه الحرّ بن يزيد التميمي، فقال له: أين تريد؟ قال: أُريد هذا المصر. قال له: ارجع فإنّي لم أدع لك خلفي خيراً أرجوه. فهمّ أن يرجع، وكان معه إخوة مسلم بن عقيل، فقالوا: والله، لا نرجع حتىٰ نصيب بثأرنا أو نُقتل. فقال: لا خير في الحياة بعدكم. فسار فلقيته أوائل خيل عبيد الله، فلمّا رأىٰ ذلك عدل إلىٰ كربلاء، فأسند ظهره إلىٰ قصباء وخلا؛ كي لا يُقاتل إلّا من وجه واحد، فنزل وضرب أبنيته. وكان أصحابه خمسة وأربعين فارساً، ومائة راجل وكان عمر بن سعد ابن أبي وقاص قد ولّاه عبيد الله بن زياد الري، ، وعهد إليه عهده، فقال: اكْفِني هذا الرجل. قال: اعفني. فأبىٰ أن يعفيه، قال: فانظُرني الليلة. فأخّره، فنظر في أمره، فلمّا أصبح غدا عليه راضياً بما أمر به، فتوجّه إليه عمر بن سعد، فلمّا أتاه قال له الحسين: اختر واحدة من ثلاث: أمّا أن تدَعوني فأنصرف من حيث جئت، وأمّا أن تدَعوني فأذهب إلىٰ يزيد، وأمّا أن تدَعوني فألحق بالثغور. فقبِل ذلك عمر فكتب إليه عبيد الله: لا ولا كرامة، حتىٰ يضع يده في يدي. فقال له الحسين: لا والله، لا يكون ذلك أبداً. فقاتله، فقُتل أصحاب الحسين كلّهم، وفيهم بضعة عشـر شاباً من أهل بيته...وجاء سهم فأصاب ابناً له معه في حجره، فجعل يمسح الدم عنه، ويقول: اللّهم، احكُم بيننا وبين قوم دعونا لينصرونا فقتلونا. ثمّ أمر بحبرة فشقها ثمّ لبسها، وخرج بسيفه، فقاتل حتىٰ قُتل صلوات الله عليه قتله رجل من مذحج، واحتزّ رأسه وانطلق به إلىٰ عبيد الله، وقال:

أوقر ركابي فضّة وذهبا
أنا قتلت الملك المحجّبا
قتلتُ خيرَ الناس أمّاً وأبا
وخيرهم إذ يُنسبون نسبا

وأوفده إلىٰ يزيد بن معاوية، ومعه الرأس فوضع رأسه بين يديه، وعنده أبو برزة الأسلمي فجعل ينكت بالقضيب علىٰ فيه، ويقول:

يفلقن هاماً من رجال أعزّة
علينا وهم كانوا أعقّ وأظلما

فقال له أبو برزة: ارفع قضيبك، فو الله، لربّما رأيت فاه رسول الله(صلى الله عليه وسلم) علىٰ فيه يلثمه، وسرّح عمر بن سعد بحرمه وعياله إلىٰ عبيد الله، ولم يكن بقي من أهل بيت الحسين إلّا غلام كان مريضاً مع النساء، فأمر به عبيد الله ليُقتل، فطرحت زينب نفسها عليه، وقالت: والله، لا يُقتل حتىٰ تقتلوني!! فرقّ لها فتركه وكفّ عنه.

قال: فجهّزهم، وحملهم إلىٰ يزيد، فلمّا قدموا عليه جمع مَن كان بحضـرته من أهل الشام، ثمَّ أدخلوهم فهنئوه بالفتح، فقام رجل منهم أزرق أحمر، ونظر إلىٰ وصيفة من بناتهم، فقال: يا أمير المؤمنين، هب لي هذه. فقالت زينب: لا والله، ولا كرامة لك ولا له إلّا أن يخرج من دين الله. قال فأعادها الأزرق، فقال له يزيد كفّ عن هذا، ثمّ أدخلهم علىٰ عياله فجهّزهم، وحملهم إلىٰ المدينة، فلمّا دخلوها خرجت امرأة من بني عبد المطلب ناشرة شعرها، واضعة كمّها علىٰ رأسها تلقاهم، وهي تبكي وتقول:

ماذا تقولون إن قال النبيُّ لكم
ماذا فعلتم وأنتم آخر الأُمم!
بعترتي وبأهلي بعد مفتقدي
منهم أُسارىٰ وقتلىٰ ضرجوا بدم
ما كان هذا جزائي إذ نصحت لكم
أن تخلفوني بسوء في ذوي رحمي»([286]).

إلىٰ هنا ينتهي مقتل عمّار الدهني برواية الطبري.

مناقشات حول رواية الدهني:

توجد عدّة مناقشات يمكن أن تُثار حول هذه الرواية، نقتصر علىٰ أهمّها:

1ـ أشرنا فيما سبق إلىٰ أهمية البحث حول هذا المقتل من جهة كونه مروياً عن الإمام الباقر×، وأشرنا أيضاً إلىٰ أنّ هذا المقتل لم يصل إلينا من خلال طُرُقنا الخاصّة، ولم يعتمد في مدوناتنا المعنيّة بنقل مرويات كربلاء.

نعم، اعتمد عليه ابن نما في مثير الأحزان، وأثبت منه الرواية التي تتحدّث عن مفاوضة الحسين× مع ابن سعد لعنه الله، وطلب الإمام الحسين× منه أن يأخذه إلىٰ يزيد لعنه الله ليرىٰ فيه رأيه([287])، وهذا غريب من ابن نما.

والطبري يرويه عن الدهني بثلاث وسائط: (عن زكريا بن يحيىٰ الضرير، عن أحمد ابن جناب المصيصي، عن خالد بن يزيد بن أسد بن عبد الله القسـري)، وهؤلاء جميعهم من العامّة، وقد طعنت كتبهم الرجالية في زكريا بن يحيىٰ الضـرير، فذكره ابن الجوزي في الضعفاء والمتروكين([288])، وعن الشعبي، عن يحيىٰ بن معين أنّه قال فيه: «ليس بشيء»([289])، وخالد بن يزيد القسري، فقد ذكره ابن عدي في الضعفاء، وقال فيه: «وخالد بن يزيد هذا له أحاديث غير ما ذكرت وأحاديثه كلّها لا يتابع»([290])، وهذا ما يجعلنا نحتمل أنّ التلاعب الذي حصل في هذه القصّة ـ وسنشير إلىٰ بعضه فيما يلي ـ قد أتىٰ من أحد هذين الرجلين، وذلك لو سلّمنا بوثاقة الدهني والمصيصي والطبري.

2ـ ما ناقش به الشيخ باقر شريف القرشي هذه الرواية، حيث قال: «إنّ عمّار الدهني طلب من الإمام× أن يحدِّثه ـ بالتفصيل ـ عن مقتل الإمام الحسين× كأنّه قد حضـره، أمّا الجواب، فقد كان موجزاً، ولم يُشر إلىٰ كثير من الأحداث لا بقليل ولا بكثير، فقد طويت فيه أكثر فصول تلك المأساة، ومن الطبيعي أنّ هذا لا يتناسب مع السؤال الذي يطلب فيه المزيد من المعلومات»([291]).

ويمكن مناقشة ما ذكره القرشي من وجهين:

الوجه الأوّل: إنّ طلب عمّـار الدهنـي من الإمام× أن يحدِّثه ـ بالتفصيل ـ عن مقتل الإمام الحسين×، غير ملزم للإمام× بأن يكون جوابه تفصيليّاً، فقد تقتضي المصلحة بأن يكون الجواب مجملاً، وممّا يؤيِّد ذلك أنّنا نلاحظ: أنّ الأحاديث الواردة عن المعصومين^ حول كربلاء، كلّها تتّسم بالاقتضاب والإجمال، بل يرىٰ بعض الأعلام: أنّ المعصومين^ لم يتحدَّثوا عن واقعة الطفّ كمؤرِّخين، بل كانوا يركِّزون علىٰ الجانب المعنوي لواقعة الطف والدفاع عن قضية الحسين×، ولا يكون همّهم رواية أو نقل الحوادث، إلّا ما جاء عَرَضاً خلال الحديث، إذاً؛ فلا ينبغي أن نتوقّع سماع حديثهم عن التفاصيل الكثيرة التي نريدها([292]).

وقد شاع مؤخّراً بين الموالين حديثاً منسوباً إلىٰ الإمام الباقر× يقول: «لولا خوفنا علىٰ شيعتنا من الموت لروينا لهم ما جرىٰ في كربلاء»، وهذا الحديث لو كان صحيحاً، لصلح أن يكون جواباً عن هذه المناقشة، ولكن هذا الحديث لا أساس له من الصحّة، وهو غير متوفِّر في أيِّ مصدر من المصادر، ويبدو أنّ مسلسل الأحاديث الموضوعة حول واقعة الطفّ ليس له نهاية.

 الوجه الثاني:قد يكون الإمام× قد أجابه مفصَّلاً، ولكنّ الطبري لم ينقل القصّة بشكل كامل، وممّا يؤيِّد ذلك أنّ الطبري قد أوردها في ثلاثة مقاطع، والظاهر أنّ الطبري كان يقتطع منها حسب الحاجة، ولم يدّعِ الطبري أنّه أورد الرواية بشكل كامل.

3ـ كما حصل حذف في بعض تفاصيل هذه الرواية، فقد حصل دسٌّ وإضافة أيضاً، ومن ذلك قوله: إنّ الحسين× همَّ أن يرجع علىٰ أثر نصيحة الحرّ له، ولكن إخوة مسلم ابن عقيل كانوا معه، فقالوا: «والله، لا نرجع حتىٰ نصيب بثأرنا أو نُقتل، فقال: لا خير في الحياة بعدكم فسار...».

ويأتي هذا النصّ جزءاً من النصوص التي وُضِعتْ لتشويه وتحريف أهداف نهضة الحسين× ووضعها في إطار قبليٍّ ضيِّق، وهذا ممَّا لا يمكن قبوله في حقِّ إخوة مسلم، فضلاً عن قبوله في حقِّ الحسين×، وهو الإمام المفترض الطاعة.

4ـ ومن نماذج الدسِّ والإضافة في هذا المقتل، الفقرة التي تقول: إنّ الحسين× قال لعمر بن سعد لعنه الله: «اختر واحدة من ثلاث: إمّا أن تدَعوني فأنصرف من حيث جئت، وإمّا أن تدعوني فأذهب إلىٰ يزيد، وإمّا أن تدعوني فألحق بالثغور...».

فهذا ممّا لا يمكن صدوره من الحسين×، وهو ممّا كان يشيعه بنو أُميّة لتشويه صورة الحسين×، ولنفي الجريمة عن يزيد، وإلصاقها بعبيد الله بن زياد، وعمر بن سعد، وقد كان عقبة بن سمعان ينفي هذه القضية، وكان يقول: «صحبت حسيناً، فخرجت معه من المدينة إلىٰ مكّة، ومن مكّة إلىٰ العراق، ولم أُفارقه حتىٰ قُتل، وليس من مخاطبته الناس كلمة بالمدينة ولا بمكّة ولا في الطريق ولا بالعراق ولا في عسكر إلىٰ يوم مقتله إلّا وقد سمعتها، ألا والله، ما أعطاهم ما يتذاكر الناس وما يزعمون، من أن يضع يده في يد يزيد بن معاوية، ولا أن يسيّروه إلىٰ ثغر من ثغور المسلمين، ولكنّه قال: دعوني فلأذهب في هذه الأرض العريضة حتىٰ ننظر ما يصير أمر الناس»([293]).

خاتمة بأهمّ النتائج

1ـ إنّ عمّار الدهني من المحدِّثين والأخباريين القدامى، وقد دخل معترك الحياة العلميّة في نهايات القرن الأوّل، ونشط في نشـر الحديث وتعليمه بعد مطلع القرن الهجري الأوّل.

2ـ كان عمّار الدهني من الشخصيات التي اتّصلت بأهل البيت^، وروت عنهم، وكان محبّاً لهم، ولكن لم يثبت لدينا أنّه كان يؤمن بإمامتهم.

3ـ يمكن توثيق عمّار الدهني في ضوء بعض المباني الرجاليّة المعمول بها عند البعض منّا، وقد أجمعت ـ أو كـادت أن تُجمع ـ كتب الجرح والتعديل عند العامّة علىٰ وثاقته وتعديله.

4ـ كان عمّار الدهني من الأوائل الذين اهتموا بحفظ النصّ الكربلائي، وقد حرص الدهني أن يتلّقىٰ هذا النصّ من مصادره القريبة والمأمونة، كما حرص أن يتعرّف علىٰ أدقّ التفاصيل، وإن جاء الجواب مجملاً من الإمام×، وحصل تلاعب في هذا النصّ، كما ناقشنا في ذلك.

5ـ لا يوجد أثر لكتاب في مقتل الحسين× من تصنيف الدهني، ولم تنصّ كتب الفهارس عليه، ولكن الطبري قد نقل لنا هذا المقتل في ثلاثة مقاطع، وقد قمنا بوصل بعضها بالبعض الآخر، وجمعناها في رواية واحدة.

6ـ مقتل الدهني من الأُصول التي اعتمد عليها الكثير من العامّة، وهو كمقتل أبي مخنف لدىٰ الشيعة، وقد فضّله ابن حجر علىٰ سائر المقاتل؛ وذلك لكونه يحتوي علىٰ بعض المفردات التي تخدمهم، ويخلو من الكثير من الحقائق التي لا تروق لهم.

7ـ لم يعتنِ رواة الشيعة الأوائل برواية هذا المقتل، ولم يهتمّ أصحاب المدونات الحديثيّة والتاريخيّة الشيعيّة بتدوينه، اللّهم إلّا ما كان من ابن نما في مثير الأحزان، كما أشرنا.

8ـ استعرضنا مقتل عمّار الدهني برواية الطبري، وأوردنا عليها أربع مناقشات، واحدة منها ترتبط بسند هذا المقتل، والبقية تتعلّق بالمتن، وأشرنا فيها إلىٰ عمليات الحذف والدسّ والإضافة التي أُجريت علىٰ هذا المقتل.


الفصل الرابع: مقتل الفضيل بن الزبير الأسدي الكوفي

الفصل الرابع

مقتل الفضيل بن الزبير الأسدي الكوفي (ت بين 122ـ 148هـ)

تقديم

كان الفضيل بن الزبير علىٰ صلة وثيقة بزيد الشهيد×، وقد حاول أن يتعرّف من خلاله علىٰ (تسمية مَن قُتل مع الحسين بن عليّ÷ من وُلْده وإخوته وأهله وشيعته)، ثمَّ أضاف إلىٰ ذلك ما توصّل إليه من مصادر أُخرىٰ أهمّها:

1ـ يحيىٰ بن أُمّ طويل، أخو الإمام زين العابدين× من الرضاعة.

2ـ عبد الله بن شريك العامري، من حواريي الإمامين السجاد والباقر×.

ثمَّ ألّف من كلّ ذلك نصّاً يُعد من أهمّ وأقدم النصوص التاريخيّة التي ذكرت أسماء مَن قُتل مع الحسين× من الهاشميين وغيرهم.

وقد كان هذا النصّ ولقرون متطاولة غائباً عن أوساطنا العلميّة، إلىٰ أن وفّق الله سبحانه وتعالىٰ العلّامة والمحقق الكبير السيد محمد رضا الحسيني الجلالي لاستخراج هذا النصّ من بعض مصادر التراث الزيديّ، وتحقيقه ونشـره ووضعه بين يدي الباحثين والمؤرِّخين.

وقد وضعتُ في هذه السطور غاية ما توصّلت إليه من بحث وتنقيب وتحقيق حول شخصية الفضيل وكتابه في المقتل، وما توفيقي إلاّ باللّه عليهِ توكلتُ وإليه أُنيب.

 

المبحث الأوّل

ترجمة الفضيل بن الزبير

1 ـ اسمه ونسبه وأُسرته

هو الفضيل([294]) ـ بالألف واللام. أو فضيل([295])، بدونهما ـ بن الزبير، بضم الزاي وفتح الباء علىٰ زنة (رُجَيل) مصغراً علىٰ ما هو المألوف والظاهر من علماء الأنساب([296])، بن عمر ابن درهم([297]) الأسدي الرسّان.

والأَسَدي ـ بفتح الألف والسين ـ نسبة إلىٰ أسد، وهو اسم عدّة من القبائل العربيّة، منهم:

1ـ أسد بن عبد العزّىٰ من قبائل قريش.

2ـ أسد بن خزيمة.

3ـ أسد بن ربيعة بن نزار.

4ـ أسد بن دودان.

5ـ أسد بن شريك، بطن من الأزد([298]).

ويظهر من بعض النسّابين أنّ الفضيل بن الزبير ينتسب إلىٰ أسد بن خزيمة([299])، وهي قبيلة عظيمة من العدنانيّة، تنتسب الىٰ أسد بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضـر بن نزار. وهي ذات بطون كثيرة يطول ذكرها.

كانت بلادهم فيما يلي الكرخ من أرض نجد، وفي مجاورة طيء، ويُقال: إنّ بلاد طيء كانت لبني أسد، فلمّا خرجوا من اليمن غلبوهم علىٰ أجأ وسلمىٰ، وجاءوا واصطلحوا، وتجاوروا لبني أسد، ثمّ تفرّقوا من بلاد الحجاز علىٰ الأقطار وذلك بعد الإسلام، فنزلوا العراق، وسكنوا الكوفة منذ سنة 19هـ وملكوا الحلّة وجهاتها حتىٰ سنة 588هـ([300]).

وعلىٰ أيّة حال، فإنّ الفضيل بن الزبيرـ علىٰ ما يبدوـ لم يكن من صميم بني أسد، بل كان ينتسب إليهم بالولاء، كما صرّح بذلك الشيخ الطوسي، قائلاً: «الفضيل بن الزبير الأسدي مولاهم»([301]).

والرَسّان: بفتح الراء وتشديد السين هو صانع الرسن أو بائعه، والرسن هو زمام البعير ونحوه([302]).

ويبدو لي أنّ هذا الوصف كان في الأصل للزبير، والد الفضيل، فهو صاحب هذه المهنة علىٰ ما يبدو، ثمّ عُمِّم الوصف علىٰ أفراد أُسرته، والدليل علىٰ ذلك: أنّ هذا الوصف لم يكن خاصّاً بالفضيل، بل يُطلق علىٰ أخيه عبد الله أيضاً ([303]).

من أعلام أُسرة آل الزبير:

تعتبر أُسرة آل الزبير من الأُسَر الشيعيّة الكوفيّة التي أنجبت عدّة من الأعلام، فمنهم الفضيل بن الزبير صاحب الترجمة، ومنهم:

1ـ عبد الله بن الزبير الأسدي الرَّسّان:

ذكره الشيخ الطوسي في أصحاب الإمام الصادق×، قائلاً: «عبد الله بن الزبير والد أبي أحمد الزبيري»([304]).

أقول: أبو أحمد الزبيري هو محمّد بن عبد الله بن الزبير الآتي، وكلام الشيخ يدلّ بظاهره علىٰ كونه أشهر من والده.

روىٰ الكشي ـ كما مرّ ـ عن عبد الرحمن بن سيابة، قال: «دفع إليّ أبو عبد الله× دنانير، وأمرني أن أُقسمها في عيالات مَن أُصيب مع عمّه زيد، فقسمتها، قال: فأصاب عيال عبد الله بن الزبير الرسّان أربعة دنانير»([305]). وقد علّق العلّامة الحلّي علىٰ هذه الرواية بقوله: «وهذه الرواية تُعطي أنّه كان زيديّاً»([306]).

أقول: الدليل أعمّ من المدّعىٰ، فليس كلّ مَن خرج مع زيد كان ـ بالضـرورة ـ زيديّاً، نعم، لا شكّ في أنّ الخروج يعدّ قرينة مهمّة علىٰ ذلك، وعلينا أن نبحث عن قرائن أُخرىٰ نضمّها إليها.

وعلىٰ أيّة حال، فظاهر رواية الكـشي أنّ عبد الله من المُستَشهدِين مع زيد× سنة 122هـ، ولكن بعض النقولات قد دلّت علىٰ بقائه حيّاً إلىٰ أيام محمّد بن عبد الله النفس الزكيّة المُستشهَد سنة 145هـ، فقد قال أبو الفرج الأصفهاني: حدَّثنا عليّ بن العباس، قال: حدَّثنا بكار بن أحمد، قال: حدَّثنا الحسن بن الحسين، قال: حدَّثنا عبد الله بن الزبير الأسدي، وكان في صحابة محمّد بن عبد الله، قال: «رأيت محمّد بن عبد الله عليه سيف محلّىٰ يوم خرج، فقلت له: أتلبس سيفاً محلّىٰ؟ فقال: أيّ بأس بذلك؟! قد كان أصحاب رسول الله| يلبسون السيوف المحلّاة»([307]).

ورواية المقاتل صريحة الدلالة علىٰ بقائه حيّاً إلىٰ أيام محمّد بن عبد الله، فلا بدّ من حَمْل رواية الكشي علىٰ الجرح دون القتل، وهذا ما تحتمله رواية الكـشي من غير تكلّف، حيث قالت: «من أُصيب مع عمّه زيد». ومن المعلوم أنّ الإصابة أعمّ مفهوماً من القتل.

هذا من جهة، ومن جهة أُخرىٰ ربما تصلح هذه الرواية كقرينة أُخرىٰ علىٰ زيديّة عبد الله بن الزبير، أو علىٰ ابتعاده عن خطِّ الاثني عشريّة علىٰ الأقل.

وقد كان عبد الله بن الزبير شاعراً، وله في رثاء مسلم وهانئ÷ قصيدة مشهورة بين خطباء المنبر الحسينيّ، يقول في مطلعها:

فإن كنتِ لا تدرين ما الموت فاُنظري
إلى ٰ هانئ في السوقِ وابن عقيل([308])

2ـ محمد بن عبد الله بن الزبير (أبو أحمد الزبيري):

وهو أبو أحمد، محمّد بن عبد الله بن الزبير بن عمر بن درهم الأسدي الزبيري، من أهل الكوفة، محدِّث كبير مكثر، كان يبيع القت بزبالة([309]).

قال عنه الذهبي: «الحافظ الكبير، المجود، أبو أحمد الزبيري، الكوفي، مولىٰ بني أسد، حدَّث عن مالك بن مغول، وفطر بن خليفة، وعيسىٰ بن طهمان ـ صاحب أنس ـ وعمر بن سعيد بن أبي حسين، ومسعر، وسعد بن أوس العبسي، وأيمن بن نابل، ورباح بن أبي معروف، وحمزة بن حبيب، والوليد بن عبد الله بن جميع، وسفيان، وشيبان النحوي، وسعيد بن حسان المخزومي، ويونس بن أبي إسحاق، وخلق كثير. حدّث عنه ابنه طاهر، وأحمد، والقواريري، وأبو بكر بن أبي شيبة، وعمرو الناقد، وابن نمير، وابن مثنىٰ، ومحمود بن غيلان، ونصر بن عليّ، وأحمد بن سنان القطان، وبندار، ومحمّد بن رافع، ويحيىٰ بن أبي طالب، والكديمي، وخلق سواهم»([310]).

وذكره العجلي في تاريخ الثقات بقوله: «محمّد بن عبد الله بن الزبير الأسدي، يكنّىٰ أبا أحمد، كوفي، ثقة، يتشيَّع»([311]).

وعدّه ابن حبّان في كتاب الثقات قائلاً: «أبو أحمد الزبيري اسمه محمّد بن عبد الله بن الزبير الأسدي، من أهل الكوفة، يروىٰ عن الثوري وإسرائيل، روىٰ عنه أحمد بن حنبل وأهل العراق، مات سنة ثلاث ومائتين بالأهواز»([312]).

2 ـ ولادته ونشأته

لم نقف علىٰ ما يحدِّد لنا مولد الفضيل تحديداً دقيقاً، إلّا أنّ كونه من دعاة زيد× المُستشهَد سنة 122هـ كما سنشير، وكونه ـ كما سيأتي أيضاً ـ ممَّن روىٰ عن الإمام الباقر× المتوفَّىٰ سنة 114هـ، وعدم روايته عن الإمام السجاد× المتوفَّىٰ سنة 95هـ، كلّها مؤشرات علىٰ ولادته قبل مطلع القرن الثاني الهجري.

ونحن لا نمتلك ما يساعدنا علىٰ معرفة نشأة الفضيل ومسيرة حياته بشكل دقيق ومفصّل، فالنصوص في هذا المجال شحيحة، بل تكاد تكون منعدمة.

وغايّة ما نستطيع استشفافه من النصوص، هو أنّه قد نشأ وترعرع في الكوفة، وقد نُسب إليها في بعض المصادر([313])، وأخذ العلم عن أهلها، وأخذه عنه أهلها، كما يستفاد هذا الأمر من خلال النظر في تراجم شيوخه وتلامذته والراوين عنه.

وحينما نزل زيد× في الكوفة سنة 121هـ، وقام بنشـر دعوته بين أهلها، كان الفضيل بن الزبير من أوائل المبادرين إلىٰ نصرته، بل كان من قياديي هذه الدعوة كما يستفاد من بعض الروايات التي سنشير إليها لاحقاً.

كما يُستشفّ من خلال مرويات الفضيل أنّه قد سافر إلىٰ المدينة المنوّرة، في حياة الإمام الباقر×، فكان يلتقي به، وقد روىٰ عنه معجزة لأمير المؤمنين×([314])، كما روىٰ عنه حديث: «يا فضيل، أما علمت أنّ رسول الله| قال: إنا أهل بيت...»([315])، وسيأتي ما يشير إلىٰ سفره بعد مقتل زيد× إلىٰ المدينة للقاء الإمام الصادق×.

3 ـ مكانته العلمية وطبقته، من مصنفاته

قال ابن النديم: «ومَن متكلميّ الزيديّة: فضيل الرساف، وهو ابن الزبير»([316]).

أقول: (الرساف) تصحيف (الرسّان) كما هو واضح.

وقد اعتبره سعد بن عبد الله الأشعري أحد رؤساء فرق الزيديّة القويّة، حيث قال:

«وأمّا الأقوياء منهم، فهم: أصحاب أبي الجارود، وأصحاب أبي خالد الواسطي، وأصحاب فضيل الرسان»([317]).

ويمكن أن نتلمّس المكانة العلميّة التي كان يتمتّع بها الفضيل بن الزبير، من خلال التأمّل برواياته المنقولة في أبواب: التفسير والعقيدة، والأخلاق والعرفان والتاريخ، وغيرها.

وقد لاحظنا: أنّ أكثر رواياته ترتبط بأحقيّة أهل البيت^ في الخلافة، وتفضيلهم علىٰ غيرهم، وهو ما يؤكِّد كون الرجل من المهتمّين بالجانب الكلامي والعقائدي، كما دلّ علىٰ ذلك كلام ابن النديم والأشعري، ولم أجده يتعرّض إلىٰ نقل الروايات الفقهيّة إلّا نادراً.

أمّا طبقته: فقد عدّه الشيخ الطوسي من أصحاب الإمام الباقر×، قائلاً: «فضيل بن الزبير الرسّان»([318])، ثمَّ عدّه في أصحاب الإمام الصادق×، قائلاً: «الفضيل بن الزبير الأسدي، مولاهم، كوفي، الرسّان»([319]).

وقد روىٰ أيضاً ـ كما يأتي في سند مقتله ـ عن زيد الشهيد×، ويحيىٰ بن أُمّ طويل، وعبد الله بن شريك العامري، وروىٰ أيضاً عن أبي سعيد عقيصا([320])، وأبي عبد الله مولىٰ بني هاشم([321])، وأبي داود السبيعي([322])، وأبي عمر مولىٰ ابن الحنفية([323])، وفروة بن مجاشع([324])، ويحيىٰ ابن عقيل([325])، وغيرهم.

وروىٰ عنه أبو حفص الأعشىٰ الكاهلي([326])، وإسماعيل بن أبان([327])، ومخول بن إبراهيم([328])، وعاصم بن حميد الحناط([329])، وغيرهم.

وهو عادة ما يقع في نصوص كتب الحديث والتاريخ بعنوان (الفضيل بن الزبير) أو (فضيل بن الزبير) أو (فضيل الرسّان)، وقد يقع في بعض النصوص بعنوان (الفضل بن الزبير) وهو تصحيف.

ولم أجد من ذكر الفضيل بن الزبير في عداد المصنِّفين، ولم يُنسب إليه أيُّ كتاب في أيِّ علم من العلوم أو فنٍّ من الفنون، وأمّا كتابه في المقتل فهو في ظاهره ليس كتاباً مدوّناً في قرطاس، ولم تذكره كتب الفهـارس، وإن كنت أرىٰ أنّ عمـله في هذا المقتـل ـ في واقعه ـ لا يختلف عن عمل المؤلّفين، بل إنّ انطباق مفهوم التأليف عليه أشدّ بكثير من انطباقه علىٰ العديد من الآثار المنقولة عن تلك الفترة الزمنيّة، فمن سمات التأليف فيه:

1ـ ذكره في البدء لمصادره ومنابعه الأساسية التي استقىٰ منها مادّة هذا المقتل.

2ـ تبوبيه للمادّة، حيث قسّم الشهداء علىٰ قسمين: شهداء أهل البيت^، وشهداء الأصحاب، وقدم شهداء أهل البيت^ علىٰ غيرهم، وقسم شهداء الأصحاب بحسب القبائل التي ينتمون إليها، وهو المنهج الذي سار عليه جلُّ مَن كتب في هذا الموضوع، كعبد المجيد الحسيني الحائري في ذخيرة الدارين، والسماوي في إبصار العين، وشمس الدين في أنصار الحسين×، وغيرهم.

والخلاصة: إنّني أظنّ أنّ هذا العمل كان في واقعه كتاباً من حيث المحتوىٰ والمضمون، وإن لم ينتشر بين الناس بهذه الصفة إلّا في وقتنا الحاضر علىٰ يد السيِّد الجلالي.

4ـ مذهبه ومعتقده

نقلنا فيما مرّ اعتبار ابن النديم الفضيل بن الزبير من متكلميّ الزيديّة، بل اعتبره عبد الله بن سعد الأشعري ـ كما مرّ أيضاً ـ من رؤساء الفرق القويّة المنبثقة عن المذهب الزيديّ، ويمكن أن نضيف إلىٰ ذلك قرينتين تؤكِّدان هذا المعنىٰ:

1ـ كونه من دعاة زيد× وكبار مساعديه في ثورته، كما يدلّ علىٰ ذلك ما رواه أبو الفرج الأصفهاني، عن الفضيل بن الزبير، قال: قال أبو حنيفة: «مَن يأتي زيداً في هذا الشأن من فقهاء الناس؟ قال: قلت سليمة بن كهيل، ويزيد بن أبي زياد، وهارون بن سعد، وهاشم بن البريد، وأبو هاشم الرماني، والحجاج بن دينار، وغيرهم. فقال لي: قل لزيد لك عندي معونة وقوّة علىٰ جهاد عدوك، فاستعن بها أنت وأصحابك في الكراع والسلاح. ثمَّ بعث ذلك معي إلىٰ زيد، فأخذه زيد»([330]).

ويمكن أن يستدلّ علىٰ ارتباطه بزيد× وثورته أيضاً ما رواه الكشـي عن فضيل الرسّان، قال: «دخلت علىٰ أبي عبد الله× بعد ما قُتل زيد بن عليّ&، فأُدخلت بيتاً جوف بيت، فقال لي: يا فضيل، قُتل عمّي زيد؟ قلت: نعم جُعلت فداك. قال: رحمه الله إنّه كان مؤمناً وكان عارفاً وكان عالماً وكان صادقاً، أما إنّه لو ظفر لوفىٰ، أما إنّه لو ملك لعرف كيف يضعها...»([331]).

2ـ اختصاصه بزيد× وأخذه عنه، وهذا ما يمكن الاستدلال عليه بعدّة أُمور:

منها: كونه أحد المصادر الأساسية التي اغترف منها الفضيل في هذا المقتل كما سيأتي.

ومنها: ما روي عن الفضيل بن الزبير، قال: قلت لزيد بن علي×: «ما تقول في أبي بكر وعمر؟ قال: قل فيهما ما قال عليّ: كفّ كما كفّ لا تجاوز قوله. قلت: أخبرني عن قلبي أنا خلقته ؟ قال: لا. قلت: فإنّي أشهد علىٰ الذي خلقه أنّه وضع في قلبي بغضهما، فكيف لي بإخراج ذلك من قلبي؟ فجلس جالساً، وقال: أنا والله الذي لا إله إلّا هو، إنّي لأبغض بنيهما من بغضهما؛ وذلك لأنهم إذا سمعوا سبَّ عليٍّ× فرحوا»([332])، وما روي عنه أيضاً أنّه قال: «سمعت زيد بن عليّ‘ يقول: المنتظَر من وُلد الحسين بن عليّ، في ذرّية الحسين وفي عقب الحسين×...»([333])، فإنّ هاتين الرواتين تكشفان عن مدىٰ اختصاصه بزيد×، وكونه المرجعيّة التي كان يرجع إليها في مسائله الفكريّة والعقديّة.

5 ـ وثاقته وعدالته

يمكننا أن نحاول إثبات اعتبار الفضيل بن الزبير بأكثر من أُسلوب:

الأُسلوب الأوّل: أن نستدلّ علىٰ وثاقته أو مدحه علىٰ أقل تقدير من خلال نصِّ المعصوم×، كالرواية التي نقلناها سابقاً عن الكشي، عن الفضيل بن الزبير، قال: «دخلتُ علىٰ أبي عبد الله× بعد ما قُتل زيد بن عليّ&، فأُدخلت بيتاً جوف بيت...»، فإنّ هذه الرواية تكشف عن وجود نوع من أنواع العلاقة الخاصّة بين الإمام× والفضيل، وأقلّ ما يستفاد من جو هذه الرواية: هو أنّ الرجل من الممدوحين، ولعل هذه الرواية هي التي دعت ابن داود إلىٰ ذكره في القسم المخصص للرواة الممدوحين، وهي التي دعته إلىٰ نسبة مدحه إلىٰ الكشي([334]).

ولكن أقلّ ما يُعترض به علىٰ هذه الرواية: هو أنّ الراوي لهذه الرواية هو الفضيل نفسه، فيكون الاستدلال بها ـ حينئذٍ ـ علىٰ مدح الفضيل أشبه بالدور.

الأُسلوب الثاني: أن نستدلّ علىٰ وثاقته من خلال التوثيقات العامّة، فقد وقع اسمه في بعض أسانيد كتاب كامل الزيارات([335])، وكتاب تفسير القمّي([336])، فيكون بذلك موثقاً علىٰ المبنىٰ القائل بوثاقة جميع مَن ورد اسمه في أسانيد هذين الكتابين.

نعم، بناءً علىٰ القول بانحصار التوثيق بشيوخ ابن قولويه والقمّي المباشرين، لا يكون الفضيل مشمولاً بهذين التوثيقين.

الأُسلوب الثالث: أن نستدلّ علىٰ وثاقته بعدم ورود ما يقدح به.

وتوضيح ذلك: أنّ الفضيل قد عنونه الرجاليون ولم يضعفوه، وهذا ما يجعله في عداد المهملين، والمهمل ـ عند القدماء ـ يختلف عن المجهول الذي صرَّح علماء الرجال بضعفه، فالأخير تُردّ روايته دون الأوّل، وقد كان ابن داود يعمل بخبر المهمل كما يعمل بخبر الممدوح؛ ولذا خصّص الجزء الأوّل من كتابه للممدوحين ومَن لم يضعفهم الأصحاب، وبهذا يكون الفضيل معتبر الرواية عند أصحاب هذا المبنىٰ.

الأُسلوب الرابع: أُسلوب جمع القرائن والشواهد المفيدة للاطمئنان، وهو ما سلكه السيِّد محمّد رضا الجلالي لتوثيق الفضيل، قال: «والذي أراه أنّ الرجل معتبر الحديث، لما يبدو من مجموع أخباره وأحواله من انقطاعه إلىٰ أهل البيت^، واختصاصه بهم ونصـرته له وتعاطفه معهم، وكونه مأموناً علىٰ أسرارهم، وكذلك وقوعه في طريق كثير من الروايات ـ وكلّها خالية ممّا يوجب القدح فيه ـ فهذا كلّه مدعاة إلىٰ الاطمئنان به...»([337]).

6 ـ وفاته

من المؤكَّد أنّ الفضيل قد كان حيّاً بعد عام 122هـ، وهو العام الذي استُشهد فيه زيد×، حيث أشرنا إلىٰ لقائه بالإمام الصادق× بعد هذا التاريخ، كما أنّ عدم روايته عن الإمام الكاظم× قد تدلّ علىٰ وفاته في أيام الإمام الصادق× المتوفّىٰ عام 148هـ، وبالتالي نستطيع أن نحصر وفاته بين عامي (122ـ 148هـ).

المبحث الثاني

 مقتل الحسين× لفضيل بن الزبير الأسدي

قبل أن نقوم بنقل النصّ الكامل لهذا المقتل من كتاب الأمالي الخميسيّة، توجد عدّة نقاط ينبغي الوقوف عليها:

1ـ أقدم نصّ مكتوب من هذا المقتل

إنّ أقدم نصّ احتوىٰ علىٰ هذا المقتل هو كتاب الأمالي الخميسيّة ليحيىٰ بن الحسين الشجري (ت479هـ) المشهور بـ (المرشد بالله) أحد أئمّة الزيديّة؛ من هنا كان لا بدّ لنا من وقفة قصيرة للتعريف بالكاتب والكتاب.

أمّا الكاتب، فهو أبو الحسين يحيىٰ بن الحسين ـ (الموفق بالله) صاحب كتاب (الاعتبار وسلوة العارفين) ـ بن إسماعيل بن زيد الحسني الرازي، عرف يحيىٰ بـ (المرشد بالله) و(الشجري) و(إِلْكيَا)([338])، وكان مفتي الزيديّة ومرجعهم، وكانت دعوته في بلاد الجيل والديلم والرّي وجرجان في القرن الخامس الهجري.

قال ابن الجوزي: «يحيىٰ بن الحسين بن إسماعيل بن زيد، أبو الحسين الحسني وكان مفتي طائفته علىٰ مذهب زيد بن عليّ، وكان له معرفة بالأُصول والحديث»([339]).

وقال ابن حجر ـ بعد ما أشار إلىٰ نسبه ومذهبه وسكناه ـ : سمع الصوري والعتيقي وابن غيلان وابن زيده بأصبهان وغيرهم، روىٰ عنه محمّد بن عبد الواحد الدقاق ونصر ابن مهدي وأبو سعد يحيىٰ بن طاهر السمان، وكان ممّن عُني بالحديث إلّا أنّه مبتدع كان مفتي الزيديّة ومقدّمهم وعالمهم توفِّي بالرّي سنة تسع وسبعين وأربع مائة([340]).

أمّا الكتاب، فيعرف بـ(الأمالي الخميسيّة)، والأمالي: هو «عنوان لبعض كتب الحديث غالباً، وهو الكتاب الذي أدرج فيه الأحاديث المسموعة من إملاء الشيخ عن ظهر قلبه وعن كتابه، والغالب عليها ترتيبه علىٰ مجالس السماع، ولذا يطلق عليه المجالس أو عرض المجالس أيضاً، وهو نظير الأصل في قوّة الاعتبار وقلّة تطرّق احتمال السهو والغلط والنسيان، ولا سيما إذا كان إملاء الشيخ عن كتابه المصحح، أو عن ظهر القلب مع الوثوق والاطمئنان بكونه حافظاً ضابطاً متقناً»([341]).

وسُميت (الأمالي الخميسيّة) بهذا الاسم، لأنّ الشجري كان يمليها علىٰ طلابه كلّ يوم خميس، وللمصنِّف كتاب آخر اسمه كتاب (الأنوار) يعرف بـ(الأمالي الاثنينيّة) أملاه يوم الاثنين.

ويُعرف هذا الكتاب أيضاً باسم (ترتيب الأمالي الخميسيّة)، وذلك بعدما رتّبه العلّامة محيي الدين محمّد بن أحمد بن عليّ بن الوليد القرشي العبشمي، وهو الآن علىٰ ترتيبه، وكان قبل ذلك رتّبه القاضي العلّامة شمس الدين جعفر بن أحمد بن أبي يحيىٰ في سبعة وعشـرين باباً.

2ـ سند الكتاب واسمه

قال الشجري: «أخبرنا الشريف أبو عبد الله محمّد بن عليّ([342]) بن الحسن البطحاني، بقراءتي عليه بالكوفة، قال: أخبرنا محمّد بن جعفر التميمي ـ قراءةً ـ قال: أخبرنا أحمد بن محمّد بن سعيد، قال: أخبرني الحسن بن جعفر التميمي ـ قراءةً ـ قال: حدّثني عمّي طاهر بن مدرار، قال: حدَّثني فضيل بن الزبير، قال: سمعت الإمام أبا الحسين زيد بن عليّ‘، ويحيىٰ بن أُمّ طويل، وعبد الله ابن شريك العامري يذكرون تسمية مَن قُتل مع الحسين بن عليّ‘ من وُلْده وإخوته وأهله وشيعته، وسمعته أيضاً من آخرين سواهم»([343]).

وقد اشتمل هذا النصّ علىٰ أمرين أساسيين:

أولاً: طريق صاحب الأمالي إلىٰ الفضيل بن الزبير.

ثانياً: مصادر الفضيل بن الزبير في هذا الكتاب.

وهذا ما سنبحثه فيما يلي:

أولاً: طريق صاحب الأمالي إلىٰ الفضيل بن الزبير

روىٰ صاحب الأمالي هذا الكتاب عن الفضيل بن الزبير بوسائط خمس:

1- الشريف أبو عبد الله محمّد بن عليّ بن الحسن البطحاني (ت445هـ): قال عنه الذهبي: «الإمام، المحدِّث، الثقة، العالم، الفقيه، مسند الكوفة، أبو عبد الله محمّد بن عليّ بن الحسن بن عبد الرحمن العلوي الكوفي. انتقىٰ عليه الحافظ أبو عبد الله الصوري، وغيره»([344]).

وذكره ابن الجوزي في ترجمة (أبو الغنائم النرسي)، حيث قال: «ولقي [يعني النرسي] أبا عبد الله العلوي العلّامة، وهو محمّد بن عليّ بن الحسن بن عبد الرحمن العلوي، وكان هذا العلوي يعرف الحديث...»([345]).

2ـ محمّد بن جعفر التميمي: هذا هو أبو الحسن محمّد بن جعفر بن محمّد بن هارون ابن فروة التميمي، النحوي، الكوفي، المعروف بـ (ابن النجار)، كان مولده عام 303هـ، ووفاته عام 402هـ([346]).

قال الزركلي: «محمّد بن جعفر بن محمّد بن هارون التميمي، أبو الحسن، المعروف بابن النجّار: عالم بالعربية، له اشتغال بالتأريخ، معمِّر، من أهل الكوفة، مولده ووفاته فيها، من كتبه (تاريخ الكوفة) رآه ياقوت، و(التحف والطرف) و(روضة الأخبار) و(القراءات)»([347]).

3ـ أحمد بن محمّد بن سعيد: هذا هو الحافظ المعروف بـ (ابن عقدة)، المولود سنة (249هـ) والمتوفَّىٰ سنة (333هـ) والموثّق عند الإماميّة والزيديّة والعامّة، (وقد مرّت له ترجمته في هذا الكتاب عند حديثنا عن مقتل الأصبغ بن نباتة).

4ـ الحسن بن جعفر التميمي: من شيوخ ابن عقدة، ومن تلامذة عمّه طاهر بن مدرار الآتي، وأكثر رواياته عنه، ولم ترد له ترجمة خاصّة في رجالنا، ذكره الخطيب البغدادي في غنية الملتمس إيضاح الملتبس، قائلاً: «الحسن بن جعفر بن مدرار الكوفي، حدَّث عن عمّه طاهر بن مدرار، روىٰ عنه أبو العباس بن عقدة الحافظ»([348]).

5ـ طاهر بن مدرار: هذا هو طاهر بن مدرار التميمي الطنافسي الكوفي، عمّ الحسن ابن جعفر وشيخه، ومن تلامذة الفضيل بن الزبير، وراوي كتابه في المقتل.

قال الجلالي فيه وفي ابن أخيه: «...ويظهر حُسْن حالهما عند الدار قطني؛ حيث لم يتعرّض لهما بشيء في الروايات التي وقعا في طُرُقِها مع أنّه تعرّض للحسن بن عمارة مكرراً، وقال: إنّه متروك. أو إذا لاحظنا ما ذكره الذهبي في حقّ الدار قطني من أنّه: حافظ العصر الذي لم يأتِ بعد النسائي مثله، ولاحظنا أنّ كتابه (السنن) من مظانّ الحديث الحسن، كما قال السيوطي، بل من مظانّ الحديث الصحيح، كما قال ابن حجر، اتّضح عدم مجهوليّة الرجلين، بل حُسْن حالهما والاعتماد عليهما»([349]).

ثانياً: مصادر الفضيل بن الزبير في هذا الكتاب

لقد اعتمد الفضيل بن الزبير في هذا الكتاب ـ كما صـرّح في النصِّ أعلاه ـ علىٰ ثلاثة مصادر أساسية: (أبو الحسين زيد بن عليّ÷، ويحيىٰ بن أُمّ طويل، وعبد الله بن شريك العامري)، فهؤلاء يمثّلون المآخذ الأساسية والمنابع الرئيسيّة التي استقىٰ منها الفضيل مادّة كتابه، وفيما يلي تعريف مقتضب لكلّ واحد منهم:

1ـ أبو الحسين زيد بن عليّ÷: هذا هو زيد الشهيد×، الذي يُنسب إليه المذهب الزيديّ، وهو أشهر من نار علىٰ علم.

قال الشيخ المفيد: «كان زيد بن عليّ بن الحسين‘ عين إخوته بعد أبي جعفر× وأفضلهم، وكان عابداً ورعاً فقيهاً سخيّاً شجاعاً، وظهر بالسيف يأمر بالمعروف وينهىٰ عن المنكر، ويطلب بثارات الحسين×.

أخبرني الشريف أبو محمّد الحسن بن محمّد، عن جدِّه عن الحسن بن يحيىٰ، قال:
حدَّثنا الحسن بن الحسين، عن يحيىٰ بن مساور عن أبىٰ الجارود زياد بن المنذر، قال: قدمت المدينة فجعلت كلّما سألت عن زيد بن عليّ×، قيل لي: ذاك حليف القرآن! وروىٰ هشام ابن هشام، قال: سألت خالد بن صفوان، عن زيد بن عليّ×، وكان يحدِّثنا عنه، فقلت: أين لقيته؟ قال: بالرصافة. فقلت: أيّ رجل كان؟ فقال: كان كما علمت يبكىٰ من خشية الله حتىٰ يختلط دموعه بمخاطه. واعتقد كثير من الشيعة فيه الإمامة، وكان سبب اعتقادهم ذلك فيه خروجه بالسيف، يدعو إلىٰ الرضا من آل محمد|، فظنّوه يريد بذلك نفسه، ولم يكن
يريدها به لمعرفته باستحقاق أخيه× للإمامة من قبله، ووصيته عند وفاته إلىٰ أبي عبد الله×»([350]).

وعدّه الشيخ الطوسي في أصحاب الإمام زين العابدين×، قائلاً: «زيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب^»([351])، ثمّ عدّه في أصحاب الإمام الباقر× قائلاً بعد أن عنونه: «أبو الحسين أخوه×»([352])، ثمّ عنونه في أصحاب الإمام الصادق×، وقال: «أبو الحسين مدني تابعي، قُتل سنة إحدىٰ وعشرين ومائة وله اثنتان وأربعون سنة»([353]).

2ـ يحيىٰ بن أُمّ طويل: هذا هو يحيىٰ بن أُمّ الطويل أخو الإمام زين العابدين× من الرضاعة وبابه وخاصّته وبطانته، عدّه الشيخ الطوسي في أصحاب الإمام زين العابدين^ مع توصيفه بـ (المطعمي)([354]).

وروىٰ الكشي بسنده عن أبي عبد الله×، قال: «ارتدّ الناس بعد قتل الحسين× إلّا ثلاثة أبو خالد الكابلي، ويحيىٰ بن أُمّ الطويل، وجبير بن مطعم، ثمّ إنّ الناس لحقوا وكثروا»([355]).

3ـ عبد الله بن شريك العامري: هذا هو أبو المحجل عبد الله بن شريك بن عدي العامري الكلابي الوحيدي، الكوفي، من وجوه الشيعة، ومن حواريي الإمامين السجّاد والباقر÷. ذكره النجاشي في ترجمة حفيد حفيده: (عبيد بن كثير بن محمد)، فقال: «روىٰ عن عليّ بن الحسين وأبي جعفر‘، وكان يُكنّىٰ أبا المحجل، وكان عندهما وجيهاً مقدّماً»([356]).

3ـ الجلالي أوّل مَن أحيى هذا المقتل

ممّا ينبغي أن يُشار إليه هو أنّ أوّل مَن أحيىٰ هذا الأثر، ونشـره في حواضرنا العلميّة، هو العلّامة والمحقق الكبير المعاصر محمّد رضا الحسيني الجلالي، حيث قام باستخراج متنه من كتاب الأمالي الخميسيّة، وقام بتحقيق النصّ وتقويمه، وقدّم له بمقدّمة إضافية اشتملت علىٰ: (التعريف بالكتـاب، ترجمة الفضـيل بن الزبير، سند الكتاب) وقد نشــرـ لأوّل مرّة ـ بعنوان (تسمية مَن قُتل مع الحسين× من وُلْده وإخوته وأهل بيته وشيعته) في العدد الثاني من فصليّة تراثنا (1406هـ) التي تصدر في قم عن مؤسسة آل البيت^ لأحياء التراث.

وقد تعرّض السيِّد الجلالي ـ في مستهلّ مقدّمة التحقيق ـ إلىٰ نقاط القوّة التي اشتمل عليها هذا النصّ، والتي حفّزته علىٰ تحقيقه ونشـره، وهي كما يلي:

1ـ إنّ روايته مسندة عن رجال معروفين، يتمتّعون بمكانة عند المحدّثين والعلماء، وهذا ما لم تحضَ به أكثر الروايات التي يتداولها المؤرِّخون وأرباب المقاتل وغيرهم من المؤلّفين بهذا الصدد.

 2 ـ إن جامعه (فضيل بن الزبير) قصد إلىٰ استيعاب ما توفّر له من النقول في هذا المجال، فلقي أكثر من شخص، وجمع ما ذكروه في هذه الرواية؛ ممّا يدلّ علىٰ عنايته الفائقة بما جمعه فيه.

 3 ـ احتواؤه علىٰ أسماء لشهداء لم يُذكروا في موضع آخر.

 4 ـ احتواؤه علىٰ آثار وروايات وتفصيلات، ممّا يرفع من قيمته العلميّة والتاريخيّة.

5 ـ إنّي لم أجد (والكلام للجلالي) فيما قرأت من الكتب المعنيّة بهذا الموضوع ذكراً لهذا الأثر، ولا نقلاً عنه([357]).

أقول: وبعد هذا أخذ هذا الأثر بالانتشار في حواضرنا العلميّة، وأخذت الكتب المعنية بواقعة كربلاء تعتمد عليه، فممَّن اعتمد عليه ـ بحسب تتبّعي لما صدر في هذا الشأن في السنوات الماضية ـ : الطبسي في كتابه الركب الحسيني من المدينة إلىٰ المدينة، وفوزي آل سيف في كتابه من قضايا النهضة الحسينيّة، وجواد محدّثي في كتابه موسوعة عاشوراء، وحسين الشاكري في كتابه سيرة الإمام الحسين×، وفارس تبريزيان الحسون في تحقيقه لكتاب الملهوف علىٰ قتلىٰ الطفوف لابن طاووس.

متن المقتل براوية صاحب الأمالي:

أشرنا فيما سبق إلىٰ أنّ أقدم نصٍّ مكتوب من هذا المقتل هو ما نقله الشجري في الأمالي الخميسيّة، وسننقل فيما يأتي النصّ الكامل لهذا المقتل برواية صاحب الأمالي، مع الأخذ بعين الاعتبار التصحيحات التي أجراها السيِّد الجلالي بعد تحقيقه للنصّ، فهذه هي النسخة المحققة من هذا المقتل بتحقيق السيِّد الجلالي، والمنشورة في العدد الثاني من فصليّة تراثنا بعنوان: (تسمية مَن قُتل مع الحسين بن عليّ÷ من وُلْده وإخوته وأهله وشيعته)، الصفحات: (149ـ 157)، ولم نغيِّر من هذه النسخة سوىٰ حذف التعليقات التي يضعها المحقّق أحياناً للتنبيه علىٰ المواضع المصحّحة.

بسم الله الرحمن الرحيم

تسمية مَن قُتل مع الحسين بن عليّ‘ من وُلده وإخوته وأهله وشيعته

شهداء أهل البيت^:

(1) الحسين بن عليّ، ابن رسول الله (صلوات الله عليهم)، قتله سنان بن أنس النخعي، وحمل رأسه، فجاء به خولي بن يزيد الأصبحي.

(2) والعباس بن عليّ بن أبي طالب÷، وأُمّه أُمّ البنين بنت حزام بن خالد بن ربيعة ابن الوحيد العامري، قتله زيد بن رقاد الجنبي، وحكيم بن الطفيل الطائف السنبسـي، وكلاهما ابتُلي في بدنه.

(3) وجعفر بن عليّ بن أبي طالب÷، وأُمّه ـ أيضاً ـ أُمّ البنين بنت حزام، قتله هانئ ابن ثبيت الحضرمي.

(4) وعبد الله بن عليّ×، وأُمّه ـ أيضاً ـ أُمّ البنين، رماه خولي بن يزيد الأصبحي بسهم، وأجهز عليه رجل من بني تميم بن أبان بن دارم.

(5) ومحمّد بن عليّ بن أبي طالب÷ الأصغر، قتله رجل من أبان بن دارم، وليس بقاتل عبد الله بن عليّ، وأُمّه أُمّ وَلَد.

(6) وأبو بكر بن عليّ بن أبي طالب÷، وأُمّه ليلىٰ بنت مسعود بن خالد بن مالك ابن ربعي بن سلم بن جندل بن نهشل بن دارم التميمي.

(7) وعثمان بن عليّ÷، وأُمّه أُمّ البنين بنت حزام، أخو العباس وجعفر وعبد الله أبناء عليّ لأُمّ.

(8) وعليّ بن الحسين، الأكبر، وأُمّه ليلىٰ بنت (أبي) مرّة بن عروة بن مسعود بن مغيث الثقفي، وأُمّها ميمونة بنت أبي سفيان بن حرب، قتله مرّة بن منقذ بن النعمان الكندي، وكان يحمل عليهم، ويقول:

أنا عليّ بن الحسين بن عليّ
نحن وبيت الله أوْلىٰ بالنبي

حتىٰ قُتل×.

(9) وعبد الله بن الحسين÷، وأُمّه الرباب بنت امرئ القيس بن عدي بن أوس بن جابر بن كعب بن حكيم الكلبي، قتله حرملة بن الكاهل الأسدي الوالبي، وكان وُلِدَ للحسين بن عليّ× في الحرب، فأُتي به وهو قاعد، وأخذه في حجره ولبأه بريقه، وسمّاه عبد الله، فبينما هو كذلك إذ رماه حرملة بن الكاهل بسهم فنحره، فأخذ الحسين× دمه، فجمعه ورمىٰ به نحو السماء، فما وقعت منه قطرة إلىٰ الأرض. قال فضيل: وحدَّثني أبو الورد: أنّه سمع أبا جعفر يقول: لو وقعت منه إلىٰ الأرض قطرة لنزل العذاب. وهو الذي يقول الشاعر فيه:

وعند غني قطرة من دمائنا
وفي أسد أُخرىٰ تُعدُّ وتُذكر

وكان عليّ بن الحسين× عليلاً، وارتثّ يومئذٍ، وقد حضـر بعض القتال فدفع الله عنه، وأُخِذ مع النساء هو، ومحمّد بن عمرو بن الحسن، والحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب^.

(10) وقُتل أبو بكر بن الحسن بن عليّ، وأُمّه أُمّ ولد، قتله عبد الله بن عقبة الغنوي.

(11) وعبد الله بن الحسن بن عليّ^، وأُمّه أُمّ ولد، رماه حرملة بن الكاهل الأسدي بسهم فقتله.

(12) والقاسم بن الحسن بن عليّ، وأُمّه أُمّ ولد، قتله عمرو بن سعيد بن نفيل الأزدي.

(13) وعون بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وأُمّه جمانة بنت المسيب بن نجية بن ربيعة بن رباح الفزاري، قتله عبد الله بن قطنة الطائي النبهاني.

(14) ومحمّد بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وأُمّه الخوصاء بنت حفصة بنت ثقيف بن ربيعة بن عائذ بن الحارث بن تيم الله بن ثعلبة بن بكر بن وائل، قتله عامر بن نهشل التيمي. قال: ولمّا أتىٰ أهل المدينة مصابهم، دخل الناس علىٰ عبد الله بن جعفر يعزونه، فدخل عليه بعض مواليه، فقال: هذا ما لقينا ودخل علينا من الحسين! قال: فحذفه عبد الله بن جعفر بنعله، وقال: «يا بن اللخناء! أللحسين تقول هذا؟! والله، لو شهدته ما فارقته حتىٰ أُقتل معه. والله، ما تسخىٰ نفسي عنهما وعن أبي عبد الله× إلّا أنّهما أُصيبا مع أخي وكبيري وابن عمّي مواسين، مضاربين معه»، ثمّ أقبل علىٰ جلسائه، فقال: «الحمد لله علىٰ كلّ محبوب ومكروه، أعزز عليّ بمصرع أبي عبد الله×، ثمّ أعزز عليّ ألا أكون آسيته بنفـسي، الحمد لله علىٰ كلّ حال، قد آساه وَلداي».

(15) جعفر بن عقيل بن أبي طالب، أُمّه أُمّ البنين بنت الشقر بن الهضاب الكلابي، قتله عبد الله بن عمرو الخثعمي.

(16) وعبد الرحمن بن عقيل، أُمّه أُمّ ولد، قتله عثمان بن خالد بن أسير الجهني، وبشـر بن حرب الهمداني القانصي، اشتركا في قتله.

(17) وعبد الله بن عقيل بن أبي طالب، وأُمّه أُمّ ولد رماه عمرو بن صبيح الصيداوي، فقتله.

(18) ومسلم بن عقيل بن أبي طالب، قُتل بالكوفة، وأُمّه حبلة أُمّ ولد.

(19) وعبد الله بن مسلم بن عقيل، وأُمّه رقية بنت عليّ بن أبي طالب، وأُمّها أُمّ ولد، قتله عمرو بن صبيح الصيداوي، ويُقال: قتله أسد بن مالك الحضرمي.

(20) ومحمّد بن أبي سعيد بن عقيل بن أبي طالب، وأُمّه أُمّ ولد، قتله ابن زهير الأزدي، ولقيط بن ياسر الجهني، اشتركا في قتله.

ولمّا أتىٰ الناس بالمدينة مقتل الحسين بن عليّ÷، خرجت زينب بنت عقيل بن أبي طالب، وهي تقول:

ماذا تقولون إن قال النبيُّ لكم
ماذا صنعتم وأنتم آخر الأُمم
بعترتي أهل بيتي بعد مفتقدي
منهم أُسارىٰ ومنهم ضُرِّجوا بدم
ما كان هذا جزائي إذ نصحت لكم
أن تخلفوني بسوء في ذوي رَحمي

شهداء الأصحاب رضوان الله عليهم:

(21) وقُتل سليمان، مولىٰ الحسين بن عليّ÷، قتله سليمان بن عوف الحضرمي.

(22) وقُتل منجح، مولىٰ الحسين بن عليّ÷، قتله حسّان بن بكر الحنظلي.

(23) وقُتل قارب الديلمي، مولىٰ الحسين بن عليّ÷.

(24) وقُتل الحارث بن نبهان، مولىٰ حمزة بن عبد المطلب، أسد الله وأسد رسوله.

(25) وقُتل عبد الله بن يقطر، رضيع الحسين بن عليّ÷ بالكوفة، رُمي به من فوق القصر فتكسّر، فقام إليه عبد الملك بن عمير اللخمي فقتله واحتزّ رأسه.

وقُتل من بني أسد بن خزيمة:

(26) حبيب بن مظاهر، قتله بديل بن صريم الغفقاني، وكان يأخذ البيعة للحسين ابن عليّ÷.

(27) وأنس بن الحارث، وكانت له صحبة من رسول الله|.

(28) وقيس بن مسهَّر الصيداوي.

(29) وسليمان بن ربيعة.

(30) ومسلم بن عوسجة السعدي، من بني سعد بن ثعلبة، قتله مسلم بن عبد الله، وعبيد الله بن أبي خشكاره.

وقُتل من بني غفار بن مليل بن ضمرة:

(31) و(32) عبد الله، وعبيد الله، ابنا قيس بن أبي عروة.

(33) و(جون بن) حوي، مولىٰ لأبي ذرّ الغفاري.

وقُتل من بني تميم:

(34) الحرّ بن يزيد، وكان لَحِق بالحسين بن عليّ÷ بعدُ.

(35) وشبيب بن عبد الله، من بني نفيل بن دارم.

وقُتل من بني سعد بن بكر:

(36) الحجّاج بن بدر.

 وقُتل من بني تغلب:

(37) و(38) قاسط، وكردوس، ابنا زهير بن الحارث.

(39) وكنانة بن عتيق.

(40) والضرغامة بن مالك.

وقُتل من قيس بن ثعلبة:

(41) (جوين) بن مالك.

(42) وعمرو بن ضبيعة.

وقُتل من عبد القيس، من أهل البصرة:

(43) و(44) و(45) يزيد بن ثبيط، وابناه: عبد الله، وعبيد الله، ابنا يزيد.

(46)و(47) وعامر بن مسلم وسالم مولاه.

(48) وسيف بن مالك.

(49) والأدهم بن أُميّة.

وقُتل من الأنصار:

(50) عمرو بن قرظة.

(51) وعبد الرحمن بن عبد ربّ، من بني سالم بن الخزرج، وكان أمير المؤمنين× ربّاه وعلّمه القرآن.

(52) ونعيم بن العجلان الأنصاري.

(53) وعمران بن كعب الأنصاري.

(54) و(55) وسعد بن الحارث، وأخوه: (أبو) الحتوف بن الحارث، وكانا من المحكمة، فلمّا سمعا أصوات النساء والصبيان من آل رسول الله|، حكما، ثمّ حملا بأسيافهما، فقاتلا مع الحسين× حتىٰ قُتلا، وقد أصابا في أصحاب عمر بن سعد ثلاثة نفر.

وقُتل من بني الحارث بن كعب:

(56) الضباب بن عامر.

وقُتل من بني خثعم:

(57) عبد الله بن بشر الأكلة.

(58) وسويد بن عمرو بن المطاع، قتله هانئ بن ثبيت الحضرمي.

وقُتل:

(59) بكر بن حيّ التيملي، من بني تيم الله بن ثعلبة.

(60) وجابر بن الحجاج، مولىٰ عامر بن نهشل من بني تيم الله.

(61) ومسعود بن الحجاج.

(62) وابنه: عبد الرحمن بن مسعود.

وقُتل من عبد الله:

(63) مجمع بن عبد الله.

(64) وعائذ بن مجمع.

وقُتل من طي:

(65) عامر بن حسان بن شريح بن سعد بن حارثة بن لام.

(66) وأُميّة بن سعد.

وقُتل من مراد:

(67) نافع بن هلال الجملي، وكان من أصحاب أمير المؤمنين×.

(68) و(69) وجنادة بن الحارث السلماني، وغلامه: واضح الرومي.

وقُتل من بني شيبان بن ثعلبة:

 (70) جبلة بن عليّ.

وقُتل من بني حنيفة:

(71) سعيد بن عبد الله.

وقُتل من جواب:

(72) و(73) جندب بن حجير، وابنه: حجير بن جندب.

وقُتل من صيدا:

(74) و(75) عمرو بن خالد الصيداوي، وسعد، مولاه.

وقُتل من كلب:

(76) و(77) عبد الله بن عمرو بن عياش بن عبد قيس، وألم مولىٰ لهم.

وقُتل من كندة:

(78) الحارث بن امرئ القيس.

(79) ويزيد بن زيد بن المهاصر.

(80) وزاهر، صاحب عمرو بن الحمق، وكان صاحبه حين طلبه معاوية.

وقُتل من بجيلة:

(81) كثير بن عبد الله الشعبي.

(82) و(83)ومهاجر بن أوس، وابن عمّه: سلمان بن مضارب.

وقُتل:

(84) و(85) النعمان بن عمرو، والحلاس بن عمرو الراسبيّان.

وقُتل من خرقة جهينة:

(86) مجمع بن زياد.

(87) وعباد بن أبي المهاجر الجهني.

(88) وعقبة بن الصلت.

وقُتل من الأزد:

(89) مسلم بن كثير.

(90) والقاسم بن بشر.

(91) وزهير بن سليم.

(92) ومولىٰ لأهل شندة يُدعىٰ رافعاً.

وقُتل من همدان:

(93) أبو ثمامة، عمرو بن عبد الله الصائدي، وكان من أصحاب أمير المؤمنين×، قتله قيس بن عبد الله.

(94) ويزيد بن عبد الله المشرقي.

(95) وحنظلة بن أسعد الشبامي.

(96) وعبد الرحمن بن عبد الله الأرحبي.

(97) وعمار بن سلامة الدالاني.

(98) وعابس بن أبي شبيب الشاكري.

(99) وشوذب، مولىٰ شاكر، وكان متقدّماً في الشيعة.

(100) وسيف بن الحارث بن سريع.

(101) ومالك بن عبد الله بن سريع.

(102) وهمام بن سلمة القانصي.

وارتثّ من همدان:

(103) سوار بن حمير الجابري فمات لستّة أشهُر من جراحته.

(104) وعمرو بن عبد الله الجندعي، مات من جراحة كانت به، علىٰ رأس سنة.

وقُتل:

(105) هانئ بن عروة المرادي، بالكوفة، قتله عبيد الله بن زياد.

وقُتل من حضرموت:

(106) بشير بن عمر.

(107) وخرج الهفهاف بن المهنّد الراسبي، من البصـرة، حين سمع بخروج الحسين×، فسار حتىٰ انتهىٰ إلىٰ العسكر بعد قتله، فدخل عسكر عمر بن سعد، ثمَّ انتضـىٰ سيفه، وقال: «يا أُيها الجند المجنّد، أنا الهفهاف بن المهنّد، أبغس عيال محمّد». ثمّ شدّ فيهم.

قال عليّ بن الحسين÷: فما رأىٰ الناس منذ بعث الله محمّداً|، فارساً ـ بعد عليّ بن أبي طالب÷ ـ قتل بيده ما قتل، فتداعوا عليه خمسة نفر، فاحتوشوه، حتىٰ قتلوه، رحمه الله تعالىٰ. ولمّا وصلوا إلىٰ سرادقات الحسين بن عليّ÷ أصابوا عليّ بن الحسين عليلاً مدنفاً، ووجدوا الحسن جريحاً، وأُمّه خولة بنت منظور الفزاري، ووجدوا محمّد بن عمرو بن الحسن بن عليّ غلاماً مراهقاً، فضموهم مع العيال، وعافاهم الله تعالىٰ فأنقذهم من القتل.

فلمّا أُتي بهم عبيد الله بن زياد همَّ بعليّ بن الحسين، فقال له: إنّ لك بهؤلاء حرمة، فأرسل معهن مَن يكفلهن ويحوطهن. فقال: لا يكون أحد غيرك، فحملهم جميعاً.

واجتمع أهل الكوفة ونساء همدان حين خرج بهم، فجعلوا يبكون، فقال عليّ بن الحسين÷: هذا أنتم تبكون! فأخبروني مَن قتلنا؟! فلمّا أُتي بهم مسجد دمشق، أتاهم مروان، فقال للوفد: كيف صنعتم بهم؟! قالوا: ورد علينا منهم ثمانية عشر رجلاً، فأتينا علىٰ آخرهم! فقال أخوه عبد الرحمن بن الحكم: حُجبتم عن محمّد| يوم القيامة، والله، لا أجامعكم أبداً. ثمّ قام وانصرف، فلمّا أن دخلوا علىٰ يزيد، فقال: إيه يا عليّ! أجزرتم أنفسكم عبيد أهل العراق؟! فقال عليّ بن الحسين:  (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ).  فقال  يزيد :  (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ).ثمَّ أمر بهم فأُدخلوا داراً، فهيّأهم وجهّزهم وأمر بتسـريحهم إلىٰ المدينة. وكان أهل المدينة يسمعون نوح الجنّ علىٰ الحسين بن عليّ÷ حين أُصيب، وجنّية تقول:

ألا يا عين فاحتفلي بجهدِ

ومَن يبكي علىٰ الشهداء بعدي

علىٰ رهط تقودهم المنايا

إلىٰ متجبِّر في مُلك عبد

تكملة مقتل الفضيل بن الزبير:

يبدو أنّ الفضيل بن الزبير كان من المهتمين بحفظ وتسجيل النصّ الكربلائي، وقد عثرت علىٰ عدّة روايات مسندة إلىٰ الفضيل ترتبط بكربلاء غير رواية الأمالي الخميسيّة، وقد أحببت أن أجمع تلك الروايات، لتكون بمثابة التكملة لرواية الأمالي.

1ـ في تاريخ دمشق لابن عساكر (ت571هـ) بسنده إلىٰ الفضيل([358]) بن الزبير، قال: «كنت جالساً عند شخص([359])، فأقبل رجل فجلس إليه رائحته رائحة القطران، فقال له: يا هذا، أتبيع القطران؟ قال: ما بعته قط. قال: فما هذه الرائحة؟ قال: كنت ممَّن شهد عسكر عمر بن سعد، وكنت أبيعهم أوتاد الحديد، فلمّا جنَّ عليّ الليل رقدت فرأيت في نومي رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ومعه عليّ، وعليٌّ يسقي القتلىٰ من أصحاب الحسين، فقلت له: اسقني. فأبىٰ، فقلت: يا رسول الله، مُره يسقيني. فقال: ألست ممَّن عاون علينا؟! فقلت: يا رسول الله، والله، ما ضربت بسيف ولا طعنت برمح ولا رميت بسهم، ولكنّي كنت أبيعهم أوتاد الحديد، فقال: يا عليّ، اسقه فناولني قعباً مملوءاً قطراناً فشربت منه قطران، ولم أزل أبول القطران أياماً، ثمّ انقطع ذلك البول عنّي وبقيت الرائحة في جسمي. فقال له السدي: يا عبد الله، كُل من برِّ العراق واشرب من ماء الفرات فما أراك تعاين محمّداً أبداً»([360]).

2ـ وفيه أيضاً: بسنده عن فضيل بن الزبير، عن عبد الرحيم بن ميمون، عن محمّد بن عمرو بن حسن، قال: «كنّا مع الحسين رضي الله عنه بنهري كربلاء، فنظر إلىٰ شمر بن ذي الجوشن، فقال: صدق الله ورسوله، قال رسول الله(صلى الله عليه وسلم) كأنّي أنظر إلىٰ كلب أبقع يلغ في دماء أهل بيتي»([361]).

وقد رواه بطريق آخر ينتهي للفضيل أيضاً، وبلفظ متقارب([362]).

3ـ وفي كامل الزيارات: بسنده عن فضيل الرسّان، عن أبي سعيد عقيصا، قال: «سمعت الحسين بن عليّ‘، وخلا به عبد الله بن الزبير وناجاه طويلاً، قال: ثمَّ أقبل الحسين× بوجهه إليهم، وقال: إنّ هذا يقول لي: كن حماماً من حمام الحرم. ولأن أُقتل وبيني وبين الحرم باعٌ أحبُّ إليّ من أن أُقتل وبيني وبينه شبر، ولأن أُقتل بالطفّ أحبّ إليّ من أن أُقتل بالحرم»([363]).

4ـ وفي علل الشرائع: بسنده عن فضيل الرسّان عن جبلة المكيّة، قالت: «سمعت ميثم التمّار (قدّس الله روحه) يقول: والله، لتَقتُل هذه الأُمّة ابن نبيِّها في المحرّم لعشر يمضين منه، وليتّخذن أعداء الله ذلك اليوم يوم بركة، وإن ذلك لكائن قد سبق في علم الله تعالىٰ ذكره، أعلم ذلك بعد عهده إليَّ مولاي أمير المؤمنين×، ولقد أخبرني أنّه يبكي عليه كلّ شيء حتىٰ الوحوش في الفلوات والحيتان في البحر والطير في السماء، ويبكىٰ عليه الشمس والقمر والنجوم، والسماء والأرض، ومؤمنو الإنس والجنّ، وجميع ملائكة السماوات والأرضين، ورضوان ومالك وحملة العرش، وتمطر السماء دماً ورماداً.

ثمّ قال: وجبت لعنة الله علىٰ قتلة الحسين×، كما وجبت علىٰ المشركين الذين يجعلون مع الله إلها آخر، وكما وجبت علىٰ اليهود والنصارىٰ والمجوس.

قالت جبلة: فقلت له: يا ميثم، فكيف يتّخذ الناس ذلك اليوم الذي قُتل فيه الحسين× يوم بركة؟ فبكىٰ ميثم (رضىٰ الله عنه) ثمّ قال: يزعمون لحديث يضعونه أنّه اليوم الذي تاب الله فيه علىٰ آدم×! وإنّما تاب الله علىٰ آدم× في ذي الحجّة، ويزعمون أنّه اليوم الذي قَبِل الله فيه توبة داود×! وإنّما قَبِل الله (عزّ وجلّ) توبته في ذيّ الحجّة، ويزعمون أنّه اليوم الذي أخرج الله فيه يونس× من بطن الحوت! وإنّما أخرج الله (عزّ وجلّ) يونس× من بطن الحوت في ذي الحجّة، ويزعمون أنّه اليوم الذي استوت فيه سفينة نوح× علىٰ الجودي! وإنّما استوت علىٰ الجودي يوم الثامن عشـر من ذي الحجّة، ويزعمون أنّه اليوم الذي فلق الله تعالىٰ فيه البحر لبنىٰ إسرائيل! وإنّما كان ذلك في ربيع الأوّل. ثمَّ قال ميثم: يا جبلة، اعلمي أنّ الحسين بن عليّ‘ سيِّد الشهداء يوم القيامة، ولأصحابه علىٰ سائر الشهداء درجة، يا جبلة إذا نظرتِ السماء حمراء كأنّها دم عبيط فاعلمي أنّ سيِّد الشهداء الحسين× قد قُتل.

قالت جبلة: فخرجت ذات يوم فرأيت الشمس علىٰ الحيطان كأنّها الملاحف المصفرّة؛ فصحت حينئذٍ وبكيت وقلت: قد ـ والله ـ قُتل سيِّدنا الحسين×»([364]).

 

خاتمة بأهمّ النتائج

1ـ يُعتبر الفضيل بن الزبير من الشخصيات الكوفيّة التي برزت في بدايات القرن الهجري الأوّل، ولم نستطع تحديد تاريخ دقيق لولادته أو وفاته، إلا أنّ المعطيات المتوفرة تشير إلىٰ ولادته قبل مطلع القرن الهجري الثاني، ووفاته بين عامي (122ـ 148هـ).

2ـ انحدر الفضيل من أُسرة من الأُسّر الّتي تنتمي إلىٰ بني أسد بالولاء، وهي أُسرة الزبير بن عمر بن درهم التي أنجبت عدّة من الأعلام، كالفضيل بن الزبير، وأخيه عبد الله ابن الزبير، وولده محمّد بن عبد الله بن الزبير المعروف بـ (أبي أحمد الزبيري).

3ـ كان الفضيل من الشخصيات العلميّة التي ركّزت علىٰ الجانب الكلامي والعقائدي، كما كان له اهتمام حديثيّ وتاريخيّ، والتأمّل في أُسلوبه وصياغته لكتابه في المقتل، والمصادر التي اعتمد عليها في ذلك يدلّ علىٰ حسٍّ علمي، وبراعة في التأليف يجعلانه في مصاف الأخباريين من الطراز الأوّل.

4ـ كان الفضيل علىٰ مذهب الزيديّة، بل هو من متكلِّميهم وكبرائهم، وكان من أبرز مساعدي زيد الشهيد× في دعوته وثورته.

5ـ كان الفضيل علىٰ صلة طيبة بالإمامين الباقر والصادق÷، وكان يفد عليهما، ويروي عنهما.

6ـ والفضيل معتبر الحديث بحسب المبنىٰ القائل بوثاقة جميع رواة كامل الزيارات، والمبنىٰ القائل بوثاقة جميع رواة تفسير القمّي، والمبنىٰ القائل بكفاية عنونة الراوي في الأُصول الرجاليّة وعدم القدح فيه، وأيضاً يمكن اعتبار حديثه عن طريق التأمّل في القرائن والشواهد الدالّة بمجموعها علىٰ وثاقته كما صنع الجلالي.

7ـ وكتابه في المقتل موجود في كتاب الأمالي الخميسيّة للشجري، ويعود فضل انتشاره في أوساطنا العلميّة إلىٰ العلّامة والمحقق الكبير السيّد محمّد رضا الجلالي كما نبَّهنا.

8ـ كان الفضيل من المهتمّين بحفظ وتدوين النصّ الكربلائي، وهو ما لمسناه في مقتله، وفي نصوص أُخرىٰ مرويّة عنه في هذا الشأن، جمعناها تحت عنوان (تكملة مقتل الفضيل بن الزبير).

الفصل الخامس: مقتل أبي مخنف الأزدي الكوفي أشهر المقاتل الحُسينيّة

الفصل الخامس

مقتل أبي مِخْنَف الأزدي الكوفي (000ـ 157هـ)

أشهر المقاتل الحُسينيّة

 

تقديم

كان أبو مخنف في زمانه شيخ المؤرِّخين في الكوفة، وكان من أشدّ المؤرِّخين اهتماماً بجمع وتدوين أخبار كربلاء، وقد حاول أن يحيط بأدقّ التفاصيل المرتبطة بهذه الواقعة، فشملت أخباره أحداث ووقائع يوم عاشوراء، وما سبقه من إرهاصات وتمهيدات، وما تلاه من أحداث ووقائع السبي.

 وقد روىٰ محمّد باقر القائني في كتابه الكبريت الأحمر: «أنّه أعطىٰ قباءه ـ وهو برد يماني نفيس ـ ثمناً لكتابة أبيات من الشعر منسوبة لسيِّد الشهداء×»([365]).

وهذه الرواية ـ إن صحت ـ تكشف عن حرصه الشديد وتطلّعه إلىٰ التقاط كل شاردة وواردة حول هذه الواقعة.

وكما حاول أبو مخنف أن يحيط بأدقّ تفاصيل أحداث ووقائع كربلاء، فقد
حاول ـ أيضاً ـ أن يستند في عمله إلىٰ المنابع الأُولىٰ المتمثِّلة في الرواة الأوائل الذين عايشوا الأحداث وباشروها، كعقبة بن سمعان مولىٰ الرباب زوجة الحسين×([366])، ودلهم بنت عمرو زوجة زهير بن القين([367])، وجعفر بن حذيفة الطائي([368])، وعقبة بن أبي العيزار([369])، ويحيىٰ ابن هانئ بن عروة المرادي([370])، وغيرهم.

 وإذا تعذّر الاتّصال بالراوي المباشر لعدم معاصرته، أو للبُعد المكاني، كان أبو مخنف يتّصل بمَن اتّصل بالرواة المباشرين (بلا واسطة) كما اتّصل بسليمان بن أبي راشد الأزدي للوصول إلىٰ أخبار حُميد بن مسلم الأزدي([371])، أو (بواسطة) كما أخذ أخبار عبد الله بن سليم والمذري بن المشمعل الأسديين([372])عن أبي جناب الكلبي عن عدي بن حرملة الأسدي عنهما([373]).

من هنا؛ فقد جاءت روايات مقتل أبي مخنف غنيّة في تفاصيلها وإحاطتها بالجزئيات، مسندة متّصلة موثوقة في مآخذها ومنابعها؛ ولذا أصبح مقتله من أشهر المقاتل الحسينيّة، وأكثرها اعتماداً لدىٰ المؤرِّخين علىٰ مرِّ العصور.

وسنعود سريعاً للحديث عن مقتل أبي مخنف بشيءٍ من التفصيل، ولكن بعد أن نكون قد ترجمنا لأبي مِخْنَف، وحملنا فكرة كافية عن شخصيته.

المبحث الأوّل

ترجمة أبي مخنف

1 ـ اسمه ونسبه وكنيته

هو لـوط بن يحيىٰ بن سـعيد بن مخنـف ـ بكسـر الميم وسكون الخاء وفتح النون ـ بن سليم([374]) ـ بضم السين وفتح اللام وسكون الياء ـ أو سالم([375])، أو سليمان([376])، الأزدي الغامدي (أبو مِخْنَف).

وهو مشتَهر بكنيته (أبو مخنف)، ويُخطأ بعض الخطباء في تلفظ كلمة (مخنف)، والصحيح ما أثبتناه: (بكسر الميم وسكون الخاء وفتح النون) علىٰ وزن (مِنْبَر)، كما ضبطه أئمّة اللغة، وجهابذة علم الأنساب، وفحول فنّ المؤتلف والمختلف.

قال ابن دريد: «مخنف: مِفعل من قولهم: خنَفَ الرجلُ بأنفه، إذا أمالَه من كِبْر. والفرس خانف وخَنُوف، إذا أمالَ رأسَه في جريه أو تقريبه. والخِنَاف: ضربٌ من سير الإبل. والخَنيف: ثوب من كَتّان خشن. والجمع خُنُف، شبيهٌ بالخَيْش. ويُقال: خَنفْتُ الأُتْرُجَّة، إذا قطعتها، والواحد من قَطْعها خَنِيفٌ أيضاً»([377]).

والأزدي: بفتح الألف وسكون الزاي وكسر الدال، نسبةً إلىٰ أزد شنوءة، وهو أزد ابن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ([378]).

قال الجوهري: «والشَّنُوْءَةُ ـ علىٰ فَعُوْلَةٍ ـ : التقَزُّز وهو التباعد من الأدناس، تقول: رجل فيه شَنُوْءَةٌ، ومنه أزْدُ شَنُوءَةَ وهم حي من اليمن، يُنسب إليهم شَنَئيٌّ، قال ابن السِّكيت: ربما قالوا: أزدُ شَنُوَّةَ ـ بالتشديد غير مَهْمُوزةٍ ـ ويُنسب إليها شَنَوِيٌّ»([379]).

والغامدي: بفتح الغين وكسر الميم والدال، هذه النسبة إلىٰ غامد بطن من الأزد، واسم غامد ـ كما في أُسد الغابة ـ : عمرو بن عبد الله بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد. وهو معدود في أهل الحجاز، سكن الطائف([380]).

آل مخنف بن سليم زعماء الأزد في الكوفة:

يبدو أنّ مخنف بن سليم هو أول مَن دخل في الإسلام من أسلاف أبي مخنف، وكانت له صحبة مع رسول الله|، ثمَّ نزل الكوفة بعد ذلك، وهو نقيب الأزديين فيها([381])، وكان في الكوفة جبانة (مقبرة) تُعرف بـ (جبانة مخنف بن سليم)([382]).

وقد عدّه الشيخ في رجاله في طبقة أصحاب أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب×([383])، بل عدّه ابن داوود من خواص أصحابه([384]).

وكان حامل راية الأزد من أهل الكوفة في وقعة الجمل، وقيل: إنّه قُتل يومئذٍ([385]). ولم يثبت؛ فإنّ الأخبار الدالّة علىٰ حياته بعد وقعة الجمل من الكثرة بحيث يسقط معها هذا القول عن الاعتبار التاريخي، ومنها علىٰ سبيل المثال:

1ـ روىٰ نصر بن مزاحم المنقري: أنّ عليّاً× استعمله علىٰ أصفهان وهمدان بعد الجمل([386]).

 وذكر المنقري أيضاً: أنّه لمّا أراد عليّاً× المسير إلىٰ أهل الشام، كتب إلىٰ عمّاله، فكتب إلىٰ مخنف بن سليم كتاباً، يذكره فيه بفريضة الجهاد، ويُخبره بنيته في المسير إلىٰ أهل الشام، ويصف له فيه ظلم بني أُمّية وانحرافهم عن النهج الإسلامي العادل، وفي آخر الكتاب: «فإذا أتيت بكتابي هذا فاستخلف علىٰ عملك أوثق أصحابك في نفسك، وأقبل إلينا، لعلك تلقىٰ هذا العدو المحل، فتأمر بالمعروف وتنهىٰ عن المنكر، وتجامع الحقّ وتباين الباطل، فإنّه لا غناء بنا ولا بك عن أجر الجهاد. وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوّة إلّا بالله العلىٰ العظيم...»([387]).

ثمَّ أردف المنقري قائلاً: «فاستعمل مخنفُ علىٰ أصبهان الحارثَ بن أبىٰ الحارث بن الربيع، واستعمل علىٰ همدان سعيدَ بن وهب ـ وكلاهما من قومه ـ وأقبل حتىٰ شهد مع عليٍّ صفِّينَ»([388]).

وذكر الطبري في أحداث سنة 39هـ أنّ معاوية قد بعث النعمان بن بشير في ألفي رجل إلىٰ عين التمر، وبها مالك بن كعب مسلحة لعليٍّ× في ألف رجل، فأذن لهم، فأتوا الكوفة، وأتاه النعمان، ولم يبقَ معه إلّا مائة رجل، فكتب مالك إلىٰ أمير المؤمنين× يخبره بما جرىٰ، فخطب عليٌّ× الناسَ، وأمرهم بالخروج، فتثاقلوا، وواقع مالك النعمان، فأمر مالك أصحابه أن يجعلوا جُدُر القرية في ظهورهم، واقتتلوا.

وكتب إلىٰ مخنف بن سليم يسأله أن يمدّه وهو قريب منه، فوجه إليه ابنه عبد الرحمن ابن مخنف في خمسين رجلاً، فانتهوا إلىٰ مالك وأصحابه، وقد كسـروا جفون سيوفهم، واستقتلوا، فلما رآهم أهل الشام وذلك عند المساء، ظنوا أن لهم مددا فانهزموا([389]).

قال محمّد هادي اليوسفي الغروي ـ بعد أن نقل ما نقلناه وما لم ننقله من الأحاديث الدالّة علىٰ بقاء مخنف بن سليم حيّاً بعد الجمل ـ : «فهذه الأحاديث كلّها تـصرِّح بحياة جدِّه مخنف بن سليم بعد الجمل، بل حتّىٰ بعد صفِّين، فإنّ غارات معاوية إنّما كانت سنة 39 هـ بعد وقعة صفّين 37 هـ، بينما تنفرد تلك الرواية بأنّه قُتل يوم الجمل كما سلف آنفاً، ولم يفطن الطبري لذلك، فلم يعلِّق عليه بشيء، مع تصريحه في (ذيل المذيّل) بحياته إلىٰ سنة 80 هـ»([390]).

ونحن نؤيِّده فيما ذهب إليه من بقاء مخنف بن سليم بعد الجمل، بل حتىٰ بعد صفِّين كما قال، غير أنّنا لا نوافقه علىٰ عدم التفات الطبري إلىٰ ذلك، فإنّ منهج الطبري في تاريخه هو نقل جميع الروايات المختلفة ووجهات النظر المتباينة حول الحادث، بغضِّ النظر عن موافقتها للعقل والفكر، أو عدم موافقتها، وبصـرف النظر عن انسجامها مع الثوابت التاريخيّة أو عدم انسجامها، فعدم تعليق الطبري علىٰ ما شذّ من النقول التاريخيّة هو الموافق للنهج الذي ألزم نفسه السير عليه في مقدِّمة الكتاب حيث يقول: «فما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين ممَّا يستنكره قارئه، أو يستشنعه سامعه، من أجل أنّه لم يعرف له وجهاً في الصحّة، ولا معنىٰ في الحقيقة، فليعلم أنّه لم يؤتَ في ذلك من قبلنا، وإنّما أتىٰ من قِبل بعض ناقليه إلينا، وإنّا إنّما أدّينا ذلك علىٰ نحو ما أُدّي إلينا»([391]).

أمّا في منتخب ذيل المذيَّل، فلم يظهر منه أنّه يسير علىٰ نفس المنهج، بل الظاهر خلافه، وأنّ الآراء الموجودة فيه تمثِّل مختارات الطبري ممَّا قيل في وفيات الصحابة والتابعين.

وعليه؛ فلا منافاة بين تصريح الطبري في منتخب ذيل المذيَّل بحياته إلىٰ سنة 80هـ، وبين نقله لخبر مقتله في يوم الجمل في تاريخه، ما دام لكلٍّ من الكتابين منهجه الخاصّ وأُسلوبه المتميِّز.

وقد انفرد ابن حجر (ت852هـ) فذكر أنّ مخنف بن سليم كان ممَّن خرج مع سليمان ابن صرد في وقعة عين الوردة، وقُتل بها سنة 64هـ([392])، ونحن نستبعد هذا الخبر ونشكك به لسببين:

1ـ إنّ ابن حجر لم يعيِّن لنا المصدر الذي استقىٰ منه هذا الخبر، وقد تتبّعنا كتب قدامىٰ الأخباريين والمؤرِّخين، فلم نعثر له علىٰ قائل قبل ابن حجر.

2ـ إنّ مخنف بن سليم لم يكن شخصاً عادياً من عامّة المجتمع، وإنما كان زعيم الأزديين في الكوفة، وأحد رجالات الشيعة البارزين، ولو كان حاضراً في معركة عين الوردة، وقُتل بها كما زعم ابن حجر، لذكر ذلك المؤرِّخون الذين رووا أحداث ووقائع هذه المعركة.

وكان لمخنـف بن سـليم ـ علىٰ ما ذكره الطبري ـ إخوة ثلاثة يُقال لأحدهم: عبد شمس، قُتل يوم النخيلة، والصقعب، وعبد الله، قُتلا يوم الجمل([393]).

ومن أبرز أولاد مخنف بن سليم عبد الرحمن بن مخنف، زعيم الأزديين في الكوفة، وأبرز قيادات الكوفة في زمانه، وكان إلىٰ جانب أبيه مع أمير المؤمنين× في حربه ضدّ أهل الشام([394])، إلّا أنّه تحوّل بعد ذلك إلىٰ الخطّ المعادي للعلويين، فعندما خرج المختار وقف عبد الرحمن ضدّه مع عبد الله بن مطيع، وكان في ليلة خروج المختار متمركزاً مع اتباعه في جبانة (مقبرة) مراد([395]).

وحينما سار إبراهيم بن مالك الأشتر يريد الموصل، وتواطأ أهل الكوفة عَلَىٰ حرب المختار، كان عبد الرحمن ممَّن خرج ضدّه([396]).

وقبيل حدوث وقعة المذار ـ التي وقعت بين أنصار المختار بقيادة أحمر بن شميط وأنصار مصعب بن الزبير بقيادة المهلب بن أبي صفرة ـ دعا مصعب بن الزبير عبد الرحمن ابن مخنف، فقال له: ائت الكوفة مستخفياً حتىٰ تُخرِج إليّ مَن استطعت إخراجه، وخذّل الناس عن المختار، فمضىٰ حتىٰ نزل منزله سرّاً فلم يظهر([397]).

وفي زمان عبد الملك بن مروان، وفي سنة75هـ ناهض عبد الرحمن بن مخنف والمهلب ابن أبي صفرة الأزارقة برامهرمز بكتاب الحجاج إليهما لعشر بقين من شعبان، فأجْلَوهم عن رامهرمز من غير قتال شديد، وخرج القوم كأنّهم علىٰ حامية، حتىٰ نزلوا سابور بأرض منها يُقال لها: كازرون. وسار المهلّب وعبد الرحمن بن مخنف حتىٰ نزلوا بهم في أول رمضان، فخندق المهلّب عليه، فذكر أهل البصرة أنّ المهلّب قال لعبد الرحمن بن مخنف: إن رأيت أن تخندق عليك فافعل، وإنّ أصحاب عبد الرحمن أبوا عليه، وقالوا: إنّما خندقنا سيوفنا وإن الخوارج زحفوا إلىٰ المهلّب ليلاّ ليبيتوه، فوجدوه قد أخذ حذره، فمالوا نحو عبد الرحمن بن مخنف فوجدوه لم يخندق، فقاتلوه، فانهزم عنه أصحابه، فنزل فقاتل في أُناس من أصحابه فقُتل، وقُتل أصحابه حوله ([398]).

وأمّا سعيد بن مخنف الجدّ المباشر للوط، فلم أعثر له علىٰ ذكر عدا وروده في سلسلة نسب أبي مخنف، علىٰ أنّ بعض المصادر قد أسقطته من سلسلة نسب أبي مخنف وذكرت نسبه هكذا: (لوط بن يحيىٰ بن مخنف)([399])، فجعلت مخنف الجدّ المباشر للوط.

وأمّا يحيىٰ والد لوط، فلم أجد له ترجمة خاصّة، ولم أعرف عنه شيئاً سوىٰ عدِّ الطوسي له في طبقة أصحاب أمير المؤمنين×([400])، وقول ابن شهر آشوب في معالم العلماء: إنّه من أصحاب أمير المؤمنين والحسن والحسين^([401]).

وهذا يعني أنّ ولادته كانت قبل عام40هـ، بفترة تؤهِّله لتلقّي الحديث عن أمير المؤمنين× المستشهَد في هذا العام، وأنّه كان حيّاً بعد سنة 50هـ، وهي السنة التي توفِّي فيها الإمام الحسن×.

وممّا ينبغي أن يُشار إليه: أنّ جلّ مَن ترجم لمخنف بن سليم أشار إلىٰ أنّ من وُلده (أبو مخنف) لوط بن يحيىٰ صاحب الترجمة، ممّا يدلل علىٰ أنّه أشهر شخصية في هذا البيت.

2 ـ ولادته ونشأته

لُقِّب أبو مخنف بـ (الكوفي) في عدّة مصادر([402])، وما ذلك إلّا لكونه كوفي المولد، ولا نقاش في ذلك، كما لا نقاش في كونه نشأ وتعلّم في الكوفة أيضاً، كما يشهد بذلك التأمّل في كثرة مشايخه وأساتذته من أهل الكوفة، وإنّما ينحصر الكلام في زمان ولادته؛ إذ لا يوجد نصّ يُعتمد عليه في تحديدها، وإنّما يتوّفر في أيدينا معطيان تاريخيان نستطيع أن نستنتج في ضوئهما أنّ ولادته كانت في بداية أربعينيات القرن الهجري الأوّل، وهما:

المُعطىٰ الأوّل: قد مرّ علينا أنّ والده يحيىٰ كان من أصحاب أمير المؤمنين×
ـ بحسب الطوسي وابن شهر آشوب ـ وقد قال الطوسـي عن أبي مخنف أنّه «لم يلقَ أمير المؤمنين×»([403])، فقد نفىٰ اللقاء الذي هو أعمّ من تلقّي الحديث، وهذا يعني أنّ أبا مخنف لم يكن قد وُلِد في حياة أمير المؤمنين×، وإنّ ولادته كانت بعد عام40هـ الذي هو عام مقتله×.

المعطىٰ الثاني: عرفنا الآن أنّ أبا مخنف قد وُلِد بعد عام 40هـ، ونقول الآن: إنّه قد وُلِد قبل عام 50هـ، فهذا هو المنسجم مع ذكره في طبقة أصحاب الحسن×([404]) المتوفّىٰ في هذا العام، فإذا عرفنا أنّ عدّ الشخص من أصحاب الإمام× معناه أنّه قد سمع حديثه ووعاه، فلا بدّ لنا أن نفترض أنّ ولادة أبي مخنف كانت في بداية الأربعينيات: 41أو42أو43هـ مثلاً؛ لكي يكون صبياً مميِّزاً علىٰ أقل تقدير في نهايات حياة الإمام الحسن×.

ويمكن أن ندعم هذا الرأي ونؤكِّده بأمرين:

الأمر الأوّل: إنّ هذا الرأي ينسجم مع إدراك أبي مخنف لعددٍ من رواة الطفّ المباشرين، ونقله عنهم بلا واسطة، كعقبة بن سمعان، ودلهم بنت عمرو زوجة زهير بن القين وغيرهما.

الأمر الثاني: إنّ هذا الرأي ينسجم مع كون المشهور في وفاة أبي مخنف هو عام 157هـ كما سيأتي في آخر الترجمة، فإنّ عمره سيكون حين وفاته 120سنة أو أقل بقليل، وليس في هذا شذوذ أو مخالفة للمألوف من معدل الأعمار في تلك الأزمان.

3 ـ مكانته العلميّة وطبقته ومصنّفاته

 يُعدّ أبو مخنف من كبار الأخباريين والمؤرِّخين الأوائل الذين سارعوا إلىٰ كتابة التاريخ الإسلامي، وقد تركّز نشاطه علىٰ تاريخ العراق بصورة خاصّة، كما انصبّت جهوده علىٰ الأحداث التي وقعت بعد رحيل النبي| إلىٰ أواخر العهد الأُموي.

قال ابن النديم: «قرأت بخطِّ أحمد بن الحارث الخزّاز، قالت العلماء: أبو مخنف بأمر العراق وأخبارها وفتوحها يزيد علىٰ غيره، والمدائني بأمر خراسان والهند وفارس، والواقدي بالحجاز والسيرة، وقد اشتركوا في فتوح الشام»([405]).

وأخبار العراق وفتوحها هو تعبير آخر عن تاريخ التشيُّع؛ إذ ارتبط التشيُّع منذ بدايات وجوده ـ كقوّة اجتماعيّة ـ بالعراق، ومن هنا قال فلهاوزن: «وأبو مخنف هو أَثْبَتُ حجّة... في تاريخ الشيعة طالما اتّصل بالكوفة، والطبري يكاد لا يعتمد علىٰ غيره في ذِكر أخبارهم وما أطولها»([406]).

وقد تركّزت جهود أبي مخنف علىٰ جمع وتدوين أخبار الكوفة بنحو خاصٍّ، حتىٰ وصفه النجاشي بكونه «شيخ أصحاب الأخبار بالكوفة ووجههم»([407])، والكوفة كانت آنذاك مركز التشيُّع وجمجمة العراق، وحينما يكون أبو مخنف شيخ مؤرِّخيها فإنّه يعني أنّه شيخ مؤرِّخي أهل العراق بشكل عام، أو يكون من كبار مؤرِّخي العراق علىٰ أقل تقدير.

إلّا أنّه ممَّا ينبغي أن يشار إليه: أنّ علاقة أبي مخنف بالتشيّع ربما تكون علاقة علميّة، وليست روحية، وإذا ما قيل: إنّه (من مؤرِّخي الشيعة). فقد يكون المقصود أنّه من المهتمّين بتاريخ الشيعة وجمع أخبارهم، وليس بالضرورة أن يكون المقصود من هكذا عبارة أنّه كان شيعيّاً بالمعنىٰ الخاصّ للتشيّع.

أمّا طبقة أبي مخنف، فلا يمكن ضبطها من خلال ملاحظة أساتذته وشيوخه؛ إذ اختلف في ذلك اختلافاً كبيراً، فقد عدَّه الكشـي في طبقة أصحاب الإمام عليّ×، ونفىٰ الطوسي ذلك([408])، وأثبت صحبته للحسنين÷([409])، ونفىٰ النجاشي أن تكون له صحبة مع الإمام الباقر× فضلاً عمَّن سبقه من أئمّة أهل البيت^، وعدّه من أصحاب الإمام الصادق×([410]).

وعليه؛ فلا يمكن أن نضبط طبقة أبي مخنف من خلال أساتذته وشيوخه مع الاختلاف المشار إليه، والقدر المتيقن أنّه من طبقة أصحاب الإمام الصادق×، مع احتمال أن يكون من طبقة أقدم، وإنّما يمكن تحديد طبقته من خلال ملاحظة الآخذين عنه والمتتلمذين علىٰ يديه، ومنهم:

1ـ أبو المنذر هشام بن محمّد بن السائب الكلبي (ت204 أو 206هـ)، النسّابة المشهور([411])، وهو الراوي لمقتله كما سنبيِّن.

2ـ أبو الفضل نصر بن مزاحم بن سيار المنقري (ت212هـ)([412])، صاحب كتاب وقعة صفِّين، وقد أخطأ ابن النديم في عدِّ نصر بن مزاحم من طبقة أبي مخنف([413]).

3ـ أبو الحسن عليّ بن محمّد المدائني (ت225هـ)، المؤرِّخ المعروف([414]).

فهؤلاء الثلاثة هم من كبار الأخباريين والمؤرِّخين الذين برزوا في نهايات المائة الثانية وبدايات المائة الثالثة، وهم من تلاميذ أبي مخنف؛ فيكون أبو مخنف في الطبقة التي فوقهم، مع أنّه لا مانع من أن يندرج في طبقات أعلىٰ أيضاً لو احتملنا طول عمره، وأنّه قد وُلِد في خمسينيات القرن الهجري الأوّل، كما احتملنا ذلك عند الحديث عن ولادته ونشأته.

وقد صنّف أبو مخنف كُتباً كثيرة يطول تعدادها، وقد ذكرها النجاشي في رجاله([415])، وابن النديم في فهرسه([416])، والحموي في معجمه([417])، والصفدي في وافيه([418])، منها: كتاب المغازي، كتاب السقيفة، كتاب الردّة، كتاب فتوح الإسلام، كتاب فتوح العراق، كتاب فتوح خراسان، كتاب الشورىٰ، كتاب قتل عثمان، كتاب الجَمَل، كتاب صفّين، كتاب النهر، كتاب الحكمين، كتاب الغارات، كتاب مقتل أمير المؤمنين×، كتاب قتل الحسن×، كتاب قتل الحسين×، كتاب مقتل حجر بن عدي، كتاب أخبار زياد، كتاب أخبار المختار، كتاب أخبار الحجاج، كتاب أخبار مطرف بن المغيرة بن شعبة، كتاب أخبار آل مخنف بن سليم، كتاب أخبار الحريث بن أسد الناجي وخروجه.

وكُتُب أبي مخنف قد أُبيدت عن بكرة أبيها، ولم يتبقَّ منها سوىٰ ما نقلته الموسوعات التاريخيّة المتأخّرة عن عصـر أبي مخنف، كموسوعة تاريخ الأُمم والملوك للطبري (ت310هـ) التي نقلت عن أبي مخنف ما ينيف علىٰ (٥٠٠) رواية في موضوعات مختلفة، حيث تحتلّ الروايات التي تتحدّث عن عهد خلافة الإمام عليّ× المرتبة الأُولىٰ، فقد بلغت (١٢٦) رواية، تعقبها (١١٨) رواية حول حادثة كربلاء، و(١٢٤) رواية تناولت ثورة المختار([419]).

وقد حاول العديد من الباحثين والمحقّقين إحياء تراث أبي مخنف من خلال استخراج مروياته من بطون المدوّنات التاريخيّة، كمحاولة حسن الغفاري ومحمّد هادي اليوسفي الغروي في إحيائهما كتاب مقتل الحسين× لأبي مخنف، حيث كتب الأوّل مقتل الحسين×، وكتب الآخر وقعة الطفّ، وكلاهما متّخذان من تاريخ الطبري، ومحاولة جليل تاري في كتابه (حقائق السقيفة في دراسة رواية أبي مخنف) الذي حاول فيها إحياء كتاب السقيفة علىٰ ما يبدو، ومحاولة الباحث السعودي يحيىٰ اليحيىٰ في دراسته المسماة بـ (عصـر الخلافة الراشدة)، والتي حاول أن يدرس فيها ـ دراسة نقديّة ـ مرويات أبي مخنف في تاريخ الطبري والمختصّة بهذه الحقبة.

4 ـ مذهبه ومعتقده

إنّ التأمّل في مرويات أبي مخنف، وما نقله من فضائل ومحاسن أهل البيت^، ومثالب وقبائح أعدائهم، وتركيزه البالغ علىٰ تاريخ التشيُّع هو الذي قاد بعض الباحثين والمحقّقين إلىٰ القول بإماميّته.

كما أنّ التأمّل في مرويات أُخرىٰ لأبي مخنف تتقاطع مع الإيمان بعصمة الأئمّة^ هو الذي أرغم بعض الباحثين والمحقّقين علىٰ التوقّف عن القول بإماميّته([420]).

والذي يبدو لي ـ بعد الوقوف طويلاً علىٰ هذا الموضوع ـ أنّ أبا مخنف لم يكن إماميّاً، وإنّما كان شيعيّاً بالمعنىٰ العام للتشيُّع، والمساوي للميل والمودّة الشديدة لأهل البيت^، وهذا ما صرّح به ابن أبي الحديد المعتزلي (ت655هـ) بقوله: «وأبو مخنف من المحدِّثين، وممَّن يرىٰ صحّة الإمامة بالاختيار، وليس من الشيعة ولا معدوداً من رجالها»([421]).

وهذا الكلام ذكره ابن أبي الحديد بعد أن نقل عن أبي مخنف أشعاراً وأراجيز تضمّنت بأنّ عليّاً× وصي رسول الله|، ومن المعلوم أنّ الوصيّة لديهم لا تساوي الاستخلاف.

 قال ابن أبي الحديد: «أمّا الوصيّة، فلا ريب عندنا أنّ عليّاً× كان وصي رسول الله| وإن خالف في ذلك مَن هو منسوب عندنا إلىٰ العناد ولسنا نعني بالوصية النصّ والخلافة، ولكن أُموراً أُخرىٰ لعلّها إذا لمحت أشرف وأجل»([422]).

من هنا؛ فإنّ تعجُّب المامقاني من نفي ابن أبي الحديد لإماميّة أبي مخنف في غير محلّه، حينما قال: «والعجب العجاب أنّ ابن أبي الحديد نطق بما سمعت، بعد أن روىٰ أشعاراً في أنّ عليّاً× وصيّ رسول الله|»([423]).

إذ لا منافاة بين القول بالوصيّة وبين القول بأنّ صحّة الإمامة بالاختيار بحسب تفسير القوم لمفهوم الوصيّة.

والقول بعامّية أبي مخنف هو ما يظهر من الشيخ المفيد (ت413هـ) أيضاً في كتابه الجَمَل، فبعد أن نقل أخبار الجَمَل عن أبي مخنف وغيره من المؤرِّخين قال: «فهذه جملة من أخبار البصرة وسبب فتنتها ومقالات أصحاب الآراء في حكم الفتنة بها، قد أوردناها علىٰ سبيل الاختصار، وأثبتنا ما أثبتنا من الأخبار عن رجال العامّة دون الخاصّة، ولم نثبت في ذلك ما روته كتب الشيعة»([424]).

والشيخ المفيد من متقدِّمي علمائنا، وهو أخبر بحال أبي مخنف، ومن المرجَّح أنّه استند في الحكم بعامّيته علىٰ شواهد حِسِّية، وليست حَدسيّة.

ويمكن تأكيد هذا الرأي ودعمه بعدّة قرائن وإن كانت جميعاً قابلةً للنقاش:

القرينة الأُولىٰ: قد يُستدلّ علىٰ عدم تشيُّع أبي مخنف بالمصطلح الخاصّ للتشيُّع بندرة روايته عن الأئمّة^، مع معاصرته لأربعة منهم، هم: السجّاد، والباقر، والصادق، والكاظم^.