العتبة الحسينيةمؤسسة وارث الأنبياء
مخطوطة العتبة الحسينيةمخطوطة وارث الأنبياء
أساليب السرد في المقتل الحسيني ـ دراسة تطبيقية

أساليب السرد في المقتل الحسيني ـ دراسة تطبيقية

  • المؤلف: علي حمزة مزبان الحمادي

  • الطبعة: الأولى

  • الناشر : مؤسسة وارث الأنبياء للدراسات التخصصية في النهضة الحسينية

  • سنة الطبع: 1444هـ ـ 2022م

الإهداء

-   إلى سيّدي ومولاي صاحب العصر والزمان المهدي#.

-   إلى سيّدتي ومولاتي فاطمة المعصومة بنت الإمام موسى الكاظم÷.

-   إلى أرواح الشهداء (والدي، عمّي، خالي)، رحمةً وغفراناً.

-   إلى مَن ربّتني وسهرت الليالي، إلى الأمل المشرق.

-   إلى اللحظات الدافئة، هي أبي وأمّي الحنونة، براً وإحساناً.

-   إلى نور بصري ومهجتي إلى أخواتي ومن يلوذ بهنّ، سنداً وأزراً.

-   إلى الظل الوارف الذي ألوذ به من عثرات الأيام،

حبيبي وأخي صاحب القلب الكبير، سنداً وعوناً.

-   إلى أُمّ أولادي وزوجتي وشريكة حياتي، احتراماً وتقديراً.

-   إلى ولدي حسن وإخوته قرّة عيوني وفؤادي، حباً وحناناً.

-   إلى كلّ مَن له فضل عليّ ونوّر دربي.

أساتذتي، أصدقائي، زملائي، أحبتي.

أُهدي ثمرة جهدي المتواضع.

الباحث


شكر وعرفان

الحمد لله ربِّ العالمين والصلاة والسلام على أشرف خلق الله وخاتم الأنبياء والمرسلين’ وعلى آله الأبرار ومَن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.

 بتوفيق من الله وتسديده يسّر لنا إتمام هذا البحث، فلا يسعني في نهاية البحث، ومن واجب الوفاء إلّا أن أتقدّم بوافر شكري وعظيم تقديري للأستاذ الدكتور محمّد حسن معصومي؛ لتفضله بقبول الإشراف على الرسالة، وتذليله الصعوبات التي تواجه الباحث على مواصلة الطريق لإكمال هذ البحث، وما أبداه من روح علمية مخلصة، وتوجيهات قيّمة، فقد كان أستاذاً طيّباً صبوراً، وأستاذاً عالماً جليلاً، وإنساناً سمته التواضع، فدعواتي له بالعمر المديد، وأن يديم الله عليه نعمة الإيمان والصحة والعافية.

كما أتقدّم بالشكر والتقدير إلى المشرف المساعد الدكتور سلام رزاق حسون الزبيدي، على متابعته السديدة وما أبداه من ملاحظات زادت الرسالة رصانة علمية.

وكذلك يحثني واجب الاعتراف بالعرفان أن أتوجّه بالشكر والتقدير إلى مؤسسة الشهداء، وإلى رئيس الجامعة المحترم ومساعديه، وأخصّ بالشكر عميد كلية العلوم والمعارف، ورئيس قسم اللغة العربية وآدابها، ومع الشكر الجزيل وواجب الاعتراف بالفضل لجميع أساتذتي الأفاضل؛ لما بذلوه من جهد ومساعدة طيلة مدّة الدراسة، كما أرجو أن أكون باحثاً موضوعياً؛ كي أستحق رضاكم.

ولا يفوتني أن أسجل تقديري وجميل العرفان إلى كلّ زملائي في الدراسة والعمل الوظيفي؛ لما أبدوه تجاهي من مساعدة، وأُعبّر لهم عن جميل الاحترام والعرفان، ونسأل الله أن يوفقنا لردّ الجميل والله ولي التوفيق.

الباحث

مقدّمة المؤسّسة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمّد وعلى آله الطيّبين الطاهرين. ‏

إنّ العلم والمعرفة مصدر الإشعاع الذي يهدي الإنسان إلى الطريق القويم، ومن خلالهما يمكنه أن يصل إلى غايته الحقيقيّة ‏وسعادته الأبديّة المنشودة، فبهما يتميّز الحقّ من الباطل، وبهما تُحدّد خيارات الإنسان الصحيحة، وفي ضوئهما يسير في ‏سبل الهداية وطريق الرشاد الذي خُلق من أجله، بل على أساس العلم والمعرفة فضّله الله على سائر  المخلوقات، ‏واحتجّ عليهم بقوله: (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)[1]، فبالعلم يرتقي المرء وبالجهل يتسافل، كما بالعلم والمعرفة تتفاوت مقامات البشر، ويتفوّق بعضهم على بعض عند الله، إذ (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ)[2]، وبهما تُسعد المجتمعات، وبهما الإعمار والازدهار، وبهما الخير كلّ الخير.

ومن أجل العلم والمعرفة كانت التضحيات الكبيرة التي قدّمها الأنبياء والأئمّة والأولياء^، تضحيات جسام كان هدفها منع ‏الجهل والظلام والانحراف، تضحيات كانت غايتها إيصال المجتمع الإنساني إلى مبتغاه وهدفه، إلى كماله، إلى حيث يجب ‏أن يصل ويكون، فكان العلم والمعرفة هدف الأنبياء المنشود لمجتمعاتهم، وتوسّلوا إلى الله} بغية إرسال الرسل ‏التي تعلّم المجتمعات فقالوا: ‏ (وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)[3]، فكانت الإجابة: (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ)[4]، ما يعني أنّ دون العلم والمعرفة هو الضلال المبين والخسران العظيم. ‏

بل هو دعاء الأئمّة^ ومبتغاهم من الله لأنفسهم أيضاً؛ إذ طلبوا منه تعالى بقولهم: «وَاملأ قُلُوبَنا بِالْعِلْمِ وَالمَعْرفَةِ»[5].

وبالعلم والمعرفة لا بدّ أن تُثمّن تلك التضحيات، وتُقدّس تلك الشخصيّات التي ضحّت بكلّ شيء من أجل الحقّ والحقيقة، من أجل أن نكون على علم وبصيرة، من أجل أن يصل إلينا النور الإلهي، من أجل ألّا يسود الجهل والظلام.

فهذه سيرة الأنبياء والأئمّة^، سيرة الجهاد والنضال والتضحية والإيثار؛ لأجل نشـر العلم والمعرفة في مجتمعاتهم، تلك السيرة الحافلة بالعلم والمعرفة في كلّ جانب من جوانبها، والتي ينهل منها علماؤنا في التصدّي لحلّ مشاكل مجتمعاتهم على مرّ العصور والأزمنة والأمكنة، وفي كافّة المجالات وشؤون البشر.

وهذه القاعدة التي أسّسنا لها لا يُستثنى منها أيّ نبيّ أو وصيّ، فلكلّ منهم^ سيرته العطرة التي ينهل منها البشر للهداية والصلاح، إلّا أنّه يتفاوت الأمر بين أفرادهم من حيث الشدّة والضعف، وهو أمر عائد إلى المهام التي أُنيطت بهم^، كما أخبر} بذلك في قوله: (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ)[6]، فسيرة النبي الأكرم’ ليست كبقيّة سِيَر الأنبياء، كما أنّ سيرة الأئمّة^ ليست كبقيّة سِيَر الأوصياء السابقين^، كما أنّ التفاوت في ‏ سِيَر الأئمّة^ فيما بينهم ممّا لا شكّ فيه، كما في تفضيل أصحاب الكساء على بقيّة الأئمّة^.‏

والإمام الحسين× تلك الشخصيّة القمّة في العلم والمعرفة والجهاد والتضحية والإيثار، أحد أصحاب الكساء الخمسة الذين دلّت ‏النصوص على فضلهم ومنزلتهم على سائر المخلوقات، الإمام الحسين× الذي قدّم كلّ شيء من أجل بقاء النور الربّاني، ‏الذي يأبى الله أن ينطفئ، الإمام الحسين× الذي بتضحيته تعلّمنا وعرفنا، فبقينا.‏

فمن سيرة هذه الشخصيّة العظيمة التي ملأت أركان الوجود، تعلّم الإنسان القيم المثلى التي بها حياته الكريمة، كالإباء ‏والتحمّل والصبر في سبيل الوقوف بوجه الظلم، وغيرها من القيم المعرفيّة والعمليّة، التي كرَّس علماؤنا الأعلام جهودهم ‏وأفنوا أعمارهم من أجل إيصالها إلى مجتمعات كانت وما زالت بأمسّ الحاجة إلى هذه القيم، وتلك الجهود التي بُذلت من قِبَل ‏الأعلام جديرة بالثناء والتقدير؛ إذ بذلوا ما بوسعهم، وأفنوا أغلى أوقاتهم، وزهرة أعمارهم؛ لأجل هذا الهدف النبيل.‏

إلّا أنّ هذا لا يعني سدّ أبواب البحث والتنقيب في الكنوز المعرفيّة التي تركها× للأجيال اللاحقة ـ فضلاً عن الجوانب ‏المعرفيّة في حياة سائر المعصومين^ ـ إذ بقي منها من الجوانب ما لم يُسلّط الضوء عليه بالمقدار المطلوب، وهي ليست ‏بالقليل، بل لا نجانب الحقيقة فيما لو قلنا: هي أكثر ممّا تناولته أقلام علمائنا بكثير، فلا بدّ لها أن تُعرَف لتُعرَّف، بل لا بدّ ‏من العمل على البحث فيها ودراستها من زوايا متعدّدة، لتكون منهجاً للحياة، وهذا ما يزيد من مسؤوليّة المهتمّين بالشأن ‏الديني، ويحتّم عليهم تحمّل أعباء التصدّي لهذه المهمّة الجسيمة؛ استكمالاً للجهود المباركة التي قدّمها علماء الدين ومراجع ‏الطائفة الحقّة.‏

ومن هذا المنطلق بادرت الأمانة العامّة للعتبة الحسينيّة المقدّسة لتخصيص سهم وافر من جهودها ومشاريعها الفكريّة ‏والعلميّة حول شخصيّة الإمام الحسين× ونهضته المباركة؛ إذ إنّها المعنيّة بالدرجة الأُولى وبالأساس بمسك هذا الملف التخصّصي، فعمدت إلى زرع بذرة ضمن أروقتها القدسيّة، فكانت نتيجة هذه البذرة المباركة إنشاء مؤسّسة وارث الأنبياء ‏للدراسات التخصّصيّة في النهضة الحسينيّة، التابعة للعتبة الحسينيّة المقدّسة، حيث أخذت على عاتقها مهمّة تسليط الضوء ـ ‏بالبحث والتحقيق العلميّين ـ على شخصيّة الإمام الحسين×، ونهضته المباركة، وسيرته العطرة، وكلماته الهادية، وفق خطّة ‏مبرمجة، وآليّة متقنة، تمّت دراستها وعرضها على المختصّين في هذا الشأن؛ ليتمّ اعتمادها والعمل عليها ضمن مجموعة ‏من المشاريع العلميّة التخصّصيّة، فكان كلّ مشروع من تلك المشاريع متكفِّلاً بجانب من الجوانب المهمّة في النهضة ‏الحسينيّة المقدّسة.‏

كما ليس لنا أن ندّعي ـ ولم يدّعِ غيرنا من قبل ـ الإلمام والإحاطة بتمام جوانب شخصيّة الإمام العظيم ونهضته المباركة، إلّا ‏أنّنا قد أخذنا على أنفسنا بذل قصارى جهدنا، وتقديم ما بوسعنا من إمكانات في سبيل خدمة سيّد الشهداء×، وإيصال أهدافه ‏السامية إلى الأجيال اللاحقة.‏

المشاريع العلميّة في المؤسّسة

بعد الدراسة المتواصلة التي قامت بها مؤسّسة وارث الأنبياء حول المشاريع العلميّة في المجال الحسيني، تمّ تحديد ‏مجموعة كبيرة من المشاريع التي لم يُسلَّط الضوء عليها كما يُراد لها، وهي مشاريع كثيرة وكبيرة في نفس الوقت، ولكلٍّ ‏منها أهمّيته القصوى، ووفقاً لجدول الأولويّات المعتمد في المؤسّسة تمّ اختيار المشاريع العلميّة الأكثر أهمّية، والتي يُعتبر ‏العمل عليها إسهاماً في تحقيق نقلة نوعيّة للتراث والفكر الحسيني، وهذه المشاريع هي: ‏

الأوّل: قسم التأليف والتحقيق

إنّ العمل في هذا القسم على مستويين:

أ ـ التأليف

ويُعنَى هذا القسم بالكتابة في العناوين الحسينيّة التي لم يتمّ تناولها بالبحث والتنقيب، أو التي لم تُعطَ حقّها من ذلك. كما يتمُّ ‏استقبال النتاجات القيِّمة التي أُلِّفت من قبل العلماء والباحثين في هذا القسم؛ ليتمَّ إخضاعها للتحكيم العلمي، وبعد إبداء ‏الملاحظات العلميّة وإجراء التعديلات اللازمة بالتوافق مع مؤلِّفيها، يتمّ طباعتها ونشرها.‏

ب ـ التحقيق

والعمل فيه قائم على جمع وتحقيق وتنظيم التراث الحسيني، وقد تمّ العمل على نحوين:

 الأوّل: التحقيق في المقاتل الحسينيّة، ويشمل جميع الكتب في هذا المجال، ‏سواء التي كانت بكتابٍ مستقلٍّ أو ضمن كتاب، وذلك تحت عنوان: (موسوعة المقاتل الحسينيّة). وكذا العمل جارٍ في هذا القسم ‏على رصد المخطوطات الحسينيّة التي لم تُطبع إلى الآن؛ وقد قمنا بجمع عدد كبير من المخطوطات القيّمة، التي لم يطبع كثير منها، ولم يصل إلى أيدي القرّاء إلى الآن.

الثاني: استقبال ‏الكتب التي تمّ تحقيقها خارج المؤسّسة، لغرض طباعتها ونشرها بعد إخضاعها للتقويم العلمي من قبل اللجنة العلميّة ‏في المؤسّسة، وبعد إدخال التعديلات اللازمة عليها، وتأييد صلاحيتها للنشر، تقوم المؤسّسة بطباعتها.‏

الثاني: قسم مجلّة الإصلاح الحسيني

‏ وهي مجلّة فصليّة متخصّصة في النهضة الحسينيّة، تهتمّ بنشـر معالم وآفاق الفكر الحسيني، وتسلِّط الضوء على تاريخ ‏النهضة الحسينيّة وتراثها، وكذلك إبراز الجوانب الإنسانيّة والاجتماعيّة والفقهيّة والأدبيّة في تلك النهضة المباركة، وقد ‏قطعت شوطاً كبيراً في مجالها، واحتلّت الصدارة بين المجلّات العلميّة الرصينة في مجالها، وأسهمت في إثراء واقعنا ‏الفكري بالبحوث العلميّة الرصينة.‏

الثالث: قسم ردّ الشُّبُهات عن النهضة الحسينيّة

إنّ العمل في هذا القسم قائم على جمع الشُّبُهات المثارة حول الإمام الحسين× ونهضته المباركة، وذلك من خلال تتبّع مظانّ ‏تلك الشُّبُهات من كتب قديمة أو حديثة، ومقالات وبحوث وندوات وبرامج تلفزيونيّة، وما إلى ذلك، ثُمَّ يتمُّ فرزها وتبويبها ‏وعنونتها ضمن جدول موضوعي، ثمّ يتمُّ الردُّ عليها بأُسلوب علمي تحقيقي في عدَّة مستويات.‏

الرابع: قسم الموسوعة العلميّة من كلمات الإمام الحسين×

وهي موسوعة علميّة تخصّصيّة مستخرَجة من كلمات الإمام الحسين× في مختلف العلوم وفروع المعرفة، ويكون العمل فيها من خلال جمع كلمات الإمام الحسين× من المصادر المعتبرة، ثمّ تبويبها حسب التخصّصات العلميّة، والعمل على دراسة هذه الكلمات المباركة؛ لاستخراج نظريّات علميّة تمازج بين كلمات الإمام× والواقع العلمي.  وقد تمّ العمل فيه على تأليف موسوعتين في آن واحد باللغتين العربيّة والفارسيّة.

الخامس: قسم دائرة المعارف الحسينيّة الألفبائيّة

وهي موسوعة تشتمل على كلّ ما يرتبط بالإمام الحسين× ونهضته المباركة من أحداث، ووقائع، ومفاهيم، ورؤى، وأعلام، وبلدان، وأماكن، وكتب، وغير ذلك، مرتّبة حسب الحروف الألفبائيّة، كما هو معمول به في دوائر المعارف والموسوعات، وعلى شكل مقالات علميّة رصينة، تُراعَى فيها كلّ شروط المقالة العلميّة، مكتوبة بلغةٍ عصـريّة وأُسلوبٍ حديث، وقد أُحصيت آلاف المداخل، يقوم الكادر العلمي في هذا القسم بالكتابة عنها، أو وضعها بين يدي الكُتّاب والباحثين حسب تخصّصاتهم؛ ليقوموا بالكتابة عنها وإدراجها في الموسوعة بعد تقييمها وإجراء التعديلات اللازمة عليها من قبل اللجنة العلميّة.

السادس: قسم الرسائل والأطاريح الجامعيّة

يتمّ العمل في هذا القسم على مستويين: الأوّل: إحصاء الرسائل والأطاريح الجامعيّة التي كُتبتْ حول النهضة الحسينيّة، ومتابعتها من قبل لجنة علميّة متخصّصة؛ لرفع النواقص العلميّة وإدخال التعديلات أو الإضافات المناسبة، وتهيئتها للطباعة والنشر. الثاني: إعداد موضوعات حسينيّة ـ تضمّ العنوان وخطّة بحث تفصيليّة ـ من قبل اللجنة العلميّة في هذا القسم، تصلح لكتابة رسائل وأطاريح جامعيّة، وتوضع في متناول طلّاب الدراسات العليا.

السابع: قسم الترجمة

الهدف من إنشاء هذا القسم إثراء الساحة العلميّة بالتراث الحسيني عبر ترجمة ما كتب منه بلغات أخرى إلى اللغة العربيّة، ونقل ما كتب باللغة العربيّة إلى اللغات الأخرى، ويكون ذلك من خلال إقرار صلاحيّة النتاجات للترجمة، ثمَّ ترجمته أو الإشراف على ذلك إذا كانت الترجمة خارج القسم.

الثامن: قسم الرَّصَد والإحصاء

يتمُّ في هذا القسم رصد جميع القضايا الحسينيّة المطروحة في جميع الوسائل المتّبعة في نشر العلم والثقافة، كالفضائيّات، والمواقع الإلكترونيّة، والكتب، والمجلّات والنشريّات، وغيرها؛ ممّا يعطي رؤية واضحة حول أهمّ الأُمور المرتبطة بالقضيّة الحسينيّة بمختلف أبعادها، وهذا بدوره يكون مؤثّراً جدّاً في رسم السياسات العامّة للمؤسّسة، ورفد بقيّة الأقسام فيها، وكذا بقيّة المؤسّسات والمراكز العلميّة في شتّى المجالات. ويقوم هذا القسم بإصدار مجلّة شهريّة إخباريّة تسلّط الضوء على أبرز النشاطات والأحداث الحسينيّة محليّاً وعالميّاً في كلِّ شهر، بعنوان: مجلّة الراصد الحسيني.

التاسع: قسم المؤتمرات والندوات والملتقيات العلميّة

يعمل هذا القسم على إقامة مؤتمرات وملتقيات وندوات علميّة فكريّة متخصّصة في النهضة الحسينيّة، لغرض الإفادة من الأقلام الرائدة والإمكانات الواعدة، ليتمّ طرحها في جوٍّ علمي بمحضر الأساتذة والباحثين والمحقّقين من ذوي الاختصاص، وتتمّ دعوة العلماء والمفكِّرين؛ لطرح أفكارهم ورؤاهم القيِّمة على الكوادر العلميّة في المؤسّسة، وكذا سائر الباحثين والمحقّقين، وكلّ من لديه اهتمام بالشأن الحسيني، للاستفادة من طرق قراءتهم للنصوص الحسينيّة وفق الأدوات الاستنباطيّة المعتمَدة لديهم.

العاشر: قسم المكتبة الحسينيّة التخصّصيّة

يضمّ هذا القسم مكتبة حسينيّة تخصّصيّة تعمل على رفد القرّاء والباحثين في المجال الحسيني على مستويين:

أ ـ المكتبة الحسينيّة التخصّصيّة، والتي تجمع التراث الحسيني المخطوط والمطبوع، أنشأتها مؤسّسة وارث الأنبياء، وهي تجمع آلاف الكتب المهمّة في مجال تخصّصها.

ب ـ المجال الإلكتروني، إذ قامت المؤسّسة بإعداد مكتبة إلكترونيّة حسينيّة يصل العدد فيها إلى أكثر من ثمانية آلاف عنوان بين كتب ومجلّات وبحوث.

الحادي عشر: قسم الإعلام الحسيني

يتوزّع العمل في هذا القسم على عدّة جهات:

الأُولى: إطلاع العلماء والباحثين والقرّاء الكرام على نتاجات المؤسّسة وإصداراتها، ونشر أخبار نشاطات المؤسّسة وفعّاليّاتها بمختلف القنوات الإعلاميّة ووسائل التواصل الاجتماعي وعلى نطاق واسع.

 الثانية: إنشاء القنوات الإعلاميّة، والصفحات والمجموعات الإلكترونيّة في وسائل التواصل الاجتماعي كافّة.

الثالثة: العمل على إنتاج مقاطع مرئيّة في الموضوعات الحسينيّة المختلفة، مختصرة ومطوّلة، وبصورة حلقات مفردة ومتسلسلة، فرديّة وحواريّة.

الرابعة: إعداد وطباعة نصوص حسينيّة وملصقات إعلانيّة، ومنشورات حسينيّة علميّة وثقافيّة.

الخامسة: التواصل مع أكبر عدد ممكن من القنوات الإعلاميّة والصفحات والمجموعات الإلكترونيّة في وسائل التواصل الاجتماعي؛ لتزويدها بأنواع المعلومات من مقاطع مرئيّة ومنشورات وملصقات في الموضوعات الحسينيّة المختلفة الشاملة للتاريخ، والسيرة، والفقه، والأخلاق، وردّ الشبهات، والمفاهيم، والشخصيّات.

الثاني عشر: قسم الموقع الإلكتروني

 وهو موقع إلكتروني متخصّص، يقوم بنشر إصدارات وفعّاليّات مؤسّسة وارث الأنبياء، وعرض كتبها ومجلّاتها، والترويج لنتاجات أقسامها ونشاطاتها، وعرض الندوات والمؤتمرات والملتقيات التي تقيمها، وكذا يسلِّط الضوء على أخبار المؤسّسة، ومجمل فعّاليّاتها العلميّة والإعلاميّة. بالإضافة إلى ترويج المعلومة الحسينيّة والثقافة العاشورائيّة عبر نشر المقالات المختلفة، وإنشاء المسابقات الحسينيّة، والإجابة عن التساؤلات والشبهات.

الثالث عشر: قسم إقامة الدورات وإعداد المناهج

يتكفّل هذا القسم بإعداد الدورات الحسينيّة في المباحث العقديّة والتاريخيّة والأخلاقيّة، ولمختلف الشرائح والمستويات العلميّة، وكذلك إقامة دورات تعليميّة ومنهجيّة في الخطابة الحسينيّة، كما يضطلع هذا القسم بمهمّة كبيرة، وهي إعداد مناهج حسينيّة تعليميّة وتثقيفيّة لمختلف الفئات وعلى عدّة مستويات:

الأوّل: إعداد مناهج تعليميّة للدراسات الجامعيّة الأوّليّة والدراسات العليا.

الثاني: إعداد مناهج تعليميّة في الخطابة الحسينيّة.

الثالث: إعداد مناهج تعليميّة عامّة لمختلف شرائح المجتمع.

الرابع: إعداد مناهج تثقيفيّة عامّة.

الرابع عشر: القسم النسوي

يعمل هذا القسم من خلال كادر علمي متخصّص وبأقلام علميّة نسويّة في الجانب الديني والأكاديمي على تفعيل دور المرأة ‏المسلمة في الفكر الحسيني، ورفد أقسام المؤسّسة بالنتاجات النسويّة، كما يقوم بتأهيل الباحثات والكاتبات ضمن ورشات عمل تدريبيّة، وفق الأساليب المعاصرة في ‏التأليف والكتابة.‏

الخامس عشر: القسم الفنّي

إنّ العمل في هذا القسم قائم على طباعة وإخراج النتاجات الحسينيّة التي تصدر عن المؤسّسة، من خلال برامج إلكترونيّة ‏متطوِّرة، يُشرف عليها كادر فنّي متخصّص، يعمل على تصميم أغلفة الكتب والإصدارات، والملصقات الإعلانيّة، والمطويّات العلميّة والثقافيّة، وعمل واجهات الصفحات الإلكترونيّة، وبرمجة ‏الإعلانات المرئيّة والمسموعة وغيرهما، وسائر الأمور الفنّية الأخرى التي تحتاجها أقسام المؤسّسة كافّة.‏

وهناك مشاريع أُخرى سيتمّ العمل عليها إن شاء الله تعالى.‏

قسم الرسائل والأطاريح الجامعيّة في مؤسسة وارث الأنبياء

يتكفّل قسم الرسائل والأطاريح الجامعيّة بمهمّة نشر الفكر الحسيني المبارك، من خلال تفعيل الدراسات والأبحاث العلمية الحسينية في الأوساط الجامعيّة والأكاديمية بمستوياتها الثلاثة: البكالوريوس، والماجستير، والدكتوراه، مضافاً إلى الرُقي بالمستوى العلمي والتحقيقي للكفاءات الواعدة المهتمّة بالنهضة الحسينية في جميع مجالاتها. وقد تصدّى لهذه المسؤولية نخبة من الأساتذة المحقِّقين في المجال الحوزوي والأكاديمي.

أهداف القسم

الغاية من وراء إنشاء هذا القسم جملة من الأهداف المهمّة، منها: ‏

‏1ـ إخضاع الدراسات والأبحاث الحسينية لمناهج البحث المعتمَدَة لدى المعاهد والجامعات.‏

‏2ـ إبراز الجوانب المهمّة وفتح آفاق جديدة أمام الدراسات والأبحاث المتعلّقة بالنهضة الحسينية، من خلال اختيار عناوين ‏ومواضيع حيوية مواكبة للواقع المعاصر.‏

‏3ـ الارتقاء بالمستوى العلمي للكوادر الجامعيّة، والعمل على تربية جيل يُعنَى بالبحث والتحقيق في مجال النهضة الحسينية ‏الخالدة.‏

‏4ـ إضفاء صبغة علمية منهجية متميزة على صعيد الدراسات الأكاديمية، المرتبطة بالإمام الحسين× ونهضته المباركة.‏

‏5ـ تشجيع الطاقات الواعدة في المعاهد والجامعات؛ للولوج في الأبحاث والدراسات العلمية في مختلف مجالات البحث ‏المرتبطة بالنهضة الحسينية، ومن ثمّ الاستعانة بأكفّائها في نشر ثقافة النهضة، وإقامة دعائم المشاريع المستقبلية للقسم.‏

‏6ـ معرفة مدى انتشار الفكر الحسيني في الوسط الجامعي؛ لغرض تشخيص آلية التعاطي معه علمياً.

‏7 ـ نشر الفكر الحسيني في الأوساط الجامعيّة والأكاديمية.‏

‏8 ـ تشخيص الأبعاد التي لم تتناولها الدراسات الأكاديمية فيما يتعلّق بالنهضة الحسينية، ومحاولة العمل على إبرازها في ‏الدراسات الجديدة المقترحة.‏

‏9ـ التعريف بالرسائل الجامعيّة المرتبطة بالإمام الحسين× ونهضته المباركة؛ والتي تمّت كتابتها ومناقشتها في الجامعات.‏

آليات عمل القسم

إنّ طبيعة العمل في قسم الرسائل والأطاريح الجامعيّة تكون على مستويات ثلاثة:

المستوى الأوّل: العناوين والمواضيع الحسينية

يسير العمل فيه طبقاً للخطوات التالية:

‏1ـ إعداد العناوين والموضوعات التخصّصية، التي تُعنَى بالفكر الحسيني طبقاً للمعايير والضوابط العلمية، مع الأخذ بنظر ‏الاعتبار جانب الإبداع والأهمّية لتلك العناوين.‏

‏2ـ وضع الخطّة الإجمالية لتلك العناوين والتي تشتمل على البحوث التمهيدية والفصول ومباحثها الفرعية، مع مقدّمة ‏موجَزَة عن طبيعة البحث وأهمّيته والغاية منه.‏

‏3ـ تزويد الجامعات المتعاقد معها بتلك العناوين المقترَحَة مع فصولها ومباحثها.‏

المستوى الثاني: الرسائل قيد التدوين

يسير العمل فيه على النحو التالي:

‏1ـ مساعدة الباحث في كتابة رسالته من خلال إبداء الرأي والنصيحة.‏

‏2ـ استعداد القسم للإشراف على الرسائل والأطاريح فيما لو رغب الطالب أو الجامعة في ذلك.‏

‏3ـ إنشاء مكتبة متخصِّصة بالرسائل الجامعيّة؛ لمساعدة الباحثين على إنجاز دراساتهم ورسائلهم، فضلاً عن إتاحة الفرصة ‏أمامهم للاستفادة من مكتبة المؤسَّسة المتخصّصة بالنهضة الحسينية.‏

المستوى الثالث: الرسائل المناقشة

يتمّ التعامل مع الرسائل التي تمّت مناقشتها على النحو التالي: ‏

‏1ـ وضع الضوابط العلمية التي ينبغي أن تخضع لها الرسائل الجامعيّة، تمهيداً لطبعها ونشرها وفقاً لقواعد ومقرَّرات ‏المؤسَّسة.‏

‏2ـ رصد وإحصاء الرسائل الأكاديمية التي تمّ تدوينها حول النهضة الحسينية المباركة.‏

‏3ـ استحصال متون ونصوص تلك الرسائل من الجامعات المتعاقَد معها، والاحتفاظ بها في مكتبة المؤسَّسة.‏

‏4ـ قيام اللجنة العلمية في القسم بتقييم الرسائل المذكورة، والبتِّ في مدى صلاحيتها للطباعة والنشر من خلال جلسات علمية ‏يحضرها أعضاء اللجنة المذكورة.‏

‏5ـ تحصيل موافقة صاحب الرسالة لإجراء التعديلات اللازمة، سواء أكان ذلك من قبل الطالب نفسه أم من قِبل اللجنة ‏العلمية في القسم.‏

‏6ـ إجراء الترتيبات القانونية اللازمة لتحصيل الموافقة من الجامعة المعنِيَّة وصاحب الرسالة على طباعة ونشر رسالته التي ‏تمّت الموافقة عليها بعد إجراء التعديلات اللازمة.‏

‏7ـ فسح المجال أمام الباحث؛ لنشر مقال عن رسالته في مجلة (الإصلاح الحسيني) الفصلية المتخصِّصة في النهضة ‏الحسينية التي تصدرها المؤسَّسة.‏

‏8 ـ العمل على تلخيص الرسائل الجامعيّة، ورفد الموقع الإلكتروني التابع للمؤسَّسة بها، ومن ثمّ طباعتها تحت عنوان: ‏دليل الرسائل والأطاريح الجامعيّة المرتبطة بالإمام الحسين× ونهضته المباركة. ‏

هذه الرسالة: أساليب السرد في المقتل الحسيني (دراسة تطبيقية)

يشكّل النّص التاريخي الأساس والأرض الخصبة للدراسات الأدبيّة والبلاغيّة للوقوف على ما تحتويه تلك النّصوص وما يكتنفها من كنوز معنائيّة ومعرفيّة جديرة بالبحث والتنقيب بكلّ شوق ونهم.

 وليس النّص التاريخي المرتبط بواقعة الطّف ونهضة الإمام الحسين× بمعزل عن تلك الدراسات والاكتشافات المعنائيّة والوقوف على حقيقة الواقع فيها أو ما يقرب منها، مما تجعل  الباحث والمتتبّع لحوادث الواقعة يلامس الحقائق بصورة أجلى وأوضح، ومن هنا جاءت هذه الدراسة المعنونة  بـ(أساليب السرد في المقتل الحسيني) لتقرأ المقتل الحسيني بآليّة الأسلوب أو الأساليب السرديّة، وهي من الأساليب الأدبيّة والنثريّة التي تعتمد على عناصر خاصّة، كعنصر المكان والزمان، وكذلك الشخصيّات المحوريّة التي تدور حولها الأحداث، وطبيعة الراوي للنّص وتلك الوقائع؛ ليوقف القارئ على صور جذّابة ومؤثّرة تهدف إلى إبراز الحقائق في مرويّات المقتل الحسيني، وإيصال القارئ إلى ذروة الإحساس والتفاعل، وتقرّبه من الواقعة كالرائي والمشاهد لها، مع مراعاة  القواعد العامّة والأصول الأساسيّة لهذا الفن وهذا العلم، تطبيقاً لبعض تلك الأساليب السرديّة لا كلّها.

وفي الختام نسأل الله تعالى للمؤلِّف دوام السَّداد والتوفيق لخدمة القضية الحسينية، ونسأل الله تعالى أن يبارك لنا في أعمالنا إنَّه سميعٌ مجيبٌ.

اللجنة العلمية في

مؤسسة وارث الأنبياء

للدراسات التخصّصية في النهضة الحسينية

مقدّمة قسم الرسائل والأطاريح الجامعيّة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على أفضل خلقه، وأشرف بريّته محمّد وآله الطيّبين الطاهرين.

هذه الرسالة الموسومة بأساليب السرد في المقتل الحسيني (دراسة تطبيقية) تميّزت بأهمّية موضوعها وفنّيته؛ حيث انصبّت على توثيق أحداث واقعة الطف وإخضاعها لمعياريّة هذا الفنّ. وقد كانت المادة التطبيقية لهذا البحث هي نصوص رواية المقتل الحسيني لأبي مخنف باعتباره أقدم المقاتل التي نقلت لنا أحداث واقعة كربلاء، فتناول الباحث تلك الروايات من حيث بعدها السردي مخضعاً أحداثها للقواعد العامة في هذا الفنّ، وهذا ما لمسناه بوضوح في تكييف الرواية نفسها لتستوعب آليات من أجناس جديدة مغايرة لها؛ وعلى هذا الأساس نجد أنّ أبا مخنف قد التجأ إلى رسم أنموذج رائد للمقتل من خلال الاستفادة من معطيات الأجناس الأدبية الأخرى ممّا ساهم في إغناء روح مروياته بتوظيف معطيات وصور الواقع المرير بكلّ ما فيه من ظلم واضطهاد.

وقد اعتمد الباحث في هذه الرسالة على المنهج البنيوي والوصفي، نائياً بمطالب رسالته المتداخلة في موضوعاتها وتقسيماتها عن التكرار المخلّ.

 ونظراً لطبيعة وكثرة أساليب السرد وعناصره، فإنّنا نجد هذه الدراسة قد تنوّعت موضوعاتها الفرعية بتنوّع أساليب السرد المستخدمة في هذا الفنّ، حيث شكّلت مادّته المادة الأساسية للدراسة من خلال فحص أساليب السرد للمقتل الحسيني ومثالها الوظائفي، وأنماط الشخصيّات فيها، والفضاء الزماني والمكاني، وماهية السرد.

كل ذلك كان له دور في أن تنال هذه الرسالة تأييد الهيئة العلمية في مؤسّسة وارث الأنبياء، حيث عملت الهيئة على إدخال بعض التعديلات والتصحيحات اللازمة من قبل قسم الرسائل والأطاريح الجامعيّة بالتوافق مع الباحث، ثم تقويمها لغويّاً ليتمّ بعد ذلك تحويلها إلى قسم الإخراج؛ لتظهر بهذه الصورة الماثلة بين يدي القارئ العزيز. 

اللجنة العلميّة في

قسم الرسائل والأطاريح الجامعيّة

مؤسّسة وارث الأنبياء

المقدّمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي علّم الإنسان مالم يعلم، وميّزه عن سائر مخلوقاته بالعقل ليفهم، وجعله سميعاً بصيراً، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبي الهدى والرحمة، مبلغ رسالات ربه، الذي أضاء الدنيا بالإسلام، وأنقذ البشرية من الكفر والظلام، محمّد خير الأنام، وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين.

أمّا بعدُ، فقد دخل النقد العربي مرحلة صار فيها الاتجاه نحو تغيير أفق التعامل مع النص ـ سردياً كان أم غيره ـ حاجة لازمة، وشغلت السرديّة كعلم حديث معظم الدراسات الأدبية والنقدية في مطلع القرن العشرين، جاعلة من الأجناس الأدبية حقلاً لتجاربها في محاولةٍ لاستكشاف القوانين التي تتحكم في البنى الداخلية لتلك الأجناس، مما أسفر عن جملة من النظريات التي أسهمت في توجيه الخطى في المسار الصحيح، وإرساء قواعد ذلك العلم الذي بلغ شأناً كبيراً في النصف الثاني من القرن العشرين، وما زالت الخطى حثيثة إلى يومنا هذا. مع أنّ لكلّ جنس أدبي خصائصه المميّزة التي تلتحق ببنيته فترسم هيكله وأنظمته الداخلية على وفق قواعدها الخاصّة، إلّا أنّ الحداثة أضعفت الحدود الفاصلة بين خصائص الأجناس الأدبية، من غير سابق إنذار، مما رسم أشكالاً جديدة تکشف عن تغيّر النظرة إلى طبيعة الوظيفة التي تؤديها هذه الأجناس.

أوّلاً: بيان المسألة

تدور المسألة حول بيان الأبعاد السرديّة لرواية المقتل الحسيني وتصويرها أدبياً بما يبرّز واقع الأحداث، وما جرى فيها من تصوير الشخصيّات الرئيسة والثانوية في الحدث الحسيني وفق مرويات أبي مخنف، مع إبراز الجانب المكاني والزماني وتأثيراتهما في المقتل، وما جرى على لسان الراوي وتصويره للأحداث بصورتها الأدبية المبدعة المؤثرة على المتلقّي، وأبرز الباحث الشخصيّات المؤثرة والفاعلة في تغيير الحدث من خلال وقائع مختلفة، ونقله مصاديق روائية من كلا الجنسين، فأعطت للحدث تأثيراً في المتلقّي عبر الأزمان، وفي مختلف الأمكنة، وولّد صوراً واقعية مؤثرة على الرغم من كونها قد مرّت عليها مئات السنين، ولكنّها تبقى طرية وفاعلة عند المستمع والقارئ والمتلقّي.

ثانياً: أسئلة البحث

السؤال الرئيس:

هل النصوص الأدبية بحاجة إلى الأساليب السرديّة في البناء الفنّي؟

الأسئلة الفرعية:

1. أيّ مكوّن من المكوّنات السرديّة مؤثّر في المقتل الحسيني؟

2. كيف يكون للشخصية دورٌ في النصوص السرديّة؟

3. ما تأثير الزمان والمكان في أحداث المقتل الحسيني؟

ثالثاً: فرضيات البحث

من فرضيات البحث توضيح الصورة الأدبية من خلال بيان الحدث الكربلائي وآثاره، وكشف الأسرار الربانية لنصر الحق على الباطل وعلى طول المسيرة الإنسانية، وبذلك حاول الباحث أن يظهر جوانب القوة، والتضحية وتصويرها أدبياً في جانب المنتصر، مع إبراز حالة الخوف والجزع والانكسار الذي أصاب الجيش الأموي وقيادته التابعة لهم، فقد بان عليها الانهزام، فقدّم الباحث ذلك في أجمل صورة سردية أدبية واضحة، وقد ظهر ذلك من خلال سرده للأحداث، وكذلك أبرز الباحث مواطن القوّة من الضعف في طرفي الحدث، أمّا الفرضيات الرئيسة والفرعية فهي:

الفرضية الرئيسة:

الدراسات الأدبية تحدّثت عن السرد وتاريخه، وأنواعه وأشكاله، وركّزت تلك الدراسات ـ القديمة منها والحديثة ـ على تعدادها من الأخبار، والأسمار، والحكايات، والقصص وغير ذلك، وتشكّلت الدراسات على الأساليب السرديّة كذلك؛ لأهمّيتها في البناء الفنّي، كي يؤدّي السرد المهمّة المناطةبه في تقديم النص، وبالأخص في مطلع القرن العشرين، فقد ازدهرت الدراسات السرديّة وحقّقت إنجازاً مهولاً. وتعتبر دراسة أساليب السرد في مقتل أبي مخنف من ضمن هذه الدراسات الأدبية التي وظّفت أساليب السرد وتقنياته على المقتل الحسيني.

الفرضيات الفرعية:

1. الأركان الأساسية التي لا يكون السرد من دونها هي: (الراوي، والمروي، والمتلقّي)، فالراوي هو صانع القصة أو الرواية، وهو بدوره يصيغ المروي بما فيه من أحداث ووقائع كما بيّن أبو مخنف واقعة كربلاء بكلّ جزئياتها من الوصف، والشكل، والشخصيّات المؤثرة بالمتلقّي، وتحكّمه بالنص الذي حمل الكثير من المفاهيم الإنسانية، والقيم الأخلاقية، والمثل العليا للحرية والديمقراطية. والحدث هو فعل الشخصيّة، فصوّرها الراوي وبيّن الارتباط بين الفعل والحدث.

2. إنّ مفهوم الشخصيّة التي رُسمت في المقتل ـ وحسب طبيعتها وعلاقتها بالله تعالى وإيمانها به سبحانه ـ ضمن أطر المنهج التربوي الإسلامي هي المرتكز الأساس المقوّم لحقيقة الشخصيّة على المستوى الذاتي والعقدي. وهو ما صوّرته الشخصيّات الكربلائية في واقعة الطف ـ كما نقله لنا راوي المقتل الحسيني ـ من خلال ما تميّزت به من التفاني والإيثار ونكران الذات، وباعتبارها فواعل لأبرز عناصر البنية السرديّة.

3. يعدّ مصطلح الفضاء ـ ببعديه الزماني والمكاني ـ عنصراً مهماً من العناصر السرديّة؛ لأنّه الرابط بين الأحداث والشخصيّات، وهذا ما نجده واضحاً في أكثر الفنون الأدبية، فتصبح الرواية مشخّصة بمكانها وزمان أحداثها، وكذلك في رؤية المقتل الحسيني في زمان العاشر من المحرّم، وفي مكان مقتل الشهداء، وعلى رأسهم الإمام الحسين×، ومن الأهمّية بمكان هو نقل الصورة المعبّرة بإبداع فنّي أدبي من الماضي المؤلم إلى الحاضر، وزرع الأمل، وحب التضحية والولاء لأبطال كربلاء بمجرد الإشارة إلى زمان (عاشوراء)، وإلى مكان (كربلاء).

رابعاً: أهداف البحث

مما يعدّ من الأهداف إبراز الحقيقة السرديّة في مرويات المقتل الحسيني، وإيصالها إلى القارئ بطريقة بيانية واضحة المعالم، مع التركيز على الشخصيّات الرئيسة والثانوية في الحدث الحسيني. ومن ثمّ يكون مادة علمية لمحاولات مستقبلية تعنى بالجانب الأدبي لروايات المقتل الحسيني التي تستبطن العديد من آليات الطابع السردي، من هنا كان هدف البحث هو وضع دراسة أكاديمية عن مقتل أبي مخنف الذي يتمثّل عن أساليب السرد في المقتل الحسيني دراسة تطبيقية.

خامساً: الدراسات السابقة

بعد اطلاعي على ماكتب حول السرديات، وكذلك أدب الطف وما يتعلّق بهما من كتب ورسائل وأطاريح في مكتبات عامّة وخاصّة، ومنها البحوث وبعض المواقع المهمّة على شبكة المعلومات العالمية، فلم أجد حول موضوعي وعنواني إلّا بعض العنوانات القريبة منه:

1.أساليب السرد في الرواية العربية للدكتور صلاح فضل: بيّن أساليب السرد الثلاثة (الأسلوب الدرامي، والأسلوب الغنائي، والأسلوب السينمائي)، وهذه الأساليب الثلاثة ترتكز على شكل توافق بين ثلاث مجموعات ثنائية من العناصر الروائية، هي: الإيقاع، والمادة، والرؤية، فركّز على الزمان والمكان، كما هو الحال في بحثي حيث أوليت أهمّيةً للفضاء الزماني والمكاني، واختلفت عنه بالتعمّق في فهم الشخصيّة وعناصرها ومؤثراتها في الرواية.

2.الآليات السرديّة عند سعيد يقطين، رسالة ماجستير للباحثة دجلة صبار منذور: حيث تناولت في هذا البحث مدرستين (المدرسة الشكليّة، والمدرسة الفرنسية)، وذكرت في الأُولى ثلاثة خصوصياتتميزت بها المدرسة الشكلية، إحداها خصوصية الأسلوب السردي، التي تنهض دراستي ببيانه؛ وإبراز أهمّية الحدث والحوار في الرواية. إلّا أن الباحثة المحترمة لم تولِ أساليب السرد والتقنيات، والبنى ومكوّنات السرد أهمّية في الفصل الأوّل من رسالتها.

3.أساليب السرد في رواية ملكة العنب لنجيب الكيلاني، رسالة ماجستير لمحمّد الأمين: تناول مفهوم الرواية لغةً واصطلاحاً وكذلك السرد، حيث اتفقنا في بحثنا على مفهوم السرد لغةً واصطلاحاً، واختلفنا في مفهوم الأساليب؛ إذ لم يتطرّق لها الباحث وكان منهجه التاريخي الوصفي، وفي الفصل الثاني أضاف المنهج التحليلي، بينما اعتمدت على البنيوي الوصفي رغم أنّ الباحث محمّد الأمين عوّل كثيراً على الشكلانيين والبنيويّين.

4.رواية أنا الحسين لمعروف عبد المجيد المصري: يروي عن الإمام الحسين×، رواية جامعة لموازين وأصول العمل الفنّي بما فيها الأمانة التاريخية، والتصوير الفنّي، وعنصر التشويق الذي ذكرته في رسالتي، ولكن روايته تفتقر إلى أساليب السرد التي وظّفتها في المقتل الحسيني والتي سردها الراوي في نقله للمقتل.

5.بنية السرد في القصص الصوفي للدكتورة ناهضة ستّار: فقد بيّنت التطورات التي طرأت على مفهوم التصوّف منذ القرون الأُولى للإسلام، وتاريخ الفكرة الصوفية في جميع الحضارات، بحسب السبق الزمني لولادة الحضارات، وكذلك استعراض تاريخية التصوّف وأدبياته، حيث يشترك بحثي مع هذا البحث في الجنبة التاريخية والتسلسل الزمني، وذكر أبرز الشخصيّات التي خلّدها التاريخ بالبطولة والإيثار، وإيضاح الأساليب بطريقة سهلة وبإيجاز.

سادساً: منهج البحث

استعانت الدراسة بالمنهج البنيوي والوصفي، مع مراعاة عدم تكرار الموضوعات المتداخلة بين التقسيمات الداخلية في الدراسة، واضطررت خلال تناولي لتلك الموضوعات للإشارة إلى بعض البنى والتقنيات السرديّة في أكثر من موضع ممّا قد يوهم بأنّ ثمّة تكرار، والحال أن لا تكرار، وإنّما مرد ذلك اختلاف العناصر والموضوعات في منح النتائج المتوخاة قرباً من الوصف الدقيق.

 ونظراً لطبيعة وكثرة أساليب السرد وعناصره، فقد اقتصرت الدراسة على العديد من الأساليب لا جميعها، فقد شكّلت المادة الأساسية للدراسة من خلال فحص أساليب السرد للمقتل الحسيني ومثالها الوظائفي، وأنماط الشخصيّات فيها، والفضاء الزماني والمكاني، وماهية السرد، وبحسب مقتضيات المنهج التي تفصح عن مستويات النص للمقتل الحسيني في أجلى صورة، وأكثرها وفاءً للنص الأصل ومؤلفه، فإن وُفّقت هذه الدراسة في تحقيق ما رغبت فيه فإنّني أتمنّى أن تسهم في صياغة منهجية ليسهل استثمارها في إنتاج نصوص دالة وقراءة تشكيلية واعية للواقع الديني وتوظيفها أدبياً، وإن أخفقت في ذلك فحسبي أن أقدم قراءة تكمن قيمتها في كونها أنموذجاً لمقاربة ممكنة لمعرفة الآليات الأدبية في دراسة التاريخ الأدبي ومعرفة أسرار الطف وقيمته الأدبية.

سابعاً: أهمّية البحث

تكمن أهمّية البحث في أنّه يتناول الجانب السردي لرواية المقتل الحسيني وتطبيقاتها اعتماداً على القواعد العامّة التي تتحكم في التعامل مع النص سردياً، واستجابةً للتغيّرات الحاصلة في هذه البنيات كيّفت الرواية نفسها بتوسّع لتستوعب آليات من أجناس جديدة مغايرة لها من خلال توظيف معطيات وصور الواقع المرير بكلّ ما فيه من ظلم واضطهاد وسبي للنساء. حيث التجأ أبو مخنف إلى رسم أنموذج جديد للمقتل بالإفادة من معطيات الأجناس الأدبية الأخرى، أغنى روح مقتله وأثمر شجرته باتجاه العناصر الموضوعية، والانفلات ـ ولو جزئيا ـ من سيطرة الطابع الواقعي الذي استحوذ على المرويات قروناً طويلة.

ثامناً: أسباب اختيار الموضوع

1.   حرص الباحث على إبراز الجانب الأدبي المفقود وبيانه الذي لم يتعرّض له الكثير على الرغم من تأثيره في الساحة الإنسانية عموماً والأدبية خصوصاً.

2.   رغبة الباحث في بيان الكثير من المسائل الغائبة في التراث وبالخصوص المقتل الحسيني، فيحتاج ذلك إلى التأصيل في كلام أصحاب الأدب مع زيادة الارتباط بين متن أو نص المقتل التاريخي والجانب الأدبي.

3.   يبيّن الباحث جملة من الأمور الهامّة المتعلقة بالبناء السردي من خلال عرضه للأحداث وتصويرها، مع الأخذ بنظر الاعتبار الزمان والمكان فيها؛ مما أعطي أجمل صورة أدبية كاشفة عن النواحي الجمالية والإبداعية للمقتل الحسيني.

تاسعاً: مشكلة البحث

قد واجه الباحث مشكلة تتعلّق بكيفية الجمع بين النصوص السرديّة الخيالية المعتمدة في معظم الدراسات الأدبية والنقدية، وبين الحقيقة الواقعية لحادثة المقتل بعيداً عن الخيال والعناصر اللاموضوعية، التي لو عرضت على النص الروائي في المقتل الحسيني لكانت معدومة أو يكون وجودها بدرجة ضئيلة. كما واجه الباحث صعوبة في توظيف معطيات النص والصور الحقيقية الواقعية المشوبة بالظلم والاضطهاد والتجاوز إلى الحدّ الذي لا يمكن للعقل أن يتقبّله، إلا أنه استطاع بمقدار ما عنده من أوّليّات وتوجيهات الأستاذ المشرف أن يتغلّب نوعاً ما على هذه المشاكل. نعم واجه الباحث بعض الصعوبات في تحليل مادة المقتل الحسيني ذات الطابع الديني الواقعي ودراستها دراسة أدبية حديثة، وندرة المصادر التي تناولت مثل هذه البحوث، وكذا الاضطراب في فهم المصطلحات السرديّة التي يروم الباحث تطبيقها على هذه الرواية الواقعية. علماً أنّ الطابع الغالب على الدراسات التي تتناول السرديات بالبحث تميل إلى الخيال والرومانسية الأدبية.

عاشراً: خطة البحث

بُنيت الدراسة على ثلاثة فصول إضافة للتمهيد، تحدّثت في المقدّمة عن أهمّية الموضوع، وأسباب اختياره، ومنهجي في الدراسة، ثمّ بدأت في التمهيد بتعريف الأساليب والسرد لغةً واصطلاحاً، وموجز عن المقتل الحسيني لأبي مخنف. والفصل الأوّل (ماهية السرد في المقتل الحسيني) جاء على ثلاثة مباحث، عرّفت في المبحث الأوّل مكوّنات السرد في المقتل الحسيني، واستعرضت فيه الراوي والمروي، والمروي له، والحوار الناشئ من الأحداث بصورة موجزة. وعرّفت في المبحث الثاني البنية السرديّة والوصف، وتمثلات المرأة، مع تطبيق آلياته على نماذج من المقتل الحسيني. أمّا في المبحث الثالث تناولت فيه أشكال السرد، وملحمة كربلاء الخالدة في الأدب العربي بفنون الملحمة، واستعرضت عناصر الملحمة وسرها الجمالي، والصراع بين الخير والشرّ.

وفي الفصل الثاني تناولت الشخصيّة وتقسيماتها، ودورها في المقتل الحسيني على منحى مبحثين، مع استعراض المفارقة والمفاجأة. وفي الفصل الثالث تناولت الفضاء السردي في المقتل الحسيني على مبحثين، المبحث الأوّل تمظهرات الزمان، والمبحث الثاني: تمظهرات الفضاء المكاني، وبيّنت الأثر والأهمّية ودورهما (للزمان والمكان) في أحداث المقتل الحسيني، وتطبيق آلياته على مقتل أبي مخنف، ثمّ ختمت الدراسة بخاتمة ملخصاً فيها أبرز نتائجها وبعض الاقتراحات، وذيلتها بقائمة للمصادر والمراجع.

 هذا وكلي آذان صاغية لتقبّل التوجيهات والنصائح التي سيقدمها السادة أهل العلم والمعرفة في صالة المناقشة آملين منهم خيراً في خدمة العلم والدين والمجتمع وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.

التمهيد

تشكّل دراسة الأساليب السرديّة في النصوص الأدبية جانباً مهماً من جوانب الدراسة السرديّة؛ إذ إنّها تكشف أهمّية السرد في البناء الفنّي بعناصر النص السردي، فلا بدّ للنص الأدبي من الاستعانة بأساليب معينة حتّى يؤدّي السرد المهمّة المناطة به في تقديم النص.

فكانت الدراسات الأدبية سابقاً تبحث عن المادة القصصية ومحتواها، وهي تمثل مضمون الخطاب السردي، فالسرد العربي مفهوم جديد جامع لكلّ التجلّيات المتصلة بالعمل الحكائي، ويتسع لكلّ ما تفرّق من مصطلحات عربية قديمة وحديثة تتصل كلّها بصيغة أو بأخرى بأحد الأنواع الحكائية، وهو الجنس الذي تُوّظف فيه (صيغة السرد)، وتهيمن على باقي الصيغ في الخطاب، ويحتل فيه السارد موقعاً مهماً في تقديم المادة الحكائية[7]، كما يعدّ السرد العربي منحى محدّداً من مناحي الثقافة العربية بوصفه مظهراً تعبيرياً يكون في محضن تلك الثقافة[8].

ويمكن التحدّث عن تاريخ السرد العربي وهو من الأنواع السرديّة وأنماطها؛ لأنّها متحوّلة ومتغيّرة تلك الأنواع التي وقع التركيز في الدراسات العربية القديمة والحديثة على تعدادها وهي (الأخبار، والأسمار، والحكايات، والقصص...) إلّا أنّه لم يتم الالتفات إلى الطابع العام الذي تشترك فيه والذي يمنحها طبيعة خاصّة وشاملة لتنال موقعها ضمن أجناس الكلام العربي.

 ومن هنا تأتي أهمّية النظر إلى السرد في التراث العربي بوصفه جنساً، ويستدعي هذا أن تكون له أنواع، كما يستدعي أن يكون له تاريخ. وأيّ تفكير في أنواعه وتاريخه لا يمكن إلّا أن يلعب دوراً مهماً في ترسيخ الوعي به، واتخاذه موضوعاً للبحث الدائم، والتفكير المتواصل، وإحلاله الموقع الملائم ضمن باقي الأجناس العربية الأخرى[9]. وبما أنّ الجنس اسم جامع لكثيرين متفقين فيه مختلفين في الأنواع[10]، فكذلك السرد اسم جامع لكلّ الأنواع المعروفة، كالخبر، والقصة، والحكاية، والنادرة، والرواية، المختلفة في نوعها، والمتفقة في انتمائها لجنس السرد لاشتمالها جميعاً على أعمال حكائية.

إذاً فالسرد العربي موجود تماماً كالشعر، قديم في مستوى الممارسة الإبداعية، نعثر عليه في تلك الأنواع النثرية المتعدّدة التي عرفها العرب دائماً، ولا يعني عدم البحث فيه أو التنظير له بأنّه غير موجود؛ ولذا فقد أصبح البحث فيه بوصفه جنساً له مقوّماته وملامحه المميّزة، يجدد النظر إلى أدبنا العربي، ويدفعنا إلى إعادة قراءته معتبرين هذا الجنس وواضعين إيّاه في سياق التحوّلات الكبرى التي عرفها الإبداع العربي، وسيسمح لنا هذا باكتشاف مناطق مهمّة من الإنتاج كنّا نعدّها غير ذات صلة مباشرة بالأدب[11]. ولذلك ـأي: لقدمالسردوأصالتهفيالتراثالعربي ـطفقالباحثونالعربيبحثونفيتراثهمالعربيلمقاربةنصوصهالسرديّة، وإعادةإنتاجها، فكثرتالاجتهاداتالعربيةفيمجالتحليل التراث السردي العربي، وأثبتت أهمّيتها في معالجة جوانب عدّة منه.

 أمّا الآن قد انتهت سيادة الشعارات القديمة، بل وخطاب الأحداث والعرض للمادة، وظهرت مستويات التوظيف المرتبط بالإنجاز الفنّي والجمالي، وأصبح لعلوم اللغة المختلفة دوراً فعّالاً في ذلك، وشمل الدلالة والنحو والصرف والبلاغة ومباحث الأساليب المختلفة وأدواتها الإجرائية ثمّ ظهر فيما بعد علم النص والطرق التحليلية للأبنية الصغرى والكبرى.

 وفي مطلع القرن العشرين ازدهرت الدراسات السرديّة، فشغلت معظم الدراسات الأدبية والنقدية، فقد حققت في العقود الثلاثة الماضية إنجازاً مهولاً في تأسيسها للمعرفة الدقيقة بالنصوص السرديّة وأشكالها المتنوعة من الرؤية القصصية ونحو ذلك، جاعلة من الأجناس الأدبية والنقدية حقلاً لتجارب واستكشاف القوانين والنظريات وقواعد العلم، وكما بيّنت السرديّة أشكال الصيغ والكيفيات المختلفة، والبنى والأساليب المتنوّعة، وتبلور هذا العمل من خلال قراءة عدد من الروايات والنصوص العربية في بعض المناطق العربية المختلفة من عالمنا العربي، وهناك عدد من المؤشّرات التي يمكن من خلالها رصد الأساليب السرديّة من التأويل والتصنيف، ومقاربة الإبداع بحس تركيبي يبتعد عن بيان المفاهيم بطريقة حرفية مدرسية، بل إدخال الإيقاع النصّي المرتبط بدلالة الألفاظ واكتشاف خصوصيته فضلاً عن الفواصل النوعية للسرديات، ممّا أدّى ذلك إلى تبلور تلك الأساليب الرئيسة في السرد العربي المعاصر، وسنبين إتماماً للفائدة معنى كلّ من الأسلوب والسرد، ثم نبرّز صورة الأسلوب السردي في المقتل الحسيني بخصائصه وعناصره بتطبيقات مختلفة توضّح هذه الأساليب.

 ولبيان بعض مفاهيم العنوان:

1 ـ الأسلوب لغةً واصطلاحاً:

 أ ـ الأسلوب لغةً:

 جاء لفظ الأسلوب في المعجمات العربية بدلالات مختلفة:

 فعن صاحب الجمهرة (ت321هـ) بيّن أنّ الأسلوب هو الطريق؛ إذ قال: «سلبت الرجل وغيره أسلبه سلباً، والأسلوب الطريق والجمع أساليب، ويقال: أخذ فلان في أساليب من القول، أي: في فنون منه»[12].

 وجاء عن الأزهري (ت370هـ): «يقال للسطر من النخيل: أسلوب، وكلّ طريق ممتد فهو أسلوب، قال: والأسلوب الوجه والطريق والمذهب، يقال: أنتم في أسلوب شر، ويُجمع أساليب»[13]. فظهر أنّه أعم مما ذهب إليه ابن دريد؛ إذ يشمل الوجه والطريق والمذهب.

 وعند الرازي (ت666هـ) الأسلوب هو الفن[14]، وهو يختص بالأساليب السرديّة.

 ونرى عند ابن منظور (ت711هـ) أنّه: «يقال للسطر من النخيل أسلوب، وكلّ طريق ممتد فهو أسلوب، قال: والأسلوب الطريق والوجه والمذهب، يقال: أنتم في أسلوب سواء. ويجمع أساليب، والأسلوب الطريق تاخذ فيه، والأسلوب بالضم الفن يقال: أخذ فلان في أساليب من القول، أي: أفانين منه، وأنّ أنفه لفي أسلوب إذا كان متكبراً»[15]، فهو مطابق وموافق لما جاء به الأزهري.

 وذكر الفيروز آبادي (ت817هـ) بأنّه: «الأسلوب الطريق، وعنق الأسد، والشموخ في الأنف»[16].

 فلفظة أسلوب استعملها العرب مترادفةً مع الطريقة والمذهب، لمعنى واحد على الرغم من وجود فروقات دقيقة بين هذه المعاني.

 ب ـ الأسلوب اصطلاحاً:

 جاءت لفظة الأسلوب في النقد العربي القديم «طريقة يستعملها الكاتب في التعبير عن موقفه والإبانة عن شخصيته الأدبية المتميّزة من سواها، ولا سيّما في اختيار المفردات وصياغة العبارات، والتشابيه والإيقاع»[17].

 ويقول الأصمعي (ت216هـ)[18] عن أسلوب الأديب: «فإنّنا لا نعني تنظيمه للضمائر، وإنّما نعني صوت كلماته على الورق وإن كان كاتب يذيع بالطريقة التي يستعمل بها اللغة شيئاً من روحه وعاداته وقابلياته وميوله»[19].

 واستعمل الأصمعي مصطلح نقدي هو مصطلح (الفحولة) ويدل على الشاعر المتميّز وهو الذي «له مزيّة على غيره، كمزيّة الفحل على الحقائق»[20]، والفحل عنده هو صاحب الأسلوب المنفرد، وكذلك يكثر من استخدام كلمة (المذهب)[21] بمعنى الموقف والاتجاه العام في التفكير والتعبير وتقترن هذه اللفظة عند النقّاد بكلمة الأسلوب.

 وعند ابن سلام الجمحي (ت231هـ)[22][23]: أنّه استعمل مصطلح الفحل كاستعمال الأصمعي له؛ لأنّه متأثّر بالأصمعي، وحافظ على المعنى الدلالي للفظة (الفحل)، ولم يضف شيئاً جديداً إلى مصطلح الأسلوب «وكان القطامي شاعراً فحلاً رقيق الحواشي حلو الشعر»[24].

 وأمّا الجاحظ (ت255هـ) قال: «إنّما الشعر صناعة، وضرب من النسج، وجنس من التصوير»[25][26]، ويعني بالصناعة التفنن والحذق في رصف الألفاظ وتخيرها وتعميقها والمحافظة على الصياغة العام. والصياغة هي الفن الخاص بالشاعر الذي يعبّر عن تجربته وموهبته ومهارته الشعرية، وهذا المعيار بالتمييز الفنّي هو معيار أسلوبي.

 واستعمل ابن قُتَيبة (ت276هـ)[27][28] لفظة الأسلوب في حديثه عن نظام القصيدة العربية يقول: «والشاعر المجيد مَن سلك هذه الأساليب، وعدل بين هذه الأقسام، فلم يجعل واحداً منها أغلب على الشعر، ولم يطل فيمل السامعين، ولم يقطع بالنفوس ظمأ إلى المزيد»[29]، وعني ابن قُتَيبة بالأساليب الطرائقَ الاتباعية في تأليف القصيدة، وتأكيد الجودة الفنّية في سلوك هذه الطرائق.

 ويظهر مما سبق أنّ معنى الأسلوب الاصطلاحي شامل لكلّ من الموقف والاتجاه العام، وهذا إن لم يكن فيه اختلاف مع المعنى اللغوي بنحو الموجبة الجزئية فهو مطابق لما جاء فيها.

 أمّا ابن المعتز (ت296هـ)[30][31]استعمل كلمة (النمط) كثيراً، ويعني بها المصطلح أو أسلوب الشاعر بقوله: «وكان ابن ميادة جيّد الغزل، ونمطه نمط الأعراب الفصحاء وكان مطبوعاً»[32].

 وعند ابن أبي عون (322هـ)[33][34] وردت كلمة (المذهب) ويقصد بها طرائق التشبيه، ورسم الصورة الأدبية: «وكان أبو نواس يخالف مذاهب القدماء وسلك غير مسلكهم في وصف بلى الرسم والبكاء على الطل واستسقاء المطر»[35].

أمّا أبو الفرج الأصفهاني (ت356هـ)[36][37] في منهجه أهمّية في الدراسة الأسلوبية: «كثيراً ما يصل بين الشاعر وأساتذته، الذين يروي عنهم، أو تلقّي، أو تأدّب، أو احتذى حذوهم، وانتهج نهجهم، وكان بذلك يميّز المذاهب الأدبية بعضها عن بعض»[38]، فالأسلوب: هو الطريقة التي يستخدم الكاتب بها الكلمات في صياغة الأدب «أي: تتابع الكلمات واحدة بعد الأخرى وتتابع الفقرات بعضها وراء بعض»[39]، فكلّما كانت طريقة الكاتب وأسلوبه متوفرة في القصة، كانت القصة أكثر جاذبية ومؤثرة، ولكلّ أسلوب له معالجة أدبية[40]، وذكر أهل اللغة والأدب أنّ للمعالجات الأدبية أساليب مختلفة تبعاً لرؤية الأديب، أو الشاعر، أو عالم اللغة، ومن هنا صور السرد على أنّه رواية الحديث، أو ما يقع من أحداث فهو يروي للقارئ ما يحدث وإذا كنّا نعتبر الوصف صورة، فإنّ السرد هو بمنزلة صورة متحرّكة. وقد يلجأ الكاتب إلى استخدام صور أساليب المعالجة الأربعة لإظهار معنى متكامل وصورة حيّة عن الحدث كما في مسرح كليوباترا لأحمد شوقي، أو معلّقة امرئ القيس وغيرهما حيث استخدم فيها الكاتب أو الشاعر أنماط الخطاب الأربعة:

1.   الشرح: بيان وتوضيح للجمل والتعابير من خلال ألفاظها مع ملاحظة الآليات والترابط.

2.   المناقشة: تحاول إقناع القارئ بموقف ما، أو دفعه لمشاركة الكاتب في وجهة نظره.

3.   الوصف: يستخدم لما يريد الكاتب من القارئ أن يراه عن مظهر شخص ما أو شي ما عن طريق وصف الحواس من اللمس والذوق... إلخ.

4.   عالم الكاتب (هدف الكاتب): وتشمل العالم الخارجي والداخلي للكاتب، وهدف الكاتب هو الذي يحدّد نمط المعالجة الذي يريد انتهاجه.

2 ـ السرد لغةً واصطلاحاً

 أ ـ السرد لغةً:

 للسرد مفاهيم متعدّدة ومختلفة تنطلق من أصله اللغوي، فهو يعني مثلاً «تقدّمة شيء إلى شيء تأتي به متّسقاً بعضه في أثر بعض متتابعاً، وسَرَدَ الحديثَ ونحوه يسرده سرداً إذا تابعه، وفلان يسرد الحديث سرداً إذا كان جيد السياق له، وفي صفة كلامه’لم يكن يسرد الحديث سرداً، أي: يتابعه ويستعجل فيه، وسرد القرآن تابع قراءته في حذر منه»[41]، وقيل: «أَلّا يجعلَ المسمار غليظاً، والثقب دقيقاً، فيفصم الحلق ولا يجعل المسمار دقيقاً والثقب واسعاً، فيتقلقل أو ينخلع، أو ينقصف، اجعله على القصد وقَدْرِ الحاجة»[42].

 ووردت هذه اللفظة في القرآن الكريم، قال تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ * أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) [43]، فالسابغات جمع سابغة وهي الدرع الواسعة، والسرد نسج الدرع، وتقديره الاقتصاد فيه بحيث تتناسب حَلَقه، أي: اعمل دروعاً واسعة واجعلها متناسبة الحلق[44]، ومن المجاز نجوم سرد، أي: متتابعة، وتسرد الدر: «تتابع في النظام، وماش مسرد، يتابع خطاه في مشيه»[45].

 وفي منجد مختار الصحاح فقد ورد (س. ر. د) «درع مسرودة، ومسردة بالتشديد، فقيل سردها: نسجها وهو تداخل الحلق بعضها في بعض وقيل السرد: النقب والمسرودة المثقوبة، وفلان يسرد الحديث إذا كان جيّد السياق له، وسرد الصوم: تابعه، وتولهم في الأشهر الحرم ثلاثة سرد: أي متتابعة، وهي ذو القعدة، وذو الحجة، ومحرم، وواحد فرد وهو رجب»[46]، و«سرد خفَّ البعير سَرْداً خصفه بالقدّ... والمِسْرَدُ اللسان»[47].

 والسرد في مجال التعبير الأدبي، على وفق ما أشار إليه (جينيت)، عرض «لحدث أو لمتوالية من الأحداث حقيقية أو خيالية، عرض بوساطة اللغة، وبصفة خاصة بوساطة لغة مكتوبة»[48].

ب ـ السرد اصطلاحاً:

 جاءت لفظة السرد بأقرب تعاريفه إلى الأذهان هو الحكي والذي يقوم على دعامتين أساسيّتين:

الأُولى: أن يحتوي على قصة ما تضم أحداثاً معينة.

الثانية: أن يعيّن الطريقة التي تحكي بها القصة، وتسمّى هذه الطريقة سرداً، ذلك أنّ قصة واحدة يمكن أن تحكى بطرق متعدّدة، ولهذا السبب فإنّ السرد هو الذي يعتمد عليه في تمييز أنماط الحكي بشكل أساس، والسرد هو «الكيفية التي تروى بها القصة عن طريق قناة الروي، والمروري له، وما تخضع له من مؤثرات بعضها المتعلق بالراوي والمروي له والبعض الآخر متعلق بالقصة ذاتها»[49].

 فالسرد مصطلح نقدي حديث يعني «نقل الحادثة من صورتها الواقعية إلى صورة لُغوية»[50].

 وقد مارس العرب السرد والحكي منذ القدم كما وصلتنا نصوص عنهم، ويعتبر من التراث المعرفي تراثاً مهماً، وللسرد مفاهيم متعدّدة ومختلفة تنطلق من أصله اللغوي وكذلك الحكي وكما ورد في النقد العربي القديم.

كما يعرّف السرد غريماس بقوله: «السرديّة: هي مداهمة اللامتواصل المنقطع للطرد المستمر في حياة تاريخ، أو شخص، أو ثقافة؛ إذ نعمد إلى تفكيك وحدة هذه الحياة إلى مفاصل مميّزة تدرج ضمنها التحولات، ويسمح هذا بتحديد هذه الملفوظات في مرحلة أولى من حيث هي ملفوظات فعل تصيب ملفوظات حال فتؤثر فيها»[51].

 وعرّف السرد جيرار جنيت اصطلاحاً بقوله: «هو قصُّ حادثة واحدة أو أكثر، خيالية، أو حقيقية»[52].

 وأمّا تعريف (رولان بارت) بقوله: «إنّه مثل الحياة علم متطوّر من التاريخ والثقافة»[53]، وهذا التعريف واسع جداً على الرغم من بساطته، فالحياة غنية عن التعريف، مرتبطة بذلك الكائن المتمرّد (الإنسان )، راجع لتنوعها وسرعت تقلبها على كلّ تعريف أو قانون، ومن ثَمّ كانت الحاجة الماسة إلى فهم السرد بوصفه أداة من أدوات التعبير الإنساني، وليس بوصفه حقيقة موضوعية تقف في مواجهة الحقيقة الإنسانية[54].

3 ـ المقتل الحسيني

إنّ الأدب عُرف منذ القدم، نشاطٌ إنساني له مفاهيمه المتعدّدة والمتغيّرة واللامستقرة، مما عرّفه بعض المنشغلين بنظريات الأدب ومفاهيمه «بأنّه كلّ شيء قيد الطبع»[55]؛ إذ حاول أرسطو تقعيدها وتصنيفها بطريقة علمية قائمة على الوصف وعلى تحديد السمات المشتركة والمكوّنات الضابطة، وقسّم الأدب على ثلاثة أقسام رئيسة: الأدب الغنائي، والملحمي، والدرامي[56]، ومارست الشعوب الإسلامية ظاهرة أدبية ثقافية، في بلدان متعدّدة وبلغات شتّى حول (المقتل الحسيني)، فذكرى استشهاد سيّد شباب أهل الجنّة تمرّ كلّ عام وتتجدد فاجعتها، وتعتبر من المناسبات الدينية للمسلمين الشيعة والمعروفة بيوم عاشوراء، وأربعينية الإمام الحسين×، واستماع لقصة استشهاده مع عياله وأصحابه، واسترجاع ما جرى في هذه الذكرى لواقعة كربلاء، وتركت تلك الواقعة أثراً بليغاً في الفكر الإنساني، وشغلت أذهان المهتمين بالأدب ونظرياته، وتذكر هذه الواقعة من خلال نص مكتوب يسمّى (المقتل الحسيني) ويسرد أحداث واقعة الطف الأليمة بأسلوب متميّز وأدبي شيق وفريد. إنّ رواية المقتل قد كتبها العديد من المؤرخين والأخباريّين، وعدد الذين كتبوا المقتل من المتقدّمين والمتأخّرين بلغ (77) كتاب مقتل بين العربية ولغات أخرى، وفي مقدّمتها المقاتل السبعة وهي من أقدم المقاتل الحسينية على الإطلاق[57]، فقد كتبت بأجمعها بين عامي (100هـ ـ 212هـ)، وأنّ أصحاب هذه المقاتل جميعهم من أهل الكوفة، ومن المحسوبين على التشيّع. وكما نجد المقتل الحسيني في كتب التاريخ[58].

 أمّا أشهر هذه المقاتل فهو مقتل أبي مخنف[59] المشهور بين الخاص والعام، ﻭﻧﻘﻞ ﻣﻬﺮﺓ ﺍﻟﻔﻦ ﻋﻨﻪ ﻓﻲ ﺯﺑﺮﻫﻢ ﺍﻟﻘﺪﻳﻤﺔ ﻛﻤﺤﻤﺪ ﺑﻦ ﺟﺮﻳﺮ ﺍﻟﻄﺒﺮﻱ ﻓﻲ ﻛﺘﺎﺑﻪ (ﺗﺎﺭﻳﺦ الأُمم ﻭﺍﻟﻤﻠﻮﻙ)، ﻭﺑﻦ الأﺛﻴﺮ ﺍﻟﺠﺰﺭﻱ ﻓﻲ ﻛﺘﺎﺑﻪ (ﺍﻟﻜﺎﻣﻞ) ﻭﻏﻴﺮﻫﻤﺎ. ﻭﻛﻴﻔﻴﺔ ﺍﻟﻨﻘﻞ ﻻ ﺳﻴّﻤﺎ ﻓﻲ ﺗﺎﺭﻳﺦ ﺍلأُﻣﻢ ﻭﺍﻟﻤﻠﻮﻙ ﻳﺸﻌﺮ ﺑﺄﻥّ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻜﺘﺎﺏ ﻛﺎﻥ ﺑﻴﻦ ﻳﺪﻱ ﻣﺤﻤﺪ ﺑﻦ ﺟﺮﻳﺮ، ﻭﻫﻮ ﻳﻨﻘﻞ ﻋﻨﻪ ﺑﻼ ﻭﺍﺳﻄﺔ، ﻭﺃﺣﻴﺎﻧﺎً ﺑﻮﺳﺎﻃﺔ ﻫﺸﺎﻡ ﺑﻦ ﻣﺤﻤﺪ ﺑﻦ ﺍﻟﺴﺎﺋﺐ ﺍﻟﻜﻠﺒﻲ، ﻭﺣﻴﺜﻤﺎ ﻗﺎﺑﻠﺖ ﺍﻟﻨﺴﺨﺔ ﺍﻟﻤﻄﺒﻮﻋﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺑﺄﻳﺪﻳﻨﺎ ﺍﻟﻤﺴﻤّﻰ ﺑﻤﻘﺘﻞ ﺃﺑﻲ ﻣﺨﻨﻒ ﻣﻊ ﻣﺎ ﺃﻭﺭﺩﻩ ﺍﻟﻄﺒﺮﻱ ﻭﻏﻴﺮﻩ ﻓﻲ ﻛﺘﺒﻬﻢ، الذي وصل إلينا عبر كتب التاريخ؛ لوفرة مَن نقل عنه في نقل حوادث معركة الطف لسنة (61هـ)، من المقاتل الحسينية القديمة، وجمع ما دار في واقعة الطف من أفواه الرواة، وكان في زمانه شيخ المؤرخين في الكوفة، ومن أشدّ المؤرخين بجمع وتدوين أخبار المقتل الحسيني، ولهذا اختار الباحث أشهر المقاتل بالاعتماد والتطبيق لأساليب السرد في المقتل الحسيني إلّا وهو مقتل أبي مخنف الأزدي الغامدي الكوفي، وهو من أهم الشخصيّات الرئيسة في رواية المقتل الحسيني، وهو راوي المقتل، وأوكل إليه مهمّة سرد الأحداث وقيادة عملية السرد، وأمّا الشخصيّة الثانية التي تعتبر من الشخصيّات الرئيسة أو كما تعرف بالشخصيّة المدورة هي شخصية بطل حادثة كربلاء الإمام الحسين× التي يرويها سارد المقتل الحسيني، والبطل كان يمثل قديماً بشخص مقدس أو من سلالة الآلهة تهب لهم هذا البطل حتّى لايقعوا فريسة للآخرين وحتى لايسقطوا في المهاوي[60].

 وبالإمكان كذلك أن نعتبر البطل «شخصية أسطورية قادرة على أن تغيّر نفسها وتغيّر العالم من حولها»[61].

 أمّا الشخصيّات الثانوية في المقتل يمكن اعتبارها من أهم الشخصيّات الثانوية والمساعدة، فهي تسير مع الشخصيّة الرئيسة بشكل موازي وتدفعها إلى مساحة القص؛ لكي تقوم بأعمالها حيث تبدو هذه الشخصيّة رديفة للشخصية الرئيسة من الناحية العلمية والنظرية لتحقيق مشروعها، وأنّ هذا النوع من الشخصيّات يبرز في أحداث المقتل الحسيني.

الفصل الاول

ماهيّة السرد في المقتل الحسيني

المبحث الأوّل: مكوّنات السرد في المقتل الحسيني

المبحث الثاني: البنية السرديّة، والوصف وتمثلات المرأة

المبحث الثالث: أشكال السرد وملحمة كربلاء الخالدة

 الأول: ماهية السرد في المقتل الحسي

المبحث الأوّل

مكوّنات السرد في المقتل الحسيني

ويقصد بها الأركان الأساسية التي لا يكون السرد من دونها ويمكن أن تتناوب على تسميتها هذه الترسيمات:

الراوي ـ المروي ـ المروي له.

السارد ـ المسرود ـ المسرود له.

المرسل ـ الرسالة ـ المرسل إليه[62].

أوّلاً: بيان مفردات الراوي، المروي والمروي له

1 ـ الراوي وتجلياته في الرواية ووظائفه

يعدّ الراوي الجزء الأساس في الحدث، الذي من خلاله يوضح الحدث ويرسمه لنا بطريقة مؤثرة وكأنّك تعيشه؛ ولذا كان من اللازم علينا بيان شخصية الراوي ليتسنّى لنا معرفة الحدث بصورته الحقيقية المؤثّرة.

أ ـ الراوي

هو الشخص الذي يملك المعلومات الكافية عن المروي وبكلّ عناصره، حدث، شخصيات، زمان، مكان، وهو القادر على إحداث التناسق بينهما «ولا يشترط أن يكون اسماً متعييناً، فقد يتوارى خلف صوت أو ضمير، يصوغ بواسطته المروي بما فيه من أحداث ووقائع»[63].

ويعرّف أيضاً بأنّه «الشخص الذي يصنع القصة، وليس هو الكاتب بالضرورة في التقليد الأدبي، بل هو وسيط بين الأحداث ومتلقيها»[64]، فيتبيّن لنا أنّ الراوي هو وسيلة أو أداة تقنية يستعملها الكاتب؛ ليكشف بها عن عالمه السردي، أو ليبث الحكاية التي يرويها[65].

 وهذا مافعله الراوي أبو مخنف في روايته عن المقتل، فقد بيّن الحادثة بكلّ جزئياتها ومشخّصاتها، بل حتّى بما يرتبط بحال الشخص نفسه، وشكله، ووصفه، وعوامل أخرى مؤثرة في الحدث من خلال الخطاب، تارةً للشخصية الأساسية أو من خلال تصويره لحال المعركة بين جبهة الحق والباطل، وقد ظهرت شخصية أبي مخنف في الحدث واضحة ومؤثرة في تصويره للواقعة، وسيأتي ذلك مفصلاً في التطبيقات، فالكاتب عندما يقصّ لا يتكلّم بصوته، ولكنّه يفوض راوياً تخيلياً يأخذ على عاتقه عملية القص التي أطلق عليها النقاد «الأنا الثانية للكاتب»، وفي جميع ذلك قد يكون هذا الراوي غير ظاهر في النصّ السردي، وقد يكون شخصية من شخصياته[66]، وكما أنّه يمكن للراوي أن يتحكّم بالمتلقّي والنصّ معاً من خلال موقعه؛ إذ إنّه يتموقع في زوايا مختارة بعناية لها بالغ الأثر في تحديد الصورة المعطاة في النصّ[67]، وحين يستوحي الراوي الواقع في خلق شخصياته ويستعين بتجاربها فإنّه يذكر تفصيلات الواقعة الأليمة التي تمتّ بصلة إلى فكرة روايته وتدل عليها تصرفات شخصياتها.

 إنّ ما يدفع بنية الأمل للتبلور بصورة واضحة في تجربة الرواية السرديّة، التركيز على المستوى الدلالي لمسارات الشخصيّات وتعبيراتها، التي تمنحنا الأحساس بمعاناتها الداخلية وردود أفعالها، وإنّ سمة الشخصيّة التحريضية أو الإغرائية في الرواية، يبدو فيها أحياناً حضور الأنا المتكلِّمة أو المُتكلَّم عنها كأنّه فاعل وليس شاهد عيان فقط، لها مشاركتها في الفعل والتعاطف مع موضوعها، بين تجلية وإخفاء، أو بين إبهام ووضوح في حدث يتكرر، وهذه الأمور وغيرها يمكن ملاحظتها في المقتل الحسيني من مسار الشخصيّة والإحساس الذي تحمله، وردّ الفعل، ومشاركة الشخصيّة في الحدث والتفاعل الروحي، سواء كانت الشخصيّة رجلاً أم امرأةً، فالأمر واحد، وظاهر للعيان دورهما في واقعة الطف لثورة الحسين×،التي حملت الكثير من المفاهيم الإنسانية والقيم الأخلاقية السامية، وهي النبراس لكلّ الأحرار.

ومن هنا ذهب رولان بارت إلى أنّ الخطاب التفاعلي هو الذي ينتج الشخصيّات، فيتخذ منها ظهيراً؛ وذلك من أجل أن تلعب معنا وليس من أجل أن يجعلها تلعب فيما بينها أمامنا، فكأنّ هناك شيئاً بين الخطاب والشخصيّات من التضافر الحميم[68]، وأحياناً تكتسي شخصيات الرواية وضعاً فاعلاً في الحكاية، أي: تمتلك قدرة السرد، وتارةً أخرى تصبح مجرد كلمات داخل النصّ لا تحقق وظيفة سردية، ولا تتدخل في توجيه السرد، غير أنّ المشهد الحواري على سطح السرد يسمح بالانفتاح في دور بنائي يبلور التجربة ويكثّفها، وهذا ما نجده في مشهد الطف؛ إذ ﻗﺎﻝ: «ﻓﻤﺎ ﻳﻤﻨﻌﻜﻤﺎ ﻣﻦ ﻧﺼﺮﺗﻲ؟ ﻓﻘﺎﻝ ﻣﺎﻟﻚ ﺑﻦ ﺍﻟﻨﻀﺮ: عليَّ ﺩﻳﻦ ﻭﻟﻲ ﻋﻴﺎﻝ. ﻓﻘﻠﺖ ﻟﻪ: إﻥّ عليَّ ﺩﻳﻨﺎً ﻭأﻥّ ﻟﻲ ﻟﻌﻴﺎﻻً ﻭﻟﻜﻨّﻚ إﻥ ﺟﻌﻠﺘﻨﻲ ﻓﻲ ﺣﻞٍّ ﻣﻦ ﺍﻻﻧﺼﺮﺍﻑ... »[69]، فالانفتاح على الشخصيّة ظهر واضحاً والمشهد الحواري الحقيقي في هذا المقطع يبدو جلياً.

 وأمّا الكيفية التي تجلي شخصيات الراوي في الرواية السرديّة تُظهر في الغالب الأعم بإيحاءاتها مع انفتاح النصّ بين الغنائية والمنحى السردي بطاقةً دلاليةً تحقق غايتها في تيسير الكشف عن المخبوء ولفت الانتباه إلى الشخصيّات، وما ينبغي للسارد قوله بما يتناسب وإيّاهما بدون تكلّف في القول، وتظهر الإيحاءات واضحة والانفتاح السردي والمنحى الدلالية في الكشف عن الحقيقة والمخبوء بعد مقتل الإمام الحسين× بقوله: «إﻧّﺎ ﻟﻠﻪ ﻭإﻧّﺎ ﺇﻟﻴﻪ ﺭﺍﺟﻌﻮﻥ، ﻗُﺘﻞ ﺍﻟﺤﺴﻴﻦ ﺑﻦ ﻋﻠﻲّ، ﻗﺎﻝ: ﻓﺪﺧﻠﺖ ﻋﻠﻰ ﻋﻤﺮﻭ ﺑﻦ ﺳﻌﻴﺪ، ﻓﻘﺎﻝ: ﻣﺎ ﻭﺭﺍءك؟ ﻓﻘﻠﺖ: ﻣﺎ ﺳﺮّ ﺍﻷﻣﻴﺮ، ﻗﺘﻞ ﺍﻟﺤﺴﻴﻦ ﺑﻦ ﻋﻠﻰّ. ﻓﻘﺎﻝ: ﻧﺎﺩي ﺑﻘﺘﻠﻪ. ﻓﻨﺎﺩﻳﺖ ﺑﻘﺘﻠﻪ، ﻓﻠﻢ ﺃﺳﻤﻊ ﻭﺍﻟﻠﻪ ﻭﺍﻋﻴﺔ ﻗﻂُّ ﻣﺜﻞ ﻭﺍﻋﻴﺔ ﻧﺴﺎء ﺑﻨﻲ ﻫﺎﺷﻢ ﻓﻲ ﺩﻭﺭﻫﻦ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺤﺴﻴﻦ، ﻓﻘﺎﻝ ﻋﻤﺮﻭ ﺑﻦ ﺳﻌﻴﺪ ﻭﺿﺤﻚ:

ﻋَﺠَّﺖْ ﻧِﺴَﺎءُ ﺑَﻨِﻲ ﺯِﻳﺎﺩٍ ﻋَﺠَّﺔً

ﻛَﻌَﺠِﻴﺞِ ﻧِﺴْﻮَﺗِﻨَﺎ ﻏﺪَﺍﺓَ ﺍﻷﺭْﻧَﺐ

ﻭﺍﻷﺭﻧﺐ ﻭﻗﻌﺔ ﻛﺎﻧﺖ ﻟﺒﻨﻲ ﺯﺑﻴﺪ ﻋﻠﻰ ﺑﻨﻲ ﺯﻳﺎﺩ ﻣﻦ ﺑﻨﻲ ﺍﻟﺤﺎﺭﺙ ﺑﻦ ﻛﻌﺐ ﻣﻦ ﺭﻫﻂ ﻋﺒﺪ ﺍﻟﻤﺪﺍﻥ، ﻭﻫﺬﺍ ﺍﻟﺒﻴﺖ ﻟﻌﻤﺮﻭ ﺑﻦ ﻣﻌﺪ ﻳﻜﺮﺏ، ﺛﻢّ ﻗﺎﻝ ﻋﻤﺮﻭ: ﻫﺬﻩ ﻭﺍﻋﻴﺔ ﺑﻮﺍﻋﻴﺔ ﻋﺜﻤﺎﻥ ﺑﻦ ﻋﻔّﺎﻥ، ﺛﻢّ ﺻﻌﺪ ﺍﻟﻤﻨﺒﺮ ﻓﺎﻋﻠﻢ ﺍﻟﻨﺎﺱ قتله»[70]، ومن هنا كانت هذه الإيحاءات والمنحى الدلالي الكشفي عن الحقيقة واضحةً ومؤثرةً بدون تكلّف، ومن هنا سيبيّن الباحث كيفية تصوير الحدث الروائي.

ب ـ تصوير الحدث في الرواية

بما أنّ الحدث بصورة عامّة هو فعل الشخصيّة أو الوقائع التي ترتبط بها، فإنّ الأوصاف التي تنتجها الأفعال لا تأتي أو تتجسد إلّا ممزوجة بالحدث في المشهد؛ إذ لا يمكن أن تنفصل عن تطوّر القصة، بل تستمدّ قوّتها الوصفية من حقيقة كونها جزءاً من القصة التي تبيّن كيف يرى المشهد، وكيف يتجاوب معه[71]. فتصوير الشخصيّة من خلال أفعالها لا يكون بتحديد صفاتها وتعيينها، بل بشرحها وإسالتها في الحدث وبشكل لا تبدو فيه «مجرد مواد مساعدة وإخبارية فقط، بل جزءاً من الحركة الانفعالية في القصة»[72]، ولارتباط الفعل والحدث، جعل اكتمال الوصف من خلاله مرهوناً باكتمال الحدث، فكما أنّ الفعل لا يتضح إلّا بتتابع الحدث الذي يعرضه واكتماله، فكذلك الوصف من خلاله لا يكتمل أو يمكن استخلاصه إلّا باكتمال الحدث. والوصف يظهر من خلال الأفعال ولا يأتي في مقاطع إخبارية مستقلة تمهّد للحدث أو تأتي خلاله لتوقف تتابعه، بل يترشح عن امتزاجه بمجموعة مقاطع سردية تلتحم مع بعضها لتشكل صوراً سردية نابضة بالحركة والحياة، وهذا ما نلاحظه في المقتل الحسيني وأحداثه وتصوير الراوي له وللوقائع.

ومن أكثر الطرق استخداماً في تصوير الشخصيّات ومن خلال أفعالها، تصوير شخصيات المقتل الحسيني، ولعلّ ذلك عائد إلى أنّ فعل الشخصيّة غالباً ما يكون نتيجة طبيعية لطبعها وما يدور في ذهنها، وفي ذلك قال الراوي: «ﻭﺻﻌﺪ ﻋﺒﻴﺪ ﺍﻟﻠﻪ ﻣﻨﺒﺮ ﺍﻟﺒﺼﺮﺓ، ﻓﺤﻤﺪ ﺍﻟﻠﻪ ﻭﺃﺛﻨﻰ ﻋﻠﻴﻪ، ﺛﻢّ ﻗﺎﻝ: ﺃﻣّﺎ ﺑﻌﺪُ، ﻓﻮ ﺍﻟﻠﻪ ﻣﺎ ﺗﻘﺮﻥ ﺑﻲ ﺍﻟﺼﻌﺒﺔ، ﻭﻻ ﻳﻘﻌﻘﻊ ﻟﻲ ﺑﺎﻟﺸﻨآﻥ، ﻭإنّي ﻟﻨِﻜﻞٌ ﻟﻤَﻦ ﻋﺎﺩﺍﻧﻲ، ﻭﺳَﻢٌّ ﻟﻤَﻦ ﺣﺎﺭﺑﻨﻲ، ﺃﻧﺼﻒُ ﺍﻟﻘﺎﺭﺓَ ﻣَﻦ ﺭﺍﻣﺎﻫﺎ، ﻳﺎ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﺒﺼﺮﺓ، إﻥّ ﺃﻣﻴﺮ ﺍﻟﻤﺆﻣﻨﻴﻦ ﻭلّاﻧﻲ ﺍﻟﻜﻮﻓﺔ ﻭﺃﻧﺎ ﻏﺎﺩٍ ﺇﻟﻴﻬﺎ ﺍﻟﻐﺪﺍﺓ... ﺣﺘﻰ ﺩﺧﻞ ﺍﻟﻜﻮﻓﺔ ﻭﻋﻠﻴﻪ ﻋﻤﺎﻣﺔ ﺳﻮﺩﺍء، ﻭﻫﻮ ﻣﻠﺘﺜﻢ ﻭﺍﻟﻨﺎﺱ ﻗﺪ ﺑﻠﻐﻬﻢ إﻗﺒﺎﻝ ﺣﺴﻴﻦ ﺇﻟﻴﻬﻢ، ﻓﻬﻢ ﻳﻨﺘﻈﺮﻭﻥ قدﻭﻣﻪ، ﻓﻈﻨّﻮﺍ ﺣﻴﻦ قدِﻡ ﻋﺒﻴﺪ ﺍﻟﻠﻪ ﺃﻧّﻪ ﺍﻟﺤﺴﻴﻦ، ﻓﺄﺧﺬ ﻻ ﻳﻤﺮّ ﻋﻠﻰ ﺟﻤﺎﻋﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﻨﺎﺱ إلّا ﺳﻠّﻤﻮﺍ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﻗﺎﻟﻮﺍ: ﻣﺮﺣﺒﺎ ﺑﻚ ﻳﺎ ﺑﻦ ﺭﺳﻮﻝ ﺍﻟﻠﻪ، قدِﻣﺖ ﺧﻴﺮَ ﻣﻘﺪﻡٍ، فرأى ﻣﻦ ﺗﺒﺎﺷﻴﺮﻫﻢ ﺑﺎﻟﺤﺴﻴﻦ (ﻋﻠﻴﻪ ﺍﻟﺴﻼﻡ) ﻣﺎ ﺳﺎﺀﻩ. ﻓﻘﺎﻝ ﻣﺴﻠﻢ ﺑﻦ ﻋﻤﺮﻭ ﻟﻤﺎ ﺃﻛﺜﺮﻭﺍ: ﺗﺄﺧﺮﻭﺍ، ﻫﺬﺍ ﺍﻷﻣﻴﺮ ﻋﺒﻴﺪ ﺍﻟﻠﻪ ﺑﻦ ﺯﻳﺎﺩ، ﻓﺄﺧﺬ ﺣﻴﻦ ﺃﻗﺒﻞ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻈﻬﺮ، ﻭإﻧّﻤﺎ ﻣﻌﻪ ﺑﻀﻌﺔ ﻋﺸﺮ ﺭﺟﻼً، ﻓﻠﻤّﺎ ﺩﺧﻞ ﺍﻟﻘﺼﺮ ﻭﻋﻠﻢ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﺃﻧّﻪ ﻋﺒﻴﺪ ﺍﻟﻠﻪ ﺑﻦ ﺯﻳﺎﺩ ﺩﺧﻠﻬﻢ ﻣﻦ ﺫﻟﻚ ﻛﺂﺑﺔ ﻭﺣﺰﻥ ﺷﺪﻳﺪ، ﻭﻏﺎﻅ ﻋﺒﻴﺪ ﺍﻟﻠﻪ ﻣﺎ ﺳﻤﻊ ﻣﻨﻬﻢ... ﻧﺰﻝ ﻭﺃُﺧﺒﺮ ﺃﻥّ ﻣﺴﻠﻢ ﺑﻦ ﻋﻘﻴﻞ ﻗدِﻡ ﻗﺒﻠﻪ ﺑﻠﻴﻠﺔ ﻭﺃﻧّﻪ ﺑﻨﺎﺣﻴﺔ ﺍﻟﻜﻮﻓﺔ، ﻓﺪﻋﺎ ﻣﻮﻟﻰ ﻟﺒﻨﻲ ﺗﻤﻴﻢ ﻓﺄﻋﻄﺎﻩ ﻣﺎﻻً ﻭﻗﺎﻝ: ﺍﻧﺘﺤﻞ ﻫﺬﺍ ﺍلأﻣﺮ ﻭﺃﻋﻨﻬﻢ ﺑﺎﻟﻤﺎﻝ ﻭﺍﻗﺼﺪ ﻟﻬﺎﻧﻲ ﻭﻣﺴﻠﻢ ﻭﺍﻧﺰﻝ ﻋﻠﻴﻪ، ﻓﺠﺎﺀ ﻫﺎﻧﺌﺎً ﻓﺄﺧﺒﺮﻩ أﻧّﻪ ﺷﻴﻌﺔ ﻭﺃﻥّ ﻣﻌﻪ ﻣﺎﻻً... ﺛﻢّ أﺧﺬ ﻋﺒﻴﺪ ﺍﻟﻠﻪ ﺍﻟﻤﻌﻜﺰﺓ، ﻓﻀﺮﺏ ﺑها ﻭﺟﻪ ﻫﺎﻧﻲ ﻭﻧﺪﺭ ﺍﻟﺰﺝ، ﻓﺎﺭﺗﺰ ﻓﻲ ﺍﻟﺠﺪﺍﺭ، ﺛﻢّ ﺿﺮﺏ ﻭﺟﻬﻪ ﺣﺘﻰ ﻛﺴﺮ ﺃﻧﻔﻪ ﻭﺟﺒﻴﻨﻪ ﻭﺳﻤﻊ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﺍﻟﻬﻴﻌﺔ، ﻭﺑﻠﻎ ﺍﻟﺨﺒﺮ ﻣﺬﺣﺞ ﻓﺄﻗﺒﻠﻮﺍ ﻭﺃﻃﺎﻓﻮﺍ ﺑﺎﻟﺪﺍﺭ، ﻭأﻣﺮ ﻋﺒﻴﺪ ﺍﻟﻠﻪ ﺑﻬﺎﻧﻲ ﻓﺄﻟﻘﻲ ﻓﻲ ﺑﻴﺖ، ﻭﺻﻴﺢ ﺍﻟﻤﺬﺣﺠﻴﻮﻥ ﻭﺃﻣﺮ ﻋﺒﻴﺪ ﺍﻟﻠﻪ ﻣﻬﺮﺍﻥ أﻥ ﻳﺪﺧﻞ ﻋﻠﻴﻪ ﺷﺮﻳﺤﺎً، ﻓﺨﺮﺝ ﻓﺄﺩﺧﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺩﺧﻠﺖ ﺍﻟﺸﺮﻁ ﻣﻌﻪ. ﻓﻘﺎﻝ: ﻳﺎ ﺷﺮﻳﺢ ﻗﺪ ترى ﻣﺎ ﻳﺼﻨﻊ ﺑﻲ؟ ﻗﺎﻝ: ﺃﺭﺍﻙ ﺣﻴّﺎً. ﻗﺎﻝ ﻭﺣﻲ أﻧﺎ ﻣﻊ ﻣﺎ ترى؟ ﺃﺧﺒﺮ ﻗﻮﻣﻲ أﻧّﻬﻢ إﻥ ﺍﻧﺼﺮﻓﻮﺍ قتلني»[73]، فيصوّر الراوي هذه الشخصيّات التي لها دور مؤثر في المقتل الحسيني.

ومن هذه النصوص نرصد أفعال الشخصيّات المذكورة في المقتل على أنّ الأساس المميّز والمحرّك لها هو كون الفعل لا يخلو من الطمع والخوف والخداع؛ إذ تصوّر شخصية الظالم من كونها تقتل وتغدر، وتخون وتكذب، حتّى تحصل على ملذاتها، وأصبحت أفعالها وتصرفاتها إشارات صريحة إلى ظلمها للآخرين؛ لأنّها ناتجة عنه فقد كانت تتقن تطبيق وممارسة الظلم بالخوف والقتل والتشريد، وكذلك الطمع الذي سمح للظالم بإغراء العباد أصحاب النفوس الضعيفة بالمال؛ ليصل إلى مبتغاه كما نقرأه في النصّ حول إعطاء عبيد الله المال ثلاثة آلاف إلى معقل ليكون عيناً له.

وبذلك كشفت رواية المقتل عن صفة الحدث وصورها، كما يتمثل في أفعال عبيد الله وهاني ومسلم. ويتضح من النصّ أنّ الشخصيّات قدّمت من خلال أفعالها، وقد رسمت أفعال الظالم وصاحب السلطة وتصرفاته بصورة رجل متسلّط على الرقاب، يقتل من يحلو له، معطاءً لعيونه ومَن يقف معه، ومخادعاً لتقمّصه شخصية غير شخصيته، في حين رسمت أفعال هاني بصورة رجل حسن الأخلاق، وحسن النية، وصادق في عمله، وخدمته لأهل بيت النبوة، عامل للمعروف. فضلاً عن ذلك فقد صوّرت أفعالهما حالتهما النفسية في اللقاء الذي جمع بينهما، فصوّرت ابن عروة مندهشاً مستغرباً من أعمال الوالي، يحاول جاهداً التعريف بنفسه وبعشيرته، وصوّرت عبيد الله قلقاً خائفاً متردداً في قتله، حتّى استجار بقاضي المدينة ليُخلّصه من ثورة أهل الكوفة، وهذا الخوف لم يكن إلّا حيلةً من حيل الظلمة والطغاة للتخلّص من معارضيهم وكلّ مَن لا يطيعهم في حكمهم.

 فالوصف هنا لم يكن وصفاً إخبارياً مستقلاً عن الفعل الإنساني المرتبط بالحدث، بل وصفاً مسروداً ورد ممتزجاً بالوحدات السرديّة المكوّنة للحدث، وبالطريقة نفسها قدّم السارد شخصية مسلم بن عقيل من خلال فعلها المضحّي وتحركاتها، والفعل هنا يدل على صفة الشجاعة التي تحكمها وتسيطر على مشاعرها وتدفعها لهذا الفعل أو غيره، فالصفة هنا استخلصت من الفعل الذي صدر عنها وشرحها، وهي شجاعة مسلم بن عقيل، وكذلك الحال في تصوير الشيخ حبيب بن مظاهر الأسدي وشخصيته من خلال أفعالها بما فيها من حركات، ونصّها: «ﻓﻘﺎﻝ ﺣﺒﻴﺐ ﺑﻦ ﻣﻈﺎﻫﺮ ﻟﺰﻫﻴﺮ ﺑﻦ ﺍﻟﻘﻴﻦ: ﻛﻠّﻢ ﺍﻟﻘﻮﻡ إﻥ ﺷﺌﺖ، ﻭإﻥ ﺷﺌﺖ ﻛﻠّﻤﺘﻬﻢ. ﻓﻘﺎﻝ ﻟﻪ ﺯﻫﻴﺮ: ﺃﻧﺖ ﺑﺪﺃﺕ ﺑﻬﺬﺍ، ﻓﻜﻦ ﺃﻧﺖ ﺗﻜﻠّﻤﻬﻢ. ﻓﻘﺎﻝ ﻟﻪ ﺣﺒﻴﺐ ﺑﻦ ﻣﻈﺎﻫﺮ: أَﻣﺎ ﻭﺍﻟﻠﻪ ﻟﺒﺌﺲ ﺍﻟﻘﻮﻡ ﻋﻨﺪ ﺍﻟﻠﻪ ﻏﺪﺍً ﻗﻮﻡ ﻳﻘﺪﻣﻮﻥ ﻋﻠﻴﻪ، ﻗﺘﻠﻮﺍ ﺫﺭﻳﺔ ﻧﺒﻴّﻪ× ﻭﻋﺘﺮﺗﻪ ﻭﺃﻫﻞ ﺑﻴﺘﻪ (ﺻﻠّﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺁﻟﻪ) ﻭﻋﺒّﺎﺩ ﺃﻫﻞ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﺼﺮ ﺍﻟﻤﺠﺘﻬﺪﻳﻦ ﺑﺎﻷﺳﺤﺎﺭ ﻭﺍﻟﺬﺍﻛﺮﻳﻦ ﺍﻟﻠﻪ ﻛﺜﻴﺮﺍً»[74].

 ولقد قدّمت الشخصيّات في هذا النصّ من خلال أفعالها الصورة الجليّة التي تتفاعل مع الحدث من خلال فعلها المضحّي وتحركاتها ممتزجة بالوحدات السرديّة المكوّنة له، مقابل الخوف والاستغراب والدهشة مع القلق من المستقبل للشخصية المهزوزة؛ نتيجة ظلمها وشدّتها وقسوتها المتمثلة بالوالي الجديد عبيد الله بن زياد. فالسارد سرد فعل الشيخ (حبيب بن مظاهر) الذي صوّره كبيراً بالسن ومضحياً ومحبّاً لأهل بيت النبوة، لا يريد من القوم إلّا الصلاح وعدم الاشتراك بقتل ذرية النبي().

أمّا موقف السارد بما فيه من حركة وسكون، فقد صوّره رجلاً بطلاً يحاول إثارة الغيرة والمروءة عند القوم؛ ليرى ما يكون منه. وفضلاً عن ذلك، فقد قدّم السارد شخصية حبيب من خلال حديثها معه، فقد عكس حديثها رؤيتها للموقف وفهمها له، وهي رؤية تناسب طبع النخوة العربية والغيرة الإسلامية التي يحكم تفسيرها للأمور، كما عبّر عن نفسيتها المحبة والعاشقة للقاء الحسين×، والمطيعة للمولى طامعة في الجنّة، وخائفة من عذاب الجبّار، وراجية شفاعة محمّد.

فحديث الشخصيّة ـ إذاً ـ دلّ على صفة الجود والبطولة التي تسيطر على كلّ ما فيها حتّى لغتها، فالوصف هنا كان وصفاً تمثيلياً غير مباشر قدّم فيها الشخصيّات من خلال أفعالها وأحاديثها التي وردت ممزوجة بالحدث ـ أوالوحداتالسرديّةالتيتكوّنه ـمكوّنةصوراًنابضةبالحياةوالحركةتصلحلأنّتكونمشهداًفيمسرحية أو فيلمسينمائي.

وكذلك الحال في شخصية زهير بن القين، فقد اتخذ السارد من فعله دليلاً على طبعه، قال السارد: «ﻓﻘﺎﻝ ﻟﻪ ﻋﺰﺭﺓ ﺑﻦ ﻗﻴﺲ: إﻧّﻚ ﻟﺘﺰﻛّﻲ ﻧﻔﺴﻚ ﻣﺎ ﺍﺳﺘﻄﻌﺖ. ﻓﻘﺎﻝ ﻟﻪ ﺯﻫﻴﺮ: ﻳﺎ ﻋﺰﺭﺓ، إﻥّ ﺍﻟﻠﻪ ﻗﺪ ﺯﻛّﺎﻫﺎ ﻭﻫﺪﺍﻫﺎ، ﻓﺎﺗﻖ ﺍﻟﻠﻪ ﻳﺎ ﻋﺰﺭﺓ، فإﻧّﻲ ﻟﻚ ﻣﻦ ﺍﻟﻨﺎﺻﺤﻴﻦ، ﺃﻧﺸﺪﻙ ﺍﻟﻠﻪ ﻳﺎ ﻋﺰﺭﺓ، أﻥ ﺗﻜﻮﻥ ﻣﻤَّﻦ ﻳُﻌﻴﻦ الضُّلال ﻋﻠﻰ ﻗﺘﻞ ﺍﻟﻨﻔﻮﺱ ﺍﻟﺰﻛﻴﺔ. ﻗﺎﻝ: ﻳﺎ ﺯﻫﻴﺮ، ﻣﺎ ﻛﻨﺖ ﻋﻨﺪﻧﺎ ﻣﻦ ﺷﻴﻌﺔ ﺃﻫﻞ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺒﻴﺖ، إﻧّﻤﺎ ﻛﻨﺖ ﻋﺜﻤﺎﻧﻴﺎً. ﻗﺎﻝ: ﺃﻓﻠﺴﺖ ﺗﺴﺘﺪﻝ ﺑﻤﻮﻗﻔﻲ ﻫﺬﺍ أﻧّﻰ ﻣﻨﻬﻢ؟ أَما ﻭﺍﻟﻠﻪ ﻣﺎ ﻛﺘﺒﺖ ﺇﻟﻴﻪ ﻛﺘﺎﺑﺎً ﻗﻂُّ، ﻭﻻ ﺃﺭﺳﻠﺖ ﺇﻟﻴﻪ ﺭﺳﻮﻻً ﻗﻂُّ، ﻭﻻ ﻭﻋﺪﺗﻪ ﻧﺼﺮﺗﻲ ﻗﻂُّ، ﻭﻟﻜﻦ ﺍﻟﻄﺮﻳﻖ ﺟﻤﻊ ﺑﻴﻨﻲ ﻭﺑﻴﻨﻪ، ﻓﻠﻤّﺎ ﺭﺃﻳﺘﻪ ﺫﻛﺮﺕ ﺑﻪ ﺭﺳﻮﻝ ﺍﻟﻠﻪ’ ﻭﻣﻜﺎﻧﻪ ﻣﻨﻪ، ﻭﻋﺮﻓﺖ ﻣﺎ ﻳﻘﺪِﻡ ﻋﻠﻴﻪ ﻣﻦ ﻋﺪﻭﻩ ﻭﺣﺰﺑﻜﻢ، ﻓﺮﺃﻳﺖ ﺃﻥ ﺍﻧﺼﺮﻩ ﻭأﻥ ﺃﻛﻮﻥ ﻓﻲ ﺣﺰﺑﻪ، ﻭأﻥ أﺟﻌﻞ ﻧﻔﺴﻲ ﺩﻭﻥ ﻧﻔﺴﻪ ﺣﻔﻈﺎً ﻟﻤﺎ ﺿﻴﻌﺘﻢ ﻣﻦ ﺣﻖ ﺍﻟﻠﻪ ﻭﺣﻖ ﺭﺳﻮﻟﻪ×»[75]، إذ يتضح من النصّ أنّ فعل زهير بن القين المتمثّل في حديثه وحركته مع عزرة لاسترجاع معلوماته وتقريعه، باعتبارهم هم مَن كتبوا للحسين× القدوم والنصرة، ووقفوا ضدّه وقاتلوه، وقتلوه أشدّ قتلة، وحركته التي قام بها وحديثه معه كان دليلاً على شجاعته وإيمانه بالله ورسوله.

والحقيقة أنّ شجاعة زهير وغيرته على الدين أبرزها الراوي واتّضحت شخصيته قبل أن يسرد فعلها، فقد لمح السارد إليها من خلال حديثه مع حبيب وقدومه إلى مخيم الحسين×، وبين شخصية حبيب وقوة إيمانه، كما لمح إلى بطولته بذكره (لم يكتب ولم يرسل) إلى الحسين× خلاف ما فعلتموه أنتم.

ثمّ إن تقديم السارد أو إشارته إلى شجاعة الشخصيّة وقوّتها قبل سرد فعلها المصوّر لبطولتها، إنّما يدل على طريقة في وصف الشخصيّة، اعتمدها في أغلب قصصه، وهي طريقة تقوم على مراعاة تسلسل العرض والتدرّج بالحدث عند رسم الشخصيّة التي اختارها لتكون محوراً لموضوعه الأساس، فقد يصفها وصفاً نظرياً عاماً، لينتقل منه إلى وصف خاص يجسّده فعلها وتصرفها الذي يكون مطابقاً لما قيل عنها في بداية القصة.

فالشخصيّة هنا وصفت وصفاً تمثيلياً غير مباشر من خلال فعلها، فما يصدر عنها يكون ناتجاً منها ودالاً عليهاً، ويتضح مما سبق أنّ فعل الشجاع وحديثه كان مفسّراً لحياته الداخلية غير المرئية، ولولا تركيز السارد على تتبّع تلك الحركات والأفعال لما برزت قواه الكامنة في أعماقه، فهو المحرّك لها والدافع الأساس لما يصدر عنها.

لذا فإنّ الشخصيّات التي وصفت بالطريقة التمثيلية ـ كما ظهرت واضحة في الأمثلة ـ لم تأتِ في مقاطع مستقلة تمهد للحدث أو تأت خلاله لتعطل تتابعه، بل جاءت ملتحمة بالحدث ومترشّحة عن المقاطع السرديّة التي كوّنته مكوّناً صوراً سردية ومشاهد وصفية.

وعليه يمكن القول: إنّ تصوير الشخصيّات من خلال أفعالها كانت تصويراً للحدث في الوقت نفسه، فأيّ فعلٍ تقوم به الشخصيّة يُعطي صورةً عن تتابع الأحداث ونهايتها التي تصل إليها.

وملخص القول: إنّ ما صدر عن البطولة لشخصيات المقتل من أحاديث وأفعال دلّت عليها المقاطع السابقة وغيرها ممّا سيشار إليها في التطبيقات الأخرى هي نتاج دافع نفسي داخلي يسيطر على أصحابها ويحرّكهم نحو فعل أو قول يتناعم مع ما ترتضيه وتفكر فيه تلك الشخصيّات.

ج ـ وظائف الراوي في الحدث

بما أنّ الراوي يمثّل الأداة الأساسية التي يوظّفها الراوي لنقل النصّ الذي قام بكتابته إلى المروي له، أي إنّ الراوي يمثّل وسيلة تواصل بين النصّ والمتلقّي له، فلا بدّ من دراسة الراوي ومعرفة الوظائف التي يقوم بها. ويقصد بالوظيفة: «المهام الملقاة على عاتق الراوي أو الغايات من السرد»[76]، وقد بيّن ذلك أبو مخنف في واقعته، فلو تصفّحنا رواية جيرار جينيت يظهر لنا وظائف السارد من خلال النموذج التطبيقي له؛ إذ صنّفها في خمس وظائف:

   الوظيفة السرديّة: وهي من أهمّ الوظائف الأساسية الموكلة إلى السارد بأدائها، وهذه الوظيفة متصلة بالحكاية.

     وظيفة الإدارة.

     وظيفة الوضع السردي.

     الوظيفة الإنتاجية.

     الوظيفة الأيديولوجية.

ولا ينبغي أن يشمل النصّ السردي مجمل هذه الوظائف؛ لأنّ وظيفة واحدة يقوم عليها حدث سردي كامل في أخرى يشمل النصّ السردي على وظيفتين وهكذا[77].

وفي المقتل الحسيني تظهر وظيفة الراوي السرديّة في سرده للأحداث إذ يقول: «ﻗﺎﻝ ﺃﺑﻮ ﻣﺨﻨﻒ: ﺣﺪّﺛﻨﻲ ﺍﻟﺼﻘﻌﺐ ﺑﻦ ﺯﻫﻴﺮ ﻋﻦ ﺍﻟﻘﺎﺳﻢ ﺑﻦ ﻋﺒﺪ ﺍﻟﺮﺣﻤﻦ ﻣﻮﻟﻰ ﻳﺰﻳﺪ ﺑﻦ ﻣﻌﺎﻭﻳﺔ... »[78]، وأنّ وظيفة الراوي الأساسية هي رواية سلسلة الأحداث، سواء أكانت أحداثاً حقيقية أم تخييلية، وسواء رواها من الخارج أم من الداخل. وكذلك في قوله: «ﻗﺎﻝ ﺃﺑﻮ ﻣﺨﻨﻒ: ﺣﺪّﺛﻨﻲ ﺃﺑﻮ ﺟﻌﻔﺮ ﺍﻟﻌﺒﺴﻲ، ﻋﻦ ﺃﺑﻲ ﻋﻤﺎﺭﺓ ﺍﻟﻌﺒﺴﻲ، ﻗﺎﻝ: ﻓﻘﺎﻝ ﻳﺤﻴﻰ ﺑﻦ ﺍﻟﺤﻜﻢ (ﺃﺧﻮ ﻣﺮﻭﺍﻥ ﺑﻦ ﺍﻟﺤﻜﻢ)»[79].

وفي كلّ الأحوال يُعدّ حضور الراوي في العمل السردي مُقَوُّماً لا يمكن الاستغناء عنه، وحضوره شاخصاً بين الشخصيّات يمكّنه أن يكون عوناً وشاهداً، وهو ما يساعد في تشخيص الشخصيّات ووظائفها، وهذ الحضور المساعد نجده جلياً في رواية أبي مخنف.

د ـ طريقة الراوي في الحكاية والحدث

أبرز الراوي وظيفة الرسل، فقد أدخلهم في حكايات مقتل أبي مخنف عنصراً واضحاً، يديرون حواراتهم التي تغني القصة، ويظهر أثرهم في مواقعهم وأدوارهم التي تعين على تشكيل السرد، ووصف الحوادث بتأدية وظيفة تدخل أحياناً كثيرة في صميم الرواية ببضع التفاتات لها دلالاتها في الفعل والمعنى، فمثلاً جاء في المصدر قوله:

«ﻓﻠﻢ ﻳﺰﺍﻟﻮﺍ كذلك ﺣﺘﻰ ﻣﺮﻭﺍ ﺑﻘﺮﻗﻴﺴﻴﺎ ﻣﻦ ﺟﺎﻧﺐ ﺍﻟﺒﺮ، ﻓﺒﻌﺚ ﺇﻟﻴﻬﻢ ﺯﻓﺮ ﻣﻦ ﺍﻟﻄﻌﺎﻡ ﻭﺍﻟﻌﻠﻒ ﻣﺜﻞ ﻣﺎ ﻛﺎﻥ ﺑﻌﺚ ﺇﻟﻴﻬﻢ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺮﺓ ﺍﻷﻭﻟﻰ، ﻭﺃﺭﺳﻞ ﺇﻟﻴﻬﻢ ﺍﻷﻃﺒﺎء ﻭﻗﺎﻝ: ﺃﻗﻴﻤﻮﺍ ﻋندنا ﻣﺎ ﺃﺣﺒﺒﺘﻢ، فإﻥّ ﻟﻜﻢ ﺍﻟﻜﺮﺍﻣﺔ ﻭﺍﻟﻤﻮﺍﺳﺎﺓ، ﻓﺄﻗﺎﻣﻮﺍ ﺛﻼﺛﺎ»[80]، حيث يبيّن دور المكان وما جرى فيه، والأقوال والأفعال التي رافقت هذا الحدث الوقتي، وكذلك قوله: «ﺃﺭﺳﻠﻪ ﺇﻟﻴﻨﺎ ﺍﺑﻦ ﺍﻟﺤﻨﻔﻴﺔ»[81]، إشارة إلى المختار الثقفي في تأجيج الموقف الثأري والمظلومية التي جرت في واقعة الطف وما جرى فيها، ليأتي بعدها دور المختار فيؤدّي دوره الحدثي لتشكيل صورة سردية عن مآل حركة الإمام الحسين× وثورته التحررية ونتيجتها المستقبلية، وأيضاً في قوله: «ﻓﺒﻌﺜﻮﺍ ﺍﻟﺮﺳﻞ ﻳﺘﻠﻮ ﺑﻌﻀﻬﺎ ﺑﻌﻀﺎً ﺇﻟﻰ ﺍﻷﺯﺩ، ﻭﺑﺠﻴﻠﺔ، ﻭﺧﺜﻌﻢ»[82]؛ ليثير العزيمة والنخوة وقوة الثأر للحسين×، وكذلك قال: «ﻭﻗﺎﻝ ﻟﻬﻢ جدﻭﺍ ﻓﻜﺄﻧّﻲ ﻗﺪ ﺃﺗﻴﺘﻜﻢ. ﻗﺎﻝ: ﻭﺑﻌﺚ ﺍﻟﻤﺨﺘﺎﺭ ﺭﺳﻮﻻً ﻣﻦ ﻳﻮﻣﻪ ﻳﻘﺎﻝ ﻟﻪ ﻋﻤﺮ ﺑﻦ ﺗﻮﺑﺔ ﺑﺎﻟﺮﻛﺾ ﺇﻟﻰ ﺇﺑﺮﺍﻫﻴﻢ ﺑﻦ ﺍﻷﺷﺘﺮ»[83]، وغيرها من المقاطع السرديّة التي تُعطي صورةً حقيقيةً للشخصية؛ إذ نجد أنّ الراوي يعتمد جملاً سردية مكثّفة، تصوّر لنا سمات تلك الشخصيّات المتمثلة في المقتل، عبر تتابع متناسق للفعل الذي أسهم في رسم حركة الواقعة، وسرعته ورغبته في التعرّف على الواقع بكلّ ما فيه، معززاً ذلك بإلغاء أدوات الربط؛ إذ أدى انتفاء أدوات الربط إلى جعل زمن السرد مساوياً لزمن الحدث، وقد قررت كتب السرد الحديثة أنّ التطابق بين زمن السرد وزمن القصة المسرودة يكثر في بعض الحكايات العجيبة والقص من الروايات على شرط أن تكون أحداثها متتابعة وليست متداخلة[84]؛ لذا ركّز الباحث في النصوص على ذلك، ففي النصوص السابقة تكون معرفة الرواية هنا على قدر معرفة الشخصيّات الأخرى، فلا يقدّم الراوي لنا أيّ معلومات أو تفسيرات، شأنه في ذلك شأن تلك الشخصيّات، وهو ما يتناسب ورؤية الراوي المحدود العلم[85].

2 ـ المروي ومكوّناته

وهو العنصر الثاني من عناصر العمليات السرديّة، وهو: «كلّ ما يصدر عن الراوي وينتظم لتشكيل مجموعة من الأحداث، تقترن بأشخاص، ويؤطرها فضاء من الزمان والمكان، وتُعدّ الحكاية جوهر المروي، والمركز الذي تتفاعل حوله عناصر المروي بوصفها مكوّنات له»[86]، وهذا ما اتخذه واضحاً في النصّ الآتي بقوله: «ﻭﺣﻤﻞ ﻋﻠﻴﻪ ﺯﻫﻴﺮ ﺑﻦ ﺍﻟﻘﻴﻦ ﻓﻲ ﺭﺟﺎﻝ ﻣﻦ ﺃﺻﺤﺎﺑﻪ ﻋﺸﺮﺓ، ﻓﺸﺪّ ﻋﻠﻰ ﺷﻤﺮ ﺑﻦ ﺫﻱ ﺍﻟﺠﻮﺷﻦ ﻭﺃﺻﺤﺎﺑﻪ، ﻓﻜﺸﻔﻬﻢ ﻋﻦ ﺍﻟﺒﻴﻮﺕ ﺣﺘﻰ ﺍﺭﺗﻔﻌﻮﺍ ﻋﻨﻬﺎ، ﻓﺼﺮﻋﻮﺍ ﺃﺑﺎ ﻋﺰﺓ ﺍﻟﻀﺒﺎﺑﻲ ﻓﻘﺘﻠﻮﻩ، ﻓﻜﺎﻥ ﻣﻦ ﺃﺻﺤﺎﺏ ﺷﻤﺮ. ﻭﺗﻌﻄﻒ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﻓﻜﺜﺮﻭﻫﻢ، ﻓﻼ ﻳﺰﺍﻝ ﺍﻟﺮﺟﻞ ﻣﻦ ﺃﺻﺤﺎﺏ ﺍﻟﺤﺴﻴﻦ ﻗﺪ ﻗُﺘﻞ فإذا قُتل ﻣﻨﻬﻢ ﺍﻟﺮﺟﻞ ﻭﺍﻟﺮﺟﻼﻥ ﺗﺒﻴّﻦ ﻓﻴﻬﻢ ﻭﺃﻭﻟﺌﻚ ﻛﺜﻴﺮ ﻻ ﻳﺘﺒﻴّﻦ ﻓﻴﻬﻢ ﻣﺎ ﻳُﻘﺘﻞ ﻣﻨﻬﻢ. ﻗﺎﻝ: ﻓﻠﻤّﺎ رأى ﺫﻟﻚ ﺃﺑﻮ ﺛﻤﺎﻣﺔ ﻋﻤﺮﻭ ﺑﻦ ﻋﺒﺪ ﺍﻟﻠﻪ ﺍﻟﺼﺎﺋﺪﻱ ﻗﺎﻝ ﻟﻠﺤﺴﻴﻦ: ﻳﺎ ﺃﺑﺎ ﻋﺒﺪ ﺍﻟﻠﻪ ﻧﻔﺴﻲ ﻟﻚ ﺍﻟﻔﺪﺍﺀ. إﻧﻲ أرى ﻫﺆﻻﺀ ﻗﺪ ﺍﻗﺘﺮﺑﻮﺍ ﻣﻨﻚ ﻭﻻ ﻭﺍﻟﻠﻪ ﻻ ﺗُﻘﺘﻞ ﺣﺘﻰ أُﻗﺘﻞ ﺩﻭﻧﻚ ﺇﻥ ﺷﺎﺀ ﺍﻟﻠﻪ، ﻭﺃﺣﺐّ أﻥ ﺃﻟﻘﻰ ﺭﺑّﻲ ﻭﻗﺪ ﺻﻠّﻴﺖ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺼﻼﺓ ﺍﻟﺘﻲ ﻗﺪ ﺩﻧﺎ ﻭﻗﺘﻬﺎ... »[87].

فهناك مجموعة من الأحداث لشخصيات مختلفة وأحداث متشابكة وأقوال معبّرة عن قناعات في نفس الشخص؛ ولذا فالمروي تتحكم في أنساقه بنيتان هما: «موقف الراوي، وموقف المجتمع»[88]، وهذا يدلّ على أنّ الخطاب الروائي يكون محدوداً من جهتين: جهة الراوي الذي يُعتبر سارداً، وجهة المتلقّي الذي وُجّه إليه بشكل خاص هذا الخطاب.

فالمروي يمثّل «المادة الحكائية التي هي بين يدي الراوي الذي يسرد تفاصيلها وأحداثها؛ ولذلك يكون المروي دائماً ضمن وعي مسبق لدى المؤلِّف»[89]، فهو بُنية خطابية تتشكل من مختلف العناصر السرديّة، كما أنّها تتفاعل مع الراوي بوصفه منتجاً من أجل بث الرسالة إلى المروي له بوصفه متلقياً، وبهذا فالمروي هو الحلقة التي تربط بين الراوي والمروي له.

إنّ البحث في الشخصيّة وأخلاقيّتها يفسح المجال لتفسير الأفعال في سياقها عن طريق التحليل والإحساس بتكوين تلك الشخصيّة، فهي ليست محض محاكاة، بل ثمّة دوافع كامنة محفوفة بإمكانات الخيال والرغبات، يغيب عنها الاكتمال والتماسك أحياناً، مما يشجّع التفسير النفسي للتدخّل تلمساً للأثر الذي تتركه هذه الشخصيّة أو تلك، وهي أحياناً تبدو بافتراضات السارد كائنات بشرية غير اعتيادية في تمثيل الحياة ونوازع اللذّة.

كما أنّ الشخصيّة التي ترد في النصّ السردي تشكّل علامة واضحة بحسب ما تحمله من سمات أبرزها الاسم، وهذا يظهر جليّاً في الحدث الحسيني، فالشخصيّة التاريخية تكون متوقعة لوجود معرفة سابقة في ذهن القارئ، وواحدة من مرجعيات قراءته، ولكن النصّ يخالف ذلك بمعطيات عدّة، فهي وليدة مشاركة الأثر السياقي ونشاط استذكاري بنائي يؤدّيه القارئ على النصّ، وعلى العكس من ذلك فإنّ أوّل ظهور لاسم غير تاريخي يخلف نوعاً من البياض الدلالي في اصطلاح (غيوم)، فهذه العلامة الفارغة (الاسم الجديد) ستمتلئ تدريجياً؛ لذلك لا تمتلئ الشخصيّة باعتبارها مورفيماً فارغاً في البداية، بل تتحدّد من خلال السياق وشبكة الدلالات[90].

إنّ القارئ المعاصر بإمكانه أن يتخيّل واقعية الشخصيّات في سرد رواية المقتل، على رغم من أنّه لم يعش تفاصيلها، لكن تطابقها للواقع لا يعني أنّها تُثير في نفسه تعاطفاً وجدانياً ساخناً ما لم تكن تحمل مؤثرها الإجمالي بالفعل، وبعد ذلك فالمؤثر يرتبط بنوعية القارئ، وخاصيته المعرفية بفن الرواية والقصص الحكائية، وعبر شخصيات الرواية يمكن استقراء حركية المعنى الذي تهدف إليه، وصداه والعلاقات المنطقية القائمة بين الدلالات الكامنة فيها، وهذه الأمور من واقعية الشخصيّة، والتعاطف الوجداني الساخن والتأثير بالمستمع والقارىء، فضلاً عن الخاصية المعرفية عند البعضٍ، والعلاقات العاطفية جميعاً وغيرها، نجدها متوافرة في الحدث الحسيني، فيظهر صورةً حقيقيةً مجسّمة للواقع، مؤثرة في النفوس على مدى الأزمان والأمكنة والعصور.

 ولذا في عمق النصّ وحيثياته، وضمن التوالي السياقي لملفوظاتها، ووجهات النظر لكونها تقنية سردية، نجد ذلك جلياً في قوله: «ﻓﻘﺎﻝ: ﺍﺻﻌﺪ ﻓﻮﻕ ﺍﻟﻘﺼﺮ ﻓﺎﻟﻌﻦ ﺍﻟﻜﺬّﺍﺏ اﺑﻦ ﺍﻟﻜﺬّﺍﺏ، ﺛﻢّ ﺍﻧﺰﻝ ﺣﺘﻰ أرى ﻓﻴﻚ ﺭﺃﻳﻲ. ﻗﺎﻝ: ﻓﺼﻌﺪ، ﻓﻠﻤّﺎ ﺃﺷﺮﻑ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻨﺎﺱ، ﻗﺎﻝ: ﺃﻳّﻬﺎ ﺍﻟﻨﺎﺱ، إﻧّﻲ ﺭﺳﻮﻝ ﺍﻟﺤﺴﻴﻦ ﺍﺑﻦ ﻓﺎﻃﻤﺔ ﺍﺑﻦ ﺑﻨﺖ ﺭﺳﻮﻝ ﺍﻟﻠﻪ’ ﻟﺘﻨﺼﺮﻭﻩ ﻭﺗﻮﺍﺯﺭﻭﻩ ﻋﻠﻰ ﺍﺑﻦ ﻣﺮﺟﺎﻧﺔ ﺍﺑﻦ ﺳﻤﻴﺔ ﺍﻟﺪﻋﻲ. فأﻣﺮ ﺑﻪ ﻋﺒﻴﺪ ﺍﻟﻠﻪ ﻓﺄﻟﻘﻲ ﻣﻦ ﻓﻮﻕ ﺍﻟﻘﺼﺮ ﺇﻟﻰ ﺍﻷﺭﺽ، ﻓﻜﺴﺮﺕ ﻋﻈﺎﻣﻪ ﻭﺑﻘﻲَ ﺑﻪ ﺭﻣﻖ، ﻓﺄﺗﺎﻩ ﺭﺟﻞ ﻳﻘﺎﻝ ﻟﻪ ﻋﺒﺪ ﺍﻟﻤﻠﻚ ﺑﻦ ﻋﻤﻴﺮ ﺍﻟﻠﺨﻤﻲ فذﺑﺤﻪ، ﻓﻠﻤّﺎ ﻋِﻴﺐ ﺫﻟﻚ ﻋﻠﻴﻪ، ﻗﺎﻝ، إﻧّﻤﺎ ﺃﺭﺩﺕ أﻥ ﺃﺭﻳﺤﻪ»[91].

وقد يُصوّر الراوي الشخصيّة للمتلقي، وذلك بذكر ملامحها الوجودية مضيفاً عليها صفة القداسة، فأظهر الجوانب الكمالية لها من خلال التركيز على بُعدها القيادي، داخل النص السردي، كما في نصوص الرواية توضح الشخصيّة القيادية عند الحسين×، ومثال ذلك صبيحة يوم عاشوراء بقوله: «أﻣّﺎ ﺑﻌﺪُ، ﻓﺎﻧﺴﺒﻮﻧﻲ ﻓﺎﻧﻈﺮﻭﺍ ﻣَﻦ أﻧﺎ؟ ﺛﻢّ ﺍﺭﺟﻌﻮﺍ ﺇﻟﻰ ﺃﻧﻔﺴﻜﻢ ﻭﻋﺎﺗﺒﻮﻫﺎ، ﻓﺎﻧﻈﺮﻭﺍ ﻫﻞ ﻳﺤﻞّ ﻟﻜﻢ ﻗﺘﻠﻲ ﻭﺍﻧﺘﻬﺎﻙ ﺣﺮﻣﺘﻲ...» الذي انفرج عن الليل فراحت تلك الأجساد الطاهرة، تتلفع بالدماء وراح ذلك الفم الذي حمل القرآن، وتلك الروح التي شربت القرآن، والأذن التي التقطت الوحي ووعت القرآن تختضب بخضاب الحق، وبمداد شجرة الحياة.

 وكذلك قد يعمد الراوي في عمليته الإخبارية إلى إضفاء طابع التّشويق والجذب للمتلقي؛ لما يمتلكه من الحرية في إظهار شخصيّاته على وفق الصورة التي يرتئيها، حتّى يشعر بأنّ الشخصيّة اقتربت بشكل وبآخر على أرض الواقع؛ لتتمكن من التغلغل إلى ذهن المتلقّي ويتفاعل معها[92].

وقد روى السارد شخصيّاته الواقعية بأسلوب متكامل يغطي نواحيها كافة، ويعكس واقعها الاجتماعي والثقافي والبطولي، والإحساس بالندم والتوبة، ومن الأمثلة التي عمد فيها الراوي إلى إضفاء طابع التشويق والجذب للمتلقي بوصف الشخصيّة في قوله: «ﻗﺎﻝ ﻫﺸﺎﻡ ﺑﻦ ﻣﺤﻤﺪ: ﺣﺪّﺛﻨﺎ ﺃﺑﻮ ﻣﺨﻨﻒ، ﻗﺎﻝ: ﺣﺪّﺛﻨﻲ ﻳﻮﺳﻒ ﺑﻦ ﻳﺰﻳﺪ، ﻋﻦ ﻋﺒﺪ ﺍﻟﻠﻪ ﺑﻦ ﻋﻮﻑ ﺑﻦ ﺍﻷﺣﻤﺮ ﺍﻷﺯﺩﻱ، ﻗﺎﻝ: ﻟﻤﺎ ﻗُﺘﻞ ﺍﻟﺤﺴﻴﻦ ﺑﻦ ﻋﻠﻲّ ﻭﺭﺟﻊ ﺍﺑﻦ ﺯﻳﺎﺩ ﻣﻦ ﻣﻌﺴﻜﺮﻩ ﺑﺎﻟﻨﺨﻴﻠﺔ ﻓﺪﺧﻞ ﺍﻟﻜﻮﻓﺔ، ﺗﻼﻗﺖ ﺍﻟﺸﻴﻌﺔ ﺑﺎﻟﺘﻼﻭﻡ ﻭﺍﻟﺘﻨﺪّﻡ، ﻭﺭﺃﺕ ﺃﻧّﻬﺎ ﻗﺪ ﺃﺧﻄﺄﺕ ﺧﻄﺄ ﻛﺒﻴﺮﺍً ﺑﺪﻋﺎﺋﻬﻢ ﺍﻟﺤﺴﻴﻦ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻨﺼﺮﺓ ﻭﺗﺮﻛﻬﻢ ﺇﺟﺎﺑﺘﻪ، ﻭﻣﻘﺘﻠﻪ ﺇﻟﻰ ﺟﺎﻧﺒﻬﻢ ﻟﻢ ﻳﻨﺼﺮوﻩ، ﻭﺭﺃﻭﺍ ﺃﻧّﻪ ﻻ ﻳﻐﺴﻞ ﻋﺎﺭﻫﻢ ﻭﺍلإﺛﻢ ﻋﻨﻬﻢ ﻓﻲ ﻣﻘﺘﻠﻪ إلّا ﺑﻘﺘﻞ ﻣَﻦ ﻗﺘﻠﻪ ﺃﻭ ﺍﻟﻘﺘﻞ ﻓﻴﻪ، ﻓﻔﺰﻋﻮﺍ ﺑﺎﻟﻜﻮﻓﺔ ﺇﻟﻰ ﺧﻤﺴﺔ ﻧﻔﺮ ﻣﻦ ﺭﺅﻭﺱ ﺍﻟﺸﻴﻌﺔ: ﺇﻟﻰ ﺳﻠﻴﻤﺎﻥ ﺑﻦ ﺻﺮﺩ ﺍﻟﺨﺰﺍﻋﻲ، ﻭﻛﺎﻧﺖ ﻟﻪ ﺻﺤﺒﺔ ﻣﻊ ﺍﻟﻨﺒﻲ’، ﻭإﻟﻰ ﺍﻟﻤﺴﻴﺐ ﺑﻦ ﻧﺠﺒﺔ ﺍﻟﻔﺰﺍﺭﻱ، ﻭﻛﺎﻥ ﻣﻦ ﺃﺻﺤﺎﺏ ﻋﻠﻲّ ﻭﺧﻴﺎﺭﻫﻢ، ﻭإﻟﻰ ﻋﺒﺪ ﺍﻟﻠﻪ ﺑﻦ ﺳﻌﺪ ﺑﻦ ﻧﻔﻴﻞ ﺍﻷﺯﺩﻱ، ﻭإﻟﻰ ﻋﺒﺪ ﺍﻟﻠﻪ ﺑﻦ ﻭﺍﻝ ﺍﻟﺘﻴﻤﻲ، ﻭإﻟﻰ ﺭﻓﺎﻋﺔ ﺑﻦ ﺷﺪﺍﺩ ﺍﻟﺒﺠﻠﻲ. ﺛﻢّ إﻥّ ﻫﺆﻻﺀ ﺍﻟﻨﻔﺮ ﺍﻟﺨﻤﺴﺔ ﺍﺟﺘﻤﻌﻮﺍ ﻓﻲ ﻣﻨﺰﻝ ﺳﻠﻴﻤﺎﻥ ﺑﻦ ﺻﺮﺩ، ﻭﻛﺎﻧﻮﺍ ﻣﻦ ﺧﻴﺎﺭ ﺃﺻﺤﺎﺏ ﻋﻠﻰّ ﻭﻣﻌﻬﻢ ﺃﻧﺎﺱ ﻣﻦ ﺍﻟﺸﻴﻌﺔ ﻭﺧﻴﺎﺭﻫﻢ ﻭﻭﺟﻮﻫﻬﻢ، ﻗﺎﻝ: ﻓﻠﻤّﺎ ﺍﺟﺘﻤﻌﻮﺍ ﺇﻟﻰ ﻣﻨﺰﻝ ﺳﻠﻴﻤﺎﻥ ﺑﻦ ﺻﺮﺩ ﺑﺪﺃ ﺍﻟﻤﺴﻴﺐ ﺑﻦ ﻧﺠﺒﺔ ﺍﻟﻘﻮﻡ ﺑﺎﻟﻜﻼﻡ، ﻓﺘﻜﻠّﻢ ﻓﺤﻤﺪ ﺍﻟﻠﻪ ﻭﺃﺛﻨﻰ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺻﻠّﻰ ﻋﻠﻰ ﻧﺒﻴّﻪ’، ﺛﻢّ ﻗﺎﻝ: ﺃﻣّﺎ ﺑﻌﺪُ، فإﻧّﺎ ﻗﺪ ﺍﺑﺘُﻠﻴﻨﺎ ﺑﻄﻮﻝ ﺍﻟﻌﻤﺮ ﻭﺍﻟﺘﻌﺮّﺽ ﻷﻧﻮﺍﻉ ﺍﻟﻔﺘﻦ، فنرﻏﺐ ﺇﻟﻰ ﺭﺑﻨﺎ ﺃلّا يجعلنا ﻣﻤَّﻦ ﻳﻘﻮﻝ ﻟﻪ ﻏﺪﺍً ﺃَﻭﻟﻢ ﻧﻌﻤّﺮﻛﻢ ﻣﺎ ﻳﺘﺬﻛﺮ ﻓﻴﻪ ﻣَﻦ ﺗﺬﻛﺮ ﻭﺟﺎﺀﻛﻢ ﺍﻟﻨﺬﻳﺮ، فإﻥّ ﺃﻣﻴﺮ ﺍﻟﻤﺆﻣﻨﻴﻦ ﻗﺎﻝ: ﺍﻟﻌﻤﺮ ﺍﻟﺬﻱ ﺃﻋﺬﺭ ﺍﻟﻠﻪ ﻓﻴﻪ ﺇﻟﻰ ﺍﺑﻦ ﺁﺩﻡ ﺳﺘﻮﻥ ﺳﻨﺔ، ﻭﻟﻴﺲ ﻓﻴﻨﺎ ﺭﺟﻞ إلّا ﻭﻗﺪ ﺑﻠﻐﻪ، ﻭﻗﺪ ﻛﻨّﺎ ﻣﻐﺮﻣﻴﻦ ﺑﺘﺰﻛﻴﺔ ﺃﻧﻔﺴﻨﺎ ﻭﺗﻘﺮﻳﻆ ﺷﻴﻌﺘﻨﺎ، ﺣﺘﻰ ﺑﻼ ﺍﻟﻠﻪ ﺃﺧﻴﺎﺭﻧﺎ ﻓﻮﺟﺪﻧﺎ ﻛﺎﺫﺑﻴﻦ ﻓﻲ ﻣﻮﻃﻨﻴﻦ ﻣﻦ ﻣﻮﺍﻃﻦ ﺍﺑﻦ ﺍﺑﻨﺔ ﻧﺒﻴّﻨﺎ’، ﻭﻗﺪ ﺑﻠﻐﺘﻨﺎ ﻗﺒﻞ ﺫﻟﻚ ﻛﺘﺒﻪ ﻭﻗﺪِﻣﺖ ﻋﻠﻴﻨﺎ ﺭﺳﻠﻪ، ﻭﺃﻋﺬﺭ ﺇﻟﻴﻨﺎ ﻳﺴﺄﻟﻨﺎ ﻧﺼﺮﻩ ﻋﻮﺩﺍً ﻭﺑﺪﺀﺍً ﻭﻋﻼﻧﻴﺔً ﻭسرّﺍً، ﻓﺒﺨﻠﻨﺎ ﻋﻨﻪ ﺑﺄﻧﻔﺴﻨﺎ ﺣﺘﻰ ﻗُﺘﻞ ﺇﻟﻰ ﺟﺎﻧﺒﻨﺎ، ﻻ ﻧﺤﻦ ﻧﺼﺮﻧﺎﻩ ﺑﺄيدﻳﻨﺎ، ﻭﻻ ﺟﺎﺩﻟﻨﺎ ﻋﻨﻪ ﺑﺄﻟﺴﻨﺘﻨﺎ، ﻭﻻ ﻗﻮﻳﻨﺎﻩ ﺑﺄﻣﻮﺍﻟﻨﺎ، ﻭﻻ ﻃﻠﺒﻨﺎ ﻟﻪ ﺍﻟﻨﺼﺮﺓ ﺇﻟﻰ ﻋﺸﺎﺋﺮﻧﺎ، ﻓﻤﺎ ﻋﺬﺭﻧﺎ ﺇﻟﻰ ﺭﺑﻨﺎ، ﻭﻋﻨﺪ ﻟﻘﺎﺀ ﻧﺒﻴّﻨﺎ’، ﻭﻗﺪ ﻗُﺘﻞ ﻓﻴﻨﺎ ﻭﻟﺪﻩ ﻭﺣﺒﻴﺒﻪ ﻭﺫﺭﻳﺘﻪ ﻭﻧﺴﻠﻪ، ﻻ ﻭﺍﻟﻠﻪ ﻻ عُذﺭ ﺩﻭﻥ أﻥ ﺗﻘﺘﻠﻮﺍ ﻗﺎﺗﻠﻪ ﻭﺍﻟﻤﻮﺍﻟﻴﻦ ﻋﻠﻴﻪ، ﺃﻭ ﺗُﻘﺘﻠﻮﺍ ﻓﻲ ﻃﻠﺐ ﺫﻟﻚ، ﻓﻌﺴﻰ ﺭﺑّﻨﺎ ﺃﻥ ﻳﺮﺿﻰ ﻋﻨّﺎ»[93].

3 ـ المروي له ودور الراوي فيه

هو «الشخص الذي يكون في تعارض مع الراوي ولا يلتبس بالقارئ كما يلتبس الراوي بالكاتب»[94]، وهذا يعني أنّ المقصود بالمروي له هو الشخص الذي تُصنع من أجله القصة، ويعدّ «اسماً معيّناً ضمن البنية السرديّة، وهو مع ذلك يكون شخصية من ورق، وقد يكون كائناً مجهولاً»[95]، وللمروي وظائف تضبطه، فقد قام (جيرالد برنس) بتحديد هذه الوظائف داخل البنية السرديّة والتي تتحدد في أنّ «المروي له يُسهم في تأسيس هيكل السرد، ويساعد في تحليل سمات الراوي، ويعمل على تنمية الأثر الأدبي، ويؤشر المقصد الذي ينطوي عليه ذلك الأثر»[96].

ولقد جاءت العناية بدراسة المروي له متأخرةً، مقارنة بغيرها من تقنيات السرد الأخرى، ويبدو أنّ الناقد (جيرالد برنس) على ما يذهب إليه (سيمون جات مان) هو أوّل مَن أثار هذا المصطلح ونظر له في عدد من دراساته التي نشرت (1973ـ 1971) منها دراسته الموسومة بـ(مقدّمة لدراسة المروي له في السرد)[97]، وأنّ «كلّ سرد سواء كان شفاهياً أو مكتوباً، وسواء كان أحداثاً حقيقية أو أسطورية، أو كان يحكي قصة أو تتابعاً بسيطاً لأحداث في الزمن، ولا يستلزم راوياً واحداً على الأقل فحسب، بل يستلزم أيضاً مروياً له، والمروي عليه شخص ما يوجّه إليه الراوي خطابه، سواء كان السرد الروائي حكاية أو ملحمة أو رواية، فإنّ الراوي خلق متخيلاً شأنه في هذا شأن المروي عليه»[98].

 وقد ظهرت وظيفة أبي مخنف واضحة المعالم من خلال نقله للحدث وتصويره للواقعة الحقيقية كتابة، ونقله لها بصورة متتابعة وبنصّ سردي واضح لا التباس فيه، فضلاً عن التفاعلات للأحداث في الواقعة، ويتبيّن مما سبق أنّ المروي له يتفاعل بطريقة أو بأخرى مع المروي، ويشكّل حلقة مهمّة في تشكيل الإطار العام والدلالي، والغايات التي ترمي إليها العملية السرديّة بمجملها.

كما أنّ الشخصيّة التي ترد في النصّ السردي تشكّل علامة واضحة بحسب ما تحمله من سمات أبرزها الاسم، كما في اسم الحسين×، وشخصيته، ونسبه، وعمق أثره الرسالي والمجتمعي، وغيرها من الشخصيّات المذكورة في المقتل التي عادة تسمح بالحوار والنقاش؛ لتقدّم نوعاً من وجهات النظر بكيان خاص يساير ما تريد ويتعاطف معها، كما ظهر واضحاً في اللقاء الذي جرى بين الحسين× والحرّ الرياحي وقت أراد الدخول إلى الكوفة ومنعه الحرّ من ذلك، ومن خلال هذا الحوار تملي الضرورة الفنّية على السارد إثارة الانفعال وسط جو من المقابلة الصريحة بين ابن بنت رسول الله’، الذي يمثّل الشرعيّة وبين الحرّ الرياحي، القائد الذي يمثّل أوامر واليه الخارج عن الشرعية.

 كما أنّ واقع حدث الطف المؤثر يفرض أن لا توجد بين شخصيات المقتل شخصية غامضة أو مرتبكة، فهو لم يترك دائرة مفتوحة حول شخصية ما لكي يكملها الآخرون،فهو يجري مع الشخصيّات الإنسانية الكبرى بقدر ما يوجّه انتباهنا إلى شخصيات لها نظام مفهومات إيحائية تتقلب ومواقفها المصاغة سردياً، وهذه شخصية حقيقية واضحة تصرّح ولا تُلمح.

وفي الرواية السرديّة درجات متقاربة في رسم شخصيات لها خصائصها المعيّنة ونمطها الذي يرتب وجودها، والسارد يعرض صفاتها بضربات سريعة لنقل الحدث نحو الإمام، بحيث تؤدي الكلمات المنتقاة لرسم الشخصيّة ما يحقق الإدراك لدورها، والأثر المطلوب في كلّ حالة من الحالات، ونادراً ما يعرض الراوي صفة شخصية سائدة بقدر ما يعرض شخصية فردية لها تأثيرها على الحدث بما يجعل القارئ يستجيب عاطفياً لما في مفهوم الراوي وذاكرته، كما في تصويره لشخصية الحرّ الرياحي «ﻗﺎﻝ: ﻓﻠﻤّﺎ ﺃﺻﺒﺢ ﻧﺰﻝ ﻓﺼﻠّﻰ ﺍﻟﻐﺪﺍﺓ، ﺛﻢّ ﻋﺠّﻞ ﺍﻟﺮﻛﻮﺏ، ﻓﺄﺧﺬ ﻳﺘﻴﺎﺳﺮ ﺑﺄﺻﺤﺎﺑﻪ ﻳﺮﻳﺪ ﺃﻥ ﻳﻔﺮّﻗﻬﻢ، ﻓﻴﺄﺗﻴﻪ ﺍﻟﺤﺮّ ﺑﻦ ﻳﺰﻳﺪ ﻓﻴﺮﺩّﻫﻢ ﻓﻴﺮﺩّﻩ، ﻓﺠﻌﻞ ﺇﺫﺍ ﺭﺩّﻫﻢ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻜﻮﻓﺔ ﺭﺩّﺍً ﺷﺪﻳﺪﺍً ﺍﻣﺘﻨﻌﻮﺍ ﻋﻠﻴﻪ، ﻓﺎﺭﺗﻔﻌﻮﺍ ﻓﻠﻢ ﻳﺰﺍﻟﻮﺍ ﻳﺘﺴﺎﻳﺮﻭﻥ ﺣﺘﻰ ﺍﻧﺘﻬﻮﺍ ﺇﻟﻰ نينوى، ﺍﻟﻤﻜﺎﻥ ﺍﻟﺬﻱ ﻧﺰﻝ ﺑﻪ ﺍﻟﺤﺴﻴﻦ، ﻗﺎﻝ: ﻓﺈﺫﺍ ﺭﺍﻛﺐ ﻋﻠﻰ ﻧﺠﻴﺐ ﻟﻪ، ﻭﻋﻠﻴﻪ ﺍﻟﺴﻼﺡ ﻣﺘﻨﻜّﺐ ﻗﻮﺳﺎً، ﻣﻘﺒﻞ ﻣﻦ ﺍﻟﻜﻮﻓﺔ، ﻓﻮﻗﻔﻮﺍ ﺟﻤﻴﻌﺎً ﻳﻨﺘﻈﺮﻭﻧﻪ، ﻓﻠﻤّﺎ ﺍﻧﺘﻬﻰ ﺇﻟﻴﻬﻢ ﺳﻠّﻢ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺤﺮّ ﺑﻦ ﻳﺰﻳﺪ ﻭﺃﺻﺤﺎﺑﻪ ﻭﻟﻢ ﻳُﺴﻠّﻢ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺤﺴﻴﻦ× ﻭﺃﺻﺤﺎﺑﻪ، ﻓﺪﻓﻊ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺤﺮّ ﻛﺘﺎﺑﺎً ﻣﻦ ﻋﺒﻴﺪ ﺍﻟﻠﻪ ﺑﻦ ﺯﻳﺎﺩ، ﻓﺈﺫﺍ ﻓﻴﻪ: ﺃﻣّﺎ ﺑﻌﺪُ، ﻓﺠﻌﺠﻊ ﺑﺎﻟﺤﺴﻴﻦ ﺣﻴﻦ ﻳﺒﻠﻐﻚ ﻛﺘﺎﺑﻲ ﻭﻳﻘﺪﻡ ﻋﻠﻴﻚ ﺭﺳﻮﻟﻲ، ﻓﻼ ﺗﻨﺰﻟﻪ إلّا ﺑﺎﻟﻌﺮﺍﺀ ﻓﻲ ﻏﻴﺮ ﺣﺼﻦ ﻭﻋﻠﻰ ﻏﻴﺮ ﻣﺎﺀ، ﻭﻗﺪ ﺃﻣﺮﺕ ﺭﺳﻮﻟﻲ ﺃﻥ ﻳﻠﺰﻣﻚ ﻭﻻ ﻳﻔﺎﺭﻗﻚ ﺣﺘﻰ ﻳﺄﺗﻴﻨﻲ بإﻧﻔﺎﺫﻙ أمري ﻭﺍﻟﺴﻼﻡ. ﻗﺎﻝ: ﻓﻠﻤّﺎ ﻗﺮﺃ ﺍﻟﻜﺘﺎﺏ، ﻗﺎﻝ ﻟﻬﻢ ﺍﻟﺤﺮّ: ﻫﺬﺍ ﻛﺘﺎﺏ ﺍﻷﻣﻴﺮ ﻋﺒﻴﺪ ﺍﻟﻠﻪ ﺑﻦ ﺯﻳﺎﺩ ﻳﺄﻣﺮﻧﻲ ﻓﻴﻪ ﺃﻥ ﺃُﺟﻌﺠﻊ ﺑﻜﻢ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻜﺎﻥ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺄﺗﻴﻨﻲ ﻓﻴﻪ ﻛﺘﺎﺑﻪ، ﻭﻫﺬﺍ ﺭﺳﻮﻟﻪ، ﻭﻗﺪ ﺃﻣﺮﻩ ﺃﻥ ﻻ ﻳﻔﺎﺭﻗﻨﻲ ﺣﺘﻰ ﺃﻧﻔﺬ ﺭﺃﻳﻪ ﻭﺃﻣﺮﻩ، ﻓﻨﻈﺮ ﺇﻟﻰ ﺭﺳﻮﻝ ﻋﺒﻴﺪ ﺍﻟﻠﻪ، ﻳﺰﻳﺪُ ﺑﻦ ﺯﻳﺎﺩ ﺑﻦ ﺍﻟﻤﻬﺎﺻﺮ ﺃﺑﻮ ﺍﻟﺸﻌﺜﺎﺀ ﺍﻟﻜﻨﺪﻱ ﺛﻢّ ﺍﻟﻨﻬﺪﻱ ﻓﻌﻦّ ﻟﻪ، ﻓﻘﺎﻝ: أَﻣﺎﻟﻚ ﺑﻦ ﺍﻟﻨﺴﻴﺮ ﺍﻟﺒﺪﻱ؟ ﻗﺎﻝ: ﻧﻌﻢ. ﻭﻛﺎﻥ ﺃﺣﺪ ﻛﻨﺪﺓ، ﻓﻘﺎﻝ ﻟﻪ ﻳﺰﻳﺪ ﺑﻦ ﺯﻳﺎﺩ: ﺛﻜﻠﺘﻚ ﺃُﻣّﻚ ﻣﺎﺫﺍ ﺟﺌﺖ ﻓﻴﻪ؟ ﻗﺎﻝ: ﻭﻣﺎ ﺟﺌﺖ ﻓﻴﻪ ﺃﻃﻌﺖ إﻣﺎﻣﻲ ﻭﻭﻓﻴﺖ ﺑﺒﻴﻌﺘﻲ. ﻓﻘﺎﻝ ﻟﻪ ﺃﺑﻮ ﺍﻟﺸﻌﺜﺎﺀ: ﻋﺼﻴﺖ ﺭﺑﻚ ﻭﺃﻃﻌﺖ إﻣﺎﻣﻚ ﻓﻲ ﻫﻼﻙ ﻧﻔﺴﻚ، ﻛﺴﺒﺖ ﺍﻟﻌﺎﺭ ﻭﺍﻟﻨﺎﺭ، ﻗﺎﻝ ﺍﻟﻠﻪ: ﴿ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ ﴾. ﻓﻬﻮ إﻣﺎﻣﻚ. ﻗﺎﻝ: ﻭﺃﺧﺬ ﺍﻟﺤﺮّ ﺑﻦ ﻳﺰﻳﺪ ﺍﻟﻘﻮﻡ ﺑﺎﻟﻨﺰﻭﻝ ﻓﻲ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻤﻜﺎﻥ ﻋﻠﻰ ﻏﻴﺮ ﻣﺎء ﻭﻻ ﻓﻲ ﻗﺮﻳﺔ»[99].

ثانياً: الحوار الناشئ من الحدث وآثاره

الحوار والحدث يعدّان من أساليب التعبير وعناصر بناء الرواية، وعنصراً مهماً من عناصر البناء السردي إلى جنب الحدث؛ إذ كلاهما يُسهمان في تطوّر واستحضار الحلقات المفقودة من الرواية وبناء الواقعة بصورتها المؤثرة، ومن هنا فلا بدّ من بيان كلّ من الحوار والحدث.

1 ـ الحوار ودوره

يُعدّ الحوار من الوسائل السرديّة الأساسية في الرواية، وهو «عرض دراماتيكي في طبيعته لتبادل شفاهي بين شخصين أو أكثر»[100]، وتبرز أهمّية الحوار في كونه يحتوي على مقدار من المعلومات التي تؤهّل المتلقّي لمعرفة الأحداث بشكل مباشر؛ لأنّه يمثّل التبادل بين الأشخاص في الإرسال والتلقّي[101]، ومن هنا فإنّ هذا التبادل يعتمد على هذا الكم من المعلومات المؤثرة في الحدث المتواجدة فيه لا ادّعاءً، بل حقيقة، فمثلاً جاء في النص الآتي ما يبيّن ذلك وهو:

«ﺍﻟﻤﺪّﻋﻴﻦ ﻣﺎ ﻟﻴﺲ ﻟﻬﻢ، ﻭﺍﻟﺴﺎﺋﺮﻳﻦ ﻓﻴﻜﻢ ﺑﺎﻟﺠﻮﺭ ﻭﺍﻟﻌﺪﻭﺍﻥ، ﻭإﻥ ﺃﻧﺘﻢ ﻛﺮﻫﺘﻤﻮﻧﺎ ﻭﺟﻌﻠﺘﻢ ﺣﻘّﻨﺎ[102] ﻭﻛﺎﻥ ﺭﺃﻳﻜﻢ ﻏﻴﺮ ﻣﺎ ﺃﺗﺘﻨﻲ ﻛﺘﺒﻜﻢ، ﻭﻗﺪِﻣﺖ ﺑﻪ ﻋﻠﻰّ ﺭﺳﻠﻜﻢ ﺍﻧﺼﺮﻓﺖ ﻋﻨﻜﻢ. ﻓﻘﺎﻝ ﻟﻪ ﺍﻟﺤﺮّ ﺑﻦ ﻳﺰﻳﺪ: إﻧّﺎ ﻭﺍﻟﻠﻪ ﻣﺎ ﻧﺪﺭﻱ ﻣﺎ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻜﺘﺐ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺬﻛﺮ. ﻓﻘﺎﻝ ﺍﻟﺤﺴﻴﻦ: ﻳﺎ ﻋﻘﺒﺔ ﺑﻦ ﺳﻤﻌﺎﻥ ﺃﺧﺮﺝ ﺍﻟﺨﺮﺟﻴﻦ اللذَﻳﻦ ﻓﻴﻬﻤﺎ ﻛﺘﺒﻬﻢ ﺇﻟﻰّ، فأﺧﺮﺝ ﺧﺮﺟﻴﻦ ﻣﻤلوءﻳﻦ ﺻﺤﻔﺎً ﻓﻨﺸﺮﻫﺎ ﺑﻴﻦ ﺃﻳﺪﻳﻬﻢ، ﻓﻘﺎﻝ ﺍﻟﺤﺮّ: فإﻧّﺎ ﻟﺴﻨﺎ ﻣﻦ ﻫﺆﻻﺀ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﻛﺘﺒﻮﺍ ﺇﻟﻴﻚ، ﻭﻗﺪ ﺃﻣﺮﻧﺎ ﺇﺫﺍ ﻧﺤﻦ ﻟﻘﻴﻨﺎﻙ أَلّا ﻧﻔﺎﺭﻗﻚ ﺣﺘﻰ ﻧُﻘﺪِﻣﻚ ﻋﻠﻰ ﻋﺒﻴﺪ ﺍﻟﻠﻪ ﺑﻦ ﺯﻳﺎﺩ. ﻓﻘﺎﻝ ﻟﻪ ﺍﻟﺤﺴﻴﻦ: ﺍﻟﻤﻮﺕ ﺃﺩﻧﻰ ﺇﻟﻴﻚ ﻣﻦ ﺫلك»[103].

فقد بيّن الراوي جملة من الحقائق والمقدّمات كحقيقة المدّعين، والكتب التي أُرسلت، وتصويرها للمتلقّي من خلال الخرجين المملوءين بكتب الولاء والدعوة له، وإنكار الآخر لها، في مقطع سردي جميل مؤثر، مع حقائق وأحداث جرت كاشفة عناوين الظلم والخداع وتقييد الحريات، هذا وقد يستعين الراوي بالحوار، الذي يكشف عن المفردات التي تتبعها الشخصيّة في الكلام مع الآخرين[104]، فيبدو الحوار واضحاً في المقطع السردي الوارد في رواية المقتل الحسيني، فجيء الحوار في روايته ليكشف جانباً مهماً من شخصية الإمام الحسين×، ألا وهو إحسانه وشعوره بالرعية وانصاف المظلوم والدفاع عنهم، وإحساسه بظلم الآخرين واغتصاب ممتلكاتهم، وتقييد حريتهم، فجاء الراوي بالحوار؛ لأنّه يشكّل جزءاً من عالمه النصّي، فهو يزيد في موضوع الرواية أهمّية لدى المتلقّي، ويتم به سلسلة الخطاب[105]تبعاً للأحداث والوقائع، ويُسهم الحوار بتقديم الأحداث السرديّة نابضةً حيّةً تتحرّك، فهو الحاضر وكذلك هو مايحدث في اللحظة التي نشهدها الآن، فهو ينقل الحدث من دائرة الماضي إلى الحاضر الذي نحن فيه[106].

2 ـ الحدث وأهمّيته

يقوم السرد في بنائه الأساس على الأفعال التي تكوّن الأحداث، فلا سرد من دون حدث، فهو «سلسلة من الوقائع المتصلة، تتسم بالوحدة والدلالة، تتلاحق من خلال بداية ووسط ونهاية»[107]، ويرتبط الحدث بمقوّمات الرواية وعناصرها، فهو العمود الفقري لمجمل العناصر الفنّية من الزمان، والمكان، والشخصيّات، واللّغة.

والحدث الروائي ليس كالحدث الواقعي في الحياة اليومية وإن انطلق أساساً من الواقع؛ ذلك لأنّ الروائي حين يكتب روايته يختار من الأحداث الحياتية ما يراه مناسباً لكتابة روايته، كما أنّه ينتقي ويحذف ويضيف من مخزونه الثقافي ومن خياله الفنّي، ما يجعل من الحدث الروائي شيئاً آخراً، فلا نجد له في واقعنا المعيشي حدثاً طبق الأصل، الأمر الذي ينشأ عنه ظهور عدد من التقنيات السرديّة المختلفة كالارتداد، والمونولوج الداخلي[108]، والمشهد الحواري، والقفز، والتلخيص، والوصف، وما إلى ذلك[109]؛ لذا هذه التقنيات نجدها واضحة في المقتل، فالراوي نقل في مقتله عن المختار الذي أخذ بثأر الإمام الحسين× في محاورة مع ابن العرق وكلّمه بغيبيات ووصايا سوف تكون فيما بعد، نتيجة للأحداث ومكمّلة لما جرى من وقائع، وهي مبيّنة في النصّ الآتي بقوله: «ﻓﻮ ربّك ﻷﻗﺘﻠﻦ ﺑﻘﺘﻠﻪ ﻋﺪّﺓ ﺍﻟﻘﺘﻠﻰ ﺍﻟﺘﻲ ﻗُﺘﻠﺖ ﻋﻠﻰ ﺩﻡ ﻳﺤﻴﻰ ﺑﻦ ﺯﻛﺮﻳﺎﺀ×. ﻗﺎﻝ: ﻓﻘﻠﺖ ﻟﻪ: ﺳﺒﺤﺎﻥ ﺍﻟﻠﻪ ﻭﻫﺬﻩ ﺃﻋﺠﻮﺑﺔ ﻣﻊ ﺍﻷﺣﺪﻭﺛﺔ ﺍﻷﻭﻟﻰ. ﻓﻘﺎﻝ: ﻫﻮ ﻣﺎ ﺃﻗﻮﻝ ﻟﻚ ﻓﺎﺣﻔﻈﻪ ﻋﻨّﻰ ﺣﺘﻰ ترى ﻣﺼﺪﺍﻗﻪ. ﺛﻢّ ﺣﺮّﻙ ﺭﺍﺣﻠﺘﻪ ﻓﻤﻀﻰ ﻭﻣﻀﻴﺖ ﻣﻌﻪ ﺳﺎﻋﺔ، ﺃﺩﻋﻮ ﺍﻟﻠﻪ ﻟﻪ ﺑﺎﻟﺴﻼﻣﺔ ﻭﺣﺴﻦ ﺍﻟﺼﺤﺎﺑﺔ. ﻗﺎﻝ: ﺛﻢّ إﻧّﻪ ﻭﻗﻒ ﻓﺄﻗﺴﻢ ﻋﻠﻰّ ﻟﻤﺎ ﺍﻧﺼﺮﻓﺖ، ﻓﺄﺧﺬﺕ ﺑﻴﺪﻩ ﻓﻮﺩﻋﺘﻪ ﻭﺳﻠّﻤﺖ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺍﻧﺼﺮﻓﺖ ﻋﻨﻪ، ﻓﻘﻠﺖ ﻓﻲ ﻧﻔﺴﻲ: ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺬﻛﺮ ﻟﻲ ﻫﺬﺍ ﺍلإﻧﺴﺎﻥ ﻳﻌﻨﻰ ﺍﻟﻤﺨﺘﺎﺭ ﻣﻤّﺎ ﻳﺰﻋﻢ ﺃﻧّﻪ ﻛﺎﺋﻦ ﺃشيء ﺣﺪّﺙ ﺑﻪ ﻧﻔﺴﻪ! ﻓﻮَﺍﻟﻠﻪ ﻣﺎ ﺃﻃﻠﻊ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻐﻴﺐ ﺃﺣﺪﺍً، ﻭإﻧّﻤﺎ ﻫﻮ شيء ﻳﺘﻤﻨﺎﻩ فيرى ﺃﻧّﻪ ﻛﺎﺋﻦ ﻓﻬﻮ ﻳﻮﺟﺐ ﺭﺃﻳﻪ، ﻓﻬﺬﺍ ﻭﺍﻟﻠﻪ ﺍﻟﺮﺃﻱ ﺍﻟﺸﻌﺎﻉ، ﻓﻮَﺍﻟﻠﻪ ﻣﺎ ﻛﻞّ ﻣﺎ يرى ﺍلإﻧﺴﺎﻥ إﻧّﻪ ﻛﺎﺋﻦ ﻳﻜﻮﻥ، ﻗﺎﻝ: ﻓﻮَﺍﻟﻠﻪ ﻣﺎ ﻣﺖ ﺣﺘﻰ ﺭﺃﻳﺖ ﻛﻞّ ﻣﺎ ﻗﺎﻟﻪ، ﻗﺎﻝ: ﻓﻮَﺍﻟﻠﻪ ﻟﺌﻦ ﻛﺎﻥ ﺫﻟﻚ ﻣﻦ ﻋﻠﻢ ﺃُﻟﻘﻰّ ﺇﻟﻴﻪ ﻟﻘﺪ ﺃﺛﺒﺖ ﻟﻪ، ﻭﻟﺌﻦ ﻛﺎﻥ ﺫﻟﻚ ﺭﺃﻳﺎً ﺭﺁﻩ ﻭﺷﻴﺌﺎً ﺗﻤﻨّﺎﻩ ﻟﻘﺪ ﻛﺎﻥ»[110].

وهناك مَن يعرّف الحدث معتمداً على قوة تلقّي الكاتب للأشياء حوله فضلاً عما تمثّله لذاته من امتداد روحي ونفسي، فهو من وجهة نظره «سلسلة من الحركات الموجّهة إلى هدفٍ ما، توحي بدرجة من التأثير المحسوس، والانعكاس على الأشياء التي تُحيط به، وهو ينطوي على تعبير روحي عند السارد عن أفعال وردود أفعال، وعن صراع يؤلّف قضية تعين على الشعر والتصويرات اللفظية، والتعبير عن الإرادة والخلجات النفسية»[111].

وللحدث أنساق خاصة تعدّ الأساس في تصويره وبيانه للمتلقّي؛ إذ إنّ بناءه يعني ترتيبه وتواليه في الزمن، وأنّ الحدث بمفهومه الواقعي هو رصد الوقائع التي يفضي تلاحمها وتتابعها بتشكيل المادة الروائية، وتقوم على جملة من العناصر الفنّية والتقنية. هناك أنواع عدّة من أنساق الأحداث منها بناء التتابع، والتداخل، والتضمين، والتناوب، والبناء الحلقي[112]، وكلّ منها له دور فعّال في الحدث.

ففي بناء التتابع للحدث هو أن يتلو الآخر في نسق واحد، أمّا بناء التضمين فهو حدث داخل آخر، تجتمع كلّها في وحدة موضوعية، أمّا بناء التناوب يقوم على سرد أجزاء من قصة، ثمّ أجزاء من أخرى، وهو على نوعين: أحدهما: يقوم على سرد حوادث مختلفة في المكان والزمان من قصة واحدة، والآخر: يقوم على سرد حوادث مختلفة من قصتين مختلفتين[113]، مع أنّ الحدث ذو طبيعة درامية، فإنّ هذه الدرامية لا تتأتّى إلّا إذا اشتمل الحوار على عناصره الأساسية التي تخلق الصراع، فضلاً عن انفعال النفس بهذه العناصر، وقدرة ذات المبدع على التعبير عنها بلغة شاعرة تنبع من ذات شاعرة، والأخيرة هي مركز الخلق، وليس الحدث إلّا مثيراً خارجياً يترك انعكاساته عليها، هذه الانعكاسات التي يظهرها التعبير عن التجربة[114].

ويقرر أحد الباحثين أنّ الأحداث أهمّ من الأسماء والشخصيّات بنيوياً؛ لما يعنيه السرد من فن أدبي يُعنى بتتبّع الأحداث التي تقع في مجال ما، وبالطريقة التي تجعل هذا التتبّع رسالة جمالية، وبكون الحدث يمثّل واقعة زمانية، فهو أصغر وحدة للسرد التي تتخذ أهمّيتها وظيفياً من خلال وجودها في بنية سردية، والوظيفة بعد ذلك هي التي تقرر المعنى؛ ولذا فإنّ الأحداث والأفعال غدت لذلك، وتعدّ الأهمّ بنيوياً من الأسماء والشخصيّات، فالسرد الذي لا يعالج أحداثاً يخرج عن طبيعة السرد، فهو الأداة الأوّلية التي يحملها السرد ومقولاته[115].

ثمّ إنّ كلّ ما أُثبت ليُعنى بالحدث فهو داخل الرواية، وهناك مفاهيم أخرى ترتبط بالحدث كالقصة القصيرة وغيرها، وتبعاً لذلك الحدث فإنّه يأخذ في أغلب حركته المتصاعدة أحياناً من أجل النزعة النفسية التي ينطوي عليها المبدع موقفاً فاعلاً واحداً، أو فعلاً واحداً تترتب على ضوئه أفعال وأحداث فرعية أخرى، ففي الشعر نجد أنّ الحدث السردي له نسقه الخاص الذي يقترب ويبتعد في الوقت نفسه من الحدث السردي في الرواية والقصة وغيرها، فحياة الشاعر الواقعية حين تنعكس لظلال الأفعال في الشعر فسنجدها تدور حول حبكة واحدة في أغلب أبنيتها لما يتسم به الشعر من خيال غارق، وصور سردية متوهّجة، وغيرها من مقولات الرواية التي تعتمد في بنائها على الوصف والحوار اللّذَين يدوران حول حدث معين ألا وهو الصراع بين الحقّ والباطل، وفي رواية المقتل الحسيني يتجلّى الحدث بأنواعه، ولكن بصورة متفاوتة، فهو يأتي مرّة حدثاً منفرداً هادئاً يبتعد عن تأزم الصراع، كما في الحدث الآتي وهو: «ﻗﺎﻝ ﻟﻪ ﺍﻟﺤﺴﻴﻦ: فإﻧّﻲ ﺫﺍﻫﺐ ﻳﺎ ﺃﺧﻲ، ﻗﺎﻝ: ﻓﺄﻧﺰﻝ ﻣﻜﺔ فإﻥ ﺍﻃﻤﺄﻧﺖ ﺑﻚ ﺍﻟﺪﺍﺭ ﻓﺴﺒﻴﻞ ﺫﻟﻚ ﻭإﻥ... ﻗﺎﻝ ﻳﺎ ﺃﺧﻲ: ﻗﺪ ﻧﺼﺤﺖ ﻓﺄﺷﻔﻘﺖ، ﻓﺄﺭﺟﻮ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﺭﺃﻳﻚ ﺳﺪﻳﺪﺍً ﻣﻮﻓﻘﺎً»[116]، ويأتي مرّة حدثاً درامياً تتصاعد فيه وتيرة الصراع، وهو دخول الإمام× إلى أرض كربلاء وحواره مع الحرّ، وأمر عمر بن سعد الهجوم على معسكر الإمام× وقتل مافيه من الصغير والكبير، وحرق الخيم وسلب ما فيه، ثمّ تعود إلى التدريج لتصل إلى حلّ الحبكة وفكّها، فيوصد الباب على الحدث، ولكن في مواضع أخرى يبقى الباب مفتوحاً للمتلقّي لتأويلات عدّة، هي مَن تضع ختاماً مناسباً للأحداث المرويّة في المقتل، وتضيف أفعالاً تتفق وتلك البدايات الهادئة التي اتسمت بها روايته السرديّة في المقتل الحسيني، فتأتي الشروحات المختلفة، والتصوير الدرامي للخطيب والقارئ والراوي، وحقيقة التفاعل بين هذه الأحداث لتصوّر لنا حقيقة واقعية فيها مزجٌ من الخيال والصور والواقع.

المبحث الثاني

البنية السرديّة والوصف وتمثلات المرأة

قبل بيان البنية وما يرتبط منها في الجانب الحدثي والمكاني والزماني في الحدث الحسيني، يرى الباحث ضرورة بيان مفهومي البنية السرديّة والأقوال فيها تبعاً لما جاء في أقوال أهل العلم والمعرفة، ثمّ بيان خصائصها وعناصرها المؤثرة ودورها في الرواية والحكاية عموماً، والحدث الحسيني خصوصاً.

أوّلاً: البنية السرديّة وخصائصها

1 ـ مفهوم البنية ودورها

البنية: هي النظام المتسق الذي تحدد كلّ أجزائه بمقتضى رابطة تماسك، تجعل من اللغة مجموعة منتظمة من الوحدات أو العلاقات، ويحدّد بعضها بعضاً على سبيل التبادل[117]، فهي ـ إذاً ـ عبارة عن نظام يتكوّن من أجزاء ووحدات متماسة بحيث يتحدد كلّ جزء بعلاقته مع الأجزاء الأخرى، ويرى (جيرالد برنس) أنّ البنية «هي شبكة من العلاقات الموجودة بين القصة والخطاب، والقصة والسرد، وأيضاً الخطاب والسرد»[118]، ويضيف أيضاً «البنية: هي شبكة العلاقات الخاصة بين المكوّنات العديدة وبين كلّ مكوّن على حدة والكلّ»[119].

ويعرّفها آخر بأنّها: «الكيفية التي تنظّم بها عناصر مجموعة ما، أي إنّها تعني مجموعة من العناصر المتماسكة فيما بينها، بحيث يتوقف كلّ عنصر على باقي العناصر الأخرى، وحيث يتحدد هذا العنصر أو ذلك بعلاقة بمجموعة من العناصر»[120]، فهي نظام أو بناء نظري للأشياء، يسمح بشرح علاقاتها الداخلية وبتغيّر الأثر المتبادل بين هذه العلاقات؛ أيّ عنصر من عناصرها لا يمكن فهمه إلّا في إطار علاقاته في النسق الكلّي الذي يعطيه مكانته في النسق[121].

وخلاصة القول إنّ البنية: هي الوضعية التي تندرج تحتها مختلف المكوّنات المنتظمة فيما بينها، والمترابطة على أساس التكامل؛ إذ لا يتحدد معناها إلّا في إطار المجموعة التي تنتظمها.

2 ـ مفهوم السرديّة وعناصرها

تُعني السرديّة باستنباط القواعد الداخلية للأجناس الأدبية، واستخراج النظم التي تحكمها وتوجّه أبنيتها، وتحدد خصائصها وسماتها، ووُصفت بأنّها نظام غني وخصيب بالبحث التجريبي، وهي تبحث في مكوّنات البنية السرديّة من راوٍ، ومروي، ومروي له، ولما كانت بنية الخطاب السردي نسجاً قوامه تفاعل تلك المكوّنات أمكن التأكّد على أنّ السرديّة هي المبحث النقدي الذي يُعنى بمظاهر الخطابة السردي أسلوب وبناء ودلالة[122].

ويعرّف (غريماس) السرديّة بقوله: «هي مداهمة اللامتواصل المنقطع للطرد المستمر في حياة تاريخ، أو شخص، أو ثقافة؛ إذ تعمد إلى تفكيك وحدة هذه الحياة إلى مفاصل مميّزة تدرج ضمنها التحولات، ويسمح هذا بتحديد هذه الملفوظات في مرحلة أُولى من حيث هي ملفوظات فعل  تصيب ملفوظات حال فتؤثر فيها»[123].

والسرديّة: «خاصية معطاة تشخص نمطاً خطابياً معيّناً، ومنها يمكننا تمييز الخطابات السرديّة من الخطابات غير السرديّة»[124]، وظهرت تيارات متنوعة وتعاريف مختلفة لمفهوم البنية السرديّة في العصر الحديث. فعند (مولير) تعني: «الخروج عن التسجيلية إلى تغليب أحد العناصر الزمنية أو المكانية على الآخر. وعند (رولان بارت) تعني التعاقب والمنطق للحبكة والزمان والمنطق في النص السردي، وعند الشكلانيين تعني التغريب، وتتخذ أشكلاً متنوعة عند سائر البنيويين، فلا تكون هناك بنية سردية واحدة، بل هناك بنى سردية متعدّدة الأنواع، وتختلف باختلاف المادة المعالجة الفنّية في كلّ منها»[125].

فالبناء السردي نسيج محكم من العناصر المكوّنة له، مثل الحدث والشخصيّات والزمان والمكان، وفيه تتابع الأحداث تتابعاً سببياً، وهكذا يبدو لدى زكريا إبراهيم أنّ «للبنية قوانينها الخاصّة التي لا تجعل منها مجرد مجموعات ناتجة عن تراكمات عرضية، بل هي أنسقة مترابطة تنظم ذاتها، سائرة في ذلك على نهج مرسوم وفقاً لعمليات منتظمة خاضعة لقواعد معينة، هي قوانين الكلّ الخاص بهذه البنية»[126]، فالبناء السردي قائم على بنية خطاب سردي منتج ومقصود، يتوافر على فضاء تتحرّك فيه شخصيات تنتج أحداثاً في زمن ما، وفق رؤية وحوار.

 ولمّا كانت بنية الخطاب السردي نسيجاً قوامه تفاعل تلك المكوّنات، أمكن التأكيد بأنّ السرديّة هي العلم الذي يعنى بمظاهر الخطاب السردي أسلوباً وبناءً ودلالةً[127].

ثانياً: الوصف وأقسامه

العناصر أو الوسائل في العمل السردي هي بمثابة النقطة المركزية أو المرتكز الأساس، وتمثل العمود الفقري له، وهي المحور الذي تجري حوله الأحداث بشخصيّاتها، والوصف يقوم بتأطير حركاتها، فتكتسب العناصر أهمّيتها بوصفها أساسيات من العمل القصصي[128]، «فلا يمكن تصوّر قصة بلا أعمال، كما لايمكن تصور أعمال بلا شخصيات»[129]، وفيما يلي بيان للوصف وتصنيفاتها:

1 ـ مفهوم الوصف وتصنيفاته

يرتبط الوصف بالمقوّمات السرديّة الأخرى، فلا شخصية بدون وصف، ويرتبط كذلك بالمكان والزمان، فالوصف كما عرّفه السرديون: «أسلوب إنشائي يتناول ذكر الأشياء في مظهرها الحسيّ، ويقدّمها للعين، فيمكن القول إنّه نوع من التصوير، ولكنّه بمفهوم أضيق يخاطب حاسة العين قبل كلّ شيء، مؤطراً بالأشكال والألوان والظلال»[130]، ويختلف الوصف تبعاً للمناهج التي يتناولها الباحث فضلاً عن عصر ظهور الرواية، ويمكن التفريق بين نوعين رئيسين من الوصف، أحدهما أُطلق عليه الوصف التصنيفي، والآخر التعبيري الذي يتناول وقع الشيء والإحساس الذي يُثيره هذا الشيء في نفس الذي يتلقاه، ويلجأ كذلك إلى الإيحاء والتلميح، ففي تيار الوعي لا يمكن فصل وحدات الوصف كما هو الحال في النصوص الواقعية، فضلاً عن أنّ للوصف وظيفة تفسيرية يكشف من خلالها عن حياة الشخصيّة النفسية، ويشير إلى مزاجها وطبعها، ويتوقف الزمان لحظات كي يسترجع الكاتب أنفاسه حين يحاول توالي الأحداث في السرد[131].

ويرتبط الوصف بالشخصيّة، وذلك بأنّ السرد مضطر من أجل تسريب أشكال خاصة بالفعل إلى الاستعانة بجزئيات وصفية، تتراوح مردوداتها الحدثية استناداً إلى موقعها التوسطي بين زمنية متحرّكة، وعين تتوقف لتلتقط ما يقدّمه المحيط الطبيعي أو الإنسان، فإنّ وظيفة الوصف ليست عرضية أو تزيينية؛ لأنّ عملية الوصف لا تشكل موسيقى تصويرية، أو هو مجرد وسيلة من أجل الخروج من زمنية السرد إلى الالتحام بكينونة الأشياء والكائنات، إنّها هي في الأصل ما يمكّن السرد من تقطيع زمنيته وتوزيعها، و تحديد شكل حضور الشخصيّات عبر واجهات متعدّدة.

 فالشخصيّة عند هامون قيمة مركزية تدور حولها ولأجلها كلّ المقوّمات الأخرى[132]، ففي رواية أبي مخنف تبدو ملامح الشخصيّات الظاهرية أكثر بروزاً أحياناً من بواطنها، ويلعب الوصف دوراً مهمّاً في كشف النقاب عن شخصيّاته وتظل شخصية الإمام الحسين× هي المهيمنة في أكثر مروياته.

وفي المقطع الآتي بيان ملامح وصف الشخصيّة في الحدث مع حضورها شاخصة للعيان، وتشكّل الأساس في الواقعة كما في قوله: «ﻓﺈﻧّﻪ ﻟﻤّﺎ ﻧﻈﺮ ﺇﻟﻰ ﻭﺣﺪﺓ ﺃﺑﻴﻪ ﺗﻘﺪّﻡ ﺇﻟﻴﻪ، ﻭﻫﻮ ﻋﻠﻰ ﻓﺮﺱ ﻟﻪ ﻳُﺪﻋﻰ ﺫﺍ ﺍﻟﺠﻨﺎﺡ، ﻓﺎﺳﺘﺄﺫﻧﻪ ﻓﻲ ﺍﻟﺒﺮﺍﺯ، ﻭﻛﺎﻥ ﻣﻦ ﺃﺻﺒﺢ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﻭﺟﻬﺎً، ﻭﺃﺣﺴﻨﻬﻢ ﺧُﻠﻘﺎً، ﻓﺄﺭﺧﻰ ﻋﻴﻨﻴﻪ ﺑﺎﻟﺪﻣﻮﻉ ﻭﺃﻃﺮﻕ، ﺛﻢّ ﻗﺎﻝ: ﺍﻟﻠﻬﻢّ ﺍﺷﻬﺪ ﺃﻧّﻪ ﻗﺪ ﺑﺮﺯ ﺇﻟﻴﻬﻢ ﻏﻼﻡ ﺃﺷﺒﻪ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﺧَﻠﻘﺎً ﻭﺧُﻠﻘﺎً ﻭﻣﻨﻄﻘﺎً ﺑﺮﺳﻮﻟﻚ، ﻭﻛﻨّﺎ ﺇﺫﺍ ﺍﺷﺘﻘﻨﺎ ﺇﻟﻰ ﻧﺒﻴّﻚ ﻧﻈﺮﻧﺎ ﺇﻟﻴﻪ»[133]، فقد وصف الراوي عليّ الأكبر كأنّه رسول الله’ في الشكل والمنطق والخلق، وعند الشوق إلى نبي الرحمة ينظرون إليه، ومع هذا قتله قوم يدّعون أنّهم من المسلمين وأتباع نبي الرحمة، ثمّ إنّه لا يدرس الوصف في رواية المقتل منعزلاً عن المكان؛ إذ يقف الراوي عند تقنية الوصف مرتبطة ببناء المكان، متتبّعاً أهمّيته وظهوره تاريخياً، فإنّ أهمّية الوصف لا تنبع من كونه ضرورةً فنّيةً فقط، بل تنبع أهمّيته من وظيفته في إيهام القارئ بواقعية ما يقرأ[134].

فقال ﺃﺑﻮ ﻣﺨﻨﻒ: «حدّﺛﻨﻲ ﻋﺒﺪ ﺍﻟﺮﺣﻤﻦ ﺑﻦ جندﺏ، ﻋﻦ ﻋﻘﺒﺔ ﺑﻦ ﺳﻤﻌﺎﻥ، ﻗﺎﻝ: ﻟﻤّﺎ ﻛﺎﻥ ﻓﻲ ﺁﺧﺮ ﺍﻟﻠﻴﻞ ﺃﻣﺮ ﺍﻟﺤﺴﻴﻦ ﺑﺎﻻﺳﺘﻘﺎء ﻣﻦ الماء، ﺛﻢّ ﺃﻣﺮﻧﺎ بالرحيل ﻓﻔﻌﻠﻨﺎ، ﻗﺎﻝ: ﻓﻠﻤّﺎ ﺍﺭﺗﺤﻠﻨﺎ ﻣﻦ ﻗﺼﺮ ﺑﻨﻰ ﻣﻘﺎﺗﻞ ﻭﺳﺮﻧﺎ ﺳﺎﻋﺔ... ﻓﻠﻢ ﻳﺰﺍﻟﻮﺍ ﻳﺘﺴﺎﻳﺮﻭﻥ ﺣﺘﻰ ﺍﻧﺘﻬﻮﺍ ﺇﻟﻰ نينوى ﺍﻟﻤﻜﺎﻥ ﺍﻟﺬﻱ ﻧﺰﻝ ﺑﻪ ﺍﻟﺤﺴﻴﻦ... هذا كتاب الأمير ﻋﺒﻴﺪ ﺍﻟﻠﻪ ﺑﻦ ﺯﻳﺎﺩ ﻳﺄﻣﺮﻧﻲ ﻓﻴﻪ ﺃﻥ ﺃﺟﻌﺠﻊ ﺑﻜﻢ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻜﺎﻥ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺄﺗﻴﻨﻲ ﻓﻴﻪ ﻛﺘﺎﺑﻪ ﻭﻫﺬﺍ ﺭﺳﻮﻟﻪ، ﻭﻗﺪ ﺃﻣﺮﻩ ﺃﻥ ﻻ ﻳﻔﺎﺭﻗﻨﻲ ﺣﺘﻰ ﺃﻧﻔﺬ ﺭﺃﻳﻪ ﻭﺃﻣﺮﻩ، ﻗﺎﻝ: ﻭﺃﺧﺬ ﺍﻟﺤﺮّ ﺑﻦ ﻳﺰﻳﺪ ﺍﻟﻘﻮﻡَ ﺑﺎﻟﻨﺰﻭﻝ ﻓﻲ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻤﻜﺎﻥ ﻋﻠﻰ ﻏﻴﺮ ﻣﺎﺀ ﻭﻻ ﻓﻲ ﻗﺮﻳﺔ، ﻓﻘﺎﻟﻮﺍ: ﺩﻋﻨﺎ ﻧﻨﺰﻝ ﻓﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻘﺮﻳﺔ ﻳﻌﻨﻮﻥ نينوى، ﺃﻭ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻘﺮﻳﺔ ﻳﻌﻨﻮﻥ ﺍﻟﻐﺎﺿﺮﻳﺔ، ﺃﻭ ﻫﺬﻩ الأخرى ﻳﻌﻨﻮﻥ ﺷﻔﻴﺔ، ﻓﻘﺎﻝ: ﻻ ﻭﺍﻟﻠﻪ ﻣﺎ ﺃﺳﺘﻄﻴﻊ ﺫﻟﻚ، ﻫﺬﺍ ﺭﺟﻞ ﻗﺪ ﺑﻌﺚ ﺇﻟﻰّ ﻋﻴﻨﺎً. ﻓﻘﺎﻝ ﻟﻪ ﺯﻫﻴﺮ ﺑﻦ ﺍﻟﻘﻴﻦ: ﻳﺎ ﺑﻦ ﺭﺳﻮﻝ ﺍﻟﻠﻪ، إﻥّ ﻗﺘﺎﻝ ﻫﺆﻻﺀ ﺃﻫﻮﻥ ﻣﻦ ﻗﺘﺎﻝ ﻣَﻦ ﻳﺄﺗﻴﻨﺎ ﻣﻦ ﺑﻌﺪﻫﻢ، ﻓﻠﻌﻤﺮﻱ ﻟﻴﺄﺗﻴﻨﺎ ﻣﻦ ﺑﻌﺪ ﻣَﻦ ترى ﻣﺎ ﻻ ﻗِﺒﻞَ ﻟﻨﺎ ﺑﻪ، ﻓﻘﺎﻝ ﻟﻪ ﺍﻟﺤﺴﻴﻦ: ﻣﺎ ﻛﻨﺖ لأﺑﺪﺃﻫﻢ ﺑﺎﻟﻘﺘﺎﻝ. ﻓﻘﺎﻝ ﻟﻪ ﺯﻫﻴﺮ ﺑﻦ ﺍﻟﻘﻴﻦ: ﺳﺮ ﺑﻨﺎ ﺇﻟﻰ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻘﺮﻳﺔ ﺣﺘﻰ ﻧﻨﺰﻟﻬﺎ ﻓﺈﻧّﻬﺎ ﺣﺼﻴﻨﺔ، ﻭﻫﻲ ﻋﻠﻰ ﺷﺎﻃﺊ ﺍﻟﻔﺮﺍﺕ، فإﻥ ﻣﻨﻌﻮﻧﺎ ﻗﺎﺗﻠﻨﺎﻫﻢ، ﻓﻘﺘﺎﻟﻬﻢ ﺃﻫﻮﻥ ﻋﻠﻴﻨﺎ ﻣﻦ ﻗﺘﺎﻝ ﻣَﻦ ﻳﺠﺊ ﻣﻦ ﺑﻌﺪﻫﻢ. ﻓﻘﺎﻝ ﻟﻪ ﺍﻟﺤﺴﻴﻦ: ﻭﺃﻳﺔ ﻗﺮﻳﺔ ﻫﻲ؟ ﻗﺎﻝ: ﻫﻲ ﺍﻟﻌﻘﺮ. ﻓﻘﺎﻝ ﺍﻟﺤﺴﻴﻦ: ﺍﻟﻠﻬﻢّ ﺇﻧّﻲ ﺃﻋﻮﺫ ﺑﻚ ﻣﻦ ﺍﻟﻌﻘﺮ. ﺛﻢّ ﻧﺰﻝ، ﻭﺫﻟﻚ ﻳﻮﻡ ﺍﻟﺨﻤﻴﺲ، ﻭﻫﻮ ﺍﻟﻴﻮﻡ ﺍﻟﺜﺎﻧﻲ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺤﺮّﻡ ﺳﻨﺔ (61هـ)»[135]؛ إذ يقف الراوي عند تقنية الوصف مرتبطة ببناء المكان وهي قرية الغاضرية وموقعها، متتبّعاً أهمّيتها، وظهورها تاريخياً، ويؤكّد هذا الأمر الدكتور عبد الكريم بقوله: «لعلّ من البديهي القول هنا: إنّ السرد لا بدّ أن يوهم متلقيه بحقيقة ما يكتبه؛ لذا صار من العسير أن يسرد القاص من دون أن يصف، من هنا نتبيّن أهمّية الوصف للسرد؛ ذلك لأنّه لا بدّ له من أن يكشف عالمه السردي لمتلقيه حتّى يعتقد بصدقه فيتفاعل معه»[136].

ويأتي الوصف ممتزجاً مع مقوّمات السرد الأخرى، فلا يمكن حينئذٍ فصله ويأتي أحايين أخرى مفصولاً، فيسمّى حينها بالوقفة الوصفية، ويتم حينها رفعه وعزله عن جسم السرد من دون الإخلال بسير الأحداث وتطوّرها[137]، غير أنّ الأمر يختلف بالقياس إلى رواية تيار الوعي الحديثة التي يبرز فيها ما يسمّى ـ مثلاً ـ بالصورة السرديّة المتحرّكة، وهي الصورة التي يمتزج فيها الوصف بحركة السرد الروائي، وبنمو أحداث إلى الحدّ الذي يصعب فيها عزل الصورة المتحرّكة عن بنية جسم الرواية، في حين أنّ العزل أسهل مع الصورة الوصفية الساكنة أو الوقفة الوصفية في الرواية الواقعية[138].

وهناك وصف آخر يعرف بالوصف الذاتي وهو «عكس الوقفة الوصفية، يندمج فيه الوصف مع الزمن، وهو نوع من الوصف تقوم به الشخصيّة»[139]، وقد يجيء الوصف مقروناً بالمكان وعلى ضوء ذلك تتمّ دراسته[140]، وهناك مَن جعل الوصف من ضمن المقوّمات المكوّنة للسرد.

 ويتداخل الوصف بين سطور هذه المقطوعة مع وصف الشخصيّة محور المقطوعة؛ إذ يصف الراوي المظهر الخارجي للمعركة المتكوّنة من أحداث متنوّعة يدخل فيها عامل الزمان والمكان، فضلاً عن عوامل أخرى تساهم في تكوين الحدث، وينقل السارد ذهن المتلقّي معه من خلال نقله إلى أجواء المعركة والحدث وتفاعلات الأشخاص وعناصر السرد الأخرى، لتعود الحياة فجأة إلى الماضي وكأنّك تعيش الحدث، بل آثار المعارك واضحة من خلال ما يتناثر من كلمات وأشعار وأقوال وخطابات مؤثرة ومدمية في أحداث درامية متتالية، وأنّ نقطة الحدث المتكرر بين الفكرة بالتخلّص من عوامل السرد وعودتها من جديد، تخلق نوعاً من الهاجس القلق لدى المتلقّي في معرفة الحدث لتؤثر في فكره، وتحفيزه إلى رفض سلبيات الماضي، ففكرة التخلّص من بعض الأشياء السيئة لا تكون بسهولة وقد سرّب الراوي هذه الفكرة المعقّدة من خلال حبكة قصّته هذه التي كانت مؤثرة في كلماتها الصامتة وشخصيتها المتحكمة بالأحداث الأخرى.

ولم تقف رواية الراوي السرديّة عند شخصية واحدة فقط، وإنّما تعدّت ذلك إلى وصف شخصيات عدّة في مجموعة واحدة، أو مجاميع متنوعة كجبهة الأنصار، ويقابلها بنو هاشم من جهة وجبهة الأعداء؛ ولذا حاول الراوي إظهار شخصيتي (العباس) و(الشمر) وحوارهما معاً حول ترك الإمام الحسين× والعفو عنه، ويعلو صوت الحق ليدخل هو الآخر في الصورة الدرامية، فيعطينا صورة حيّة عن الواقع المأساوي للحدث، ثمّ حوار آخر يدخل الأصحاب في حوار طويل متعاقب، يملؤه الشوق والعشق الإلهي والحزن على حال أعدائهم، متندرين بأحاديث شيّقة عن تلك الأيام التي قضوها مع رسول الله’ وعلي بن أبي طالب×، وكيف كانت الساعات تدور بهم، وفي أثناء حديثهم الشيّق وهم مستغرقين في وصف حالهم، تأخذهم سنة البهجة تارةً والندم تارةً أخرى؛ إذ ينقل السارد قول الإمام الحسين× لأصحابه والرجوع إلى أهلهم والتخلّي عنه ويتخذون الليل لهم ستراً، فكان جوابهم له: «ﻓﻘﺎﻡ ﺇﻟﻴﻪ ﻣﺴﻠﻢ ﺑﻦ ﻋﻮﺳﺠﺔ ﺍﻷﺳﺪﻱ ﻓﻘﺎﻝ: ﺃﻧﺤﻦ ﻧﺨﻠﻲ ﻋﻨﻚ ﻭﻟﻤﺎ ﻧﻌﺬﺭ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﻓﻲ ﺃﺩﺍﺀ ﺣﻘﻚ. أَﻣﺎ ﻭﺍﻟﻠﻪ ﻻ ﺃﻓﺎﺭﻗﻚ ﺣﺘﻰ ﺃﻛﺴﺮ ﻓﻲ ﺻﺪﻭﺭﻫﻢ ﺭﻣﺤﻲ، ﻭأﺿﺮﺑﻬﻢ ﺑﺴﻴﻔﻲ ﻣﺎ ﺛﺒﺖ ﻗﺎﺋﻤﻪ ﻓﻲ ﻳﺪﻱ، ﻭﻟﻮ ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﻣﻌﻲ ﺳﻼﺡ ﺃﻗﺎﺗﻠﻬﻢ ﺑﻪ ﻟﻘﺬﻓﺘﻬﻢ ﺑﺎﻟﺤﺠﺎﺭﺓ ﺩﻭﻧﻚ ﺣﺘﻰ ﺃﻣﻮﺕ ﻣﻌﻚ، ﻗﺎﻝ: ﻭﻗﺎﻝ ﺳﻌﺪ ﺑﻦ ﻋﺒﺪ ﺍﻟﻠﻪ ﺍﻟﺤﻨﻔﻲ: ﻭﺍﻟﻠﻪ ﻻ ﻧﺨﻠﻴﻚ ﺣﺘﻰ ﻳﻌﻠﻢ ﺍﻟﻠﻪ أﻧّﺎ ﻗﺪ ﺣﻔﻈﻨﺎ ﻏﻴﺒﺔ ﺭﺳﻮﻝ ﺍﻟﻠﻪ’ ﻓﻴﻚ، ﻭﺍﻟﻠﻪ ﻟﻮ ﻋﻠﻤﺖ أﻧّﻲ أُﻗﺘﻞ، ﺛﻢّ ﺃُﺣﻴﺎ، ﺛﻢّ ﺃُﺣﺮﻕ ﺣﻴّﺎً، ﺛﻢّ ﺃُﺫﺭ، ﻳُﻔﻌﻞ ﺫﻟﻚ ﺑﻲ ﺳﺒﻌﻴﻦ ﻣﺮّﺓ ﻣﺎ ﻓﺎﺭﻗﺘﻚ ﺣﺘﻰ ﺃﻟﻘﻰ ﺣﻤﺎﻣﻲ ﺩﻭﻧﻚ، ﻓﻜﻴﻒ ألّا أﻓﻌﻞ ﺫﻟﻚ ﻭإﻧّﻤﺎ ﻫﻲ ﻗﺘﻠﺔ ﻭﺍﺣﺪﺓ، ﺛﻢّ ﻫﻲ ﺍﻟﻜﺮﺍﻣﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻻ ﺍﻧﻘﻀﺎﺀ ﻟﻬﺎ أﺑﺪﺍً. ﻗﺎﻝ: ﻭﻗﺎﻝ ﺯﻫﻴﺮ ﺑﻦ ﺍﻟﻘﻴﻦ: ﻭﺍﻟﻠﻪ ﻟﻮﺩﺩﺕ أﻧّﻲ ﻗُﺘﻠﺖ، ﺛﻢّ ﻧﺸﺮﺕ، ﺛﻢّ ﻗُﺘﻠﺖ ﺣﺘﻰ أُﻗﺘﻞ ﻛﺬﺍ أﻟﻒ ﻗﺘﻠﺔ ﻭأﻥّ ﺍﻟﻠﻪ يدﻓﻊ بذﻟﻚ ﺍﻟﻘﺘﻞ ﻋﻦ ﻧﻔﺴﻚ ﻭﻋﻦ ﺃﻧﻔﺲ ﻫﺆﻻﺀ ﺍﻟﻔﺘﻴﺔ ﻣﻦ ﺃﻫﻞ ﺑﻴﺘﻚ، ﻗﺎﻝ: ﻭﺗﻜﻠّﻢ ﺟﻤﺎﻋﺔ ﺃﺻﺤﺎﺑﻪ ﺑﻜﻼﻡ ﻳﺸﺒﻪ ﺑﻌﻀﻪ ﺑﻌﻀﺎً ﻓﻲ ﻭﺟﻪ ﻭﺍﺣﺪ، ﻓﻘﺎﻟﻮﺍ: ﻭﺍﻟﻠﻪ ﻻ ﻧﻔﺎﺭﻗﻚ ﻭﻟﻜﻦ ﺃﻧﻔﺴﻨﺎ ﻟﻚ ﺍﻟﻔﺪﺍﺀ ﻧﻘﻴﻚ ﺑﻨﺤﻮﺭﻧﺎ ﻭﺟﺒﺎﻫﻨﺎ ﻭﺃيدﻳﻨﺎ، ﻓﺈﺫﺍ ﻧﺤﻦ ﻗﺘﻠﻨﺎ ﻛﻨّﺎ ﻭﻓﻴﻨﺎ ﻭﻗﻀﻴﻨﺎ ﻣﺎ ﻋﻠﻴﻨﺎ»[141].

فالمشاعر الشخصيّة للسارد ومشاعر الشخصيّة التي يتناولها تتبادلان العلاقات في حضور أفعال السرد، وتواكب بنية الرواية التي تتصل بفن السرد، فلا تكتفي الشخصيّة بالإعلان عن نفسها بما يقرّبها من السرد، وإنّما تؤكد دلالتها في الرسالة التي تفصح عنها، أو الهوى أو الاتجاه الذي يحفّزها للتحرّك والسلوك والتعبير كما هو واضح في النص السابق وشخصية زهير بن القين.

2 ـ وصف الشخصيّات ودورها في مركز الأحداث

النصّ السردي سواء كان رواية، أم قصة، أم أقصوصة هو شبكة من هذه العناصر تعمل مجتمعة على هيكلة النص السردي، فهي مدار المعاني الإنسانية ومحور الأفكار والآراء العامة، ولها المكانة الأُولى في الرواية أو القصة[142]، فبدون الشخصيّات لا مكان لنص قصصي، ولا وجود لسرد في عالم الحكايات والقصص السرديّة؛ إذ إنّ الشخصيّة هي مركز الأحداث.

 ويختلف مفهوم الشخصيّة الروائية «باختلاف الاتجاه الروائي الذي يتناول الحديث عنها، فهي لدى الواقعيين التقليديين ـ مثلاً ـ شخصية حقيقية أو شخص من لحم ودم؛ لأنّها شخصية تنطلق من إيمانهم العميق بضرورة محاكاة الواقع الإنساني المحيط»[143]، وبعض النقاد يذهب في وصف الشخصيّة إلى أنّها كائن ورقي من أعمال خيال الكاتب، وهو يملك تأطير شكلها الخارجي وبيان مضمونها النفسي من خلال مخزونه الثقافي، فهي لا تطابق الواقع على أيّة حال[144]، وهذا ما سنلاحظه في وصفه الشخصيّة في أمرين متداخلين خارجاً، ولكنّهما منفصلين في عالم الذهن، الأوّل الوصف من خلال الحديث، والثاني الوصف من خلال الفعل.

أ ـ وصف الشخصيّات من خلال أحاديثها

وهو وصف يستخلص ويستنتج من حديث الشخصيّة، فما تنطقه الشخصيّة وتتحدّث به يدل عليها ويوضح صفتها؛ لأنّه يعكس رؤيتها، ويظهر هذا النوع من الوصف عندما يفسح السارد ـفيبعضالمواضع ـالمجالللشخصياتكيتقدّمنفسهامنخلالالحوار أو السردالذاتي،اللذينيمكنللشخصيةأنتتحدّثمنخلالهما. فالحوارمثلاًـإذاكانمناسباًلحدودالشخصيّةوالحدث ـيمكنأنيصوّرجانباًجسدياً أو نفسياًللشخصيةالتيتديره، ويمكنتلمّسالوصفالمتجسّد من خلال حوار السيّدة زينب× أخت الإمام الحسين× مع عبيد الله بن زياد: «ﻓﻠﻤّﺎ ﺩﺧﻠﺖ ﺟﻠﺴﺖ، ﻓﻘﺎﻝ ﻋﺒﻴﺪ ﺍﻟﻠﻪ ﺑﻦ ﺯﻳﺎﺩ: ﻣَﻦ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺠﺎﻟﺴﺔ؟ ﻓﻠﻢ ﺗﻜﻠّﻤﻪ، ﻓﻘﺎﻝ ﺫﻟﻚ ﺛﻼﺛﺎً ﻛﻞّ ﺫﻟﻚ ﻻ ﺗﻜﻠّﻤﻪ، ﻓﻘﺎﻝ ﺑﻌﺾ ﺇﻣﺎﺋﻬﺎ: ﻫﺬﻩ ﺯﻳﻨﺐ ﺍﺑﻨﺔ ﻓﺎﻃﻤﺔ. ﻗﺎﻝ: ﻓﻘﺎﻝ ﻟﻬﺎ ﻋﺒﻴﺪ ﺍﻟﻠﻪ: ﺍﻟﺤﻤﺪ ﻟﻠﻪ ﺍﻟﺬﻱ ﻓﻀﺤﻜﻢ، ﻭﻗﺘﻠﻜﻢ، ﻭﺃﻛﺬﺏ ﺃُﺣﺪﻭﺛﺘﻜﻢ. ﻓﻘﺎﻟﺖ: ﺍﻟﺤﻤﺪ ﻟﻠﻪ ﺍﻟﺬﻱ ﺃﻛﺮﻣﻨﺎ ﺑﻤﺤﻤﺪ’ ﻭﻃﻬّﺮﻧﺎ ﺗﻄﻬﻴﺮﺍً ﻻ ﻛﻤﺎ ﺗﻘﻮﻝ ﺃﻧﺖ، إﻧّﻤﺎ ﻳُﻔﺘﻀﺢ ﺍﻟﻔﺎﺳﻖ، ﻭﻳُﻜﺬّﺏ ﺍﻟﻔﺎﺟﺮ. ﻗﺎﻝ: ﻓﻜﻴﻒ ﺭﺃﻳﺖ ﺻﻨﻊ ﺍﻟﻠﻪ ﺑأﻫﻞ ﺑﻴﺘﻚ؟ ﻗﺎﻟﺖ: ﻛُﺘﺐ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﺍﻟﻘﺘﻞ، ﻓﺒﺮﺯﻭﺍ ﺇﻟﻰ ﻣﻀﺎﺟﻌﻬﻢ، ﻓﺴﻴﺠﻤﻊ ﺍﻟﻠﻪ ﺑﻴﻨﻚ ﻭﺑﻴﻨﻬﻢ، ﻓﺘﺤﺎﺟّﻮﻥ ﺇﻟﻴﻪ ﻭﺗﺨﺎﺻﻤﻮﻥ ﻋﻨﺪﻩ»[145]، فيتضح من النصّ أنّ الشخصيّتين فيه لم تُقدّما بطريقة مباشرة، بل من خلال الحوار الذي أظهر الأُولى للسيّدة زينب‘ شخصية بطلة ومحورية، وأقامت بإهانته وبيّنت له وللحاضرين خسّة العمل والخسارة في الدنيا والعقوبة في الآخرة، والشيخصية الثانية شخصية مجرمة وقاتلة ومصرّة على العمل الإجرامي والاعتراف به، فالسارد هنا لا يسمّي صفات الشخصيّات أو يُخبر عنها صراحةً، بل يصوّرها من خلال الحديث المتبادل بينها؛ إذ تركها تتحاور لتكشف عن نفسها تدريجياً، فالشخصيتان قُدّمتا من خلال الحوار، وبشكل تدريجي بعيداً عن التقديم المباشر للصفات.

وأمّا الحوار الذي دار بين يزيد والسيّدة زينب× في مجلس الخلافة في الشام، فصُوّرت الشخصيتان من خلال الحوار الدائر بينهما، ونصّه: «ﻗﺎﻝ ﺃﺑﻮ ﻣﺨﻨﻒ ﻋﻦ ﺍﻟﺤﺎﺭﺙ ﺑﻦ ﻛﻌﺐ، ﻋﻦ ﻓﺎﻃﻤﺔ ﺑﻨﺖ ﻋﻠﻰ، ﻗﺎﻟﺖ: ﻟﻤﺎ ﺃُﺟﻠﺴﻨﺎ ﺑﻴﻦ ﻳﺪﻱ ﻳﺰﻳﺪ ﺑﻦ ﻣﻌﺎﻭﻳﺔ... ﻗﺎﻟﺖ: ﻭﻛﺎﻧﺖ ﺃﺧﺘﻲ ﺯﻳﻨﺐ ﺃﻛﺒﺮ ﻣﻨّﻲ ﻭأﻋﻘﻞ، ﻭﻛﺎﻧﺖ ﺗﻌﻠﻢ ﺃﻥّ ﺫﻟﻚ ﻻ ﻳﻜﻮﻥ، ﻓﻘﺎﻟﺖ: ﻛﺬﺑﺖَ ﻭﺍﻟﻠﻪ ﻭﻟؤﻣﺖ، ﻣﺎ ﺫﻟﻚ ﻟﻚ ﻭﻟﻪ. ﻓﻐﻀﺐ ﻳﺰﻳﺪ ﻓﻘﺎﻝ: ﻛﺬبتِ ﻭﺍﻟﻠﻪ، إﻥّ ﺫﻟﻚ ﻟﻲ ﻭﻟﻮ ﺷﺌﺖ أﻥ ﺃﻓﻌﻠﻪ ﻟﻔﻌﻠﺖ. ﻗﺎﻟﺖ: ﻛﻼ ﻭﺍﻟﻠﻪ ﻣﺎ ﺟﻌﻞ ﺍﻟﻠﻪ ﺫﻟﻚ ﻟﻚ إلّا أﻥ ﺗﺨﺮﺝ ﻣﻦ ﻣﻠﺘﻨﺎ ﻭﺗﺪﻳﻦ ﺑﻐﻴﺮ ﺩﻳﻨﻨﺎ. ﻗﺎﻟﺖ: ﻓﻐﻀﺐ ﻳﺰﻳﺪ ﻭﺍﺳﺘﻄﺎﺭ، ﺛﻢّ ﻗﺎﻝ: ﺇﻳّﺎﻱ ﺗﺴﺘﻘﺒﻠﻴﻦ ﺑﻬﺬﺍ، إﻧّﻤﺎ ﺧﺮﺝ ﻣﻦ ﺍﻟﺪﻳﻦ ﺃﺑﻮﻙ ﻭﺃﺧﻮﻙ. ﻓﻘﺎﻟﺖ ﺯﻳﻨﺐ: ﺑﺪﻳﻦ ﺍﻟﻠﻪ ﻭﺩﻳﻦ ﺃﺑﻲ ﻭﺩﻳﻦ ﺃﺧﻲ ﻭﺟﺪّﻱ ﺍﻫﺘﺪﻳﺖ ﺃﻧﺖ ﻭﺃﺑﻮﻙ ﻭﺟﺪّﻙ. ﻗﺎﻝ: ﻛﺬﺑﺖ ﻳﺎ ﻋﺪﻭﺓ ﺍﻟﻠﻪ. ﻗﺎﻟﺖ: ﺃﻧﺖ ﺃﻣﻴﺮ ﻣُﺴﻠّﻂ ﺗﺸﺘﻢ ﻇﺎﻟﻤﺎً، ﻭﺗﻘﻬﺮ ﺑﺴﻠﻄﺎﻧﻚ. ﻗﺎﻟﺖ: ﻓﻮَﺍﻟﻠﻪ ﻟﻜﺄﻧّﻪ ﺍﺳﺘﺤﻴﺎ ﻓﺴﻜﺖ»[146]، فالحوار كما يتضح قُدّم من خلال المتحاورَين، السيّدة زينب× ويزيد، فقد صوّر الأوّل أنّهم أهل بيت النبوة والطهارة الذين اهتدى بهم جميع المسلمين، ومن ضمنهم القاتل وأهله، وصغّرتهم أمام المجتمع وأمام جلسائهم في ديوان الخلافة، وأشار الراوي أو السارد كذلك إلى قوة المنطق والفصاحة والبيان الذي كان عند أبيها علي بن أبي طالب×، وصوّر الثاني خليفة وسلطان، يظن بيده كلّ شيء فعله إن أراد، ولكن اتّضح أنّ أهل الزعامة والسلطان هم بيت النبوة، بيت محمّد وآل محمّد مهما يُسلب منهم من الطغاة والجلاوزة، وضعف يزيد أمام جبل الصبر والإباء والقوة، فهو يحاول تبرير استغلاله وفشله بسكوته، ويمكن القول إنّ الحوار بينهما جسّد صورة ظالم (يزيد وجلاوزته) وصورة مظلوم (الحسين وشيعته).

إنّ الحوار في النصوص السابقة فضلاً عن تصويره صفة المظلومية عند الشخصيّات الرئيسة المتمثّلة بيزيد وأتباعه، فقد كشف عن أضرارها المتمثّلة بالعقوبة الإلهية في الدنيا وخزي في الآخرى للظالمين وأعوانهم وهو قانون إلهي، واستغلال الآخرين من قِبل الظالمين لبقاء سلطتهم وملك رقاب العباد، وأكد أنّ أحاديثها مع الآخرين لم تكن إلّا أحاديث بديهية من بيت أهل العلم والمعرفة، تدفعها إلى قولها في مجلس سلاطين الدنيا والطغاة والفاسقين، التي تحكم عقلها وتزود لسانها بالحجج والتبريرات التي تعينها على تنفيذ مخططاتها التي تحفظ لها ثورة أخيها واستمرارها ووصولها إلى الأجيال القابلة.

وكما تحدّثت الشخصيّات من خلال الحوار، تحدّثت كذلك من خلال السرد الذاتي كما في قول يزيد عن الحسين× وأهل بيته، فقد قال أبو مخنف: «ﻓﻘﺎﻝ ﻳﺰﻳﺪ: ﻣﺎ ﻭﻟﺪﺕ ﺃُﻡّ ﻣﺤﻔﺰ ألأﻡُ ﻭﺃﺣﻤﻖُ، ﻭﻟﻜﻨّﻪ ﻗﺎﻃﻊ ﻇﺎﻟﻢ. ﻗﺎﻝ: ﻓﻠﻤّﺎ ﻧﻈﺮ ﻳﺰﻳﺪ ﺇﻟﻰ ﺭﺃﺱ ﺍﻟﺤﺴﻴﻦ ﻗﺎﻝ:

ﻳُﻔَﻠِّﻘْﻦَ ﻫَﺎﻣﺎً ﻣِﻦْ ﺭِﺟَﺎﻝٍ ﺃﻋِﺰّﺓِ         ﻋَﻠﻴﻨَﺎ ﻭَﻫُﻢ ﻛَﺎﻧُﻮﺍ ﺃﻋَﻖ ﻭﺃﻇْﻠَﻤَﺎ

ﺛﻢّ ﻗﺎﻝ: ﺃﺗﺪﺭﻭﻥ ﻣﻦ ﺃﻳﻦ أﺗﻰ ﻫﺬﺍ؟ ﻗﺎﻝ: ﺃﺑﻰ ﻋﻠﻲّ ﺧﻴﺮ ﻣﻦ ﺃﺑﻴﻪ، ﻭﺃُﻣّﻲ ﻓﺎﻃﻤﺔ ﺧﻴﺮ ﻣﻦ ﺃُﻣّﻪ، ﻭﺟﺪّﻱ ﺭﺳﻮﻝ ﺍﻟﻠﻪ ﺧﻴﺮ ﻣﻦ ﺟﺪّﻩ، ﻭأﻧﺎ ﺧﻴﺮ ﻣﻨﻪ ﻭﺃﺣﻖ ﺑﻬﺬﺍ ﺍلأﻣﺮ ﻣﻨﻪ، فإﻣّﺎ ﻗﻮﻟﻪ: ﺃﺑﻮﻩ ﺧﻴﺮ ﻣﻦ ﺃﺑﻲ، ﻓﻘﺪ ﺣﺎﺝّ ﺃﺑﻰ ﺃﺑﺎﻩ، ﻭﻋﻠﻢ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﺃﻳّﻬﻤﺎ ﺣُﻜﻢ ﻟﻪ، ﻭأﻣّﺎ ﻗﻮﻟﻪ، ﺃُﻣّﻲ ﺧﻴﺮ ﻣﻦ ﺃُﻣّﻪ، ﻓﻠﻌﻤﺮﻱ ﻓﺎﻃﻤﺔ ﺍﺑﻨﺔ ﺭﺳﻮﻝ ﺍﻟﻠﻪ ﺻﻠّﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭسلّم ﺧﻴﺮ ﻣﻦ ﺃُﻣّﻲ، ﻭأﻣّﺎ ﻗﻮﻟﻪ ﺟﺪّﻱ ﺧﻴﺮ ﻣﻦ ﺟﺪّﻩ: ﻓﻠﻌﻤﺮﻱ ﻣﺎ ﺃﺣﺪ ﻳﺆﻣﻦ ﺑﺎﻟﻠﻪ ﻭﺍﻟﻴﻮﻡ ﺍﻵﺧﺮ يرى ﻟﺮﺳﻮﻝ ﺍﻟﻠﻪ ﻓﻴﻨﺎ عِدﻻً ﻭﻻ ﻧﺪﺍً، ﻭﻟﻜﻨّﻪ إﻧّﻤﺎ أﺗﻰ ﻣﻦ ﻗِﺒﻞ ﻓﻘﻬﻪ، ﻭﻟﻢ ﻳﻘﺮﺃ: ﴿ﻗﻞْ ﺍﻟﻠﻬﻢّ ﻣﺎﻟﻚ ﺍﻟﻤﻠﻚ ﺗﺆﺗﻰ ﺍﻟﻤﻠﻚ ﻣَﻦ ﺗﺸﺎء ﻭﺗﻨﺰﻉ ﺍﻟﻤﻠﻚ ﻣﻤَّﻦ تشاء ﻭﺗﻌﺰُّ ﻣَﻦ ﺗﺸﺎء ﻭﺗﺬﻝّ ﻣَﻦ ﺗﺸﺎء ﺑﻴﺪﻙ ﺍﻟﺨﻴﺮ إﻧّﻚ ﻋﻠﻰ ﻛﻞّ ﺷﺊ قدﻳﺮ﴾»[147].

فالسارد هنا يصوّر الشخصيّة من خلال حديثها وبشكل تدريجي خالٍ من التقديم المباشر للصفات، فالنصّ هنا لم يكن إلّا سرداً ذاتياً تحدّثت الشخصيّة فيه عن ملكها وحبّ الذات، وكيفية الحصول على الملك، فالشخصيّة وصفت من خلال السرد الذاتي وصفاً تمثيلياً غير مباشر صوّرها طمّاعة مغتصبة للملك مغالطة لنفسها وللآخرين، حيث تُغيّر الحقائق، شحيحة تحاول الاستفادة من كلّ شيء، وبذلك عبّر الحديث عن نفسيتها وكشف أفكارها.

وبناءً على ما تقدّم في النماذج السابقة يمكن القول، إنّ الشخصيّات من خلال أحاديثها وصفت ـ سواء كانت حواراً أم سرداً ذاتياً ـ وصفاً تمثيلياً غير مباشر لا تتحدد فيه الصفات أو تنفصل عن السياق السردي العام، بل يستخلص من حديث الشخصيّة الذي يعكس رؤيتها للأمور ويُعبّر عن مشاعرها وأفكارها، فأحاديث الشخصيّات الصادرة منها دلّت عليها وكشفت عن طبعها وتفكيرها؛ ولهذا يكون أمراً طبيعياً، فأحاديثها المسموعة لم تكن إلّا صدى لحديثها النفسي غير المسموع الذي يحكمه الطمع وحبّ الذات ويحدّد وجهته.

ب ـ وصف الشخصيّات من خلال أفعالها

هو وصف غير مباشر تُقدّم الشخصيّة فيه من خلال أفعالها بتصرفها، وسلوكها وحركتها وسكونها، فما يلجأ السارد غالباً في وصف شخصيّاته وتقديمها إلى تصوير أفعالها الخارجية؛ لتكون الدليل على مشاعرها وأفكارها الداخلية، ووصف الشخصيّة طريقة ناجحة في تقديمها من خلال أفعالها «فما تفعله أو تخفق في عمله أو ما تختار أن تفعله دلالات واضحة على نفسيتها وتركيبها العقلي والباطني، ويعني هذا أنّ الأحداث الخارجية والاستجابات الظاهرة يمكن استخدامها وقياسها ومساواتها بالواقع الداخلي لنفسية الشخصيّة القصصية»[148]، فبوصفه الفعل ركناً أساسياً من أركان التشخيص، يكشف عن جوهر الشخصيّة ويُشير إلى طبيعة عملها، وعلاقتها بالشخصيّات الأخرى[149]، وهذا ما نلاحظه في فعل الشخصيّة يوم عاشوراء، فشخصيات المقتل في غلبة البعد الإيحائي تعيش في شعوره وحسّه الروحي والعاطفي والجسدي، بما يحدّد صورتها الكلية، وملامحها وفعل وظيفتها، «فالشخصيّة الذات إذ تسعى إلى الحصول على شخصيات المقتل في غلبة البعد الأيحائي تعيش في شعوره وحسّه الروحي والعاطفي والجسدي بما يحدّد صورتها الكلية وملامحها وفعل وظيفتها ... فالشخصيّة الذات إذ تسعى إلى الحصول على موضوع رغبتها تقوم دونها ذات أخرى مضادّة تعرقل سبيلها وتتغيّر الذوات المضادّة بحسب الأوضاع»[150].

ويلاحظ أنّ الشخصيّة في رواية المقتل السرديّة شخصية فردية، وهي انعكاس ذاتي لكائن فردي وإن كان كائناً اجتماعياً، فالرؤية لديه لا تعبّر إلّا عن وعي فردي بخصائصه المزاجية التي تتضافر والشخصيّة الرئيسة التي تلعب دوراً محورياً في علاقاتها مع الشخصيّات الأخرى، وكأنّ الشخصيّة تصاغ في ظل الرغبة والإرتواء المعنوي: «ﻗﺎﻝ: ﻭﻧﺎﺯﻟﻪ ﻋﺒﺪ ﺍﻟﻠﻪ ﺑﻦ ﺃﺑﻲ ﺣﺼﻴﻦ ﺍﻷﺯﺩﻱ ـ ﻭعِدﺍﺩﻩ ﻓﻲ ﺑَﺠﻴﻠﺔ ـ ﻓﻘﺎﻝ: ﻳﺎ ﺣﺴﻴﻦ أﻻ ﺗﻨﻈﺮ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻤﺎﺀ ﻛﺄﻧّﻪ ﻛﺒﺪ ﺍﻟﺴﻤﺎﺀ، ﻭﺍﻟﻠﻪ ﻻ ﺗﺬﻭﻕ ﻣﻨﻪ ﻗﻄﺮﺓً ﺣﺘﻰ ﺗﻤﻮﺕ ﻋﻄﺸﺎً. ﻓﻘﺎﻝ ﺍﻟﺤﺴﻴﻦ: ﺍﻟﻠﻬﻢّ ﺍﻗﺘﻠﻪ ﻋﻄﺸﺎً ﻭﻻ ﺗﻐﻔﺮ ﻟﻪ أﺑﺪﺍً. ﻗﺎﻝ ﺣﻤﻴﺪ ﺑﻦ ﻣﺴﻠﻢ: ﻭﺍﻟﻠﻪ ﻟﻌﺪﺗﻪ ﺑﻌﺪ ﺫﻟﻚ ﻓﻲ ﻣﺮﺿﻪ، ﻓﻮﺍﻟﻠﻪ ﺍﻟﺬﻱ ﻻ إﻟﻪ إلّا ﻫﻮ ﻟﻘﺪ ﺭأﻳﺘﻪ ﻳﺸﺮﺏ ﺣﺘﻰ ﺑﻐﺮ، ﺛﻢّ ﻳﻘﺊ، ﺛﻢّ ﻳﻌﻮﺩ ﻓﻴﺸﺮﺏ ﺣﺘﻰ ﻳﺒﻐﺮ، ﻓﻤﺎ يروى، ﻓﻤﺎ ﺯﺍﻝ ﺫﻟﻚ ﺩﺃﺑﻪ ﺣﺘﻰ ﻟﻔﻆ ﻏﺼﺘﻪ ﻳﻌﻨﻰ ﻧﻔﺴﻪ»[151]، وسنبيّن حالة من حالات الشخصيّة في واقعة الطف، ففي واقع الأمر كلّ فرد هو شخصية لها مكوّناتها ودورها الحدثي والمكاني والزماني في المقتل، وسنكنتفي بحالة واحدة ألا وهي المرأة في رواية المقتل الحسيني.

ثالثاً: تمثلات المرأة في الحدث

محور سرد الراوي بتمثّل المرأة بطلة الحدث وإعلامية؛ إذ إنّها نقلت إلينا أحداث كربلاء وبما جرى لنساء الطف وسبيهنّ وغير ذلك من السرد، ولأنّ بني أُمية قتلوا الرجال والأطفال ومنهم الرضع، فهي محور سرده في نقل الحقائق وبما جرى من أحداث في الواقعة الأليمة. ومن المتعارف عليه أنّ المرأة ليس لها دورٌ فعّالٌ في الحروب، ولكنّها ظهرت لها الدور الرئيس في الحدث العاشورائي، وسنبيّن ذلك من خلال تصوير بعض النماذج للمرأة المجاهدة والثائرة والإعلامية؛ لنشر حقيقة القوم وظلمهم وتجاوزهم على المرأة في وقت تنظر العرب لها نظرة سلبية وغير فاعلة في المجتمع.

المرأة التي لعبت دوراً فعّالاً في الحدث الكربلائي، ففي رواية المقتل عن بعض النساء يسرد حدثاً متعلّقاً بحادثة المقتل الحسيني إذ يقول: «روى ﺟﻤﺎﻋﺔ ﻋﻦ القاسم ﺑﻦ ﺍﻷﺻﺒﻎ ﺑﻦ ﻧﺒﺎﺗﺔ، ﻗﺎﻝ: ﺭﺃﻳﺖ رجلاً ﻣﻦ ﺑﻨﻲ ﺃﺑﺎﻥ ﺑﻦ ﺩﺍﺭﻡ ﺃﺳﻮﺩ ﺍﻟﻮﺟﻪ، ﻭﻗﺪ ﻛﻨﺖ ﺃﻋﺮﻓﻪ ﺷﺪﻳﺪ ﺍﻟﺒﻴﺎﺽ ﺟﻤﻴﻼً، ﻓﺴﺌﻠﺘﻪ[152] ﻋﻦ ﺳﺒﺐ ﺗﻐﻴّﺮﻩ ﻭﻗﻠﺖ ﻟﻪ: ﻣﺎ ﻛﺪﺕ ﺃﻋﺮﻓﻚ؟ ﻓﻘﺎﻝ: إﻧّﻲ ﻗﺘﻠﺖ ﺭﺟﻼً ﺑﻜﺮﺑﻼ ﻭﺳﻴﻤﺎً ﺟﺴﻴﻤﺎً، ﺑﻴﻦ ﻋﻴﻨﻴﻪ ﺃﺛﺮ ﺍﻟﺴﺠﻮﺩ، ﻓﻤﺎ ﺑﺖ ﻟﻴﻠﺔ ﻣﻨﺬ ﻗﺘﻠﺘﻪ ﺇﻟﻰ ﺍلآﻥ إلّا ﻭﻗﺪ ﺟﺎﺋﻨﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﻨﻮﻡ ﻭﺃﺧﺬ ﺑﺘﻼﺑﻴﺒﻲ ﻭﻗﺎﺩﻧﻲ ﺇﻟﻰ ﺟﻬﻨّﻢ، ﻓﻴﺪﻓﻌﻨﻲ ﻓﻴﻬﺎ ﻓﺄﻇﻞ ﺃﺻﻴﺢ، ﻓﻼ ﻳﺒﻘﻰ ﺃﺣﺪ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﻲ إلّا ﻭﻳﺴﻤﻊ ﺻﻴﺎﺣﻲ، ﻗﺎﻝ: ﻓﺎﻧﺘﺸﺮ ﺍﻟﺨﺒﺮ، ﻓﻘﺎﻟﺖ ﺟﺎﺭﺓ ﻟﻪ: إﻧّﻪ ﻣﺎ ﺯﻟﻨﺎ ﻧﺴﻤﻊ ﺻﻴﺎﺣﻪ ﺣﺘﻰ ﻣﺎ ﻳﺪﻋﻨﺎ ﻧﻨﺎﻡ ﺷﻴﺌﺎً ﻣﻦ ﺍﻟﻠﻴﻞ، ﻓﻘﻤﺖ ﻓﻲ ﺷﺒﺎﺏ ﺍﻟﺤﻲ ﺇﻟﻰ ﺯﻭﺟﺘﻪ ﻓﺴﺄﻟﻨﺎﻫﺎ، ﻓﻘﺎﻟﺖ: ﺃﻣﺎ ﺇﺫﺍ ﺃﺧﻴﺮ[153] ﻫﻮ ﻋﻦ ﻧﻔﺴﻪ، ﻓﻼ ﺃﺑﻌﺪ ﺍﻟﻠﻪ ﻏﻴﺮﻩ، ﻗﺪ ﺻﺪﻗﻜﻢ، ﻗﺎﻝ: ﻭﺍﻟﻤﻘﺘﻮﻝ ﻫﻮ ﺍﻟﻌﺒﺎﺱ ﺑﻦ ﻋﻠﻲ‘»[154]، وهذا يدخل في نسيج السرد من خلال الحدث، وهو قتل الرجل الوسيم وعدم استقراره ونومه غير الطبيعي، والحوار مع الجارة والزوجة التي صدّقت الحديث، ويدخل كذلك نسيج السرد من خلال مسار الحكاية.

ففي هذا المشهد وفي مشاهد أخرى لرواية المقتل تبدو شخصية المرأة التي ترتّب موقفها أزاء الرجل في واقعة الطف، وموقفها البطولي أمام الأحداث والوقائع المأساوية من قتلٍ وحرقٍ للخيام، وسلبٍ ونهبٍ من قِبل الطرف الآخر (العدو)، يستجيب عاطفياً للتأثر والتأثير على عاطفة القارئ لرهافة حسّها، وقوة عقلها، وما كانت تلعبه من دور فعّال ومؤثر من داخل الواقعة وخارجها كمارية وهي إحدى النساء العاملات في حقل السياسة من أهل البصرة والتي كانت توالي أهل البيت، واجتمع في دارها آنذاك مبعوث الإمام الحسين× مع أنصاره وقرّروا نصرة الإمام والبيعة له لا ليزيد بن معاوية.

ويلاحظ عموماً أنّ الرواية تعنى بالنوازع النفسية لشخصيّاتها بما يخدم تجربة السارد العارف والملم بالأحداث؛ إذ من السهل معرفة نواحيها أزاء الأحداث وأنّ تفاعلها قائم على أساس بسيط لا تُكتشف أعماقه بسهولة، وهي أقرب ما تكون ذات مستوى واحد ترتبط بصراع قوي، وتنمو مع الأحداث ولا تقدّم مفاجاءاتها إلّا داخل السرد وليس في ذهن القارئ، وليس فيها تناقض غير مفهوم المقتل، فهي تسير مسار التوقع بحيث قد نفهم سلفاً ما ستفعله، وقلّما يرقب القارئ توجسات تبعده عن المتوقع لأفعال لا يمكن التنبؤ بها: «ﻓﺄﺧﺬﺕ ﺃُﻡّ ﻭﻫﺐ ﺍﻣﺮﺃﺗﻪ ﻋﻤﻮﺩﺍً، ﺛﻢّ ﺃﻗﺒﻠﺖ ﻧﺤﻮ ﺯﻭﺟﻬﺎ ﺗﻘﻮﻝ ﻟﻪ: ﻓﺪﺍﻙ ﺃﺑﻲ ﻭﺃُﻣّﻲ ﻗﺎﺗﻞ ﺩﻭﻥ ﺍﻟﻄﻴﺒﻴﻦ ﺫﺭﻳﺔ ﻣﺤﻤﺪ، ﻓﺄﻗﺒﻞ ﺇﻟﻴﻬﺎ ﻳﺮﺩﻫﺎ ﻧﺤﻮ ﺍﻟﻨﺴﺎﺀ، ﻓﺄﺧﺬﺕ ﺗﺠﺎﺫﺏ ﺛﻮﺑﻪ، ﺛﻢّ ﻗﺎﻟﺖ: إﻧّﻲ ﻟﻦ ﺃﺩﻋﻚ ﺩﻭﻥ ﺃﻥ ﺃﻣﻮﺕ ﻣﻌﻚ، ﻓﻨﺎﺩﺍﻫﺎ ﺣﺴﻴﻦ، ﻓﻘﺎﻝ: ﺟﺰﻳﺘﻢ ﻣﻦ ﺃﻫﻞ ﺑﻴﺖ ﺧﻴﺮﺍً، ﺍﺭﺟﻌﻲ ـ ﺭﺣﻤﻚ ﺍﻟﻠﻪ ـ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻨﺴﺎﺀ ﻓﺎﺟﻠﺴﻲ ﻣﻌﻬﻦ، ﻓﺈﻧّﻪ ﻟﻴﺲ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻨﺴﺎﺀ ﻗﺘﺎﻝ، ﻓﺎﻧﺼﺮﻓﺖ ﺇﻟﻴﻬﻦ»[155].

وتنتقل شخصية المرأة في الرواية عن طريق السرد الأخباري إلى مستوى يكشف عن بعض جوانبها، ويلقي الضوء على واقعة «حين تتحدّث الشخصيّات فإنّ الكلمات ليست بديلاً عن شيء آخر أو تمثيلاً له، فلغة الشخصيّة هي الشخصيّة[156]وأنّ التجربة المعروضة للشخصية هي سلوكها، وأنّ شخصيات المقتل إذا ما درست حديثاً فإنّها تتناسب وتيار الوعي في الرواية الحديثة الذي ابتدعه وليم جيمس، وكان رائده الناقد والروائي هنري جيمس، الذي عرّف هذا التيار: بأنّه نوع من القصص يركز على ارتياد مستويات ما قبل الكلام من الوعي بهدف الكشف عن الكيان النفسي للشخصيات»[157]، وبالإمكان الكشف عن الشخصيّات النسوية في رواية المقتل، فقد ﻗﺎﻝ ﺃﺑﻮ ﻣﺨﻨﻒ: «ﻓﺤﺪّﺛﻨﻲ ﺃﺑﻮ ﺯﻫﻴﺮ ﺍﻟﻌﺒﺴﻲ ﻋﻦ ﻗﺮّﺓ ﺑﻦ ﻗﻴﺲ ﺍﻟﺘﻤﻴﻤﻲ، ﻗﺎﻝ: ﻧﻈﺮﺕ ﺇﻟﻰ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻨﺴﻮﺓ ﻟﻤﺎ ﻣﺮﺭﺕ ﺑﺤﺴﻴﻦ ﻭﺃﻫﻠﻪ ﻭﻭﻟﺪﻩ ﺻﺤﻦ ﻭﻟﻄﻤﻦ ﻭﺟﻮﻫﻬﻦ، ﻗﺎﻝ: ﻓﺎﻋﺘﺮﺿﺘﻬﻦ ﻋﻠﻰ ﻓﺮﺱ ﻓﻤﺎ ﺭﺃﻳﺖ ﻣﻨﻈﺮﺍً ﻣﻦ ﻧﺴﻮﺓ ﻗﻂّ ﻛﺎﻥ ﺃﺣﺴﻦ ﻣﻦ ﻣﻨﻈﺮ ﺭﺃﻳﺘﻪ ﻣﻨﻬﻦ ﺫﻟﻚ، ﻭﺍﻟﻠﻪ ﻟﻬﻦ ﺃﺣﺴﻦ ﻣﻦ ﻣﻬﻰ ﻳﺒﺮﻳﻦأي: غزلان يمشين ﻗﺎﻝ: ﻓﻤﺎ ﻧﺴﻴﺖ ﻣﻦ ﺍﻷﺷﻴﺎء ﻻ ﺃﻧﺴﻰ ﻗﻮﻝ ﺯﻳﻨﺐ ﺍﺑﻨﺔ ﻓﺎﻃﻤﺔ ﺣﻴﻦ ﻣﺮّﺕ ﺑﺄﺧﻴﻬﺎ ﺍﻟﺤﺴﻴﻦ ﺻﺮﻳﻌﺎً ﻭﻫﻲ ﺗﻘﻮﻝ: ﻳﺎ ﻣﺤﻤﺪﺍﻩ، ﻳﺎ ﻣﺤﻤﺪﺍﻩ، ﺻﻠّﻰ ﻋﻠﻴﻚ ﻣﻼﺋﻜﺔ ﺍﻟﺴﻤﺎء، ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺤﺴﻴﻦ ﺑﺎﻟﻌﺮﺍ، ﻣﺮﻣّﻞ ﺑﺎﻟﺪﻣﺎء، ﻣﻘﻄﻊ ﺍﻷﻋﻀﺎء، ﻳﺎ ﻣﺤﻤﺪﺍﻩ، ﻭﺑﻨﺎﺗﻚ ﺳﺒﺎﻳﺎ، ﻭﺫﺭﻳﺘﻚ ﻣﻘﺘّﻠﺔ ﺗﺴﻔﻰ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﺍﻟﺼﺒﺎ. ﻗﺎﻝ: ﻓﺄﺑﻜﺖ ﻭﺍﻟﻠﻪ ﻛﻞّ ﻋﺪﻭ ﻭﺻﺪﻳﻖ»[158]، ويرسم سارد المقتل شخصيّاته بشكل يُثير الشعور إزاءها، وهي مألوفة بطوابعها العامة التي تخلق الأثر الذي تدعوه وقد تنطوي على مفارقات تستخرج معنى سلوكها، وبخاصة المرأة وإحساس الأُمّ والأخت والزوجة وشعورهن حين هجوم جيش يزيد على مخيم الحسين وقتل الرجال والصغار والنساء وحرق خيامهم.

 وفي ذلك يقول الراوي: إنّ الإمام السجاد كان يتألم من سبي النساء والاعتداء عليهن أكثر من سائر الجرائم التي اُرتكبت بحقّهم، خصوصاً وأنّ العرب يستنكرون ضرب المرأة والإعتداء عليها، بل ويعتبرونه عاراً يُعيّر به الرجل وأبناؤه لذا قيل: إنّ عمرو بن حريث ما قام في وجه ابن زياد في الكوفة حبّاً بأهل البيت، لمّا قام ابن زياد ليضرب زينب‘ في مجلسه، وإنّما أحسّ بن حريث باضطراب في المجلس؛ لأنّ أهل المجلس لم يتحمّلوا هذا المنظر، فخاف على بن زياد وألفت نظره إلى وضع أهل المجلس، فلمّا أحسّ بن زياد بذلك تراجع فوراً، وقال لإبن حريث: أَما رأيت كيف تجرأت عليّ؟ فقال ابن حريث: يا أمير لا تلمها فقدتْ أعزّتها وجلَّ سراتها وملاذ هيبتها، فأراد ابن زياد أن يحرق قلب زينب‘،فتناول قضيباً وجعل يقلّب شفتي الحسين×، وهو يقول: رحمك الله يا حسين، فلقد كنت حسن الثّغر. فقام زيد بن أرقم، وقال: يا بن زياد، ارفع عصاك عن هاتين الشفتين، فوالله الذي لا إله إلّاهو، لطالما رأيت رسول الله يقبّلهما، فلمّا نظرت زينب‘إلى رأس أخيها الحسين× وابن زياد بيده القضيب يقلّب شفتي الحسين×، صاحت وآخاه واحسيناه...[159].

المبحث الثالث

أشكال السرد وملحمة كربلاء الخالدة

أولاً: أشكال السرد وتطبيقاتها

يتوقف تحديد نمط السرد على الوضع الزمني للسرد في حدّ ذاته سواء أكان ماضياً أم حاضراً أم مستقبلاً، ويمكننا في هذا المضمار تصنيف السرد ـ بلحاظ الزمن ـ إلى أربعة أشكال[160]:

1ـ السرد التابع: في هذا النمط يقوم السارد بذكر وقائع حدثت قبل زمن السرد، ويطلق (جيرار جينيت) على السرد التابع مصطلح (السرد اللاحق)ويعرّفه بقوله: «هو ذلك النمط الذي ينظم الغالبية العظمى من الحكايات التي أنتجت حتّى اليوم، ويكفي استعمال زمن الماضي لجعل سرد ما لاحقاً، ولو لم يشر إلى المسافة الزمنية التي تفصل لحظة السرد عن لحظة القصة»[161]كما في إخبار النبي’بمقتل الحسين×يوم عاشوراء، فعن رسول الله’ عن جبرئيل قال: «وإنّ سبطك هذا، وأومأ بيده إلى الحسين× مقتول في عصابة من ذرّيتك وأهل بيتك وأخيار من أُمّتك بضفة الفرات، بأرض يقال لها: كربلاء، من أجلها يكثر الكرب والبلاء على أعدائك وأعداء ذرّيتك في اليوم الّذي لا ينقضي كربه ولاتفنى حسرته، وهي أطيب بِقاع الأرض وأعظمها حرمة، يُقتل فيها سبطك وأهله وأنّها من بطحاء الجنّة، إلى أن قال: فإذا برزت تلك العصابة إلى مضاجعها، تولّى الله} قبض أرواحها بيده، وهبط إلى الأرض ملائكة من السماء السابعة معهم آنية من الياقوت والزمرّد مملوّة من ماء الحياة، وحُلل من حُلل الجنّة، وطيب من طيب الجنّة، فغسّلوا جثثهم بذلك الماء وألبسوها الحُلل وحنّطوها بذلك الطيب، وصلّت الملائكة صفّاً صفّاً عليهم»[162].

ويلخّص الدكتور صلاح فضل السرد التابع بقوله: «هو الوضع الشائع في القص الكلاسيكي الذي يحكي أحداثاً ماضية»[163]، وهذا النوع هو «الشائع في أساليب السرد التقليدية التي حافظت عليه السرديات في كتابة القصة في جميع الأماكن التي أنتجت هذا السرد الذي يزوّدنا بالبعد الحكائي؛ لأنّ الأشكال الأخرى تكاد تنحو بهذا البعد إلى أشكال تعبيرية قد تقصي القصة عن مسارها أحياناً»[164].

«ولعلّ هذا النمط من السرد يتجلّى بوضوح ويستعمل بكثرة في قصص الأطفال والناشئة، فعلى سبيل المثال يبدأ السارد القصة بقوله: في قديم الزمان وغابر العصر والأوان، حدث ما لم يتصوره الحسبان، أحداث غريبة عجيبة في ذاكرة الجزائر الشعبية ذاك الزمن الذي كانت فيه القصص فاكهة السهرات الممتعة»[165]، فتوظيف الفعل (كان) في النصوص السرديّة يحيل القارئ مباشرة إلى زمن الماضي.

2ـ السرد المتقدّم: وهو «سرد يسبق المواقف والأحداث المروية ويعدّ السرد المتقدّم أحد خصائص السرد التنبؤي»[166]، وهذا النوع هو أكثر أشكال السرد ندرةً في تاريخ الأدب، كأن يقول السارد: سأقابل المسؤول غداً وسأعرّفه بقدراتي الخاصة، ولكن يلزم الاحتراس من أنّه ليس كلّ ما يروى هو صالح للتمثيل على هذا النوع من السرد، فقد يسرد السارد أحداثاً وقعت في القرن الرابع والعشرين، وهو زمن استباقي من حيث الكينونة الزمنية وأحداثه لم تقع بعد، ولكن نوع السرد فيه غالباً ما يكون من نوع السرد التابع؛ لأنّه يروى كما لو كانت الأحداث قد وقعت بالفعل أو أنّها تقع في زمن السرد نفسه[167].

وقد أطلق (جيرار جينيت) على هذا النوع من السرد مصطلح (السرد السابق) وقد عرّفه بقوله «هو الحكاية التكهنية بصيغة المستقبل عموماً، ولكن لا شيء يمنع من إنجازها بصيغة الحاضر»[168]. ويقول عنه أنّه تمتع حتّى الآن باستثمار أدبي أقل من الأنماط الأخرى، ويرجع سبب ذلك إلى طبيعة التنبؤية[169].

3ـ  السرد الآني: وهو أحد أنواع السرد الذي يُصاغ بصيغة معاصرة لزمن الحكاية المسرودة، كأن يصف السارد حدثاً يدور في تلك اللحظة، ثمّ يقطع حديثه ليتحدّث بأسلوب السرد التابع من حدث متعلّق بإحدى الشخصيّات، كما لو كان يتحدّث عن شخص له سمعته في أعمال اللصوصية، ثمّ يقطع السرد الرئيس ليقول إنّ هذا الشخص حالياً هو من كبار المحسنين الداعمين لجمعية رعاية الأيتام مثلاً[170].

وفي هذا النمط نلاحظ أنّ أحداث الحكاية وعملية السرد يسيران جنباً إلى جنب، ذلك ما سمّاه جيرار جينيت (السرد المتواقت) وعرّفه «أنّه الأكثر بساطة ما دام التزامن الدقيق بين القصة والسرد يقصي كلّ نوع من التداخل واللعب الزمني»[171].

وهكذا يسرد أبو مخنف عن شخصية العباس ودوره وبطولته في الواقعة، وفداء نفسه إلى أخيه الحسين×، ثمّ قطع الحديث عنه وأسرد عن حدث متعلّق به: «ﻭﻛﺎﻥ ﺍﻟﻌﺒﺎﺱ ﺁﺧﺮ ﻣَﻦ ﻗُﺘﻞ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺤﺎﺭﺑﻴﻦ ﻷﻋﺪﺍﺀ ﺍﻟﺤﺴﻴﻦ×، ﻭﻟﻢ ﻳُﻘﺘﻞ ﺑﻌﺪﻩ إلّا ﺍﻟﻐﻠﻤﺎﻥ ﺍﻟﺼﻐﺎﺭ ﻣﻦ ﺁﻝ ﺃﺑﻲ ﻃﺎﻟﺐ، ﺍﻟﺬﻳﻦ ﻟﻢ ﻳﺤﻤﻠﻮﺍ ﺍﻟﺴﻼﺡ... ﺭﺃﻳﺖ ﺭﺟﻼً ﻣﻦ ﺑﻨﻲ ﺃﺑﺎﻥ ﺑﻦ ﺩﺍﺭﻡ ﺃﺳﻮﺩ ﺍﻟﻮﺟﻪ، ﻭﻗﺪ ﻛﻨﺖ ﺃﻋﺮﻓﻪ ﺷﺪﻳﺪ ﺍﻟﺒﻴﺎﺽ ﺟﻤﻴﻼً، ﻓﺴﺌﻠﺘﻪ[172] ﻋﻦ ﺳﺒﺐ ﺗﻐﻴّﺮﻩ، ﻭﻗﻠﺖ ﻟﻪ: ﻣﺎ ﻛﺪﺕ ﺃﻋﺮﻓﻚ. ﻓﻘﺎﻝ: إﻧّﻲ ﻗﺘﻠﺖ ﺭﺟﻼً ﺑﻜﺮﺑﻼ ﻭﺳﻴﻤﺎً ﺟﺴﻴﻤﺎً، ﺑﻴﻦ ﻋﻴﻨﻴﻪ ﺃﺛﺮ ﺍﻟﺴﺠﻮﺩ، ﻓﻤﺎ ﺑﺖ ﻟﻴﻠﺔ ﻣﻨﺬ ﻗﺘﻠﺘﻪ ﺇﻟﻰ ﺍلآﻥ إلّا ﻭﻗﺪ ﺟﺎﺋﻨﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﻨﻮﻡ ﻭﺃﺧﺬ ﺑﺘﻼﺑﻴﺒﻲ ﻭﻗﺎﺩﻧﻲ ﺇﻟﻰ ﺟﻬﻨّﻢ، فيدفعني ﻓﻴﻬﺎ ﻓﺄﻇﻞ ﺃﺻﻴﺢ، ﻓﻼ ﻳﺒﻘﻰ ﺃﺣﺪ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﻲ إلّا ﻭﻳﺴﻤﻊ ﺻﻴﺎﺣﻲ»[173]، فالسارد طابق بين السرد والحكاية، فقد روى قصة الرجل قاتل العباس بعد ما كان يسرد موقفه من أخيه وقتال القوم دون الحسين×؛ إذ يعدّ السرد الآني النوع الأكثر بساطة مقارنة بالأنواع الأخرى؛ وذلك لتوافر التطابق التام بين القصة والسرد[174]، ويرد هذا التطابق التام في اتجاهين متباينين وهما[175]:

أـ سرد الحوادث لا غير، يمحو كلّ أثر للَّفظ ويُغلّب كفّة الحكاية على كفّة السرد.

ب ـ السرد المتمثّل في مخاطبة الشخصيّة لنفسها، ويقع تسليط الضوء هنا على السرد نفسه بينما يأخذ الحدث في الزوال حتّى يتلاشى ولا يبقى إلّا النزر القليل من الحكاية[176].

4- السرد المدرج: وهو أكثر أنواع السرد تعقيداً؛ لأنّه ينبثق من أطراف عديدة، وأكثر ما يظهر في الروايات القائمة على تبادل الرسائل بين شخوص العمل السردي؛ إذ تكون الرسالة في الوقت نفسه وسيطاً للسرد وعنصراً في العقدة، بمعنى أنّ الرسالة تكون ذات قيمة إنجازية كوسيلة من وسائل التأثير في المرسل إليه[177]، ويسمّيه (جيرار جينيت) بـ(السرد المفحم)، وعرّفه الدكتور (صلاح فضل) بقوله: «هو الذي يقص الأحداث المتأرجحة بين لحظات العمل»[178]، وأطلق على هذا النوع السردي العديد من المصطلحات منها: المتداخل، المدسوس، والمعترض[179]، والسرد المدرج أو المفحم قليل التواجد مقارنة بالسرد التابع (اللاحق) والسرد الآني (المتواقت)[180]، فقد قال: «ﻗﺎﻝ: ﺍﺟﺘﻤﻌﺖ ﺍﻟﺸﻴﻌﺔ ﻓﻲ ﻣﻨﺰﻝ ﺳﻠﻴﻤﺎﻥ ﺑﻦ ﺻُﺮﺩ، ﻓﺬﻛﺮﻧﺎ ﻫﻼﻙ ﻣﻌﺎﻭﻳﺔ، ﻓﺤﻤﺪﻧﺎ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ، ﻓﻘﺎﻝ ﻟﻨﺎ ﺳﻠﻴﻤﺎﻥ ﺑﻦ ﺻُﺮﺩ: إﻥّ ﻣﻌﺎﻭﻳﺔ ﻗﺪ ﻫﻠﻚ ﻭإﻥّ ﺣﺴﻴﻨﺎً ﻗﺪ ﺗﻘﺒّﺾ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻘﻮﻡ ﺑﺒﻴﻌﺘﻪ، ﻭﻗﺪ ﺧﺮﺝ ﺇﻟﻰ ﻣﻜﺔ، ﻭﺃﻧﺘﻢ ﺷﻴﻌﺘﻪ ﻭﺷﻴﻌﺔ ﺃﺑﻴﻪ، فإن ﻛﻨﺘﻢ ﺗﻌﻠﻤﻮﻥ أﻧّﻜﻢ ﻧﺎﺻﺮﻭﻩ ﻭﻣﺠﺎﻫﺪﻭ ﻋﺪﻭﻩ ﻓﺎﻛﺘﺒﻮﺍ ﺇﻟﻴﻪ، ﻭإﻥ ﺧﻔﺘﻢ ﺍﻟﻮﻫﻞ ﻭﺍﻟﻔﺸﻞ، ﻓﻼ ﺗﻐﺮّﻭﺍ ﺍﻟﺮﺟﻞ ﻣﻦ ﻧﻔﺴﻪ. ﻗﺎﻟﻮﺍ: ﻻ، ﺑﻞ ﻧﻘﺎﺗﻞ ﻋﺪﻭﻩ ﻭﻧﻘﺘﻞ ﺃﻧﻔﺴﻨﺎ ﺩﻭﻧﻪ. ﻗﺎﻝ: ﻓﺎﻛﺘﺒﻮﺍ ﺇﻟﻴﻪ، ﻓﻜﺘﺒﻮﺍ ﺇﻟﻴﻪ ـ بسم ﺍﻟﻠﻪ ﺍﻟﺮﺣﻤﻦ ﺍﻟﺮﺣﻴﻢ ـ ﻟﺤﺴﻴﻦ ﺑﻦ ﻋﻠﻲ ﻣﻦ ﺳﻠﻴﻤﺎﻥ ﺑﻦ ﺻُﺮﺩ ﻭﺍﻟﻤﺴﻴﺐ ﺑﻦ ﻧﺠﻤﺔ[181]، ﻭﺭﻓﺎﻋﺔ ﺑﻦ ﺷﺪّﺍﺩ، ﻭﺣﺒﻴﺐ ﺑﻦ ﻣﻈﺎﻫﺮ، ﻭﺷﻴﻌﺘﻪ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺆﻣﻨﻴﻦ ﻭﺍﻟﻤﺴﻠﻤﻴﻦ ﻣﻦ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﻜﻮﻓﺔ ﺳﻼﻡ ﻋﻠﻴﻚ، فإﻧّﺎ ﻧﺤﻤﺪ ﺇﻟﻴﻚ ﺍﻟﻠﻪ ﺍﻟﺬﻱ ﻻ ﺇﻟﻪ ﺇلّا ﻫﻮ. أﻣّﺎ ﺑﻌﺪُ، ﻓﺎﻟﺤﻤﺪ ﻟﻠﻪ ﺍﻟﺬﻱ ﻗﺼﻢ ﻋﺪﻭﻙ ﺍﻟﺠﺒﺎﺭ ﺍﻟﻌﻨﻴﺪ، ﺍﻟﺬﻱ ﺍﻧﺘزى ﻋﻠﻰ ﻫﺬﻩ ﺍﻷُﻣّﺔ، ﻓﺎﺑﺘﺰﻫﺎ ﺃﻣﺮﻫﺎ ﻭﻏﺼﺒﻬﺎ ﻓﻴﺌﻬﺎ، ﻭﺗﺄﻣﺮ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﺑﻐﻴﺮ ﺭﺿﻰ ﻣﻨﻬﺎ، ﺛﻢّ ﻗﺘﻞ ﺧﻴﺎﺭﻫﺎ ﻭﺍﺳﺘﺒﻘﻰ ﺷﺮﺍﺭﻫﺎ، ﻭﺟﻌﻞ ﻣﺎﻝ ﺍﻟﻠﻪ ﺩﻭﻟﺔ ﺑﻴﻦ ﺟﺒﺎﺑﺮﺗﻬﺎ»[182].

 فعند هلاك معاوية أوصى بابنه يزيد، فأرسل أهلُ العراق كتبهم ورسائلهم إلى الحسين× ليبايعوه، وليخلّصهم من الظلم والجور، وإرجاع حقوق الأُمّة بعد غصبها من قِبل معاوية وزبانيته، فهنا يسرد أبو مخنف تبادل الرسائل بين أهل الكوفة والإمام الحسين×، فكانت الرسائل هي الوسيط للسرد، وعنصر العقدة والحبكة لرواية المقتل الحسيني، وكانت مؤثرة وحجة على المرسل إليه.

ثانياً: الأدب العربي وفن الملحمة

من المؤكد أنّ الأدب العربي لا يخلو من فن الملحمة، بعد أن مضت الدراسات التي تناولت تاريخ هذا الفن الأدبي على تأكيد عدم وجوده في أدبنا، ووجوده في الأدب الغربي في مراحله التاريخية القديمة. وأشهر نماذجه ملحمتا هوميروس (الألياذة)[183] و(الأوديسة)[184] لدى اليونانيين، ثمّ تطوّر هذا الفن تاريخياً لدى أُمم أخرى حتّى ضعف في مراحل تالية وانتهى في العصر الحديث.

ومن المعروف أنّ الأدب العربي اقتصر قديماً على الشعر وغلب عليه الشعر الغنائي، فلم يعرف قديماً الفنون الأدبية التي عرفها الأدب العالمي. وفي العصر الحديث وجد في الأدب العربي الفنون الأدبية التي لم يعرفها في عهوده القديمة، وذلك باتصاله بالأدب العالمي في العصر الحديث، إلّا أنّ الملحمة لم تكن من هذه الفنون التي وجدت فيه حديثاً؛ لأنّ العصر الحديث ليس مناسباً لولادتها، فقد اختفت بتأثير الحداثة حتّى في الأدب الغربي، وقد حاول الدارسون أن يبرهنوا على وجود ملامح من فنون أدبية كالقصة والمسرحية والملحمة وغيرها في الشعر العربي في عصوره المختلفة.

وحاولت بعض الدراسات أن تعود إلى أدبنا القديم لتفتش في ثناياه عن وجود لهذه الفنون. وبالنسبة إلى فن الملحمة ذهبت إلى أنّ أدبنا عرف ما سمته بالملاحم الشعبية التي تحدّثت عن سير بعض الأبطال كما تصوّرتهم ذهنية الشعوب، وعرف بعض القصائد التي عبّرت عن معاني ومفردات البطولة والشجاعة الفائقة والحماسة والفخر بالأمجاد، لكن ليس لها البناء الفنّي الذي عُرفت به الملاحم المعروفة، فإنّ أدبنا العربي عرّف فن الملحمة متمثّلة بملحمة كربلاء، إلّا أنّها ملحمة واقعية، مع أنّ الواقع التحم فيها بما وراء الواقع، وارتقت فيها الأحداث وأبطالها إلى مستوى الأسطورة، وقد تختلف ملحمة كربلاء مع الملاحم العالمية القديمة في بعض العناصر، ولكنّها تشترك معها في الكثير من هذه العناصر مما لم تستطع هذه الأعمال أن تحققه.

فالملحمة لغةً هي: «الوقعة العظيمة القتل، وقيل موضع القتال، وألحمت القوم إذا قتلتهم حتّى صاروا لحماً، وألحم الرجل إلحاماً، واستلحم استلحاماً إذا نشب في الحرب فلم يجد مخلصاً، والجمع الملاحم، مأخوذ من اشتباك الناس واختلاطهم فيها كاشتباك لحمة الثوب بالسدى، وقيل هو من اللحم لكثرة لحوم القتلى فيها... والملحمة الحرب ذات القتل الشديد... والوقعة العظيمة في الفتنة»[185].

أمّا مصطلح الملحمة بما يعنيه من فن أدبي له أوصافه المحدّدة، هو: «نوع خاص من الشعر القصصي البطولي الذي لم تعرف العربية شبيهاً له من حيث البناء القصصي المكتمل، ومن حيث الحجم العددي للأبيات الشعرية التي تبلغ الآلاف، ومن حيث الشخصيّات التي تسمو فوق المستوى العادي للناس الأسوياء، وتتصف بما هو من سمات الأبطال الأسطوريين، ومن سمات الآلهة أو أنصاف الآلهة في المعتقدات الوثنية البدائية، ومن حيث الأحداث والوقائع الخارقة التي تتخللها، ومن حيث الوقائع الحربية التي يخوض الأبطال الملحميون غمارها، والمآثر الخارقة التي يحققونها والتي تدخل في صميم الصراع الوطني والقومي دفاعاً عن حق مغتصب، وفي سبيل أن تحيا الأُمّة التي يمثّلونها بحرية وكرامة وهناء»[186].

ولقد تميّزت الملحمة بوصفها جنساً أدبياً بسمات فنّية وموضوعية، التقت عليها أو اختلفت فيها كثير من الدراسات، وأقدم هذه الدراسات دراسة أرسطو في كتابه في الشعر، وهو الكتاب الذي لايمثّل قيمة تاريخية فقط وإنّما قيمة فكرية، فما زالت الموضوعات التي تناولها والمسائل والأفكار التي أثارها موضع جدل وتمحيص وتفكير لدى الدارسين، ونظرية الملحمة تطوّرت في الفكر النقدي العالمي وأصبح مصطلح ملحمة وملحمي يطلق ـ مثلاً ـ على الرواية الحديثة والمسرح الحديث؛ لأنّ فيهما من سمات الملاحم، كما عرفت قديماً[187].

ثالثاً: سمات الملحمة وخصائصها

من أهمّ سمات الملحمة التي هي رواية شعرية لأحداث بطولية قومية، أنّها تروي وتصوّر تصويراً ملحمياً، ذلك العالم الذي اختفى وزال بأبطاله ومغامراتهم وأفعالهم الباهرة، وحملاتهم البرية والبحرية، ومعاركهم المكللة بالظفر ومصيرهم، كما تحكي مآثر الآلهة وميلادها وغروب شمسها، فتربط بين مصائر البشر ومصائر الآلهة، وتربط مغامرات الأشخاص بوقائع عظمى تاريخية وأسطورية، فهي عرض لكبريات الأحداث التي تخصّ أُمّة من الأُمم، فما يميّز الملحمة تمثيلها للتاريخ القومي، وللروح القومية، وحفاظها على المضمون القومي الجوهري، وعلى نغمة قومية ترددها من أولها إلى آخرها، فمثلاً ما هو قومي صرف وخاص يجب أن يظهر بجلاء كاف، ويجب أن يؤلف الجانب القومي النواة الصلبة لمضمون الشعر الملحمي؛ لأنّ الملحمة تمثّل كلّ ماهية الأُمّة وكلّ ماتفعله.

 ولهذا فقد الشعر الملحمي طابعه عندما تخلّى عن الأحداث القومية الكبرى ولاذ بدائرة أضيق وأكثر محدودية، هي دائرة الحياة البيتية والحياة الخاصة، فليست هذه هي موضوع العمل الملحمي، بل الأحداث الكبرى في تظاهراتها التي لا تفنى ولا تبيد، وفي دوائرها التي لا تتحول ولا تتبدل، والتي فيها يغرق العالم الحي للنشاطات الإنسانية، بحيث تتلاشى جميع اهتمامات البشر وغاياتهم الخاصة أمام عظمة الأهداف النهائية والغايات الكبرى التي تسعى إليها الأُمم، وهي ترتبط فيما بعد بالغايات المطلقة النهائية للأشياء، إنّها تعانق كلية الحياة الموضوعية الدائمة التي لا تبيد، ولقد قيل: إنّ الأدب العربي يخلو من فن الملحمة إلّا ما عُرف من الملاحم الشعبية التي لا ترقى إلى المكانة الأدبية لهذا الفن مثل أبي زيد الهلالي، وسيف ابن ذي يزن، والزير سالم، ومن بعض القصائد التي تضمّنت معاني بطولية، ولكن ليس لها البناء الفنّي المكتمل الذي للملاحم العالمية المعروفة. ومن هذه القصائد معلّقة عمرو بن كلثوم، ومعلّقة الحارث بن حلزة، ومعلّقة عنترة، ومن الأعمال التي نظمت في العصر الحديث، والتي فيها هذا النفس الملحمي الذي عرفته القصائد القديمة المذكورة: الإلياذة الإسلامية لأحمد محرم، وهي عن سيرة الرسول الأكرم’ وجهاده مع صحابته الأخيار، والقصيدة العلوية المباركة لعبد المسيح الأنطاكي التي يبلغ عدد أبياتها (5595) بيتاً، وملحمة الشاعر الشيخ كاظم الأزري المعروفة بالأزرية، وهي كذلك في مدح الرسول’، وذكر مفاخره وأمجاده، وكذلك في مدح وذكر الإمام علي×، وتبلغ ألف بيت من الشعر، و(ملحمة أهل البيت^) للشيخ الفرطوسي، وقصيدة الشاعر الكبير محمّد مهدي الجواهري (تنويمة الجياع)، وهناك أعمال أخرى.

وهذا يعني أنّ الأدب العربي لم يعرف الملحمة بمواصفاتها الفنّية الكاملة أو القريبة من الكمال لا في الماضي ولا في الحاضر، وقد ذهبت الدراسات في تعليل افتقار أدبنا إلى فن الملحمة مذاهب شتى، وحاولت أن تلتمس أسباباً لذلك منها[188]:

1 ـ إنّ العرب نظموا قديماً في هذا النوع الأدبي، إلّا أنّ ما بقيَ منه إلى عهد التدوين والرواية مما تذكر فيه أخبار الحروب قليل جداً.

2 ـ إنّ الأوزان الشعرية العربية أكثر تقييداً وأكثر انضباطاً من أوزان الشعر لدى الأُمم الأخرى.

3 ـ إنّ ميل العرب إلى الإيجاز حال دون سعيهم إلى الإطالة الشديدة التي يقتضيها الفن الملحمي، وإنّ خيال الجاهليين لم يتسع للملاحم والقصص الطويلة؛ لأنّه انحصر في بادية متشابهة الصور محدودة المناظر.

4 ـ فرديتهم وضعف الروح القومية الاجتماعية فيهم، ولماديتهم وكثافة روحانيتهم وقلّة خطر الدين في قلوبهم، وقصر نظرهم عما وراء الطبيعة، فلم يلتفتوا إلى أبعد من ذاتهم، ولا إلى عالم غير العالم المنظور، ولم تتولد عندهم الأساطير الخصيبة، ولم يكن لأصنامهم من الفن والجمال ما يبعث الوحي في النفوس شأن أصنام اليونان والرومان، فقلّ مَن ذكر منهم أوثانه واستوحاها في شعره.

5 ـ لم يساعدهم مجتمعهم على التأمل الطويل وربط الأفكار وفسح آفاق الخيال؛ لاضطراب حياتهم برحيل مستمر، فجاء نفسهم قصيراً كإقامتهم وخيالهم متقطعاً كحياتهم، صافياً واضحاً كسمائهم، داني التصوّر محدود الألوان كطبيعتهم.

6 ـ كانت ثقافتهم الأدبية فطرية خالصة يأخذ بعضهم من بعض ولا يقبلون لقاح الآداب الأجنبية الراقية لجهالتهم وانعزال باديتهم وتمرّدها.

7 ـ كانت علومهم محدودة لا تفتح النور للنظر في النفس وما وراء عالم النفس وعدم ميل العرب إلى النظم في هذا اللون الأدبي، وأنّ الوثنية العربية في الجاهلية لم تكن تلك الوثنية المكتملة المعقدة والمركبة، بل كانت وثنية في أبسط أشكالها وكانت تتعايش مع مذاهب توحيدية كاليهودية والنصرانية[189].

فالملاحم ترتبط بأحداث تاريخية كبرى كحرب طراودة في الإلياذة والأوديسية، وهكذا ملحمة كربلاء، فقد نهضت ملحمة كربلاء على حدث كبير ومهم في التاريخ لا يرتبط فقط بالزمن الآني الذي حدثت فيه الملحمة، إنّما يمتد ليشمل ممهدات هذا الحدث التاريخية، التي أدت إليه والتي تمتد إلى عهد الصراع بين الإمام علي بن أبي طالب× ومعاوية بن أبي سفيان، والذي تمتد جذوره إلى ما بعد وفاة الرسول’ وما جرى من خلاف حول تولي الخلافة، ثمّ انحراف حال الخلافة عن جوهر الحكم الإسلامي خاصة في عهد معاوية وابنه يزيد.

ولم تقف الدراسات عند ما قيل في ملحمة كربلاء من الشعر الذي يرقى إلى مستوى الملحمة الشعرية، بما تضمنت من مقوّمات تلتقي مع مقوّمات الملحمة كما عرفها تاريخ الأدب العالمي، فما قيل هو ملحمة في الشعر عبرت عن ملحمة في الواقع التاريخي.

وإذا كان العهد الذي كتب بين الإمام الحسن× ومعاوية قد ألزم الإمام الحسين× بعدم الخروج على ذلك العهد بعد استشهاد الإمام الحسن×؛ لأنّ الطرف الآخر من المتعاهدين (معاوية) ما زال على قيد الحياة، فإنّ وفاة معاوية وعدم احترامه لبنود العهد أعطى الإمام الحسين× المبرر للتحرّر من هذا العهد، وهذا ما كان يخشاه معاوية؛ لذا حذّر ابنه يزيد قبل أن يموت من خروج الإمام الحسين×، وقد آلى عليه أن يلزم الحسين× بالبيعة له أو قتله إن أبى، ولقد كان جواب الإمام على طلب المبايعة كلمته الخالدة: «إنّ مثلي لا يبايع مثله»، ولم يبقَ أمام الإمام إلّا المواجهة، كما لم يبقَ أمام يزيد إلّا السعي لقتل الإمام تنفيذاً لوصية معاوية.

وكان لا بدّ للإمام الحسين× أن يؤمِّن للمواجهة وسائلها وإمكاناتها، وكان على اتّصال بأنصاره وشيعة والده في البلدان الأخرى، لا سيّما العراق الذي كان يوماً ما يضمّ عاصمة الخلافة في عهد والده، ولقد كان الإمام يفضّل الخروج إلى العراق على الرغم من نصائح المقرّبين منه، كما كان الإمام علي× يفضّل أهل العراق على الرغم من عدم سهولة انقيادهم إليه؛ لأنّهم أُمّة تمتاز برقيها العقلي، والإمام يبحث عن أُمّة بمستواه، وعن متلقِ بمستوى ما يحمل من علم ومعرفة، ومن بطولة وثبات على الحق وكلّ القيم التي كان مجبولاً عليها، والتي وجد أهل العراق أقربهم منها؛ لذلك كلّه كان يفضّلهم ولقد اختارهم على أهل الشام، ونستطيع أن نعرف من كلامه في (نهج البلاغة) أنّه لا يفضّل أيّ أقوام أُخرى عليهم على الرغم من أنّ منهم مَن لم يسلسوا له القياد وعصوه وأفسدوا عليه رأيه بالخذلان.

ويرى بعضُ الباحثين أنّ ما بدر من أهل العراق إنّما هو أمر طبيعي، فإذا ارتقى فكر أُمّة صعب انقيادها، فلقد كان العراقيون أهل جدل وهو من طبيعة العقل الذي يمتلكون، كما كان غيرهم أهل انقياد يسيرهم الحكام أنّى شاؤوا.

إذاً، لقد اختار الإمام الحسين× العراق كما اختاره أبوه بعد أن أرسل إليه شيعته وأنصاره بأن يقدم عليهم؛ ليكون له الحكم بالحق والعدل وليتولى إصلاح أمر الأُمّة التي شاء لها حكامها المنحرفون أن تنحرف، ولكن الأحداث تتطوّر وتتسارع، فتتقابل إرادة قوى الخير المتمثّلة بالإمام× وأنصاره، وإرادة قوى الشرّ متمثّلة بيزيد وواليه على العراق وجيشه، ولتنتهي النهاية المأساوية التي نعرفها، ولكنّها وإن انتهت هذه النهاية، فإنّها انطوت على معانٍ عظيمة من التزام الحق والخير والبطولة والصبر والتضحية، وكلّ القيم التي جسّدها أبو عبد الله والتي جعلت الحسين هو المنتصر.

وبعد هذه المقدّمة عن ملحمة كربلاء، فقد عبّرت واقعة كربلاء عن مرحلة من ماضي الأُمّة القومي، والماضي القومي هو موضوع الملحمة وإنسان الملحمة هو إنسان الماضي المطلق البطولي في عالم البدايات والقمم في التاريخ القومي للشعوب، وإذا كانت سيرة البطل في الملحمة هي الرابط الأساس لأحداثها، فإنّ سيرة الإمام الحسين× هي المحور الذي تدور حوله، وترتبط به كلّ الأحداث، وإنّ وحدة الذات ترتبط بوحدة الحدث الموضوعي، ولكنّها تطغى عليه وتسيطر عليه وتوجهه.

 فالحدث الملحمي يرتبط بفرد واحد متميّز وفاعل، والفعل يكون بمبادرة فرد واحد متميّز، هذا الفرد مؤهّل لأن يقود الأُمّة ويمثّل طموحاتها حتّى يذوب فيها وتذوب فيه، وهذا ما تجسّد بشخصية الإمام الحسين×، فكان× قائداً للأُمّة التي كانت بحاجة إلى مَن يقودها ويدافع عن مصالحها العامّة والخاصّة، ويزرع فيها القيم الأخلاقية العليا التي تُربي في الإنسان روح النضال ضدّ الشرّ وكلّ ما ينزل بالإنسان عن مستوى الإنسانية، وتدعوه إلى الاندفاع ونبذ التردد؛ لتحقيق كلّ ما هو سامِ وأصيل. لقد وجد الإمام نفسه أمام مسؤولياته التاريخية، الحكم الأموي الظالم والأُمّة المسلمة المظلومة، فكان لا بدّ من فعل بطولي ينتصر للمظلوم من الظالم.

إنّ البطولة هي إحدى المقوّمات المهمّة التي تقوم عليها الملحمة، وينطلق مفهوم البطولة في الملاحم من رؤية للحياة مفادها أنّ الخلود إنّما يكمن بالعمل الشجاع الصالح والتضحية من أجل الآخرين، كما ينطلق من مبدأ تحدّي الصعاب والتوق إلى الحرية، وعدم التخاذل، والتضحية بالنفس في سبيل المجموع.

أمّا فعل البطولة فيكون إمّا فعلاً جماعياً، أو فردياً، يعبّر عن روح الجماعة وإرادتها، وكان فعل البطولة في كربلاء فعلاً فردياً خذلت فيه الجماعة، ولكنّه فعل ارتقى بالجماعات والأُمم، وكان بمستوى فعل كلّ الطاقات لكلّ الجماعات والأُمم لو أرادت أن تبادر إلى فعل بطولي.

رابعاً: ملحمة كربلاء عناصرها وسرّها الجمالي

إنّ الملحمة ترتبط بالأُمم والشعوب وتعبّر عن روحها وتاريخها وتتغنى بأمجادها وتعكس تصوّراتها ودرجة وعيها، وتؤكد نظرية الملحمة وجوب أن تمثّل هذه الأُمّة بمآثرها وبطولاتها الإنسانية جمعاء، حتّى كأنّ الإنسانية تتغنى بها وبأمجادها، إنّ هذه الكلية التي تربط الملحمة بوحدة كاملة هي سرّ جمالية الملحمة كما يرى هيجل.

وإطلاق لفظ ملحمة على واقعة كربلاء وما جرى فيها من فعل بطولي ومآثر لشخصيات وأحداث عظيمة بذرتها واقعة كربلاء، كما في قول الأخطل:

حَتى يَكونَ لَهُم بَالطَفِ مَلحَمَةُ * وَبالثَوبَةِ لَمْ يَنبَض بِهَا وترُ[190]

 ومع أنّ لفظ ملحمة في اللغة يتصل بمصطلح الملحمة في النظرية الأدبية والنقدية إلّا القصد هو المصطلح الأدبي، ونريد أن ندلل على أنّ الذي قيل في الواقعة التاريخية التي حدثت في كربلاء وعُبّر عنها يرقى إلى مستوى فن الملحمة كما عُرف عبر تاريخ هذا الفن.

لقد عبّر أبطال كربلاء عن تطلعات الأُمّة وإرادتها، ولقد أثرت بنتائجها في حياة هذه الأُمّة، فلقد هزّت فاجعة كربلاء الضمير الإسلامي وانفعل بها المجتمع الإسلامي بصفة عامّة انفعالاً عميقاً، ولقد كان هذا كفيلاً بأن يلهب في النفس ما يدفعها إلى الدفاع عن كرامتها وإنسانيتها ومقدّساتها ضدّ مَن تجاوز هذه الثوابت العليا، وبهذا يمكن وصفها بأنّها صراع يُثير صراعاً، صراع بين معسكرين للحق والباطل، وبين فكرتين للخير والشرّ، وأهمّ تلك العناصر الملحمية هي:

1 ـ الصراع الملحمي

يعدّ الصراع من العناصر الملحمية المهمّة، وينطلق من المرجعية التاريخية، فهو صراع بين أُمم وشعوب، أو طوائف، أو أحزاب، تتأجج بينها عوامل الحرب والنزاع لأسباب المصلحة المادية أو لأسباب فكرية عقائدية، ولقد عبّرت ملحمة كربلاء عن دواعي الصراع هذه، فهي نزاع بين طرفين يتسلحان بفكرين مختلفين:

أ ـ فكر يعبّر عن المُثل العليا التي تجعله يعلو على الواقع ويتسامى على مصالحه.

ب ـ فكر يُؤثر الدنيا ومنافعه الخاصة، فلا يتجاوز حدوده الذاتية الضيّقة.

وقد يرافق هذا الصراع صراع داخلي قد يكون عاملاً في تطوّر مواقف أبطال الملاحم، ويذكرنا هذا الصراع بما دار في نفس الحرّ (رضوان الله تعالى عليه) من جدل داخلي بين رغبتين: رغبة في الاستمرار في الحياة حيث الظلم والذّل، ورغبة في تجاوز هذه الحياة إلى الوجود المطلق حيث العدل والعزّ الذي لا هوان بعده.

2 ـ الصراع بين القدر والآلهة

وهناك صراع آخر يتجلّى في الملاحم بصورة الصراع مع القدر والآلهة؛ إذ يسود سلطان القدر ولا يتصرّف الإنسان بحرية كاملة، والإنسان في الملاحم قد يتمرّد على الآلهة وتجبّرها محاولاً التخلّص من تحكّمها بحياته، وفي ملحمة كربلاء يسود سلطان القدر وفيها نجد في كلام أبطالها وأشعارهم هذا الإحساس بسلطان الأقدار، ولكنّه لا يقود إلى تمرّد، بل نجد إذعاناً لإرادة الأقدار التي توجهها إرادة الله سبحانه، وإظهار منتهى آيات الخضوع والتذلل لإرادتها، فالحسين× يناجي ربّه ويقول: «اللهمّ إن حبست عنّا النصر، فاجعل ذلك لما هو خير لعاقبتنا»[191]، ولا أقل منه في الموقف أخته السيّدة العظيمة زينب‘عندما تحاول رفع جسد أخيها المقطوع الرأس من الأرض، وهي تتوسل إلى ربّها بأن يتقبّل منهم هذا القربان، في الوقت الذي يتزلزل كيانها من هذا المصير، وتحسّ أنّ الوجود كلّه يكاد أن يتهاوى، وكان الإذعان لإرادة الله صفة كلّ المؤمنين الذين وقفوا في صف آل البيت الكرام في يوم عاشوراء، وكان لهؤلاء دور واضح في تأكيد فعل البطولة وفي التفاعل مع الأحداث والاستجابة الفاعلة للواجب المقدّس.

وفي الملاحم الكبرى نجد مثل هؤلاء الأفراد الفاعلين قد تمثّلت فيهم سمات (الأبطال القوميين) الذين بلغت لديهم طريقة التفكير والعمل المتميّز لصالح قومهم أعلى درجاتها.

وهناك عناصر فقدت في ملحمة كربلاء وهي:

أ ـ التفكير الأسطوري

الذي يسود الملاحم والذي ينبثق من الأساطير القديمة والإيمان بأنّ الآلهة تشارك معهم في الأفعال، فإنّ هذا التفكير لا نجده في ملحمة كربلاء؛ لأنّه نتيجة ثقافة لا تنطلق من التوحيد، إلّا أنّنا نجد من مظاهره في هذه الملحمة إضفاء الصفات الأسطورية على البشر وإن كان هؤلاء الأشخاص هم أساطير بشرية، تجسّد فيهم ما هو خيال وتحوّلت فيهم الأسطورة إلى واقع، ومن مظاهر التفكير الأسطوري الذي ترصده الدراسات في الملاحم، تفسير بعض الظواهر الطبيعية بأنّها غضب أو رضى إلهي، وفي ملحمة كربلاء تجسّد ما يُعتقد أنّه أسطورة واقعاً أكدته تجارب الذين عايشوا الحدث الكبير، فلقد ذكروا أنّ السماء أمطرت دماً، وتجاوبت معها الأرض تنوح بحيوانها ونباتها، وامتدت الاستجابة متجاوزةً عالم الظهور إلى عالم الكُمُون، فناحت الجنّ وفي كلّ مكان هتف هاتف.

ومن مظاهر التفكير الأسطوري في الملاحم استثمار بعض الأساطير القديمة لا سيّما فكرة المخلّص، أو الفادي، أو غيرها، وهذا نجده في ملحمة كربلاء اعتقاداً كان يدور حول شخصية الإمام الحسين×، الذي اتخذ لنفسه هذا الدور الكبير، دور الإنسان المخلّص الفادي الذي يريد أن ينجو بالناس من الانحدار إلى دنيا الضلالة والهوان؛ ليرفعهم إلى ماتريده لهم الرسالة وما أوصى به القرآن الكريم، ولولا تضحية الإمام× وفداؤه لما استقام دين جدّه أو عاود الاستقامة عندما ينحرف بالدين الجهل والضلال.

ب ـ غياب الوسط الروائي المتعدّد

يرى الباحث أنّ القصة الشعرية تُنقل بوساطة راوٍ يأخذ معلوماته من وسائط متعدّدة ومصادر مختلفة، وهذا ما تذكره الدراسات من ملامح الفن الملحمي الأخرى، إنّ هذه القصة الشعرية تروى بوساطة راوٍ أخذ معلوماته من مصادر أخرى، وقام بتنظيم أحداثها والمحافظة على تسلسل سيرها، ولملحمة كربلاء رواة ومنشدون، وأول راوٍ لها هو (أبو مخنف) الذي قدّم سرداً لأحداثها، ووصفاً لشخصيّاتها، وحافظ على ما أُلقي فيها من شعر، ولم ينظمها شعراً أو يربط بين الشعر الذي قيل فيها بلغة الشعر، ثمّ ظهر لملحمة كربلاء رواة أو منشدون ينشدونها في التجمعات العامّة وفي أماكن التقاء الناس، ويضفون عليها ما تستحقه من هيبة بطريقة إلقائهم المتميّزة التي يمكن وصفها بالملحمية التي تستثير الحماسة والحزن، وهكذا تحوّلت الملحمة المقدّسة إلى فن شعبي يُنشد في الأوساط الشعبية والعامّة بلغتهم ويتلونه بخيالهم، وهذا الراوي الذي نتحدّث عنه ليس من ملامح البناء الفنّي في الملحمة، فليس هو الراوي الذي تصفه نظريات السرد الحديثة بأنّه جزء من البنية الروائية التي يبتكرها الكاتب، أو هو جزء من التقنية التي يتبعها المؤلّف والتي تحدد أسلوب العمل وطريقة بنائه، والذي هو بمنزلة قناع يرتديه المؤلّف ليكون الوسيط بينه وبين القارئ[192]. الراوي الذي نتحدّث عنه في ملحمة كربلاء هو راوٍ تاريخي، وهو الكاتب الحقيقي للنص، وهو جزء من البنية الاجتماعية والتاريخية التي اقترنت بالملحمة العظيمة.

والأمر الذي تختلف به ملحمة كربلاء كذلك عن بقيّة الملاحم في الأدب العالمي، أنّ الشعر فيها ليس لمؤلّف واحد هو الراوي، ولا هو تأليف جماعي للحادثة التاريخية ـ وإن وجدنا لهذا مظهراً في الرواية الشعبية لملحمة كربلاء ـ فهذا الشعر إنمّا هو شعر قاله الأبطال وحفظه مَن روى الحادثة ووقف على كلام أبطالها، والأمر الذي تختلف به رواية ملحمة كربلاء؛ إذ إنّها تبقى ترويها الأجيال للأجيال وترويها الدهور للدهور، فتُعدّ ملحمة كربلاء ملحمةً أدبيةً، وهي أقرب إلى فن الملاحم القديمة من غيرها من الأعمال التي حازت على التسمية بالملحمة؛ لأنّ فيها ملامح أو أنفاساً ضعيفة منها، فملحمة كربلاء ملحمة الأدب العربي الإسلامي العظيمة الخالدة.

ومن المبادىء الفنّية الأخرى التي تميّز الملحمة، الحدث الذي يبنى على أسس فنّية كأن يتكون من حلقات عديدة مترابطة يوصل بعضها إلى بعض ولها بداية ونهاية، ولقد تتابعت الأحداث في كربلاء عن ممهدات تاريخية لها، الثورة ضدّ الطغاة إذ يقول الراوي: «ﺛﻢّ ﺩﻋﺎ ﻣﺴﻠﻢ ﺑﻦ ﻋﻘﻴﻞ ﻓﺴﺮّﺣﻪ ﻣﻊ ﻗﻴﺲ ﺑﻦ ﻣﺴﻬّﺮ ﺍﻟﺼﻴﺪﺍﻭﻱ ﻭﻋﻤﺎﺭﺓ ﺑﻦ ﻋﺒﻴﺪ ﺍﻟﺴﻠﻮﻟﻲ ﻭﻋﺒﺪ ﺍﻟﺮﺣﻤﺎﻥ ﺑﻦ ﻋﺒﺪ ﺍﻟﻠﻪ ﺑﻦ ﺍﻟﻜﺪﻥ ﺍﻷﺭﺣﺒﻲ، ﻓﺄﻣﺮﻩ بتقوى ﺍﻟﻠﻪ ﻭﻛﺘﻤﺎﻥ أﻣﺮﻩ ﻭﺍﻟﻠﻄﻒ، فإﻥ ﺭﺃى ﺍﻟﻨﺎﺱ ﻣﺠﺘﻤﻌﻴﻦ ﻣﺴﺘﻮﺛﻘﻴﻦ ﻋﺠّﻞ ﺇﻟﻴﻪ ﺑﺬﻟﻚ، فإﻗﺒﻞ ﻣﺴﻠﻢ ﺣﺘﻰ ﺃﺗﻰ ﺍﻟﻤﺪﻳﻨﺔ ﻓﺼﻠّﻰ ﻓﻲ ﻣﺴﺠﺪ ﺭﺳﻮﻝ ﺍﻟﻠﻪ (ﺻﻠّﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠّﻢ) ﻭﻭﺩﻉ ﻣَﻦ ﺃﺣﺐّ ﻣﻦ ﺃﻫﻠﻪ. ﺛﻢّ ﺍﺳﺘﺄﺟﺮ ﺩﻟﻴﻠﻴﻦ ﻣﻦ ﻗﻴﺲ ﻓﺄﻗﺒﻼ ﺑﻪ، فضلّا ﺍﻟﻄﺮﻳﻖ ﻭﺟﺎﺭﺍ ﻭﺃﺻﺎﺑﻬﻢ ﻋﻄﺶ ﺷﺪﻳﺪ، ﻭﻗﺎﻝ ﺍﻟﺪﻟﻴﻼﻥ: ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻄﺮﻳﻖ ﺣﺘﻰ ﻳﻨﺘﻬﻲ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻤﺎﺀ ﻭﻗﺪ ﻛﺎﺩﻭﺍ أﻥ ﻳﻤﻮﺗﻮﺍ ﻋﻄﺸﺎً، ﻓﻜﺘﺐ ﻣﺴﻠﻢ ﺑﻦ ﻋﻘﻴﻞ ﻣﻊ ﻗﻴﺲ ﺑﻦ ﻣﺴﻬّﺮ ﺍﻟﺼﻴﺪﺍﻭﻱ ﺇﻟﻰ ﺣﺴﻴﻦ ﻭﺫﻟﻚ ﺑﺎﻟﻤﻀﻴﻖ ﻣﻦ ﺑﻄﻦ ﺍﻟﺨﺒﻴﺖ»[193]، وكأنّ الراوي يسرد الأحداث متسلسلة من هلاك معاوية ونقض العهد مع الإمام الحسن× وتنصيب ابنه يزيد زوراً، وتكليف الإمام الحسين× بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيرى من الواجب قتال الطغاةوالثورة ضدّهم لإحقاق الحق، فأرسل ابن عمّه مسلم بن عقيل إلى الكوفة ممهّداً لثورته الخالدة، كون ملحمته مترابطة لها بداية ولها نهاية، وكانت لها نتائج تاريخية أيضاً؛ إذ ظلّت المحرّك للأحداث في التاريخ الإسلامي حتّى تتحقق الأهداف التي قامت من أجلها.

ومن مبادئها الأخرى للشخصية وسماتها: البطولة النادرة التي ترقى إلى مستوى الأسطورة ومجابهة المصاعب وعدم الاستسلام، والقدرة على قيادة الناس وتمثيلهم والتعبير عنهم، والتضحية بالنفس، وبكلّ ما تملك، وبالحاضر في سبيل مستقبل الآخرين، استشرافاً لغايات عليا وأملاً بتحولها إلى واقع كقوله: «أَﻻ أﻓﻌﻞ ﺫﻟﻚ؟! ﻭإﻧّﻤﺎ ﻫﻲ ﻗﺘﻠﺔ ﻭﺍﺣﺪﺓ، ﺛﻢّ ﻫﻲ ﺍﻟﻜﺮﺍﻣﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻻ ﺍﻧﻘﻀﺎﺀ ﻟﻬﺎ أﺑﺪﺍً. ﻗﺎﻝ: ﻭﻗﺎﻝ ﺯﻫﻴﺮ ﺑﻦ ﺍﻟﻘﻴﻦ: ﻭﺍﻟﻠﻪ ﻟﻮﺩﺩﺕ أﻧّﻲ ﻗُﺘﻠﺖ، ﺛﻢّ ﻧُﺸﺮﺕ، ﺛﻢّ ﻗُﺘﻠﺖ ﺣﺘﻰ أُﻗﺘﻞ ﻛﺬﺍ أﻟﻒ ﻗﺘﻠﺔ ﻭأﻥّ ﺍﻟﻠﻪ ﻳﺪﻓﻊ ﺑﺬﻟﻚ ﺍﻟﻘﺘﻞ ﻋﻦ ﻧﻔﺴﻚ ﻭﻋﻦ ﺃﻧﻔﺲ ﻫﺆﻻﺀ ﺍﻟﻔﺘﻴﺔ ﻣﻦ ﺃﻫﻞ ﺑﻴﺘﻚ. ﻗﺎﻝ: ﻭﺗﻜﻠّﻢ ﺟﻤﺎﻋﺔ ﺃﺻﺤﺎﺑﻪ ﺑﻜﻼﻡ ﻳﺸﺒﻪ ﺑﻌﻀﻪ ﺑﻌﻀﺎً ﻓﻲ ﻭﺟﻪ ﻭﺍﺣﺪ، ﻓﻘﺎﻟﻮﺍ: ﻭﺍﻟﻠﻪ ﻻ ﻧﻔﺎﺭﻗﻚ ﻭﻟﻜﻦ ﺃﻧﻔﺴﻨﺎ ﻟﻚ ﺍﻟﻔﺪﺍﺀ ﻧﻘﻴﻚ ﺑﻨﺤﻮﺭﻧﺎ ﻭﺟﺒﺎﻫﻨﺎ ﻭﺃﻳﺪﻳﻨﺎ، ﻓﺈﺫﺍ ﻧﺤﻦ ﻗُﺘﻠﻨﺎ ﻛﻨّﺎ ﻭﻓﻴﻨﺎ ﻭﻗﻀﻴﻨﺎ ﻣﺎ ﻋﻠﻴﻨﺎ»[194]، فسمات شخصية أصحاب الحسين× التي تتصف بالبطولة النادرة والتضحية بكلّ مايملك وبالنفس، والتي يقول عنها حتّى لو أُقتل ألف قتلة لن ولم أتركك يا بن بنت رسول الله’، وكثير من السمات التي تعدّ من الأسطورة والعجائب من الحكايات والقصص الغريبة، وهذه السمات كانت تميّز أبطال كربلاء وعلى رأسهم الإمام الحسين والعباس÷، وباقي رجال آل البيت الكرام، وحتى الناس الذين كانوا مغمورين لايعرفهم أحد، ارتفعوا بمستوى فعلهم البطولي وبالقيم العليا التي عبّروا عنها إلى مصاف الشخصيّات الملحمية والأسطورية.

أمّا الزمن في الملاحم، فهو زمن تاريخي يعتمد السرد التاريخي على وفق وحدات زمنية مستقلة تشكل الأحداث المهمّة في الملحمة، وسنجد عندما نقرأ في شعر ملحمة كربلاء، أنّ أحداثها شكلّت وحدات زمنية متصلة يؤدّي بعضها إلى بعض، وستبقى متصلة حتّى تتجلّى أهدافها في آخر حلقة من حلقات زمانها الملحمي، ونتيجة ذلك انتصار الدم على السيف رغم قتل الحسين× وأهل بيته وأصحابه على رمضاء كربلاء، وتحقيقاً لرؤيا الرسول’ عن ابن عباس، قال: رسول الله’ «إنّ جبريل أخبرني أنّ الله قتل بحيى بن زكريا سبعين ألفاً وهو قاتل بدمي ولدك الحسين سبعين ألفاً»[195]، ولما قال ولده علي الأكبر، فقد قال الراوي: «ﻓﺄﻗﺒﻞ ﺇﻟﻴﻪ ﺍﺑﻨﻪ ﻋﻠﻲ ﺑﻦ ﺍﻟﺤﺴﻴﻦ ﻋﻠﻰ ﻓﺮﺱ ﻟﻪ، ﻓﻘﺎﻝ: إﻧّﺎ ﻟﻠﻪ ﻭإﻧّﺎ ﺇﻟﻴﻪ ﺭﺍﺟﻌﻮﻥ، ﻭﺍﻟﺤﻤﺪ ﻟﻠﻪ ﺭﺏّ ﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻴﻦ، ﻳﺎ ﺃﺑﺖ ﺟُﻌﻠﺖ ﻓﺪﺍﻙ، ﻣﻢَّ ﺣﻤﺪﺕ ﺍﻟﻠﻪ ﻭﺍﺳﺘﺮﺟﻌﺖ؟ ﻗﺎﻝ: ﻳﺎ ﺑﻨﻰ، إﻧّﻲ ﺧﻔﻘﺖ ﺑﺮﺃﺳﻲ ﺧﻔﻘﺔ، ﻓﻌﻦّ ﻟﻲ ﻓﺎﺭﺱ ﻋﻠﻰ ﻓﺮﺱ، ﻓﻘﺎﻝ: ﺍﻟﻘﻮﻡ ﻳﺴﻴﺮﻭﻥ ﻭﺍﻟﻤﻨﺎﻳﺎ تسري ﺇﻟﻴﻬﻢ، ﻓﻌﻠﻤﺖ ﺃﻧّﻬﺎ ﺃﻧﻔﺴﻨﺎ ﻧُﻌﻴﺖ ﺇﻟﻴﻨﺎ، ﻗﺎﻝ ﻟﻪ: ﻳﺎ ﺃﺑﺖ ﻻ ﺃﺭﺍﻙ ﺍﻟﻠﻪ ﺳﻮﺀﺍً ﺃﻟﺴﻨﺎ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺤﻖ؟ ﻗﺎﻝ: ﺑﻠﻰ، ﻭﺍﻟﺬﻱ ﺇﻟﻴﻪ ﻣﺮﺟﻊ ﺍﻟﻌﺒﺎﺩ.ﻗﺎﻝ: ﻳﺎ ﺃﺑﺖ ﺇﺫﺍً ﻻ ﻧﺒﺎﻟﻲ ﻧﻤﻮﺕ ﻣﺤﻘّﻴﻦ. ﻓﻘﺎﻝ ﻟﻪ: ﺟﺰﺍﻙ ﺍﻟﻠﻪ ﻣﻦ ﻭﻟﺪ ﺧﻴﺮ ﻣﺎ جزى ﻭﻟﺪﺍً ﻋﻦ ﻭﺍﻟﺪﻩ»[196]، وفي خطبة للإمام الحسين×: «كأنّي بأوصالي تقطعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء»[197]، فهذه صور زمانية متصلة بعضها مع بعض حقّقت أهدافها، وهي النصر والفوز والمحبّة في قلوب الناس، وإحياء الدين وتحقيق السعادة الأُخروية، فبقيت متصلة وتجلّت أهدافها في حلقاتها الزمانية الملحمية.

فهناك خصائص وسمات ملحمية في واقعة كربلاء التاريخية، وما قيل فيها من شعر يشكّل بمجموعه قصيدة ملحمية طويلة عبّرت عن الصراع السياسي والفكري المحتدم في ذلك المجتمع، وعكست مستوى البطولة النادرة والمُثل العليا، وجسدت من خلال ذلك كلّه فعلاً ملحمياً خالداً، انحنى له التاريخ إجلالاً، وشهد بأنّه أعظم ملحمة سجّلتها صفحاته.

 فالملحمة بوصفها نوعاً أدبياً له خصائصه التي حفظتها النظرية الأدبية أو النقدية، ففي ملحمة كربلاء لا توجد كلّ عناصر وسمات الملحمة الكلاسيكية القديمة، وهذا يعني أنّ فقدان بعض عناصر الملحمة لا يعني عدم القدرة على إطلاق تسمية ملحمة على الأعمال التي تتوفر على عناصر كثيرة أو قليلة منها.

الفصل الثاني

الشخصيّة: مفهومها وأقسامها ودورها في المقتل الحسيني

المبحث الأوّل: الشخصيّة مفهومها ودورها في النص وتقسيماتها

المبحث الثاني: مفارقة الموجودات في الشخصيّة وتقديمها

الثاني: الشخصيّة مفهومها وأقسامها ودورها في المقتل الحسيني

المبحث الأوّل

الشخصيّة مفهومها ودورها في النص وتقسيماتها

إنّ بيان مفهوم الشخصيّة في المنهج التربوي الإسلامي يتوقف على طبيعة علاقة الإنسان بالله تعالى، فالإيمان به سبحانه هو المرتكز الأكبر في شخصيته؛ ولذا سنرى نماذج مختلفة عن حقيقة الشخصيّة الإسلامية في الحدث الحسيني، وهو المقياس الذي يحدّد مدى استعداد الإنسان المسلم لتحقيق النجاح الشخصي مع نفسه ودينه وعقيدته، وبرز هذا واضحاً في يوم عاشوراء بين شخصية قوية شجاعة مؤمنة تمثّل الصورة المثالية للشخصية المتّزنة، وأخرى خائفة متزلزلة، ومجتمعه تمثّل الصورة السلبية للشخصية غير المستقرة، فكلّما ارتفع في هذا المقياس كلّما اقترب من الصورة المثالية، وقد وردت الكثير من الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة التي تبيّن قيمة الإيمان وأثره في الشخصيّة، وفي الحياة وما يترتب عليه من نتائج كبيرة على المستوى الفردي والجماعي، وفي ذلك قال تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ)[198]، وقوله تعالى: (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا)[199]، وجاء في الروايات عن الإمام×: «المرءُ بإيمانه»[200]، وعن الإمام الصادق×: «في قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ)[201]. قال: هو الإيمان، وفي قوله تعالى: (وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ)[202] قال: هو الإيمان، وفي قوله تعالى: (وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى)[203]. قال: هو الإيمان»[204].

إن الشخصيّة المتّزنة في علاقتها العامّة، لا تطغى نوازعها على سلوك المسلم ولا يسقط في جوف ذاته منغلقاً داخلها، فلا يخرج إلّا لغرض شخصي أو لتلبية رغبة ذاتية. حيث يرى كثير من رؤساء المدارس النفسية الحديثة أنّ الأهمّية الكبرى، والمنزلة الأُولى في تكوين سحر الشخصيّة ونموه إنّما هي للمزايا النبيلة، والصفات الشريفة، والشمائل الناعمة الوديعة، من استقامة، إلى طيبة، إلى مثالية، إلى علو في الهمّة، ورفعة في النفس، وما رادف وأشبه.

والمهم أنّ يستقر في حافظة كلّ إنسان أنّ سحر الشخصيّة يُعرف على النحو الآتي: «العنصـر الحيوي (البيولوجي)، عنصر المظهر الخارجي (المحيا، الهيكل الجسماني، النظرة، الموقف، الصوت، الكلام الموحي)، العنصر النفسـي الذي لا يُرى، وهو القائم على النشاط الروحي في مناحي الحياة العقلية، والعاطفية، والمعنوية»[205].

وتعدّ الشخصيّة من أهمّ العناصر في الحدث؛ لأنّ حيوية الحدث مرتبطة بوجود الشخصيّات؛ لأنّ وجود الحدث نابع من شخصيات الرواية، والشخصيّة هي الكائن الإنساني الذي يتحرّك في سياق الأحداث، فيستخدم عندئذٍ كرمز يكشف عمّا وراءه من شخصية إنسانية تصدف من ورائها العبرة والموعظة[206].

المطلب الأوّل: مفهوم الشخصيّة ودورها في النص وأهمّيتها

الشخصيّة عنصرٌ من العناصر الرئيسة في البناء السردي الذي يتمحورُ حوله مضمون البناء السردي، ولمفهوم الشخصيّة دور فعّال في المبنى الحكائي؛ إذ تخرج الدراسات السرديّة المفهوم الجاهز للشخصية من نواحيها النفسية والاجتماعية إلى دلالة ومدلول على امتداد النص السردي الذي تدخل فيه، فتبلورت لديهم رؤى وأفكار مختلفة حول الشخصيّة دفعتهم لجعلها من أهمّ مكوّنات العمل الحكائي؛ لأنّها تمثّل العنصر الحيوي، الذي يضطلع بمختلف الأفعال التي تترابط وتتكامل في مجرى الحكي[207]، وسيتّضح ذلك من خلال الأبحاث القابلة، ولكن قبل بيان ذلك سنبيّن معنى الشخصيّة في اللغة والإصطلاح وعن حقيقة الشخصيّات في الرواية وعوامل الشخصيّة وفواعلها؛ لنقف بعدها على حقيقة الشخصيّة ودورها والمراد منها في المقام.

أوّلاً: الشخصيّة لغةً واصطلاحاً

1 ـ الشخصيّة لغةً

يتحدد المفهوم اللغوي للشخصية بالعودة إلى أُمهات المعاجم والقواميس، ففي معجم لسان العرب جاء مادة (ش. خ. ص) لفظة الشخصيّة، وهي بمعنى سواد الإنسان وغير الإنسان وهو تراه من بعيد، فالشخص كلّ جسم له ارتفاع وظهور، وشخص بمعنى ارتفع، والشخوص ضدّ الهبوط، كما يعني السير من بلد إلى بلد، وشخص ببصره أي: رفعه فلم يطرق عند الموت[208]، كما وردت لفظة الشخصيّة في معجم الوسيط «أنّها صفات تميّز الشخص عن غيره ويقال: فلان ذو شخصية قوية، ذو صفات متميّزة، وإرادة وكيان مستقل»[209] بمعنى أنّ كلّ شخص يحمل شخصية خاصة به وتميّزه عن غيره، وكذلك وردت في معجم محيط المحيط «شخّص الشيء عينه وميّزه عمّا سواه ومنه تشخيص الأمراض عند الأطباء أي: تعينها ومركزها، وأشخصه أزعجه، وأشخص فلان حان سرّه وذهابه، وعند الأصمعي أنّ الشخص إنّما يستعمل بدن الإنسان إن كان قائماً لها»[210]، وجاء في تاج العروس: «شخص الرجل ككرم شخاصة: فهو شخيص بدن وضخم ويقال: شخص بصره فهو شاخص إذا فتح عينه وجعل لا يطرف»[211]، وكذلك في كتاب العين: «شخص: الشخص: سواء الإنسان إذا رأيته من بعيد، ولك شيء رأيت جسمانه، فقد رأيت شخصه، وجمعه: الشخصوص والأشخاص، وشخص الجرح: وَرَم. وشخص ببصره إلى السماء: ارتفع»[212]، وأمّا في معجم المحيط: «الشخص: سواء الإنسان وغيره تراه من بعد: وشخصَ كمنع شخوصاً: ارتفع بصره: فتح عينه، وجعل لا يطرف وبصره: رفعه ومن بلد إلى بلد ذهب وسار في ارتفاع ـ والشخيص: الجسيم، وهي بهاء، والسيّد ـ من المنطق: المترجم»[213]، فالتعريفات اللُغوية الموجودة في مختلف المعاجم تشترك في التعريفات نفسها، وأنّ الشخصيّة هي ما يمتاز به الإنسان عن الآخر من سمات وصفات متميّزة.

2 ـ الشخصيّة اصطلاحاً

 إنّ كلمة الشخصيّة قد تعدّدت مفاهيمها تبعاً لنوع المتعلّق الذي ترتبط به الشخصيّة، بإعتبارها مكوّناً أساسياً من مكوّنات السرد، فاكتسبت كلمة الشخصيّة في الرواية مفاهيم متعدّدة بتعدّد وجهات نظر الأدباء والنقّاد، فكونها متوازنة تجعلها قادرة على أن تمثّل نفس الإنسان، بحيث يمكن لها أن تتفاعل مع المحيط الاجتماعي بمرونة وحركية ونجاح، وفي مقابل ذلك قد تجعله إنساناً مضطرباً مرتبكاً يتحرّك بوحي الانفعالات والمشاكل النفسية، فيعتزل الحياة، ويتهرب من المجتمع، أو أنّه يبادل الحياة والناس نظرة عدائية متشائمة.

 إذ إنّ الشخصيّة عنصر محوري في السرديات، فلا يمكن تصوّر رواية بدون شخصيات، فنجده واضحاً في الحدث الحسيني ودور شخصيّاته في رواية أبي مخنف، ولكن المعنى الشائع لها هو أنّها مجمل السمات والملامح التي تشكّل طبيعة شخص أو كائن حي، وهي تسير إلى الصفات الخُلقية والمعايير والمبادئ الأخلاقية فيها[214]، وتعرف الشخصيّة بأنّها: «كائن موهوب بصفات بشرية وملتزم بأحدث بشرية»[215].

وأمّا في الدراسات النقدية الحديثة فلم ينظر إلى الشخصيّة بوصفها كائناً نفسياً أو اجتماعياً، بل إنّها فواعل تقوم بفعل ما، أي: مع تطوّر العملية السرديّة، نُظر إلى الشخصيّة من حيث وظيفتها ونوعية الأعمال التي تقوم بها، لذلك عُدّت واسطة العقد بين جميع المشكلات السرديّة الأخرى[216]، وقد جاءت دراسة الشخصيّات بوصفها فواعل في النص القصصي، تطوّراً لكشوفات فلاديمير بروب؛ إذ اكتشف الوحدات الوظيفية الثابتة، مقارنة بالشخصيّات المتغيّرة[217]، وفي مجال التعبير عن الشخصيّة نجد أنّها تحمل مجموعة من الصفات المتميّزة عن غيرها، وهذا مما يجعلها بمنزلة النقطة المركزية التي يرتكز عليها العمل السردي؛ إذ تعدّ الشخصيّة من أبرز عناصر البنية السرديّة؛ إذ لا نكاد نعثر على نصّ سردي يفتقر إلى شخصيات تدير أحداثاً، كما لا يمكن أن نتصوّر أعمالاً بلا شخصيات[218]، والخلاف واضح بين الحدث في كربلاء وفي غيرها؛ إذ الأُولى تعدّ واقعة حقيقية تجد فيها الشخصيّة وعناصرها وأدوار الحدث فيها، فضلاً عن مميّزات عالية من التضحية ونكران الذات، ولا تجد مجالاً للخيال فيها في حين نجد في الرواية أموراً تختلف عن الواقعة من حيث المبالغة في تصويرها أو فقدان بعض خصائصها.

ويتضح لنا أنّ الشخصيّة الإنسانية تكون أكثر تعقيد من الشخصيّة الروائية؛ لأنّها في تفاعل مستمر مع الحياة الاعتيادية، وسيتضح ذلك في أحداث المقتل الحسيني حيث تبرز الشخصيّة الإنسانية ودورها الخالد في الحدث الروائي؛ إذ إنّ من المقوّمات الأساسية في شخصية الإنسان، المستوى الثقافي الذي يمتلكه، ومع تطوّر الحياة وتنوع أغراضها أصبح للثقافة دور أساس في حياة الإنسان؛ إذ إنّه لا يستطيع أن يواكب حركة المجتمع ما لم يتمتع بحصيلة ثقافية مقبولة، لذا بحث بوشكين في قصائده السرديّة عن موقع الإنسان في المجتمع، وكثير من شخصيّاته الرئيسة مثل البطل يوجين أونيجين (1825 ـ 1832م) ليسوا قادرين على إيجاد هدف للحياة، وهم ينتهون ضجرين وبعيدين عن مشاعر الحب، وكتب بوشكين أيضاً عام (1825م) مسرحية تاريخية بعنوان بوريس غودنوف في شعر مرسل، وكانت تلك محاولة منه لإدخال الأسلوب الشكسبيري في عرض الأحداث، حسب التسلسل الزمني، في المسرحية الروسية، والفارس البرونزي قصيدة قصصية كتبها بوشكين عام (1833م) تعتبر إحدى أعظم قصائده السرديّة، ويلقي فيها الضوء على محاولة بطرس الأكبر لإدخال المدنية الغربية إلى روسيا، وتأثير ذلك على الروس العاديين، ويوضح النتائح العظيمة والمأساوية أيضاً التي تنتظرها روسيا من وراء هذه الرغبة الجامحة[219].

وهناك شخصيات لها ارتباط وثيق بالحدث، ويؤكّد ذلك هنري جيمس بوجود صلة وثيقة بين الحدث والشخصيّة: «فالشخصيّة غير تقرير الحدث، وما الحدث إلا تصوير الشخصيّة»[220]، بحيث تعدّ جزءاً رئيساً منه كما هو الحال في الإمام الحسين× وأصحابه، وبالمقابل أيضاً توجد شخصيات منحرفة ومعادية عن الخط الأوّل، تعدّ محوراً للحدث كعمر بن سعد، وعبيد الله بن زياد وغيرهما، وكلا المجموعتين فهناك شخصية محورية تسمح في إبراز الحدث وحقيقته، وهذا لا يعني التقليل من الشخصيّة الأخرى في مجال الحدث والدور في المعركة، وهناك شخصيات لها أدوار ثانوية مكمّلة للشخصيات الرئيسة وهذا ما ظهر واضحاً في الحدث لمقتل الإمام الحسين× وفاجعة كربلاء، وهناك شخصيات رئيسة وثانوية وكلّ حسب دوره في المعركة، وهذه الحقيقة نجدها واضحة في كثير من الروايات والقصص، وحضور مثل هذه الشخصيّات فيها[221] واضح في الحدث كما سيظهر لاحقاً.

ثانياً: شخصيات الرواية (عوامل وفواعل)

 تعدّ الشخصيّة في الرواية من عناصرها الأساسية ومن مكوّناتها الرئيسة في بيان الحدث وتصويره، ثمّ من خلالها يظهر مدى تأثير الرواية وقوّتها، وهكذا يعرض أبو مخنف الخطاب الحدثي في كربلاء شخصية الإمام الحسين بن عليّ× شخصاً بطولياً مقاوماً للظلم والحيف، كما هو كذلك في النصوص الواردة عن الرسول’ وأهل بيته^، وهو كذلك في أدبيَّات الشيعة في الشعر والنثر والرثاء والمدح والقصة والمسرحية، وهو كذلك في محافل العزاء والندب، فليس الحسين× في ثقافة التشيُّع رجل حرب أو عنف، بل كان ضحيَّة العنف والقسوة والجور التي كان يتَّسم بها أعداؤه ومناوئوه، وما فعلوه من الجرائم والبغي الذي ظهر منهم أو التعسُّف وإحراق الحرث والنسل إلّا وصفاً حقيقياً لشخصيات الرواية وعواملها، فهو لم يخرج أشراً ولا بطراً، ولم يكن مُفسداً ولا ظالماً، وإنَّما خرج طلباً للإصلاح ودفاعاً عن حقوق المحرومين من أولئك الطغاة الذين لا يفهمون لغة الحوار ويمعنون في بخس الناس حقوقهم، ويستلذُّون بسماع أنَّاتهم وآهاتهم، ولا يرَوْن لدمائهم حرمة ولا لمقدَّساتهم أيَّ تقدير.

ومن هنا فالشخصيّة لها وظائف عديدة ومتنوعة في العالم الخيالي الذي يخلقه الروائي، وكذلك تمثّل عنصراً تزويقياً أو ناطقاً بلسان المؤلف، أو عنصراً قائماً بالحدث، فمثلاً يعدُّ سعيد يقطين ممَّن كتب في السيرة الشعبية نصاً متكاملاً بمكوّناته المختلفة[222]، فيبحث في عوالمها عن شخصيّاتها الحكائية بصفتها فواعلَ أو عوامل، إلّا أنّ السيرة الشعبية تزخر بمختلف أصناف وأشكال الشخصيّات إلى الدرجة التي يصعب معها عدّ هذه الشخصيّات أو إحصاؤها؛ لذا فهو ينطلق من تعريفه للشخصية «بأنّها مجموعة من العلامات والبنيات التي تستمدّ وجودها وكيانها المستقل من داخل النص»[223]، وهي بذلك تتطلب أن ينظر إليها في ذاتها ومقوّماتها التي تمنحها صفتها الشخصيّة المميّزة، التي تكتسبها في علاقتها مع غيرها من الشخصيّات التي يزخر بها النص الحكائي، وعلى هذا الأساس فكلّ الشخصيّات التي تلعب دوراً في مجرى الحكي والمفارقة لما هو موجود في الطبيعة[224]؛ ليعتمده مدخلا لحصر العوالم الشخصيّة وتحديدها وتنظيمها، ثمّ إنّ هناك مستويين في تصنيف الشخصيّة، وهما: المستوى الأفقي والمستوى العمودي:

ففي المستوى الأفقي، يقسمها على بنيتين «بسيطة التي تنتمي إلى جنس صاف» و«مركّبة: التي تجمع أكثر من جنس»[225]، وعن طريق العلاقة بين البنيتين المركّبة والبسيطة، ينتج الخط الأفقي للشخصيات.

أمّا على المستوى العمودي، فإنّه ينظر إلى كلّ بنية على حده، من كونها تنتمي إلى جنس محدّد إلّا أنّها تختلف عنه من جهات أُخرى، هي: العنصر، والعقل، والصفة، وينتج عن علاقة الشخصيّات على المستوى الأفقي (التآزر والمساندة)، وينتج عن المستوى العمودي (الصراع).

وأمّا بالنسبة للشخصيات بوصفها فواعل، ينطلق من الأعم إلى الأخص لأجل إبرازها أي: من البنيات الشخصيّة الكبرى إلى الشخصيّة المحورية التي تتحدّث عنها السيرة، فيربط الفعل بالشخصيّة (الفاعل)، وللإمساك بالفعل المركزي، والفاعل المركزي يرصد شبكات الأفعال المتولّدة عن الفعل المركزي، ويحدّد الفواعل الذين يضطلعون بها أفقياً وعمودياً، وبناءً على هذا فالفعل المركزي يرتبط بظهور الفاعل المركزي، وتظهر إلى جانب ذلك الأفعال الأساسية التي هي من عمل الفواعل الأساسين، ويرصدها بـ:

1.   الفاعل المركزي، وهو الفاعل القادر وتقابله بنية الفارس.

2.   الفاعل الموازي الأوّل للفاعل المركزي، وهو العارف وتقابله بنية العالم.

3.   الفاعل الموازي الثاني للفاعل المركزي، وهو الفاعل المحرّك وتقابله بنية العيار.

ثمّ ينتقل بعد ذلك إلى متابعة صور الشخصيّات (العوامل)، وهي تسعى إلى تحقيق غاياتها، أي: دلالاتها وأبعادها، فيحلّل مقاصد الفواعل عن طريق ما يسميه بالعوامل، فالأفعال هي التي تحدد الفواعل بين مجموعة العوامل، أمّا مقاصد الأفعال؛ فإنّها تكشف التمايز بين الفواعل والمقاصد الحقيقية، ترتبط بالوظيفة المركزية ويوجد ماهو ضدّها وما هو وسط بين الاثنين، كما أنّ وجود صاحب الدعوى وإلى جانبه قرينه، يتطلب وجود معادى للدعوى وإلى جانبه قرينه.

ثمّ إنّ الفعل والمحاورة والتصرّف كلّها تكشف عن جوهر الشخصيّة وتقدّم ملامح واضحة للرؤى والمواقف والنوازع، والشاعر يعتمدها أحياناً في إيصال ما يعتقده ويتمنّاه، والشخصيّات بعد ذلك ليست مجموعات من الصفات والافتراضات تخضع لمزاج الشاعر كلياً، بل تخضع ـ أيضاً ـ لتحولات السرد وتندمج مع أفعالها، وهذا ما بدا واضحاً في الحوادث التي جرت في النهضة الحسينية، وسلسلة المصائب التي تؤخذ بدايتها ـ في الأكثر ـ من مدينة الرسول’، وتنطفي شعلة الختام في الشام، فالمتأمل في فصولها يعسر عليه في أكثر الأحيان ربط الحلقات وتعليل الحوادث ومعرفة المؤثّرات[226]، فيقف التاريخ بالقارئ غالباً وقفة الحائر واضعاً سبابته على شفتيه بدل أن يضعها على جملة تاريخية كهيئة المشير إلى السبب، وكيف لا تستولي عليه الحيرة وحوله ما يدهش اللب ويقضي بالعجب؛ إذ عن اليمين فضائل جمّة تمركزت في الشخصيّة الثائرة المتمثّلة بالحسين×، فهي ذات مآثر فُضلى تستوجب إكرام صاحبها، بينما عن يسار المتأمل صحيفة سوداء، للخصوم هي ذي مآثم تستدعي احتقار صاحبها ولعنه، وأمام المتأمل فجائع وفضائع وما لا يستحله عدد من أَلد أعدائه من إيذاء صبية، وذبح ذرية، وسبي نساء، وقتل أبرياء، وضرب المرضى، وسب الموتى، وإحصار الضعفاء على ظمأ، ومثلة بأشلاء إلى غيرها مما تقشعر منه الجلود.

ثالثاً: أهمّية الشخصيّة الروائية

تجد عند النقاد تحديد هوية الشخصيّة في النقد الشكلاني؛ إذ يقول لحمداني: «تحديد هوية الشخصيّة في الحكي بشكل عام من خلال مجموع أفعالها دون صرف النظر عن العلاقة بينها، وبين مجموع الشخصيّات الأخرى التي يحتوي عليها النص»[227]، ويمكن حصر مهام وأهمّية الشخصيّة الروائية والتي تفوق المقوّمات الأخرى من الحدث والزمان والمكان، وملخصهاأنّها تعبير عن فكر الكاتب وأيديولوجيته، فهي تكون موافقة لأفكاره، أو يتقصد خروج شخصيات عن سيطرته؛ لأجل ظهور خطأ فكرتها، وما تؤمن به.

1.   التعبير عن هموم الكاتب تجاه مجتمعه، من خلال تصوير طبقاته، وبيان الشخصيّات التي تغرق في همومها ومشاكلها.

2.   قد يتوسل الكاتب ببعض الشخصيّات التي ينفذ من خلالها، أو مَن يجد فيها انعكاساً لشخصيته.

3.   إنّ الشخصيّة هي التي تبعث الحركة في العمل القصصي، وهي التي تسيّر الحدث، كما سنجد ذلك في رواية شخصية الإمام الحسين×، وأخيه العباس وأخته العقيلة زينب÷، وآخرين من الشخصيّات الثانوية.

4.   على الشخصيّة الروائية أن تكون منفردة؛ كي تحظى بالتنوع، وأن تضيف إلى الشخصيّة الطبيعية الكثير من العلامات التي تميّزها[228]، وعموماً الشخصيّة قابلة من خلال سماتها ومظهرها الخارجي أن تُحدّد سماتها الباطنية، ومن الممكن النظر إليها من زاويتين:

   حركتها في المتن الحكائي والواقع العياني.

   حركتها في المبنى الحكائي ضمن التركيب الجديد الذي يقوم به الراوي، أو السارد كنتاج تأليفي موزّع في النص وفق أوصاف وخصائص تسند إليها.

المطلب الثاني: تصنيف الشخصيّة وأقسامها

أوجد أهل الفن واللغة تقسيمات عديدة للشخصية وباتجاهات مختلفة، وتبعاً لما ذكروه سار الباحث على ذلك مع بيانٍ لما يرتبط بمحلّ البحث وشخصيّاته.

 التصنيف الأوّل: الشخصيّة المحورية والشخصيّة المسطحة عند النقاد

 من التصنيفات التي اشتغل عليها النقاد في معرفة بناء الشخصيّة داخل النصّ السردي، التصنيف الذي يقسّم الشخصيّات إلى الرئيسة (المحورية) والشخصيّة المسطحة؛ وذلك بحسب درجة حضورها في تشكّل الأحداث.

1 ـ الشخصيّة الرئيسة (المحورية)

وهي التي لا نستطيع أن نتعرّف على دورها في العمل الروائي بعبارات موجزة، ولا نتذكرها بسهولة، فهي متطوّرة في سياق الأحداث؛ إذ تتعاظم وتتضاءل وتحمل مظاهر مختلفة، ويصعب التعرّف عليها بسهولة كلّما دخلت مسرح الأحداث[229]؛ إذ «لا يستطيع المتلقّي أن يعرف مسبقاً ماذا سيؤول عليه أمرها، فهي الشخصيّة المغامرة الشجاعة المعقدة، بكلّ الدلالات التي توحي بها لفظ العقدة، والتي تكره وتحبّ، وتصعد وتهبط، وتؤمن وتكفر، وتفعل الخير كما تفعل الشرّ، تؤثر في سوائها تأثيراً واسعاً»[230].

2 ـ الشخصيّة المسطّحة:

وهي الشخصيّة التي تدور حول فكرة واحدة أو صفة واحدة؛ إذ يمكن اختزالها وتوضيحها بجملة واحدة، وهي شخصية بسيطة؛ إذ يمكن تمييزها بسهولة عند ظهورها، فلا تتغيّر ولا تتبدل في عواطفها ومواقفها وأطوار حياتها العامّة، ويتذكرها القارئ بسهولة[231]، وبفضلها تتوهج الشخصيّة الرئيسة أو المحورية في العمل الروائي، فلا تكون الشخصيّة مركزية إلّا بفضل الشخصيّات الثانوية[232].

وأمّا عبد الملك مرتاض[233] فقد فرّق بين الشخصيتين:

   الشخصيّة المدوّرة: وهي التي تظهر في إغناء الحركة التي تكون عليها داخل العمل السردي، وقدرتها العالية على تقبّل العلاقات مع الشخصيّات الأخرى والتأثر فيها.

   الشخصيّة المسطّحة: هي تلك الشخصيّة البسيطة التي تمضي على حال لا تكاد تتغيّر ولا تتبدل في عواطفها ومواقفها وأطوار حياتها العامّة[234].

التصنيف الثاني: تصنف الشخصيّات من حيث كنهها ومحتواها

تصنّف الشيخصيات إلى ثلاثة أنواع:

1 ـ شخصيات مرجعية: التي يمكن تكوين فكرة عنها خارج السيرة الشعبية.

2 ـ شخصيات تخييلية: مختلف الشخصيّات التي لا نجد لها اسماً تاريخياً محدّداً.

3 ـ شخصيات عجائبية: وقد تعددت مسمّيات هذه الشخصيّة من الشخصيّة المدوّرة والمتطوّرة والمتكاملة والمكثّفة[235].

التصنيف الثالث: الشخصيّة تبعاً لوجودها في النص

يقسّم هامون الشخصيّة[236] إلى أنواع عديدة بحسب طبيعة وجودها وتسلسلها في النص وما تقدّمه للقارئ من مكنونات النص، ومنها: الشخصيّة الناظرة، والثرثارة، والشخصيّة العاملة (التقني المنشغل)، ولكلّ منها مستوى تقدّمه في النص، بل إنّ النص لا يتحدد إلّا من خلال ما تلفظه الشخصيّات الثلاث؛ إذ تكمل إحداها الأخرى، فضلاً عن أنّها ـأي:الشخصيّة ـليستمقولة من طبيعة إنسانية دائماً فبالإمكان اعتبار الروح، والشركة، والسلطة، شخصيات لها حيّزها الدلالي في النص السردي[237]، وبحسب (تودورف) الذي يتوسل بآرائه صبري الحافظ في بحثه، فالشخصيّة عنده قسمان:

أولهما: الشخصيّة التي ترتكز على الحبكة أو الشخصيّة التي تُصاغ عبر مشاركتها في الحدث وتفاعلها مع جزئياته وهي شخصية لا نفسية.

وثانيهما: هي الشخصيّة التي ترتكز على ذاتها أو الشخصيّة السيكلوجية التي ينطبق عليها إلى حدٍّ بعيد هذا الزعم، بأنّ كلّ ما في العمل القصصي من جزئيات يستهدف بلورة ملامحها النفسية والإنسانية.

وأمّا في الدراسات السيميائية، فالشخصيّة حسب العلامة التي تُشير إليها، وما تعدد الشخصيّات إلّا صورة لشخصية واحدة قد يختزلها المؤلف في نص واحد بحسب عمقه الروائي وفهمه لقوانين السرد، ومشاعره تجاه بناء شخصية نموذجية تعمل على جذب عناصر النص الأخرى، فهي العمود الفقري كما أشرنا إلى ذلك بحسب النقّاد، وهناك تقسيم آخر يتعلّق بالشخصيّات بحسب السيمائيات:

شخصية مرجعية: تعتمد هذه الشخصيّات في فهمها للقارئ على مرجعياته الثقافية، وقراءاته المتعدّدة، وهي كما في كلّ شخصيات التاريخ والأساطير والوقائع الاجتماعية، فهذه الشخصيّة تُحيل على عوالم مألوفة، عوالم محدّدة تعيش في الذاكرة ضمن نصوص الثقافة ومنتجات التاريخ.

شخصية إشارية: وهي الشخصيّات العابرة، أو نقول هم الرواة ومَن شابههم، وهي الشخصيّات الناطقة باسم المؤلف، أو المحافل التي تدل على ذات مسربة إلى النص.

شخصية استذكارية: هذه الشخصيّات تقوم داخل الملفوظ، فيكمن دورها في ربط أجزاء العمل السردي بعضها ببعض، وظيفتها من طبيعة تنظيمية وترابطية بالأساس، وأنّها علامات تنشّط ذاكرة القارئ، أو هي الأداة التي من خلالها يمتلك الخطاب ذاكرة تتحوّل إلى مرجعية داخلية لا يمكن فهم الأحداث من دونها[238]، وهذه الشخصيّات وما تقوم به من أدوار مرتبطة بطبيعة السرد نفسه، وأنّ الروائي هو الذي يمنح هذه الشخصيّات دون غيرها تحكّمه بالمسرود.

المطلب الثالث: الشخصيّة الرئيسة والمساندة وطبيعتها في المقتل

إنّ الشخصيّة في الأقصوصة والرواية لا بدّ أن تكون شخصية مستقلة أو متكاملة في حدود الدور الذي تضطلع به داخل العمل إلى جنب شخصيات مساندة، وهناك ثلاثة احتمالات تتحكم في بلورة الشخصيّة، فهناك الشخصيّة كما يعرفها أو يتصوّرها مبدعها، والشخصيّة كما تتصوّرها ذاتها، والشخصيّة كما يتصوّرها الآخر[239]، ويتبلور وجود الشخصيّة الرئيسة داخل السرديات بتطوّر الأحداث ونموها، وقد أطلق عليها (والاس مارتن) اسم الشخصيّة الدينامية[240].

أوّلاً: الشخصيّة الرئيسة في المقتل

 ظهرت شخصيات مساندة إلى جنب الشخصيّات الرئيسة والتي غالباً ما تكون متكاملة وتؤدي دورها في النص وإن غابت الشخصيّات المساندة في الحدث، ومن هنا اتّصفت شخصية البطل (مسلم بن عقيل×) بنموها وتطوّرها في ثنايا الخطاب، على الرغم من كونها غائبة في يوم الحدث، ولكنّها مؤثرة وفاعلة حتّى بعد غيابها بشهادتها قبل زمان الواقعة؛ إذ ذكرت شخصيته في المقاتل بياناً للأحداث وتطوّرها تبعاً للزمن، وأبو مخنف ذكره في مواضع شتى في العاشر من محرّم، ومنها لما تحاجج مع أعدائه حول قتل مسلم بن عقيل «ﻓﻘﺎﻝ ﻟﻪ ﺍﻟﺤﺴﻴﻦ: ﺃﻧﺖ ﺃﺧﻮ ﺃﺧﻴﻚ، ﺃﺗﺮﻳﺪ أﻥ ﻳﻄﻠﺒﻚ ﺑﻨﻮ ﻫﺎﺷﻢ ﺑﺄﻛﺜﺮ ﻣﻦ ﺩﻡ ﻣﺴﻠﻢ ﺑﻦ ﻋﻘﻴﻞ؟ ﻻ ﻭﺍﻟﻠﻪ ﻻ ﺃﻋﻄﻴﻬﻢ ﺑﻴﺪﻱ إﻋﻄﺎﺀ ﺍﻟﺬﻟﻴﻞ، ﻭﻻ ﺃﻗﺮّ إﻗﺮﺍﺭ ﺍﻟﻌﺒﻴﺪ، ﻋﺒﺎﺩ ﺍﻟﻠﻪ إﻧّﻲ ﻋﺬﺕ ﺑﺮﺑﻲ ﻭﺭﺑﻜﻢ أﻥ ﺗﺮﺟﻤﻮﻥ، ﺃﻋﻮﺫ ﺑﺮﺑﻲ ﻭﺭﺑﻜﻢ ﻣﻦ ﻛﻞّ ﻣﺘﻜﺒﺮ ﻻ ﻳﺆﻣﻦ ﺑﻴﻮﻡ ﺍﻟﺤﺴﺎﺏ»[241]، وأسباب اختيار هذه الشخصيّة من قِبل الإمام الحسين×، معرّجاً على دورها في الكوفة، والأسباب التي أدت إلى إخماد حركتها الإصلاحية، فكان لحركتها وتغيرها أثرٌ في احتلالها موقع الصدارة في روايته؛ لأنّها بلغت مبلغ الشخصيّة الرئيسة، التي يتحقق وجودها بتواترها على طول النص، واضطلاعها فيه بدور مركزيّ[242].

وبنى أبو مخنف روايته حول شخصية محورية رئيسة وهي شخصية الإمام الحسين× تهيمن على مسار الأحداث، فهي الشخصيّة الوحيدة المتكاملة في الواقعة التي تمتاز بفعل الخير، وبما أنّ هذه الشخصيّة «تمثّل اتساع الحياة داخل صفحات كتاب، فلا يمكن التعبير عنها بعبارات مقتضبة؛ لأنّها شخصية متكاملة ومتطوّرة لا تلتزم الثبات»[243]. ومن الشخصيّات التي أخذت صفة البطولة في الرواية، شخصية أبي الفضل العباس×، فقال أبو مخنف في ذلك: «ﻭﻟﻤّﺎ ﺍﺷﺘﺪّ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺤﺴﻴﻦ ﻭﺃﺻﺤﺎﺑﻪ ﺍﻟﻌﻄﺶ ﺩﻋﺎ ﺍﻟﻌﺒﺎﺱ ﺑﻦ ﻋﻠﻲ ﺑﻦ ﺃﺑﻲ ﻃﺎﻟﺐ ﺃﺧﺎﻩ، ﻓﺒﻌﺜﻪ ﻓﻲ ﺛﻼﺛﻴﻦ ﻓﺎﺭﺳﺎً ﻭﻋﺸﺮﻳﻦ ﺭﺍﺟﻼً، ﻭﺑﻌﺚ ﻣﻌﻬﻢ ﺑﻌﺸﺮﻳﻦ ﻗﺮﺑﺔ، ﻓﺠﺎﺀﻭﺍ ﺣﺘﻰ ﺩﻧﻮﺍ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺎﺀ ﻟﻴﻼً، ﻭﺍﺳﺘﻘﺪﻡ أﻣﺎﻣﻬﻢ ﺑﺎﻟﻠﻮﺍﺀ ﻧﺎﻓﻊ ﺑﻦ ﻫﻼﻝ ﺍﻟﺠﻤﻠﻲ، ﻓﻘﺎﻝ ﻋﻤﺮﻭ ﺑﻦ ﺍﻟﺤﺠﺎﺝ ﺍﻟﺰﺑﻴﺪﻱ: ﻣَﻦ ﺍﻟﺮﺟﻞ ﻓﺠﺊ ﻣﺎ ﺟﺎﺀ ﺑﻚ؟ ﻗﺎﻝ: ﺟﺌﻨﺎ ﻧﺸﺮﺏ ﻣﻦ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﺎﺀ ﺍﻟﺬﻱ ﺣﻸﺗﻤﻮﻧﺎ ﻋﻨﻪ. ﻗﺎﻝ: ﻓﺎﺷﺮﺏ ﻫﻨﻴﺌﺎً، ﻗﺎﻝ: ﻻ ﻭﺍﻟﻠﻪ ﻻ أﺷﺮﺏ ﻣﻨﻪ ﻗﻄﺮﺓً ﻭﺣﺴﻴﻦٌ ﻋﻄﺸﺎﻥ ﻭﻣَﻦ ترى ﻣﻦ ﺃﺻﺤﺎﺑﻪ، ﻓﻄﻠﻌﻮﺍ ﻋﻠﻴﻪ، ﻓﻘﺎﻝ: ﻻ ﺳﺒﻴﻞ ﺇﻟﻰ ﺳﻘﻰ ﻫﺆﻻﺀ، إﻧّﻤﺎ ﻭﺿﻌﻨﺎ ﺑﻬﺬﺍ ﺍﻟﻤﻜﺎﻥ ﻟﻨﻤﻨﻌﻬﻢ ﺍﻟﻤﺎﺀ، ﻓﻠﻤّﺎ ﺩﻧﺎ ﻣﻨﻪ ﺃﺻﺤﺎﺑﻪ ﻗﺎﻝ ﻟﺮﺟﺎﻟﻪ: ﺍﻣﻠﺆﻭﺍ ﻗﺮﺑﻜﻢ ﻓﺸﺪّ ﺍﻟﺮﺟﺎﻟﺔ ﻓﻤﻸﻭﺍ ﻗﺮﺑﻬﻢ، ﻭﺛﺎﺭ ﺇﻟﻴﻬﻢ ﻋﻤﺮﻭ ﺑﻦ ﺍﻟﺤﺠﺎﺝ ﻭﺃﺻﺤﺎﺑﻪ، ﻓﺤﻤﻞ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﺍﻟﻌﺒﺎﺱ ﺑﻦ ﻋﻠﻲ وأصحابه فقتل منهم رجالاً»[244]، واعتنى أبو مخنف بسرد الأحداث التي تتعلّق بشخصية الحسين× وأهل بيته وأصحابه، فسلسل روايته من بدايته إلى النهاية حول القضايا المرتبطة بهم، والتي تمثّلت بـ«الخطابة، والصلح مع معاوية، ونقض العهد لخلافة المسلمين، والخروج من المدينة ومكة، وكربلاء وأحداثها، وسبي النساء، والأسرى من أهل الحسين ورجوعهم إلى المدينة، وعروجهم إلى كربلاء وزيارة الأربعين»، فنهضت شخصية الإمام×بمهمّة رئيسة في الرواية، أي: وظّف الراوي جميع ما في روايته في خدمتها، حتّى بلغت مبلغ الشخصيّة التامة الممتلئة، التي «لها عمق واضح وأبعاد مركبة وتطوّر مكتمل، وقادرة على أن تدهش القارئ إدهاشاً مقنعا مرات عدّة»[245].

ومن الشخصيّات التي حظيت بعناية السارد كما أسلفنا من بعد شخصية الحسين×، شخصية العباس×؛ إذ أعطى صورة متكاملة عنها: «ﻭﻗﺎﻝ ﺍﻟﻌﺒﺎﺱ ﺑﻦ ﻋﻠﻲ: ﻳﺎ ﺃﺧﻲ، أﺗﺎﻙ ﺍﻟﻘﻮﻡ. ﻗﺎﻝ: ﻓﻨﻬﺾ، ﺛﻢّ ﻗﺎﻝ: ﻳﺎ ﻋﺒﺎﺱ، ﺍﺭﻛﺐ ﺑﻨﻔﺴﻲ ﺃﻧﺖ ﻳﺎ ﺃﺧﻲ ﺣﺘﻰ ﺗﻠﻘﺎﻫﻢ، ﻓﺘﻘﻮﻝ ﻟﻬﻢ: ﻣﺎ ﻟﻜﻢ ﻭﻣﺎ ﺑﺪﺍ ﻟﻜﻢ؟ ﻭﺗﺴﺌﻠﻬﻢ[246] ﻋﻤّﺎ ﺟﺎﺀ ﺑﻬﻢ؟ ﻓﺄﺗﺎﻫﻢ ﺍﻟﻌﺒﺎﺱ ﻓﺎﺳﺘﻘﺒﻠﻬﻢ، ونادى زهير بن القين بأعلى صوته أيّها الناس إنّ حق المسلم على المسلم النصيحة»[247].

 ولم يكن قتال العباس يوم الطف عن عصبية، مركّزاً السارد على بعض الجوانب البطولية في حياة العباس×، معتمداً على مضامين ما رواه الإمام السجاد×فيه، إذ يقول: «رحم الله العباس، لقد آثر وفدى وواسى أخاه بنفسه، فأعطاه الله جناحين عِوض يديه، كما صنع لجعفر بن أبي طالب»[248].

فذكر الراوي في مقتله حول هذه الشخصيّة على وفق مبتنيات من أقوال مَن شهد الواقعة؛ إذ بيّن دور شخصيته الرئيسة في السرديات، التي تُذكر بوصفها أكثر استقراراً في الذهن[249]؛ لأنّها الشخصيّة التي تمرّ عبرها جميع الأحداث والمعلومات والآراء، أي: يطغى حضورها المتميّز على الشخصيّات الأخرى[250]، فتمركز وجودها ـ شخصية العباس× ـ الرئيس في الرواية؛ نتيجة المحاور الأساسية، التي بنى السارد روايته عليها أَلا وهي بعض الجوانب البطولية عند العباس، وإيثار العباس، والعباس ودوره مع أخيه الحسين×.

 وتُعدُّ الشخصيّة النامية الشريان النابض والعصب الحي في الرواية[251]؛ إذ بها يتنامى الخطاب، ومنها شخصية مسلم بن عقيل×، إذ قال الراوي: «ثمّ دعى[252] بمسلم بن عقيل ووجه معه قيس بن مسهّر الصيداوي، وعمارة بن عبد الله السلولي، وأمره بتقوى الله واللطف بالناس، فإن رأى الناس مجتمعين على رأيه يعجّل له بالخبر، فأقبل مسلم بن عقيل×، ودعا الحسين× بدليلين يدلانه على الطريق»[253]، وذكر الراوي ذهاب مسلم إلى الكوفة مع الدليلين: «فخرج مسلم والدليلان معه وصلّى في مسجد رسول الله’ وودّع مَن أحبَّ وسار»[254]، ودخوله إلى الكوفة وكيفية الاستقبال من أهل الكوفة لسفير الحسين× إذ قال: «وسار حتّى وصل الكوفة فنزل ليلاً في دار سليمان بن صُرد، وقيل في دار المختار بن أبي عبيدة الثقفي، فجعل الناس يختلفون إليه، فأقرأهم كتاب الحسين×، فجعلوا يبكون وينتحبون، فقام عابس البكري، فحمد الله وأثنى عليه، وذكر النبي’ فصلّى عليه وأقبل على مسلم×»[255].

 وكان اختيار الإمام الحسين× لمسلم بن عقيل اختياراً انتقائياً قائماً على أساسٍ من التفكير السليم، والتخطيط الواعي، والشعور بالمسؤولية تجاه هذا الهدف، الذيكان يرنو إلى تحقيقه، وقد كان مسلم بن عقيل× يحمل كلّ أسباب الكفاءة، ومنأبرز المؤهلات التي اتّصف بها الشجاعة والإقدام والعزم على المضي في ما كُلّف به.

 ويتضحُ بأنّ الشخصيّة الرئيسة في السرديات لمقتل أبي مخنف تُشير إلى دلالة الشخصيّة الواقعية الفاعلة، التي تمخض عن هيمنة وجودها ونموها في النص بحيوية وفاعلية، بُعدٌ واقعي ملموس، مما أدى إلى توليد دلالة في ذهن المتلقّي، ترتبط بمدى عمق الأثر الفعّال، لهذه الشخصيّة في الواقع الإنساني.

وبعد أن اتّضح أنّ الشخصيّة الرئيسة، تحتل مركز الصدارة في رواية أبي مخنف للمقتل الحسيني؛ لذا لا بدّ من معرفة دور الشخصيّة المسطحة في هذا المقتل؛ لأنّها تؤدي دوراً مهماً في توضيح القصة، وتعمل على توجيه الحبكة والأحداث، وتُعدُّ ضوءاً كاشفاً للشخصية الرئيسة[256]. وتحتل هذه الشخصيّة دوراً عرضياً في الروايات؛ إذ تعمّق الدلالة الفكرية، التي يقوم عليها بناء السرد للشخصية الرئيسة[257]، وتعمل على خدمة الشخصيّة المحورية وتمنحها صفة البطولة[258].

وعلى الرغم من أنّ هذه الشخصيّة لا تمتلك التطوّر من ناحية البناء؛ إلّا أنّها شكّلت ظاهرة بارزة في الرواية؛ إذ استعان بها في كشف عمق وتحوّلات الشخصيّة الرئيسة، وتعمل الشخصيّة المسطحة في رواية المقتل الحسيني لأبي مخنف على تنمية الدلالة الفكرية أو العقائدية في حياة الشخصيّة النامية؛ إذ يشكّل وجودها الثانوي مع الراوي دلالة أقوى في شدّ لُحمة الخطاب ونموه.

ثانياً: الشخصيّات المساندة في الحدث

ومن هذه الشخصيّات المساندة والمعاضدة عقائدياً، الذي جعجع بالحسين× وزحف بجيشه ومحاصرته والتضييق عليه، في وقت الظهر مع شدّة الحرّ ورمضاء الصحراء متقدة، مع ذلك نظر إليهم الحسين× بأخلاق النبوة، وبروح العطف التي تربّى عليها في بيت النبوة والإمامة؛ إذ ذكرها أبو مخنف بمقتله: «ﻗﺎﻝ: ﺣﺪّﺛﻨﻲ ﺃﺑﻮ ﺟﻨﺎﺏ، ﻋﻦ ﻋﺪﻱ ﺑﻦ ﺣﺮﻣﻠﺔ، ﻋﻦ ﻋﺒﺪ ﺍﻟﻠﻪ ﺑﻦ ﺳﻠﻴﻢ، ﻭﺍﻟﻤﺬﺭﻱ ﺑﻦ ﺍﻟﻤﺸﻤﻌﻞ ﺍﻷﺳﺪﻳﻴﻦ، ﻗﺎﻻ: أﻗﺒﻞ ﺍﻟﺤﺴﻴﻦ× ﺣﺘﻰ ﻧﺰﻝ ﺷﺮﺍﻑ، ﻓﻠﻤّﺎ ﻛﺎﻥ ﻓﻲ ﺍﻟﺴﺤﺮ ﺃﻣﺮ ﻓﺘﻴﺎﻧﻪ ﻓﺎﺳﺘﻘﻮﺍ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺎﺀ ﻓﺄﻛﺜﺮﻭﺍ، ﺛﻢّ ﺳﺎﺭﻭﺍ ﻣﻨﻬﺎ ﻓﺮﺳﻤﻮﺍ ﺻﺪﺭ ﻳﻮﻣﻬﻢ ﺣﺘﻰ ﺍﻧﺘﺼﻒ ﺍﻟﻨﻬﺎﺭ، ﺛﻢّ ﺇﻥّ ﺭﺟﻼً ﻗﺎﻝ: ﺍﻟﻠﻪ ﺃﻛﺒﺮ، ﻓﻘﺎﻝ ﺍﻟﺤﺴﻴﻦ: ﺍﻟﻠﻪ ﺃﻛﺒﺮ، ﻣﺎ ﻛﺒّﺮﺕ؟ ﻗﺎﻝ: ﺭﺃﻳﺖ ﺍﻟﻨﺨﻞ. ﻓﻘﺎﻝ ﻟﻪ ﺍﻷﺳﺪﻳﺎﻥ: إﻥّ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﻜﺎﻥ ﻣﺎ ﺭﺃﻳﻨﺎ ﺑﻪ ﻧﺨﻠﺔ ﻗﻂُّ، ﻗﺎﻻ: ﻓﻘﺎﻝ ﻟﻨﺎ ﺍﻟﺤﺴﻴﻦ: ﻓﻤﺎ ﺗﺮﻳﺎﻧﻪ رأى؟ ﻗﻠﻨﺎ: ﻧﺮﺍﻩ ﺭﺃى ﻫﻮﺍﺩى ﺍﻟﺨﻴﻞ، ﻓﻘﺎﻝ: ﻭأﻧﺎ ﻭﺍﻟﻠﻪ ﺃﺭى ﺫﻟﻚ. ﻓﻘﺎﻝ ﺍﻟﺤﺴﻴﻦ: أَﻣﺎ ﻟﻨﺎ ﻣﻠﺠﺄ ﻧﻠﺠﺄ ﺇﻟﻴﻪ ﻧﺠﻌﻠﻪ ﻓﻲ ﻇﻬﻮﺭﻧﺎ ﻭﻧﺴﺘﻘﺒﻞ ﺍﻟﻘﻮﻡ ﻣﻦ ﻭﺟﻪ ﻭﺍﺣﺪ؟ ﻓﻘﻠﻨﺎ ﻟﻪ: ﺑﻠﻰ ﻫﺬﺍ ﺫﻭ ﺣﺴﻢ ﺇﻟﻰ ﺟﻨﺒﻚ ﺗﻤﻴﻞ ﺇﻟﻴﻪ ﻋﻦ ﻳﺴﺎﺭﻙ، فإﻥ ﺳﺒﻘﺖ ﺍﻟﻘﻮﻡ ﺇﻟﻴﻪ ﻓﻬﻮ ﻛﻤﺎ ﺗﺮﻳﺪ. ﻗﺎﻝ: فأخذ ﺇﻟﻴﻪ ﺫﺍﺕ ﺍﻟﻴﺴﺎﺭ، ﻗﺎﻝ: ﻭﻣﻠﻨﺎ ﻣﻌﻪ ﻓﻤﺎ ﻛﺎﻥ ﺑﺄﺳﺮﻉ ﻣﻦ ﺃﻥ ﻃﻠﻌﺖ ﻋﻠﻴﻨﺎ ﻫﻮﺍﺩى ﺍﻟﺨﻴﻞ ﻓﺘﺒﻴﻨﺎﻫﺎ ﻭﻋﺪﻟﻨﺎ، ﻓﻠﻤّﺎ ﺭﺃﻭﻧﺎ ﻭﻗﺪ ﻋﺪﻟﻨﺎ ﻋﻦ ﺍﻟﻄﺮﻳﻖ ﻋﺪﻟﻮﺍ ﺇﻟﻴﻨﺎ ﻛﺎﻥ[259] ﺃﺳﻨﺘﻬﻢ ﺍﻟﻴﻌﺎﺳﻴﺐ، ﻭﻛﺎﻥ[260] ﺭﺍﻳﺎﺗﻬﻢ ﺃﺟﻨﺤﺔ ﺍﻟﻄﻴﺮ»[261]، وﻗﺎﻝ: «ﻓﺎﺳﺘﺒﻘﻨﺎ ﺇﻟﻰ ﺫﻱ ﺣﺴﻢ ﻓﺴﺒﻘﻨﺎﻫﻢ ﺇﻟﻴﻪ، ﻓﻨﺰﻝ ﺍﻟﺤﺴﻴﻦ ﻓﺄﻣﺮ ﺑﺄﺑﻨﻴﺘﻪ ﻓﻀُﺮﺑﺖ، ﻭﺟﺎﺀ ﺍﻟﻘﻮﻡ ﻭﻫﻢ أﻟﻒ ﻓﺎﺭﺱ ﻣﻊ ﺍﻟﺤﺮّ بن ﻳﺰﻳﺪ ﺍﻟﺘﻤﻴﻤﻲ ﺍﻟﻴﺮﺑﻮﻋﻲ ﺣﺘﻰ ﻭﻗﻒ ﻫﻮ ﻭﺧﻴﻠﻪ ﻣﻘﺎﺑﻞ ﺍﻟﺤﺴﻴﻦ ﻓﻲ ﺣﺮّ ﺍﻟﻈﻬﻴﺮﺓ ﻭﺍﻟﺤﺴﻴﻦ ﻭﺃﺻﺤﺎﺑﻪ ﻣﻌﺘﻤﻮﻥ ﻣﺘﻘﻠﺪﻭ ﺃﺳﻴﺎﻓﻬﻢ»[262].

 وأُدخلت هذه الشخصيّة حلبة الرواية؛ ليستمد من وجودها المعنى الرائع والصورة الجميلة في تنمية الكلمة المقاتلة والدفع بها إلى ساحة الجهاد، وقد استعان بها الراوي؛ ليكشف موقع شخصية الإمام الحسين×في ساحة القتال الجهادي، ومدى أثرها في تفعيل الجانب المعنوي والعبادي والأخلاق الحميدة بطريقة سردية نثرية أدبية. فكان دورها أحادي الجانب؛ لأنّها غير متطوّرة وذات نمط ثابت[263].

وفي بعض الأحيان ترتقي الشخصيّة الرئيسة ـ شخصية السيّدة زينب‘ ـ منصة الرواية بوصفها شخصية مسطحة؛ لتساند الراوي في سرده، ومثال ذلك: «ﻗﺎﻝ: ﺛﻢّ ﺇﻥّ ﻋﻤﺮ ﺑﻦ ﺳﻌﺪ نادى ﻳﺎ ﺧﻴﻞ ﺍﻟﻠﻪ ﺍﺭﻛﺒﻲ ﻭﺍﺑﺸﺮﻱ، ﻓﺮﻛﺐ ﻓﻲ ﺍﻟﻨﺎﺱ، ﺛﻢّ ﺯﺣﻒ ﻧﺤﻮﻫﻢ ﺑﻌﺪ ﺻﻼﺓ ﺍﻟﻌﺼﺮ، ﻭﺣﺴﻴﻦ ﺟﺎﻟﺲ أﻣﺎﻡ ﺑﻴﺘﻪ ﻣﺤﺘﺒﻴﺎ ﺑﺴﻴﻔﻪ ﺇﺫ ﺧﻔﻖ ﺑﺮﺃﺳﻪ ﻋﻠﻰ ﺭﻛﺒﺘﻴﻪ، ﻭﺳﻤﻌﺖ ﺃﺧﺘﻪ ﺯﻳﻨﺐ ﺍﻟﺼﻴﺤﺔ ﻓﺪﻧﺖ ﻣﻦ ﺃﺧﻴﻬﺎ، ﻓﻘﺎﻟﺖ: ﻳﺎ ﺃﺧﻲ أَﻣﺎ ﺗﺴﻤﻊ ﺍﻷﺻﻮﺍﺕ ﻗﺪ ﺍﻗﺘﺮﺑﺖ؟ ﻗﺎﻝ: ﻓﺮﻓﻊ ﺍﻟﺤﺴﻴﻦ ﺭﺃﺳﻪ، ﻓﻘﺎﻝ: إﻧّﻲ ﺭﺃﻳﺖ ﺭﺳﻮﻝ ﺍﻟﻠﻪ’ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻨﺎﻡ، ﻓﻘﺎﻝ ﻟﻲ: إﻧّﻚ ﺗﺮﻭﺡ ﺇﻟﻴﻨﺎ. ﻗﺎﻝ: ﻓﻠﻄﻤﺖ ﺃﺧﺘﻪ ﻭﺟﻬﻬﺎ، ﻭﻗﺎﻟﺖ: ﻳﺎ ﻭﻳﻠﺘﻲ. ﻓﻘﺎﻝ: ﻟﻴﺲ ﻟﻚ ﺍﻟﻮﻳﻞ ﻳﺎ ﺃُﺧﻴﺔ، ﺍﺳﻜﺘﻲ ﺭﺣﻤﻚ ﺍﻟﺮﺣﻤﺎﻥ»[264].

ثالثاً: طبيعة الشخصيّة في رواية المقتل

وإنّ طبيعة الشخصيّة المساندة في الرواية لها دلالة خاصّة، أي: إنّها تضفي مناخها الخاصّ وكأنّها أقراص مضيئة[265]، فاستدعى الراوي شخصية السيّدة زينب×؛ لتكون الضوء الكاشف عن شخصية الإمام الحسين×، من خلال اطّلاعنا على أدق أسرارها وفضائلها، مع بيان مواجهتها لشتى المواقف، أو الأزمات التي تُثيرها الشخصيّات المغالية.

 ومن الشخصيّات التي ورد ذكرها في المقتل، الشخصيّات التي تمثّل الخط المخالف للشخصية المحورية شخصية الإمام الحسين×؛إذ قال الراوي: «ﻭﺩﻋﺎ ﻋﺒﻴﺪُ ﺍﻟﻠﻪ ﻛﺜﻴﺮَ ﺑﻦ ﺷﻬﺎﺏ ﺑﻦ ﺣﺼﻴﻦ ﺍﻟﺤﺎﺭﺛﻲ ﻓﺄﻣﺮﻩ أﻥ ﻳﺨﺮﺝ ﻓﻴﻤَﻦ ﺃﻃﺎﻋﻪ ﻣﻦ ﻣﺬﺣﺞ ﻓﻴﺴﻴﺮ ﺑﺎﻟﻜﻮﻓﺔ ﻭﻳﺨﺬّﻝ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﻋﻦ ﺍﺑﻦ ﻋﻘﻴﻞ، ﻭﻳﺨﻮّﻓﻬﻢ ﺍﻟﺤﺮﺏ ﻭﻳﺤﺬّﺭﻫﻢ ﻋﻘﻮﺑﺔ ﺍﻟﺴﻠﻄﺎﻥ، ﻭأﻣﺮ ﻣﺤﻤﺪ ﺑﻦ ﺍﻷﺷﻌﺚ أﻥ ﻳﺨﺮﺝ ﻓﻴﻤَﻦ ﺃﻃﺎﻋﻪ ﻣﻦ ﻛﻨﺪﺓ ﻭﺣﻀﺮﻣﻮﺕ، ﻓﻴﺮﻓﻊ ﺭﺃية ﺃﻣﺎﻥ لمَن ﺟﺎﺀﻩ ﻣﻦ ﺍﻟﻨﺎﺱ، ﻭﻗﺎﻝ ﻣﺜﻞ ﺫﻟﻚ ﻟﻠﻘﻌﻘﺎﻉ ﺑﻦ ﺷﻮﺭ ﺍﻟﺬﻫﻠﻲ، ﻭﺷﺒﺚ ﺑﻦ ﺭﺑﻌﻲ ﺍﻟﺘﻤﻴﻤﻲ، ﻭﺣﺠﺎﺭ ﺑﻦ ﺃﺑﺤﺮ ﺍﻟﻌﺠﻠﻲ، ﻭﺷﻤﺮ ﺑﻦ ﺫﻱ ﺍﻟﺠﻮﺷﻦ ﺍﻟﻌﺎﻣﺮﻱ، ﻭﺣﺒﺲ ﺳﺎﺋﺮ ﻭﺟﻮﻩ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﻋﻨﺪﻩ ﺍﺳﺘﻴﺤﺎﺷﺎً ﺇﻟﻴﻬﻢ؛ ﻟﻘﻠّﺔ ﻋﺪﺩ ﻣَﻦ ﻣﻌﻪ ﻣﻦ ﺍﻟﻨﺎﺱ، ﻭﺧﺮﺝ ﻛﺜﻴﺮ ﺑﻦ ﺷﻬﺎﺏ ﻳﺨﺬّﻝ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﻋﻦ ﺍﺑﻦ ﻋﻘﻴﻞ»[266].

 إنّ أهمّية تعميق الجانب العبادي أو العقائدي في حياة الشخصيّة الرئيسة (حياةَ الإمام الحسين×) يُحتم أحياناً على السارد إشراك الشخصيّات المسطحة، التي شكّل وجودها فساداً وتغييراً لمسار الدعوة المحمّدية، وعثرةً في نمو رسالة السماء عن طريق القنوات الروحية (قنوات أهل بيت النبي^)؛ ليبيّن للمتلقي مدى فادحتها في الأُمّة عندما اعتلت هرم السلطة والمتمثّلة بشخصية يزيد بن معاوية، وإنّ دور الشخصيّة في هذا النص دور الشخصيّة الراكدة (المتجمدة)، التي لا يبرز عليها أيّ تغيير أثناء تقدّم الفعل[267].

 ومن الجدير بالذكر أنّ جميع الشخصيّات، التي رواها أبو مخنف، تُحيل على مرجعية تاريخية واقعية، والشخصيّة المرجعية يستقيها الراوي من عوالم نصية أخرى، شفاهية أو كتابية، ويوظّفها في نصّه، محافظاً على صبغتها المرجعية[268]، وأنّ الذي يميّز شخصية الإمام الحسين× مع مرجعيتها اتّصافها بالقداسة وعظيم الشأن؛ إذ تُحيل على مرجعية دينية، ثبت لها حضور مركزي في الرواية؛ لأنّ الخطاب تجوهر حول هويتهم العبادية.

 وعني الراوي في سرده بشخصية محورية، أي: (شخصية الحسين×) التي دارت حولها جميع مفاصل الرواية، وقد تكفّلت تقنية تقديم الشخصيّة بأنواعها الثلاثة في رسم ملامحها؛ إذ جعلت السرد في بعض الأحيان ينطلق منها وإليها. كما وأنّها شخصية متكاملة، خدمتها الشخصيّة المسطحة، وكذلك تمتاز بأنّها شخصية مرجعية لها دلالة رمزية تتعلّق بأصالة هذا السرد، ومدى أثره في إقناع المتلقّي بحقيقة الحسين× وموقفه البطولي، وتثبيت أركان الإسلام المحمّدي، وفضح زيف وفساد السلطة الحاكمة الأُموية الدموية.

المطلب الرابع: الشخصيّة من المنظور النقدي

وسيكون الكلام من ناحيتين هما:

1- الشخصيّة من منظور النقد الغربي:

وبحسب تحليل (أدوين موير) قد تقوم الرواية على مقوّم الشخصيّة وحدها، فالروايات نوعان هي الصفة الشكلية التي تنتزع منها بقيّة الأشكال، رواية الحدث ورواية الشخصيّة، فالثانية هي أهمّ أقسام القصص النثري، ومهمّة كاتب رواية الشخصيّة في الأغلب يبقيها مقنعة، والنوعان متداخلان على الرغم من فصلهما النظري، فبعض الكتّاب يوفّق توفيقاً واضحاً في نسج النوعين من أجل إغراء القارئ بمزيد من الانتباه والتلقي[269].

ومن وجهة نظر (هامون)، أنّ تطور الشخصيّة داخل العمل الروائي لا يمكن أن تتشكّل من دون شبكة تواصلية داخلية في النص، فإنّ اختيار اسم الشخصيّة له دال صوتي يتحكم به النسق الذي جاءت به، فالشخصيّة لا تتشكّل لوحدها من دون شبكة العلاقات التي تنسجها مع شخصيات أخرى[270].

ودرس بعض الباحثين الشخصيّة من خلال أعمال أربعة علماء وهم: (فلاديمير بروب، وإيتان سوريو، و كريماس، وفيليب هامون)، ودُرست عند مجموعة أخرى من خلال وجهات النظر ذلك من خلال أعمال هنري جيمس، وجون بويون، فهم ينظرون إلى الشخصيّة من خلال دورها الذي تؤديه[271].

2ـ الشخصيّة من منظور النقد العربي:

 في دراسة النص السردي جاء «أن تقسيم الشخصيّات إلى مسطحة ومستديرة، اعتماداً على كونها ثابتة أو قابلة للتغيير، قد يفسح مجالاً لفهم التفاعل بين الشخصيّة والعالم التخييلي على نحو أكثر مرونة»[272] وفي الدراسات السرديّة ثمّة عناية بحوافز الشخصيّات «ذلك أنّ الشخصيّات حين تقوم بأفعالها وتُنشئ علاقات فيما بينها، إنّما تقوم بذلك بناء على حوافز تدفعها إلى فعل ما تفعل»[273].

 ومن وجهة نظر (سيزا قاسم) فإنّ رواية الشخصيّة ترتبط بما يسمّى المنظور النفسي، ولهذا المنظور تسميات أخرى متباينة تبعاً لثقافة الكاتب وتوجهاته؛ إذ يرتبط هذا المستوى من الصياغة بالواسطة التي تقدّم من خلالها المادة القصصية، وبحسب (أوسبنسكي) الذي تعتمد (سيزا قاسم) وجهة نظره، فإنّ المنظور النفسي ينقسم إلى:

1 ـ موضوعي: ما قدّمت الأحداث والشخصيّات من خلال الراوي.

2 ـ ذاتي: ما قدّمت الأحداث والشخصيّات من خلال إدراك شخصية من الشخصيّات المشتركة في الحدث.

ثمّ تخلص في نهاية الأمر إلى أنّه لا سبيل إلى الادّعاء أنّ هناك نصوصاً قصصية تستلزم أحد هذه المنظورات التزاماً صارماً ثابتاً في بعض النصوص القصيرة كالقصة والأقصوصة، ولاشك أنّ تطوّر القص قد اتّجه بشكل مطّرد نحو المنظور الذاتي، ونحو حصر المنظور داخل وعي الشخصيّات بعيداً عن الراوي المحيط علماً بكلّ شيء[274].

المبحث الثاني: مفارقة الموجودات في الشخصيّة وتقديمها

المطلب الأوّل: تقديم الشخصيّة في الحدث

يتم تقديم الشخصيّة بطرق مختلفة، فقد تُقدِّم الشخصيّة نفسها كما فعل الإمام الحسين×؛ إذ إنّه عرَّف بنفسه ونسبه وانتمائها، كما فعلها أهل بيته وكثير من أصحابه «فأنا ﺍﻟﺤﺴﻴﻦ ﺑﻦ ﻋﻠﻲ ﻭﺍﺑﻦ ﻓﺎﻃﻤﺔ ﺑﻨﺖ ﺭﺳﻮﻝ ﺍﻟﻠﻪ’ ﻧﻔﺴﻲ ﻣﻊ ﺃﻧﻔﺴﻜﻢ ﻭﺃﻫﻠﻲ ﻣﻊ ﺃﻫﻠﻴﻜﻢ، ﻓﻠﻜﻢ ﻓﻲّ ﺃﺳﻮﺓ»[275]، وقد يقدّمها السارد أو تقدّمها شخصية أخرى، كلّ ذلك بالتناوب بين الشخصيّة والراوي[276].

أوّلاً: طرق تقديم الشخصيّة في نظر الرواة

1 ـ الطريقة المباشرة أو التحليلية وهي أن يلجأ الراوي إلى رسم الشخصيّات معتمداً على راوي العالِم بكلّ شيء مستعملاً ضمير الغائب، فيرسم شخصيّاته من الخارج، يشرح عواطفها وبواعثها وأفكارها، وأحاسيسها، يعقب على بعض تصرفاتها يفسّر بعضها الآخر، وكثير ما يعطينا رأيه فيها صريحاً دون التواء[277].

 وأحياناً يستند الراوي على الخطاب المباشر في تقديمه؛ إذ يورد خطاب الشخصيّات؛ لتتحدّث عن أفكارها وأحاسيسها داخل القصة «بعد أن يكون الراوي، قد نبّه بفعل سردي مثل: قال ـ همس ـ أضاف»[278]. ويشكّل تقديم الشخصيّة لنفسها أهمّية؛ إذ يكشف قضايا عديدة، ترتبط بوظيفة تصوير المستويات الباطنية للشخصية ونقلها إلى الآخر[279]؛ إذ يعتمد الراوي على طريقة العرض أو الإظهار، التي تسمح للقارئ بمتابعة الأحداث بشكل مباشر وكأنّها أمامه؛ لأنّها تمتاز بقلّة مستوى التدخل السردي لدى السارد[280].

2 ـ الطريقة غير المباشرة أو التمثيلية وفيها يتنحى الروائي جانباً، ليترك للشخصية حرية الحركة والتعبير عن نفسها بنفسها، مستعملاً ضمير المتكلّم، فتكشف أبعادها أمام القارئ بصورة تدريجية عبر أحاديثها وتصرّفاتها وأفعالها، وهي تُفصح عن مشاعرها الداخلية وسماتها الخلقية، وقد يلجأ الروائي إلى بعض الشخصيّات في الرواية لإبرازها جانب من صفاتها الداخلية أو الخارجية من خلال تعليقها على تصرفاتها ومواقعها وأفكارها[281].

وعند تقديم الشخصيّة من السارد بطريقة غير مباشرة، أي: يبرز الحضورُ المتميّز للراوي، بوصفه القائم بعملية التقديم، فيسرد أبطال القصة لنا وذلك بذكر أهمّ ما يتعلّق ببطولتهم وإيثارهم في الحسين× وأصحابه، مستفيداً أو مستقياً معلوماته من التاريخ في نقل الأحداث باستناد الراوي على الإخبار السردي بطريقةٍ غير مباشرةٍ للمتلقي عبر سرده الخاص[282].

 ومن الأمثلة على هذا الاتجاه ما ورد في نص المقتل لأبي مخنف، إذ قال الراوي: «ﻗﺎﻝ ﺃﺑﻮ ﻣﺨﻨﻒ: ﺣﺪّﺛﻨﻲ ﺍﻟﻨﻀﺮ ﺑﻦ ﺻﺎﻟﺢ ﺃﺑﻮ ﺯﻫﻴﺮ ﺍﻟﻌﺒﺴﻲ ﺃﻥّ ﺍﻟﺤﺮّ ﺑﻦ ﺯﻳﺪ ﻟﻤّﺎ ﻟﺤﻖ ﺑﺤﺴﻴﻦ ﻗﺎﻝ ﺭﺟﻞ ﻣﻦ ﺑﻨﻲ ﺗﻤﻴﻢ ﻣﻦ ﺑﻨﻰ ﺷﻘﺮﺓ، ﻭﻫﻢ ﺑﻨﻮ ﺍﻟﺤﺎﺭﺙ ﺍﺑﻦ ﺗﻤﻴﻢ ﻳﻘﺎﻝ ﻟﻪ ﻳﺰﻳﺪ ﺑﻦ ﺳﻔﻴﺎﻥ: أَﻣﺎ ﻭﺍﻟﻠﻪ ﻟﻮ ﺃﻧّﻲ ﺭﺃﻳﺖ ﺍﻟﺤﺮّ ﺑﻦ ﻳﺰﻳﺪ ﺣﻴﻦ ﺧﺮﺝ ﻻﺗﺒﻌﺘﻪ ﺍﻟﺴﻨﺎﻥ، ﻗﺎﻝ: ﻓﺒﻴﻨﺎ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﻳﺘﺠﺎﻭﻟﻮﻥ ﻭﻳﻘﺘﻠﻮﻥ ﻭﺍﻟﺤﺮّ ﺑﻦ ﻳﺰﻳﺪ ﻳﺤﻤﻞ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻘﻮﻡ ﻣﻘﺪﻣﺎً ﻭﻳﺘﻤﺜّﻞ ﻗﻮﻝ ﻋﻨﺘﺮﺓ:

ﻣﺎﺯِﻟْﺖُ ﺃﺭْﻣِﻴﻬُﻢْ ﺑِﺜُﻐْﺮَﺓِ ﻧَﺤْﺮِﻩِ   

ﻭﻟِﺒﺎﻧِﻪِ ﺣَﺘَّﻰ ﺗَﺴَﺮْﺑَﻞَ ﺑِﺎﻟﺪَّﻡ... »[283].

ويُلحظ في هذا النص مستوى المعلومات، التي وظّفها الراوي في سرده؛ وذلك بتصوير الدور الريادي لشخصية الإمام الحسين× في ترسيخ معالم البناء الاجتماعي؛ إذ مثّلت شخصيته ساحة للتغيير والانقلاب، فقد تم تقديم هذه الشخصيّة على مستوى التغيير والقناعة لشخصيات كانت معارضة ومخالفة لثورته الإصلاحية، فتغيّر حالها وتبدّلت وجهتها فانقلبوا من الذلّة إلى العزّة، فقدّم لنا الراوي معلومات أو تفسيرات عن كيفية ووضع هذه الشخصيّات المنقلبة بأنّه استطاع أن يؤثّر بهم ويحوّلهم من شخصية معاندة ومحاربة إلى شخصية مساعدة وثانوية لشخصيته، وهو بقلّة عدده مقابل عدد جيش يزيد بن معاوية، وكما في النص أعلاه قصة الحرّ وانقلابه الذي ذكره السارد في مقتله، وكذلك زهير بن القين الذي كان عثماني الهوى في قول الراوي: «ﻗﺎﻝ: ﻳﺎ ﺯﻫﻴﺮ ﻣﺎ ﻛﻨﺖ ﻋﻨﺪﻧﺎ ﻣﻦ ﺷﻴﻌﺔ ﺃﻫﻞ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺒﻴﺖ إﻧّﻤﺎ ﻛﻨﺖ ﻋﺜﻤﺎﻧﻴﺎً»[284]، وعند مخاطبة القوم من قِبل حبيب بن مظاهر الأسدي، وزهير بن القين، ومحادثة ونصح عزرة بن قيس، وقيل: أكثر من ثلاثين رجل التحق بركب الحسين من بعد التحاق الحرّ به[285]، ومن المعلوم والمعروف أنّ أصحاب الحسين× تميّزوا بمميّزات لم يعهدها التاريخ والقصص والحكايات الواقعية، فقد عُرفوا أنّهم مُقدمون على الموت، وأن يسجّل لهم التاريخ موقفهم المبدئي في النصر والفوز بالجنّة؛ برفضهم للظلم والفساد والخضوع والخنوع للسلطة الظالمة والجائرة والمغتصبة لحقوق المسلمين، وقد شكّل ضمير الغائب حضوراً متميّزاً في هذا المقطع للدِّلالة على كون الراوي مجرد شاهدٍ متتبّع لمسار الحكي[286]، وقد تمثّل هذا الأمر بالأفعال الواردة في النص «قال، حدّثني... ».

وتميّز تقديم الشخصيّات في رواية المقتل للشخصية الرئيسة بأهمّيته في الكشف عن معظم جوانب حياتها، و بدلالة إيحائية في المقتل قد أتى التقديم بالشخصيّات الأخرى، تتعلّق بأصول هذه الشخصيّات ومدى أهمّيتها في إبراز رواية المقتل؛ لأنّها شخصيات تعود إلى مشارب شتى.

ثانياً: تقديم الشخصيّة بطرق مختلفة

 وفي النص السردي تُقدّم الشخصيّة في الحدث على وفق توجهات مختلفة، فلا بدّ من إيجادِ طريقةٍ حاسمةٍ، تمكننا من التعرّف على طرق وسُبل التقديم، وتُسعفنا في هذا المجال العبارات والفقرات التي يوظّفها المؤلف في نصّه[287]؛ لذا ذكر أهل الفن أنّ التقديم للشخصية يأخذ مناخات متنوعة ومشارب مختلفة، ثمّ إنّ تقديم الشخصيّة حسب ما ذهب إليه بعض المنظّرين الغربيين، إلى أنّ تتمّ تحت وجهات نظر مختلفة[288]:

 

1 ـ أن تُقدَّم الشخصيّة بوساطة نفسها.

2 ـ أن تُقدَّم الشخصيّة بوساطة شخصية أخرى.

3 ـ أن تُقدَّم الشخصيّة بوساطة راوٍ يكون موضعُه خارج القصة.

4 ـ أن تُقدَّم الشخصيّة بوساطة الشخصيّة نفسها والشخصيّات الأخرى والراوي.

 فشخصية الإمام الحسين×قُدِّمت عن طريق راوٍ موضعه خارج القصة، ونقلها الراوي بطرق شتى، فإنّ رواية المقتل كتبها العديد من الرواة، والشخصيّات التي قُدّمت بمقتل أبي مخنف الرئيسة والثانوية، وهو لم يكن معهم في زمن الواقعة، ولكن أغلب مَن روى عنهم كانوا ممَّن شهد الواقعة وكانوا على قيد الحياة، وكثيراً ما يروي عن أبيه يحيى أو عمّه أو أحد من بني عمومته، وكذلك عن أشياخه كحميد بن مسلم من حي الأزد في الكوفة، حتى روى لنا المقتل بما دار في الواقعة من أفواه الرواة، وبحسب العامل الزمني لرواة تلك الواقعة.

 إنّ بناء الشخصيّة يعني بناء عنصر فنّي عبر أوصاف وملامح وأفعال وأفكار، وهي تكشف عن مكوّناتها من خلال النص وعلاقاتها بعناصره الفنّية، ويتصل ذلك بالنص الشعري وبقدرة الشاعر ومهارته في الخلق والابتكار واستيعاب طبائع الشخصيّة وطريقة تقديمها، ويدخل المرئي والمتخيّل عند الراوي في رسمه شخصيّاته، كما يدخل الزمان والمكان والحركة وعي الشخصيّة في البناء السردي للرواية.

كما أنّ الملامح الخارجية للشخصية وسيرورة أفعالها وملامحها الإدراكية الخاصة ترتسم في الشعر لا كما في الرواية، فلا يعنى الشاعر بعمر الشخصيّة أو مهنتها أو علاقاتها الاجتماعية، إنّما يعنى بملمح معيّن عند الشخصيّة يخدم غايات النص السردي ويشاركه وجدانياً، وامتاز تقديمُ الشخصيّة في رواية المقتل الحسيني بالتنوع؛ إذ تمركز خطابَه حول شخصيةٍ محوريةٍ تدورُ حولها المعلومات المعطاة من الراوي العليم أو غيره من الشخصيّات، التي أوردها في روايته؛ إذ إنّ المقياس النوعي أداة لا غنى عنها، تُمكّن الباحث من معرفة مصدر المعلومات حول الشخصيّة، ونوعية الجهات التي تبثُها[289].

وقد تولّى السارد مهمةَ الكشف عن شخصيّاته، فعبّر عن أفكارها وحلّل سلوكياتها؛ لأنّه المسؤول عن بيان دورها في الرواية، أو يترك الحرية لشخصيته المحورية؛ لتعبّر عن نفسها من خلال تصرفاتها، أو يستدعي شخصيات أخرى يدخلها في سياق السرد لتتحدّث عن الشخصيّة الرئيسة.

 وقد يلجأ الراوي في سياق السرد إلى إيراد أقوال بعض الشخصيّات؛ لتقوم بإظهار الشخصيّة (البطل) في صفاتها ومميّزاتها الرئيسة، فيتكون لدى المتلقّي صورة عامّة عنها[290]. وقد استعان الراوي بنصوص بعض الشخصيّات، التي لها بعدٌ مرجعي؛ إذ بأقوالها يكتمل الخطاب، ويكون أكثر حجية في إقناع المتلقّي.

 ومن الشخصيّات التي استعان بها الراوي في التقديم، الشخصيّات الحدثية غير المؤثرة، ﻗﺎﻝ: «ﻭﻏﻔﻞ ﻋﻨﻪ ﺍﺑﻦ ﺯﻳﺎﺩ ﻏﻔﻠﺔً، ﻓﺨﺮﺝ ﺍﺑﻦ ﺍﻟﺤﺮّ، ﻓﻘﻌﺪ ﻋﻠﻰ ﻓﺮﺳﻪ، ﻓﻘﺎﻝ ﺍﺑﻦ ﺯﻳﺎﺩ ﺃﻳﻦ ﺍﺑﻦ ﺍﻟﺤﺮّ؟ ﻗﺎﻟﻮﺍ ﺧﺮﺝ ﺍﻟﺴﺎﻋﺔ. ﻗﺎﻝ: ﻋﻠﻲّ ﺑﻪ، ﻓﺄﺣﻀﺮﺕ ﺍﻟﺸﺮﻁ، ﻓﻘﺎﻟﻮﺍ ﻟﻪ: ﺃﺟﺐ ﺍﻷﻣﻴﺮ. ﻓﺪﻓﻊ ﻓﺮﺳﻪ، ﺛﻢّ ﻗﺎﻝ: ﺃﺑﻠﻐﻮﻩ ﺃﻧّﻲ ﻻ ﺁﺗﻴﻪ ﻭﺍﻟﻠﻪ ﻃﺎﺋﻌﺎً أﺑﺪﺍً. ﺛﻢّ ﺧﺮﺝ ﺣﺘﻰ ﺃﺗﻰ ﻣﻨﺰﻝ أﺣﻤﺮ ﺑﻦ ﺯﻳﺎﺩ ﺍﻟﻄﺎﺋﻲ، ﻓﺎﺟﺘﻤﻊ ﺇﻟﻴﻪ ﻓﻲ ﻣﻨﺰﻟﻪ ﺃﺻﺤﺎﺑﻪ، ﺛﻢّ ﺧﺮﺝ ﺣﺘﻰ ﺃﺗﻰ ﻛﺮﺑﻼﺀ، ﻓﻨﻈﺮ ﺇﻟﻰ ﻣﺼﺎﺭﻉ ﺍﻟﻘﻮﻡ، ﻓﺎﺳﺘﻐﻔﺮ ﻟﻬﻢ ﻫﻮ ﻭﺃﺻﺤﺎﺑﻪ، ﺛﻢّ ﻣﻀﻰ ﺣﺘﻰ ﻧﺰﻝ ﺍﻟﻤﺪﺍﺋﻦ ﻭﻗﺎﻝ ﻓﻲ ﺫﻟﻚ:

ﻳَﻘﻮﻝُ ﺃﻣِﻴﺮٌ ﻏﺎﺩﺭٌ ﺣـﻖ ﻏـﺎﺩﺭٍ
أَﻻَ ﻛُﻨـﺖَ ﻗﺎﺗَﻠَﺖَ ﺍﻟﺸَـﻬِﻴﺪ ﺑﻦَ ﻓـﺎﻃِﻤَﺔ
ﻓﻴَﺎ ﻧَﺪَﻣِﻲ أﻥْ ﻻَ ﺃﻛـﻮﻥَ ﻧَﺼـﺮﺗَﻪُ
أَﻻَ ﻛﻞُّ ﻧَﻔـﺲٍ ﻻ ﺗُﺴـﺪﺩ ﻧﺎﺩِﻣﻪ
ﻭﺇﻧّﻲْ ﻷﻧّﻲ ﻟَﻢْ ﺃﻛُﻦْ ﻣِﻦْ ﺣﻤـَﺎﺗِﻪِ
ﻟَﺬُﻭ ﺣَﺴـﺮﺓٍ ﻣَﺎ أﻥ ﺗﻔـﺎﺭﻕ ﻻﺯﻣﻪ» [291]

ثمّ إنّ أوّل مَن زار قبر الحسين× بعد مصرعه ودفن الأجساد ـ كما رواه أبو مخنف ـ هو عبيد الله بن الحرّ الجعفي، الذي كان من شجعان العرب ومن شعرائهم الأفذاذ، وكان من المحبين للإمام× وحضر معه معظم حروبه، وعندما سمع بقدوم الحسين× خرج من الكوفة وأتى قصر بني مقاتل حتّى نزله الحسين في طريقه إلى كربلاء، فاجتمع الحسين× بعبيد الله بن الحرّ، وامتنع عن نصرة الحسين فودعه الحسين، ثمّ سار إلى كربلاء وترك عبيد الله في فسطاطه، وبعد رحيل الحسين× أتى منزله على شاطئ الفرات فنزله، ولما كان مقتل الحسين× جاء إلى كربلاء ووقف على أجداث الشهداء، وبكى بكاءً شديداً، واستعبر، ورثى الحسين وأصحابه الذين قُتلوا معه بعد أن جرى ما جرى بينه وبين ابن زياد، ووقف باكياً متأوّهاً، منشداً قصيدة طويلة في رثاء الإمام وندمه لعدم اشتراكه في القتال.

ويحمل هذا التقديم درجة من الإخبار عن تلك القصيدة، وقد رسم به الشاعرصورة مشرّفة لهذه الشخصيّة حين يصفها، ويصف شعوره وندمه بما جرى مع سيّد الشهداء وعدم نصرته له، وقد اتّضح من هذا التقديم المهمّة التي أوكلها الراوي لشخصية أدبية، كُلّفت ببيان وسرد هذا الحدث.

ومن التقنيات التي استند عليها الراوي في تقديم الشخصيّة من الشخصيّات الأخرى، ما تمثّل بإيراد أقوال بعض الشخصيّات المخالفة، كما في المقتل لأبي مخنف إذ قال:

«ﻓﺪﻋﺎ ﻋﻤﺮ ﻗﺮّﺓ ﺑﻦ ﻗﻴﺲ ﺍﻟﺤﻨﻈﻠﻲ ﻓﻘﺎﻝ ﻟﻪ: ﻭﻳﺤﻚ ﻳﺎ ﻗﺮّﺓ، إلق ﺣﺴﻴﻨﺎً ﻓﺴﻠﻪ ﻣﺎ ﺟﺎﺀ ﺑﻪ ﻭﻣﺎﺫﺍ ﻳﺮﻳﺪ؟ ﻗﺎﻝ: فأتاه ﻗﺮّﺓ ﺑﻦ ﻗﻴﺲ، ﻓﻠﻤّﺎ ﺭﺁﻩ ﺍﻟﺤﺴﻴﻦ ﻣﻘﺒﻼً ﻗﺎﻝ: ﺃﺗﻌﺮﻓﻮﻥ ﻫﺬﺍ؟ ﻓﻘﺎﻝ ﺣﺒﻴﺐ ﺑﻦ ﻣﻈﺎﻫﺮ: ﻧﻌﻢ، ﻫﺬﺍ ﺭﺟﻞ ﻣﻦ ﺣﻨﻈﻠﺔ ﺗﻤﻴﻤﻲ، ﻭﻫﻮ ﺍﺑﻦ ﺃﺧﺘﻨﺎ، ﻭﻟﻘﺪ ﻛﻨﺖ ﺃﻋﺮﻓﻪ ﺑﺤﺴﻦ ﺍﻟﺮﺃﻱ ﻭﻣﺎ ﻛﻨﺖ ﺃﺭﺍﻩ ﻳﺸﻬﺪ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﺸﻬﺪ. ﻗﺎﻝ: ﻓﺠﺎﺀ ﺣﺘﻰ ﺳﻠّﻢ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺤﺴﻴﻦ ﻭﺃﺑﻠﻐﻪ ﺭﺳﺎﻟﺔ ﻋﻤﺮ ﺑﻦ ﺳﻌﺪ ﺇﻟﻴﻪ ﻟﻪ، ﻓﻘﺎﻝ ﺍﻟﺤﺴﻴﻦ: ﻛﺘﺐ إليّ ﺃﻫﻞ ﻣﺼﺮﻛﻢ ﻫﺬﺍ أﻥ ﺃﻗﺪﻡ، فأﻣّﺎ إﺫ[292] ﻛﺮﻫﻮﻧﻲ فأنا ﺍﻧﺼﺮﻑ ﻋﻨﻬﻢ. ﻗﺎﻝ: ﺛﻢّ ﻗﺎﻝ ﻟﻪ ﺣﺒﻴﺐ ﺑﻦ ﻣﻈﺎﻫﺮ: ﻭﻳﺤﻚ ﻳﺎ ﻗﺮّﺓ ﺑﻦ ﻗﻴﺲ أﻧّﻰ ﺗﺮﺟﻊ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻘﻮﻡ ﺍﻟﻈﺎﻟﻤﻴﻦ، ﺍﻧﺼﺮ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺮﺟﻞ ﺍﻟﺬﻱ ﺑﺂﺑﺎﺋﻪ ﺃﻳﺪﻙ ﺍﻟﻠﻪ ﺑﺎﻟﻜﺮﺍﻣﺔ، ﻭﺇﻳّﺎﻧﺎ ﻣﻌﻚ. ﻓﻘﺎﻝ ﻟﻪ ﻗﺮّﺓ: ﺍﺭﺟﻊ ﺇﻟﻰ ﺻﺎﺣﺒﻲ ﺑﺠﻮﺍﺏ ﺭﺳﺎﻟﺘﻪ وأرى ﺭﺃﻳﻲ. ﻗﺎﻝ: ﻓﺎﻧﺼﺮﻑ ﺇﻟﻰ ﻋﻤﺮ ﺑﻦ ﺳﻌﺪ ﻓﺄﺧﺒﺮﻩ ﺍﻟﺨﺒﺮ، ﻓﻘﺎﻝ ﻟﻪ ﻋﻤﺮ ﺑﻦ ﺳﻌﺪ: إﻧّﻰ ﻷﺭﺟﻮ ﺃﻥ ﻳﻌﺎﻓﻴﻨﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻣﻦ ﺣﺮﺑﻪ ﻭﻗﺘﺎﻟﻪ»[293]، وأحياناً تأتي في سياق السرد أقوال بعض الشخصيّات لتكون رديفاً أو جزءاً مكمّلاً لما يُعنى به الراوي في معرفة أبعاد الشخصيّة المعنية بالخطاب[294]، وتؤكّد النظرة المتفحصة لهذا النص مدى حرص الراوي على الإفادة من توجيه شخصيّاته في كشف المسيرة العبادية للإمام الحسين×وأهل بيته وأصحابه، وهم في أصعب الظروف وأصعب الساعات؛ إذ الأشرار من الطرف الآخر يتربص بهم، كما كتب عبيد الله إلى عمر بن سعد كما جاء في المقتل؛ إذ قال:

«ﻓﺎﺯﺣﻒ ﺇﻟﻴﻬﻢ ﺣﺘﻰ ﺗﻘﺘﻠﻬﻢ ﻭﺗﻤﺜّﻞ ﺑﻬﻢ، ﻓﺈﻧّﻬﻢ ﻟﺬﻟﻚ ﻣﺴﺘﺤﻘﻮﻥ، فإﻥ ﻗُﺘﻞ ﺣﺴﻴﻦ ﻓﺄﻭﻃﺊ ﺍﻟﺨﻴﻞ ﺻﺪﺭﻩ ﻭﻇﻬﺮﻩ، ﻓﺈﻧّﻪ ﻋﺎﻕ ﻣﺸﺎﻕ، ﻗﺎﻃﻊ ﻇﻠﻮﻡ، ﻭﻟﻴﺲ ﺩﻫﺮﻱ ﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺃﻥ ﻳﻀﺮّ ﺑﻌﺪ ﺍﻟﻤﻮﺕ ﺷﻴﺌﺎً، ﻭﻟﻜﻦ ﻋﻠﻰ ﻗﻮﻝ ﻟﻮ ﻗﺪ ﻗﺘﻠﺘﻪ ﻓﻌﻠﺖ ﻫﺬﺍ ﺑﻪ، إﻥ ﺃﻧﺖ ﻣﻀﻴﺖ ﻷﻣﺮﻧﺎ ﻓﻴﻪ ﺟﺰﻳﻨﺎﻙ ﺟﺰﺍﺀ ﺍﻟﺴﺎﻣﻊ ﺍﻟﻤﻄﻴﻊ، ﻭإﻥ ﺃﺑﻴﺖ ﻓﺎﻋﺘﺰﻝ ﻋﻤﻠﻨﺎ ﻭﺟﻨﺪﻧﺎ ﻭﺧﻞّ ﺑﻴﻦ ﺷﻤﺮ ﺑﻦ ﺫﻱ ﺍﻟﺠﻮﺷﻦ ﻭﺑﻴﻦ ﺍﻟﻌﺴﻜﺮ، فإﻧّﺎ ﻗﺪ ﺃﻣّﺮﻧﺎﻩ ﺑﺄﻣﺮﻧﺎ ﻭﺍﻟﺴﻼﻡ»[295]، وكذلك الحسين× وأصحابه لم يتركوا الصلاة وعبادة الجبّار المنتقم، في كلّ لحظات مسيرتهم كما جاء في المقتل: «ﻭﻛﺎﻥ ﺍﻟﻌﺒﺎﺱ ﺑﻦ ﻋﻠﻲ ﺣﻴﻦ أﺗﻰ ﺣﺴﻴﻨﺎً ﺑﻤﺎ ﻋﺮﺽ ﻋﻠﻴﻪ ﻋﻤﺮ ﺑﻦ ﺳﻌﺪ، ﻗﺎﻝ: ﺍﺭﺟﻊ ﺇﻟﻴﻬﻢ، فإﻥ ﺍﺳﺘﻄﻌﺖ أﻥ ﺗﺆﺧّﺮﻫﻢ ﺇﻟﻰ ﻏﺪﻭﺓٍ ﻭﺗﺪﻓﻌﻬﻢ ﻋﻨﺪ ﺍﻟﻌﺸﻴﺔ ﻟﻌﻠّﻨﺎ ﻧﺼﻠّﻰ ﻟﺮﺑّﻨﺎ ﺍﻟﻠﻴﻠﺔ ﻭﻧﺪﻋﻮﻩ ﻭﻧﺴﺘﻐﻔﺮﻩ، ﻓﻬﻮ ﻳﻌﻠﻢ أﻧّﻲ ﻗﺪ ﻛﻨﺖ ﺃﺣﺐّ ﺍﻟﺼﻼﺓ ﻟﻪ، ﻭﺗﻼﻭﺓ ﻛﺘﺎﺑﻪ، ﻛﺜﺮﺓ ﺍﻟﺪﻋﺎﺀ ﻭﺍﻻﺳﺘﻐﻔﺎﺭ»[296]؛ إذ توقّف الراوي في هذا التقديم عن السرد ليترك الحديث للشخصيّات المرجعية (الدينية والتاريخية)، التي أعطت للإمام× الصفات الحقيقية.

 والشخصيّة بمنزلة دال تلخّص صفاتها هويتها وتكون مدلولاً في مجموع ما يقال عنها وعن سلوكها عبر مصادر أخبارية من خلال الرؤى، أو الشخصيّات ذاتها، أو ما يستنتجه المتلقّي من أخبارها عن طريق حواراتها، أو سلوكها وهي أيضاً ذات دلالات غنية تكسب النص غنىً بتعدد معانيها وعن طريق أدوار الشخصيّات ينشأ المعنى الكلي للرواية السرديّة.

 ومن النصوص التي شكّلت الحضور المتميّز للراوي في السرد ما ورد في المقتل الحسيني:

«ﻗﺎﻝ ﺃﺑﻮ ﻣﺨﻨﻒ: ﺣﺪّﺛﻨﻲ ﺍﻟﺤﺎﺭﺙ ﺑﻦ ﻛﻌﺐ، ﻭﺃﺑﻮ ﺍﻟﻀﺤّﺎﻙ، ﻋﻦ ﻋﻠﻲ ﺑﻦ ﺍﻟﺤﺴﻴﻦ ﺑﻦ ﻋﻠﻲ، ﻗﺎﻝ: إﻧّﻲ ﺟﺎﻟﺲ ﻓﻲ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻌﺸﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻗُﺘﻞ ﺃﺑﻲ ﺻﺒﻴﺤﺘﻬﺎ ﻭﻋﻤّﺘﻲ ﺯﻳﻨﺐ ﻋﻨﺪﻱ ﺗﻤﺮّﺿﻨﻲ؛ ﺇﺫ ﺍﻋﺘﺰﻝ ﺃﺑﻲ ﺑﺄﺻﺤﺎﺑﻪ ﻓﻲ ﺧﺒﺎﺀ ﻟﻪ ﻭﻋﻨﺪﻩ حوي ﻣﻮﻟﻰ ﺃﺑﻲ ﺫﺭ ﺍﻟﻐﻔﺎﺭﻱ، ﻭﻫﻮ ﻳﻌﺎﻟﺞ ﺳﻴﻔﻪ ﻭﻳﺼﻠﺤﻪ ﻭﺃﺑﻲ ﻳﻘﻮﻝ:

ﻳﺎ ﺩﻫﺮ ﺃُﻑٍ ﻟَﻚَ ﻣﻦ ﺧﻠﻴـﻞ
ِ  ﻛَﻢْ ﻟَﻚَ بالإِﺷْﺮﺍﻕِ ﻭَﺍﻷﺻﻴـﻞِ
ﻣَﻦْ صَاحبٍ ﺃﻭ ﻃَﺎﻟﺐٍ ﻗَﺘِﻴـﻞِ
ﻭﺍﻟﺪَّﻫﺮُ ﻻ ﻳﻘًﻨﻊُ ﺑَﺎﻟﺒﺪَﻳـﻞِ
ﻭإﻧّﻤﺎ ﺍلأﻣﺮُ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺠﻠﻴـﻞِ
ﻭَﻛﻞّ ﺣﻲ ﺳﺎﻟﻚ ﺍﻟﺴﺒﻴـﻞ

ﻗﺎﻝ: ﻓﺄﻋﺎﺩﻫﺎ ﻣﺮﺗﻴﻦ ﺃﻭ ﺛﻼﺛﺎً ﺣﺘﻰ ﻓﻬﻤﺘﻬﺎ، ﻓﻌﺮﻓﺖ ﻣﺎ ﺃﺭﺍﺩ ﻓﺨﻨﻘﺘﻨﻲ ﻋﺒﺮﺗﻲ، ﻓﺮﺩﺩﺕ ﺩﻣﻌﻲ ﻭﻟﺰﻣﺖ ﺍﻟﺴﻜﻮﻥ، ﻓﻌﻠﻤﺖ أﻥّ ﺍﻟﺒﻼﺀ ﻗﺪ ﻧﺰﻝ، فإﻣّﺎ ﻋﻤّﺘﻲ ﻓﺈﻧّﻬﺎ ﺳﻤﻌﺖ ﻣﺎ ﺳﻤﻌﺖ، ﻭﻫﻲ ﺍﻣﺮﺃﺓ، ﻭﻓﻲ ﺍﻟﻨﺴﺎﺀ ﺍﻟﺮﻗﺔ ﻭﺍﻟﺠﺰﻉ، ﻓﻠﻢ ﺗﻤﻠﻚ ﻧﻔﺴﻬﺎ أﻥ ﻭﺛﺒﺖ ﺗﺠﺮّ ﺛﻮﺑﻬﺎ ﻭأﻧّﻬﺎ ﻟﺤﺎﺳﺮﺓ ﺣﺘﻰ ﺍﻧﺘﻬﺖ ﺇﻟﻴﻪ ﻓﻘﺎﻟﺖ: ﻭﺍ ﺛﻜﻼﻩ ﻟﻴﺖ ﺍﻟﻤﻮﺕ ﺃﻋﺪﻣﻨﻲ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ، ﺍﻟﻴﻮﻡ ﻣﺎﺗﺖ ﻓﺎﻃﻤﺔ ﺃُﻣّﻲ، ﻭﻋﻠﻲ ﺃﺑﻲ، ﻭﺣﺴﻦ ﺃﺧﻲ، ﻳﺎ ﺧﻠﻴﻔﺔ ﺍﻟﻤﺎﺿﻲ ﻭﺛﻤﺎﻝ ﺍﻟﺒﺎﻗﻲ»[297].

«ﻗﺎﻝ ﻓﻌﺰّﺍﻫﺎ ﺑﻬﺬﺍ ﻭﻧﺤﻮﻩ ﻭﻗﺎﻝ ﻟﻬﺎ: ﻳﺎ ﺃﺧﻴﺔ إﻧّﻲ ﺃﻗﺴﻢ ﻋﻠﻴﻚ ﻓﺄﺑﺮّﻱ ﻗﺴﻤﻲ، ﻭﻻ ﺗﺸﻘﻰ ﻋﻠﻲ ﺟﻴﺒﺎً، ﻭﻻ ﺗﺨﻤﺸﻲ ﻋﻠﻲ ﻭﺟﻬﺎً، ﻭﻻ ﺗﺪﻋﻰ ﻋﻠﻲّ ﺑﺎﻟﻮﻳﻞ ﻭﺍﻟﺜﺒﻮﺭ ﺇﺫﺍ أﻧﺎ ﻫﻠﻜﺖ. ﻗﺎﻝ: ﺛﻢّ ﺟﺎﺀ ﺑﻬﺎ ﺣﺘﻰ ﺃﺟﻠﺴﻬﺎ ﻋﻨﺪﻱ، ﻭﺧﺮﺝ ﺇﻟﻰ ﺃﺻﺤﺎﺑﻪ، ﻓﺄﻣﺮﻫﻢ أﻥ ﻳﻘﺮّﺑﻮﺍ ﺑﻌﺾ ﺑﻴﻮﺗﻬﻢ ﻣﻦ ﺑﻌﺾ، ﻭﺃﻥ ﻳﺪﺧﻠﻮﺍ ﺍلأﻃﻨﺎﺏ ﺑﻌﻀﻬﺎ ﻓﻲ ﺑﻌﺾ، ﻭﺃﻥ ﻳﻜﻮﻧﻮﺍ ﻫﻢ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺒﻴﻮﺕ إلّا ﺍﻟﻮﺟﻪ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺄﺗﻴﻬﻢ ﻣﻨﻪ ﻋﺪﻭﻫﻢ»[298].

وكانت ليلة عاشوراء ليلة عصيبة جداً وصعبة على قلب الحوراء زينب‘، فهي تنظر إلى الجميع وقد أعياهم العطش وضراغمة آل عبد المطلب والصفوة من الأصحاب كلٌّ يصلح سيفه ويستعد لغده، فالسارد يُشير إلى الشخصيّة المحورية قد اجتمعت فيها كلّ المزايا الحسنة والصفات النبيلة والطبائع الكريمة، شخصية الحسين× مع أخته وابنه وأصحابه يحثّهم بالصبر والأخلاق الحميدة والوصايا العفيفة، وعدم ترك الصلاة والتضرّع لله} وإن كانوا في حرب مع الأشرار كما في رواية المقتل الحسيني، ﻗﺎﻝ ﺃﺑﻮ ﻣﺨﻨﻒ:

 «ﻓﻠﻤّﺎ ﺃﻣﺴﻰ ﺣﺴﻴﻦ ﻭﺃﺻﺤﺎﺑﻪ ﻗﺎﻣﻮﺍ ﺍﻟﻠﻴﻞ ﻛﻠّﻪ ﻳﺼﻠّﻮﻥ ﻭﻳﺴﺘﻐﻔﺮﻭﻥ ﻭﻳﺪﻋﻮﻥ ﻭﻳﺘﻀﺮّﻋﻮﻥ. ﻗﺎﻝ: ﻓﻤﺮّ ﺑﻨﺎ ﺧﻴﻞ ﻟﻬﻢ ﺗﺤﺮﺳﻨﺎ، ﻭأﻥّ ﺣﺴﻴﻨﺎً ﻟﻴﻘﺮﺃ ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْماً وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ * مَّا كَانَ الله لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾، ﻓﺴﻤﻌﻬﺎ ﺭﺟﻞ ﻣﻦ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺨﻴﻞ ﺍﻟﺘﻲ ﻛﺎﻧﺖ ﺗﺤﺮﺳﻨﺎ، ﻓﻘﺎﻝ: ﻧﺤﻦ ﻭﺭﺏّ ﺍﻟﻜﻌﺒﺔ ﺍﻟﻄﻴﺒﻮﻥ ﻣﻴﺰﻧﺎ ﻣﻨﻜﻢ، ﻗﺎﻝ: ﻓﻌﺮﻓﺘﻪ ﻭﻗﻠﺖ ﻟﺒﺮﻳﺮ ﺑﻦ ﺣﻀﻴﺮ: ﺗﺪﺭﻱ ﻣَﻦ ﻫﺬﺍ؟ ﻗﺎﻝ: ﻻ. ﻗﻠﺖ: ﻫﺬﺍ ﺃﺑﻮ ﺣﺮﺏ ﺍﻟﺴﺒﻴﻌﻲ ﻋﺒﺪ ﺍﻟﻠﻪ ﺑﻦ ﺷﻬﺮ ﻭﻛﺎﻥ ﻣﻀﺤﺎﻛﺎً ﺑﻄﺎﻻً، ﻭﻛﺎﻥ ﺷﺮﻳﻔﺎً ﺷﺠﺎﻋﺎً ﻓﺎتكاً، ﻭﻛﺎﻥ ﺳﻌﻴﺪ ﺑﻦ ﻗﻴﺲ ﺭﺑﻤﺎ ﺣﺒﺴﻪ ﻓﻲ ﺟﻨﺎﻳﺔ»[299].

 ثمّ إنّ مستوى المعلومات الواردة في هذا النص ترتبط بمستوى الملكات الإنسانية العالية؛ إذ ركّز الراوي على أهمّ الخصائص التي يتّصف بها الإمام الحسين×، فنعته بالخير والكرم والطبائع الحسنة، حتّى بدا لنا من الصعب أن نحتمل شخصية مثلها بهذه الصفات إلّا الأنبياء، وكأنّ الراويّ أراد بهذه الصناعة السرديّة التأثير على مستمعيه ومتلقّي حديثه، وذلك بتوظيف مضامين الخطاب الكُلّي في هذا النص، وكأنّه أراد الوصول إلى كلّ سمات الشخصيّة من خلال أفعالها ومواقفها، وهي الطريقة الأقرب إلى روح الفن[300].

المطلب الثاني: مفارقة الشخصيّات

أوّلاً: معنى المفارقة ووجودها في شخصية الحدث

 المفارقة تعنى بالموجودات وتحمل الشخصيّات صفات متناقضة، فتبرز بذور التناقض في سلوكها أو هيئتها الخارجية، أو قد تبرز المفارقة في المكان المرتبط بشخوص الرواية.

ولم نعثر على تعريف جامع مانع للمفارقة على الرغم من كثرة الدراسات التي تناولتها فضلاً عن التطبيقات سواء على الشعر القديم أم الحديث، وعلى السرد وهو مدار بحثنا، وهناك خلط كبير بينها وبين بعض الأنواع أو الخصائص، فنجد المفارقة مصطلحاً يواكب المصطلحات البلاغية عند بعض، بل هو صورة متطوّرة عنها كالمدح بما يشبه الذم، أو التطابق، أو تجاهل العارف، وغيرها مما تتحقق في سياق واحد أو أكثر يجمع بين نقيضين أو أكثر، وقد يضيق ليشمل كلّ عمل انتهى بمفاجأة، أو دهشة بغض النظر عن كثرة المتناقضات بينها وبين السخرية والتهكم، التي عدّها أغلب الدارسين نوعاً من أنواع المفارقة.

 وفي المصطلح (المفارقة) هو بالرجوع إلى أصله اللغوي كما ورد في معجمات اللغة، فقد ورد في لسان العرب تحت عنوان مادة (فرق) بفتح الفاء والراء والقاف، ومصدرها (فرق) بفتح الفاء، وسكون الراء، فرقه يفرّقه فرقاً، وانفرق الشيء وتفرّق، وافترق أي: باينه والمفرَق وسط الرأس، وهو الذي يُفرق فيه الشعر، وجاء في أساس البلاغة للزمخشري (فرق) فرق بذا المشيب في مفرقه، وفرق في الطريق فروقاً، انفرق انفراقاً إذ اتجه لك طريقان فاستبان ما يجب سلوكه منهما[301].

فمخلص تعريفه يكون عن معنى التباعد والافتراق والاختلاف، فالمفارقة والاختلاف مترادفان لدى كثير من النقاد الذين تناولوا هذا المصطلح بالدراسة، فمن ذلك ما ذهب إليه الدكتور رشاد رشدي، فقد قال «إنّ انعدام المفارقة أو الاختلاف يؤدّي إلى انعدام الصراع أو التشابك، وذلك يؤدّي بدوره إلى انعدام أو ضعف الحركة»[302].

أمّا في المعنى الاصطلاحي، تعددت التعريفات والحدود لمصطلح المفارقة، وغدا مفهوم المفارقة يكتسب دلالات شتى بتغيّر المكان والزمان، ولم تقف دلالته عند دلالة واحدة محدّدة، وذلك بعد أن اتسعت دائرة المفارقة على الساحة الأدبية لتشتمل على دلالات مختلفة[303].

فأبسط تعريفات المفارقة هي: «قول شيء بطريقة تستثير لا تفسيراً واحداً، بل سلسلة لا تنتهي من التفسيرات المغيّرة»[304]، ويقول ميويك أيضاً: «إنّ فن المفارقة هو فن قول شيء دون قوله حقيقة»[305]، وهناك مَن ربط بين نفسية الكاتب وذهنه، فهي أثر نفسي يثبته الشاعر في نصوصه، تقول في ذلك نبيلة إبراهيم «المفارقة بادئ ذي بدء تعبير كتابي يرتكز أساساً على تحقيق العلاقة الذهنية بين الألفاظ أكثر مما يعتمد على العلاقة النغمية أو التشكيلية، وهي لا تنبع من تأملات راسخة ومستقرة داخل الذات فتكون بذلك ذات طابع غنائي أو عاطفي، ولكنّها تصدر أساساً عن ذهن متوقد ووعي شديد للذات بما حولها»[306].

وأمّا الدكتور قيس الخفاجي فقد أفاض في تأصيل مصطلح المفارقة، وتتبّعه في القواميس الأجنبية ومرادفاته، ثمّ تتبّعه في المصادر الأجنبية والعربية، وكيف تناول النقاد هذا المصطلح تحت مظلّة التناقض والتضاد، والرأي المخالف وخفاء المعنى، ولن نقف عند تلك المساجلات؛ لأنّنا في صدد تطبيق هذا المفهوم على رواية المقتل الحسيني وطريقة سرده في الأساليب السرديّة، يخلص الدكتور قيس الخفاجي بتعريفه، هو خلاصة تتبّعه المستفيض لمفردة المفارقة وإيرادها في المصادر الأجنبية والعربية إلى أنّ المفارقة: «بنية تعبيرية وتصويرية متنوعة التجليات، ومتميّزة العدول على المستويات الايقاعية والدلالية والتركيبية، تستعمل بوصفها أسلوباً تقنياً ووسيلةً أسلوبية لمنح المتلقّي التلذذ الأدبي، ولتعميق حسّه الشعري، بوساطة الكشف عن علاقة التضاد غير المعهودة بين المرجعية المشتركة الحاضرة أو الغائبة، والرؤية الخاصة المبدعة»[307].

فالمتلقّي هو مَن سيبحث عن تلك المفارقة وتجلياتها في النص، وتجد أنّ المفارقة من المفاهيم الأساسية في السرد[308]، فالمفارقة السرديّة تقوم على المفارقات الزمنية والأحداث، والشخصيّات، ومفارقة الشعر تقوم على الجملة الشعرية أحياناً أو على المقطوعة بكاملها.

 ثانياً: صور المفارقة وحقيقتها وتطبيقها

عادةً ما تتجلّى صور المفارقة في خواتيم القصائد، ومعظمها يقوم على المفارقة الفنتازية، ومفارقة المواقف وغيرهما.

1 ـ مفارقة الموقف وحقيقتها

ويقال لها أيضاً مفارقة السياق؛ لأنّه عنصر مهم فيها، ومرتبط بحدوثها وقيامها ومفارقة الموقف ناتجة من اسمها عن موقف ما[309]، ولا تتضمّن بالضرورة وجود شخص يقوم بالمفارقة، لكنّها مجرد حالة أو ظرف أو نتيجة لأحداث من شأنها أن تضاف إلى ذلك، ويتم رؤيتها وشعورها بأنّها مفارقة، وهي مشابهة للمفارقة اللفظية، ولكنّها لم تكن مُدرَكة حتّى القرن الثامن عشر على الرغم من أنّ كثيراً من الناس كانوا يشعرون بها، ولكنّها تميل لأن تكون فلسفية، أو كوميدية، أو مأساوية، والمفارقة الناتجة عن الموقف تكون غير مقصودة من صاحب المفارقة كما هو الحال في المفارقة اللفظية، يظهر التناقض في الأفعال في مفارقة الموقف في لحظة معينة، وتؤديها بحسب (ميويك) شخصيات غير واعية، وتتولد من كشف حقيقة تكمن وراء المظهر وتميل لإثارة المسائل الفكرية[310].

وأشار إليها السارد في سرده لرواية المقتل؛ إذ قال: «إﻥّ ﻣﺴﻠﻢ ﺑﻦ ﻋﻘﻴﻞ ﺣﻴﻦ ﺍﻧﺘﻬﻰ ﺇﻟﻰ ﺑﺎﺏ ﺍﻟﻘﺼﺮ، ﻓﺈﺫﺍ ﻗُﻠّﺔ ﺑﺎﺭﺩﺓ ﻣﻮﺿﻮﻋﺔ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺒﺎﺏ، ﻓﻘﺎﻝ ﺍﺑﻦ ﻋﻘﻴﻞ: اﺳﻘﻮﻧﻲ ﻣﻦ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﺎﺀ. ﻓﻘﺎﻝ ﻟﻪ ﻣﺴﻠﻢ ﺑﻦ ﻋﻤﺮﻭ: ﺃﺗﺮﺍﻫﺎ ﻣﺎ ﺃﺑﺮﺩﻫﺎ، ﻻ ﻭﺍﻟﻠﻪ ﻻ ﺗﺬﻭﻕ ﻣﻨﻬﺎ ﻗﻄﺮﺓً أﺑﺪﺍً ﺣﺘﻰ ﺗﺬﻭﻕ ﺍﻟﺤﻤﻴﻢ ﻓﻲ ﻧﺎﺭ ﺟﻬﻨّﻢ. ﻗﺎﻝ ﻟﻪ ﺍﺑﻦ ﻋﻘﻴﻞ: ﻭﻳﺤﻚ ﻣَﻦ ﺃﻧﺖ؟ ﻗﺎﻝ: أﻧﺎ اﺑﻦ ﻣَﻦ ﻋﺮﻑ ﺍﻟﺤﻖ ﺇﺫ ﺃﻧﻜﺮﺗﻪ، ﻭﻧﺼﺢ ﻹﻣﺎﻣﻪ ﺇﺫ ﻏﺸﺸﺘﻪ، ﻭﺳﻤﻊ ﻭﺃﻃﺎﻉ ﺇﺫ ﻋﺼﻴﺘﻪ ﻭﺧﺎﻟﻔﺖ، أﻧﺎ ﻣﺴﻠﻢ ﺑﻦ ﻋﻤﺮﻭ ﺍﻟﺒﺎﻫﻠﻲ. ﻓﻘﺎﻝ ﺍﺑﻦ ﻋﻘﻴﻞ: لأُﻣّﻚ ﺍﻟﺜﻜﻞ ﻣﺎ ﺃﺟﻔﺎﻙ ﻭﻣﺎ ﺃﻓﻈﻚ ﻭﺃﻗﺴﻰ ﻗﻠﺒﻚ ﻭﺃﻏﻠﻈﻚ؟ ﺃﻧﺖ ﻳﺎ ﺑﻦ ﺑﺎﻫﻠﺔ ﺃﻭﻟﻰ ﺑﺎﻟﺤﻤﻴﻢ ﻭﺍﻟﺨﻠﻮﺩ ﻓﻲ ﻧﺎﺭ ﺟﻬﻨّﻢ ﻣﻨّﻲ، ﺛﻢّ ﺟﻠﺲ ﻣﺘﺴﺎﻧﺪﺍ ﺇﻟﻰ ﺣﺎﺋﻂ»[311].

فالمفارقة التي أشار إليها الراوي للباهلي بأفعاله وأقواله، وهو يعرف مَن هو مسلم بن عقيل باب الرحمة والكرم والشجاعة، ونتيجة الباهلي إلى الحميم والخلود في قعر جهنّم كما قال له رسول الحسين×.

ومما يساعد على ذلك فإنّ شخصية أبي مخنف المتعمقة بفهم التراث العربي، وطبيعة موقفهم وقرب الحادثة زمنياً لزمنه، ووجود الأشخاص منفذي الجريمة بقتل ابن بنت رسول الله’ ستكون بطبيعة الحال ميّالة إلى مفارقة الموقف، وسنرى طغيان هذه المفارقة على سرده، فمفارقة الموقف التي تعتمد على حسّ الراوي العميق بالأشياء والأحداث من حوله، تدعوه ومن منظور فلسفي إلى تصويرها بصورة قد تكون عفوية أحياناً، ولكنّها مقصودة وتحمل دلالات بعيدة عن السياق الذي تكونت به تلك المفارقة، وعلى القارئ استنباط تلك الأبعاد الفلسفية والشعورية وربطها بالحالة الشعورية للراوي، وكشف خيوط التعارض؛ ولذا يعتمد اكتشاف هذه المفارقة لدى الراوي على المراقب أو القارئ أو المتلقّي في الكشف عن التعارض بين المعنى الظاهري والخفي، يقول فيها: «ﻗﺎﻟﺖ: ﻓﺄﻣﺮ ﺑﻔﺴﻄﺎﻃﻪ ﻭﺛﻘﻠﻪ ﻭﻣﺘﺎﻋﻪ ﻓﻘُﺪّﻡ ﻭﺣُﻤﻞ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺤﺴﻴﻦ، ﺛﻢّ ﻗﺎﻝ ﻻﻣﺮﺃﺗﻪ ﺃنتِ ﻃﺎﻟﻖ، اﻟﺤﻘﻲ ﺑﺄﻫﻠﻚ فإﻧّﻲ ﻻ ﺃﺣﺐ أﻥ ﻳﺼﻴﺒﻚ ﻣﻦ ﺳﺒﺒﻲ إلّا ﺧﻴﺮ، ﺛﻢّ ﻗﺎﻝ ﻷﺻﺤﺎﺑﻪ: ﻣَﻦ ﺃﺣﺐ ﻣﻨﻜﻢ أﻥ ﻳﺘﺒﻌﻨﻲ ﻭإلّا ﻓﺈﻧّﻪ ﺁﺧﺮ ﺍﻟﻌﻬﺪ، إﻧّﻲ ﺳﺄﺣﺪّﺛﻜﻢ ﺣﺪﻳﺜﺎً ﻏﺰﻭﻧﺎ ﺑﻠﻨﺠﺮ ﻓﻔﺘﺢ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻨﺎ ﻭﺃﺻﺒﻨﺎ ﻏﻨﺎﺋﻢ، ﻓﻘﺎﻝ ﻟﻨﺎ ﺳﻠﻤﺎﻥ ﺍﻟﺒﺎﻫﻠﻲ: ﺃﻓﺮﺣﺘﻢ ﺑﻤﺎ ﻓﺘﺢ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻜﻢ ﻭﺃﺻﺒﺘﻢ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻐﺎﻧﻢ؟ ﻓﻘﻠﻨﺎ: ﻧﻌﻢ. ﻓﻘﺎﻝ ﻟﻨﺎ: ﺇﺫﺍ ﺃﺩﺭﻛﺘﻢ ﺷﺒﺎﺏ ﺁﻝ ﻣﺤﻤﺪ ﻓﻜﻮﻧﻮﺍ ﺃﺷﺪّ ﻓﺮﺣﺎً ﺑﻘﺘﺎﻟﻜﻢ ﻣﻌﻬﻢ ﺑﻤﺎ ﺃﺻﺒﺘﻢ ﻣﻦ ﺍﻟﻐﻨﺎﺋﻢ، فإﻣّﺎ أﻧﺎ فإﻧّﻲ ﺍﺳﺘﻮﺩﻋﻜﻢ ﺍﻟﻠﻪ. ﻗﺎﻝ: ﺛﻢّ ﻭﺍﻟﻠﻪ ﻣﺎ ﺯﺍﻝ ﻓﻲ ﺃﻭﻝ ﺍﻟﻘﻮﻡ ﺣﺘﻰ ﻗُﺘﻞ»[312].

فالمقطع المختار مقتطع من رواية المقتل يصف فيها زهير عثماني الهوى وافتداءه وقتاله مع الحسين×، وحباً له ومن أجله طلّق الدنيا وما فيها بعد ما كان رافضاً الانضمام إلى نصرة الإمام الحسين×، تاركاً في كلّ حلقة من سلسلة الرواية فحوى سؤال فلسفي عميق يحمل فضاءات متعدّدة، ثمّ يخلص إلى المقطع المختار، فمن خلال التأنّي في الوصف، ورسم لوحة فنّية عن تلك الروحية، وزوجته، وأولاد عمومته، والغنائم، ولكن في نهاية الأمر، يطالعنا الراوي كلّها تهون لحفيد رسول الإنسانيّة، فهنا تكمن المفارقة، فكأنّ كلّ ما يتمتع به وما حوله والغنائم لا يعطي في الحياة إلّا طعماً أعجفاً يابساً مقيتاً لا يستقيم إلّا مع الإمام المعصوم المفترض الطاعة.

أمّا المفارقة السياقية، فالراوي من خلال حسّه العميق بالأشياء حوله، يحاول أن يرسل لنا عبر بث دلالي عميق، ما يكتنف الحياة من تضاد وتناقض، بل إنّ بعضهم أشبه بجثة تلفظ أنفاسها الأخيرة، وهناك مَن يترقب آخر اللحظات ليفدي نفسه في سبيل الله، على الرغم من وجود أناس تنتظر الغنائم بقتل حفيد نبيّهم؛ إذ أرسل إليهم رسوله مسلم بن عقيل إذ قال الراوي: «ﺧﺮﺟﻨﺎ ﻣﻊ ﺍﺑﻦ ﻋﻘﻴﻞ ﺃﺭﺑﻌﺔ ﺁﻻﻑ ﻓﻠﻤّﺎ ﺑﻠﻐﻨﺎ ﺍﻟﻘﺼﺮ إلّا ﻭﻧﺤﻦ ثلثمائة ﻗﺎﻝ: ﻭأﻗﺒﻞ ﻣﺴﻠﻢ ﻳﺴﻴﺮ ﻓﻲ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﻣﻦ ﻣﺮﺍﺩ ﺣﺘﻰ ﺃﺣﺎﻁ ﺑﺎﻟﻘﺼﺮ، ﺛﻢّ ﺇﻥّ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﺗﺪﺍﻋﻮﺍ ﺇﻟﻴﻨﺎ ﻭﺍﺟﺘﻤﻌﻮﺍ، ﻓﻮﺍﻟﻠﻪ ﻣﺎ ﻟﺒﺜﻨﺎ إلّا ﻗﻠﻴﻼً ﺣﺘﻰ امتلأ ﺍﻟﻤﺴﺠﺪ ﻣﻦ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﻭﺍﻟﺴﻮﻕ ﻭﻣﺎ ﺯﺍﻟﻮﺍ ﻳﺜﻮﺑﻮﻥ ﺣﺘﻰ ﺍﻟﻤﺴﺎﺀ، ﻓﻀﺎﻕ ﺑﻌﺒﻴﺪ ﺍﻟﻠﻪ ﺫﺭﻋﻪ ﻭﻛﺎﻥ ﻛﺒﺮ أﻣﺮﻩ أﻥ ﻳﺘﻤﺴّﻚ ﺑﺒﺎﺏ ﺍﻟﻘﺼﺮ ﻭﻟﻴﺲ ﻣﻌﻪ إلّا ﺛﻼﺛﻮﻥ ﺭﺟﻼً ﻣﻦ ﺍﻟﺸﺮﻁ ﻭﻋﺸﺮﻭﻥ ﺭﺟﻼً ﻣﻦ أﺷﺮﺍﻑ ﺍﻟﻨﺎﺱ، ﻭﺃﻫﻞ ﺑﻴﺘﻪ ﻭﻣﻮﺍﻟﻴﻪ، ﻭأﻗﺒﻞ أﺷﺮﺍﻑ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﻳﺄﺗﻮﻥ ﺍﺑﻦ ﺯﻳﺎﺩ ﻣﻦ ﻗِﺒﻞ ﺍﻟﺒﺎﺏ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻠﻲ ﺩﺍﺭ ﺍﻟﺮﻭﻣﻴﻦ»[313].

فالمفارقة هنا، فقد بيّن الراوي وجود التناقض والتضاد عند سرده لمسلم بن عقيل ودخوله للكوفة، واستقبال أهلها له ومبايعته لأكثر من ثمانية عشر ألف كوفي ووجود أكثر من أربعة آلاف مصلّي، ولكنّه لم يجد إلّا القليل من أنصاره وقت الحاجة والشدّة، مع تمسّك مسلم برسالته لوجود الأمل، وهو نوع من التمسّك بالأمل على الرغم من كلّ شيء.

فالراوي في كلّ سرده المبني على المفارقة، يؤسس روايته على مشهد واقعي، ثمّ يؤثثه بأبعاد تتصل بواقعه المشحون بمعانٍ متعدّدة، ولكنّه في لحظة ما يشدنا إلى تلك البؤرة التي بنى عليها روايته، فإذا بنا أمام حلم أو ذكرى بعيدة أو مفارقة وقتية وغيرها من التقنيات التي تخلق طبقات متعدّدة في النص، تأخذك معها من زاوية إلى أخرى متنقلة في دهاليز الروح، حسب المهاجرة دوماً نحو الظل واكتناه الماضي.

ويروي السارد روايته السرديّة بوصف الكوفة التي كانوا فيها، ومن خلالها ينزل إلى الناس ليصفهم هو الآخر، فيتفاجأ الراوي بامرأة هناك، تساعد مسلم بن عقيل بقوة ألف رجل من رجالات الكذب والنفاق، الذين التفوا حوله لطمعهم بأمور دنيوية أَلا وهي طوعة: «يا أَمة ﺍﻟﻠﻪ ﺍﺳﻘﻴﻨﻲ ﻣﺎﺀً، ﻓﺪﺧﻠﺖ ﻓﺴﻘﺘﻪ ﻓﺠﻠﺲ، ﻭﺃﺩﺧﻠﺖ ﺍلإﻧﺎﺀ، ﺛﻢّ ﺧﺮﺟﺖ ﻓﻘﺎﻟﺖ: ﻳﺎ ﻋﺒﺪ ﺍﻟﻠﻪ ﺃَﻟﻢ ﺗﺸﺮﺏ؟ ﻗﺎﻝ: ﺑﻠﻰ. ﻗﺎﻟﺖ: ﻓﺎﺫﻫﺐ ﺇﻟﻰ ﺃﻫﻠﻚ. ﻓﺴﻜﺖ، ﺛﻢّ ﻋﺎﺩﺕ ﻓﻘﺎﻟﺖ ﻣﺜﻞ ﺫﻟﻚ ﻓﺴﻜﺖ، ﺛﻢّ ﻗﺎﻟﺖ ﻟﻪ: ﻓﺊ ﻟﻠﻪ ﺳﺒﺤﺎﻥ ﺍﻟﻠﻪ ﻳﺎ ﻋﺒﺪ ﺍﻟﻠﻪ ﻓﻤﺮ ﺇﻟﻰ ﺃﻫﻠﻚ ﻋﺎﻓﺎﻙ ﺍﻟﻠﻪ، ﻓﺈﻧّﻪ ﻻ ﻳﺼﻠﺢ ﻟﻚ ﺍﻟﺠﻠﻮﺱ ﻋﻠﻰ ﺑﺎﺑﻲ ﻭﻻ ﺃﺣﻠّﻪ ﻟﻚ. ﻓﻘﺎﻡ ﻓﻘﺎﻝ: ﻳﺎ ﺃَﻣﺔ ﺍﻟﻠﻪ ﻣﺎﻟﻲ ﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤِﺼﺮ ﻣﻨﺰﻝ ﻭﻻ ﻋﺸﻴﺮﺓ، ﻓﻬﻞ ﻟﻚ ﺇﻟﻰ ﺃﺟﺮ ﻭﻣﻌﺮﻭﻑ، ﻭﻟﻌﻠّﻲ ﻣﻜﺎﻓﺌﺘﻚ ﺑﻪ ﺑﻌﺪ ﺍﻟﻴﻮﻡ. ﻓﻘﺎﻟﺖ: ﻳﺎ ﻋﺒﺪ ﺍﻟﻠﻪ ﻭﻣﺎ ﺫﺍﻙ؟ ﻗﺎﻝ: أﻧﺎ ﻣﺴﻠﻢ ﺑﻦ ﻋﻘﻴﻞ، ﻛﺬّﺑﻨﻲ ﻫﺆﻻﺀ ﺍﻟﻘﻮﻡ ﻭﻏﺮّﻭﻧﻲ. ﻗﺎﻟﺖ: ﺃﻧﺖ ﻣﺴﻠﻢ؟ ﻗﺎﻝ: ﻧﻌﻢ. ﻗﺎﻟﺖ: ﺍﺩﺧﻞ، ﻓﺄﺩﺧﻠﺘﻪ ﺑﻴﺘﺎً ﻓﻲ ﺩﺍﺭﻫﺎ ﻏﻴﺮ ﺍﻟﺒﻴﺖ ﺍﻟﺬﻱ ﺗﻜﻮﻥ ﻓﻴﻪ، ﻭﻓﺮﺷﺖ ﻟﻪ ﻭﻋﺮﺿﺖ ﻋﻠﻴﻪ ﺍﻟﻌﺸﺎﺀ، ﻓﻠﻢ ﻳﺘﻌﺶَ»[314].

فحالة نقل المتلقّي من حالة إلى أخرى لها أثر نفسي في تلقّي المفارقة فهو ينتظر من الراوي الحدث القادم، وما آل إليه اللقاء ولكنّه تفاجئه أُمّه بوجود الشخص الذي يبحث عنه لأخذ جائزة الأمير.

كما أنّ حالة التغريب تعد واحدة من أشكال المفارقة؛ إذ يقوم على التضاد ولما يحمله الأخير من فضاءات متعدّدة، حيث يجمع الراوي في نص واحد بين المألوف والغريب في مفارقة حدثية؛ إذ يقول: «وروى ﺟﻤﺎﻋﺔ ﻋﻦ ﺍﻟﻘﺴﻢ ﺑﻦ ﺍﻷﺻﺒﻎ ﺑﻦ ﻧﺒﺎﺗﺔ، ﻗﺎﻝ: ﺭﺃﻳﺖ رجلاً ﻣﻦ ﺑﻨﻲ ﺃﺑﺎﻥ ﺑﻦ ﺩﺍﺭﻡ ﺃﺳﻮﺩ ﺍﻟﻮﺟﻪ، ﻭﻗﺪ ﻛﻨﺖ ﺃﻋﺮﻓﻪ ﺷﺪﻳﺪ ﺍﻟﺒﻴﺎﺽ جميلاً، فسألته ﻋﻦ ﺳﺒﺐ ﺗﻐﻴّﺮﻩ ﻭﻗﻠﺖ ﻟﻪ: ﻣﺎ ﻛﺪﺕ ﺃﻋﺮﻓﻚ؟! ﻓﻘﺎﻝ: إﻧّﻲ ﻗﺘﻠﺖ رجلاً بكربلا ﻭﺳﻴﻤﺎً ﺟﺴﻴﻤﺎً ﺑﻴﻦ ﻋﻴﻨﻴﻪ ﺃﺛﺮ ﺍﻟﺴﺠﻮﺩ، ﻓﻤﺎ ﺑﺖُّ ﻟﻴﻠﺔً ﻣﻨﺬ ﻗﺘﻠﺘﻪ ﺇﻟﻰ ﺍلآﻥ إلّا ﻭﻗﺪ ﺟﺎﺋﻨﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﻨﻮﻡ ﻭﺃﺧﺬ ﺑﺘﻼﺑﻴﺒﻲ ﻭﻗﺎﺩﻧﻲ ﺇﻟﻰ ﺟﻬﻨّﻢ، ﻓﻴﺪﻓﻌﻨﻲ ﻓﻴﻬﺎ ﻓﺄﻇﻞ ﺃﺻﻴﺢ، ﻓﻼ ﻳﺒﻘﻰ ﺃﺣﺪ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﻲ إلّا ﻭﻳﺴﻤﻊ ﺻﻴﺎﺣﻲ، ﻗﺎﻝ: ﻓﺎﻧﺘﺸﺮ ﺍﻟﺨﺒﺮ... ﻗﺎﻝ: ﻭﺍﻟﻤﻘﺘﻮﻝ ﻫﻮ ﺍﻟﻌﺒﺎﺱ ﺑﻦ ﻋﻠﻲ‘»[315].

ويحاول الراوي من خلال استعمال دلالة التغريب خلق المفارقة، فسواد الوجه من الأمور المزعجة لعامة الناس، وهذا أمر مألوف، ولكنّه هنا كان شديد البياض وله جمال، فمن تلك الأوصاف التي أشار إليها الراوي، ومن وراء دلالتي المألوف والتغريب هذا تُصنع المفارقة الحدثية التي يكون أمرها متخف دائماً، فالراوي يحكي ما نقل من الحدث وما جرى بعده، وانزعاج الجيران وزوجته من صياحه وقت نومه، في النص السابق لم يلجأ السارد إلى استعمال مفردات تدل على التضاد، ولكن التضاد يُفهم من قراءة النص بأكمله، فالمفارقة هنا هو ما آلت إليه أحوال الراوي بعد ذلك؛ إذ حان دوره في أن ينقل عن روايته، ويستمر السارد في إيراد مفارقاته المتنوّعة هذه في نصوص روايته التي تمثّل مفارقة واحدة أحياناً أو مفارقات متداخلة عديدة.

2 ـ مفارقة الفنتازيا وتداخل المصطلحات

يتداخل مصطلح الفنتازيا مع مصطلحات أخرى أثناء الحديث عن هذا النوع من المفارقات؛ لارتباطها بكلّ ما هو فجائي وغرائبي، وقد عرف مصطلح الغرائبية بعض الباحثين بقوله: «أسلوبٌ مخيل يعمد فيه المؤلف إلى معاينة الواقع بعينٍ مغايرة ترى ما لا نرى؛ لتشكل صياغات نصية لوقائع مختلفة، سمتها التغاير المبني على مفارقة العقل، والواقع، والدخول في فضاءات تتعارض ومعيارية التقنين الحياتي، وهي في السرد المعاصر تنحت متنها بتقنيات عالية اللغة ومحكمة الرؤى، همّها اختراق المألوف والدخول إلى أعماق الروح المتهاوية الأوصال في عالم المادة البغيض، وهي تقوم على الغرابة»[316]، فالغرابة، والخروج عن المألوف، وقلب الواقع المتصوّر في ذهن المتلقّي ركائز يعتمدها المتوسل بالفنتازيا في نصوصه، فضلاً عن توسعة الأفق كما يؤكّد ذلك حاتم الصكر؛ إذ يذهب إلى أنّ طغيان الفنتازيا في الرواية العراقية التي كُتبت في العقود الأخيرة تميّزت بسعة الأفق، وهذا الأمر يعطي المجال للباحث كي يرصد تلك التداخلات النصية التي تظهر أكثر من ميزة في مقدّمتها النزعة التجريبية لدى الكاتب، وشعورهم بضرورة الكتابة بحرية لا يهبهم إيّاها السرد التقليدي (التصاعدي) أو البناء المنطقي للرواية، كأنّما يعادلون بذلك ما يجري على الأرض العراقية من أحداث لا تخضع لمنطق أو تفسير. ينطلق حاتم الصكر من تفسير طغيان الفنتازيا على الرواية العراقية من خلخلة صورة الواقع في ذهن الكاتب، الذي لا يجد أموراً واقعية، وإنّما هي أشبه بالغرائبية.

ولقد تعددت المصطلحات التي تحوي مضموناً واحداً لا يخرج عن الغرابة والانقلاب على المألوف، فالفنتازيا والفنطازيا والفنتاستيك والخيالي كلّها مسميات لمضمون واحد[317].

فالفنتازيا تحاول الانقلاب على المرجعيات التاريخية والدينية والأسطورية والأدبية؛ لأنّها تنطوي على ضدّين الواقع وتلك الانقلابات على ما ذكر؛ ولذا تعدّ قصص الخيال واللامعقول والجنّ وغيرها من الفنتازيا[318]، ويتم بناء عالم الفنتازيا عن طريق خلق شخصيّات عجائبية أو فنتازية تُمنح أوصافاً أو صفات تشكّل فرقاً للطبيعة[319]، فضلاً عن قلب توقعات المتلقّي أو القارئ، وهكذا يمضي السارد في كلّ الرواية التي تخلو من السرد الفنتازي الذي يفسح المجال أمام المتلقّي لتأويلات عديدة عميقة، فالراوي المنعزل بعيداً عن العالم يرى من حوله الأشياء بصورة مريبة تُثير الهواجس والقلق في النفس.

3 ـ المفاجأة وتركيبها

من مميّزات الرواية السرديّة هو قيامها على ركن مهم من إثارة دهشة المتلقّي وقلب توقعاته، وهو ما يسمّى بالمفاجأة، وهناك مَن يجعل هذا المصطلح بموازاة مصطلح المفارقة، بل يعدّها لوناً من ألوان المفارقة وهي مفارقة المفاجأة، «تقوم هذه المفارقة على مخالفة ما يتوقعه المرء في الموقف الذي يمرّ به فيفاجأ تماماً لما في ذهنه»[320]، فوجود المفاجأة المفارقة، أو مفارقة المفاجأة، وغيرها من الألوان من وجهة نظر الباحث في النص، يعطيه القوة على تحطيم الصيغ اللُغوية المألوفة، فضلاً عن بعث لذة النص لدى المتلقّي الذي يظل لاهثاً وراء القصد منها، مع صعوبة القبض على دلالتها.

ثمّ إنّ مفهوم المفارقة أوسع من مفهوم المفاجأة، وإنّ المفارقة قد تؤدي إلى المفاجأة، والمفاجأة تقوم أصلاً على المفارقة، فكلّ مفاجأة مفارقة ولكن ليس كلّ مفارقة مفاجأة، فإحداهما عام والآخر خاص، وهناك من الباحثين من جعل المفاجأة تختص بخواتيم القصص، فيعدّه مقياس جودة تلك القصة؛ إذ يقول عن مقياس المفاجأة «تعمل كثير من القصص القصيرة جداً على مفاجأة المتلقّي وإثارته فنّياً وجمالياً ودلالياً، واستفزازه عن طريق الانزياح والصورة الومضة، وإيقاعه في شرك الحيرة والتعجب اندهاشاً وإرباكاً وسحراً، وتكون هذه المفاجأة عند حدوث الوقع الجمالي، وانتهاك المسافة الجمالية وتخييب أفق انتظار القارئ، وخلخلة مفاهيمه وتصوراته المسبقة عن العمل»[321].

وتقوم المفاجأة أحياناً على الأفكار، والتعبير، والصورة، والحدث، فعنصر المفاجأة هو أصالة البناء الفنّي للقصة؛ إذ يكسب النص القصصي استهلالاً، وخواتيم يضطرب لها القارئ وهي قديرة في إزاحة عين القارئ من مركز التقليد القصصي إلى الامتياز القصصي، وهي بعد ذلك عنصر مهم في التشويق؛ إذ يحرّك خيال القارئ ومرجعياته ويدعوه للاستكشاف عن العوالم المختلفة[322].

وهناك بعض الباحثين مَن يركن المفاجأة في ذيل القصص، فيجعل منها قفلة استثنائية غير متوقعة تكسر رتابة النص، وقد تخالف العنوان[323]، فالقفلة المفاجئة تربك ذهن المتلقّي، وتدعوه إلى الدهشة، ثمّ تجرّه إلى التخييل وافتراض الأجوبة الممكنة، هذا العنصر كان متفاوتاً حضوراً أو غياباً في بناء الرواية السرديّة لدى مقتل أبي مخنف، وهو يسير مع أشطر النص المتتابع وتلتصق المفاجأة مع المفارقة في أغلب نصوصه كما في:

«ﺛﻢّ ﺍﻧﺤﺪﺭ ﺭﺍﺟﻼ ﻭﺣﺪﻩ، ﻓﺠﻌﻞ ﻳﻤﺮّ ﺑﺎﻟﻤﺤﺎﺭﺱ، ﻓﻜﻠّﻤﺎ ﻧﻈﺮﻭﺍ ﺇﻟﻴﻪ ﻟﻢ ﻳﺸﻜﻮﺍ أﻧّﻪ ﺍﻟﺤﺴﻴﻦ ﻓﻴﻘﻮﻟﻮﻥ: ﻣﺮﺣﺒﺎ ﺑﻚ ﻳﺎ ﺑﻦ ﺭﺳﻮﻝ ﺍﻟﻠﻪ، ﻭﺟﻌﻞ ﻻ ﻳﻜﻠّﻤﻬﻢ ﻭﺧﺮﺝ ﺇﻟﻴﻪ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﻣﻦ ﺩﻭﺭﻫﻢ ﻭ ﺑﻴﻮﺗﻬﻢ، ﻭﺳﻤﻊ ﺑﻬﻢ ﺍﻟﻨﻌﻤﺎﻥ ﺑﻦ ﺑﺸﻴﺮ، ﻓﻐﻠﻖ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﻋﻠﻰ ﺧﺎﺻﺘﻪ»[324].

فأشار السارد بروايته إلى المفاجئة والمفارقة بين الحسين× وبين ابن مرجانة ودخوله إلى الكوفة، بأنّه ابن بنت رسول الله ’ واستقبلوه أهل الكوفة بأنّه الحسين، ولكن المفاجئة بعد وصوله إلى القصر، واعتلى منبر المدينة وتفاجئ الوالي به وبقدومه.

ففي رواية المقتل الحسيني يمكن رصد بعض الموجودات تتمثّل فيها المفارقة:

شخصية عمر بن سعد: «ﻗﺎﻝ ﺃﺑﻮ ﻣﺨﻨﻒ، ﻋﻦ ﺃﺑﻲ ﺟﻨﺎﺏ ﺍﻟﻜﻠﺒﻲ، ﻋﻦ ﻋﺪﻱ ﺑﻦ ﺣﺮﻣﻠﺔ، ﻗﺎﻝ: ﺛﻢّ ﺇﻥّ ﺍﻟﺤﺮّ ﺑﻦ يزيد ﻟﻤّﺎ ﺯﺣﻒ ﻋﻤﺮ ﺑﻦ ﺳﻌﺪ ﻗﺎﻝ ﻟﻪ: ﺃﺻﻠﺤﻚ ﺍﻟﻠﻪ، ﻣﻘﺎﺗﻞ ﺃﻧﺖ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺮﺟﻞ؟ ﻗﺎﻝ: إﻱ ﻭﺍﻟﻠﻪ، قتالاً ﺃﻳﺴﺮﻩ ﺃﻥ تسقط ﺍﻟﺮﺅﻭﺱ ﻭﺗﻄﻴﺢ ﺍﻷﻳﺪﻱ، ﻗﺎﻝ: ﺃﻓﻤﺎ ﻟﻜﻢ ﻓﻲ ﻭﺍﺣﺪﺓ ﻣﻦ ﺍﻟﺨﺼﺎﻝ ﺍﻟﺘﻲ ﻋﺮﺽ ﻋﻠﻴﻜﻢ ﺭﺿﻰ؟ ﻗﺎﻝ ﻋﻤﺮ ﺑﻦ ﺳﻌﺪ: أَﻣﺎ ﻭﺍﻟﻠﻪ ﻟﻮ ﻛﺎﻥ ﺍلأﻣﺮ ﺇﻟﻲّ ﻟﻔﻌﻠﺖ، ﻭﻟﻜﻦ ﺃﻣﻴﺮﻙ ﻗﺪ ﺃﺑﻰ ﺫﻟﻚ»[325].

بعض من ناصر وبايع مسلم بن عقيل «ﻗﺎﻝ ﺃﺑﻮ ﻣﺨﻨﻒ، ﺣﺪّﺛﻨﻲ ﻳﻮﺳﻒ ﺑﻦ ﻳﺰﻳﺪ ﻋﻦ ﻋﺒﺪ ﺍﻟﻠﻪ ﺑﻦ ﺣﺎﺯﻡ، ﻗﺎﻝ: أنا ﻭﺍﻟﻠﻪ ﺭﺳﻮﻝ ﺍﺑﻦ ﻋﻘﻴﻞ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻘﺼﺮ ﻷﻧﻈﺮ ﺇﻟﻰ ﻣﺎ ﺻﺎﺭ ﺃﻣﺮ ﻫﺎﻧﺊ، ﻗﺎﻝ: ﻓﻠﻤّﺎ ﺿُﺮﺏ ﻭﺣُﺒﺲ ﺭﻛﺒﺖ ﻓﺮﺳﻲ ﻭﻛﻨﺖ ﺃﻭّﻝ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﺪﺍﺭ ﺩﺧﻞ ﻋﻠﻰ ﻣﺴﻠﻢ ﺑﻦ ﻋﻘﻴﻞ ﺑﺎﻟﺨﺒﺮ، ﻭﺇﺫ ﻧﺴﻮﺓ ﻟﻤﺮﺍﺩ ﻣﺠﺘﻤﻌﺎﺕ ﻳﻨﺎﺩﻳﻦ ﻳﺎ ﻋﺜﺮﺗﺎﻩ ﻳﺎ ﺛﻜﻼﻩ، ﻓﺪﺧﻠﺖ ﻋﻠﻰ ﻣﺴﻠﻢ ﺑﻦ ﻋﻘﻴﻞ ﺑﺎﻟﺨﺒﺮ ﻓﺄﻣﺮﻧﻲ أﻥ ﺃﻧﺎﺩﻱ ﻓﻲ ﺃﺻﺤﺎﺑﻪ ﻭﻗﺪ ﻣﻼﺀ[326] ﻣﻨﻬﻢ ﺍﻟﺪﻭﺭ ﺣﻮﻟﻪ، ﻭﻗﺪ ﺑﺎﻳﻌﻪ ﺛﻤﺎﻧﻴﺔ ﻋﺸﺮ ﺃﻟﻔﺎً، ﻭﻓﻲ ﺍﻟﺪﻭﺭ ﺃﺭﺑﻌﺔ ﺁﻻﻑ ﺭﺟﻞ، ﻓﻘﺎﻝ ﻟﻲ: ﻧﺎﺩ ﻳﺎ ﻣﻨﺼﻮﺭ ﺃﻣﺖ، ﻭﻧﺎﺩﻳﺖ: ﻳﺎ ﻣﻨﺼﻮﺭ ﺃﻣﺖ، ﻭﺗﻨﺎﺩﻱ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﻜﻮﻓﺔ ﻓﺎﺟﺘﻤﻌﻮﺍ ﺇﻟﻴﻪ. ﻓﻌﻘﺪ ﻣﺴﻠﻢ ﻟﻌﺒﻴﺪ ﺍﻟﻠﻪ ﺑﻦ ﻋﻤﺮﻭ ﺑﻦ ﻋﺰﻳﺮ ﺍﻟﻜﻨﺪﻱ ﻋﻠﻰ ﺭﺑﻊ ﻛﻨﺪﺓ ﻭﺭﺑﻴﻌﺔ، ﻭﻗﺎﻝ: ﺳﺮ ﺃﻣﺎﻣﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﺨﻴﻞ، ﺛﻢّ ﻋﻘﺪ ﻟﻤﺴﻠﻢ ﺑﻦ ﻋﻮﺳﺠﺔ ﺍﻷﺳﺪﻱ ﻋﻠﻰ ﺭﺑﻊ ﻣﺬﺣﺞ ﻭﺃﺳﺪ، ﻭﻗﺎﻝ: ﺍﻧﺰﻝ ﻓﻲ ﺍﻟﺮﺟﺎﻝ ﻓﺄﻧﺖ ﻋﻠﻴﻬﻢ، ﻭﻋﻘﺪ ﻻﺑﻦ ﺛﻤﺎﻣﺔ ﺍﻟﺼﺎﺋﺪي ﻋﻠﻰ ﺭﺑﻊ ﺗﻤﻴﻢ ﻭﻫﻤﺪﺍﻥ ﻭﻋﻘﺪﻩ ﻟﻌﺒﺎﺱ ابن ﺟﻌﺪﺓ ﺍﻟﺠﺪﻟﻲ ﻋﻠﻰ ﺭﺑﻊ ﺍﻟﻤﺪﻳﻨﺔ، ﺛﻢّ أﻗﺒﻞ ﻧﺤﻮ ﺍﻟﻘﺼﺮ ﻓﻠﻤّﺎ ﺑﻠﻎ ﺍﺑﻦ ﺯﻳﺎﺩ إﻗﺒﺎﻟﻪ ﺗﺤﺮّﺯ ﻓﻲ ﺍﻟﻘﺼﺮ ﻭﻏﻠﻖ ﺍﻷﺑﻮﺍﺏ. ﻗﺎﻝ ﺃﺑﻮ ﻣﺨﻨﻒ: ﺣﺪّﺛﻨﻲ ﻳﻮﺳﻒ ﺑﻦ ﺃﺑﻲ ﺇﺳﺤﺎﻕ ﻋﻦ ﺍﻟﺠﺪﻟﻲ، ﻗﺎﻝ: ﻭﺟﻌﻞ ﻣَﻦ ﺑﺎﻟﻘﺼﺮ ﻣﻊ ﺍﺑﻦ ﺯﻳﺎﺩ ﻳُﺸﺮﻓﻮﻥ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﻓﻴﻨﻈﺮﻭﻥ ﺇﻟﻴﻬﻢ، ﻓﻴﺘﻘﻮﻥ أﻥ ﻳﺮﻣﻮﻫﻢ ﺑﺎﻟﺤﺠﺎﺭﺓ، ﻭأﻥ ﻳﺸﺘﻤﻮﻫﻢ ﻭﻫﻢ ﻻ ﻳﻔﺘﺮﻭﻥ ﻋﻠﻰ ﻋﺒﻴﺪ ﺍﻟﻠﻪ ﻭﻋﻠﻰ ﺃﺑﻴﻪ، ﻭﺩﻋﺎ ﻋﺒﻴﺪ ﺍﻟﻠﻪ ﻛﺜﻴﺮ ﺑﻦ ﺷﻬﺎﺏ ﺑﻦ ﺣﺼﻴﻦ ﺍﻟﺤﺎﺭﺛﻲ ﻓﺄﻣﺮﻩ أﻥ ﻳﺨﺮﺝ ﻓﻴﻤَﻦ ﺃﻃﺎﻋﻪ ﻣﻦ ﻣﺬﺣﺞ ﻓﻴﺴﻴﺮ ﺑﺎﻟﻜﻮﻓﺔ ﻭﻳﺨﺬّﻝ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﻋﻦ ﺍﺑﻦ ﻋﻘﻴﻞ، ﻭﻳﺨﻮﻓﻬﻢ ﺍﻟﺤﺮﺏ، ﻭﻳﺤﺬﺭﻫﻢ ﻋﻘﻮﺑﺔ ﺍﻟﺴﻠﻄﺎﻥ، ﻭأﻣﺮ ﻣﺤﻤﺪ ﺑﻦ ﺍﻷﺷﻌﺚ أﻥ ﻳﺨﺮﺝ ﻓﻴﻤَﻦ ﺃﻃﺎﻋﻪ ﻣﻦ ﻛﻨﺪﺓ ﻭﺣﻀﺮﻣﻮﺕ، ﻓﻴﺮﻓﻊ ﺭﺃﻳﻪ ﺃﻣﺎﻥ ﻟﻤَﻦ ﺟﺎﺀﻩ ﻣﻦ ﺍﻟﻨﺎﺱ، ﻭﻗﺎﻝ ﻣﺜﻞ ﺫﻟﻚ ﻟﻠﻘﻌﻘﺎﻉ ﺑﻦ ﺷﻮﺭ ﺍﻟﺬﻫﻠﻲ»[327].

المجتمع الكوفي آنذاك «ﻓﻴﻘﻮﻝ: إﻥّ ﺍﺑﻦ ﻋﻘﻴﻞ ﺑﻌﺜﻨﻲ ﺇﻟﻴﻚ ﻭﻫﻮ ﻓﻲ ﺃﻳﺪﻱ ﺍﻟﻘﻮﻡ ﺃﺳﻴﺮ ﻻ يرى ﺃﻥ ﺗﻤﺸﻰ ﺣﺘﻰ ﺗُﻘﺘﻞ، ﻭﻫﻮ ﻳﻘﻮﻝ: ﺍﺭﺟﻊ ﺑأﻫﻞ ﺑﻴﺘﻚ ﻭﻻ ﻳﻐﺮّﻙ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﻜﻮﻓﺔ، ﻓﺈﻧّﻬﻢ ﺃﺻﺤﺎﺏ ﺃﺑﻴﻚ ﺍﻟﺬﻱ ﻛﺎﻥ ﻳﺘﻤﻨّﻰ ﻓﺮﺍﻗﻬﻢ ﺑﺎﻟﻤﻮﺕ ﺃﻭ ﺍﻟﻘﺘﻞ، إﻥّ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﻜﻮﻓﺔ ﻗﺪ ﻛﺬﺑﻮﻙ ﻭﻛﺬﺑﻮﻧﻲ ﻭﻟﻴﺲ ﻟﻤﻜﺬﻭﺏ رأى، ﻓﻘﺎﻝ ﺍﺑﻦ ﺍﻷﺷﻌﺚ: ﻭﺍﻟﻠﻪ ﻷﻓﻌﻠﻦ ﻭﻷﻋﻠﻤﻦ ﺍﺑﻦ ﺯﻳﺎﺩ أﻧّﻲ ﻗﺪ ﺃﻣﻨﺘﻚ»[328].

تحوّل الحرّ «ﻗﺎﻝ: ﻓﺄﻗﺒﻞ ﺣﺘﻰ ﻭﻗﻒ ﻣﻦ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﻣﻮﻗﻔﺎً ﻭﻣﻌﻪ ﺭﺟﻞ ﻣﻦ ﻗﻮﻣﻪ ﻳﻘﺎﻝ ﻟﻪ: ﻗﺮّﺓ ﺑﻦ ﻗﻴﺲ، ﻓﻘﺎﻝ: ﻳﺎ ﻗﺮّﺓ، ﻫﻞ ﺳﻘﻴﺖ ﻓﺮﺳﻚ ﺍﻟﻴﻮﻡ؟ ﻗﺎﻝ: ﻻ. ﻗﺎﻝ: إﻧّﻤﺎ ﺗﺮﻳﺪ ﺃﻥ ﺗﺴﻘﻴﻪ؟ ﻗﺎﻝ: ﻓﻈﻨﻨﺖ ﻭﺍﻟﻠﻪ ﺃﻧّﻪ ﻳﺮﻳﺪ أﻥ ﻳﺘﻨﺤﻰ ﻓﻼ ﻳﺸﻬﺪ ﺍﻟﻘﺘﺎﻝ، ﻭﻛﺮﻩ ﺃﻥ ﺃﺭﺍﻩ ﺣﻴﻦ ﻳﺼﻨﻊ ﺫﻟﻚ، ﻓﻴﺨﺎﻑ أﻥ أﺭﻓﻌﻪ ﻋﻠﻴﻪ، ﻓﻘﻠﺖ ﻟﻪ: ﻟﻢ ﺍﺳﻘﻪ، ﻭأﻧﺎ ﻣﻨﻄﻠﻖ ﻓﺴﺎﻗﻴﻪ، ﻗﺎﻝ: ﻓﺎﻋﺘﺰﻟﺖ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻤﻜﺎﻥ ﺍﻟﺬﻱ ﻛﺎﻥ ﻓﻴﻪ، ﻗﺎﻝ: ﻓﻮﺍﻟﻠﻪ ﻟﻮ ﺃﻧّﻪ ﺍﻃﻠﻌﻨﻲ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺮﻳﺪ ﻟﺨﺮﺟﺖ ﻣﻌﻪ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺤﺴﻴﻦ، ﻗﺎﻝ: ﻓﺄﺧﺬ ﻳﺪﻧﻮ ﻣﻦ ﺣﺴﻴﻦ قليلاً قليلاً، ﻓﻘﺎﻝ ﻟﻪ ﺭﺟﻞ ﻣﻦ ﻗﻮﻣﻪ ﻳﻘﺎﻝ ﻟﻪ ﺍﻟﻤﻬﺎﺟﺮ بن ﺍﻷﻭﺱ: ﻣﺎ ﺗﺮﻳﺪ ﻳﺎ ﺑﻦ ﻳﺰﻳﺪ؟ ﺃﺗﺮﻳﺪ أﻥ ﺗﺤﻤﻞ؟ ﻓﺴﻜﺖ ﻭأﺧﺬﻩ ﻣﺜﻞ ﺍﻟﻌﺮﻭﺍﺀ، ﻓﻘﺎﻝ ﻟﻪ: ﻳﺎ ﺑﻦ ﻳﺰﻳﺪ ﻭﺍﻟﻠﻪ إﻥّ ﺃﻣﺮﻙ ﻟﻤﺮﻳﺐ، ﻭﺍﻟﻠﻪ ﻣﺎ ﺭﺃﻳﺖ ﻣﻨﻚ ﻓﻲ ﻣﻮﻗﻒ ﻗﻂُّ ﻣﺜﻞ شيء ﺃﺭﺍﻩ ﺍلآﻥ، ﻭﻟﻮ ﻗﻴﻞ ﻟﻲ ﻣَﻦ ﺃﺷﺠﻊ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﻜﻮﻓﺔ رجلاً ﻣﺎ ﻋﺪﻭﺗﻚ، ﻓﻤﺎ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺬﻱ أرى ﻣﻨﻚ؟ ﻗﺎﻝ: إﻧّﻲ ﻭﺍﻟﻠﻪ ﺃﺧﻴّﺮ ﻧﻔﺴﻲ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺠﻨّﺔ ﻭﺍﻟﻨﺎﺭ، ﻭﻭﺍﻟﻠﻪ ﻻ ﺍﺧﺘﺎﺭ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺠﻨّﺔ ﺷﻴﺌﺎً ﻭﻟﻮ ﻗﻄّﻌﺖ ﻭﺣُﺮﻗﺖ. ﺛﻢّ ﺿﺮﺏ ﻓﺮﺳﻪ ﻓﻠﺤﻖ ﺑﺤﺴﻴﻦ × ﻓﻘﺎﻝ ﻟﻪ: ﺟﻌﻠﻨﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻓﺪﺍﻙ ﻳﺎ ﺑﻦ ﺭﺳﻮﻝ ﺍﻟﻠﻪ، أﻧﺎ ﺻﺎﺣﺒﻚ ﺍﻟﺬﻱ ﺣﺒﺴﺘﻚ ﻋﻦ ﺍﻟﺮﺟﻮﻉ ﻭﺳﺎﻳﺮﺗﻚ ﻓﻲ ﺍﻟﻄﺮﻳﻖ، ﻭﺟﻌﺠﻌﺖ ﺑﻚ ﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﻜﺎﻥ، ﻭﺍﻟﻠﻪ ﺍﻟﺬﻱ ﻻ إﻟﻪ إلّا ﻫﻮ ﻣﺎ ﻇﻨﻨﺖ أﻥّ ﺍﻟﻘﻮﻡ ﻳﺮﺩﻭﻥ ﻋﻠﻴﻚ ﻣﺎ ﻋﺮﺿﺖ ﻋﻠﻴﻬﻢ أﺑﺪﺍً، ﻭﻻ ﻳﺒﻠﻐﻮﻥ ﻣﻨﻚ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﻨﺰﻟﺔ، ﻓﻘﻠﺖ ﻓﻲ ﻧﻔﺴﻲ ﻻ ﺃﺑﺎﻟﻲ أﻥ ﺃﺿﻴﻊ[329] ﺍﻟﻘﻮﻡ ﻓﻲ ﺑﻌﺾ ﺃﻣﺮﻫﻢ ﻭﻻ ﻳﺮﻭﻥ أﻧّﻲ ﺧﺮﺟﺖ ﻣﻦ ﻃﺎﻋﺘﻬﻢ، ﻭأﻣّﺎ ﻫﻢ ﻓﺴﻴﻘﺒﻠﻮﻥ ﻣﻦ ﺣﺴﻴﻦ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺨﺼﺎﻝ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﻌﺮﺽ ﻋﻠﻴﻬﻢ، ﻭﻭﺍﻟﻠﻪ ﻟﻮ ﻇﻨﻨﺖ أﻧّﻬﻢ ﻻ ﻳﻘﺒﻠﻮﻧﻬﺎ ﻣﻨﻚ ﻣﺎ ﺭﻛﺒﺘﻬﺎ ﻣﻨﻚ، ﻭأنّي ﻗﺪ ﺟﺌﺘﻚ ﺗﺎﺋﺒﺎً ﻣﻤّﺎ ﻛﺎﻥ ﻣﻨّﻲ ﺇﻟﻲ ﺭﺑّﻲ ﻭﻣﻮﺍﺳﻴﺎً ﻟﻚ ﺑﻨﻔﺴﻲ ﺣﺘﻰ ﺃﻣﻮﺕ ﺑﻴﻦ ﻳﺪﻳﻚ، افترى ﺫﻟﻚ ﻟﻲ ﺗﻮﺑﺔ؟ ﻗﺎﻝ: ﻧﻌﻢ ﻳﺘﻮﺏ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻚ ﻭﻳﻐﻔﺮ ﻟﻚ ﻣﺎ ﺍﺳﻤﻚ؟ ﻗﺎﻝ: أﻧﺎ ﺍﻟﺤﺮّ ﺑﻦ ﻳﺰﻳﺪ. ﻗﺎﻝ: ﺃﻧﺖ ﺍﻟﺤﺮّ ﻛﻤﺎ ﺳﻤﺘﻚ ﺃُﻣّﻚ، ﺃﻧﺖ ﺍﻟﺤﺮّ ﺇﻥ ﺷﺎﺀ ﺍﻟﻠﻪ ﻓﻲ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﻭﺍﻵﺧﺮﺓ ﺍﻧﺰﻝ، ﻗﺎﻝ: أﻧﺎ ﻟﻚ ﻓﺎﺭﺳﺎً ﺧﻴﺮ ﻣﻨّﻲ ﺭﺍﺟﻼً، ﺃﻗﺎﺗﻠﻬﻢ ﻋﻠﻰ ﻓﺮﺳﻲ ﺳﺎﻋﺔ ﻭإﻟﻰ ﺍﻟﻨﺰﻭﻝ ﻣﺎ ﻳﺼﻴﺮ ﺁﺧﺮ ﺃﻣﺮﻱ. ﻗﺎﻝ ﺍﻟﺤﺴﻴﻦ: ﻓﺎﺻﻨﻊ ﻳﺮﺣﻤﻚ ﺍﻟﻠﻪ ﻣﺎ ﺑﺪﺍ ﻟﻚ»[330].

تحوّل زهير: «ﻟﻤﺎ ﻛﺎﻥ ﺯﻣﻦ ﺍﻟﺤﺠﺎﺝ ﺑﻦ ﻳﻮﺳﻒ ﻛﻨّﺎ ﻓﻲ ﺩﺍﺭ ﺍﻟﺤﺎﺭﺙ ﺑﻦ ﺃﺑﻲ ﺭﺑﻴﻌﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﻤّﺎﺭﻳﻦ، ﺍﻟﺘﻲ ﺃﻗﻄﻌﺖ ﺑﻌﺪ ﺯﻫﻴﺮ ﺑﻦ ﺍﻟﻘﻴﻦ ﻣﻦ ﺑﻨﻲ ﻋﻤﺮﻭ ﺑﻦ ﻳﺸﻜﺮ ﻣﻦ ﺑﺠﻴﻠﺔ، ﻭﻛﺎﻥ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﺸﺎﻡ ﻻ ﻳﺪﺧﻠﻮﻧﻬﺎ ﻓﻜﻨّﺎ ﻣﺤﺘﺒﻴﻦ ﻓﻴﻬﺎ، ﻗﺎﻝ: ﻓﻘﻠﺖ ﻟﻠﻔﺰﺍﺭﻱ ﺣﺪّﺛﻨﻲ ﻋﻨﻜﻢ ﺣﻴﻦ ﺃﻗﺒﻠﺘﻢ ﻣﻊ ﺍﻟﺤﺴﻴﻦ ﺑﻦ ﻋﻠﻲ. ﻗﺎﻝ: ﻛﻨّﺎ ﻣﻊ ﺯﻫﻴﺮ ﺑﻦ ﺍﻟﻘﻴﻦ ﺍﻟﺒﺠﻠﻲ ﺣﻴﻦ ﺃﻗﺒﻠﻨﺎ ﻣﻦ ﻣﻜﺔ ﻧﺴﺎﻳﺮ ﺍﻟﺤﺴﻴﻦ، ﻓﻠﻢ ﻳﻜﻦ شيء ﺃﺑﻐﺾ ﺇﻟﻴﻨﺎ ﻣﻦ ﺃﻥ ﻧﺴﺎﻳﺮﻩ ﻓﻲ ﻣﻨﺰﻝ، ﻓﺈﺫﺍ ﺳﺎﺭ ﺍﻟﺤﺴﻴﻦ ﺗﺨﻠّﻒ ﺯﻫﻴﺮ ﺑﻦ ﺍﻟﻘﻴﻦ، ﻭﺇﺫﺍ ﻧﺰﻝ ﺍﻟﺤﺴﻴﻦ ﺗﻘﺪّﻡ ﺯﻫﻴﺮ ﺣﺘﻰ ﻧﺰﻟﻨﺎ ﻳﻮﻣﺌﺬٍ ﻓﻲ ﻣﻨﺰﻝ ﻟﻢ ﻧﺠﺪ ﺑُﺪﺍً ﻣﻦ ﺃﻥ ﻧﻨﺎﺯﻟﻪ ﻓﻴﻪ، ﻓﻨﺰﻝ ﺍﻟﺤﺴﻴﻦ ﻣﻦ ﺟﺎﻧﺐ ﻭﻧﺰﻟﻨﺎ ﻓﻲ ﺟﺎﻧﺐ، ﻓﺒﻴﻨﺎ ﻧﺤﻦ ﺟﻠﻮﺱ نتغدى ﻣﻦ ﻃﻌﺎﻡ ﻟﻨﺎ ﺇﺫ أﻗﺒﻞ ﺭﺳﻮﻝ ﺍﻟﺤﺴﻴﻦ ﺣﺘﻰ ﺳﻠّﻢ، ﺛﻢّ ﺩﺧﻞ ﻓﻘﺎﻝ: ﻳﺎ ﺯﻫﻴﺮ ﺑﻦ ﺍﻟﻘﻴﻦ، إﻥّ ﺃﺑﺎ ﻋﺒﺪ ﺍﻟﻠﻪ ﺍﻟﺤﺴﻴﻦ ﺑﻦ ﻋﻠﻲ ﺑﻌﺜﻨﻲ ﺇﻟﻴﻚ ﻟﺘﺄﺗﻴﻪ. ﻗﺎﻝ ﻓﻄﺮﺡ ﻛﻞّ إﻧﺴﺎﻥ ﻣﺎ ﻓﻲ ﻳﺪﻩ ﺣﺘﻰ ﻛﺎﺋﻨﺎ ﻋﻠﻰ ﺭﺅﻭﺳﻨﺎ ﺍﻟﻄﻴﺮ، ﻗﺎﻝ ﺃﺑﻮ ﻣﺨﻨﻒ: ﻓﺤﺪّﺛﻨﻲ[331] ﺩﻟﻬﻢ ﺑﻨﺖ ﻋﻤﺮﻭ ﺍﻣﺮﺃﺓ ﺯﻫﻴﺮ ﺑﻦ ﺍﻟﻘﻴﻦ، ﻗﺎﻟﺖ: ﻓﻘﻠﺖ ﻟﻪ: ﺃﻳﺒﻌﺚ ﺇﻟﻴﻚ ﺍﺑﻦ ﺭﺳﻮﻝ ﺍﻟﻠﻪ ﺛﻢّ ﻻ ﺗﺄﺗﻴﻪ ﺳﺒﺤﺎﻥ ﺍﻟﻠﻪ ﻟﻮ ﺃﺗﻴﺘﻪ ﻓﺴﻤﻌﺖ ﻣﻦ ﻛﻼﻣﻪ، ﺛﻢّ ﺍﻧﺼﺮﻓﺖ، ﻗﺎﻟﺖ: ﻓﺎﺗﺎﻩ ﺯﻫﻴﺮ ﺑﻦ ﺍﻟﻘﻴﻦ ﻓﻤﺎ ﻟﺒﺚ أﻥ ﺟﺎﺀ ﻣﺴﺘﺒﺸﺮﺍً ﻗﺪ ﺃﺳﻔﺮ ﻭﺟﻬﻪ»[332]. وطلب الشامي: «ﻗﺎﻝ ﺃﺑﻮ ﻣﺨﻨﻒ ﻋﻦ ﺍﻟﺤﺎﺭﺙ ﺑﻦ ﻛﻌﺐ، ﻋﻦ ﻓﺎﻃﻤﺔ ﺑﻨﺖ ﻋﻠﻰ، ﻗﺎﻟﺖ ﻟﻤّﺎ ﺃُﺟﻠﺴﻨﺎ ﺑﻴﻦ ﻳﺪﻱ ﻳﺰﻳﺪ ﺑﻦ ﻣﻌﺎﻭﻳﺔ ﺭﻕّ ﻟﻨﺎ، ﻭأﻣﺮ ﻟﻨﺎ بشيء ﻭﺃﻟﻄﻔﻨﺎ، ﻗﺎﻟﺖ: ﺛﻢّ ﺇﻥّ ﺭﺟﻼً ﻣﻦ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﺸﺎﻡ أﺣﻤﺮ ﻗﺎﻡ ﺇﻟﻰ ﻳﺰﻳﺪ، ﻓﻘﺎﻝ: ﻳﺎ ﺃﻣﻴﺮ ﺍﻟﻤﺆﻣﻨﻴﻦ: ﻫﺐ ﻟﻲ ﻫﺬﻩ ﻳﻌﻨﻴﻨﻲ، ﻭﻛﻨﺖ ﺟﺎﺭﻳﺔ ﻭﺿﻴﺌﺔ ﻓﺄُﺭﻋﺪﺕ، ﻭﻓﺮﻗﺖ ﻭﻇﻨﻨﺖ أﻥّ ﺫﻟﻚ ﺟﺎﺋﺰ ﻟﻬﻢ، ﻭأﺧﺬﺕ ﺑﺜﻴﺎﺏ ﺃﺧﺘﻲ ﺯﻳﻨﺐ، ﻗﺎﻟﺖ ﻭﻛﺎﻧﺖ ﺃﺧﺘﻲ ﺯﻳﻨﺐ ﺃﻛﺒﺮ ﻣﻨّﻲ ﻭأﻋﻘﻞ، ﻭﻛﺎﻧﺖ ﺗﻌﻠﻢ ﺃﻥّ ﺫﻟﻚ ﻻ ﻳﻜﻮﻥ، ﻓﻘﺎﻟﺖ: ﻛﺬﺑﺖ ﻭﺍﻟﻠﻪ ﻭﻟؤﻣﺖ ﻣﺎ ﺫﻟﻚ ﻟﻚ ﻭﻟﻪ. ﻓﻐﻀﺐ ﻳﺰﻳﺪ ﻓﻘﺎﻝ: ﻛﺬﺑﺖ ﻭﺍﻟﻠﻪ إﻥّ ﺫﻟﻚ ﻟﻲ ﻭﻟﻮ ﺷﺌﺖ أﻥ ﺃﻓﻌﻠﻪ ﻟﻔﻌﻠﺖ. ﻗﺎﻟﺖ: ﻛﻼ ﻭﺍﻟﻠﻪ ﻣﺎ ﺟﻌﻞ ﺍﻟﻠﻪ ﺫﻟﻚ ﻟﻚ إلّا أﻥ ﺗﺨﺮﺝ ﻣﻦ ﻣﻠﺘﻨﺎ ﻭﺗﺪﻳﻦ ﺑﻐﻴﺮ ﺩﻳﻨﻨﺎ، ﻗﺎﻟﺖ ﻓﻐﻀﺐ ﻳﺰﻳﺪ ﻭﺍﺳﺘﻄﺎﺭ، ﺛﻢّ ﻗﺎﻝ: ﺇﻳﺎﻱ ﺗﺴﺘﻘﺒﻠﻴﻦ ﺑﻬﺬﺍ، إﻧّﻤﺎ ﺧﺮﺝ ﻣﻦ ﺍﻟﺪﻳﻦ ﺃﺑﻮﻙ ﻭﺃﺧﻮﻙ، ﻓﻘﺎﻟﺖ ﺯﻳﻨﺐ: ﺑﺪﻳﻦ ﺍﻟﻠﻪ ﻭﺩﻳﻦ ﺃﺑﻲ ﻭﺩﻳﻦ ﺃﺧﻲ ﻭﺟﺪﻱ ﺍﻫﺘﺪﻳﺖ ﺃﻧﺖ ﻭﺃﺑﻮﻙ ﻭﺟﺪﻙ. ﻗﺎﻝ: ﻛﺬﺑﺖ ﻳﺎ ﻋﺪﻭﺓ ﺍﻟﻠﻪ. ﻗﺎﻟﺖ: ﺃﻧﺖ ﺃﻣﻴﺮ ﻣﺴﻠّﻂ ﺗﺸﺘﻢ ﻇﺎﻟﻤﺎً، ﻭﺗﻘﻬﺮ ﺑﺴﻠﻄﺎﻧﻚ. ﻗﺎﻟﺖ ﻓﻮﺍﻟﻠﻪ ﻟﻜﺄﻧّﻪ ﺍﺳﺘﺤﻴﺎ ﻓﺴﻜﺖ. ﺛﻢّ ﻋﺎﺩ ﺍﻟﺸﺎﻣﻲ ﻓﻘﺎﻝ: ﻳﺎ ﺃﻣﻴﺮ ﺍﻟﻤﺆﻣﻨﻴﻦ ﻫﺐ ﻟﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺠﺎﺭﻳﺔ، ﻗﺎﻝ: ﺃﻋﺰﺏ، ﻭﻫﺐ ﺍﻟﻠﻪ ﻟﻚ ﺣﺘﻔﺎً ﻗﺎﺿﻴﺎً»[333].

يزيد بن زياد الكندي رجل شجاع، خرج مع عمر بن سعد، وقاتل مع الحسين× ضدّ ابن سعد: «ﻗﺎﻝ ﺃﺑﻮ ﻣﺨﻨﻒ: ﺣﺪّﺛﻨﻲ ﻓﻀﻴﻞ ﺑﻦ ﺧﺪﻳﺞ ﺍﻟﻜﻨﺪﻱ أﻥّ ﻳﺰﻳﺪ ﺑﻦ ﺯﻳﺎﺩ ﻭﻫﻮ ﺃﺑﻮ ﺍﻟﺸﻌﺜﺎﺀ ﺍﻟﻜﻨﺪﻱ ﻣﻦ ﺑﻨﻲ ﺑﻬﺪﻟﺔ ﺟﺜﻰ[334] ﻋﻠﻰ ﺭﻛﺒﺘﻴﻪ ﺑﻴﻦ ﻳﺪﻱ ﺍﻟﺤﺴﻴﻦ ﻓﺮﻣﻰ ﺑﻤﺄﺓ[335] ﺳﻬﻢ ﻣﺎ ﺳﻘﻂ ﻣﻨﻬﺎ ﺧﻤﺴﺔ ﺃﺳﻬﻢ ﻭﻛﺎﻥ ﺭﺍﻣﻴﺎً ﻭﻛﺎﻥ ﻛﻠّﻤﺎ ﺭﻣﻰ ﻗﺎﻝ: أﻧﺎ ﺍﺑﻦ ﺑﻬﺪﻟﺔ ﻓﺮﺳﺎﻥ ﺍﻟﻌﺮﺟﻠﺔ، ﻭﻳﻘﻮﻝ ﺣﺴﻴﻦ: ﺍﻟﻠﻬﻢّ ﺳﺪﺩ ﺭﻣﻴﺘﻪ، ﻭﺍﺟﻌﻞ ﺛﻮﺍﺑﻪ ﺍﻟﺠﻨّﺔ، ﻓﻠﻤّﺎ ﺭﻣﻰ ﺑﻬﺎ ﻗﺎﻡ، ﻓﻘﺎﻝ: ﻣﺎ ﺳﻘﻂ ﻣﻨﻬﺎ إلّا ﺧﻤﺴﺔ ﺃﺳﻬﻢ. ﻭﻟﻘﺪ ﺗﺒﻴّﻦ ﻟﻲ أﻧّﻲ ﻗﺪ ﻗﺘﻠﺖ ﺧﻤﺴﺔ ﻧﻔﺮ ﻭﻛﺎﻥ ﻓﻲ ﺃﻭّﻝ ﻣَﻦ ﻗﺘﻞ ﻭﻛﺎﻥ ﺭﺟﺰﻩ ﻳﻮﻣﺌﺬٍ:

أﻧـﺎ ﻳَـﺰِﻳـﺪ ﻭَﺃبـي ﻣُﻬَﺎﺻـِﺮُ
  ﺃﺷـﺠَـﻊُ ﻣِﻦْ ﻟَﻴـﺚٍ ﺑَﻐِﻴـﻞ ﺧَـﺎﺩِﺭُ
ﻳَﺎ ﺭَﺏَّ إﻧِّـي ﻟَﻠﺤُﺴـَﻴﻦِ ﻧَﺎﺻـِﺮُ

ﻭَﻻﺑـﻦِ ﺳَـﻌﺪٍ ﺗَـﺎﺭِﻙ ﻭَﻫـَﺎﺟِﺮُ

ﻭﻛﺎﻥ ﻳﺰﻳﺪ ﺑﻦ ﺯﻳﺎﺩ ﺑﻦ ﺍﻟﻤﻬﺎﺻﺮ ﻣﻤَّﻦ ﺧﺮﺝ ﻣﻊ ﻋﻤﺮ ﺑﻦ ﺳﻌﺪ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺤﺴﻴﻦ، ﻓﻠﻤّﺎ ﺭﺩّﻭﺍ ﺍﻟﺸﺮﻭﻁ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺤﺴﻴﻦ ﻣﺎﻝ ﺇﻟﻴﻪ ﻓﻘﺎﺗﻞ ﻣﻌﻪ ﺣﺘﻰ ﻗُﺘﻞ»[336].

والمحصّل مما سبق فالشخصيّة لدى أبي مخنف تتوزع بين شخصيّات رئيسة وأخرى ثانوية، موزعة على الفريقين، وبين أسماء لشخصيّات عاصرها.

ويختلف التحليل البنيوي عن أيّ تحليل آخر في النظر إلى الشخصيّة في النصوص السرديّة، إذ يقول رولان بارت: «كان التحليل البنيوي ينفر منذ ظهوره من دراسة الشخصيّات بوصفها ماهية، وكان ذلك من أجل تصنيفها؛ ومثلما ذكر (تودوروف)، ذهب (توماشيفسكي) إلى حدّ إنكار أيّة أهمّية سردية للشخصية، وقد تم التخفيف من وجهة النظر هذه، بعد ذلك. لم يصل بروب إلى حدّ إبعاد الشخصيّات عن التحليل، ولكنّه اختزلها إلى تصنيف بسيط قائم، ليس على الدخيلة النفسية، ولكن على وحدة الأفعال التي يمنحها لها المحكي، فهي إمّا مانحة غرائبية، أو أنّها تقدّم المساعدة، أو أنّها خبيثة، إلخ... »[337]. وهكذا يتضح لنا أنّ التحليل البنيوي يستبدل تحليل الشخصيّات الذي يمكن أن يكون مغرياً للدخول إلى مجالات أخرى من خلالها، كالمجال الاجتماعي، أو السياسي، أو النفسي، أو غير ذلك، بتحليل أفعال هذه الشخصيّات، أي: ما تؤديه في نص القصة، فمثلاً: عندما حاول (تودوروف) تحليل رواية نفسية، لم ينطلق من الشخصيّات كما هو متوقّع في تحليل قصص من هذا النوع، وإنّما انطلق من منظور ما يُحيط بهذه الشخصيّات، وما تدخل فيه من علاقات في بنية النص؛ فوجد أنّ الشخصيّة إمّا أنْ تكون في محيط الحب، أو محيط الإيصال، أو محيط المساعدة: «ﻗﺎﻝ ﺃﺑﻮ ﻣﺨﻨﻒ، ﺣﺪّﺛﻨﻲ ﺍﻟﺤﺴﻴﻦ ﺑﻦ ﻋﻘﺒﺔ ﺍﻟﻤﺮﺍﺩﻱ، ﻗﺎﻝ ﺍﻟﺰﺑﻴﺪﻱ: إﻧّﻪ ﺳﻤﻊ ﻋﻤﺮﻭ ﺑﻦ ﺍﻟﺤﺠﺎﺝ ﺣﻴﻦ ﺩﻧﺎ ﻣﻦ ﺃﺻﺤﺎﺏ ﺍﻟﺤﺴﻴﻦ ﻳﻘﻮﻝ: ﻳﺎ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﻜﻮﻓﺔ، ﺍﻟﺰﻣﻮﺍ ﻃﺎﻋﺘﻜﻢ ﻭﺟﻤﺎﻋﺘﻜﻢ ﻭﻻ ﺗﺮﺗﺎﺑﻮﺍ ﻓﻲ ﻗﺘﻞ ﻣَﻦ ﻣﺮﻕ ﻣﻦ ﺍﻟﺪﻳﻦ ﻭﺧﺎﻟﻒ ﺍلإﻣﺎﻡ. ﻓﻘﺎﻝ ﻟﻪ ﺍﻟﺤﺴﻴﻦ: ﻳﺎ ﻋﻤﺮﻭ ﺑﻦ ﺍﻟﺤﺠﺎﺝ، ﺃَﻋﻠﻲّ ﺗُﺤﺮّﺽ ﺍﻟﻨﺎﺱ، ﺃﻧﺤﻦ ﻣﺮﻗﻨﺎ ﻭﺃﻧﺘﻢ ﺛﺒﺘﻢ ﻋﻠﻴﻪ؟! أَﻣﺎ ﻭﺍﻟﻠﻪ ﻟﺘﻌﻠﻤﻦّ ﻟﻮ ﻗﺪ ﻗُﺒﻀﺖ ﺃﺭﻭﺍﺣﻜﻢ ﻭﻣﺘﻢ ﻋﻠﻰ ﺃﻋﻤﺎﻟﻜﻢ ﺃﻳّﻨﺎ ﻣﺮﻕ ﻣﻦ ﺍﻟﺪﻳﻦ ﻭﻣَﻦ ﻫﻮ ﺃﻭﻟﻰ ﺑﺼﻠﻰ ﺍﻟﻨﺎﺭ، ﻗﺎﻝ: ﺛﻢّ ﺇﻥّ ﻋﻤﺮﻭ ﺑﻦ ﺍﻟﺤﺠﺎﺝ ﺣﻤﻞ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺤﺴﻴﻦ ﻓﻲ ﻣﻴﻤﻨﺔ ﻋﻤﺮ ﺑﻦ ﺳﻌﺪ ﻣﻦ ﻧﺤﻮ ﺍﻟﻔﺮﺍﺕ، ﻓﺎﺿﺮﺑﻮﺍ[338] ﺳﺎﻋﺔ ﻓﺼﺮﻉ ﻣﺴﻠﻢ ﺑﻦ ﻋﻮﺳﺠﺔ ﺍﻷﺳﺪﻱ ﺃﻭّﻝ ﺃﺻﺤﺎﺏ ﺍﻟﺤﺴﻴﻦ. ﺛﻢّ ﺍﻧﺼﺮﻑ ﻋﻤﺮﻭ ﺑﻦ ﺍﻟﺤﺠﺎﺝ ﻭﺃﺻﺤﺎﺑﻪ ﻭﺍﺭﺗﻔﻌﺖ ﺍﻟﻐﺒﺮﺓ، ﻓﺈﺫﺍ ﻫﻢ ﺑﻪ ﺻﺮﻳﻊ ﻓﻤﺸﻰ ﺇﻟﻴﻪ ﺍﻟﺤﺴﻴﻦ، ﻓﺈﺫﺍ ﺑﻪ ﺭﻣﻖ ﻓﻘﺎﻝ ﺭﺣﻤﻚ ﺭﺑﻚ ﻳﺎ ﻣﺴﻠﻢ ﺑﻦ ﻋﻮﺳﺠﺔ ﻣﻨﻬﻢ ﻣَﻦ ﻗﻀﻰ ﻧﺤﺒﻪ ﻭﻣﻨﻬﻢ ﻣَﻦ ﻳﻨﺘﻈﺮ ﻭﻣﺎ ﺑﺪﻟﻮﺍ ﺗﺒﺪﻳﻼً. ﻭﺩﻧﺎ ﻣﻨﻪ ﺣﺒﻴﺐ ﺑﻦ ﻣﻈﺎﻫﺮ، ﻓﻘﺎﻝ: ﻋﺰّ عليّ ﻣﺼﺮﻋﻚ ﻳﺎ ﻣﺴﻠﻢ، أﺑﺸﺮ ﺑﺎﻟﺠﻨّﺔ، ﻓﻘﺎﻝ ﻟﻪ ﻣﺴﻠﻢ ﻗﻮﻻً ﺿﻌﻴﻔﺎً: ﺑﺸﺮﻙ ﺍﻟﻠﻪ ﺑﺨﻴﺮ. ﻓﻘﺎﻝ ﻟﻪ ﺣﺒﻴﺐ: ﻟﻮﻻ ﺃﻧّﻲ ﺃﻋﻠﻢ ﺃﻧّﻲ ﻓﻲ ﺃﺛﺮﻙ ﻻﺣﻖ ﺑﻚ ﻣﻦ ﺳﺎﻋﺘﻲ ﻫﺬﻩ، ﻷﺣﺒﺒﺖ ﺃﻥ ﺗﻮﺻﻴﻨﻲ ﺑﻜﻞّ ﻣﺎ ﺃﻫﻤّﻚ ﺣﺘﻰ ﺃﺣﻔﻈﻚ ﻓﻲ ﻛﻞّ ﺫﻟﻚ ﺑﻤﺎ ﺃﻧﺖ ﺃﻫﻞ ﻟﻪ ﻓﻲ ﺍﻟﻘﺮﺍﺑﺔ ﻭﺍﻟﺪﻳﻦ. ﻗﺎﻝ: ﺑﻞ ﺃﻧﺎ ﺃﻭﺻﻴﻚ ﺑﻬﺬﺍ ﺭﺣﻤﻚ ﺍﻟﻠﻪ وأهوى ﺑﻴﺪﻩ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺤﺴﻴﻦ، أﻥ ﺗﻤﻮﺕ ﺩﻭﻧﻪ، ﻗﺎﻝ: ﺃﻓﻌﻞ ﻭﺭﺏ ﺍﻟﻜﻌﺒﺔ. ﻗﺎﻝ ﻓﻤﺎ ﻛﺎﻥ ﺑﺄﺳﺮﻉ ﻣﻦ ﺃﻥ ﻣﺎﺕ ﻓﻲ ﺃﻳﺪﻳﻬﻢ»[339]، فالشخصيّة لأصحاب الحسين× جمعت فيها شخصية المحبّة والإيصال والمساعدة وقمّة الإيثار لإمامهم×، ومن هذا المنظور نفسه كانت نظرة (غريماس) أيضاً، فسبب تسميته للشخصية بأنّها فاعل هو التعامل معها من خلال ما تقوم به من أفعال في داخل البنية القصصية، وليس من خلال ما تتميّز به من صفات إنسانية[340]، فما تقدّم يبيّن لنا صورة عن الشخصيّة داخل العمل الروائي، والمسألة مختلفة تماماً كلّما كانت المادة السرديّة قصيرة، كالقصة القصيرة والأقصوصة، حاول بعض النقاد أن يقف عند مقوّم الشخصيّة في القصة القصيرة؛ إذ يذهب إلى أنّ: «دور الشخصيّات في نظر البعض أهمّ القدرات التي يجب على كاتب الأقصوصة أن يتمتع بها، إلى الحدّ الذي يذهب معه هذا البعض إلى القول بأنّ كلّ ما تنطوي عليه الأقصوصة من وصف، وحوار، ومكان، وحدث، وزمان، إنّما هو ضرب من ضروب رسم الشخصيّة الأقصوصية، ووسيلة وأداة من أدوات هذا الرسم»[341]، أمّا الدكتور لحمداني فيخلص إلى أنّ هوية الشخصيّة الحكائية ليست ملازمة لذاتها، فبعض الضمائر التي تحيل عليها إنّما تحيل على ما هو ضدّ الشخصيّة، أي: على ما هو ليس بشخصية محدّدة، مثال ذلك: ضمير الغائب، فهذا الضمير في نظر (بنفيست) ليس إلّا شكلاً لفظياً ووظيفته أن يعبّر عن اللاشخصية؛ لأنّ القارئ نفسه يستطيع أن يتدخل برصيده الثقافي وتصوراته القبلية؛ ليقدّم صورة مغايرة عمّا يراه الآخرون عن الشخصيّة الحكائية، وهو يقترب من مفهوم فيليب هامون للشخصية[342]؛ ولذا فالشخصيّة عنده كمدلول هي مجموع ما يقال عنها بواسطة جمل متفرّقة في النص، أو بواسطة تصريحاتها وأقوالها وسلوكها؛ ولذا لا تكتمل صورتها إلّا باكتمال النص الحكائي أيّاً كان نوعه[343]، وقد تكون تلك الأقوال والتصريحات هي صوت السارد نفسه بما يحمله من تراكم الوعي في الذاكرة وخروج على رتابة السرد ونمطيته[344].

الفصل الثالث

الفضاء السردي في المقتل الحسيني

المبحث الأوّل: الفضاء الزماني في المقتل الحسيني وأثره

المبحث الثاني: الفضاء المكاني في المقتل الحسيني وأثره

 الثالث: الفضاء السردي في المقتل الحسيني


توطئة

من المصطلحات التي اقترنت بالدراسات السرديّة مصطلح (الفضاء) الذي يعادل تقنية الزمان مقرونة بالمكان، وقبل الوقوف عند الفضاء ببعديه ـ الزماني، والمكاني ـ لا بدّ من أن نقف عند تعريف الفضاء ومعرفة أنواعه، والتي درست ضمن بحوث مستقلة من لدن الباحثين الذين تناولوا السرد بصورة عامة والفضاء بصورة خاصة.

ولقد تناول باحثون مسائل عديدة منها: مسألة الفضاء ومن خلال عقد المقارنة بين عنصرين مهمّين في البناء السردي، أَلا وهما الزمان والمكان، فهما يشكلان ثنائية مهمّة لها أثرها الكبير في تحديد المعاني، فضلاً عن تأثير ذلك الارتباط في مستوى التفكير والإدراك، فالعلاقة بينهما على مستوى كبير من التعقيد والتشابك، قد لا يمكن معها فك الارتباط بسهولة[345]، وهذا ما سنراه واضحاً في الحدث الحسيني وعناصره وشخصيّاته، فنتناول بهذا البحث الزمان والمكان وعلاقتهما فقط بالحدث؛ لذا تنوّعت محاولات الرصد لمختلف التقابلات والتقاطبات بين الفضاءات، وتعددت إلى درجة صار من الصعب حصرها، وذلك تبعاً لدرجة حضور أنواع محدّدة من الأمكنة والفضاءات في الأعمال الحكائية المختلفة ومجالاتها، وكذلك تبعاً لنوعية العلاقات التي يُقيمها الرواة مع الأمكنة؛ ممّا أدى إلى غنى هذه المقولة وتعقّدها الشديد، فهناك العديد من التسميات والتنويعات في تعيين أنواع الفضاءات، منها: الفضاء السحري، أو الأسطوري، أو العجائبي[346] وغيرها، وكلّ هذا أدى إلى تنوّع واختلاف طرائق اشتغالها وتوظيفها بوصفها مسرحاً للأحداث أو موضوعاً للفعل، وهذا ما نجده واضحاً في معظم فضاءات الحدث الحسيني للواقعة التي ترى فيها سحر الإيمان والتقوى لا الأسطورة والخيال.

ومن هذه المحاولات ما جاء عن سعيد يقطين بتأكيده على تفريق حميد لحمداني بين المكان والفضاء، ولا سيّما فيما يتصل بعموم مفهوم الفضاء وشموليته، وخصوصية مفهوم المكان، وكونه متضمناً في إطار الفضاء، فالفضاء أعمّ من المكان؛ لأنّه يُشير إلى ما هو أبعد وأعمق من التحديد الجغرافي[347]، فأهمّيته قصوى في تشكّل الفرد وأحاسيسه وانفعالاته منذُ مراحله المبكرة. ومن هذا الارتباط يتحقق الوعي والإحساس عند الفرد بالانتماء إلى الفضاء المحدّد؛ ولذا أشار الإمام الحسين×إلى أنّ هذه الأرض (كرب وبلاء) هي محطّ رحالنا، فقال: «اللهمّ أعوذ بك من الكرب والبلاء، ثمّ قال: هذا موضع كرب وبلاء، انزلوا: ها هنا محطّ رحالنا، ومسفك دمائنا، وها هنا محلّ قبورنا، بهذا حدّثني جدّي رسول الله»[348].

ويؤكّد هذا الترابط بين الفضاء والشخصيّات الكتّاب القدامى، وما لتأثير البلاد في سكانها حتى صار أناس مختلف المناطق يتميّز بعضهم عن بعض، بالميزات الكامنة في البلاد التي ينتمون إليها، كقولهم: حكماء يونان، وصاغة حران، وكتّاب السواد، وحاكة اليمن... إلخ[349]؛ لذلك لا يصبح الفضاء عالماً تتحرّك فيه الشخصيّات، أو ديكوراً يقع في الخلفية لأفعال الفاعلين كما في العمل المسرحي فقط، بل يغدو موضوعاً للفعل، وجميع السير الشعبية تقدّم هذا البعد على نحو بيّن من الشوق والحنين إلى الفضاء، أو الصراع من أجل الحصول عليه[350].

أمّا الزمن والفضاء يتداخلان معاً ويترابطان؛ إذ إنّ هنالك زمنية خاصة لكلّ فضاء، فكلّ ما يسقط على الزمن يسقط أيضاً على الفضاء، ومثلما أنّ الزمن يتمفصل إلى زمن القصة، وزمن الخطاب، وزمن النص، كذلك هو الفضاء، يتمفصل إلى فضاء القصة، وفضاء الخطاب، وفضاء النص، وأمّا ما يخصّ ارتباط الفضاء بالشخصيّات، فلكلّ فضاء دعواه وأوانه ونفاده[351]، ويرصد سعيد يقطين تحقق البنيات الفضائية العامة في ثلاثة فضاءات هي:

1ـ الفضاءات المرجعية: تمثّل كلّ الفضاءات التي يمكننا العثور على موقع معين لها، أمّا في الواقع، أو في المصنفات الجغرافية، أو التاريخية القديمة[352].

2ـ الفضاءات التخيلية: تمثّل مختلف الفضاءات التي يصعب الذهاب إلى تأكيد مرجعية محدّدة لها، من حيث تسميتها، أو من حيث الصفة التي تنعت بها[353].

3ـ الفضاءات العجائبية: وتزخر مختلف السير بهذا النوع من الفضاءات؛ لأنّ مجال الحكي يتسع لمختلف الفضاءات، ولا بدّ للفواعل أن يتحرّكوا من الفضاء الأليف إلى الغريب، ومن الواقعي إلى العجائبي[354]، والراوي الشعبي قد استثمر كلّ الفضاءات في حدود المعارف الجغرافية التي كانت متوافرة لديه، وكذلك الفضاءات ذات البعد التخييلي والعجائبي جاعلاً شخصيّاته يرحلون إليها بحثاً عن شيء ما، أو تنفيذاً لمهمّة ما كون الراوي يملأ كلّ فراغ يراه يخلّ بتقديم الأخبارات المناسبة؛ لذلك هو لا يترك أيّة فجوة بصدد أيّ شخصية أو فضاء[355].

 أمّا البنيات الخاصة ضمن الحركة العمودية لكلّ فضاء، أي: «زمان البدايات وما يليه من تحوّلات تطرأ على الفضاء في صيرورته الزمنية»[356]، فيرصدها سعيد يقطين من بداية نشوء الفضاءات وتأسيسها بالصورة التي تقدّمها لنا السيرة الشعبية، لمحاولة تفسير أصول الفضاءات التاريخية، فأيّ فضاء يكمن وراء تشكّله سبب عجيب، ولا تتورع السيرة في حكيه بتفاصيل دقيقة وزائدة، ولا تتورع في نهايته، وعليه تنهض البنيات الفضائية الخاصة[357] على:

أ ـ التشكل: ويمثّله الحكيم الكاهن.

ب ـ الخراب: النفاد أو عدمه للفاعل، وما بينهما يكون العمران.

 ويتضح مما سبق أنّ الفضاء والشخصيّات يرتبطان معاً بالرؤية الزمنية الخاصة، التي تحدد تلك التحوّلات وتضعها في نطاق النظام الزمني وما يعرفه من تبدلات مختلفة ومتوترة، ويؤكّد سعيد يقطين أنّ الرؤية الفضائية تُقدَّم في السيرة الشعبية محملة بكامل الأبعاد والسمات التي تتضمنها تلك الرؤية، وكذلك في علاقتها بالشخصيّات؛ إذ نجد أنّ للفضاء كلّ مقوّمات الشخصيّة، من انتماء أو فضاء موعودة به الشخصيّة مسبقاً، أو فضاء اللون واللباس[358].

 وكلّ هذه التمايزات والاختلافات تتقدّم من خلال ما يمكن عدّه رؤية فضائية، أو وجهة نظر الراوي والشخصيّات إلى العالم، وتتحدد من خلال الرؤية الزمانية، التي تنبثق جميعها من الفضاء المركزي الذي يعدّ بمنزلة البؤرة التي وجِد فيها صاحب الدعوى المركزية في السيرة، ليولد منها فضاءات محيطة، سواء قريبة متواصلة، أم بعيدة طارئة.

وكذلك اختلف الدارسون حول تحديد مفهوم الفضاء، الذي عدّه أحدهم تطوراً في مجال الدراسات السرديّة، أفادت من سيمياء السرد، وتوقّف الباحثون عند تلمّس هذه المفردة كاصطلاح ومفهوم عجّت به الدراسات السرديّة الحديثة[359]، ويرى بعضهم أنّ نظرية الفضاء ما تزال قيد التطوّر لما تستدعيه من بحث وتنظير، وأنّها نظرية تنزع نحو التكاملية، فالفضاء لديهم معادل للحيز المكاني، وهو مرادف لمصطلح الفضاء الجغرافي[360]، فهناك مَن دمج بين البعدين المكاني والزماني، وهناك مَن عدّه وحدده بأربع مستويات كحميد لحمداني كالفضاء الجغرافي، والنصي، والدلالي، والمنظور، وهناك مَن جعله خمسة فضاءات، وغيرها من الدراسات الحديثة[361]، ولكنّنا هنا نتبنى النظرية الذاهبة إلى كون الفضاء مصطلحاً يجمع بين بعدين مهمّين في تكوين البناء السردي وهما (الزمان، والمكان)، وما يتشعب عنهما هو فرع من هذين البعدين كما سنلحظ ذلك أثناء التطبيق.

المبحث الأوّل

الفضاء الزماني في المقتل الحسيني وأثره

يعدّ الزمان عنصراً مهمّاً من عناصر النص السردي؛ لأنّه الرابط للأحداث والشخصيّات والأمكنة، وهذا ما يكون واضحاً في أكثر الفنون الأدبية؛ إذ إنّها تلتصق بالزمن.

ويعدّ الزمن محوراً مهمّاً من محاور السرد، باعتبار أنّ السرد يروي أحداثاً في الزمان والمكان، فتصبح القصة مشخّصة بمكانها وزمان أحداثها، وهذا ما نجده واضحاً في رؤية مقتل الإمام الحسين×، فالزمن عنصر حيوي وعليه ترتيب عناصر الحدث والإثارة، فضلاً إلى دور الزمان في تصوير الحادثة، وهذا واضح في زمان العاشر من المحرّم المروي في المقتل الحسيني الذي قتلَ قومٌ ابن بنت نبيّهم، وعليه فدراسة أحداث كربلاء لا يمكن أن تتضح إلّا من خلال الزمن الذي عاشته الواقعة، فهو يصوّر لنا الواقعة وآثارها وتبنياتها وصورها المتنوعة، والتي كلّ صورة فيها حكاية ورواية، هدف وغاية، أمل وحياة، وهذه الأمور وغيرها تعدّ نتائج مؤثرة في الحدث الحسيني للأجيال والأُمم على مرّ التاريخ.

أوّلاً: أثر الزمان في الدراسات النقدية الحديثة لتصوير الحدث

لعلّ من أهمّ هذه العناصر التي تغيّر مفهومها في النص الأدبي الجديد والرواية على وجه التحديد هو الزمان، والذي يعدّ عنصراً ضرورياً لا يمكن الاستغناء عنه في بناء الحدث المروي.

1 ـ أثر الزمان في تصوير الحدث

إذ يعدّ الزمان وجوداً موضوعياً داخل النص، وترى الزمان ظاهرة قابلة للوصف يمكن تحديد أجزاءه، وعلاقته التبادلية بين أحداث النص وفصوله؛ إذ هو تصوير حقيقي لوقائع حقيقية قبل ألف وأربعمائة سنة امتازت بأشكال السرد المتنوعة، وما أفرزته هذه الأشكال من دلالات احتلت مكانة كبيرة في الدراسات الأدبية المتعلقة بالأزمان في صنع الأحداث والوقائع للمجتمع بكلّ عناصره.

والزمان يتألف من ضربين:

   تكوّنه من ماضي، وحاضر، ومستقبل.

   تكوّنه من ساعات، وأيام، وأسابيع.

وكلا الضربين نجدهما في أحداث كربلاء، فالبناء الزماني للأحداث وأشكال حركة السرد الزمني نجدهما في قصة كربلاء، كما وجدت سابقة في قصة يوسف× إذا اعتمدت التتابع على أبرز خصيصة في تحليل الزمان من خلال بدء الأحداث وزمان الحدث ومكانه، ولو تدبرنا قصة يوسف نجد أنّ السرد بدأ بقوله تعالى: (إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ)[362]، وسبب وقوع الأحداث هو الحوار بين يوسف وأبيه حول الرؤية فهنا تبتدئ القصة بالتتابع، فنجد هذا البناء الزماني للأحداث واضحاً في حركة الحسين× والأخبار الغيبية التي جاء بها الرسول’ عن أُمّ سلمة بقول الراوي: «ودخلت على الحسين× أُمّ سلمةI، وهي باكية، فقالت له: ياحسين، لا تحزن بخروجك إلى العراق، فإنّي سمعتُ جدّك رسول الله’ يقول: يُقتل ولدي الحسين بأرض يقال لها كربلاء، وعندي تربة منها في قارورة دفعها إليّ النبي’»[363]، الحدث الأوّل في أخبار النبي’ واستمرت الأحداث حتى خروجه من المدينة إلى مكة، ثمّ من مكة إلى العراق وتستمر الحادثة بسرد متتابع في نقل الحوار بين الإمام الحسين× وأهل بيته من جهة وبين مَن التقى به في الطريق إلى أن وصل العراق، وما رافق هذه الأحداث من سرد واضح حتى اليوم السابع من محرّم ونزوله إلى كربلاء؛ إذ صوّرت لنا هذه الحادثة تتابع الأزمنة والأمكنة، وجاءت متوافقة في سردها على وفق البناء المتتابع، بخلاف الرواية والقصة الخيالية التي يختفي فيها الترتيب الزمني.

فتعدّ البنية الزمنية ودلالتها من الدراسات الأدبية التي تناولت عنصر الزمن وأدخلته في صنع الأحداث من واقع المجتمع وقضاياه، فيأتي دور الزمن وأهمّيته في العمل الروائي بكونه عنصراً فعّالاً في تغذية الصراع الدرامي في الحدث والأحداث المتصلة في الرواية، فالزمن ظاهرة حقيقية أدركها الإنسان منذ القدم وسمّاها بديمومة الزمان، فأعطته وجوداً حقيقاً[364].

ويتداخل الحدث مع الزمن تداخلاً كبيراً بدءاً من عملية القص التي لا تجوز من دون أن نحصل على حيّز من الزمان الذي يحتوي الأحداث والشخصيّات، فالزمن أساس في إطاره يحيا الإنسان وينمو الجنس البشري ويتطوّر؛ إذ تتتابع فيه الأحداث الواحدة تلو الأخرى، ويستمر لمدّة قد تطول وقد تقصر[365]، وهذا واضح في أحداث كربلاء وكيف صنعت هذه الأحداث الأمل والحياة للإنسان والإنسانية بعد ما أصابها الخمول واليأس.

وقد فطن النقاد إلى أهمّية الزمن في الكتابات الأدبية ولا سيّما الرواية، وأولوه عناية فائقة بوصفه تعبير حياة لمغايرته السكون والجمود، فهو دليل الحركة والتفاعل[366]. وهو رهين تطوّر الحكاية الذي «يترجح دائماً بين حدّين متناقضين الاستطراد الذي يكبح والاقتضاب الذي يسرع»[367]، فالزمن في الحدث الحسيني فعّال ويتطوّر وحركي وتفاعلي، أنشأ صوراً متنوعة المضامين ومختلفة في قيمها وآثارها، فكلّ مَن يقرأها يرى شيئاً لا يراه الآخرون يجد صورة مختلفة وحقيقة أكثر ضياءً من الصورة الأخرى لقارئ آخر.

وعلى الرغم من أنّ الامتثال للزمن في الرواية أمر لا بدّ منه إلّا أنّ إحساسنا به يكون خاطفاً في القصة القصيرة، وكذا في القص الشعري، وذلك لأنّ الامتداد في هذا النوع من القص يكون في المساحة الشعورية وليس في مساحة الزمن[368]؛ لذا نستطيع القول أنّ قوة العاطفة في الشعر تعوّض عن الامتداد الهائل المحسوس للزمن في الرواية، ومع أنّ العمل المسرحي يخلق إيهاماً بالفورية والمباشرة إلّا أنّ العمل القصصي يتعدّى ذلك إلى جعل القارئ لا يتوقف عند حدود التعاطف مع البطل، بل يتماهى معه[369].

وعلى حدّ تعبير الشكلانيين الروس[370] أنّ زمن القصة كما هو معروف زمن مزدوج، الذين ميّزوا بين ما يمكن أن نُطلق عليه زمن المتن الحكائي «وهو زمن تعاقبي خطي ليس من طبيعته حدوث شروخ فيه، تضع لحظة في موضع سابق أو لاحق لحدوثها»[371]، وزمن المبنى الحكائي، وهو زمن تعاقبي تحديداً يبدأ لحظةَ النطق وينتهي لحظةَ توقف الراوي[372]، ويستدعي فهم ثنائية المتن الحكائي والمبنى الحكائي تحليل النص السردي على وفق ثلاثة ضروب من العلاقات:

   علاقات الترتيب الزمني لتتابع الحوادث في الحكاية المروية والنظام شبه الزمني لترتيبها في النص.

   علاقات الاستمرار المتغيّر لهذه الأحداث، أو لأجزاء الأحداث المروية، وما تستغرقه من مدّة تمثّل طولاً معيناً في النص، أي: إنّها علاقات سرعة.

   علاقة التواتر أو العلاقات بين طاقة التكرار في الحكاية وطاقة التكرار في النص[373].

2 ـ الزمان في الدراسات النقدية الحديثة

هو عنصر مهم في الدراسات النقدية الحديثة، ومنه تنطلق أبرز التقنيات السرديّة المتعدّدة، وتأتي أهمّية العناية بهذا العنصر الروائي البنيوي انطلاقاً من ثنائية المتن الحكائي، الذي يمتزج بين الزمن والحدث والمبنى الحكائي، الذي يتألف من الأحداث نفسها[374].

فنجده واضحاً في الحدث الحسيني، فجمع البنيوية والحكاية والزمن بصورة مؤثرة فعّالة حقيقية لا خرافية، فمثلاً هناك ثلاثة أزمنة بحسب رواية آمنه يوسف وهي: تاريخي، واجتماعي، ونفسي، وزمن داخلي خرافي، فالتاريخي أو الاجتماعي يعتمد التسلسل المنطقي للزمان له بداية ووسط ونهاية، أمّا النفسي فهو ما يرتبط بتيار الوعي، فقد يتخلّى في تسلسله المنطقي عن الوعي، ويكون غير منتظم يعتمد الخيال والحلم، ويصعب قياس مدّته، أمّا الزمن الداخلي فيرتبط بالخرافة والأسطورة من خلال استعمال مفردات (غابرة، خرافة) وغيرها التي تعطي دلالات المضي بلا تحديد ذلك الماضي، والزمان الذي يرتبط بمستويات السرد ومستوى النظام من وجهة نظر جيرار جينت حيث تشكّل المفارقة السرديّة، وذلك حين لا يتطابق النظام في الزمنيين (زمن السرد، وزمن الحكاية) مما ينشأ عنه ظهور مفارقتين أو سرديتين، هما تقنية الارتداد بأنواعه الثلاثة (الخارجي، الداخلي، والمزجي) وتقنية الاستباق والاستشراف[375]، في حين لا نرى للخرافة والأسطورة وجوداً في رواية أبي مخنف، بل نجد فيها الشجاعة والبطولة والإيثار والتأثر الروحي ورفع المعنويات ما بينهم، نعم، نجد هناك قراءات مختلفة ظهر فيها بعض الشيء من ذلك.

 وأمّا حقيقة الزمان الذي هو قديم قِدَم الفلسفة، بل قِدَم الإنسان الواعي نفسه؛ لشعور الإنسان بتأثير الزمان فيه تأثيراً هائلاً، وصعوبة فهم حقيقته إلى أقصى درجة، ذلك أنّ إشكال الزمان قائم في طبيعة الزمان نفسه من حيث إنّه دائم السيلان، والخروج من زمن التاريخية والدخول في زمن المبدع الذي هو داخلي وتاريخي، ولكنّه يتجاوز التاريخ[376]، فإنّ شعور الإنسان وحقيقته أفرزتها الدراسات النقدية الحديثة ومنها التقنيات السرديّة، فجمعت الدراسات الحديثة هذه الحقائق وبطرق مختلفة أكثر وضوحاً وجدّية من غيرها.

تعدد أنواع الزمان بحسب ارتباطها بمدلولات وجودية وجغرافية وفيزيائية، ولكن ما يهم الباحث في مجال السرد والقصة القصيرة هو الزمن الداخلي والتخييلي، فـ«الزمن محوري وعليه تترتب عناصر التشويق والإيقاع والاستمرار ولا يمكن استخراج الزمن؛ لكونه يمثّل حقيقة مجردة سائلة لا تظهر إلّا من خلال مفعولها على العناصر الأخرى»[377]، فعناصر التشويق والإيقاع الموسيقي نجدها واضحةً في كلمات وأراجيز وشعر أبطال هذه الملحمة الحسينية، مع بروز حالة الشوق الجماعي لرؤية المحبوب، والشوق إلى عالم الملكوت، خالق الخلق، الواحد الأحد، وحبّه الدائم.

فيختار الروائي نقطة البداية التي تحدد حاضره وتضع بقيّة الأحداث على خط الزمن من ماضٍ ومستقبل، وبعدها يستطرد النص في اتجاه واحد في الكتابة، ولكنّه يتأرجح بين الزمنيين، والزمن في القصة كما تذهب إلى ذلك إحدى الباحثات بقولها: «لم يعد ذلك المفهوم المرتبط بالأزمنة المعروفة بتسلسلها الطبيعي وخضوعها لمنطق الترتيب، وإنّما تحوّل إلى ظاهرة تُضيء الكثير من الدلالات الثرية على مستوى النص والتلقي، فهو يدخل ضمن المجالات الذهنية والنفسية»[378]، وهذا ما فعله أبو مخنف في مقتله لأحداث كربلاء، فحدّد البداية والحدث ونظر للزمن بأنّه أحد أركان هذا الحدث، فظهرت لنا صورة روايته جميلة ومبدعة ومؤثرة، ومن واقع التاريخ الأدبي وعلى مرّ الزمان، وهذا عينه ما يؤكّده باحث آخر من أنّ «الماضي والحاضر لا يدلان على وقتين متعاقبين، بل عنصرين يوجدان بصورة مشتركة، داخل وعي الإنسان، فالتغيّر الحاصل في الزمن لا يحدث إلّا بامتلاء اللحظة بالأحداث التي تجعلها مفعمة بالحركة، فتختلف عمّا سبقها من لحظات وعمّا سيلحقها، فالزمان بلا أحداث هو نموذج للزمن المفرغ من دلالاته أو وهو اللازمن»[379]، وباقتران الزمن بالذاكرة والحالة النفسية للكاتب يحدث ما يسمى التقابل والتداخل، فالتقابل أن ينصب الاهتمام بماضٍ تجري استعادته من الذاكرة للتخلّص من حاضر سيّء وينقسم بحسب ذلك إلى مرغوب، وغير مرغوب، أولهما يتفق مع الذات والآخر لا يلبي رغباتها؛ ولذا يحاول الكاتب أن يوائم بينهما منشطراً في ذاته بينهما، فضلاً عن الزمن المستحيل الذي لا يتحقق فيه شيء مرتجى[380]، وهذا ما سار عليه الباحث أيضاً في طيّات بحثه، فقد جعل للزمن مكاناً في الحكاية، ثمّ الحالة النفسية للكاتب لهذا النص، ثمّ النظر إلى الماضي لتقييم الحاضر، ومن خلال ما سبق فإنّ الدراسات النقدية الحديثة تهتم اهتماماً كثيراً بالزمن؛ كونه عنصراً أساسياً في بناء النص الأدبي عموماً والسرد خصوصاً؛ إذ لا سرد بدون زمن[381]، فالزمن يُسهم في مجرى الحدث ويعطي قيمة جمالية ودلالية، كما ينسبه الراوي للمقتل في أزمان مختلفة بقولهم «لما أصبح اليوم العاشر من محرّم»، ثمّ يبدأ بنقل الحادثة، وأمّا (أبو مخنف) لم يتعرّض لهذه العبارة، بل ذكر الأصحاب والأعداء وعدتهم وحال كربلاء يوم العاشر، فيُسهم الزمن في حركة الحدث ونموه وازدهاره، كما أنّه يربط الأحداث بعضها ببعض ويؤسس لعلاقات مع الحدث أو مَن كان مشتركاً في الحدث، فينقل صورة حقيقة واقعية ذات جمال ودلالة متنوعة[382]، فأوجد صورة جمالية واقعية مؤثرة على مرّ الزمان.

3 ـ أهمّية الزمان في الحدث

للزمان أهمّية ومدخلية في الحدث الحسيني؛ إذ ينقل الصورة من الماضي المؤلم إلى الماضي الحاضر الأكثر إيلاماً من جهة الشوق والتقرّب أو من جهة أخرى، فيصوّر لنا ظلم الطغاة وضعف التقوى، ويعطي الحياة والأمل للمؤمن في إبراز حالة الولاء والحياة والتضحية والكرامة التي لا مثيل لها في بقيّة الأقوام والشعوب، وعليه يمكن أن نشخّص أهمّية الزمن من خلال أُمور عديدة أهمّها:

   قدرته على توليد دلالة الحدث من خلال اشتباكه للعمل مع باقي العناصر السرديّة الأخرى التي تشترك في بناء عالم الحدث.

   كونه ضابطاً للفعل من خلال تسجيله للحدث ووقائعه، فضلاً عن كونه عنصراً محورياً تترتب عليه عناصر التشويق والاستمرار، كما نلاحظها بعناصر الاستمرار في الحدث الكربلائي.

   له مدخليه في السرد القصصي؛ إذ تتخذ منه عنصراً أساسياً في تكوينه.

   ضبط الأحداث وشخصيّاتها في معركة الحدث والصراع الدرامي فيها الذي يصوّره الراوي أو القاص.

   باعتبار كون الزمن مادة الحياة وأنّه عنصر السرد الروائي الذي يتابع ويتعاقب فيه، فلا بدّ أن يكون حاضراً في كلّ لحظات الحدث؛ فلذا يعدّ أحد العناصر الإجرائية المشكلة للخطاب السردي الذي يؤثر فيه، لذا ميّز (تود) و(روق) بين نوعين من الأزمنة الداخلية[383] والخارجية[384]، بخلاف ما ذهبت إليه (سيزا قاسم) من أنّها جعلت الأزمنة الخارجية هو زمن الكتابة وزمن القراءة[385].

أمّا الأزمنة الداخلية فتمثّل عندها أحداث الرواية في تتابعها وترتيبها وقالت: إنّ «الزمن عنصر من العناصر الأساسية التي يقوم عليها فن الحكاية والقصة؛ فإنّ القصة تعدّ من أكثر الأنواع الأدبية التصاقاً بالزمن»[386]، فالزمن من حيث عناصره وترتيبهما يمثّل الماضي والحاضر والمستقبل، فبناء الرواية يقوم من الناحية الزمنية على مفارقة تؤكّد على طبيعة الزمن الروائي التخيلي منذ أوّل كلمة يقوم بها القاص من كتابتها إلى نهاية القصة، وكذلك الراوي حينما يحكي أحداثاً في الماضي قد انقضت، إلّا أنّ هذا الماضي يمثّل الحاضر الروائي كما أنّ ترتيب سرد الأحداث في الرواية وأولوية ذكرها هو جزء أساس من تشكيل الرواية تشكيلاً فنّياً، ويعتمد أساساً على مهارة الكاتب وإتقانه لحرفته[387].

ويبدو لي أنّ هذا الترتيب لسرد الأحداث بدأ واضحاً منذ بداية كتابة المقتل إلى نهايته، ابتداءً بالمقدّمة إذ قال أبو مخنف: «حدّثنا هشام بن محمّد السائب الكلبي»[388]، إلى ذكره خروج الحسين بقوله: «وذكر عمّار في حديثه أنّ الحسين× لما خرج من المدينة»[389]، ثمّ قوله: «فخرج مسلم والدليلان معه»[390]، ثمّ قال أبو مخنف: «لما سمع مسلم بن عقيل»[391]، وقال أبو مخنف: «ثمّ سار الحسين× والحرّ يسايره»[392]، وقال أبو مخنف: «ثمّ إنّ عمر بن سعد في كيفيه حرب كربلاء»[393]، ثمّ قوله: «وحملوا القوم بعضهم على بعض»[394]، ثمّ قوله: «ثمّ حمل صلوات الله عليه»[395]، إلى هجوم القوم على خيام الحسين× بقوله: «فلمّا ارتفعت أصوات النساء»[396]، وهكذا نجد ترتيب الأحداث في النص الروائي واضحاً ومنتظماً بين الحاضر والماضي، التي قلّما نجد لها مثيلاً في الروايات والأحداث، فبعضها يتذبذب في مسيرته في تركيب الجُمل والفقرات، وتركيب الفصول والأجزاء الأكبر من النص الروائي، وآخر غير منتظم بين الحاضر والماضي، وهذا ما نجده في كثير من الروايات[397].  ويعدّ الترتيب الزمني للأحداث وعرضه للسامعين في خط متسلسل تسلسلاً زمنياً مطّرداً وبالترتيب نفسه، ووقوعها يمثّل طبيعة القاص البدائي، ونجده واضحاً في نص الواقعة، فظهور الشخصيّات والانتقال من واحد إلى آخر وانتظار لما تفعله الشخصيّة الثانية، وكشف عناصرها العامة تعدّ أساساً في بناء الرواية، مع أنّ الإحاطة بهذه العناصر أمر بالغ الصعوبة، فدراسة الأبنية الزمنية للنص الروائي لا يمكن أن تكون دراسة دقيقة؛ وذلك للتذبذب الحاصل في كلّ وحدة من الوحدات الشخصيّة من النص الروائي مع تأثير الزمن الماضي والحاضر والمستقبل فيها.

4 ـ إشكالية السرد مع الزمان

أمّا إشكالية حادثة السرد الزمني بين الماضي والحاضر والمستقبل، فهذه نجدها في الحكايات والقصص الناجمة عن الاختلاف في ترتيب الحكاية، أو الحدث في القصة وترتيبها في الزمن، إلّا أنّ هذه الإشكالية تكاد تكون معدومة في حدث كربلاء، فالنقل بالواقعة واضح، هناك بعض الاختلافات التي رافقت نقل النص، وسنورد مقاطع من المقتل الحسيني في ما يرتبط بعامل الزمان، وذلك قوله×: «لمّا أصبح أذّن وأقام وصلّى بأصحابه، فلما فرغ استدعى بدرع جده رسول الله صلىاللهعليهوآله، ثمّ تعمم بعمامته السحاب، وتقلّد بسيف أبيه ذي الفقار ونزل إلى القوم»[398]، ويتضح عامل الزمان في هذه الواقعة ودوره في تبيين الحدث، وإبراز ما دار بين الإمام وأعدائه.

و ماجاء ـ أيضاً ـ في الواقعة حين انتصف النهار وموعد الصلاة، فقد طلب أبو ثمامة الصيداوي من الإمام الحسين×الصلاة معه لقوله: «فصلّي بنا فإنّي أظنها آخر صلاة نصلّيها لعلّنا نلقى الله تعالى على أداء فريضة من فرائضه في هذا الموضع العظيم»[399]، فقد جمع في هذه اللحظة عاملي الزمان والمكان فضلاً عن الحدث وما دار بين الشخصيّات في معركة كربلاء.

5 ـ تحوّلات الزمان السردي

يعتمد الحدث على الزمن الذي وقعت فيه الحادثة بكلّ تفاصيلها وما رافقها من تطوّرات، سواء على مستوى الشخص أم مستوى الجمع، أو سواء على مستوى الحكاية ونقلها أم أثناء الحدث، فجميعها لها مدخلية في بناء الأحداث؛ إذ غالباً ما تسترسل بطريقتها المتعاقبة لبناء الأحداث في تتداخل مع الواقع، في وصفها تمثّل حقيقة الخطاب السيولوجي المعمول عليه من منظور الراوي، فهذا ما نلاحظه في قراءات المقتل المختلفة وفي الأزمان المتعاقبة، فضلاً عن الأماكن المتباينة في ثقافتها وتطوّراتها على حالة المتحدّث بها، وهي نص الواقعة؛ إذ غالباً ما تصنف الأزمنة إلى ثلاثة أنواع:

   زمن الحكاية أو المغامرة.

   زمن كتابة الحدث.

   زمن قراءة الحدث.

وهذه جميعها تشكّل الأحداث التي غالباً ما تكون وظيفة القارئ في المقتل، أو السارد له، أو المنتج إذا صاغ حدث واقعة الطف بصياغة أخرى، وقراءة مختلفة وحوارات متنوّعة، فجميعها تنطلق من نوافذ عديدة، ورؤى مفتوحة، ومجازات منقحة، وما إلى ذلك من الأمور التي غالباً ما يكون للقاص مدخلية في إشراكها في الحكاية، وإبرازها إلى الوجود؛ لتكون مؤثرة في واقعة الحدث، من قبيل قوله لمّا بان الانكسار في وجه الحسين× بعد مقتل العباس× وأصحابه، قال الحسين×: «لله درك يا حبيب لقد كنت فاضلاً تختم القرآن في ليلة واحدة»[400].

فصوّر السارد بقوله: «فقام إليه زهير بن القين، فقال: بأبي أنت وأُمّي يا بن رسول الله، ما هذا الانكسار الذي أراه في وجهك، أَلست تعلم أنّا على حق؟! فقال الحسين: بلى والله الخالق، إنّي لأعلم علم اليقين أنّي وإيّاكم على الحق والهدى»[401]، لقد صوّر السارد حالة الانكسار والمقالة بطريقة أثرت في تصوير الحدث وبيان ما جرى بين الطرفين، وموارد كثيرة نجدها من هذا القبيل في الحدث (المقتل)، ونجد أيضاً التوالي في السرد الحكائي قد ظهر واضحاً في معركة الطف، وطريقة سردها وخيال القاص وظهوره في الواقعة. ويرى الباحث أنّ هذا دليل على أنّه هناك علاقات مشتركة بين القاص وبين واقعية النص والتحليل بينهما، انطلاقاً من قراءة الواقع السايكلوجي المطعّم بأبعاد سياسية وأخلاق اجتماعية، كقوله×في خطابه لأهل الكوفة: «أيّها الناس اعلموا أنّ الدنيا دار فناء وزوال متغيّرة بأهلها من حال إلى حال»[402].

وقوله أيضاً لأصحابه في وصف حال الأعداء: «إنّ القوم استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله، أولئك حزب الشيطان»[403]، وقوله تعالى: (ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ)[404]، فصوّر لنا أبو مخنف حال الأُمّة في الأحداث والحوارات التي جرت في أرض كربلاء، والاختلاف والتأثيرات في وسط الحدث الحسيني، ثمّ صوّر لنا الوجوه ما بين مؤمن بالقدر والنتائج المترتبة على ذلك، وما بين آيس من ذلك.

كذلك استخدم الراوي في بنائه للنص السردي داخل إطار الزمن علاقات متنوعة ومرتبطة بالخطاب على مستوى متصاعد، من خلال تشكيل النص أُفقياً بالاعتماد على التقطيعات الزمنية ودراميتها الواقعية «ومن خلال الوقوف على منطقة الزمن عن طريق النص وصياغته، وعن طريق البناء التشكيلي المتمحور على ذاتية القاص والآخر»[405]، فأظهر حالات التأثر بالخطاب واندفاع بعض وبسالة آخر، وتضحيات الصبي، وقوة عزم المرأة، وصبر الشيخ الكبير، وعنفوان الشاب، وتضحيات الشابة في بداية عرسها، فكلّ هذه العلاقات المتنوعة والمرتبطة بالخطاب أظهرها أبو مخنف بصورة تصاعدية مؤثرة وفعّالة في الحدث الحسيني؛ إذ هيّأ الراوي هذه التقطيعات والدراميات في أماكن متنوعة في الحدث الكربلائي، منها: تصويره لحالة الأرض التي وقعت فيها الحادثة واسمها، والتساؤل على أسماء أخرى لهذه الأرض من الغاضرية إلى نينوى، ثمّ إلى الفرات وبعدها إلى كربلاء، وكذلك تصويره بعد فراغه من الصلاة، بأنه تقلّد درع جدّه رسول الله’،وتعمم بعمامته السحاب، وتقلّد بسيف أبيه ذي الفقار، وغيرها من التفصيلات السرديّة في إطار الزمن المفتوح والمتداخل في نظر القاص وفي نظر مَن يأتي بعده؛ ليصوّر لنا الحدث مع التأكيد على العلاقات المتداخلة والمطروحة بين المادة السرديّة والمادة القصصية، ومع العلاقة القائمة بين زمن الحدث وطريقة تناولها على مستوى بناء النص كتابياً وخطابياً؛ لغرض تأطير زمن الخطاب الذي لم يجد له سوى طريقة الحكي على شكل فنّي للتثبيت، مما يولّد أثراً فعّالاً في نفس المتلقّي عبر الأزمان المختلفة، ولهذا برز نوع مؤثر للسرد الذي يعرف بالسرد الاستذكاري، وعلى الرغم من كون الانتاج السردي قائماً على كشف وتناول الواقع بأدواته، إلّا أنّ الظواهر الأخرى التي تنتمي إلى خيوط الواقع الاجتماعي والسياسي تنهال لحظة تأديتها داخل النص، مما يكون العمل داخل أطر الأحداث يأخذ مساحات واسعة ومتنوعة وواعية، وهذا ما نلاحظه في طريقة عرض الراوي بواقعة الحدث، فنجد البعد المكاني، والبعد الشخصي، والبعد السياسي، بمخيلاته المختلفة واضحاً في طريقة سرد الواقعة.

وهناك لجأ الراوي أو السارد إلى أسلوب خاص في سرده للواقعة، اعتماداً على ملكته الأدبية وحفظه الواسع بحيث لم تغلب عليه الواقعة، بل كانت واضحة لديه، فجاء بمفردات خاصة به يميّزه عن غيره من الرواة بتراكيب جمل واضحة بحيث لا يفقد الأصل جزءاً من معناه أو تشخّص حقيقة من خصائصه؛ لذا فإنّ من العوامل التي تؤثر على أسلوب القاص، هي الابتعاد عن حقيقة النص من خلال استخدامه لأسلوب مؤثر على معناه[406]، ويبدو لي أنّ أبا مخنف أظهر حقائق مؤثرة في النص ولم تكن مبتعدة عن حقيقته، وهذا خلاف معظم الساردين للأحداث في رواياتهم المتنوعة؛ إذ نجد الابتعاد عن حقيقة النص؛ إذ إنّ الأديب البارع يحاول أن يطوّر مفرداته لجعلها ملائمة لأغراضه الأدبية اعتماداً على المعاجم اللُغوية، ومتى ما استخدم مفردات بعيده عن النص، فإنّه سيضعف النص من وجوده وتأثيراته، فمثلاً الجمل الطويلة تبطئ القراءة، والجمل القصيرة تعطي حسّاً بالنشاط، كما أنّ تكرار أصوات معينه تعزز من المعنى العام الذي توصيه بقيّت عناصر النتاج للحدث، وهذا ما نجده في نداءات أصحاب الحسين×مع إمامهم وهم يودعونه للقتال بقولهم: «يا مولاي أتأذن لي بالبراز»[407]، فنجد النثر الموجز والكلمة القصيرة الفاعلة، والحدث الصوري المؤثر أو الصوت الشجي، وإيجاز المقالة وغيرها، فكلّها عناصر فاعلة وملائمة للأغراض الأدبية وحيثياتها.

ثانياً: المفارقات الزمنية وتقنيات السرد الزمني

1 ـ المفارقة الزمنية وبُعدها الجمالي

تبرز أبعاد المفارقة الزمنية حين يعمد الكاتب إلى قص حادثة بعد أخرى في الخطاب السردي، من دون مراعاة لترتيب تلك الحوادث نفسها في القصة؛ إذ ينتقل الكاتب وبحركة مكوكية من الحاضر إلى الماضي أو العكس مُحدثاً تقنيتين أو شكلين من أشكال الحركة السرديّة هما: (الاسترجاع، والاستباق)، إلّا أنّ قاص الحدث الحسيني (أبو مخنف) أبرز المفارقة الزمنية وبعدها الجمالي بشكل آخر، فقد راعى الترتيب وأوجد الحركة السرديّة من خلال العرض المقصود، وهو نقل واقعة الطف الجمالية الجارحة للقلوب والمؤثرة في النفوس، فالزمن على أرض الحكاية لا يمكن للأحداث فيه أن يتقدّم بعضها على الآخرى، أمّا في نطاق السرد فيمكن للكاتب أنْ يتصرّف بحرية وينتقل بين الماضي والحاضر والمستقبل محققاً غرضاً جمالياً أو فنّياً مقصوداً[408]، ويأتي هذا التنافر على وفق شكلين:

أ ـ الاسترجاع

وهو المقطع السردي الذي يتم فيه استيحاء الماضي والرجوع إليه في وقت متأخر عن وقت حدوثه؛ إذ يترك الراوي نقطة السرد التي وصل إليها ويعود بالأحداث إلى الوراء مسترجعاً الماضي في المتن السردي الحالي[409]، كما في قوله:

«ﻣَﻦ ﺃﺣﺐّ ﻣﻨﻜﻢ أﻥ ﻳﺘﺒﻌﻨﻲ ﻭإلّا ﻓﺈﻧّﻪ ﺁﺧﺮ ﺍﻟﻌﻬﺪ. إﻧّﻲ ﺳﺄﺣﺪّﺛﻜﻢ ﺣﺪﻳﺜﺎً: ﻏﺰﻭﻧﺎ ﺑﻠﻨﺠﺮ ﻓﻔﺘﺢ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻨﺎ ﻭﺃﺻﺒﻨﺎ ﻏﻨﺎﺋﻢ»[410].

وقد تتميّز الاسترجاعات بكونها ذاتية تتعلّق باسترجاع أحداث عاشتها الشخصيّة التي تشارك في الحدث؛ إذ تنطلق ذاكرة الراوي لتروي لنا أحداثاً وقعت في وقت بعيد عند رؤيته لحادثة زهير وانقلابه ضدّ ذاته، وأصبح مع الحسين×،وطلّق زوجته، وودع إخوته وحدّثهم بحديث كان في زمن رسول الله ’ وأيام غزوهم لبنجر، وهو زمن غير زمن الحادثة مسترجعاً الماضي، وأنّ هذه تُسهم في تفسير أسباب الحدث وردود فعل الشخصيّات الحالي، كما يُسهم أيضاً في إعطائنا معلومات ماضية عن عنصر من عناصر المقتل التي أسهمت في بلورة الحدث الآني. وعلى الرغم من هذه الاسترجاعات لا نجد السارد هنا يعمد إلى شرح التفاصيل، تفاصيل زهير وأمثاله في المقتل وأسباب اللحوق وغيره مع الإمام المفترض الطاعة، بل يلجأ إلى الخلاصات الزمنية الموحية بالعشق والحب للحسين×، واستذكاره للأحاديث التي سردها له الإمام×، واسترجاع الزمن إلى زمن الأنبياء وقصصهم، فكان التشابه الذي قاده إلى استرجاع الأحداث الماضية المختصرة، والسارد لا يواجه مشكلة في تقديم الأحداث الماضية عبر الاسترجاعات التي تخدم الحدث السردي؛ لأنّ الحدث الحاضر غالباً ما يكون نتيجة حتمية لأحداث سابقة يجهد السارد في تعريفنا بها بطريقة فنّية، أمّا عن طريق الإخبار المباشر أو الإيحاء به، وبعثه مرة أخرى إلى زمن الرواية، وهنا يتداخل الماضي مع زمن السرد ليؤثر فيه ويخلقه مرة أخرى[411].

يكتفي السارد فقط بروايتها كما في قوله: «ﻓﺤﻤﺪ ﺍﻟﻠﻪ ﻭﺃﺛﻨﻰ ﻋﻠﻴﻪ، ﺛﻢّ ﻗﺎﻝ: ﺃﻳّﻬﺎ ﺍﻟﻨﺎﺱ، إﻥّ ﺭﺳﻮﻝ ﺍﻟﻠﻪ’ ﻗﺎﻝ: ﻣَﻦ رأى ﺳﻠﻄﺎﻧﺎً ﺟﺎﺋﺮﺍً ﻣﺴﺘﺤﻼً ﻟﺤﺮﻡ ﺍﻟﻠﻪ، ﻧﺎﻛﺜﺎً ﻟﻌﻬﺪ ﺍﻟﻠﻪ، ﻣﺨﺎﻟﻔﺎً ﻟﺴﻨّﺔ ﺭﺳﻮﻝ ﺍﻟﻠﻪ’، ﻳﻌﻤﻞ ﻓﻲ ﻋﺒﺎﺩ ﺍﻟﻠﻪ ﺑﺎلإﺛﻢ ﻭﺍﻟﻌﺪﻭﺍﻥ، ﻓﻠﻢ ﻳُﻐﻴّﺮ ﻋﻠﻴﻪ ﺑﻔﻌﻞ ﻭﻻ ﻗﻮﻝ، ﻛﺎﻥ ﺣﻘﺎً ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻠﻪ أﻥ ﻳُﺪﺧﻠﻪ ﻣﺪﺧﻠﻪ»