شبهة: أن الحسين(ع) يحب الدنيا
متن الشبهة:
الجواب:
بسمه تعالى
انّ المتتبع لسيرة الإمام الحسين(ع) يجد بأنّه ضحى بأغلى ما يملك إحياءً لدين جده المصطفى(ص)، فقد ضحى بأمانه واستقراره عندما امتنع من البيعة ليزيد بالقول: «وعلى الإسلام السلام إذ قد بليت الأمة براعٍ مثل يزيد»[1]، وضحى بمدينة جده وأرض أحبته حين تركها من أجل المبادئ والقيم، وأقدم على حمل النساء والأطفال جهادا في سبيل الله، فهو يمثل النموذج الأمثل والمصداق الأكمل لقوله تعالى: (الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ).
ومن كان هكذا ديدنه، فإنّ الدنيا لم تكن لتجد طريقا إلى خلجات نفسه أو تتمكن من قلبه؛ لأنها لا تعدل عنده جناح بعوضة، وقد عبر× عن حقيقة الدنيا وما تعنيه بالنسبة له حينما خطب غداة يوم شهادته× فقال: «عباد الله، اتقوا الله وكونوا من الدنيا على حذر، فإن الدنيا لو بقيت لأحد وبقي عليها أحد كانت الأنبياء أحق بالبقاء وأولى بالرضا وأرضى بالقضاء، غير أن الله تعالى خلق الدنيا للبلاء وخلق أهلها للفناء، فجديدها بالٍ ونعيمها مضمحل وسرورها مكفهر والمنزل بلغة والدار قلعة، فتزودوا فإن خير الزاد التقوى، واتقوا الله لعلكم تفلحون»[2].
وأما معنى قوله×: (على الدنيا بعدك العفا): العفا يعني الهلاك والدروس وذهاب الأثر[3]، وعليه، إن الإمام الحسين× أرد بذلك أنّ الدنيا التي يفتقد فيها مثل علي الأكبر الشاب العابد المجاهد الذي أشبه رسول الله خلقا وخلقا ومنطقا[4] لأجل أهداف مادية ونزوات شخصية، لا تساوي شيئا، وأنّ وجودها وفناءها في نظره× سِيَّانْ. وخلافا لما أورده المستشكل، فقد أثبت الإمام الحسين× زهده بالدنيا وإعراضه عن زينتها ومباهجها حينما قدّم ولده علي الأكبر ثمرة فؤاده وفِلْذَة كَبِدِه في سبيل الله وإحياء لدين المصطفى| ليكون أول شهيد من السلالة الهاشمية[5]، فلو كان محبا للدنيا لما قدّمه للموت، أو على الأقل ادَّخَرَهُ لآخر المعركة.
[1]. ابن أعثم الكوفي، أحمد بن أعثم، الفتوح: ج5، ص17، تحقيق: علي شيري، دار الأضواء للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت-لبنان، ط1، 1411هـ - 1991م.
[2]. ابن عساكر، علي بن الحسن، تاريخ مدينة دمشق: ج14، ص217 ـ 217، تحقيق: علي شيري، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت - لبنان، 1415هـ. ابن العديم، عمر بن أحمد، بغية الطلب في تاريخ حلب: ج6، ص2586، تحقيق: الدكتور سهيل زكار، مؤسسة البلاغ، بيروت - لبنان، 1408هـ - 1988م.
[3]ابن الأثير، المبارك بن محمد، النهاية في غريب الحديث والأثر: ج3، ص266. تحقيق: طاهر أحمد الزاوي، محمود محمد الطناحي، مؤسسة إسماعيليان للطباعة والنشر والتوزيع، قم – إيران، ط4، ١٣٦٤ش.
[4]المجلسي، محمد باقر بن محمد تقي، بحار الأنوار: ج45، ص43، مؤسسة الوفاء، دار إحياء التراث العربي، بيروت - لبنان، ط2 المصححة، 1403هـ - 1983م.
[5] الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأمم والملوك: ج4، ص340، راجعه وصححه: نخبة من العلماء، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت - لبنان، ط4، 1403هـ - 1983م؛ الدينوري، أحمد بن داود، الأخبار الطوال: ص256، تحقيق: عبد المنعم عامر، مراجعة: الدكتور جمال الدين الشيال، دار إحياء الكتب العربي - عيسى البابي الحلبي وشركاه - القاهرة، منشورات شريف الرضي، ط1، 1960م.

