العتبة الحسينيةمؤسسة وارث الأنبياء
مخطوطة العتبة الحسينيةمخطوطة وارث الأنبياء

شبهة: مواجهة الإمام السجاد (ع) للإعلام الأموي

مشاركة:

متن الشبهة:

كيف واجه الإمام السجاد(ع) التوجيه الإعلامي الذي حصل في مجلس يزيد؟

الجواب:

إن الإعلام الأموي الذي كان مسيطرا في تلك الفترة على عقول الناس كان له الدور الكبير في قلب الحقائق وتجهيل الناس وتضليلهم، فجعل من الإمام الحسين× الثائر والمضحي من أجل الدين ونصرة العقيدة إنسانا خارجيا خرج على يزيد فاستحق القتل، الأمر الذي جعل الشيخ الشامي يخاطب الإمام السجاد× بقوله: »الحمد لله الذي قتلكم وأهلككم وأراح الرجال من سطوتكم، وأمكن أمير المؤمنين منكم«[1]، فلما عرف أنه من أهل البيت تاب من قوله وتبرأ إلى الله تعالى من عمل يزيد[2]، ومن هنا فقد أفشل الإمام× مشروعهم بخطابه في مجلس يزيد. ويمكن تقسيم روح خطابه إلى عدة فقرات:

1-التحذير من سخط الله

لم تكن النظرة الخاطئة من أهل الشام تجاه الإمام السجاد والأسارى من أهل بيته^ بأنهم خوارج لولا التعتيم الإعلامي الذي كانت تمارسه السلطة الحاكمة في تغييب الحقائق عن الناس، فهم كانوا يجهلون حقيقة أهل البيت^ وفضائلهم، لذلك لما أمر يزيد الخطيب أن ينال من أمير المؤمنين× والإمام الحسين×، وأن يثني على معاوية ويزيد لم يعترض على كلامه إلا الإمام× الذي قال له: »ويلك أيها الخاطب اشتريت رضا المخلوق بسخط الخالق؟ فتبوأ مقعدك من النار«[3].

2-التذكير بفضائل أهل البيت^

حينما سنحت الفرصة للإمام× في أن يخطب بالناس في مجلس انعقد لأجل تزييف الحقائق وتغييبها، جعل قلوبهم تهفوا إليه وعيونهم تدمع لأجله، فشرع× في تبيين الحقيقة وتصحيح النظرة الخاطئة التي كانت عند الحاضرين، فذكرهم بالفضائل التي كانت لأهل البيت^ وبني هاشم، فقال: »أيها الناس، أُعطينا ستّا، وفُضلّنا بسبع: أُعطينا العلم، والحلم، والسماحة، والفصاحة، والشجاعة، والمحبة في قلوب المؤمنين، وفضلنا بأنّ منّا الرسول، ومنا سيدة نساء العالمين فاطمة البتول، ومنا سبطا هذه الأمة، وسيدا شباب أهل الجنّة«[4].

3- التعريف بشخصه×

من الأمور المهمة التي قام ببيانها الأمام× للمستمعين الذين يعتقدون بأن من كان بين يدي يزيد هم خوارج وخارجين عن الملة والدين، فبدأ بالتعريف عن نفسه وعن نسبه الشريف، حيث قال: »من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني أنبأته بحسبى ونسبى، أيها الناس، أنا ابن مكة ومنى، أنا ابن زمزم والصفا، أنا ابن من حمل الزكاة بأطراف الرداء، أنا ابن خير من ائتزر وارتدى، أنا ابن خير من انتعل واحتفى، أنا ابن خير من طاف وسعى، أنا ابن خير من حج ولبّى«[5]، وقال أيضاً: »أنا ابن محمد المصطفى، أنا ابن علي المرتضى«[6].

4- لمحة تاريخيّة

من ضمن الأمور التي حرر بها الإمام زين العابدين× عقول وافئدة الحاضرين من سيطرة وتبعية النظام الأموي الذي قلب الحقائق وزيفها، من خلال تذكيرهم بالحوادث والوقائع التاريخية المرتبطة بهم^، وبفضلهم على الناس، حيث أعادهم إلى الحقائق التاريخية المغيبة عنهم ليخرجهم من الضلالة الأموية إلى الهدية المحمدية، حيث قال×: »أنا ابن من حمل على البراق في الهواء، أنا ابن من أُسرى به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، أنا ابن من بلغ به جبرئيل إلى سدرة المنتهى، أنا ابن من دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى، أنا ابن من صلى بملائكة السماء، أنا ابن من أوحى إليه الجليل ما أوحى، أنا ابن محمد المصطفى، أنا ابن علي المرتضى، أنا ابن من ضرب خراطيم الخلق حتى قالوا لا إله إلا الله، أنا ابن من ضرب بين يدي رسول الله’ بسيفين، وطعن برمحين، وهاجر الهجرتين، وبايع البيعتين، وقاتل ببدر وحنين، ولم يكفر بالله طرقة عين، أنا ابن صالح المؤمنين ووارث النبيين، وقامع الملحدين، ويعسوب المسلمين، ونور المجاهدين، وزين العابدين، وتاج البكائين، وأصبر الصابرين، وأفضل القائمين من آل ياسين، ورسول رب العالمين، أنا ابن المؤيد بجبرائيل المنصور بميكائيل، أنا ابن المحامي عن حرم المسلمين، وقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين، والمجاهد أعداءه الناصبين، وأفخر من مشى من قريش أجمعين، وأول من أجاب واستجاب لله من المؤمنين، وأقدم السابقين، وقاصم المعتدين، ومبير المشركين، وسهم من مرامي الله على المنافقين، ولسان حكمة العابدين، ناصر دين الله، وولي أمر الله، وبستان حكمة الله، وعيبة علم الله. سمح سخي، بهلول زكي أبطحي رضي مرضي، مقدام همام، صابر صوام، مهذب قوام، شجاع قمقام، قاطع الأصلاب، مفرق الأحزاب، أربطهم جنانا، وأطبقهم عنانا، وأجرأهم لسانا، وأمضاهم عزيمة، وأشدّهم شكيمة، أسد باسل، وغيث هاطل، يطحنهم في الحروب - إذا ازدلفت الأسنة، وقربت الأعنة - طحن الرحى، ويذروهم ذرو الريح الهشيم، ليث الحجاز، وصاحب الإعجاز، وكبش العراق، الإمام بالنص والاستحقاق، مكي مدني، أبطحي تهامي، خيفي عقبي، بدري أحدي، شجري مهاجري، من العرب سيدها، ومن الوغى ليثها، وارث المشعرين، وأبو السبطين، الحسن والحسين، مظهر العجائب، ومفرق الكتائب، والشهاب الثاقب، والنور العاقب، أسد الله الغالب، مطلوب كل طالب، غالب كلّ غالب، ذاك جدي علي بن أبي طالب.أنا ابن فاطمة الزهراء، أنا ابن سيدة النساء، أنا ابن الطهر البتول، أنا ابن بضعة الرسول» .

ولم يزل يقول: « أنا أنا» حتى ضجّ الناس بالبكاء والنحيب، وخشي يزيد أن تكون فتنة، فأمر المؤذن أن يؤذن، فقطع عليه الكلام وسكت»[7].

5- اقتطاف الأثمار

لما كشفت خطبة الإمام الزين العابدين× الوجه الحقيقي للأمويين عند الحضور علموا بضلالتهم عن الحق فضجوا بالبكاء والنحيب، وأخذت الأمور تتجه في صالح الامام× وفضح يزيد، خاف يزيد الفتنة فأمر المؤذن بأن يقطع كلام الإمام× ويؤذن، فلما قال المؤذن: »أشهد أن محمدا رسول الله« التفت الإمام× إلى يزيد وخاطبه وقال: »يا يزيد، محمد هذا جدي أم جدك؟ فإن زعمت أنه جدك فقد كذبت، وإن قلت إنه جدي، فلمَ قتلت عترته؟!«[8]، أراد بذلك أن ينبّه الغافلين عن فعلة يزيد ويذكر لهم الحقيقة التي غابت عنهم، والتي هي قتله الإمام الحسين وأهل بيته وأصحابه^.

وبذلك قد بلغ الامام× غايته، وذهبت خطط يزيد أدراج الرياح، وتبخرت جميع الدعايات المضللة التي روجت لها السياسة الأموية من أنهم ليسوا إلا خوارج، وقد وقع ما كان يخاف منه يزيد وهو فضيحته وفضيحة بني أمية حينما طلب منه الناس بأن يأذن للإمام× بأن يخطب في الناس فقال لهم: »إن صعد المنبر هذا لم ينزل إلا بفضيحتي وفضيحة آل أبي سفيان«[9]، وبالفعل ما نزل الإمام× إلا وقد

افتضح يزيد وبنو أمية.

فكان لخطبته الصدى والتأثير الإعلامي الكبير على الناس، وقد أفسدت على يزيد المتبختر المغرور فرحته وسروره بالانتصار المزعوم.



[1]. ابن أعثم، أحمد بن أعثم، الفتوح: ج5، ص130، تحقيق: على شيري، دار الأضواء للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت - لبنان، ط1، 1411هـ - 1991م.

[2]. المصدر السابق: ج5، ص130.

[3]. الخوارزمي، الموفق بن أحمد، مقتل الحسين ×: ج2، ص76، تحقيق محمد السماوي، تصحيح دار أنوار الهدى، قم إيران، ط1.

[4]. المصدر السابق: ج2، ص76-77.

[5]. المصدر السابق: ج2، ص77.

[6]. المصدر السابق: ج2، ص77.

[7]. المصدر السابق: ج2، ص77-78.

[8]. المصدر السابق: ج2، ص78.

[9]. المصدر السابق: ج2، ص76.