شبهة: معنى قوله(ع): كونوا أحرارا في دنياكم
متن الشبهة:
الجواب:
باسمه تعالى لمعرفة معنى الكلام المذكور الوارد عن إمامنا الحسين(ع) -«إن لم يكن لكم دين، فكونوا أحرارا في دنياكم»- علينا أن نطّلع على مصادر التقنين في المجتمع الذي قاتل الإمام الحسين(ع)، ويمكن لنا بيان المصادر التي تحدد لأفراد المجتمع سلوكياته وأفعاله، ويمكن بيانها في ثلاثة:
المصدر الأول: أحكام الإسلام، باعتبار أن ظاهرهم على الإسلام. المصدر الثاني: الأحساب وموازين الشرف في المجتمع الذي يعيشون فيه، والتي لا يتنافى كثير منها مع أحكام الدين. المصدر الثالث: ما يشخّصه العقل العملي من قبح أو حسن للأفعال، والتي ترجع كلها إلى حسن العدل وقبح الظلم، وهذا المصدر في الحقيقة أمر فطري يشعر به البشر جميعاً في كل زمان وكل مكان، بعيداً عن الجانب الديني والفكري والعقدي.
إمامنا الحسين(ع) بعد أن استشهد جميع المقاتلين من أصحابه وأهل بيته، خرج يقاتل بمفرده صلوات الله وسلامه عليه، وفي أثناء قتاله رأى مجموعة من القوم أرادوا الإغارة على خيامه، فناداهم: «ويحكم إن لم يكن لكم دين، فكونوا في أمر دنياكم أحرارا»[1]، وفي نصوص أخرى: «إن لم يكن لكم دين وكنتم لا تخافون يوم المعاد، فكونوا في أمر دنياكم أحراراً ذوي أحساب»[2]، وفي بعض الروايات: «فكونوا أحراراً في دنياكم هذه، وارجعوا إلى أحسابكم إن كنتم عرباً كما تزعمون»[3].
أراد الإمام الحسين(ع) تذكيرهم أولا بالدين، وذلك بقوله(ع): «إن لم يكن لكم دين»، وهو نوع عتب، يذكَّر الإنسان من خلاله بتركه لما عوتب عليه، باعتبار أن من خرج لقتال سبط النبي’ وسيد شباب أهل الجنة تجرد عن التزامه بتعاليم الإسلام، وكذلك أراد(ع) تذكيرهم بمصدرين آخرين -غير الدين- يحددان سلوك الفرد إن كان حرّاً، ولم يكن عبدا لغير الله، وهما الفطرةالتي تنهاهم عن الظلم، وكذلك ما تسالمت عليه أحسابهم وموازين الشرف عندهم. والأقرب أنه أراد تذكيرهم بأحسابهم ـ فلا فطرة سليمة لهؤلاء الأراذل ـ بقرينة الألفاظ الواردة في بعض الروايات كقوله(ع): «ذوي أحساب»، أو «ارجعوا إلى أحسابكم إن كنتم عرباً كما تزعمون»؛ لذلك تذكر بعض النصوص أن الشمر عندما سمع خطاب الإمام استحيى ورجع[4]. وفي بعض النصوص أن شبث بن ربعي - رغم خساسته - لما سمع نداء شمر: «عليّ بالنار حتى أحرق هذا البيت على أهله» خاطبه قائلاً: «ما رأيت مقالاً أسوأ من قولك، ولا موقفاً أقبح من موقفك!! أمرعباً للنساء صرت؟!» قال الراوي: «فأشهد أنه استحيى»[5].
وبعد استشهاده(ع) انسلخ القوم عن كل القيم حتى التي تسالمت عليها أحسابهم، وتسابقوا لنهب خيام الحسين(ع) وترويع النساء والأطفال وأسرهم، لعنهم الله وزادهم عذاباً، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
[1]. البلاذري، أحمد بن يحيى، أنساب الأشراف: ج3 ص 202، تحقيق: محمد باقر المحمودي، دار التعارف للمطبوعات، الطبعة الأولى1397هـ - 1977م. ابن مسكويه، أحمد بن محمد، تجارب الأمم: ج2، ص79، حققه وقدم له الدكتور أبو القاسم امامي، دار سروش للطباعة والنشر، ط2، 1422هـ - 2001 م .
[2]. الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأمم والملوك: ج4، ص344، راجعه وصححه: نخبة من العلماء الأجلاء، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت ـ لبنان، ط4، 1403هـ ـ 1983م. ابن الأثير، علي بن محمد، الكامل في التاريخ: ج 4، ص 76، دار صادر للطباعة والنشر ـ دار بيروت للطباعة والنشر، بيروت ـ لبنان، 1385هـ. ق ـ 1965م.
[3]. الخوارزمي، الموفق بن أحمد، مقتل الإمام الحسين: ج2، ص38، تحقيق: الشيخ محمد السماوي، تصحيح: دار أنوار الهدى، منشورات أنوار الهدى، إيران ـ قم، ط1، 1418هـ. ابن طاووس، علي بن موسى، اللهوف في قتلى الطفوف: ص71، أنوار الهدى، ط1، قم، ت 1417 هـ؛ الشافعي، محمد بن طلحة، مطالب السؤول في مناقب آل الرسول: ص402، تحقيق: ماجد بن أحمد العطية.
[4]. أبو فرج الأصبهاني، علي بن الحسين، مقاتل الطالبيين: ص79، تقديم: كاظم المظفر، منشورات المكتبة الحيدرية ومطبعتها في النجف، مؤسسة دار الكتاب للطباعة والنشر، قم - إيران، ط2، 1385هـ - 1965م.
[5]. الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأمم والملوك: ج4، ص334.

