شبهة: معنى قول الإمام الحسين(ع) لزينب(ع): (لا يذهبنَّ بحلمك الشيطان).
متن الشبهة:
الجواب:
باسمه تعالى
لا يوجد أدنى ريب أو شك في أن العقيلة زينب(ع) وصلت بعبادتها وتهجدها وجهادها لنفسها إلى مقام التسليم، وهو أمر كشفت عنه سيرتها، وأبرزته مواقفها العظيمة في واقعة كربلاء، فهي القائلة لابن زياد: «ما رأيت إلا جميلا» حينما سألها: «كيف رأيت صنع الله بأخيك وأهلبيتك؟»[1]، فهي(ع) ترى وفقا لمقتضى تسليمها لأمر الله أنّ كل ما ينالها وأهل بيتها في جنب الله جميل، ولا غرابة في ذلك فهي «عالمة غير معلمة، فهمة غير مفهَّمة»[2] بشهادة المعصوم، فمن كان هذا شأنه ومقامه كيف يكون للشيطان عليه سبيل؟
ثم إنّ الإمام الحسين(ع) كان على علم تام بحلم السيدة زينب(ع) وصبرها وجلدها على مصائب الدنيا، فقد وقف على ذلك بنفسه حين استشهدت أمها الزهراء وتلاها أبوها أمير المؤمنين وأخوها الحسن^، ويعلم أيضا أنّ للسيدة زينب(ع) دور خاص في نهضته المباركة لا يمكن أن يؤديه غيرها، فقد اختارها لتكمل المسيرة التي من أجلها نهض(ع) من خلال مرحلة ما بعد شهادته(ع) المهمة والحساسة، فقوله لها(ع): « أختاه لا يذهبن بحلمك الشيطان»[3]، لا يعني بحال أنّها سوف تتخلى عن صبرها وجلدها، ليجد الشيطان إليها سبيلا من خلال الجزع والأسى، وإنّما هو تذكير وتثبيت لها على الاستمرار في التلبس بالصبر والحلم ليكون دافعا معنويا لها في الثبات على ذلك النهج ـ الصبر والجلد ـ لا سيما وأنّه يعلم بأنّها سوف تواجه من الرزايا والبلايا ما يُعجز الجبال الرواسي.
وكم لذلك من نظير، قال تعالى مخاطبا نبيه: {يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ الله}[4]، فإن المراد بالأمر هنا المداومة والاستمرار على التقوى، قال صاحب تفسير مقتنيات الدرر: «فلو قيل: إنّ الأمر بالشيء لا يكون إلَّا عند عدم اشتغال المأمور بالمأمور به إذ لا يصلح أن يقال للجالس: اجلس، وللساكت: اسكت، والنبيّ(ع) كان متّقيا فما الوجه فيه؟فالجواب: أنّه أمر بالمداومة، فإنّه يصحّ أن يقول القائل للجالس: اجلس هنا إلىأن أجيئك، وللساكت: قد نجوت فاسكت ودم على ما أنت عليه»[5].
وأيضا من ذلك ما ورد من وصايا رسول الله| لأمير المؤمنين(ع): «يا علي أوصيك في نفسك بخصال .. أما الأولى: فالصدق، ولا تخرجن من فيك كذبة أبدا . والثانية: والورع ولا تجترئ على خيانة أبدا»[6].
فرسول الله| يعلم كل العلم أنّ أمير المؤمنين(ع) معصوم ولا يمكن أن يكذب أو يجترئ على خيانة أبدا، وإنما هو تذكير بعظمة الصدق ولزوم الثبات عليه وقبح الخيانة ولزوم الاجتناب عنها، ليكون درسا في الثبات على الصدق واجتناب الخيانة، وعبرة يعتبر بها الآخرون.
وبما تقدم يتضح أنّه بالإمكان حمل كلام الإمام الحسين(ع) لأخته الحوراء زينب(ع)، على هذا المعنى.
[1]. ابن أعثم الكوفي، أحمد، الفتوح: ج5، ص122، تحقيق: علي شيري، دار الأضواء للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت-لبنان، ط1، 1411هـ - 1991م.
[2]. الطبرسي، أحمد بن علي، الاحتجاج: ج2، ص31، تعليق وملاحظات: محمد باقر الخرسان، دار النعمان للطباعة والنشر، النجف الأشرف، ١٩٦٦م
[3]. الخوارزمي، الموفق بن أحمد، مقتل الحسين×: ج1، ص338.
[4]. الأحزاب: 1
[5]. الحائري الطهراني (المفسر)، مير سيد علي، تفسير مقتنيات الدرر: ج8، ص274، الناشر: الشيخ محمد الآخوندي مدير دار الكتب الإسلامية، 1337 ش.
[6]. الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي: ج8، ص79، تصحيح: علي أكبر الغفاري، الناشر: دار الكتب الإسلامية، طهران - إيران، ط4، 1365 هـ _ش.

