العتبة الحسينيةمؤسسة وارث الأنبياء
مخطوطة العتبة الحسينيةمخطوطة وارث الأنبياء

شبهة: استشارة الإمام الحسين(ع) لابن عباس

مشاركة:

متن الشبهة:

لماذا استشار الإمام الحسين(ع) ابن عباس في الخروج من مكة مع أنه إمام معصوم ويعلم بما سوف يحلّ به؟

الجواب:

المعنى اللغوي والاستعمالي لكلمة (شاور) يدل على أنها وضعت لأصلين يمكن استخدامها فيهما، وهما أخذ الشيء، وهو يتناسب مع المشاورة والتداول في الرأي، والآخر إبداء الشيء وإظهاره، وهو يتناسب مع الإخبار بالشيء، ويدل على ذلك ما ذكره ابن فارس من أن مادة (شور) وضعت لأصلين مفردين، الأول هو أخذ شيء والآخر إبداء شيء وإظهاره وعرضه[1]، بعد هذا البيان اللغوي لمفردة الاستشارة يمكن إجابة هذا التساؤل في عدة نقاط:

1- إن الرواية أول من أوردها ابن سعد في الطبقات، ولم يذكر موضوع الاستشارة[2].  

2- على فرض صحة هذه الزيادة، فإن الأزرقي المتوفي في القرن الثالث رواها بلفظ استأذنني الحسين[3]، وليس استشارني والكلمتان من حيث الرسم متقاربتان، فمن الممكن أن هناك خطأ بالنقل، وهو الأنسب.

3- على فرض صحة ما نقل من خبر استشارة الإمام الحسين× لابن عباس فان المراد من قول ابن عباس: «استشارني الحسين بن علي في الخروج فقلت لولا أن يزرى بي وبك لنشبت يدي في رأسك...»[4]، يمكن أن يكون هو الإخبار كما هو الرأي الأول بناءً على ما ذكره ابن فارس، ويؤيده ذيل الخبر حينما قال ابن عباس: (لنشبت يدي في رأسك)، حيث يفهم منه أن ابن عباس لما أخبره الإمام بالخروج أراد أن يمنعه من الخروج، وهذا التصرف من ابن عباس يكشف أن الإمام× لم يستشره، بقدر ما أراد أن يخبره، وهو المنسجم مع عزم الإمام× على الخروج من مكة غير متردد، حيث قال له: «لإن أُقتل بمكان كذا وكذا أحب إليَّ من أن أستحل حرمتها»[5]، فهو يعلم أن بني أمية سوف يستحلون حرمة حرم الله بقتل نفس فيها لذلك قال لابن الزبير: «إن أبى حدثني أن بها كبشاً يستحل حرمتها، فما أحب أن أكون أنا ذلك الكبش»[6]، وهذا الفهم هو المتكيف مع نقل الأزرقي في أخبار مكة لهذا الخبر، حيث رواه بـ(اسْتَأْذَنَنِي)، وليس استشارني كما ذكرنا سابقاً، والاستئذان هو طلب الإذن؛ كون ابن عباس ابن عم الإمام الحسين× وله مقام رفيع عند الإمام وعند بني هاشم، فالاستئذان من قبل الإمام الحسين× يُعدُ خلقاً عظيماً وتصرفاً ينمُ عن العلاقة الطيبة بينهما.

ولو تنزلنا وقلنا إن الإمام الحسين× استشار ابن عباس، فالمشاورة لا غضاضة فيها، فهي منهج قرآني طلبه الباري سبحانه من النبي| بقوله في آل عمران: {وشاورهم في الأمر فاذا عزمت فتوكل على الله}[7]، وسنة النبي| مع أصحابه كان يشاورهم ويستشيرهم رغم أنه| مستغنٍ عنهم بالوحي، وكذلك فعل الأئمة الأطهار^ مع اتباعهم وشيعتهم[8].

فإن قيل: ما فائدة المشاورة على ذلك؟ نقول: إن هناك فوائد كثيرة للمشاورة، منها مشاركة الناس في عقولهم وآرائهم، بالإضافة إلى أن التشاور خير محك لمعرفة دواخل ونوازع الآخرين وما يكنّون للمستشير من حب أو كراهية، أو ولاء أو عداء، وغيرها من النوازع الخفية التي إن اطلع عليها المستشير فيمكن أن تتبين له من خلالها خفايا الأمور ويتحقق له سبيل النجاح والفوز.



[1].انظر: ابن فارس، أحمد بن زكريا، معجم مقاييس اللغة: ج ٣، ص ٢٢٦، تحقيق: عبد السلام محمد، الأعلمي، بيروت.

[2]. انظر: ابن سعد، محمد بن سعد، الطبقات الكبرى (الطبقة الخامسة من الصحابة): ج1، ص 450، مكتبة الصديق، الطائف. وابن العديم، عمر بن أحمد، بغية الطلب في تاريخ حلب: ج6، ص108، تحقيق: سهيل زكار، الناشر مؤسسة البلاغ، بيروت. والمزي، يوسف بن الزكي، تهذيب الكمال: ج6، ص420، تحقيق: بشار عواد، نشر مؤسسة الرسالة، بيروت. وابن كثير، البداية والنهاية: ج8، ص177، تحقيق: علي شيري، الناشر دار إحياء التراث العربي، بيروت.

[3] الطبراني، أحمد بن سلمان، المعجم الكبير: ج3، ص119، تحقيق: حمدي عبد المجيد السلفي، نشر دار إحياء التراث العربي.

[4]. ابن عساكر، علي بن الحسن، تاريخ مدينة دمشق: ج ١٤، ص ٢٠٠، تحقيق: علي شيري، دار الفكر، بيروت.

[5]. المصدر السابق: ج ١٤، ص ٢٠٠.

[6]. الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأمم والملوك: ج ٤، ص ٢٨٩، تحقيق: نخبة من العلماء الأجلاء، مؤسسة الأعلمي، بيروت.

[7]. آل عمران: 159.

[8]. انظر: البرقي، أحمد بن محمد، المحاسن: ج2، ص601، تحقيق: جلال الدين الحسيني، دار الكتب الإسلامية، طهران.