1439 / ربیع‌الاول / 6  |  2017 / 11 / 25         الزيارات : 484080         صلاة الصبح |         صلاة الظهر والعصر |         صلاة المغرب والعشاء |

الندوة (26) - التوفيق بين علم الإمام الحسين (علیه السلام) بشهادته وتخطيطه للمعركة (القسم الثاني)- آية الله الشيخ محمد جواد فاضل اللنكراني

{ مؤسسة وارث الأنبياء - قم المقدسة }
الندوة (26) - التوفيق بين علم الإمام الحسين (علیه السلام) بشهادته وتخطيطه للمعركة (القسم الثاني)- آية الله الشيخ محمد جواد فاضل اللنكراني

ذكر المحاضر أنّه تقدّم لا بدّ من بحث علم الإمام لنقف على حقيقة قضية عاشوراء، ونحلّلها بشكل جامع وصحيح، وندرك عظمة عاشوراء وأبعادها، ويقع البحث في ثلاثة محاور:

المحور الأوّل: في الآيات الدالّة على علم الإمام بالغيب.

المحور الثاني: مقتضى الأخبار في علم الإمام.

المحور الثالث: على ضوء النتيجة ندخل في صلب الموضوع وحركة الإمام الحسين (عليه السلام).

واستنتج بعضهم أنّ علم الله بالغيب بالأصالة وبالذات، وعلم الأنبياء والأئمة (عليهم السلام) بالعرض بإذنه تعالى، ويختصّ الله بالغيب في عدّة موارد اختلفوا فيها، واتّفقوا على أنّ علم الساعة يختصّ بالله تعالى: ﴿إِنَّ الله عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾، وممّا يختصّ به تعالى وقت الظهور، حيث شبّهته في الأخبار بعلم الساعة، وعليه لا يعلم أحد وقت الظهور حتّى الإمام الحجّة (عجّل الله تعالى فرجه الشريف).

 ثمّ ذكرت الآية موارد أُخرى يختصّ الله تعالى بها: ﴿إِنَّ الله عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ الله عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾.

سؤال: إنّ الله ﴿يَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾، ويختصّ به، فكيف يتمّ معرفة الجنين بالوسائل الطبّية الحديثة كونه ذكراً أو أنثى؟

الجواب: إنّ الله يعلم ما في الأرحام بجميع خصائصه، ولا يختصّ علمه بكون الجنين ذكراً أو أُنثى، بل يعلم بكونه سعيداً أو شقياً، جميلاً أو قبيحاً، وما يصدر منه من الأفعال، وغير ذلك ممّا يختصّ به تعالى، وكذا بقيّة الموارد، يختصّ بعلمها الله تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾، بكلّ خصائصه فيهما، وإن قِيل بعلم النبي (صلّى الله عليه وآله) والأئمة بالعرض بهذه الأُمور، ولكن لا شاهد عليه، ومقتضى المناسبة بين الحكم والموضوع اختصاصه بالله تعالى.

فعلم الغيب بشكله الواسع يختصّ بالله تعالى، وبشكل محدود عند الأنبياء والأئمة (عليهم السلام)، كما هو مفاد الآيات والروايات.

تعريف علم الغيب

يمكن أن يُعرّف الغيب بتعريفين:

التعريف الأوّل: الغيب هو ما غاب عن الناس، وعليه قد يكون شيءٌ غيباً بالنسبة لمَن غاب عنه، وليس بغيبٍ لمَن لم يغِب عنه، فيكون لسائر الناس الذين لا يعلمونه غيباً وللنبي (صلّى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام) ليس بغيب، مثل علمهم متى يموت هذا الشخص، فهو غيب لنا وليس بغيب لهم، ويكون معنى الغيب نسبياً.

التعريف الثاني: ما قاله أمير المؤمنين (عليه السلام) لمّن قال له: لقد أُوتيت يا أمير المؤمنين علم الغيب، فضحك، وقال للرجل: «يا أخا كلب، ليس هو بعلم غيبٍ، وإنّما هو تعلّم من ذي علم».

الملاك الذي بيّنه أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّ الغيب هو ما كان المعلوم لدى العالم من غير وساطة، وأمّا لو تعلّمه بواسطة فهو ليس بغيب، وعليه ينحصر علم الغيب بالله تعالى وما تعلّمه الأنبياء (عليهم السلام) من الله (عزّ وجلّ) وإن خفي على الآخرين فهو ليس بغيب؛ لأنّهم تعلّموه بواسطة إلهية.

وأضاف أنّ قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾، وغيرها من الآيات النافية للغيب - بناءً على التعريف الثاني للغيب - تدلّ على استحالة أن يعلم البشر الغيب بالذات حتّی الأنبياء، بل يتوقّف على التعليم الإلهي، فينتفي علم الأنبياء بالغيب موضوعاً؛ لأنّ علمهم بتعلّمٍ وإلهامٍ من الله تبارك وتعالی، ولا يكون علمه تعالى ذاتياً وعلم الأنبياء بالغيب عرضياً، بل موضوعاً ليس بغيب، كما في الروايات، حيث نفى الأئمة علم الغيب عن أنفسهم، ولاحاجة لحمل الأدلّة النافية للغيب على التقيّة، كما فعله بعضهم.

قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ الله الرُّسُلَ﴾، وذلك في يوم القيامة، ﴿فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ، فيسألهم ماذا أجاب قومكم؟ ﴿قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾، قال أهل السنّة مثل أبي سعيد الخثعمي في تفسيره: «إنّها تدلّ على بطلان قول الإمامية: إنّ الأئمة يعلمون الغيب».

وهذا يدلّ على جهالته، فإنّ ما يعلمه الأئمة ممّا لا يعلمه سائر الناس، غير ما نفاه الأنبياء والأئمة عن أنفسهم، فهما موضوعان مختلفان.

البحث الروائي في علم الغيب

نشير إجمالاً إلى عناوين أبواب الكافي في علم الأئمة (عليهم السلام)، ففي بعض العناوين أنّهم (عليهم السلام) أهل الذكر، قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ...﴾، وأنّهم (عليهم السلام) شهداء علی الناس، وأنّهم (عليهم السلام) أُولي الأمر، وأنّهم (عليهم السلام) خلفاء الله في أرضه، وأنّهم (عليهم السلام) نور الله (عزّ وجلّ)، وأنّهم (عليهم السلام) ارکان الأرض، وأنّهم (عليهم السلام) أُوتوا العلم، فقد قال تعالى: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ ، وفي الروايات أنّ ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ هم الأئمّة (عليهم السلام).

واستفاد العلّامة الطباطبائي (رحمه الله) بقرينة السياق أنّ الذين أُوتوا العلم هم جماعة في غاية التوحيد: وهؤلاء الذين وصفهم الله بأنّهم أُوتوا العلم، وأخبر أنّهم يتكلّمون بكذا، هم الذين رُزقوا العلم بالله، وانكشفت لهم حقيقة التوحيد. فإنّ ذلك هو الذي يعطيه السياق من جهة المقابلة بينهم ـ مع وصفهم بالعلم ـ وبين المشركين الذين ينكشف لهم يومئذٍ أنّهم ما كانوا يعبدون إلّا أسماءً سمّوها، وسراباً توهّموه.

 وأضاف المحاضر: إنّ الذين أُوتوا العلم يتكلّمون يوم القيامة، وهو يومٌ لا يتكلّم فيه إلّا مَن أذن له الرحمن وقال صواباً، فينحصر في الأئمّة (عليهم السلام).

 وأنّهم (عليهم السلام) المُصطفون والوارثون لعلم الكتاب، وأنّهم (عليهم السلام) معدن العلم، وشجرة النبوة، ومختلف الملائكة، وورثة العلم، ويرث بعضهم بعضاً.

 وأنّ الأئمّة ورثوا علم النبي وجميع الأنبياء، وعندهم جميع الكتب التي نزلت عليهم، وأنّهم يعرفونها على اختلاف ألسنتها.

وأنّهم (عليهم السلام) أُوتوا من اسم الله الأعظم، وعندهم من آيات الأنبياء، وعندهم الصحيفة، والجفر، والجامعة، ومصحف فاطمة (عليها السلام).

 وأنّهم (عليهم السلام) يزدادون علماً في ليلة الجمعة، ولولا أنّ الأئمّة يزدادون لنفد ما عندهم، وأنّهم (عليهم السلام) يعلمون جميع العلوم، وأنّهم يعلمون بالغيب، وأنّهم (عليهم السلام) إذا شاؤوا أن يعلموا عُلِّموا، وأنّهم (عليهم السلام) يعلمون متى يموتون، فيعلم الإمام زمان شهادته وقاتله والأداة التي يُقتل بها، وأنّهم (عليهم السلام) يعلمون علم ما كان وما يكون، وأنّ الله (عزّ وجلّ) لم يعلّم نبيه علماً إلّا أمره أن يعلّمه أمير المؤمنين (عليه السلام)، وأنّهم (عليهم السلام) لو ستر عليهم لأخبروا كلّ امرئ بما له وعليه، لو كان لألسنة شيعتهم أوكية، وأنّهم (عليهم السلام) محدَّثون مفهّمون، وأنّهم مسدّدون بروح القدس، وأنّ إي إمام يعلم جميع علم الإمام الذي قبله، وأنّه لم يجمع القرآن كلّه إلّا الأئمّة، وأنّهم يعلمون علمه كلّه، وكلّ هذه الأبواب تشتمل على روايات تحتاج إلى تفكير فيها لنستخرج النكات منها.

فلو اعتقدنا بالعلم الموسّع للإمام، فلا نعبّر عنه بالغيب؛ لئلّا نقع في إشكالية خلط المصطلحات.

 وهل يعلمون بكلّ ذلك من حين الولادة أو من حين الإمامة؟ وهذ بحثٌ يبحث في محلّه.

ثمّ أشار المحاضر منوّها بالاستغناء عن البحث السندي فيها؛ لاشتمالها على روايات متعدّدة صحيحة السند أعلائياً ومتواترة معنًى، في أنّ علم الأئمة (عليهم السلام) علمٌ شامل وعام لكلّ هذه الأُمور، ولكلّ الكتب السماوية، والأُمم السابقة واللاحقة، والعلم بالحوادث الماضية والمستقبلية، وعلمهم بمختلف الألسن، وبعضها يدلّ على علمهم بالالتزام، مثل كونهم خلفاء الله في أرضه المستلزم لعلمهم؛ إذ لا يُعقل أن يكون علمهم كسائر الناس، وبعضها تصرّح بعلمهم الشامل  مثل: «أنّهم يعلمون ما كان، وما يكون، وما هو كائن»، و «أنّهم لو سُتر عليهم لأخبروا كلّ امرئ بما له وعليه».

وفي بعض الروايات: «إنّهم معدن العلم»، وهي مطلقة، والروايات متواترة تواتراً معنوياً، وتدلّ على علمهم بنحو شامل.

 ثمّ طرح المحاضر تساؤلاً عن مصدر علم الإمام، هل هو الإمام السابق، أو روح القدس، أو ليلة الجمعة، أو ليلة القدر، أو مُحدّث؟

معنى المحدّث

وللمحدّث عدّة تفسيرات:

التفسير الأوّل: ما ذهب إليه المشهور، وهو من تحدّثُه الملائكة ولا تراه، وقد صرّح بعض أهل السنّة بوجود محدّث في هذه الأُمّة، بل وصرّح بكون الإمام الصادق (عليه السلام) محدّث، كابن حجر العسقلاني، والمتقي الهندي، فالنبي (صلّى الله عليه وآله) يری الملائکة وجبرئيل ويسمعهما مشافهةً، وأمّا المحدّث لا يری الملائکه ولكن يسمع الصوت.

 

التفسير الثاني: فُسّر بأنه مَن يسمع صوت الملائكة وقد يرى الملائكة، وإن كان الغالب لا يراه؛ مستدلاّ باختلاف الملائكة ، وكذا ورد عنهم: «وسّدنا لهم الوسادة»، وهما مستلزمان للرؤية .

 

التفسير الثالث: ما ذهب إليه الفيض الكاشاني.

ثمّ تسائل : هل المحدّث هو نفس روح القدس أو غيره؟ ففي الروايات عنوانان.

إنّ الأئمة محدّثون، فكانوا يعلمون بما كان، وما يكون، وما هو كائن، وذلك عن طريق الملائكة، وهو ليس غيباً حسب مصطلح الروايات؛ لأنّه تعلّمٌ من ذي علم.

المستفاد من الروايات عدّة نكات

منها: أنّ الاسم الأعظم ثلاثة وسبعين حرفاً، علّم الله نبيّه (صلّى الله عليه وآله) والأئمّة (عليهم السلام) اثنين وسبعين حرفاً، وحرف واحد اختصّه لنفسه، ويسمّى بالعلم المستأثر، وقد يكون الحرف الواحد الذي أستأثره لنفسه أثره أكثر بمئات المرّات من سائر حروف الاسم الأعظم.

ومنها: العلم على نحوين: علم اختصّ به تعالى ويسمّى بالعلم من عند نفسه، وعلم أعلمه أنبيائه وأوليائه وملائكته، وهو مستفاد من الآيات والروايات، ويسمّى بالعلم المستفاد، أي العلم مع الواسطة.

ومنها: العلم على نحوين: علمٌ موقوف وعلم مُمضى، فقد رُوي عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنّه قال: «أمّا قوله تعالى: ﴿عالم الغيب﴾، فإنّ الله (عزّ وجلّ) عالمٌ بما غاب عن خلقه فيما يقدّر من شيء ويقضيه في علمه، قبل أن يخلقه وقبل أن يفضيه إلى الملائكة، فذلك يا حمران، علمٌ موقوف عنده إليه، فيه المشية فيقضيه إذا أراد، ويبدو له فيه فلا يمضيه، فأمّا العلم الذي يقدّره الله (عزّ وجلّ) فيقضيه ويمضيه فهو العلم الذي انتهى إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ثمّ إلينا».

قال أمير المؤمنين (عليه السلام) والإمام الباقر (عليه السلام): «لولا آية في كتاب الله نبّأتكم بما يكون إلى يوم القيامة».

 والآية هي قوله تعالى:﴿يَمْحُوا الله مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾، وذلك في العلم الموقوف وهو عند الله (عزّ وجلّ) وقد يقع فيه البداء،  وكذلك يمكن البداء في علائم الظهور، في العلائم الحتمية وغيرها، وهو من العلم الموقوف.

منها: أنّهم يستزيدون علماً ليالي الجمع، وإلّا (لنفد علمهم)، ورُوي في بصائر الدرجات: «إذا وُلد المولود منّا رُفع له عمود نور، يرى به أعمال العباد وما يحدث في البلدان».

ويقع البحث في رواية بصائر الدرجات تارةً في السند، وأُخرى في الدلالة، وقد بحثناه في أبحاث سابقة موجودة في موقعنا لمَن أراده.

 روايات كثيرة تدلّ على أنّ روح القدس يسدّدهم، وعلمهم يزيد في ليالي الجمع، وأنّهم محدّثون، وتتنزّل الملائكة في ليالي القدر فيزداد علمهم باستمرار، بل يزداد علمهم في عالم البرزخ، وما يُعطى الأئمّة في ليالي الجمع يُعطى قبله النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين (عليه السلام).

وعندما يُولد الإمام يُعطى ويُجعل فيه قوّة قدسية نورية، هي مصدر علمه مضافاً إلى آية التطهير: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾، الدالّة على طهارتهم فی جميع حياتهم، ولكن يزدادوا علماً، ولا نقول بعلمهم بجميع العلوم من حين الولادة دفعةً، فعندهم قابلية من الولادة ويزداد تدريجاً، فعلم الأئمّة (عليهم السلام) كالنبي (صلّى الله عليه وآله)، ولكنّهم كانوا يتعاملون بشكل عادي، مثل إرسال الإمام الهادي (عليه السلام) شخصاً يدعوا له بالشفاء عند الإمام الحسين (عليه السلام)، ومثل ما ورد صحيحاً في كتاب الحجّة من الكافي أنّ الإمام الصادق (عليه السلام) خرج إلينا وهو مغضب، فلما أ خذ مجلسه قال: «يا عجباً لأقوام يزعمون أنا نعلم الغيب، وما يعلم الغيب إلّا الله، لقد هممت بضرب خادمتي فلانة فذهبت عنّي فما عرفتها في أي بيوت الدار هي». !.ثمّ أشار إلى تعليق المرحوم المقرّم في مقدّمة كتابه القيّم في مقتل الإمام الحسين (عليه السلام) على الخبر المتقدّم أنّه: «محمول على التقية؛ لحضور داود الرّقي ويحيى البزّاز وأبي بصير المجلس، ولم تكن لهم قابلية تحمّل غامض علم أهل البيت (عليهم السّلام)، فأراد أبو عبد الله بنفي علم الغيب عنهم؛ تثبيتاً لعقيدة هؤلاء. ويؤيّده أن سديراً ـ وهو الراوي لهذا الحديث ـ دخل عليه في وقتٍ آخر، وذكر له استغراب ما سمعه منه من نفي علم الغيب، فطمأنه بأنّه يعلم ما هو أرقى من ذلك، وهو العلم بالكتاب كلِّه وما حواه من فنون المعارف وأسرارها، على أنّ هذا الحديث لم يعبأ به المجلسي في مرآة العقول؛ لجهالة رواته. ويُحتمل أن يريد بنفي العلم بمكان الجارية الرؤية البصرية لا الانكشاف الواقعي.

فقوله (عليه السلام) : «ما علمت»، أي ما رأيتها بعيني في أي بيت دخلت، وإلّا فمَن يقول في صفة علمه : «لم يفُتني ما سبقني، ولم يعزب عني ما غاب عني»، لا يخفى عليه أمر الجارية!».

ثمّ ذكر المحاضر رواية أُخرى ورد فيها أنّ جماعة من الشيعة كانوا مع أبي عبد الله (عليه السلام) في الحجر، فقال: علينا عينٌ؟ فالتفتنا يميناً ويساراً فلم نرَ أحداً، فقلنا: ليس علينا عين. قال: وربّ الكعبة، وربّ البيت ثلاث مرّات، لو كنت بين موسى والخضر لأخبرتهما أنّى أعلم منهما ولأنبأتهما بما ليس في أيديهما؛ لأنّ موسى والخضر أُعطيا علم ما كان ولم يُعطيا علم ما هو كائن إلى يوم القيمة، وأنّ رسول الله أُعطي علم ما كان وما هو كائن إلى يوم القيمة، فورثناه من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وراثةً .

ثمّ تسائل عن علم النبي الشامل، هل كان قبل البعثة أم بعدها؟ قال تعالى: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآَنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾، وإن كان التنزيل على نحوين: دفعي: (أنزلناه). وتدريجي: (نزّلناه)، ولكن الله أودع عند النبي (صلّى الله عليه وآله) قوةً قدسية قبل الوحي، المعبّر عنها في الروايات بعمود النور، بها يعلم.

فمن جهة يعلم الأئمّة بما كان وما يكون وما هو كائن، ومن جهة نفوا علمهم بالغيب، فکيف الجمع بينهما؟

الجواب: إنّ علم الغيب أعمّ من كلّ ذلك، وشامل للجميع، والمنفي العلم الموقوف المختصّ بالله تعالى. وعلم ما کان، أي  ما وقع، وما هو ممضی ومُقدّر فيعلمه الأئمّة (عليهم السلام)، ويكفي عظمةً لهم، وإن لم يكن علمهم عين علم الله بالغيب، ولا دليل أنّ علمهم بالعَرَض، بل الدليل على خلافه.

 وللبحث تتمّةٌ تأتي في ندوةٍ لاحقةٍ.

 
 
البرمجة والتصميم بواسطة : MWD