1439 / ربیع‌الاول / 6  |  2017 / 11 / 25         الزيارات : 484050         صلاة الصبح |         صلاة الظهر والعصر |         صلاة المغرب والعشاء |

الندوة (20) - عقيدة البداء عند الإمام الحسين (عليه السلام) - سماحة الشيخ علي العبادي

{ مؤسسة وارث الأنبياء - قم المقدسة }
الندوة (20) - عقيدة البداء عند الإمام الحسين (عليه السلام) - سماحة الشيخ علي العبادي

أقامت مؤسّسة وارث الأنبياء للدراسات التخصّصية في النهضة الحسينية في قم المقدّسة ندوتَها العشرين، تحت عنوان: (عقيدة البداء عند الإمام الحسين (عليه السلام))، وكان المحاضر الكاتب والباحث الإسلامي الدكتور الشيخ علي العبادي، حيث تناول بحث البداء في ثلاثة محاور:

المحور الأوّل: في حقيقة البداء، وأنّ البداء لغةً: هو الظهور بعد الخفاء، كما لو قام شخص بعمل معيّن ثمّ اكتشف بعد ذلك بعدم المصلحة فيه؛ فيتغير رأيه ويُعبّر عنه بدا له.

 ثمّ تساءل: هل يمكن نسبة البداء بهذا المعنى إلى الله تعالى أم لا؟

وقال ـ في جواب التساؤل ـ باستحالة هذا المعنى؛ للزوم نسبة الجهل إلى الله (عزّ وجلّ) فهذه النسبة لا تصدر من عاقل، فضلاً عن المؤمنين والأولياء وأهل البيت (عليهم السلام)، الذين ورد عنهم: «ما عُبد الله بشيء مثل البداء، ما عُظّم الله بمثل البداء»، فكيف يعُقل أن ينسبوا الجهل إلى الله تعالى؟! فما يُنسب إلى الشيعة من نسبة الجهل إلى الله تعالى فهو باطل.

وأضاف مستنتجاً: أنّ المقصود من الظهور بعد الخفاء بالنسبة إلى بعض مخلوقاته، كملك الموت حينما يأمره الله بقبض روح عبد من عباده في سنّ معيّن، ويقوم ذلك الشخص بدفع صدقة مثلاً؛ فيمدّ الله في عمره، وعندما يأتي ملك الموت لقبض روحه فيأتيه الأمر الإلَهي بأنّه مُدّ في عمره، فظهر لملك الموت عِلمٌ جديد كان خافياً عليه، ومثل عيسى (عليه السلام) حينما أخبر حواريه بموت امرأة ليلة زواجها؛ ولكنّها لم تمت، فجاءها عيسى (عليه السلام) وسألها عمّا فعلت فأجابت: بأنّها تصدّقت، فقال لها: تنحَّي من مجلسك. فإذا تحت فراشها أفعى مثل جذعة عاض على ذنبه، فقال (عليه السلام): بما صنعت صُرف عنك هذا. فظهر لنبي الله عيسى (عليه السلام) شيء جديد.

ومثال قرآني للبداء أشار إليه الإمام الحسين (عليه السلام) في دعاء عرفة حيث قال: «يا مَنْ أَخْرَجَ يُونُسَ مِنْ بَطْنِ الحُوتِ»، وكان من المقدّر بقائه إلى يوم يبعثون، قال تعالى:﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (الصافات: الآية143-144).

مبيّناً أنّ البداء من الأُمور الفطرية؛ لأنّ الإنسان المادّي يدرس ويعمل ويسعي لأنّه يعلم أنّ النتائج ليست حتمية، هذا في الأُمور المادّية، وجاءت الشريعة لتؤكّد أنّ جملة من الأُمور الغيبية الخارجة عن إدراك الإنسان أيضاً غير ثابتة، وإنّما خاضعة لسعي وعمل الإنسان.

وأكّد على دور وأهمّية البداء في المنظومة الدينية؛ لتوقّف التوبة، والدعاء، والشفاعة، وحسن الظن بالله، والصلاة، والصوم، وغير ذلك من الأعمال، على عقيدة البداء، فمثلاً يستغفر لأنّه يعلم أنّ الأُمور ليست ثابتة، وإنّما مرتبطة بعمله وسعيه، وهكذا في باب الدعاء وغيره، كلّ ذلك لأجل أنّ الأمور ليست ثابتة وإنّما خاضعة لعمل الإنسان.

المحور الثاني: البداء عند الإمام الحسين (عليه السلام)، ونوّه المحاضر إلى قلّة التراث الحسيني الذي وصل إلينا بالنسبة إلى المدّة الزمنية لعمر الإمام (عليه السلام)، وهي قرابة ستين عاماً، وهذا جانب من مظلومية التغييب الفكري للإمام، فضلاً عن التغييب الجسدي، وهذا موجود بالنسبة لعدد من الأئمة والنبي (عليهم السلام)؛ فإنّ كثيراً من الروايات ضاعت، حيث منعوا من تدوين الحديث مدّة قرن؛ لمنع انتشار فضائل أهل البيت (عليهم السلام).

ثمّ استعرض المحاضر رواية صحيحة السند عن الإمام الرضا (عليه السلام)، ينقلها عن الإمام الحسين (عليه السلام) في (قرب الإسناد: ص353 ـ 354، الحديث 1266)، وهي قوله (عليه السلام): «ولولا آية في كتاب الله لحدّثناكم بما كان وما يكون إلى أن تقوم الساعة» ـ والآية هي ـ: ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أمّ الكتاب﴾ (الرعد: آية39). وهذه الرواية وإن كانت واحدة، لكنّها فضلاً عن كونها صحيحة فهي معتضدة بنصٍّ قرآني، مضافاً إلى التطبيقات الكثيرة للبداء من قبل الإمام الحسين (عليه السلام)، والتي يقع في مقدّمتها الدعاء الكثير الصادر منه (عليه السلام) إلى آخر لحظات حياته الشريفة.

ودلالة هذه الرواية واضحة على البداء؛ حيث استشهد (عليه السلام) بقوله تعالى: ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت﴾، وهي واضحة الدلالة على البداء.

موضّحاً أنّ المستفاد من هذه الرواية أنّهم (عليهم السلام) لا يحدّثون الناس بالأُمور الخاضعة للبداء، لأنّها قد تتغيّر، مّما يسبّب عدم الوثوق بالنبي أو الإمام، وما ذكره آنفاً من إخبارات لأُمور حصل فيها البداء فهي قليلة جدّاً، ومقترنة بقرائن تمنع عدم الوثوق بالنبي أو الإمام (عليهما السلام)، ففي إخبار النبي عيسى (عليه السلام) بموت المرأة كانت القرينة هي أنّه (عليه السلام) أراهم الأفعى؛ ولذلك لم يعترض أحد ولم يكذّب أيّ من الناس النبيّ عيسى (عليه السلام). وكذا في إخبار النبي (صلّى الله عليه وآله) بموت اليهودي، والقرينة في إخبار يونس (عليه السلام) لقومه بأنّ العذاب قادم إليهم؛ هي رؤيتهم لعلامات وأمارات العذاب، فالإخبارات المستقبلية من قبل أهل البيت (عليهم السلام) إمّا مقترنة  بعلامات، أو يذكر الإمام بأنّ الأمر الفلاني قد يحدث فيه البداء، كما في روايات علامات الظهور، التي تقسّم العلامات إلى العلامات الحتمية، والعلامات التي ليست حتمية، أي يمكن حصول البداء فيها.

المحور الثالث: إنّ علم الإمام (عليه السلام) باستشهاده هل يمكن أن يحدث فيه تغيير وأن لا يستشهد؟

هناك نظريتان:

النظرية الأُولى: يمكن أن يتغيّر ولا يستشهد، ودليلهم هو شعاراته (عليه السلام) بالقيام ضدّ الظَلمة، وإرسال مسلم، والاستعداد للحرب، كلّها لا تتناسب مع مجيئه للاستشهاد، بل لم يكن جازماً باستشهاده.

النظرية الثانية: إنّ الإمام الحسين (عليه السلام) كان يعلم باستشهاده، ويستحيل أن لا يستشهد، كما في الإخبار بعدد الأئمة وأسمائهم (عليهم السلام)، والبشارة بالمهدي الموعود (عليه السلام)، التي يستحيل أن يحصل فيها التغيّر والبداء؛ للزومه تكذيب الأئمة ونقض الغرض، الذي هو هداية الناس، وعلى هذا الأساس فإنّ الحشد الوافر من الروايات التي تخبر بمقتله (عليه السلام) ـ حيث ورد أنّه ما من نبي إلّا وأكّد على أُمور ثلاثة: البشارة بالنبي الخاتم (صلّى الله عليه وآله)، ومقتل الإمام الحسين (عليه السلام) ومجيء المهدي الموعود (عليه السلام) ـ وكذا إعطاء التربة لأُمّ سلمة، وكذا قوله (عليه السلام) لأُمّ سلمه: كأنّي أنظر إلى الأرض التي أُقتل فيها، وبكاء الأنبياء والنبي وأمير المؤمنين (عليهم السلام)، كلّها قرائن تدلّ على حتميّة الاستشهاد، وهذا العدد الوافر من الروايات لا يمكن أن يحدث خلافها، وإلّا يلزم تكذيب الأنبياء والأئمة الذين أخبروا بمقتل سيّد الشهداء (عليه السلام).

ويجيب أصحاب النظرية الثانية عن النظرية الأُولى بأنّه لا تنافي بين علم الإمام باستشهاده، وما فعله من رفع الشعارات وإرسال مسلم، وهذا يحتاج إلى مقدمات لا يسَع الوقت لذكرها.

وفي الختام أجاب المحاضر على أسئلة الحضور.

 

 
 
البرمجة والتصميم بواسطة : MWD