1439 / محرم / 1  |  2017 / 09 / 22         الزيارات : 422319         صلاة الصبح |         صلاة الظهر والعصر |         صلاة المغرب والعشاء |

الندوة (10) - شهود عاشوراء (القسم الثاني) - سماحة السيد عادل العلوي

{ مؤسسة وارث الأنبياء - قم المقدسة }
الندوة (10) - شهود عاشوراء (القسم الثاني) - سماحة السيد عادل العلوي

بدايةً ذكر المحاضر أنّ العنوان (شهود عاشوراء)، مستعرضاً مقدّمة قبل الدخول في صلب الموضوع، مبيّناً أنّ أوّل ما يشغل بال طالب العلم هو تهذيب النفس وتربية الروح، ومن ثمّ يترتّب على ذلك التعليم ﴿يزكّيهم ويعلّمهم﴾، فالعمدة التزكية، ربّما بعض الذين يلتحقون بالحوزة لم يجدوا ما يبتغونه من تهذيب النفس وصقلها، فإنّهم يخيبون ويُبتلون باليأس والبؤس، ففي بعض الأحيان يُبتلى الإنسان بالعجب والغرور العلمي، ولا سيّما في بداية دراساته الحوزوية، وهذا ما أشار إليه الشهيد الثاني عليه الرحمة في منية المريد. ولكن كلّما ازداد علماً يصل إلى مرحلة أنّه "أقلّ الأقلّين" كما في دعاء الإمام زين العابدين (عليه السلام) في الصحيفة السجّادية، إلى أن يصل الإنسان إلى مرحلة العبودية والتوحيد. 

موضّحاً أنّ هناك عقبتين تواجه طالب العلم لا بدّ من اجتيازهما:

الأُولى: تهذيب النفس، فإنّ الهدف الأوّل والأساسي لطالب العلم في حياته العلمية والحوزوية، أن يصل إلى مرحلة التخلّق بأخلاق الله سبحانه وتعالى.

الثانية: تعدّد مناهج أساتذة الأخلاق والسير والسلوك؛ إذ لكلّ واحد منهج وسلوك خاصّ، فطريقة الشيخ بهجت (رحمه الله) في السير والسلوك هو التوسّل والدعاء والأذكار، وأُسلوب السيّد بهاء الديني (رحمه الله) هو التفكّر، وأُسلوب أُستاذنا وطريقته الإخلاص والمحبّة.

لذلك لا بدّ العمل بالنحو التالي:

أوّلاً: لا بدّ من تركيز وإحياء المدارس الأخلاقية في الحوزة.

ثانياً: توحيد هذه المدارس والمناهج؛ وذلك من خلال التعليم والتربية التوحيدية، وترسيخ الإيمان الكامل في النفوس، بحيث لا يصدر من طالب العلم إلّا ما يكون في نطاق التوحيد الإلَهي، فيكون موحّداً في أعماق وجوده وفي سرّه وعلنه.

مضيفاً أنّ المدارس الأخلاقية الرئيسة ثلاث:

الأُولى: المدرسة الأخلاقية الروائية: وهي تطرح الأخلاقيات من خلال الروايات خاصّة، واتجهت هذه المدرسة إلى جهتين:

الجهة الأُولى: من صدر الغيبة الكبرى وإلى عصر العلّامة المجلسي (عليه الرحمة)، كلّ مَن كتب في الأخلاق، كالشيخ الصدوق في الخصال، والشيخ الكليني في الكافي، وابن شعبة الحراني في تُحف العقول وغيرهم، إنّما كتبوا الروايات الأخلاقية مع تبويبها.

الجهة الثانية: من عصر العلّامة المجلسي، حيث ذكر الروايات الأخلاقية مبوّبة، مع بيان وتفسير وشرح وتأويل.

الثانية: المدرسة الأخلاقية الفلسفية، ينظرون إلى الأخلاق، ويدرسون الأخلاق من خلال التعقّلات البشرية، ويهذّبون الروح، ويذكرون الفضائل الأخلاقية بعد طي ثلاث مراحل من: التخلية، والتحلية، والتجلية، فيتكرّم الإنسان بالنفس الإنسانية الملكوتية بأنّه يتخلّق بهذه الأخلاق الفاضلة.

من روّاد هذه المدرسة ابن مسكويه، والمحقّق نصير الدين الطوسي، والغزالي.

وممَّن تصدّى للجمع بين الروايات والآيات وبين هذه المدرسة الفلسفية في الأخلاق، المحقّقان الكبيران النراقيان، حيث كتب الوالد جامع السعادات باللغة العربية، وولده كتب معراج السعادة باللغة الفارسية، هذه المدرسة تجمع بين المدرسة الأخلاقية الروائية والمدرسة الأخلاقية الفلسفية.

الثالثة: المدرسة الأخلاقية العرفانية: والفارق بين هذه المدرسة وما سبق: أنّ الاستدلال على صحّة الفكرة الأخلاقية في المدرسة الأُولى أو الثانية إنّما يكون بالعقل وبالنقل، وأمّا هذه المدرسة تتجاوز المدرستين بأُمور إضافية، أي مع الحفاظ على العقل والنقل، ويكون في مقام تخلّقه بأخلاق الله سبحانه وتعالى فالاشتراك بين المدارس الثلاثة إنّما هو عبارة عن التخلّق بأخلاق الله، ولكن التخلّق بأخلاق الله في المدرسة الأُولى روائية، وفي المدرسة الثانية فلسفية، وفي المدرسة الثالثة عرفانية.

 تبتني وتتلخّص المدرسة العرفانية الوصول إلى مقام الشهود، بحيث يشهد عاشوراء بمقام شهودية وكشفية، كما قال أمير المؤمنين: «رحم الله عبداً عرف من أين؟ إلى أين؟ في أين؟»، فيكون منطلق طالب العلم الذي يدخل في هذه المدرسة التوحيدية من التوحيد إلى التوحيد في التوحيد، فيعيش حينئذٍ الوحدانية الإلَهية، التي هي عبارة عن عدم التركيب في ذات الله سبحانه وتعالى، فهو الأحد، وهو الصمد وهو الغني، فلا جوف فيه ، فكلّه وجود، بمعنى عدم الاثنينية وعدم الضدّية والمثلية، ليس كمثله شيء، لا ضدّ ولا ندّ له، وهي عبارة عن مقام الواحدية، فالموحّد وطالب العلم الذي يدخل في هذه المدرسة التوحيدية يخرج وهو يحمل مقام الأحدية والواحدية من الله سبحانه وتعالى، بمعنى أنّه يتجلّى الله فيه بأسمائه وصفاته لا بذاته، خلافاً للمدرسة التي تقول بوحدة الوجود الذاتي والتي لا نقبلها ولا نرتضيها، إنّما نقول بالوحدة الصفاتية الذاتية، بالوحدة الأسمائية الحسنائية، بمعنى أنّ الإنسان يصل إلى مرحلةٍ بحيث يكون وجوده وحركاته وسكناته، كلّها تحكي عن أفعال الله سبحانه وتعالى في مقام التوحيد الأفعالي.

والعرفان نظري وعملي، والفارق بينهما أنّه في العرفان النظري يتمحور ويتلخّص في التوحيد الذاتي والتوحيد الصفاتي، ولكن العرفان العملي إنّما يكون متمحوراً في التوحيد الأفعالي، بمعنى أنّ العارف ـ وهذا ما يُقال وهو مشهور ومعروف ـ لا يرى في الدير ديّاراً إلّا هو، وهذا ما قاله أمير المؤمنين (عليه الصلاة والسلام): «ما رأيت شيئاً ألّا ورأيت الله قبله و معه وبعده»، هذا إنّما هو من التوحيد الأفعالي والعرفان العملي، فيصل الإنسان في مقام العمل أنّه لا يصدر منه قول أو فعل إلّا ما فيه رضا الله سبحانه وتعالى، ويكون حينئذٍ معصوماً بعصمة أفعالية، إن لم يكن معصوماً بعصمة ذاتية، كما عند الأنبياء والأوصياء، وفي الخبر: «المؤمن قليلٌ زَلَـلُه»، فحينئذٍ يصِل طالب العلم إلى مرحلة أنّه لا يقول شططاً ولا لغواً، وتجده في كلّ وجوده مظهراً هاماً بالنسبة إلى اسم الله الأعظم، وهذا هو الإنسان الكامل،  والوصول إلى هذا إنّما يكون بصدق القلوب من خلال الكشف والشهود، وهذا ما يُقصد من (شهود عاشوراء)، بل شهود أيّ شيء من الأشياء، حتّى شهود الله سبحانه وتعالى؛ باعتبار أنّ الله شيء لا كالأشياء، حتى شهودية الله سبحانه وتعالى إنّما يصل الإنسان إليها من الشهودية، بحيث تجده غارقاً ومستغرقاً في توحيد الله سبحانه وتعالى ، لا يصدر منه إلّا ما يدلّ على توحيده، يعني ترى وحدانية الله فيه.

كما أنّ الدليل على وحدانية الله تعالى يكون عقلياً ويكون نقلياً، ويكون بالكشف والشهود، كذلك أنّ هناك عرفاناً صادقاً وهو الحقيقي، ويقابله العرفان الكاذب عند المتصوّفة؛ لأنّ لكلّ شيء حقيقة وله زيف، باعتبار أنّ العقل وجنوده حقيقة، ومقابله الجهل وجنوده زيف، فحقيقة وزيف، وهذا كان منذ بداية الخلقة عندما خلق الله العقل.

من مروّجي المدرسة الحقّة ومن مدوّنيها - في عصرنا هذا - السيّد الخميني (رحمه الله) ، وتجمع هذه المدرسة بين المقدّمة وذي المقدّمة؛ لأنّ المدرسة الأخلاقية العرفانية مقدّماتها العقيدة الصحيحة، لا بدّ من عقائد صحيحة؛ لِأنّ «من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية»، فالعارف بالله سبحانه وتعالى مهما بلغ من العرفان وفي المصطلحات العرفانية، وحتّى لو عُدّ من المنظّرين ومن المؤسّسين للمدرسة العرفانية النظرية، ما لم يعرف إمام زمانه فقد مات ميتة جاهلية، فما دام حلقة الوصل بين الدنيا والآخرة جاهلية فستكون حياة الدنيا جهل والآخرة جهل؛ إذن لا بدّ من العقائد الصحيحة أوّلاً، ثمّ بعد ذلك لا بدّ من طيّ الأخلاقيات ثانياً، ثمّ تصل النوبة إلى مرحلة العرفان والكشف والشهود الصحيح الصادق ثالثاً.

والقرآن الكريم يصنّف الناس ثلاثة أقسام: منهم (ظالم لنفسه) الذي اتّبع هواه واتّبع ملاذّه وإن كان من حرام، (ومنهم مقتصد) وهو الرجل الأخلاقي، أي يأخذ الحدّ الوسط والقصد، بمعنى الوسطية بين الإفراط والتفريط، (ومنهم سابق بالخيرات)  وهو العارف بالله، هذا إنّما يتمحور عمله كلّه ويتسابق مع الآخرين ليصِل إلى محبوبه ومعشوقه وهو الله سبحانه وتعالى، وذلك من خلال طي منازل العارفين من اليقظة حتّى يصل إلى مقام الفناء في الله ،أي في إرادة الله ـ لا في ذات الله كما يعتقد بعض المتصوفة ـ إذ المقام مقام الفناء في إرادة الله يعني لا يريد إلّا ما أراد الله ، وهذا هو الموحّد الحقيقي الذي يرضى بقضاء الله وقدره.

مضيفاً: أنّ نتائج هذه المدرسة بعد إثبات وترتيب هذه المقدمات هو الوصول إلى مقام الكشف والشهود، بمعنى أنّه لا يحتاج إلى استدلال على ما يعتقده بالأدلّة العقلية أو النقلية، وإن كان لا بدّ من الأدلّة العقلية والنقلية.

 وأضاف: لا بدّ أن نصل إلى الحقيقة حتّى نصل إلى مقام الشهود، عند ذلك نعرف عاشوراء وننظر إلى عاشوراء بنظرة عرفانية شهودية كشفية، وقد وصل أصحاب الإمام الحسين (عليه السلام) قمّة العرفان والشهود في ليلة عاشوراء، حيث أراهم الإمام الحسين عليه السلام مقامهم في الجنّة، وقمة السعادة هي الجنة، ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ فأراهم سعادتهم الدنيوية والأُخروية.

وفي الختام استمع المحاضر إلى مداخلات الحضور وأجاب عنها.

 

 
 
البرمجة والتصميم بواسطة : MWD