1439 / ربیع‌الاول / 6  |  2017 / 11 / 25         الزيارات : 484081         صلاة الصبح |         صلاة الظهر والعصر |         صلاة المغرب والعشاء |

الندوة (5) - النهضة الحسينية والبعثة النبوية دراسة مقارنة (القسم الخامس) - سماحة السيد سامي البدري

{ مؤسسة وارث الأنبياء - قم المقدسة }
الندوة (5) - النهضة الحسينية والبعثة النبوية دراسة مقارنة (القسم الخامس) - سماحة السيد سامي البدري

موضوع البحث دراسة مقارنة بين النهضة الحسينية والبعثة النبوية، من حيث الخلفية، والهدف، ومراحل السير، وانتهاء مراحل السير بالفتح والتركة.

 انتهى المحاضر في حديثه الأخير إلى أنّ الإمام (عليه السلام) عقد مؤتمراً للأنصار، وهي المرحلة الخامسة، وسمّاه مؤتمر النُصرة، ولكنّ كتب التاريخ لم تذكر ذلك، وإنّما انتزعه الباحث من خلال المقارنة بين المسيرتين لترابط موضوعي في مراحل الخلفية والهدف، والمراحل الأُخرى، ولأنّ الإمام قد عقد مؤتمراً سرّياً يضم (700) من الصحابة بثّهم كدعاة للفكرة والتهيئة، ومن المتوقّع جدّاً أنّ الحسين (عليه السلام) يعقد مؤتمراً آخراً من أجل استيعاب ما يأتي بعد الإعلان عن الحركة، ومن المؤكّد أنّ الحسين (عليه السلام) عرض رؤيته في المؤتمر السري الأوّل بعهد معهود من النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، عن الله تعالى؛ لدلالة الروايات أنّ أعمال وأفعال الأئمّة معهودة من الله تعالى، فالإمام لا يتحرّك استناداً إلى اجتهاد يتحمّل الخطأ والصواب، وإنّما يتحرّك في الواقع على أساس عهود مسبقة، هي قراءة عمومية دقيقة صحيحة للواقع؛ لأنّها تستند إلى خالق الواقع، نافياً الجبر والتفويض الموكول تفصيله إلى علم الكلام؛ لأنّ الله تعالى يعلم ما سيقع وما سيختاره الإنسان، والإرادة محفوظة فيه.

متمّماً حديثه: إنّ الإمام (عليه السلام) في المؤتمر الأوّل لا بدّ أن يكون قد عرض الرؤية، ومراحل السير، وأنّه سيقتل، وقد عرف المسلمون ذلك منذ أن وُلد الحسين (عليه السلام)؛ حيث أخبرهم النبيّ (صلّى الله عليه وآله): أنّ ابني هذا تقتله أُمّتي، وهذه قضية معروفة. وكذلك في المؤتمر الثاني مؤتمر النصرة جعل الإمام أصحابه على وضوح من أمرهم، وأنّه سيُقتل، لكنّ الحركة تستمرّ بعده بالمختار وبسليمان.

 وتوجد لدينا أخبار وردت ضمن سيرة ميثم التمّار، وسيرة حبيب بن مظاهر، وسيرة أصحاب الحسين (عليهم السلام) أنّه كان يعرف بعضهم مصير البعض، من خلال إخبارات أمير المؤمنين (عليه السلام) الغيبية لهم.

مضيفاً: أنّ الحسين (عليه السلام) في مرحلة المؤتمر الأوّل أثار كلّ المسائل التي تخصّ الحركة، وتخصّ المضمون الفكري. 

أوضح المحاضر: أنّ الحركة تعيش مراحلها المتقدّمة، وأعلن الإمام الحسين (عليه السلام) في مكّة أنّه لا يبايع، وعرض نفسه على القبائل وعلى المسلمين الأخيار، الذين جاؤوا من مختلف البلاد، يستنهضهم على أساس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا هو الحد الفاصل بين حركة الحسين (عليه السلام) وحركة الخوارج، التي لا تنطلق من قضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل تنطلق حركتهم بتكفير الناس ابتداءً، بما فيهم علي بن أبي طالب (عليه السلام)، هذا هو نهج الخوارج، بينما الحسين (عليه السلام) أحيا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا يستبطن الرجوع إلى الكتاب والسنّة، والانطلاق منهما في تقييم الواقع السياسي، ولذلك انطلق عنده أنصار في الكوفة، وهو المعصوم والوصي والعالِم الذي لا يضاهيه عالم، فأرجع الناس إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ ليستنهضهم ويستنهض كبار العلماء الذين يحملون في صدورهم تراث النبوة، بقية مَن تعلم عن علي (عليه السلام) التراث النبوي، وذلك في حركته من سنة (27 هـ) إلى سنة (40 هـ)، ومن سنة (40هـ) إلى سنة (50هـ) في مرحلتين وتصير مجموع المدّة (23) سنة.

المرحلة الأُولى: من سنة (27هـ) إلى سنة (40هـ) أي ثلاث عشرة سنة، والمهم فيها الرجوع إلى تراث النبوة، ومنه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومنه حجّ التمتّع، ولذلك قسمٌ كبيرٌ منهم حجّ حجّ التمتّع، وإن لم يؤمنوا بعليٍ، كعبد الله بن عمر؛ إذ لا يؤمن بإمامة علي (عليه السلام)؛ لأنّه يعلم حقّ العلم أنّ النبيّ جاء بحجّ التمتّع، وهو يرى سنّة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أحقّ أن تُتّبع من سنّة أبيه.

المرحلة الثانية: من سنة (40 هـ) إلى سنة (50هـ)، تهيّئت الأجواء للصلح لمَن حمل أحاديث النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، وأحاديث علي (عليه السلام) فبرز أهل الكوفة، خاصّةً الذين آمنوا بإمامة علي من خلال أحاديث النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، فنهض بهم الحسن (عليه السلام) في مرحلة الصلح، ليفتح قلوب أهل الشام ويثقِّفهم بأحاديث النبيّ؛ لأنّ أهل الشام لم يعرفوا أحاديث النبيّ قبل الصلح، إلّا ما سمحت به الخلافة القرشية، مشيراً إلى عدم معرفتهم بحديث الثقلين، وحديث المنزلة، بل لا يعرفون شيئاً من فضائل علي (عليه السلام)، مضيفاً أنّ الحسين (عليه السلام) بدأ يناشد هؤلاء الذين بقيت في صدورهم أحاديث الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

المرحلة السادسة: المقارنة في الهجرة

وصل إلى الإمام أنّ السلطة قد رصدت له مَن يغتاله في الموسم، ولذلك خرج كرسول الله (صلّى الله عليه وآله)، لكن الفرق أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) هاجر سرّاً، والحسين (عليه السلام) هاجر علناً، فاستقبلته خيول أهل الشام بقيادة الحرّ، واقتادته بالأخير إلى كربلاء، ونزل هناك وحاصروه وأبعدوه عن الكوفة، فطابق الواقعُ الإخبارَ، كما أخبر أمير المؤمنين (عليه السلام) وهو في طريقه إلى صفين، بعد أن أقام الصلاة وهو جالس على المصلّى، قائلاً: ها هنا ركبٌ لآل محمّد ينزلون هنا، وحدّثهم بما يجري، وهذا من أنباء الغيب الذي برز على لسان علي (عليه السلام)، وقد برز من قبلُ على لسان النبيّ (صلّى الله عليه وآله).

موضّحاً: أنّ أكثر الروايات تدلّ على استقراره في كربلاء يوم (2) محرم، ولكن هناك رواية للدينوري في الأخبار الطوال ـ ونحن نعتمدها ـ: أنّه وصل في غرّة المحرم، وهناك قدر محسوب بالأيّام كما تلاحظون، تحرّك جيش ابن زياد يوم التاسع، فطلب الحسين (عليه السلام) يوماً آخر حتّى يكون قتله يوم العاشر؛ لأنّ الامام على بيّنةٍ من أمره.

 وقد فصّل الباحث هذا البحث في كراسٍ مستقل، مستنداً إلى روايات أهل البيت (عليهم السلام) في تفسير قوله تعالى: ﴿والفجر وليالٍ عشر﴾، وهذه الليالي العشر هي الليالي العشر من ذي الحجّة، والفجر هو فجر العاشر من ذي الحجّة في زمن إبراهيم، وتكرّرت في فجر آخر؛ لأنّ  الشفع في اللغة هو الفرد الذي إذا ضُمّ إلى نظيره صار هذا الثاني شفعاً، والشفع لا يُضمّ إلى ما لا يشاكله، بل يُضمّ إلى ما يشاكله، وظاهر آية: ﴿والفجر وليال عشر﴾، هو عشرة ليالي من ذي الحجّة، ويوم العاشر منه، وهو أعظم يوم عند العرب من ذرّية إسماعيل خلال الفين سنة، فصار أعظم يوم هو فجر يوم العاشر، وأعظم الليالي هي الليالي التي تسبقه، ويمارسونه سنوياً، فأقسم الله تعالى بأوضح مقدّس عندهم، وقال: سيأتي له نظير في ذلك، قائلا: هذا فِهمنا لليالي العشر. متمّماً استدلاله أنّ الشفع هنا تحقق فيه سفك الدم الحرام، وهو قتل الحسين فصار ظلامة؛ لأنّ الوتر في اللغة الذحل في الدم، يعني الدم المسفوك ظلماً، وبالتالي لا بدّ أن يُؤخذ بثأره.

المرحلة السابعة: المقارنة في القتل والقتال

فكما أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) هاجر، وأعقب الهجرة القتل والقتال، ثمّ الصلح الذي كان مقدّمة لفتح مكّة، فكذلك الإمام الحسين (عليه السلام) هاجر وأعقب الهجرة القتل والقتال بلا صلح، مبيّناً الفرق: أنّ القتال انتهى بفتح مكّة وأُعلن عنها يوم الحديبية ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾، باعتبار أنّ الصلح من مقدمات الفتح، والحسين (عليه السلام) عبّر عن شهادته يوم العاشر في رسالته إلى بني هاشم بالفتح؛ لأنّ هذه الشهادة حقّقت كلّ ما يهدفه من قيامه تماماً، ولكنه فتحٌ لا على طريقة الفتوح الأُخرى بشكل مباشر من الغلبة المادية، وإنّما فتح الطريق ليحقّق كلّ أهدافه، وسيتحقّق المزيد من أهدافه بالمهدي (عليه السلام) وهو ابن الحسين وينهض في اليوم العاشر من محرّم، محقّقاً أروع عهد من الحكم في تاريخ البشرية، وبالتالي الحسين (عليه السلام) بلغ الفتح في قتاله.

 هذه مراحل السير لتحقيق أهداف النهضة الحسينية المتفق عليها، غاية الأمر المقارنة بين الحسين (عليه السلام) والنبيّ (صلّى الله عليه وآله) قد يكون بحثها جديداً.

وأضاف المحاضر مستنتجاً: إنّ معاوية أسّس خلافة له وليزيد من بعده، مستنداً في أُطروحته للخلافة القرشية الأُولى، التي يُتقرّب بها إلى الله من الحجّ والجهاد وغيرهما، وأضاف إليها معاوية البراءة من الإمام علي (عليه السلام) بعد صلاة الجمعة، فتحوّلت الإمامة بدلاً من إمامة هادية إلى إمامة ضالّة، ويُتقرّب بهذه الإمامة الضالّة إلى الله تعالى، ويُتبرّأ من الإمامة الهادية.

 مبيّنا أنّ الفتح قد حطّم مشروع الإمامة الضالة الذي طُرح في المجتمع، والفتح هنا على مستوى أن يدرك الأجيال المتأخّرة تدريجياً أنّ هذه الخلافة الأُموية خلافة ضالّة باطلة ليس لها أساس من كتاب الله وسنّة نبيّه (صلّى الله عليه وآله).

 مشيراً إلى أنّه لا يوجد في الوقت الحاضر في المجتمع السنّي مَن يعتقد أنّ الخليفة يزيد هو الخليفة على الكتاب والسنّة، بل نجد أنّ أمثال حسن فرحان المالكي عالم من علماءهم يعطي براهين متعدّدة على ارتكاب معاوية أربعين كبيرة، بيّنها في بحثٍ مفصّل بالاستناد إلى مصادرهم، فالفتح هو أن تنهار الخلافة بصفتها مؤسّسة إلَهية صادقة، ووسيلة إلَهية بعد النبي (صلّى الله عليه وآله)، يُتقرّب بها وتشفع لمَن اتّبعها.

وأفاد المحاضر: باستطاعة المُحاور الشيعي أن يُثبت أنّ الخلافة الأُولى ـ فضلاً عن الخلافة الأُموية ـ خلافة انحرفت عن الكتاب والسنّة، بل حرّفت الكتاب والسنّة، من خلال الاستناد إلى الكتب الستة التي اعتمدت كثيراً على روايات أهل الشام، ولكن رووا فيها كثيراً من الروايات التي تبيّن الحقائق، هذا حصاد حركة الحسين (عليه السلام). بعد ذلك تكلم المحاضر ناقلاً مقالة العلّامة العسكري (تغمّده الله برحمته): استطاع الإمام الحسين (عليه السلام) أن يهدم صنم الخلافة، مضيفاً أنّ الدين يدعو إلى ضربه، وبقي على هؤلاء الذين تهدّم في أنفسهم صنم الخلافة أن ينفتحوا على سنّة النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، ولا يجدون السنّة النبوية الصحيحة، إلّا عند حملتها الرسميين الإلَهيين، وهم الأئمّة التسعة من ذرّية الحسين (عليهم السلام)، ووظيفة هؤلاء التسعة بعد الحسين (عليه السلام) أنّهم انطلقوا من حبّ النّاس للحسين من أجل أن يثقفوهم شيئاً فشيئاً ـ وبالتدريج ـ ما خفي عنهم من أحكام الإسلام.

مبيّناً أنّ التقية في أوّل أمرها كانت من أعوان السلطان الذين تربوا على فقه آخر ـ لا من السلطان ـ  وفتح الحسين (عليه السلام) بشهادته وبدمه الشريف الطريق لجهاد هؤلاء حتّى يسقطوا؛ لأنّهم حماة الضلالة تماماً، ومن جانب آخر أيده الله (عزّ وجلّ) بأئمة تسعة، من أجل أن ينشروا كتاب علي، فأنتجت حركة الحسين (عليه السلام).

وتطرّق إلى مراحل التشيّع، نافياً صحة الرأي القائل: إنّ التشيّع تأسّس بعد الحسين، معتبراً أنّ التشيّع كان من زمن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) والنبي كان يدعو له : «يا علي، أنت وشيعتك الفائزون يوم القيامة»، وهذه هي المرحلة الأُولى من التشيّع.

المرحلة الثانية: نهضة الإمام علي (عليه السلام) سنة (37 هـ)، فبدأ قسم من التابعين ينفتح على السنّة النبويّة، ويتعرّف على إمامة علي (عليه السلام).

ثُمّ المرحلة الثالثة بعد الحسين (عليه السلام)، حينما بدأ التأسيس، من خلال نشر كتاب علي (عليه السلام)، وما نُشر كتاب علي بشكل علني في السنن إلّا في زمن الإمام الصادق (عليه السلام)، وإن كان في زمن الباقر (عليه السلام) في السرّ؛ إذن فالحسين (عليه السلام) أحيا السنن، وأمات الإمامة الباطلة، ولم تقدر الخلافة الباطلة بعد قتل الحسين (عليه السلام) على أن تعود لمثل ما كانت عليه بزمن الثلاثة، ولا زمن معاوية؛ إذ تحوّلت إلى سلطان، فصار الفصل جدّاً واضحاً بين السلطان الظالم وبين العالم، وبالتالي الناس يبحثون عن العلماء.

وأفاد المحاضر: أنّ الإمام الحسن (عليه السلام) بصلحه مع معاوية ـ حسب ما رواه لنا التاريخ ـ لم يتخلَ ولم يتنازل عن حقّه في الملك، وإنّما جمّده بعد وفاة معاوية في قبال طرف آخر يدّعي الحقّ، ولحسم النزاع تنازل عن السلطة، مشترطاً العمل بكتاب الله وسنّة النبيّ، وانصرف الإمام لمرجعية دينية، ومفتياً لمَن يُؤمن بمرجعيته.

 مستعرضاً غدر معاوية بالإمام الحسين (عليه السلام)، إذ وحّد معاوية بين السلطة والمرجعية الدينية والإمامة كما كانت في عهد الخلافة الأُولى؛ حتّى تستطيع أن تشرّع ويصير الحاكم مقدّساً، فالإمام الحسين (عليه السلام) بنهضته دمّر هذا الكيان، وحوّله إلى سلطان وعالم، والعالم من قبيل الزهري، وابن حنبل.

المقارنة في الفتح

 إنّ الحسين (عليه السلام) فتح كما فتح جده النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، وتمثّل فتح النبيّ (صلّى الله عليه وآله) بتهديم الأصنام وتحرير بيت الله من الأصنام، وانطلق بيت الله تعلوه الشهادة بالتوحيد والشهادة لمحمد (صلّى الله عليه وآله)، وهكذا الحسين فتح في المجتمع، خاصّة البلدة التي حملت مشروع علي، وحاولت الخلافة أن ترجعها إلى بدء أمرها، تصدِّر مشروع الخلافة القرشية الأُولى، والخلافة القرشية الثانية الأُموية، ولكن الكوفة بعد قتل الحسين، وبعد قيام المختار، ما عادت فيها الإمامة القرشية؛ إذ صار أهل الكوفة يؤمن بها كسلطة، بخلاف أهل الشام إلى نهاية الحكم الأُموي كانوا يؤمنون أنّ الخلفاء الأُمويين شفعاء عند الله تعالى.

فإذن؛ نستطيع بهذه المقارنة أن نكتشف أنّ حركة الحسين (عليه السلام) من حركة النبيّ، «حسين منّي وأنا من حسين».

المقارنة في التركة

الذي تركه النبي (صلّى الله عليه وآله) القرآن الكريم والعترة؛ لقوله (صلّى الله عليه وآله): «إنّي تارك فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي أبداً، كتاب الله وعترتي أهل بيتي»، والذي تركه الحسين (عليه السلام) في المجتمع القرآن الكريم والأئمّة التسعة الذين نهضوا لنشر ما كان يحمله الحسين (عليه السلام) في صدره، من العلم وتراث أبيه ومن كتاب علي، وبالتالي تركة الحسين كتاب الله وعترة الحسين، ولا يخفى أنّ عترة الحسين هي نفس عترة النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وهذا التوحّد عجيب في سيرة الحسين (عليه السلام). وبهذا نختم البحث.

 أشار المحاضر في ختام حديثه إلى أنّ هذه الدراسة المقارنة تضعنا أمام منهج تاريخي لإثبات إمامة أهل البيت (عليهم السلام)، مستعرضاً خمسة مناهج لإثبات إمامتهم:

 المنهج الأوّل: المنهج القرآني، إثبات إمامة أهل البيت (عليهم السلام) بصفتهم أئمة يدعون إلى الله ويهدون إليه بأمره بالمنهج القرآني، من دون استعانة بالمنهج الروائي.

 المنهج الثاني: منهج السنّة النبوية، وهذا واضح من خلال الحوار بين السنّة والشيعة طوال هذه القرون المتطاولة، بالاستدلال بالأحاديث النبويّة المروية في مصادر أهل السنّة لإثبات هذا الموقع للأئمّة (عليهم السلام).

 المنهج الثالث: المنهج التوراتي، كما أنّنا نعلن لكلّ المسلمين والمسيحيين واليهود: إنّ بيننا وبينكم هذه التوراة لندعوكم إلى محمّد (صلّى الله عليه وآله)، وبنفس المنهج ندعوكم إلى اثني عشر إماماً بعد النبيّ (صلّى الله عليه وآله). موضّحاً أنّ هذا المنهج التوراتي أسَّسه القرآن الكريم، وسار عليه النبيّ والأئمّة (عليهم السلام)، نافياً مَن وصفه بالمنهج السبأي.

 المنهج الرابع: المنهج التاريخي، من خلال الرجوع إلى التاريخ العام للأئمّة (عليهم السلام) ـ الذي ألّفه الطبري، وابن الأثير، وغيرهما من المؤرّخين ـ حيث يقدّم لنا معلومات عن علي والحسن والحسين (عليهم السلام)، كما يقدّم لنا القليل عن بقية الأئمّة التسعة من أولاد الحسين (عليهم السلام)، يكفي هذا المنهج ليشيّد لنا امتياز أهل البيت (عليهم السلام) بأنّه لولاهم لضاعت سنّة النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، ولولاهم ما عرف الناس حجّ التمتّع الذي يعرفونه في الوقت الراهن، ويحجّونه،  ولولاهم ما عرفوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

 المنهج الخامس: منهج التراث الفكري لأهل البيت (عليهم السلام)، من خلال الرجوع لكتاب الكافي ونحوه من الكتب الروائية الشيعية، ونثبت إمامتهم للسنّة أيضاً؛ لأنّ هذه المناهج تعطي للجميع، كما أنّنا نستطيع أن نثبت نبوة النبيّ من خلال القرآن للمسيحيين، ولا دور هنا؛ لأنّنا ننطلق من ظواهر علمية في القرآن الكريم، حيث تحدّث عن كثير من الظواهر الكونية والظواهر الطبّية المكتشفة في العصور المتأخّرة، ولم تكن هذه الظواهر موجودة في زمن النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، وجاءت هذه الثقافة من القرآن الكريم، ولو كانت من شخصه كان المفروض أن يعكس ثقافة عصره، والتنبيه إلى شيء يُكتشف بعد خمسة عشر قرناً لا يُعدّ دوراً، واستندنا إلى الثقافة القرآنية، وإلى الظواهر المعرفية التي تفرض الإيمان بمصدر للنبي خارج حدود البيئة التي ظهر فيها، الأمر نفسه مع تراث أهل البيت (عليه السلام)، المشتمل على ظواهر وأنباء غيبية في الطب، والتاريخ، ومسائل أُخرى، التي تتحقّق بعد عشرة قرون أو بعد أربعة عشر قرناً، فنثبت أنّهم ليسوا بأنبياء، وإنّما أخذوا علمهم بطريقة خاصّة من النبيّ (صلّى الله عليه وآله).

 هذه مناهجُ خمسة، وبحثنا المقارن يقع ضمن المنهج الرابع وهو المنهج التاريخي، والحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، محمّد وآل بيته الطيّبين الطّاهرين.

 
 
البرمجة والتصميم بواسطة : MWD