1439 / محرم / 1  |  2017 / 09 / 22         الزيارات : 422324         صلاة الصبح |         صلاة الظهر والعصر |         صلاة المغرب والعشاء |

الندوة (12) - المبادئ العالمية في النهضة الحسينية نحو خطاب حسيني عالمي - سماحة الدكتور الشيخ أيمن المصري

{ مؤسسة وارث الأنيياء - قم المقدسة }
الندوة (12) - المبادئ العالمية في النهضة الحسينية نحو خطاب حسيني عالمي - سماحة الدكتور الشيخ أيمن المصري

بداية استفتح المحاضر بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾.

معلّقاً أنّ الاسلام هو دين العدالة؛ لأنّه دين العقل، ونحن نؤمن بأنّ الإسلام هو الدين الحقيقي الذي ارتضاه الله سبحانه وتعالى لعباده، وهذا الدين الموافق للعقل يمثّل الدين الواقعي والأصيل من بين سائر الأديان الأُخرى، فالإسلام ناشئٌ من العقل والفطرة الإنسانية، والعقل يحكم بنفسه بحسن العدل وضرورة إقامته، وقبح الظلم وضرورة مواجهته والتصدّي له، وعندما نتصفّح آيات القرآن الكريم نجد بوضوح أنّ الغاية من إرسال الرسل وإنزال الكتب السماوية هي إقامة العدالة الإلَهية في هذا العالم، كما في الآية المتقدّمة، فالهدف والغاية الأخيرة من إنزال الكتب وبعث الأنبياء والمرسلين هي إقامة العدالة "ليقوم الناس بالقسط".

  فالعدالة تُعدّ هي الأصل والركن الوثيق للدين الإسلامي، وإن كان بحسب المشهور وُضعت العدالة في أُصول الدين أخيراً، أو دُمجت مع غيرها من الأُصول، هذا فيه شيءٌ من التسامح، الأصل والغاية هي العدالة، وعرش الرحمن سبحانه وتعالى قائم على العدالة، ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾، وتُعدّ سائر  الأُصول الأُخرى من التوحيد أو النبوة أو المعاد أو غيرها هي عبارة عن  مظاهر ومصاديق للعدالة؛ لأنّ العدالة هي إعطاء كلّ ذي حقّ حقّه، التوحيد ليس إلّا إعطاء الباري سبحانه وتعالى حقّه، أن تعبده ولا تشرك به أحداً، هذا هو التوحيد، التوحيد مظهر العدالة؛ لأنّ الشرك ظلم، ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾، فالأصل هو العدالة.

مضيفاً أنّ جميع الأحكام الفرعية في العبادات والمعاملات تهدف إلى هدف واحد، ألا وهو إقامة العدالة، سواء على المستوى الفردي أو الاجتماعي، وإعطاء الله حقّه، والإنسان حقّه، والناس حقوقهم، وهذه كلّها مصاديق لتحقيق العدالة، فإذاً راية الإسلام هي راية العدالة، والعدو الحقيقي للإسلام هو الظلم والظالمون، هؤلاء هم أعداء الإسلام الحقيقيون، وإذا اعتبرنا الكافر عدواً للإسلام فمن حيث هو ظالم لا من حيث هو كافر؛ لأنّه ظالم ظلم الله، وحتّى الكافر اذا  لم يكن محارباً ـ يعني ظالماً ـ فليس بيننا وبينه عداء، بالعكس القرآن الكريم يشير إلى أنّ الإنسان يمكن أن يقيم علاقة عادية جدّاً مع الإنسان الكافر، فقد قال تعالى:﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾، حتّى لو كان كافراً ما دام لم يتعدَّ حدوده ولم يعتدِ على المسلمين، فلا ينهاكم الله أن تبرّوه وتقسطوا إليه، وتعيدوه في مرضه، حتّى تتصدّقوا عليه الصدقة غير الواجبة، لكن الشخص الذي لا يمكن أن يعطي الشارع لنا فيه رخصة في مهادنته هو الظالم، مهما كان، سواء كان مسلماً أو غير مسلم، وسواء كان شيعياً أو غير شيعي، فلا رخصة لنا في مهادنة الظالم والتعامل معه بأيّ نحوٍ من الأنحاء، قال تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾، فلذلك لا بدّ أن نفهم هذا جيّداً.

 إنّ القرآن الكريم مليء بهذه الآيات، وكذا الأحاديث التي وردت عن النبي (صلّى الله عليه وآله) وأهل البيت (عليهم السلام) في تقبيح الظلم والدعوة إلى مقاومة الظلم، قال الإمام علي (عليه السلام) في وصيّته للحسنين عليهما السلام :«كونا للظالم خصماً وللمظلوم عوناً». كونا للظالم خصماً وليس للكافر، وللمظلوم عوناً وليس للمسلم أو الشيعي، بل حتّى لو كان کافراً مستضعفاً، وراية صاحب العصر والزمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) هي العدل، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، وليس التوحيد، إنّما يكون الإسلام ديناً عالمياً لأنّه ينطلق من العدل ضدّ الظلم، ولا يوجد إنسان يرفض العدالة، كلّ إنسان يحبّ العدل ويكره الظلم، حتّى الظالم نفسه يكره أن يُظلم، ونحن نرى على مرّ التاريخ ِأنّ أعداء أهل البيت أجمعين كانوا من الكفّار والظلمة منتسبين إلى الإسلام، كما أنّ الظلمة الذين حاربوا وآذوا وسجنوا أهل البيت هم من الظلمة، والصراع الأساسي بين الأئمّة (عليهم السلام) والآخرين كان مع الظلمة لا مع اليهود والنصارى.

ولا يوجد في قاموس المذاهب الأُخرى محاربة الظلم وإقامة العدل، بل هذه المذاهب قامت لشرعنة الظلم وتوجيه الظلم والدفاع عن حكّام الظلم والجور، لذلك هؤلاء الآن عندما دارت بهم الخلافة المنسوبة إلى الإسلام، وأرادوا أن يحاربوا الحكّام ومَن يخالفهم؛ حتّى يسوّغوا قتالهم، رفعوا شعارات التكفير، حتّى الشيعي يكفّروه أوّلاً ثمّ يحاربوه؛ لأنّه ليس عندهم مسوّغ شرعي لحرب غير الكافر، فقد تتبّعت كتب الشيعة ولم أجد فيها حتّى تكفير واحد، فالظالم هو الذي يُحارب.

فمذهب أهل البيت (عليهم السلام) كان صراعه كلّه مع الظلمة، بل هناك كمّ من الروايات الهائلة التي نهت عن معونة الظلمة؛ لأنّ قوام الظالم بأعوانه، لولا أعوان الظلمة ما كان هناك ظلم، لا يمكن لواحد أن يظلم الشعب بمفرده، وهذا غير ممكن، الذي يدعمه ويؤيّده ويدافع له ويبلّغ له، هذا نظام سياسي كامل على رأسه هذا الظالم، فالظلم قائم بالأعوان والحاكم الظالم مجرّد منفّذ، وإلّا الظلم هو النظام السياسي، ولذلك يقول الإمام الصادق: «والله، لولا أنّ بني أُميّة وجدوا مَن يصلّون ورائهم، ويرفعون راياتهم، ويجبون لهم الزكاة ما غصبونا حقّنا».

مؤكّداً أنّ التعبير بالنهضة الحسينية أفضل من التعبير بالثورة؛ لأنّ الثورة مطلق التغيير الجذري، سواء كان إلى الإصلاح أو إلى الإفساد، وليس دائماً تكون الثورة إصلاحية، فربّما تأتي بفساد آخر مثل الثورة الفرنسية ، فالوضع السياسي تردّى أكثر ممّا كان عليه. فالثورة الحسينية نهضة إصلاحية، وقال الإمام الحسين (عليه السلام): «إنّما خرجت من أجل الإصلاح في أُمّة جدّي».

فهدفه الإصلاح، وليس مجرّد الثورة، ثورة إصلاحية نعبّر عنها بالنهضة، فإذاً هدف الثورة الحسينية أو النهضة الحسينية هو إصلاح الانحراف الذي وقع - حسب اعتقادنا-  بعد رحيل النبي المصطفى (صلّى الله عليه وآله).

نحن لا نريد أن نسطّح هذه النهضة بل نرجع إلى جذور هذه النهضة ومنطلقاتها، كان هناك انحراف شديد ـ للأسف الشديد ـ مغفول عنه حتّى عند الشيعة، نشير إليه إشارات سريعة؛ حتّى نبيّن أنّ هذا الإصلاح لم يكن عن فراغ، كان هناك انحراف ما كان ليسكت عليه الإمام الشرعي للمسلمين، وهو الإمام الحسين (عليه السلام)، هذا الانحراف يمكن أن نلخّصه في ثلاثة مظاهر:

مظاهر الانحراف

أوّلاً: تحريف النظام السياسي للإسلام.

ثانياً: تحريف النظام الاقتصادي للإسلام.

ثالثاً: تحريف النظام الفكري والثقافي للإسلام.

الإسلام دين نظام، جاء بهذه الأُمور السياسية والاقتصادية والفكرية من أجل قوام هذا المجتمع، هذه الأُمور كلّها بلا استثناء قد تمّ تحريفها، ولا انطلق من منطلقات مذهبية أو طائفية، انتم تعرفونني، أنا مشغول بالقضايا العقلية البعيدة عن الخلافات المذهبية، ولكن نقول ما يقتضيه الحق والانصاف، بدون أيّ نوعٍ من التعريض أو التشنيع على أحد.

أوّلاً: تحريف النظام السياسي للإسلام.

     الانحراف السياسي ظهر بعدّة أُمور:

1 - إقصاء الحاكم السياسي الشرعي، العالم العادل المكلّف من قبل الشارع الحكيم، لتطبيق المشروع الإسلامي الأصيل، تمّ اقصائه، وهذا أكبر ضربة لجسد الأُمّة الإسلامية (النظام السياسي)، حيث قُطع رأس هذا النظام.

2 - ترسيخ أنظمة سياسية عشوائية بديلاً عن هذا النظام الإسلامي السياسي الأصيل، لا يفهم القارئ للتاريخ ما هو النظام أو الآلية السياسية التي كان على أساسها يتمّ انتخاب الحاكم السياسي، فقد جاء الخليفة الأوّل على نحوٍ عشوائي لا يمكن وصفه بنظام أو أُسس يتمّ اختيارها، بل بشكل عشوائي عبّروا عنها بـ (فتنة وقانا الله شرّها)، وجاء الخليفة الثاني بالتنصيب، وجاء الثالث بمجلس شورى حصري، وجاء الخليفة الرّابع الإمام علي (عليه السلام) بانقلاب عسكري دموي، قُتل الحاكم وجاء الانقلابيون بايعوا الإمام (عليه السلام)، هذا الذي حصل، بينما أنه كانت له المشروعية بعد النبي، ثورة دموية قُتل فيها الحاكم وبُويع الإمام علي (عليه السلام)، وجِيء به إلى سدّة الحكم.

 ثم أثار المحاضر تساؤلاً: ما هو النظام السياسي آنذاك؟ هل هو شورى، أو تنصيب، أو ديمقراطية، أو انقلاب؟ وأجاب: نرى عشوائية في الأمر، فهذا أدّى إلى تشويه النظام السياسي في الإسلام، حتّى قال كثير من العلماء: إنّ الاسلام ليس فيه نظام سياسي؛ لأنه ناظر إلى هذه السيرة والعشوائية.

3 - تشويه النظام السياسي؛ وذلك فصل الدين عن السياسة، وهذه نقطة مهمّة ينبغي أن نتوجّه إليها جدّاً. فصلُ الدين عن السياسة وقعَ بعد النبي (صلّى الله عليه وآله) مباشرةً، وهو نفس العلمانية. فصل الدين عن السياسة علّته هو الجهل بمعنى الدين والجهل بمعنى السياسة، هؤلاء فصلوا الدين وجعلوا الدين مجرّد علاقة شخصية بين الإنسان وربّه وطقوس عبادية، وجعلوا السياسة مجرّد مناصب وسلطة ليس أكثر من ذلك، والإنسان السياسي هو الذي يفهم كيف يصل إلى السلطة، وكيف يحافظ عليها بعد الوصول إليها، وإذا فصلنا السياسة عن الدين هكذا فالفصل واقع لا محالة ولا علاقة للدين بالسياسة.

ثم أشار مؤكّداً أنّ النظام السياسي هو تدبير المجتمع على أساس العدالة: ﴿لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾، فلا معنى للفصل بين الدين والسياسة، فتصير عينية هذا هو ذاك وشيء واحد.

ولكن للأسف الشديد عزلوا الإمام علي (عليه السلام)، الذي كان يمثّل الدين بإجماع الصحابة، وأقصوه وجعلوه في البيت أو في المسجد، والحاكم السياسي في مقرّه، فحينما كان يُسأل الخلفاء في الدين كانوا يحيلون الأمر على الإمام علي (عليه السلام)؛ لأنّهم رسّخوا  هذه العلمانية منذ البداية، وسرت إلى يومنا هذا، إنّ علماء الدين مكانهم في المسجد ورجال الحكم في القصر الجمهوري، فالحكّام الأوائل كانوا حكّاماً سياسيين بامتياز ومن الدرجة الأُولى؛ حيث كان همّهم كلّه السياسة والعمل السياسي بهذا المعنى الذي أشرنا إليه، والدين جعلوه على عهدة علماء الدين في المساجد، وليس لهم أيّ سلطة سياسية، وهذه نظرية علمانية وتشويه للنظام الإسلامي السياسي؛ لأنّ معنى التوحيد أنّ الله سبحانه وتعالى له الحقّ أن ينصّب مَن يراه صالحا لتطبيق هذه الشريعة، وهذه من صلاحية الحاكم لا يقوم بها كلّ النّاس، الحاكم ليس فقط الذي يشرّع بل الذي يُشكّل الحكومة، كيف تُسلب من الباري تعالى أهم صفة من صفات الحاكمية، وهي صلاحية تشكيله للحكومة والتعيين، نحن نسمّيها التنصيب، أي حاكمٍ يأتي بأيّ نحوٍ من أنحاء الأنظمة السياسية هو الذي يشكّل الحكومة ويعيّن مَن يطبّق القانون، فإذاً هذه الأُمور الثلاثة التي أشرنا إليها هي من مظاهر تحريف النظام السياسي.

ثانياً: تحريف النظام الاقتصادي للإسلام.

تحريف النظام الاقتصادي، وهذا يلخّص في كلمة واحدة وهي استباحة بيت المال، وهذه ظهرت بصورة بارزة جدّاً مع الخليفة الثالث كما يشهد بذلك كلّ المؤرِّخين، حيث استبيح بيت المال بعيداً عن المقاصد العليا للشريعة في توزيع الأموال، وأصبح بيت المال مكرّساً فقط لشراء الولاءات والذمم والضمائر، وسار على هذه السيرة الحكّام إلى يومنا هذا، فتحقيق النظام الاقتصادي القائم على العدالة هو حسن توزيع الثروة.

ثالثاً: تحريف النظام الفكري والثقافي للإسلام

وهذا أخطر التحريفات، ومظاهر التحريف الفكري هي:

1- محاربة العقل وإيجاد الضدّية بين العقل والدين، وهذه أكبر جريمة ارتُكبت بعد رحيل النبي (صلّى الله عليه وآله)، حُورب العقل، وشيء طبيعي الذي يحارب العقل الظاهر لا يستنكف أن يحارب العقل الباطن، «يا هشام، لله على الناس حجّتان: حجّة باطنة وهي العقول، وحجج ظاهرة وهي الأنبياء والأئمة». الذي يُقصي العقل الظاهر لا يستنكف أن يُقصي العقل الباطن، ويعتبره عدوّا له، فمحاربة جميع ألوان التدبّر والتفكّر والفهم هذه أدّت إلى ظهور التيّارات اللاعقلانية، التي دمّرت الأُمّة الإسلامية، وعلى رأسها الاتجاه الأشعري الذي يُعتبر وصمة عار في جبين الأُمّة الإسلامية، وتأثيره السلبي الموجود إلى يومنا هذا، والاتجاه الصوفي المُسقط للمسؤولية الاجتماعية، والمُخالف لنظام الخلافة الإلَهية، وهذا أدّى إلى أن يُصبح الدين أفيون للشعوب، بدل أن يُصبح منطلق للنهضة، ولذلك كان الاتجاه الأشعري والصوفي على مرّ التاريخ مدعوماً من الأنظمة السياسية إلى يومنا هذا، إذاً هذه محاربة العقل.

2- منع التفسير الصحيح للقرآن الكريم: القرآن لم يكن له تفسير في ذلك الوقت، بل يُقرأ فقط، ممنوع السؤال في القرآن. أروي بعض النصوص في هذا المجال، ولا نستغرق في النصوص التاريخية مثل قصة الأصبع بن عسيله من الصحابة ، حيث قالوا للخليفة الثاني: إنّ هذا الرجل يسأل ويستفسر كثيراً في آيات القرآن، فامتعض عمر كثيراً، وقال دعوني اتكلّم معه بعد صلاة الجمعة، فهذا الشخص رفع يده وسأل وقال: يا أمير المؤمنين، ما معنى والنازعات غرقاً والناشطات نشطاً؟ فنزل عمر وضربه ضرباً حتّى كسّر عظامه، وأخرجه وألقى به خارج المسجد، ثمّ أمر بنفيه إلى البصرة، فعاش هناك كالبعير الأجرب، لا يقربه أحد حتّى مات. وجريمته أنّه سأل عن معنى الآية فقط، وهذه يروونها في المناقب ومنهم ابن تيمية.

ويروي لنا التاريخ أيضاً عندما مرّ معاوية بأبي ذر وكان يقرأ قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾، فقال: يا أبا ذر، اتقِ الله ولا تُثِر الفتنة، فقال: أنا أقرأ القرآن، فقال: اقرأه ولا تفسّره.

إذاً هذا التسطيح الثاني للفكر الإسلامي وهو منع تفسير القرآن.

3- منع تدوين السنّة النبوية لأكثر من مائة وخمسين عاماً، منعوا مصادر التشريع كلّها، فالعقل والنقل ممنوعان.

4- تغليب منطق القوّة على منطق العقل، وهذا أمرٌ راسخ بسائر المذاهب المخالفة لمذهب أهل البيت (عليهم السلام)، منطق القوة هو السرّ، الفتوحات فوق كلّ شيء، وإذا جاء منطق القوة ذهب منطق العقل والحوار والتفاهم، وتغليب القيم الانتهازية على القيم الأخلاقية الإنسانية، وإذا كان الصوت الأعلى للقوة فهذا يؤدّي إلى تفشّي الانتهازية بين الناس، وهذا موجود الى يومنا هذا، فمذهب العامّة الذي يغلب عليه منطق القوة والسيف، كأنّ الإسلام جاء للفتح، وجعلوا كلّ المناطق التي فتحوها هي مناقب للخلفاء، في حين إذا كانت الفتوحات فضيلة فيصبح أمثال نابليون وهولاكو وجنكيز خان أُمراء للمؤمنين؛ لأنّهم من كبراء الفاتحين. النبي (صلّى الله عليه وآله) إنّما جاء لترسيخ القيم والمبادئ من أجل تعليم الناس، كما قال (صلّى الله عليه وآله): «بُعثت معلّماً» « إنّما بُعثت لأتمّم  مكارم الأخلاق» وليس لأفتح البلدان.

الخامس: غياب المشروع الثقافي والتعليمي والتربوي، وهذه نقطة مهمّة جدّاً، دَعُوا المؤرِّخين يبحثون في المشروع الثقافي والتعليمي الذي كان قبل الإمام الحسين (عليه السلام)، أو قبل الإمام علي (عليه السلام)، لم يكن عندهم أي برنامج لتثقيف الناس، أين الأحكام الشرعية التي بيّنتموها؟ أين الأحكام والمواعظ التي قُلتموها؟ أين القيم الأخلاقية التي رسمتموها؟ أين هي؟ أي إنسان يعارض هذا الكلام دعوه يأتي بما يُثبت خلاف ذلك، ليس هناك أي برنامج تعليمي، مع أنّ الوظيفة الأساسية لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) يزكّيهم ويعلّمهم التربية والتعليم، وغاية الحاكم السياسي وهدفه التربية والتعليم، والمسائل العسكرية والأمنية والمسائل الفرعية من أجل حفظ الدولة التي تكون قائمة بالتربية والتعليم، وهما أهمّ شيء وأهمّ من الطعام والشراب، في عرف الدين والحكماء؛ فبالتالي لم يكن لهم أيّ دور في هذا الأمر، كانوا حكّاماً سياسيين عسكريين أمنيين بامتياز، فمن أجل كلّ هذا قام الإمام الحسين (عليه السلام) بنهضته الإصلاحية، يريد أن يُصلح هذا الانحراف الموجود، ويُرجع الأُمور إلى نصابها الطبيعي؛ ولذلك لا بّد أن نعرّف ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) بهذا المعنى، أنّها ثورة قيادية جاءت لمحاربة الانحراف الذي وقع والذي تعرّضنا لأهمّ معالمه، وإعادة الأُمور إلى نصابها من جديد.

في الختام أشار إلى ما ينبغي علينا نحن كداعين للإمام الحسين (عليه السلام) في عولمة هذه النهضة ان نلتزم به:

أوّلاً: اجتناب شخصنة النهضة الحسينية، النهضة الحسينية ليست متعلّقة بشخص واحد فقط من حيث هو شخص. الإمام الحسين (عليه السلام) لم يقم من أجل نفسه، أو من أجل جماعته، وإلّا لما ضحّى بنفسه وبأهله في سبيل هذه الثورة وهذه النهضة، فينبغي اجتناب الشخصنة أو حتّى المذهبة، قضية الإمام الحسين (عليه السلام) عالمية وللإنسانية جمعاء.

ثانياً: التأكيد على المبادئ الإلَهية والإنسانية التي جاء بها الإمام الحسين (عليه السلام) (العدالة، والشرف، والعزّة، والكرامة)، وهي لبّ الدوافع التي قام من أجلها الإمام الحسين (عليه السلام)، وهي التي أضاعها الأعداء للأسف.

ثالثا: هو تحديث النهضة الحسينية وتطبيقها على الواقع المعاش، لا نعتقد أنّها قضية خارجية فقط، بل هي قضية حقيقية، قضية قيامية للصراع بين الحقّ والباطل، للصراع بين العدل والظلم، لا بدّ من إحياء هذه النهضة بصورة معاصرة تسري إلى يوم القيامة، صراع القيم قائم، أمّا صراع الأشخاص فهو زائل ومؤقّت، وأمّا القيم باقية، والصراع بين العدل والظلم باقٍ، فلا بدّ من تحديث هذه النهضة وترسيخ هذه القيم الإنسانية على جميع المنابر الحسينية إن شاء الله تعالى.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفّقنا لخدمة الإسلام والمسلمين، وخدمة المنبر الحسيني والنهضة الحسينية، وأن يجعلنا وأيّاكم من الدعاة إلى طاعته والقادة إلى سبيله، وصلّى الله على سيّدنا محمّد وعلى آله الطيّبين الطّاهرين.

 
 
البرمجة والتصميم بواسطة : MWD