1439 / ربیع‌الاول / 5  |  2017 / 11 / 24         الزيارات : 483708         صلاة الصبح |         صلاة الظهر والعصر |         صلاة المغرب والعشاء |

الشهيد مسلم بن عقيل عليه السلام

{ العَلاّمة المَرحُوم عَبْدُ الرَّزاق المُوسَوي المقُرَّم }
الشهيد مسلم بن عقيل عليه السلام

مقدّمة الناشر

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلّى الله على سيّدنا ونبيّنا محمد وآله الطاهرين ، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين .

1 ـ المؤلّف :

مؤلّف هذا الكتاب هو : العلوي النسيب ، الفاطمي الحسيب ، المخلص في ولائه لآل الرسول ، المتفاني في حبّهم ، والمتهالك في مسيرهم ، العلاّمة المعاصر حجّة الإسلام والمسلمين ، السّيد عبد الرزاق المقرّم الموسوي النجفي(1) ، الذي يصل نسبه الكريم بثلاثة وعشرين ظهراً إلى الإمام موسى بن جعفر (عليه السّلام) .

ولد المؤلّف في سنة (1316) هـ في النجف الأشرف في بيت علم وتقوى وسيادة(2) . جدّه لاُمّه هو السّيد حسين المتوفّى سنة (1334) هـ ، وخاله هو السّيد أحمد المتوفّى سنة (1334) هـ ، وكانا من علماء زمانهما . وأبوه السّيد محمد المتوفّى سنة (1351) هـ ، كان كثير الاعتكاف في مسجد الكوفة , وكانت اُمّه من نساء زمانها الصالحات ، وقد توفّيت سنة (1370) هـ .

درس المغفور له على جدّه السّيد حسين وعلى علماء عظام , مثل : الشيخ محمد رضا آل كاشف الغطاء ( ت 1366 هـ ) ، والسّيد محسن الحكيم ( ت 1390 هـ ) ، وآقا ضياء الدين العراقي ( ت 1361 هـ ) ، والسّيد أبو الحسن الأصفهاني ( ت : 1365 هـ ) ، والشيخ محمد حسين النائيني ( ت 1355 هـ ) ، والشيخ محمد جواد البلاغي ( ت 1352 هـ ) ، والشيخ محمد حسين الأصفهاني ( ت 1361 هـ ) ، والشيخ عبد الرسول الجواهري ( ت 1389 ) ، والشيخ حسين الحلّي ، والسّيد أبو القاسم الخوئي (دام ظله) .

ولقد كان لثلاثة من أساتذته ، وهم : الشيخ محمد جواد

ــــــــــــــــــ

(1) كما وصفه بذلك سماحة العلاّمة السّيد شهاب الدين المرعشي النجفي ـ دام ظله ـ في تقديمه على كتاب علي الأكبر (عليه السّلام) للمؤلّف (قُدّس سرّه) ـ طبعة قم 1401 هـ .

(2) أرّخ المرحوم شيخ آقا بزرگ الطهراني في كتابه (الذريعة) سنة ولادته بـ ( 1412 ) هـ , كما جاء في كتاب معجم مؤلّفي الشيعة ، تأليف الشيخ علي الفاضل النجفي / 400 ، غير أنّ التاريخ الذي ورد في المتن منقول من المقدّمة التي كتبها نجل المؤلّف لكتاب مقتل الحسين (عليه السّلام) ، طبع بيروت سنة 1399 هـ ، وهو أصح .


الصفحة ( 2 )

البلاغي ، والشيخ محمد حسين الأصفهاني ، والشيخ عبد الرسول الجواهري ، تأثير بالغ في نفس مؤلّفنا الجليل .

كان المرحوم العلاّمة السّيد عبد الرزاق المقرّم يكنّ حبّاً عميقا لآل بيت العصمة والطهارة (عليهم السّلام) ، ولقد انعكس هذا الحبّ الشديد في آثاره العلمية التي خلّفها الفقيد . وإليكم بعض تلك الآثار :

1 ـ زيد الشهيد (عليه السّلام) .

2 ـ مقتل الحسين (عليه السلام )(1) .

3 ـ المختار بن أبي عبيد الثقفي.

4 ـ السّيدة سكينة (عليها السّلام) .

5 ـ الصدّيقة الزهراء (عليها السلام) .

6 ـ علي الأكبر (عليه السّلام) .

7 ـ الشهيد مسلم بن عقيل (عليه السّلام)(2) .

8 ـ الإمام زين العابدين (عليه السّلام) .

9 ـ الإمام الرضا (عليه السّلام) .

10 ـ الإمام الجواد (عليه السّلام) .

11 ـ قمر بني هاشم العباس (عليه السّلام) .

12 ـ يوم الأربعين عند الحسين (عليه السّلام) .

13 ـ سرّ الإيمان في الشهادة الثالثة ، وهو بحث في الشهادة بولاية أمير المؤمنين علي (عليه السّلام) في الأذان .

14 ـ محاضرات في الفقه الجعفري .

وجميع هذه الكتب قد طبعت .

أمّا كتبه التي لم تُطبع بعد , فهي :

1 ـ المنقذ الأكبر محمد (صلّى الله عليه وآله) .

2 ـ الحسن بن علي (عليه السّلام) .

3 ـ عاشوراء في الإسلام .

4 ـ الأعياد في الإسلام.

5 ـ زينب العقيلة (عليها السّلام) .

6 ـ ميثم التمّار .

8 ـ أبو ذر الغفاري .

ــــــــــــــــ

(1) ترجم هذين الكتابين إلى الفارسية الشيخ عزيز الله عطاردي ، وطبعتهما انتشارات جهان .

(2) الكتب الأربعة الأخيرة ترجمها إلى الفارسية حسن طارمي ، ونشرتها انتشارات ميقات .


الصفحة ( 3 )

8 ـ عمار بن ياسر .

9 ـ نقل الأموات في الفقه الإسلامي .

10 ـ نقد التاريخ في المسائل السّت .

11 ـ حلق اللحية .

12 ـ ربائب الرسول (صلّى الله عليه وآله) .

13 ـ الكنى والألقاب .

14 ـ حاشية على كفاية الاُصول .

15 ـ حاشية على المكاسب للشيخ الأنصاري .

16 ـ نوادر الآثار .

17 ـ يوم الغدير .

وقد كان المرحوم المقرّم علاوة على تأليفاته المذكورة يتعاون مع الكثيرين ممن كانوا يتصدّون لطبع كتب الشيعة القديمة ، ويكتب لها المقدّمات والتعليقات القيّمة ، من ذلك :

1 ـ دلائل الإمامة ، للطبري الإمامي .

2 ـ الأمالي ، للشيخ المفيد .

3 ـ الخصائص ، للسّيد الرضي .

4 ـ الملاحم ، لابن طاووس.

5 ـ فرحة الغري ، للسّيد عبد الكريم بن طاووس .

6 ـ إثبات الوصية ، للمسعودي .

7 ـ الكشكول ، للسّيد حيدر الآملي .

8 ـ بشارة المصطفى ، لعماد الدين الطبري .

9 ـ الجمل ، للشيخ المفيد .

10 ـ طرف من الأنباء والمناقب ، لابن طاووس .

وكان العلاّمة السّيد عبد الرزاق المقرّم يقيم كل سنة عدداً من المجالس في مواليد المعصومين ووفياتهم (صلوات الله عليهم أجمعين) , وقد ضمّ كتابه نوادر الآثار طائفة من القصائد التي اُلقيت في تلك المجالس .

كما نشرت طائفة أخرى منها في عدد من كتبه المطبوعة . وله أبيات في التوسّل بأهل بيت الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) والتمسّك بأذيالهم ، منها هذان البيتان يخاطب بهما أبا الفضل العباس (عليه السّلام) :

أبا الفضل يا نورَ عينِ الحسينْ= ويا كافــلَ الظعن يوم المسيرُ

أتعـرض عنّي وأنت الجـوادْ= وكهــفٌ لمَن بالحمى يستجيرُ

وفي 17 محرم الحرام من سنة 1391 هـ وافى الأجل العلاّمة السّيد عبد الرزاق المقرّم ، فانتقل


الصفحة ( 4 )

إلى دار البقاء عن عمر قضاه في خدمة آل البيت (عليهم السّلام) وإحياء ذكرهم الكريم .

وقد أرّخ لوفاته الشيخ أحمد الوائلي في قصيدة رثاه بها فقال :

. . . رحت عبد الرزاق للرزاقِ ( 1391 هـ )(5) .

2 ـ هذا الكتاب

هذا الكتاب واحد من آثار مؤلّفنا الفقيد الخالدة عن أوّل شهيد من قافلة شهداء كربلاء العظام ، وسفير سيّد الشهداء (عليه السّلام) ونائبه ، مسلم بن عقيل (عليه السّلام) .

مقدّمة الكتاب تتناول حياة أبي طالب ـ جدّ مسلم ـ وحياة عقيل , ويتناول الكتاب نفسه سيرة حياة نائب الإمام الحسين (عليه السّلام) ؛ فيورد نقاطاً لم تذكر من قبل عن حياة مسلم (عليه السّلام) ، ويبحثها بكل دقّة وتمحيص ، ويسير مع مسيرته خطوة خطوة . وفي غضون ذلك يحقق في مواضيع أخرى ، مثل: الطيرة في المنظور الإسلامي ، وغير ذلك من الدروس الأخلاقية والاجتماعية ، يتطرّق إليها ضمن كلامه على حركة مسلم بن عقيل (عليه السّلام) التاريخية .

لقد طُبع هذا الكتاب قبل سنوات عديدة في النجف الأشرف , واليوم اُعيد طبعه بحلّة قشيبة ، بعد تصحيح الأغلاط المطبعية السابقة قدر الإمكان . نسأل الله تعالى أن يحشر روح المؤلّف الرفيعة مع مواليه المعصومين الأربعة عشر(صلوات الله عليهم أجمعين) ، وأن يزيد من توفيقنا في نشر المعارف القرآنية العظيمة وسير العترة الطاهرة , إنه سميع مجيب .

والحمد لله رب العالمين وصلّى الله على رسوله والأئمة المعصومين ، ولا سيّما مولانا وصاحبنا بقية الله في الأرضين .

قسم الدراسات الإسلامية في مؤسسة البعثة

                                                                                       محرم الحرام 1407 هـ

ـــــــــــــــــ

(5) لمعرفة المزيد عن حياة العلاّمة السّيد عبد الرزاق المقرّم وآثاره يمكن الرجوع إلى المصادر التالية :

أ ـ مقالة للشيخ محمد هادي الأميني نُشرت في مجلة العدل ـ طبع النجف ، العدد 17 بتاريخ 14 شعبان 1391.

ب ـ مقدّمة آية الله المرعشي النجفي لكتاب علي الأكبر ـ طبع قم 1401 هـ .

ج ـ معجم مؤلّفي الشيعة /400 .

د ـ الذريعة 7 / 119 و121 و123 ، 17/ 167 ، 22/ 32 ، 24/ 430 25/ 135 .

و ـ مقدّمة السّيد محمد حسين المقرّم ، نجل الفقيد لكتاب مقتل الحسين (عليه السّلام) ، طبع بيروت 1399 هـ .

وقد اعتمدنا هذه المقدّمة كأهمّ مصدر استقيناه مما جاء في هذا المختصر .


الصفحة ( 5 )

 بسم الله الرحمن الرحيم

قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السّلام) : (( إنّي اُحبّ عقيلاً حُبّين ؛ حُبّاً له وحبّاً لحبّ أبي طالب له . وإنّ ولده لمقتول في محبّة ولدك ، تدمع عليه عيون المؤمنين , وتصلّي عليه الملائكة المقرّبون )) .

ثمّ بكى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وقال: (( إلى الله تعالى أشكو ما تلقى عترتي من بعدي )) .

الأمالي للشيخ الصدوق


الصفحة ( 6 )


الصفحة ( 7 )

المقدّمة

بيت أبي طالب(1) .

لقد كان بيت أبي طالب موطد الأساس بالنبوّات ، مرفوعة معالمه بالخلافة الكبرى ، وكانت آصرة النبوة ضاربة فيه من آدم إلى شيث إلى نوح إلى إبراهيم إلى إسماعيل الذبيح ، إلى ما تناسل منه ممّن دان بالتوحيد .

وكانت له الوصاية في المحافظة على نواميس الأنبياء ، وإنك لا تجد أحداً من عمود النسب الوضّاح الذي يقف عنده الحديث النبوي(2) إلاّ آخذاً بأعضاد الشرف والسؤدد ، حاملاً للحنيفيّة البيضاء دين السّلام والوئام ، وشرعة الخليل إبراهيم (عليه السّلام) .

وإنّ الوقوف على بعض ما ذكره التأريخ في حقّ هؤلاء الرجال يشهد لهذه الدعوى المدعومة بالوجدان ، فكان (عدنان) يصارح في خطبته بأنّ فيمَن يتناسل منه النبي الكريم خاتم الرسل أجمعين ، الداعي إلى كلمة الحق ورسالة الصدق ، ثمّ أوصى باتّباعه .

وكان ولده (معد) على نهجه ، أمر الله تعالى (أرميا) أن يحمله على البراق كيلا تصيبه نقمة بخت نصر ، وعرّفه بأنه سيخرج من صلبه نبيّاً يكون خاتم الأنبياء , فحمله

ــــــــــــــــ

(1) طُبعت هذه المقدمة في كتاب العباس (عليه السّلام) ولنفاد النسخ رغب جماعة في إعادتها حرصاً على الفائدة.

(2) في مناقب ابن شهر آشوب 1 / 106 ، وكشف الغمة للأربلي/ 6 : إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال : (( إذا بلغ نسبي إلى عدنان فأمسكوا )) .

وكأنّ السرّ فيه أنّ ما فوق عدنان من الأسماء ممّا يتعاصى نطق العامة بها ؛ نظراً إلى غرابتها ، فلا يؤمن معه من التصحيف فيسبب الوهن في ساحة جلالتهم والخفّة في مقدارهم وقد [ ولدوا ] الرسول الأعظم ووصيه أمير المؤمنين المقدّم (صلى الله عليهما وعلى آلهما أجمعين ) .


الصفحة ( 8 )

إلى أرض الشام إلى أن هدأت الفتنة(1) .

وكان نور النبوة يشعّ في جبهة (نزار)(2) . وورد النهي عن سبّ ربيعة ومضر وإلياس ؛ لكونهم مؤمنين . وإلياس أوّل مَن أهدى البُدنَ إلى البيت الحرام ، وأوّل مَن ظفر بمقام إبراهيم ، وقد أدرك (مدركة بن إلياس) كل عزّ لآبائه ، وفي جبهته نور النبي محمد (صلّى الله عليه وآله) ساطع ، وكان كنانة بن خزيمة بن مدركة يجاهر بالدعوة إلى دين الخليل ، ورفض عبادة الأصنام ، وأنّ من صلبه نبيّاً يدعو إلى البرّ والإحسان ومكارم الأخلاق .

وفهر بن مضر كانت العرب تهابه ؛ لجمعه خصال الخير والنور اللائح على أسارير جبهته ، ولانتصاره على حسان بن عبد كلال حين جاء من اليمن لأخذ أحجار الكعبة ليبني بها بيتاً باليمن يزوره الناس ، فأسّر حسان وانهزمت حِمير وبقي حسان في الأسر ثلاث سنين ، ثمّ فدى نفسه بمال كثير وخرج فمات بين مكة والمدينة(3) .

ولم يزل كعب بن لؤي يذكر النبي (صلّى الله عليه وآله) ، ويُعلم قريشاً بأنه من ولده ، ويأمر باتّباعه . وفي المأثور من كلامه : زيّنوا حرمكم وعظّموه ، وتمسّكوا به ولا تفارقوه ، فسيأتي له نبأ عظيم , وسيخرج منه نبي كريم .

ثمّ قال :

نهارٌ وليلٌ واختلافُ حـوادثٍ=سـواءٌ علينا حلوها ومريرُها

يؤوبانِ بالأحداث حتّى تأوّبـا =وبالنِّعم الضافي علينا ستورُها

على غفلةٍ يأتي النبـيُّ محمّدٌ= فيُخبرُ أخباراً صدوقاً خبيرُها

ثمّ قال :

يا ليتني شاهــدٌ فحـواءَ دعوتهِ=حين العشيرة تبغي الحقّ خذلانا(4)

إنّ هذه السلسلة هي التي أنتجت قصياً ، فعبد مناف(5) ، فهاشماً ، فعبد المطلب ، ثمّ

ـــــــــــــــــ

(1) السيرة الحلبيّة 1 / 20.

(2) الروض الأنف ، للسهبلي 1 / 8.

(3) السيرة الحلبية 1 / 9 و19.

(4) صبح الأعشى 1/ 211.

(5) كان اسمه عبداً ثمّ أضيف إليه مناف ؛ لأنه أناف على الناس وعلا أمره حتّى ضُربت إليه الركبان من أطراف الأرض , فقيل : عبد مناف . وهو الصحيح كما في إثبات الوصية للمسعودي / 75 .

فما في السيرة النبوية لابن دحلان من أنّ اُمّه أخدمته صنماً اسمه مناف لا يُعبأ به ؛ لأنه لم يكن من الأصنام اسمه مناف ، وإنما الموجود (مناة) ـ بالتاء المثناة من فوق ـ ومن هنا كان ابن الكلبي يقول في كتاب الأصنام / 32 : لا أدري أين كان هذا الصنم , ولمَن كان , ومَن نصبه ؟

ومنه نعرف الغلط في قول البرقي والزبير كما في الروض الاُنف 1 / 6 : أنّ اُمّه أخدمته (مناة) ـ بالتاء المثناة ـ فسمّي عبد مناة ، ولكن رآه قصي يوافق عبد مناف بن كنانة فحوّله عبد مناف , فإنه لا شاهد عليه ، والصحيح ما عليه المسعودي .


الصفحة ( 9 )

عبد الله ، وأبا طالب ، ومنهما أشرق الكون بخاتم الأنبياء وسيّد الأوصياء صلوات الله عليهم أجمعين .

والذي يجب الهتاف به أنّ كل واحد من عمود النسب غير مدنّس بشيء من رجس الجاهلية ، ولا موصوم بعبادة وثن ، وهو الذي يرتضيه علماء الحقّ ؛ لكونهم صدّيقين بين أنبياء وأوصياء ، وقد نزّههم الله سبحانه في خطابه لنبيّه الأقدس : ( وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ) ؛ فإنه أثبت لهم بلفظ الجمع المحلّى باللام السّجود الحقّ الذي يرتضيه لهم .

وإنّ ما يؤثر عنهم من الأشياء المستغربة عندنا لا بدّ وأن تكون من الشريعة المشروعة لهم ، أو يكون له معنى تظهره الدراية والتنقيب .

وليس آزر الذي كان ينحت الأصنام ، وكاهنة نمرود أبا إبراهيم (عليه السّلام) الذي نزل من ظهره ؛ لأن أباه اسمه تارخ ، وآزر إمّا أن يكون عمّه كما يرتأيه جماعة المؤرّخين ، وإطلاق الأب على العمّ شائع على المجاز ، وبه جاء الكتاب المجيد : ( إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ ) . فأطلق على إسماعيل لفظ الأب ولم يكن أبا يعقوب ، وإنما هو عمّه ، كما أطلق على إبراهيم لفظ الأب وهو جدّه .

وإمّا أن يكون آزر جدّ إبراهيم لاُمّه كما يرتأيه المنقّبون ، والجدّ للاُمّ أب في الحقيقة . وممّا يؤيّد أنه غير أبيه قوله تعالى : ( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ ِلأَبِيهِ آزَرَ ) , فميّزه باسمه ، ولو أراد أباه الذي نزل من ظهره لاستغنى بإضافة الاُبوّة عن التسمية بآزر .

كل ذلك مضافاً إلى مصارحة الرسول الكريم بطهارة آبائه عن رجس الجاهلية وسفاح الكفر ؛ فإنه (صلّى الله عليه وآله) قال : (( لمّا أراد الله تعالى أن يخلقنا صوّرنا عمود نور في صلب آدم ، فكان ذلك النور في جبينه , ثمّ انتقل إلى وصيّه شيث ، وفيما أوصاه ألاّ يضع هذا النور الإلهي إلاّ في أرحام المطهّرات من النساء , ولم تزل هذه الوصية معمولاً بها يتناقلها كابر عن كابر ؛ فولدنا الأخيار من الرجال والخيّرات المطهّرات المهّذبات من النساء ، حتّى انتهينا إلى صُلب

الصفحة ( 10 )

عبد المطلب , فجعله نصفين ؛ نصف في عبد الله فصار إلى آمنة , ونصف أبي طالب فصار إلى فاطمة بنت أسد ))(1) .

ولم يزل هذا الحال كما وصفناه حتّى أقبل دور شيخ الأبطح أبي طالب ، وورده أمير المؤمنين والإمامين السبطين سيّدي شباب أهل الجنة ، والأئمة من ولد سيّد الشهداء (عليهم السّلام) , حتّى يقف العدد على ناموس الدهر وولي الأمر في كل عصر عجّل الله فرجه .

ها هنا يقف اليراع عن تصوير عظمة هذا البيت المنيع ، ويرتجّ على الكاتب ويعي الشاعر ؛ فإن حقيقة القداسة بين طرفي النبوّة والإمامة التي جمعها هذا البيت لم تدع مسرحاً لقائل أو متّسعاً لواصف ؛ لتقاعس القدرة البشرية عن نعت ما هو فوق مستواها ، ولا يمكنها الخبرة بحقائق أنوار عالم الملكوت .

نعم ، لها الإضافة في مقدار ما يمكنها من التوصّل إليه ولو في الجملة من أنّه بيت نبوة وإمامة ، بيت علم ودين ، بيت عز وسؤدد .

بيتٌ علا سمكَ الضراح  رفعةً       فـكان  أعـلا شرفاً  وأمنعا
أعـزّه الله فـما تهبط   فـي      كـعبتهِ  الأملاكُ إلاّ  خـضّعا
بـيـت من القدس وناهيك بهِ      محطّ أسرار الهدى   وموضعا
فكان مأوى المرتجي والملتجي      فـمـا 
iأعزّ شأنه وأمنعا(2)

وهذه الصفات الكريمة هي التي أهّلت أبا طالب (عليه السّلام) لحمل أعباء الوصاية عن الأنبياء (عليهم السّلام) بعد أن تلقّاها عن أبيه عبد المطلب الذي كان وصياً من الأوصياء ، وقارئاً للكتب السماوية ، كما أخبر أبو طالب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بذلك ؛ إذ قال له : كان أبي يقرأ الكتب جميعاً .

وقال : إنّ من صلبي نبيّاً لوددت أنّي أدركت ذلك الزمان فآمنت به ، فمَن أدركه من ولدي فليؤمن به(3) .

وكان أبو طالب كأبيه (شيبة الحمد) عالماً بما جاء به الأنبياء ، وأخبروا به اُممهم من حوادث وملاحم ؛ لأنه وصيٌ من الأوصياء ، وأمين على وصايا الأنبياء حتّى سلّمها إلى النبي (صلّى الله عليه وآله)(4) .

ـــــــــــــــــ

(1) هذا حاصل أحاديث ذكرها المجلسي في البحار 6 / 6 و9 / 8 .

(2) من قصيدة للعلاّمة الحجّة السّيد محمّد حسين الكيشوان (رحمه الله) .

(3) بحار الأنوار 9 / 31 .

(4) مرآة العقول 1 / 362 .


الصفحة ( 11 )

وفي ذلك يقول درست بن منصور لأبي الحسن موسى (عليه السّلام) : أكان رسول الله محجوجاً بأبي طالب ؟

قال (عليه السّلام) : (( لا ، ولكن كان مستودع الوصايا , فدفعها إلى النبي (صلّى الله عليه وآله) )) .

قلتُ : دفعها على أنه محجوج به ؟

قال (عليه السّلام) : (( لو كان محجوجاً به ما دفعها إليه )) .

قلتُ : فما كان حال أبي طالب ؟

قال : (عليه السّلام) : (( أقرّ بالنبي وبما جاء به حتّى مات ))(1) .

وقال شيخنا المجلسي (أعلا الله مقامه) : أجمعت الشيعة على أنّ أبا طالب لم يعبد صنماً قط ، وأنّه كان من أوصياء إبراهيم (عليه السّلام) . وحكى الطبرسي إجماع أهل العلم على ذلك ، ووافقه ابن بطريق في كتاب الاستدراك(2) .

وقال الصدوق : كان عبد المطلب وأبو طالب من أعرف العلماء ، وأعلمهم بشأن النبي (صلّى الله عليه وآله) ، وكانا يكتمان ذلك عن الجهّال والكفرة(3) .

ومما يشهد على ذلك الحديث الصحيح عن أمير المؤمنين (عليه السّلام) : (( والله , ما عبد أبي ولا جدّي عبد المطلب , ولا عبد مناف ولا هاشم صنماً ، وإنّما كانوا يعبدون الله ، ويصلّون إلى البيت على دين إبراهيم متمسّكين به ))(4) .

ويقول أبو الحسن الرضا (عليه السّلام) : (( كان نقش خاتم أبي طالب : رضيت بالله ربّاً ، وبابن أخي محمّد نبيّاً ، وبابني علي وصيّاً له ))(5) . مضافاً إلى أنّ قريشاً لمّا أبصرت العجائب ليلة ولادة أمير المؤمنين (عليه السّلام) ؛ خصوصاً لمّا أتوا بالآلهة إلى جبل أبي قُبيس ليسكن ما حلّ بهم ، ارتجّ الجبل وتساقطت

ـــــــــــــــــ

(1) البحار 9 / 29 .

(2) المصدر السابق .

(3) إكمال الدين / 102 .

(4) المصدر السابق / 104 .

(5) الدرجات الرفيعة / للسّيد علي خان ـ ترجمة أبي طالب .


الصفحة ( 12 )

الأصنام ، ففزعوا إلى أبي طالب ؛ لأنه مفزع اللاجئ وعصمة المستجير ، وسألوه عن ذلك ، فرفع يديه مبتهلاً إلى المولى ـ جلّ شأنه ـ قائلاً : إلهي , أسألك بالمحمدية المحمودة ، والعلوية العالية ، والفاطمية البيضاء إلاّ تفضّلت على تهامة بالرأفة والرحمة .

فسكّن ما حلّ بهم , وعرفت قريش فضل هذه الأسماء قبل ظهورها , فكانت العرب تكتب هذه الأسماء وتدعو بها عند المهمات ، وهي لا تعرف حقيقتها(1) .

ومن هنا اعتمد عليه عبد المطلب في كفالة الرسول (صلّى الله عليه وآله) فخصّه به دون سائر بنيه وقال :

 

وصّـيت مَـن كـنيتهُ بطالبِ       عبدَ مناف(2) وهو ذو تجاربِ
بـابن الـحبيبِ أكرمِ الأقاربِ       بـابن الذي قد غاب غير آيبِ

فــقـال أبــو طـالـب :

لا تـوصني بـلازمٍ وواجـبِ       إنّـي سمعتُ أعجبَ العجائبِ
مـن  كـلِّ حبرٍ عالمٍ وكاتبِ        بـأنْ يـحق اللهُ قولَ الراهب
ِ

 

فقال عبد المطلب : انظر يا أبا طالب , أن تكون حافظاً لهذا الوحيد الذي لم يشمّ رائحة أبيه ، ولم يذق شفقة اُمّه . انظر أن يكون من جسدك بمنزلة كبدك ؛ فإنّي قد تركت بنيّ كلهم وخصصتك به ، فانصره بلسانك ويدك ومالك ؛ فإنه والله سيسودكم ويملك ما لا يملك أحد من آبائي ، هل قبلت وصيّتي ؟

قال : نعم ، قد قبلت ، والله على ذلك شاهد .

فقال عبد المطلب : مدّ يدك .

فمدّ يده وضرب عبد المطلب بيده على يد أبي

ــــــــــــــــــ

(1) روضة الواعظين للفتال / 69 .

(2) اختلف في اسم أبي طالب على أقوال أربعة ؛ الأوّل : اسمه شيبة ، حكاه السيوطي في شرح شواهد المغني / 135 مصر .

الثاني : اسمه عمران ، حكاه ابن حجر في الإصابة 4 / 115 بترجمته .

الثالث : كنيته ، حكاه الحاكم النيسابوري في المستدرك 3 / 108 ، عن محمّد بن إسحاق .

الرابع : اسمه عبد مناف ، نصّ عليه ابن حبيب في المحبر / 16 ، والطبري في التاريخ 6 / 89 ، وابن الأثير في الكامل 3 / 158 ، وأبو الفداء في المختصر 1 / 170 ، وحكاه الحاكم في معرفة علوم الحديث / 84 عن ابن معين ، والنويري في نهاية الأرب 2 / 341 ، والسيوطي في شرح الشواهد المغني 1 / 135 ، وابن قتيبة في المعارف / 88 ، وعند ابن حجر في الإصابة : أنه المشهور ، وفي عمدة الطالب / 5 طـ النجف , هو الصحيح ، وبذلك نطقت وصية أبيه عبد المطلب , فإنه قال :

 

اُوصـيك يا عبدَ مناف بعدي       بواحدٍ  بعد أبيه فردِ

وقــــــــال أيـــــــضـــــــاً :

وصّيتُ من كنيتهُ بطالبِ      عبدَ مناف وهو ذو تجاربِ

 

 


الصفحة ( 13 )

طالب ، ثمّ قال عبد المطلب : الآن خفّف عليّ الموت . ولم يزل يقبّله ويقول : أشهد أنّي لم أرَ أحداً أطيب ريحاً منك , ولا أحسن وجهاً(1) .

لم ينص عبد المطلب عليه بالوصية ؛ لمحض أنه شقيق أبيه عبد الله ؛ فلقد كان الزبير يشارك أبا طالب في ذلك ، وإنما هو لكفايته لتلك المرتبة القدسية فقد صاغه المهيمن سبحانه متأهّلاً لحمل النواميس الإلهية ، شديد بأعباء الخلافة كاهله .

فاجتمعت فيه القابلية الذاتية والمعدّات المفاضة عليه من سلفه الطاهر ومن الأوصياء الماضين ، وتأكّدت بمصاحبة النبي الأعظم (صلّى الله عليه وآله) آناء الليل وأطراف النهار ، فلا يكاد يفارقه آناً ما وبمشهد منه الإرهاصات النبوية والإفاضات الإلهية المكهربة للمواد اللائقة.

فرح أبو طالب بهذه الخطوة من أبيه العطوف ، وراح يدّخر لنفسه السعادة الخالدة بكفالة نبي الرحمة ، فقام بأمره وحماه في صغره بماله وجاهه من اليهود والعرب وقريش ، وكان يؤثره على أهله ونفسه . وكيف لا يفعل هذا وهو يشاهد من ابن أخيه ولمّا يبلغ التاسعة من عمره هيكل القدس يملأ الدست هيبة ورجاحة ؟

أكثر ضحكه الابتسام ، ويأنس بالوحدة أكثر من الاجتماع ، وإذا وضع له الطعام والشراب لم يتناول منه شيئاً إلاّ قال : باسم الله الأحد ، وإذا فرغ من الطعام حمد الله وأثنى عليه ، وإن رصده في نومه شاهد النور يسطع من رأسه إلى عنان السماء(20) .

وكان يوماً معه بذي المجاز فعطش أبو طالب ولم يجد الماء ، فجاء النبي (صلّى الله عليه وآله) إلى صخرة هناك ، فركله برجله فنبع من تحتها الماء العذب(2) ، وزاد على ذلك توفّر الطعام في بيته حتّى أنه يكفي الجمع الكثير إذا تناول النبي منه شيئاً(3) .

وهذا وحده كافٍ في الإذعان بأنّ أبا طالب كان على يقين من نبوة ابن أخيه (صلّى الله عليه وآله) ، أضف إلى ذلك قوله في خطبته لمّا أراد أن يزوّجه من خديجة : وهو والله بعد هذا له نبأ عظيم وخطر جليل(4) .

وكان يقول في وصيّته لقريش عند الوفاة :

ـــــــــــــــــ

(1) مرآة العقول 1 / 368 .

(2) مناقب ابن شهر آشوب .

(3) السيرة الحلبية 1 / 139 .

(4) المصدر نفسه .

(5) المصدر نفسه .


الصفحة ( 14 )

 يا معشر قريش ، أنتم صفوة الله من خلقه وقلب العرب ، واعلموا أنّكم لم تتركوا للعرب في المآثر نصيباً إلاّ أحرزتموه ، ولا شرفاً إلاّ أدركتموه ، فلكم به على الناس الفضيلة ، ولهم به إليكم الوسيلة ، والناس لكم حرب , وإلى حربكم إلب .

وإنّي اُوصيكم بتعظيم هذه البنية فإنّ فيها مرضاة للرب ، وقواماً للجأش ، وثباتاً للوطأة .

صلوا أرحامكم ولا تقطعوها ؛ فإنّ صلة الرحم منسأة للأجل وزيادة في العدد ، واتركوا البغي والعقوق ففيهما شرف الحياة والممات ، وعليكم بصدق الحديث وأداء الأمانة ؛ فإن فيهما محبّة للخاص ومكرمة للعام .

وإنّي اُوصيكم بمحمد خيراً ؛ فإنه الأمين في قريش والصديق في العرب ، كأنّي أنظر إلى صعاليك العرب وأهل الوبر الأطراف والمستضعفين من الناس قد أجابوا دعوته ، وصدّقوا كلمته وعظموه ، فخاض بهم غمرات الموت فصارت رؤساء قريش وصناديدها أذناباً ودورها خراباً ، وأعظمهم عليه أحوجهم إليه ، وأبعدهم أقربهم عنده ، قد محضته العرب ودادها ، وأصغت له فؤادها وأعطته قيادها.

دونكم يا معشر قريش المحافظة على ابن أخيكم ، وكونوا له ولاة ولحزبه حماة ، والله لا يسلك أحد منكم سبيله إلاّ سعد ، ولا يأخذ بهديه إلاّ رشد ، ولو كان للنفس مدّة وللأجل تأخير لكفيت عنه الهزاهز ، ولدفعت عنه الدواهي .

وأنشد :

اُوصـي  بـنصر النبيِّ الخير مشهدُهُ       عـلياً ابـني وشـيخَ الـقوم عبّاسا
وحـمـزةَ الأسـد الـحامي حـقيقته      وجـعفراً  أن يـذودا دونـه الـناسا
كـونوا فـداءً لـكم اُمّـي وما ولدتْ       في نصر أحمدَ دون الناس أتراسا
(1)

ولمّا جاء العباس إلى أبي طالب يخبره بتألّب قريش على معاداته ، قال له :

ــــــــــــــــــ

(1) الدرجات الرفيعة ، للسّيد علي خان ـ ترجمة أبي طالب ، واختصر هذه الوصية في تاريخ الخميس 1 / 339 ، وطراز المجالس ، للخفاجي / 217 ، وثمرات الأوراق ، للحموي بهامش المستطرف 2 / 10 ، وبلوغ الأرب 1 / 327 ط الاُولى ، وأسنى المطالب لزيني دحلان / 5 .


الصفحة ( 15 )

إنّ أبي أخبرني أنّ الرسول على حق ، ولا يضرّه ما عليه قريش من المعادات له ، وإنّ أبي كان يقرأ الكتب جميعاً وقال : إنّ من صلبي نبيّاً لوددت أنّي أدركته فآمنت به ، فمَن أدركه فليؤمن به(1) .

واستشهاده بكلمة أبيه القارئ للكتب الإلهية مع أنه كان يقرؤها مثله ، يدلّنا على تفنّنه في تنسيق القياس ، وإقامة البرهان على صحة النبوة ، وأنّ الواجب اعتناق شريعته الحقّة .

أمّا هو نفسه فعلى يقين من أنّ رسالة ابن أخيه خاتمة الرسالات ، وهو أفضل مَن تقدّمه قبل أن يشرق نور النبوة على وجه البسيطة ، ولم تجهل لديه صفات النبي المبعوث ، وعلى هذا الأساس أخبر بعض أهل العلم من الأحبار حينما أسرّ إليه بأنّ ابن أخيه الروح الطيّبة والنبي المطهّر على لسان التوراة والإنجيل فاستكتمه أبو طالب الحديث ؛ كي لا يفشو الخبر .

ثمّ قال له : إنّ أبي أخبرني أنّه النبي المبعوث ، وأمر أن أستر ذلك ؛ لئلاّ يغرى به الأعادي ، ولو لم يكن معتقداً صدق الدعوة لَما قال لأخيه : احمِهِ ، لمّا أظهر الإسلام(2) :

فـصبراً أبا يعلى على دينِ أحمدِ      وكن مظهراً للدين وُفّقت صابرا
وحط مَن أتى بالدين من عند ربهِ      بصدقٍ  وحقٍّ لا تكن حمزُ كافرا
فـقـد سرّني إذ قلتَ أنك مؤمنٌ      فـكن لرسولِ الله في الله ناصرا
ونــادِ  قـريشاً بالذي قد أتيته      جهاراً وقل : ما كان أحمدُ ساحرا

وقـــــال رادّاً عــــلــــى قــــريــــش(3) :

ألـم تـعـلموا أنّا وجدنا محمداً       نبيّاً كموسى خُطّ في أول الكُتبِ

وقـــــــــــــــــــــــــــــال(4)  :

وأمسى ابنُ عبد الله فينا مصدّقا ً      على سَخطٍ من قومنا غير iiمعتبِ

وقـــــــــــــــــــــــــــــال(5)  :

 

ــــــــــــــــــ

(1) الحجّة على الذاهب / 65 .

(2) المصدر نفسه / 71 .

(3) خزانة الأدب ، للبغدادي 1 / 261 .

(4) الحجّة على الذاهب / 45 .

(5) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 3 / 313 .


الصفحة ( 16 )

 

أمـيـنُ مُحبٍّ في العباد مسوم      بـخـاتـم ربٍّ قـاهرٍ للخواتمِ
يرى  الناس برهاناً عليه وهيبة      ومـا  جاهل في فعله مثلُ عالمِ
نـبيٌّ أتاه الوحي من  عند ربّه      فـمَن قال لا يُقرع بها سنّ نادم
ِ

ومـمّـا خاطب بها النجاشي :

تـعـلّم  خيّار الناس أنّ محمّداً       وزيرٌ لموسى والمسيحِ بن مريمِ
أتـى بـالهدى مثل الذي أتيابه      فكلٌّ  بأمر الله يهدي ويعصمُ(*)
وإنّـكـمُ  تـتـلونهُ في كتابِكمْ      بصدقِ حديثٍ لا حديثِ المترجمِ
فـلا تـجـعلوا لله ندّاً وأسلموا       فـإنّ  طريقَ الحقِّ ليس بمظلمِ

وقــــــــــال(1)  :

اذهـب بُنيّ فما عليك غضاضةٌ      اذهـب وقـرّ بذاك منك عيونا
والله لـن يـصلوا إليك بجمعهم      حـتّـى أوسّدَ  في الترابِ دفينا
ودعوتني  وعلمتُ أنّك ناصحي      وصـدقـتَ ثَمّ وكنت قبلُ أمينا
وذكـرتَ ديـنـاً لا محالةَ أنّه      مـن خـيـرِ أديان البريةِ دينا

 

 

وبعد هذه المصارحة هل يخالج أحداً الريب في إيمان أبي طالب ؟ وهل يجوز على مَن يقول: إنّا وجدنا محمداً كموسى نبيّاً إلاّ الاعتراف بنبوّته ، والإقرار برسالته كالأنبياء المتقدّمين ؟ وهل يكون إقرار بالنبوّة أبلغ من قوله : فأمسى ابن عبد الله فينا مصدّقاً ؟ وهل فرق بين أن يقول المسلم : أشهد أنّ محمداً رسول الله وبين أن يقول(2) :

وإنْ كان أحمدُ قد جاءهمْ       بصدقٍ ولم يُتّهم بالكذبِ

أو يعترف الرجل بأنّ محمداً كموسى وعيسى جاء بالهدى والرشاد مثل ما أتيا به ، ثمّ يُحكم عليه بالكفر؟! وهل هناك جملة يعبّر بها عن الإسلام أصرح من قول المسلم :

وإنْ كان أحمدُ قد جاءهمْ       بصدقٍ ولم يُتّهم بالكذبِ

 

ـــــــــــــــــ

(*) لا يخفى ما في البيت من إقواء واضح . (موقع معهد الإمامين الحَسنَين)

(1) أورد الأبيات الزمخشري في الكشّاف 1 / 448 ، طبع سنة 1308 ، وابن دحلان في السيرة النبوية بهامش السيرة الحلبية 1 / 97 ، طبع سنة 1329 ، وأوردها ابن أبي الحديد في شرح النهج 3 / 306 باختلاف يسير ، وفي خزانة الأدب للبغدادي 1 /261 ، والإصابة 4 / 116 ، وبلوغ الأرب 2 / 325 ، طبع سنة 1342 ذكر البيت الثالث والرابع ، وفي السيرة الحلبية 1 / 313 البيت الثاني ، وفي تاريخ أبي الفداء 1 /120 ثلاثة أبيات باختلاف يسير .

(2) شرح النهج ، لابن أبي الحديد 3 / 309 .


الصفحة ( 17 )

كلا ، ولو لم يعرف أبو طالب من ابن أخيه الصدق فيما أخبر به لَما قال له بمحضر قريش ليريهم من فضله ، وهو به خبير ، وجنانه طامن : يابن أخي , الله أرسلك ؟

قال (صلّى الله عليه وآله) : (( نعم )) . 

قال أبو طالب : إنّ للأنبياء معجزة وخرق عادة , فأرنا آية .

قال النبي (صلّى الله عليه وآله) : (( يا عمّ ، ادع تلك الشجرة ، وقل لها : يقول لك محمّد بن عبد الله : أقبلي بإذن الله)) .

فدعاها أبو طالب ، فأقبلت حتّى سجدت بين يديه ، ثمّ أمرها بالانصراف فانصرفت ، فقال أبو طالب : أشهد أنّك صادق ، ثمّ قال لابنه : يا علي , الزمه(1) .

وفي بعض الأيّام رأى علياً يصلّي مع النبي (صلّى الله عليه وآله) , فقال له : يا بُني ، ما هذا الذي أنت عليه ؟ قال : (( يا أبة ، آمنت بالله وبرسوله وصدّقت بما جاء به ، ودخلت معه واتبعته )) .

فقال أبو طالب : أما أنه لا يدعوك إلاّ إلى خير فالزمه(2) .

وهل يجد الباحث بعد هذا ملتحداً عن الجزم بأنّ شيخ الأبطح كان معتنقاً للدين الحنيف ، ويكافح طواغيت قريش حتّى بالصلاة مع النبي (صلّى الله عليه وآله) ، وإن أهمله فريق من المؤرّخين ؛ رعاية لِما هُم عليه من حبّ الوقيعة في أبي طالب ، ورميه بالقذائف حنقاً على ولده أمير المؤمنين (عليه السّلام) الذي لم يتسنَّ لهم أي غميزة فيه ، فتحاملوا على اُمّه وأبيه ؛ إيذاءً له وإكثاراً لنظائر مَن يرمون إكباره وإجلاله ممّن سبق منهم الكفر .

وحيث لم يسعهم الحطّ من كرامة النبي (صلّى الله عليه وآله) والوصي (عليه السّلام) عمدوا إلى أبويهما الكريمين ؛ فعزوا إليهما الطامات ، وستروا ما يؤثر عنهما من الفضائل ؛ إيثاراً لِما يروقهم إثباته .

يشهد لذلك ما ذكره بعض الكتّاب عند ذكره أسرى بدر , فإنه قال : وكان من الأسرى عمّ النبي وعقيل ابن عمّه ( أخو علي )(3) .

فلو كان غرضه تعريف المأسور لكان في تعريف عقيل بأنه ابن عمّ النبي كفاية ، كما اكتفى في تعريف العباس به ، ولم يحتج أن يكتب بين قوسين ( أخو علي ) وأنت تعرف المراد من ذكر هذه الكلمة بين القوسين ، وإلى أيّ شيء يرمز بها الكاتب ، ولكن فاته الغرض ، وهيهات الذي أراد ففشل !

ثمّ جاء فريق آخر من المؤرّخين يحسبون حصر المصادر في ذوي الأغراض

ـــــــــــــــــ

(1) الحجّة على الذاهب / 25.

(2) تاريخ الطبري 2 / 214.

(3) تاريخ الأمة العربية ، للمقدادي / 84 , مطبعة الحكومة بغداد ، سنة 1939م .


الصفحة ( 18 )

المستهدفة ، وأنّ ما جاؤوا به حقائق راهنة فاقتصروا على مرويّاتهم مما دبّ ودرج ، وفيها الخرافات وما أوحته إليهم الأهواء والنوايا السيّئة ، ومن هنا أهملت حقائق ورويت أباطيل .

فعزوا إلى أبي طالب قوله : إنّي لا أحبّ أن تعلوني أستي(1) . ثمّ رووا عنه أنّه قال لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) : ما هذا الدين ؟ قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : دين الله ودين ملائكته ورُسله , ودين أبينا إبراهيم بعثني الله به إلى العباد ، وأنت أحق مَن دعوته إلى الهدى وأحق مَن أجابني .

فقال أبو طالب : إنّي لا أستطيع أن أفارق ديني ودين آبائي ، والله لا يخلص إليك من قريش شيء تكرهه ما حييت(2) .

فحسبوا من هذا الكلام أنّ أبا طالب ممن يعبد الأوثان ، كيف وهو على التوحيد أدل ، وجوابه هذا من أنفس التورية ، وأبلغ المحاورة ، فإنّ مراده من قوله لرسول الله عقيب قوله أنت أحق مَن دعوته : إنّي لا أستطيع أن أفارق ديني ودين آبائي. الاعتراف بإيمانه وأنّه باقٍ على حنيفيّة إبراهيم الخليل التي هي دين الحق ودينه ودين آبائه .

ثمّ زاد أبو طالب في تطمين النبيِّ (صلّى الله عليه وآله) بالمدافعة عنه مهما كان باقياً في الدنيا .

نعم ، مَن لا خبرة له بأساليب الكلام وخواص التورية يحسب أنّ أبا طالب أراد بقوله : إنّي لا أفارق ديني... إلخ ، الخضوع للأصنام فصفق طرباً واختال مرحاً.

وجاء آخر يعتذر عنه بأنّ شيخ الأبطح كان يراعي بقوله هذا الموافقة لقريش ؛ ليتمكّن من كلائة النبي (صلّى الله عليه وآله) وتمشية دعوته .

نحن لا ننكر أنّ أبا طالب كان يلاحظ شيئاً من ذلك ويروقه مداراة القوم ؛ للحصول على غايته الثمينة كي لا يمسّ كرامة الرسول سوء ، لكنّا لا نصافقهم في كل ما يقولونه من انسلاله عن الدين الحنيف انسلالاً باتّاً ؛ فإنه خلاف الثابت من سيرته حتّى عند رواة تلكم المخزيات ومهملي الحقائق الناصعة ، حذراً عمّا لا يلائم خطّتهم ؛ فلقد كان يراغم الطواغيت بما هو أعظم من التظاهر بالإيمان والائتمام بالصلاة مع النبي (صلّى الله عليه وآله) .

ــــــــــــــــ

(1) السيرة الحلبية 1 / 306.

(2) تاريخ الطبري 1 / 213 ، وابن الأثير 2 / 21.


الصفحة ( 19 )

وإنّ شعره الطافح بذكر النبوة والتصديق بها سرت به الركبان ، وكذلك أعماله الناجعة حول دعوى الرسالة .

ولـولا أبـو طالب وابنُهُ      لما مَثُل الدين شخصاً فقاما
فـذاك بـمكّة آوى وحاما      وهذا  بيثربَ جسّ الحماما
تـكفّل  عـبدُ مناف بأمرٍ      وأودى  فـكان عليٌّ تماما
فـلـلـه ذا فـاتح للهدى      ولـلـه ذا لـلمعالي ختاما
وما  ضرّ مجدَ أبي طالبٍ      عـدوٌّ لغى وجهولٌ تعامى

 

وخلاصة البحث : إنّ أبا طالب حلقة الوصل بين سلسلة الوصاية عن الرسل الماضين حتّى أوصلها إلى النبي الأعظم (صلّى الله عليه وآله) ، وكما تنتهي به الحلقات الغابرة فإنّ بولده أمير المؤمنين (عليه السّلام) تبتدئ سلسلة الخلافة

المحمدية ، ثمّ تتواصل في بنيه الأطهرين حتّى تنتهي إلى حجّة العصر وناموس الدهر الحجّة المهدي المنتظر عجّل الله فرجه .

فبيت أبي طالب بيت ضرب على النبوة سرادقه ، وبُني على الوصاية أطرافه ، ونيطت بالدين أطنابه ، وأسدل على العلم سجافه ، ووطدت على التقوى أوتاده .

إذاً فما ظنّك بمَن ضمّه هذا البيت وتربّى فيه ، فهل يعدوه أن يكون ؛ إمّا داعية إلى الهدى ، أو مهذّباً للبشر ، أو معلّماً للنواميس الإلهية ، أو هادياً إلى سبل السّلام ، أو قائداً إلى الصالح العام ؟

نعم ، لا يجوز أن يكون مَن حواه هذا البيت إلاّ كما وصفناه بعد أن كان نصب عينه الأعلام الإلهية ، وملء اُذنه الوحي والإلهام ، وحشو فؤاده نكت من عالم الغيوب ، ومعه التمارين المسعدة والتعاليم المصلحة .

وقد لبّى هتاف الدعوة الإلهية زوج شيخ الأبطح التي شهد لها الرسول الأمين بأنها من الطاهرات الطيّبات المؤمنات في جميع أدوار حياتها ، والعجب ممّن اغترّ بتمويه المبطلين فدوّن تلك الفرية زعماً منه أنها من فضائل سيّد الأوصياء وهي : أنّ فاطمة بنت أسد(1) دخلت بيت الحرام حاملة بعلي بن أبي طالب فأرادت أن تسجد لهبل

ـــــــــــــــــ

(1) في نهاية الأرب للنويري 2 / 341 : هي بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف بن قصي ، وهي أوّل هاشميّة تزوّجت هاشمياً . وعند ابن جرير الطبري في التاريخ 6 / 89 ، وابن الأثير في الكامل 3 / 158 ، وأبو الفداء في المختصر 1 /170 ، وابن كثير في البداية 7/ 332 كما في النهاية .


الصفحة ( 20 )

فمنعها علي (عليه السّلام) وهو في بطنها .

وقد فات المسكين أنّ في هذه الكرامة التي حسبها طعناً بتلك الذات المبرّأة من رجس الجاهلية ودنس الشرك ، وكيف يكون أشرف المخلوقات بعد خاتم الأنبياء المتكوّن من النور الإلهي مودعاً في وعاء الكفر والجحود ؟

كما أنهم أبعدوها كثيراً عن مستوى التعاليم الإلهيّة ودروس خاتم الأنبياء الملقاة عليها كل صباح ومساء ، وفيها ما فرضه المهيمن سبحانه على الاُمّة جمعاء من الإيمان بما حبا ولدها الوصي بالولاية على المؤمنين ، حتّى اختصّ بها دون الأئمة من أبنائه وإن كانوا نوراً واحدة .

ولقد غضب الإمام الصادق (عليه السّلام) على مَن سمّاه أمير المؤمنين ، وقال : (( مه ، لا يصلح هذا الاسم إلاّ لجدّي أمير المؤمنين )) .

فرووا أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) وقف على قبرها وصاح : (( ابنك علي لا جعفر ولا عقيل )) . ولمّا سُئل عنه أجاب : (( إنّ الملك سألها عمّن تدين بولايته بعد الرسول , فخجلت أن تقول ولدي ))(1) .

أمن المعقول أن تكون تلك الذات الطاهرة الحاملة لأشرف الخلق بعد النبي (صلّى الله عليه وآله) بعيدة عن تلك التعاليم المقدسة ؟ وهل في الدين حياء ؟ نعم ، أرادوا أن يزحزحوها عن الصراط السّويّ ولكن فاتهم الغرض وأخطؤوا الرمية .

فإنّ الصحيح من الآثار ينصّ على أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) لمّا أنزلها في لحدها ناداها برفيع صوت : (( يا فاطمة ، أنا محمّد سيّد ولد آدم ولا فخر ، فإذا أتاك منكر ونكير فسألاك مَن ربّك ؟ فقولي : الله ربّي ، ومحمد نبييِّ ، والإسلام ديني ، والقرآن كتابي ، وابني إمامي ووليي )) . ثمّ خرج من القبر وأهال عليها التراب(2) .

ولعلّ هذا خاص بها ومَن جرى مجراها من الزكيين الطيبين كفاطمة الزهراء (عليها السّلام) ، فإن الحديث ينصّ على أنّها لمّا سألها الملكان عن ربّها قالت : (( الله ربّي )) . قالا : ومَن نبيّك ؟ قالت : (( أبي )) . قالا : ومَن وليّك ؟ قالت : (( هذا القائم على شفير قبري

ــــــــــــــــ

(1) خصائص أمير المؤمنين(عليه السّلام) ، للسّيد الرضي ، وفي طريق الحديث محمّد بن جمهور العمي الضعيف بنصّ النجاشي والكشّي وابن الغضائري والعلاّمة الحلي .

(2) مجالس الصدوق / 189 مجلس51 .


الصفحة ( 21 )

علي بن أبي طالب ))(1) .

وإلاّ فلم يعهد في زمان الرسالة تلقين الأموات بمعرفة الولي بعد النبي ، فإنّ غاية ما جاء عنه (صلّى الله عليه وآله) : (( لقّنوا موتاكم لا إله إلاّ الله ؛ فإنّها تهدم الخطايا )) .

والخدشة في هذا الحديث واضحة ؛ فإنّ الاعتراف بالرسالة كالاعتراف بالتوحيد متلازمان ، وتلقين الأموات إنما هو لأجل أن يكون العبد الراحل عن هذه الدنيا باقياً على ما هو عليه فيها حتّى في آخر المنازل ؛ فالإقرار بإحدى الشهادتين لا ينفكّ عن الاُخرى ، فهذا الحديث الناص على الإقرار بكلمة التوحيد مع السكوت عن الشهادة بالرسالة لنبي الإسلام لا نعرف سنده ليكون شاهداً ودليلاً .

وعلى كلٍّ فتخصيص زوج أبي طالب بذلك التلقين كالتكبير عليها أربعين مع أنّ التكبير على الأموات خمس .

وبالرغم من هاتيك السفاسف التي أرادوا بها الحطّ من مقام والدة أمير المؤمنين (عليهما السّلام) أظهر النبي (صلّى الله عليه وآله) أمام الاُمّة ما أعرب عن مكانتها من الدين ، وأنها بعين فاطر السماء سبحانه حين كفّنها بقميصه الذي لا يبلى ؛ لتكون مستورة يوم يعرى الخلق . وكان الاضطجاع في قبرها إجابةً لرغبتها فيه عندما حدّثها عن أحوال القبر وما يكون فيه من ضغط ابن آدم .

ولولا التنازل لرغبتها لَما كان لاضطجاعه (صلّى الله عليه وآله) معنى ؛ فإن المؤمن المعترف بولاية أمير المؤمنين لا تصيبه الضغطة كما في صحيح الأثر فكيف بالوعاء الحامل لمَن تكون من النور الأقدس .

فتحصّل أنّ هذا البيت الطاهر بيت أبي طالب بيت توحيد وإيمان وهدى ورشاد ، وأنّ مَن حواه البيت رجالاً ونساء كلهم على دين واحد منذ هتف داعية الهدى ، وصدع بأمر الرسالة ، غير أنّهم بين مَن جاهر باتّباع الدعوة وبين مَن كتم الإيمان لضرب من المصلحة .

وقد لبّت هذا الهتاف اُمّ هاني بنت أبي طالب فكانت من السابقات إلى الإيمان كما عليه صحيح الأثر ، وفي بيتها نزل النبيّ (صلّى الله عليه وآله) من المعراج وهو في السنة الثالثة من البعثة وحدّثها بأمره قبل أن يخرج إلى الناس ، وكانت مصدّقة له , غير أنها خشيت تكذيب قريش إيّاه ؛ وعليه فلا يُعبأ بما زعم مَن أخّر إسلامها إلى عام

ــــــــــــــــ

(1) الإصابة لابن حجر 2 / 478 ـ ترجمة عروة بن مسعود .


الصفحة ( 22 )

الفتح سنة ثمان من الهجرة .

وكانت وفاتها إمّا في أيّام النبي (صلّى الله عليه وآله) كما في مناقب ابن شهر آشوب 1 / 110 , وإمّا في خلافة معاوية كما في تقريب التهذيب لابن حجر / 620 ، وحينئذ فليست هي المعيّنة بما في كامل الزيارة لابن قولويه / 96 : وأقبلت إليه بعض عمّاته تقول : اشهد يا حسين , لقد سمعت قائلاً يقول :

وإنّ قتيلَ الطفِّ من آل هاشمٍ        أذلّ  رقـاباً من قريش فذلّتِ


الصفحة ( 23 )

 عقيلُ بن أبي طالب

 لقد كان عقيل بن أبي طالب أحد أغصان الشجرة الطيّبة ، وممّن رضي عنهم الرسول (صلّى الله عليه وآله) فإن النظرة الصحيحة في التاريخ تفيدنا اعتناقه الإسلام أوّل الدعوة ، وكان هذا مجلبة للحبّ النبوي حيث اجتمعت فيه شرائط الولاء ، من رسوخ الإيمان في جوانحه ، وعمل الخيرات بجوارحه ، ولزوم الطاعة في أعماله ، واقتفاء الصدق في أقواله ، فقول النبيِّ : (( إنّي اُحبّ عقيلاً حبّين ؛ حبّاً له وحبّاً لحبّ أبي طالب له ))(1) . إنما هو لأجل هاتيك المآثر , وليس من المعقول كون حبّه لغاية شهوية أو لشيء من عرض الدنيا .

إذاً فحسب عقيل من العظمة هذه المكانة الشامخة ، وقد حدته قوة الإيمان إلى أن يسلق أعداء أخيه أمير المؤمنين (عليه السّلام) بلسان حديد خلّده عاراً عليهم مدى الحقب والأعوام .

على أنّ حبّ أبي طالب له لم يكن لمحض البنوّة ، فإنه لم يكن ولده البكر ، ولا كان أشجع ولده ، ولا أوفاهم ذمة ولا ولده الوحيد ، وقد كان في ولده مثل أمير المؤمنين ، وأبي المساكين جعفر الطيّار ، وطالب وهو أكبرهم سنّاً ، وإنما كان شيخ الأبطح يظهر مرتبة من الحب له مع وجود ولده (الإمام) وأخيه الطيّار ؛ لجمعه الفضائل والفواضل موروثة ومكتسبة .

ـــــــــــــــــ

(1) نصّ على هذه الجملة فقط في مستدرك الحاكم 3 / 576 ، وتذكرة الخواص / 7 ، والسيرة الحلبية 1 / 304 ، ونكت الهميان / 200 ، ولها زيادة في حق ولده مسلم نصّ عليها الصدوق في الأمالي / 78 مجلس 27 سنذكرها في فضل البكاء عليه .


الصفحة (24)

وبعد أن فرضنا أبا طالب حجّة وقته ، وأنّه وصي من الأوصياء لم يكن يحابي أحداً بالمحبّة وإن كان أعزّ ولده ، إلاّ أن يجده ذلك الإنسان الكامل الذي يجب في شريعة الحقِّ ولاءه .

ولا شكّ أنّ عقيلاً لم يكن حائداً عن الطريقة التي عليها أهل بيته أجمع من الإيمان والوحدانية لله تعالى ، وكيف يشذّ عن خاصّته وأهله وهو وإيّاهم في بيت واحد ، وأبو طالب هو المتكفّل تربيته وإعاشته ؟ فلا هو بطارده عن حوزته , ولا بمبيده عن حومته ، ولا بمتضجّر منه على الأقل .

وكيف يتظاهر بحبّه ويدنيه منه كما يعلّمنا النص النبوي السابق لو لم يتوثّق من إيمانه ويتيقّن من إسلامه ؟ غير أنه كان مبطناً له كما كان أبوه وأخوه طالب ، وإن كنّا لا نشكّ في تفاوت الإيمان فيه وفي أخويه الطيّار وأمير المؤمنين ، وحينئذ لم يكن عقيل بدعاً من هذا البيت الطاهر الذي بُني الإسلام على علاليه ؛ فهو مؤمن بما صدع به الرسول منذ هتف داعية الهدى (صلوات الله عليه وعلى آله) .

إلى الشام

لقد كانت الرواية في سفر عقيل إلى الشام في أنه على عهد أخيه الإمام أو بعده متضاربة ، واستظهر ابن أبي الحديد في شرح النهج 3 / 82 أنه بعد شهادة أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، وجزم به العلاّمة الجليل السّيد علي خان في الدرجات الرفيعة .

وهو الذي يقوى في النظر بعد ملاحظة مجموع ما يؤثر عنه في هذا الباب ، وعليه تكون وفادته كوفود غيره من الرجال المرضيين عند أهل البيت إلى معاوية في تلك الظروف القاسية ، بعد أن اضطرّتهم إليه الحاجة ، وساقهم وجه الحيلة في الإبقاء على النفس والكفّ من بوادر الرجل ، فلا هم بملومين بشيء من ذلك ولا يحطّ من كرامتهم عند الملأ الديني ؛ فإنّ للتقية أحكاماً لا تُنقض , ولا يُلام المضطر على أمر اضطرّ إليه .

على أنّ عقيلاً لم يؤثر عنه يوم وفادته على معاوية إقرار له بإمامة ولا خضوع له عند كرامة ، وإنما المأثور منه الوقيعة فيه والطعن في حسبه ونسبه ، والحطّ من كرامته ، والإحصار بمطاعنه مشفوعة بالإشارة بفضل أخيه سيّد الوصيين (عليه السّلام) .

فمن ذلك أنّ معاوية قال له : يا أبا يزيد , أخبرني عن عسكري وعسكر أخيك .

فقال عقيل : لقد مررت بعسكر أخي ؛ فإذا ليل كليل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) , ونهار كنهاره , إلاّ أنّ رسول الله ليس فيهم . وما رأيت فيهم إلاّ مصلّياً , ولا سمعت إلاّ قارئاً .


الصفحة ( 25 )

ومررت بعسكرك فاستقبلني قوم من المنافقين ممّن نفر برسول الله ليلة العقبة(1) .

وقال له معاوية : إنّ علياً قطع قرابتك ولم يصلك .

فقال عقيل : والله لقد أجزل أخي العطية وأعظمها ، ووصل القرابة وحفظها ، وحسن ظنّه بالله إذ ساء به مثلك ، وحفظ أمانته وأصلح رعيّته إذ خنتم وأفسدتم ، فاكفف لا أباً لك ! فإنه عمّا تقول بمعزل(2) .

ثمّ صاح : يا أهل الشام , لقد وجدت أخي قد جعل دينه دون دنياه ، وخشي الله على نفسه ، ولم تأخذه في الله لومة لائم ، ووجدت معاوية قد جعل دنياه دون دينه ، وركب الضلالة واتبع الهوى ، فأعطاني ما لم يعرق فيه جبينه ، ولم تكدح فيه يمينه رزقاً أجراه الله على يديه ، وهو المحاسب عليه دوني لا محموداً ولا مشكوراً .

ثمّ التفت إلى معاوية وقال : أما والله يابن هند , ما تزال منك سَوالف يمرّها منك قول وفعل ، فكأنّي بك وقد أحاط بك ما الذي منه تحاذر .

فأطرق معاوية ثمّ قال : ما الذي يعذرني من بني هاشم ؟! وأنشأ :

اُزيدُهُمُ الإكرامَ كَي يشعَبُوا العَصَا      فيأبَوا  لدَى الإكرامِ أنْ لا يُكرَمُوا
وإذا  عَـطَـفـتني رقََّّتانِ عَليهمُ      نَـأوا حَـسداً عنّي فكانوا هُمُ هُمُ
واُعـطيهمُ صَـفوَ الإخا  فكأنَّنِي      مـعاً وعطايايَ المُباحةَ   عَـلقَمُ
واُغضِي عَنِ الذَّنبِ الّذي لا يُقيلُهُ      مِـنَ القومِ إلاّ الهَزْبَريُّ  الـمُقَمَّمُ
حُـباً واصطباراً وانعطافاً  ورقَّة      وأكظمُ غيظَ القلبِ إذْ ليسَ  يُكظَمُ

 

أما والله يابن أبي طالب ، لولا أن يُقال عجّل معاوية لخرق , ونكل عن جوابك لتركت هامتك أخفّ على أيدي الرجال من حويّ الحنظل .

فأجابه عقيل :

ـــــــــــــــ

(1) الدرجات الرفيعة بترجمته .

(2) العقد الفريد 2 / 134 في باب الأجوبة المسكتة .


الصفحة ( 26 )

عـذيـرُكَ مِنهُمْ مَنْ يلومُ  عـليهمُ      ومَـنْ هو مِنهُمْ في المقالةِ  أظـلَمُ
لَـعمرُكَ  مـا أعطيتَهُمْ منكَ  رأفة      ولـكنْ  لأسـبابٍ وحولَكَ  عـلقَمُ
أبَـى لهُمُ  أنْ يـنزلَ الذلُّ  دارَهم      بـنـو حُرَّةٍ زُهرٌ وعقلٌ   مُـسلّمُ
وإنَّـهُـمُ لمْ يقبَلوا الذّلَّ  عـنـوةً      إذا مـا طغَى الجبَّارُ كانوا هُمُ  هُمُ
فـدونَـكَ مـا أسْـدَيتَ فاشدُدْ يدا      بِهِ وخيرُكُمُ المبْسوطُ والشرَّ فالزموا

 

ثمّ رمى عقيل عليه بالمئة ألف درهم وقام من مجلسه ، فكتب إليه معاوية : أما بعد يا بني عبد المطلب , أنتم والله فرع قصي , ولباب عبد مناف , وصفوة هاشم ، ولكم الصفح الجميل ؛ فإنّ أحلامكم لراسخة ، وعقولكم لكاسية ، وحفظكم الأوامر ، وحبّكم العشائر ، ولكم الصفح الجميل والعفو الجزيل مقرونان بشرف النبوة وعزّ الرسالة ، وقد والله ساءني ما كان جرى , ولن أعود لمثله إلى أن اُغيّب بالثرى .

فكتب إليه عقيل :

صـدقتَ وقلت حقاً غير أنّي      أرى ألاّ أراكَ ولا تـرانـي
ولستُ أقولُ سوءٌ في صديقي      ولـكنّي  أصـدُّ إذا جـفاني

 

فكتب إليه معاوية يستعطفه ويناشده الصفح ، وألحّ عليه في ذلك فرجع إليه(1) .

فقال معاوية : لِمَ جفوتنا يا أبا يزيد ؟

فأنشأ يقول :

وإنـي امـرُؤٌ مـنّي الـتكرمُ شيمةٌ       إذا صاحبي يوماً على الهون أضمرا

ثمّ قال : يا معاوية ، لئن كانت الدنيا أفرشتك مهادها ، وأظلّتك بسرادقاتها ، مدّت عليك أطناب سلطانها ما ذاك بالذي يزيدك منّي رغبة وتخشّعاً لرهبته .

فقال معاوية : لقد نعتها أبو يزيد نعتاً هشّ له قلبي ، ثمّ قال له : لقد أصبحت يا أبا يزيد علينا كريماً وإلينا حبيباً ، وما أصبحتُ أضمر لك إساءة(2) .

هذا حال عقيل مع معاوية ، وحينئذ فأيّ نقص يلمّ به والحالة هذه ؟ وعلى الوصف الذي أتينا به تعرف أنه لا صحّة لِما رواه المتساهلون في النقل من كونه مع معاوية بصفين ؛ فإنه مما لم يتأكّد إسناده ولا عُرف متنه , ويضادّه جميع ما ذكرناه .

كما يبعده كتابه من مكّة إلى أمير المؤمنين (عليه السّلام) حين أغار الضحاك على الحيرة وما والاها ، وذلك بعد حادثة صفين .

ــــــــــــــــ

(1) ربيع الأبرار للزمخشري ـ في باب المعاتبات .

(2) العقد الفريد 1 / 135 .


الصفحة ( 27 )

كتاب عقيل

فإنه كتب :

بسم الله الرحمن الرحيم

لعبد الله أمير المؤمنين من عقيل بن أبي طالب : سلام الله عليك ، فإنّي أحمد إليك الله الذي لا إله إلاّ هو . أما بعد ، فإنّ الله حارسك من كل سوء , وعاصمك من كل مكروه ، وعلى كل حال ؛ فإنّي خرجت من مكّة معتمراً فلقيت عبد الله بن أبي سرح مقبلاً من (قديد) في نحو من أربعين شابّاً من أبناء الطلقاء , فعرفت في وجوههم المنكر , فقلت : إلى أين يا أبناء الشائنين ؟ أبمعاوية لاحقون ؛ عداوة لله منكم غير مستنكرة ، تريدون إطفاء نور الله وتبديل أمره ؟ فأسمعني القوم وأسمعتهم .

فلمّا قدمتُ مكّة سمعت أهلها يتحدّثون أنّ الضحاك بن قيس أغار على الحيرة فاحتمل من أموالها ما شاء ثمّ انكفأ راجعاً سالماً ، وأنّ الحياة في دهر جرّأ عليك الضحاك لذميمة ، وما الضحاك الأفقع بقرقر , وقد توهّمت حيث بلغني ذلك أنّ شيعتك وأنصارك خذلوك ، فاكتب إليّ يابن أبي برأيك ؛ فإن كنت الموت تريد تحمّلت إليك ببني أخيك وولد أبيك فعشنا معك ما عشت ، ومتنا معك إذا مت ، فوالله ما أحبّ أن أبقى في الدنيا بعدك فواق ناقة , وأقسم بالأعزّ الأجلّ أنّ عيشاً نعيشه بعدك لا هنيء ولا مريء ولا نجيع ، والسّلام .

كتاب أمير المؤمنين (عليه السّلام)

وكتب إليه أمير المؤمنين (عليه السّلام) : ((

بسم الله الرحمن الرحيم

من عبد الله أمير المؤمنين إلى عقيل بن أبي طالب , سلام عليك ، فإنّي أحمد إليك الله الذي لا إله إلاّ هو .

أمّا بعد ، كلأنا الله وإيّاك كلاءة مَن يغشاه ، وقد وصل إليّ كتابك مع عبد الرحمن بن عبيد الأزدي ، تذكر فيه أنك لقيت عبد الله بن أبي سرح مقبلاً من (قديد) في نحو أربعين فارساً من أبناء الطلقاء متوجّهين إلى جهة المغرب ، وأنّ ابن أبي سرح طالما كاد الله ورسوله وكتابه ، وصدّ عن سبيله وبغاها عوجاً ، فدع عنك ابن أبي


الصفحة ( 28 )

سرح , ودع عنك قريشاً وتركاضهم في الضلال وتجوالهم في الشقاق .

ألا وإنّ العرب أجمعت على حرب أخيك اليوم إجماعها على حرب النبيّ قبل اليوم ، فأصبحوا قد جهلوا حقّه ، وجحدوا فضله ، وبادروه بالعداوة ، ونصبوا له الحرب ، وجهدوا عليه الجهد ، وجرّوا إليه جيش الأحزاب . اللّهمّ فاجزِ قريشاً عنّي الجوازي ؛ فقد قطعت رحمي ، وتظاهرت عليّ ، ودفعتني عن حقّي ، وسلبتني سلطان ابن اُمّي ، وسلّمت ذلك إلى مَن ليس مثلي في قرابة من الرسول ، وسابقتي في الإسلام ، إلاّ أن يدّعي مدّعٍ ما لا أعرفه ، ولا أظنّ الله يعرفه ، والحمد لله على كل حال .

وأمّا ما ذكرت من غارة الضحاك على أهل الحيرة فهو أقل وأقل أن يسلب بها وأن يدنو منها ، ولكنه قد أقبل في جردة خيل فأخذ على السماوة حتّى قربوا من واقصة وشراف والقطقطانة , وما وإلى ذلك الصقع ، فوجّهت إليه جنداً كثيفاً من المسلمين ، فلمّا بلغه ذلك فرّ هارباً ، فاتبعوه ولحقوه ببعض الطريق وقد أمعن ، وكان ذلك حين طفلت الشمس للإياب , فتناوشوا القتال قليلاً , كلاّ ولا , فلم يبصر لوقع المشرفيّة وولى هارباً ، وقُتل من أصحابه بضعة عشر رجلاً ، ونجا جريضاً بعد ما أخذ منه بالمخنق , فلأيا بلأي ما نجا .

وأمّا ما سألتني أن أكتب إليك برأيي فيما أنا فيه ؛ فإنّ رأيي جهاد المُحلّين حتّى ألقى الله ، لا يزيدني كثرة الناس عزّة ، ولا تفرّقهم عنّي وحشة ؛ لأنّي محقّ ، والله مع المحقِّ ، ووالله ما أكره الموت على الحقِّ ، وما الخير كلّه إلاّ بعد الموت لمَن كان محقّاً .

وأمّا ما عرضت به من مسيرك إليّ ببنيك وبني أبيك ، فلا حاجة لي في ذلك ، فأقم راشداً محموداً ؛ فوالله ما أحبّ أن تهلكوا معي أن هلكتُ ، ولا تحسبنّ ابن أبيك لو أسلمه الناس متخشّعاً متضرّعاً ، ولا مقرّاً للضيم واهناً ، ولا سلس الزمام للقائد ، ولا وطئ الظهر للراكب المقتعد(1) , ولكنه كما قال أخو بني سليم :

 

فـإن  تـسأليني كيف أنتَ فإنّني       صبورٌ علي ريب الزمانِ صليبُ
يـعزُّ  عـليّ أن تُـرى بي كآبةٌ       فـيشمت  بـاغٍ أو يُساء حبيبُ

 

وهذا الكتاب من عقيل المروي بطرق متعدّدة(2) يدلّنا على أنه كان مع أخيه

ـــــــــــــــ

(1) الجملة بين قوسين في النهج 2 / 64 .

(2) روى الكتابين أبو الفرج في الأغاني 15 / 44 ، وابن أبي الحديد في شرح النهج 1 / 155 ، وابن قتيبة في الإمامة والسياسة 1 / 45 ، والسيّد علي خان في الدرجات الرفيعة ـ ترجمة عقيل ، وفي جمهرة أنساب العرب 1 / 596 .


الصفحة ( 29 )

أمير المؤمنين (عليه السّلام) في حياته غير مفارق له ؛ فإنّ الكتاب الذي كتبه إليه بعد غارة الضحاك على أطراف الحيرة ، وذلك قرب شهادة أمير المؤمنين (عليه السّلام) .

إذاً فالقول: بأنّ وفادة عقيل على معاوية بعد أخيه متعيّن كما اختاره السّيد المحقق السّيد علي خان في الدرجات الرفيعة ، وجعله ابن أبي الحديد الأظهر عنده ، وقد ظهر من ذلك أنه لم يكن مع معاوية بصفين .

حديثُ الحديدة

أمّا حديث الحديدة المحماة التي أدناها منه أمير المؤمنين (عليه السّلام) فليس فيه ما يدلّ على اقترافه إثماً أو خروجاً عن طاعة ، وإنما أراد أمير المؤمنين بذلك تهذيبه بأكثر مما تتهذّب به العامة ، كما هو المطلوب من مثل عقيل والمناسب لمقامه ، فعرّفه سيّد الأوصياء أنّ إنساناً بلغ من الضعف إلى أن يئنّ من قرب الحديدة المحماة بنار الدنيا من دون أن تمسّه ، كيف يتحمّل نار الآخرة في لظى ، نزاعة للشوى ، وهو مضطرم بين أوارها ؟

فمن واجب الإنسان الكامل التبعّد عنها بكبح النهمة وكسر سَورة الجشع والمكابدة للملمّات القاسية ، فهي مجلبة لمرضات الربّ ومكسبة لغفرانه ، وإن كان غيره من أفراد الرعيّة يتبعّد عنها بترك المحرّمات ، فحقيق بمثل عقيل ـ وهو ابن بيت الوحي ورجالات عصبة الخلافة ـ التجنّب حتّى عن المكروهات ، وما لا يلائم مقامه من المباحات ، ويروّض نفسه بترك ذلك كله حتّى تقتدي به الطبقات الواطئة بما يسعهم , أو يسلّون أنفسهم بمقاسات ـ مثل عقيل ـ الشدائد في دنياه فلا يبعهضم الفقر الملمّ والكرب المدلهم ، فربّ مباح ينقم عليه من مثله ولا يلام مَن هو دونه بارتكابه ؛ فإن : (( حسنات الأبرار سيّئات المقرّبين )) .

وأمير المؤمنين أراد أن يوقف أخاه عقيلاً على هذا الخطر الممنّع الذي حواه ، وقد ذهل عنه في ساعته , وإلاّ فعقيل لم يقترف مأثماً حتّى يكون ذلك عقوبةً له .

افتراءٌ على عقيل

قال الصفدي : لقد بغّض عقيلاً إلى الناس ذِكره مثالب قريش ، وما أوتي من فضل وعلم بالنسب والسرعة في الجواب ، وكانت تبسط له طنفسة في مسجد رسول الله (صلّى الله عليه وآله)


الصفحة ( 30 )

يصلّي عليها ، ويجتمع إليه الناس لمعرفة أنساب العرب وأيامهم وأخبارهم ، فقال أعداؤه فيه ونسبوه إلى الحمق(1) , واختلقوا عليه أحاديث كان بعيداً عنها ، حتّى وضعوا على لسان أمير المؤمنين (عليه السّلام) ما ينقص من قدره ويحطّ من كرامته ؛ زعماً منهم أنّ في ذلك تشويهاً لسمعة هذا البيت الطاهر ـ بيت أبي طالب ـ بإخراج أهله عن مستوى الإنسانية فضلاً عن الدين بعد أن أعوزتهم الوقيعة في سيّد الأوصياء (عليه السّلام) بشيء من تلك المفتريات .

فطفقوا يشوّهون مقام أبيه وحامته ، ولكن لا تنطلي تلكم الزخارف على الجيل المنقّب حتّى كشف عن نواياهم السيّئة ، وعرف الملأ افتعال الحديث وبُعده عن الصواب .

قالوا في الرواية عن أمير المؤمنين (عليه السّلام) أنه قال : ما زلت مظلوماً منذ كنت صغيراً ؛ إنّ عقيلاً ليرمد فيقول : لا تذروني حتّى تذروا علياً ، فأضطجع واُذرى وما بي رمد .

لم أقرأ هذا الحديث إلاّ ويأخذني العجب ! كيف رضي المفتِعل بهذه الفرية البيّنة ؟! فإنّ أمير المؤمنين وُلِد ولعقيل عشرون سنة ، وهل يعتقد أحد أو يظنّ إنسان له من العمر ذلك المقدار إذا اقتضى صلاحه شرب الدواء يمتنع منه إلاّ إذا شرب مثله أخوه البالغ سنة واحدة أو سنتين ؟! كلا ، لا يفعله أيّ أحد وإن بلغ الغاية في الخسّة والضعف ، فكيف بمثل عقيل المتربّى بحجر أبي طالب , والمرتضع درّ المعرفة ، خصوصاً مع ما يشاهده من الآيات الباهرة من أخيه الإمام منذ ولادته ؟!

إنّ الضّغائن والأحقاد تحبّذ لمَن تخلّق بها التردد في العمى والخبط في الضلال من دون رويّة وتفكير . ( اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمْ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمْ الْخَاسِرُونَ ) .

نعم ، كان أمير المؤمنين (عليه السّلام) يقول غير مرّة : (( ما زلتُ مظلوماً ))(2) من دون تلك الزيادة ، يعني بذلك دفعه عن حقّه الواجب على الأمّة القيام به والميل عنه ، وتعطيل أحكام الله بالأخذ من غيره ، وتقديم مَن ليس له قدم ثابت في كل مكرمة ، ولا نص من صاحب الشريعة ، ولا فقه ناجع ، ولا إقدام في الحروب ، وحيث إنّ في هذه الكلمة حظّاً بمَن ناوأه زحزحوها عنهم ، وألصقوها بالسّيد الكريم ، وما أسرع أن عاد

ــــــــــــــــــ

(1) نكت الهميان / 200 .

(2) الشافي ، للسّيد المرتضى/ 203 .


الصفحة ( 31 )

السهم فكان كالباحث عن حتفه بظلفه .

الخلف عن عقيل

الخلف الصالح يخلّد ذكر سلفه ، فلا يزال ذكره حيّاً بعمره الثاني من ذكر جميل ، وثناء جزيل ، وترحّم متواصل ، واستغفار له منه وممّن تعرّف به ، وفي الحديث : (( إنّ ابن آدم إذا مات انقطع عمله من الدنيا إلاّ من ثلاث )) .

وعدّ منها الولد الصالح ، ومن أجلى الواضحات أنّ هذا التذكير يختلف حسب تدرّج الأولاد في المآثر ، فمهما كان قسطهم منها أكثر فهُم لمجد آبائهم أخلد ، وكذلك الأسلاف فكلّما كانوا في الشرف والسؤدد أقرب فانتشار فضلهم بصالحي خلفهم أسرع .

إذاً فما ظنّك بمثل عقيل بن أبي طالب ذلك الشريف المبجّل وقد خلّفه في المآثر شهيد الكوفة ، وولده الأطائب شهداء الطفِّ الذين لم يسبقهم سابق ولا يلحقهم لاحق ؟!

ومن هنا كان السجاد (عليه السّلام) يعطف على ولد آل عقيل أكثر من ولد آل جعفر ، فقيل له في ذلك ، قال : (( إنّي أذكر يومهم مع أبي عبد الله الحسين (عليه السّلام) فأرقّ لهم ))(1) .

فلو لم يكن لعقيل شيء من الخطر والعظمة لتسنّم بهؤلاء الأكارم أوج العلا والرفعة .

وكم أبٍ قد علا بابنٍ ذُرى شرفٍ       كـما  عـلا برسولِ الله عدنانُ

فكيف به وهو من أشرف عنصر في العالم كلّه ؟

ولم يزل له ذكر خالد في أحفاده المتعاقبين ، فإنهم بين علماء أعاظم ، وفقهاء مبرّزين ، وشعراء ومحدثين ، واُمراء صالحين ونسّابين ، وقد انتشروا في مصر واليمن , وحلب وبيروت , ونصيبين والمدينة , والكوفة والحلة , وطبرستان وخراسان , وجرجان وكرمان , وقم وأصفهان .

وكان القاسم بن محمّد بن عبد الله بن محمّد بن عقيل بن أبي طالب فاضلاً تقيّاً , وأخوه عقيل جليل ثقة صاحب حديث ، وعمّهما عقيل بن عبد الله نسّابة مشجراً ، وحفيد

ـــــــــــــــــ

(1) كامل الزيارة ، لابن قولويه / 107 .


الصفحة ( 32 )

عقيل هذا جعفر بن عبد الله الأصفهاني عالم نسّابة ، شيخ شبل ابن تكين مات سنة ( 334 ) هـ .

ومحمد بن مسلم بن عقيل بن عبد الله بن محمّد بن عقيل بن أبي طالب يعرف بابن المزينة كان أمير المدينة , قتله ابن أبي الساج .

وابنه أبو القاسم أحمد بن محمّد المذكور ، له أدب وفضل مات سنة ( 330 ) ، والعباس بن عيسى الأوقص ولي القضاء للداعي الكبير الحسن بن زيد على جرجان , وقد أولد بكرمان(1) .

وعبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي الفتح بن محمّد بن عقيل العقيلي الطالبي ولد سنة ( 698 ) ، وتوفّي سنة ( 769 ) ، ولي القضاء وقرأ القرءات السبع على الصائغ ، وله تفسير القرآن في مجلدين والجامع النفيس(2) .

ومن أحفاد عقيل بن أبي طالب السّيد إسماعيل بن السّيد أحمد المازندراني الطبرسي النوري ، فقيه من فقهاء الإماميّة ، متبحّر في العلم ، واسع الاطلاع ، دقيق النظر ، وكان من أساتذة سيّد الاُمّة ومجدّد المذهب السّيد ميرزا محمّد حسن الشيرازي ، وميرزا حبيب الله الرشتي .

سكن النجف ، وكانت له الإمامة في الجماعة دخل المشهد المطهر ، وله تآليف رائقة في العقائد والأخلاق ، منها كفاية الموحّدين في اُصول الدين ، طبعت بالفارسية في ثلاث مجلدات ، وله في شرح نجاة العباد لشيخ الطائفة صاحب الجواهر (قُدّس سرّه) ، طبع منه مجلدان في الطهارة والصلاة ، وله كتاب في أصول الفقه رآه شيخنا الجليل المدقّق الشيخ آغا بزرگ صاحب الذريعة عند صهره الشيخ علي المدرس الطهراني ، توفّي غرّة شعبان سنة ( 1321 ) هـ في الكاظميّة ودفن في الصحن الشريف(3) .

وفي كربلاء من أحفاد عقيل بن أبي طالب بيت كبير وطائفة جليلة يعرفون بالعُقيليّين ، لهم أوقاف كثيرة .

ــــــــــــــــ

(1) عمدة الطالب .

(2) طبقات القرّاء 1 / 428 .

(3) أعيان الشيعة 11 / 253 .


الصفحة ( 33 )

حياة مسلم بن عقيل (عليه السّلام)

ولادة مسلم (عليه السّلام)

لقد أشرق الكون بهذا الميلاد المبارك ، وتأرج فيه بنجره الشّذيّ يوم برز إلى عالم الشهود بعد تقلّب متطاول ، بين أصلاب طاهرة ، وأرحام زاكية ، غير مدنّسة بدرن الكفر ، ولا موصومة بأدناس الجاهلية الأولى ، في نسب متّصل بنسب صاحب الرسالة (صلّى الله عليه وآله) ، وحسب موروث من شيخ الأبطح الآنف ، ذكر شرفه وشرف بيته الرفيع وبينهما حلقة الوصل مثل عقيل الذي تقدّم وصفه وذكر منزلته من العظمة والإيمان والشرف .

ولقد تلقّى عقيل دروساً ضافية من صاحب الدعوة الإلهية ، وأخيه الخليفة على الأمّة عند انقضاء أمد الوحي المبين ، وفيها ما يجب على الرجال من اختيار المحل الصالح لحمل تلكم النطف الزاكية ، وفي جملتها التحذير من منابت السوء المفسر على لسان المشرّع الأعظم (صلّى الله عليه وآله) بالمرأة الدنيئة الأصل(1) ؛ لكون الوراثة حاكمة بطبعها الأوّلي على الفضائل المطلوبة من الولد ، اللّهمّ إلاّ مع مزاحمة الكسبيات لها وظهورها عليها ، كما هو المشاهد من الرجال الذين اتّصلوا بالذوات المقدسة فحصل لهم بواسطتها أسمى الخصال الطيّبة ، وفازوا بالرضوان الأكبر .

ومن المقطوع به أنّ عقيلاً مع حيطته بأنساب العرب ، ومواقع المآثر والمخازي ، وإيمانه بتلكم الدروس الراقية لم يختر لنطفته إلاّ محلاً لائقاً تتعدّاه كل غميزة , وتقترب منه الفضيلة ، ولم يستسهل أن ينبز عقبه بما لا يلائم نسبه الوضّاح وبيتهم المنيع ، كما كان

ــــــــــــــــــ

(1) المقنعة ، للشيخ المفيد / 79 ، والمجازات النبوية ، للشريف الرضي / 61 ـ طبع مصر .


الصفحة ( 34 )

يقال في كثيرين من أهل عصره وذرّيّاتهم .

ويشهد له وقفة أولاده بمشهد الطفِّ يوم التطمت أمواج الضلال ، وتحزّبت عصب الشرك على سّيد شباب أهل الجنة ، وقطعوا عنه خطوط المدد ، وحالوا دون الوسائل الحيوية حتّى الماء المباح لعامة الحيوانات ، يريدون بذلك استئصال شأفة النبوة ، فكتبوا بدمائهم الزاكية أسطراً نورية على جبهة الدهر تقرؤها الأجيال المتعاقبة ، ويتعرّفون منها مناهج موتة العزّ ، وأنّ الحياة مع الظالمين ذميمة .

فظهر مسلم (عليه السّلام) بين هذه وتلك ألقاً وضّاءً للحق ، وشخصية بارزة للدين والهدى ، متأهّلاً لحمل أعباء النيابة الخاصة عن حجّة الوقت ؛ ولذلك اختاره لها سيّد الشهداء (عليه السّلام) من بين ذويه وحشده الأطايب .

ومن هذا الاستنباط يعلم طهارة اُمّه عن كل ما تغمز به النساء ، وأنها متحلّية بالمفاخر ، وإن لم يعطِها التأريخ حقّها كما لم يعطِ حقّ ولدها المعظّم الثابت له .

نعم ، للتأريخ والمؤرّخين شغل شاغل بذكر أخبار القيان والمغنيين ، وسرد روايات أهل الخلاعة والمعازف عن إثبات أحاديث سروات المجد وقادة الإصلاح من بني هاشم .

وهل النقمة ها هنا على الكتاب أو ظروف التدوين ، أو السياسات القاسية ؟ أنا لا أدري ! ولهذا كله خفى علينا يوم ولادتها وشهرها وسنتها ، وكان من الصعب جداً تحديدها ، وكل ما يقال فهو تقريب واستحسان ولا يغني من الحق شيئاً .

وستقف في البحث المتعلّق بأمّ مسلم على شيء ربما يستكشف المتأمّل منه مبدأ الولادة .

اُمّه (عليه السّلام)

إنّ غموض التعريف عن أمّ مسلم بأجلى المظاهر ، أوقع الباحث في حيرة السؤال عن اقتران عقيل منها ، هل كان بالعقد أم بملك اليمين ، وأنّها حرّة أم جارية ؟ والعتب في ذلك على المؤرّخين الذين أهملوا الحقائق ، مع تحفّظهم على أمور تافهة لا يقام لها وزن .

وإنّ من الجدارة التعريف بنواحي هذا الرجل العظيم الذي دخل الكوفة وحده بلا عدّة ولا عدد ، فدوّى أرجاءها بصرخته الحسينية في وجه المنكر ، وأقلق فكر الممثل للزعامة الأموية في الشام ، ولعلّ من هذا الإغفال يستطيع الباعث الجزم بأنّ ما يلمّ بابن عقيل كان على أبعد حدّ من الفضائل والفواضل سواء من ناحية اُمّه وأبيه ، أو من بيته


الصفحة ( 35 )

الرفيع ، فإنه لو كان هناك طريق للغمز فيه ولو من جهة تأريخ اُمّه لتذرّع به المنحرفون عنه وعن سلفه الطاهر ، كما هو ديدنهم فيمَن ضمّهم هذا البيت ، أو انضوى إلى رايتهم ومشى على ضوء تعاليمهم .

وليس للمؤرّخين إلاّ نصّان: أحدهما بعيد عن الواقع كما ستعرف ، والآخر على ما فيه من غموض وإجمال يمكن للمتأمّل فيه ، وفيما كتب عن أصل النّبط الإذعان بأنّ أمّ مسلم عربية حرّة ، ولعلّ ترك ابن زياد التعرّض لها في ما جرى بينه وبين مسلم من المحاورات يشهد له ؛ فإنه كان بصدد إسقاط مسلم عن أعين الناس ، فنسب له أشياء يقطع بأنه لم يأتِ بها أصلاً .

فلو كانت اُمّه جارية لنبزه بها كما فعل هشام بن عبد الملك مع زيد الشهيد ـ رضوان الله عليه ـ إذ قال له : زعمت أنك تطلب الخلافة ، ولست هناك وأنت ابن أمة .

فقال له زيد : إنّ الاُمّهات لا يقعدن بالرجال عن الغايات ، وقد كانت اُمّ إسماعيل أمة فلم يمنعه أن كان نبيّاً وأباً لخاتم الأنبياء (صلّى الله عليه وآله) .

وهذا النص الأخير يرويه ابن قتيبة فيقول : كانت اُمّ مسلم بن عقيل نبطيّة من آل فرزندا(1) .

ويقول بعض المؤرّخين : إنّ النبط كانوا في جبل شمر(2) في أواسط بلاد العرب ثمّ نزحوا إلى العراق ؛ لِما فيه من الخصب والرخاء(3) ، فأقاموا في سواد العراق(4) ، أو في خصوص البطائح بين العراقين(5) ؛ البصرة والكوفة .

ولم ينكر أحد ممّن كتب عنهم أنّ لغة النبط عربية كأسماء ملوكهم البالغين ثمانية عشر ، وفيهم امرأتان في القرن السابع قبل الميلاد(6) . نعم ، يرتأي المسعودي أنّهم من الكلدانيين المجاورين مع الفرس سكان فارس والأهواز ، وعاصمتهم كلواذي(7) ، وبعد تغلّب الفرس عليهم تفرّقوا(8) ، ويوافقه على ذلك بعض المستشرقين الواقفين على النقوش من

ـــــــــــــــــ

(1) المعارف / 88 .

(2) يعرف بجبل أجا وسلمى منزل لطي ، وقع ذكره في كلام الطرماح لسيّد الشهداء . انظر ما كتبناه في مقتل الحسين (عليه السّلام) ، وفي أواخر القرن الثالث عشر والرابع عشر كان منزلاً لآل رشيد حتّى تغلّب عليهم عبد العزيز آل سعود .

(3) جرجي زيدان في العرب قبل الإسلام 1 / 78 .

(4) تاج العروس ، للزبيدي 5 / 229 .

(5) القاموس ، للفيروز آبادي بمادة نبط .

(6) العرب قبل الإسلام / 78 .

(7) في القاموس بلدة في أسفل بغداد ، وفي معجم البلدان 7 / 276 تبعد عن بغداد فرسخاً للمنحدر .

(8) التنبيه والإشراف ، للمسعودي / 68 .


الصفحة ( 36 )

آثارهم ، ويفيد بأن لهم في ذلك التأريخ دولة في العراق متّسعة الأطراف حتّى شملت معظم جزيرة العرب ، واستوزروا الوزراء ، وضربوا النقود بأسماء ملوكهم ، ولهم قوانين(1) .

وعلى هذا فليس مبتعداً عن الواقع مَن يرتأي أنّ عقيلاً خطب لنفسه من بعض عشائر النبطيين الذين يجمعهم وإيّاه الوقوف بتلك المشاعر المعظّمة التي حثّ الله تعالى العباد إليها ذللاً ، أو الواردين للتجارة في مكّة ، أو الزائرين مرقد الرسول الأمين الذي استضاء العالم بنوره المتألّق .

أمّا النص الأوّل فقول أبي الفرج : اسم اُمّه عُليّة ، اشتراها عقيل من الشام(2) ، ولذلك حديث لا تخفى تفكّك أطرافه على مَن أعطاه حق النظر .

يقول ابن أبي الحديد في الرواية المرسلة عن المدائني : إنّ معاوية قال لعقيل : هل لك من حاجة فأقضيها لك ؟ قال : نعم ، جارية عرضت عليّ وأبى أصحابها أن يبيعوها إلاّ بأربعين ألفاً .

فأحبّ معاوية أن يمازحه فقال : ما تصنع بجارية قيمتها أربعون ألفاً وأنت أعمى ؟ تجتزي بجارية قيمتها خمسون درهماً .

قال : أرجو أن أطأها فتلد لي غلاماً إذا أغضبته يضرب عنقك بالسيف .

فضحك معاوية وقال : مازحناك يا أبا يزيد ، وأمر فابتعيت له الجارية التي أولد منها مسلماً .

فلمّا أتت على مسلم ثمان عشرة سنة ـ وقد مات عقيل أبوه ـ قال لمعاوية : يا أمير المؤمنين ، إنّ لي أرضاً بمكان كذا من المدينة ، وإنّي أعطيت بها مئة ألف وقد أحببت أن أبيعك إيّاها فادفع لي الثمن ، فأمر معاوية بقبض الأرض ودفع الثمن إليه .

فبلغ ذلك الحسين (عليه السّلام) فكتب إلى معاوية : أمّا بعد ، فإنك غررت غلاماً من بني هاشم فابتعت منه أرضاً لا يملكها ، فاقبض من الغلام ما دفعته إليه واردد إلينا أرضنا .

فبعث معاوية على مسلم فأخبره بذلك وأقرأه كتاب الحسين وقال : اردد علينا مالنا وخذ أرضك ، فإنك بعت ما لا تملك . فقال مسلم : أما دون أن أضرب رأسك بالسيف فلا ، فاستلقى معاوية ضاحكاً يضرب برجليه وقال : يا بني ، هذا والله كلام قاله لي أبوك حين ابتعت له اُمّك .

ثمّ كتب إلى الحسين (عليه السلام): إنّي قد رددت عليكم الأرض ، وسوّغت

ـــــــــــــــ

(1) العرب قبل الإسلام / 79 .

(2) مقاتل الطالبيِّين .


الصفحة ( 37 )

مسلماً ما أخذ ، فقال الحسين (عليه السّلام) : أبيتم يا آل أبي سفيان إلاّ كرماً(1) .

من الصعب جداً الاستناد إلى هذه الرواية ؛ لأسباب عديدة نأتي على المهم منها :

الأوّل : أنها منقطعة الإسناد ، وطرح رجال الحديث مما يحطّ من قيمته ؛ لِما فيه من الجهالة بمعرفة أحوال أولئك المتروكين والتدليس الشائن .

الثاني : أنّ المدائني لا يوثق بأحاديثه مهما تكثّرت في الجوامع ؛ بعد ما ضعفه ابن عدي في الكامل(2) ، ويؤيّده أنه أموي النزعة من جهة ولائه لآل عبد شمس ، والولاء كالتربية حاكم على النفوس والعقائد ، فهو ممّن يحبّ للبيت الاُموي التحلّي بالصفات الكريمة ؛ لتهوى لهم الأفئدة وتخضع لهم الأعناق ، ويكونوا في صف مَن طهّرهم الذكر المجيد بقوله : ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) .

كما أثبت سبحانه لهم أشرف الخصال المحبوبة له إذ يقول : ( وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلاَ شُكُوراً ) .

والسند في ولائه لهذا البيت نصّ ياقوت ، فإنه قال : كان علي بن عبد الله بن أبي سيف البصري المدائني البغدادي مولى سمرة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف(3) .

ويقول ابن حجر: إنه مولى عبد الرحمن بن سمرة(4) ، وعدم موافقة ولادة المدائني التي هي في سنة ( 135 ) هـ لوفاة عبد الرحمن بن سمرة الواقعة في سنة ( 50 ) هـ لا يبعد هذا الولاء بعد ما نصّ ابن كثير على أنّ لعبد الرحمن أولاداً كثيرين(6) .

ويسمّي ابن حجر بعضهم عبيد الله ، وأنه تغلّب على البصرة في فتنة ابن الأشعث(7) ، فإطلاق الولاء لأبيهم عبد الرحمن أو لجدّهم سمرة بملاحظة أولاده لا ضير فيه .

وإذا أفهمتنا الجوامع أنّ عبد الرحمن من الشجرة التي أنتجت معاوية ، وكان

ـــــــــــــــــــ

(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 3 / 82 ـ مصر .

(2) لسان الميزان ، لابن حجر 4 / 253 .

(3) معجم الاُدباء 14 / 124 .

(4) لسان الميزان 4 / 253 .

(5) البداية والنهاية 8 / 47 ـ حوادث سنة 50 .

(6) الإصابة 2 / 401 ـ ترجمة عبد الرحمن .


الصفحة ( 38 )

من عمّاله على سجستان وغزالة خراسان(1) , وبلخ وكابل(2) ، وفتح الرخج وبست(3) ، اتّضح لنا أنّه يسير على أثره ، وأنه حائد عن كل مَن ناوأ معاوية وهذه قضايا قياساتها معها .

ولا ريب أنّ الموالي يرثون هذه النزعة كالأنساب ، اللّهمّ إلاّ أن يكبح هذا الجماح الخضوع لقانون الإسلام فيقف عند حدوده ، ولكن أين هذا من المدائني المكثر من خلق الأحاديث الرافعة للبيت الاُموي ، الواضعة من قدر رجالات بيت الوحي والنبوة ! وإنها لشنشنة مضى عليها الأوّلون نعرفها من منافسة عبد شمس أخاه هاشماً مطعم الطير والوحوش ، ومنافسة حرب بن اُميّة عبد المطلب الذي كفأ عليه إناءه واستعبده عشر سنين(4) ، ومنافسة أبي سفيان للرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) الذي منّ عليه يوم الفتح وأطلقه ، جاهد ونافس ابن آكلة الأكباد أمير المؤمنين (عليه السّلام) الذي اصطفاه النبي (صلّى الله عليه وآله) يوم المؤاخاة بالأخوة ، ومنحه الخلافة الإلهية إذ قال له : (( أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي بعدي )) .

الثالث : أنّ المتأمّل في هذه المحاورة الواقعة بين عقيل ومعاوية في أمر الجارية يظهر له مغزى المدائني ؛ فإنّه أراد أن يسجّل صحيفة من حلم معاوية وأناته وكرمه ، مع المسّ في الذوات القدسية من آل الرسول الأطهر ، وقد فاته أنّ المستقبل يكشف عن نواياه .

قال في تلك المحاورة : ولمّا أتت على مسلم بن عقيل ثمان عشرة سنة وقد مات أبوه عقيل قال لمعاوية : إنّ لي أرضاً بمكان كذا من المدينة وقد اُعطيت بها مئة ألف , وقد أحببت أن أبيعك إيّاها , فادفع لي الثمن . فأمر معاوية بقبض الأرض ودفع الثمن إليه .

وفي هذه الجملة خلل واضح فإنه أثبت بيع مسلم الأرض وعمره ثمان عشرة سنة وأبوه ميّت ، وعلى ما يقوله ابن حجر : إنّ عقيلاً مات سنة ستين وقيل بعدها(5) يكون

ـــــــــــــــــ

(1) لسان الميزان 4 / 190 .

(2) تاريخ اليعقوبي 2 / 193 ـ طبع النجف .

(3) ابن الأثير 3 / 174 .

(4) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 3 / 466 .

(5) تقريب التهذيب / 3666 ، لكنهؤ ، والإصابة 2 / 494 .


الصفحة ( 39 )

عمر مسلم (عليه السّلام) ثمان عشرة سنة عند شهادته في سنة ستين ، وهذا لا يتّفق مع ما أثبته المؤرّخون من تزويجه بثلاث نساء أو أكثر وأنّ له أولاداً خمسة وبنتاً ، فإنه وإن لم يكن من المحال في هذه المدّة القصيرة التي هي عبارة عن ثلاث سنين بعد بلوغه أن يتزوج من ثلاث نساء ، ويستولد هذا العدد لكن العادة المطّردة تأباه .

ثمّ هناك شيء آخر وهو أنّ كلاً من عقيل ومسلم ومعاوية ماتوا في ستين : استشهد مسلم (عليه السّلام) في ذي الحجة ، وهلك معاوية في رجب ، وموت عقيل لم يتعيّن قبل رجب أو فيه أو بعده ، فعلى الأخيرين لا تتمّ دعوى سفر مسلم إلى الشام وبيعه الأرض ، وعلى الأوّل ، أعني موته قبل رجب المتردّد بين أن يكون في المحرم أو ما بينه وبين رجب .

فالعقل وإن لم يمنع صدور البيع في هذا الزمن إلاّ أنّ من البعيد جداً أن يشدّ مسلماً (عليه السّلام) الرحال من المدينة إلى الشّام ، ويتحمّل وعثاء السفر لبيع الأرض من معاوية بالمقدار الذي دفعه إليه الرجل المدني ، كما يفيد قوله لمعاوية : إنّ لي أرضاً بمكان كذا من المدينة ، وقد أعطيت بها مئة ألف وأحببت أن أبيعك إيّاها .

فإنّ كل أحد يعدّ اتخاذ هذه الطريقة سفهاً ، وحاشا داعية السّبط أن يرتكب خطّة لا يصادق عليها العقل ، ويكون مرمى لسهام اللوم ، إلاّ أن يكون قد تزلّف إلى معاوية ببيعه الأرض ، والشمم الهاشمي الذي انحنت عليه أضالعه يأباه له ، كيف وهو يشاهد دماءهم الطاهرة ودماء مَن شايعهم تقطر من سيفه ، وأنديتهم تلهج بانحرافه عن خطة سلفه الطيّب ، وغدره بالإمام الحسن (عليه السّلام) تدرسه ناشئة هذا البيت كل يوم ؟!

والتحيّل لاستخلاص أموالهم من يد معاوية ، كما يراه البعض ، لا يتوقّف على هذه الطريقة المشوّهة لبيتهم المنيع ومقامهم الرفيع ، مع أنهم بعيدون عن أمثالهم ؛ لأن نفوسهم الزاكية تكبر بهم عمّا فيه الضعة والخسة ولو عند العامة .

هذا إذا كان موت عقيل في سنة ستين ؛ وأمّا إذا كان بعدها ، كما هو القول المحكي في نصّ ابن حجر كما عرفت ، فالكذب في هذا البيع واضح ، والمسافة للتصحيح بعيدة ؛ لأنه عليه يكون بيع مسلم الأرض بعد موت أبيه كما في الرواية ، ومعاوية بين أطباق الثرى وقد فاز مسلم بالشهادة يومئذ .

ولو ذهبنا إلى رأي الصفدي وابن كثير من تعيين وفاة عقيل في سنة خمسين(1)

ـــــــــــــــــ

(1) نكت الهميان ، للصفدي / 201 ، والبداية لابن كثير 8 / 47 .


الصفحة ( 40 )

يكون لمسلم (عليه السّلام) عند شهادته في سنة ستين ثمان وعشرون سنة ، وتكون ولادته سنة اثنين وثلاثين قبل واقعة صفّين الكائنة في سنة (37) بخمس سنين ، وهذا وإن التأم مع ذلك العدد من أولاده لكن لا يلتئم مع ما ذكره ابن شهر آشوب الحافظ الثبت الثقة بنص الفريقين من الشيعة والسنّة(1) .

فإنه يقول : جعل أمير المؤمنين (عليه السّلام) على ميمنته في صفّين الحسن والحسين , وعبد الله بن جعفر ومسلم بن عقيل ، وعلى الميسرة محمّد بن الحنفيّة ومحمد بن أبي بكر وهاشم بن عتبة المرقال(2) .

ومن المعلوم أنّ مَن يجعله أمير المؤمنين (عليه السّلام) في صف أولاد عمّيه البالغين نحواً من خمس وثلاثين سنة لا بدّ وأن يقاربهم في السنّ ، كما قرن بين ابن الحنفيّة ومحمد بن أبي بكر وهما متقاربان في السنّ ؛ فإنّ محمّد بن الحنفيّة ولد سنة (16)(3) وله يوم صفّين إحدى وعشرون سنة ، ومحمد بن أبي بكر ولد عام حجة الوداع بذي الحليفة أو بالشجرة حين توجّه رسول الله للحج ، وقُتل سنة (38) وله يوم صفّين (27) سنة(4) .

وحينئذ لا أقل أن يقدّر عمر مسلم بن عقيل بالثلاثين أو الثمان وعشرين ، وتكون ولادته إمّا سنة سبع أو تسع ، وله يوم شهادته أكثر من خمسين سنة ، وعلى هذا التقدير في ولادته أين ولاية معاوية في الشام , وأين مسير عقيل إليه ؟! بل أين إسلام معاوية ؟! فإنه أسلم بعد سنة تسع قبل وفاة النبي (صلّى الله عليه وآله) بأشهر .

وإذا أخذنا بنصّ الواقدي كانت المسافة أبعد ، قال : لمّا دخل المسلمون مدينة (البهنسا) بعد حصار طويل دخل مسلم بن عقيل في جملة الهاشميِّين ، وهو يقول :

ــــــــــــــ

(1) انظر ترجمته في بغية الوعاة للسيوطي / 77 ، ولسان الميزان لابن حجر 5 /310 ، وطبقات المفسّرين لشمس الدين محمّد بن علي المالكي ، والبلغة للفيروز آبادي ، والوافي بالوفيات للصفدي ، ومن علماء الشيعة أثنى عليه العلامة الحلي في الخلاصة ، وميرزا محمّد في منهج المقال ، أبوعلي الحائري في منتهى المقال ، والتفريشي في نقد الرجال ، والآقا البهباني في التعليقة ، والحر العاملي في أمل الآمل ، والسّيد في روضات الجنات .

(2) المناقب 2 /260 .

(3) انظر كتاب قمر بني هاشم / 103 .

(4) ما يؤكد حضوره في صفّين ما رواه نصر في كتاب صفّين /330 : إنّ منادي أهل الشام نادى : إنّ معنا الطيّب ابن الطيّب عبد الله بن عمر . فقال عمار بن ياسر : بل هو الخبيث . ثمّ نادى منادي أهل العراق : ألا إنّ معنا الطيّب ابن الطيّب محمّد بن أبي بكر ، فنادى أهل الشام : بل هو الخبيث ابن الطيّب .


الصفحة ( 41 )

ضـناني الحربُ والسهر الطويلُ      وأقـلـقني الـتـسهّدُ والـعويلُ
فـواثارات  جـعفر مـعْ عـليٍّ      ومـا أبـدى جـوابك يـا عقيلُ
سـأقـتل بـالمهنّدِّ كـلِّ كـلبٍ      عسى في الحرب أن يُشفى الغليلُ

وكان فتح البهنسا في أيّام عمر بن الخطاب .

فإنّ مَن يخرج في صف المجاهدين أيّام ابن الخطاب لا بد وأن يبلغ على الأقل عشرين سنة ، وحينئذ تكون ولادته في أوائل الهجرة وكان معاوية يومئذ راسباً في بحر الشرك والضلال عابداً للأوثان .

ثمّ إنّ رجلاً كمسلم يراه عمّه أمير المؤمنين (عليه السّلام) جديراً بقيادة الجيش يوم صفّين فيجعله على الميمنة في صف ولديه الإمامين السّبطين (عليهما السلام) وابن أخيه عبد الله بن جعفر ؛ ويجده سيّد الشهداء قابلاً لأهلية الولاية على أعظم حاضرة في العراق (الكوفة) فيحبوه بالنيابة الخاصة في الدينيات والمدنيات .

لا بدّ وأن يكون أعظم رجل في العقل والدين والأخلاق ؛ حتّى لا يقع الغمز والطعن فيمَن يمثّل موقف الإمامة بأنه ارتكب دنيّة , أو جاء برذيلة ، أو فعل محرماً , أو بدت منه رعونة ولو في أمس الدابر ؛ فينتكث فتله وتتلاشى مقدرته .

على أنّ تلكم الأحوال لو كان من الجائز صدورها منه في الماضي لجاز عودها إليه أيّام ولايته ، فينتقض الغرض من إرساله مهذّباً ومؤدّباً وقامعاً للريب والشبهات ، وزاجراً عمّا يأباه الدين والإنسانية .

فالإمام أبو عبد الله (عليه السّلام) لم يشرّف أحداً بالولاية إلاّ وهو يعلم بأنه يمضي في أمره كالحديدة المحماة ، وإنّا لا نشكّ في أنّ سيّد الشهداء لم يرسل مسلماً والياً من قِبَله ، ويزيّنه بتلك الرتبة العظيمة ثمّ يشفع ذلك بتشريف الأخوة له التي هي أخوّة العلم والدين ، وأنّه ثقته من أهل بيته إلاّ وهو يعلم بأنه في كل أدوار حياته ، منذ نشأته إلى حين تأهّله لهذه الزعامة الكبرى ؛ رجل العلم والتّقى ، رجل العقل والسياسة ، رجل الأخلاق والإيمان .

 

 

الصفحة ( 42 )

وهناك شيء أغرب من هذا وهو نسبة المدائني كتاب (أبيّ الضيم) إلى معاوية لمّا بلغه الإعفاء عن الأرض والمال , فقال في كتابه : أبيتم يا آل أبي سفيان إلاّ كرماً .

وكل أحد تتجلّى له هذه الأكذوبة لا تحتاج إلى تدليل لوضوح شهامة أبي عبد الله (عليه السّلام) وعدم رضوخه للدّنيّة في قول أو فعل ، ومتى اعترف سيّد شباب أهل الجنة لآل أبي سفيان بمكارم الأخلاق من يوم منافسة جدّهم عبد شمس لأخيه هاشم إلى يوم مناوأة معاوية لأمير المؤمنين ، وأيّ مأثرة غريزية حفظت لهذا البيت غير طفائف تخلّقوا بها وقد ظهر أضدادها على فلتات ألسنتهم ! أليس معاوية هو القائل ليزيد : عليك بالصفح ، فإن أمكنت الفرصة عليك بالسيف(1) .

ولم يزل أبو عبد الله الحسين (عليه السّلام) يصارح بما أودعه المهيمن جلّ شأنه فيه من الأنفة وعدم الخضوع للدنايا في مواطن كثيرة ، وإنّ كلمته الذهبية في آخر يومه تفيدنا فقهاً بالفطرة الموهوبة له من المولى سبحانه ، فإنه قال يوم الطفِّ : (( ألا وإنّ الدّعي بن الدّعي قد ركز بين اثنتين ؛ بين السلّة والذلّة , وهيهات منّا الذلّة ، يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون ، وحجور طابت وطهرت , واُنوف حمية ونفوس أبيّة من أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام ))(2) .

وإنّ عمدة ما يفتّ في عضد هذه الأكذوبة ويتدهور بها إلى هوّة البطلان هذه الكلمة التي لا يهيج بها هاشمي ذو شمم . نعم ، يأبى للهاشمي إباؤه وشهامته ، يأبى له حفاظه ووجدانه ، بل يأبى لأيّ مؤمن إيمانه وعلمه أن يعترف لابن آكلة الأكباد بتلك المأثرة البالغة حدّها ، وهو يعلم أنّ ابن هند المقعي على أنقاض الخلافة الإسلاميّة خلواً من أيّ حنكة ، وإنما أدعم باطله المحض بالتحلّم والمحاباة والتزلّف ، يوهم بها الرعرعة من الناس بأنّ هذه الأناة هي الكافلة لأهليّة الخلافة .

والإمام الشهيد العارف بهذه الزخارف ، مضافاً إلى نفسيّته القدسية وإبائه العلوي جد عليم بأنه إن فاهَ بمثل تلك الكلمة التي نسبها إليه المدائني اتّخذها الناس حجة دامغة ، خصوصاً مع مشاهدتهم وفر معاوية ، وورائهم دسائسه ومعهم سماسرة الشهوات ، فيكون الإمام (عليه السّلام) مغرياً بهم إلى الهوان ، ومقرّاً لهم على الضلال

ـــــــــــــــــ

(1) نهاية الأرب 6 / 50 .

(2) اللهوف للشريف النقيب ابن طاووس .


الصفحة ( 43 )

والباطل ، وحاشا إمام الحق أن يرتكب ما فيه إغراء للناس وهو مقيّض لإنقاذ البشر من ورطة الجهل المردي .

وإنّي لا أظنّ بعد هذا البيان الضافي يبقى الواقف على كلمة المدائني: أبيتم يا آل أبي سفيان إلاّ كرماً . مرتاباً في افتعال نسبتها إلى سيّد الحفّاظ والحمية والشهامة ، سيّد الغيارى على المبادئ الصحيحة ، سيّد شباب أهل الجنة (عليه السّلام) .

نشأته (عليه السّلام)

لقد عرفت فيما قدّمناه من صفة بيت أبي طالب ومبلغ رجالاته من العلم والمعارف الإلهيّة ، وأنهم على الأوضاع والغرر اللائحة في أنسابهم وأحسابهم لا تعدوهم الفضائل العصامية من علم وحكمة ، وأخلاق وبلاغة ، وأدب وشجاعة وفروسية إلى مآثر جمّة ازدانت بسروات المجد من بني هشام ، وأنّ كلاً منهم أمّة واحدة في المكارم جمعاء .

وإنّ من قضاء الطبيعة وناموس البيئة أنّهم يمرّنون وليدهم ويربّون الناشئ منهم على ما تدفّقت به أوعيتهم ، فلا يدرج الطفل إلاّ والحنكة ملء إهابه ، ولا يشبّ الصغير إلاّ وهو محتوِ لفضيلة المشايخ ، وإذا التقيت بالرجل هكذا بين فواضل وفضائل ، ومآثر ومفاخر ، ولا سيّما أنّ من جبلّة رجالات البيت تغذية ناشئهم بما عندهم من آلاء ، وتحنيكه بنمير مكارمهم ، وإروائه بزلال من حِكمهم البالغة ، وعظاتهم الشافية ، وتعاليمهم الراقية ، فقضية قانون التربية الصحيحة أن يكون الولد إنساناً كاملاً .

نعم ، هكذا أرباب الفضائل من آل أبي طالب لا يروقهم في صغيرهم إلاّ ما يروقهم في الأكبر ، ولا يرضيهم ممّن يمتّ بهم إلاّ أن يزدان به منتدى العلم ودست الإمارة ، ويبتلج به صهوة الخيل ومنبر الخطابة ، وأن يسير مع الركب ذكره ومع الريح نشره ؛ لكي يُقتدى به في المآثر ، ويقتصّ أثره في الأخلاق .

وهذا الذي ذكرناه إنما هو مرحلة الاقتضاء التربوي ، ويختصّ بما إذا صادق قابلية المحلّ ، وعدم المزاحمة بموانع خارجيّة تسلب الأثر من كلِّ هاتيك الموجبات من بيئة وبيئة , أو مجالس سوء , أو شره ثابت ؛ فإنّ هذه الاُمور تستوجب التخلّف عن ذلك الاقتضاء كما نسب إلى شذاذ من العلويِّين ؛ فإنه على فرض صحة النقل لا يصار إليها إلاّ في الموارد المفيدة للعلم بخروج الناشئ عن ذلك الناموس .


الصفحة ( 44 )

وأمّا داعية الحسين (عليه السّلام) وسفيره إلى العراق فكانت لياقته الذاتية ، وتأهّله للفضائل ، وتأثّره بتلك التربية الصحيحة ، ونشوؤه في ذلك البيت الممنع ، وتخرّجه من كليّة الخلافة الإلهيّة قاضية بسيره مع ضوء التعاليم المقدّسة ، فأينما يتوجّه إلى ناحية من نواحي هذا البيت لا يقع نظره إلاّ إلى أستاذ في العلم ، أو مقتدى في الأخلاق ، أو زعيم في الدين ، أو بطل في الشجاعة ، أو إمام في البلاغة ، أو مقنّن في السياسة الإلهيّة .

فكانت نفس مسلم بن عقيل (عليه السّلام) تهش إلى نيل مداهم منذ نعومة الأظفار كما هو طبع المُتربّى بهذا البيت ؛ ففي كلِّ حين له نزوع إلى مشاكلة كبرائهم ، وهذه قاعدة مطّردة ؛ فإنك تجد ابن العالم يأنف عن أن يعدّ في أبناء العامة ، وابن الملك يكبر نفسه إلاّ عن خلائق والده ، وولد الزعيم يترفّع عن مشاكلة رعاياه ، فكلّ منهم يرمي إلى ما يرفعه عن غرائز الطبقات الواطئة .

إذاً فما ظنّك بمسلم بن عقيل (عليه السّلام) الذي هو أوّل مَن وقع بصره عليه عمّه أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) وابناه الإمامان (( . . . إن قاما وإن قعدا ))(1) (صلوات الله عليهما) ، ورجالات السؤدد والخطر من آل عبد المطلب ، وسمع أخبار الغابرين من أهل بيته في المفاخر والمآثر ، فهل يمكن أن يكون له هوى إلاّ مع الفضيلة ، أو نزوعاً إلاّ إلى المحامد ؟

نعم ، نشأ مسلم مع العلم والتقوى والبطولة ، والهدى والحزم ، والحجا والرشد كما شاء الله سبحانه , حتّى أحبّ لقاءه يوم سعادته بشهادته .

ولقد كان من أهمّ ما يتلقّاه مسلم (عليه السّلام) من أكابر قومه مناوأة البيت الاُموي أضداد الفضيلة وأعداء الدين ، وحَضَنة الجاهلية الأولى ، وناشري ألوية الوثنية ، والدعاة إلى كل رذيلة بأعمالهم وأقوالهم ؛ ولهذا كانت تعدّ تلك المباينة من الهاشميين لهم من أسمى مناقبهم . الحال كان داعية السّبط الشهيد (عليه السّلام) وارثاً لهذه الظاهرة بأتمّ ما لها من المعنى .

ومما لا يستسهل العقل قبوله أن يكون ابن عقيل (عليه السّلام) متزلّفاً إلى واحد ممّن ناوأ آباءه الأطائب ، أو مجاملاً له ، فيجرّ الرذيلة إلى قومه وتفوته الشهامة

ـــــــــــــــــ

(1) هذا حديث عن النبي (صلّى الله عليه وآله) رواه علي بن عيسى الأربلي من أعيان القرن السابع في كشف الغمة ، ومراد الرسول (صلّى الله عليه وآله) من هذه الكلمة الثمينة : أنّ الإمامة منصب إلهي لا نزول عنها مع القعود عن الحرب أو النهوض للجهاد ؛ والقاعد هو الإمام المجتبى ، والقائم سيّد الشهداء ، والتثنية في الفعلين للتغليب .


الصفحة ( 45 )

الهاشميّة والإباء الموروث له ، والشمم المتأصّل ، كيف وأنه :

درّةُ  تـاج الـفضلِ والكرامهْ      قـرّةُ عـينِ الـمجد والشهامهْ
أوّل رافــعٍ لـراية الـهدى      خُصّ بفضل السبق بين الشهدا
كـفاه  فـضلاً شرفُ الرسالهْ      عـن معدن العزّة والجلالهْ
(1)

 

ــــــــــــــــ

(1) لشيخنا الحجّة آية الله الشيخ محمّد حسين الأصفهاني قدّس الله تربته .


الصفحة ( 46 )

المؤامرات في الكوفة

إنّ سياسة معاوية القاسية من جرّاء نقض عهده للإمام الحسن (عليه السّلام) تركت الشيعة ترزح تحت نير الاضطهاد ، فأوصال تُقطع ، وأعين تُسمل ، وبمشهد منهم أرجل مفصولة ، وعلى المشانق أنفس مزهقة ، وفي أعماق السجون أعناق مغلولة ، وبأرجاء الفلوات أناس مشرّدون ، وعلى أطراف الرماح أرؤس مشالة يوم كان ابن سميّة عارفاً بهم منذ العهد العلوي ؛ فتتبّعهم تحت كل حجر ومدر ، وتحرّاهم في كل مغارة ، فنكل بهم ونال منهم ، وأوقع فيهم ، وهو القائل على منبر البصرة : إنّي أقسم بالله لآخذنّ المقيم بالظاعن ، والمقبل بالمدبر ، والصحيح منكم بالسقيم (1) .

وقد وصف هذا الحال أبو جعفر الباقر (عليه السّلام) فقال : (( إنّا أهل البيت لم نزل نُستذل ونستضام ، ونُقصى ونُمتهن ، ونُحرم ونُقتل , ولا نأمن على دمائنا ودماء أوليائنا . ووجد الكاذبون الجاحدون موضعاً يتقرّبون به إلى أوليائهم وقضاة السوء وعمّالهم في كل بلدة بالأحاديث المكذوبة ، ورووا عنّا ما لم نقُله ولم نفعله ؛ ليبغّضونا إلى الناس ، وكان عظم ذلك وكبره في زمن معاوية بعد موت الحسن (عليه السّلام) ؛ فقُتلت شيعتنا بكلِّ بلدة ، وقُطعت الأيدي والأرجل على الظنّة ، وكان مَن يُذكر بحبّنا والانقطاع إلينا يُسجن ، ويُنهب ماله , وتُهدم داره .

ـــــــــــــــ

(1) تاريخ الطبري 6 / 125 .


الصفحة ( 47 )

ثمّ لم يزل البلاء يشتدّ ويزداد إلى زمن عبيد الله بن زياد قاتل الحسين (عليه السّلام) ، ثمّ جاء بعده الحجّاج فقتلهم كلَّ قتلة ، وأخذهم بكل ظنّة وتهمة ، حتّى أنّ الرجل ليُقال له زنديق أو كافر أحبّ إليه من أن يُقال له شيعة علي (عليه السّلام) ، وحتّى صار الرجل الذي يعمل بالخير ـ ولعلّه يكون ورعاً صدوقاً ـ يحدّث بأحاديث عظيمة عجيبة من تفضيل بعض مَن سلف من الولاة ، ولم يخلق الله شيئاً منها , ولا كانت ولا وقع ، وهو يحسب أنها حقٌّ ؛ لكثرة مَن رواها ممّن لم يُعرف بكذب ولا قلّة ورع ))(1) .

وفي هذا الحديث الشريف دلالة واضحة على ما نال الشيعة في تلك الأيّام المظلمة من الاضطهاد والجور ، ومع أيّ إمام ينهضون ، مع الزكي المجتبى (عليه السّلام) وقد قيّده الأمر الإلهي بالتسليم لمجاري المحتوم ، كما قيّد أباه أمير المؤمنين خمساً وعشرين سنة .

على أنّ مَن أخلص له بالمفادات فئة قليلة لا تقاوم مَن حفّ بهم من أهل النفاق ، الذين أضمروا الغدر وضمنوا لمعاوية تسليم الحسن (عليه السّلام) إن شمر للحرب ، أو مع الحسين (عليه السّلام) وهو لا يرى من تكليفه إلاّ الخضوع لِما سَلم له إمام الوقت وحجة الزمن بالنصّ من جدّه وأبيه (صلوات الله عليهم) .

حتّى إنّ حجر بن عدي دخل على الحسين (عليه السّلام) مثيراً لنخوته ومحفّزاً له على القيام في وجه عدوهم اللدود ، وفيما قال له : لقد اشتريتم العزّ بالذل ، وقبلتم القليل ، وتركتم الكثير ، أطعنا اليوم وعصينا الدهر ، دع الحسن وما رأى من الصلح ، واجمع إليك شيعتك من أهل الكوفة وولّني وصاحبي عبيدة بن عمر المقدّمة فلا يشعر ابن هند إلاّ ونحن نقارعه بالسّيوف .

فأفاض عليه ريحانة الرسول من معارفه القدسية ما فيه حياة القلوب واجتماع نظام الأمّة ، وذلك أنّ البيعة والعهد إذا صدرا من إمام الحق ، الذي لا يعمل عملاّ إلاّ على حسب ما يراه من المصلحة الواقعية التي أدركها بفضل منصبه الإلهي ، فلا يجوز له نقض ما أبرمه من العهد ؛ لِما فيه من الغدر والخيانة الممقوتة ، فقال أبو عبد الله (عليه السّلام) :

ــــــــــــــــ

(1) شرح النهج 3 / 15 .


الصفحة ( 48 )

(( إنّا قد بايعنا وعاهدنا ولا سبيل إلى نقض بيعتنا ))(1) .

وهذه المسألة التي أشار إليها سيّد الشهداء ، وإن لم تلزم المصافق بها واقعاً ؛ لأن الذي أعطوه الميثاق غاشم لا تحلّ مصافقته ، وقد قال الرسول الأقدس (صلّى الله عليه وآله) : (( إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه ))(2) .

ومن المقطوع به أنه لا يريد من المنبر تلك الأعواد المصنوعة من خشب وكان يجلس عليها للإرشاد والهداية ، وإنما يريد منبر الدعوة الإلهية ، فيكون غرض النبي (صلّى الله عليه وآله) الإيعاز إلى الملأ الديني الواعي لكلمته الثمينة بأن معاوية الداعي باسم الخلافة كافر بما أنزل من الوحي على الصادق الأمين (صلّى الله عليه وآله) بتعيين مَن أقامهم المولى سبحانه اُمناء على شرعه القويم ، وكافر بقول النبي الذي لم يزل يجاهر مرّة بعد أخرى بأسماء مَن يلي الخلافة من بعده وهم الاثنا عشر من ذرّيته المعصومين ، والرادّ لِما أنزل على الرسول (صلّى الله عليه وآله) قولاً أو فعلاً من الجاحدين .

ولم تخفِ هذه الأحوال على معاوية ، ولا ممّن شاهد النبي وسمع حديثه ، أو كان قريب العهد بزمن تلك النصوص ، ولو صدقت الأوهام بأنه كاتب النبي اتّسع الخرق عليه .

وحيث إنّ سيّد الشهداء لم تسعه المصارحة بما وجب عليهم في الصحيفة الخاصة بالإمام الزكي ، وكان فيها أن يسالم خاضعاً للقضاء المحتوم ، وقد أشار النبي إلى هذه المسألة بقوله : (( ابناي هذان إمامان إن قاما وإن قعدا )) .

 وأكثر العقول لا تتحمّل هذه الأسرار الدقيقة كما قال الإمام الصادق (عليه السّلام) : (( حديثنا صعب مستصعب لا يتحمّله إلاّ نبي مرسل ، أو ملك مقرّب ، أو مؤمن امتحن الله قلبه بالإيمان )) .

تلطّف أبو عبد الله (عليه السّلام) ببيان أقرب إلى الأذهان وتتحمّله العقول

ـــــــــــــــــ

(1) الدينوري في الأخبار الطوال / 222 .

(2) صفّين ، لنصر بن مزاحم / 248 ـ مصر ، وذكر السّيد محمّد بن عقيل في النصائح الكافية / 35 بمبئي : أنّ ابن عدي أخرجه عن أبي سعيد ، والعقيلي عن الحسن ، وروي عن الصادق عن أبيه عن جابر .


الصفحة ( 49 )

فقال : (( إنّا قد بايعنا وعاهدنا ولا سبيل إلى نقض بيعتنا )) .

وهناك دقيقة اُخرى كانت ملحوظة للإمام الشهيد أفرغها بهذه الكلمة الموجزة وهي : أنّ الإنسان إذا عاهد آخر لا يجوز له نقض عهده ولو كان مشركاً ؛ ولذا وردت الأخبار وفقاً للآية الكريمة : ( وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ ) .

فقال (صلّى الله عليه وآله) : (( المسلمون يسعى بذمّتهم أدناهم ، ولو كان عبداً أو امرأة )) . وفسّره الصادق (عليه السّلام) : بأنّ جيش المسلمين إذا حاصر المشركين ، فأشرف رجل منهم وقال : أعطوني الأمان حتّى ألقى صاحبكم ، فأعطاه أدناهم الأمان وجب على أفضلهم الوفاء به .

وحينئذ يقول أبو عبد الله : إنّ هذه المسألة التي أعطيناها معاوية على ما فيها من ظلم وغشم بعد أن صدرت منّا لا يصحّ نقضها .

إذاً فكيف بالبيعة الصادرة لإمام الحقّ المنصوب من قِبَل الله سبحانه فإنها أولى وأجدر بالإلزام وعدم النقض ، وأن لا تتباطأ الاُمّة عن القيام بها ؟ وهذا من سيّد الشهداء درس راقٍ وفقه شامل لو كانت هناك آذان صاغية ، وقلوب واعية , ونفوس زاكية .

ومن هذا الباب ما جرى للحسين مع علي بن بشير الهمداني ، وسفيان بن أبي ليلى الهمداني النهدي ، والمسيب بن نجبة ، وعبد الله بن الوراك ، وسراح بن مالك الخثعمي ؛ فإنهم دخلوا عليه وخبروه بما ردّ به عليهم أبو محمّد (عليه السّلام) , واستنهضوا الحسين لمقارعة ابن هند , فقال لهم الحسين : (( صدق أبو محمّد ، ليكن كل رجل منكم حلساً من أحلاس بيته ما دام هذا الإنسان حيّاً ))(1) .

فأبو عبد الله أرجأ هذه النهضة لسدّ باب المنكر إلى الوقت المعلوم لديهم من جدّهم الرسول (صلّى الله عليه وآله) ، وقد قام بها سيّد شباب أهل الجنة يوم جاء ذلك الوقت فدوّى العالم بصرخته الأحمديّة ، وعرّفت الأجيال المتعاقبة مخازي ابن هند ويزيد ومَن لاث بهم من جراثيم الفتن ؛ فتوقّدت العزائم واحتدمت النفوس من اُناس حتّى أجهزت على حياتهم ، ودمّرت ملكهم , وعرّفت الاُمّة مبلغ اُولئك المتسنّمين منبر النبوة من الشقاء ، ومبلغ مَن ناوأهم من أهل البيت من الحقِّ والسعادة .

وغير خافٍ أنّ هذا التذمّر من رجالات الشيعة ، ومجابهتهم الإمام الزكي بتلك

ــــــــــــــــ

(1) الأخبار الطوال / 222 .


الصفحة ( 50 )

الكلمات المقذعة لا يحطّ من مقدار اعتقادهم بإمامته ، وإنّما صدر منهم ذلك ؛ لأن علائقهم الدينية والودية كانت مقصورة على جمال الحق القائم بمجالي الكتاب ، والسنّة الوضيئة ، ومحيا حجة الزمن الأبهج .

وحيث أحسّوا بما يرام بالدين من الصدع ، وبإمام الوقت من الاضطهاد ، وبالمؤمنين من استئصال الشأفة ضاقت عليهم الأرض بما رحبت ، وأظلمت الدنيا في أعينهم ، ولم يكن يحوون من سعة العلم بالحقائق والعواقب ما يخفف تلك الوطأة ، ويخمد فورة أنفسهم الملتهبة من تحكّم الضلال بالأمّة ، واسترداد الجاهلية الأولى ، فهنالك انتأت المشاعر عن النفوس ، فواجهوا الإمام بما عرفت ولهجوا بما لهجوا به وهم غير خارجين عن طاعة ، ولا متضعضعين في عقيدة .

ولا ريب أنّ مقادير الرجال متباينة , وقابليتهم لتحمّل الأسرار متفاوتة , ولم تكن أسرار الأئمة (عليهم السّلام) يتحمّلها كل أحد ؛ ولذا كان سيّد الشهداء يفيض من علمه المخزون على كل مَن طلب منه التريّث عن السفر إلى العراق بما يسعه ظرفه وتتحمّله قابليته ، ولم تسعه المصارحة بما عنده من العلم بمصير أمره .

وهذا الذي ذكرناه هو الأساس في اجتماع رجالات الشيعة ، وعقد أندية المؤامرة لحلّ أغلال الاستعباد عن أعناقهم باستدعاء أبي الضيم (عليه السّلام) لعاصمة الخلافة العلوية لقمع أشواك الظلم المتكدّسة في طريق الشريعة ، وقمع جراثيم الفساد الوبيئة ليتمّ الفتح المبين ، ويستضيء العالم بألق المبادئ الصحيحة والأنظمة الربوبية التي لاقى المشرّع الأعظم (صلّى الله عليه وآله) المتاعب في نشرها .

وإنّ الوقت الذي أرجأ أبو عبد الله (عليه السّلام) النهضة فيه حيث كان يقول لاُولئك الخلّص من الشيعة : (( ليكن كل رجل منكم حلساً من أحلاس بيته ما دام هذا الإنسان حيّاً )) . يعني معاوية ، هو يوم نهضته بمشهد الطفِّ .

فكان اجتماع الشيعة في منزل سليمان بن صرد الخزاعي ؛ لأنه وجه وجوههم ، جليل في قومه ، لا يفتات رأيه ومساعيه في أيّام أمير المؤمنين (عليه السّلام) الثلاثة مشكورة ، فذكروا هلاك معاوية وما لاقته الشيعة في أيّامه ، وأشدّ منها عهده ليزيد الذي وصفه زياد بن أبيه لعبيد بن كعب النمري : بأنه صاحب رسلة وتهاون بالدين ، وقد أولع بالصيد ، وأنّ أمر الإسلام وضمانه عظيم ، فلا يصلح يزيد للخلافة .

ثمّ قال له : القِ معاوية وأدِّ هذا عنّي ، وخبره بفعلات يزيد وتهاونه بالدين(1) .

ـــــــــــــــــ

(1) تاريخ الطبري 6 / 169 ، وكان ذلك على إثر كتاب معاوية لزياد يطلب منه أخذ البيعة لولده


الصفحة ( 51 )

وقد اعترف بذلك ابن مرجانة حين كتب إليه يزيد أن يسير لحرب ابن الزبير فقال لمَن حضر عنده : لا والله ، لا أجمعها للفاسق الفاجر ؛ أقتل ابن بنت رسول الله وأهدم الكعبة ؟!(1) .

ووصف السّبط الشهيد حال يزيد في كتابه لمعاوية وفيما قال له : (( لقد دلّ يزيد من نفسه على موقع رأيه ، فخذ ليزيد فيما أخذ به من استقرائه الكلاب ، والحمام السّبق ، والقيان ذوات المعازف ، وضرب الملاهي تجده ناصراً ، ودع ما تحاول ؛ فما أغناك أن تلقى الله تعالى بوزر هذا الخلق بأكثر مما أنت لاقيه ، فوالله ما برحت تقدّم باطلاً في جور ، وحنقاً في ظلم حتّى ملأت الأسقية وما بينك وبين الموت إلاّ غمضة , فتقدم على عمل محفوظ في يوم مشهود , ولات حين مناص ))(2) .

وبهذا البيان تلطّف سيّد الشهداء بالنصح الشافي لدحض الضلال ، لكنه لم يجد أذناً صاغية ، ولا قلباً واعياً ، فأخذت بوارق الإرهاب وبواعث الطمع من معاوية يسدّان طريق الحق .

فلمّا هلك معاوية استنشق الكوفيّون روح الأمن ، وأبصروا بصيصاً من نور الإمامة ، فعزموا على أن يكتبوا إلى الحسين (عليه السّلام) بالمسير إلى عاصمة أبيه أمير المؤمنين (عليه السّلام) ليفتح لهم باب السجن المظلم .

فقام سليمان بن صُرد الخُزاعي خطيباً ، حمد الله وأثنى عليه ثمّ قال : إنّ معاوية قد هلك ، وإنّ حسيناً قد تقبض على القوم ببيعته ، وقد خرج إلى مكّة ، وأنتم شيعته وشيعة أبيه ، فإن كنتم تعلمون أنكم ناصروه ومجاهدو عدوه فاكتبوا إليه ، وإن خفتم الوهن والفشل فلا تغروا الرجل في نفسه .

فقالوا بأجمعهم : إنّا نقاتل عدوّه ونقتل أنفسنا دونه .

ــــــــــــــــــ

(1) تاريخ الطبري 7 / 6 .

(2) الإمامة والسياسة 1 / 154 .


الصفحة ( 52 )

كتبهم للحسين (عليه السّلام)

ثمّ كتبوا إلى الحسين (عليه السّلام) :

بسم الله الرحمن الرحيم

للحسين بن علي (عليه السّلام) من سليمان بن صُرَد ، والمسيب بن نَجَبة ورَفاعة بن شداد البجلي ، وحبيب بن مظاهر ، وشيعته المؤمنين والمسلمين من أهل الكوفة : سلام عليك ، فإنّا نحمد إليك الله الذي لا إله إلاّ هو .

أمّا بعد ، فالحمد لله الذي قصم ظهر عدوّك الجبار العنيد الذي انتزى على هذه الاُمّة فابتزّها أمرها , وغصبها فيئها ، وتأمّر عليها بغير رضاً منها ، ثمّ قتل خيارها واستبقى شرارها ، وجعل مال الله دولة بين جبابرتها وأغنيائها ، فبُعداً له كما بعُدت ثمود .

إنّا ليس لنا إمام فأقبل لعلّ الله يجمعنا بك على الحقِّ , والنعمان بن بشير في قصر الإمارة لسنا نجتمع معه في جمعة , ولا نخرج معه إلى عيد ، ولو قد بلغنا أنك قد أقبلت أخرجناه حتّى نلحقه بالشام إنشاء الله .

ثمّ سرّحوا الكتاب مع عبد الله بن مِسمَع الهمداني ، وعبد الله بن وأل وأمروهما بالنجاء فخرجا مسرعين حتّى قدما على الحسين بمكّة لعشر مضين من شهر رمضان .

وبعد يومين كتبوا له مئة وخمسين كتاباً من الرجل والاثنين والثلاثة والأربعة ، وسرّحوا ذلك مع قيس بن مسهر الصيداوي ، وعبد الرحمن بن عبد الله بن شداد الأزدي ، وعمارة بن عبد الله السلولي .

وبعد يومين آخرين كتبوا إليه مع هاني بن هاني السبيعي وسعيد بن عبد الله

 

Description: الصفحة السابقة

الصفحة ( 53 )

 الحنفي ، ونصّه :

بسم الله الرحمن الرحيم

 للحسين بن عليّ من شيعته من المؤمنين والمسلمين : أما بعد ، فحيّ هلا ، فإنّ الناس ينتظرونك لا رأي لهم غيرك ، فالعجل ثمّ العجل العجل ، والسّلام .

ثمّ كتب شَبث بن ربعي ، وحجار بن أبجر ، ويزيد بن الحارث بن رُوَيم ، وعزرة بن قيس ، وعمرو بن الحجاج الزبيدي ، ومحمد بن عمير التميمي : أما بعد ، فقد اخضرّ الجناب وأينعت الثمار فإذا شئت فاقدم على جندّ لك مجنّدة ، والسّلام(1) .

وأخذت الرسل من أهل الكوفة تتوارد عليه بكتبهم حتّى اجتمع عنده في يوم واحد ستمئة كتاب ، واجتمع من نوب متفرّقة اثنا عشر ألف كتاب(2) والحسين (عليه السّلام) متريّث عن الجواب ، حتّى إذا تابع هتافهم بكتبهم التي ملأت خرجين(3) لم يسعه السكوت ، فكتب إليهم أجمع صورة واحدة : ((

بسم الله الرحمن الرحيم

من الحسين بن علي إلى الملأ من المؤمنين والمسلمين : أما بعد ، فإنّ هانياً وسعيداً قدما عليّ بكتبكم وكانا آخر مَن قَدِم عليّ من رسلكم ، وقد فهمت كلّ الذي قصصتم وذكرتم ، وكانت مقالة جلّكم أنّه ليس علينا إمام فأقبل لعلّ الله يجمعنا بك على الحقِّ والهدى .

وأنا باعث إليكم بأخي وابن عمّي وثقتي من أهل بيتي مسلم بن عقيل ؛ فإن كتب إليّ أنّه قد اجتمع رأي ملأكم وذوي الحجا والفضل منكم على مثل ما قَدمت رسلكم وقرأت في كتبكم فإني أقدم عليكم وشيكاً إنشاء الله ؛ فلعمري ما الإمام إلاّ الحاكم بالكتاب ، القائم بالقسط ، الدائن بدين الحقِّ ، الحابس نفسه على ذات الله تعالى ، والسّلام ))(4) .

لم يخفَ على الإمام الشهيد نيّات القوم ، ولا ما يقع منهم من التخاذل والتباعد

ـــــــــــــــــ

(1) هذه الكتب ذكرها الشيخ المفيد في الإرشاد .

(2) اللهوف للسّيد ابن طاووس / 19 ( صيدا ) .

(3) الأخبار الطوال / 231 .

(4) نصّ على هذا الكتاب الشيخ المفيد في الإرشاد ، والفتّال في روضة الواعظين / 149 ، والطبري في التاريخ 6 / 197 ، وابن الأثير في الكامل 4 / 8 .


الصفحة ( 54 )

 عن نصرة الحق حينما تستعر الحرب ، ويتجمّع الدهر للوثوب على فئة المجد ، وعصبة الخطر من الهاشميين ، والصفوة من أصحابهم ، وكيف يخفى عليه غدرهم وعدم وفائهم بالوعد وهو يشاهد كل ذلك بواسع علم الإمامة , والتجارب الصحيحة ممّا جرى منهم مع الوصي ، وأخيه المجتبى (صلوات الله عليهم) ، والأخبار النبويّة والعلويّة بما يقع من الملحمة الكبرى التي أتت على النفوس الطاهرة ، وأعقبت الفتح المبين بنهضة رجالات الدين في وجه المنكر والضلال حتّى دمّرت مُلك الاُمويِّين واستأصلت شأفتهم من جديد الأرض ، فأصبحوا عبرة لمَن يتجبّر في هذه الدنيا الزائلة ؟

فكان أبو الضيم (عليه السّلام) على علم ويقين مما يجري منهم معه ، لكنه أراد إتمام الحجة على اُولئك الغدرة , فأجاب سؤلهم ولبّى طَلبتهم بعد التوكيد عليهم بكثرة الكتب والرسل منهم ؛ كي لا تكون الحجة لضعفاء العباد على إمام منصوب من قِبَل الله سبحانه لإرشاد الخلق , وإيقاظهم من رقدة الجهل المردي .


الصفحة ( 55 )


الصفحة ( 56 )

 ولاية مسلم (عليه السّلام)

غير خافٍ أنّ تمثيل نفسية الإنسان الكامل بأوضح مجاليها إنّما هو ببثّ أفكاره الناضجة والإشادة بنواياه الحسنة ، وهي الغاية الفذّة من إرسال الرسول سواء في ذلك أن يكون القصد به نشر أخلاق مرضيّة تتهذّب بها النفوس ، أو تعليم علوم ناجعة تتكهرب بها العقول ، أو إقامة عدل ترتاح به الاُمم ، أو الدعوة إلى دين تعتنقه الأقوام ، أو توطيد سياسة تهشّ عليها الاُمّة ، فلا ندحة للمرسِل إلاّ أن يبعث لأيّ من هذه الغايات الكريمة مَن هو المثَل الأعلى فيها من بين لفيفه وحاشيته ، فيكون نبوع الرسول مجلبة لرغبات الاُمّة الموصلة إلى مرضات ذلك المصلح ، ووقوفه على غايته من الإرسال .

ويجب حينئذ أن يكون ذلك الرسول حكيماً في عمله ، بليغاً في منطقه ؛ ليضع الأشياء في مواضعها ، ويكون قوله على وفق رأيه السديد ، ولا تفوته مقتضيات الأحوال فيكون أدعى لنشور الدعوة ، وأنم عن عبقرية المرسل .

إذا كنتَ في حاجة مرسلا      فأرسل حكيماً ولا تُوصهِ

 

وإنّا لنكتفي عن استعراض الشروط الواجبة في السفير والكلمات التي تنمّ عما يراد منه بذكر ما اتفق عليه أرباب الحديث والتفسير ، فيمَن أرسل مبلّغاً لأوائل براءة ، فإنّ التأمّل في هذه الحادثة توقف النبيل على ما يراد من السفير ، وتلم بالشرائط كلّها .

والقصة في ذلك : إنّ جبرئيل هبط على النبي (صلّى الله عليه وآله) في أوّل ذي الحجة سنة تسع من الهجرة(1) بالآيات من أوّل براءة ليقرأها على قريش في الموسم ، فأرسل

ـــــــــــــــــــ

(1) مصباح الكفعمي / 272 (بمبئي) ، والإقبال لابن طاووس / 533 ـ إيران .


الصفحة ( 57 )

رسول الله أبا بكر بها ليقرأها في منى على قريش ، فلمّا كان على مراحل من المدينة هبط جبرئيل يأمر النبي أن لا يؤدّيها إلاّ هو أو رجل منه(1) ، ولمّا رجع أبو بكر يبكي قال له (صلّى الله عليه وآله) : (( لا عليك ، وكيف تؤدّيها وأنت صاحبي في الغار ؟ ))(2) .

ما أبلغ هذا التركيب وما أبدع هذا الحوار ، وإنّ لهذه الكناية قيمة راقية في سوق البلاغة ؛ فلقد أشار رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بكلمته الذهبية إلى معرفته بضعفه يوم كان معه في الغار ، وأنّه لا طاقة له على ملاقاة المشركين من طواغيت قريش ، فكيف يكون حينئذ مبلّغاً عنه ومحذّراً اُولئك الطغاة ، وقد يجرّه الخوف والضعف إلى الوهن في قدس الرسول الأمين ؟

واعتذار الخطيب الشربيني في السراج المنير في تفسير الآية بحمل فعل النبي على مقتضى قواعد العرب ، من أنّ الرئيس إذا أراد أن يحكم عهداً بينه وبين أحد ؛ فإمّا أن يحضر بنفسه ، وإمّا أن يبعث أحد أقاربه ، متفكّك البرهان باطل القياس ؛ فإن تلك القاعدة التي تخيّلها لو كانت معروفة لَما تخطّاها النبي الأعظم في أوّل الأمر ، ولَما خاف أبو بكر من نزول شيء في حقّه حتّى بكى لذلك ، بل كان يعتقد أنّ الأمر جرى على أساس معروف بين العرب وأجدر بنبيّ العظمة أن لا يعدوه .

ولكن المتأمّل في الحديث الحامل لهذه الحادثة يعرف منه بجلاء منزلة كبرى لعلي أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، وامتيازه على غيره من المهاجرين والأنصار حتّى أقرباء النبي وخاصّته ، الذين هم بحضرته وليست تلك المنزلة إلاّ النيابة العامة والمرجعية لِما تحتاج إليه الاُمّة ، وقد أشار إلى هذا التنزيل بقول جبرئيل للنبي ( أو رجل منك ) .

 فإنّ تلك الذات المكوّنة من جوهر القداسة والممتزجة بالعلم الإلهي أليق في تمثيل مقام النبوة فيما يرد عليها من المسائل التي لا يعرفها إلاّ مَن استمدّ من اللوح المحفوظ ؛ وأمّا غيره فحيث لم ينتهل قطرة من ذلك البحر المتموّج بالحِكم والأسرار فالخطأ والزلّة إليه أقرب من حبل

ـــــــــــــــــ

(1) حديث عزل أبي بكر وإرسال أمير المؤمنين مكانه في تفسير الطبري ، والدر المنثور للسيوطي 3 / 209 ، والكشّاف 2 / 138 ، ومسند أحمد 1 / 3 و/ 151 و3 / 283 ، ومستدرك الحاكم 2 / 331 ، ولم يتعقّبه الذهبي في التلخيص ، وكنز العمال 1 / 247 ، وخصائص النسائي /20 ، والرياض النظرة 2 / 173 ، وتاريخ الطبري 3 / 154 ، وكامل ابن الأثير 2 / 111 ، وتاريخ الخميس 2 / 156 ، والروض الاُنف 2 / 328 .

(2) الإقبال لابن طاووس / 534 و/ 536 .


الصفحة ( 58 )

 الوريد ، حينما تعرض عليه الأسئلة وتلقى أمامه الشبهات فعندها يعود الفشل على ذلك النبي المعصوم من كلِّ عيب ونقصان ؛ لكون الرسول دليل عقل المرسَل .

نعم ، للخطيب أن يقول : إنّ كان الحال على ما وصف فلماذا لم يبعث النبي علياً من أوّل الأمر ؟ فيقال له : إنّ النبي لاحظ في ذلك نكتة مهمة وهي تعريف الناس بأنّ الباعث له على إرسال أمير المؤمنين الوحي الإلهي ، الذي لا بدّ من إنفاذه ، ولو تقدّم إلى علي (عليه السّلام) في أوّل الأمر وأمره بالمسير بالآيات لَكثرت القالة ممّن خالطهم الريب والشكّ بأن القرب والرحم حرّكاه على تقديمه وتمييزه على غيره ، والنبي (صلّى الله عليه وآله) أجلّ من أن يعمل عملاً يكون لضعفاء قومه الحجّة عليه .

إذا وضح هذا ، فهلمّ معي إلى مَن كان مرسلاً إلى حاضرة كبرى ـ الكوفة ـ ليهتف بالغايات جمعاء المطلوبة من الإمام المعصوم ، وكان مبعوثاً من إمام عدل وهدى , وموئل حكمة وحجا ، معصوم من الخطأ , مفطوم من الزلل كمسلم بن عقيل الذي حظي بالنيابة الخاصة من إمام وقته سبط نبي الهدى ؛ لينشر في الملأ العراقي مبادئ الدين القويم , ويوقفهم على أمره الحكيم ، ويقيم الحلال والحرام , ويزيح الشبه والأوهام ، ويدعو إلى سبيل ربّه بالحكمة والموعظة الحسنة , ويجادلهم بالتي هي أحسن ، كل ذلك بعد أن يدير فيهم الشؤون الإدارية والعسكرية ؛ لتوطيد السّلام وكلاءة الأمن العام .

وإذا كان اللازم على الإمام أن يلحظ هذه المهمات ، كان الواجب أن ينتخب لها كفؤاً يرتضيه من وجهة العلم والدين ، ومن وجهة التقوى والورع ، ومن وجهة الفكرة والنظر ، ومن وجهة السياسة والكياسة .

وإذا كان النبي (صلّى الله عليه وآله) يرفق مَن يرسله إلى جهة من الجهات بكتاب يلمّ بتفاصيل الأحكام الدينية والمدنية ، فيقول في كتابه لعمرو بن حزم الأنصاري لمّا ولاّه اليمن : ((

بسم الله الرحمن الرحيم

 هذا بيان من الله ورسوله : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) . عقد من محمّد النبي رسول الله لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن يأمره بتقوى الله في أمره كلّه ( إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ) . وآمره أن يأخذ بالحق كما أمر به الله ، وأن يبشّر الناس بالخير ويأمرهم به ، ويعلّم الناس القرآن ويفقّههم في الدين ، وينهى الناس ؛ فلا يمسّ أحد القرآن إلاّ وهو طاهر ، ويخبر الناس بالذي لهم وبالذي عليهم ، ويلين للناس


الصفحة ( 59 )

بالحق , ويشتدّ عليهم في الظلم ؛ فإنّ الله عزّ وجلّ كره الظلم ونهى عنه ، وقال : ( ألا لعنة اللهِ على الظالمين ) . ويبشّر الناس بالجنّة وبعملها , وينذر بالنار وبعملها ، ويستألف الناس حتّى يتفقّهوا في الدين ، ويعلّم الناس معالم الحج وسنّته وفريضته , وما أمر الله به في الحج الأكبر والحج الأصغر وهو العمرة .

وينهى الناس أن يصلّي أحد في ثوب صغير إلاّ أن يكون ثوباً واحداً يثني طرفيه على عاتقيه ، وينهى الناس أن يجتبي أحد في ثوب واحد يفضي بفرجه إلى السماء ، وينهى أن لا يقصّ أحد شعر رأسه إذا عفا في قفاه ، وينهى إذا كان بين الناس هيج عن الدعاء إلى القبائل والعشائر .

وليكن دعاؤهم إلى الله وحده لا شريك له ، ومَن لم يدعُ إلى الله ودعا إلى القبائل والعشائر فليقطعوا بالسيف حتّى يكون دعاؤهم إلى الله وحده لا شريك له .

ويأمر الناس بإسباغ الوضوء وجوههم وأيديهم إلى المرافق ، ويمسحون برؤوسهم كما أمر الله عزّ وجلّ وأرجلهم إلى الكعبين ، وآمره بالصلاة لوقتها , وإتمام الركوع والخشوع ، ويغلس بالفجر , ويهجر بالهاجرة حين تميل الشمس ، وصلاة العصر والشمس في الأرض مدبرة ، والمغرب حين يُقبل الليل لا تؤخّر حتّى تبدو النجوم في السماء ، والعشاء أوّل الليل(1) .

ويأمر بالسعي إلى الجمعة إذا نودي لها ، والغسل عند الرواح إليها ، وأمره أن يأخذ من المغانم خمس الله ، وما كتب على المؤمنين في الصدقة من العقار عشر ما سقت العين وما سقت السماء , وعلى ما سقى الغرب نصف العشر ، وفي كل عشر من الإبل شاتان ، وفي كل عشرين من الإبل أربع شياة ، وفي كل أربعين من البقر بقرة ، وفي كل ثلاثين من البقر تبيع أو تبيعه ؛ جذع أو جذعة ، وفي كل أربعين من الغنم سائمة وحدها شاة ؛ فإنها فريضة الله التي افترض الله عزّ وجلّ على المؤمنين في الصدقة , فمَن زاد خيراً فهو خير له .

ومَن أسلم من يهودي أو نصراني إسلاماً خاصاً من نفسه ودانَ بدين الإسلام

ـــــــــــــــــــ

(1) التفرقة بين الظهر والعصر , والمغرب والعشاء محمولة على الفضيلة بعد ورود الأحاديث عن النبي (صلّى الله عليه وآله) وأهل بيته بصحة الجمع بينهما في غير سفر ولا ضرورة ، رواه البيهقي في السنن 3 / 166 من طرق أربعة ، وفي مسند أحمد 1 / 354 . قيل لابن عباس : لم جمع رسول الله بين الصلاتين ؟ قال : كي لا يحرج على اُمّته ،

وفي المبسوط لشمس الدين السرخسي 1 / 149 نقل عن أحمد بن حنبل جواز الجمع بين الظهر والعصر , والمغرب والعشاء في الحضر من غير عذر ، وروي عن ابن عباس أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) جمع بين الظهر والعصر , والمغرب والعشاء بالمدينة من غير عذر ، وأجمع علماء الإماميّة على جواز الجمع بينهما ولو لغير عذر .


الصفحة ( 60 )

 فإنّه من المؤمنين ؛ له مثل ما لهم وعليه مثل ما عليهم ، ومَن كان على نصرانيته أو يهوديّته فإنه لا يفتن عنها ، وعلى كل حالم ذكراً واُنثى ، حرّ أو عبد دينار واف أو عوضه ثياباً ، فمَن أدّى ذلك فإنّ له ذمّة الله وذمّة رسوله ، ومَن منع ذلك فإنه عدو لله ولرسوله وللمؤمنين صلوات الله على محمّد ، والسّلام عليه ورحمة الله وبركاته ))(1) .

هكذا كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) مع عمّاله وولاته ، ولكنه لمّا أرسل أمير المؤمنين (عليه السّلام) إلى اليمن بعد صلح أهل نجران لم يرفقه بمثل هذا الكتاب ؛ لعلمه بوقوفه على الأحكام وخبرته بالشؤون التي تدير الأمّة ، وهو باب مدينة علم الرسول ، وأقضى الأمّة وأفقهها .

كما أنّ أمير المؤمنين (عليه السّلام) عندما يرسل والياً من قِبَله يشرح له الاُمور الواجبة على الوالي القيام بها كما فعل مع الأشتر ، ومحمد بن أبي بكر وغيرهما .

إذاً فحسب مسلم بن عقيل من العظم أن يكون في نظر الإمام الشهيد كعمّه الوصي عند النبي (صلّى الله عليه وآله) واقفاً على الدروس الإلهية والمعارف القدسية ، بصيراً بوجوه المحاججة والنظر ، خبيراً بمداراة الخاصة والعامة ، رابط الجأش عند مستن النزال ، لم ترعه الهزاهز ولم توقفه المشكلات عن كشفها بحبلي البرهان ، ولم يثنِه أشح عن بذل النائل في محله اللائق ، ولم تأخذه في الله لومة لائم في إحقاق الحقِّ ، وفصل الخصومات والانتصاف للمظلومين .

فأبو عبد الله لم يرسل مسلماً إلى العراق والياً من قِبَله إلاّ وهو يعلم أنّه من فقهاء بيته الهاشمي ، وعلماء أسرته وأتقياء فئته ، وساسة ذويه ومن ذوي الحنكة واللياقة من قومه ، وإنه لحري بإقامة الأمت والعوج ، وتثقيف الأود وتهذيب الاُمّة وإصلاح الفاسد ودحض الأباطيل ، فلا يحتاج إلى شرح ما يجب عليه من الأعمال ؛ لعقله الوافر وعلمه الغزير وسياسته الحكيمة ، وتحريه المصالح العامة .

ومن هنا اقتصر الإمام الشهيد في صكّ الولاية على تعريف أهل الكوفة بأنّ مسلماً أخوه وثقته ، والمفضّل عنده من أهل بيته(2) .

ولا يرتاب الواقف على هذا الصكّ في أنّ الحسين (عليه السّلام) لا يريد من

ـــــــــــــــــ

(1) تاريخ الطبري 3 / 157 ، وصبح الأعشى 10 / 9 ، وفتوح البلاذري / 77 ، وسيرة ابن هشام 2 / 384 .

(2) المنتخب للشيخ الجليل الطريحي .


الصفحة ( 61 )

الوثاقة التي حازها مسلم إلاّ تلكم الغايات الكريمة التي ألمعنا إليها ، وقيامه بشؤون الولاية العامة , واحتوائه على مجامع الفضيلة .

ثمّ تلك الإخوة التي شرّفه بها سيّد الشهداء (عليه السّلام) لا تعدو أن تكون إخوة شرف ووداد ، إخوة علم ودين , إخوة سؤدد وخطر ، وأيّ ابن اُنثى يرتضيه إمام الحقِّ أخاً له من بين المسلمين إلاّ أن يكون ذلك الإنسان الكامل الذي لا يدرك شأو مجده ، ولا يبلغ أحد مدى عظمته (صلى الله عليه وعلى آبائه) ؟!

 سفر مسلم إلى العراق

تقيّض مسلم (عليه السّلام) لِما ندبه إليه أبو عبد الله الحسين (عليه السّلام) من حمل أعباء النيابة الخاصة ومعه صكّ الولاية ، أو الشرف الوضاح والسؤدد الخالد ؛ فخرج من مكّة للنصف من شهر رمضان(1) على طريق المدينة ، وإذ وصلها صلّى في مسجد الرسول وزار بقعته المقدسة(2) وودّعه الوداع الأخير ، وجدّد هنا لك المواثيق المؤكّدة على ما انطوت عليه أضالعه من التضحية والمفادات دون إحدى الحُسنيين ؛ الحياة السعيدة أو الخلود بالذكر المؤبّد بمرضاة ربّ العالمين .

ثمّ ودّع أهله وسافر إلى العراق ومعه قيس بن مسهر الصيداوي ، وعمارة بن عبد الله السلوي ، وعبد الرحمن بن عبد الله الأزدي(3) مع دليلين استأجرهما من قيس يدلاّنه على الطريق(4) .

ولم يأخذ الطريق الجدد إلاّ وألق الحق معه ، ولم يهبط إلى وادٍ إلاّ وعبق الصدق يصحبه ، ومزيج نفسه شهامة من قومه وبسالة من عمّه أمير المؤمنين (عليه السّلام) وعزيمة ممّن شرّفه بالولاية والنيابة عنه سيّد الشهداء ، وأنه لا يرى الموت دون الحق إلاّ سعادة والحياة مع الظالمين إلاّ برما .

وبينا هو يسير إلى قصده الأسنى إذ ضلّ الدليلان عن الطريق ، فتاهوا في البر

ــــــــــــــــ

(1) مروج الذهب 2 / 6 ، شرح الشريشي على مقامات الحريري 1 / 192 .

2) تاريخ الطبري 6 / 198 .

3) كامل ابن الأثير 4 / 9 ، والأخبار الطوال / 231 .

4) الإرشاد للشيخ المفيد .


الصفحة ( 62 )

 واشتدّ بهم الحرُّ والعطش ، ولم يستطِع الدليلان حراكاً , ولكن بان لهما سنن الطريق , فقالا لمسلم : عليك بهذا السمت فالزمه لعلّك تنجو .

وحيث إنه لم يسعه حملهما للتوصّل إلى النجاة ؛ لأنهما على وشك الهلاك ، وغاية ما وضّح للدليلين العلائم المفضية إلى الطريق لا الطريق نفسه ، ولم تكن المسافة بينهم وبين الماء معلومة ، وليس لهما طاقة على الركوب بأنفسهما ولا مردفين مع آخر ، وبقاء مسلم (عليه السّلام) معهما إلى منتهى الأمر يفضي إلى هلاكه ومَن معه ، فكان الواجب المؤكّد التحفّظ على النفوس المحترمة بالمسير لإدراك الماء ؛ فلذلك تركهما في المكان(1) .

ومضى على الوصف ومات الدليلان عطشاً ، وأفضى مسلم إلى الماء فأقام به , وهذا الموضع(2) يُعرف بالمضيق من بطن الخبت(3) . وكتب إلى الحسين (عليه السّلام) مع رسول استأجره من أهل هذا الموضع يعرفه خبر الدليلين ، وأنه ينتظر أمره .

وهنا نستفيد منزلة عالية لمسلم في التقوى والورع في أمر الدين ، وأنه لا يتخطّى رأي حجة الوقت في حلّه ومرتحله ، وإنما كتب إلى إمامه بهذه الحادثة ؛ لأنه احتمل أن يكون هذا الحادث يغيّر رأي الإمام ، فتوقف عن المسير ليرى ما عنده ، ويكون على بصيرة في إنفاذ أمره .

ولمّا قرأ السّبط الشهيد كتاب مسلم أمره بالمسير إلى مقصده ، تعريفاً بأنّ هذه الأحوال لا تغيّر ما عزم عليه من إجابة طلب الكوفيِّين ، وقد ملؤوا الأجواء هتافاً بأنهم لا إمام لهم غيره ، ينتظرونه ليقيم ودّهم ، فلو لم يجبهم تكون لهم الحجة عليه يوم نصب الموازين ، والإمام المنصوب من قِبَل الله تعالى لا يعمل عملاً يسبّب اللوم عليه .

ــــــــــــــــ

(1) استنبطنا ذلك مما يحمله مسلم من القدسية التي تمنعه من ترك الأولى ، فضلاً عمّا يراد من الدين ، بل ما تقتضيه الإنسانية .

(2) الأخبار الطوال / 232 .

(3) في الطبري 6 / 198 ، وابن الأثير 4 / 9 الخبيت : بالخاء المعجمة والباء الموحّدة ثمّ المثناة من تحت وبعدها المثناة من فوق ، وفي إرشاد الشيخ المفيد الخبت : بالخاء المعجمة ثمّ الباء الموحّدة وبعدها تاء مثناة من فوق ، وفي نص الأخبار الطوال / 232 الحربث : بالحاء والراء المهملتين ثمّ الباء الموحّدة وبعدها ثاء مثلثة ، وهو غير مراده قطعاً ؛ لأن الحربث كما في تاج العروس ومعجم البلدان نبت طيب .

وأمّا ما في الإرشاد فيمكن إرادته ؛ لأنه في تاج العروس 1 / 614 ذكر من معانيه المتّسع من الأرض والوادي العميق الوطيء ينبت العضاة , وقرية لزبيد في البر مشهورة ، وماء لكلب .

كما أنّ الأوّل يمكن إرادته ؛ لأن الخبيت ـ كما في معجم البلدان والمعجم مما استعجم للبكري ـ ماء لبني عبس ، وأشجع يقع في العالية وهي الحجار ، وفي المستعجم أنه موضع على بريدين من المدينة .


الصفحة ( 63 )

 مسلم لا يتطيّر

 تمهيد :

جاء النبي (صلّى الله عليه وآله) حاملاً لواء الدعوة الإلهية ، وفيها بثّ روح النشاط في معتنقيها إلى كل معروف راجح في الشريعة ، أو مباح تداولته العقلاء في التوصّل إلى مقاصدهم ؛ لئلاّ يربكهم العطل فيتقهقروا عن الرقيّ ، ويعوزهم الحصول على الثروة ، ويضيق نطاق المملكة عن التوسّع ، ويعروا ملكهم عن الأبهة ، ويقصروا عن نيل الغايات يستنتج ذلك من الأحاديث النبوية ، وكلمات الأئمة ، من خلفائه الواردة في الحثّ على التجارة والزراعة والصدقة ونحوها ، وإليك يسراً منها لتعرف الغاية المرموقة للشريعة المطهّرة .

فيقول رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( تسعة أعشار الرزق في التجارة , والجزء الباقي في الغنم ، وإنّ مَن بات ليلته كلاً من طلب الحلال بات مغفوراً له )) .

 وقال أمير المؤمنين (عليه السّلام) : (( تعرّضوا للتجارة فإنّ فيها غنى لكم عمّا في أيدي الناس ، وإنّ الله يحبّ المحترف الأمين ؛ فهذا داود (عليه السّلام) أوحى إليه الله تعالى : إنّك نِعم العبد إلاّ أنك تأكل من بيت المال ولا تعمل بيدك .

فبكى داود (عليه السّلام) أربعين صباحاً حتّى أوحى الله تعالى إليه : إنّي ألَنت لك الحديد فاعمل منه ، فكان يعمل بيده كلّ يوم درعاً يبيعه


الصفحة ( 64 )

 بألف درهم ، فعمل ثلاثمئة وستين درعاً باعها بثلاثمئة وسبعين ألفاً ، واستغنى بها عن بيت المال )) .

 ورأى محمّد بن المنكدر أبا جعفر الباقر (عليه السّلام) خارجاً إلى بعض نواحي المدينة في وقت حار وهو يتصبّب عرقاً , فقال له : إنك من أشياخ المدينة تخرج على مثل هذا الحال لطلب الدنيا ، أرأيت لو جاءك أجلك وأنت على هذا الحال ؟

فقال (عليه السّلام) : (( إنّي لا أخاف أن يجيئني أجلي على هذا الحال وأنا في طاعة الله ؛ أكفّ بها نفسي وعيالي عنك وعن الناس ، وإنما كنت أخاف لو جاءني الموت وأنا على معصية من معاصي الله )) .

 ورأى أبو عبد الله الصادق (عليه السّلام) المعلى بن خُنيس متأخراً عن السوق ، فقال له : (( اغدُ إلى عزّك ؛ فإنّ رسول الله قال : ملعون ملعون مَن ألقى كَلّه على الناس )) .

 وقال أبو الحسن موسى (عليه السّلام) : (( مَن طلب الرزق من حلّه ليعود به على نفسه وعياله كان كالمجاهد في سبيل الله ))(1) .

وقالوا (عليهم السّلام) في الصدقة : (( إنها تذهب نحس ذلك اليوم ، وإنّ الله يدفع بالبكور شرّ ما ينزل من السماء إلى الأرض في ذلك اليوم ، وإنّ يد المعطي أحد الأيدي الثلاثة التي يقول فيها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : يد الله العليا ، ويد المعطي تليها ، ويد السائل السفلى ، فأعط الفضل ولا تعجز نفسك ))(2) .

وفي الزراعة يقول الصادق (عليه السّلام) : (( والله ، ما عمل أحد عملاً أحلّ ولا أطيب من الزراعة والغرس ؛ فإنّ الزراعة الكيمياء الأكبر ، ولقد جعل الله أرزاق أنبيائه في الزراعة والضرع ، إلاّ إدريس كان خيّاطاً .

وأمر سبحانه وتعالى آدم (عليه السّلام)

ــــــــــــــــــ

(1) هذه الأحاديث ذكرها الحر العاملي في الوسائل 2 / 527 و529 و531 ـ طبع عين الدولة .

(2) النصوص / 47 .

 

Description: الصفحة السابقة

 الصفحة ( 65 )

أن يحرث بيده ليأكل من كدّه ))(1) .

 وهذه آثار كافية في التعريف بما عليه الشريعة من الحثّ المتأكد للدؤوب على الأعمال ، والنشاط في أمر الدنيا للعون على الآخرة ، والتكفّف عمّا في أيدي الناس ، وكفاية ما أهمّهم من أمر العيال ، وأنّ التواني عن العمل مبغوض للشارع المقدس ؛ لاستلزامه محاذير لا تتفق مع ما يراد من البشر في التوجّه نحو الخالق جلّ شأنه القابض على أزمّة القضاء والقدر ، وأنّ الواقف على مباحث علمي الأخلاق والفقه يجد الكثير من الشواهد على هذه الدعوى .

ومنها منفيّات جاءت بها الملّة الحنيفيّة اكتسحت ما تداوله الجاهليّون ، مما يضرب على يد النشيط ويوقف سير البشر عن بلوغ الغايات ؛ كالتأثير بمجاري النجوم ، وسعود الأيّام ونحوسها ، وإن كنّا لا ننكر أنّ المشيئة الإلهية جعلت للأوقات الخاصة والآيات الكونية ـ كالكسوف والخسوف والزلزلة ، وظهور المذنّبات وتغيير الهواء ـ دخلاً في نزول البلاء الذي قدره والخير الذي أمضاه ، لكن لا على نحو العلة التامة كعلّية النار للإحراق ، بحيث لا يمكن التخلّف عند حدوثها ، وإنّما تلك الحوادث من المقتضيات التي يرتفع أثرها ببعض الأسباب المقارنة لها .

ومن هنا نرى المشرّع الأعظم (صلّى الله عليه وآله) أمر أمّته بالفزع إلى الله تعالى بالصلاة والدعاء والاستغفار ونحوها ، مما فيه الزلفى للمهيمن جلّ شأنه عند حدوث الأشياء المخيفة ، ولا مانع عقلاً من أن يودع المولى سبحانه وتعالى في مجاري الكواكب والأوقات الخاصة جهة اقتضاء لنزول بلائه ، ويجعل بمقتضى لطفه وحنانه وكرمه على عباده أسباباً اُخر تسلب آثار تلك المقتضيات إن وقعت مقارنة لها .

وقد جاءت الشريعة بكثير من هذه الأسباب الرافعة لتأثير المقتضيات ، كصلة الأرحام الموجبة لنمو العدد من العمر والمال والولد ، وكالصدقة والتوكل على الله والاستغفار المذهب لنحس اليوم وشرّ ما ينزل من السماء .

ومن هذا الباب ما جاء : إنّ الرؤيا على ما عبّرت ولا تقصّوها إلاّ على مَن يعقل(2) ، ولا يحدّث بها إلاّ حبيب أو لبيب(3) ؛ فالحبيب يردعه حبّه عن أن يسيء إلى حبيبه بالتعبير السيّئ ، واللبيب يردعه اللبّ والعقل عن إساءة أخيه في الدين ، والغاية منه رفع الإساءة

ــــــــــــــــــ

(1) المصدر نفسه / 649 .

(2) البحار 14 / 436 .

(3) المجازات النبوية ـ للشريف الرضي / 251 ، مصر .


الصفحة ( 66 )

 عن النفوس الباعثة على التأخّر في العمل ، وتوليد روح الإقدام فيها بكسح العرقلة أمام مسعاه .

وليس الغرض أنّ تعبير الرؤيا بالحسن مما يغيّر القدر الجاري ، بل القضاء يكون على مجراه حتّى مع حسن التعبير ، إذ ليس في نفس الرؤيا دليل قطعيّ على دفع القدر المحتوم فيما إذا كان التعبير حسناً ، بل الغاية أنّ الإنسان مع حسن التعبير لا يتأخّر عن العمل بخلاف التعبير السيّئ فإنه يوجب الفتور والتأخّر عن الحركة وربما يؤدّي إلى الشرك .

ومما أكدت الشرعية نفيه (الطيرة) ؛ فإنها اكتسحت ببيانها الأوفى ما اعتاده الجاهليّون مما يردع العامل عن قصده ، ولا يتاح له الحصول على غاياته ، وأوضحت مضار هاتيك العرقلة أمام مسير الاُمّة ؛ فالمسلم المستنير بالتعاليم الربوبية لا يكترث بالأقرن والأعضب والبارح(1) .

وإلى هذه التافهات من عادات الجاهلية يشير الكميت الأسدي بقوله :

ولا أنا ممّن يزجر الطيرُ همَّهُ       أصاح غرابٌ أم تعرّض ثعلبُ
ولا  السانحاتُ البارحات عشيةً       أمرّ سليمُ القرن أم مرّ أعضبُ

 وهذه العقيدة الراسخة في نفسه استفادها من تعاليم أئمته من آل الرسول (عليهم السّلام) ، الدعاة إلى شرع جدّهم ، الذي لم يزل يهتف غير مرّة بأنّ الطيرة مرفوعة عن هذه الاُمّة(2) ، وأنها من الشرك , (( وما منّا مَن يتطيّر ))(3) .

(( ومَن استقسم أو تكهّن أو تطيّر طيرة تردّه عن سفره لم ينظر إلى الدرجات العلا يوم القيامة ))(4) . (( وإنّ مَن أرجعته الطيرة من حاجة فقد أشرك ))(5) . (( فإذا تطيّرت فامضِ ))(6) .

وكتب بعض البغداديين إلى أبي الحسن (عليه السّلام) يسأله عن الخروج يوم الأربعاء ، فقال :

ـــــــــــــــــــ

(1) في تاج العروس 2 / 123 : البارح ما مرّ من الطير من يمينك إلى يسارك ، والسانح عكسه ، والأوّل يتطيّر منه دون الثاني ، وفيه 1 / 387 : الأعضب مكسور القرن , والأقرن صحيحه .

(2) الخصال للصدوق في باب التسعة .

(3) نهاية ابن الأثير 3 / 58 ، وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 4 / 430 .

(4) محاضرات الراغب 1 / 67 .

(5) مفتاح دار السعادة 2 / 274 .

(6) محاضرات الراغب 1 / 68 .


الصفحة ( 67 )

 (( مَن خرج يوم الأربعاء خلافاً على أهل الطيرة وقي من كلِّ آفة ، وقضى الله حاجته ))(1) .

 ولمّا سمعت اُمّ كلثوم أباها أمير المؤمنين (عليه السّلام) يقول : (( صوائح تتبعها نوائح )) . قالت : يا أبة , تتطيّر ؟ قال (عليه السّلام) : (( يا بُنيّة ، ما منّا أهل البيت مَن يتطيّر ولا يتطيّر به ، ولكن قولٌ جرى على لساني ))(2) .

 ولم يحكِ الله التطيّر إلاّ عن أعداء الرسل المائلين عن صراط الشريعة ، المنحرفين عن التعاليم المقدسة ؛ فإنهم قالوا لرُسلهم : ( إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ * قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ ) .

وفي الحكاية عن قوم صالح : ( قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ ) . وفي الحكاية عن قوم فرعون : ( فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلاَ إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ ) . وفي الحكاية عن أعداء رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : ( وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ) .

فالطائر سواء فسّر بالبلاء المنزل عليهم أو العمل المسبّب لنزول البلاء تكون نسبته إلى الله تعالى ، باعتبار أنه المُجازي لهم على أعمالهم القبيحة ، ونسبته إليهم باعتبار تسبيبهم لنزول البلاء بالجحود والطغيان على المولى الحكيم جلّ شأنه ، وتكذيب الرسل بما جاؤوا به من عند ربّهم ، وأنذروا اُممهم الذي هو سبب لتقدير قضاء الله وحلول بلائه ونقمته .

وعلى كل حال فالشريعة المطهّرة ردعت عن كلِّ ما يعرقل البشر عن الفوز والنجاح والمضي في الأعمال وبلوغ الغايات . وإنّ التطيّر بتلك الاُمور المعروفة عند العرب فمع اعتقاد أنّ لها التأثير في الخير والشر فهو شرك كما في الحديث ، ومع عدم الاعتقاد بها فمن الخطأ الواضح التأخير عن الأعمال عند عروضها ، وإنّ أشدّ الناس خوفاً وأضيقهم صدراً وأحزنهم قلباً كثير الاحتراز لِما لا يضرّه ولا ينفعه ، وكم شخص حرم بذلك نفسه من الرزق بتأخّره عن الأعمال لمجرد سماع أو رؤية ما يسوؤه .

وقد أوضح النبي (صلّى الله عليه وآله) لاُمّته فساد الطّيرة ؛ ليعلموا أنّ الله تعالى

ــــــــــــــــــ

(1) مَن لا يحضره الفقيه للصدوق / 168 .

(2) المستدرك للنوري 2 / 27 .


الصفحة ( 68 )

 لم يجعلها سبباً لِما يخافونه ، لتطمئن قلوبهم وتسكن نفوسهم إلى وحدانية الباري عزّ شأنه ، فيترسّلون في أعمالهم ولا يحذرون من وخامة العاقبة ، فلا ينبغي للإنسان التوقّف في أعماله متّكلاً على هذه الاُمور التي لا يقام لها وزن في جنب الإرادة الإلهية .

ثمّ من لطف الشارع بالأمّة جعل لهم أسباباً يكون قيامهم بها منجاة من وخامة ما يتطيّرون منه ، فأرشدهم إلى أنّ التوكّل على الله يذهب ما يخاف من الطيرة(1) ، والصدقة تدفع الأضرار الموهومة(2) ، والدعاء عند السفر منجاة من الشرّ كما قال أمير المؤمنين (عليه السّلام) عند خروجه إلى النهروان : (( اللّهمّ لا طير إلاّ طيرك ، ولا ضير إلاّ ضيرك ، ولا خير إلاّ خيرك ، ولا إله غيرك ))(3) .

 أو كما قال موسى بن جعفر (عليه السّلام) : (( اعتصمت بك يا ربِّ من شرّ ما أجد في نفسي ، فاعصمني من ذلك ))(4) .

 وكما صدر من الشارع نفي الطيرة أخبر عن حسن الفأل بالأسماء الحسنة ، والسر فيه أنّ التفاؤل يوجب النشاط في العمل والمضي في المقصد ، وهو الذي يريده المولى سبحانه من العباد .

فالتطيّر بما أنه تشاؤم من المرئي أو المسموع يكون قاطعاً للعبد عن مقام (إيّاك نستعين) ، وفاتحاً على نفسه باب الخوف بغير الله ، ومن هنا أطلق عليه الشرك وتبرّأ منه النبي (صلّى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السّلام) فقالوا : (( ما منّا مَن يتطيّر )) .

وأمّا الفأل فحيث إنه من الأشياء السارّة للقلوب , المؤيّدة للآمال ، الفاتحة باب الرجاء , المسكّنة للخوف ، الرابطة للجأش ، الباعثة على الاستعانة بالله والتوكّل عليه ، المفضية بصاحبها إلى الطاعة والتوحيد ، حرّض عليه النبي (صلّى الله عليه وآله) وأحبّه فقال : (( لا طيرة وخيرها الفأل )) .

 ــــــــــــــــ

(1) الوسائل 2 / 180 ـ عين الدولة .

(2) المصدر السابق / 182 .

(3) أمالي الصدوق .

(4) مَن لا يحضره الفقيه / 168 ، وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 4 / 431 .


الصفحة ( 69 )

 وفي لفظ آخر : (( ويعجبني الفأل الصالح ))(1) .

 وفي حديث بريدة : كان النبي لا يتطيّر وإنما يحب الفأل(2) ؛ استقبلته في سبعين من أسلم فقال لي : (( ما اسمك ؟ )) . قلت : بريدة . فسرّ وجهه وقال : (( برد أمرنا وصلح . وممّن ؟ )) . قلت : من أسلم . قال : (( سلمنا ، ثمّ ممّن ؟ )) . قلت : من بني سهم . قال : (( خرج سهمنا ))(3) .

وليس في حديث اللقحة التي أمر بحلبها فقام رجلان ليحلباها ، وكان اسم أحدهما مُرة والآخر حرب فأمرهما بالجلوس ، حتّى إذا قام ثالث اسمه يعيش أمره بالحلب (4) ، ما يشهد للتطير ؛ فإنه من المحال على النبي أن ينهى عن شيء ثمّ يرتكبه ، وإنما صدر منه هذا تأكيداً لِما نهى عنه من التسمية بمثل حرب ومرة وجمرة وأمثالها ، فأتبع قوله الفعل ؛ تعليماً للمسلمين بالمضي على أمره مطمئنين غير هيّابين .

ومما يؤكّده ما في بعض الأحاديث من زيادة قول عمر : أتكلّم يا رسول الله أم أصمت ؟ فقال (صلّى الله عليه وآله) : (( بل أصمت وأنا أخبرك بما أردت . ظننت يا عمر أنها طيرة وليس بذلك ؛ فإنه لا طيرة إلاّ طيره , ولا خير إلاّ خيره ، ولكن أحب الفأل الحسن ))(5) .

 والنكتة في نهي النبي عن التسمية بالأسماء القبيحة ـ حتّى غيّر بعض الأسماء إلى ما هو أحسن ، كتغيير الحباب بن المنذر إلى عبد الرحمن ، وشهاب إلى هشام ، وحرب إلى سلم ، وأبي مرة إلى أبي حلوة ، وبني مغوية إلى بني مرشدة(6) ـ هو إرشاد الاُمّة إلى أنّ البقاء على مذاهب سلفهم من التسمية بتلك الأسماء ربما يؤدّي إلى حزن بعضهم من

ــــــــــــــــــ

(1) البخاري 4 / 14 ، ومسلم 2 / 260 .

(2) مسند أحمد 5 / 347 .

(3) الاستيعاب ـ ترجمة بريدة .

(4) موطأ مالك 3 / 140 ـ مصر .

(5) مفتاح دار السعادة 2 / 262 .

(6) المصدر نفسه .


الصفحة ( 70 )

بعض عند المصاحبة والملاقاة ؛ لكون الطيرة من الغرائز الكامنة في النفوس .

فقد يعبّر الإنسان تعبير السوء من اشتقاق الاسم فيفارق صديقه وأخاه في السفر والمعاملات والشركات فتنحل عرى الاجتماع وتفكّك الوحدة والتضامن ، فكان من لطف الشارع على الأمّة ورأفته بهم أن عرّفهم بأن لا يقيموا على حال يتنفّر منها لغير عذر ولا فائدة تعود في الدين والدنيا ، فإنه جاء حاملاً لواء الوحدة والاجتماع والتراحم ، وإدخال المسرّات على المؤمنين ؛ ولذا كان يأمر بالغسل والطيب يوم الجمعة ، ويمنع آكل الثوم من دخول المسجد ؛ لِما فيه من الاستكراه الموجب للتنفّر ، والفرقة الرافعة للحنان والعطف .

وأمّا عدوله (صلّى الله عليه وآله) عن الجبلين في طريقه إلى بدر ـ وكان أهل أحدهما بنو النار والآخر بنو محرق ـ فليس للتطيّر ؛ لأنه كان على حال أحوج فيها إلى الاجتماع والتضامن من التفرّق ، وغرائز الناس على حالها من الانقباض عن الأسماء القبيحة ، فأراد النبي (صلّى الله عليه وآله) مماشاتهم في هذا الحال ؛ كي لا يتفرّق جيشه تطيّراً من اسم الجبلين وأهلهما .

هذا على فرض صحة الحديث ، وإلاّ فالمجال واسع في حساب اُولئك الرجال من حيث الاعتماد على مرويّاتهم .

وسؤال الحسين (عليه السّلام) عن اسم الأرض ، ولمّا اُخبر بأنها كربلاء قال : (( كرب وبلاء )) . لم يكن من التطيّر في شيء ؛ فإنّ المتطيّر لم يعلم ما يرد عليه وإنما يستكشف ذلك من تلك الأشياء المعروفة عند العرب إنها سبب لورود الشر ، وسيّد الشهداء كان على يقين مما ينزل به في أرض الطفِّ من قضاء الله تعالى ، فهو عالم بالكرب الذي يحلّ به وبأهل بيته (عليهم السّلام) .

كما أنه (عليه السّلام) لم يكن جاهلاً باسم الأرض ، كيف والإمام عندنا معاشر الإماميّة عالِم بما يجري في الكون من حوادث وملاحم ، ويعرف ما أودع الله في الأشياء من أسرار ومزايا ، أقداراً من مبدع السماوات والأرضين (جلّت عظمته) .

فإنه سبحانه أودع في الأئمة الطاهرين قوة قدسية نورية بواسطتها كانوا يتمكّنون من استكشاف الأشياء ، ويقفون على أنساب الناس ، وما تكنّه الصدور ، وما يدّخرون ، ويعرفون لغات الحيوانات ، وإذا جاز في سليمان (عليه السّلام) أن يعرف منطق الطير كما قال تعالى : ( عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ ) , ففيمَن تكوّن من نور النبي (صلّى الله عليه وآله) الذي هو أكمل


الصفحة ( 71 )

 الكائنات أولى وأجدر ، وهذه القوة عبّر عنها في الآثار بعمود نور يرفع للإمام (عليه السّلام) عند الولادة يرى به أعمال العباد وما كان ويكون .

فسؤال الحسين (عليه السّلام) عن اسم الأرض التي منعوا من اجتيازها(1) ، أو أنّ الله أوقف الجواد فلم ينبعث(2) كما أوقف ناقة النبي (صلّى الله عليه وآله) عند الحديبية فلم تنبعث حتّى هبط جبرئيل يأمره بالنزول في هذا الموضع والصلح مع قريش(3) ، لأجل أن يعترف أصحابه بتلك الأرض التي هي محل التضحية الموعودين بها بإخبار النبي والوصي (صلّى الله عليهما وآلهما) لتطمئن القلوب ، وتمتاز الرجال ، وتثبت العزائم ، وتصدق المفادات .

وهذا باب من الأسئلة معروف عند علماء البلاغة يعرف بتجاهل العارف , أو سَوق المعلوم مساق المجهول ، وإذا كان فاطر الأشياء الذي لا يغادر علمه صغيراً ولا كبيراً يقول لموسى (عليه السّلام) : ( وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى ) ، ويقول سبحانه لعيسى (عليه السّلام) : ( أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ ) ، لضرب من المصلحة ؛ فالإمام المنصوب من قِبَله أميناً على شرعه ، ودليلاً لعباده لا تخفى عليه المصالح .

وهذا كسؤال النبي (صلّى الله عليه وآله) عن اسم الجبلين , واسم الرجلين اللذَين قاما لحلب اللقحة ، ألم يكن النبي الأعظم المتكوّن من النور الأقدس عالماً بذلك ؟ وإنما النكتة ما أشرنا إليها .

لقد ورد عن الشارع أحاديث ربما يستظهر منها غير المتأمّل في أسرارهم إثبات الطيرة مثل ما ورد : أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال : (( لا عدوى ولا طيرة , وإنما الشؤم في ثلاثة : المرأة والفرس والدار ))(4) .

وهذا في الحقيقة إخبار عمّا تعلّقت به إرادة المولى جلّ شأنه بعدم السعادة في هذه الأشياء لمَن اقترن بها ، وصاحبها نظير خلق المسك وغيره من الأرواح الطيّبة فبعض الأشخاص يتلذّذ بها ، وبعض يلحقه الضرر منها ، كما أودع تعالى شأنه في بعض الأحجار

ــــــــــــــــ

(1) كامل ابن الأثير 4 / 21 .

(2) المنتخب للشيخ الجليل الطريحي .

(3) ابن الأثير 2 / 76 .

(4) صحيح مسلم 2 / 261 .


الصفحة ( 72 )

 خواص من خير أو شر تلحق مَن يحملها .

ومن هذا القبيل المرأة والفرس والدار ، فإنّ الله تعالى قضى بسعادة مَن قارنها كما قضى بنحوسه جرياً لناموس المصالح والمفاسد في الأشياء ، فأين هذا الطيرة التي يحكم فيها بنحوس الشيء وإن لم يجعله الله كذلك ؟

والنبي (صلّى الله عليه وآله) حيث لم يسعه المصارحة بهذه الأسرار ؛ لبُعد العقول عنها أجمل البيان ، ثمّ نصب قرينة على المراد باقتران هذه الثلاثة بنفي الطيرة في كلام واحد ، وإلاّ فلا يعقل منه (صلّى الله عليه وآله) أن ينفي الطيرة ثمّ يفرضها في كلام واحد فيقول : لا طيرة وإنما الشؤم في ثلاثة ... إلخ .

على أنه ورد في أحاديث آل الرسول (عليهم السّلام) ما يفسّر ذلك الشؤم المخبر عنه ، ففي حديث الصادق (عليه السّلام) : (( شؤمُ المرأة كثرةُ مهرها وعقوقُ زوجها ؛ وأمّا الدابة فمنعها ظهرها وجماحها ؛ وأمّا الدار فضيق ساحتها وشرّ جيرانها وكثرة عيوبها ، ومن بركة المرأة خفّة مؤنتها ويُسر ولادتها ))(1) .

 وفي وصية النبي (صلّى الله عليه وآله) لأمير المؤمنين (عليه السّلام) : (( العيش في ثلاثة : دار قوراء ، وجارية حسناء ، وفرس قباء ))(2) .

ونفي العدوى في هذا الحديث لا ينافي ما ورد أنّ الرجل يصيب إبله الجرب فيوردها على إبل صحيحة ، فقال النبي (صلّى الله عليه وآله) : (( لا توردن ذا عاهة على مصح )) ؛ فإنّ الغرض من النهي التحرّز عن إيذاء المؤمن بإدخال الإبل الجرب على الصحيحة ؛ لاعتقاده أنّ ذلك مؤثّر في العدوى فيتسبب منه التنفّر من هذا الفاعل والمذمّة له .

وقد جاءت الشريعة بالتعاضد والاُلفة بين المسلمين ، فقوله : (( لا توردن ذا عاهة )) . ليس العدوى ؛ إذ قد يكون في الحيوان الوارد عليه المريض مناعة تضاد ميكروب الجرب فلا يصاب بذلك الداء ، ومن هنا قال الشريف المرتضى : إنّا نجد كثيراً ممّن يخالط الجربى فلا يجرب ، ويخالط الصحيح ذا عاهة فلا يصيبه من دائه شيء ، فنهي النبي (صلّى الله عليه وآله) لم يكن

ـــــــــــــــــ

(1) معاني الأخبار للصدوق / 49 .

(2) الخصال الصدوق 1 / 62 .


الصفحة ( 73 )

 للملازمة الواقعية في التأثير .

كما أنّ أمره (صلّى الله عليه وآله) بالفرار عن المجذوم في قوله : (( فر من المجذوم فرارك من الأسد ))(1) لا دلالة فيه على العدوى بحيث تكون مقاربة المجذوم علّة تامّة للتأثّر ؛ لإمكان وجود المناعة الرافعة للانفعال ، بل الغرض من الأمر بالفرار الإيعاز إلى استقذاره ، ونتن ريحه ، والتنفّر منه ، وربما يسبّب ذلك تعييره والازدراء عليه ، فينكسر ذلك المبتلى بقضاء الله ، والمولى الحكيم لا يريد من العباد إلاّ التراحم والعطف فيما بينهم .

وامتناع النبي (صلّى الله عليه وآله) من إدخال المجذوم عليه للبيعة(2) لا دلالة فيه على العدوى ، وإلاّ فقد ورد الحديث أنّه أخذ بيد مجذوم ووضعها في القصعة وقال : (( كُل ثقة بالله ، و توكّلا عليه ))(3) .

كما أنّ السجاد (عليه السّلام) السائر على ضوء جدّ ه وأبيه لم يمتنع من الأكل مع المجذومين ؛ ففي الحديث أنه (عليه السّلام) مرّ على مجذومين يأكلون فدَعَوه إلى الأكل معهم ، فقال (عليه السّلام) : (( لولا أنّي صائم لفعلت )) . فلمّا صار إلى منزله أمر بطعام فصنع ، ثمّ دعاهم فأكلوا وأكل معهم(4) .

فلو كانت مقاربة المجذومين علّة تامة للعدوى لَما فعل الإمام (عليه السّلام) ولكنه بيّن للواقفين على فعله معهم ـ ممّن حضر ومن الأجيال المتتابعة ـ أنّ الاتصال بذوي العاهات قد لا يؤثر في انفعال الأجسام الصحيحة ؛ لوجود القوة المانعة منه ، أو للتوكل على الله والثقة بأنه سبحانه مورد البلاء حسب المقتضيات .

ــــــــــــــــ

(1) أمالي السّيد المرتضى 4 / 111 ، ومختلف الحديث لابن قتيبة / 123 ، وسفينة البحار 1 / 148 عن أمالي الصدوق ، والهيئة والإسلام للشهرستاني 1 / 27 ـ بغداد ، وصحيح البخاري 4 / 8 ، كتاب الطب ، ومفتاح دار السعادة 2 / 287 .

(2) مختلف الحديث / 123 .

(3) مفتاح دار السعادة 2 / 287 .

(4) البحار للمجلسي 11 / 117 ، عن الكافي .


الصفحة ( 74 )

مسلم يتفاءل

 لقد طال البحث في هذا الموضوع ، والكلمة الفاصلة أنّ أحاديث نفي الطيرة وأمثالها إنما وردت لاكتساح عادات الجاهلية ، مما يوقف الإنسان عن المضي في أعماله متّكلاً على هذه الاُمور التي لا تأثير لها في جنب الإرادة الإلهية والقضاء الإلهي ؛ ومن أجل هذا ذكر أهل البيت (عليهم السّلام) أسباباً توجب الانحراف عن تلك العقائد ، وتلزم بالمضي في الأعمال ؛ لئلاّ تقع الأمّة في الضلال المردي والفشل الذي يفتّ في عضد المجتمع .

إذاً فما حدث به ابن جرير الطبري من تطيّر مسلم (عليه السّلام) لمّا مات الدليلان عطشاً(1) لا واقع له ؛ فإنّ مَن يقرأ سيرة مسلم (عليه السّلام) يعرف أنه ذلك الرجل العظيم السائر على نصوص القانون الإلهي ، المستنير بما جاء به حامل الدعوة مشرفهم الرسول (صلّى الله عليه وآله) من المعارف ومكارم الأخلاق ، وإذا كان مسلم لم يتباعد عمّا رواه سيّد الوصيين (عليه السّلام) من حديث النبي (صلّى الله عليه وآله) : (( الإسلام قيّد الفتك )) .

فلم يفتك بابن زياد وهو الغشوم اللدود ، المفرّق لأمّة محمّد الحائد بها عن الصراط السّوي ، فكيف يتأخّر عمّا أفادته الأحاديث الكثيرة من نفي الطيرة التي لم تزل أنديتهم تلهج بها صباحاً ومساءً ، وهم المقيّضون لِما يراد من العباد من أعمال الخير وتبعيدهم عن خطة الخسف والهوان .

فهل والحالة هذه يجوّز العلم والوجدان نسبة التطيّر

ــــــــــــــــ

(1) تاريخ الطبري 6 / 198 .


الصفحة ( 75 )

 إلى رسول الحسين (عليه السّلام) وخليفته في حاضرة الكوفة ، ليكون مرشداً ومهذّباً ورادعاً للأمّة عمّا لا يتفق مع قدس الشريعة ؟

ولئن غاضينا ابن جرير على عدم معرفته بما حواه هذا البيت المنيع من رجالات الإصلاح ، فلسنا نسالمه على هذه البادرة التي نسبها إلى مسلم الذي لم يعرف منزلته ، ولا مقدار عمله وما يتوخّاه من أسمى الغايات ، وقد فاته أنّ الرواة أرادوا شيئاً كشف المستقبل عن تفكك قياسه .  

Description: الصفحة السابقة

نعم ، كان مسلم (عليه السّلام) يتفاءل كما كان النبي (صلّى الله عليه وآله) وأبناؤه الهداة يتفاءلون ، وذلك لمّا ارتحل من ذلك الماء أشرف على رجل يرمي ظبياً فصرعه ، فسرّه وتفاءل بقتل عدوّه(1) .

ولئن فرح ابن زياد بالغلبة على رسول الحسين (عليه السّلام) ، فقد أخطأ الحفرة ؛ فإنّ الظافر هو ابن عقيل كما تفاءل ، إذ ليس الفتح إلاّ ما يترتب على تلك النهضة من تعريف الاُمّة نوايا اُولئك المتآمرين عليها بالقهر والغلبة ، وقد أخذت الاُمّة بسبب ذلك القيام في وجه المنكر تتلو في كل زمان مخازي زياد وابنه ، ومَن مكّنهم من رقاب المسلمين . ولئن سرّ ابن زياد الفتح العاجل فلقد أعقبه ندماً ـ ولات حين مندم ـ يوم كثر اللّوم عليه حتّى من أهله وخاصّته .

فإنّ أخاه عثمان قال له : وددت أنّ في أنف كل رجل من بني زياد خزي أمة ، وأنّك تقتل حسيناً . فلم ينكر عليه عبيد الله(2) .

وقالت له اُمّه مرجانة : ماذا صنعت مع الحسين ، وماذا فعلت ؟ فلم يجبها بشيء(3) .

وبماذا يجيبها وللهتاف بخطأه وزلّته دويّ في آذانه ؟ وأكّد ذلك ما شاهده من النار الخارجة من بعض نواحي القصر قاصدة سريره فولّى هارباً منها إلى بعض بيوت القصر ، وعند ذلك تكلّم الرأس الأزهر بصوت جهوري سمعه ابن زياد وبعض مَن حضر : (( إلى أين تهرب يا ملعون ؟ فإن لم تنلك في الدنيا فهي في الآخرة مثواك )) .

 ولم يسكت الرأس حتّى ذهبت النار ، وأدهش مَن في القصر لهذا الحادث

ــــــــــــــــــ

(1) إرشاد المفيد .

(2) تاريخ الطبري 6 / 268 .

(3) المصدر نفسه 7 / 6 .


الصفحة ( 76 )

 الذي لم يشاهد مثله(1) .

 افتراء على الحسين (عليه السّلام)

لقد تجلّى مما ذكرناه من رفع الطيرة في الشريعة الافتراء على ابن عقيل في كتابه إلى الحسين (عليه السّلام) : إنّي تطيّرت من هذا الوجه ، فإن رأيت أن تعفيني وتبعث غيري . فيكتب إليه الحسين : أمّا بعد ، فقد خشيت ألاّ يكون حملك على هذا إلاّ الجبن ، فامض لوجهك الذي وجّهتك له(2) .

فإنّ المتأمّل في صكّ الولاية الذي كتبه سيّد الشهداء لمسلم بن عقيل لا يفوته الإذعان بما يحمله من الثبات والطمأنينة ورباطة الجأش ، وإنه لا يهاب الموت ، وهل يعدو بآل أبي طالب إلاّ القتل الذي لهم عادة وكرامتهم من الله الشهادة ، ولو كان مسلم هيّاباً في الحروب لَما أقدم سيّد الشهداء على تشريفه بالنيابة الخاصة عنه التي يلزمها كل ذلك .

فتلك الجملة التي جاء بها الرواة وسجّلها ابن جرير للحطّ من مقام ابن عقيل الرفيع متفكّكة الأطراف ، واضحة الخلل . كيف وأهل البيت ومَن استضاء بأنوار تعاليمهم لا يعبؤون بالطيرة ولا يقيمون لها وزناً ؟

وليس العجب من ابن جرير إذا سجّلها ليشوّه بها مقام شهيد الكوفة ، كما هي عادته في رجالات هذا البيت ! ولكن العجب كيف خفيت على بعض أهل النظر والتدقيق حتّى سجّلها في كتابه ، مع أنه لم يزل يلهج بالطعن في أمثالها , ويحكم بأنها من وضع آل الزبير ومَن حذا حذوهم ؟!

ــــــــــــــــــ

(1) شرح قصيدة أبي فراس / 149 ، إيران .

(2) تاريخ الطبري 6 / 198 .


الصفحة ( 77 )


الصفحة (78)

 في بيت المختار الثقفي

 لم تكن زعامة الكوفة ولا الترفّع بالمكارم العظيمة ، ولا الاعتصام بالقبيلة قصراً على المختار بن أبي عبيد الثقفي يومئذ ؛ فإنّ في حاضرة الكوفة رجالات يكافئون أبا إسحاق في العظمة والنفوذ إن لم نقل بأنهم ينيفون عليه ، وإنما وقع اختيار مسلم (عليه السّلام) على المختار حيث عرفه منذ نعومة أظفاره من خاصة البيت العلوي ، وممّن أخلص للعلويِّين بالمفادات .

وذلك يوم جاء به أبوه إلى أمير المؤمنين (عليه السّلام) فأجلسه على فخذه وهو صبي ، وقال له وهو يمسح على رأسه : (( يا كيّس يا كيّس ))(1) . فكانت هذه الكلمة من سيّد الوصيين ـ العالِم بما كان ويكون ـ درساً بليغاً للواقف عليها , تفيده فقهاً بما يظهر على يد المختار من مظاهر السداد وأفعال ذوي الحجا من الأخذ بحقّهم ، وطلب تراثهم , مشفوعاً ذلك بالجزم والكيّس .

وإنّ هذه الكلمة الصادرة من أمير المؤمنين (عليه السّلام) من مختبئات المستقبل ، نعرف من تدوين العلماء لها وتحمل روايتها الاهتمام بها ، وأنها اشربت رمز المستقبل وألمعت إلى الحوادث التي يقوم بها ، وكشفت حاشية من الستر المرخى على ذلك الستر المصون .

وكان المختار يحسب لهذه البشارة حساباً ويحدّث بها نفسه ، والأحاديث التي أوردها الشيخ الجليل ابن نما الحلي من أعيان القرن السادس في رسالته (أخذ الثار)

ـــــــــــــــــ

(1) رجال الكشي / 84 .


الصفحة ( 79 )

 تدلّنا بكل وضوح على اعتقاد المختار بمغزى تلك الكلمة الغالية التي فاه بها باب مدينة علم الرسول .

ومن تلك الأحاديث :

(أ) إنّ المختار لقي معبد الجدلي فقال له : يا معبد ، إنّ أهل الكتب ذكروا أنّهم يجدون رجلاً من ثقيف يقتل الجبّارين وينصر المظلومين ويأخذ بثأر المستضعفين ، ووصفوا صفته فلم يذكروا صفة إلاّ وهي فيّ ، غير خصلتين ؛ أنه شاب وقد جاوزت السّتين ، وأنّه رديّ البصر وأنا أبصر من عقاب .

فقال له معبد : أمّا السّن فإنّ الستين والسبعين عند أهل ذلك الزمان شاب ؛ وأمّا بصرك فما تدري ما يحدث الله فيه ، ولعلّه يكلّ .

فقال المختار : عسى أن يكون ذلك إن شاء الله .

(ب) إنّ ابن زياد حبس المختار ، وميثم التمّار ، وعبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب الملقّب (ببه) ، فطلب عبد الله حديدة يزيل بها [ الشعر من ] بدنه وقال : لا آمن من ابن زياد القتل ، فأكون قد ألقيت ما على بدني من الشعر .

فقال المختار : لا يقتلك ولا يقتلني ، ولا يأتي عليك إلاّ القليل فتلي البصرة . وميثم التمّار يسمعها فقال للمختار : وأنت تخرج ثائراً بدم الحسين (عليه السّلام) فتقتل هذا الذي يريد قتلنا , وتطأ بقدميك على وجنتيه . فكان الأمر كما قالا ؛ ولّي عبد الله البصرة وخرج المختار طالباً بثأر الحسين(1) .

(ج) سائر المختار المغيرة بن شعبة أيّام ولايته الكوفة من قِبَل معاوية فمرّ بالسوق فالتفت المغيرة إلى المختار يقول : يا لها من غارة ويا له جمعاً! إنّي لأعلم كلمة لو نعق لها ناعق لاتبعوه ، ولا سيّما الأعاجم الذين إذا ألقي إليهم الشيء قبلوه .

فقال له المختار : وما هي يا عمّ ؟

قال المغيرة : يستأدون بآل محمّد (صلّى الله عليه وآله) . فأغضى عليها المختار(2) .

لم تزل هذه الكلمة تتردّد في نفس المختار حتّى أصاب لها موقعاً ، فإنه بعد أن قتل سيّد الشهداء (عليه السّلام) أخذ ينشر فضل آل محمّد (صلّى الله عليه وآله) ، ويتوجّع لِما أصابهم ، وكان على يقين من تحقّق تلك البشائر ، معتقداً أنّ المولى سبحانه وتعالى سيولّيه تلك المكرمة ، مؤيّداً بالنصر عندما يرفرف على رأسه طائر الظفر ويخفق أمامه علم الفتح .

ــــــــــــــــ

(1) رسالة أخذ الثأر ، وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1 / 110 .

(2) أنساب الأشراف 5 / 223 ـ طبع ليدن .


الصفحة ( 80 )

 هذا هو السبب الوحيد في اختيار مسلم النزول في دار المختار(1) عند ما ورد الكوفة لخمس خلون من شوال(2) . وقيل : نزل على مسلم بن عوسجة الأسدي(3) , وكان دار المختار تدعى دار سلام بن المسيب(4) .

ولم يكن انتقاله إلى دار هاني بن عروة لموجدة وجدها عليه ، وإنّما كان ذلك بعد خطبة ابن زياد بعد دخوله الكوفة ، ووقوع الهرج في المصر خشية من بادرة ابن مرجانة ، فارتأى مسلم أن يستبدل بمحلّه لعلّه أمنع ، فإنّ هانياً كان شيخ مراد ومذحج ، وزعيمها المقدّم ؛ لا يفتات رأيه ، ولا يعصى أمره ، على أنه كان من الرجال المخلصين لآل الرسول (عليهم السّلام) ، باشر الحروب معهم وحنكته التجارب ، ولكن قاتل الله الخذلان , وأبعد الله الكوفيِّين عن الخير .

ــــــــــــــــ

(1) إعلام الورى للطبرسي / 132 .

(2) مروج الذهب 2 / 86 ، وشرح الشريشي على مقامات الحريري 1 / 192 .

(3) البداية لابن كثير 8 / 152 .

(4) روضة الواعظين للفتّال / 148 .


الصفحة ( 81 )

 


الصفحة ( 82 )

 البيعة

 لمّا حلّ مسلم (عليه السّلام) ضيفاً على المختار الثقفي انثال عليه أهل الكوفة ، ولاث به حماة المصر ، وازدلف إليه كماته زرافات ووحداناً يهتفون بالترحيب بداعية حجّة الزمن ، فقرأ عليهم كتاب الحسين (عليه السّلام) وعرّفهم أنه مجيبهم إلى ما يريدون إن لزموا العهد وتدرّعوا بالصبر على مكافحة أعدائهم . وهل كان هذا الهتاف بالترحيب ، والفرح بالاُمنية عن طمأنينة ، وعقد الضمائر على التفاني في النصرة حتّى يغلب الله على أمره ، أو أنه كان مصحوباً بنفاق تكنيه الصدور بين الأضالع ، غدر كمين قد عرف به القوم في تصوراتهم وميولهم إلى جهات متعاكسة .

وإنّ موقف عابس بن شبيب الشاكري وصحبه المخلصين بالولاء للعترة الطاهرة يكشف عن نفسية هؤلاء الجمع المتراكم ، ويفسّر لنا هذه المشكلة والحيرة ، ويعطينا درساً ضافياً عن نوايا القوم وعاداتهم ، وأنّ هؤلاء الشيعة كانوا على شكّ من عزائمهم إن لم نقل بأنهم على يقين من غدرهم ومتابعتهم الأهواء ، غير أنهم لم يرقهم المكاشفة ؛ لئلاّ يعود ذلك فتّاً في عضد البيعة ومثيراً للإحن ، ومحتدماً للبغضاء ، فأجملوا القول وهم ينتظرون نواجم العاقبة .

فيقول عابس لمسلم : إنّي لا أخسرك عن الناس , ولا أعلم ما في نفوسهم وما أغرّك منهم . والله إنّي اُحدّثك عمّا أنا موطّن عليه نفسي ؛ والله لأجيبنّكم إذا دعوتم ، ولأقاتلنّ معكم عدوّكم ، ولأضربنّ بسيفي دونكم حتّى ألقى الله ، لا أريد بذلك إلاّ ما عند الله .


الصفحة ( 83 )

 وقال حبيب بن مظاهر : رحمك الله ، قد قضيت ما في نفسك بواجز من قولك ، وأنا والله الذي لا إله إلاّ هو على مثل ما أنت عليه .

وقال سعيد الحنفي مثل قولهما(1) .

وقد ثبت هؤلاء الأطهار في الدفاع عن آل نبيّهم ، حفظاً للعهد وأداء لأجر الرسالة ، فأعلنوا بما انطوت عليه جوانحهم من صدق المفادات والإخلاص في النهضة ، وما غيّروا وما بدّلوا .

وممّا يؤكد ما أشار إليه عابس وصحبه حديث علي بن الحجاج قال : سألت محمّد بن بشير الهمداني : هل كان منك قول أنت ؟

فقال له : إنّي كنت أحبّ أن يعزّ أصحابي بالظفر ، وما كنت لأحبّ أن اُقتل ، وكرهت أن أكذب(2) .

فإنّ قوله : وكرهت أن أكذب ، شهادة صدق على خداع القوم ، وكذبهم في ذلك الهتاف بالترحيب ومدّ الأكف للبيعة .

أمّا البيعة التي أخذها مسلم من الكوفيِّين فهي على حدّ البيعة التي أخذها رسول الله من الأوس والخزرج في العقبة الثانية(3) وفي يوم الفتح ، وأخذها من المسلمين يوم الغدير ، وأخذها أمير المؤمنين يوم بويع ، وأخذها الحسن من أهل الكوفة بعد شهادة أبيه الوصي فإنها في كل ذلك عبارة عن الدعوة إلى كتاب الله وسنّة رسوله وجهاد الظالمين ، والدفاع عن المستضعفين وإعطاء المحرومين ، وقسمة الفيء بين المسلمين بالسويّة ، وردّ المظالم إلى أهلها ، ونصرة أهل البيت (عليهم السّلام) على مَن نصب لهم العداوة والبغضاء وجهل حقّهم ، والمسالمة لمَن سالموا , والحرب لمَن حاربوا , من دون ردّ لقولهم ، ولا تخطئة لفعلهم , ولا تفنيد لرأيهم .

وإنّ المؤرّخين وإن أغفلوا نصّ البيعة التي أخذها مسلم (عليه السّلام) من الكوفيِّين ، كما أغفلوا الكثير من آثار أهل البيت التي تستفيد الاُمّة منها تعاليم راقية في

ــــــــــــــــــــ

(1) تاريخ الطبري 6 / 199 .

(2) المصدر نفسه .

(3) السيرة الحلبية 2 / 17 ، وذكر أنهم خمس وسبعون رجلاً ، فقال لهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( أخرجوا لي اثني عشر نقيباً كما أخذ موسى من بني إسرائيل اثني عشر نقيباً ؛ يكونوا كفلاء على قومهم ككفالة الحواريِّين لعيسى بن مريم ، وأنا كفيل على مَن معي من المهاجرين )) .

فاختاروا تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس ، وهنا كلام للعباس بن عبد المطلب في المحافظة على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ينم عن عقيدته الراسخة بالتوحيد والإيمان منذ البعثة ، فلا يعبأ بما ذكره المؤرّخون من إسلامه بعد بدر .


الصفحة ( 84 )

 التهذيب والإصلاح لكنّا نقطع بأنّ داعية إمام الحق لم يتخطَّ طريقة النبي وخلفائه المعصومين ، المقيّضين لإرشاد البشر بما يجب عليهم من أمر الدين والدنيا ، وأنّهم كانوا في أخذ البيعة على هذا النهج .

وبعد أن فرغ من التعريف بأمر البيعة الذي يراد منهم ، تداكّ الناس يمسحون أيديهم على يده ، يهتفون بالرضا والتسليم كما فعل الأنصار مع النبي (صلّى الله عليه وآله) ليلة العقبة ، وقريش يوم الفتح ، والمسلمون يوم الغدير ، وأهل المدينة يوم بويع أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، وأهل الكوفة مع السّبط الزكي (عليه السّلام) ؛ فإنّ هذا هو المعروف فيمَن يبايع يمسحون أيديهم على يده . نعم ، في بيعة النساء يوم الفتح جيء بإناء فيه ماء وغمس النبي يده في الماء ، وكل امرأة تأتي للبيعة تغمس يدها في ذلك الماء .

فبلغ عدد مَن بايع مسلماً (عليه السّلام) ثمانية عشر ألفاً , أو خمسة وعشرين ألفاً(1) .

وفي حديث الشعبي أنّهم أربعون ألفاً(2) ، وسرعان ما انقلبوا على أعقابهم فخسروا شرف الدنيا ، كما عداهم الفوز في الدين ، وخلّدوها صحيفة سوداء يتلوها الملوان ولعذاب الآخرة أشدّ وأبقى .

 

 كتاب مسلم إلى الحسين (عليه السّلام)

لمّا أحصى ديوان مسلم ذلك العدد الكثير من المبايعين كتب إلى الحسين مع عابس بن أبي شبيب الشاكري ، وقيس بن مسهر الصيداوي يخبره باجتماعهم على رأيه وطاعته ، وانتظارهم لقدومه ، وفيه يقول : الرائد لا يكذب أهله ، وقد بايعني من أهل الكوفة ثمانية عشر ألفاً ، فعجّل الإقبال حين يأتيك كتابي .

وكان هذا قبل مقتل مسلم بسبع وعشرين يوماً(3) ، وانضمّ إليه كتاب أهل الكوفة فيه : عجّل القدوم يابن رسول الله ؛ فإنّ لك بالكوفة مئة ألف سيف فلا تتأخّر(4) .

ــــــــــــــــ

(1) مناقب ابن شهر آشوب 2 / 210 .

(2) مثير الأحزان لابن نما / 11 .

(3) تاريخ الطبري 6 / 224 .

(4) البحار 10 / 185 .


الصفحة ( 85 )

 خطبة النعمان

لمّا بلغ النعمان بن بشير الأنصاري ـ وهو والي الكوفة من قِبَل يزيد ـ اجتماع الكوفيِّين على مسلم (عليه السّلام) وبيعتهم له ، رقى المنبر وقال : اتقوا الله عباد الله ، ولا تسارعوا إلى الفتنة والفرقة ؛ فإنّ فيها يهلك الرجال ، وتُسفك الدماء ، وتُغصب الأموال .

وإنّي لم اُقاتل مَن لم يقاتلني ، ولا أثب على مَن لا يثب عليّ ، ولا اُشاتمكم ولا أتحرش بكم ، ولا آخذ بالقرف ولا الظنة ولا التهمة ، ولكنكم إن أبديتم صفحتكم لي ونكثتم بيعتكم وخالفتم إمامكم ، فوالله الذي لا إله غيره لأضربنّكم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي ولو لم يكن لي منكم ناصر ، ما إنّي أرجو أن يكون مَن يعرف الحقّ أكثر ممّن يريده الباطل .

فأنكر عليه جماعة ممّن له رأي مع بني اُميّة ، حتّى قال له عبد الله بن مسلم بن سعيد الحضرمي ، وكان مخالفاً لبني اُميّة : إنّ هذا الذي أنت عليه فيما بينك وبين عدوّك رأي المستضعفين ، ولا يصلح ما ترى إلاّ الغشم .

فردّ عليه النعمان : بأنّي أكون من المستضعفين في طاعة الله أحبّ إليّ من أن أكون من الأعزّين في معصية الله(1) .

إنّ هذا الوالي لم يرد بكلمته: خالفتم إمامكم ونكثتم بيعتكم إلاّ التمويه على العامة بصورة خلاّبة يذكر فيها البيعة ليزيد ، وإنّه إمام لا تجوز مخالفته ، وإلاّ فهو جد عليم بأنّ ما رماه من القول لا صلة له بالحقيقة ، لولا تأليفه البسطاء وإغرائه الضعفاء المتحرّين

ــــــــــــــــ

(1) تاريخ الطبري 6 / 199 .


الصفحة ( 86 )

عيشة راضية مع أيّ مسيطر ، أليس هو القائل : إنّ ابن بنت رسول الله أحبّ إلينا من ابن بجدل(1) .

ثمّ هَبْ أنّا غاضيناه في نزعته الاُمويّة ، ورأيه العثماني المباين لكل علوي في المبدأ ، فلسنا نسأله على كلمته هذه المنهالة من شتّى نواحيها ، أيحسب أنّه يدلي بحجة قوية ويذكر بيعة صحيحة لإمامٍ عدل لا تجوز مخالفته ؟

ألا مُسائل هذا الرجل : متى انعقدت هذه البيعة ؟ أبرضاً من أهل الحلّ والعقد , أم بكراهية من الناس حين أحاط بهم الإرهاب من ناحية , والطمع من ناحية اُخرى ، والسيف المزهق لنفوسهم على رؤوسهم ، وآخرون انثالوا عليه وحقائبهم مملوءة من وفره ، وأطراف المفاوز تقلّ كلّ فارٍّ بدينه ، وهناك صدور واغرة ، وفي زوايا الأندية ألسنة تلهج باستعظام الواقعة ووخامة العاقبة ؟

وكان عبد الرحمن بن أبي بكر يجاهر بأنها هرقلية كلّما مات هرقل قام هرقل مكانه(2) ، والأحنف يذكر معاوية بالشروط التي أعطاها الحسن , وكان فيها أن لا يقدّم على الحسنين أحداً مع ما لهما من الفضل ، وأهل الكوفة لم يبغضوهما منذ أحبّوهما , والقلوب التي أبغضوه بها بين جوانحهم(3) .

لكن معاوية لم يعبأ بكل نصيحة أسديت إليه من عمّاله والكبراء الملتفّين حوله ، وأخذ يبذل الأموال لتمهيد البيعة لولده يزيد حتّى تمكّن مما أراد بالوعد والوعيد .

ثمّ نقول لهذا الوالي : متى رضيت العامة والخاصة بالبيعة لابن هند ؟ حتّى ترضخ لمَن بعده لولا سماسرة الأهواء ومتّبعي الشهوات ، ومَن ذا الذي يقصده الوالي المستغشم للملأ حوله من هذا الإمام الذي لا تجوز مخالفته ، ولا تحلّ نكث بيعته ؟ أهو ابن ميسون المعروف ببوائقه ومخاريقه المستهتر الماجن ؟ وهل يعرّف مجهولاً أو ينوّه بمَن لا تعرفه الاُمّة ؟

لئن نسي النعمان بوائق يزيد فلم تنسه المواخير والقيان ، ولم تغفل عنه المعازف والدنان ، ولم تلهِ عنه المعرة والفجور , والعود والقرود .

ليس بغريب من النعمان إذا جاهر ببيعة يزيد بعد أن كان متأثّراً بنفسية أبيه (بشير) الذي لم تشرق عليه أنوار الولاية فأخذ يتردّد الجمل في الطاحونة ، وصمّ

ــــــــــــــــ

(1) الإمامة والسياسة 2 / 3 .

(2) ابن الأثير 3 / 199 .

(3) الإمامة والسياسة 1 / 141 .


الصفحة ( 87 )

سمعه عن النداء الإلهي يوم الغدير وغيره بنصب الوصي (عليه السّلام) عَلَماً يُهتدى به إلى الطريق اللاحب ، فكان السابق إلى بيعة أبي بكر يوم السقيفة ولم يبارح تلك الأندية إلى أن قتل في وقعة (عين التمر) مع خالد بن الوليد .

فمشى ولده النعمان على ذلك الأثر ، وجرّته المطامع إلى مهوى سحيق ، وكان أبغض شيء عليه أهل الكوفة ؛ لرأيهم في أمير المؤمنين (عليه السّلام) وميلهم إلى آل النبي (صلّى الله عليه وآله) ؛ ومن هنا لم يمتثّل أمر معاوية في زيادة اُعطيات الكوفيِّين عشرة دنانير ، وكلّما راجعوه في ذلك أبى(1) .

ولرأيه العثماني ونزعته الاُمويّة أرسلته نائلة بقميص عثمان إلى معاوية بالشام ،ليؤلّب الناس على ابن عمّ النبي ووصيّه المقدّم(2) ، وشهد مع معاوية صفّين ولم يكن من الأنصار وغيره(3) ، وولاّه معاوية على الكوفة(4) وأقرّه يزيد عليها ، وبعد ولاية ابن زياد عليها ولاّه حمص ، ولمّا ثار أهل المدينة على عامله بعد وقعة الحسين (عليه السّلام) أرسله يزيد إلى المدينة ليهدّئ أهلها(5) .

ومع هذا كلّه فإنه يعلم أنّ معاوية وابنه لم يستحقّا من الخلافة موطأ قدم ؛ لخلوهما من كل فضيلة تؤهّلهما لإمرة المسلمين ، ولم يخفِ عليه فضل أبي الريحانتين . كيف وهتاف النبي (صلّى الله عليه وآله) وإصحاره بما له من الخصال الحميدة ملأ مسامعه ، لولا حكم الهوى وحبّ الدنيا والتقلّب في الولايات .

ــــــــــــــــ

(1) الأغاني 14 / 115 .

(2) المحبر لابن حبيب النسّابة / 292 ـ طبع حيدر آباد الدكن .

(3) صفّين لنصر بن مزاحم / 506 و510 ـ مصر .

(4) كامل ابن الأثير 3 / 204 ، حوادث سنة 59 .

(5) تاريخ الطبري 7 / 4 .


الصفحة ( 88 )

ولاية ابن زياد

لمّا حلّ مسلم بن عقيل في الكوفة وبايعه الناس ساء ذلك مَن كان له هوى في بني أميّة ، فكتب عبد الله بن مسلم الحضرمي ، وعمارة بن عقبة بن أبي معيط ، وعمر بن سعد بن أبي وقاص إلى يزيد : أمّا بعد ، فإنّ مسلم بن عقيل قدم الكوفة وبايعته الشيعة للحسين بن علي ، فإن كان لك بالكوفة حاجة فابعث إليها رجلاً قويّاً ينفذ أمرك ، ويعمل مثل عملك في عدوّك ؛ فإنّ النعمان بن بشير رجل ضعيف أو يتضعّف .

ولمّا اجتمعت عند يزيد كتبهم استشار سرجون مولى أبيه فيمَن يولّيه ، فأشار عليه بعبيد الله بن زياد ، فكتب إليه يزيد : أمّا بعد ، فإنّ شيعتي بالكوفة كتبوا إليّ بأنّ مسلم بن عقيل يجمّع الجموع لشقّ عصا المسلمين ، فَسِر حين تقرأ كتابي إلى الكوفة فتطلب ابن عقيل طلب الخرزة ، حتّى تثقفه فتوثقه أو تقتله أو تنفيه ، والسّلام .

فأقبل مسلم بن عمرو الباهلي بالكتاب إلى عبيد الله بالبصرة ، ولمّا قرأه تجهّز للمسير إلى الكوفة من الغد .

ثمّ خطب أهل البصرة قائلاً : إنّ أمير المؤمنين يزيد ولاّني الكوفة ، وأنا غاد إليها الغداة ، فوالله إنّي ما تقرن بي الصعبة , ولا يقعقع لي بالشنئان ، وإنّي لنكل لمَن عاداني , وسمّ لمَن حاربني :

قد أنصف القارة مَن راماها

يا أهل البصرة ، قد أستخلف عليكم عثمان بن زياد بن أبي سفيان وإيّاكم والخلاف والإرجاف ، فوالذي لا إله غيره , لئن بلغني عن رجل منكم خلاف لأقتلنه وعريفه ووليّه ، ولآخذنّ الأدنى بالأقصى حتّى تسمعوا لي ، ولا يكون فيكم مخالف ولا


الصفحة ( 89 )

 مشاق ، أنا ابن زياد أشبهته من بين وطأ الحصى ، ولم يتنزعني شبه خال ولا ابن عم .

وسافر من البصرة إلى الكوفة مع مسلم بن عمرو الباهلي ، وشريك بن الأعور الحارثي وحشمه وأهل بيته(1) ، والمنذر بن الجارود العبدي ، وعبد الله بن الحارث بن نوفل في خمسمئة انتخبهم من أهل البصرة ، فجدّ في السير وكان لا يلوي على أحد يسقط في الطريق مخافة أن يسبقه الحسين إلى الكوفة ، حتّى أنّ شريك بن الأعور سقط وسقط عبد الله بن الحارث ومعه أناس رجاء أن يلوي عليهم ابن زياد فلم يلتفت إليهم .

ولمّا ورد القادسية سقط مولاه مهران , فقال له زياد : إن أمسكت على هذا الحال فتنظر القصر فلك مئة ألف . قال : لا والله لا أستطيع ، فنزل عبيد الله وأخرج ثياباً من مقطعات اليمن ولبس عمامة سوداء وتلثّم موهِماً أنه الحسين ، وانحدر وحده ودخل الكوفة ممّا يلي النجف(2) .

وكلّما مرّ بالمحارس ورأوا تلك البزّة ظنّوا أنّه ابن رسول الله , فيهتفون بصوت عال : مرحبا بابن رسول الله . وهو لا يكلّمهم ، وخرج إليه أناس من بيوتهم متباشرين ظنّاً أنه الحسين ، فرأى من تباشرهم بالحسين ما ساءه ، وانتهى إلى باب القصر وقد أغلقه النعمان بن بشير ، فأشرف من أعلا القصر يقول : ما أنا بمؤدّ إليك أمانتي يابن رسول الله ، وما لي في قتالك من أرب .

فغضب ابن زياد منه وقال له : افتح لا فتحت فقد طال ليلك .

وسمعه مَن كان خلفه فرجع إلى الناس يقول : إنّه ابن مرجانة وربّ الكعبة(3) ، فتقهقر الناس إلى منازلهم خوفاً من سطوة ابن زياد ، وأخذ الرجل يحدّث جليسه بالشرّ المُقبل من جرّاء هذا الطاغي .

خطبة ابن زياد

وعند الصباح جمع الناس عنده فقال في خطبته : إنّ أمير المؤمنين يزيد ولاّني مصركم وثغركم وفيئكم ، وأمرني بإنصاف مظلومكم ، وإعطاء محرومكم ، والإحسان إلى سامعكم ومطيعكم ، وسوطي على مَن ترك

 

Description: الصفحة السابقة

الصفحة ( 90 )

أمري وخالف عهدي ، وليتّقِ امرؤ على نفسه الصدق ينبئ لا الوعيد(4) ، فأبلغوا هذا الرجل الهاشمي مقالتي وليتّقِ غضبي(5) .

ثمّ أمر العرفاء بكتابة أسماء مَن وافق ابن عقيل ، ومَن لم يفعل ، ولا يضمن خروج أحد تحت عرافته ؛ فهو حلال الدم ويُصلب على باب داره ، وتلغى عرافته من العطاء(6) , أو يُسيّر إلى الزارة (موضع في عمان)(7) ، وإليها نفى ابن زياد المرقع بن ثمامة الأسدي ؛ فإنه يوم الطفِّ كان مع الحسين (عليه السّلام) , ولمّا فنيت نباله أخذ يقاتل بسيفه ، فناداه بعض عشيرته : أنت آمن اخرج إلينا . فخرج إليهم ، فلمّا قدم عمر بن سعد بالأسارى إلى الكوفة وأخبر ابن زياد خبره سيّره إلى الزارة(8) .

ـــــــــــــــــــــ

(1) تاريخ الطبري 6 / 200 .

(2) مثير الأحزان لابن نما / 14 .

 (3) تاريخ الطبري 6 / 201 .

(4) إرشاد المفيد .

(5) نَفَس المهموم / 49 .

(6) الإرشاد .

(7) ابن الأثير 4 / 10 .

(8) تاريخ الطبري 6 / 261 .


الصفحة ( 91 )


الصفحة ( 92 )

موقف الكوفيِّين  

مهما عزب عن الباحث شيء من نفسيات الأمم لغموض فيها أو لحواجز لم تكشف بعد ، فإنه غير خافٍ عليه غرائز الكوفيِّين ، وإنهم في ظعنهم وإقامتهم ونصرتهم ، وخذلانهم ونهضتهم وقعودهم ، كالريشة في مهبّ الريح ، تتلاعب بهم أهواء متضاربة ونزعات وقتية . والذي ينتجه التفكير الصحيح في أمرهم أنّ القوم لا تحرّكهم غاية مرموقة ولا مبدأ ثابت ، شأن الرعاع من الناس الذين يحدوهم الجشع طوراً والشهوة اُخرى ، فرضيخة موهومة من هذا تسوقهم ، ولماظة عيش من آخر تأخذ بأكظامهم ، وبالرغم من ذلك الهلع المردي أنهم ينكفئون عنهما ( بخُفّي حنين ) ؛ فلا دين يُحمد , ولا دنيا يتهنّأ بها .

على هذا جَروا في عاداتهم وضرائبهم منذ مصّرت هذه الحاضرة ، وأخصّ من أيّامها العهد العلوي وأيّام الإمام المجتبى الحسن ، ودَور سيّد الشهداء ، واعطف النظرة بعد هذا إلى نهضة التوّابين ، وأيّام المختار ، وأيّام العلويِّين ؛ كزيد الشهيد ونظرائه الذين غرّوهم فأغرّوهم بالقيام ثمّ انثالوا عنهم .

هذه شناشن القوم لم يفتؤوا يسيرون عليها منذ الأوّل إلى أن دمّرت وعاد أمر الكوفة كحديث أمس الدابر ، وعجيب ممّن يذهب إلى أنّ الكوفة علوية ، إذاً فمَن ذا الذي استأصل شأفة العلويِّين ، وقتل كل ترابي في النسب أو في المذهب ، وهل كان في جيش ابن سعد في مشهد يوم الطفِّ غير كوفي يعرف وقد بلغوا ثلاثين ألفاً أو يزيدون ؟

ألم يكاتبوا الحسين يستقدمونه إليهم ، حتّى إذا حلّ بين أظهرهم انتكثوا عليه تحت راية ابن مرجانة ؟ إلى هنات كثيرة سوّدوا بها صحائفهم .


الصفحة ( 93 )

أتـت كـتبهمْ في طيّهن كتائبٌ      ومـا رُقّـمت إلاّ بـسمِّ الأراقمِ
أن اقدم إلينا يابنَ أكرم مَن مشى      عـلى  قدمٍ من عربها والأعاجمِ

 هكذا عرفت مقادير القوم من الثبات ومبالغهم من السداد وكميّاتهم من الاستقامة ، هَب أنّ القوم لا يهمّهم دين ، ولا تردعهم تقوى ، ولا يتأثرون بجاذب الحقِّ ، وإنّما همّ سماسرة الأطماع يتحرّون المعيشة تحت أيّ راية لمُحق أو مبطل ، فيخدمون كل ناعق شأن النفوس الضعيفة والطبائع المسفة مع الضعة ، فهلاّ كان الشرف الإنساني يقودهم إلى اتّباع أشرف الفريقين نسباً وأرفعهم شأناً ، وأعزّهم حمىً وأنداهم يداً ، وأرجحهم حجا وأكرمهم جدوداً , وأزكاهم نفوساً وأطهرهم ذيولاً ، وأرساهم قَدماً عند مستّن النزال واشتباك الرماح ، فيستبدلون [ الأذناب ] بالقوادم , والعجز بالكاهل ؟

ولو كان في الكوفة يومئذ رجل شريف غير أسرة قليلة ضمّتهم أعماق السجون وضربت على أيدي آخرين القسوة الاُمويّة لَما بغوا عن آل الله بدلاً ، ولَما وجدوا عنهم حولاً ، لكنهم أبوا كما هو لازم جِبلتهم إلاّ أن يسيطر عليهم ابن آكلة الأكباد يزيد الفجور ، ويتولّى أمرهم مثل ابن مرجانة ، ولم يرقهم سبط نبي الهدى ، وابن سيّد الأوصياء وفلذة كبد البتول الزهراء سيّد شباب أهل الجنة .

وأيّ زنة تجمع بين سليل الهدى وبين عصارة المخازي والمنكرات ، وأيّ مقياس يؤلّف بينهما ؟ وهل تقام للقوم حجّة يُعذرون بها عندما يوقفون للمحاكمة وقد دخل ابن مرجانة عليهم وحده بلا عدّة ولا عدد ، ولم يملك من الكوفة إلاّ موطأ قدمه , وليس معه ثان يسدّد خطاه ؛ ولذا تزيّا بزيّ سيّد الشهداء , وتلثّم كي لا يُعرف فيُقتل ، وكلّ مَن رآه حسبه أبي الضيم ، فيسلّمون على ابن الرسول ، ولو علموا أنه ابن مرجانة لنالوا منه ؟

وليتهم علموا ، وليتها كانت القاضية ، فكان من أوسع الاُمور البطش به ، أو اعتقاله لكنهم لم يفعلوا !

ولمّا دخل القصر لاث به اُناس يعدّون بالأنامل ، وكان الفتك بهم لإخماد الفتنة أهون شيء للكوفيِّين ؛ فإنه ومَن معه في القصر مقطوعون عن المدد ، والذين بايعوا مسلماً يزيدون على خمس وعشرين ألفاً .

أيعذر هذا الجمع المتراكم في تفكّكهم وتفرّقهم ، ونكثهم البيعة التي أعطوها برغبة واختيار لمجرد تهديد الدّعي بن الدّعي بجيوش الشام ؟ وهل كان في الشام جيش


الصفحة ( 94 )

عتيد يساق إلى العراق والحالة الأموية قلقلة ، وصفوهم متعكّر بهلاك ابن هند ، وعدم الجدارة في وليّ عهده ، فكان جو المملكة الاُمويّة قاتماً ، ومراجل الأحقاد تغلي على بني عبد شمس ؛ فمن متخافت برفض يزيد , إلى مهامس بلعنه ، إلى متجاهر بمناوأته ، ومظاهر عداء الناس تنجم وتخبو .

وفي كل من المدن والرساتيق مؤامرة حول الخلافة المنبوذة ، فهل كان ابن ميسون ـ والحالة هذه ـ يقدر أن يؤلّب جيشاً [ له ] الكفاءة لتدمير العراق ؟

هَب أنه كان يتسنّى له شيء من ذلك ، فهل يتصوّر وصول الجيش إلى العراق قبل أن يُمزّق ابن زياد في قصره تمزيقاً لو كانت النفوس متحفّزة للحقِّ ، ناهضة للدفاع عن الدين القويم ؟

ثمّ أيّ وقت يصل ذلك الجيش الموهوم إلى العراق وفي وسع العراقيين عندئذ استلام الأمر للحسين (عليه السّلام) قبله , ولديهم مقانب وكتائب ممّن بايع مسلم بن عقيل (عليه السّلام) ؟ ولو أنهم فعلوا ذلك ووثبوا في وجه ابن زياد لازدلف إليهم مَن كان ينتظر العواقب ، ويتحفّز للفتح والظفر ، وهناك من رواد المطامع أكثر ، فعندها يسوقون إلى عدوّهم الألدّ جيشاً لهاماً ؛ فينتكث عليه الأمر ، وتنقلب الدائرة ، ويتمّ الأمر لداعية الحسين (عليه السّلام) .

فهل في القوم مضن يعرف شيئاً من هذا ، أو أنهم طبع الله على قلوبهم فهم لا يعقلون ؟ كيف فاتتهم هذه القضايا الطبيعية وراعتهم الأوهام وكلّهم قد مارسوا الحرب وتعاورت عليهم السياسات عادلة وجائرة ؟!

وهَب أنه لم يكن معهم من قوة النفس وثبات الإيمان ما يكبح ذلك الجماح ، أو يدحر تلكم الشهوات فينصروا الإمام العادل (عليه السّلام) أفلا كان في وسعهم التواني والتخاذل عن قتله ، والتألّب كما كانوا يفعلونه مع أمير المؤمنين (عليه السّلام) بعد منصرفه من صفّين وقد عزم على النهضة الهامرة لمُلك ابن هند ، فكانوا يتفرّقون عنه من هنا وهنا حتّى وقف (عليه السّلام) فيهم وقال : (( فَيَا عَجَباً وَاللَّهِ يُمِيتُ الْقَلْبَ وَيَجْلِبُ الْهَمَّ مِنَ اجْتِمَاعِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ عَلَى بَاطِلِهِمْ وَتَفَرُّقِكُمْ عَنْ حَقِّكُمْ ! وددتُ إنّي لم أعرفكم معرفة جرّت ندماً ، قاتلكم الله لقد ملأتم قلبي قيحاً ، وشحنتم صدري غيظاً ؛ أفسدتم عليّ رأيي بالعصيان والخذلان حتّى قالت قريش : إنّ ابن أبي طالب


الصفحة ( 95 ) 

رجل شجاع ولكن لا علم له بالحرب . لله أبوهم ! وهل أحد منهم أشدّ لها مراساً وأقدم فيها مقاماً منّي ؟! لقد نهضت فيها وما بلغت العشرين وها أنا ذا ذرفت على الستّين ))(1) .

ولعمر الحق ، لو لم تجد بنو اُميّة أنصاراً منهم لَما تسنّى لهم إبادة العترة الطاهرة ، فتألّبوا على آل الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) ووثبوا عليهم وثبة الأعداء الألدّاء ، وفي مطاوي نيّاتهم أن لا يدعوا لهم نافخ ضرمة ، كأنهم قوم من الترك أو الديلم ، وكأن لم يكن لهم من الدين موطأ قدم فاستباحوا قتل الأطفال .

ولو نالوا من الشهامة نصيباً لَما استباحوا سبي النساء من بلد إلى آخر ، وهنّ عقائل الوحي وحرائر النبوة ، ولو كانوا يملكون شيئاً من النخوة العربية لَما استسهلوا تلكم المخازي التي تندى منها جبهة الإنسانية وتبرأ منها العاطفة البشرية ، لكنهم نبذوا الإسلام بما ارتكبوا ، نبذوا دين العطف والغيرة ، نبذتهم العروبة ، نبذتهم العادات والتقاليد ، فأهون بهم منبوذين لا يردّهم شيء إلى المجد العربي ولا الشرف القومي ولا الفخر الديني ، ولا أبعد الله غيرهم يوم كاتبوا الحسين (عليه السّلام) واستنهضوه كاتبوا عدوّه فأغرّوه به ، ألا لعنة الله على القوم الظالمين .

ـــــــــــــــ

(1) نهج البلاغة 1 / 77 .


الصفحة ( 96 )

ابنُ سعد مع يزيد

لا مناص من الخضوع لناموس الوراثة الحاكم في الجملة بأنّ لنفسيّات الآباء تأثيراً في الأبناء ؛ إمّا بتسريها إليهم مع الطبيعة المشتركة بين الفريقين ، أو بتمرين مما يترشّح من أواني سلفهم المفعّمة بالفضائل أو الرذائل من مفعولات تلكم الغرائز .

وبطبيعة الحال أنّ الناشئ يتّخذ النواجم من ضرائب سلفه سنّة متبعة ، اللّهمّ إلاّ أن يكبح ذلك الجماح ما تتأثّر به الأبناء بواسطة الكسبيّات ، وهذا على خلاف ذلك الناموس .

وعلى هذا فهلمّ معي إلى عمر بن سعد الذي لم يعرف من أبيه غير المناوأة لأهل هذا البيت (عليهم السّلام) والحسد لهم ، وكان أخف ما نجم من بغضاء سعد بن أبي وقاص قعوده عن نصرة أمير المؤمنين (عليه السّلام) يوم الجمل ، وهو الإمام المفروض طاعته بعد اجتماع الاُمّة عليه ، وقالوا له : لا يصلح لإمامة المسلمين سواك ، ولا نجد أحداً يقوم بها غيرك .

وهو ممتنع عليهم أشدّ الامتناع ، حتّى تداكّوا عليه لا يرون أحداً صالحاً سواه , فلمّا رأى حرصهم عليها بسط يده للبيعة فتمّت بيعة المهاجرين والأنصار ، ولم تكن بيعته مقصورة على واحد أو اثنين أو ثلاثة كبيعة أبي بكر وإمامة عمر الثابتة بأبي بكر وحده ، وتمّت البيعة لعثمان في الحقيقة بابن عوف .

ولمّا عاتبه أمير المؤمنين (عليه السّلام) تظاهر سعد بالشكّ في الجهاد معه وقال : إنّي أكره الخروج في هذا الحرب فاُصيب مؤمناً ، فإن أعطيتني سيفاً يُعرف المؤمن من الكافر قاتلت معك(1) .

ـــــــــــــــ

(1) الجمل للشيخ المفيد / 29 ـ طبع النجف ثاني .


الصفحة ( 97 )

وهذا أعجب شيء منه وقد شاهد من فضل أبي الريحانتين الكثير ، وسمع من النبي (صلّى الله عليه وآله) في حقّه أكثر ! ألم يكن هو القائل : إنّي سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول لعلي : (( أنت منّي بمنزلة هارون من موسى(1) إلاّ أنه لا نبي بعدي)) . ثمّ وضع إصبعيه على أذنيه وقال: إنّي سمعته يقول ذلك وإلاّ استكتا ؟!(2) .

ولمّا قال له معاوية : ما يمنعك أن تسبّ أبا تراب ؟

قال : أمّا ما ذكرت ، ثلاثاً قالهنّ رسول الله لئن تكون لي واحدة منهنّ أحبّ إليّ من أن يكون لي حُمر النِعم , فلن أسبّه . سمعت رسول الله يقول وقد خلّفه في بعض المغازي , فقال له علي : (( يا رسول الله ، تخلّفني مع النساء والصبيان ؟ )) . فقال (صلّى الله عليه وآله) : (( أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنه لا نبوة بعدي )) .

وسمعته يقول يوم خيبر : (( لاُعطينّ الراية رجلاً يحبّ الله ورسوله ، ويحبّه الله ورسوله )) . فتطاولنا لها , فقال : (( ادعوا لي علياً )) . فأتاه وبه رمد ، فبصق في عينيه ودفع إليه الراية ففتح الله عليه .

ولمّا نزلت هذه الآية: ( فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ) . فدعا رسول الله علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً ، وقال : (( اللّهمّ هؤلاء أهلي ))(3) .

ولمّا عاتبه معاوية على ترك القتال معه في صفّين قال له : أتأمرني أن اُقاتل رجلاً قال له رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنه لا نبي بعدي )) ؟ فقال معاوية : مَن سمع هذا معك ؟ فقال سعد : سمعه فلان وفلان واُمّ سلمة . قال معاوية : لو كنت سمعت هذا لَما قاتلته(4) .

ولا شكّ فيما لأمير المؤمنين (عليه السّلام) من السوابق والفضائل والمواقف والتأهّل للخلافة ، كما لا ريب في ثبوت البيعة له باختيار الاُمّة ، وأنّ الخارج على الإمام العادل باغٍ يجب قتله .

وقد اعترف أبو بكر الجصاص المتوفّى سنة (370) بأنّ علياً (عليه السّلام) كان محقّاً

ــــــــــــــــ

(1) صحيح البخاري 2 / 259 .

(2) صحيح مسلم 2 / 323 .

(3) الإصابة لابن حجر 2 / 509 .

(4) شرح النهج لابن أبي الحديد 1 / 201 .


الصفحة ( 98 )

في قتاله الفئة الباغية , ولم يخالف فيه أحد(1) .

وقال أبو بكر ابن العربي الأندلسي المتوفّى سنة (546) : إنّ علياً كان إماماً ؛ لأنهم اجتمعوا عليه ، ولم يمكنه ترك الناس ؛ لأنه كان أحقّ الناس بالبيعة ، فقبلها حوطة على الاُمّة ، وأن لا تسفك دماؤها بالتهارج ويتخرّق الأمر ، وربما تغيّر الدين ، وانقض عمود الإسلام ، وطلب أهل الشام منه التمكين من قتلة عثمان ، فقال لهم علي : (( ادخلوا في البيعة واطلبوا الحق تصلوا إليه )) .

وكان علي أسدّهم رأياً وأصوب قولاً ؛ لأنه لو تعاطى القود لتعصّبت لهم قبائلهم فتكون حرباً ثالثة ، فانتظر بهم أن يستوثق الأمر وتنعقد البيعة العامة ثمّ ينظر في مجلس الحكم ويجري القضاء ، ولا خلاف بين الاُمّة أنه يجوز للإمام تأخير القصاص إذا أدّى ذلك إلى إثارة الفتنة وتشتيت الكلمة .

وحينئذ فكل مَن خرج على علي (عليه السّلام) باغ ، وقتال الباغي واجب حتّى يفيء إلى الحق وينقاد إلى الصلح ، وأنّ قتاله لأهل الشام الذين أبوا الدخول في البيعة ، وأهل الجمل والنهروان الذين خلعوا بيعته حق ، وكان حق الجميع أن يصلوا إليه ويجلسوا بين يديه ويطالبوه بما رأوا ، فلمّا تركوا ذلك بأجمعهم صاروا بُغاة فتناولهم قوله تعالى : ( فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حتّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ ) .

ولقد عتب معاوية على سعد بن أبي وقاص بعدم مشاركة له في قتال علي (عليه السّلام) فردّ عليه سعد : بأنّي ندمت على تأخّري عن قتال الفئة الباغية ، يعني بها معاوية ومَن تابعه(2) .

وحكى الآلوسي عن الحاكم والبيهقي أنّ عبد الله بن عمر يقول : ما وجدت في نفسي من شيء ما وجدت من نفسي من هذه الآية : ( فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي ) ؛ حيث إنّي لم اُقاتل الفئة الباغية ـ يعني معاوية ومَن معه من الباغين على علي (عليه السّلام) ـ . ولم يتعقبه الآلوسي بشيء ، وزاد بتصريح بعض الحنابلة بوجوب قتال الباغين ؛ احتجاجاً بأنّ علياً اشتغل في زمان خلافته بقتال الباغين دون الجهاد فهو إذاً أفضل من الجهاد(3) .

وما أدري بماذا يعتذر سعد مع ذلك التصريح منه لمعاوية بأنه باغٍ ولم ينهض مع

ــــــــــــــــــ

(1) أحكام القرآن 3 / 492 .

(2) أحكام القرآن 2 / 224 .

(3) تفسير روح المعاني 26 / 151 .


الصفحة ( 99 )

خليفة الرسول (صلّى الله عليه وآله) لجهاد مَن يبغي في دين الله عوجاً ؟ وكيف تفوّه بطلب السيف العارف بالمؤمن من الكافر ولم يطلبه من الشيخين في قتالهم أهل الردّة ؟ وكان موافقاً لهما على ذلك ، مع أنّ أهل الردّة لم يمتنعوا من أداء الزكاة إلاّ بشبهة الدفع لمَن أقامه النبي خليفة على المسلمين يوم الغدير ، ولم يخلعوا يداً عن طاعة ، ولا فارقوا جماعة المسلمين لولا أنّ قتالهم أمر دُبّر بليل .

فأين كانت جِلبة سعد وضوضاء اُسامة وتزفّر ابن عمر من قتل علي (عليه السّلام) لأهل الجمل أيّام تفريط خالد في اُولئك المسلمين الذين لم يتركوا الشهادتين حتّى آخر نفس لفظوه ؟ وكما كان لأصحاب الجمل عند هؤلاء عذر في الخروج على سيّد الوصيين يكون لاُولئك الذين اُطلقت عليهم الردّة عذر في الامتناع عن أداء الزكاة ؟ أهل كان الحكم بقتال المرتدّين مقصوراً على خصوص مَن خالف أبا بكر ، أم هو عام لكل مَن تمّت له البيعة ؟!

نعم ، الحسد من جهة , وعدم الرضوخ إلى الحقِّ من جهة اُخرى لم يدعا لسعد وأمثاله طريقاً في الخضوع لأمير المؤمنين (عليه السّلام) : وإنما متسافلُ الدرجات يحسد مَن علا .

لقد كان سعد ممّن يشمخ أنفه بالفخفخة الباطلة والمجد الكاذب ، ويرى نفسه في أشراف الصحابة ، وإذا قايسها مع أخي الرسول وجده أطهر منه نسباً , وأعلا حسباً ، وأغزر علماً ، وأثبت في المواقف ، وأشجع في الهزاهز ، وأقوى حجة , وأشرف نفساً ، إلى أن تنتهي حلقات الفضل ولأمير المؤمنين (عليه السّلام) بقايا غير محصورة ينبو عنها الحساب ؛ فكان في رضوخه لأبي الحسن (عليه السّلام) خضوعٌ إلى هاتيك المآثر , وظهورٌ لنقصه فيها ، وطموح نفسه إلى التّعالي .

ولم يكن عنده من التقوى ما يكبح عامل الكبرياء ليستهل البخوع للمجد العلوي وإن أضرّ ذلك بدينه وأرداه في آخره ؛ فإن العصبية أعشت بصره ، والنخوة الجاهليّة تحكّمت بين أحشائه ، والحسد المحتدم بصدره ألقاه في مدحرة الهلكة , وحفّزه إلى مكامن البغضاء وإن تستر بظواهر الإسلام وتعاليمه ؛ يشهد لذلك سؤاله أمير المؤمنين (عليه السّلام) لمّا سمعه يقول في خطابه : (( سلوني قبل أن تفقدوني ، فوالله ما تسألوني عن شيء مضى ولا عن شيء يكون إلاّ أنبأتكم به )) .

فقام إليه سعد وقال : يا أمير المؤمنين ، أخبرني كم في رأسي ولحيتي من شعرة ؟


الصفحة ( 100 )

فقال (عليه السّلام) : (( لقد سألتني عن مسألة حدّثني عنها خليلي رسول الله أنّك ستسألني عنها ، وما في لحيتك ورأسك من شعرة إلاّ وفي أصلها شيطان جالس ، وإنّ في بيتك لسخلاً يقتل ولدي الحسين )) . وعُمر يدرج بين يدي أبيه(1) .

وهذا منه سؤال مستهزئ لا مستفهم ، ظنّ في ذلك أن يفحم الإمام ؛ لأن الجواب الحقيقي يعوزه البرهان ؛ فإنّ أمير المؤمنين (عليه السّلام) لو عيّن عدداً فأيّ أحد يمكنه عدّ الشعرات ولا يرمى بالخطأ ، وحيث وضح لأبي الحسن (عليه السّلام) ـ الواقف على ضمائر العباد ـ ما أضمره سعد عدل إلى ما في خزي لذلك المتعنّت اللدود ، وقد بقي وصمة عليه إلى آخر الأبد ، فحكى له حديث الرسول (صلّى الله عليه وآله) .

فهذا الذي عرفناه من نفسيات سعد وبوائقه يسير من كثير ، ولو أردنا الاستقصاء لأريناك غرائب .

إذاً فليس من البدع إذا قام ابنه عمر بهاتيك المظاهر الذميمة فوأد الحقَّ ونصر الباطل ، وأجهز على بقايا الرسالة وشظايا النبوة , إلى مخازي لا تحصى مع القسوة التي يمجّها الطبع البشريّ وتتذمّر منها الإنسانية , فأعقبها سُبّة خالدة ، وشية من العار سجّلها له الدهر منذ خيانته مسلم بن عقيل , إلى مشهد الطفِّ , إلى ما بعده حتّى يرث الله الأرض ومَن عليها .

وإلى هذه القضايا الطبيعية كان يوعز أمير المؤمنين (عليه السّلام) بعلمه المستقى من بحر النبوة فيقول : (( إنّ في بيتك لسخلاً يقتل ابني الحسين )) .

وإذا كان سعد يستهزئ بسيّد الوصيين فلقد استهزأ ابنه عمر بسيّد شباب أهل الجنة يوم اجتمع به قبل اشتباك الحرب ، وقال له : (( أي عمر , أتقاتلني ؟ أمَا تتقي الله الذي إليه معاد ، فأنا ابن مَن علمت ؟ ألا تكون معي وتدع هؤلاء فإنه أقرب إلى الله تعالى ؟ )) .

فاعتذر ابن سعد بمعاذير لا ترضي الخالق تعالى ، قال : ( أوّلاً ) أخاف أن تهدم داري . قال الحسين : (( أنا أبنيها لك )) . و( ثانياً ) أخاف أن تؤخذ ضيعتي . قال (عليه السّلام): (( أخلف عليك خيراً منها من مالي بالحجاز ))(2) . ويروى أنه قال له : (( اُعطيك

ــــــــــــــــــ

(1) كامل الزيارة لابن قولويه من أعيان القرن الثالث / 74 .

(2) مقتل العوالم / 78 .


الصفحة ( 101 )

البغيبغة )) . وكانت عين عظيمة فيها نخل وزرع كثير ، دفع فيها معاوية ألف ألف دينار فلم يبعها منه(1) . و( ثالثاً ) أخاف من ابن زياد أن يقتل أولادي .

ولمّا أيس منه أبو عبد الله قام من عنده وهو يقول : (( ما لك ! ذبحك الله على فراشك عاجلاً , ولا غفر لك يوم حشرك ! فوالله إنّي لأرجو أن لا تأكل من بُر العراق إلاّ اليسير )) .

فقال ابن سعد مستهزئ : في الشعير كفاية(2) .

إنّ الـمواعظ لا تـفيدُ بـمعشرٍ      صُمّوا عن النبأ العظيم كما عمُوا

إنّك يا سيّد الشهداء أبصر بهذا الطاغي ، وإنه يعشو عن الحق لدناءة حسبه ، وضؤولة مروءته ، وضعف دينه ، وبعده عن الصراط السّويّ ، وانغماره في الشهوات لكنك ابن مَن تحمّل الأذى ، ولاقى المتاعب في سبيل إنقاذ الاُمّة وانتشالها من موج الضلال ، فلم ترد بتلك النصائح وإدلاء الحجج وضرب الأمثال إلاّ إتمام الحجة ، ولم تبقِ له مسرحاً يلتوي إليه ، ولا منتكصاً يتحرّج منه حتّى أتممت عليه كلمة العذاب ، وقطعت عنه المعاذير يوم تنشر الصحف وتنصب الموازين .

وإذا كان أبوه سعد لم يستضئ بنور النبوة , ولا استفاد من تعاليمه ما يقرّبه إلى الحقِّ فيتباعد عن وصي النبي مع ما يعلمه من الحقِّ الثابت له ، فجدير بابنه إذا بات ليلته مفكراً في النصائح التي اُلقيت إليه ممّن يمحضه الود ولا يرديه في باطل ، فجار عن الطريق الواضح , واختار الدنيا على الآخرة ؛ فإنّ الشجرة المرّة لا تنبت إلاّ مرّاً ، والذي خبث لا يخرج إلاّ نكداً ، وهل ترجى الهداية منه بعد قوله(3) :

أأترك مُلك الريّ والريُّ رغبتي      أم  أرجـعُ مذموماً بقتلِ حُسينِ
وفي قتله النارُ التي ليس دونَها      حجابٌ  وملكُ الريِّ قرةُ عينِ ؟

 

وبعد هذا فهل يعجب القارئ ويستغرب من كتابة عمر بن سعد إلى يزيد بن معاوية بخبر مسلم بن عقيل ، واجتماع الناس عليه ، وتوقّف النعمان بن بشير عن محاربته (4) ، وكان محرّضاً له على تدارك الأمر لئلاّ ينتكث فتله ؟

ـــــــــــــــــ

(1) تظلّم الزهراء / 103 .

(2) تهذيب الأسماء واللغات للنووي ـ بترجمة عمر بن سعد .

(3) ابن الأثير 4 / 22 .

(4) تاريخ الطبري 6 / 199 .


الصفحة ( 102 )

ولقد تحققت فيه كلمة سيّد الشهداء : (( لا تأكل من بُرّ العراق إلاّ يسيراً )) ؛ فإنه رجع من كربلاء صفر الكف خالي الوطاب من الزلفى . وهل أحد أخسر صفقة منه حين دعاه ابن زياد وطلب منه العهد بولاية الري ، فاعتذر بضياعه , فلم يقبل منه ، وألحّ عليه , قال : إنّي تركته يُقرأ على عجائز قريش اعتذاراً منهنّ .

أمَا والله لقد نصحتك في الحسين نصيحة لو نصحتها أبي سعداً لكنت قد أدّيت حقّه(1) . وبقى في الكوفة خاسراً ربح

 

Description: الصفحة السابقة

السلطان والفوز بجوار المصطفى (صلّى الله عليه وآله) حتّى قتله المختار شرّ قتلة في ذي الحجّة سنة ست وستين ومعه ابنه حفص(2) , ولعذاب الله أشد .

لفت نظر

تقدّم في حديث ابن قولويه : إنّ سعد بن أبي وقاص اعترض على أمير المؤمنين لمّا قال : (( سلوني ... )) . ورواه الصدوق في الأمالي / 81 مجلس 28 ، والاستبعاد بأنّ سعداً لم يرد الكوفة موقوف على أن يكون هذا الخطاب بالكوفة , ولم تقُم قرينة على أمير المؤمنين لم يقل : (( سلوني ... )) إلاّ في الكوفة ؛ إذ من المحتمل أن يكون ذلك الاعتراض بعد خطبته (عليه السّلام) بالمدينة ؛ إمّا في أيّام خلافته أو في أيّام خلافة مَن تقدّمه .

ويؤيّد تكرّر هذا القول منه (عليه السّلام) حديث عباية الأسدي : كان أمير المؤمنين علي كثيراً ما يقول : (( سلوني قبل أن تفقدوني ... ))(3) .

ولعلّ حديث ابن قولويه : وكان عمر يدرج بين يديه ، يؤكد هذا الاحتمال ، أعني وقوع الخطاب والاعتراض في المدينة ، فإنه على هذا يكون عمر صغيراً ، حتّى على القول بولادته أيّام النبي ، واحتمال بعض العلماء أنّ تعيين الأب والابن في حديث ابن قولويه والصدوق من الراوي للمغروسية في الأذهان بأنّ عمر بن سعد قاتل الحسين ، فعيّن الأب والابن باجتهاده ، وحسبه الآخر رواية فدوّنها ورواها ، مبني على حصر الخطاب في الكوفة وليس له شاهد في الحديث والتاريخ .

ومما يشهد لتعدّد الواقعة ما يروى أنّ تميم بن أسامة بن زهير بن دريد التميمي اعترض على أمير المؤمنين (عليه السّلام) لمّا سمعه يقول : (( سلوني ... )) . فأخبره (عليه السّلام) بأنّ في

ـــــــــــــــــــ

(1) المصدر نفسه / 268 .

(2) تاريخ أبي الفداء 1 / 195 .

(3) أمالي الشيخ الطوسي / 37 .


الصفحة ( 103 )

 بيته سخلاً يقتل الحسين ، وكان ابنه الحصين طفلاً صغيراً يرضع اللبن ، وعاش إلى أن صار على شرطة عبيد الله بن زياد ، وأخرجه إلى عمر بن سعد يأمره بمناجزة الحسين ، يتوعّده إن أخّر(1) .

وهناك رواية ثالثة تشهد بأنّ المعترض هو أنس النخعي ، فقال (عليه السّلام) : (( ... وإنّ في بيتك سخلاً يقتل ابن رسول الله )) . وكان ابنه سنان قاتل الحسين ، وهو يومئذ طفل يحبو(2) .

وهذه الروايات الحاكية لتعدّد المعترض تدلّ على تعدّد الخطاب من أمير المؤمنين ، فليس من البعيد أن يكون سعد في جملة هؤلاء .

وكيف كان فقد جاء في منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد 5 / 113 ، وتذكرة الخواص / 141 ، وابن الأثير في الكامل 4 / 94 ، ومثير الأحزان لابن نما / 25 : إنّ أمير المؤمنين لقى عمر بن سعد وقال : (( كيف بك يابن سعد إذا قمت مقاماً تُخيّر فيه بين الجنّة والنار فتختار النار ؟ )) .

 ويزيد ابن الأثير : أنّ عبد الله بن شريك يقول : أدركت أصحاب الأردية المعلمة وأصحاب البرانس السود إذا مرّ بهم عمر بن سعد قالوا : هذا قاتل الحسين ، وذلك قبل أن يقتله . وكان عمر يقول للحسين (عليه السّلام) : يزعم السفهاء أنّي أقتلك ! فقال الحسين : (( ليسوا بسفهاء ))(3) .

وكانت ولادة عمر إمّا في أيّام النبي (صلّى الله عليه وآله) كما ارتآه ابن عساكر لرواية ابن إسحاق : إنّ أباه سعداً أرسل إلى الجزيرة جيشاً كان معهم ولده عمر وذلك في سنة (19) هـ .

واختار ابن معين : أنّ عمر بن سعد كان غلاماً حَدَث السّن سنة موت عمر بن الخطاب ؛ لحديث سيف : إنّ سعداً تزوّج يسرى بنت قيس بن أبي الكتم من كندة أيّام الردّة فولدت له عمر(4) .

وفي الرياض النظرة : اُمّه بنت قيس بن معدي كرب .

ـــــــــــــــــ

(1) نهج البلاغة 2 / 508 .

(2) شرح النهج لابن أبي الحديد 2 / 208 .

(3) تهذيب التهذيب 7 / 451 .

(4) الإصابة 3 / 184 .


الصفحة ( 104 )

في بيت هاني

 كان هاني بن عروة بن نمران بن عمرو بن قعاص يغوث بن مخدش بن عصر بن غنم بن مالك بن عوف بن منبه بن عطيف المرادي العطيفي(1) من أشراف الكوفة(2) وقرّائها (3) ، وله منزلة في المصر ، ولبيته في العشيرة منعة(4) ، وله الزعامة الكبرى في مراد ؛ يركب في أربعة آلاف دارع وثمانية آلاف راجل ، فإذا تلاها أحلافها من كندة ركب في ثلاثين ألفاً(5) .

ولازم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب فاستفاد منه آداباً(6) ، وحضر معه في حروبه الثلاثة وأبلى بلاءً حسناً(7) ، وفي يوم الجمل كان يرتجز :

يا لكِ حربٍ حشّها جمالُها      قـائدة يـنقصها ضلالُها

هذا عليٌ حوله أقيالُها(8)

 

 وأدرك النبي(9) ، وله يوم قتله بضع وتسعون سنة(10) .

ــــــــــــــــــــ

(1) الإصابة ـ بترجمة عروة المرادي .

(2) الأخبار الطوال / 235 .

(3) الأغاني 14 / 95 .

(4) تاريخ الطبري 6 / 213 .

(5) مروج الذهب 2 / 89 .

(6) تاريخ ابن عساكر .

(7) ذخيرة الدارين / 278 .

(8) مناقب ابن شهر آشوب 1 / 614 .

(9) الإصابة ـ بترجمة هاني .

(10) الإصابة لابن حجر ـ بترجمته .


الصفحة ( 105 )

ولسيّدنا بحر العلوم الطباطبائي كلام ضاف في ترجمته في رجاله ، وقد أغرق نزعاً في إثبات جلالته والدفاع عنه ، والجواب عمّا قيل فيه ، وتابعه على رأيه السّديد السّيد المحقق الأعرجي في عدة الرجال ، وكل مَن تعرّض له من علماء الرجال ، ذكره مترحّماً ومترضّياً عليه ، وبالغ شيخنا الحجة الشيخ عبد الله المامقاني في تنقيح المقال بترجمته في مدحه والثناء عليه ، ووافقه المحقق الشيخ عباس القمي في نَفَس المهموم / 62 .

وذكر محمّد بن المشهدي من أعيان القرن السادس ، والشريف النقيب رضي الدين بن طاووس في مزاريهما زيارة خاصة تزار في مشهده ، وفيها وصفه بالعبد الصالح الناصح لله ولرسوله ولأمير المؤمنين والحسن والحسين (عليهم السّلام) ، والشهادة بأنه قُتل مظلوماً ، وأنه لقى الله تعالى وهو راضٍ عنه بما فعل ونصح ، وأنه بلغ درجة الشهداء السّعداء بما نصح لله تعالى ولرسوله (صلّى الله عليه وآله) مجتهداً , وبذل نفسه في ذات الله ومرضاته , ثمّ الترحّم عليه . ثمّ ذكرا بعد الزيارة صلواتها ودعاء الوداع ، وزاد ابن المشهدي تقبيل القبر .

وحيث إنهما ذكرا في مزاريهما أنّ ما أودعاه في كتابيهما على الوجه الذي ظهر لهما من الروايات يتجلّى لنا أنّ هاتيك الآداب مأثورة عن أهل بيت العصمة ، وجلالة هذين العلَمين تفيدنا القطع بعثورهما على أثر حاكم بذلك العمل الخاص ، حتّى لو لم ينصّا في الكتاب على ما حصل لديهما من جهة الرواية وإلاّ لتسرّب إلى نقلهما شبهة البدعة في الدين ، وهؤلاء الأعلام في المذهب لا يتورّطون في البدعة التي لا تقال عثرتها ؛ إذاً ففي قولهما الحجة البالغة .

ولو سلّمنا عدم الورود فلا أقلّ من أن يكون كلامهما في حقه كشهادة مَن تقدّم من علماء الرجال من أنّ الرجل متحلّي بتلكم الفضائل ، ولو كان لهما كتب في الرجال لاتخذها العلماء من الاُصول المسلّمة التي يعوّل عليها في هذا العلم ، إذ لم يقصر قولهما عن سائر الكتب في تمييز الرجال وبيان الممدوح والثقة منهم ، كما أنّ وقولهما في غير هذا العلم حجة قوية يركن إليه ويستشهد به .

ثمّ يكفينا في القناعة بفضل الرجل وجلالة مقامه عند آل الرسول ترحّم سيّد الشهداء عليه ؛ فإنه (عليه السّلام) لمّا نزل الثعلبية ممسياً اُخبر بقتل مسلم بن عقيل وهاني بن عروة ، وأنهما سُحبا من أرجلهما في الأسواق ، قال (عليه السّلام) : (( إنّا لله وإنّا إليه


الصفحة ( 106 )

 راجعون . رحمة الله عليهما )) . ردّد ذلك مراراً(1) .

وإذا كان ترحّم الإمام الحجة ـ الواقف على نفسيّات الرجال ومقادير أعمالهم ـ على شخص يعدّ تزكية له وشهادة منه في نزاهته وطهارته ، وأنه مضى محمود الطريقة ، متبعاً للحنيفية البيضاء ، فأيّ رجل مثل هاني بن عروة يقرنه سيّد شباب أهل الجنة بنائبه الخاص وخليفته في ذلك المصر ، المثبت له في صكّ الولاية شرف الأخوّة له والوثاقة في الاُمور ، وأنه مفضّل عنده من أهل بيته ويترحّم عليه كما ترحّم على ابن عمّه وداعيته .

إنّ هذا الترحّم من أبي عبد الله الحسين (عليه السّلام) وشهادة اُولئك الأعلام تنم عن أنّ ابن عروة كان على أرفع منصّة من الإيمان ، ومن الراسخين في ولاء العترة الطاهرة . وإنّ ما قام به من إتمام البيعة لمسلم (عليه السّلام) في داره وجمع العتاد والأخذ بالتدابير اللازمة لحافز ديني وإيمان بأجر الرسالة المرغوب فيه لسيّد النبيين وخاتم الرُسل أجمع .

ولم يزل يلاقي في ذلك المحن والكوارث حتّى أُودي به شهيداً في سبيل نصرة ابن [ ابن ] عمّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وهو الذي شارك شريك الأعور في التدبير لقمع جذور الفساد بقتل الدعي ابن مرجانة لكن القدر حال دون ما يريدون .

ومَن أمعن النظر في سيرته من كتب التواريخ والمقاتل ولا سيّما في رجال آية الله السّيد بحر العلوم الطباطبائي يزداد بصيرة فيما قلناه ، وهناك تعرف أنّ ما تشدّق به ابن أبي الحديد من حكاية أخذه البيعة ليزيد من الأقاصيص التي لا نعرف سندها ولا مَن جاء بها ، أراد به تشويه مقام هذا الرجل العظيم الناصح لأهل البيت حتّى آخر نفس لفظه ، ومما يزيد في وهنه إعراض أرباب الفن من المنقّبين في الآثار عن ذلك والقصة بمرأى منهم .

وكان السبب في انتقال مسلم إلى داره أنّه لمّا بلغه خطبة ابن زياد ووعيده ، وظهر له حال الناس ، وتفرّقهم من ابن زياد خاف أن يؤخذ غيلة ، فخرج من دار المختار بعد العتمة إلى هذا الزعيم الكبير ؛ لعلمه بمكانته في المصر وشرفه في العشيرة ، وأنه مهاب الجانب أكثر من المختار ، مع ولائه الصميم وعقيدته الراسخة ونصرته الصادقة ، فلاقاه هاني بكل ترحيب ، وعلم أنّ تشريف ابن عقيل محلّه يعود عليه بأسمى السعادتين ؛ إمّا حياة

ــــــــــــــــــ

(1) تاريخ الطبري 6 / 225 .


الصفحة ( 107 )

 مع ابن المصطفى ، أو شهادة طيّبة ودرجات عالية مع النبي الأقدس .

وستعرف في الفصل الآتي من حفظ الجوار المراد من قوله لابن مرجانة آتيك بضيفي وجاري ... إلخ .

ونزل مع مسلم في دار هاني شريك(1) بن عبد الله(2) الأعور الحارثي الهمداني البصري ، وكان من كبار شيعة علي (عليه السّلام) بالبصرة ؛ جليل القدر من أصحابنا(3) شهد معه صفّين ، وقاتل مع عمار بن ياسر(4) ؛ ولشرفه وجاهه ولاّه معاوية كرمان(5) ، وكانت له مواصلة مع هاني .

ولشريك محاورة مع معاوية تنمّ عن قوّة جنان وذرب لسان ، وإنّ المال مهما تكثّر من معاوية لا يغويه فيخضع له ؛ دخل على معاوية وكان ذميماً ، فقال له معاوية : إنك لذميم والجميل خير من الذميم ، وإنك لشريك وليس لله شريك ، وإنك لأعور والصحيح خير من الأعور فكيف سدت قومك ؟

فقال له شريك : وإنك لمعاوية وما معاوية إلاّ كلبة عوت فاستعوت لها الكلاب ، وإنك ابن حرب والسّلم خير من الحرب ، وإنك ابن صخر والسهل خير الصخر ، وإنك ابن اُميّة واُميّة أمة صُغّرت فكيف صرت أمير المؤمنين ؟ وخرج منه يقول(6) :

أيشتمُني معاويةُ بنُ حربٍ      وسيفي صارمٌ ومعي لساني
وحولي من بني يزنٍ ليوثٌ      ضراغمةٌ تهشُّ إلى الطعانِ
يُـعيّر  بـالدمامة من سفاهٍ      وربّاتُ الخدورِ من الغواني
ذوات الحُسن والرئبال جُهمٌ      شتيمٌ وجهه ماضي الجنانِ 
 

مسلم لا يغدر

الفتك من الغدر ، ولا يوصم به مؤمن يعرف أنّ شريعة الإسلام جاءت لتحلية

ـــــــــــــــــ

(1) الإصابة ـ بترجمة هاني .

(2) أنساب الأشراف للبلاذري 4 / قسم ثاني .

(3) مثير الأحزان لابن نما / 14 .

(4) تاريخ الطبري 6 / 203 .

(5) النجوم الزاهرة لابن تغربردي 1 / 143 ، وابن الأثير 3 / 206 ، والأغاني 17 / 70 .

(6) ربيع الأبرار للزمخشري ـ في باب الأجوبة المسكتة .


الصفحة ( 108 )

النفوس بالفضائل ، وتخليتها عن الرذائل . ولم يرد الشارع لمَن اعتنق دينه القويم إلاّ أن يكونوا في الغارب والسّنام من كل فضيلة رابية ، فيسلكوا سبل السّلام في أعراق طاهرة ومآزر عفّة ، وقلوب نزيهة ، وجوارح مؤدّبة بآداب الله تعالى ، وجوانح ممرّتة بالقداسة .

وجاء في وصية رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لأمير المؤمنين (عليه السّلام) : (( إيّاك والغدر بعهد الله والإخفار لذمّته ؛ فإنّ الله جعل عهده وذمّته أماناً أمضاه بين العباد برحمته . والصبر على ضيق ترجو انفراجه خير من غدرٍ تخاف أوزاره وتبعاته وسوء عاقبته(1) ؛ فإنّ كلَّ غادر يأتي يوم القيامة مائلاً شدقه(2) ، وله لواء يُعرف به فيُقال : هذه غدرة فلان ))(3) .

وقال أمير المؤمنين (عليه السّلام) : (( إِنَّ الْوَفَاءَ تَوْأَمُ الصِّدْقِ , وَلا أَعْلَمُ جُنَّةً أَوْقَى مِنْهُ ، وَمَا يَغْدِرُ مَنْ عَلِمَ كَيْفَ الْمَرْجِعُ . وَلَقَدْ أَصْبَحْنَا فِي زَمَانٍ قَدِ اتَّخَذَ أَكْثَرُ أَهْلِهِ الْغَدْرَ كَيْساً , وَنَسَبَهُمْ أَهْلُ الْجَهْلِ فِيهِ إِلَى حُسْنِ الْحِيلَةِ , مَا لَهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ! قَدْ يَرَى الْحُوَّلُ الْقُلَّبُ وَجْهَ الْحِيلَةِ وَدُونَهَا مَانِعٌ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ وَنَهْيِهِ ؛ فَيَدَعُهَا رَأْيَ عَيْنٍ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا , وَيَنْتَهِزُ فُرْصَتَهَا مَنْ لا حَرِيجَةَ لَهُ فِي الدِّينِ ))(4) .

 وقال على منبر الكوفة : (( أيها الناس ، لولا كراهيةُ الغدر لكنت أدهى الناس ؛ ألا إنّ لكلِّ غدرة فجرة ، ولكلِّ فجرة كفرة ، ألا وإنّ الغدر والفجور والخيانة في النار ))(5) .

والغدر لا يأتلف مع شيء من المآثر الفاضلة ؛ لأنه ينمّ عن خسّة في الطبع ودناءة في العنصر وعدم المبالاة بالنواميس الدينية ، والبخس لحقوق المسلمين ، ويشب منه تفريق الكلمة وملاشاة الاُلفة واحتدام البغضاء . وإنّ الشريعة المطهّرة حاولت ببيانها

ــــــــــــــــــ

(1) دعائم الإسلام للقاضي نعمان المصري .

(2) الوسائل 2 / 425 ـ عين الدولة .

(3) نهاية الأرب للنويري 3 / 371 .

(4) شرح النهج 1 / 216 .

(5) الوسائل 2 / 245 .


الصفحة ( 109 )

الأوفى بثّ روح التحابب بين الجامعة البشرية . والغادر يبغضه كلّ مَن مسّه غدره وكلّ مَن عرف شيئاً من ذلك . وكلّما اتّسعت الدائرة بمرور الزمن ازداد التباغض واشتدّت عوامله .

ومن هنا ضربوا المثل بغدرة آل الأشعث وقالوا : أعرق العرب في الغدر آل الأشعث ؛ فإنّ عبد الرحمن بن محمّد بن الأشعث غدر بأهل سجستان ، وغدر أبوه محمّد بأهل طبرستان ؛ فإنه عقد بينهم وبينه عهداً فغزاهم ، فأخذوا عليه الشعاب وقتلوا ابنه أبا بكر وفضحوه .

وغدر الأشعث ببني الحارث بن كعب وكان بينه وبينهم عهد فغزاهم ، وأسروه ففدى بمئتي قلوص ؛ فأدّى مئة وعجز عن البقية ، ولمّا أسلم أهدره الإسلام .

وغدر قيس أبو الأشعث ببني مراد ؛ فإنه كان بينه وبينهم عهد إلى أجل وآخره يوم الجمعة , فغزاهم يوم الجمعة ، قالوا له : لم ينتهِ الأجل . فكان جوابه : أنه لا يحلّ لي القتال يوم السبت ؛ لأنه يهودي ، فقتلوه وهزموا جيشه .

وغدر معد يكرب أبو قيس ببني مهرة وقد كان بينهم صلح فغزاهم غادراً بالعهد , فقتلوه وشقّوا بطنه وملؤوه حصى ، وقالوا : اشبع لا شبعت يابن بغايا ضرية(1) .

فالغدر ضامن العثرة ، قاطع ليد النصرة ، والغالب بالغدر مغلول , ولا عذر لغادر ، وفي ذلك يقول الشاعر(2) :

أخلقٌ بمَن رضي الخيانةَ شيمةً       ألاّ يُـرى إلاّ صريعَ حوادثِ
ما زالت الأرزاءُ تُلحق بؤسها      أبـداً بـغادر زمّـة أو ناكث

 وكانت العرب تنصب الألوية في الأسواق الحافلة بالناس للتعريف بغدرة الغادر فتشهره ؛ ليتجنّبه الناس(3) .

وغدرة خالد بن الوليد ببني جذيمة أعقبت ندماً ، وجرّت له الخزي حين تبرّأ النبي (صلّى الله عليه وآله) من فعلته وغدرته ؛ وذلك أنه (صلّى الله عليه وآله) أرسله لهم داعياً لا مقاتلاً ، وكانت بينه وبينهم إحنة ؛ فإنهم في الجاهليّة قتلوا عمّه الفاكهة ، فلمّا نزل على ماء لهم أخذوا السّلاح فرقاً منه ، فصاح بهم : ضعوا السّلاح ، فإن الناس أسلموا .

فلمّا وضعوا السّلاح آمنين

ــــــــــــــــــ

(1) المحبر لابن حبيب النسابة / 244 ، وشرح الصفدي على لاميّة العجم 2 / 201 ، ونهاية الأرب للنويري 3 / 373 .

(2) نهاية الأرب للنويري 3 / 372 .

(3) شرح الصفدي على لاميّة العجم 2 / 201 .


الصفحة ( 110 )

 من غدر المسلم أمر جماعته فكتّفوهم ، وقتل منهم مقتلة عظيمة ، فلمّا بلغ رسول الله هذا المنكر ساءه ورفع يديه مبتهلاً إلى الله تعالى : (( اللّهمّ إنّي أبرأ إليك من فعل خالد )) . ثمّ أرسل أمير المؤمنين (عليه السّلام) ومعه مال ليؤدّي بني جذيمة حتّى ميلغة الكلب(1) .

على أنّ الغادر لا يرى للنفوس والأموال والأعراض المحترمة شرعاً حرمة ، فمتى ثارت فيه هذه الخصلة الخسيسة يكون من السهل عليه وأد النفوس ونهب الأموال والنيل من الأعراض ، وكلّه نقض لغرض المولى سبحانه ، فقد شاء لعباده أن يكونوا متحابّين ؛ ليقيموا عمد الحق ، ويرفعوا راية الهدى ، ويتمّ بهم الاجتماع والتعاون على مناجح الحياة من غير منافة بينهم .

وما ذكرناه من تبعات الغدر أعني النفاق والمباغتة والاغتيال لا تخلو من وصمة على المجتمع البشريّ ، كما توجب منقصة في مروءة الغادر ودرن ردائه والغمز في حسبه . وهذا في اُمراء المسلمين وولاة أمرهم أشدّ من غيرهم ؛ لكونهم مرموقون في النفسيّات الحميدة قبل أفراد الرعية .

وإنّ الاُمم تحتجّ بمَلَكات ولاتهم وغرائزهم وأعمالهم ، ويكون ما يتّصفون به من نواميس المذهب حجة لازمة ، فإذا تخلّوا الأمراء عن هذه الملكات عاد الطعن على المبدأ الديني ، فالواجب على أمير المسلمين ووالي شؤونهم أن يثابر على الشدائد مهما بلغت ، ويقاسي النكبات وإن تراكمت ، ولا يغدر ولا يفتك ؛ ليكون ذكره بريئاً من كلِّ وصمة .

على أنّ ولاة الاُمور حيث كانوا قدوة لجيلهم يكونون اُسوة لمَن يأتي بعدهم . فيعرف الناس في المستقبل الكشّاف الذي يميط الستار عن نواياهم الحسنة ، وأعمالهم الصالحة ، ومساعيهم المشكورة ، فاللازم على الوالي أن يرتكب خطّة تسير على أثره الرعية في غاياتهم المرموق إليها .

وإذا وضح هذا فلا يرتاب أحد في الغاية لمسلم بن عقيل (عليه السّلام) في جوابه لشريك لما لم يقتل ابن زياد ؛ وذلك أنّ شريك بن الأعور نزل في دار هاني بن عروة لمواصلة بينهما ، ولمّا مرض

ــــــــــــــــ

(1) صحيح البخاري 3 / 47 في كتاب المغازي ، والاستيعاب ـ بترجمة خالد ، وتاريخ الطبري 3 / 123 ، وكامل ابن الأثير 2 / 97 ـ حوادث سنة 8 .


الصفحة ( 111 )

أرسل إليه ابن زياد إنّي عائد لك ، فأخذ شريك يحرّض مسلم بن عقيل على الفتك بابن زياد , وقال له : إنّ غايتك وغاية شيعتك هلاكه ، فأقم في الخزانة حتّى إذا اطمأن عندي اخرج إليه واقتله ،وأنا أكفيك أمره بالكوفة مع العافية(1) .

وبينا هم على هذا إذ قيل : الأمير على الباب ، فدخل مسلم الخزانة ودخل عبيد الله ، فلمّا استبطأ شريك خروج مسلم أخذ عمامته من على رأسه ، ووضعها على الأرض ، ثمّ وضعها على رأسه ، فعل ذلك مراراً ونادى بصوت عال يسمع مسلماً :

مـا الانتظار بسلمى لا تُحيّوها      حـيّوا سليمى وحيّوا مَن يُحيِّها
هل شربةٍ عذبةٍ اُسقى على ظمأٍ      ولـو تلفتُ وكانت منيتي فيها
وإن تخشّيتَ من سلمى مراقبةً      فـلستَ تأمنُ يوماً من دواهيها 

وما زال يكرّره(2) وعينه رامقة إلى الخزانة ، ثمّ صاح بصوت رفيع : اسقونيها ولو كان فيها حتفي . فالتفت عبيد الله إلى هاني وقال : إنّ ابن عمّك يخلط في علّته ؟ فقال هاني : إنّ شريكاً يهجر منذ وقع في علّته ، وإنه ليتكلّم بما لا يعلم(3) .

فلمّا ذهب ابن زياد وخرج مسلم قال له شريك : ما منعك منه ؟! قال (عليه السّلام) : منعني خلّتان :

الأولى : حديث علي (عليه السّلام) عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( إنّ الإيمان قيّد الفتك ، فلا يفتك مؤمن ))(4) .

والثانية : امرأة هاني ؛ فإنها تعلّقت بي وأقسمت عليّ بالله أن لا أفعل هذا في دارها , وبكت في وجهي .

فقال هاني : يا ويلها ! قتلتني وقتلت نفسها ، والذي فرّت منه وقعت فيه(5) .

ولبث شريك بعد ذلك ثلاثة أيّام ومات فصلّى عليه ابن زياد ، وُدفن

ـــــــــــــــــ

(1) مثير الأحزان / 14 .

(2) رياض المصائب / 60 .

(3) ابن نما / 14 .

(4) تاريخ الطبري 6 / 204 ، وابن الأثير 4 / 11 ، والأخبار الطوال / 236 ، وهذا الحديث تكرّر ذكره في الجوامع ، رواه أحمد بن حنبل في المسند 1 / 166 ، وفي منتخب كنز العمال بهامش المسند لأحمد 1 / 57 ، والجامع الصغير للسيوطي 1 / 123 ، وكنوز الحقائق بهامشه 1 / 95 ، ونصّ عليه من علمائنا ابن شهر آشوب في المناقب 2 / 318 ، والبحار في معاجز الصادق ج 11 ، وفي وقائع الأيّام عن الشهاب في الحكم والآداب .

(5) مثير الأحزان لابن نما / 14 .


الصفحة ( 112 )

 بالثوية(1) .

ولما وضح لابن زياد أنّ شريكاً يحرّض على قتله قال : والله لا أصلّي على جنازة عراقي أبداً ، ولولا قبر زاد فيهم لنبشت شريكاً(2) .

إنّ القارئ جداً عليم بأنّ الاُمّة إذا بلغها عن ممثّل سيّد الشهداء مسلم بن عقيل بأنه آثر انتكاث الأمر عليه ، وقدّم تضحيته على الفتك بابن مرجانة ، فلم يقدم على اغتياله والغدر به ؛ تكريماً لنفسه القدسية عن ارتكاب هذه الخصلة الذميمة التي نهى الشارع الأقدس عن ارتكابها ، فلا يقال رسول الحسين وداعيته إلى مناهج الرشاد باغت صاحبه ، في حين لو أجهز عليه لقضى على فاجر فاسق ، ولكنه (عليه السّلام) ترك ذلك وعرض بنفسه للهلاك ؛ تعليماً للاُمّة على اتخاذ مقدسات الأحكام طريقاً لاحباً للفوز بالرضوان ، فلا يتجرّأ الناس على الملّة الحقّة ، ولا يباغت الرجل من دونه في غايات طفيفة تسف إليها الطبقات الواطئة .

فالاُمّة إذا بلغها أنّ هذا الداعي إلى الحقّ ضحّى نفسه ونفيسه دون الفتك والغدر ، وذهب ضحية السؤدد والخطر ، ضحية المجد والكرامة ، كان هذا دليلاً للتأسّي به ؛ فإنّ للشيعة نفوساً نزّاعة إلى اقتصاص أثر أهل البيت ، والاستنارة بضوء تعاليمهم ، ولا محالة تنعقد ضمائرهم على القيام بمثله أو ما يشبه كما تسعه نفوسهم وتنضح به آنيتهم .

فمسلم (عليه السّلام) كبقية رجالات أهل هذا البيت الرفيع ، أراد بفعله هذا وبقية أعماله أن يفيض على الاُمّة دروساً أخلاقية لا تعدوه الاُمّة في التجنّب عن رذيلة الفتك والغدر ، فتستفيد به كما استفادت من كل فرد من شهداء الطفِّ إباءً ونخوةً وحميةً دون القويم .

فهذه الكلمة (( الإيمان قيّد الفتك )) التي أفاضها عالم آل أبي طالب ، وخليفة الإمام الحجة في الدينيات أوقفتنا على سرّ من أسرار الشريعة وهو مبغوضية

ـــــــــــــــــ

(1) في المعجم مما استعجم 1 / 350 الثوية موضع وراء الحيرة كان سجناً بناه تبّع . وفي معجم البلدان 1 / 28 كان النعمان يحبس فيه ، فيُقال للمحبوس : ثوي ، فسمّي الموضع به ؛ وهو قريب من الكوفة ودفن فيه المغيرة وأبو موسى الأشعري وزياد ، وضبطها بالثاء المثلثة مفتوحة بعدها واو مكسورة , ثمّ ياء مشدّدة بعدها هاء ، وفي تاج العروس أنها كسُميّة .

(2) ابن الأثير 4 / 11 .

 

Description: الصفحة السابقة

 الصفحة ( 113 )

 الغدر ، وإنّ النفوس الطاهرة تأبى للضيف أن يدخل بمَن استضافهم ما يكرهون .

وهناك سرّ آخر لتأخّر مسلم (عليه السّلام) عن الفتك بابن مرجانة ، لم تكن الظروف تساعده على كشفه ، نعرفه من نظائر ما صدر عن المعصومين ؛ فإن أمير المؤمنين (عليه السّلام) لمّا أتاه ابن ملجم يبايع له وولّى عنه قال : (( مَن أراد أن ينظر إلى قاتلي فلينظر إلى هذا )) .

فقيل له : ألا تقتله ؟

قال (عليه السّلام) : (( يا عجباه ! تريدون أن أقتل قاتلي ؟ ))(1) .

وليس مراده (عليه السّلام) بيان عدم جواز القصاص قبل الجناية كما ظنّه مَن لا خبرة له ، وإنما أراد بيان ما ثبت لديه من أنّ الله سبحانه قدّر شهادته على يد أشرّ بريّته ، وأنه عنده كعاقر ناقة صالح . وقد علم أمير المؤمنين بما أودع الله تعالى فيهم من القوة النورانية التي بها يدركون ما في الكون من حوادث وملاحم ، كما هو الحق الذي لا محيص عنه ، أنّ هذه الشهادة على يد ابن ملجم من القضاء الذي لا مردّ له ، فيكون المعنى كيف أقدر أن أنقض ما أبرمه المولى الجليل عزّ شأنه من هذه الشهادة .

وإلى هذا أوعز (عليه السّلام) في كلامه مع ابن ملجم حين مرّ عليه ورآه نائماً على وجهه ، فعرّفه بأنّ نومته تلك يمقتها الله تعالى ، ثمّ قال له : (( لقد هممتَ بشيء تكاد السموات يتفطّرن منه ، وتنشقّ الأرض ، وتخرّ الجبال هدّاً ، ولو شئتَ لأنبأتك بما تحت ثيابك ))(2) .

 على أنّ أمير المؤمنين لو فرضنا علمه بتأخّر شهادته ذلك الحين لم يقدم على قتل ابن ملجم ؛ لأنه به تتجرّأ الناس على الفتك بمَن يحتملون أنه يريد الإجهاز عليهم ، بل قد يكون العداء فيما بينهم والضغائن التي تحملها جوانحهم حاملاً لهم على إزهاق النفوس ، معتمدين على دعوى العلم أو الظن بذلك ، فيكثر الهرج وينتشر الفساد .

وعلى ذلك الأساس يكون جواب الحسين لاُمّ سلمة حين قالت له : لا تحزن بخروجك إلى العراق ؛ فإنّي سمعت جدّك رسول الله يقول : (( يُقتل ولدي الحسين بأرض العراق يقال لها : كربلاء )) . وعندي تربتك في قارورة دفعها إليّ النبي (صلّى الله عليه وآله) .

فقال الحسين (عليه السّلام) :

 ـــــــــــــــــ

(1) بصائر الدرجات للصفّار / 6 .

(2) البحار ج9 عن أبي الحسن البكري .


الصفحة ( 114 )

 (( يا اُمّاه ، وأنا أعلم أنّي مقتول مذبوح ظلماً وعدواناً ، وقد شاء ربّي أن يرى حرمي ورهطي مشرّدين ، وأطفالي مذبوحين مأسورين مقيّدين ، وهم يستغيثون فلا يجدون ناصراً )) .

قالت اُمّ سلمة : وا عجباه ! فأنّى تذهب وأنت مقتول ؟!

فقال الحسين : (( يا اُمّاه ، إن لم أذهب اليوم ذهبت غداً ، وإن لم أذهب في غد ذهبت بعد غدٍ , وهل من الموت والله بُدّ ؟ وإنّي لأعرف اليوم الذي اُقتل فيه , والساعة التي اُقتل فيها ، والحفرة التي اُدفن فيها كما أعرفك ، وأنظر إليها كما أنظر إليك ، وإن أحببتِ يا اُمّاه أن أريك مضجعي ومكان أصحابي )) .

فطلبت منه ذلك ، فأراها تربته وتربة أصحابه(1) . ثمّ أعطاها من تلك التربة وأمرها أن تحتفظ بها في قارورة ، فإذا رأتها تفور دماً تيقّنت قتله ، وفي اليوم العاشر بعد الظهر نظرت إلى القارورتين فإذا هما يفوران دماً(2) .

وعلى هذا فمن الجائز الممكن أنّ مسلم بن عقيل (عليه السّلام) كان على يقين من شهادته ومحل تربته ، وأنها تكون على يد الدّعي ابن الدعي ابن مرجانة ، استفاد ممّن أودع عندهم هذا العلم المكنون وهو سيّد الشهداء (عليه السّلام) .

وعلم المعصومين وإن كان (( صعب مستصعب لا يتحمّله إلاّ ملك مقرّب ، أو نبي مرسل ، أو مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان )) ، لكنّهم (عليهم السّلام) إذا علموا قابليّة مَن أشرقت عليه أنوار ولايتهم لتحمّل تلك الأسرار ، يوقفونهم عليها ، كما أخبر أمير المؤمنين ميثم التمّار ، وكميل بن زياد ، وعمر بن الحمق ، ورشيد الهجري إلى أمثالهم بقتلهم ، وعلى يد مَن تكون الشهادة ، والوقت الذي يقتلون فيه ، وكما أخبر سيّد الشهداء مَن ثبت معه على التضحية والمفادات .

ومسلم بن عقيل (عليه السّلام) كان في الغارب والسنام من الإيمان واليقين والبصيرة النافذة من اُولئك الأفذاذ ، فأيّ مانع من أن يوقفه أبو عبد الله الحسين (عليه السّلام) على ما يجري عليه من كوارث ومحن حرفاً حرفاً ؟

ـــــــــــــــــــ

(1) مدينة المعاجز / 224 .

(2) الخرايج للراوندي في باب معجزات الحسين .


الصفحة ( 115 )

 ثمّ إنّ الفتك الذي هو قيد الإيمان كما في نص الحديث شامل بإطلاقه لكل مَن أراد الوقيعة بالمؤمن سواء من ناحية الإجهاز عليه ، أو من جهة اغتيابه وإظهار عيوبه للناس ، أو من جهة النميمة المثيرة للإحن والبغضاء الموجبة لملاشاة الاُخوة بين المؤمنين ، أو من جهة إشاعة الفاحشة التي يقول فيها سبحانه وتعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ ) ؛ فإنّ في كل ذلك وردت الشريعة المحذّرة عنه ، الحاكمة على مرتكب هذه الجهات بالخروج عن ربقة الإيمان .

حفظ الجوار

حماية الجار من عادات العرب الفاضلة ، ولهم في ذلك أيّام بيض وصحائف ناصعة ، وإن تطرّف فيها بعضهم فخرج إلى الرعونة(1) ، لكنها في الجملة مما يمدحون بها ، ولم يبرحوا متهالكين عليها ، فكانت تراق على ذلك الدماء ، وتقوم الحرب العوان على أشدّها ؛ لأنها من ولائد الحفاظ والشهامة والغيرة على الأحساب ، وفيها الإبقاء على المستجيرين من عادية المرجفين وجلب ودّهم وودّ ذويهم وقبائلهم ، وسيادة الأُلفة وتوارث المحبّة ، وظهور الاُبّهة وبروز المنعة ، وإخماد الفتن ودحض الفوضى . ولعلّ العداء يعود حناناً بإرجاء الفتك لأجل الاستجارة إلى التفاهم ، أو تبيين أغراض النمّامين المثيرين للعداء أو بالمعاذير المقبولة .

وقد حفظ المؤرّخون من قضاياهم في هذه الخصلة التي تتفق مع العقل ، نأتي على بعضها : منها قصة (أوفى بن مطر المازني) مع رجل جاوره ، وعنده امرأة أعجبت أخاه قيساً ، فلم يصل إليها مع زوجها فقتله غيلة ، وبلغ ذلك (أوفى) فقتل أخاه قيساً بجاره ، وقال :

إني  ابنةُ العمريِّ لا ثوبَ فاجرٍ       لـبستُ  ولا مـن غدرةٍ أتقنّعُ
سـعيتُ عـلى قيسٍ بذمّةِ جارِهِ      لأمنعَ عرضي إنّ عرضي ممنّعُ

 ــــــــــــــــــ

(1) في غرر الخصائص للوطواط / 16 ، كان حارثة بن مر يسمّى مجير الجراد ؛ لأنه حمى جراداً حطّ بفنائه ، وكان ثور بن شحمة الضبيّ يسمّى مجير الطير فلا تصاد بأرضه . وحمى زياد الأعجم حمامة تصوّت على شجرة ، فقتلها حبيب وشكاه زياد إلى الملهب ، فألزم حبيباً ديّة الحرّ وأعطى زياداً ألف دينار .


الصفحة ( 116 )

 ومرّت سنة مجدبة على بني تيم الله بن ثعلبة ، فقصد جماعة منهم وهم: مالك وعامر وحليحة مجاورة بدر بن حمران الضبي فوفى لهم حتّى أحيوا ورجعوا مسرورين إلى وطنهم مكرمين ، وقصد جماعة منهم مساوراً فجعل يفخر بنسائهم ، فقال بدر بن حمران :

وفـيتُ وفـاءً لـم يرَ الناسُ مثلَهُ      بـتعشارِ  إذ تـحنو إلـيّ الأكابرُ
ومَـن  يـكُ مبنياً به عُرسُ جارِهِ       فإني امرؤٌ عن عُرسِ جاري جافرُ

 

 واستجار امرؤ القيس بن حجر الكندي بعامر بن جوين الطائي ثمّ الجرمي ، فقبّل عامر امرأة امرئ القيس , فأعلمته بذلك فارتحل عنه ، واستجار بأبي حنبل جارية بن مر الطائي ثمّ الثعلبي فلم يصادفه ، فقال له ابن جارية : أنا أجيرك من الناس كلّهم إلاّ من أبي حنبل ـ يعني أباه ـ فرضي امرؤ القيس وتحوّل إليه ، ولمّا قدم أبو حنبل رأى كثرة أموال امرئ القيس ، وأعلمه ابنه بما شرط له في الجوار , فاستشار أهله بذلك فقالوا له : لا ذمّة له عندك .

فخرج أبو حنبل إلى الوادي ونادى : ألا إنّ أبا حنبل غادر . فأجابه الصدى من الجبل بذلك ، ثمّ نادى : ألا إنّ أبا حنبل وافٍ . وأجابه الصدى بذلك ، فقال : الثانية أحسن ، ثمّ أتى منزله وحلب جذعة من غنم امرئ القيس وشرب لبنها ومسح بطنه وقال : أغدر وقد كفاني لبن جذعة ، ثمّ قال :

لقد  آليتُ أغدرُ في جذاعٍ       ولو  مُنّيتُ أمّاتَ الرباعِ
لأن الغدرَ في الأقوام عارٌ       وإنّ  الحُرَّ يجزأ بالكراعِ

 

 ثمّ عقد له وأعلمه امرؤ القيس فعلة عامر بن جوين بامرأته ، فركب أبو حنبل في اُسرته حتّى أتى منزل عامر بن جوين ومعه امرؤ القيس فقال له : قبّل امرأة عامر كما قبّل امرأتك ، ففعل(1) . إلى غير ذلك من قضاياهم الكثيرة في حفظ الجوار وحماية النزيل ، ولا يشفقون في الدفاع عمّن استجار بهم وإن كان فيه ذهاب أنفسهم وعشائرهم وأموالهم ، أو يحصلون على أغراضهم .

وقد جاءت الشريعة المطهّرة الحافلة بمكارم الأخلاق الحاثّة على السّلام والوئام فأقرّت تلك الفضيلة ، وأدخلت التحسينات فيها حتّى أجازت الإجارة للمشركين ؛ قصداً للتأليف ، وفي ذلك يقول سبحانه وتعالى : ( وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ ) ، فكان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول : (( المسلمون يسعى بذمّتهم أدناهم )) . ـــــــــــــــــــ

(1) هذه القضايا في المحبر لابن حبيب / 348 ـ 355 .


الصفحة ( 117 )

وفسّره الإمام الصادق (عليه السّلام) بأنّ جيش المسلمين إذا حاصر قوماً من المشركين فأشرف رجل وقال : أعطوني الأمان حتّى ألقى صاحبكم وأُناظره ، فأعطاه أدناهم الأمان وجب على أفضلهم الوفاء به(1) .

وقام الأئمة من أبنائه (عليهم السّلام) بالمحافظة على هذه النواميس التي فيها الإبقاء على الجامعة ، فما زالوا يوصون شيعتهم بحرمة الجوار وإن كان المجير عبداً أو امرأة ، وتناهوا فيه حتّى عدّوا الإيماء بالأمان لازم الوفاء به ، وإنّ مَن أعطى الأمان بأيّ لغة فلا تخفر ذمّته ووجب الوفاء به(2) .

وأنت إذا عرفت ما هتفت به العادة من حُسن حماية الجوار والذبّ عن النزيل ، وما أيّدته الشريعة الإلهية تعرف أنّ ما قام به هاني بن عروة من هذه المأثرة في حماية ابن عقيل (عليه السّلام) وإجارته مما يمدح عليه في حدّ ذاته ، لكن في الحقيقة أنّ ما قام به هاني منبعث عمّا هو أرقى من تلك الناحية وهو جهة دينية وعقيدة راسخة بأنّ الحسين (عليه السّلام) هو الإمام المفترض طاعته ، وحيث إنّ مسلماً ممثل حجة الله على الخلق كان الواجب الأخذ بعضده والدفاع عنه ، وكلاءته عن عادية الشقي ، وأنه من أداء أجر الرسالة .

وإن صبّه في مجلس ابن زياد في قالب التقليد والعادة فقال : إنّي ما دعوته إلى منزلي حتّى رأيته على باب داري ، وسألني النزول فاستحييت من ردّه ودخلني من ذلك ذمام ، فأدخلته داري وضيّفته وآويته ... إلخ .

فإنّ هانيَ لم يسعه في ذلك الموقف الحرج إلاّ أن يعتذر بما يقتضيه الحفاظ والغيرة . كيف لا وهو بين ناب الدعيّ ومخلبه مغلوب على أمره ، فحسب أنه سوف يجديه إخفاء أمر مسلم ، لكنه لم ينتفع بهذه المعاذير بعد قيام معقل جاسوس ابن مرجانة ، وقد أعلم ابن زياد بكل ما وقف عليه من أمر مسلم في دار هاني .

وعلى هذا فما ذكره ابن جرير الطبري من قول هاني لمسلم : لقد كلّفتني شططاً ، ولولا دخولك داري لسألتك الخروج عنّي ، غير أنّي يأخذني من ذلك ذمام وليس يردّ مثلي على مثلك عن جهل ، ثمّ آواه ، وكذا ما ذكره من أنّ هاني قال لشريك : لا أحبّ أن يُقتل

ـــــــــــــــــ

(1) الوسائل 2 / 425 ـ عين الدولة .

(2) المستدرك للنوري 2 / 250 .


الصفحة ( 118 )

ابن زياد في داري(1) ، لا يُعبأ به ؛ لأن ولاء هاني لأهل هذا البيت ، واعتقاده بكون مناصرتهم واجبه الديني لا يرتاب فيه مَن يقرأ حياته المفعمة بالمآثر والمفاخر .

وممّا يشهد له أنّ هاني لو كانت إجارته لمسلم لمحض وقوفه على باب داره ودخوله عليه ، فما الذي ألزمه بإدخال الشيعة على مسلم ؟ وقد اعترف به ابن جرير حيث قال : وأخذت الشيعة تختلف إليه في دار هاني بن عروة(2) .

وكان يهيّئ له الاُمور ، يدبر الشؤون ، يرتّب العساكر ، ويجمع المال والعتاد(3) ، وفي وسعه أن يقول لمسلم : ادخل أنت وحدك ولا تهج عليّ أمراً ساكناً ، ولا يدخل عليك أحد .

ثمّ إنّ المؤامرة الواقعة بين شريك الأعور وبين مسلم بالفتك بابن زياد كانت بمشهد من هاني فلم يمنع منها ، حتّى أنّ مسلم لمّا اعتذر عن الفتك بأنّ امرأة هاني سألته أن لا يفعله في دارهم ، قال هاني : يا ويلها ! قتلتني وقتلت نفسها , والذي فرّت منه وقعت فيه .

أليس هذا يشفّ عن مرضاة هاني بالفتك بابن مرجانة ؛ لِما رسخ بين جنبيه من وجوب التنكيل بأعداء آل الرسول ؟ ومن هنا قال لمسلم : أمَا والله لو قتلته لقتلت فاسقاً فاجراً , كافراً غادراً(4) .

ــــــــــــــــــ

(1) تاريخ الطبري 6 / 203ـ204

(2) تاريخ الطبري 6 / 203 ، والأخبار الطوال / 235 .

(3) الأخبار الطوال / 235 .

(4) تاريخ الطبري 6 / 204 ، وابن الأثير 4 / 11 .


الصفحة ( 119 )

هاني مع ابن زياد

 لمّا انتقل مسلم إلى بيت هاني ، وأخذت الشيعة إليه في هذا البيت(1) على تستّر واستخفاء ، وتواصوا بالكتمان(2) ، وخفا على ابن زياد موضع مسلم دعا مولاه معقلاً وأعطاه ثلاثة آلاف درهم ، وذلك بعد موت شريك الأعور ، وأمره أن يلقى الشيعة ويعرّفهم أنه من أهل الشام مولى لذي الكلاع الحميري ، وقد أنعم الله عليه بحبّ أهل هذا البيت ، وبلغه قدوم رجل منهم داعية للحسين ، وعنده مال يريد أن يوصله إليه .

فدخل معقل الجامع الأعظم ، ورأى مسلم بن عوسجة الأسدي من بني سعد بن ثعلبة يصلّي ، وسمع الناس يقولون : هذا يبايع للحسين ، وأخذ منه البيعة والمواثيق ليناصحنّ ويكتمن ؛ كي لا يفشوا الخبر إلى ابن مرجانة .

ثمّ أدخله على ابن عقيل في دار هاني ، وسلّم المال إلى أبي ثمامة الصائدي وكان بصيراً شجاعاً ومن وجه الشيعة ، عيّنه مسلم لقبض ما يرد إليه من المال يشتري به سلاحاً ، فكان ذلك الرجل يختلف إلى مسلم كل يوم فلا يحجب عنه ، ويتعرّف الأخبار ويرفعها إلى ابن زياد عند المساء(3) .

ولمّا وضح الأمر لابن زياد وعرف أنّ مسلماً مختبئ في دار هاني دعا أسماء بن

ـــــــــــــــــ

(1) الأخبار الطوال / 235 .

(2) الإرشاد للشيخ المفيد .

(3) تاريخ الطبري 6 / 204 .


الصفحة ( 120 )

 خارجة ، ومحمد بن الأشعث ، وعمرو بن الحجاج الزبيدي وسألهم عن انقطاع هاني عنه فقالوا : الشكوى تمنعه ، فلم يقتنع ابن زياد بعد أن أخبرته العيون بجلوسه على باب داره كل عشيّة ، فركب هؤلاء الجماعة إلى هاني وسألوه المصير إلى السلطان لأن الجفاء لا يحتمله ، وألحّوا عليه فركب بغلته ولمّا طلع على ابن زياد قال : أتتك بحائن رجلاه(1) . والتفت إلى شريح القاضي يقول(2) :

اُريـد حـباءَهُ ويُريد قتلي      عذيرُكَ من خليلكَ من مرادِ

 ثمّ التفت إلى هاني قائلاً : أتيت بابن عقيل إلى دارك وجمعت له السلاح ؟ فأنكر هاني ، ولمّا كثر الجدال دعا ابن زياد الجاسوس معقلاً ففهم هاني أنّ الخبر أتاه من جهته ، فاعتذر بأنه لم يدعُه إلى منزله ، وإنما استجار به واستضافه ، والذمام الذي يحمله يأبى له ألاّ يجير مَن استجار به .

ثمّ طلب من ابن زياد أن يمضي إلى داره ، ويخرج مسلم منها إلى حيث شاء ليخرج بذلك من جواره ولا يكون سُبّة للعرب ، ويعطيه رهناً على ذلك ، فأبى ابن زياد أن يطلق سراحه إلاّ أن يأتيه بمسلم(3) .

ها هنا جاهر ابن عروة بعقيدته ، فعرّف ابن مرجانة أنّ مسلماً أحقّ منه بالأمر ؛ ولوفاء أبيه زياد ومكافاته في ولده لمعروفه معه يقوم بحمايته والدفاع عنه وعن أهله حتّى يخرجوا بأموالهم إلى الشام سالمين ؛ لأن داعية الحسين (عليه السّلام) أولى بالقيام على أمر الاُمّة وإدارة شؤونها .

فغضب ابن مرجانة من كلام هاني وألحّ عليه بالإتيان بابن عقيل ، فأفهمه هاني بأنّ هذا محال عليه ، ويأباه دينه وعقيدته ، فقال في التعبير عنه : لو كان ابن عقيل تحت قدمي لَما رفعتهما عنه . فأغلظ له ابن زياد في القول وتهدّده بالقتل ، فتعجّب هاني من جرأته وهو واحد ويتبع ابن عروة ثلاثون ألفاً ! فقال لابن زياد : إذاً تكثر البارقة حولك .

فاستدناه ابن زياد وأخذ بظفيرتيه وضربه بالسوط حتّى كسر أنفه ، ونثر لحم

ـــــــــــــــــ

(1) في مجمع الأمثال للميداني 1 / 19 ، قاله الحرث بن جبلة الغساني لمّا ظفر بالحرث بن جبلة العبدي حين هجاه .

(2) في الإصابة 3 / 274 ـ بترجمة قيس بن الكشوح ، قاله عمرو بن معدي كرب في أبيات في ابن أخته وكانا متباعدين ، وفي الأغاني 14 / 32 : إنّ أمير المؤمنين علياً تمثّل به لمّا دخل عليه ابن ملجم يبايعه .

(3) ابن الأثر 4 / 11 .


الصفحة ( 121 )

خديه وجبينه على لحيته ، وتناول هاني سيف شرطيّ ، ومانعه الرجل فأمر به ابن زياد إلى الحبس ، فأدخل بعض بيوت القصر وجعل عليه حرسيّ .

فقال أسماء بن خارجة : أرسل غدر سائر اليوم ؟! أمرتنا أن نجيئك بالرجل حتّى إذا أدخلناه عليك هشمت وجهه وأسلت دمه ؟ فأمر به ابن زياد أن يخرج من المجلس فأخرجه الشرطة . ولمّا رأى ابن الأشعث ذلك قال : إنّ الأمير مؤدّب رضينا برأيه لنا أم علينا .

وبلغ عمرو بن الحجّاج قتل هاني الذي هو صهره على اُخته روعة ـ وهي اُمّ يحيى بن هاني ـ فأقبل في مذحج وأحاط بالقصر , فأمر ابن زياد شريح القاضي أن يدخل على هاني ويخبرهم بحياته(1) . ولمّا سمع هاني لغط الرجال حول القصر وعرف أنهم مذحج صاح : يا للرجال ! أين عشيرتي ؟ أين أهل الدين ؟ أين أهل المصر ؟ ألا عشرة من قومي ينقذوني من عدوّهم وابن عدوّهم ؟!

ومَن يسمع صوته , وأين مَن يبلغهم نداءه والخوف على رؤوسهم والطمع مخيّم على نفوسهم ؟ نعم ، دخل قاضي المسلمين شريح على هاني ممتثلاً أمر ابن زياد وخرج إلى القوم يخبرهم بأنه حيٌّ ، فهلاّ مُسائل لهذا القاضي المائل عن الحقِّ : كيف ساغ له إخفاء استغاثة هاني بقومه وعشيرته , وطمّن القوم بحياته , وسكّن فورتهم حتّى أزالهم عن القصر وهو يعلم وقوع الرجل بين يدي الضبع الكاسر فأودى به وأشاط بدمه ؟

وبماذا يعتذر عن تهاونه ؟ أبالخوف من بادرة ابن مرجانة ؟ فهلاّ ضحى نفسه على تقديره دون مناصرة الحقِّ وأهله وإنقاذ المؤمن الأسير من أنياب الطاغية ؟ ولماذا كان يدّخر الحياة الذميمة وقد بلغ من الكبر عتياً ؟ ومَن ذا الذي أخبره أنه لو أصدق القوم في المقال وزحفوا على القصر ، وأخرجوا زعيمهم وانتكث الأمر على ابن زياد كان يتمكّن الدعيّ من التنكيل به ؟ لكنه يتحرّى الحياة مع الظالمين .

ثمّ ألا مُسائل مذحجاً : لماذا تجمهروا على القصر ؟ ولماذا تفرّقوا لمحض القول بأنه حيٌّ فتكون تلك الجلبة واللغط للوقوف على حياته أو مماته ؛ بحيث إذا وجدوه ميّتاً شيّعوا جنازته ، وإن كان حيّاً تركوه عرضة للذئاب ، وليست لهم حاجة في إنقاذه ؟ إذاً فعلى الحفاظ والشهامة السّلام .

ـــــــــــــــــ

(1) تاريخ الطبري 6 / 206 ، ولكن في مثير الأحزان ، واللهوف لابن طاووس اسمها رويحة ، وأنها ابنة عمرو بن الحجاج .


الصفحة ( 122 )

راية الأمان

لمّا رجع ابن الحجاج بمَن معه من مذحج خرج ابن زياد إلى الجامع الأعظم وخطب الناس وقال : اعتصموا بطاعة الله وطاعة أئمتكم ، ولا تختلفوا ولا تفرّقوا فتهلكوا وتذلّوا ، وتُقتلوا وتُجفوا وتُحرموا ؛ إنّ أخاك مَن صدّقك , وقد أعذر مَن أنذر(1) .

وأمر محمّد بن الأشعث ، وشبث بن ربعي ، والقعقاع بن شَور الذهلي ، وحجار بن أبجر ، وشمر بن ذي الجوشن ، وعمرو بن حريث أن يرفعوا راية الأمان ويخذلوا الناس(2) ، فأجاب جماعة ممّن خيّم الفرق عليهم ، وآخرين جرّهم الطمع الموهوم ، واختفى غيرهم ممّن طهرت ضمائرهم ، وكانوا يترقّبون فتح الأبواب للحملة على صولة الباطل .

ـــــــــــــــــ

(1) تاريخ الطبري 6 / 207 .

(2) ابن الأثير 4 / 12 .


الصفحة ( 123 )

نهضة مسلم

كان لنهضة مسلم موعد مضروب بينه وبين الناس ، ولم يزل هو ومَن بايعه يتأهّبون لذلك الأجل من تعبئة الرجال ، وتهيئة العتاد ، ورسم خطط الحرب والأخذ بالتدابير اللازمة ، غير أنّ الأمر باغته بالقبض على هاني وهو آخذ بعضده ، وموئل رأيه ، وفي داره قاعدة ولايته ، ومركز سلطته ، فاضطرّت الحالة مسلماً أن يتعجّل الخروج قبل الأجل ؛ مخافة أن يؤخذ غيلة ، ولعلّه ينقذ صاحبه من مخلب الظالم وقد أسلمته عشيرته .

وكان رسوله إلى القصر عبد الله بن حازم الكبريّ من الأزد من بني كبير(1) ليأتيه بخبر هاني ، فعرّفه حبسه , وأنّ نسوة مراد مجتمعات ينادين وا ثكلاه ! وا عثرتاه ! فعندها أمره أن ينادي في أصحابه : يا منصور أمت(2) . وقد ملأ بهم الدور حوله ، وتنادى أهل الكوفة بذلك الشعار فاجتمع إليه أربعة آلاف ؛ فعقد راية لعبيد الله بن عمرو بن عزيز الكندي على ربع كندة وربيعة وأمّره على الخيل ، وراية لمسلم بن عوسجة الأسدي على ربع مذحج وأسد وأمّره على الرّجالة ، وراية لأبي ثمامة الصائدي على ربع تميم وهمدان ، وراية للعباس بن جعدة الجدلي على ربع المدينة .

ثمّ أقبل مسلم (عليه السّلام) بهؤلاء الجمع إلى القصر ، وكان ابن زياد في الجامع الأعظم يخطب الناس ، فدخلت النظارة المسجد من باب التمارين يهتفون بمجيء ابن عقيل فراع ذلك ابن زياد ، وأسرع إلى القصر وأغلق أبوابه .

ـــــــــــــــــــ

(1) تاريخ الطبري 6 / 208 .

(2) منصور رئيس الملائكة الذين نزلوا لنصرة النبي يوم بدر ، وكان شعار المسلمين : يا منصور أمت .


الصفحة ( 124 )

واجتمع الناس حتّى امتلأ المسجد والسوق منهم وأحاطوا بالقصر ، وضاق بابن زياد ذرعه إذ لم يكن معه إلاّ ثلاثون رجلاً من الشرطة ، وعشرون رجلاً من أشراف الناس وأهل بيته ومواليه(1) .

فكان أسهل شيء على اُولئك الدارعين الإجهاز على ابن مرجانة ومَن معه لأوّل وهلة في طليعة الزحف وفي القوم مساعير للحرب ، ولعلّ منهم مَن لا يروعه التقحّم على اُولئك النفر المعدودين بالأنامل ، ولم يكن لابن زياد  

Description: الصفحة السابقة

في ذلك الوقت غير قعقعة الإرهاب ، وما أدري كيف انطلت هذه البهرجة على ذوي البصائر بشؤون المصر ، الواقفين على ما في أرجائه من قلاقل وفي أجوائه من محن وإحن ؟!

ولكن لا عجب من أذناب الكوفيِّين إذا مالوا مع عصبة الشيطان بمجرد أن سمعوا ابن الأشعث وحجار بن أبجر وشمر بن ذي الجوشن يمنّونهم العطاء مع الطاعة , ويهدّدونهم بجند الشام الموهوم .

وأشرف عليهم كثير بن شهاب حين كادت الشمس أن تغرب وقال : أيها الناس ، الحقوا بأهاليكم ولا تعجّلوا الشرّ ، ولا تعرّضوا أنفسكم للقتل ؛ فإنّ هذه جنود أمير المؤمنين يزيد قد أقبلت ، وقد أعطى الله الأمير عهداً لئن أتممتم على حربكم ولم تنصرفوا من عشيّتكم أن يحرم ذرّيّتكم العطاء , ويفرّق مقاتلتكم في مغازي الشام على غير طمع ، وأن يأخذ البريء بالسقيم , والغائب بالشاهد حتّى لا يبقى فيكم بقيّة من أهل المعصية إلاّ ذاق وبال ما جرّت يده(2) .

فتفرّق اُولئك الجمع عن مسلم (عليه السّلام) حتّى لم يبقَ معه إلاّ ثلاثمئة رجل ، وصلّى العشاء بالمسجد ومعه ثلاثون رجلاً ، وانصرف نحو كندة(3) ومعه ثلاثة ، ولم يمضِ إلاّ قليلاً وإذا لم يشاهد أحداً يدلّه على الطريق ، فنزل عن فرسه ومشى متلدّداً في أزقّة الكوفة(4) لا يدري إلى أين يتوجّه(5) .

ــــــــــــــــــ

(1) ابن الأثير 4 / 12 .

(2) تاريخ الطبري 6 / 208 .

(3) الأخبار الطوال / 240 .

(4) الشريشيّ في شرح مقامات الحريريّ 1 / 192 .

(5) اللّهوف لابن طاووس .


الصفحة ( 125 )

 إنّ من العجيب الغريب أمير مصر يتفرّق عنه جنده ، ووالي قارّة أسلمته أنصاره ، لماذا كان ذلك ؟ أللأوهام والتهافتات ، أو للمطامع والشهوات ؟ أين النخوة والحفاظ ؟ أين الإباء والحميّة ؟ أيظنّون أنّهم لو انضووا إلى راية الهدى يحرمهم صاحبه العطاء ؟ أو يضنّ عليهم بالوظائف ؟ أو يقيم الحقّ بغيرهم ؟ لاها الله , ما كان يدّخر الأُعطيات إلاّ لهم ، ولا ينضد الكراسي بمَن عداهم ، ولا قيادة الجيوش إلاّ بهم ، ولو عدلوا لَما استلم الحكم سواهم .

لكن خسّة الطباع ولؤم العنصر حالا دون أن يحظوا بالشرف الوضّاح والسعادة في الدنيا والآخرة ؛ فاستمرأوا اُجاج الأمويِّين تحت راية ابن مرجانة ، وتركوا التاريخ يذكرهم مع منافيات المروءة والحفاظ ، ولوازم قول الزور ، وخفر الذمم ، ( وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ) .

خطبة ابن زياد

لمّا تفرّق الناس عن مسلم (عليه السّلام) ، وسكن لغطهم ولم يسمع ابن زياد أصوات الرجال أمر مَن معه في القصر أن يشرفوا على ظلال المسجد لينظروا هل كمنوا فيها . فكانوا يُدلون القناديل ويشعلون النار في القصب ويدلونها بالحبال إلى أن تصل إلى صحن الجامع ، وفعلوا ذلك بالظلة التي فيها المنبر فلم يروا لأصحاب ابن عقيل أثراً ، فأعلموا ابن مرجانة ، فأمر مناديه أن ينادي في الناس ليجتمعوا في المسجد .

ولمّا امتلأ المسجد بهم رقي المنبر وقال : إنّ ابن عقيل قد أتى ما قد علمتم من الخلاف والشقاق ، فبرئت الذمة من رجل وجدناه في داره ، ومَن جاء به فله ديّته . اتقوا الله عباد الله والزموا طاعتكم وبيعتكم ، ولا تجعلوا على أنفسكم سبيلاً .

إلى السجن

ثمّ أمر ابن زياد صاحب شرطته الحصين بن تميم أن يفتّش الدور والسكك ، وحذّره بالفتك الذريع إذا أفلت مسلم وخرج من الكوفة(1) , فقام الحصين بهذه المهمة ؛ فبثّ العيون ووضع الحرس على أفواه السكك ، وتتبّع الأشراف الناهضين مع مسلم ، فقبض على عبد الأعلى بن يزيد الكلبي ، وعمارة بن

ــــــــــــــــ

(1) تاريخ الطبري 6 / 209 .


الصفحة ( 126 )

صلخب الأزدي فحبسهما ثمّ قتلهما .

وحبس جماعة من الوجوه استيحاشاً منهم ، وكان فيهم المختار الثقفي وعبد الله بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب(1) وقد خرجا لنصرة ابن عقيل ، وكان المختار عند خروج مسلم في قرية له تدعى ( لقفا ) ، فجاء بمواليه يحمل راية خضراء ، ويحمل عبد الله بن الحارث راية حمراء وانتهيا إلى باب الفيل(2) , ووضح لهما قتل مسلم وهاني ، واُشير عليهما بالدخول تحت راية عمرو بن حريث ففعلا ، وشهد لهما ابن حريث باجتنابهما مسلماً (عليه السّلام) ، فأمر ابن زياد بحبسهما بعد أن شتم المختار واستعرض وجهه بالقضيب فشتر عينه ، وبقيا في السجن إلى أن قُتل الحسين (عليه السّلام) .

ولمّا أحضر سبي آل محمّد (صلّى الله عليه وآله) في مجلسه أخرج المختار من الحبس شامتاً منه ، وفرحاً بما يحبسه من الظفر ، وإذ رأى المختار هيئة منكرة زفر زفرة كادت روحه أن تخرج فيها ، ولم يثنِ هذا من عزمه ولا أوهن من عقيدته ، فأغلظ لابن زياد في كلام جرى بينهما(3) ، وعرّفه بالعقيدة التي يحملها من مصدر وثيق بأنّ أيّامه عدد ومُلكه بدد ، وسيلقى خزياً وبواراً يكون ذلك على يده .

فأضحك ابن زياد هذا النبأ من أسير تحت قبضته ، وليس له مساعد له يحذر سطوته ، خصوصاً يرى أعناق الأشراف ذللاً نحوه ، وقد ملأ السجن بمَن يتحفّز لنخوته ، فأرجعه إلى السجن ولم يطلق سراحه إلاّ بشفاعة عبد الله بن عمر بن الخطاب عند يزيد ؛ لاقترانه من صفية ابنة أبي عبيد الثقفي اُخت المختار .

ولمّا خطب ابن زياد بعد قتل ابن عفيف الأزدي ونال من أمير المؤمنين بحضرة اُولئك الأجلاف من الكوفيِّين ، ولم يلقَ منهم رادّاً عليه غير المختار ، فقد ثار في وجهه شاتماً ومعرّفاً بأنّ اللصيق لم يستحق من الإمارة موطأ قدم ، وإنّ أهلها العاملون بالحق السالكون بالأمّة طريق الجد المهذّبون المرشدون كابن عقيل ، ومَن حذا حذوه من أهل هذا البيت الطاهر .

فأمر ابن مرجانة بقتله ، غير أنّ عمر بن سعد تشفّع فيه ؛ لأنه كان صهره على أخته , أولدت له حفصاً ، فأرجعه إلى السجن ، ثمّ تشفّع فيه ثانياً عبد الله بن عمر عند

ـــــــــــــــ

(1) المصدر نفسه / 208 و214 و215 .

(2) أنساب الأشراف للبلاذري 5 / 215 .

(3) رياض الأحزان / 52 ، عن روضة الشهداء .


الصفحة ( 127 )

 يزيد ، فكتب إلى ابن زياد يأمره بإطلاقه ، فأخرجه من السجن على أن لا يساكنه في البلد(1) .

ــــــــــــــــ

(1) المصدر نفسه / 58 ، عن روضة الصفا .


الصفحة ( 128 )

 


الصفحة ( 129 )

في بيت طوعة

 لقد كان في الكوفة ممّن تحلّى بسمات الرجال المهذّبين ، الذين لم تلم بساحتهم أي لائمة ولا توجّهت إليهم مغبّة ، وأنه ذلك الإنسان الواحد الحاوي للشرف المعلّى والذكر الخالد والثناء الجميل ، وحظى بالرضوان مع حبيب الله وخاتم رسله ، ألا وهي طوعة .

ولـو  كنّ النساءُ كمَن ذكرنا       لـفُضّلت النساءُ على الرجالِ
فلا التأنيثُ باسم الشمسِ عيبٌ       ولا  الـتذكيرُ فـخرٌ للهلالِ

أصحيح أنّ امرأة تفوق الرجال في الفضائل والفواضل ؟ نعم ، إنّ ذلك لِما أجنته في أضالعها من طهارة النفس ، وشرف المنبت والولاء الصحيح لأهل هذا البيت ، فقامت بما يرضي الله ورسوله ، ويحبّذه الشرف والإنسانية ، ويدعو إليه الخطر ، والناس يتمايزون بالنفسيات الكريمة والغرائز الطيّبة والعمل الصالح .

وماذا على طوعة وقد طاوعتها نفسها على متابعة العقل واقتصاص أثر الدين ، وأداء أجر الرسالة بإيواء ابن عمّ سيّد الشهداء وممثّله الفذ ، فتحلّت بما تخلّى عنه ذوو الهمم القاصرة والنفوس الضعيفة والحلوم الضئيلة ، فشعّ نورها بين هاتيك الظلم المدلهم كما شاع ذكرها في الجوامع والزبر ، وفي ثنايا الحقب والأجيال المتتالية ؛ فهي حيّة بعمرها الثاني حتّى يسكنها الله تعالى الخلد محبورة في جوار المصطفى (صلّى الله عليه وآله) ووصيّه المرتضى (عليه السّلام) .

قال المؤرّخون : لمّا بقي مسلم وحده يتلدّد في أزقّة الكوفة لا يدري إلى أين يتوجّه ، انتهى به السير إلى باب امرأة يقال لها طوعة ، أم ولد كان للأشعث بن قيس أعتقها


الصفحة ( 130 )

وتزوّجها أسيد الحضرمي فولدت له بلالاً كان مع الناس ، وكانت هذه المرأة على الباب تنتظره ، فلمّا رآها مسلم (عليه السّلام) استسقاها فسقته ، فجلس على الباب لا تطاوعه نفسه أن يبتدئها بطلب الإذن في الدخول للدار ، ولا يعرف موضعاً يؤويه من عادية الطاغي ، ولا مَن يأخذه إلى الخلّص من صحبه والشوارع فيها الحرس ، وقد فرّق الخوف جلّ الناهضين معه .

فالتفتت إليه قائلة : ألم تشرب ؟ فأجابها بصوت منكسر وزفرات متصاعدة : نعم ، قد شربت .

قالت : إذاً لماذا لا تذهب إلى أهلك ؟

فسكت عنها ؛ إذ لم يكن له أهل ولا يعرف مَن يؤيه ، ولكنها لم تقتنع بذلك ؛ لأنها امرأة مصونة تأنف من وقوف الأجنبي على بيتها ، فقالت له : إنّي لا أحلّ لك الجلوس هنا ولا يصلح لك .

فعندها رقّ وتلاين وقال : يا أمة الله ، ما لي في هذا المصر منزل ولا عشيرة ، فهل لك إلى أجر ومعروف ، ولعلّي مكافئك به بعد هذا اليوم .

فاستفزّتها هذه الكلمة الغالية ؛ لأن الأجر من أعمال الصالحين ، والمعروف لا يكافأ عليه إلاّ أهله ، فقالت مستفهمة : وما ذاك ؟

قال : أنا مسلم بن عقيل ؛ كذّبني هؤلاء القوم وغرّوني .

فلمّا سمعت باسمه شعرت بزُلفى الأبد وسعادة لا يتوفّق لها إلاّ مَن أودع الله تعالى فيه نور الإيمان ، فأعادت عليه السؤال عن اسمه متأكدة في الحصول على الغاية الثمينة وقالت له : أنت مسلم ؟!

قال : نعم . فرحبّت به وامتلأ قلبها سروراً بالحظوة بضيافة مثل داعية ابن الرسول (صلّى الله عليه وآله) ، وأدخلته بيتاً غير الذي يأوي إليه ابنها ، وعرضت عليه الطعام فأبى .

ولمّا وافى ابنها المنزل ورآها تكثر الدخول لذلك البيت استراب منه ، فاستفهمها عنه فأعرضت ؟ وألحّ عليها ، فلم تخبره إلاّ بعد أن أخذت عليه العهود أن لا يعلم أحداً بما في البيت ، فبات الغلام فرحاً بجائزة ابن زياد(1) .

مسلم في اليوم الثاني

كانت هذه الليلة أطول ليلة مرّت على مسلم (عليه السّلام) ؛ يرقب آناءها ويعدد دقائقها وثوانيها ، ينظر بعين البصيرة إلى زوايا البيت ، وهو يعلم أنه مأتي لا محالة ، ولكن كيف يؤتى ، ومن أين يتوقّع الهجوم عليه ؟ وكيف يدافع ولا يبصر إلاّ ناحية واحدة

ـــــــــــــــــ

(1) مقاتل الطالبيِّين / 41 ـ إيران .


الصفحة ( 131 ) 

شدّ إليها الرحال منذ خرج من المدينة بأمر السّبط الشهيد ، ألا وهي إظهار الدعوة إلى حُكم الكتاب المجيد وسنّة الرسول (صلّى الله عليه وآله) ، وإنقاذ الاُمّة من مخالب الضلال ، وتعريفها سبيل الرشد من الغي ؟

وممّا زاد في طمأنينته رؤياه عمّه أمير المؤمنين في المنام يقول له : (( أنت معي غداً فالعجل العجل))(1) . فعرفت نفسه المطمئنة الملهمة أنّ في صباح هذه الليلة اللقاء والفناء الذي فيه البقاء الأبدي ، فلم تبعثه الحالة إلاّ إلى النشاط والبسالة ، والوثوق بازوف الموعد .

فلمّا انفلق عمود الفجر وانفتل من صلاته ودعائه ونوافله تأهّب لمجاهدة مَن مرق عن الدين ، وأعرض عن وصايا النبي في أهله وذويه ، وقال لطوعة : قد أدّيت ما عليكِ من البرّ والإحسان ، وأخذتِ نصيبكِ من شفاعة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) . وقصّ عليها الرؤيا(2) .

أمّا ابن العجوز فذهب إلى القصر وأعلم عبد الرحمن بن محمّد بن الأشعث بمكان مسلم (عليه السّلام) في بيتهم ، فأخبر عبد الرحمن أباه ، ووضح الأمر لابن زياد ، فدعا الغلام وطوّقه بطوق من ذهب(3) ، وأمر ابن الأشعث أن يذهب إليه في سبعين من قيس ليأتيه به .

فلمّا سمع مسلم (عليه السّلام) وَقع حوافر الخيل ولغط الرجال علم أنّ هذا طليعة الشرّ(4) ، فخرج إليهم بجأش طامن وجنان راسخ ، بهضم يهزأ الرواسي ، وحشو الردى منه فروسية وشجاعة ، وملء إهابه بشر ومسرّة ، فاستقبلهم كمي آل أبي طالب في جحفل مجر من عزمه ، أو حشد لهام من بأسه ، والقوم سبعون دارعاً وهو واحد في ذلك المأزق الحرج من نواحي البيت ، فلم يفتؤوا يرجفوا عليه الدار وهو يكردهم غير مكترث بعددهم ولا بعدّتهم .

ألا تعجب من مكثور أطلعت عليه أعداؤه حيث لا متّسع فيه لكرٍّ أو فرٍّ في مضائق الشوارع ومرتبك الأزقة , والجراح يؤلمه والعطش يرمضه , وهناك جلبة الصاخبين وتشجيع المنشطين ، وهلهلة النساء كما يقتضيه طبع الحال عند العرب ، وهم على يقين

ـــــــــــــــــ

(1) نَفَس المهموم / 56 ، عن كامل البهائي .

(2) نَفَس المهموم / 56 .

(3) رياض المصائب / 265 .

(4) مقاتل الطالبيِّين / 41 .


الصفحة ( 132 )

بالمدد إن أعوزتهم القوة ؟!

وصريحة الهاشميِّين خالي من ذلك كلّه ، ولكن سلّ القوم والموقف كما وصفناه ، هل ألمّ بابن عقيل خور ، أو داخله فرق ، أو فترت منه عزيمة ، أو تثبّط من إقدام ؟ لا ، ومَن ترك الجديدين يرتّلان صحيفته البيضاء على رؤوس الأجيال حتّى يرث الله الأرض ومَن عليها .

ولم يشعروا أهو مسلم ينساب عليهم بصارمه الذكر ، أو عمّه أمير المؤمنين يشقّ الصفوف ويطرد الألوف ، أو أنّ زورعة الحمام أخذتهم من نواحيهم فقتل من السبعين أربعين وهو يرتجز :

هو الموتُ فاصنع ويكَ ما أنت صانعُ      فـأنت  بـكأسِ الموتِ لا شكّ جارعُ
فـصـبراً لأمـر الله جـلَّ جـلالهُ       فـحكمُ قضاءِ الله في الخلقِ ذايعُ
(1)

وكان من قوّته يأخذ الرجل من محزمه ويرمي به فوق البيت(2) ، والمرأة الطاهرة طوعة تحرّضه على القتال(3) ؛ فاضطرّهم البؤس واليأس من الظفر إلى الاستمداد ، فأنفذ ابن الأشعث إلى ابن مرجانة يستمدّه الرجال ، فبعث إليه : إنّا أرسلناك إلى رجل واحد لتأتينا به فثلم في أصحابك هذه الثلمة ، فكيف لو أرسلناك إلى غيره(4) ؟!

فأرسل إليه ابن الأشعث : أيها الأمير ، أتظنّ أنك أرسلتني إلى بقّال من بقّالي الكوفة ، أو جرمقان من جرامقة الحيرة ؟ وإنما وجّهتني إلى سيف من أسياف محمّد بن عبد الله ! فأمدّه بخمسمئة فارس(5) .

إنّ ابن مرجانة يعجب من هذه البسالة الطالبيّة وما لهم من القسط الأوفر منها ، ولا تزال أنباء مواقفهم في الحروب ترنّ في مسامعه ، كما أنّ صداها لم ينقطع عن أُذن الدهر ومسامع الأجيال ، والأندية تلهج بحديث النبي (صلّى الله عليه وآله) : (( لو ولد الناس كلّهم أبو طالب لكانوا شجعاناً ))(6) .

 لكن طيش الملك وغرور الحاكميّة أخذا به إلى الاستخفاف بسرّي مضر من أنه

ــــــــــــــــ

(1) مناقب ابن شهر آشوب 2 / 212 .

(2) نَفَس المهموم / 57 .

(3) رياض المصائب / 265 .

(4) مقتل محمّد بن أبي طالب .

(5) رياض المصائب / 266 .

(6) غرر الخصائص للوطواط / 17 في باب حفظ الجوار .


الصفحة ( 133 )

واحد فكيف يثلم ذلك الجمع . نعم ، هو واحد بالذات , كثير في العزم والبأس .

فتجمهروا عليه من كل الجهات وصرخة آل أبي طالب لا يكترث بجمعهم ولم ترعه كثرتهم ، فأوقع فيهم الموت الزؤام ، واختلف هو وبكير بن حمران الأحمري بضربتين ؛ ضرب بكير فم مسلم (عليه السّلام) فقطع شفته العليا ، وأسرع السيف إلى السفلى ونصلت لها ثنيّتان ، وضربه مسلم على رأسه ضربة منكرة ، واُخرى على حبل العاتق كادت أن تطلع إلى جوفه(1) فمات منها(2) .

وأخذ يقاتلهم وحده في ذلك المجال الضيّق حتّى أكثر القتلى والناس من أعلى السطوح يرمونه بالحجارة ، ويقلبون عليه القصب المضرم بالنار(3) ، وهو يرتجز في حملاته :

أقـسمتُ لا اُقتلُ إلاّ  حـرّا      وإنْ رأيتُ الموتَ شيئاً نكرا
كـلُّ امرئ يوماً ملاقٍ  شرّا      ويـخلطُ الباردَ سخناً  مـرّا
ردّ شـعـاع النفسِ فاستقرا      أخافُ أن أكذبَ أو  أغرّا
(4)

ولمّا أثخنته الجراح وأعياه نزف الدم استند إلى جنب تلك الدار ، فتحاملوا عليه يرمونه بالسهام والحجارة ، فقال : ما لكم ترموني بالحجارة كما ترمى الكفّار، وأنا من أهل بيت الأنبياء الأبرار ، ألا ترعون حقّ رسول الله في عترته(5) .

 وحيث أعوزتهم الحيل والتدابير الحربية لإلقاء القبض عليه , أو التوصّل إلى قتله ، أو تحرّي منجاة من سيفه الرهيف ، قابلوه بالأمان عساه يكفّ عن القتال فيتسنّى لهم

ـــــــــــــــ

(1) تاريخ الطبري 6 / 210 .

(2) مقتل الخوارزمي .

(3) ابن الأثير 4 / 13 .

(4) في اللهوف / 30 ـ صيدا ، الأبيات لحمران بن مالك النخعي قالها يوم القرم ، وعند ابن نما (القرن) . ويشهد له ما في المعجم مما استعجم 3 / 1068 قرن : اسم جبل كانت فيه وقعة لغطفان على بني كنانة , فهو يوم قرن ، وفي تاج العروس 9 /310 يوم أقرن ، كأملس : يوم لغطفان على بني عامر ، وفي معجم البلدان7 / 64 قرن : اسم جبل كانت به وقعة لبني قرن على بني عامر بن صعصعة ، وفي نهاية الأرب للقلقشندي / 321 بنو فرن : بطن من مراد , وهم بنو قرن بن رومان بن ناجية بن مراد , منهم اُويس القرني المشهور .

(5) مناقب ابن شهر آشوب 2 / 212 .


الصفحة ( 134 )

 بعض ما يرومونه ، فقال له ابن الأشعث : أنت آمن . إلاّ عبيد الله بن العباس السلمي فإنه تنحى وقال : لا ناقة لي في هذا ولا جمل(1) .

أمّا ابن عقيل (عليه السّلام) فلم تفته خيانتهم ونقضهم العهود ، وأنهم لا يرقبون في مؤمن إلاًّ ولا ذمّة ، فلم يعبأ بأمانهم فقال : لا والله ، لا أؤسر و بي طاقة ، لا يكون ذلك أبداء . وحمل على ابن الأشعث فهرب منه ، ثمّ تكاثروا عليه وقد اشتدّ به العطش ، فطعنه رجل من خلفه فسقط إلى الأرض وأسر(2) .

وقيل : إنهم عملوا حفيرة وستروها بالتراب ، وانكشفوا بين يديه حتّى إذا وقع فيها أسروه(3) .

ولمّا أركبوه البغلة وانتزعوه سيفه دمعت عينه ، فقال له عمرو بن عبيد الله بن العباس السلمي : إنّ الذي يطلب مثل الذي تطلب إذا نزل به مثل ما نزل بك لم يبكِ ! فقال (عليه السّلام) : ما على نفسي أبكي ، ولكن أبكي لأهلي المقبلين إليكم ؛ أبكي للحسين وآل الحسين(4) .

تفيدنا هذه الجملة درساً آخر من نفسية مسلم وقوة إيمانه وثبات جأشه وقداسة نفسه ؛ فإنّ هذا البكاء لم يكن لجروحه الدامية أو عطشه المبرح لِما ألمّ به من الضرب والطعن ، وهو في الحالة نفسها مكثورة ، وأنه سوف يؤدّي به الظلوم الغاشم في منتأى عن أهله وولده .

لكن الذي أبكاه أمام ذلك الجمع المحارب أمر ديني وطاعة للمولى ، نظير الغاية التي أوقفته هذا الموقف ، وهو ما سيجري على حجة الوقت الواجب على العباد الانقياد له والخضوع لأمره ، وأنّ سيّد شباب أهل الجنّة سيرد هذا المورد متى حلّ بين ظهراني أهل الكوفة الطغاة .

وهو لا يريد أن تشوك سيّده شوكة ولا يستهين أن يصيبه أيّ أذى ، وإنما وقف هذا الموقف للحصول على مرضاة إمامه والدعوة إليه والذّبّ عنه ، ولم يبرح هذه نواياه حتّى نسي نفسه ولم ينسَ أبيّ الضيم (عليه السّلام) ؛ فطفق يبكي لما يصيبه وهو

ـــــــــــــــــ

(1) ابن الأثير 4 / 13 .

(2) ابن شهر آشوب في المناقب 2 / 212 .

(3) المنتخب للطريحي .

(4) تاريخ الطبري 6 / 211 .


الصفحة ( 135 )

مرتثّ بالجراح , وفي آخر رمق من الحياة ؛ فحيّاه الله من شهم سيط الإيمان بلحمه ودمه وعاد مزيج نفسه الكريمة .

وفي نص سبط ابن الجوزي : إنّ ابن الأشعث سلب مسلم بن عقيل درعه وسيفه ، فقال بعض الشعراء يؤنّبه على فعلته هذه وتركه نصرة هاني :

وتركتَ  عمّكَ لم تقاتلْ دونَهُ       فشلاً  ولولا أنتَ كان منيعا
وقتلتَ  وافدَ آل حزبِ محمّدٍ      وسلبتَ أسيافاً له ودروعا
(1)

 

ولمّا جيء به إلى القصر تساند إلى الحائط وقد أخذه الضعف ؛ لنزف الدم وشدّة الظمأ , فرأى قلّة مبردة فطلب منها ما يبلّ غلّته ، فقال له مسلم بن عمرو الباهلي : أتراها ما أبردها ! لا تذوق منها قطرة حتّى تذوق الحميم في نار جهنم .

فكبرت هذه الكلمة على ابن عقيل أن تصدر من رجل يدّعي الإسلام ويتشهّد الشهادتين ، ثمّ لا تسمح نفسه ببذل الماء الذي هو مباح لعامة الحيوانات , ولا يُمنع منه حتّى الكافر . والشريعة تنادي بأعلى صوتها : (( الناس شرع سواء في الماء والنار والكلاء )) .

 ثمّ أيّ رجل يحمل أقلّ شيء من العاطفة يشاهد إنساناً بتلك الحالة المشجية ثمّ يضنّ عليه بشربة من ماء ؟! إنه لخارج عن الحدود البشرية ومستوى الإنسانية ؛ ومن هنا تعجّب مسلم (عليه السّلام) واستفهم عن حسبه فقال له : مَن أنت ؟!

قال : أنا ابن مَن عرف الحقّ إذ أنكرته ، ونصح لإمامه إذ غششته ، وسمع وأطاع إذ عصيته وخالفته ؛ أنا مسلم بن عمرو الباهلي .

فقال ابن عقيل : لاُمّك الثكل ! ما أجفاك وأفظّك وأقسى قلبك وأغلظه ! أنت يابن باهلة أولى بالحميم والخلود في نار جهنم . وعلى هذا الحوار بعث عمرو بن حريث غلاماً له يدعى سليماً فأتاه بالماء(2) . وفي نصّ آخر أرسل عمارة بن عقبة بن أبي معيط غلامه قيساً وأتاه بالماء(3) .

وهل شرب ابن عقيل من الماء فيخفف من الغلوب ويطفئ أوار الظمأ ؟ لا ، فإنه كلما أدنا القدح منه

ــــــــــــــــ

(1) تذكرة الخواصّ / 139 .

(2) الإرشاد للشيخ المفيد .

(3) تاريخ الطبري 6 / 211 .


الصفحة ( 136 )

 امتلأ دماً للضربة التي على شفتيه ، وفي الثالثة امتلأ دماً وسقطت في القدح ثناياه فتركه وقال : لو كان من الرزق المقسوم لشربته(1) .

وهذا من أشدّ تمكّن القداسة في ذاته الملكوتيّة التي هي قطعة ذلك الجامع المنبسط على رجالات بيت الوحي ، وهو روح الطهارة والعصمة عن الرذائل ، فتلك ذات لم تمازجها دنيّة , ولا ألمّت بها ضعة , ولا وُصمت برذيلة ، فراق داعية السبط الشهيد (عليه السّلام) أن لا يعلق به شيء لا يتفق مع عنصره الزاكي وذاته المطهّرة ، ولم يقاربه طيلة عمره ، ألا وهو شرب الماء المشوب بالدم وإن كان يجوز له ذلك ؛ لأنّ الله تعالى اختار لهذه النفوس القدسية المتفانية في نيل مرضاته ، الداعية إلى كلمته وبرهانه حتّى قاست ما لا يدركه العقل من كوارث ومحن في سبيل طاعته أشرف الموت ؛ وهو القتل ممنوعين من الورود ؛ لتكون الحجّة ألزم على اُولئك المتمرّدين على قدس المولى سبحانه ، الخارجين على حدود سننه وتعاليمه .

ــــــــــــــــــ

(1) المصدر نفسه / 212 .

 

Description: الصفحة السابقة

الصفحة ( 137 )

في قصر الإمارة

لـقد جرى من الكفورِ المُلحدِ      نـغلِ زيـادٍ الـظلومِ المعتدي
ما قد جرى من فاحشِ الخطابِ      ومـن قـبيحِ الـردِّ والجوابِ
وغـيرُ ضـائرٍ عواءُ الكلبِ      إذا عـوى على النجومِ الشُّهبِ
وكيف يُرجى من عدوِ الله في      ولـيهِ شـيءٌ مـن الـتعسّفِ

 

اُدخل ابن عقيل (عليه السّلام) على ابن زياد وهو على سرير الطغيان والجور ، ومسلم أسير مكتوف لا يجد أحداً ينجده , ولا مَن يقف دونه ، فلم يتظاهر بالخضوع لابن مرجانة , ولا استلان له واستعطفه بالسّلام عليه ، ولمّا اعترضه الشرطي بقوله : ألا تسلّم على الأمير ؟ قال : إنه ليس لي بأمير(1) .

ويقال : إنه قال : السّلام على مَن اتبع الهدى ، وخشي عواقب الرّدى ، وأطاع الملك الأعلى(2) .

أراد بهذه الكلمة تعريف الحضور بأنه مقاوم للسلطة الغاشمة ، ومناوئ لهذا الجائر حتّى عند تضائل قواه وانفلات الأمر من يده وعند منصرم العمر ، ولعلّ بذلك يتجدّد المقت من الاُمّة على ابن مرجانة ، وتحتدم القلوب عليه ، وعلى مَن ولاّه أمر البلاد ، فيستطيع حينئذ أن يقول القائل : إنّ داعية الصلاح رافض لحكومة الضلال

ــــــــــــــــ

(1) المقبولة الحسينيّة / 14 لشيخنا الحجة الشيخ هادي كاشف الغطاء .

(2) اللهوف لابن طاووس /30 .

(3) المنتخب للطريحي .


الصفحة ( 138 )

 حتّى في أحرج المواقف ، ولا يهون عليه شيء من أمرها ، فلا يفوت أهل الكوفة العلم بمشروعية هذه الولاية ، وإنّ الاُخوّة التي شرّفه بها سيّد الشهداء اُخوّة شرف وإيمان ، والثقة التي فاز بها كما في صكّ الولاية لا يُدرك مداها .

ولم يقتنع مسلم (عليه السّلام) بكل ذلك حتّى أخذ يعرّف الناس في ذلك المجلس نفسية عبيد الله وأبيه ، ومَن أجلسه هذا المجلس ؛ لتتمّ الحجة فلا يعتذر أحد بالغفلة والجهل ، وأنّ لقوة الجور مفعولاً آخر .

فإنه لمّا قال له ابن زياد : إيهاً يابن عقيل , أتيت الناس وأمرهم واحد فشتّت أمرهم ، وفرّقت كلمتهم ، وحملت بعضهم على بعض . قال : كلا ، لست أتيت لذلك ، ولكن أهل المصر زعموا أنّ أباك قتل خيارهم ، وسفك دماءهم , وعمل فيهم أعمال كسرى وقيصر ؛ فأتيناهم لنأمر بالعدل ، وندعو إلى حكم الكتاب .

 قال ابن زياد : ما أنت وذاك يا فاسق ! أو لم نكن نعمل فيهم بذلك وأنت بالمدينة تشرب الخمر .

قال مسلم : أأنا أشرب الخمر ؟! إنّ الله ليعلم أنك غير صادق ، وأنك تقول بغير علم ، وإنّي لست كما ذكرت ، وأنت أحقّ بشرب الخمر منّي ، مَن ولغ في دماء المسلمين ولغاً ، فيقتل النفس التي حرّم الله قتلها ، ويقتل النفس بغير النفس ويسفك الدم الحرام ، ويقتل على الغضب والعداوة وسوء الظن ، وهو يلهو ويلعب كأن لم يصنع شيئاً .

 فقال ابن زياد : إنّ نفسك تمنّيك ما حال الله دونه ولم يرك أهله .

فقال مسلم : فمَن أهله ؟

فقال ابن زياد : أمير المؤمنين يزيد .

قال مسلم : الحمد لله على كل حال ، رضينا بالله حكماً بيننا وبينكم .

فقال ابن زياد : كأنّك تظنّ أنّ لكم في الأمر شيئاً .

فقال مسلم : والله ما هو الظنّ ولكنه اليقين .

فقال ابن زياد : قتلني الله إن لم أقتلك قتلةً لم يقتلها أحد في الإسلام .

فقال مسلم :


الصفحة ( 139 )

 أما أنك أحقّ مَن أن تُحدث في الإسلام ما لم يكن ، وأنك لا تدع سوء القتلة وقبح المثلة ، وخبث السريرة ولؤم الغلبة لأحد من الناس أحقّ بها منك .

 فشتمه ابن زياد وشتم حسيناً وعلياً وعقيلاً .

لقد نضحت آنية ابن مرجانة بما فيها من فحش وخنا ، وأسمع مسلماً ما لا تحمله الجبال الرواسي ، فما استهان ولا استلان ولا تكعكع عن إبداء الحقيقة للناس ، وإيقافهم على مخازيه , ومخاريق أبيه ، وبوائق مَن استعملهما حتّى أحرج الموقف وسدّ المذاهب عليه ، فلم يرَ الدّعي وسيلة لمقابلة ابن عقيل إلاّ بسبّ أمير المؤمنين (عليه السّلام) ذلك الذي يقول فيه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( يا علي ، ما عرف الله إلاّ أنا وأنت ، وما عرفني إلاّ الله وأنت ، وما عرفك إلاّ الله وأنا ))(1) . (( يا علي ، مَن سبّك فقد سبّني ، ومَن سبّني فقد سبّ الله ))(2) .

ها هنا لم يطق مسلم صبراً وإن صبر قبل ذلك على مثل حز المدى ، فقال لابن مرجانة : فاقض ما أنت قاض يا عدو الله .

كتم السر

كتم السّر من لوازم المروءة ، فإنّ في إفشائه ؛ إمّا فضيحة على مَن أذيع عنه إن كان ذلك المذاع من الرذائل غير متجاهر بها ، والله سبحانه يحبّ الستر على المؤمنين ؛ إبقاءً لحيثيّاتهم في الجامعة ، وكلاءة لعضويّتهم فيها ؛ فإنّ الحطّ من الكرامة يوجب سقوط محله بين الناس ، ويعود منبوذاً بينهم فلا يصغى لقوله ولا يُحترم مقامه ؛ فيختل التكاتف والتعاون على حفظ النظام ، ويكون ذلك مبدأً لتجرّي الغير كما هو مقتضى الجبلة البشريّة ، ومثالاً لنفرة أناس ممّن يترفّعون عن أمثالها ؛ فتسود المنابذة ، وتحتدم البغضاء .

وإذا كان المولى سبحانه وهو القابض على أزمّة الخلق , القادر على كشف ما انطوت عليه ضمائرهم يستر عليهم ويفيض ألطافه مع التناهي ، وينادي كتابه العزيز : ( إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) .

ـــــــــــــــــ

(1) دار السّلام للنوري 2 / 338 .

(2) تقدّم في الأبحاث السابقة رد سعد على معاوية لمّا أراد منه أن يسبّ علياً .


الصفحة ( 140 )

ولمّا سأل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ربّه جلّ شأنه أن لا يحاسب اُمّته بحضرة الملائكة والأنبياء فيطلعوا على عيوبهم ، قال تعالى : (( يا حبيبي ، أنا أرأفُ بعبادي منك ، وإذا كرهتُ كشف عيوبهم عند غيرك فأنا أكره كشفها عندك أيضاً ؛ فاُحاسبهم وحدي بحيث لا يطّلع على عثراتهم غيري ))(1) .

فإفشاء السر وإذاعته ممنوع منه ؛ سواء كان فيه العيب والنقص على الشخص بخروجه عن قانون الشريعة أو لم يكن فيه العيب ؛ لأنّ في إذاعة السرّ إيذاء له وهتكاً لحرمته وخيانة لِما استودع له ، فإنّ الحديث بين الناس أمانة(2) . إذاً فهو محرّم بجميع أقسامه ، سواء كان بالغيبة أو النميمة ، أو بالإفضاء لمَن لا يرضى صاحب السر عليه غيره ؛ لكونه إيذاءً له ، فلا يوصف به مؤمن فاضل ، ولا إنسان كامل إلاّ مَن ضربت الخسّة في عنصره ، ومدّت الدناءة فيه عروقها .

ومن هذا تعرف كيف بلغ اللؤم ورداءة المنبت بعمر بن سعد حين أفضى بالسر الذي أودعه عنده مسلم بن عقيل ؛ وذلك أنّ ابن عقيل طلب من ابن زياد أن يوصي إلى بعض قومه ، فأذن له ، فنظر إلى الجلساء فرأى فيهم ابن سعد فقال له : إنّ بيني وبينك قرابة ، ولي إليك حاجة ، ويجب عليك نجح حاجتي وهي سر .

فأبى أن يمكّنه من ذكرها ، فقال ابن زياد : لا تمتنع من النظر في حاجة ابن عمّك . فقام معه بحيث يراهما ابن زياد ، فأوصاه مسلم (عليه السّلام) أن يقضي من ثمن سيفه ودرعه دَيناً استدانه منذ دخل الكوفة يبلغ ستمئة درهم(3) ، وأن يستوهب جثّته من ابن زياد ويدفنها ، وأن يكتب إلى الحسين بخبره .

فأفشى ابن سعد جميع ذلك إلى ابن زياد ، فقال ابن زياد : لا يخونك الأمين ، ولكن قد يُؤتمن الخائن(4) .

لم يفُت مسلم ما عليه ابن سعد من لؤم العنصر ، وأنه سيفشي بسرّه بين الملأ ،

ـــــــــــــــــ

(1) جامع السعادات / 339 ـ طبع إيران .

(2) المصدر نفسه / 340 .

(3) في الأخبار الطوال / 241 يبلغ ألف درهم ، وفي تاريخ الطبري 6 / 212 يبلغ سبعمئة درهم .

(4) الإرشاد .


الصفحة ( 141 )

لكنه أراد تعريف الكوفيِّين بأنّ هذا الذي يعدّونه من كبرائهم ، ويتبجّح بأنّ أباه فاتح البلاد هذا حدّه من المروءة وموقفه من الحفاظ ، فلا يغترّ به أحد إذا تحيّز إلى فئة أو جنح إلى جانب ؛ فإنه لا يهوى إلاّ مثله .

وهناك دقيقة اُخرى لاحظها مسلم في هذه الوصية ، وهي الإرشاد إلى أنه ومَن يعقبه من الرهط الهاشمي لم يقصد هذا المصر لاستنزاف أموالهم ، وإنما جاؤوا منقذين وملبّين لدعوتهم ، ونشر الإصلاح فيهم . وأوّل شاهد على ذلك أنه أيّام إقامته بالكوفة لم يمدّ يده إلى بيت المال على أنه جاء والياً يتصرّف كيف شاء ، وتحت يده ما يجمع من المال ، إلاّ أنّه قضى أيّامه البالغة أربع وستين يوماً بالاستدانة ، وهكذا ينبغي أن يسير أولياء الاُمور فلا يتخذون مال الفقراء مغنماً ، وأين مَن يفقه هذه الأسرار ؟

الشهادة

لمّا أكثر مسلم (عليه السّلام) من الطعن على ابن زياد في حسبه ونسبه أمر رجلاً شاميّاً(1) أن يصعده إلى أعلا القصر ، ويشرف به على موضع الجزّارين(2) ، ويضرب عنقه ، ويرمي بجسده ورأسه إلى الأرض . فأصعده الشامي ، ومسلم يسبّح الله ويكبّره ويستغفره ويقول : اللّهمّ احكم بيننا وبين قوم كذّبونا وغرونا , وخذلونا وقتلونا(3) .

 ثمّ صلّى ركعتين(4) وتوجّه نحو المدينة وسلّم على الحسين(5) ، فضرب الرجل عنقه ورمى بجسده إلى الأرض كما أمره ابن زياد(6) ، ونزل مذعوراً , فسأله ابن زياد عمّا دهاه , قال : رأيت ساعة قتله رجلاً أسود سيّئ الوجه حذائي , عاضّاً على إصبعه !

فقال له : لعلّك دهشت(7) ؛ قصداً لتعمية الأمر على الجالسين حوله ؛ لئلاّ يفشوا الخبر فتزداد عقيدة الناس

ــــــــــــــــ

(1) مقتل الخوارزمي ، ومنه يعرف الاضطراب في نقل ابن جرير ؛ فإنه نصّ على أن بكير الأحمري هو الذي أصعده إلى أعلا القصر ، وقبل هذا ذكر أنّ مسلماُ ضربه على عاتقه حتّى كادت أن تطلع إلى جوفه ، ومثل هذا الجريح هل يستطيع القيام بقتله ؟!

(2) في إرشاد الشيخ المفيد موضع الحذائين .

(3) تاريخ الطبري 6 / 213 .

(4) رياض المصائب / 68 .

(5) أسرار الشهادة / 258 .

(6) ابن الأثير 4 / 15 .

(7) اللهوف لابن طاووس / 31 .


الصفحة ( 142 )

 بداعية الحسين (عليه السّلام) ، ولعلّ الأمر ينتكث عليه ؛ لأن النفوس متكهربة بولائهم ، ولهم العقيدة الراسخة بفضلهم الكثار .

وهنا نقل آخر في قتله : أنه دفعه إلى الأرض على اُمّ رأسه فتكسّر , وكانت فيها شهادته(1) ؛ ولانفراد ناقله ونصّ المؤرّخين على الأوّل مما يبعّده .

ثمّ أمر ابن زياد بهاني بن عروة فأخرج مكتوفاً إلى مكان من السوق يباع فيه الغنم فنادى : وا مذحجاه ! ولا مذحج لي اليوم , وا مذحجاه ! ولا مذحج لي اليوم . فلمّا رأى أنّ أحداً لا ينصره انتزع يده من الكتاف ونادى : ألا عصاً أو سكّين أو عظم أو حجر يذبّ به رجل عن نفسه ؟

فوثبوا عليه وأوثقوه كتافاً ، فقيل له : مدّ عنقك . قال : ما أنا بسخيّ بها ، ولا معينكم على نفسي . فضربه رشيد مولى لابن زياد تركي فلم تعمل فيه ، فقال هاني : إلى الله المعاد ، اللّهمّ إلى رحمتك ورضوانك . ثمّ ضربه اُخرى فقتله .

وهذا العبد رآه عبد الرحمن بن حصين المرادي مع ابن زياد في وقعة الخازر ، فثأر بهاني وحمل عليه بالرمح فقتله(2) .

ــــــــــــــــ

(1) تظلّم الزهراء / 268 .

(2) تاريخ الطبري 6 / 214 .


الصفحة ( 143 )

بعد الشهادة

غير خافٍ أنّ الغاية العقلية من الحرب والقتل محصورة بكفّ ضرر المؤدّى به ، واتّقاء شرّه ، والتقصير من مدى تأهّبه لإيذاء المقاتل ، ونصب العراقيل دون مسعاه ، فمتى غلب عليه بإزهاق نفسه أمِنَ القاتل من بلواه ، واطمأنّ مما كان يحذر منه ، وحينئذ تكون الزيادة على القتل بالهتك والمثلة خروج عن ناموس المروءة والعاطفة البشرية ، ولا يأتي به إلاّ مَن كان دنيّ الأصل لئيم العنصر ؛ لأن الضرورات تقدّر بقدرها ، ولا شيء أوفى لقمع الخطر والضرر من القتل .

إذاً فالزيادة مذمومة عند العقلاء ، مبغوضة عند الشارع حتّى في الحيوانات ؛ ففي حديث النبي (صلّى الله عليه وآله) : (( إيّاكم والمثلة ولو بالكلب العقور )) . بل جاء النهي عن ضرب وجه الدابّة ؛ لكون الزجر يحصل بما دونه ؛ ولذلك لم يذكر أحد من المؤرّخين أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) في مغازيه مثّل بالمشركين .

ولمّا تمكّن أمير المؤمنين (عليه السّلام) من عمرو بن عبد ود لم يمثّل به ، كما لم يسلبه مع ما عليه من الكفر والإلحاد ، وفي وصيّته للحسن (عليه السّلام) لمّا ضربه ابن ملجم : (( ولئن قُتلتُ فضربة مكان ضربة ، ولئن عفوتَ فأنت ولي الدم ، ولا تمثّلن بالرجل ؛ فإنّي سمعت رسول الله يقول : إيّاكم والمثلة ولو بالكلب العقور )) .

 هذه وصايا الشريعة المطهّرة باحترام الميّت ، ولكن هل من مسلم يفقه هذه الدرر

ــــــــــــــــ

(1) كتاب سليم الهلالي .


الصفحة ( 144 )

 الثمينة ؟ والعجب ممّن يتسنّم منبر الدعوة الإلهية ثمّ يمشي متردّداً في حنادس الظلم ما شاء له الهوى ! ولا عجب من الاُمويِّين وعمّالهم إذا خالفوا قوانين الإسلام ؛ فإنهم متى أسلموا ليهتدوا ؟! وإنما استسلموا فرقاً من البوار ، أو تحكّماً في الأموال والنفوس .

وليس بالغريب إذا أمر ابن زياد بسحب مسلم وهاني من أرجلهما في الأسواق(1) ، ثمّ صلبهما في الكناسة منكوسين(2) ، وأنفذ الرأسين إلى يزيد بن معاوية مع هاني بن أبي حية الوداعي , والزبير بن الأروح التميمي ، وكتب معهما : أمّا بعد ، فالحمد لله الذي أخذ لأمير المؤمنين بحقّه ، وكفاه مؤونة عدوّه ، وأخبر أمير المؤمنين أكرمه الله أنّ مسلم بن عقيل لجأ إلى دار هاني بن عروة المرادي ، وإنّي جعلت عليهم العيون ودسست إليهما الرجال ، وكدتهما حتّى استخرجتهما ، وأمكن الله منهما ، فقدّمتهما وضربت عنقيهما ، وبعثت إليك برأسيهما مع هاني بن أبي حية الوداعي ، والزبير بن الأروح التميمي ، وهما من أهل السمع والطاعة والنصيحة ، فليسألهما أمير المؤمنين عمّا أحبّ من أمر ؛ فإنّ عندهما علماً وصدقاً وفهماً وورعاً ، والسّلام .

فكتب إليه يزيد : أمّا بعد ، فإنك لم تعد أن كنت كما أحبّ ، عملت عمل الحازم ، وصُلت صولة الشجاع الرابط الجأش ، فقد أغنيت وكفيت وصدقت ظنّي بك ورأيي فيك ، وقد دعوت رسوليك فسألتهما وناجيتهما ، فوجدتهما في رأيهما وفضلهما كما ذكرت ، فاستوص بهما خيراً ، وإنه قد بلغني أنّ الحسين بن علي قد توجّه نحو العراق ، فضع المناظر والمسالح ، واحترس على الظنّ ، وخُذ على التهمة ، غير أن لا تقتل إلاّ مَن قاتلك ، واكتب إليّ في كل ما يحدث من الخبر ، والسّلام عليك(3) .

ثمّ أمر يزيد بالرأسين فنصبهما في درب من دروب دمشق(4) .

ـــــــــــــــــ

(1) المنتخب للطريحي .

(2) مناقب ابن شهر آشوب 2 / 212 .

(3) تاريخ الطبري 6 / 214 .

(4) مناقب ابن شهر آشوب 2 / 212 .


الصفحة ( 145 )

تاريخ الشهادة

الأقوال في يوم شهادة مسلم (عليه السّلام) على ثلاثة :

الأوّل : يوم الثالث من ذي الحجة سنة ستين ؛ نصّ عليه أبو حنيفة الدينوري في الأخبار الطوال / 242 ، ويظهر من ابن طاووس الموافقة له ، فإنه قال في اللهوف / 33 ـ طبعة صيدا : توجّه الحسين من مكّة يوم الثلاثاء لثلاث مضين من ذي الحجة ، وقال بعد ذلك : كان خروجه من مكّة في اليوم الذي قتل فيه مسلم .

الثاني : يوم الثامن من ذي الحجّة ؛ قال ابن الوطواط في غرر الخصائص / 210 ، وهو الظاهر من تذكرة الخواص / 139 ، وتاريخ أبي الفداء 1 / 190 قالا : قتل مسلم لثمان مضين من ذي الحجة ، وتذكير العدد يراد منه الليلة ؛ لنصّ أهل العربية أنّ العدد يذكّر مع المؤنث ويؤنّث مع المذكّر .

الثالث : يوم عرفة ؛ نصّ عليه المفيد في الإرشاد ، والكفعمي في المصباح ، والمجلسي في مزار البحار / 99 ، وهو الظاهر من ابن نما في مثير الأحزان ، وتاريخ الطبري 6 / 215 ، ومروج الذهب 2 / 90 . قالوا : وكان ظهور مسلم بالكوفة يوم الثامن من ذي الحجة ، والمفروض أنه قُتل في ثاني يوم خروجه .

وحكى المسعودي قولاً في مروج الذهب: إنه خرج يوم التاسع من ذي الحجة ، وإذا كان قتله في ثاني يوم خروجه تكون شهادته يوم الأضحى .

وعلى كلّ فمدّة بقائه بالكوفة أربع وستين يوماً تقريباً ؛ لأنه كما مرّ عليك دخل الكوفة في الخامس من شهر شوال .


الصفحة ( 146 )

 


الصفحة ( 147 )

المرقد الأخير

لقد عرف الناس مسلم بن عقيل (عليه السّلام) في بيته وحسبه ، ومروءته وفضائله منذ عهد الصبا إلى أن بلغ مبالغ الرجال المحنّكين ، وقد وعوا كلمة الحسين (عليه السّلام) في صكّ ولايته ، لكن ابن مرجانة من جرّاء ما تردّى به من لؤم العنصر وخبث المنبت ودعارة الطبع حسِبَ أنه سوف يحطّ شيئاً من كرامته الصوريّة ؛ عساه يتوصّل به إلى تحطيم مبدئه وإخماد ذكره ؛ فأمر بمسلم وهاني بعد القتل أن يُسحبا من أرجلهما في الأسواق . . .(1) .

وبعد أن بلغ الغاية فيما حسب أمر بدفنهما بالقرب من دار الإمارة ؛ لتستمر رقابة الشرطة عليهما فلا يقصدهما أحد بالزيارة ، ولا يحضر هناك مؤبّن لهما ، ولا تلمّ بهما النوادب ؛ لأنه يعلم أنّ الكوفة بطبعها الأوّلي علويّة الرأي ، على العكس من البصرة والشام ؛ فإنّ الأولى عثمانية والثانية اُمويّة .

والكوفة وإن تأثّرت بالسياسات الزمنية لكنها في نفس الحالة قد تراجعها نفسها بمرتكزاتها الأوّلية فيعروها الندم ، فتتحول تلكم الهواجس ندباً وتأبيناً ، ويتسبب منهما فكّ عرى الطاعة للسلطان ، ويعود القبول فيما ارتكبه الوالي هياجاً في الأفئدة وحراب وجلاداً ، فينتقض فتله ويتلاشى كل ما دبّره من إطفاء النائرة والحصول على الغاية .

ولقد خاب الدعي وفشل لئن أخمد فورة مسلم ، أو قُل ونهضة سيّد الشهداء فيما زعم ذلك اليوم ، ولم يقف في وجه المنكر الذي ارتكبه أيّ أحد غير العقيلة زينب وبنات أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، فلقد وافاه المستقبل بما كشف عن بوادره وبوار مَن دعا إليه من

ــــــــــــــــــــــــــ

(1) لقد وردت عبارة في الأصل نحسب أن كلاماً ما سقط قبلها فأخلّ بالسياق ؛ حيث رفعناها من موضعها ووضعنا بدلها النقاط المشار إليها . أمّا العبارة فهي : والجواد قضية لؤم الغلبة ودناءة المحتد . (موقع معهد الإمامين الحَسَنين)


الصفحة ( 148 )

 طواغيت الشام يوم قام التوّابون في وجهه ، ويوم وثبة غلام ثقيف الذي أخبر سيّد الشهداء يوم الطفِّ عنه إذ قال : (( وكأنّي بغلام ثقيف يسقيكم كأساً مصبرة )) . فأجهزت عليه ضربة ابن الأشتر وألحقته بأميره الذي دعا إليه .

وإنّ ما ذكرناه من الهاجسة التي حسب لها الوالي حسابه ، ولها وضع القبرين بالقرب من قصره شيء مطّرد عنه الولاة والحكّام ؛ فإنهم لا يدعون أحداً يقرب ممّن نكّلوا بهم إذا كان لهم شأن بين الاُمّة ؛ حذراً من تأثّر النفوس واحتدام القلوب بتذكّر ما جرى عليهم ، فتثور العواطف وتصبح الحالة مضطربة من جميع جهاتها .

ويشهد لذلك حديث الحسين بن بنت أبي حمزة الثمالي ؛ فإنه يعطينا صورة واضحة عمّا عليه الاُمويّون من الجد في منع الناس من إتيان قبر الحسين ، ولو لم يكن السبب الوحيد ما أشرنا إليه من خوف الاُمراء من اضطراب الحالة عليهم وهياج الاُمّة عندما يتذكّرون الفوادح الجارية عليه ، وإلاّ فأين الحسين وأين خلافة المروانيِّين ؟!

 

Description: الصفحة السابقة

قال الحسين : خرجت في آخر دولة بني مروان إلى زيارة الحسين (عليه السّلام) مستخفياً من أهل الشام ، ولمّا وصلت كربلاء وأردت الدخول على القبر خرج إليّ رجل ومنعني منه ، فقلت : يا هذا ، لا تحل بيني وبين القبر ؛ فإنّي أخاف إذا طلع الصبح يقتلوني أهل الشام .

فقال الرجل : إنّ موسى بن عمران استأذن ربّه في سبعين ألفاً من الملائكة لزيارة الحسين ؛ فهم من أوّل الليل إلى طلوع الفجر . وبعد الفجر جئت إلى الزيارة فلم أر أحداً(1) .

وجاء دور الرشيد فزاد على ما عليه المروانيّون ؛ فإنه قطع السدرة التي هي عند قبر الحسين والزوّار يستظلّون تحتها ، وقد لعن النبي (صلّى الله عليه وآله) قاطع السدرة ثلاث مرّات ، فلم يفهم الناس معنى الحديث إلى أن قطعها الرشيد(2) .

وحديث المتوكّل العباسي متواتر عند المؤرّخين فقد وضع المسالح لذلك ، وفي سنة (247) هـ أرسل قائداً ومعه جند لمنع الناس من إتيان قبر الحسين ، فرأى خلقاً مجتمعين عنده

ـــــــــــــــــ

(1) كامل الزيارة / 111 .

(2) أمالي الشيخ الطوسي .


الصفحة ( 149 )

ولهم سوق كبير فنادى : برئت الذمة ممّن بقى هنا ؛ فتفرّق الناس ، وفي هذه السنة أجرى الماء على القبر لإطفاء نور الله ويأبى الله إلاّ أن يتمّ نوره ، فحار الماء واستدار على قبر المنحور على مجزرة الدعوة الإلهية ، ممنوعاً من الورود .

وهذا كلّه حذراً على الدست الذي اغتصبوه من آل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ؛ فإنهم علموا أنّ ذلك الاجتماع يوجب التعريف بمبدأ الحسين وسلفه ؛ إمّا بكلمة تلقى أو قريض يرتل ، أو اُنشودة يصدح بها ، أو نوادب تجيش الأفئدة وتستفزّ الحلوم ، وفي خلال ذلك يُعرف فضل العترة الطاهرة ووصايا الرسول (صلّى الله عليه وآله) بهم ، وأوامره بالأخذ بحجزتهم ، والتنديد بظالمهم والبراءة منهم ؛ فيعتكر حينئذ صفو الخلفاء ، ويقلق جوّهم الهادئ ، وربما تكلّفهم الحالة مقاسات معارك دامية .

هكذا صوّرت لهم أحلامهم ، وما صوّرت إلاّ حقيقة ناصعة كفلق الصباح ، فمنعوا الناس من المثول في مجزرة الحقائق ومشهد الطفِّ ، لكن شيعة الحسين (عليه السّلام) من ناحية تحفّظهم على المبدأ القويم ، وتهالكهم في القيام بوصايا النبي بآله الأطهرين وطّنوا أنفسهم على كل ما يجري عليهم من القتل وقطع الأيدي والإرهاب دون مقصدهم الراقي وضالّتهم المنشودة ، فلم يتركوا المثول عند المرقد الأقدس .

وقد روى الشيخ الطوسي في الأمالي : أنّ في سنة (237) هـ أنفذ المتوكل قائداً من قوّاده ، ومعه جند يمنع الزائرين ، فرأى خلقاً كثيراً ، وثار إليه الناس وقالوا : لو قُتلتنا بأجمعنا لَما أمسك مَن بقى منّا زيارته . فكتب بذلك إلى المتوكّل فأمره بالكفّ عنهم ؛ مخافة أن يتسبّب ما لا يُحمد عقباه .

ثمّ إنّ الشيعة لم يقتصروا على أداء حقّ الحسين في الزيارة فقط ، بل طفقوا يعقدون الأندية والمحتشدات سريّة وعلنية حسب مقتضيات الظروف والأحوال ؛ لتذكّر ما جرى على آل الرسالة من القساوة الشائنة ؛ فلاقوا من أعدائهم القتل والنهب والحرق ، فلم يبالوا بكل ذلك حتّى تسنّى لهم الحصول على طلبتهم من تدمير صروح النعرة الاُمويّة في شتى الوسائل .

ثمّ لا تزال الشيعة يكثر عددها ويقوى أمرها حتّى جاء منهم ملوك ووزراء ، وولاة وعلماء مجاهدون ؛ فتفننوا في توسيع دائرة الذكريات إلى حفلات تُعقد في الأفراح والأحزان ، ومواكب تجول في الطرقات فيها تمثيل تلك المأسات الدامية ، إلى أن نمت بذرة


الصفحة ( 150 )

الحقِّ فأثمرت الولاء الأكيد لأهل البيت ، وفي القلوب عداء محتدم للأمويين نسباً ومذهباً ، فنسيتهم الاُمّة إلاّ عند كل سبّة ، فكأنّ وعاء الدهر لم يقل منهم أحداً ، أو أنهم حديث أمس الدابر .

وهذا الذي ذكرناه في دفن مسلم وهاني حول القصر اعتبار لم يبعد عن الحقيقة ، ولسنا نعتمد عليه فقط في إتيان هذا المشهد المطهّر ، وإنما المستند الوحيد هو سيرة العلماء والصلحاء ، والشيعة عامة المتّصلة بزمان المعصومين في المثول بهذا الموضع المقدس الذي لم تزل الكرامات تصدر ممّن ثوى فيه ، فلم يَؤمّه مريض إلاّ عُوفي ، ولا طالب حاجة إلاّ قُضيت ، ولا تجرّأ عليه متمرّد باليمين الكاذبة إلاّ عاد بالخيبة والخسران ، وهذه السيرة دليل قطعي في كلِّ مشهد ، ولولاها فأيّ مشهد يمكننا تعيينه من دون نقاش .

زوجاته وأولاده

تزوّج مسلم (عليه السّلام) رقيّة بنت أمير المؤمنين (عليه السّلام) فولدت له عبد الله وعلياً(1) ، ومحمد من اُمّ ولد(2) ؛ وأمّا مسلم وعبد العزيز لم يعيّن ابن قتيبة اُمّهما ، وله بنت اسمها حميدة اُمّها اُم كلثوم الصغرى بنت أمير المؤمنين(3) ؛ وحيث لا يصح الجمع بن الاُختين فلا بدّ من فراق إحداهما أو موتها .

وتزوّج حميدة ابنُ عمّها وابن خالتها عبد الله بن محمّد بن عقيل بن أبي طالب ، واُمّه زينب الصغرى بنت أمير المؤمنين ، وكان شيخاً جليلاً محدّثاً فقيهاً ، عدّه الشيخ الطوسي من رجال الإمام الصادق (عليه السّلام) وجزم الترمذي بصدقه ووثاقته ، وخرّج حديثه في جامعه ، كما احتجّ به أحمد بن حنبل ، والبخاري ، وأبو داود ، وابن ماجة القزويني , مات سنة (142) هـ(4) . وولدت حميدة محمداً أعقب من خمسة : القاسم وعقيل وعلي وطاهر وإبراهيم(5) .

فأولاد مسلم الذكور خمسة : عبد الله ومحمد استشهدا يوم الطفِّ ، واثنان قُتلا بالكوفة ، ولم نقف على شيء من أمر الخامس .

وكان من حديث المقتولين بالكوفة ما يحدّث به الشيخ الصدوق عن رجاله قال : اُسر طفلان من عسكر الحسين (عليه السّلام) فجيء بهما إلى ابن زياد ، فدفعهما إلى رجل وأوصاه

ـــــــــــــــ

(1) المعارف / 88 .

(2) مقاتل أبي الفرج / 37 ـ ط إيران .

(3) عمدة الطالب / 16 ـ ط نجف .

(4) تهذيب التهذيب 6 / 15 .

(5) عمدة الطالب / 17 .


الصفحة ( 151 )

بالتضييق عليهما حتّى في الطعام والشراب ، فمكثا في الحبس سنة , فقال أحدهما للآخر : لقد طال الحبس بنا ويوشك أن تفنى أعمارنا ، فإذا جاء الشيخ فاعلمه بمكاننا من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لعلّه يوسّع علينا .

ولمّا جاء الرجل سألاه هل تعرف محمّد بن عبد الله ؟ قال : هو نبييِّ . ثمّ سألاه عن جعفر الطيار ، قال : إنه الذي أنبت الله له جناحين يطير بهما مع الملائكة . فسألاه عن علي بن أبي طالب ، قال : إنّه ابن عمّ رسول الله . فقالا له : نحن من عترة رسول الله نبيّك ، ومن أولاد مسلم بن عقيل ، وقد ضيّقت علينا حتّى في الطعام والشراب !

فانكبّ الرجل عليهما يقبّلهما ، ويعتذر من التقصير معهما مع ما لهما من المنزلة من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، ثمّ قال لهما : إذا جنّ الليل أفتح لكما باب السجن وخذا أيّ طريق شئتما . ولمّا أن جاء الليل أخرجهما وقال : سيرا في الليل واكمنا في النهار حتّى يجعل الله لكما من أمره فرجاً .

فهرب الغلامان ، ولمّا أن جنّ عليهما الليل انتهيا إلى عجوز كانت واقفة على باب دارها تنتظر ختناً لها ، فوقفا عليها وعرّفاها بأنهما غريبان من عترة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لا يهتديان إلى الطريق , واستضافاها سواد هذه الليلة .

فأدخلتهما البيت وقدّمت لهما الطعام والشراب فأكلا وشربا وباتا راجيين للسلامة ، واعتنق أحدهما الآخر وناما ، وفي تلك الليلة أقبل ختن العجوز وقد أجهده الطلب للغلامين ، وقصّ على العجوز هرب الغلامين من سجن ابن زياد ، وأنه نادى عسكره مَن أتاه برأسيهما فله ألفا درهم .

فحذّرته العجوز من العذاب الأليم ، ومخاصمة جدّهما محمّد (صلّى الله عليه وآله) ، وأنه لا فائدة في دنيا ولا آخرة معها ، فارتاب الرجل من هذا الوعظ ، وظنّ الغلامين عندها ، ولمّا ألحّ على أن تخبره بما عندها وهي كاتمة عليه أمرهما ، أخذ يفحص البيت عنهما فوجدهما نائمين ، فقال لهما : مَن أنتما ؟ قالا : إن صدقناك فلنا الأمان ؟ قال : نعم . فأخذا عليه أمان الله وأمان رسوله ، ثمّ جعلا الله عليه شهيداً ووكيلاً فأوقفاه على حالهما .

وعند الصباح أمر غلاماً له أسود أن يأخذهما إلى شاطئ الفرات ويذبحهما ويأتيه برأسيهما ، فلمّا أخذهما الغلام قالا له : يا أسود ، ما أشبه سوادك بسواد بلال مؤذّن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ,


الصفحة ( 152 )

أتقتلنا ونحن عترة نبيّك ؟! وقصّا عليه قصّتهما في السجن ، وما لاقياه من النصب حتّى أضافتهما العجوز . فرقّ الغلام لهما واعتذر منهما ، ورمى السيف وألقى نفسه في الفرات وعبر إلى الجانب الآخر , فصاح به مولاه : عصيتني ؟ فأجابه : أنا في طاعتك ما دمت لا تعصي الله ، فإذا عصيت الله فأنا بريء منك .

فلم يتّعظ الرجل ولا رقّ لهما ، بل دعا ابنه وقال له : إنما أجمع الدنيا حلالها وحرامها لك ، والدنيا محرص عليها ؛ فاضرب عنقي الغلامين لأحظى برأسيهما عند ابن زياد . ولمّا وقف عليهما الولد قالا له : يا شاب ، أما تخاف على شبابك من نار جهنم ونحن عترة رسول الله محمّد ؟ فرقّ الولد لهما وفعل مثل العبد .

فقال الرجل : أنا أتولّى ذبحكما ، فقالا له الغلامان : إن كنت تريد المال فانطلق إلى السوق وبعنا ولا تكن ممّن يخاصمك محمّد في عترته . فما ارعوى عن غيّه ، قالا له : انطلق بنا إلى ابن زياد ليرى فينا رأيه . فأبى , قالا : ألم ترعَ حرمة رسول الله في آله ؟ فأنكر قرابتهما من النبي (صلّى الله عليه وآله) ، فاستعطفاه لصغر سنّهما فلم يرقّ قلبه .

فطلبا منه أن يصلّيا لربّهما سبحانه فقال : صلّيا إن نفعتكما الصلاة ، وبعد أن فرغا رفعا أيديهما إلى الله سبحانه وهما يقولان : يا حيّ يا حليم ، يا أحكم الحاكمين احكم بيننا وبينه بالحقِّ .

فقدّم الأكبر وذبحه ، فتمرّغ الأصغر بدمه وقال : هكذا ألقى رسول الله وأنا مخضّب بدم أخي ، ثمّ ضرب عنقه ورمى ببدنهما في الفرات ، وأقبل بالرأسين إلى ابن زياد وقصّ عليه ما شاهده منهما ، فاستجاب الله تعالى دعاءهما وحرمه الدنيا والآخرة ؛ إذ قال ابن زياد له : إنّ أحكم الحاكمين حكم بقتلك ، وأمر به فأخذ إلى الموضع الذي قُتل فيه الغلامين فضُربت عنقه ، ونصب رأسه على قناة والصبيان يرمونه بالحجارة ويقولون : هذا قاتل ذريّة رسول الله(1) .

وحكى في رياض الأحزان / 3 عن المناقب : أنهما من ولد جعفر الطيار ؛ اسم أحدهما محمّد والآخر إبراهيم .

ــــــــــــــــ

(1) أمالي الصدوق / 51 ـ مجلس 19 .


الصفحة ( 153 )

وإنّ السيرة بين الشيعة على المثول بمشهدهما الواقع بالقرب من المسيّب تفيد القطع به ، وبناءً على ما أفادته الرواية من إلقاء بدنهما في الفرات يكون هذا الموضع ؛ إمّا محل القتل ، وإمّا أنهما دُفنا هناك .

والتأمّل في الرواية يفيد بأنهما لم يأتيا دار العجوز في الليلة التي هربا فيها من السجن ؛ فإنّ غاية ما تنصّ عليه أنّ ختن العجوز قال لها : إنّ ابن زياد نادى في عسكره هرب الغلامين ، وجعل لمَن أتاه برأسيهما ألفي درهم . وقطعاً لم يعلم ابن زياد بهربهما في تلك الليلة ، فلا بدّ أن يكون في صباحها ، كما لم يُعلم مجيء ختن العجوز إلى الدار هل هو في الليلة الثانية أو بعدها ؟ لأنّه كان بصدد التفتيش عنهما ؛ فالتشكيك في الرواية من جهة بُعد الموضع الذي قُتلا فيه عن الكوفة التي هي محل حبسهما ، إنما يتّجه لو فرض قبض الرجل عليهما في الليلة التي هربا فيها ؛ وأمّا احتمال عثوره عليهما فيما بعدها بأكثر فلا .

ثمّ إنّ الرواية لم تنصّ أيضاً على كون الحبس في نفس البلد ، فاحتمال بعض العلماء على أن يكون ابن زياد دفعهما إلى الرجل على أن يحبسهما ولو في بيته الخارج عن الكوفة ، وأنه لم يكن بعيداً عن موضع قتلهما بكثير متّجه .

ولو أنّا ماشينا مَن ينكر هذه الرواية لبعض الاحتمالات فلا نوافقه على الالتزام ببطلان نسبة هذا المشهد إلى ولدَي مسلم (عليه السّلام) ؛ فإنّ سيرة الشيعة والشهرة بينهم تحقّق كون المشهد المعروف لولدَي مسلم على الإجمال ، ولم يحصل الشك في أدوارهم ؛ اتّباعاً للخلف على طريقة السلف ، حتّى كثرت زرافات الزائرين لهما تقرّباً إلى الله تعالى مع النذور المهداة إليهما ، والعمارة المتجدّدة حول القبرين على نحو غير واحد من المشاهد المحقّق ثبوتها ، وكل هذا بمشهد من العلماء , فلا يُعتنى حينئذ بمَن تأخذه الوسوسة إلى مناحي ممقوتة كما هو شأنه في جملة من المظاهر والمشاعر .


الصفحة ( 154 )

الاحتفال بأمر مسلم

إنّ الإشادة بذكر عظماء الرجال مما جرى عليه العقلاء ؛ شكراً لجميلهم الذي أسدوه إلى الاُمّة ، وتنشيطاً لمَن بعدهم ، وتشويقاً لهم على أن ينهضوا بمثل أعمالهم ، وحتى يكون ذلك فاتحة لنشر تعاليمهم ، وتلقّي علومهم ، واقتفاء آثارهم في الأخلاق والحكمة ، والتذكير بمبادئهم الملائمة للإصلاح ، وتوطيد السّلام والوئام ، وما فيه جمام النفس وهدوء المجتمع وسعادة البشر دنيا وآخرة .

ولو علم الناس ما في الأخذ بالتعاليم الأحمديّة ، وأنّ الاحتذاء على إثر آل محمّد يعود عليهم بالزلفى المباركة لساروا إليهم ، وانسابوا إلى ساحتهم ولو حبواً على الركب فإنّ عندهم المثل العليا ، والحِكم البالغة ، والغرائز الكريمة ، والتعاليم الكافلة لرقي الجامعة الإسلاميّة ، وتهذيب أفراد المجتمع الحافظ لها عن الملاشاة والتقهقر ، ولعادت اُمّة الإسلام أرقى الاُمم ، وأطولها باعاً ، وأبسطها يداً ، غير أنّ خسّة الطباع وقصر النظر وضؤولة التفكير وقفت بهم عن السعادة في الحياة .

وغير خفيّ أنّ داعية الحسين مسلم بن عقيل من اُولئك الرجال الذين يجب أن يُخلّد ذكرهم ويقتصّ أثرهم ؛ فهو صريخة هاشم ، وسريّ من سروات المجد من آل محمّد ، وقد استصلحه سيّد الشهداء للنيابة عنه في الكوفة ؛ ثقةً منه بعلمه وتقواه وعقله وبسالته وكرمه ، فأقبل (عليه السّلام) ناشراً لواء العدل ليكتسح الجور ، ويكبح جماح الضلال ، بَيْدَ أنّ نزعات الباطل حالت دون إقامته الأمت وتثقيفه الأود ؛ فاستشهد دون إكمال رسالته ، ولكنه خلّف من بعده هتافاً عالياً يسمع الصخر الأصمّ ، وعقيرته مرتفعة بين لابتي العالم تعيها أُذن واعية بأنّ الحقّ في دعوة سيّد الشهداء ، وأنّ الباطل فيمَن ناوأه ،


الصفحة ( 155 )

وأنّ مبدأً صحيحاً كهذا يجب أن يضحى دونه النفس والنفيس ، ويرخص في سبيله ذلك الدم الغالي الزاكي ، دم مسلم بن عقيل ومَن يحذو حذوه من المجاهدين أعضاء الحفاظ الديني وروّاد الصالح المدني .

المأتم

فمن الاحتفال بأمره الكاشف عن الخضوع لخطّته والمصافقة على ارتياد مبدئه عقد المأتم له ، وتذكار ما تلفع به من مكارم الأخلاق ، وما جرى عليه من الكوارث على حدّ فضله الكثار ، وقد قابل تلكم المحن بالصبر والثبات ، فلم يعطِ سريّ هاشم وليث أبي طالب المقادة عن ذلّة ، ولا نكص على عقبه فرقاً ، ولم يفتأ مكافحاً كما شاء له الحفاظ ، حتّى أمسى رافلاً بحلّة الشهادة بين ذلك الجيل القدسي الزاهر .

فعلى مثل مسلم فليبكِ الباكون ، وليضجّ الضاجّون ، كيف لا وقد بكى عليه الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) قبل أن يُقتل ، وعدّ البكاء عليه من علائم الإيمان كما في حديث ابن عباس : إنّ أمير المؤمنين علياً (عليه السّلام) قال لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( أتحبّ عقيلاً ؟ )) . قال : (( إي والله ، اُحبّه حبّين ؛ حبّاً له وحبّاً لحبّ أبي طالب له ، وإنّ ولده لمقتول في محبّة ولدك ، تدمع عليه عيون المؤمنين وتصلّي عليه الملائكة المقرّبون )) . ثمّ بكى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وقال : (( إلى الله أشكو ما تلقى عترتي من بعدي ))(1) .

وهذا النص كافٍ في رجحان البكاء عليه لمَن يتطلّبه بالخصوص ؛ فإنّ إخبار النبي (صلّى الله عليه وآله) عن بكاء المؤمنين عليه وارد لبيان كونه محبوباً له ؛ لأنه رتّبه على شهادة مسلم المسبّبة عن محبّة الحسين . ثمّ قرن البكاء بصلاة الملائكة المقرّبين ، وهل يصحّ القول بأنّ صلاة الملائكة عليه غير محبوبة لله سبحانه ؟ فإذاً بكاء المؤمنين وصلاة الملائكة على مسلم المترتّبتان على شهادته مما يرغب فيه الرسول وهو محبوب لله سبحانه .

ولفظ الحديث وإن لم يذكر فيه مسلم صريحاً لكنّا نعلمه من أفراد لفظ القتل في قوله : (( وإنّ ولده لمقتول )) . ولو كان يريد أولاد أجمع لقال : وإنّ ولده لمقتولون , ثمّ

ـــــــــــــــــ

(1) المجالس ، مجلس 77 / 27 .


الصفحة ( 156 )

 تعقيبه بالضمائر المفردة شاهد آخر .

على أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) بكى عليه قبل شهادته وبكاؤه حجة في الرجحان ، ولو لم يقترن براجح آخر ، فكيف وقد قرنه بالشكوى إلى الله تعالى مما تلقاه عترته من بعده ؟

ثمّ إنّ الأحاديث العامة في البكاء لمَن تذكّر مصابهم وما جرى عليهم من الظلم كافية في رجحان البكاء عليه ؛ ففي بعضها عن الصادق (عليه السّلام) : (( مَن دمعت عينه فينا دمعة لدمٍ سُفك لنا , أو حقٍّ لنا نُقصناه ، أو عرض انتُهك منّا , أو لأحد من شيعتنا بوّأه الله بها في الجنّة حقباً )) .

 وفي حديث الأربعمئة أنّ أمير المؤمنين (عليه السّلام) قال : (( إنّ الله تعالى اطّلع إلى الأرض فاختارنا , واختار لنا شيعة ينصروننا ، ويفرحون لفرحنا ويحزنون لحزننا ، يبذلون أموالهم وأنفسهم فينا ؛ اُولئك منّا وإلينا )) .

 ومن هذا العموم نستفيد رجحان البكاء على أولاد المعصومين أيضاً ممّن كانت نهضته وهتافه بين الاُمّة لإحياء أمر الأئمة والدعوة إليهم ، حتّى جرى عليهم من الظلم بإزهاق النفوس والتنكيل بالحبوس ما تسيخ له الجبال . فاستدرار الدموع لمظلوميّة هؤلاء المتسبّبة عن مظلوميّة أهل البيت (عليهم السّلام) يكون مشمولاً لهذه الأحاديث قطعاً .

الزيارة

ومن الاحتفال بأمر مسلم (عليه السّلام) قصد مشهده بالزيارة ، خصوصاً يوم مقتله وهو التاسع من ذي الحجة ، وتلاوة ألفاظ الزيارة المأثورة التي نصّ عليها العلماء الثقات كابن المشهدي الذي هو من أعيان القرن السادس ، والشريف النقيب رضي الدين بن طاووس الذي هو من أعيان القرن السابع .

فقد ذكر الأوّل في المزار الكبير ، والثاني في مصباح الزائر إذناً للدخول في الحرم المطهّر ، وأوله : الحمد لله الملك الحق المبين ، المتصاغر لعظمته جبابرة الطاغين ، المعترف بربوبيّته جميع أهل السماوات والأرضين ، المقرّ بتوحيده سائر


الصفحة ( 157 )

الخلق أجمعين ، وصلّى الله على سيّد الأنام وأهل بيته الكرام صلاةً تقرّ بها أعينهم ، ويرغم بها أنف شانئهم من الإنس والجن أجمعين .

سلام الله العلي العظيم ، وسلام ملائكته المقرّبين ، وأنبيائه المرسلين ، وأئمته المنتجبين ، وعباده الصالحين ، وجميع الشهداء والصدّيقين ، والزاكيات الطيّبات فيما تغتدي وتروح عليك يا مسلم بن عقيل بن أبي طالب . . . إلى قوله : قتل الله أمّة قتلتكم بالأيدي والألسن .

وأمّا الزيارة في داخل الحرم فأوّلها : السّلام عليك أيها العبد الصالح ، المطيع لله ولرسوله ولأمير المؤمنين والحسن والحسين عليهم السّلام ، الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى محمّد وآله . . . إلى قوله : فجمع الله بيننا وبين رسوله وأوليائه في منازل المخبتين فإنه أرحم الراحمين .

وبعد الفراغ من الزيارة يصلّي ركعتين ويهديهما له , ويقول بعد الفراغ منهما : اللّهمّ صلِّ على محمّد وآل محمّد ، ولا تدع لي ذنباً إلاّ غفرته . . . إلى قوله : إلاّ قضيتها يا أرحم الراحمين .

وعند وداعه يقف على القبر ويقول : أستودعك الله وأسترعيك ، وأقرأ عليك السّلام . . . إلى قوله : فإنّي قد رضيت بذلك يا ربّ العالمين .

وقد اتّفق هذان العالِمان على هذه الآداب والسنن في مزاريهما اللذَين لم يزالا مخطوطين حتّى اليوم ، إلاّ في ابتداء سلام الإذن ، فقد ابتدأ ابن المشهدي من قوله : سلام الله العلي العظيم وسلام ملائكته المقرّبين .

ومَن أراد الوقوف عليهما فلينظر مزار البحار للمجلسي (أعلا الله مقامه) ؛ فقد طابقنا المزارين مع ما نقله عنهما فلم يكن فيه تغيير(1) .

وإنّ في ذلك من التّنويه بمقامه الرفيع وموقفه الشامخ وفضله الجّم ، ومصائبه المؤلمة ما يلين الأفئدة ويستدرّ الدموع ، ويوصل إلى ما وصفناه من الغايات الكريمة ، وظاهر تلكم الآداب والسنن كونها مأثورة ؛ لأن سردها مرتّبة كما في زيارات المعصومين (عليهم السّلام) لا يمكن صدوره من علماء الدين بلا تخريج عن الأئمة بحيث يكون

ـــــــــــــــــ

(1) تقدّم في العنوان المتعلّق بهاني بن عروة ما ذكراه من الزيارة المتعلّقة به والصلاة بعدها .


الصفحة ( 158 )

الداعي إلى ترتيب تلك الآداب محض الاستحسان والمناسبة ؛ لأن في الإقدام على هذا بعنوان أنه من الشريعة يستلزم الوقوع في ورطة البدعة التي لا تقال عثرتها ، وحاشا علماء المذهب الصحيح ارتكاب ما لم يرد من الشرع ؛ كيف وهم يقرؤون ليلهم ونهارهم قول الرسول (صلّى الله عليه وآله) : (( كلُّ بدعة ضلالة , وكلُّ ضلالة في النار )) .

ومما يشهد لذلك أنّ الشيخ الكليني يقول في خطبة كتاب الكافي : وقلت أنك تحبّ أن يكون عندك كتاب كافٍ يجمع جميع فنون الدين بالآثار الصحيحة عن الصادقين (عليهم السّلام) ، والسنن القائمة التي عليها العمل وبها يؤدّي فرض الله وسنّة نبيّه ، وقد يسّر الله وله الحمد تأليف ما سألت .

وقال الشيخ الصدوق في أوّل مَن لا يحصره الفقيه : إنّي لم أقصد قصد المصنّفين في إيراد جميع ما رووه بل قصدت إلى إيراد ما أفتي به ، وأحكم بصحته ، وأعتقد أنه حجة فيما بيني وبين ربّي تقدّس ذكره ، وجميع ما فيه مستخرج من كتب مشهورة عليها المعوّل وإليها المرجع .

وقال ابن المشهديّ في أوّل المزار الكبير : إنّي جمعت في كتابي هذا من فنون الزيارات للمشاهدة ، وما ورد من الترغيب في المساجد المباركة والأدعية المختارة ، وما يدعى به عقيب الصلوات ، وما يناجى به القديم تعالى من لذيذ الدعوات ، وما يلجأ إليه من الأدعية عند المهمّات مما اتصلت به من ثقات الرواة إلى السّادات الأطهار (عليهم السّلام) .

وقال الشريف النقيب ابن طاووس في آخر مصباح الزائر : إنّ ما وقع اختياره عليه في الكتاب وصل على الوجه الذي استحسنته وأعتمد عليه من جهة الرواية .

وإنّ ما ذكرناه في ترجمة الشريف المطبوعة في كتابه الملاحم تفيد القارئ معرفة بجلالته وسعة اطّلاعه ومقامه عند العلماء ؛ وأمّا ابن المشهدي فهو أبو عبد الله محمّد بن جعفر بن المشهدي الحائري ، ووصفه بهما صاحب المعالم في إجازته الكبيرة ، كان (أعلا الله مقامه) جليلاً في الطائفة ، متبحّراً في أخبار أهل البيت ، واسع الرواية ، عظيم المنزلة بين العلماء ، متكرر الذكر في الإجازات .

روى عن جماعة يزيدون على اثنين وعشرين منهم : يحيى بن البطريق ، والشيخ


الصفحة ( 159 )

 ورام صاخب تنبيه الخاطر ، وهبة الله بن نما الحلي ، والسّيد عز الدين بن زهرة ، وشاذان بن جبرئيل القمي ، إلى غيرهم .

وروى عنه محمّد بن جعفر بن هبة الله بن نما بن علي بن حمدون الحلي المعروف بابن نما على الإطلاق ، وذكر أنّ والده أجاز له أن يروي كتاب المقنعة للشيخ المفيد عنه ، عن محمّد بن جعفر بن المشهدي ، وكان ابن المشهدي يقول : قرأتها ولم أبلغ العشرين على الشيخ أبي منصور محمّد بن الحسن بن منصور النقاش الموصلي

 

Description: الصفحة السابقة

، وهو طاعن في السّن وأخبره : أنه قرأها في أوّل عمره على الشريف النقيب المحمدي الموصلي وهو طاعن في السّن ، وأخبره : أنه قرأها في أوّل عمره على المصنف الشيخ المفيد (أعلا الله مقامه) .

ولم نقف على تحديد عمر ابن المشهديّ بالتحقيق ، غير أنه أرّخ سماعه في مجلس عماد الدين الطبري بسنة ثلاث وخمسين وخمسمئة في مشهد أمير المؤمنين ، وإجازته من ابن الحمد النحوي في سنة إحدى وسبعين وخمسمئة ، وقراءته على الشيخ عربي بن مسافر ، وهبة الله بن نما بن علي بن حمد في سنة ثلاث وسبعين وخمسمئة في ربيع الأوّل فهو من علماء القرن السادس .

له كتاب المصباح ، وإيضاح المناسك ، والمزار الكبير الذي ينقل عنه السّيد ابن طاووس في كتبه ، والسّيد عبد الكريم في فرحة الغريّ ، وصاحب المزار القديم وهو من مصادر بحار الأنوار لشيخنا المجلسي (أعلا الله مقامه)(1) .

الشعر

ومن الاحتفال بأمر مسلم (عليه السّلام) تأبينه بسرد مآثره وبثّ فوادحه ؛ لتكون خالدة مع الدهر يرتّل سطور نهضته الجديدان ، وتسير بها الركبان , وتضمّها طيّات الكتب وصحائف المجاميع ، وتشدو بها خطباء المنابر ، وتصيخ إليها الأسماع ، وتعيها أُذن واعية فتتأثّر بها النفوس ، وترقّ لها القلوب ، وبها يكون الولاء لمسلم (عليه السّلام) مزيج روحية الملأ المستتبع لتحرّي مبادئه الصحيحة التي ضحّى نفسه لانتشارها ، وتمهيد الطريق إليها .

وأوّل مَن وقفنا عليه مما رُثي به قول شاعره :

ــــــــــــــــ

(1) المستدرك للنوري 3 / 365 و477 ، وإجازة صاحب المعالم الكبيرة في البحار ج25 كتاب الإجازات .


الصفحة ( 160 )

فإن كنتِ لا تدرينَ ما الموتُ فانظري       إلـى هـانئ في السوق وابنِ عقيلِ
إلـى بـطل قد هشّم السيفُ   أنـفَهُ       وآخـر  يـهوي من طمار  قـتيلِ
أصـابـهما أمـرُ الأمير  فـأصبحا       أحـاديـثَ مَـن يسري بكلِّ سبيلِ
تـرى جسداً قد غيّر الموتُ   لـونَهُ      ونـضـحَ دمٍ قـد سال كلّ  مـسيلِ
فــتـىً  هـو أحـيا من فتاةٍ حييّةٍ      وأقـطـع مـن ذي شفرتين  قـتيلِ
أيـركـبُ أسماءُ الهماليجَ   آمـنـاً      وقــد طـلـبته مذحجٌ  بـذحـولِ
تـطـوف حـوالـيه مرادٌ  وكـلُّهم      عـلـى رقـبةٍ من سائلٍ  ومـسولِ
فـإن أنـتـم لم تثأروا   بـأخـيكُمُ      فـكـونوا بغايا اُرضيت   بـقـليلِ

وهذه الأبيات نسبها في رياض المصائب / 268 إلى الفرزدق ، وفي اللهوف / 32 ـ صيدا ، وكامل ابن الأثير 4 / 15 قيل : إنها للفرزدق ، وزاد في اللهوف : أن بعضهم يراها لسليمان الحنفي ، ونسبها الدينوري في الأخبار الطوال / 242 إلى عبد الرحمن بن عبد الله الأسدي ، وفي البداية والنهاية لابن كثير 8 / 157 نسبها إلى الشاعر ، وفي نقله أنها قصيدة ولكنه ذكر منها خمسة أبيات ، وعند ابن الأثير في الكامل ، وأبي الفرج في المقاتل ، والشيخ المفيد ، وابن نما : أنها لعبد الله بن الزبير الأسدي(1) .

ولكن في نصّ الأغاني 13 / 31 : أنّ عبد الله بن الزبير من شيعة بني اُميّة وذي الهوى فيهم والتعصّب والنصرة على عدوهم ، وأنه لا يمالئ أحداً عليهم ولا على عمالهم ، وكان عبيد الله بن زياد يصله ويكرمه ويقضي ديونه وله فيه مدائح منها :

إلـيك  عـبيدَ الله تـهوى iركابُنا      تـعسُّفُ  مـجهولَ الـفلاة وتدأبُ
وقـد ضـمرت حتّى كأن  عيونَها      نـطافُ  فـلاةٍ ماؤها  مـتصبّبُ
فـقـلتُ لـها لا تشتكي الأين أنّه      أمـامَك قـرمٌ من اُميّة  مـصعبُ
إذا ذكـروا فضلَ امرئٍ كان  قبلَهُ      فـفضلُ عبيد الله أثـرى  وأطيبُ
وإنـك لو نشفي بك القرحَ لم يعدْ      وأنـت على الأعداءِ نابٌ  ومخلبُ
تصافى عبيدُ الله والمجدُ  صفوةُ ال      حـليفين ما أرسى ثبيرٌ  ويـثربُ
وأنـت إلـى الخيرات أوّلُ  سابقٍ      فـأبشر فقد أدركتَ ما كنت تطلبُ

 

ــــــــــــــــــ

(1) في كامل ابن الأثير 4 / 15 الزَّبير بفتح الزاي المعجمة وكسر الباء الموحدة .


الصفحة ( 161 )

ويقول في مدح أسماء بن خارجة وكان يكرمه ويصله :

فمن مثل أسماء بن حصن إذا عدتْ      شـآبـيبه  أم أيّ شــيء يـعادلُهْ
وكـنتَ إذا لاقـيت منهم  حـطيطةً      لـقـيت أبا حسّان تندى أصـائـلُهْ
تـضـيّفه غسان يرجون   سـيـبَهُ      وذو يـمـن أجيوشهُ   ومـقاولُهْ
(1)
فتىً لا يزال الدهر ما عاش  مخضبا      ولـو كـان بالموتان يجدى  رواحلُهْ
فـأصبح ما في الأرضِ خلقٌ  علمتِهُ      من الناسِ إلاّ باعُ أسماء  طائلُهْ      
تــراهُ  إذا مــا جـئتَه  مـتهلّلاً      كـأنّـك تُـعـطيهِ الذي أنتَ نائلُهْ
ولـوْ لمْ يكنْ في كفّهِ غيرُ   روحـهِ      لـجـادَ بـهـا فَلْيتّقِ الله  سـائـلُهْ
تـرى الجندَ والأعرابَ يغشونَ  بابَهُ      كما  وردتْ ماءَ الكلاب  نواهلُهْ     
إذا مـا أتـوا أبوابَهُ قالَ  مـرحـبا      لـجوا البابَ حتّى يقتلَ الجوعَ  قاتلُهْ
تـرىَ البازلَ البختيَّ فوقَ   خـوانِهِ      مـقـطّـعةً أعضاؤهُ   ومـفـاصلُهْ
إذا مـا أتوا أسماءَ كان هوَ   الـذي      تـحـلّـبُ كـفّاهُ النَّدَى وأناملُه
ْ(2)

وهل يستطيع أحد بعد مدائحه وعقيدته ونزعته الاُمويّة أن ينسب الأبيات إليه ؛ خصوصاً وقد ذكر أبو الفرج أنّ أسماء بن خارجة له ذكر قبيح عند الشيعة يعدّونه في قتلة الحسين ، ومعاوناً لعبيد الله بن زياد على هاني بن عروة حتّى قتله ونصره على مسلم بن عقيل ، وذكر ذلك شاعرهم فقال(3) :

أيركبُ أسماءُ الهماليجَ آمناً      وقد  طلبتهُ مذحجٌ بقتيلِ ؟

فنسب هذا البيت وهو في جملة تلك الأبيات إلى شاعر الشيعة ، وقد عرفت أنّ عبد الله بن الزَّبير اُموي الرأي ومادحاً ليزيد بن معاوية وليس من شيعة آل علي .

نعم ، نسبة تلك الأبيات إلى الفرزدق قريبة جداً ؛ لتشيّعه وموالاته الأكيدة لآل علي (عليه السّلام) , والذّب عنهم وهجاء مَن عاداهم . وكونه حاجّاً باُمّه سنة ستين لا يدفع نسبتها إليه ؛ إذ من القريب أنه أنشأها بعد رجوعه من الحجِّ وقد بلغه فعل الدعي ابن مرجانة بعترة الرسول ومَن آواهم ولبّى دعوتهم .

ـــــــــــــــ

(1) الجيشان : لقب عبد الرحمن بن حجر بن ذي رعين , وإليه ينسب الجيشانيون . والمقاول : جمع مقول كـ (منبر) ، يقال لملك اليمن أو ملوك حمير خاصة . ( القاموس وتاج العروس ) .

(2) الأغاني 13 / 33 و37 .

(3) الأغاني 13 / 35 .


الصفحة ( 162 )

وقد أكثر العلماء والأدباء باللغة الفصحى والعاميّة في التعريف بما لابن عقيل من نفسية قدسية ، وما حواه من فضائل وفواضل أهّلته للنيابة الخاصة عن خليفة الله في أرضه ، وما أبداه من بسالة حينما كشفت الحرب عن ساقها وكشّرت عن نابها فقابل بمفرده اُولئك الجماهير من أعدائه في موقف لو به أرسي سهلان لزالا ، حتّى أكثر القتلى وضجّت الكوفة بأهلها ، وكان لهتافه المعرب عن ثباته وإيمانه دويٌّ في أرجائها .

وممّن بادر للفوز بالرضوان الأكبر سيّد العلماء والمحققين وقدوة الفقهاء الراسخين الآية الكبرى السّيد محمّد مهدي بحر العلوم الطباطبائي أعلا الله درجته ونوّر ضريحه ، فقال(1) :

عـينُ جـودي لمسلمِ بن عقيلِ      لـرسول الحُسينِ سبط الرسولِ
 لـشهيدٍ بين الأعادي  وحـيدٍ      وقـتـيلٍ لنصر خيرِ   قـتيلِ
جـاد  بالنفس للحسينِ  فجودي      لـجـوادٍ بـنفسه   مـقـتولِ
فـقليلٌ مـن مسلمٍ طلّ  دمـعٍ      لـدمٍ بـعـد مسلمٍ  مـطـلولِ
أخـبـر الـطهرُ أنه  لَـقتيلٌ      فـي وداد الـحسينِ خيرِ سليلِ
وعـليه العيونُ تسيل   دمـعاً      هـو لـلمؤمنين قصدُ  السبيلِ
وبـكاه النبيُّ شجواً   بـفيضٍ      من جوى صدرِه عليه   هطولِ
قـائـلاً إنني إلى الله  أشـكو      ما ترى عترتي عقيب  رحيلي
فـابك من قد بكاه أحمدُ  شجواً      قـبـل ميلادِه بعهدٍ  طـويـلِ
وبـكاه  الـحسينُ والآل  لـمّا      جـاءهمْ نـعيُهُ بدمعٍ  هـمولِ
كان يوماً على الحسينِ  عظيماً      وعـلـى الآل أيّ يـومٍ مهولِ
مـنـذراً بـالذي يحلُّ  بـيومٍ      بعده في الطفوفِ قبل   الحلولِ
ويح ناعيه قد أتى حيثُ  يُرجى      أن يـجيء البشيرُ  بـالمأمولِ
أبـدل الـدهرُ بالبشير  نـعيّاً      هـكذا الدهرُ آفة من   خـليلِ
فـأحـثّوا الركاب للثأر  لـكنْ      ثــأروه بـكـلِّ ثأر  قـتيلِ
فـيـهـم ولْدُه وولْد   أبـيـهِ      كم لهم في الطفوف من  مقتولِ
خصّه المصطفى بحبّين   حبٍّ      مـن أبـيه له وحبٍّ  أصـيلِ

ـــــــــــــــــــ

(1) القصيدة طويلة زادت على الثمانين بيتاً ، تعرّض فيها لمدح هاني بن عروة وشهداء الطفِّ ، انتخب منها ما أثبتناه الفاضل السّيد حسين ابن العلاّمة السّيد محمّد تقي آل بحر العلوم .


الصفحة ( 163 )

قـال فـيه الحسينُ أيَّ مقالٍ      كـشفَ السترَ عن مقامٍ  جليلِ
ابنُ عمّي أخي ومن أهل بيتي      ثـقتي  قـد أتاكمُ  ورسـولي
فـأتاهمْ وقـد أتى أهلَ  غدرٍ      بـايعوه وأسرعوا في  النكولِ
تـركوه  لـدى الهياجِ  وحيداً      لـعـدوٍّ مـطـالـبٍ بذحولِ
لـست أنساه إذ تسارع  قـومٌ      نـحوه من طغاةِ كلِّ   قـبيلِ
وأحـاطـوا  بـه فكان نذيراً      بـاقتحامِ الرجال وقع  الخيولِ
صال كالليثِ ضارباً كلَّ  جمعٍ      بـشبا حـدِّ سيفهِ  الـمسلولِ
وإذا اشـتد جمعُهمْ شدَّ  فـيهمْ      بـحـسامٍ بقرعهمْ  مـفـلولِ
فــرأى الـقومَ منه كرَّ عليٍّ      عـمّه في النزال عند  النزولِ
 

وقال في الاعتذار عن أداء الحقِّ :

يابنَ بنت النبيِّ إن فاتَ  نصري      يـوم  طعن القنا ووقع النصولِ
فـولائـي دليلُ أني   قـتـيلٌ      فـيـك لو كنتُ بدءَ كلِّ  قـتيلِ
بـاذلاً مـهجتي وذاك  قـلـيلٌ      فـي ودادِ البتولِ وابن   البتولِ
مـقـولي صارمٌ وليس  كـليلاً      وهـو في ذا المصابِ جدّ  كليلِ
وقـصـارى  فـيـهِ جهد مقلٍّ      مـنك يرجو قَبولَ ذاك  الـقليلِ
مـا  إلـى رزئكَ الجليلِ  سبيلٌ      فـإلى (مـسلمٍ) جعلتُ  سـبيلِ
إنْ يـكن لـي بكلِّ عضوٍ لسانٌ      مـا  وفـى لي بمسلم بن عقيلِ

ولحجّة الإسلام آية الله الشيخ عبد الحسين صادق العاملي , المتوفّى سنة (1361) هـ بالنبطيّة :

سلْ كوفةَ الجُندِ مُذ ماجت قبائلُها      تسد  ثغرَ  الفضا  في  سيلها العَرمِ
غداة    زلّت عن الإسلامِ    فاتكةً      بمسلمٍ   حين أضحى ثابتَ    القدمِ
فقام    وهو بليغُ الوعظِ    يُنذرهمْ      بالمرهفينِ      غراري صارم وفمِ
لم أنسهُ وهو نائي الهمِّ حين  سرى      من    يثربٍ يملأ البيداءَ    بالهممِ
عجلان أقلقل أحشاهُ البسيطة في      إرقالةٍ      من بناتِ الأينقِ الرسمِ

      


الصفحة ( 164 )

طــوع (ابـن فاطمةٍ) أمَّ العراقَ على      عـلـمٍ بـأنّ أمـام الـسيرِ سفكَ   دمِ
جـذلان  نـفسٍ سرى والموتُ  غايتُه      أفـديـهِ مـن قادمٍ للموتِ   مـبـتسمِ
يـرى الـمنيةَ من دون ابن   حـيدرةٍ      أشـهى  له من ورودِ الماء وهو  ظمي
هـامت بـه البيضُ تقبيلاً وهام  بـها      ضـربـاً وكلٌّ بغير المثل لم   يـهـمِ
فـكـمْ تحلّب من أخلافِ  صـارمِـهِ      مــوت زؤامٍ وحـتف غير  مـنخرمِ
وكـم تـلـمّظ بالأبطال   أســمـرُهُ      غـداة أطـعـمه أحشاء كلِّ  كـمـي
كـبـا به القدرُ الجاري وحان   لــه      مـــن الـشـهـادةِ ما قد خُطّ بالقلمِ
فـــراح مـلـتـثماً بالسيفِ مبسمهُ      أفـديـه مـن مـبسمٍ بالسيف  مـلتثمِ
وحـلّـقتْ نـفـسه للخُلدِ  صـاعـدةً      غـداةَ في جسمهِ وجهُ الصعيدِ  رُمـي
لـلـهِ مـن مـفردٍ أمست  تـوزّعـهُ      جـمـوعُـهمْ بـشـبـا الهنديّة الخذمِ
أضحى تريبَ المُحيّا الطلق ما مسحتْ      عـنـه غبارَ النفا كفٌّ لذي   رحــمِ
مـا الشمسُ في بهجة الإشراق  ناصعة      تـحـكـي محيّاه مخضوباً بفيض   دمِ
مـا شـدّ لحييهِ من عمرو العُلا  أحـدٌ      كـلاّ ولا نـدبـته الأهلُ من   اُمــمِ
نـائـي العشيرةِ منبوذٌ   بـمـصرعهِ      مـتـرّبُ الـجـسمِ من قرنٍ إلى قدمِ
مَـن مـبلغ السبطِ أنّ الدهر فلّ   لـهُ      من الصوارمِ أمضى مرهفٍ  خذمِ      
لا الـبـيضُ من بعده حمرٌ  مـناصلها      ولا الـقـنـا بـعده خفّاقة  الـعـلـمِ

ولآية الله الحجّة الشيخ محمّد حسين الأصفهاني ، المتوفّى سنة (1361) بالنجف :

يـا ربيَ المحمودَ في   فـعالهِ      صــلِّ عـلى مـحمّدٍ وآلـهِ
وصـلِّ بـالإشراق والأصيلِ      عـلى الإمام من بني   عـقيلِ
أوّل فــادٍ فـاز  بـالـشهادهْ      وحـاز أقـصى رُتب  الشهادهْ
أوّل رافـعٍ لـرايةِ  الـهُـدى      خُصّ بفضلِ السبق بين  الشُّهدا
درةُ تـاجِ الفضل   والـكرامهْ      قـرّةُ عـينِ المجد  والـشهامهْ
غُـرّة وجه الدهر في   السعادهْ      فـإنّـه فـاتـحـةُ الـسعادهْ
كـفاه فخراً منصبُ   الـسفارهْ      وهـو دلـيلُ القُدس  والطهارهْ
كـفاه فـخراً شرفُ  الـرسالهْ      عـن مَـعـدن العزّةِ والجلالهْ
وهـو أخُ ابن عمّه  الـمظلومِ      نـائبُهُ الخاص على   الـعمومِ
وعـيـنُـهُ كـانت به قريرهْ      حـيـثُ رآه نـافـذَ البصيرهْ


الصفحة (165)

لـسـانُهُ الـداعي إلـى الـصوابِ=بـمُـحـكمِ الـسـنّـةِ والـكـتابِ
 

 

Description: الصفحة السابقة

 

مـنـطـقـهُ الـناطقُ بالحقائقِ      فـهو  مـمثّل الكتابِ  الـناطقِ
لــه مـن العُلومِ ما يليق  بـهْ      بـمـقتضى  رتـبـتهِ ومنصبهْ
يـمينُهُ في القبضِ والبسط   معا      فـمـا أجـلّ شأنهُ   وأرفـعـا
فـارسُ عـدنانٍ وليثُ  غـابِها      وسـيفها الصقيل في   حـرابِها
بل هو سيفُ السبط سيفُ الباري      ولـيثُ غـابٍ عترةِ  الـمختارِ
أشــرقَ كـوفانُ بنور  ربِّـها      مُـذ حلَّ فيها ربُّ أرباب  النُّهى
بـايـعـهُ مـن أهـلِـها اُلوفُ      والـغدرُ منهم شائعٌ   مـعروفُ
ثـبـاتُهُ من بعد غدرِ   الـغَدَرهْ      ثـبـاتُ عمّه أميرِ   الـبـررهْ
بــل  هـو في وحدتهِ وغربتهْ      كـعـمّهِ فـي بأسه  وسـطوتهْ
لــه مـن الـشهامةِ  الـشمّاءِ      مـا جـاز حدّ المدحِ   والـثناءِ
أيـامـهُ مـشـهودةٌ  مـعروفهْ      يـعرفها أبـطالُ أهلِ  الـكوفهْ
كـمْ فارسٍ غدا فريسةَ   الأسـدْ      كـمْ بطلٍ فارقَ روحهُ  الـجسدْ
وكـمْ كـميٍ حدّ سيفه   قـضى      عـلى حـياتهِ كمحتوم  الـقضا
وكـمْ شُـجاعٍ ذهبت   قــواهُ      وذاب  قـــلــبُــهُ إذا رآهُ
شـدَّ عليهم شدّة الليث   الحرِبْ      قـرّت  عيونُ آل  عبد المطلبْ
بـل عـينُ عمّه العليِّ   قـدرا      إذ هـو بـالـبـارقِ أحيا بدرا 
ذكّـــر يـومَ خـيبرٍ وخندقِ       بـصـولـةٍ تبيد كلَّ   فـيـلقِ
تـكـاثروا عـليه وهو  واحـدُ      لا نـاصـرٌ لـه ولا مـسـاعدُ
رَمَـوه بـالنّارِ من   الـسطوحِ      لـروحـه الـفـداء كلّ   روحِ
حــتّـى إذا اُثـخـن بالجراحِ      واشـتـدّ ضعفهُ عن   الـكفاحِ
لـم يـظفروا عليه   بـالـقتالِ      فـاتّـخذوا طـريقَ  الاحـتيالِ
فـساقه  الـقضا إلى الـحفيرهْ       أو  ذَروة الـقُـدس من الحظيرهْ
أصـبح ( مـسلمٌ) أسيرَ  الكفرهْ      تـعـساً وبُـؤساً للئامِ  الـغَدرهْ
كـان أمـيـراً فـغـدا أسـيرا      كـذاك شـأنُ الـدهر أنْ يجورا
اُدخـل  مكتوفاً علي ابن العاهرهْ      عـذّبـه اللهُ بـنـار  الآخـرهْ
أسـمـعه سـبّاً وشتماً  فـاحشا      رمـاه باطلاً بما يُدمي   الـحشا


الصفحة (166)

ومـا  اشتفى من مسلمٍ بما لقي      حتّى اشتفى منه بضربِ  العُنقِ
وبـعده رماه من أعلا   الـبنا      فـانكسرتْ عظامُهُ  وآ حـزنا
وشـدّ رجلاه ورجلا   هـاني      بـالـحـبـلِ يا للذلِّ والهوانِ
فـأصـبحا ملعبةَ  الأطـفـالِ      بـالسُّحبِ في الأسواق بالحبالِ
فـلْتبكهِ عينُ السما دماً   فـما      أجـلّ رزء ( مسلمٍ )  وأعظما
وقـد  بـكاه السبطُ حينما نُعي      إلـيه ( مـسلمٍ ) بقلبٍ  مُوجعِ
فـارتـجّتِ الأرجاءُ  بـالبكاءِ      عـلـى عميدِ الملّة  الـبيضاءِ
واهـتزّ عرشُ الملكِ  الـجليلِ      عـلى فـقيد الشرف  الأصيلِ
ونـاحـت العقولُ   والأرواحُ      لِـما استحلّوا منه  واسـتباحوا
صُـبّـت  دمـوعُ خاتم النبوّهْ      عـلـى فـقـيدِ المجد والفتوّهْ
بـكـاهُ عـمُّهُ على  مـصابهِ      وحـقّ أن يبكي دماً لما   بـهِ
بـكى  عـلى غُربته آلُ  العبا      وكـيف لا وهو غريبُ  الغُربا
ناحت عليه أهلُ بيتِ  العصمهْ      فـيـا لـها من ثلمةٍ  مـلـمّهْ

وللعلاّمة الحجّة السيّد رضا الهندي , المتوفّى سنة (1362)(1) :

لـو أنْ دموعي استهلّت   دما      لـما  أنصفت بالبُكا ( مسلما)
قـتـيلٌ أذاب الـصفا  رزؤهُ      وأحــزن  تـذكارُهُ زمزما 
وأورى الحجونَ بنارِ 
iالشجونْ      وأبكى المقامَ وأشجى   الحِمىَ
أتـى أرضَ كوفانَ في  دعوةٍ      لـها الأرضُ خاضعةٌ  والسما
فـلـبّوا دعـاهُ وأمّوا  هُـداهْ      لـيُنقذَهمْ من عشاءِ   الـعمى
وأعـطوهُ من عهدهمْ ما  يكادُ      إلى السهل يستدرجُ  الأعصما
ومـا كان يحسبُ وهو  الوفيُّ      أن يـنـقضوا عهدهُ المُبرمَا
فـديتُكَ مـن مُفردٍ  أسـلموهْ      لـحُكمِ الدّعيِّ فما   اسـتسلما
وألـجأهُ غـدرهمْ أن  يـحلّ      فـي دارِ ( طوعة )  مُستسلمَا
فـمُذ أقـحموا منهُ في  دارِها      عـريناً أبى الليثُ أنْ   يقحما

ـــــــــــــــــــــ

(1) من مجموعة الخطيب الاُستاذ الشيخ مسلم الجابري .


الصفحة ( 167 )

أبانَ لهمْ كيف يضرى  الشُّجاع      ويـشـتـدُّ بأساً إذا  أسـلـما
وكـيفَ  تـهبُّ اُسود  الشَّرى      إذا رأتِ الوحوشَ حول الحِمى
وكـيفَ  تـفرّقُ شهب  البزاة      بُـغـاثاً  تـطيفُ بها  حُـوّما
ولـمّا رأوا بـأسه  لا يُـطاقْ      ومـاضيه لا  يـرتوي  بالدِّما
أطـلّوا على شُرفاتِ  السطوح      يـرمونهُ  الـحطبَ  المُضرما
ولـولا خـديعتُهمْ  بـالأمـان      لـما  أوثـقوا ذلك  الـضيغما
وكـيـفَ يحسُّ بمكرِ  الأثـيم      مَـن  لـيس يقترف  الـمأثما
لئن ينسني الدهرُ كلَّ الخطوب      لـم  يـنسني يومك  الأيـوما
أتـوقـفُ بين يدَي  فـاجـرٍ      دعـيٍّ  إلـى شرّهم  مُـنتمى
ويـشـتم اُسرتكَ  الـطاهرين      وقـد كـان أولى بأنْ  يُـشتما
وتُـقتل  صـبراً ولا  طـالبٌ      بـثـأرك يـسـقـيهمُ العلقما
وتُرمى إلى الأرض من  شاهقٍ      ولـم  تُرمِ أعداكَ شُهبُ  السما
فإنْ يحطموا منك ركنَ  الحطيم      وهـدّوا من البيت ما  استحكما
فلستَ سوى المسك يذكو  شذاهْ      ويـزدادُ طـيباً إذا  حُـطّـما
فـإن  تـخلُ كوفانُ من  نادبٍ      عـلـيـك يـقـيم لك المأتما
فـــإنّ ظُـبـا الطالبيِّينَ قد      غـدت لك بالطفِّ تبكي  دمـا
زهـى  مـنهمُ النقعُ في  أنجمٍ      أعـادت  صباحَ العِدى  مظلما
 

 

وللعلاّمة السّيد باقر نجل آية الله الحجّة السّيد محمّد الهندي (قدّس الله تربتهما) أبياتاً سبعة ، وصدّرها الخطيب الفاضل الشيخ قاسم الملا الحلّي بثلاثة عشر بيتاً ، وذيّلها بأربعة أبيات ، وأتمّها العالم الشيخ محمّد رضا الخزاعي بتسعة أبيات .

الشيخ قاسم الملا :

لـحيّكم  مـهجتي  جـانحهْ      ونـحـوكم مقلتي  طـامحهْ
واستنشقَ الريح إن   نسّمتْ      فـبالأنف من نشركمْ  نافحهْ
وكـمْ لي على حيّكمْ  وقـفةً      وعـيني في دمعها  سـابحهْ
تـعاين أشباحَ تلك   الوجوه      فـلا  برحت نحوكم  شابحهْ
وكـمْ  ظبيّاتٍ بها قد  رعتْ      بقيصوم  قلبي غدت  سارحهْ
تقضّتْ ومن لي بها لو  تعودُ      فـكيف وقد ذهبت  رائـحهْ


الصفحة (168)

وعـدّتُ غريباً بتلك  الديار      أرى صفقتي لم تكنْ  رابحهْ
كما عاد (مسلمُ) بين  العدى      غـريباً  وكـابدها  جائحهْ
رسولُ حسينٍ ونعم الرسولْ      إلـيهم من العترةِ  الصالحهْ
لـقد بـايعوا رغبةً  مـنهمُ      فـيا بؤسَ للبيعة   الكاشحهْ
وقـد خذلوهُ وقد   أسـلموهْ      وغدرتهمْ  لم تزل  واضحهْ
فـيابن عقيل فدتك  النفوسْ      لـعُـظـمِ رزيّتك الفادحهْ
لـنبكِ لـها بمذاب  القلوب      فـما قدرُ أدمعِنا   الـمالحهْ

 

السّيد باقر الهندي (رحمه الله) :

بـكتك دماً يابنَ عمِّ  الـحُسينْ      مـدامـعُ شيعتِكَ  الـسـافحهْ
ولا بـرحت هاطلاتُ  العُيون      تُـحـيِّـيك غاديةً  رائـحـهْ
لأنّـك  لـم تُروَ من  شُـربةٍ      ثـنـاياك فيها غدتْ  طـائحهْ
رَمـوكَ من القصر إذ أوثقوكْ      فـهل  سلَمت فيك من جارحهْ
وسـحـباً  تُـجرّ  بـأسواقهمْ      ألـسـتَ أميرَهمُ  الـبـارحهْ
أتـقضي ولم تبككَ  الـباكياتْ      أمـا لك في المِصرِ من  نائحهْ
لئن تقضي نحباً فكم في  زرود      عـليك  الـعشية من  صائحهْ

الشيخ قاسم الملا :

وكـمْ طفلةٍ لكَ قد  أعولتْ      وجمرتُها في الحشا  قادحهْ 
يُعزّزها  السبطُ في  حجرهِ      لـتغدو في قُربهِ  فـارحهْ
فـأوجـعها قـلـبُها لوعةً      وحـسّتْ بـنكبَتِها القارحهْ
تقول  مضى عمُّ منّي  أبي      فـمَـن ليتيمتهِ النائحهْ
(1)

ـــــــــــــــــــ

(1) إلى هنا من كتاب سوانح الأفكار في منتخب الأشعار ، للخطيب الاُستاذ السيّد محمّد جواد شبّر .

 


الصفحة ( 169 )

 الشيخ محمّد رضا الخزاعي(1) :

ثـكولٌ تبيتُ بليل   الـلّسيع      تـعـجُّ  وعـن دارها نازحهْ
وكـمْ مـن كميّ   بـأحشائهِ      تـركت زنـادُ الأسى  قادحَهْ
دريتَ  ابن عمّك يوم الطفوف      نـعـاك بـاُسـرته الناصحهْ
تـحـفُّ بـه مـنهم  فـتيةٌ      صـباحٌ  وأحـسابُهُم واضحَهْ
بكاكَ بماضي الشّبا   والوغَى      وجـوهُ الـمنايا بها  كـالحهْ
أقـامَ بـضرب الطلى  مأتماً      عـليكَ وبيض الظُّبا  نـائحهْ
ونـادى عـشيرتَكَ  الأقربين      خـذ الـثأرَ يا اُسرةَ  الفاتحَهْ
وخاضَ بهم في غمار الحتوفِ      ولـكـنـهـما بالظُّبا طائحهْ
وقـال لـها يـا نِزارُ النزال      فـحربُك في جدّها  مـارحَهْ 

وقال العلاّمة الحجّة ميرزا محمّد علي الأوردبادي الغروي :

وافـى بـمنقطعِ البيان   ثـناؤهُ      بـطلٌ عـلى الجوزاءِ رفَّ لواؤهُ
وعـلـى السماك محلهُ شرفاً وإنْ      يـكُ في الصعيدِ يلفّهُ   بـوغاؤهُ
بـالباسط  الـعدلِ المهيب جوارهُ      والـواسع الـوفر الرحيب  فناؤهُ
قـد أخضل الوادي بمرزم  سيبِهِ      وأضاء في النادي الرهيب  بهاؤهُ
لـم تـدرِ يوم تبلّجتْ   أنـوارهُ      أذكـاً تـضيءُ الأفقُ أم  سيماؤهُ
هـو نـقطة المجد الأثيل  تألّفتْ      مـنها غـدات تكثّرتْ  أجـزاؤهُ
ولـه بـأعلام النبوة   مـفـخرٌ      قـد نيطَ بالإيمان  فـيه  بـكاؤهُ
وبـعـين جبّار السّماء   شـهادةٌ      خُـصّتْ بـه وعليه حقّ  جزاؤُهُ
ونـيابةٌ عـن سبط أحمدَ  حازها      فـتقاعستْ عن حملها   قـرناؤهُ
واُخــوّة قـد شرّفتْهُ  بـموقفٍ      قـد كـان مشكوراً لديه  إخـاؤُهُ
لم يبغِ غيرَ هوى الحسين ورهطهِ      وسـواهُ قـد شطت به  أهـواؤهُ
هـو  ذاك موئلُ رأيه وعليه  منْ      أمــر  الإمـامـةِ ألقيتْ أعباؤهُ
عـلـمٌ تـدفّقَ جانباه فلم  يـدع      إمّــا تـدفّـق ساحلاً  دئـماؤهُ
ونـدىً  بـه وجه البسيط تبلّجتْ      أرجــاؤهُ وتـأرّجت  أجـواؤهُ

ـــــــــــــــــــ

(1) من مجموعة الخطيب الاُستاذ الشيخ مسلم الشيخ محمّد علي الجابريّ .

 


الصفحة ( 170 )

وبـسـالةٌ موروثةٌ من  حـيـدرٍ      فـكـأن مـوقـفَ زحفُهُ هيجاؤهُ
وضـرائـبٌ قـدسـيةٌ ما إن تلحْ      إلاّ أطـل عـلـى الـوجوه ذكاؤهُ
وشـذيُّ نـجـر من ذؤابة غالبٍ      تـسري على مر الصبا  فـيحاؤهُ
ومـآثـرٌ شعّت سنا تمتد  مــن      نـسـب قصير يستطيل  سـناؤهُ
وأمـيرُ  مصر لم يخنه وإن  يكن      خـانـته عند الملتقى  أمــراؤهُ
يـزهو  بـه دست الخلافة  مثلما      يـزدان  من صرح الهدى  أبهاؤهُ
لـلـه صـفقةُ رابح لمّا  يـبـنْ      يــوم  الـتغابن بيعه  وشـراؤهُ
هو مسلمُ الفضلِ الجميعِ  ومعقدُ ال      شـرفِ الرفيع تقدّست   أسـماؤهُ

 

Description: الصفحة السابقة

طـابتْ أواصرُهُ فجمَّ   مـديحهُ      وزكـت  عـناصرهُ فجلَّ ثناؤهُ
قـرّت  بـه عينا (عقيلمثلما      سـرت بـموقف مجده  آبـاؤهُ
واحتلّ  من كوفان صقع  قداسةٍ      فـيـه تقدّس أرضه  وسـماؤهُ
كـثرت مناقبهُ النجوم  وكاثرتْ      قـطـر الـغـمام بعدّهِ  أرزاؤهُ
سـيف لهاشم صاغهُ كف القضا      فلنصرة  الدين الحنيف  مضاؤهُ
شـهدت  له الهيجاءُ أنْ  بيمينه      أمـر الـمنايا حكمه  وقـضاؤهُ
إذ غـاص في أوساطها   وأليفه      مـاضي الشبا وسميره  سمراؤهُ
فـي يوم حرب بالقتام  مـجلل      أو لـيـل حرب قد جلاه رواؤهُ
وبـمأزق فيه النفوس   تدكدكتْ      من بعدما التقم الرؤوس  فضاؤهُ
إنْ سـل عـضبا فالجبال مهيلة      أو هـز رمـحا فالسما جرباؤهُ
وانصاع يزحف فيهم   مستقصيا      فأتى على بهم الوفى  استقصاؤهُ
يحصي مصاليت الكماة  بصارمٍ      لـم يُبقِ منهم مقبلاً   إحـصاؤهُ
وارتـجّ كـوفان عليه  بعاصفٍ      مـن شـرِّه وتغلغلتْ  أرجـاؤهُ
فرأوا هنالك مَحمداً  ضوضاءهمْ      بـكـمين بأس هدهمْ   بـأساؤهُ
ومـبيدُ شـوكتهم إذا حمّ الوغى      أضحى يدير الأمر كيف   يشاؤهُ
من فاتق رتق الصفوف  وخارق      جـمع الاُلوف غداة عزّ   رفاؤهُ
لولا القضا عرفوه مطفأ  عزمهمْ      بـمـهند  لا يـنطفي  إيـراؤهُ
لـكنهم عرفوا الضبارم  خاضعاً      لـولـيِّ أمر لايرد  قـضـاؤهُ
أمـنـوا الشقا فتواثبوا  لـقتاله      فارتثّ من بطل الهدى  أعضاؤهُ


الصفحة ( 171)

حـتى  إذا غيل الهزبرُ  بمستوىً      لا  بـدّ أن ترد الردى  أسـراؤهُ
بـالأمـس كان أميرهم  والـيومَ      تـسحبه إلى ابن سمية  زمـلاؤهُ
وهـنـاك إد من مقالة  فـاجـر      قـد كـان يسمعه التقيُّ  رغـاؤهُ
إنْ كـان أسـمعه سباباً  مـقذْعاً      فـالنضحُ  مـمّا قد حواه  إنـاؤهُ
ولـدين  أحـمدَ مدمعٌ  لفؤادهِ ال      مـفطورِ مـن ظمأٍ ترقرق  ماؤهُ
ولـقد  بـكيتُ مقطّعاً منهُ  الحشا      قـد وزّعت بشبا الظبا  أشـلاؤهُ
ومـنـاولاً قدحا ليروي  غـلـة      قــد  أجـهدته فغيّرته  دمـاؤهُ
طـلاّع  كـلّ ثنيةٍ طاحت  ثـنا      يـاه فـأجج بالصديّ  ظـمـاؤهُ
وأشـدّ  مـا عـاناه من  أرزائهِ      إفـك الـدعـي عليه أو  أرزاؤهُ
لـم يصعدوهُ نكايةً أعـلى الـبنا      إلاّ وثـمّـت حـلّـقـت علياؤهُ
قـوس الـصعود له وإن يك  قد      هـوى مـتـنازلاً  حــوبـاؤهُ
يـا هل درى القصر المشيد  بأنّ      مـن ينقض عنه جماله  وبـهاؤهُ
هـو  لـلإمارة وهو مفخرُ دسته      والـمـكـرمـات إهابه  ورداؤهُ
ألـقوه  مـن صعد فكان  محطّماً      جـثـمـانـه ومـعظّماً برحاؤهُ
ويُجَرُ في الأسواق منه أخو  هدىً      مـن  حادثات الدهر طال  عناؤهُ
فـكـأنه وسريّ مذحج   خـدنهُ      في السحب من اُفق العُلا جوزاؤُهُ

لفضيلة العلاّمة السّيد محمّد نجل حجّة الإسلام آية الله السّيد جمال الهاشمي (أدام الله ظله) :

سـار يـطوي القفار سهلاً ونجدا      ويـحث  الـركاب رملاً  ووخدا
بـعـثتهُ رسالةُ الحقِّ   وحـيـاً      فـيه ركب الحياة يُحدى   ويُهدى
يـتـحدّى التاريخ فرداً   بـعزمٍ      فـار غـيظاً على الزمان  وحقدا
أيـزيـد يـقود قافلةَ   الـديـن      إلـى أيـن أيها الركب تُحدى ؟!
أتـرى يترك الحميّا  وقـد  شبّ      عـلـيها وشـاب حـباً ووجد ؟
عـاشـر القرد في صباه إلى  أنْ      عـاد  فـي الطبع والشمائل قردا
وأراد ( ابن هند) أن يمحق  الدين      ويـعـلـى بـه يـعـوقا  وودا
فـارتـضاه للمسلمين   إمـامـاً      مـسـتجاراً وحاكماً   مـسـتبدا


الصفحة (172)

وهـنـا ثارت العقيدة  بـركـاناً      وفــارت  حـقداً يصلصلُ وقدا
صـهرتها روح الـحسين  نشيداً      ردّدتـه  الـقرون فخراً  ومـجدا
وتـحـلّى بـلحنه ( ابـنُ عقيل)      وتـحـدّى النظام هدماً  ونـقـدا
وسـرى  فـي الـقفار يهتف عا      ش الدينُ في موكب الحسين لتفدى
نـثر الحُبَّ في الرمال   ففاضت      ربـواتُ الصحراء ورداً  ورنـدا
كـوفـةَ الجند قابلته   بــروح      تــتــنـدى لـه ولاءً   وودّا
وهـي  مـهدُ الهوى لآل  عـليٍّ      فـجـديـرٌ بأن تُجدّد   عـهـدا
أرسـولُ الـحبيب يأتي  بـشيراً      بـالـلـقـا فـلتذب هناءً وسعدا
ولـتـبايع يدُ الحسين  وتُـعـلي      ذكـره في الجموع مدحاً  وحـمدا
ولـتعش  جـمرةُ العقيدة والروحُ      لـتـصفو  لـهـا الموارد  وردا
ومـشت فـي القلوب موجةُ  إيما      نٍ  غـدت تغمر الجماهير  مَـدّا
رفـعت  لـلجهاد ألويةَ  الـموت      وســارت  بـها المواكب حشدا
قـرّرت  أن تلفّها الحربُ أو  تن      شـرُ  من حكمها على الدهر  بندا
واغـتدى ( مـسلم ) يعبّئ  جيشاً      عـلـويّاً  يـفيض بأساً  ونـجدا
وأثارت ( يزيدَ ) أحداثُ ( كوفان)      ومـاجت (  دمشقُ ) برقاً ورعدا
وأشـار الـخنا إلى ( ابـنِ زياد)      أن يُـدير الاُمورَ حـلاّ  وعـقدا
فـسـعى  مـفرداً لكوفان  لـكن      كـان مـن خُبثهِ يُساير  جـنـدا
أنـكـرتْـه الـعيون لمّا تراءى      سـيّداً   وهي فيه تبصر   عـبدا
وكـما رامهُ ( يزيدُ ) أدار الوض      عَ فـي حـزمهِ وعـيداً ووعـدا
وتـلاشى الـتيار فالمسجد الأعظ      مُ قـد بـات فـيه مـسلمُ فـردا
خـانـه الدهر فالجماهيرُ راحت      تـتـناءى عنه شيوخاً   ومُـردا
ومـشى يـقطع الشوارع  حـتّى      كَـلَّ  مـن سيره مراحاً  ومغدى
وتـسامت أمجادُ ( طـوعة )  لمّا      ضـافها ( مـسلمٌ ) عياءً  وجهدا
وأتـتـه  أنـصاره وهي  أعـدا      ءٌ  تـردّت مـن الخزاية  بـردا
تـبـتغي منه أن يبايع   نـغـلاً      أنـكرتْه الأصلاب رسما  وحـدا
فـطوى جيشَها الكثيفَ   بـسيفٍ      يـتـلقى الاُلوف نثرا  وحـصدا


الصفحة (173)

ذكرت فيه ( عمّه ) ورأت  في      يـومـه حلم أمسها قد  تـبدّى
غدرت فيه ( بالأمان )  ولولاهُ      لـما أطفأت له الحرب  زنـدا
أدخلتْهُ ( قصر الإمارة )  ظمآناً      ولـمّا يـذق من الماء  بـردا
حـاول الـنغلُ عجمَهُ  فـرآهُ      خـشناً  في فم الحوادثِ  صلدا
قطع البغي رأسه ورمى الطغي      ان  جـثمانه انـتقاماً وحـقدا
رام  إطفاء نوره وهو نور الل      هِ  هـيهات خـاب فألاً وقصدا
 هـا هي الذكريات تطفح منها      ظُـلماتُ القرونِ نوراً  ورشدا

الخطيب الفاضل السّيد صالح الحلي (رحمه الله) :

لـو  كـان ينقعُ للعليلِ  غـليلُ      فـاض  الفراتُ بمدمعي  والنيلُ
كـيف السلوّ وليس بعد   مصيبةِ      ابـن  عقيلِ لي جلدٌ ولا  معقولُ
خـطبٌ  أصاب محمداً  ووصيَّهُ      لـلـه خطبٌ قد أطلّ  جـلـيلُ
أفـديـه من فادٍ شريعةَ   أحـمدٍ      بـالنفس حـيثُ الناصرون قليلُ
حُـكم  الإله بما جرى في  مسلمٍ      والله  لـيـس لحكمه  تـبـديلُ
خـذلوه  وانقلبوا إلى ابن  سميّةٍ      وعـن  ابـن فاطمة يزيد  بديلُ
آوتْـه  طـوعة مذ أتاه  والعدى      مـن  حـوله عدواً عليه  تجولُ
فـأحسّ  مـنها اِبنها  بـدخولها      فـي البيت أن البيت فيه   دخيلُ
فمضى إلى ابن زياد يُسرع  قائلاً      بـشرى  الأمير فتى نماه  عقيلُ
فـدعا الـدعيُّ جيوشه  فتحزّبتْ      يـقـفو على أثر القبيل   قـبيلُ
وأتـت إليه فغاص في أوساطها      حـتّى تـفلّت عرضُها  والطولُ
فـكـأنّه  أسـدٌ لجوع  شـبوله      فـي  الـغيل أفلته عليها  الغيلُ
يـسطو  بصارمه الصقيل  كأنهُ      بـطَلى الأعادي حدُّهُ  مـصقولُ
حـتّى  هوى بحفيرةٍ صُنعت  له      أهـوتْ عـلـيه أسنّةٌ ونصولُ
فـاستخرجوهُ مـثخناً  بـجراحهِ      والـجسمُ من نزف الدماء  نحيلُ
سلْ  ما جرى جُملاً ودع تفصيلَهُ      فـقليلُهُ  لـم يحصهِ  الـتفصيلُ
قـتلوه ثم رموه من أعلى  الـبنا      وعلى  الثرى سحبوه وهو  قتيلُ
ربـطوا  برجليه الحبال  ومثّلوا      فـيـه فليت أصابني   الـتمثيلُُ

 


الصفحة (174)

مذ فاجأ الناعي الحسين علتْ على      فـقـدان مسلم رنّةٌ   وعـويـلُ
ولـه ابنةٌ مسح الحسين   برأسها      والـيُتمُ  مـسح الرأس فيه  دليلُ
لـما أحسّتْ يتمها صرخت ألا يا      والـدي حـزني عليك   طـويلُ
قـال الـحسينُ أنـا زعـيمٌ بعده      لا تـحـزني وأبٌ لكِ   وكـفيلُ
قـد مـات والدها فأمّلت   الـبقا      فـي الـعمِّ لكن فاتها المأمولُ(1)
 

للخطيب الحاذق الأديب الشيخ محمد الخليلي :

إن  كـنـتَ تحزنُ لادّكارِ  قـتيلِ      فـاحـزن لـذكرى مسلمِ بن عقيلِ
واجـزع  لـنازلةٍ بخير  مـفضّلٍ      أبـكـى عيونَ الفضل  والـتنزيلِ
واندب  قتيلاً ما انجلى ليلُ  الوغى      أبــداً  لـه عـن مشبهٍ  وبـديلِ
هو ليث غالب ( مسلمٌ ) من أسلمت      مـهـجُ  الـعدى لفرندهِ المصقولِ
شـهـم تحدّر من سُلالةِ  هـاشـمٍ      خـيـرِ البيوت علا وخيرِ  قـبيلِ
مـتـفرّعاً عن دوحةٍ  مُـضـريّةٍ      تُـنمى  لأصـلٍ في الفخار أصيلِ
أمَّ الـعـراقَ مُـبـلّـغـاً برسالة      أكـرم بـمـرسـلـهِ وبالمرسولِ
وأتـى إلـى كوفان ينقذ   اُمّــةً      طـلـبت إغاثتهم على  تـعـجيلِ
فـاكتضّ مسجدها بهم وعلت  بـه      أصـواتُـهـم بـالـحمد والتهليلِ
وتـقـاطروا مثل الفراش  تـهافتاً      طـلـبـاً لبيعته على  الـتـنزيلِ
يـفـدونه  بـنـفيسهم والنفس  لا      يـبغون  دون رضـاه أيَّ  بـديلِ
بـاتـوا وبـات مؤمّلاً للنصر من      أشـبـاحهم يا خيبةَ   الـمـأمولِ
لـكـنهم ما أصبحوا حتّى غــدا      فـي مـصرهم لا يهتدي  لـسبيلِ
خـذلوه إذ عدلوا إلى ( ابنِ سميّةٍ )      واسـتبدلوا الإرشـاد  بـالتضليلِ
وتـجـمّعوا لـقـتاله من بعد مـا      عـرفـوه  لـلإرشاد خيرَ  دلـيلِ
وأتـوه منفرداً بمنزل (  طـوعةٍ)      وقـلـوبـهم تغلي بناد  ذحــولِ
فـغـدا يـفرّق جمعهم ويجندلُ ال      أبـطـالَ  فـي عزمٍ له  مـسلولِ

ـــــــــــــــــ

(1) من مجموعة الخطيب الاُستاذ الشيخ مسلم الشيخ محمّد علي الجابري .


الصفحة ( 175 )

ورأوا بـه بطلاً إذا نكل  الـعدى      عـنـه فـراراً فـهو غيرُ نكولِ
يـلقى الـكميَّ بعزمةٍ  مـضريّةٍ      إجـمالُها يُـغني عن  الـتفصيلِ
إن  صـال أرجعهم على  أعقابهمْ      في بطش ليث في الرخام  صؤولِ
فـغدت فلول الهاربين   لـخوفها      تـطأ الـشريد بأرجل  وخـيولِ
حـتّى  إذا كـضّ الظما  أحشاءَهُ      وغـدت دمـاهُ تـسيل أيَّ مسيلِ
وافــوه  غـدراً بالأمان وخدعةً      مـنهم فلم يخضع خضوعَ   ذليلِ
لـكـنهم حفروا الحفيرةَ   غـيلةً      فـهوى بـها كالليث جنب  الغيلِ
وتـكـاثـروا فـيها عليه فأفقدوا      يـمـناه خيرَ مهنّد   وصـقـيلِ
وأتـوا  بـه قصر الإمارة  مثخناً      بـجـراحـه ومقيّداً   بـكـبولِ
فـغـدا  يـقـارعهُ الزنيمُ عداوةً      ويُـغـيـضه  سـبّـاً بأقبح قيلِ
ودعـا ابن حمرانٍ به   ولـسانُهُ      لَـهـجٍ  بـذكـر الله  والـتهليلِ
مـا بـان رأسـاً كان يرفعه الإبا      عـن جسم خير مزمّلٍ   مـقتولِ
ورماه من أعلى البناءِ إلى الثرى      كـالطود  إذ يـهوى لبطن رمولِ
فـقضى شهيداً في مواطن  غربةٍ      مـتـضرّجاً بنجيعهِ   الـمطلولِ
وأتـى الحسينَ السبط مُؤلمُ   لغيهِ      فـدهاه في خطبٍ هناك   جـليلِ
 فـبـكاه مـفجوع الفؤادِ  بـفقدِهِ      حُزناً  سليلُ المصطفى  المرسولِ
وغـدتْ تزيدُ النوح صفوةُ  أحمدٍ      لـمـصابهِ في رنّةٍ   وعـويـلِ

للخطيب التقي السّيد مهدي الأعرجي النجفي(1) :

هـذى مـرابعُهُمْ فحيِّ  وسـلّمِ      واعـقلْ وقف فيها وقوفَ  مُتيّمِ
وانـشد فؤاداً ضاع منّي  عندها      بـيـن الدكاك فالرُّبى  فـالعُليّمِ
أيـام كـان العيشُ حلوٌ  طعمهُ      والعيش في اللّذات حلوُ  المطعمِ
والـراح يجلوها الهلالُ   كأنّها      شـملٌ لـندمانٍ كمثلِ  الأنـجمِ
والـشملُ ملتئمٌ بكلِّ   مـهفهفٍ      غنجٍ غرير الطرف حلوُ  المبسمِ

ـــــــــــــــــ

(1) نقلتها من كتاب سوانح الأفكار في منتخب الأشعار ، للخطيب الاُستاذ السّيد محمّد جواد شبّر .


الصفحة ( 176 )

والـدهـرُ بايَعنا وأعطانا  عـلى      أن لا يـخـون بنا يد  الـمستسلمِ
والـيـوم خان بنا فشتّتنا  كـمـا      خـانت بنو صخر ببيعة (  مسلمِ)
لـم  أنـسه بين العدى  وجـبينُهُ      كـالبدرِ  فـي ليل العجاجِ المُظلمِ
أفـديهِ من بطلٍ مهيب إنْ  سـطا      لـفّ الـجموع مؤخراً  بـمـقدّمِ
شـهمٌ  نـمته إلى البسالةِ  هـاشمٌ      والـشبل للأسدِ المجرّب  يـنتمي
ولـدتـه آبـاءٌ مـيـامـين  ولا      تـلـدُ الأراقمُ قطّ غيرَ  الأرقــمِ
حـتّـى  إذا مـا أثخنوه  بـالظُّبا      ضرباً وفي وسط الحفيرة قد  رُمي
جاؤوا إلى ابن زياد فيه فمذْ   رأى      لـلـقصرِ قد وافه غيرَ  مُـسـلّمِ
قال اصعدوا للقصر وارموا جسمَهُ      ومـن  الـوريدين اخضبوهُ  بالدمِ
صـعدوا  بـه للقصر وهو  مكبّلٌ      تـجـري دماه من الجوارح والفمِ
قـتـلوه  ظـامٍ لـم يبلّ  فـؤادَهُ      أفـديـه مـن ظامِ الحشا متضرّمِ
دفعوه من أعلى الطمار إلى  الثرى      فـتكسّرت  مـنه حنايا  الأعـظمِ

والحمد لله ربِّ العالمين وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين

 

Description: الصفحة السابقة

 

 
 
البرمجة والتصميم بواسطة : MWD