1439 / ربیع‌الاول / 5  |  2017 / 11 / 24         الزيارات : 483673         صلاة الصبح |         صلاة الظهر والعصر |         صلاة المغرب والعشاء |

الضبط النفسي للإمام الحسين عليه السلام في معركة الطف

{ أ. د. حاتم جاسم عزيز/ م. مريم خالد مهدي }
الضبط النفسي للإمام الحسين عليه السلام في معركة الطف

أوّلاً: إشكالية البحث

تُعدّ واقعة الطفّ من أكثر المعارك جدلاً في التاريخ الإسلامي[1]، فقد كان لنتائج وتفاصيل المعركة آثار سياسية ونفسية وعقائدية لا تزال موضع جدل إلى الوقت الحاضر، حيث تُعدّ هذه المعركة أبرز حادثة من بين سلسلة من الوقائع التي كان لها دور محوري في صياغة طبيعة العلاقة بين الطوائف عبر التاريخ، وأصبحت معركة كربلاء وتفاصيلها الدقيقة رمزاً للشيعة، ومن أهم مرتكزاتهم الثقافية، وأصبح يوم (10) محرّم ـ يوم وقوع المعركة ـ رمزاً من قِبل الشيعة «لثورة المظلوم على الظالم، ويوم انتصار الدم على السيف»[2]. وقد أظهرت هذه المعركة صوراً إنسانية متعددة، وتجسّدت فيها كلّ النظريات النفسية والاجتماعية بأسمى معانيها، إلّا أنّه من المؤسف أنّ البعض ركّز على الجانب المأساوي بالمعركة وتجاهل الصور المشـرقة المتعددة في هذه الملحمة، وهنا يحاول الباحثان التركيز على جانب مهم من جوانب القوة والتماسك العالي الذي أظهره الإمام الحسين عليه السلام في هذه المواجهة من خلال الإجابة عن التساؤلات الآتية:

هل اتسم الإمام الحسين عليه السلام بضبط النفس؟

كيف تعامل الإمام الحسين عليه السلام مع أعدائه في معركة الطفّ؟

ما هي الدروس المستنبطة في مواجهة المواقف الصعبة من خلال معركة الطفّ؟

ما هي المؤشرات التي تؤكّد اتسام الإمام الحسين عليه السلام بضبط النفس؟

ثانياً: أهمية البحث

تتجلّى أهمّية البحث من خلال دراسته محورين مهمين:

المحور الأوّل: هو أنّ الإمام الحسين يُعدّ أحد الشخصيات الإسلامية التي أُثيرت حولها مئات التساؤلات من الباحثين والمفكرين من كلّ بقاع العالم والديانات المختلفة، فالإمام الحسين عليه السلام لم يَعدْ رمزاً للشيعة ولا حتى للمسلمين وحدهم، بل هو رمز للإنسانية كافة، وهو أحد الذين خصّهم الله سبحانه وتعالى بقوله:  (. . . إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّـهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)[3].

المحور الثاني: فهو الثبات الانفعالي أو ضبط النفس الذي يُعدّ من الخصائص الأساسية في الشخصية الإنسانية الإيجابية، وسمة يتميّز بها كلّ مَن يتصف بقوة الشخصية، وكلّ مَن يتمتع بالصحة النفسية الجيدة، وهذه الخاصية أو السمة تظهر في وقت التعامل مع الضغوط والأزمات.

وقد أُطلق عليها في القرآن والسنّة اصطلاح مجاهدة النفس ونهي النفس عن الهوى. ومجاهدة النفس: هي عملية مستمرة يُعدِّل بها الفرد من سلوكياته، بمنع نفسه من الاستجابة الموجودة في البيئة من أفعال تخالف الدين والعرق.

ثالثاً: أهداف البحث

يروم البحث الحالي إلى تحقيق الأهداف الآتية:

1ـ التعرّف على شخصية الإمام الحسين عليه السلام، والمكونات التي ساهمت في بناء شخصيته.

2ـ التعرّف على الممارسات السلوكية التي صدرت من الإمام الحسين عليه السلام في مواجهة أعدائه أثناء معركة الطفّ.

3ـ تأشير الدروس المستنبطة من معركة الطفّ كمحددات سلوك للقادة العسكريين.

رابعاً: مصطلحات البحث

1 ـ ضبط النفس (Self Control Definition)

تأتي معنى كلمة (ضبط النفس) في اليوناني (Egkrateia)، وتعني: (القدرة لضبط نفسك من الداخل، وهي شيء يمسك بك من الداخل)، فهي صفة الشخص القادر على إقماع جسده، وإنّ هذه القدرة تنبع من داخله، وهي تعني كذلك: «القدرة لقول: (لا) للأشياء الخطأ، و(نعم) للأشياء الصحيحة، و(لا) للأشياء التي لا تتناسب مع الحياة المقدّسة (حياة القداسة)»[4].

وجاء في معجم المعاني الجامع أنّ ضبط النفس: «سيطرة الشّخص على مشاعره، أو رغباته، أو أفعاله، بإرادته الشَّخصية؛ بهدف التطوُّر والتحسين الشخصي، التصبّر وعدم الانفعال»، و«ضَبَطَ أعصابه: كَبحَها، سيطر عليها، يضبط نفسه في لحظات الغضب»[5].

2 ـ الإمام

الإمام في اللغة: «مَن يأتم به الناس، وأَمَّ القوم، أي: تقدمهم. والإمام: كلّ مَن ائتم به قوم سواء أكانوا على الخطأ أم على الصواب. إمام كلّ شيء قيّمه والمصلح له. والإمام يعني: المثال. والإمام هو الخيط الذي يُمدّ على البناء ويسوى عليه (لإدراك استقامة البناء). والحادي إمام الإبل؛ لأنّه الهادي لها، و(أَمَّ) القوم في الصلاة، و(الإمام) الذي يُقتدى به، وجمعه (أئمّة)، وتقول كان (إمامه)، أي: قدّامه»[6].

خامساً: مَن هو الإمام الحسين عليه السلام؟ وما هي مكوّنات بناء شخصيته؟

من سياقات البحث العلمي هو الكشف عن الشخصية محلّ الدراسة على فرض أنّ هنالك مَن لا يعرفها؛ لأنّ هذا البحث ربما سيطّلع عليه باحثون وطلبة علم من كافة بقاع العالم، رغم أنّ المعروف لا يُعرَّف، إلّا أنّ مقتضيات البحث العلمي تتطلب ذلك، فضلاً عن ضرورة التعرف على نشأة الإمام الحسين عليه السلام وأُسس تكوين شخصيته، فهو الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب، وأُمّه فاطمة بنت محمد رسول الله صلى الله عليه وآله، وهو ثالث الأئمّة الاثني عشـر من أهل البيت الطاهر عليهم السلام، وأبو الأئمّة التسعة من بعده، وثاني السبطين سيدي شباب أهل الجنّة، وريحانتي المصطفى صلى الله عليه وآله، وأحد الخمسة من أصحاب الكساء، وسيد الشهداء[7]، وقد كان يُكنّى بأبي عبد الله، أمّا ألقابه فكثيرة نذكر منها على سبيل المثال: الرشيد، الوفي، الطيب، السيد، الزكي[8]، وأشهر رتبة ما لقّبه به جدّه صلى الله عليه وآله في قوله عنه وعن أخيه عليهما السلام: «إنّهما سيدا شباب أهل الجنة». وكذلك السبط لقوله صلى الله عليه وآله: «حسين سبط من الأسباط»[9].

وُلِدَ الإمام عليه السلام في المدينة المنوّرة في الخامس من شعبان في السنة الرابعة من الهجرة، الموافـــق لـ(9/1/626م)، حسب ما توصل إليه البحَّاثة المُحقق آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي[10]، لكن المشهور هو أنّ ولادته كانت في الثالث من شهر شعبان من تلك السنة أو السنة الخامسة.

كان قد أدرك من حياة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله خمس أو ست سنوات، تعلّم فيها الكثير من أخلاق جدّه وأدبه العظيم، وأقام مع أبيه (36) سنة، وعندما تولى سيدنا علي عليه السلام مسؤولية الخلافة كان الحسين عليه السلام جندياً مضحياً يقاتل من أجل تثبيت راية الحق؛ إذ شارك في حروب أبيه الثلاث: الجمل، صفّين، النهروان، وأقام مع أخيه الحسن (46) سنة، وعاش بعد أخيه أبي محمد الحسن عليه السلام عشر سنين.

لقد نشأ الإمام الحسين عليه السلام مع أخيه الحسن عليه السلام في بداية حياته في أحضان جدّه المصطفى صلى الله عليه وآله، فتغذى من صافي معينه، وعظيم خلقه، ووابل عطفه، وحظى بوافر حنانه ورعايته، حتى أنّه ورَّثه أدبه وهديه، وسؤدده وشجاعته، ففي أفياء بيت النبوة العابق بالطهر والقداسة نشأ الإمام الحسين، إذ تمازجت في أنفاسه روافد الفيض والإشراق، وكانت تلك بداية نشأة الإمام عليه السلام، فما أعظمها من بداية صنعتها يد محمد صلى الله عليه وآله، ثمّ علي وفاطمة عليهما السلام، وكانت نشأته في أحضان طاهرة وحجور طيبة ومباركة أُمّاً وأباً وجدّاً، ولطالما بعث الرسول صلى الله عليه وآله بكلماته النيرة على مسمع المئات المحتشدة من المسلمين، يقول: «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة»[11]، و«الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا»[12]، ويقول: «حسين منّي وأنا من حسين، أحبّ الله مَن أحبّ حسيناً، حسين سبط من الأسباط»[13]. أي: أنّ المحبّة الشديدة والصلة الأكيدة والعلاقة التامة بيني وبين الحسين جعلته جزءاً منّي وجعلتني جزءاً منه؛ من شدّة الاتصال وعدم الانفكاك. ويرفعه بين الناس، وهم ينظرون فينادي: «أيّها الناس، هذا حسين بن علي فاعرفوه»[14]. وقد يتبوأ له مقعداً في حضنه المبارك ويشير إليه، فيقول: «اللهمّ أنّي أُحبّه فأحبّه»[15]. ولطالما كان يحمله وأخاه على كاهله الكريم وينقلهما من هنا إلى هناك، والملأ من المسلمين يشاهدون. وهكذا كانت النشأة الأُولى للإمام الحسين عليه السلام في بداية حياته في ظلّ المدرسة المحمدية المباركة؛ ممّا كان لها الأثر الكبير في بناء شخصيته.

لقد كانت الحقبة القصيرة التي عاشها الإمام الحسين مع جدّه صلى الله عليه وآله من أهم الحقب وأروعها في تاريخ الإسلام كله، فقد وطّد الرسول صلى الله عليه وآله فيها أركان دولته المباركة، وأقامها على أساس العلم والإيمان، وهزم جيوش الشرك، وهدم قواعد الإلحاد، وأخذت الانتصارات الرائعة تترا على الرسول صلى الله عليه وآله وأصحابه الأوفياء، وأخذ الناس يدخلون في دين الله أفواجاً[16].

«صحيح أنّ مخالطة الناس وهم يعيشون حالة الجهل والتخلّف، أو يخضعون لأجواء الفساد والانحراف، قد تُسبب الكثير من الأذى والمعاناة للرجال الإلهيين، لكن ذلك هو طريق التغيير والإصلاح، كما أنّه وسيلة لنيل ثواب الله ورضوانه»[17].

فقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنّه قال: «المؤمن الذي يخالط الناس، ويصبر على أذاهم، أفضل من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم»[18]. ومن هذا المعين ارتوى الحسين عليه السلام، فتعلّم كيف يتحمّل الأذى ويصبر عليه، ويُكيّف المواقف الصعبة لصالح نفسه؛ ليجعلها أكثر انضباطاً وتحكّماً فيها، فلا ينصاع لها ويستسلم لهواها.

وفي حديث آخر مروي عنه أنّه صلى الله عليه وآله فقد رجلاً، فسأل عنه فجاء، فقال: «يا رسول الله، إنّي أردت أن آتي هذا الجبل فأخلوَ فيه وأتعبّد. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يصبر أحدكم ساعة على ما يكره في بعض مواطن الإسلام، خير من عبادته خالياً أربعين سنة. وفي نص آخر: ستين سنة»[19].

سادساً: المكّونات التربوية والنفسية التي ساهمت في بناء شخصية الإمام الحسين عليه السلام

1 ـ الوراثة

أثبتت الدراسات النفسية والتربوية والاجتماعية المستفيضة الأثر الواضح للوراثة والمحيط الاجتماعي في تكوين شخصية الإنسان، والتي تم تعريفها من قِبل العالمين (اوجبورن) و(نيمكوف) على أنّها: «التكامل النفسي والاجتماعي للسلوك عند الإنسان، وتعبّر عادات الفعل والشعور والاتجاهات والآراء عن هذا التكامل»[20]؛ إذ ينعكس هذا الأثر على جوانبها الجسدية والنفسية والروحية جميعها، فأغلب الصفات تنتقل من الوالدين والأجداد إلى الأبناء، إمّا بالوراثة المباشرة أو بخلق الاستعداد والقابلية للاتصاف بهذه الصفة أو تلك، ثمّ يأتي دور المحيط التربوي ليقرر النتيجة النهائية للشخصية، «ولمسألة الدور النسبي لكلّ من الوراثة والمحيط في النمو البشري مكان أساسي في كلّ فلسفة تربوية؛ وذلك على اعتبار أنّ موضوع الوراثة والمحيط على صلة وثيقة بالتربية والعملية التربوية»[21].

ولقد توافرت في الإمام الحسين عليه السلام العناصر التربوية الفذّة جميعها التي لم يظفر بها غيره، فأخذ بجوهرها ولبابها، وقد أعدّته لقيادة الأُمّة، ولحمل رسالة الإسلام بجميع أبعادها ومكوناتها، كما أمدّته بقوى روحية لا حدّ لها من الإيمان العميق بالله، والخلود إلى الصبر على ما انتابه من المحن والخطوب. ولقد ظفر الإمام الحسين عليه السلام بمكونات تربوية ونفسية عملت على تقويمه وبنائه وتزويده بأضخم الثروات الفكرية والقيمية، وهي: الوراثة والبيئة.

«لقد قُسّمت الوراثة من قِبل العلماء على نوعين، هما: الوراثة البايولوجية، والتي تعني: انتقال الخصائص الشخصية والاجتماعية من جيل إلى جيل، أو من فئة إلى فئة، أو من شخص إلى شخص، والوراثة الحضارية؛ إذ كما تنتقل بالوراثة الخصائص الحياتية والعضوية من جيل إلى آخر، كذلك تنتقل الخصائص الحضارية والثقافية من جيل إلى آخر، ومن فئة اجتماعية إلى فئة اجتماعية أُخرى»[22].

وقد حُددت الوراثة بأنّها مشابهة الفرع لأصله، ولا تقتصر هذه المشابهة في المظاهر الشكلية، وإنّما تشمل الخواص الذاتية، والمقومات الطبيعية، كما نص على ذلك علماء الوراثة، وقالوا: إنّ ذلك أمرٌ بيّن في الكائنات الحية جميعها، فبذور الفاصوليا تخرج الفاصوليا، وبذور القطن تخرج القطن وهكذا، فالفرع يحاكي أصله ويساويه في خواصه، وأدق صفاته أحياناً، ويقول (مندل) في هذا الخصوص: «إنّ كثيراً من الصفات الوراثية تنتقل بدون تجزئة أو تغيّر من أحد الأصلين أو منهما إلى الفرع»[23].

وتأسيساً على ذلك، فإنّ الأبناء يرثون الوالدين في خصائصهم وصفاتهم الجسمية والعقلية والنفسية، وكذلك يرثون أجدادهم في بعضها، وفي هذا الصدد يقول فاخر عاقل: «إنّ وراثة المولود لا يحددها أبواه المباشران فقط، بل هو يرث من جدوده وأباء جدوده وجدود جدوده وهكذا»[24]. وعن الإمام جعفر الصادق عليه السلام أنّه قال: «إنّ الله تبارك وتعالى إذا أراد أن يخلق خلقاً، جمع كلّ صورة بينه وبين أبيه إلى آدم، ثمّ خلقه على صورة أحدهم، فلا يقولن أحد هذا لا يشبهني ولا يشبه شيئاً من آبائي»[25]. ولقد أكّد رسول الله صلى الله عليه وآله دور الوراثة في نقل الصفات الجسمية والخُلقية؛ وذلك من خلال تأكيده على حسن الاختيار في الزواج، فقال: «تخيّروا لنطفكم فإنّ العرق دساس»[26].ومصطلح العرق يقابله في الاصطلاح المعاصر مصطلح الجينات (Genes)، وتحذير الرسول صلى الله عليه وآله من العرق الدساس ناتج من أنّ الصفات النفسية والروحية والخلقية تنتقل بالوراثة، أو يكون العامل الوراثي خالقاً للاستعداد في نفس الوليد للاتصاف بصفة من الصفات التي يحملها الوالدان أو الأجداد، ويقول بيرون: «إنّ ابني وهو منسوب إليّ، ولكنّي أرى أجداده الماضين ينازعوني هذا الملك العزيز لدي، فإنّهم يشوّهون طهارة نفسه، ويكدّرون صفاء روحه بما رسب في أعماقهم من نزعات شريرة مجهولة انتقلت إليه بالوراثة»[27]. وأشار القرآن الكريم إلى دور الوراثة وما تنقله من أدق الصفات، وذلك على لسان نوح عليه السلام؛ إذ قال تعالى: (وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا)[28]، وبذلك تدلل الآية الكريمة بوضوح على انتقال الكفر والإلحاد بالوراثة من الآباء إلى الأبناء. وفي ضوء ما سبق فإنّ الحسين عليه السلام قد ورث من جدّه الرسول صلى الله عليه وآله صفاته الخلقية والنفسية، ومكوناته الروحية التي امتاز بها على سائر الأنبياء، وقد حددت كثير من الروايات مدى ما ورثه الإمام الحسين وأخوه الحسن عليهما السلام من الصفات الجسمية من جدّهما محمد صلى الله عليه وآله، فقد روي عن عقبة بن الحارث، أنّه قال: «إنّ أبا بكر... لقي الحسن ابن علي (رضي الله عنهما) فضمه إليه، وقال: بأبي شبيه بالنبي، ليس شبيه بعلي، وعلي يضحك»[29]. وقد جاء عن علي عليه السلام أنّه قال: «مَن سرّه أن ينظر إلى أشبه الناس برسول الله صلى الله عليه وآله ما بين عنقه وشعره، فلينظر إلى الحسن، ومَن سرّه أن ينظر إلى أشبه الناس
برسول الله صلى الله عليه وآله ما بين عنقه إلى كعبه خلقاً ولوناً فلينظر إلى الحسين»[30]. وكما ورث هذه الصفة من جدّه، فقد ورث منه مثله وسائر نزعاته وصفاته، فعن إبراهيم بن علي الرافعي، عن جدّته زينب بنت أبي رافع، قالت: «رأيت فاطمة بنت رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) أتت بابنيها إلى رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) في شكواه الذي توفّيَ فيها، فقالت: يا رسول الله، هذان ابناك فورثهما. فقال: أمّا حسن، فإنّ له هيبتي وسؤددي، وأمّا حسين فإنّ له جرأتي وجودي»[31].

2 ـ الأُسرة

أمّا المكوّن الثاني في تشكيل شخصية الإمام الحسين عليه السلام، هي: الأُسرة؛ إذ تُعدّ الأُسرة المحيط التربوي والنفسي الأساسي المسؤول عن إعداد الطفل للدخول في الحياة الاجتماعية، وتشترك كلّ من الوراثة والمحيط في بناء الإنسان تربوياً ونفسياً؛ إذ لا يمكن فصل بعضهما عن بعض؛ لأنّهما متكاملان متكاتفان، إذ تخلق الوراثة القابلية والاستعداد للاتصاف بهذه الصفة أو تلك إن وجدت المحيط التربوي والنفسي المناسب، وتشترك الوراثة مع المحيط في خلق الشخصية بما في ذلك الجوانب العقائدية والقيم. وتُعدّ الأُسرة نقطة البدء التي يتم من خلالها إنشاء وتنشئة العنصر الإنساني، وتؤثر في كلّ مراحل حياته سلباً أو إيجاباً؛ إذ تساهم في تشكيل شخصية الطفل مساهمة فعّالة، وذلك من خلال إكسابه العادات والقيم التي تبقى ملازمة له طوال حياته، فهي البذرة الأُولى في تكوين النمو الفردي والسلوك الاجتماعي، وهي أكثر فعالية في إيجاد التوازن في سلوك الشخص من سائر العوامل التربوية الأُخرى، فمنها يتعلّم الطفل اللغة، ويكتسب القيم والتقاليد والعادات الاجتماعية. ولقد كُتِبَت الكثير من البحوث التربوية التي تؤكّد مدى أهمية الأُسرة في تكوين الطفل وتقويم سلوكه. «ولقد حظي الإمام الحسين عليه السلام بأُسرة ما لها نظير، إليها تنتهي كلّ مكرمة وفضيلة في الإسلام، فما أظلّت السماء أُسرة أسمى ولا أزكى من أُسرة آل الرسول صلى الله عليه وآله، فقد نشأ الإمام الحسين عليه السلام في ظلّ هذه الأُسرة وتغذّى بطباعها وأخلاقها، فكانت النشأة الأُولى في أحضان الرسول صلى الله عليه وآله، فقام بدوره بتربية ريحانته، فأفاض عليه بمكرماته ومُثله، وغذّاه بقيمه ومكّوناته؛ ليكون صورة عنه، فكان يصحبه معه في أكثر أوقاته، فيشمه عرقه وطيبه، ويرسم له محاسن أفعاله ومكارم أخلاقه»[32]، «ولقد سقى الرسول صلى الله عليه وآله الحسين من لسانه عندما اشتدّ به العطش، وقد روي عن أبي هريرة أنّه قال: رأيت النبي صلى الله عليه وآله يمصّ لعاب الحسن والحسين كما يمصّ الرجل التمرة»[33]. وهذا دليل على أنّ الرسول الكريم صلى الله عليه وآله كان يغذي الحسين برحيقه، وهل هنالك أكثر ضبطاً للنفس من الرسول صلى الله عليه وآله والذي تحمّل شتى أنواع الألم من الكافرين، ولكن كان ردّه «اللهمّ اهد قومي فإنّهم لا يعلمون»[34].

وبعد وفاة الرسول الكريم صلى الله عليه وآله استمرت التربية الحسينية على النهج الرباني، وذلك على يد الإمام علي عليه السلام الذي يُعدّ المربي الأوّل بعد الرسول صلى الله عليه وآله، فهو واضع أُصول التربية، ومناهج السلوك، وقواعد الآداب، فقد غذّى الإمام الحسين عليه السلام بالحكمة والعفة والنزاهة، ورسم له مكارم الأخلاق والآداب، وغرس في نفسه معنوياته المتدفقة، فجعله يتطلّع إلى الفضائل من حق وخير، وذلك من خلال كم هائل من الوصايا الحافلة بالقيم الكريمة، والمثل الإنسانية، التي رسم من خلالها الأُسس التربوية التي تبعث على التوازن والاستقامة في السلوك، والتي منها هذه الوصية ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ إذ قال عليه السلام وهو يوصي ولده عليه السلام: «يا بني، أُوصيك بتقوى الله عز وجل في الغيب والشهادة، وكلمة الحق في الرضا [والغضب]، والقصد في الغنى والفقر، والعدل في الصديق والعدو، والعمل في النشاط والكسل، والرضا عن الله تعالى في الشدّة والرخاء...»[35]، «وهي وصية طويلة جداً حفلت بآداب السلوك وتهذيب الأخلاق، والدعوة إلى تقوى الله التي هي القاعدة الأُولى في وقاية النفس من الانحراف والآثام، وتوجيهها الوجهة الصالحة التي تتسم بالهدى والرشاد»[36]. ومثلما يعلم الجميع أنّ الأُسرة بمفهومها العام لا تعني الوالد فقط، وإنّما تضمّ الوالدة أيضاً؛ لذا فقد عنت سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء سلام الله عليها، تلميذة القرآن والمدرسة المحمدية، بتربية وليدها الحسين عليه السلام، فغمرته بالعطف والحنان؛ لتكوّن له بذلك شخصيته الاستقلالية، والشعور بذاتياته؛ لتشيع في نفسه فكرة الفضيلة على أتم معانيها.

وفي جو تلك الأُسرة الكريمة التي ما عرف التاريخ الإنساني لها نظيراً في إيمانها وهديها، نشأ الإمام الحسين عليه السلام، وقد صار بحكم نشأته فيها من أفذاذ الفكر الإنساني، ومن أبرز أئمّة المسلمين. وبناءً على ذلك؛ وبما أنّ الإمام ورث أغلب صفاته من جدّه وأبيه، فهو كذلك تعلّم على يديهم كيف يضبط نفسه في المواقف الصعبة، كيف لا؟ وهو ولِد وكان يغدو ويذهب جبرائيل على جدّه يتلو عليه الآيات القرآنية التي تدعوه إلى كظم الغيض والعفو عن الناس، حتى عادت إحدى خصاله، فضلاً عن وراثتها في جيناته؛ إذ إنّ تجنَّب الغضب يحتاج إلى ضبط النفس، والقرآن الكريم أعطانا صوراً رائعةً تمثّلت في أنبياء الله، وكان منهم السلوك النبوي الراشد، فقد جاء في قوله تعالى عن قصة موسى عليه السلام: (وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ. . . )[37]، عاد إلى ضبط نفسه ومقارعتها وإعادتها إلى نصيب الحلم، وهو الأناة الحسنة، وفي هذا السلوك القويم يخبرنا النبي صلى الله عليه وآله في حديثٍ له، قال: «ليس الشديد بالصـرعة، وإنّما الشديد مَن يملك نفسه عند الغضب»[38]. كما قال الله تعالى: (وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّـهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)[39]. فمن صفات المتقين في هذه الآية الكريمة والصـريحة كظم الغيظ وإظهار الرحمة بالعفو عند المقدرة، وهي معانٍ سامية تبيّن كيفية ضبط النفس، ومنعها من التصرف الخطأ في أعسر المواقف التي يتلقاها الإنسان المسلم في حياته، وينبغي أن يُظهر خلالها الشجاعة والحكمة وحسن التعامل مع الأحداث التي تفاجئه في المجتمع، فمَن ضَبَطَ نفسه يستطيع أن يكظم غيظه ويحبس الغضب الذي بداخله، وهذا ما تربى عليه الإمام الحسين عليه السلام ونشأ، وظهرت هذه التربية بأسمى معانيها كسلوك عملي في معركة الطفّ.

سابعاً: الممارسات السلوكية التي صدرت منه عليه السلام في مواجهة أعدائه في معركة الطفّ

نزل الركب الحسيني أرض كربلاء في الثاني من المحرّم سنة إحدى وستين للهجرة، وكان ذلك في يوم الخميس، على ما هو المشهور القويّ[40]. وقد عبّر الإمام الحسين عليه السلام عن معرفته العميقة بالأرض وبالتاريخ؛ حيث قال: «انزلوا، هاهنا مناخ ركابنا، هاهنا تُسفك دماؤنا، هاهنا والله تُهتك حريمنا، هاهنا والله تُقتل رجالنا، هاهنا والله تُذبح أطفالنا، هاهنا والله تُزار قبورنا، وبهذه التربة وعدني جدّي رسول الله صلى الله عليه وآله، ولا خُلف لقوله»[41]. ثمّ نزل عن فرسه، وضُربت خيمة لأهله وبنيه، وضرب عشيرته خيامهم من حول خيمته، ثمّ بقيّة الأنصار. وأقبل الحر بن يزيد حتى نزل حذاء الحسين عليه السلام في ألف فارس، ثمّ كتب إلى عبيد الله بن زياد يُخبره أنّ الحسين نزل بأرض كربلاء[42]. ومن طريق ما سبق نجد الإمام الحسين عليه السلام كان عارفاً مسبقاً بأنّه مقتول لا محالة، وهذا وعد إلهي على لسان رسوله الكريم صلى الله عليه وآله، إلّا أنّه نزل برباطة جأش عالية، ولم تهتزّ إرادته بالبقاء، بل على العكس، أظهر رضاه بقضاء الله وقدره؛ وهذا يدلل على ثباته وضبطه لنفسه، فلمّا كان من الغد قدِم عليهم عمر بن سعد بن أبي وقّاص من الكوفة في أربعة آلاف فارس، فنزل بنينوى، وهناك انضمّ إليه الحر بن يزيد الرياحي في ألف فارس، فصار في خمسة آلاف فارس، وما زال ابن زياد يُرسل إليه بالعساكر حتى وصل عدد الجيش الذي استنفر لقتال الحسين عليه السلام إلى ثلاثين ألفاً ما بين فارس وراجل[43]. ومع أنّ الحسين عليه السلام كان يرى أعداد الجيش تتزايد إلى هذا العدد الذي يفوق عدد رجاله مئات المرّات، إلّا أنّه بقيَ على ثباته ورباطة جأشه، ولم يُسجّل التاريخ العسكري بأنّ هنالك قائداً عسكرياً يرى جيوشاً تتفوق عليه بالعدّة والعدد إلّا وخالجت نفسه إمّا الهزيمة أو الانسحاب أو الاستسلام، إلّا الحسين عليه السلام بقيَ صامداً في مقدّمة جيشه، صابراً محتسباً يَعِدُ أصحابه بالجنّة، ويُخيّرهم بين البقاء معه أو تركه بقوله: «هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملاً»[44]؛ ونتيجة هذه الصلابة والثبات الانفعالي الذي اتسم به الحسين عليه السلام، نجد انعكاسه الواضح على أصحابه، فقد كانوا يطلبون الموت ويترجونه وهم سعداء، وكان جوابهم على طلب مغادرتهم أرض المعركة أن قال زهير بن القين: «والله، لوددت أنّي قُتلت ثمّ نُشـرت، ثمّ قُتلت، حتى أُقتل كذا ألف قتلة، وأنّ الله يدفع بذلك القتل عن نفسك وعن أنفس هؤلاء الفتية من أهل بيتك»[45]. وتكلّم جماعة أصحابه بكلام يشبه بعضه بعضاً في وجه واحد، فقالوا: «والله لا نفارقك، وأنفسنا لك الفداء، نقيك بنحورنا، وجباهنا وأيدينا، فإذا نحن قُتلنا كنّا وفينا وقضينا ما علينا»[46]. فهل سجّل التاريخ عبر قرونه موقفاً كهذا؟! بل أراد عليه السلام أن تنعكس هذه القوة النفسية والصلابة والثبات على أهل بيته عليهم السلام، فقد كان يخاطب أُخته سلام الله عليها بقوله: «يا أُخيّة، لا يذهبنَّ حلمك الشيطان، قالت: بأبي أنت وأُمّي، أبا عبد الله استقتلت؟ نفسي فداك. فرد غصته وترقرقت عيناه، وقال: لو تُرك القطا ليلاً لنام. قالت: يا ويلتا! أفتغصب نفسك اغتصاباً؟ فذلك أقرح لقلبي، وأشدّ على نفسي. ولطمت وجهها وأهوت إلى جيبها وشقته، وخرّت مغشياً عليها، فقام إليها الحسين، فصبّ على وجهها الماء، وقال لها: أُخيّة، اتقي الله، وتعزّي بعزاء الله، واعلمي أنّ أهل الأرض يموتون، وأنّ أهل السماء لا يبقون، وأنّ كلّ شيء هالك إلّا وجه الله الذي خلق الأرض بقدرته، ويبعث الخلق فيعودون، وهو فرد وحده، أبي خير منّي، وأُمّي خير منّي، وأخي خير منّي، ولي ولهم ولكلّ مسلم برسول الله أُسوة، فعزّاها بهذا ونحوه، وقال لها: أُخية، إنّي أُقسم عليك، فأبري قسمي لا تشقّي عليّ جيباً، ولا تخمشي عليّ وجهاً، ولا تدعي عليّ بالويل والثبور إذا أنا هلكت»[47].

وهكذا هنالك عشرات الشواهد بمثل ما تقدّم من أمثلة سابقة، تؤكّد أنّ الإمام الحسين عليه السلام قدّم دروساً وعبراً كشاهد على التاريخ، بأنّ الإنسان المؤمن تكون درجة التحمّل لديه عالية جداً ـ وتسمّى عتبة التحمل ـ في مواجهة المواقف الصعبة، من غير أن يستسلم أو يُهزم، وذلك لثباته الانفعالي وقوة شخصيته دفاعاً عن مبادئه وقيمه، فكانت صرخة الحسين عليه السلام: «هَيْهَات مِنَّا الذِّلَّة، يَأبى اللهُ لَنا ذَلكَ وَرَسولُهُ والمؤمِنون»[48]، وقوله عليه السلام: «لا وَالله، لا أُعطِيكُم بِيَدي إعطَاءَ الذَّليل، وَلا أفِرُّ فِرارَ العَبيد»[49] شعاراً لكلّ الأحرار والثائرين بالعالم، وهل هناك ما يمثّل الثبات أكثر من كونه عارفاً بأنّه مقتول لا محالة، وهو يزرع اليأس في قلوب أعدائه بعدم استسلامه، حيث يقول: «لَو لم يَكُن في الدنيا مَلجَأ ولا مَأوى لَمَا بَايَعتُ يَزيد»[50]. بل ذهب أبعد من ذلك ليجعل من الموت في سبيل الله سعادة: «إنِّي لا أرَى المَوتَ إلا سَعادةً، وَالحَياةَ مَع الظالمين إِلّا بَرَماً»[51]. وهو بذلك قطع كلّ سبل الرجوع عمّا أتى إليه، ولو كان دونه الموت.

ثامناً: الدروس المستنبطة في مواجهة المواقف الصعبة من خلال معركة الطفّ

1 ـ عدم الرضوخ إلى الذلّة والمهانة

ذلك أنّ الله كتب العزّة للمؤمن، وفوّض إليه أُموره كلّها، إلّا أن يذلّ نفسه، وقد عبّر الإمام الحسين عليه السلام عن هذا المبدأ بقوله: (هيهات منّا الذلّة).

2 ـ الحرية

 فالإنسان الحر يكون أكثر اعتزازاً بنفسه وأكثر قبولاً للخير وميّالاً للفضيلة، ولذا أراد الحسين عليه السلام زرع روح الحرية في قلوب الناس، حتى وإن لم يكن لهم دين، فخاطبهم الإمام الحسين عليه السلام: «يا شيعة آل أبي سفيان، إن لم يكن لكم دين... فكونوا أحراراً في دنياكم»[52]، وهنا أراد الحسين عليه السلام أن يشع عليهم من روحه الحرة التي تأبى الرضوخ للظلم، علّهم يرجعون عمّا هم فيه.

3 ـ نكران الذات

لقد ضرب الإمام الحسين عليه السلام مثالاً رائعاً في نكران الذات، وقدّم عليه السلام صوراً متعددة لنكران الذات في معركة الطفّ، ومنها طلبه من أصحابه تركه والنجاة بأنفسهم، كون القوم يطلبونه هو، فقال لهم: «أَلا وإنّي أظنّ يومنا من هؤلاء الأعداء غداً، أَلا وإنّي قد رأيت لكم، فانطلقوا جميعاً في حلّ ليس عليكم منّي ذمام، هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملاً»[53]. وفي رواية أُخرى أنّه قال: «هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملاً، ثمّ ليأخذ كلّ رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي، تفرّقوا في سوادكم ومدائنكم حتى يُفرّج الله، فإنّ القوم إنّما يطلبوني، ولو قد أصابوني لهوا عن طلب غيري»[54]. وفي اللحظة التي كان العطش يكاد يقتل الإمام عليه السلام والأعداء يحيطون به من كلّ جانب، إلّا أنّنا نجده يؤثر أهل بيته على نفسه بطلب الماء لهم ودعوة العباس عليه السلام بترك ساحة المعركة لإغاثة أهل بيته من العطش، فضلاً عن طلب الماء لعبد الله الرضيع دون نفسه.

4 ـ البقاء على الدعوة لآخر رمق

 الناس الرساليون يضعون رسالتهم نصب أعينهم لآخر لحظة في حياتهم، فحينما نادى الحسين عليه السلام: «لم أخرج أشراً، ولا بطراً، ولا ظالماً، ولا مفسداً، إنّما خرجت لطلب الإصلاح في أُمّة جدّي»[55]، فكان الإصلاح هدفه عليه السلام لآخر رمق من حياته الشـريفة، فبقى مستمراً بالدعوة متناسياً جراحه وآلامه وأهله وعياله.

5 ـ تغيير مفهوم الانتصار

يقول العلّامة السيد هادي المدرسي في كتابه (كتاب عاشوراء): «الحسين لم ينتصر على يزيد بالحصول على الكرسي، وإنّما انتصر عليه بالدم والشهادة، وإنّ الانتصار بالشهادة هو بحدّ ذاته أغلى أنواع الانتصار؛ لأنّ الشهادة وسيلة»[56]. وهذا تغيير لمفهوم الانتصار الذي يدرسه القادة العسكريون في الميدان؛ إذ إنّ مفهوم الانتصار الذي يدرسه القادة في كليات الأركان هو انهزام الجيوش بقوة الأدوات والآلات، إلّا أنّه في معركة الطفّ تغيّر هذا المفهوم؛ ليكون الانتصار الحقيقي بقوة الدم والإرادة، فعندما انتهت المعركة لم يشعر الأعداء بلذة الفوز، بل على العكس لازمهم شعور الخيبة والخسران، ولأوّل مرّة في تاريخ الحروب ينتصر الدم على السيف، وسبب انتصار الدم هو ضبط النفس ورباطة الجأش التي كان يتمتع بها الحسين عليه السلام وأهل بيته وأصحابه (رضوان الله عليهم أجمعين).

6 ـ محاربة الأعداء بضبط النفس

حاول أعداء الحسين عليه السلام أن يُثيروا غضبه، فأصبحوا يُسيئون إليه ليتعجل المعركة، لكنّه بقيَ على رباطة جأشه، وعندما حاول الشمر بذلك أراد مسلم بن عوسجة أن يرميه بسهم، فمنعه الحسين عليه السلام، فقال له: سيدي دعني أرميه فإنّه فاسق، فقال له الحسين عليه السلام: «إنّي أكره أن أبدأهم بالقتال»[57]. وهذه دعوة من الإمام عليه السلام لأصحابه بضـرورة ضبط النفس وقوة الإرادة، وهذه واحدة من وسائل علم النفس في إدارة التوتر من خلال قوة الإرادة؛ لأنّ التعرّض للتوتر يجعل المرء يستهلك الكثير من الطاقة، ما يدفعه إلى اتخاذ قرارات متسـرعة، حتى حينما أقبلت السهام من القوم كأنّها القطر، هنا كان ردّ الإمام بنفس الروح المتزنة بدعوة أصحابه إلى المواجهة، فقال عليه السلام لأصحابه: «قوموا ـ رحمكم الله ـ إلى الموت الذي لا بدّ منه، فإنّ هذه السهام رسل القوم إليكم»[58]. وهنالك الكثير من المواقف التي أكّدت بقاء الإمام الحسين عليه السلام على ثباته واتزانه لآخر لحظة من لحظات حياته؛ ممّا جعل الأعداء في حيرة من أمرهم، وهم يرونه مضرّجاً بدمائه فاقداً لكلّ أحبته وأهل بيته، إلّا أنّه تعلوه الهيبة والوقار لدرجة أنّهم كانوا يخشون الإجهاز عليه وقتله حتى بلغت به الجراح مبلغها.

فهرست المصادر

* القرآن الكريم.

أسد الغابة في معرفة الصحابة، عز الدين أبي الحسن علي بن محمد (ابن الأثير)، مطبعة الوهبية، 1285هـ، مصـر.

أعيان الشيعة، السيد محسن الأمين، دار المعارف، بيروت.

أعلام الهداية (الإمام الحسين)، المجمع العالمي لأهل البيت، ط1، 1422هـ، قم.

الأمالي، أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي الصدوق، تحقيق: قسم الدراسات الاسلامية، مؤسسة البعثة، ط1، 1417ه‍. ق، قم.

البعد الاجتماعي في حياة الإمام الحسين عليه السلام، حسن موسى الصفار، شبكة الشيعة الإسلامية.

بحار الأنوار، محمد باقر المجلسي، مؤسسة الوفاء، الطبعة الثانية المصححة، 1403هـ ـ 1983م، بيروت ـ لبنان.

الثقافة الشخصية، عاطف وصفي، دار النهضة العربية، 1981م، بيروت.

الجوهرة في نسب الإمام علي وآله، محمد بن أبي بكر الأنصاري، تحقيق: د. محمد التونجي، ط1، 1982م، مكتبة النوري، دمشق.

حياة الإمام الحسين بن علي عليهما السلام، باقر شريف القرشي، ط1، 1993م، دار البلاغة، بيروت.

دائرة المعارف الحسينية، محمد صادق الكرباسي.

صحيح الترمذي، محمد بن عيسى الترمذي، مطبعة بولاق، 1292هـ، القاهرة.

علل الشرايع، أبو جعفر محمد بن علي الصدوق، المكتبة الحيدرية، 1385هـ، النجف.

علم النفس التربوي، فاخر عاقل، ط3، 1976م، دار العلم للملايين، بيروت.

فضائل الخمسة من الصحاح الستة، مرتضـى الحسيني الفيروز آبادي، ط1، 1422هـ، المجمع العالمي لأهل البيت، قم.

الفتوح، أبو محمد أحمد بن أعثم الكوفي، حيدر آباد، دائرة المعارف الهندسية، 1971م.

 الكامل في التاريخ، عز الدين أبي الحسن علي بن محمد (ابن الأثير)، تحقيق: أبو الفداء عبد الله القاضي، ط1،  1987م، دار الكتب العلمية.

كنز العمال، علاء الدين علي التقي الهندي، مؤسسة الرسالة، 1401هـ، بيروت.

 لسان العرب، أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم ابن منظور، دار المعارف، 2011م، بيروت.

مقاتل الطالبيين، أبو الفرج علي بن الحسين الإصفهاني، تحقيق: كاظم المظفر، ط2، مؤسسة دار الكتاب، قم.

مختار الصحاح، محمد بن أبي بكر الرازي، دققه: عصام فارس الحرستاني، ط9، 2005م، دار عمار، عمّان.

معالي السبطين في أحوال الحسن والحسين، محمد مهدي الحائري، ط1، مؤسسة البلاغ.

المحجة البيضاء، محمد بن المرتضى الفيض الكاشاني، ط2، جامعة المدرسين، قم.

موسوعة كلمات الإمام الحسين عليه السلام، لجنة الحديث في معهد باقر العلوم، ط1، 1425هـ. ق، مطبعة أسوة.

مناقب آل أبي طالب، محمد بن علي بن شهر آشوب، تحقيق: لجنة من أساتذة النجف الأشرف، 1376هـ ـ 1956م، الحيدرية، النجف الأشرف.

معالم المدرستين، مرتضى العسكري، مؤسسة النعمان للطباعة والنشـر والتوزيع، 1410ـ1990م، بيروت ـ لبنان.

مثير الأحزان، نجم الدين محمد بن جعفر بن أبي البقاء هبة الله بن نما الحلي (ت645هـ)، المطبعة الحيدرية، 1369هـ ـ 1950م، النجف الأشرف.

المستدرك على الصحيحين، أبو عبد الله الحاكم النيسابوري (ت405هـ)، بإشراف: د. يوسف عبد الرحمن المرعشي، دار المعرفة، بيروت ـ لبنان.

النظام التربوي في الإسلام، باقر شريف القرشي، دار التعارف للمطبوعات، 1408هـ، بيروت.

وارث الأنبياء، دراسات وبحوث مؤتمر الإمام الحسين عليه السلام، الشيخ محمد مهدي الآصفي، المجمع العالمي لأهل البيت، 1424هـ، طهران.

 هادي المدرسي، عاشوراء:  .http://alfeker.net/library.php?id=1824

/http://www.aimislam.com/ashuraJJ.

https://www.lifechangingtruth.org/ar/book/export/html/37.

http://www.almaany.com/ar/dict/ar-ar.

 


[1] أ. د. حاتم جاسم عزيز /جامعة ديالى/كلّية التربية الأساسية.

م. مريم خالد مهـدي/جامعة ديالى/كلّية التربية الأساسية.

[2].http://www.aimislam.com/ashura

[3] الأحزاب: آية33.

[6] اُنظر: المصدر السابق: (مادة أَمّ). الرازي، محمد بن أبي بكر، مختار الصحاح: ص3. ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب: ج12، ص25، مادة (أمم).

[7] اُنظر: البري، محمد بن أبي بكر الأنصاري، الجوهرة في نسب الإمام علي وآله: ص38.

[8] اُنظر: أبو الفرج الإصفهاني، علي بن الحسين، مقاتل الطالبيين: ص51.

[9] الأمين، محسن، أعيان الشيعة: ج1، ص579.

[10] اُنظر: الكرباسي، محمد صادق، دائرة المعارف الحسينية: ج1، ص157.

[11] ابن شهر آشوب، محمد بن علي، مناقب آل أبي طالب: ج3، ص163.

[12] المصدر السابق.

[13] الترمذي، محمد بن عيسى، سنن الترمذي: ج2، ص306.

[14] الحائري، محمد مهدي، معالي السبطين: ج1، ص86.

[15] ابن شهر آشوب، محمد بن علي، مناقب آل أبي طالب: ج3، ص159.

[16] اُنظر: المجمع العالمي لأهل البيت عليهم السلام، أعلام الهداية (الإمام الحسين عليه السلام): ص59ـ61.

[17] الصفار، حسن موسى، البعد الاجتماعي في حياة الإمام الحسين عليه السلام، شبكة الشيعة الإسلامية.

[18] الهندي، علاء الدين علي التقي، كنز العمال: ج1، ص142.

[19] المصدر السابق: ج4، ص454.

[20] وصفي، عاطف، الثقافة الشخصية: ص103.

[21] عاقل، فاخر، علم النفس التربوي: ص31.

[22] الآصفي، محمد مهدي، وارث الأنبياء.. دراسات وبحوث مؤتمر الإمام الحسين عليه السلام: ج1، ص260.

[23] القرشي، باقر شريف، حياة الإمام الحسين بن علي عليهما السلام: ج1، ص33.

[24] عاقل، فاخر، علم النفس التربوي: ص36.

[25] الصدوق، محمد بن علي، علل الشرائع: ص103.

[26] الكاشاني، محمد بن المرتضى، المحجة البيضاء: ج3، ص93.

[27] القرشي، باقر شريف، النظام التربوي في الإسلام: ص57.

[28] نوح: آية26ـ27.

[29] الحاكم النيسابوري، أبو عبد الله، المستدرك على الصحيحين: ج3، ص168.

[30] القرشي، باقر شريف، حياة الإمام الحسين بن علي عليهما السلام: ج1، ص45.

[31] ابن الأثير، علي بن أبي الكرم، أُسد الغابة: ج5، ص467.

[32] القرشي، باقر شريف، حياة الإمام الحسين بن علي عليهما السلام: ج1، ص70.

[33] الفيروز آبادي، مرتضى الحسيني، فضائل الخمسة من الصحاح الستة: ج3، ص217.

[34] ابن شهر آشوب، محمد بن علي، مناقب آل أبي طالب: ج1، ص166.

[35]القرشي، باقر شريف، حياة الإمام الحسين بن علي عليهما السلام: ج1، ص49.

[36] المصدر السابق: ج1، ص75.

[37] الأعراف: آية154.

[38] الأمين، محسن، أعيان الشيعة: ج8، ص67.

[39] آل عمران: آية133ـ134.

[40] اُنظر: ابن الأثير، علي بن أبي الكرم، الكامل في التاريخ: ج3، ص282.

[41] لجنة الحديث في معهد باقر العلوم عليه السلام، موسوعة كلمات الإمام الحسين عليه السلام: ص455.

[42] اُنظر: ابن أعثم الكوفي، أحمد، الفتوح: ج5، ص 149ـ 150.

[43] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج44، ص386.

[44] الصدوق، محمد بن علي، الأمالي: ص220.

[45] العسكري، مرتضى، معالم المدرستين: ج3، ص92.

[46] المصدر السابق.

[47] المصدر السابق.

[48] ابن نما الحلي، جعفر بن محمد، مثير الأحزان: ص40.

[49] المفيد، محمد بن محمد، الإرشاد: ج2، ص99.

[50] العسكري، مرتضى، معالم المدرستين: ج3، ص49.

[51] ابن نما الحلي، جعفر بن محمد، مثير الأحزان: ص32.

[52] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج45، ص51.

[53] العسكري، مرتضى، معالم المدرستين: ج3، ص90.

[54] المصدر السابق.

[55] القرشي، باقر شريف، حياة الإمام الحسين بن علي عليهما السلام: ج1، ص11.

[56] هادي المدرسي، عاشوراء: .http://alfeker.net 1824.

[57] البروجردي، حسين، جامع أحاديث الشيعة: ج13، ص150.

[58] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج45، ص12.

 
 
البرمجة والتصميم بواسطة : MWD