1439 / جمادی‌الآخرة / 4  |  2018 / 02 / 21         الزيارات : 570444         صلاة الصبح |         صلاة الظهر والعصر |         صلاة المغرب والعشاء |

عاشوراء امتداد لحركة الأنبياء

{ آية الله السيد محمد تقي المدرسي }
عاشوراء امتداد لحركة الأنبياء

ثورة الامام الحسين (ع) دروس وعبر

 


انها ((كل يوم عاشوراء وكل أرض كربلاء))
ها كلمة تعبّر عن حقيقة تاريخية هامة لا مجال فيها للشك والارتياب، كما انها قابلة للتكرار دوماً في كل واقع وزمان.. وهذا ما أثبته لنا التاريخ.
فلقد تحولت ملحمة كربلاء الى مسيرة ثورية امتدت مع الزمن، كما أمتدت الى آفاق بعيدة، وذلك لان لكل شعب أو أمة رموزاً في مختلف مرافق حياتها.. وكل رمز من هذه الرموز يقوم بوظيفة تجميع وتركيز التجربة في المرفق الخاص به. وملحمة كربلاء تحولت الى رمز للثورة الأصيلة التي جمعت في واقعها كل شروط وعوامل وخصائص الثورة الاسلامية، بل لقد استوعبت هذه التجربة كل دروس الرسالة السماوية عبر التاريخ، حتى في غير مجال الثورة فيما يتعلق بسائر مجالات الحياة، والسبب في ذلك بسيط وواضح جداً، وهو أن قلم الصراع هو أفضل قلم يكتب بحبر الدم على لوح الزمن ما لا يمكن للمتغيرات أو تصفيها أو أن تنال منها شيئاً.وحينما يترسخ مبدأ وتتكرس عقيدة تتجذر قيمه بدماء الشهداء في أوج المعركة بين الجاهلية والاسلام، فلابد أن يبقى ذلك المبدأ وتبقى تلك العقيدة راسخة شامخة دائماً.
وكربلاء ليست مدرسة للبطولة الثورية فقط، وانما هي أيضاً مدرسة لبطولة الانسان حينما يخرج من ذاته، من شح نفسه من حدوده الضيقة ليملأ الدنيا شجاعة وبطولة.. كربلاء مدرسة الوفاء، مدرسة التبتل والضراع، مدرسة الحب والتضحية، مدرسة العلم والتقوى، بالإضافة الى أنها مدرسة الجهاد والاستشهاد.
وبالتالي فان كربلاء رمز لكل ملحمة.. وبذلك أصبحت مسيرة. إذ أننا حينما نجدد ذكرى الامام الحسين (ع) وأهل بيته وأصحابه المستشهدين في أرض كربلاء في سنة (61) من الهجرة، فاننا نتذكر ايضاً ملحمة مسلم بن عقيل في الكوفة، وملحمة الحسين الشهيد، صاحب فخ بين مكة والمدينة، وجهاد الابطال من أبناء الامام الحسين، وأبناء زيد بن علي بن الحسين، وبالتالي فاننا نتذكر مكابدة كل الثائرين عبر تاريخنا المليء بدم الثوار، والمضوّع بأجساد شهدائنا الطاهرة.
من هنا أصبحت [كل أرض كربلاء] و[كل يوم عاشوراء]، لان كليهما قد استوعب تجربتنا. وتعظيمنا نحن الامة الاسلامية الثورية وتقديرنا وتكرينما لهذه الملحمة، انما هو تكريم لكل ثورة رسالية أصيلة، ولكل دم زكي طاهر أريق في أية ثورة.
ولذلك وفي بداية هذه السنة الهجرية الثامنة بعد الاربعمائة والالف نعزي أمتنا الاسلامية تعزية تحمل في طياتها البشارة بالنصر، فبكاونا ليس وسيلة للعجز. وحزننا ليس يأساً وأداء للانطواء إنما هو أمل يفتح لنا الطريق واسعاً، ويسد أمامنا أبواب الخزي والتخاذل والغرور والخداع الذاتي. وتجديدنا لذكرى الشهداء ليس طريقاً للتعويض بهم عن شهادتنا وعن تضحياتنا.. ان بكاءنا تنديد بالظلم، وعويلنا وصراخنا انما هو صراخ الضمير الحر والحي النابض في وجدان أمنتا، وصراخ النفس الابية ضد العبودية والطغيان. وبالتالي هو وسيلتنا للتعبير عن سخطنا وأعتراضنا المغلف بالحزن والاسى على الفساد المنتشر في أنحاء الارض.. وتكريمنا للشهداء معراجنا الى ذلك المستوى الاسمى الذي بلغه هؤلاء الابرار.
انهم مدرّسونا، فنتعلم منهم كيف ننتصر على ذواتنا، ونصل الى مستوى آبائنا وأسلافنا الذين ذهبوا شهداء في طريق الحق.
وهنا ألخّص بعض العبر والدروس التي نستوحيها من هذه الذكرى العظيمة.. ذكرىعاشوراء الدم والتضحية:

أولاً: خط الثورة والنظام المضاد:
خط الثورة كان أبداً قاطرة التقدم للامم، وطريقاً لتبديد سبات الانسان، وخروجاً عن الجمود، وانطلاقاً نحو بناء المستقبل، بينما كان خط الانظمة الفاسدة خطاً مضاداً لهذه الحركة التقدمية عبر التاريخ، ومن هنا فإن هناك ثقافتين تتراوحان في الحركة الاجتماعية..
ثقافة الانظمة التي تتمحور حول شرعية المؤسسات الجامدة الرجعية القائمة، وثقافة الشعوب.. ثقافة الثورة التي تعطي الشرعية لبناء المستقبل. وعاشوراء في تاريخنا الاسلامي تؤكد شرعية الثورة، وتعطينا بداية للعمل الثوري كون الحق لا يبتدأ مرحلته بالاستسلام والسكوت، والذل والخنوع، وانما يبدأ بالرفض.. كلمة التوحيد تبدأ بحرف [لا]
ونقول:
((لا إله إلا الله)).
هذه العبارة التي تجسد تكريساً للرسالات السماوية، فكل الانبياء عليهم صلوات الله قد جاءوا لكي يكرسوا خط الحنفية البيضاء. أي: الرفض لكل ما هو شرك وفساد وانحراف، وخط الرفض هذا الذي انبعث في الامة الاسلامية كان موجهاً ضد الخارج، أي ضد من سموا بالكفار والمشركين والجاهلين، لان حركة الفتح الاسلامي المتصاعدة منذ بداية الهجرة تقريباً وحتى سنة (61) والتي كانت كأمواج البحر تتوسع في سرعة هائلة، وجهت رفض الامة وتمرد الجماهير وثورة الشعب ضد الاجنبي، ولذلك كانت كل البطولات التي سجلت في تاريخنا الاسلامي قبل ملحمة كربلاء موجهة لاعداء الامة الخارجيين، وليس ضد الانحراف الداخلي الذي كان ينخر في أعماق الامة الاسلامية، وفي نفس الوقت كانت النفوس الابية والروح المتعطشة للشهادة والقلوب الملتهبة ايماناً وحماساً من أجل الدين، كانت تترك داخل البلاد وتتوجه الى الفتوحات الاسلامية خارج البلاد حتى أصبح المثل الاعلى للشهيد هو أن يقتل في حدود الامة الاسلامية، أما داخل الدولة فكانت عربدات معاوية ومفاسد يزيد، وجرائم زياد وابن زياد، وتحريفات سمرة بن جندب، ومن أشبه هي الرائحة، وبلغ الانحراف الذروة داخل كيان الأمة الاسلامية العملاق والعظيم حتى يكاد يسقط بسبب تلك الارضة التي كانت تنخر في العصى التي تعتمد وتتكيء عليها لولا ملحمة الامام الحسين وشرعية الثورة.
بلى لولا أبوا الشهداء الامام الحسين بن علي الذي بعث من وادي كربلاء صرخة دوت عبر التاريخ الاسلامي، وصنعت بطولة من نوع جديد جسدت فلسفة الشهادة وروح الرسالة وحماس التضحية من أجل الله في الثورة التحررية داخل الامة الاسلامية في مقاومة الانحراف الداخلي. وبالتالي حافظت على عمق هذه الشجرة. لذلك لو قيل أن شجرة الاسلام قد سقيت بدم الشهيد وأبي الشهداء الامام الحسين بن علي (ع)، فان ذلك ليس جزافاً، فلولا هذا الدم لما قام للاسلام عود،وبيد ان الشجرة قد نمت بدماء الشهداء الاولين كجعفر بن أبي طالب وحمزة سيد الشهداء في عصرهم، إلا ان أرضة الفساد في هذه الامة كاد يؤدي بهذه الشجرة الى السقوط، فجاء دم الامام الحسين ليصحح هذا الخلل.


البطولة الاسلامية وملحمة كربلاء:

من هنا جاءت ملحمة كربلاء لتقسم البطولة الى قسمين:-
النوع الاول: البطولة في الدفاع عن الثغور:
الدفاع عن الامة الاسلامية خارجياً حيث صبغت البطولات الافق بالدم لتحرر البشرية من نير الاستعباد وتدافع عن نبتة الاسلام الوليدة، وكانت هذه التضحيات تقع على تخوم ومشارف وثغور الدولة الاسلامية.
النوع الثاني: بطولة التصحيح الداخلي:
التضحية لزرع الثقافة الرسالية الثورية في العمق الاسلامي.
فبطولة من أجل تحرير الآخرين. وبطولة أخرى من أجل حرية الامة الاسلامية ذاتها.
ومن هنا نستطيع ان نؤكد بأن ملحمة كربلاء أعطت شرعية للثورة ولبطولاتها وللشهادة من أجلها. وبعد كربلاء وجدنا بأن كل الحركات التحررية بلا أستثناء من الخوارج الى حركة الزيدية، الى حركة الاسماعيلية والى حركة القرامطة والى كل الحركات داخل الامة الاسلامية كانت تحاول أن ترتبط بخيط يمدها الى كربلاء. وأن تستلهم من معركة الامام الحسين (ع) دروسها. وأن تغذي أبناءها بروح البطولة المنبعثة من وادي كربلاء، هكذا كانت ثورة الامام الحسين تمتاز بصفة العطاء وهكذا أصبحت مسيرة ثورية أخترقت حاجزالزمان والمكان.

 

ثانياً: الضغوط الحضارية على الامة الاسلامية:

على طول تاريخ الامة الاسلامية التي دخلت الآن في السنة الثامنة بعد الاربعمائة والالف من بداية انطلاقها بعد الهجرة، على طول هذه الحقبة الزمنية تعرضت أمتنا لضغوط حضارية شديدة جداً كادت تذوب بسببها.
إن هذه الضغوط الحضارية لم تكن خطيرة في الجانب العسكري، لان أمتنا قد تحصنت منذ البدء بفلسفة الشهادة التي لا يخشى عليها من الذوبان العسكري، ولم تكن اقتصادية الاتجاه، لان أمتنا لم تعتمد على محور المال والثروة والاقتصاد. بل تمحورت حول قيمة الحق. لذلك لم تكن الضغوط الاقتصادية قادرة على تذويب أمتنا عبر التاريخ، ولم تكن الضغوط الاجتماعية كذلك، لان امتنا تدرعت بدرع حصين من الروابط الاجتماعية المتينة. بل كانت تلك الضغوط ثقافية، الثقافة التي تتسرب كالماء تدخل في عمق القواعد الارضية للامة، وتفسد جماهيرها ثقافياً وفكرياً بطريقة أو بأخرى. هذا الضغط كان أشد خطراً من ألف سيف بل مئة ألف سيف بل مليون سيف.
إذن كيف نحافظ على أمتنا من خطر الغزو الثقافي عبر التايخ. امتداداً من حركة الترجمة اليونانية في البلاد الاسلامية ايام يزيد بن معاوية أول من حاول أن يترجم الكتب الفلسفية الالحادية الى اللغة العربية، امتداداً من ذلك اليوم وانتهاءاً بانتشار الافكار الديصانية، والافكار الافلاطونية الحديثة، والافكار الهندوكية والافكار المجوسية!!
الجواب: هو مجالس الذكر.
لا ريب ان العلماء الأمناء على حلال الله وحرامه هم أول من حافظ على هذه الثقافة، وأول من ضحى من أجلها.
فحينما كانت ورقة الكتاب تهمة تكفي لاعدام كاتبها، وحينما كانت الدنيا تضيق بأهل العلم الحقيقيين ولا تزال. حينئذ كان المنبر الحسيني وجلسات الذكر ومواكب العزاء ومسيرات التعزية، كلها كانت أداة لتزريق الجماهير بثقافة رسالية حية صافية نقية بعيدة عن الرواسب الجاهلية وعن الافكار المستوردة.
لقد قلت-آنفاً-أن كربلاء ليست ملحمة للبطولة، وانما هي مدرسة لرسالة كلها بما فيها البطولة وبما فيها سائر عناوين الحياة. وحين دخلت ملحمة عاشوراء وعي الامة الاسلامية، فاننا لم نكن نخشى من انهيار ثقافي لان ركيزة ثقافية قوية قد تركزت في عمق الانسان المسلم بسبب كربلاء المقدسة، كون كل انسان مسلم لا سيما الفرد الرسالي يعيش في قلبه خريطة مصغرة لكربلاء ومنذ نعومه أظفاره. ويحمل في قلبه شخصية الامام الحسين عليه السلام، ليس الامام الشهيد فقط وانما كبار أصحابه وابناءه، فالعباس له مكانة خاصة في قلوب الموالين.. وعلي الاكبر، وحتى ذلك الطفل الرضيع الذي أعدم رمياً بالسهام في أرض كربلاء بعد أن ذاق الامرين من العطش والحر، انه هو الآخر يعيش مثلاً للبراءة.. ومثلاً للبطولة في قلب كل انسان مسلم، أليس كذلك؟!
فكيف يمكن لهذا المسلم الذي يعيش كربلاء ويذوب في ملحمة الحسين عليه السلام وتبقى مأساة أطفال الامام الحسين عليه السلام في قلبه أن ينسى رسالة الاسلام؟ رسالة هذه رموزها هل تنسى؟! وأساساً هناك ما يدغدغ حلم الانسان ويحرك أطيب مشاعره اذا لم تدغدغها ملحمة كربلاء؟!
الجواب: كلا.
ومن هنا أصبح المنبر الحسيني وما يرافقه من وسائل اعلامية -وأستخدم هنا كلمة المنبر بمفهومه الشامل- أصبح درعاً للامة الاسلامية من الهجمات الثقافية الخطيرة ولا يزال. وهنا نتسائل على ماذا تعتمد ثقافة أمتنا الاسلامية اليوم في العراق؟
فهل تعتمد على الصحافة التي تسود الاوراق كما تسود وجه التاريخ ووجه الانسانية البيضاء، حيث تراها كل صباح ومساء تمجد خطوات كل مجرم وكل سفاك معتد أثيم، وكل زنيم، هذه الصحف التي يكتب فيها المرتزقة أقاويل ملفقة. فقد كنت أقرأ العدد الاخير الذي سجل بتاريخ [30/أكتوبر] من مجلة الحوادث احدى المجلات السائدة في فلك الرجعية السعودية_وقرأت الواقفين ببلاط الرجعية السعودية كالخدم المهنيين قرأتها فلم أجد كلمة واحدة عن الحج، بالرغم من أن الحج كان أقوى حدث وبارز وأكبر مؤتمر واعمق مسيرة وأشد تأثيراً وفعاليه، ولكن مع ذلك نرى بوضوح مرتزقة الرجعة السعودية-تدعي أنها حامية الحرمين الشريفين-لم يكتبوا ولا كلمة واحدة عن الحج. لانهم قد نذروا أنفسهم للفساد وللجريمة ولبيان كل فكرة ملتوية رجعية متوغلة في التبعية والعبودية للغرب ولاميركا بالذات، وهم نظراً لذلك لا يسجلون تطلعات الامة، ولا يكتبون مسيرتها الحقيقية لا يوضحون الوحدة الاسلامية في الحج، وبدلاً من ذلك يذهبون ويسجلون مؤتمر الشمال والجنوب في المكسيك، ويكتبون تقريراً عن جنازة السادات صاحب معاهدة الكامب الخيانية، كل هذا يسجلونه في عشرات صفحات الصحف التابعة للرجعية السعودية.. هذه الأدارة العميلة التي عبئت لذلك الهجوم البربري الثقافي من قبل الغرب ضد أصالة امتنا الاسلامية وضد كرامة أمتنا الانسانية!! ومقابل ذلك يأتي المنبر الحسيني، وبطل عاشوراء الحسين، ليزود الامة بالطاقة والحيوية والاندفاع والحماس، وأيضاً بالفكر الاسلامي، الثوري الرصين والتقدمي.

 

ثالثاً: الثورة انتفاضة انسانية وحقيقة تاريخية:

ان قيمة كربلاء وملحمتها الثورية ليست فقط في انها كانت ثورة، بل لانها ثورة في ثورة، وتغيير وتصحيح لمسار الثورات وحركات التغيير، انظروا الى التاريخ الاسلامي لتجدوا كم من ثورة انحرفت الى فوضى، وكم من ثورة تحولت الى حزبية ضيقة، والى ديكتاتورية ارهابية، وكم من ثورة نسيت أهدافها وتحولت الى ثورة مضادة حينما وصلت الى السلطة.


ضمانات استقامة الثورة:

أولاً: الابتعاد عن الانحرافات النفسية والأهداف الدنيوية:
انني أدين وبشدة ما فعلته القرامطة في العالم الاسلامي، إذ انهم كانوا ثوريين، لكن ثورتهم انطلقت من دوافع الثأر والانتقام والبغضاء والحقد، ولكن أنظروا الى الامام الحسين عليه السلام في كربلاء، كيف يعلمنا دروس الثورة، قل لي أيها الانسان: أصحيح انك تثور لكرامتك دون أن تحقد؟!
يأتي الامام الحسين (ع) في كربلاء ويبكي بكاءاً عالياً وينشج بصوت رفيع، فيسأله أحد أصحابه، يابن رسول الله لماذا تبكي هذا البكاء العالي وأنت أنت الحسين بن علي البطل الشجاع الذي خططت من أجل أن تستشهد في سبيل الله؟
قال: نعم ليس بكائي لنفسي ولا لاهل بيتي، وليس لهؤلاء القتلى من حولي. وإنما بكائي لأجل هؤلاء القوم الذين سيدخلون النار بسببي!!
كان يبكي لاعداءه، ويحاول قدر جهده أن ينصحهم ويهديهم طريق السبيل والرشاد، وكان من أجلهم يحارب، ولو تسنى للحسين (ع) أن ينتصر لفعل بهم ما وعد والده الامام علي بن أبي طالب (ع) أن يفعل بمن أرادقتله وهو ((ابن ملجم)) قال اذا أنا شفيت من هذه الضربة فسوف أعفو عنك.
الثورة يحب أن تكون بعيدة عن الحقد الاسود، وإلا فانها تتحول الى ثورة مضادة، لان الثورة يجب أن تقوم على منهج الله الحكيم، وإلا ستصبح شركاً!! الثورة يجب ان تكون من أجل الله لا من أجل الذات ولا من أجل الشهوات.
ثانياً: الهدف الأخروي:
الامام الحسين عليه السلام سار وهو يعلم انه سيقتل، ومن كان هذا أصلاً من أصول مسيرته، فإن ثورته لم تكن طلباً للمنصب. ولا بحثاً عن سلطان ولا من أجل العلو في الارض، وهو الذي كان يكرر قوله تعالى:
((تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين)) القصص (83).
خرج الامام الحسين عليه السلام، من مكة المكرمة الى أرض كربلاء كان يذّكر من حوله بقصة النبي يحيى، ويؤكد ويقول:
((من هوان الدنيا على الله أن يهدى رأس يحيى بن زكريا الى بغي من بغايا بني اسرائيل)).
لماذا؟
لكي يذّكر من حوله ويؤكد لهم ان حركته ليست لتنصيبه على رأس السلطة، أو للحصول على شهرة، وإنما كان يريد الآخرة وان الدنيا هينة، ولذا يسعى الى ما سوف يسبب ذبحه كما ذبح يحيى بن زكريا، ونحن هنا نتعلم من ثورة الامام الحسين عليه السلام ليس درساً واحداً فقط، وانما درسين:
1-درساً في أصل الثورة.
2-درساً في منهجها الرسالي.
رابعاً: الثقافة الرسالية قاعدة الثورة:
ان الثقافة الرسالية التي حاول الامام الحسين عليه السلام وسعى من أجل بثها في الامة الاسلامية عشر سنوات قبل قيامه عليه الصلاة والسلام بثورته المباركة. كانت القاعدة التي يجب أن تنبعث منها الثورة. ولو انبعثت من غيره هذه الثقافة الرسالية لتعرضت لانحرافات ونكسات خطيرة.
جاء شمربن ذي الجوشن يقود حملة ضد الامام الحسين عليه السلام في عشية يوم تاسوعاء.. فبعث الامام الحسين أخاه العباس ليستكشف أهدافهم؟
فاذا هم يريدون قتله فاستمهلهم سواد تلك الليلة فقال بعض أصحاب الامام الحسين (ع) يابن رسول الله ولماذا؟
الحرب هي الحرب سواءاً اليوم أو غد. قال: لا، أريد أن اجدد ذكراً مع ربي له هذه اليلة، وأسكنه بقراءة القرآن.
لماذا؟
لا لكي يرتاح.. أو يكتب وصاياه الاخيرة.. كلا وانما ليزداد قرباً الى الله سبحانه وتعالى، وهذا درس في أن للثقافة الرسالية ضرورة قصوى في الثورة الصحيحة.
قبل فترة أكد الامام الخميني (حفظه الله) لوفد من قادة الحرس الثوري زاروه: (على الحركات التحررية في العالم ان تتعمق في الثقافة الرسالية) والواقع أنها وصية حسنة لكي نتحصن ضد مخاطر تحول الثورة الى الثورة المضادة، وان هذه المخاطر لا ينفعها سوى التحصن بالثقافة الرسالية الاصيلة.
ومن هنا تجد في خطب الامام الحسين (ع) وأدعيته يوم عاشوراء-قد كررها أكثر من خمس مرات-انه لم يكن يتحدث عن القضايا السياسية فحسب، وانما كان يركز على القضايا الايدلوجية، وعن التوحيد، وعن الاتصال بالله سبحانه وتعالى.. لان هذا هو الاساس وهذا هو الهدف.
خامساً: تجديد ذكر الامام الحسين (ع):
اننا يجب أن نحيي ذكر الامام الحسين، لان اية أمة اذا أرادت النجاح والانتصار، فلابد أن تحضر في تاريخها، وأن يكون تاريخها حاضراً في واقعها.
يحب أن نكون نحن في تاريخنا، لنكتب بروح عصرنا بمشاكلنا وبأوضاعنا وبتطلعاتنا السامية، وبمعنى نكتب من جديد، ونكتب حياتنا به.
لذلك نحيي ذكر الامام الحسين (ع) لتكون نوراً على مر كل السنين، ولتكون بطولاته نبراساً مضيئاً ولتكون حياتنا-اليوم-ومشاكلنا طريقاً لفهم ثورة الامام الحسين عليه السلام وحياته وثورته.
انك لا تستطيع أن تفهم ثورة الامام الحسين إلا بعد أن تفهم شبكات المؤامرات التي أحاطت اليوم بنا، لان هذه الظروف هي التي توضح لنا كيف قام الامام الحسين (ع)، كما أننا لا نستطيع ان نكسر الطوق المحيط بنا إلا اذا عرفنا كيف نستطيع تجديد وأعادة ملحمة كربلاء الى واقعنا.. نحن اليوم في عالمنا الاسلامي وبالذات في العراق نحتاج الى ملحمة من نوع ملحمة كربلاء، وإلا فان هذا الارهاب ووسائل القوى الوحشية ستنال من ثورة هذا الشعب.
وإن لم تكن الضربة من النظام العراقي، فانها ستكون من التكاتف الاستكباري ضد عموم الحركات الاسلامية ، وقد أكد هذا التوجه التقريرات الخاصة التي رفعت الى رئيس الطغيان العالمي-ريغان-تدعوه فيها الى الاخذ بزمام المبادرة في ضرب حركات التحرر الاسلامية .
وخوفاً من المعادلة الجديدة التي سوف يسطرها الاسلامين بسواعدهم العاملة، فإنهم دأبوا على تزويد بعض الانظمة العربية بالسلاح لإرهاب واخماد هذا الصوت المعارض فبعثوا بالاواكس الى مصر من أجل مراقبة الخطوط الداخلية في مصر، ووافق مجلس الكونغرس الامريكي على بيع السعودية طائرات أواكس لذات الهدف. ثم يؤكد ريغان بكل صراحة: [انها لمصلة أمريكا]!! وما هي مصلحة أمريكا في الجزيرة العربية؟
بالطبع، ان مصلحتها في الجزيرة العربية هي منع تغيير النظام الحليف والصديق لهم!
إن شياطين الارض تجتمع-الآن-من أجل محاصرة الثورة الاسلامية، ومن أجل تصفية الحركات الاسلامية. هذه الحركات المستضعفة النابعة من وضع اقتصادي، ثقافي، اجتماعي، سياسي، عسكري.. متخلف، فكيف يمكن لهذه الحركات أن تنتصر على تلك المؤامرات، وتلك الشبكة الواسعة من الخطط الاستعمارية؟
انها تستطيع الانتصار فقط بالطريقة الحسينية.
ان شعبنا في العراق الذي يتجدد حزننا في كل سنة جديدة، تتوالى عليه صنوف الويلات والمآسي خوفاً من أن يجدد ذكرى سيد الشهداء أبي عبد الله الحسين (ع) ويعلنها تجربة حية في أرض كربلاء بأرض العراق وفي أيام عاشوراء.
1-السبيل الوحيد للتخلص من قبضات الكبت والارهاب الوحشية، انما يتسنى بتفجير ثورة دائمة.. هي الثورة الحسينية..
يجب أن يضحي اثنان وسبعون انسان من أجل بقاء ((14)) مليون يخرجون الى الشوارع ويكسرون طوق الارهاب، فيهب الجنود البواسل للانتفاضة والتمرد على القرارات العسكرية التي تأمرهم بالذهاب الى الجحيم.
اننا نستطيع أن نكتشف في يوم عاشوراء المؤمن الحقيقي الصادق الذي يذرف دمعه للحسين عليه السلام احتجاجاً على يزيد العراق صدام، وباكتشافنا لهذا المؤمن يجب أن نلتحق به، إذ ليس كل انسان في العراق مخبراً بعثياً كما يشيع البعثيون.. المباحث قليلون.. والأمن كذلك، وانما هذه خطة ارهابية من قبل صدام لزرع الشك بين المسلم وأخيه، ألا فليلتحم المسلمون في العراق! ألا فليتخذوا من ثورة الامام الحسين (ع) درساً في الالتحام البطولي الثوري، وليكونوا خلايا المقاومة الرسالية.. ألا فليتكل كل خمسة رجال أمثال أصحاب الامام الحسين (ع) أنى تسنى لهم في تأسيس حركتهم المستقلة من أجل تحريرالعراق. وبامكان كل انسان أن يتحرك اذا أراد، وبالتالي تستطيع كل خلية أن تقوم بدور نضالي في ضد هذه الطغمة الحاكمة، والى متى تبقى هذه الاصنام فوق رؤوسنا؟
ليتخذ الخطباء والقراء من الاماكن الحسينية في كل مكان، وليتخذ أصحاب المجالس، بل أقول لتتخذ الامهات الحواضن في البيوت والآباء والاخوات من قضية الامام الحسين (ع) منبراً ومنطلقاً لتعميق جذور الثورة في نفوس الابناء. لنقل لأولادنا: الامام الحسين (ع) قتل في ثورته ضد يزيد، ويزيدنا صدام الطاغية، فأين هو حسيننا؟
نقول ذلك للطفل لينشاً حسينياً، أولا أقل يحتذي بعلي الاكبر.. العباس.. حبيب ابن مظاهر. أو ليمثل الطفل دور عبدالله بن الحسن الذي قتل على جسد عمه الحسين (ع)، وكان آخر من استشهد من آل بيت رسول الله (ص) في واقعة الطف.
لنقل ونبين هذه الدروس لأولادنا، لاننا مسؤولون عن ذلك أمام الله سبحانه وتعالى ان لم نوضح هذه الحقائق لابنائنا، ونخلق منهم جيلا ثورياً يحمل مشعل الثورة من بعدنا. ولنتخذ من ملحمة عاشوراء درساً ونبراساً نستضيء به في ظلمات العصر اليزيدي الصدامي.

الامام الحسين (ع) وارث أنبياء الله

حديث الامام الحسين يمتد مع الزمان الى كل عصر وكل مرحلة، ويمتد مع المكان الى كل موقع وكل مصر، لانه حديث الانسان بما له من تحدي وإرادة، وحديث الانسان بما فيه من ضعف وعجز، والانسان بارادته وبايمانه ويقينه يتحدى كل ضعف وعجز في وجوده أو في كيان الآخرين.
ان الحديث عن عاشوراء حديث ذو شجون وذو أبعاد مختلفة نتناول منه ما يكون أنفع وأحسن دواء لمشاكلنا، ولأمراضنا.


بين الحسين والأنبياء (ع):

ان قيام الحسين (ع) بحقيقته كان امتداداً لقيام الرسل من قبل الله في الأرض وكان تجلياً لروح الرسالة الاسلامية في أبهى مظاهرها.
ومن أجل توضيح هذه الفكرة لابد أن نمهد لها بثلاث مقدمات أساسية، هي:

أولاً: التوجه الاجتماعي الشامل لرسالات الأنبياء

ان الذي يقرأ القرآن الحكيم بتدبر، يفهم ان رسالة الانبياء (ع) لم تكن دائماً موجهة ضد الكفار والمشركين بالمعنى الضيق للكلمتين، أي لم تكن موجهة ضد أولئك الذين يكفرون أساساً برسالة الله، أو يجحدون وجود الله بصورة علنية وواضحة، وانما اكثر رسالات السماء كانت موجهة أيضاً ضد أولئك الذين حرفوا رسالات السماء ونافقوا وفسقوا.. نعم ان نمرود كان ينكر وجود الله من الاساس وحينما قال له ابراهيم (ع) اعبد الله تراه، يقول: من هو الله، فلما قال له:
((رب السماوات والأرض الذي يحيي ويميت)).
قال انا أحيي وأميت: قال: ابراهيم (ع):
((فان الله ياتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر)) (258) البقرة.
وفرعون كذلك، قد يكون ممن ينكر الله انكاراً تاماً فحينما جاءه موسى وهارون لكي ينذراه قال لهما: من ربكما يا موسى؟
قال موسى:
((ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى)) (50) طه.
ان الرجل كان يزعم بأنه كان هو الرب الاعلى لمصر ولشعب مصر.
((أنا ربكم الأعلى)) (24) النازعات.
ولكن ليست كل المجتمعات التي أرسل اليها الانبياء عليهم الصلاة والسلام كانت من هذا النوع، إنما الكثير منهم كانوا من الذين بدلوا حقائق الحياة، وحرفوا رسالات السماء وفسقوا وأجرموا، وقد استخدمت كلمة الشرك والكفر وكلمات من هذا القبيل في القرآن الحكيم مرة في النوع الاول، ومرة في النوع الثاني، لانه حسب البصيرة القرآنية لا فرق بين النوعين فكلاهما شرك وكفر عند الله.
لا فرق بين أن تدعي انك تؤمن بالله ثم تكفر به عملياً، أو تدعي ذلك رأساً، ولا فرق بين أن تعتقد بأنك تؤمن بالله ثم تشرك به عن طريق خضوعك وسجودك لصنم وبين أن تشرك بالله عن طريق خصوعك لطاغوت، فان ذلك صنم وهذا هو الآخر صنم، أحدهما صنم حجري، والآخر صنم بشري ولا فرق بينهما.
ولذلك التبست الامور على طائفةً من الناس ففسروا القرآن وزعموا ان كلمة الشرك والكفر والفسق، إنما هي مخصوصة باولئك الذين كانوا يعلنون الشرك ويجحدون بالله بصورة واضحة.
أسباب وأهداف وتوجيهات بعثة الأنبياء.
لنعد الى القرآن ونتدبر في آياته لنرى من الذي أرسل اليهم الانبياء، وبالتالي لنعرف لماذا كان قيام الانبياء (ع)، وماذا كان هدف الانبياء (ع) من ثورتهم، ومن حركتهم التصحيحية في مسيرة الكون.
القرآن الكريم يقول:
((كذبت قوم نوح المرسلين إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون  *  اني لكم رسول أمين  *  فاتقوا الله وأطيعون  *  وما أسئلكم عليه من أجر ان أجري إلا على رب العالمين فاتقوا الله وأطيعون)) (105/110 الشعراء)
في هذه الآيات نرى بصورة واضحة ان النبي نوح (ع) وهوشيخ المرسلين كان يأمر قومه بالتقوى وبالطاعة مما يدل على ان مشكلتهم كانت الفسق، ومعصية الرسول، فلننظر ماذا أجابه قومه قالوا:
((أنؤمن لك واتبعك إلا الارذلون)) 111/الشعراء
هذا هو الجواب الذي يدل على نوعية المشكلة، فما هي مشاكل مجتمع النبي نوح عليه الصلاة والسلام؟.
المشاكل الاجتماعية في عهد نوح (ع) آنذاك كانت الطبقية، والنبي نوح (ع) إنما جاء لحل هذه الاشكالات من مجتمعه، فقالوا أنؤمن لك، واتبعك الارذلون.
وناتي على طائفة أخرى من الاقوام البشرية وهم عاد وجاء في القرآن الحكيم:
((كذبت عاد المرسلين  *  إذ قال لهم أخوهم هود ألا تتقون  *  اني لكم رسول أمين  *  فاتقوا الله وأطيعون  *  وما أسئلكم عليه من أجر ان أجري إلا على رب العالمين  *  أتبنون بكل ريع آية تعبثون  *   وتتخذون مصانع لعلّكم تخلدون  *  واذا بطشتم بطشتم جبارين  *  فاتقوا الله واطيعون  *  واتقوا الذي أمدّكم بما تعلمون  *  أمدّكم بأنعام وبنين  *  وجنات وعيون  *  اني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم  *  قالوا سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين  *  ان هذا إلا خلق الاولين  *  وما نحن بمعذبين  *  فكذبوه فأهلكناهم ان في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين)) (123/139/الشعراء)
في هذا الموقف نتسائل ونقول: ماذا كانت دعوة هود لقوم عاد، والى ماذا دعاهم؟
الجواب:
دعاهم الى التقوى والطاعة، ودعاهم الى ترك السلبيات التي تورطوا فيها، سلبية الغرور والبطش والاعتماد على الامور المادية. فماذا كان رد عاد، وماذا قالوا له؟
قالوا: لا، نحن لا نؤمن بالرجعية، ولا نؤمن بالافكار المتخلفة التي يدعوها نبي الله هود-عليه الصلاة والسلام-.
إذاً فالمشكلة بين هود وقومه عاد لم تكن مشكلة في أصل الايمان، وإنما المشكلة الاساسية فيما يترتب على الايمان من السلوك الحسن، ومن التواضع، ومن التسليم لأمر الله، ومن التقوى والطاعة.
  *  يقول القرآن الحكيم:
((كذبت ثمود المرسلين  *  إذ قال لهم أخوهم صالح ألا تتقون  *  اني لكم رسول أمين  *  فاتقوا الله وأطيعون  *  وما أسئلكم عليه من أجر ان أجري إلا على رب العالمين  *  أتتركون في ما ها هنا آمنين  *  في جنات وعيون  *  وزرع ونخل طلعها هضيم  *  وتنحتون في الجبال بيوتاً فارهين فاتقوا الله وأطيعون  *  ولا تطيعوا أمر المسرفين  *  الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون  *  قالوا إنما أنت من المسحرين  *  ما أنت إلا بشر مثلنا فات بآية ان كنت من الصادقين  *  قال هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم  *  ولا تمسّوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم عظيم  *  فعقروها فأصبحوا نادمين  *  فأخذهم العذاب أنّ في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين)) (141/158/الشعراء).
وهكذا كانت ثمود حيث جاء شعيب الى قومه اصحاب الايكة ودعاهم بنفس الفكرة وذات النغمة:
((فاتقوا الله وأطيعون)).
إذن فكل ذلك يدل على فكرة واحدة هي ان الانبياء عليهم الصلاة والسلام، لم يكونوا مرسلين الى قوم يجحدون بالله جحداً تاماً إلا في بعض الفترات اما في الاغلب فكانت رسالتهم موجهة ضد أولئك الذين جحدوا بالله عملياً وسلوكياً، ونقرأ في سورة أخرى وهي سورة العنكبوت آيات توضح لنا هذه الفكرة أكثر فالقرآن الحكيم يقول:
((وعاداً وثمود قد تبين لكم من مساكنهم وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين  *  وقارون وفرعون وهامان ولقد جاءهم موسى بالبيانات فاستكبروا في الارض وما كانوا سابقين  *  فكلاً أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصباً ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الارض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون)) (37/40)
أنظروا.. ماذا تقول هذه الآيات الكريمة، تقول ان هؤلاء استكبروا في الارض فزين لهم الشيطان أعمالهم وصدهم عن السبيل، وكانوا أصحاب بصيرة وكان طريقهم قويماً، وبعد أن كانوا مهتدين بهدى الحق، ولكن ضلوا عن هذا الطريق بسبب أعمالهم التي زينها الشيطان لهم .
فالمشكلة اذا كانت مشكلة سلوكية قبل أن تكون مشكلة عقائدية بالمفهوم الضيق لكلمة العقيدة، ان الانبياء بعثوا في الاغلب الى أولئك الذين أنكروا الرسالات بأعمالهم ففسروها تفسيراً خاطئاً، وفسقوا ولم يأتمروا بأوامرها، ولم يلتزموا بالتزاماتها كقوم صالح (ع) أو انهم لم يطيعوا القيادات الرسالية التي بعثت اليهم. هذه كانت خلاصة الانحراف، الذي جاء الانبياء من أجل اصلاحه في المجتمعات الانسانية.


ثانياً: التوجه الجزئي للرسالات عائق للتفاعل الحياتي مع القرآن.

لو اننا زعمنا بأن الانبياء إنما أرسلوا الى قوم أنكروا الله انكاراً تاماً، وبصورة علنية كالذين قالوا ان الله غير موجود، مثل نمرود، لو قلنا هذا الكلام لفصلنا جزءاً كبيراً من القرآن الحكيم عن التفاعل في حياتنا، لماذا؟
لان الناس في الارض عادة على مرّ التاريخ خصوصاً-الآن-لا ينكرون الله انكاراً تاماً وصريحاً واذا سألتهم من ربكم؟ قالوا الله فاطر السماوات والارض، وحتى المشركين في مكة المكرمةكانوا يطوفون حول البيت، ويرددون هذه الكلمة، [لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك لبيك]، يعني لا شريك لك إلا شريك واحد، وهذه الكلمة كان يرددها المشركون حول الكعبة كثيرا، وهم كانوا يؤمنون بالله ولا ينكرون وجوده.
ان الشرك يعني عبادة الاصنام أيضاً، هذا شرك يمكن تفسيره تفسيراً معيناً، إذ أن هؤلاء الذين كانوا يعبدون الاصنام كانوا يقولون لا نعبدهم إلا لتقربنا الى الله زلفى، ومن ثم اتخذوا الاصنام وسيلة، وأحد شعراء الصوفية يقول في شعره الفارسي: المشكلة بين فرعون وموسى لم تكن مشكلة توحيدية، إنما مشكلة من نوع آخر، موسى كان يقول لفرعون، لماذا أنت فقط الا له؟ لكل أناس آلهة فالشمس إله، والقمر إله، والارض إله.
المشكلة الحضارية للعالم..
المشكلة الحيققية التي لا تزال موجودة في العالم هي مشكلة الانحرافات السلوكية، والانحرافات الحضارية، أي انحراف الانسان عن القيادات الصحيحة والرسالية، هذه المشكلة التي لا تقبل الحل، أما مشكلة أن تقول للناس قولوا لا إله إلا الله، فالناس يقولوا ألف مرة، والصلاة يصلونها في وقتها، وكذلك الصوم يصومون، وسائر ما عليهم من العبادات يؤدونها، فماذا تريد؟
ان هذا ليس فيه أدنى اشكال، أنما الاشكال الذي نحن فيه والمشاكل التي نحن فيها، هي من نوع آخر، من نوع انحراف الانسان النفسي بالاضافة الى الامراض الاجتماعية، والامراض الاقتصادية، والامراض السياسية الموجودة عند البشرية، ولو قلنا بأن الانبياء لم يأتوا لمعالجة هذه الامراض، فان ذلك يعني فصل القرآن عن المجتمع، وقد لا يكون الانفصال تاماً، وإنما يمارس البعض منا تلاوة القرآن الغير واعية مع اعتقاده الراسخ بأن هذه الآيات لا تخصه ، لان النبي الذي جاء ليس من أجل هذه الامراض التي نعانيها، وإنما جاء من أجل مرض آخر لا نعاني منه شيئاً ، ربما كان هذا الهدف الوهمي ضيق من حدود القرآن الكريم، وحجم آفاق رسالة الانبياء في بؤرة صغيرة وهي مقاومة الشرك العلني أو الكفر الصريح، وكما قلنا ان هذا الهدف بعيد عن روح القرآن، بل هو صريح في آيات البعد عن آيات القرآن التي تأتي لتبين بأن الانبياء يذهبون لاداء رسالتهم وهم يركزون على سلوكيات معينة في المجتمع وعلى انحرافات خاصة.. أنظروا في سورة يونس، وسورة الانبياء، وسور الشعراء والقصص والروم والعنكبوت، هذه السور القرآنية توضح كيف ان رسالة الانبياء، كانت موجهة لانحرافات معينة، بعضها اقتصادية، وبعضها اجتماعية، والاخرى خلقية، فلماذا رفض قوم لوط رسالة الله التي جاءتهم على يد لوط؟
القرآن بجيب:
لانهم كانوا منحرفون خلقياً، ولان لوط عليه الصلاة والسلام كانت رسالته موجهة بصورة مباشرة ومركزة ضد هذا الانحراف، لذلك لم يقبلوه، ورفضوه، وبالتالي عذبهم الله. ومن أجل سائر الانحرافات الاجتماعية جاءت رسالات السماء.


ثالثاً: فهم القرآن بالقرآن.

ان الكمات القرآنية يجب أن تفهم بالقرآن ذاته، وذلك لعدة أسباب منها:
1-لانه خلال أربعة عشر قرن تغيرت أشياء كثيرة ومن ضمنها اللغة، فالكلمات التي كانت تعني شيئاً في عهد الرسول (ص) أو قبل عهده في أيام الجاهلية، لم تعد بذلك المعنى وتلك الظلال وبتلك الابعاد والخاصية التي كانت في عهد الرسول (ص).
كان للكلمات جرس وايحاءات خاصة، وقد يكون المعنى الاساسي للكلمة لا يتغير، ولكن ايحاءاته واشاراته وظلاله تتغير حسب الظروف، وحسب المتحدث والسامع وما أشبه. لذلك تجد الآن في العالم حينما يكتبون القاموس يكتبون القاموس هكذا:
يقولون الكلمة كانت في القرن كذا تدل على هذا المعنى، وفي القرن الثاني تدل على هذا المعنى، وفي القرن الثالث تدل على هذا المعنى، لماذا؟!
لانه حسب القرون تختلف ايحاءات الكلمة، وهكذا تبدلت ايحاءات الكلمات خصوصاً الكلمات الاساسية.


معنى كلمة الشرك

وكلمة الشرك يختلف معناها بين أمرين:
الأمر الأول:
السجود لصنم حجري.
الأمر الثاني:
الخضوع لصنم بشري.
هناك فرق كبير وعظيم بين الامرين. لانه بالامر الاول لا يشمل هذا اللفظ إلا مجموعة بسيطة من الناس، بينما الامر الثاني يشمل الملايين الذين يخضعون للانظمة الفاسدة.
إذن هذه الكلمة حساسة وترتبط بمصالح الانسان وأهواءه، ولها اتصال بتزيين الشيطان للإنسان أعماله، وبتسويل النفس الامارة بالسوء.
لو كان الانسان يغير شيئاً، ويؤول فكره، ويحرف ديناً، لعرف هذه الكلمة. لان هذه الكلمة هي الاساسية. ونحن نعلم بأن الانسان في التاريخ حرّف وبدّل وأوّل، وحاول أن يتهرب من رسالات السماء بألف طريقة وطريقة، وقد فعل ذلك، وفعله هذا تركز في كلمة الشرك في الاسلام.
إذن لا يمكن أن نفهم الكلمات القرآنية حسب القواميس التي تكتب في القرن الرابع عشر. والقواميس التي تخضع للوسط الاجتماعي والثقافي علماً وثقافة، لانها تخضع لذلك الوسط إلا ما عصمه الله.
تغيرت القواميس والافكارومن هنا لابد أن نجد ينبوعاً آخر لفهم القرآن الحكيم، ذلك الينبوع هو القرآن بذاته. لذلك جاء في الحديث الشريف عن الامام أميرالمؤمنين (ع):
((كتاب الله تبصرون وتنطقون به. وتسمعون به ينطق بعضه ببعض ويشهد بعضه على بعض..)) (1)
وكما جاء في الحديث الشريف:
((من فسر القرآن بعضه ببعض هدي الصواب)).
ولم يدع القرآن كلمة ذكرها في آياته إلا وفسرها في آيات أخرى، ولكن الناس لا يبصرون، لأنهم لا يتدبرون في القرآن، ولو تدبروا لعرفوا كلمة الشرك ومعنى الكفر وكلمات أخرى مرتبطة بها، مثل الفسق.
هذه الكلمات والمصطلحات القرآنية في القرآن الحكيم، اشارات واضحة الى معانياها والآن لنبحث عن معنى الكفر.
قال الله تعالى:
((ولله على الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلا ومن كفر فان الله غني عن العالمين)) (97/آل عمران).
ماذا يعني هذا؟
يعني ان الكفر قد يتجسد في عدم الحج، وهناك آية ثانية يقول القرآن الحكيم:
((والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين)) (9/عنكبوت).
يعني هذا ان الكافر هو الذي لم يعمل الصالحات والذي لم يؤمن هو الآخر.
وآية أخرى تقول:
((ما سلككم في سقر  *  قالوا لم نك من المصلين)) (42/43/المدثر)
وهذه الآية الكريمة تبين لنا معنى ثالثاً، وهو ان ترك الصلاة هو الذي يسلك الانسان في سقر وقبل هذه الآية دلالة على ان المخاطبين هم كفار، وكذلك الشرك وكذلك الفسق، وكذلك سائر المصطلحات القرآنية. إذن استطعنا أن نفهم هذه المصطلحات وتلك الكلمات.


الى ماذا كانت تهدف رسالة الأنبياء.

لنعرف ان الامام الحسين-عليه الصلاة والسلام-ثار لذات الخط. وان الانحراف الذي مالت اليه الامة الاسلامية في عصر الامام الحسين (ع). هل كان يشبه الانحراف الذي كان عند الناس الذين بعث اليهم الانبياء (ع) أم لا. وكيف؟
وكيف نستطيع أن نقول ونحن نقرأ زيارة الامام الحسين (ع)-السلام عليك يا وارث آدم صفوة الله، والسلام عليك يا وارث نوح نبي الله، السلام عليك يا وارث ابراهيم خليل الله، السلام عيلك يا وارث موسى كليم الله، السلام عليك يا وارث عيسى روح الله، السلام عليكم يا وارث محمد حبيب الله- وكيف؟
وكيف كان الامام الحسين عليه الصلاة والسلام وارثاً لهؤلاء. ولماذا لا نقرأ هذه الزياة إلا عندما نقف عند ضريح سيد الشهداءأبي عبد الله الحسين (ع)؟
إن قيام الامام الحسين (ع) كان امتداداً لقيام حركة الانبياء عليهم الصلاة والسلام، ورسالة الامام الحسين (ع) كانت هي رسالة الانبياء (ع). وبالتالي فاننا بدورنا نستطيع أن نقوم بنفس الدور اذا استلهمنا عبر التاريخ وجسدنا دور الانبياء في أنفسنا وجعلنا الامام الحسين (ع) اماماً لنا، خاصة ونحن نعتقد بأن الامام الحسين (ع)هو امامنا الثالث ولكن ما هو معنى الامام؟
ان يد التحريف البشرية قد غيرت حتى هذه الكلمة وهذه مشكلة الانسان. إذ حجّمت إشعاعات الامام بجماعة مخصوصة نقول ان الامام هو أمامنا.
ان الامام الحسين (ع) هو امام الامة والطلائع، فأي صفة كانت في الامام الحسين (ع) واقتبستها انت، وأي سلوك كان للامام الحسين (ع) وتخلقت به أنت، وأي عمل قام به الامام الحسين (ع) وعملت به أنت، صرت من أتباعه وشيعته ومواليه.
ولماذا نقف أمام ضريحه ونقول (أنا سلم لمن سالمكم، وحرب لمن حاربكم) ومن الذي سالم الامام الحسين، ومن الذي حاربه.
حبيب بن مظاهر سالم الامام الحسين (ع)، ومسلم بن عوسجة، وعابس بن شبيب، وعلي الاكبر، والعباس،والقاسم هؤلاء هم الذين سالموا الامام الحسين عليه الصلاة والسلام فهل أنت مثلهم، ومن الذي حارب الامام الحسين عليه الصلاة والسلام، انه يزيد، وابن زياد، وصدام، وفهد، وآل خليفة وكل طاغية باغي، ناشر للفساد، محب الدمار والخراب.
لماذا تقف وتقول ياليتنا كنا معكم؟
ولماذا تدعي انك من شيعة الامام الحسين عليه الصلاة والسلام اذا لم تعرف من الذي حارب الامام الحسين؟
ومن هو الذي قاومه.. ولماذا؟
ان هذه الاسئلة يجب علينا أن نفكر فيها، ونحن ندخل هذا الموسم المبارك، لا لكي نجلس عاجزين، ونقول بأننا لا نستطيع أن نقلد الامام الحسين (ع).
كلا.. ان الذي خلق الامام الحسين (ع) خلقك، والذي أودع في الامام الحسين (ع) تلك الصفات الخيرة أودع شيئاً منها فيك كأنسان، وجعل الامام الحسين (ع) أمامك لكي تقتدي به في تلك الصفات بالذات.
إذن رسالة الحسين (ع) ورسالة الانبياء (ع) لا تزال موجودة في الارض، إنما علينا أن نجسدها في أنفسنا ونبدأ بالتحرك عبر تلك المسيرة الثورية التي كان الامام الحسين عليه الصلاة والسلام أحد أبرز أبطالها وأئمتها.

ــــــــــــــــــــــ
1 - نهج البلاغة خطبة 133

السلام عليك يا وارث موسى كليم الله

ان قيام الامام الحسين (ع) ونهضته الالهية هي امتداد لرسالة الانبياء، وفي كل فصل من فصول كربلاء درس وعبرة قد استلهمت من تاريخ الرسل والانبياء والمصلحين.


بين حركة موسى وحركة الامام الحسين:

وما أشبه قيام سيد الشهداء الامام الحسين عليه الصلاة والسلام برسالة موسى (ع) من عدة وجوه ومن عدة نواحي.

الوجه الأول:

 الانقسام والتنازع الاجتماعي

ان رسالة موسى (ع) كانت قد هبطت على قوم كانوا قد انقسموا على أنفسهم فريقين، فالفريق الاول هو فريق المستكبرين الذين يسعون في الارض فساداً، والفريق الثاني هو فريق المستضعفين الذين يقاومون ذلك الفساد بقيادة رسول الله (س)، وحسب منهج سماوي.
وهكذا كان قيام الامام الحسين (ع)، تعبيراً حقيقياً عن ضمير الجماهير المستضعفة التي حاول الفريق المستكبر الحاكم المتمثل في بني أمية، أن سلبهم حريتهم وكرامتهم ودينهم.
على الرغم من أن هناك رسالات سماوية تختلف شيئاً ما عن ثورة الامام الحسين، حيث يقف الاغلبية المضلة من الناس في مواجهة الرسالة التي جاءت لانقاذهم، ويتدخل عامل الغيب في انقاذ الاقلية المؤمنة من الاكثرية الضالة المضلة، وتنتهي حضارة تلك الاكثرية أو ينتهي مجتمعهم وتهلك قريتهم، بصورة غيبية.
بينما بعض الرسالات لها علائم في ثورة الامام الحسين-عليه الصلاة والسلام-لا يمكن انكارها، وسنشير اليها، ولكن الخط العام لهذه النهضة كان أكثر شبهاً بالخطوط العامة لقيام المستضعفين في عهد موسى (ع) وبقيادته الرشيدة ضد فرعون وملئه.
وحين نقرأ القرآن الحكيم بتدبر، نجد أن قصة موسى-عليه الصلاة والسلام-قد ذكرت حوالي سبعين مرة، وتكررت سائر القصص أقل من هذا بكثير وربما يكون سبب ذلك يتلخص في أمرين:
اولا:
ذلك الذي عبر عنه الرسول (ص)، قائلا،
((لتحذون حذو بني اسرائيل حذو النعل بالنعل، والقذّة بالقذّة حتى لو دخلوا جحر ضبّ لدخلتموه)).
ان تفاصيل حياة الامة الاسلامية تشبه حياة بني اسرائيل في عدة نقاط هي التالية:
1-لانها تلك الامة التي فضلت على العالمين بأمر الله سبحانه وتعالى، في بداية نشوئها وانطلاقها كما فضلت أمة بني اسرائيل.
2-لان تلك الامة التي فضلت باذن الله على العالمين قد دب اليها الانحراف فانحرفت، وعبدت مرة العجل وطالبت ثانية بصنم، وثالثة انحرفت باختيار الادنى على اللافضل، وهكذا دبت اليها الانحرافات التي ذكرت في سورة البقرة.


الوجه الثاني:

 الامام الحسين (ع) والنبي موسى (ع) صرخة الضمير الانساني

ثانياً:
ان الضمير الجماهيري كان مع الامام الحسين (ع)، وهو يعبر عن ذلك الضمير بقوة واصرار.
ولقد التقى الامام الحسين (ع)، في مسيره الى كربلاء بالشاعر الكبير [الفرزدق] وهو من بني تميم، فسأله عن الناس في الكوفة فقال: يا أبا عبد الله [قلوبهم معك وسيوفهم عليك].
ان القلوب التي لم تستطع أن تعبر عن ذاتها بحمل السيف، والارادات الضعيفة التي استسلمت للواقع الفاسد كلها كانت في جانب قيامه المقدس، ومن هنا تماثلت وتشابهت حركة الامام الحسين (ع) في وجه يزيد مع حركة النبي موسى عليه الصلاة والسلام في وجه فرعون، ونجد في سورة الشعراء التي خضعت-حسب الظاهر-لبيان حركة الانبياء والوضع الاجتماعي الفاسد الذي كانت هذه الحركة تسعى من أجل اصلاحه، نجد في هذه السورة، وفي بدايتها بالذات آيات كثيرة وعديدة حول قصة موسى (ع).
أنظروا وتمعنوا في معنى الجانب من هذه الآيات لنعرف المفارقات بينها وبين قيام الامام الحسين (ع) يقول ربنا سبحانه وتعالى:
((وإذ نادى ربك موسى ان ائت القوم الظالمين  *  قوم فرعون ألا يتقون  *  قال رب اني أخاف أن يكذبون  *  ويضيق صدري ولا ينطلق لساني فارسل الى هارون  *  ولهم عليّ ذنب فأخاف أن يقتلون  *  قال كلا فاذهبا بآياتنا أنّا معكم مستمعون)) (10/15/الشعراء).
في هذه الآيات نجد التأكيد على دور القائد وضرورة استقامته، وضرورة شجاعته وبطولته وارتفاع مستواه من جميع النواحي وتكاملها، وتفوقه على ضعف نفسه، النبي موسى (ع) يقول لربه هو يأمره بدعوة قومه الى التقوى:
((أخاف أن يكذبون)).
انه كان يخاف أن يضيق صدره بتكذيبهم، ولا ينشرح أمام تكذبيهم، ويخاف أن لا ينطلق لسانه وبالتالي لا يفقهوا قوله، ويخاف أن يحملوا عليه ويقتلونه. واذا بالجواب من الله سبحانه وتعالى، كما جاء في القرآن الحكيم بكلمة واحدة:
((قال كلا فاذهبنا بآياتنا انّا معكم مستمعون)).
ان من يحمل رسالة السماء، ويضع على عاتقه الدفاع عن المحرومين والمستضعفين، يجب عليه أن يكون فوق تلك المعضلات التي بينها، وأن يتكل على الله سبحانه وتعالى ويعتمد عليه، ويسير وفق هداه، ولا يخاف ولا يخشىدركاً، ولا يتعثر بعقبة.
الامام الحسين وخريطة الثورة
أنظروا الى الامام الحسين (ع) حينما يرسم خريطة نهضته وحركته، منذ البدء يقول:
((خط الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة، وما أولهني الى أسلافي اشتياق يعقوب الى يوسف، وكأن بأوصالي تقطعها عسلان الفلوات بين النواريس وكربلاء)).
في مكة المكرمة كانت الاخبار آنئذ تواترت بسقوط الكوفة بيد الحركة الاسلامية، والكوفة عاصمة اسلامية شهيرة آنذاك، أولا أقل احدى الخواصر الثلاث في العالم الاسلامي التي كانت تؤثر على مصير السياسة الاسلامية آنئذ، بالاضافة الى البصرة والشام، ولكن مع كل ذلك تجد الامام الحسين عليه الصلاة والسلام، يوحي الى الجماهير المؤمنة الملتفة حوله في ظلال بيت الله الحرام، يوحي اليهم بأن مصيره هو الموت، وانه سيستمر على هذه الطريق حتى اذاكان ينتهي به الى الموت هو وأولاده ونساؤه الى القتل أو السبي.
((خط الموت على ولد آدم)).
يعبر الامام الحسين (ع) عن الموت بالنهاية المفضلة والسعيدة والحتمية للانسان الذي يعيش الذل والهوان: الموت زينة الانسان اذا كانت الحياة ذلة وهوان.
((مخط القلادة على جيد الفتاة)).
وتعبيراً عن مدى اشتيافه الى الموت يقول:
((ما أولهني الى أسلافي)).
كم أنا مشتاق ووله للوصول الى الذين مضوا من آل بيتي لالحق بهم كما كان يعقوب مشتاقاً الى يوسف.


الوجه الثالث:

القيادة الالهية الصحيحة

وهذه هي الصفة الاساسية المشتركة بين الحركتين وبين النهضتين، صفة ذلك القائد الذي لا يأبه بأي عقبة، ولا يتأثر بأي صعوبة في طريقه، وهذه هي الصفة المشتركة أيضاً بين حركة الامام الحسين (ع) وكل حركة رسالية تريد أن توقظ ضمير الجماهير الذي لفه الخوف والجبن والجمود، الجماهير المؤمنة التي كانت في عصر الامام الحسين (ع)، وربما حتى في عصرنا هي التي تعرف مصالحها، وتعرف ان حكامها ظلمة ومنحرفون، وتعلم بأن الطريق هو الثورة ومجابهة العنف الارهابي بالعنف الثوري، أو لا أفل مجابهة ذلك العنف بالشجاعة وبإراقة الدماء وبحمل راية المظومين.
ان الجماهير تعرف كل ذك ولكن لا تملك الشجاعة الكافية، وهنا يأتي دور القائد الذي يملك تلك الشجاعة ويقدم ويصبح رائداً في هذه المسيرة، ويصبح طليعة الامة في هذا الطريق فيلتحق به الآخرون، بعد ما يكسر طوق الخوف والارهاب، وبعد ما يفك عن نفسه أغلال الجبن والجمود، وعندما يكون شمعاً يذوب وينير للآخرين دروب العزة والكرامة وطريق الانسانية السعيدة. وهكذا كان موسى (ع) حيث أمره الله سبحانه وتعالى بأن يصرخ ويقول بملىء فيه: كلا.
وكلمة كلا كلمة كبيرة، قلّما نجد هكذا خطاب بين الله وبين رسله. وموسى حينما يقول:
((أني أخاف أن يقتلون)).
ويقول كلا:
((وأخاف أن يكذبون)).
يقول كلا:
((أخاف أن يضيق صدري)).
ويقول أيضاً كلا. كل ذلك لا يكون في منطق الرسل وفي منطق أتباعهم حيث ولا وهن ولا حزن ولا خوف ولا جبن ولا تردد ولا شك، وإنما يجب أن يسير مع المناضلين في طريق الله سبحانه وتعالى، والجهاد في سبيله.


الوجه الرابع:

وحدة الهدف

عندالتتبع التاريخي والتمعن الدقيق نجد ان حركة موسى (ع) كانت تهدف انقاذ الجماهير المستضعفة، هذا هو الهدف القريب لرسالة موسى (ع)، وهكذا كان هدف الامام الحسين (ع)، وكذلك سائر الحركات التحررية الرسالية، على طول التاريخ، التي كان هدفها تحرير الانسان من الاغلال والطواغيت.
وكما قال الامام زين العابدين وهو يبين هدف الحركات الرسالية:
((اخراج الناس من عبادة العباد الى عبادة الله)).
أهداف حركة الامام الحسين (ع).
ثار الامام الحسين (ع) وتحرك، ولكنه لم يخرج ليحكم، أو ليحصل على منصب ومن وراءه يأمر وينهي، كلا.. وقد قالها عندما وضع أهداف حركته الرسالية قائلا:
((ألا وأني لم أخرج بطرأ ولا أشراً ولا مفسداً، وإنما خرجت لطلب الاصلاح في أمة جدي وشيعة أبي علي (ع) )).
هذا هو شعار الامام الحسين (ع) الذي لم يبدأ حركته الرسالية من أجل أن يصبح حاكماً وهو الذي كان يكرر الآية الكريمة:
((تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الارض ولا فساداً والعاقبة للمتقين)) (83/القصص).
لم يخرج الامام الحسين (ع) من أجل الفساد ولم يكن هدفه البغي في الارض كما أتهمه أعداؤه، كان بأمكان الامام الحسين (ع) وهو يملك تلك القوة والشجاعة، بل وتلك الشرعية أن يفعل ما فعله ابن الزبير من بعده، وما فعلته حركة القرامطة في البحرين والبصرة وما فعلته ثورة الزنج في البصرة التي كادت أن تسيطر على بغداد، وما فعله غيره من الذين حملوا راية الثورة، ولكنه لم يفعل شيئاً من ذلك ولم يجبر أحد بالالتحاق به، وكان الامام الحسين (ع) في مكة المكرمة أميراً الحج، ولو بقي في مكة تلك السنة مع تلك الجماهير التي كانت تلتف من حوله وتصلي وراءه، وقد كان هو القائد الروحي الذي لا يرقى اليه شك في العالم الاسلامي كله، لكن مع ذلك لم يتسلط ويتجبر على الناس بقوة السلاح، وكان بامكانه أن يفعل ذلك، ولم يجذب الناس في مكة لحركته بالقوة، ولم يخضعهم له بل بيّن لهم كل الحقيقة، حتى انه حينما جيء اليه بخبر مقتل مسلم بن عقيل، وتحوّل الكوفة من الثورة على الحكم الظالم الى الثورة المضادة حيث عمل ابن زياد في الكوفة حركة انقلابية مضادة ضد الحركة الثورية الرسالية التي قادها مسلم بن عقيل، وقتل مسلم وقتل هاني معه، وحينما وصل الامام الحسين (ع) هذا الخبر وهو في منزل بين كربلاء ومكة المكرمة اسمه ((زورد)) قال له ذلك الذي جاء بالخبر، يابن رسول الله أخبرك سراً أم علناً، قال دون هؤلاء من سر، وكان الامام الحسين عليه الصلاة والسلام يعرف خبر السوء في الكوفة، وكان يعرف ان هذا الركب إنما انحرف عن الطريق وتنكب عن الطريق لكي لا يلتقى به فينبأه بأخبار الكوفة، ولكن مع ذلك قال ما دون هؤلاء القوم من سر، لماذا؟
لان حركته كانت اصلاحية لا سائرة ضمن حركة الطاغوت، لم تهدف الى تحكيم طاغوت مكان طاغوت آخر، انّى كان الطاغوت الثاني وتحت أي شعار كان، وهكذا نجد الهدف المشترك بين الحركتين في التاريخ،حركة النبي موسى عليه الصلاة والسلام، وحركة الامام الحسين عليه الصلاة والسلام، وهذا هوالقرآن الحكيم يقول:
((فاتيا فرعون فقولا انّا رسول رب العالمين  *  ان أرسل معنا بني اسرائيل)) (16/17/الشعراء).


الوجه الخامس:

 السلاح المشترك

((العصا والشجاعة)).
ونجد جانب آخر، حينما يقول موسى عليه الصلاة والسلام لفرعون، كما جاء في القرآن الحكيم:
((وتلك نعمة تمنّها عليّ ان عبدت بني اسرائيل)) (22/الشعراء).
لقد كان الامام الحسين (ع) في كربلاء وفي الساعات الاواخر من حياته المباركة يقول هذه الكلمة:
((يا شيعة آل أبي سفيان ان لم يكن لكم دين، ولا تخافون المعاد فكونوا أحراراً في دنياكم ان كنتم عرباً كما تزعمون)).
ان هذه الكلمة إيحاء، بل تصريح بأن الامام الحسين (ع) إنما جاء ليكي يستنقد أولئك الذين أصبحوا شيعة لآل أبي سفيان من براثن عبودية آل أبي سفيان، وهكذا النبي موسى (ع) مقابل هذه يقول لفرعون:
((وتلك نعمة تمنّها عليّ ان عبدت بني اسرائيل)).
هل هذه نعمة ان أصبحت أنت رجلاً حاكماً تسيطر علىرقاب المستضفعين باسم أوبآخر، وهل كانت نعمة أن يأتي آل سفيان ليتحكموا في مصير الامة الاسلامية ويستعبدوا الناس.
ونجد عند الامام الحسين عليه الصلاة والسلام والنبي موسى (ع) ثعباناً مشتركاً فالنبي موسى (ع) زوده الله تعالى بتلك العصا التي تحولت الى ثعبان مبين، أما الامام الحسين عليه الصلاة والسلام فقد زوده الله تعالى بتلك الشجاعة والبطولة، آية النبي موسى (ع) كانت الثعبان وكانت العصا، وآية الامام الحسين (ع) كانت هي الشجاعة الحسينية التي تحدت كل الصعاب، وهي التي كانت وراء تحول الجماهير بعد الامام الحسين (ع) الى صف لحركة الثورية الرسالية.
المرحلة الجهادية للأمة الاسلامية
في عهد الرسول (ص)، كان الرجل اذا لم يتحرك في سبيل الجهاد فلابد أن يمنى نفسه أو يحدثها بهذه الحركة، ويقول: ان شاء الله ستسنح لي فرصة الجهاد في المستقبل، وان فاتني هذا الجهاد، فسوف أجاهد في المرة القادمة، والجهاد كان يملك شرعية اجتماعية وجماهيرية في عهد الرسول (ص) والى عصر الامام الحسين (ع)، ولكن الثورة التحررية لم تكن تملك تلك الشرعية، والجماهير لم تكن تحدث نفسها بأن تقتل في سبيل الدفاع عن الحرية والكرامة ولمقاومة الطاغوت، ولم تكن تمنيّ نفسها بذلك، ولكن بعد مقتل الامام الحسين (ع) نجد العكس، أي أن اية راية كانت ترفع من أجل مقاومة الحكم الاموي، كان الناس يجتمعون حول هذه الراية بشكل غريب، لذلك تجد ان حركة التوابين في الكوفة بعد أربع سنوات من مقتل الامام الحسين (في سنة 65/هجرية) شاعت هذه الحركة بشكل غريب في الكوفة كما النار في الهشيم، وألتفت حولها الجماهير من دون أن يكون هؤلاء الناس منتمين سابقاً الى أي حزب أو منظمة أو حركة أو أي جماعة، وإنما كانوا يظهرون وكما العشب في أيام الربيع ينبت من الارض، وهكذا كان الثوريون ينبتون من الارض، وقضى جيش الارهاب على هذه الحركة، ولكن لم تلبث هذه الحركة ان تجددت لوجود المد الجماهيري، ثم قضى جيش الارهاب الذي كونه النظام لهذه الغاية على الحركة الثانية وهي حركة المختار، ثم مرة أخرى ظهرت حركة ثالثة، وحركة رابعة، وحركة خامسة، وحركات أخرى حتى أنه لم يكن الناس يفكرون في من يحمل الراية ومن هو؟ وما هي أهدافه؟ وحتى انكم تجدون ان بني العباس قد ظهروا على أعدائهم من بني أمية، وحكموا البلاد باسم الامام الحسين (ع)، وشعار بني العباس كان السواد، ولبس السواد، فلماذا كانوا يلبسون السواد؟
لانهم كانوا يدّعون بأنهم يدافعون عن الامام الحسين (ع)، هذه الكلمة كانت تلهب حماس الجماهير بشكل غريب وتثيرفيهم كل عواطف الانسانية وتشحن ضمائرهم بالارادة والعزيمة، لماذا؟
لان الامام الحسين (ع) قد أكسب الثورة شرعية، ولم تصبح الثورة ذات شرعية إلا باسم الامام الحسين عليه الصلاة والسلام، ولكن الى أن تعتقد الجماهير بأن الشرعية الحقيقية في المجتمع هي شرعية الثورة، والى أن تعلم الجماهير بذلك، فالامر بحاجة الى وقت طويل.


تحول موقف البصرة

وقد وقف المؤرخون أمام ظاهرة تاريخية موقف التعجب، وهي ظاهرة تحول البصرة التي كانت منذ عهد الامام علي (ع) قد وقفت موقفاً مضاداً للثورة، ولكن حينما نزل الثائر ابراهيم الاخ الثائر محمد بن عبدالله المعروف بذي النفس الزكية تحولت بين عشية وضحاها من مدينة مضادة للثورة، ومن قلعة محصنة للانظمة الفاسدة الى قلعة من قلاع الثورة، وحاربت من أجل الثورة حتى ان كثيراً من العلماء من الائمة المعروفين قد افتوا بأن البيعة التي بايعها الناس مكرهين يمكن ابطالها، فبطلت البيعة، وبايع الناس مرة أخرى، محمداً على أساس انه الخليفة الشرعي، وحاربوا تحت لواء أخيه لماذا؟
لان الثورة قد اكتسبت شرعية جماهيرية، الجماهير قد تعودت على الانطلاق، وكما كانت الجماهير سابقاً وفي أيام الرسول (ص) تلتف حول راية الجهاد أصبحت الجماهير وبسبب حركة الامام الحسين (ع) تلتف حول راية الثورة، ان هذا هو الثعبان.
انه يشبه الثعبان الذي كان آية لموسى (ع) وانها لآية الدم وآية البطولة التي ترافق إراقة الدماء أن يصبح الانسان مظلوماً فيقتل فيثير احساساً في الناس ويشحن في عزائمهم إرادة التحدي، مثل ما حدث في ايران حينما وجدنا كيف كان الناس يتحدون الدبابات والمدافع وطائرات الهيلوكبتر العمودية المزودة برشاشات 500، كانوا يتحدونها بصدروهم العارية فيقتلون حينئذ، مما يثير في الناس جميعاً الحماس، فاذا بك ترى وكأن ظاهرة عاشوراء تبعث من جديد قبل أربع سنوات في شوارع طهران، فعدة ملايين من الناس يتظاهرون ضد الشاه المقبور.
ما الذي حرك هذه الملايين؟
لقد اكتشف هؤلاء الملايين ان لديهم سلاحاً من أنفسهم هو سلاح التحدي، وهو السلاح الذي عبر عنه الامام بالدم الذي ينتصر على السيف، وأي دم على أي سيف؟
الدم الذي ترافقه البطولة والشجاعة لا المكر والخديعة. الدم الذي أريق في أرض كربلاء كان دماً شجاعاً، والامام الحسين عليه الصلاة والسلام لم يترك استراتيجية حربية إلا واستخدمها في كربلاء، وكل طريقة ممكنة للكيد بالعدو استخدمها الامام الحسين (ع)، إلا الطرق الهابطة اللا انسانية فلم يمنع الماء عن العدو، لان منع الماء عن العدو ومنع الضرورات الحياتية وسائل سافلة ومنحطة، ولا تستعمل لإثبات حق وتأكيد مظلوميته (ع)، وما فعله من قبل والده الامام علي (ع) في حرب صفين حين سقى الجيش المعادي الذي كان بقيادة الحر بن يزيد الرياحي، أما غير هذه الطرق اللانسانية، هناك طرق أخرى شريفة استخدمها الامام الحسين (ع)، لماذا؟
لان الانسان اذا أراد أن يموت فليمت بشجاعة فليمت بشرف، وزينب الكبرى (ع) قالت في الكوفة متحدية شماتة ابن زياد، قالت بلى ان أخى قد استشهد في كربلاء، ولكن متى؟
لم يستشهد إلا بعد أن أدخل في كل بيت من بيوت الكوفة العزاء وهذا هو الحق. الامام الحسين عليه الصلاة والسلام وأصحابه قد أخذوا ثأرهم من أعدائهم، وهكذا المجاهدون عبر التاريخ الذين كانوا يطلبون الموت، لان الشهادة شرف وان الموت في الله حياة، لم يكونوا يريدون أن يموتوا على فراشهم، ولا في قعر السجون أو صبراً باعدام الارهابين من أصحاب السلطات الفاسدة.. كلا، إنما اختاورا الطريق الامثل فكانوا يدخلون في ساحة المعركة بشجاعة فيقتلون ثم يقتلون، بعد أن يأخذ بثأره وثأر إمته من أعداءه، ان هذا هو الدم الذي ينتصر على السيف، وهذا بالذات كان آية الامام الحسين عليه الصلاة والسلام التي تقابل آية العصى عند النبي موسى عليه الصلاة والسلام.

طاعة القيادة وسيلة النجاة

ان الكلمات القرآنية التي هي محور التشريع الاسلامي ومنار البصيرة الرسالية ومصنع الايمان الصافي يجب أن تفسر وفق السياق القرآني ذاته وما نستنبطه منه، ومن أبرز الكلمات التي تعتبر مفتاحاً لفهم القرآن ومدخلاً لطريق فهم الحياة هي الكلمات التي تؤكد عليها آيات القرآن الحكيم وتجعلها محوراً لسائر الافكار والتشريعات. ومنها كلمة الشرك والكفر والفسق، والطاعة والتقوى.
ورسالات الانبياء تلخصت في هذه الكلمات، إذ أنها تنهى الناس عن الشرك أساساً، وعن الكفر والفسق والفجور أحياناً، والتأكيد على تقوى الله وطاعة رسوله كما سنجد كل ذلك في الآيات الموجودة في سورة الشعراء.


معنى الشرك

والسؤال الذي يوجه هنا وهو في ذات الوقت سؤال أساسي وخطير:
ما هو معنى الشرك؟
وما هو معنى الكفر؟
وعندما نعرف معنى هاتين الكلمتين الاساسيتين سيتضح أيضاً معنى كلمتي الطاعة والتقوى على طريقة معرفة الاشياء بأضدادها، ولقد وضحنا مسبقاً ان القرآن الحكيم لا يطلق كلمة الكفر على جحود الله سبحانه وتعالى راساً، وكلمة الشرك على الخضوع والسجود المباشر للاصنام البشرية أو الحجرية، بل عادة ما تأتي كلمة الكفر في القرآن الحكيم لبيان الجحود العملي والجحود السلوكي لله، يعني أن يدعي الانسان الايمان بالله وعبادته.. وأنّ الله خالق السموات والارض ولكنه عملياً وتشريعاً وسلوكياً يخالف هذه الفكرة، ويسير في الطريق المغاير لها. والشرك عادة ما يطلق في كتاب الله على عبادة الاصنام والخضوع للطغاة. والعبادة في القرآن بدورها تطلق على الخضوع والتسليم سواء كان في نمط السجود والركوع وتقديم القرابين والذبائح للاصنام أو في نمط الخضوع التشريعي والسلوكي.
من هو الكافر؟


آراء الفلاسفة والعلماء المسلمين في الكفر

قال بعضهم بأن الكافر هو من يترك أي فريضة من الفرائض الالهية، كتارك الصلاة وتارك الصوم وتارك الحج ومن أشبه.
والبعض الآخر قال، كلا إنما هو الجحود المباشر المعلن لوجود الله سبحانه.
فمن قال لا أؤمن بالله فهو كافر، ومن لم يقل فهو مسلم سواءاً وافق قوله فعله أم لا. وكل فريق من هذين الفريقين أستند في كلامه على دليلين عقلي ونقلي. فالذي قال بأن الكفر ترك أي عمل من الاعمال الواجبة أستند على القرآن الحكيم فيدعم برهانه بالآية الكريمة التي تبين أن الذي لا يحج فهو كافر.
((ولله على الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلا ومن كفر فان الله غني عن العالمين)) (97/آل عمران).
وآيات مشابهة لهذه الآية كمااستندت بأن فائدة الايمان وروحه هو العمل فاذا فقد الانسان العمل فماذا ينفعه أيمانه؟ وكيف نستطيع أن نسميه بأنه مؤمن؟.
وهناك دليل آخر عن الامام الرضا(ع) يقول فيه:
((الايمان ما وقر في القلب وصدقته الأعمال)) (1)
وفي حديث آخر عن الامام الرضا (ع):
((الايمان عقد بالقلب، ولفظ باللسان، وعمل بالجوارح)) (2)
بينما استند الفريق الثاني الذي قا ل بأن الكفر هو الجحود اللفظي لوجود الله، استند هو الآخر على مجموعة أدلة ونصوص منها قول الرسول (ص):
((الاسلام ما جرى على اللسان)).
((من شهد الشهادتين فهو مسلم)).
أو من قال:
((لا إله إلا الله ختم له ودخل الجنة)).
وعن الامام الباقر (ع) انه قال:
((الاسلام اقرار بلا عمل)) (3)
حتى أن ابا ذر راوي الحديث قد سأل النبي مرة أو مرتين أو ثلاث مرات قال: وإن زنا وإن سرق، قال الرسول (ص):
((وإن زنا وإن سرق)).
فكرر السؤال ثلاث مرات فأجابه بذات الجواب ثلاثاً.
إذن فمن يقول لا اله إلا الله، ولا ينكر ربه أنكاراً مباشراً فهو مسلمٍ، برأي هذا الفريق، كافر برأي الفريق الآخر. والواقع ان النصوص الشرعية، والادلة العقلية متشابهة في مثل هذا الموضوع المشكل المعقد، والسبب ان هوى الانسان ومصالحه تحدو به الى أن يدّعي بأن الكفر ليس إلا مجرد الجحود اللفظي لوجود الله سبحانه وتعالى. حتى يريح كل انسان نفسه من وصمة الكفر وعار الشرك، ويجعل الآيات القرآنية والنصوص التي تبحث عن الكفر بعيدة عنه، ومتوجهة الى أولئك البعيدين الذين يعيشون في عمق غابات افريقيا المظلمة ويعبدون الاصنام الحجرية والمنحوتة بصورة مباشرة فأولئك هم الكفار، أما نحن فمسلمون ولله الحمد.
ان شهوة الانسان تأخذ مجراها في قنوات ذاته بشكل طبيعي لا ريب، فللإنسان قدرة المخادعة حتى مع ذاته بشكل غريب، فاذا لم يصل أويزك أو يصم فأن هناك في نفسه قوتين:
1-قوة تلومه على ما فعل وهي المسماة بالمنطق القرآني:
((النفس اللوامة)).
2-قوة أخرى تبرر له ما علمه، وما يعمل وما سوف يعمل، فيبدأ التحدث مع آفاق نفسه: الصلاة غير واجبة عليك. فأنت متعب والمتعب لا صلاة عليه أو أنك كنت مريضاً والمريض لا حرج عليه، أو كنت مسافراً والمسافر صعب عليه أن، يصلي ولا يجب عليه اصوم.. وهكذا. تراه بشتى الوسائل يريح ضميره الايماني الذي يوخزه وخزاًًً كالابر، وهذه القوة هي القوة المبرّرة التي تسمى في لغة القرآن بالمسوّلة:
((كذلك سولت لي نفسي)).
كما قال السامري لموسى (ع)، فالنفس تسول الامر وترتبة بشكل يجعل الانسان مرتاحاً، كما أنه سبحانه وتعالى جعل في جسم الانسان هذه الحالة فحينما يشتد الالم في جسم الانسان فان هناك جهازاً في المخ يحاول اعطاء افرازات معينة تفصل الاعصاب عن المخ، فتحمل عند الانسان حالة من الغيبوبة، فتغيب الروح ومن ثم يرتاح فلا يحس بالالم مهما كانت شدّته هذا فيما اذا أشتد الالم بجسم الانسان، كذلك في روح الانسان، فهناك جهاز لخلاص الانسان من العذاب النفسي حينما يعذّب الانسان وتصبح لديه نفسية صعبة يأت ذلك الجهاز ليفصل بين الالم النفسي وبين الانسان وهذا ما يسمى في علم النفس الحديث [حالة الاحباط النفسي].
الانسان الذي يشعر بمهانة في ذاته، وانه ذليل صغير، تحدث عنده هذه الحالة حيث تأتي هذه القوة فتقول له [أنت أكبر] [أنت ضخم] [أنت جبار] فتحدث عنده حالة الكبر، وحالة الكبر رد فعل لحالة الصغر ولمركب النقص. هذا هو التبرير وخداع النفس. والقرآن الحكيم يقول:
((يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم)) (9/البقرة)
وفي آية أخرى يقول القرآن الحكيم:
((ان المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم)) (142/النساء).
وهذا هو الخداع الذاتي الذي يتجه اليه النصوص الاسلامية، حيث يجرب الانسان نفسه بكل جهده لكي يفسر الآيات والأحكام والتشريعات بما لا يعارض أهواءه وشهواته أو لا يعارض ما فعله وارتكبه سابقاً، وآنئذ تتمحور وتتركز هذه الحالة في كلمات الشرك والكفر، والتقوى والطاعة.
جائني شاب ذات يوم وقد بدت على ملامحه علامات الاستفهام، وقبل أن يسألني قال لي بأن قلبي نظيف ومؤمن وصادق، قلت له: تفضل، ولكنه عاد مؤكداً ذات الكلمات فلم أعرف السبب إلا بعد فترة من محاورتي معه ثم ذكر سؤاله: هل تجب عليّ الصلاة؟
قلت له: نعم الصلاة واجبة عليك. قال قد أكون نجساً، فرددت عليه: لماذا أنت نجس؟ [وقد كان يعيش في بعض البلاد الغربية]، قال لي: لا نني دائماً مع الفجور.. قلت له: أبتعد عن ذلك قال: مع ذلك أنا نجس، ودائماً أشرب الخمر!. قلت له: أبتعد عن ذلك. قال أيضاً أبقى نجساً!
من خلال هذا الحديث بدى لي أن هذا الانسان كان يفعل الكثير من الموبقات، ولكي يؤكد على نظافة قلبه وعدم خلوه من الايمان أخد قبل السؤال، يكرر تلك الكلمات؟
ان أي فرد منا يسعى ليكون أفضل المطيعين وأخلص المتقين لكي يبقى الشرك والكفر بعيداً عنه، ان هذه حالة نفسية لذلك يصبح هذا الموضوع شائكاً ومعقداً، وحتى لو كانت الآيات والادلة العقلية واضحة، في مثل هذا الموضوع لحاولنا ابعاد هذا الوضوح ومحاولة التشويش عليها بصورة وبأخرى.
أيها المسلمون: اصغوا وأستمعوا الى الآيات التي تتلى عبر أبواق الاذاعات، ستجدون ان هذه الآيات عادة ما تنتخب من سور معينة كسورة يوسف وقسم من سورة النور وقسم من قصار السّور أيضاً..لماذا؟
الجواب، انهم يختارون الآيات التي لا تختص بازالة الستار عن مكامن الانحراف، فاذا جاءوا بآيات الربا، والزنا، والآيات التي تدور حول التشريع وما أشبه فأنهم بذلك يزيلون الغبار من على المرآة التي تعكس حقيقتهم المنحرفة. لذلك نجدهم يبعدون تلاوة هذه الآيات ولحنها.
وبعد هذه المقدمة لا بأس أن نقول بأن كل ذلك التقصير المصطنع في الادلة التي تدور حول موضوع الكفر والشرك، والتقوى والطاعة، ولابد أن يزول عند اطلاق النفس من ضغط الهوى ودراسة القضية دراسة موضوعية.
ما هو واقع الكفر؟
ان الكفر في الواقع ليس فقط الجحود اللفظي. كلا انه كما ذكرنا سابقاً أن قليلاً من الناس عبر التاريخ كانوا بهذا المفهوم والآيات القرآنية شاهدة على ذلك، وهناك آيات كثيرة بهذا المضمون:
((ولئن سألتهم من خلق السموات والارض ليقولنّ الله)) (25/لقمان).
واذا ركبوا السفينة في وسط البحر مع تلاطم الامواج بعضها البعض وأشرفت السفينة على الغرق، رفعوا أيديهم بالدعاء الى الله سبحانه وتعالى، ونسوا الشركاء وأتباعهم، وفي القرآن توجيه الى الله وتذكرة به ولكن هذا التوجيه كان يأتي مع التشريعات العلمية. قال الله تعالى:
((هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى اذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا انهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين)) ((22/ يونس).
كل ذلك يدل على ان فئة قليلة من الناس كانوا يجحدون بالله، ذلك الجحود اللفظي، ولو ان القرآن نزل على هذه الفئة القليلة لكان القرآن معزولاً عن الجماهير الاخرى.
ان القرآن الحكيم قد تضمن علاج هذه المشكلة النفسية والعقائدية والتشريعة المتجذرة عند أغلب الناس المؤمنين بالله لفظاً ايماناً حقيقاً إذ ليس هذا الجحود اللفظي هو الكفر بمعناه الصحيح، وأنما الكفر في الحقيقة بالذي يدور حول هذه القضية، فهو أما ترك التشريع الاسلامي الى التشريع غير الاسلامي، أو ترك القيادة الاسلامية والاعتبار بالقيادة الغير اسلامية. هذا هو الكفر أو الشرك ولا فرق بينهما، فاذا أهملت التشريع الاسلامي بمجمله، ومضيت الى تشريع آخر ترسم به خارطة حياتك، فأنك لابد أن تضع نفسك سلفاً في خانة الكفار والمشركين بالله وبالعكس قبولك التشريع الاسلامي كنظام متكامل وقبولك بالانصياع لقيادة اسلامية صحيحة فانك تستحق أن تكتب في قائمة المؤمنين.
وقد تترك جانباً من النظام، أو تمتنع عن طاعة القيادة في أمر من الامور بعد أن تقبلها قبولاً أولياً مبدئياً، فأنك مؤمن.
فنحن لا نقول ان الذي يترك الصلاة كافر كما قال الفريق الاول من العلماء والفلاسفة، فهذا غير صحيح، لان الذي يترك الصلاة وهو يؤمن أنها واجبة ليس بكافر، كذلك الذي يترك الصوم وهو يؤمن بوجوبه فهو ليس بكافربل، هو فاسق. ولكن الذي يترك الاقتصاد الاسلامي، فيقول أنه ليس هناك وجود لنظام اقتصادي في الاسلام، أو الذي يترك النظام الاجتماعي في الاسلام معللاً بأفضلية النظام الغربي أو النظام الشرقي، أو الذي يترك قانون الاحوال الشخصية الاسلامية ويركن الى أتباع قوانين الاحوال الشخصية الغربية أو الشرقية.. الذي يفعل هكذا هو الكافر حقاً بالاسلام.


الانحراف عن القيادة الصحيحة مصداق للكفر

ان الذي يترك القيادة الاسلامية الرسالية ويتجه الى قيادة الطغاة والجبت، هو كافر بلاريب. بينما لو لم يطع الانسان القيادة الاسلامية الرسالية المنبعثة من روح التعاليم الالهية في أمر معين، فان ذلك لا يعدو كونه شركاً خفياً أو فسقاً. ورسول الله (ص) يقول:
((من ختم له بلا إله إلا الله دخل الجنة وأن زنا وأن سرق)).
انه لا يعني تلفط كلمة [لا إله إلا الله] وإنما يعني من لا إله أي لا ولي له ولا قائد ولا مشرع إلا الله أي: قبول القيادة الاسلامية، وفي اطار هذا القبول اذا زنا أو سرق يغفر له ان تاب، أما من يدعي بأن الزنا حلال وانّ السرقة التي تكون عبر البنوك والنظام الرأسمالي والنظام الشيوعي حلال هذا الانسان ليس ممن يقول: لا إله إلا الله، بل هو ممن يؤمن بألوهية النظام الاشتراكي والشيوعي والرأسمالي، من دون النظام الاسلامي.
معنى الشرك في القرآن.
قال الله سبحانه وتعالى:
((وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما الا ما حملت ظهرهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ذلك جزينا هم ببغيهم وانا لصادقون  *  فان كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين  *  سيقول الذين أشركو الو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا أن تتبعون إلا الظن وأن أنتم إلا تخرصون  *  قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين  *  قل هلهم شهداءكم الذين يشهدون ان الله حرم هذا فان شهدوا فلا تشهد معهم ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربّهم يعدلون)) (146/150 الأنعام).
ان تبريراً بسيطاً ونظرة خاطفة على هذه الآيات تكشف لنا معنى الشرك، بعد أن ذكر الاحكام الشرعية.يبين القرآن الحكيم في بداية قوله:
((فان كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين)) (147/ الأنعام))
ثم يقول في آية أخرى:
((سيقول الذين أشركوا شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء)) (148/ لأنعام))
ونتابع مع سياق الآيات:
((وهم بربهم يعدلون)) (150/ الأنعام)
ومثل هذه الآيات كثيرة في القرآن الحكيم كالآية الكريمة التي تقول:
((أتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا لعيبدوا إلهاً واحداً لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون)) (31/ التوبة).
وجاء في الجزء العاشر من تفسير المنار بصدد حديثه عن الآية السابقة نقلاً عن الرازي-وهو من كبار المفسرين المسلمين-في كتابه مفاتيح الغيب: (ان الاكثرية من المفسرين قالوا: ليس المراد من اتخاذ الارباب من دون الله الاعتقاد بهم فقط، بل الطاعة في الاوامر والارتداع عن النواهي).
ونقلاً عن عدي بن حاتم الذي كان نصرانياً فأنتهى الى رسول الله (ص) وهو يقرأ سورة براءة فوصل الى هذه الآية، فقال للرسول (ص) [لسنا نعبدهم] قال:
((ألستم تحرمون ما أحل الله فتحرمونه وتحلون ما حرم الله فتستحلونه؟!)).
قلت: بلى. قال :[ فتلك عبادتهم] ويعلق صاحب المنار على الآية والمفسرين فيها بما يلي: وجملة القول ان الله تعالى أنكر في كتابه حسب رأيه وفهمه هذا حلال، وهذا حرام، هذا أيضاً ما يقوله الفخر الرازي في تفسيره مفاتيح الغيب وهو حجة في التفسير كما هو حجة في نقله عن أغلب المفسرين الاسلاميين في عصره.
الآن وبعد اتضاح الرؤية وانكشاف الغبار عن وجه الحقيقة.. لنطرح هذا السؤال على أيدي الاستعمار المتلبسة بشعارات الاسلام [علماء البلاط ووعاظ السلاطين] ماذا تعني هذه الآية وهل هي ترتبط بواقعكم وخضوعكم للانظمة الغربية والشرقية؟
في ذلك العصر عرف المفسرون المسلمون المعنى الحقيقي لهذه الآية، والمعنى الحقيقي للشرك، الذي يقع في قبالة التقوى، والتي تعني الايمان بالوهية الله في التشريع، والتصميم على قبول النظام السياسي للقيادة الاسلامية الرسالية، أي قبول قيادة النبي (ص) والائمة من بعده عليهم أفضل الصلاة والسلام.
الطاعة والتقوى هما ما كانت تهدف اليهما رسالات الانبياء، فالتقوى في مقابل الكفر، والطاعة في مقابل الشرك.
اذا عرفنا ذلك فلنعرف قصة النبي ابراهيم عليه السلام.
ان النبي ابراهيم (ع) كغيره من الانبياء عليهم السلام، كانوا يؤكدون على هذه الفكرة، حيث بعث الى قومه وأخذ ينهاهم عن عبادة الاصنام كما جاء في القرآن الحكيم:
((واتل عليهم نبأ ابراهيم  *  إذ قال لابيه وقومه ما تعبدون.  *  قالوا نعبد أصناماً فنظل لها عاكفين  *  قال هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضّرون  *  قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون  *  قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون  *  أنتم وآباؤكم الاقدمون)) (69/76/ الشعراء)
يأتي نوح (ع) فيقول:
((فاتقوا الله وأطيعون)).
ثم يأتي هود ويقول:
((فاتقوا الله وأطيعون)).
كذلك ثمود حينما أرسل صالح اليهم قال لهم:
((اني لكم رسول أمين  *  فاتقوا الله وأطيعون)).
ان رسالات الانبياء عليهم السلام خط واحد يمتد عبر التاريخ، مهما طال وبعد، والامام الحسين عليه الصلاة والسلام تجسيد لهذه الرسالات الالهية، وقيامه كقيام أولئك الرسل عليهم الصلاة والسلام، ولكن بالرغم من ذلك فلابد أن نوف الكلام عن هذه الثورة.
ان الثورة الامام الحسين -عليه الصلاة والسلام-أشبه ما تكون بثورة موسى (ع)، فدم الامام الحسين (ع) بمثابة عصى موسى، هذا الدم أريق ظلماً على صحراء كربلاء وأما السحرة الذين سجدوا لرب موسى وآمنوا به في لحظات قليلة رغم كل الضغوط فمثلهم كمثل من التحق بالامام الحسين عليه الصلاة والسلام، ومنهم من تغير في ظرف أيام أو ساعات كوهب الذي ترك دينه السابق بعد أن تفجرت في قلبه ينابيع الايمان التي اجتاحت تاريخه الماضي وأمحت سلوكه القديم من الوجود، وكذلك الحر بن يزيد الرياحي الذي انتقل فجأة من مستنقع الشرك ونصرة الباطل الى جنة الايمان ونصرة الحق. فكل أصحاب الامام الحسين (ع) هم رمز البطولة التي تتحدى كل الضغوط انّى كان حجمها ومصدرها.
ولنتدبر في هذه الآية الكريمة لكي نعرف كيف كانت حركة الامام الحسين عليه الصلاة والسلام امتداداً لحركة رسالات السماء عبر التاريخ. إذ يقول الله سبحانه:
((وألقى السحرة ساجدين  *  قالوا آمنا برب العالمين  *  رب موسى وهارون  *  قال فرعون آمنتم به قبل أن اذن لكم ان هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون  *  لأقطعن أيديكم وأرجلكم من ثم لأصلبنكم أجمعين  *  قالوا انّا الى ربنا منقلبون)) (120/125/ الأعراف).
هكذا تحدوا طغيان فرعون.. كما تحدى أصحاب الامام الحسين عليه الصلاة والسلام فرعون زمانهم [يزيد] فالحركة الاسلامية عبر تيار التاريخ، أنما بنيت وارتفع منارها على مثل هؤلاء الابطال، الذين تحدوا كل أسباب الضغوط بأرادتهم الرسالية الصلبة.

ــــــــــــــــــــــ
1 - بحار الانوار ج 50، ص208
2 - معاني الاخبار ص108
3 - بحار الانوار ج50، ص208

كربلاء والانتصار على الذات

النفس البشرية جزء لا تتجزء، والحقول المختلفة للحياة تتفاعل مع بعضها لتكوّن حياة واحدة ممزوجة من كافة العوامل.


ماذا تعني الثورة؟

الثورة هي نتاج كل العوامل التي تتفاعل في الحياة، وكل الضغوط اتي تؤثر على النفس، والثورة الرسالية هي التي تستلهم قيمها من قيم الله، كثورة سيد الشهداء الامام الحسين عليه الصلاة والسلام.
ان هذه الثورة سوف تؤثر في الحياة الاجتماعية بقدر انعكاسها على النفس البشرية، فالنفس تصفو بالثورة، والثورة هي نتيجة الصفاء النفسي، وكما أن الثورة تهدف ازالة النفاق والفساد من النفس البشرية.
ان الذين ينتصرون على أنفسهم وعلى ضعفهم، وعلى ما فيها من ازدواجية وخداع ذاتي، وعجزهم البشري في داخل أنفسهم، ويتغلبون على ترددهم ورهبتهم من الحياة، يكتشفون ما أودع الله في كيانهم من كنوز، من العقل والارادة والضمير الحي النابض، ان أولئك هم الذين سينتصرون-بأذن الله-على قوى الشرك والضلالة والجهالة في المجتمع.


فوائد الصراع

ان الصراع الاجتماعي النابع من إرادة حرة، وضمير انساني وعقلية واعية.. ان هذا الصراع سوف يبلور شخصية الانسان، ويثير دفينة عقله، ويفجر مخزون انسانيته، بل سوف يهديه الى الصراط المستقيم، كما قال ربنا سبحانه وتعالى:
((والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا)) (69/العنكبوت)
ان عملية الجهاد، أو عملية الصراع، هي عملية مواجهة الفساد الاجتماعي، هذه المواجهة التي سوف تقتلع من النفس البشرية جذور الفساد والنفاق والانحراف، ذلك لان الانسان قوة خارقة في الخداع الذاتي، أكد ربنا سبحانه وتعالى على ذلك بقوله:
((ان الانسان لظلوم كفار)) (34/ ابراهيم).
بالرغم من انه تحمل مسؤولية رفضت السموات والارض والجبال تحملها، وأشفقن منها ولكن تحمّلها الانسان ولكن بنفسية ظلومة كفارة، تحاول أن تسير وتحجب الحقيقة عن ذاتها، بأن تخدع نفسها ومن حولها، ولذلك فانّ كل انسان ينطوي في داخله على نسبة كبيرة من النفاق.
ان موعظة الناصحين وهدى المؤمنين وتلاوة آيات القرآن بل وحتى صدمات المآسي الحياتية لا تستطيع أن تنتزع من النفس البشرية جذور النفاق، فيبقى الانسان منافقاً لذاته ولغيره. وتبقى جذور الانحراف حيّة في نفسه فأنّى عادت اليه الحياة الطيبة عاد منحرفاً عن طريقه.
وأكثر من هذا تعالوا بنا لنرى أولئك الذين ركبوا في البحر وجرت بهم ريح طيبة وفرحوا بها، ثم أحاطت بهم العواصف والامواج من كل مكان فتساقطت أمام أعينهم الاوهام ولم يعودوا يشركون بالله شيئاً
((ودعوا الله مخلصين له الدين  *  ولكن لما نجاهم الى البر اذا هم يشركون  *  )) (65/العنكبوت)
فالى ساعات قريبة كانت نفوسهم وقلوبهم، وكل وجودهم متوجهاً الى الله سبحانه وتعالى يستمدون منه العون ويدعونه مخلصين، ولكن سرعان ما نسوا أو تناسوا كل عهودهم، ومواثيقهم، وعادوا يشركون!.
وأعظم من هذا يبين لنا القرآن الحكيم صفة الانسان بعد ما رأى بأم عينيه أهوال الموت، وفضائع القبر، ثم عذاب الله في يوم القيامة، رأى بأم عينيه نعيم الجنة وعذاب الجحيم. يقول الله سبحانه وتعالى عن هذا الانسان أنه لو أعيد الى الدنيا لعاد الى ما كان يفعله سابقاً، بالرغم من أنه رأى كل شيء، وهو يطالب ربه في يوم القيامة بأن يعديه الى الدنيا ليحسن عملاً ولكن يقول:
((ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه انهم لكاذبون)) (28/الانعام)
إذن لو أعادهم الله سبحانه وتعالى الى الدنيا وأعطاهم فرصة الحياة من جديد. لعادوا الى ما كانوا يقترفونه من آثام ومعاصي.. نعم هذه هي النفس البشرية وهذا هو الطغيان البشري.
فكيف يمكننا القضاء على النفاق والخداع أو الطغيان النفسي؟
لا يمكننا ذلك إلا بعملية الصراع، الجهاد لانه عن طريق الجهاد وعن طريق المحاولات المتكررة والصعبة يتم تغيير الحياة واصلاحها، ويصلح الانسان نفسه ويتغلب على طغيانها.
الملاحظ ان الناس كلما أسقطوا صنماً حجرياً قائماً في الحياة الاجتماعية فانهم يسقطون بموازاته صنماً في الاخلاق الفاسدة في أنفسهم.
اننا حينما نحارب طاغوتاً، ونظاماً فاسداً أو مؤسسة اجتماعية منحرفة، فاننا إنما نحارب بقدرها وبموازاتها طغياناً وانحرافاً في أنفسنا وصنماً قائماً في ذواتنا.


الجهاد.. عملية تفاعليه مزدوجة

لا يستطيع الانسان أن يقول في البدء ان عليّ اصلاح نفسي، وأن اسقط الطواغيت المتراكمة داخل ذاتي، مثل الخوف، الكسل، الفشل، الجبن، ومن ثم أقضي على طاغوت الالحاد والفساد في المجتمع!! كلا.
ان العملية تفاعلية. ففي كل خطوة يجب أن تقضي على طاغوت في ذاتك وطاغوت في المجتمع.


من معطيات الثورة الحسينية

حينما نجلس في مأتم أو في محفل من محافل ذكر الامام الحسين (ع) وثورته الخالدة.. التي هي خلاصة لثورات الانبياء عليهم الصلاة والسلام وامتداد لرسالات الله. فإننا نفعل ذلك لتصفية أنفسنا وتزكية ذواتنا.
ان هذه الدموع التي تجري على مصاب الشهيد السبط تغسل قلب الانسان، وتقلع الصفات السيئة من نفسيته، فتراهم يلتحم عن طريق الدموع وبسبب هذه التزكية مع روح أبي عبد الله الحسين (ع) صاحب البطولات النادرة، أي مع تلك النفسية التي انتصرت على كل عوامل الضعف البشري.
ان هذه الدموع هي وسيلة تلاحمنا، وأسلوب تفاعلنا واتصالنا بينبوع فيض الحسين (ع) وفيض أهل بيت النبوة وأصحابه سلام الله عليهم جميعاً، وكذلك كل نوع من أنواع تجديد ذكرى أبي عبد الله الحسين (ع)، يجعلنا أكثر تفاعلاً مع هذه المأساة وبالتالي أكثر استيعاباً لدروسها وللقضاء على النفاق والخداع الذاتي.


نحن في قفص الاتهام

الامام الحسين عليه الصلاة والسلام حجة الله علينا يوم القيامة وكل امام حجة.
فماذا تعني الحجة؟
الحجة تعني ان الله سبحانه وتعالى الذي خلقك، خلق الامام الحسين (ع)، والذي أعطي الامام الحسين تلك المواهب فان رحمته واسعة، وهو قادر أن يتفضل بلطفه بمثل تلك المواهب عليك، ان الذي أعطى الامام الحسين (ع) هذه المقدرة حتى أنه كلما أصيب في يوم عاشوارء بمصيبة جلّل وجهه الكريم غيمة من البشارة والانشراح .
لماذا؟
لانه كان متصلاً بقدرة الله ويتجلى ذلك في مصيبة أبنه علي الاكبر وهي المصيبة الصعبة الاليمة، وتتمثل أيضاً في فاجعة الطفل الرضيع الذي ألهب قلبه الصغير الجوع والعطش والحر الشديد، فيطلب الامام الحسين (ع) لهذا الطفل شربة من الماء واذا بالاعداء يمرونه بوابل من السهام الغادرة فيذبحونه على صدر أبيه، فهل يوجد هناك قلب بشري قادر على أن يتحمل مرارة هذه المصيبة وألمها، كلا. ولكن مع ذلك الامام الحسين (ع) يمسك بالدم ويرمي به نحو السماء ويقول:
((هوّن عليّ ما نزل بعين الله)).
لان ما يجري إنما كان بعين الله، وتحت سمعه وبصره وبأحاطة علمه فان ذلك سيهون عليّ، وانني أحب ربي، ومن يحب أحداً فلابد أن يضحي من أجله. وهنا أسأل الانسان-لا أقول: أيها المسلم أو الموالي كلا-إنما أقول أيها الانسان!
كيف انتصر الامام الحسين عليه الصلاة والسلام على عوامل الضعف البشرية في ذاته؟
كيف انتصر على حبه العميق_أوبالاحرى_على شفقته الشديدة تجاه ابنه الرضيع، تجاه نجله الشاب الوسيم الذي رآه أمامه مقطعاً بالسيوف ارباً ارباً؟
كيف انتصر على هذه العوامل كلها وهو بشر، وكان صامداً كالطود العظيم ازاءها؟ بل يتهلل وجهه الكريم انشراحاً كلما زادت مصائبه؟
لاشك أن ذلك كان لارتباطه برب العالمين، لانه يرى أن هذه المصائب هي الجسر الذي يربطه بالله ويقربه اليه زلفى.
وما أنت فلماذا لا تنتصر على ضعفك أيها الانسان؟
ان هذه هي الحجة الله علينا، فكلما نجلس ونذكر ثورة الامام الحسين عليه الصلاة والسلام، ونعظم فيه هذه البطول كلما ندين ضعف أنفسنا، ونحثها على سلوك الطريق الذي سلكه الامام الحسين (ع) للانتصار على ذاتها وضعفها.
ان هذا هو الدرس الاعظم الذي يستطيع كل انسان أن يستوعبه من سيرة أبي عبد الله الحسين (ع)، وهكذا فان كربلاء مدرسة متكاملة للمكرمات وللناس، كل الناس بمختلف فئاتهم باستطاعتهم أن يستفيدوا دروساً في المكرمات من هذه المدرسة بل من هذه الجامعة-ان صح التعبير-.
الشباب بأمكانهم ، يدرسوا عند علي الاكبر، عند القاسم، عند سائر شباب أهل البيت-عليهم السلام-وللشيوخ أيضاً أساتذتهم في كربلاء الحسين (ع) حبيب بن مظاهر، مسلم بن عوسجة، وغيرهم من الذين ضحوا في سبيل الله.
النساء يستطعن أن يستفدن من هذه المدرسة ويتتلمذن عند زينب الكبرى عليها الصلاة والسلام، وعند النساء الفاضلات الاخريات عليهن السلام.
الاطفال الرضع باستطاعتهم أن ينتهجون نهج الطفل الرضيع.
أن ينتصر الانسان على حبه لنفسه وينزل الى الشوارع ويقاوم بصدره العاري ورصاص الاعداء ان هذا شيء نادر على الحياة ولكنه شيء موجود كما رأيناه في ايران أيام الثورة المتصاعدة ضد حكم الشاه المقبور.
المرأة باستطاعتها أن تأتي وتقابل الموت بكل رحابة صدر اذا تسلحت بالمبدأ وبروح الجهاد وفلسفة الشهادة. ان هذا الشيء نعرفه، وبالرغم من ندرته في العالم لكنه شيء موجود. ولكن أن تأتي امرأة وتحمل طفلها الرضيع وتنزل به الى الشوارع لتقابل الرصاص. هذا شيء لم نز مثيلاً له في التاريخ أبداً، بينما قد رأينا في ايران أن النساء الايرانيات كن يخرجن بأطفالهن الرضع الى الشوارع أمام الرصاص، وفي كثير من التظاهرات قتل فيها الاطفال الرضع.
كيف تسمح نفس هذه المرأة للخروج بطفلها الرضيع الى الشوارع وتقابل الرصاص؟
المعروف ان المرأة حين تخرج الى الموت تدع طفلها في البيت، أو عند الجيران. ولكن نساءنا وشعبنا شعب حسيني قد درس عند أبي عبد الله الحسين (ع) كيف يحمل طفله الرضيع ليجعل منه دليلاً وآية على ظلم الاعداء.
نعم.. ان هذه المدرسة خاصة.. هذه مدرسة الابطال الرضّع..مدرسة كربلاء، باستطاعة الجميع تعلم كل صفة وكل مكرمة.
الوفاء عند ابي افضل العباس.
الشجاعة عند الامام الحسين (ع).
الحنان واللطف عند زينب الكبرى، وبالرغم من شجاعتها وبطولتها كانت تفيض على صحراء كربلاء شآبيب الحنان والحب والعطف. لم تكن قد خرجت من انسانيتها، انها الانسانية ولكنها الانسانية الشجاعة.
ونتعلم من الامهات كيف تدفع ابنها الى ساحة المعركة والمراة الشابة كيف تحرض زوجها على الجهاد.
هذه صفات انسانية رفيعة الستوى. ففي كل عشرة ملايين حدث نجد حدثاً مثل هذا.. انه حدث فريد.
ونتعلم من هذه المدرسة هذه الدروس العظيمة.


كيف تمرغت الانسانية في الوحل؟

كربلاء.. الدرس الآخر.
في نفس الوقت كلما رأينا انحرافاً وضلالة وفساداً عند جيش العدو عند شيعة آل أبي سفيان لعنة الله عليهم، نتفجر بغضاً وحنقاً ولعنة ضدهم.
اذ رأينا ما انتهى اليه هذا الجيش وكيف أن الانسان البشر اذا ترك هدى الله وانحدر من قمة الانسانية سوف لا يلوي على شيء..إلا أن يهبط الى الحضيض والى الدرك الاسفل. هذا يعطينا درساً على ان الانسان ان لم يتشبث بهذه القمة فسوف تقلعه الرياح.. رياح الشهوات.. رياح الضغوط الاجتماعية فتهوي به من هذه القمة السامية الى الدرك الاسفل كشمر بن ذي الجوشن.
الرجل يقول هممت أن أحزّ رأس الامام الحسين عليه الصلاة والسلام، فانحدرت الى المكان الذي صرع فيه الامام الحسين (ع)، فرأيت عينيه الكريمتين فهبته ووليت هارباً وسقط السيف من يدي.
الرجل شقي، ولكن حينما يرى عيني الامام الحسين عليه الصلاة والسلام، وهما تشبهان عيني رسول الله (ع) عينان لم تنما الليل أبدا.يتراجع عن فعلته.
الامام الحسين طول حياته-كما جاء في بعض الاحاديث-لم ينم الليل وكان مشغولاً بالعبادة والتعبد والدموع تجري من عينيه الكريمتين. كيف تسنى لشمر بن ذي الجوشن وهو بشر أن يجلس على صدر الامام الحسين (ع) ويحزّ رأسه الكريم.. ان هذا هو الحضيض الذي ينحدر اليه الانسان حينما يترك هدى الله.. وينفلت من التمسك والاعتصام بحبل الله.


الطريق الى الهاوية

ان بداية الانحراف بسيطة ولكن نهايته ستكون هذه النهاية. كعمر بن سعد وهو-حسب ما كان يدعي-ابن فاتح العراق وابن عم الامام الحسين ويعرف ماذا يعني قتل الامام ولكن مع كل ذلك تراه ينحدر في هذا المسير الهابط حتى يختار قتل الامام الحسين (ع) ثم في يوم عاشوراء ينتصب قائماً يقول:
[ياخيل الله اركبي وأبشري بالجنة ودوسي صدر الحسين].
في أي عمق يقع هذا الحضيض الذي انحدر اليه عمر بن سعد؟
وكيف يمكن للانسان أن يصبح هكذا؟
انه والله أسفل السافلين الذي قال الله سبحانه وتعالى:
((ولقد خلقنا الانسان في أحسن تقويم  *  ثم رددناه أسفل سافلين)) (4/5/التين)
1-الانسان أما أن يكون في أحسن تقويم، في القمة متمسكاً بهدى الله.. متمسكاً بحبل الله، متحدياً رياح الشهوة وعواصف الضغوط.
2-وأما أن تتراخى يده عن هذا الحبل ويتساهل في أمره ولا يبالي فانه سيسقط.. ويسقط.. وتهوي به الريح في مكان سحيق.
ان هذا الدرس يوضح لنا أهمية التمسك وبشدة بهدى الله، وهكذا كانت كربلاء، وكان عاشوراء، وكان عاشوراء مدرسة في بعدين:
1-بعد الخير.
2-بعد الشر.
ان الامام الحسين-عليه الصلاة والسلام-وأصحابه أعطوا للتاريخ درساً.. كما ان عاقبة الذين ظلموهم تعتبر درساً آخر.


الارادة البشرية تتحدى

ولو وقفنا ساعات أمام بطولة الحر بن يزيد الرياحي، لما استطعنا أن نستوعبها، انه درس عظيم أن يتحدى الانسان واقعه وكل ما حوله من ضغوط ويختار الموت بشجاعة ويختار الجنة بوعي وايمان كما فعل الحر بن يزيد الرياحي.. فكم كان عظيماً ما فعل الحر، حقاً: كلما كتب من نظريات مادية وحتميات قدرية فاسدة، كل ما كتب عن ذلك تتبخر بقصة الحر بن يزيد الرياحي.
أي حتمية كانت وراء توبة الحرّ؟!
بتأثير ماذا غير الحر مساره؟!
من أجل الاقتصاد، أم من أجل الإجتماع، أم من أجل السياسة؟ أم من أجل ماذا؟
لاشيء ان الارادة البشرية هي التي تتحدى كل الماديات وكل الحتميات، وهي التي تجلت عند الحر بن يزيد الرياحي في صحراء كربلاء. واذا كانت هناك بطولة حقيقية فهي هذه البطولة، البطل كل البطل هو الذي يصرع نفسه في ساعات الشدة وأشجع الناس من غلب هواه، وكم نستطيع أن نصلح أنفسنا ونصلح مجتمعنا، اذا استلهمنا درس التوبة من الحر، فان لم تكن لدينا ارادة تعصمنا من الوقوع في المعاصي فلا أقل تكون لدينا شجاعة تخرجنا مما وقعنا فيه وهذا درس الحر بن يزيد الرياحي لنا.
يأتي الى الامام الحسين(ع) مطأطأ الرأس فيقول الامام الحسين (ع) للحر: (ياشيخ ارفع رأسك من أنت؟ فيقول: أنا حر.. أنا الذي جعجت بك الطريق يا أبا عبد الله، لقد كنت أول خارج عليك فأذن لي أن أكون أول شهيد بين يديك.. فيسمح له الامام الحسين عليه الصلاة والسلام، بذلك فيأتي الى صحراء كربلاء يقاتلهم، بعد ما يعظهم فلا تنفعهم الموعظة شيئاً، وحينما يصرع ينادي بالامام الحسين (ع) فيأتيه الامام كالصقر.
يقول الامام:
((ما أخطأت أمك إذ سمتك حراً.. أنت حر في الدنيا وسعيد في الأخرة)).
يقول بعض المؤرخين أنه في اللحظات الاخيرة وكان يرمق آخر أنفاس الحياة، فتح عينيه الكريمتين فرأى رأسه في حضن الامام الحسين (ع) فتبسم بسمة وسلم الروح.
كم هي سعادة الانسان، وكم هو فلاحه، وكم يكون فرحه وشعوره بالفخر اذا وصل الى لحظته الاخيرة وهو يعلم بأنه قد أنهى فتنة الحياة وانتصر عليها، ونجح في الامتحان وهو يرد على رب رحيم، غفور كريم.
ان الذين يستلهمون من بطولات وشجاعة الامام الحسين من وفاء أبي الفضل.. من اقدام على الاكبر.. من شجاعة زينب.. من أيمان الصديقين من أنصار الامام الحسين عليهم الصلاة والسلام دروساً لحياتهم تكون ذخراً له في الدنيا لمحاربة الطغاة ولمقاومة الفساد، وذخراً لهم في الآخرة ينفعهم عندما لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

كربلاء ينبوع الثورات

لقد شحنت كربلاء إردة الامة بالعزيمة الراسخة، بما بلورت الاحاسيس الخيرة في الانسان، ذلك لان للانسان مخزوناً كبيراً من العقل والارادة والعاطفة، وغالباً ما يموت الانسان قبل أن يستفيد من هذا المخزون الضخم إلا شيئاً قليلاً، وان من أهداف رسالات السماء ومصلحي البشر اثارة دفائن العقول، وشحذ وتحريك الارادة والعاطفة، واستخراجها من باطن الانسان الى واقعه، وهذا ما فعلته ملحمة كربلاء تماماً، فقد كانت هي الطليعة والقدوة لجهد الانسان في تفجير مخزونه الارادي والعقلي والعاطفي. ففي بعض الاحاديث نقرأ عن الامام الحسين (ع) .
((السلام عليك يا قتيل العبرات، وأسير الكربات)).
فملحمة كربلاء لا زالت عبر التاريخ تستدر دموع الناس عامة، وخاصة الموالين، ومجالس العزاء كانت ولا تزال تقام على مدار أيام السنة لا سيما في شهر محرم الحرام، وكذلك فان ذكر الامام الحسين أصبح على كل لسان وفي كل مكان بل في كل مناسبة، ويحق لنا أن نتساءل: لماذا كان الامام الحسين (ع) كذلك؟
لقد قام الامام الحسين (ع) بثورة وتحول مع مرور الزمن الى ثورة، بل الى مفجر للثورات في ضمير الانسان، ولم يعد الامام الحسين (ع) ذلك القتيل على رمضاء كربلاء، ولم تعد عاشوراء تلك الفترة المحدودة من الزمن فقد أصبح الامام رمزاً للثورة، وحينما نذكر الامام الحسين (ع) تجري دموعنا وتلتهب مشاعرنا وعواطفنا بصورة ارادية وغير ارادية، ويعبر عن هذه الحقيقة حديث شريف جاء على لسان النبي آدم (ع) يخبره فيها بالحوادث التي ستقع في الارض من بعده، ومن جملة ما أوحى اليه قصة رسالة خاتم الانبياء والرسل أجمعين عليهم السلام وبين له بأن الائمة والاوصياء من بعده منه، فلما انتهى الى ذكر الامام الحسين (ع) قال آدم:
((اني استبشر كلما مر عليّ اسم من أسمائهم إلا عند ذكر الامام الحسين (ع) فإني أشعر بالحزن والكآبة، فلماذا؟ ، فأوحى اليه الله سبحانه وتعالى بقصة كربلاء بصورة مفصلة)).
هكذا تصور لنا الاحاديث المأثورة تحوّل الامام الحسين (ع) من شخص الى رمز، ومن رمز الى مسيرة، ومن مسيرة الى حقيقة ثورية، وعندما نقول بأن الامام الحسين (ع) كان ثورة فهذا يعني ان كل قلب يتفجر ثورة حينما يرتبط بينبوع الامام (ع) وحينما يذكر الامام الحسين (ع) تقفز الى الاذهان فكرة الشهادة والبطولة والفداء، وكل معاني العمل من أجل الله والمستضعفين والمحرومين في الارض، وكلما تجددت ذكرى عاشوراء تفتحت أبصارنا لمآسي أكثر بكثير مما جرى في صحراء كربلاء من الاثارة، وتفجير الطاقات، حيث ان ملايين البشر على امتداد الارض يتحولون في يوم عاشوارء تحولاً ثورياً. يغذيهم بمعاني الثورة خلال السنة كلها.
ويتجدد ذلك في كل عام في أكثر من بلد وقطر، في الولايات المتحدة الامريكية مثلاً وفي مبنى هيئة الامم المتحدة بالذات تقام ذكرى الامام الحسين (ع) الشهيد في محرم الحرام، وكذلك في افريقا وروسيا والصين تجد مثل هذه المناسبات حيث تتجدد ملحمة كربلاء في النفوس بل في الحياة الاجتماعية لملايين من البشر ليتزودوا منها في عامهم الى العاشوارء المقبل.


الامام الحسين (ع) ثورة الذات

أربعة عشر قرناً من الزمان ولا نزال نجد الناس يستمدون من ثورة الامام الحسين (ع) معاني الثورة والاندفاع والتضحية مما يدل على ان هذه الملحمة قد تحولت الى مسيرة، والامام الحسين (ع) الى ثورة، وهذا حدث هام في حياة البشر ولكن السؤال الآن هو:
أي ثورة أصبح الامام الحسين (ع)؟
وكيف أصبح ثورة؟
وفي أي مجال؟
لقد كان الامام الحسين (ع) في البدء ثورة على الذات، لان أي انسان لا يستطيع الانتصار للرسالة دون أن يحقق انتصاراً على ذاته، ونحن لا نريد أن ننتصر لا نفسنا لان هذه فكرة خاطئة ، بل نريد أن ننصر دين الله سبحانه وتعالى، وهذا هو الهدف الاسمى، فاذا نصرنا دين الله تعالى شاء الله أن ينصرنا، وينصر بنا الآخرين ويجعل منا جسراً لسعادة الآخرين وفلاحهم.
وهناك حقيقة لابد للثائر أن يزرعها في نفسه، وهي انه لا يبنغي للثائر الحقيقي أن يستهدف الوصول الى الكراسي أو البلوغ الى المراكز، كلا. إنما ينبغي عليه أن يعمل للناس للآخرين، ونتيجة العمل من أجل الناس هو العمل لله سبحانه وتعالى، وفي هذا الجانب يحدثنا القرآن الكريم حيث يقول:
((يا أيها الذين آمنوا ان تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم)) (7/محمد)
فان الدرس الاول الذي يمكن أن نستوحيه من كربلاء الحسين (ع) هو النصر لله وحده، لا النصر المؤدي الى الكراسي، وفي يوم عاشوراء رفرف النصر على رأس الامام الحسين (ع) وخير بين النصر أو الشهادة، كما جاء في بعض الاحاديث، فرفض النصر واختار الشهادة لعلمه بأن شهادته انتصار حقيقي للرسالة حيث قيل عنه:
((فلتروى ظامية الضب بدمي)).
واذا كان ثمن استقامة الدين الاسلامي دم الامام الحسين (ع)، فانه لن يبالي بل سيدفع الثمن راضياً مرضياً، ولقد جاء عنه (ع):
((ان كان دين محمد لم يستقم إلا بقتلي، يا سيوف خذيني)).
بأمكان الامام الحسين (ع) أن يختار طريقاًً للخلاص من الموت بل والانتصار على يزيد، ولن صمم على مواصلة مسيرته الرسالية من أجل نصرة الله والحق.


الامام الحسين (ع) وتكاملية العطاء

نستلهم من هذه الذكرى التي تتجدد كل عام انه حينما يريد الانسان أن يهب نفسه لله فلا يجب أن يطلب لنفسه شيئاً مما وهب، لان الافضل أن يهب الكل وإلا فلا يجب عليه أن يسقط من فكره الذاتية، واسقاط الاعتبارات الذاتية هو الهدف الذي من أجله قام الامام الحسين (ع) في كربلاء، فلقد أعطى الامام الحسين (ع) جميع من حوله الاذن بالبراز، وأول من بارز أمام الامام الحسين (ع) ابنه على الاكبر(ع) وهو أحب أبنائه الى قلبه، فكم كان الامام الحسين (ع) يحبه، لانه بقدر التصاق الائمة والمصلحين بمبادئهم ورسالاتهم يلتصقون بالمعاني الانسانية فهم يبلغون القمة في شفقتهم على أبنائهم، لاسيما اذا كان الابن يمثل في ذاته رسالتهم مثل [علي الاكبر ((ع))] الذي هو أشبه الناس خلقاً وخلقاً برسول الله الذي يقول عنه الله عز وجل:
((وانك لعلى خلق عظيم)).
فتتجدد محبة الامام الحسين (ع) لابنه الاكبر لانه رمز لرسول الله الذي هو بدوره رمز للاخلاق الفاضلة، ولكن مع كل ذلك يأذن لابنه بالبراز ويقدمه في طليعة أهل بيته وأنصاره (ع)، ومعنى ذلك ان الامام الحسين (ع) وهب كل ما يملك مثالاً آخر على ثورته، انه ضحى بابنه الطفل البالغ من العمر ستة أشهر فلقد رآه يصارع الموت، وهذا الطفل الذي كان يمثل بالنسبة لمثل عمر الامام الحسين (ع) أملاً كبيراً، لان الطفل امتداد للانسان، وحب الانسان لطفله إنما هو لابراز شخصيته في المستقبل وتنشئته نشأة صالحة، هذا هو الحب الذي ينبعث ويشتد كلما شعر الانسان بالخطر.
والامام الحسين-عليه الصلاة والسلام-لم يشعر بالخطر فقط وإنما كان عنده علم اليقين بأنه سوف يموت ومع ذلك أخذ ابنه معه وهو يعلم طبيعة نيات القوم، وما ذا سيفعلون به، ولكنه برغم ذلك يذهب به ليطلب له شربة من الماء، فيذبح على يدي والده (ع)، وينقل التاريخ بأن للامام الحسين (ع) طفلين رضيعين قتلا في كربلاء، الاول كان عمره ستة أشهر، والآخر كان عمره ساعات، هذا عن الجانب المادي بالنسبة لتضحية الامام الحسين (ع).
وفي الجانب المعنوي أيضاً قدم (ع) شيء، فبقدر ما كانت كربلاء أليمة ومفجعة ماوراء ها من اتهامات كبيرة نجد أثرها حتى هذا اليوم، وهي كذلك أليمة ومفجعة، فشريح القاضي وما أكثر من أمثاله في واقعنا المعاصر يفتي بوجوب قتل الامام الحسين (ع) حتى بلغ الامر أن يقول الامام الصادق (ع) عنه:
((ازدلف إليه ثلاثون ألفاً كلهم يتقربون الى الله سبحانه وتعالى بسفك دمه)).
هكذا عملت الدعايات المظللة بأدمغة الناس، وبعد أن قتل الامام الحسين (ع) وسبي أهل بيته، كان يعتقد الناس بأنهم سبايا الترك أو الديلم، وهذا سرعظمة الامام الحسين-عليه السلام-إذ أنه قدم نفسه وأهل بيت فداء لدين الله مختاراً.
ان الانسان ربما يختار الثورة لنفسه لكنه لن يكون مستعداً للتضحية بأهله وأقاربه، فيرضى لنفسه الشهادة ولا يرضى للاقرباء والاولاد خوفاً عليهم، وهناك الكثير من الناس يحجم عن الاعمال الثورية، والعمل في سبيل الله بالخوف من التضحية أساساً.
انه من الخطأ أن يخشى الانسان على أقربائه من أن يقتحموا الثورة، لأن الواجب أن يثور ويسمح لغيره بالثورة، لانه ليس الذي يبتليهم، وإنما الطاغوت هو الذي يضغط عليهم، فاذا ثار المجاهد مثلاً واعتقلت السلطة الطاغوتية زوجته وأولاده ووالديه، فاعلم علم اليقين انهم دخلوا ساحة النضال من أوسع أبوابها، أما هو فله الثواب أن ادخل الآخرين في ساحة النضال كون ساحة النضال مباركةً فليدخلها الجميع.
اننا نجد الامام الحسين (ع) مثلاً يأتي بكل اهل بيته (ع) الى صحراء كربلاء، وهو يعلم ماذا سيحدث فقد قال الامام الحسين (ع) عندما سأله ابن عباس عن سبب خروج النسوة معه قال:
((لقد شاء الله أن يراهن سبايا)).
ومع علمه بذلك إلا أنه يذهب بهن مطمئناً لعلمه ان هذا درس عظيم من دروس الثورة الاسلامية، إذن تقدم ولا تفكر فيما يصنع من خلفك فان الله سبحانه حاميهم وحافظهم.


الامام الحسين (ع) ثورة ضد العسكر

وهناك درس آخر تجب الاشارة اليه في سياق الحديث عن الثورة الحسينية، فنحن عندما نقول بأن الامام الحسين (ع) تحول الى ثورة فاننا نعني انه (ع) ثار ضد حالة الانهيار ومسيرة التراجع التي بدأت تدب في الامة الاسلامية بشكل سريع خاصة في عصره (ع).
وقبل الخوض في هذا الحديث لابد الحديث عن الفتوحات الاسلامية التي أذهل المراقبين عبر التاريخ، لانها كانت حركة سريعة ومفاجئة وسهلة، والمسلمون حينما عبروا السهول والهضاب والجبال والبحار من كل جهة وفي كل الابعاد. انسياب الماء النازل من الجبل، بدءاً بفتح اليرموك والحيرة في جانبي الجزيرة وانتهاءاً بسقوط الامبراطورية الفارسية، وكذلك اقتطاع أجزاء كبيرة من الامبراطورية البيزنطية في آسيا وافريقيا، أما في زمن الامام الحسين (ع) فكانت الفتوحات الاسلامية تتجه الى هند.
من الطبيعي ان الذي يقوم بهذه الفتوحات هو الجيش فان القوة المسلحة، والقوة الغازية، والقوة الفاتحة هي التي تكتب أكثر الانتصارات للامة التي مازالت تحمل في قلبها ذكريات ايام الجوع والعطش داخل الجزيرة العربية، بيد ان هذه القوى لابد أن تغتر بنفسها وتفتش عن دور لها في ادارة البلاد وسياسته، مع العلم بأن القوة العسكرية اذا دخلت البلاد أفسدتها لانها تريد أن تحكم فيها بمنطق حكمها (أي منطق السيف والحرب والمعارك الدامية) وهكذا جرت الامور في الامة الاسلامية، وكل حضارة في العالم تمر بهذا الدور، أو هذا المنعطف الحساس، فالحضارة لابد أن تدعم القوات المسلحة باعتبارها الدرع الواقي ضد الاعداء، ولكن ما أن تدعم هذه القوات حتى تتعرض لخطر داهم عليها.
ان هذه المعضلة الحضارة كانت موجودة عند كل الحضارات فاذا كانت في الامة بقية ارادة تتجلى في نهضة.. تتجلى في سلطة قوية أو في جماهير أقوياء، اذا كان ذلك موجوداً (النهضة والقيادة والجماهير الاقوياء) فان القوة العسكرية الموجودة على الحدود لا تستطيع أن تنكفأ الى الداخل وتحطم ما حققته في الخارج، وإلا فان هذه القوة التي اكتسبت الانتصارات لهذه الامة هي التي ستهدم كل ما بنته بيدها، والله سبحانه وتعالى يوضح لنا جانباً منها في قصة عاد قال تعالى:
((وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون  *  واذا بطشتم بطشتم جبارين  *  فاتقوا الله وأطيعون  *  واتقوا الذي أمدّكم بما تعلمون  *  أمدّكم بأنعام وبنين  *  وجنات وعيون  *  اني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم)) (129/135/الشعراء).
ان هوداً-عليه السلام-أراد أن ينبههم قائلاً: ان هذه القوة التي تملكونها من الله تعالى وان استخدامكم لهذه القوة في طريق البطش والارهاب والاحساس بالخلود سوف يضركم، وسوف يأخذكم الله بعذاب عظيم بسببها.
ان ثورة الامام الحسين (ع) لم تكن بعيدة كل البعد عن هذا المضمون، فلم يرد الامام الحسين (ع) أن يخضع للارهاب أو لسلطة القوة، ولم يرد أن يأتي العسكر الذين فتحوا أطراف البلاد للحكم.
وبدراسة التاريخ نجد ان النظام الاسلامي (مع قطع النظر عمن كان يسود النظام) أي المؤسسة السياسية في الدولة الاسلامية كانت منتبهة لهذا الخطر فكان كل قائد عسكري يحرز الانتصار يعزل لكي لا يفتتن الناس به، وها نحن أمام ظاهرة جديد من هذا النوع.
ان يزيد لكي يعمل على تركيز سلطته اعتمد على القادة العسكريين الذي فتحوا البلاد، فوزع عليهم الاراضي، وأمّا عمر بن سعد فمناه بملك الري ان انتصر على الامام الحسين (ع)
كما ان معاوية بن أبي سفيان بعث الى مصر عمر بن العاص الذي كان يوماً ما قائداً فاتحاً لمصر، أي حكم القيادة العسكرية ضد إرادة الجماهير، هكذا كان يزيد امتداداً لمعاوية، وابن زياد كان امتداداً لزياد بن أبيه وكان عمر بن سعد امتداداً لسعد بن أبي وقاص الذي كان أحد القادة الذين فتحوا العراق، وعمر بن سعد ابنه، وهو حاكم باسم أبيه.
وهناك نتيجة وهي ان الاستقراطية الاجتماعية في النظام الاموي كانت تورث الرتب العسكرية، فمن كان أبوه قائداً فانه يرثه من بعده، وهذا أغرب نوع من الارث، لان هذا ابن القائد الفلاني فينبغي أن يصبح هذا قائداً، وها هو عمر بن سعد ورث أباه قيادة الجيش المعد للغزو والفتح وها هو ابن زياد يهدد أهل الكوفة بجيش الشام، وقد قام قبل شهر واحد من واقعة كربلاء بالضبط بانقلاب عسكري في الكوفة التي هدّدها بحاميات من الجيش الشامي حيث كان يخوفهم به للقضاء على إرادة الجماهير وهذا انقلاب عسكري بكل معانيه، وهذا الانقلاب حوّل القوة العسكرية التي بنيت لفتح البلاد الاخرى الى قوة لقهر إرادة الجماهير، والامام الحسين (ع) قاوم هذا التحول من أجل مصلحة الامة الاسلامية ومصلحة تاريخها ونجح في ذلك وأعاد القيادات العسكرية الى ثكناتها، وهذا وجه من العلاقة بين قيام الامام الحسين (ع) وبين قيام الانبياء (ع) كهود وصالح الذين قاوموا الجبارين، ومن الغريب أن أصحاب الامام الحسين (ع) يعلمون ان عظمة حركتهم وانها امتداد لحركة الأنبياء (ع) وان البطش وغرور القوة والعسكرتارية يجب ان تحطم في كربلاء والدليل على معرفتهم بذلك هي بعض أقوال الامام الحسين-عليه الصلاة والسلام-وأصحابه. جاء حنظلة بن سعد الشامي فوقف بين يدي الامام الحسين(ع) يقيه السهام والرماح والسيوف ويتلقاها بوجهه ونحره، وأخذ ينادي ياقوم اني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب.. ويا قوم اني أخاف عليكم يوم التناد يوم تولون مدبرين مالكم من الله من عاصم.. يا قوم اني أخاف مثل يوم الاحزاب، مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم وما الله يريد ظلماً للعباد يا قوم لا تقتلوا حسيناً فسيحكم الله بعذاب وقد خاب من افترى.
هكذا ينصحهم ويذكرهم بمصير الاقوام السابقة الذين كانوا في ذات الخط.. وهكذا نجد مثل هذه الكلمة تتكرر عند الآخرين من أصحاب الامام الحسين (ع) فمثلاً جاء سعيد بن عبد الله الحنفي وتقدم أمام الحسين (ع) فصار هدفاً لنبالهم حتى سقط على الارض وهو يقول (اللهم العنهم لعن عاد وثمود.. اللهم أبلغ نبيك (ص) عني السلام وأبلغه ما لقيته من الجراح فاني أردت بذلك نصرة ذرية نبيك) ثم استشهد (رضوان الله عليه) فوجد به ثلاثة عشر سهماً سوى ما به من ضرب السيوف وطعن الرماح، فهم يعرفون لماذا يعملون.
هناك شيء أخير نذكره في ختام هذا الموضوع من الدروس في الثورة الحسينية، ان أصحاب الامام الحسين (ع) كانوا يعرفون انهم يحبون الجنة ويبتغون دخولها، ولكننا في أي عمل نقوم به لابد أن ننوي أن يكون العمل لله حتى يعطينا الله سبحانه وتعالى الاجر ويزكينا، وعلينا أن نسعى لكي لا يدخلنا أدنى شك أو ريب في أن هذا العمل لله، ففي الصلاة مثلاً نقول (نويت أن أصلي صلاة الصبح قربة الى الله تعالى) وكذلك في الصوم وغيره من الاعمال فالعمل في سبيل الله أن تسبقه النية مثل سائر الاعمال وهذه النية ذات فائدة كبيرة حتى يصبح العمل خالصاً لله تعالى، إذن يجب في العمل لله سبحانه أن نؤكد لانفسنا ونوحي لها باستمرار بأهمية العمل وان نيته لله تعالى بعيداً عن الذات، فاذا العمل يجب أن يؤدي وبنية خالصة لله ولايجب أن نغضب عندما يقولون لنا بأننا لم نفعل ذلك الواجب، لان الله سبحانه قد كتبه لنا أجراً وثواباً.
ان من أهم الصفات التي يبينها الامام الصادق-عليه السلام-في دعائه لعمه العباس (ع) في كربلاء انه كان على بصيرة من أمره، فوضوح العمل الذي يقوم به يعطي عملنا قوة وصلابة واستقامة، فنظرة الى أصحاب الحسين (ع) تعرفنا ما لديهم من أفكار يقول هلال بن نافع منشداً:
أنا الغلام البجلى اليمني ديني على دين حسين وعلي
ان أقتل اليوم فهذا أملي فـذاك رأي وألاقي عـملي
انه كان يعمل طول حياته في سبيل الله ليقدم لنفسه في حياته الاخرى المثوبات وكان يقول في معنى شعر ((إنما اقتش عن ذلك الجزاء الذي قدمت له عملاً في هذه الدنيا وهو قتلي هذا اليوم فهذا أملي وهو رأي وألاقي غداً عملي)).
وهذا رجل آخر من أصحاب الامام الحسين (ع) ويبدوا انه كان من أصحاب البصائر وهو (شوذب) وهو مولى لأبي شاكر، يأتي هذا الرجل الامام الحسين(ع) فيقول له: ((يا أبا عبد الله أما والله ما من أحد على وجه الأرض قريب أو بعيد أعز عليّ، وأحب اليّ منك، ولو قدرت على أن أدفع عنك قتل أو الضيم بشيء أعز علي من نفسي ودمي لفعلت)) ثم قال: ((السلام عليك يا أبا عبد الله أشهد اني على هداك وعلى هدى أبيك)) ثم مضى بالسيف نحو القوم وقاتل حتى قتل، وكان بعض أصحاب الامام الحسين (ع) في أرجوزاتهم لا ينتسب الى نفسه بل الى امامه، وكان البعض يؤكد على انه يبحث عن الجنة فسعد بن حنظلة التميمي ينزل ساحة الصراع وهو ينشد هذه الابيات قائلاً:
صبراً على الأسياف والأسنة صبراً عليها حتى دخول الجنة
وحـور عين ناعـمات هن لمـن يريد الفوز لا بالظنة
يا نفس للراحـة فـاجهدن وفي جـلاب الخير فارغبن
انه كان يعلم جيداً ان دخول الجنة ليس بالاماني إنما يجب أن يصبر على السيوف والاسنة ليدخل الجنة، ومن ضمن أرجوزاتهم يخاطب نفسه: ارغبي في الراحة ولكن الراحة لا تأتي إلا بالتعب، وأرغبي في طلب الخير فان الجنة خير والجزاء خير.
وهناك قصة معروفة ((جرى مزاح بين مسلم بن عوسجة وحبيب بن مظاهر -رضوان الله عليهما- فقال حبيب: يا مسلم الآن ليس وقتها، نحن في حالة حرب والأعداء يحيطون بنا من كل مكان، فقال له مسلم أتعلم انني لم أكن أحب الهزل في شبابي ولا في كهولتي وأنا شيخ كبير، ولكن اذا أردت الحقيقة، اليوم وقت المزاح اليوم وقت الهزل ان كان هذا هزلاً، فيقول حبيب: كيف ذلك؟!! فيقول له: لايوجد بيننا وبين الجنة وعناق الحور العين إلا ساعات نقترب منهم ونعالجهم ويعالجوني بالسيوف فنستشهد في سبيل الله، ونذهب الى مقرنا الابدي عند الله سبحانه وتعالى.
وما أعظمها من دروس كتبها أصحاب الامام الحسين (ع) بدمائهم وعظماء أولئك الذين يستوحون الدروس من مدرسة كربلاء ومن أصحابها. حيث كانت مزدحمة بالتلاميذ عبر التاريخ من كل حدب وصوب، ومن كل فئة، ومن كل لون من ألوان الناس ولكن يجب علينا أن نسجل أنفسنا منذ هذه اللحظة، أو نجدد تسجيلنا في هذه المدرسة، ونسعى من أجل أن نصبح الافراد الممتازين في هذه المدرسة، وذلك أملنا من الله الذي نبتهل اليه سبحانه من أجل تحقيقه.

كربلاء نهاية الظالمين

حسب الرؤية الاسلامية تنتهي المجتمعات البشرية، وتفنى الحضارات الانسانية بسبب انحرافها عن الحق واختيارها طريق الباطل، ولكن الحق ليس شيئاً واحداً، فكل سنة الهية، وكل فطرة خلقها الله حق، وكل قانون طبيعي سنة، وكل ما أجراه الله على الكون حق، فاذا انحرف الانسان عن القانون الالهي دمر حياته بيده عاجلاً أو آجلاً.
قد يكون الانحراف عن طريق الحق حسب المصطلحات الحديثة انحرافاً عسكرياً، فبدلاً من أن تكون السلطة السياسية الحاكمة على الناس منبعثة عن إرادتهم الحرة والواعية، وعن سنن الحق الحاكمة في الكون ومن رسالات السماء، بدلاً من أن تكون كذلك تكون السلطة محكومة بأيد عسكرية لا تعرف إلا منطق القوة والارهاب.
وقد يكون الانحراف انحرافاً اقتصادياً متجهاً الى الاستغلال والاستثمار، وتكون السلطة السياسية آنئذٍ سلطة المستثمرين والمستغلين، سواء منهم الاقطاعيون أو الرأسماليون، أو ما أشبه، وقد تنحرف السلطة السياسية عن الحق لتتجه الى قيام العنصرية المقيتة.
كما قد تنحرف السلطة السياسية باتجاه آخر هو الاتجاه الاقتصادي الذي يدعوا الى الترف والتبذير، أو قد تنحرف السلطة السياسية باتجاه آخر نحو تحكيم سلطة المفسدين في الارض الذي يضلون الناس عبر الكهنة والاحبار المنحرفين وهذه الاخيرة، هي السلطة السياسية المعروفة في علم السياسة اليوم بالسلطة [التيوقراطية] والتي تختلف جذرياً عن القانون الاسلامي في السياسة شكلاً ومضموناً، إن هذه الانحراف بشتى أنواعها تؤدي بالمجتمعات الى الانهيار وقد أدت فعلاً هذه الانحرافات بالحضارات الماضية الى الفناء والدمار حسبما يقص علينا كتاب الله المجيد. القرآن الكريم يحدثنا عن أقوام عاد وفرعون وثمود وأصحاب الايكة وقوم نوح، ولك واحدة من هذه الحضارات البائدة يضرب الله بها مثلاً نموذجياً لنوع محدد من الانحراف عن الحق، ففرعون وقومه المتسلطون على شعب مصر كانوا منحرفين عنصرياً. وجاء في كتاب الله قوله تعالى:
((ان فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعاً يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم انه كان من المفسدين)) (4/القصص).
وكانت طائفة بني اسرائيل، حيث كان كل نسل بني اسرائيل يهان في مصر سواء كان موالياً للسلطة أو مخالفاً لها، صادقاً كان أم كاذباً، صالحاً أو فاسداً!
فالفكر القبطي كان يعتقد ان الدم القبطي أفضل من الدم الاسرائيلي، وهذا لم يكن جديداً ولا بدعاً في ذلك العصر ولا في هذا العصر، إذ اننا لا نزال نجد انحرافات عنصرية قائمة في الولايات المتحدة الامريكية، وصنيعتها في جنوب افريقا، وربيبتها اسرائيل، بل في كثير من دول العالم، حتى وان سميت هذه الانحرافات العنصرية باسم أو بآخر، وقانون المشيخة والامارة الموروثة هو نوع من العنصرية المقيتة.
أما قوم نوح فقد كانوا طبقتين، ولم يكونوا عنصرين بالمصطلح المفهوم للكلمة، وإنما كانوا طبقتين يعتقدون بأن [الأراذل] اذا تبعوا اماماً وقائداً فلابد أن لا يتبعه [الأكابر] وحسب تعبير المستكبرون قالوا:
أنتبعك؟
أنؤمن بك!
((قد اتبعك الأرذلون)).
أي أن الارذلين اذا اتبعوا أحداً فلا-يحق لنا أن نتبعه، لان هذا نبيهم، ان هذا أيضاً كان في عصر النبي (ص) حيث كان القريشيون يعتقدون بأن أتباع المستضعفين والاغنياء معاً، هكذا كانت الفوارق حادة في المجتمع المكي.
ولم يكونوا يصدقون بأن شخصاً كأبي ذر ينتمي الى قبيلة بدوية في الصحراء هي قبيلة غفار يمكن أي يتساوى مع أبي سفيان، الى درجة ان شخصاً يعتبر عبد مستخدم يشترى ويباع كبلال الحبشي يجب أن يتساوى مع كبار قومهم.


الانحراف الاقتصادي.. كيف وما نتيجته؟

هناك انحراف آخر قد يحدث في المجتمع هو انحراف قوم عاد.. الذي كان انحرافهم حسبما توحي اليه بعض الآيات الكريمة انحرافاً عسكرياً، الآية تقول:
((واذا بطشتم بطشتم جبارين)) (130/الشعراء)
وأما قوم شعيب أصحاب الايكة فقد انحرفوا انحرافاً اقتصادياً حيث ان نبيهم شعيب (ع) كان يأمرهم أن يعدلوا في المكيال والميزان.
وأما ثمود فقد انحرفوا انحرافاً اقتصادياً عن طريق الاسراف، وكان نبيهم صالح (ع) يأمرهم دائماً بأن يتجنبوا الاسراف والترف.
وكما ان قوم لوط كان انحرافهم أيضاً من هذا النوع فقد أسرفوا وكانوا مترفين، ولكن ذلك وجههم الى الشذوذ الجنسي الذي كان عنواناً لسائر انحرافاتهم في الحياة، وفي هذا المجال القرآن الحكيم يضرب مثلاً، وما وراء هذا المثل أمثال أخرى لا نحرافاتهم الاسرافية الترفية التي خصهم اليها أحساسهم بالبطر والغنى وحب المال وحب الشهوات، أما الانحرافات التي كانت من نوع اتباع الكهنة والاحبار كانت في اتباع قوم موسى (ع) الذين عبدوا رهبانهم وأحبارهم من دون الله تعالى.
الانحراف يبدأ بسيطاً.. يبدأ في غفلة عن وعي الناس، كما يبدأ اثر مادة التخدير في جسم الانسان، أو كما يبدأ النوم.
فهل تستطيع تحديد لحظة نومك؟
كلا، ان النوم يتسلل اليك في الظلام حتى يستولي عليك كاملاً فتنام، وكذلك الانحراف عند الانسان الفرد أو الانسان المجتمع. الفرد لا ينحرف بوعيه ولا بارادته ولا مع كامل تصميمه وقراره، وإنما الشيطان يستدرج الانسان استدراجاً فيخدعه ويغره..


الانحراف يبدأ في لحظة اللاوعي

ان عمر بن سعد لم يصبح عمر بن سعد مرة واحدة ولا شمر أصبح هكذا.. في البدء يبدأ الانسان بانحرافات بسيطة، السارق لا يبدأ سرقته منذ البدء بسرقة الاشياء الكبيرة ولا باحتراف هذه المهنة الخبيثة، وإنما يبدأ بسرقة شيء بسيط، وتلك تكون البداية التي قد لا يحببها لنفسه، وإنما يبدأ مثلاً بأن يقترض من أحد مالاً ثم ينسى دائنه ذلك المال، فيتناسى هو الآخر ولا يدفع له المال.
يبخس الناس في المكيال والميزان، ويغشهم، وهكذا شيئاً فشيئاً تراه يصبح ساراقاً محترفاً، وغشاشاً مرناً، ويتطور ليصبح نهاباً كالسارق الذي يسرق بقوة مثل الانظمة الفاسدة، وكذلك الغشاش.. وهكذا يتطور الانسان السارق بهذه المراحل.
يقال ان سارقاً حكم عليه بالاعدام بعد عمليات الاستيلاء المستمرة في الزمان القديم وفي اللقاء الأخير بينه وبين أمه قال لها لا تبكي فانك أنت التي تقتلينني، قالت، كيف؟
أنا أبكي عليك.. أنا أشفق عليك. قال: نعم ولكن تذكرين في طفولتي انني سرقت البيض من بيت الجيران فشجعتيني على ذلك ان ذلك دفعني لان أسرق المزيد حتى أقوم بعمليات الاستيلاء على بيوت الناس، وكذلك أقوم بالارهاب، ويحكم عليّ بالاعدام.. فأنت التي تقتلينني وليست السلطة.
ان هذا طبيعة الانسان. وان عمرو بن العاص حينما جاءته رسالة من معاوية تدعوه الى الالتحاق به في البدء رفض الالتحاق، واستشار ابنيه في ذلك أحدهما قال: يا أبتاه لا تلتحق.. يكفينا ما بنا، والآخر شجعه على الالتحاق طمعاً في الدنيا وفي ملك مصر فقبل نصيحة الثاني فقال له عمر بكل وضوح.. أنت تريدني للدنيا وأخوك يريدني للآخرة.. لكن، لماذا قبل نصيحة الابن الثاني؟
لان خلفيات القبول كانت موجودة عنده ولان الانحرافات كانت قد بدأت صغيرة في فكره ثم تنامت حتى أصبح صاحبها في أسفل الاسفلين.
وهكذا الانحراف في الامة.. لا يبدأ مرة واحدة. أعمال يزيد في كربلاء.. إعمال يزيد في المدينة.. وفي مكة، وارهاب بني أمية وقتلهم للابرياء لم يكن من أعمال يزيد إنما كان بسبب انحرافات معاوية، معاوية هو الذي مهد الطريق ليزيد.. هو الذي استخلف يزيداً.. وهو الذي سلط هذا الشاب المغرور، الفاجر، على رقاب المسلمين.
ومعاوية بدوره لم يكن انحرافه في ذاته.. انحرافاً أولياً، بقدر ما كان هذا الانحراف بادئاً من تسلط الأمويين على رقاب المسلمين في أيام عثمان.
الحزب الاموي الذي كان يخطط للسيطرة على البلاد الاسلامية منذ البدء تحت إمرة (أبو سفيان) الذي جاء الى الامام علي (ع) بعد وفاة النبي (ص) وقال له: لأملأنها لك خيلاً ورجلاً.
لماذا تجلس في البيت؟ .. أخرج وأنا معك.
الامام قال: اني أرفض أخرج من بيتي، لانه علم مقاصده وعرف ما يريده، وهكذا كان الحزب يعمل لاستلام السلطة، فلم يكن كلام النبي (ص) مجرد تنبأ -بالرغم من إعتقادنا بأن النبي (ص) عن طريق الله سبحانه وتعالى- حينما قال: (اذا رأيتم معاوية هذا على منبر فأقتلوه وما أظنكم تفعلون ذلك) لم يكن مجرد تنبأ، وإنما كانت كل المؤشرات تدل على ذلك.
المؤامرات كانت محبوكة.. حين جمع الحزب الاموي نفسه ولملم خيوطه وربط قياداته بقواعده منذ أيام النبي (ص) فالانحراف في الامة الاسلامية لم يبدأ في وادي كربلاء ولا حتى بالانقلاب العسكري الذي قاده ابن زياد ضد مسلم بن عقيل في الكوفة.
وهكذا في كل أمة، الانحرافت الاقتصادية، والانحرافات الثقافية، والانحرافات الخلقية، وغيرها من الانحرافات لا تبدأ مرة واحدة وبصورة مفاجئة. بل انها تبدأ تدريجياً، والمشكلة هي ان الناس دائماً ينظرون الى نهاية الانحراف. فحينما يموت المريض يلمسون بانه كان مريضاً، وكأنه فجأة بدأت عوارض المرض على جسمه وفي نفس ذلك اليوم ما ت المريض، والناس لا تشعر مثل ذلك الطبيب حينما ينظر الى شخص مصاب بسرطان الدم-والعياذ بالله-والشخص في أتم الصحة خارجياً انه يمشي..
ويذهب.. ويأكل، وهو لايشعر بأن جسمه يحمل مرضاً يؤدي به الى الهلاك، ولكنه صدفة يذهب ليحلل دمه، والمحلل يعطيه تقريراً مغلقاً الى الطبيب المختص، ويقول له راجع ذلك الطبيب. ومن ثم يقوم الطبيب بدوره بفتح التقرير وهو يقول: نعم خلايا سرطانية في الدم، واذا الطبيب وجه الكلام الى هذا الانسان الذي يحمل المرض السرطاني:انك سوف تموت بعد سنة،طبيعياً انه لا يقبل بل يكذّب تقرير الطبيب، لانه لا يشعر بأن جسمه يحمل مرض السرطان في الدم ومادام يحس في نفسه الاندفاع والحيوية، ويستطيع أن يقوم بأعماله ببساطة.
فلماذا يموت؟
كذلك الامة، حينما تبدأ الخلايا السرطانية بالانتشار فيها فذلك اليوم هو يوم موت هذه الامة، ولكن الامة لا تعشر بذلك، والمصلحون وحدهم هم الذين يشعرون ويعرفون ان الانحراف قد بدأ مع فارق بين الفرد المصاب بالخلايا السرطانية والامة وهوان الانحرافات في الفرد لا ينفعها العلاج.
ولكن الامة اذا وعيت واستوعبت نصيحة الناصيحين، استطاعت عندئذ أن تقضي على الانحراف، وكما نرى ان الانسان الذي يسير نحو النوم لا يفهم انه بدأ ينام، أو الانسان الذي يضرب أبرة التخدير فانه ينحدر الى حضيض التخدير بلا حس.
كذلك الامة حينما يبدأ سيرها في الانحراف، يقل وعيها، وتقل قدرتها على معرفة الانحراف.
ان الانسان الذي لم يذنب شيئاً، يعرف ان الذنب خطير، فيتهيب من الذنب لانه يعرف مدى قذارته، ولكن اذا أذنب مرة.. مرتين.. ثلاث، فان روحيته تتبدل ويفقد ضميره الذي لابد أن يحاسبه على الذنب.
وفي مثل هذا الوضع.. ماذا تحتاج الامة؟
الامة التي يبدأ الانحراف فيها تحتاج الى صيحة، تحتاج الى تفجير في ضميرها.. وهذا ما فعله الامام الحسين (ع) في كربلاء، قام بعملية تفجير هائلة القوى لا يمكن قياسها حتى بالقنابل النووية لضخامتها واتساع أمواجها وامتدادها عبر الزمان والمكان، فقد قام بهز ضمير الامة.. لكي يهدم البناء الانحرافي داخل المجتمع وداخل النفس البشرية آنئذ في كل وقت.


دروس من كربلاء

انحراف [بنوا أمية] لم يكن فقط في السلطة.. ان انحراف السلطة دليل انحراف الامة.. ودليل انحراف المجتمع، وحينها يكون الظالم والمظلوم مشتركين في الجريمة، الظالم لظلمه، والمظلوم لسكوته على الظلم.
من الذي قتل ناقة صالح؟
من الذي عقرها؟
رجل واحد فقط هو الذي عقر الناقة وقتلها، ولكن الله عمهم بالبلاء حين سكتوا عنه وعمّوه بالرضى.
من الذي قتل الامام الحسين (ع)؟
رجل واحد..؟
ولكن كل من حضر أرض كربلاء، بل كل من رضى بهذه الغفلة الشنيعة،-نحن نلعنه-.
((ولعن الله أمة سمعت بذلك فرضيت به)).
أليس كذلك؟
لماذا؟
لان السكوت عن الظلم لا يقل جريمة عن الظلم ذاته والانحراف كان قد بدأ في الامة الاسلامية.
أولا: بسكوتهم عن الظلم.
ثانياً: باستدراج النعم لهم ان صح التعبير فإنه قد
((ملئت بطونكم حراماً)).
هذه الكلمة التي قالها حبيب بن مظاهر، حينما نصح القوم ولم يسمعوا نصيحته، وكذلك كان الامام الحسين عليه الصلاة والسلام يكررها أيضاً.
ماذا تعني هذه الكلمة؟
تعني ان الانحراف يؤدي بالانسان الى قتل ابن بنت نبيه، وهولا يبالي، لان أكل الحرام يورث قسوة القلب.
وما هي قسوة القلب.
قسوة القلب تلك التي كانت عند شمر وعند عمر بن سعد، وحرملة.. وقسوة القلب هي ما نراه عند الجلادين الذين يقتلون الشباب المؤمن في سجون العراق، وفي سجون البحرين، وفي سجون المنطقة، يقتلونهم تحت التعذيب.
لماذا هذا صار قاسي القلب؟
ومتى صار؟
حينما قبل ان يصبح أجيراً عند السلطان الظالم، فهو في تلك اللحظة أصبح قاسي القلب. وفي تلك اللحظة قام بالجريمة.
الامة الاسلامية في عصر الامام الحسين (ع) بدأ انحرافها اقتصادياً وكانت تحتاج الى صيحة قوية، والصيحة جاءت في كربلاء من فم الامام الحسين (ع)، بل من نحر الامام الحسين (ع).
قد يسكت الفم ويتفجر دماً ولساناً ناطقاً، كما كان في كربلاء التي جاءت تقول للناس: انكم انحرفتم مرتين، مرة حين ارتبطتم بالنظام الاقتصادي، تأكلون الحرام ((من أجل عشرة)) إذ قال بن زياد ان كل من يذهب الى قتال الامام الحسين (ع) يضاف الى عطاءه عشرة ولم يقل ماذا يعني بالعشرة، فزعم الناس عشرة دناينير، فجاءوا الى قتل الامام الحسين (ع)، ثم لما عادوا قالوا، أين العشرة؟، فأعطاهم عشر تمرات وقال: هذه عشرة.
ومن هنا يبدأ انحراف الأمة، وانحراف النفس التي تبيع ذاتها بدينار، بل بمليون دينار، هذه النفس لا تساوي فلساً واحداً.
لانه حينما ينزل الانسان لمستوى بيع نفسه فلا فرق بين أن يبيع نفسه بدينار أو بمليون دينار. وشمر بن ذي الجوشن مثال على ذلك إذ قال لابن زياد:
املأ ركابي فضة أو ذهبا
لقد قتلت الرجل المحجبا
قتلت خير الناس أماً وأبا
فقيل له: لم قتلته، اذا كان خير الناس أماً وأبا؟
فأجابه قائلاً: قتلته لعطائك.
قال له: لا عطاء لك، اذهب!!
هذا معنى الانحراف الاقتصادي أكل الحرام، والتعبير بالاكل الحرام أفضل من أن أقول الانحراف الاقتصادي، لان الانحراف الاقتصادي يمكن أن يفسره بشيء مختلف، والحرام يعني أكل ما لا تجوزه الشريعة الاسلامية


كيف أصبحنا مستعبدين؟

اننا نعرف ان الربا حرام.. وان النظام الرأسمالي البنكي حرام، وكذلك ان العدوان، وأكل أموال الناس بالباطل حرام. فلو رفضنا التعامل مع هذه الانظمة الرأسمالية الفاسدة، ورفضنا التعاون مع الحكومات الظالمة اقتصادياً لسقطت هذه الحكومات، ولما استعبدنا، ولما انتهكت حرماتنا، لما سحقت كرامتنا، لانه منذ البدء لم نفهم معنى الانحراف، وماذا نعني أكل الحرام؟
نعم، بنت الصحابي أبي ذر الصغيرة هي التي عرفت ذلك أحسن منا، حينما جاءت اليها السلطات الفاسدة بعسل، وهي كانت جائعة لم تطعم شيئاً منذ ثلاثة أيام فذاقت العسل قليلاً، فاذا بأبيها يدخل عليها.
ماذا تفعلين؟
أكلت قليلاً من هذا العسل؟
أو تعرفين من الذي أرسل هذا؟
قالت: لا
فقال لها ان معاوية هو الذي أرسله.
حينها ذهبت الى طرف ووضعت اصبعها في حلقها وأفرغت العسل، وأخذت تنشد تلك الابيات المعروفة:
أبالعسل المصفى يابن هند نبيع عليك إيماناً ودينا
فقد عرفت ان أكل العسل الحرام بداية الانحراف ومن ثم بيع النفس بدينار، وعرفت الطفلة ذلك بفطرتها البريئة وببصيرتها الدينية، وبتربية أبيها لها، لكن أهل الكوفة لم يعرفوا هذا الواقع.
وحينما تجد الامام الحسين (ع) يكرر وأصحابه قصة ثمود في كربلاء، والامام الحسين (ع) يشبه ابنه الرضيع بناقة صالح لابد أن نعرف ان هناك علاقة بين حركة الامام الحسين (ع) وبين حركة صالح (ع)، لانها نفس الثورة ونفس الحركة.


الترف.. ذلك الابتلاء

أذكر لكم آيات من سورة الشعراء مرة أخرى وفي قصة ثمود الذين انحرفوا اقتصادياً، فانحرفوا سياسياً، وأدى بهم ذلك الانحراف الى قتل الناقة، وبالتالي الى عذاب الله الشديد. يقول الله سبحانه وتعالى:
((كذبت ثمود المرسلين  *  إذ قال لهم أخوهم صالح ألا تتقون  *  اني لكم رسول أمين  *  فاتقوا الله وأطيعون  *  وما أسئلكم عليه أجر ان أجري إلا على رب العالمين)) (141/145/الشعراء).
الى هنا والرسالة واحدة.
((أتتركون في ما هاهنا آمنين  *  في جنات وعيون وزرع ونخل طلعها هظيم  *  وتنحتون من الجبال بيوتاً فارهين  *  فاتقوا الله وأطيعون  *  ولا تطيعوا أمر المسرفين  *  الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون  *  قالوا إنما أنت من المسحرين  *  ما أنت إلا بشر مثلنا بآية ان كنت من الصادقين  *  قال هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم  *  ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم عظيم  *  فعقروها فأصبحوا نادمين  *  فأخذهم العذاب ان في هذا لآية وما كان أكثرهم مؤمنين)) (146/158/الشعراء).
للانحراف الاقتصادي أنواع، نوع عند ثمود، ونوع آخر عند قوم لوط، وكلا النوعين يتشعبان من نقطة واحدة هي الانحراف النظري للمال، ولمهمة الثروة والاسراف فيها، فقوم لوط أسرفوا في نعم الله، وشذوا عن الطريق وابتلوا بالشذوذ الجنسي وبأنواع أخرى من الشذوذ، بينما قوم صالح توالت عليهم النعم، فأصبحت مادة للفساد، ووصلت الى حالة الطبقية المقيتة، وأما المجتمع الاسلامي فمنذ عصر عثمان، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير، وطلحة، ومروان بن الحكم، ومعاوية بن أبي سفيان، هذه المجموعة كلها من رؤساء الحزب الاموي الذي ذكرت لكم قد أحاك المؤامرة منذ أيام الرسول (ص) ولم يقل الرسول عبثاً:
((اذا رأيتم معاوية هذا على منبري فاقتلوه ولن تقتلوه)).
هذا الحلف هو أثر على المسلمين في فتوحاتهم الاسلامية للبلاد المختلفة أثراً فاحشاً، حتى ان احدهم كما تعرفون في التاريخ حينما مات خلف ذهباً كثيراً حتى أن ذهبه قسموه بالفأس.
والآخر لم يمكن احصاء ضياعه وأمواله، هذا الانحراف في قمة المجتمع الاسلامي.
ولكن النظام الاقتصادي الفاسد يسعى لربط أموال الناس ومقدراتهم بعجلة الاقتصاد المنحرف، وبذلك يستطيع أن يعبأ ثلاثين ألف انسان مقابل عشرة، ولم يسألوا عن هذه العشرة.
ماذا تعني؟
يفكرون أنها دنانير فاذا هي عشر تمرات!
ان هذا النظام متشبع بالفساد الاجتماعي، وبحاجة الى صيحة قوية، بحاجة الى تلك الصيحة التي توقط النائم، لتهز ضمير المجتمع، كتلك الصيحة التي أطلقها الامام الحسين (ع)


كربلاء حياة لكل العصور

مأساة كربلاء كانت مأساة عميقة وواسعة وفي كل بعد، ومن هنا نلاحظ انه حينما يتحدث الخطباء عن أي شيء عن التاريخ، عن الماضي، عن الحاضر.. فبإستطاعة المتحدث أن يتحدث عن أي شيئ ثم كربلاء لها علاقة بكل شيء في الحياة.
واذا ما أردنا أن نتحدث عن المرأة.. أو الرجل.. أو الطفل.. أو الصغير.. أو الكبير.. أو الوفاء.. أو البطولة.. أو الشجاعة.. أو الارهاب.. أو عن أي صفة حسنة، وعن أي صفة رذيلة.
الصفات الحسنة تجدها عند أصحاب الامام الحسين (ع) في أروع صورها. فالوفاء يتمثل في أبي الفضل العباس خاصة في تلك اللحظات المريرة قبيل الشهادة، حينما رمى الماء على الماء ولم يشرب حتى جرعة واحدة بعدما تذكر عطش الامام الحسين (ع). رغم ان هذا ليس حقاً من حقوق الامام الحسين (ع) ولكن هنا تتوضح بجلاء رفرفة الروح في سماء الرفعة والوفاء، هذا مشهد من أرض كربلاء ملهم للانسانية، وهذا أيضاً درس من دروس كربلاء.
وفاء القاسم (ع) كان باستطاعة القاسم أن ينسحب عن الميدان، ومن المعركة بأسرها، فالقاسم لم يكن قد بلغ الحلم والقتال ساقط عنه، ولكن ترى ان روحه روح زكية.
وروح زينب الرفيعة تشبثت بالسماء وقدمت مع أخيها الى كربلاء، من أجل أن يبقى دين الله تعالى، ولكن أي شجاعة تلك، انها الشجاعة في طريق الحق.. شجاعة تجللها روح التضحية من أجل الله تعالى. وسمو النفس وهكذا شجاعة سائرالاصحاب (ع).
من هنا كانت كربلاء صيحة في ضمير الانسان الذي سوف يتدرج في الانحراف فجاءت هذه الصيحة وهزت الامة الاسلامية، ولا أستطيع أن أتخيل لو لم تكن واقعة عاشوراء موجودة في الساحة الاسلامية في المجتمع الاسلامي.
هل كان هناك مسلم؟
وهل كان هناك مجتمع اسلامي؟
انني شخصياً لا أستطيع أن أتصور اسلاماً كان يبقى من دون هذه المأساة التي صنعها الامام الحسين عليه الصلاة والسلام بدمه الزكي، وبدماء أصحابه وبسبي نساءه.

ثورة الامام الحسين (ع) تجسيد لرسالات الله

مميزات الحركة الالهية
ان كل حركة، وكل ثورة في التاريخ تنطلق من أرضية ثقافية هي قاعدتها ومنطلقها وهدفها، وأبرز ما تتميز به حركة الانبياء عن غيرها انها تنطلق من قاعدة التوحيد ، وبعبارة أخرى، انها حركات الهية تستمد شريعتها من الرسالة الالهية، وتستوحي برامجها من تلك الرسالة، ولكن تبقى هذه الكلمة عائمة من دون معرفة جوهر تلك الرسالات السماوية.
ان جوهر الرسالات الالهية هي الاتصال بالله تعالى، أي التسليم لله، ثم الايمان به ومعرفته، ومن ثم الاتصال بنوره تعالى.
ان أصحاب هذه الرسالات هم قياداتها الشرعية المتمثلة في الانبياء (ع) والائمة (ع) وأما قاعدتها فمتمثلة في المؤمنين الصادقين الذين تتصل أرواحهم بنور الله حتى لا تعدوا الدنيا بما فيها من بهارج وزخارف واغراءات وشهوات تثيرهم، فينظرون الى الدنيا نظرة خاصة بهم تختلف عن نظرات الآخرين، فاذا نظر الناس الى الدنيا باعتبارها شيئاً ثابتاً، فهم ينظرون اليها باعتبارها معبّراً خاطفاً وجسراً لهم الى الآخرة، والدنيا بالنسبة اليهم مزرعة الآخرة -كما جاء في حديث الشريف- وكما ان الانسان لا ينوي البقاء في المزرعة، وإنما ينوي أن يزرع فيها شيئاً ثم يحصده ويذهب الى بيته، كذلك هم يريدون أن يجمعوا شيئاً من حصاد أعمالهم في هذه الدينا لتلك الرحلة الطويلة الشاقة التي يجب عليهم أن يسلكوها في الآخرة.. قال الله العظيم:
((وتزودوا فان خير الزاد التقوى)) (197/البقرة).
فالدنيا بالنسبة اليهم سويعات تمر بالنسبة الى عمر الزمان. وقال تعالى:
((وان الدار الآخرة لهي الحيوان)) (64/العنكبوت).
ولقد حوّلوا التصرف فيما يمتلكون من الدنيا الى أن يأتيهم الموت، فلا ينظرون الى أموالهم تلك النظرة الانانية والذاتية، وإنما المال في أيديهم أمانة، والاهل والاولاد ابتلاء وفتنة، والنعم بالنسبة اليهم بلاء كما النقم بلاء، وكل شيء في الحياة بالنسبة اليهم امتحان وابتلاء واختبار لمدى إرادتهم وصمودهم، فهم لا يقسرون أنفسهم على هذه النظرة قسراً ولا يكرهون عليها ليقبلوها، إنما هي نظرة نابعة من عمق شعورهم ووجدانهم الحي وضميرهم المتيقظ ومعرفتهم بحقيقة الدنيا وحقيقة الآخرة، وهذا الشعور وهذه المعرفة بدورها ناشئة باتصال أرواحهم بنور الله سبحانه وتعالى.
حينما نقول اتصال أرواحهم بنور الله، فان هذه الكلمة لا تفي بما تريد أن تعبر عنه، لان هذا الموضوع بالذات ليس مما يعبر عنه بكلمات أو بألفاظ، كيف نعبر عن النور لمن لم يجد النور، بل كيف نعبر عن النور لمن وجد النور، وأكتشفه ووصل الى كنهه.
ان أية كلمة لا تستطيع أن تكون أوضح تعبيراً من وصول هذا الانسان الى النور ذاته، أما الذي لم يصل الى النور ولم يهتد اليه فانه كالاعمى، كلما فسّرت له كلمة النور كلما ازداد غموضاً عنده. وابتعاداً عن فهم حقيقة النور، ويسأل ما هو النور؟
وكذلك حينما نقول الاتصال بالله فان كل انسان قد وجد لحظات من الاتصال النوراني في حياته لا أقل لحظات العسر الشديد.. أو لحظات الانقطاع عن الدنيا.. أو لحظات التبتل.. وفي تلك اللحظات عرفنا ونعرف ماذا يعني الاتصال بالله.


ماذا يعني الاتصال بالله؟

ان الاتصال بالله يعني، ان الانسان في تلك اللحظات لا يجد شيئاً أفضل عنده من الله سبحانه وتعالى، يحبه حباً عميقاً، وهو لا يستطيع أن يسأل نفسه لماذا؟ لانه ينسى نفسه في تلك اللحظات التي تتصل روح البشر بنور الله سبحانه وتعالى.
ان الانبياء (ع) والأئمة والاولياء والصالحون، في أغلب أوقاتهم-ان لم تكن كل أوقاتهم-يعيشون هذه الحالة، فقلوبهم بين أصابع الرحمن، ونفوسهم معلقة بعرش الله، فتراهم يعيشون مع الناس ولكنهم في الواقع يعشون مع الله.
يقو ل الامام علي عليه الصلاة والسلام:
((ما رأيت شيئاً، إلّا ورأيت الله قبله ومعه وبعده)).
((والله لو كشف لي الغطاء ما ازددت يقيناً)).


حالات العارفين

جاء رجل شاب الى النبي (ص)، واذ به أصفر اللون، غائر العينين، ووجده في حالة غريبة، قال: ياهذا مابك؟ قال: يارسول الله: انني لا أستطيع أن أنام، لاني أسمع دائماً حسيس النار، وأرى نعيم الجنة وأجد نفسي دائماً أمام ربّي، فحينما ذهب الشاب، قال: النبي (ص) لاصحابه:
((هذا عارف فعلاً.. وصدق هذا الفتى)).
وفي احدى الحروب الاسلامية، أسر المسلمون جندياً من جنود العدو، فاستعبدوه فجلس بينهم قال: الى ما تدعون؟ قالوا: ندعوا الى ربّ العالمين خالق السموات والارضين والذي فطرهن وهو بكل شيء عليم، قال: ومن ربّ العالمين؟ قالوا: ان علمه وقدرته وتدبيره محيطة بكل شيء، فحينما وصفوا الله له تجلى ربه لقلبه فغمر قلبه نور الايمان. واتصل بالرفيق الاعلى. فاتصل قلبه قبل أن يتصل جسده، وتغيرت حالاته، قال اعطوني برامج دينكم ومناهجه وشرائعه وأحكامه قالوا له، الصلاة، القرآن، فأخذ يصلي، وحين الطعام دعوه للغذاء رفض أن يأتي، ولم ينم الليل وهو جالس في حالة غريبة، قالوا له: نم وارتح، قال وهل يستطيع أحد أن ينام أمام الله جبار السموات والارض خالق كل شيء، لا أستطيع أن أنام، ولا أستطيع أن آكل، فبقى ثلاثة أيام دون أن يأكل أو يشرب أو يرتاح الى أن توفاه الله برحمته.
هذه حالات العارفين بالله حق معرفته، فهل نحن منهم؟!
يقول الامام علي عليه الصلاة والسلام:
((لولا أن المؤمنين قد قدّر الله لهم آجالاً محددة تحلقت أرواحهم الى الله شوقاً اليه، وخوفاً من ناره، ورغبة في جناته))


طبيعة العرفان

هذه هي طبيعة العرفان، المعرفة بالله حق المعرفة وأؤكد على كلمة المعرفة، وكذلك الاتصال بالله تعالى، التي عبرت بها عن هذه الحالة لا تستطيع أن تكشف من حقيقة ما أريد أن أقول، لذلك يصبح هؤلاء مشتاقين الى لقاء الله سبحانه وتعالى، في كل ساعة، وكل يوم، وفي كل حين، وفي أي مكان، متى ما ينتهي وقت الاختبار في الدنيا وننقل الى الآخرة. حيث نعيم الله وجنانه، فهم ليسوا واثقين من أنفسهم، لانهم يتهمونها دائماً، ولكنهم واثقون من رحمة الله ومغفرته لانهم عرفوا الله، وعرفوا ان الله لا يخيب ظنهم، وعرفوا انّ الله سيغفر لهم ذنوبهم حينما يتوفاهم.
((الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة))
فالملائكة تستبشر بأرواح الصديقين، وأرواح الشهداء، وأرواح الاولياء، فتستقبلهم في أول لحظة من لحظات انتقالهم من الدنيا الى الآخرة، ولذلك جاء في الدعاء:
((واجعل خير أيامي يوم ألقاك)).
ذلك اليوم هو خير أيام حياتهم لانهم أنهوا الامتحان وانتهت الصعاب وجاء وقت الجزاء، الذي لا ينتهي، وهل هناك جزاءٌ أفضل من رضى الخالق سيدنا والهنا وحبيب قلوبنا الذي ننتقل اليه، ان هذه الحالة، وهذا الاتصال يعطيهم الامل والاستقامة.


ماذا تعني الاستقامة

ان الاستقامة صعبة على أولئك الذين ليسوا متصلين بروح الله، ولا بنروه، أما بالنسبة الى المؤمنين فيضحكون ويستبشرون بما أتاهم، ولا يعني الضغط بجميع أشكاله وألوانه شيئاً بالنسبة اليهم، فيتمثل أحدهم أمام الحجاج بن يوسف الثقفي، ويقول: كيف أقتلك؟ فيجيبه: ياهذا أنظر لنفسك واختر أنت كيف تريدني أن اقتلك في يوم القيامة!! فتجاوز كل عقبات الخوف والارهاب، وقال ورأى المستقبل في يوم القيامة، لان يعلم أن الحجاج لا يملك شيئاً، وان هذا الظالم إنما يقضي في هذه الحياة الدنيا، كما قال السحرة التائبون الذين كانوا حول فرعون:
قال الله تعالى:
((فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا)) (72/طه).
ان هذه هي حقيقة الاتصال بالله، ولهذا فترى أصاحب الامام الحسين (ع) في كربلاء، كما جاء في الاحاديث لم يكونوا يشعرون بحر الحديد، وفي الواقع ان أجسامهم لم تتبدل الى أجسام أخرى تحس بتعذيب الظالمين، ولكن شوقهم الى الجنة، واتصال أرواحهم بنور الله تعالى، جعلهم لا يتأثرون بثقل الحديد، ولا بالقتل الشنيع.
أحدهم كان في أتون المعركة وفي حر الصحراء الشديد، والاعداء محيطون به يرشقونه بالنبال كوابل المطر، وجراحاته تنزف وتقطر دماً، ومع ذلك ينظر الى السماء ثم يقول يا أبا عبد الله هذا وقت الصلاة وأريد أن أصلّي آخر صلاة لي وراءك يا أبا عبد الله.. ما هي هذه الروح؟
في أشد لحظات حياته لا ينسى الصلاة، بل ولا ينسى مستحباتها، ويريد أن يصلي الصلاة جماعة، فيقول له الامام الحسين: أحسنت ذكرت الصلاة جعلك الله من المصلين، فبشره بأنه يحتسب عند الله تعالى من المصلين، فوقف الامام الحسين في يوم عاشوراء بعد أن قتل أصحابه يصلي صلاة الظهر.
هؤلاء هم الصفوة الذين اتصلت أرواحهم بنور الله، فمنحهم الله الاستقامة، والحركات الاسلامية اليوم الذين يريدون تحرير بلادهم وشعوبهم بل وسائر الجماهير من رجس الطغاة والانظمة الفاسدة، عليهم أن يحرروا الانسان من الجبت والانحرافات العقائدية، ومن الغفلة، والنسيان، ومن حب الدنيا، ومن التورط في الشهوات.
والحركات الرسالية تتحمل صعوبات أكبر، لان أهدافها أكبر، ولانها لا تريد فقط تحرير الارض، بالرغم من ان تحرير الارض شيء عظيم، ولكنه ليس الهدف الاساسي، وإنما الهدف هو تحرير الانسان، وهذا الهدف لا يتحقق الا بعد ازالة الطغاة، ولكن لا يعني ذلك ان هذا هو الهدف الاول والاخير، فيحررون الارض ويحررون الانسان، بل وقبل ذلك وأهم من ذلك أن يحرروا أنفسهم من ضغط الشهوات، ومن أغلال النفس وقيود الجبت.
ان الجهاد في سبيل الله تعالى، والصراع مع الاعداء ينعكس على النفس البشرية، فالانسان الذي يجاهد في سبيل الله تعالى مخلصاً يكون الجهاد بالنسبة اليه معراجاً يعرج بروحه الى الله تعالى.
((والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا)) (69/العنكبوت).
ان الذين يجاهدون في سبيل الله، يعرفون الطرق المؤدية الى الله سبحانه وتعالى، وهذا هو هدف الانبياء (ع)، وفي كربلاء نجد نماذج من هذه الاستقامة، ومن هذا النوع الجهاد، وأبعاد استقامة الامام الحسين (ع) في يوم عاشوراء من خلال قراءة دعاء عرفة والتدبر فيه، وخصوصاً في كلمته التي يقول فيها:
((فان لم تكن غضبت عليّ فلا أبالي سبحانك غيرك ان عافيتك أوسع لي)).
والعافية أحسن من المرض، والسلم أفضل من الحرب، والامن أفضل من الخوف، ولكن ليس هذا هو الهدف الأساسي، إنما الهدف الاساسي هو الرضا، جاء رجل للامام جعفر الصادق (ع) وقد سأله الامام : كيف أصبحت؟ فقال: ((يابن رسول الله أصبحت والمرض أحبّ اليّ من الصحة والفقر أحبّ اليّ من الغنى، والخوف أحبّ اليّ من الامن)) فقال له الامام (ع): (أما نحن فلسنا كذلك) فقال الرجل: كيف؟ قال الامام(ع): (نحن اذا أراد لنا الله الخوف، فالخوف أحب الينا من الامن، واذا أراد لنا الامن، فالامن أحب الينا من الخوف، واذا أراد لنا العافية، فالعافية أرضى لنا، واذا أراد لنا المرض، فالمرض أرضى لنا، ما يريده الله نحن نريده، أو نحبه).
هذا معنى كلام الامام الحسين في دعاء عرفة، وهو هدف يجب أن نضعه نصب أعنييا دائماً.


الامام الحسين (ع) القدوة والمثال الرسالي

ان الذي يقرأ دعاء عرفة ويتدبر فيه، ويقرأ خطاب الامام الحسين (ع) في مكة المكرمة، وفي المدينة، ورسائله الى العلماء التي بعثها، ربما يكتشف جانباً بسيطاً من شخصيه الايمانية ويعرف لماذا كان الامام الحسين (ع) في كربلاء يفقد أعزّ أصحابه، وأعز أنصاره وهو يحبهم ويشفق عليهم ولكن مع ذلك حينما فقد كل أصحابه ومعظم أهل بيته وحتى طفله الرضيع، حمل على القوم يقول حميد بن مسلم: (فو الله ما رأيت مكسوراً قط قتل أصحابه وأبناؤه وأهل بيته أربط جأشاً منه).
فقد كل شيء في الحياة ولكنه لم يفقد شيئاً واحداً هو أهم الاشياء، وهو الله سبحانه وتعالى، فدخل الامام الحسين (ع) المعركة وكلما قتل أحد يقول: ((الله أكبر)) ويرفع صوته بالتكبير لكي تعرف نساؤه وأهل بيته من الخيام أنه لا يزال حياً، لانه أمل النساء والاطفال والأرامل واليتامى الذين لم يكونوا-آنئذ-يملكون أحداً غير الامام الحسين وكل من كان يقتل ويستشهد في المعركة كانت تقول زوجته الارملة، وأولاده اليتامى، لابأس ان قتل أبونا أوقتل أخونا وقتل أزواجنا مادام الامام الحسين (ع) موجود، هو سبيلنا الفريد والعماد الذي نأوي اليه، لذلك كان يرفع صوته لهم بالتكبير وهو يخوض تلك اللجج من جيوش الاعداء الذين أحاطوا به من كل جانب، والبعض قال ان عددهم (30 ألف مقاتل، وقال البعض ان عددهم نصف مليون) ولكن حينما تتصور (30 ألف فارس مسلح) أمام رجل واحد هو الذي يحاربهم، وينكشفون أمامه انكشاف المعزى عن الاسد، انه لشيء عجيب!!.
وهنا لا نريد أن نبحث كل الجوانب المأساوية في قضية الامام الحسين (ع) وكيف رضخ بالحجارة، ورمي بالسهام، وضرب بالسيوف، وقد قاموا بكل الاعمال غير الانسانية، والجرائم بحق الامام الحسين (ع) ومع ذلك كشف القوم حتى دخل المشرعة، يقول الرواة:
(كان هو عطشاناً فأدخل الفرس رأسه في الماء ليشرب الماء فقال الامام الحسين (ع) أنت عطشان وأنا عطشان فاشرب الماء، وكأن الفرس أحس بذكاءه الخاص ونباهته وخصوصاً الفرس العربي الاصيل، وفرس الامام الحسين (ع) كان فرس النبي (ص)، فرفع الفرس رأسه من الماء، والذي اغترف الامام الحسين-عليه الصلاة والسلام-مقداراً من الماء ليشرب، فقال له رجل: يا أبا عبد الله أتشرب الماء والخيل أحاطت بحرمك!! رمى الماء، وعاد ليتأكد من سلامة حرمه، فكشفهم عن حرمه ثم عاد الى المعركة، وعادوا مرة أخرى، وهكذا كلما انهزموا أمامه عادوا الى حرمه، ليهددوه بأسرهم، فيعود الى حرمه لا يعرف هل يحارب أم يدافع عن حرمه وهو يمنى الارامل واليتامى في مخيمه بالماء. عندها رضخوه بالحجارة فأصابت حجارة جبهته الكريمة كما أصاب السهم مرة جبهته، ثم أصيب اصابات بالغة).
يقول الرواة:
(في اللحظات الاخيرة من حياة الامام الحسين-عليه الصلاة والسلام-تعرض جسده بما لا يقل عن مائة ضربة من مختلف الاسلحة، وجسمه الشريف أصبح كالقنفذ من كثرة نبت السهام عليه، لكن مع كل ذلك وفي كل تلك اللحظات يقول:
((هوّن عليّ ما نزل بي بعين الله).
ان الامام الحسين (ع) حينما يقول ((الله أكبر)) فان قلبه يتجدد استقامة وصبراً وصموداً، وحينما هوى الى الارض لا يجد كلمة يعبر بها عن واقعه إلا تلك الكلمة التي تكشف طبيعته وشخصيته وتصبغ حركته كلها بصبغة الايمان قال:
((رضاً برضاك، لا معبود سواك)).
هذه هي الكلمة الوحيدة التي قالها الامام الحسين-عليه الصلاة والسلام-في تلك اللحظات يقول المؤرخون: حينما وقع الامام الحسين (ع) وبه تلك الجراحات الكثيرة وحوله الاعداء، جمع حفنة من التراب جعلها كالوسادة، ووضع رأسه عليها وأخذ يناجي ربه وكأنه في طرف والدنيا كلها في طرف آخر، ولا يهمه إلا كسب رضا الله سبحانه وتعالى.. ليؤكد مسيرته الالهية الخاصة.

كيف نحيي ثورة الامام الحسين (ع)

لقد انتهت مأساة كربلاء لتبدأ مسيرة كربلاء
مأساة كربلاء انتهت بسفك أزكى الدماء، وسبي أطهر النساء، وفاجعة لم يسبق لها مثيل عبر التاريخ، وابتدأ من بعد ذلك اليوم مسيرة جديدة، لان هذه المأساة تحولت مع الزمن الى مسيرة، وهذا المسيرة تحولت الى حقائق راسخة توغلت في عمق الانسان حتى اصبحت جزءاً منه وكأنها من سنن الكون.
ولكن من الذي قاد هذه المسيرة؟
قبل أن نجيب على هذا السؤال لابد أن نلفت أنظاركم الى دور الثقافة في الثورة.
كلّنا يعرف ان الثقافة هي عصب الثورة، وعلى قاعدة التوحيد والايديولوجية تبنى الثورات، ومن هذه القاعدة تنطلق.
ولولا ايمان الثائرين الذي يدفعهم الى التضحية من أجلها ووجود فلسفة الشهادة في الامة الاسلامية، إذن لما كانت الثورات ممكنة الحدوث عبر التاريخ، خصوصاً الثورات الاسلامية، بما كانت تملك من بطولات، ومن شجاعة.
إلا أن دور الثقافة لا ينتهي عند هذا الحد، لان الدور الاعظم للثقافة يبدأ بعد الثورات، وسواءاً انتهت الثورات بانتصار أو بنكسة مؤقتة، فان للثقافة دوراً أساسياً لها.
ان الاسلام منذ البداية قام على أساس التضحية والفداء، والتعبير الذي يقول:
((ان الدم ينتصر على سيف)) هو التعبير الموجز المستلهم من الآيات القرآنية وخصوصاً من قوله سبحانه وتعالى على لسان أحد الانبياء:
((ربي اني مغلوب فأنتصر)).
وهو تعبير يلخص تاريخاً حافلاً بالدماء والدموع يلخصه هذا التعبير البسيط الذي يقول:
((الدم ينتصر على السيف)).
ولا ريب ان الثورة الاسلامية حتى في بداية انطلاقها في عهد الرسول (ص) كانت تعتمد على دماء الشهداء الذين يقتلون في سبيل الله، ولكن ان لم يكن هناك لسان ناطق باسم هذا الدم، ولم تكن هناك فكرة معبرة عن تلك الشهادة فأن الدم سيذهب هدراً، وان القتل سينسي، وبذلك لا يحققان أهدافهما المقدسة.


مسؤولية بقايا الدم والسيف والشهادة

وفعلاً لو انتهت مأساة كربلا باستشهاد أبي عبد الله الحسين (ع)، فلا ريب ان كلام ذلك الانسان الضعيف الخائر الارادة الذي قال: بأننا سنقتل في هذه الصحراء وينسانا الناس ولا يعلم بنا أحد، لكان كلام هذا الرجل صحيحاً.
في تلك الأيام كانت المعارك كثيرة، والصراعات-سواءاً-الداخلية أو الخارجية منها كانت بالعشرات بل بالمئات وفي طرف من الارض استشهد مجموعة من المسلمين دفاعاً عن قضيتهم، من الذي سيذكر هذه الحادثة؟
لولا ذلك اللسان الناطق باسم الثورة والمتمثل في زينب الكبرى (ع) التي حملت ماساة كربلاء معها تطوف بها كل أرض، وكل مصر.
هذا هو دور الثقافة.. دور الاعلام، ان الشيء الذي يحيي الشهيد ويميته هو الاعلام، لذلك فان مسؤولية الباقين من بقايا السيف وبقايا الدم والشهادة مسؤولية أكبر من مسؤولية الماضين حينما يقوم نظام طاغوتي، كنظام صدام بإعدام الصفوة من أبناء أمتنا في العراق، فأن أولئك ذهبوا الى ربهم في جنات عرضها السماوات والارض أحياء يرزقون عند ربهم، في مقعد صدق عند مليك مقتدر، وما أحلى الشهادة وما أحلى اللقاء بعد الشهادة.
ولكن من الذي يمسك بيده مصير هذه الصفوة المستشهدة في وطننا الحبيب العراق؟
مسؤولية أصحاب القلم.. وأصحاب الفكر اذا حملوا مسؤولياتهم فأنهم لا يحيون فقط شهدائهم بل يرزقون شهدائهم رزقاً دائماً حسناً
فحينما يسقط شهيدا لابد أن يرتفع من حوله على كل بقعة دم من دمائه الطاهرة علم يدعو باسمه، يصنع منه سيفاً يلاحق الطغاة به في نومهم وفي يقظتهم!! ولكن اذا سقط شهيد وسكت الآخرون، فإن ذلك يعني انهم اشتركوا في جريمة قتله، واشتركوا في موته، فإن أماته الطاغوت مادياً فقد اماته الناس معنوياً لذلك قال القائل:
((أولئك الذين مضوا قاموا بدور الامام الحسين (ع) وأولئك الباقون يجب أن يقوموا بدور زينب وإلا فسوف يكونون من أتباع يزيد)).
ان دم الامام الحسين (ع) في كربلاء يشكل من كل قطرة دم زكية رافداً أثار أحاسيس الشعراء، بل ان لم أبالغ ان هذه القطرة من الدم صنعت الشعراء، فالانسان الذي يحمل قضيةً وأحساساً، هو الانسان الذي يريد أن يعبر عن هذه الوصية بصدق، فيبحث عن وسيلة للتعبير، والحاجة أم الاختراع، وسيجد بعدها وسيلة اللسان والشعر، وهي الوسيلة المناسبة للتعبير عن آهاتهم وأحزانهم وآلامهم وعن قضيتهم الانسانية.


دور الشعراء في الثورة

في وادي كربلاء، بدأت وسيلة الشعر ابتداء من أراجيز الشهداء قبل استشهادهم ثم بعض الابيات المنسوبة الى أبي عبد الله الحسين (ع)، أو الى سكينة بنت الامام الحسين-عليه الصلاة والسلام-هذه الابيات المعروفة:
((شيعتي مهما شربتم عذب ماء فذكروني
أو سمعتم بشهيد أو قتيل فأندبوني
فأنا السبط الذي من غير ذنب قتلوني
وبجرد الخيل بعد القتل عمداً سحقوني))
هذه الابيات كلها أنطلقت من كربلاء نفسها في يوم عاشوراء، أو الابيات التي نسبت الى زين العابدين حول الحر بن يزيد الرياحي.
هذا الشعر أمتد الى الكوفة على يد [كميت] وأمتد الى خراسان على يد شاعر أهل البيت دعبل الخزاعي، واستمر مع الحمدانيين بأبي فراس الحمداني بالذات، أو كالشعراء الآخرين كالشريف الرضي، والشريف المرتضى وغيرهم، فكانت رسالة الشعر رافداً انطلق من كل قطرة من قطرات الشهيد المظلوم في كربلاء.
ربما الامام زين العابدين حينما كتب على قبر الامام الحسين (ع) بأصبعه الشريف (هذا قبر الحسين بن علي الذي قتل عطشاناً مظلوماً) هذه الكلمة كانت الاشارة الخضراء التي فتحت لهذا الرافد أوسع أبوابه.


رسالة الكلمة

إن دماء الشهداء رافداً آخر للتعبير عن أحداث الطف هو رافد الخطب اللاهبة، وقد كانت زينب الكبرى تقذف لهباً وحمماً في وجه الطغاة، ابتداء من كربلاء حيث خاطبت عمر بن سعد في يوم عاشوراء خطاباً، فبكى وجرت دموعه على لحيته الخبيثة، وكذلك في الكوفة وقد قال أحد الخطباء بأن أعضاء ثورة التوابيين سجلوا أسمائهم تحت منبر زينب الكبرى في الكوفة، وهذا صحيح، فلما ألقت ذلك الخطاب وأثارتهم وكشفت واقعهم الفاسد بكل عنف-وفي نفس الوقت-بكل بطولة حينذاك أخذ بعضهم ينظر أنحن الرجال أم هذه المرأة هي الرجل الحقيقي!
إمرأة فقدت كل أعزتها وهي وحيدة مع ذلك فهي لا تتحدث فقط عن ظلم الطغاة وعن انحرافهم، بل تتحدث عن سكوت الجماهير، وعن مدى اشتراكهم في الجريمة لو استمروا ساكتين وهذه هي الشجاعة.
أن يقول المصلح كل الحقيقة، وانها حقاً رسالة الكلمة التي تحولت الى رافد.
الخطب لم تعد بعد كربلاء خطباً فارغة، وإنما كانت الخطابات والاحاديث تبدأ بذكر الامام الحسين (ع) وتنتهي بهذا الذكر، وهكذا تحولت كل قطرة من قطرات دام الامام الحسين (ع) الى رسالة الكلمة.


روافد الثورة

والقطرات الاخرى تحولت منها الى رسالة والى رافد جرى في عروق الثائرين عبر التاريخ، وآخر جرى في عروق العلماء والمفكرين. وآخر جرى في عروق الناس ورفعهم الى كل معاني الانسانية والتضحية.. ولكن الذي يعنينا هنا هو رافد الثقافة.
فبعد أن يقوم الشهيد بدوره، يبدأ الدور الحقيقي والاساسي وهو دور الكلمة، والثقافة، والاعلام، سواء بالكلمة الموزونة (الشعر) أو بالكلمة (النثر) الناطقة.
هذا الدور هو في الواقع منعطف خطير الى الثورة، فأن قام به الباقون انتصرت الثورة.. وإلا فأن مصير الثورة سيكون على كف متأرجح.
الامام الحسين (ع) كان يعلم هذا الدور، وكان يخطط له منذ البدء بطريقة معينة للاستفادة من هذا الدور، ولذلك صحب معه زينب وسائر لمخدرات من أهل بيته.


الارادة والوعي والعزم، ثلاثي الرسالي

الاسلام لا يريد للانسان أن يخضع قسراً لرسالة السماء، إنما يريد الانسان أن ينتمي الى الرسالة وينمي فيه الارادة والعزم والوعي لكي يصل بوعيه وبفكره وبارادته الى مستوى الايمان الرسالة.
والذين يستشهدون في طريق الحق.. لا يهدفون العلو الى السلطة، ويفرضوا على الناس فكرة معينة. واذا كانوا على هذا الطريق، لا يوفقهم الله لذلك ، حتى وان أرادوا لان الله لا يريد لعباده المؤمنين أن يتحولوا الى أرهابين.
ولكن إنما يهدف أولئك بشهادتهم.. أن يفسحوا المجال واسعاً أمام الثقافة والوعي ليأخذ محله في رفع الناس الى مستوى الايمان.
كان ذلك هدف كربلاء.. ومن الاهداف التي رسمها الله تعالى من فوق عرشه لهذه الارض، ولبطل هذه الارض الامام الحسين (ع).
كان ذلك من الاهداف الاساسية لفتح المجال أمام الخطباء والكُتّاب والاعلام، امام الناس ليفهموا الحقيقة.


الامام الحسين (ع) سفينة النجاة

حينما نسمع حديث الرسول (ص) وقول أحد الائمة:
((كلنا سفن النجاة.. وسفينة الامام الحسين أسرع، كلنا باب النجاة وباب الامام الحسين أوسع)).
وحينما يقول الرسول (ص):
((الحسين مصباح الهدى وسفينة النجاة)).
يعني ان الامام الحسين (ع) كان يريد أن يأخذ الناس المنحرفين الى الجنة عبر فتح المجال واسعاً أمام هداية الناس.


فلسفة كربلاء

لماذا قتل الامام الحسين (ع)؟
ولماذا جاء باصحابه وأولاده وأهل بيته وحتى طفله الرضيع، وذبح في كربلاء.. لماذا؟
الجواب يأتي من قبل الذين حملوا رسالة الامام الحسين (ع) من بعده كما رأينا من أمثال.. زينب الكبرى (ع)، وفاطمة الصغرى (ع) وأم كلثوم (ع)، وثم سكينة بنت الامام الحسين (ع) التي عمرت طويلاً والى آخر أيام حياتها كانت تندب أباها الحسين (ع).
إن فلسفة كربلاء لا تتلخص في أن الامام الحسين (ع) علّم الناس كيف يحمل السيف، ان حمل السيف بسيط للانسان، وإنما أثار في أذهانهم إنه إنما قتل ليتحمل بعض ذوي الضمائر الحية رسالتهم، ويرتفع مستوى وعي الناس ومستوى أرادتهم، الى قمة الايمان وقمة الالتزام.. وهذا يقوم به كل الناس..
إن دور الثقافة هو جزء من فلسفة شهادة الامام الحسين (ع).. وهي مسؤولية ملقاة على عاتق الباقين.


ثورة الامام الحسين (ع) والحركات الرسالية

ليس فقط في أيام الامام الحسين (ع) المسؤولية كانت ملقاة على عاتق زينب الكبرى، والامام الزين العابدين (ع) وإنما هذه المسؤولية باقية الى يومنا هذا، فالامام الحسين (ع) لايزال حياً متجسداً في من يحمل رسالته، ولا يزال يزيد طاغوتاً متمثلاً في فكره الفاسد، بل في من يمثل دوره من الطغاة،
وقضية كربلاء لا تزال تحمل آفاقاً لم تكشف بعد، ولاتزال فيها أبعاد لم يعرفها الناس إذ يكفي فقط معرفة ان الامام الحسين (ع) حق في مواقفه، من خلال كلماته، من خلال علمه، وإنما أن نعّرف الناس بما فيه الكفاية بشخصية الذين كانوا في كربلاء، شخصية زينب الكبرى، والذين حملوا رسالة كربلاء.. القضية الى الآن فيها آفاق لم يرتادها الناس.
واذا اكتشفت هذه الآفاق فأنها بقدرها سوف تعطي زخماً للثورة، وتعطي لهذا التيار المبارك دفعات جديدة، ولذلك تبقى الرسالة هي الرسالة، وتبقى مسؤوليتها عن واقعة كربلاء لا تقل عن مسؤولية زينب الكبرى (ع)، وزينب هي الاخرى حملت مسؤوليتها وكانت قريبة من عصر الامام الحسين (ع)، ونحن قريبون من عصر الثورة القادمة ان شاء الله.
وبالتأكيد كانت حركة الامام الحسين (ع) تمهيداً لمثل الثورة الاسلامية في ايران، وقد حددنا المفارقات في موضوعات سابقة بين قيام الامام الحسين (ع) وبين الحركات الرسالية في التاريخ بقيادة الانبياء (ع) وبينا أن كل ذلك مستوحاة من سورة الشعراء في نهاية هذه السورة ذكر دور الثقافة والاعلام، حيث تنتهي بهذه الآيات التي هي سبب في تسمية السورة بهذا الاسم، انها تقول:
((هل أنبئكم على من تنزل الشياطين  *  تنزل على كلّ أفّاك أثيم  *  يلقون السمع وأكثرهم كاذبون  *  والشعراء يتبعهم الغاون  *  ألم ترانهم في كل واد يهيمون  *  وانهم يقولون ما لا يفعلون  *  الّا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيراً وانتصروا من بعد ما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون)) (221/227/الشعراء)
الشعر سلاح ذو حدين، والقرآن يقول الشعراء قسمان:
أولاً: الذين يعوضون بالكلمة عن الفعل ويتيهون في وادي الخيال ويتبعهم الناس الذين لا هدى لهم، وهؤلاء يذمهم القرآن الحكيم ويسمي شعرهم بالافك ينطلق من وحي الشيطان.
ثانياً: الشعراء المؤمنون الذين يعملوا الصالحات ويكون سلوكهم سلوكاً صالحاً. ولكن هل هذا يكفي؟
القرآن يقول الشعراء الحقيقيون هم الذين ينتصرون من بعد ما ظلموا، تدبروا في الآية:
((وانتصروا من بعد ما ظلموا)).
الشاعر الحقيقي هو الذي يحمل قضية المظلومين، ويحيّر شعره في قضية الانسان، وهذا هو الشاعر الذي يمدحه القرآن.
ويبدو هذا واضحاً من خلال التاريخ، ومن خلال هذه الآية الكريمة ونستوحي ان من يستطيع أن ينطق ويقول شعراً، أو يلقي خطاباً، أو يؤلف كتاباً، لابد أن يصطدم في بداية عمله بعقبات اجتماعية وأخرى سياسية، ومن ثم عقبات اقتصادية.
لو أفترضنا ان احد المؤلفين كتب كتاباً بكل ما يراه حقاً، ثم نشر هذا الكتاب، فمن الطبيعي ان الآخرين لا يرون رأيه مما يدفعهم الى مخالفته.
وأزاء مخالفتهم في الرأي يصطدمون به وصطدم بهم.. أليس كذلك؟
وفي هذا الوقت الى ماذا يحتاج؟
يحتاج الى المقاومة والنضال، لان الشاعر الذي يحمل رسالة المظلوم ورسالة الانسان المحروم والمستضعف، لا يردعه الطغاة ولا يردعه الفاسدون في الارض المستكبرون من الرأسماليين والاقطاعيين والعسكرتاريين وغيرهم.
وهنا يتبين مدى صمود هذا الشاعر، والقرآن يقول ان الشاعر الحقيقي هو الذي ينتصر من بعد ما ظلم وحين يحاول الطغاة اسكاته يقاومهم بكل قوة، ويتحدى الوضع الفاسد الذي يود إركاعه واخماد صوته الثوري.


الشاعر المستضعف لسان الثوري

الشعراء المناضلون في التاريخ كانوا يعيشون على أكل خبزة يابسة، وينامون في الشوارع، ويهيمون على وجوههم في الصحراء، ولكنهم يحملون رسالة الشعر الحقيقية.
فالفرزدق الذي كان من الموالين لاهل البيت (ع) وكان والده أيضاً من أصحاب الامام علي (ع)، هذا الرجل مرّ بالامام الحسين(ع) وهو يسير باتجاه مكة، فقال له: يابن رسول الله.. الى أين تذهب؟ قال: الى الكوفة، قال: يابن رسول الله لا تذهب الى الكوفة، لانهم لن يستقبولك، قال الامام: كيف تجد الناس؟ قال: يابن رسول الله (قلوبهم معك وسيوفهم عليك)
لم يتقبل الامام الحسين (ع)كلامه، وذهب، فأثرت هذه الحادثة في قلب الفرزدق أثراً بالغاً.. ويخيّل لي، ان الفرزدق وقف يرقب قافلة الامام الحسين (ع) وهي تتجه الى الموت.
وقف طويلاً ينظر الى هذه القافلة قبل أن يبتلعها غبار الصحراءن وبقى أثر تلك النظرات في قلب الفرزدق حتى انفجر شعراً في وجه النظام الاموي، وفي مكة المكرمة وعند البيت الحرام وفي مدح الامام زين العابدين-عليه الصلاة والسلام-ابن الامام الحسين (ع) في قصيدته المشهورة:
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته والبيت يعرفه والحل والحرم
هذا ابـن فاطمة ان كنت جاهله بجـده أنبياء الله قد خـتموا
وفي يومه كان الشعراء هم الحكماء وألسنة الجماهير، وهم الجهاز الاعلامي الوحيد تقريباً في ذلك اليوم وفي ذلك العصر.
وهذه القصيدة كانت من القصائد الاساسية التي ساهمت في اسقاط بني أمية وحيث تحمل مسؤولية شعره، وذهب راضياً الى السجن.. هذا الشاعر الذي انتصر من بعد ما ظلم، كما يقول الله سبحانه وتعالى، وهكذا دعبل الخزاعي تراه يهيم على وجهه في الصحراء عدة سنين وهو يحمل خشبته على كتفه، فجاءت مجموعة من اللصوص وسطوا على قافلة دعبل الخزاعي، وهم يرتلون أشعاره بعدما سرقوا كل ملابسه وأمواله، وسألهم ما هذه الاشعار التي تقرؤنها؟
قالوا هذا شعر الشاعر العظيم، شاعر المحرومين شاعر المستضعفين (دعبل)!، قال أتعرفون دعبل؟ قالوا: لا. قال: أنا دعبل، قالوا: لا نصدقك!! وجاءوا به الى رئيسهم، فلما كلمه عرفه.
كان شعره أنشودة يرددها كل البؤساء لانه كان جزءاً من هذه الطبقة المحرومة، وهكذا (ابن السكيت) بطريقة أخرى دافع عن هذه الطبقة.
ان الذي يريد أن يحمل رسالة الشعر-رسالة الكلمة-لابد أن يكون ممن قال عنه الله سبحانه وتعالى:
((إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيراً)) (227/الشعراء).
يكون هدفه ذكر الله تعالى، وشعره في توجيه الناس الى الله سبحان وتعالى:
((وانتصروا من بعد ما ظلموا)).
ثم القرآن الكريم يبين ويقول:
((وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون)) (227/الشعراء).
وبهذه الآية المباركة التي يبدأ الخطباء والعلماء أحاديثهم، ونعم ما يبدأون.
أيها الخطباء، يامن تحملون رسالة الشهداء في التاريخ، يامن تحولون دم الشهيد الى روافد، يجب أن لا تزرعوا اليأس في قلوب الناس، بل يكون هدفكم هو زرع الشجاعة والامل وزرع الرجاء في قلوب الناس.
ونرجوا من الله سبحانه وتعالى أن ينصر أمتنا.
ومن هنا، فإن هذه الآية المباركة تحمل الخطباء مسؤولية تحويل دماء الشهداء الى قنوات جادة للعمل الاسلامي، معتمدة في ذلك على زرع الشجاعة والامل والرجاء في قلوب الناس، بدلاً من تثبيطهم عن الجهاد.
نرجوا من الله سبحانه وتعالى أن ينصر أمتنا الاسلامية على أعدائها الحقيقين في صراعها الطويل.
الفهرس
ثورة الامام الحسين (ع) دروس وعبر.. كربلاء ينبوع الثورات...
الامام الحسين (ع) وارث انبياء الله.. كربلاء نهاية الظالمين...
هكذا ورث الامام الحسين(ع) كليم الله.. ثورة الامام الحسين (ع) تجسيد لرسالات السماء...
طاعة القيادة وسيلة النجاة.. كيف نحيي ثورة الامام الحسين (ع)...
كربلاء والانتصار على الذّات..

 
 
البرمجة والتصميم بواسطة : MWD