1439 / جمادی‌الاولى / 1  |  2018 / 01 / 18         الزيارات : 528907         صلاة الصبح |         صلاة الظهر والعصر |         صلاة المغرب والعشاء |

الحكم والأخلاق في منطق الثورة الحسينية

{ محمد شعاع فاخر }
الحكم والأخلاق في منطق الثورة الحسينية

المقدمة
وامتدت واقعة كربلاء هذا الزمن الطويل واستغرقت الحقب والآباد وشاخت الدهور ونضبت العصور وما زالت كما وقعت غضة جديدة .
بل زادت رنة اسىً وعبرة عين وعِبْرة عقل على يوم وقوعها اضعافاً مضاعفة فما كانت في العام الواحد والستين تخرق الدنيا مواكبها ويكتض الفضاء على اتساعه بحناجر الهاتفين بحياة شهدائها ودمار أعدائهم .
وما كانت تكسو الدنيا بلون السواد وثياب الحداد إذا بدا هلال محرمها .. وما كانت عواصم العالم ومنها عواصم ما كانت موجودة ابان وقوعها تفتح ذراعيها لكتائب عزائها .
لقد كانت آنذاك عبارة عن أنّه مكلوم ودمعة أسير وآهة يتيم ورنة اسىً هنا وهناك . وصوت نادم على فوات الفرصة تتردد حسراته مابين جنبه والطباق أن لا يكون شارك وفاز فوزاً عظيماً معهم .
وكانت أيضاً قطعة شعر يقولها ثائر مستنهضاً الهمم ومستثيراً العزائم على بني امية .
تبيت النشاوى من امية نوماً     وفي الطف قتلى ماينام حميمها
وأمثال ذلك .
فما الذي فجّر العالم بها وشغل البشر عن كل شيء إلاّ عنها وتهافت الناس على أيامها يستعيدون ذكراها بمختلف الأساليب وهنا تستوقف الباحث هذه البؤرة التي تجتمع الحقائق عندها كاجتماع الأشعة في العدسة الزجاجيّة .
يقف متسائلاً وضارباً العلل والاسباب بعضها بالبعض الآخر ليستخرج السبب الحقيقي الذي تطمئن إليه النفس ويرتاح الضمير ويخلد العقل إلى بلوغ الحقيقة ولن يعرف السبب الواقعي إلاّ برد المسئلة إلى المشيئة الربانية .

الصفحة 4
لأن الأسباب جميعها تعقم وتعلن الافلاس أمام هذا الامتداد الغريب ولا يصمد أمام البحث إلاّ السبب الرباني إن واقعة كربلاء مشيئة ربانيّة اقتضتها حكمة الله أن تكون بأزاء القرآن والشريعة فاعلة في الاُمة فعلهما باعثة الأمة من كبوتها حاملة لها على التنكر لواقعها المفروض عليها من القوى المتعالية ومراكز الانظمة المستبدة .
وما كانت هذه الواقعة حالاً تحول ولا قوة تزول إذ أنّها ارتبطت بديموميّة الكتاب وخلود الشريعة وبقاء الدين ممتداً على الزمن كله .
وما دامت هذه العناصر خالدة ومادام الإنسان بحاجة إليها ومادام النسخ لا يأتي عليها فالواقعة الكربلائية أو الثورة الحسينية باقية أبداً أو تزول العناصر المتقدّمة وفي عثورنا على السبب الواقعي نكون وقفنا على أصل الواقعة وحقيقتها الجوهرية ولم نقنع بالعوارض كبعض الباحثين الذي عرفوا شيئاً وغابت عنهم أشياء .
إنّ حقيقة هذه الثورة ليست الحرب وإن كانت شرسة غير متكافئة ففي طرف سبعون وفي الطرف الآخر سبعون ألفاً .
واحتضنت ساعات الحرب على أديم كربلاء كل خُلق فاضل ارتفع بالانسان إلي مصاف الملائكة ويعزى إلى طرف السبعين ونقيضه كل خلق سافل هبط بالانسان إلى حضيض البهيمية ويعزى إلى السبعين ألفاً .
فكانت بطرفيها المتجادلين جدال المادة والمعنى جدال النورانيّة والظلمانيّة جدال التراب والروح اختصاراً للحياة البشرية ماضيها وحاضرها ومستقبلها أجل كما ينجم عن تنازع الزوجيّة في الكون ولادة حياة جديدة ليستمر بها الوجود نجم عن تنازع التضاد بين الفاضل والسافل لهيب الشهادة الحسينية ليستمر فاعلاً في الثورات ممداً كل نهضة وكل حركة بزخمها الجهادي الفاعل وقوام بقائها وسر انتصارها .
خلا أن الغاية من هذه الواقعة الخالدة ليست في حربها التي جمعت اسرار حروب الارض على قصر مدتها ولا في حوارها التاريخي بين أطرافها ولا في مردودها النفسي من الأسى واللوعة عند الاُمة ولكن حقيقة هذه الثورة شهادة شهدائها فهي المطلوبة على التحقيق .
لقد تركبت العلل وامتزجت الأسباب واطّردت الاحداث وتعلقت حدثاً بعد حدث لتخرج للوجود شهادة الحسين وأهل بيته وأنصاره وإذا اردت عمق النظرة فإنّ 

الصفحة 5
الحسين شأنه شأن المقدسين من اسلافه الأنبياء والأئمة خلق لا ليقاتل بل ليقتل .
مطلوب من الحسين (عليه السلام) شهادته بالكيفيّة المعهودة والطريقة الممهدة في كربلاء ولو أنّه عمل على اقتطاف النصر وترك ميدان الشهادة كما اُشير عليه من قبل الأهل والغرباء لكان عاملاً بغير ما أعد له .
مهما حاول ومهما فعل فإن أمانة الله عنده هي شهادته ومطلوب منه تأديتها على أديم كربلاء وحيئنذ لا يبقى وجه لقول القائل لم فعل ولم لم يفعل لقد فعل ما أراد الله منه وترك ما أراده الناس اراد منه الناس أن يبايع أن يسالم كأخيه أن يبقى في البلد الحرام أن يذهب إلى اليمن أن يلتحق بالثغور أن .. أن .. أن .. إلى غير ذلك وأراد الله منه أن يستشهد فعمل بإرادة الله وترك إرادة الناس وهذا العمل جزء من برنامج امامته ولولاه لبطلت وكان كغيره من سائر الناس .
وكان قول من قال : خرج ليعيد دولتهم وخلافتهم ويستل حقهم من ايدي الاُمويين كالهبائة في عصف الريح إنّ هذا الرأي تكبيل للثورة الحسينية وتحديد لانطلاقتها الانسانية الكبرى وقصر لها على المفهوم المذهبي ثمّ هو بعد مطمح يتدنّى إلى مستويات العباقرة العاديين والزعماء ذوي الاطماع المحدودة .
على أن هذا الرأي لا يسيء إلى الثورة بقدر ما يحدد عوالمها وربما ذهب إليه الأولياء أيضاً بحكم أن استرداد الحق أمر مرغوب فيه شرعاً وأدباً وخلقاً وعرفاً بل السكوت عنه مع القدرة على التغيير بوجه من الوجوه مخلٌ بالشخصية ناسب إليها الوهن والإهتزاز .
ومهما كانت الحال فإن قصر الثورة الحسينية على هذا الهدف بمنزلة وضع الشمس في لسان شمعة كلا لم يثر أبو الاحرار لأهداف في النفس محدودة وغايات شخصيّة صغيرة .. أنّه ثار من أجل الإنسانيّة لكي يحميها من الظلم والأثرة والاستبداد وانانيات الحكام وتعسفهم واسائتهم إلى الجنس البشري بأحالة وطنه عليه إلى حضائر كالمواشي والدواجن .
الحسين (عليه السلام) ثار لئلاّ يكون الإنسان داجناً وليظل طليقاً في عالم انسانيّته يستلهم من ملكانة وقابليّاته مقومات حضارته .
وأخيراً ثار الحسين لتغيير نظام الأخلاق الدولية الأخلاق التي صنعتها له 

الصفحة 6
الدولة بسلوكيّات الحكم وطرائق الحكام لا بالقصد لذلك .
الإنسان في الثورة الحسينية بمنزلة القالب الذي تتقولب فيه ظروف حياته فلابدّ من تحسين هذه الظروف لتحسين وضعه النفسي وضميره الأدبي ومن ثم بسري الحسن والكمال إلى ساير أجزاء حياته .
وفي مسير الإسلام منذ والبدء إلى اعلان الثورة الحسينية عايش الإنسان المسلم فترات صعبة احدثت فيه انقلابات داخلية ففي فترة الإسلام بلغ الغاية من سموا الأخلاق حتى ضارع المخلوقات النورانيّة وفي فترة الخلافة تدنّى مستواه الأخلاقي حتّى تجاوز خطوط الجاهليّة الاُولى والمشكلة في الإنسان المسلم أنّه ليس لنفسه فحسب بل هو لغيره أيضاً (خير أمة أخرجت للناس) فإذا تدنّى مستواه الأدبي تدنّى مستوى الدعوة كذلك .
والإنسان المسلم هو التربة المخصّبة الذي ينمو به غراس الإسلام فإذا لم يكن خصباً أو سائت ظروفه أو تغيّرت أحكام المناخ عنده لم يؤتِ غراسه المأمول منه ولم ينتج ثمرته المطلوبة وكان الإنسان المسلم في ظل الحكم غير الصالح مصادراً بكل معنى الكلمة يشعر بالتبعية للحكم حتّى فيما يعود إليه من سلوكيّات يفعلها مختاراً أو الإفعال التي خلّى له الحكم الحريّة في ممارستها وفي حالة استيلاء هذا الشعور عليه ينسى ذاته وما أعد له ويسرح في دوّامة التبعية ويلغي الكلفة عن نفسه ليرمي بها في عاتق الدولة وحجّته أن ما يجوز فعله للدولة وضرره عام كيف يحضر عليه وضرره خاص به وعملية التغيير هذه جرت داخلياً للإنسان المسلم بعد وفاة النبي وعبر القران عنها بالإنقلاب على الأعقاب وأول صدمة تغيير ناء بها الإنسان المسلم هي حروب الردة فقد تجاوزت اعراف الحروف وخرجت على قوانين الأحكام العرفية قاطبة فلم يعط الإنسان المسلم مجال التفكير فيها فقد حدثت بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعشرة أيام وهي مدّة لا يمكن تمييز الارتداد فيها عن الاستقامة وارتكبت فيها مجازر رهيبة إلى حد الأحراق في الأخاديد .
وفي هذه الحرب بدأت عملية الانفصال بين المسلم وبين القيم الإسلامية واستمر التدهور إلاّ أنّه بصورة بطيئة لا تكاد تلحظ إلاّ بشيء من الأمعان والتدقيق حتى آل الأمر بفعل السابقين وتمهيدهم إلى أن يستولي معاوية على الحكم .

الصفحة 7
وبدأ الإنقلاب الحقيقي وتمت غيبوبة الإسلام في نفس الفرد المسلم تحت ذلك الحكم ، حتّى عدّ ضمن المسوخ الذين جرّدوا من خصائص الإنسانيّة ، ولم يكن تغيير هذا الوضع المستبد والحالة العامة الراهنة إلاّ بعودة الإسلام ونبيه وعودة أعوانه في رجعة كاملة لا تدع من فصول الملحمة الاُولى فصلاً إلاّ رجع سيرته الاُولى . ثمّ يبدأ الحذر من تسرب الحكم الأناني الجاهل إلى عالم الإسلام وتفويت الفرصة عليه . وهذا مستحيل طبعاً وعادة .
أو الاُخرى وهي تصدي شخصية كبرى من شخصيّات الوحي لأحداث هزّة ضمير عنيفة كالزلزال ليستيقض الإنسان المسلم من غفوته الاصطناعية ثم صنع مشاعر فاضلة له من خلال عملية جهاد مختومة بشهادة فاجعة ذات وجهين الأول : تحمل الشهيد اقسى الآلام التي يستطيع أن يتفاداها بميل بسيط مع السلطان كالبيعة مثلاً .
الثاني عدوانيّة السلطة وجنودها وتناهيهم في خسة الطباع وروح العار والضعة والقسوة والدنانة .
وكان لابدّ من هذا الزلزال كبديل عما أحال الطبع والعادة جريانه .
واختار الحسين ذلك البديل بأمر الله وبطلب وأعداد منه سبحانه فكانت شهادته بالكيفيّة التي رسمتها خارطة كربلاء .
وهذا الكتاب يتناول المعنى المتقدم باسهاب ويجلو كثيراً من الغوامض ويحيط بالثورة الحسينية من أطرافها كافة ويصطحب الاحداث بدءاً من عملية الإنقلاب على الاعقاب ومروراً بالحكم الأموي المتعسف وختاماً بالمنشور الأخلاقي الحسيني لصنع الثورات المستقبلية .
واحسبني وفقت في اختيار منهج الكتاب وسيطلع عليه القارئ خلال مطالعته إن شاء الله .
لولا أني لم اقتصر على موضع الشاهد في الرواية أو الحكاية أو الخبر والحادثة التاريخية والنكتة الادبية وإنما تجاوزت ذلك بسردها كاملة . والسبب يعود أولاً إلى أني اعددت الكتاب لأخواني الخطباء والخطيب بحاجة إلى إثراء موضوعه بكل شهي ممتع تام ثم هو يعد يوفر للقارئ متعة المطالعة ويعطيه فسحة في الوقت حيث 

الصفحة 8 
يوفر عليه عناء الرجوع إلى المصادر .
ولا أراني بحاجة إلى تذكير القارئ العزيز بالعفو عما يصادف في الكتاب من أقوال تدعو إلى تركها من قبيل نماذج السياق أو قول أبي حمزة الشاري عن يزيد ومثله قول عبدالملك عنه وما تبع ذلك من أقوال تكشف عن المستوى الأخلاقي الضحل للأمويين أقول : إن ذلك لابدّ منه لأننا بصدد رسم صورة حقيقية لمجتمع ذلك العصر الذي كانت ثورة الحسين (عليه السلام) عليه .
وبصدد وضع خطوط مائزة بين ما حدث من مجانبة للخلق الإسلامي القويم وبعد عن تعاليمه الكريمة وما ينبغي أن يكون عليه المسلم من التحلي بآداب الإسلام وأخلاقه ولا يتم ذلك إلاّ برفع الستار عن الواقع وهذا ما جرى منا .
بقيت مسئلة أخرى مهمة أشار إليها غير واحد من اخوتنا أهل الولاء وفيها لوم كثير عليّ بأني اعرض عن المصادر الشيعية مع توفرها وتوسعها في ميادين المعرفة بمختلف آفاقها وأكثر الاستدلال بغيرها من مصادر الخصوم . وأقول لهم شاكراً حسن إرشادهم وعظيم توجههم وعنايتهم بالمراجع الخاصة بنا : إني في مقام الإحتجاج للشيعة على غيرهم ولا موضع هنا لذكر مصادرهم إذ الحجّة لا تكون بها على الخصم إنما نذكرها فيما يتعلق بها من المواضيع الخاصة لنكون بمنأىً عن اتهام ابن حزم لقومه بقوله: إننافي مقام الإحتجاج على الشيعة نحتج بكتبنا وهذا مجانب للإنصاف(1) .
اجل نحن لا نجانب الانصاف في احتجاجنا عليهم بمراجعنا بل نحتج بمراجعهم وكتبهم الموثقة عندهم فما قولهم بعد ذلك وما تقوّلهم علينا ؟! وتبقى لكتبنا ومراجعنا مكانتها الخاصة وقيمتها العلمية وهي باستثناء الإخراج الفني أتم وأفضل من كتب الخصم وما تركناها إلاّ لأتمام الحجة وأخيراً لا آخراً أقول :
إنّ كتابي هذا إمتداد لسابقة الحسين مأتم الإسلام الذي هو بمثابة المقدّمة له ولما يأتي بعده إن شاء الله تعالى . ولكنّه إمتداد مستقلّ وآثرت الإسم : (الحكم والأخلاق في منطق الثورة الحسينية) لأن الإسم تبع للموضوع وهذا الإسم أكثر 
ـــــــــــــــــــ
(1) يقول ابن حزم في الفصل : لا معنى لاحتجاجنا عليهم برواياتنا (الفصل ج4 ص159) .

الصفحة 9
إنطباقاً على موضوع الكتاب من ذاك وسواء غيرنا الإسم أو لا فاته لا يعدو حبة الرمل على المحيط الحسيني الزاخر بالخير والمعرفة وهو كمؤلفه يمديد الضراعة لله أن يتقبله بأحسن القبول ويبلغه مولانا سيد الشهداء ولي النعم لعلّه يكون سبباً اكيداً لتأصيل العلقة المنبرية بسيّد الشهداء وتقدمة بين يدي المؤلف لحصول الشفاعة لنا منه (عليه السلام) وأود قبل الختام أن انوه بجهود أخي الناشر أبي زينب صاحب الرحلة الطويلة الموفقة مع التأليف والمؤلفين شاكراً له جزيل الشكر وفقه الله وسدده . والحمد لله أولاً وآخراً .
محمد شعاع فاخر

الصفحة 10
الامام الحسين (عليه السلام) وقلب نظام الأخلاق
تميزت واقعة كربلاء بظاهرة فريدة من نوعها ليس لها مثيل في حوادث الزمان الاخرى من قبل ومن بعد .
ذلك أنّها اصبحت بعد حدوثها مضماراً للعقول ، تتسابق فيه . مستنبطة لها العلل والاسباب .
فمن سابق بلغ الحق او كاد ومن مصلّ جاء على الأثر ومن كاب في شوطه فاتته الغاية . ومن متكهن آثر الظنون والاوهام على الحقائق الناصعة .
ويبقى الحق في الحادثة حيث هو متلألأً في رائعة العقول تلالأ الشمس في رائعة الضحى والبشرية باجمعها امس واليوم . تحوم حول الواقعة العظمى بحثاً عن الحق المنشود ..
وقل من وفق لنيله من ابنائها ...
لأن هناك حجباً كثيفة تحول بين الحق وطالبه . فما لم يتمّ تجاوزها لن تكحل مقلة برؤيته ابداً .
وحديث هذه الحجب شجون .
فمنها حجب تعود إلى الوراثات العقائديّة أو الوراثات الجنسية . أو الأخوى المتلبسة بلباس العلم .
ورب باحث يضطرب في اغلال هذه الوراثات ويتقلب في شراكها . ويحسب نفسه طليقاً يجوس خلال ديار الحق بحريّة موهومة .
ومن هذا المنطلق تباينت آراء العلماء والباحثين في الحادثة تبايناً كبيراً .
ولن يستطيع باحث مهما أُوتي من قوّة العلم التوفيق بين هذه الآراء المتباينة .
... ومن الثابت عند العلماء ، أنّ تباين الآراء في البشر أمر طبيعي تمليه الجبلة عليهم . وخلق فطري مركوز في طباعهم .

الصفحة 11 
وما كان بهذا المستوى من طبايع البشر . يستحيل علاجه وان خفّف التحضر من غلوائه .
ما اتّفق اثنان من البشر اتفاقاً كلّياً حقيقياً حذو النعل بالنعل . في يوم من الأيام . وما يشاهد من الاتفاق عند هؤلاء أو اولئك . فليس اتفاقاً على نحو الحقيقة بل لابدّ من حمل أحد طرفيه التسليم والخضوع للطرف الآخر .
ويعود ذلك لأسباب تفرضه فرضاً لا يدع للأختيار مجالاً .
وقد يكون من هذه الأسباب ما يعود للقوة المسيطرة أو العقيدة الموروثة أو غيرهما . ويكون الرأي في مثل هذا المناخ منسوباً إلى طرف والاتباع والتسليم إلى الطرف الآخر . على أنّ الحق في مثل هذه الحالات من نصيب قوم تجرّدوا من القيود الموروثة واستطالوا على الحدود المصطنعة وانعتقوا من الحجب المفتعلة . فبلغوا شطئانه بثقة واطمئنان وفازوا فوزاً عظيماً بالراحة الكبرى والنعيم المقيم . أعنى بلوغ الحق والركون البه .
وبقي اولئك المحجوبون يتلدّدون في المسالك المظلمة والدروب الضالّة .. يرون اتّفاقهم على رأي ما هو الحق المبين ولو لا انحياز الحق إلى جماعتهم لما تمّ لهم هذا الاتفاق ولما حصل الاجماع بينهم ..!!؟ هكذا يُخيّل لهم .
ونحن تحملنا قضيّة تباين الآراء على الارتياب بما نرى من شبه الاتفاق الذي تعلنه بعض الطوائف والجماعات حول بعض القضايا ...
وينبغي على من أراد اكتشاف ما وراء الاتفاق المدّعى أن لا يقنع بالظاهر المعلن حتّى يستجلى الحقيقة بسبر جميع الآراء والأسباب التي أوجدتها وسوف يعثر على آراء مضادّة لهذا الاتّفاق حتماً وإنما بقيت طيّ الكتمان ولم يعلن عنها لوجود قوّة قاهرة ظلّت إلى جانب الاتّفاق المعلن ترعاه وتقيم أوده . ونقول عوداً على بدء إنّ الاتفاق الحقيقي مستحيل بين البشر قاطبة .
فإذا ثبت لنا ذلك ، عرفنا السبب في تفرق الآراء عند المؤرخين والرواة والعلماء حول النهضة الحسينية المباركة .
فقد توزّعت الآراء على مساحة كبيرة من الزمن واختلفت من العدو والصديق.
والغريب حقاً أن نعثر على أقوال تافهة من الأولياء باعثها الجهل أو الحكم 

الصفحة 12 
المتسرع ممّا يحز في النفس ويبعث على الأسى والدهشة ومن هذه الآراء رأي فج ردّده أمس واليوم كثيرمن الناس وجرت به الأقلام وتلوّثت الطروس. وهو الرأي القائل: ان غرض الحسين من نهضته وباعثه على ثورته . هو استعادة حقّه المغتصب وليس في ذلك غضاضة عليه وان ادّى إلى قتله واستباحة حرمه لأن سكوت المرىء عن حقّه لا تقرّه شريعة من الشرايع . بُلة شريعة الإسلام وإن جرّ ذلك إلى تلف النفس وحرب المال .
والحسين (عليه السلام) عمل بالمشروع المباح وهذا الرأي وإن كانت له نسبة بالحق إلاّ أنّه صغير جدّاً يضيق مداه عن استيعاب حقيقة النهضة الحسينية وهو سطحي أيضاً يدلّ على جهل ذوبة بالاهداف الحسينية عند معاصريه أو من جاء بعدهم والواقع إن إستعادة الحق السليب امرٌ مرغوب فيه خلا إنّ ثورة الحسين (عليه السلام) لم تكن من أجله إطلاقاً ونحن بعون الله سوف نحاول في البحوث القادمة الألمام بالهدف الأكبر الذي ثار من أجله الحسين (عليه السلام) .
الحقيقة ورأي الناس
في أول حركة وضع فيها الأمام قدمه خارج دائرة الوضع العام أخذ الناس يتكهنون بما يضمر الإمام (عليه السلام) من أهداف ولم تتعدّ نظرتهم ساعئذ نطاق (المطالبة بالحق السليب) واسترجاع الخلافة المغصبة وأنّ هذه الحركة التي بدأت بالهجرة من المدينة ليومين بقيا من رجب(1) إن هي الاثورة معلنة على الملك الأموي لاسترجاع الحق العلوي ومن منطلق هذا التخرص راح الناهوون يحاورونه من أمثال عبدالله بن عمرو عبدالله بن مطيع العدوي والفرزدق الشاعر وغيرهم .
وربما بدى جانب من هذا على لسان عبدالله ابن عباس واخيه محمد أيضاً وهما يحاورانه في وجوب الانصراف عن عزمه على هذا السفر وممّا يؤكّد هذا الجانب فقرات الكتاب الذي ارسله يزيد إلى ابن عباس وفيه اتهام للحسين باعداد العدّة لقلب نظام الملك الأموي (يمنونه الخلافة ويمنيهم الأمره) .
ــــــــــــــــــ
(1) محمد السماوي ، تواريخ المعصومين ، ط مطبعة الزمان بغداد 1366 ، ص43 .

الصفحة 13 
ولم ينف ابن عباس (رضي الله عنه) هذا الاتهام ممّا يدلّ على قبوله وتصديقه به وانظر الكتاب وجواب ابن عباس عليه .
 كتاب يزيد إلى ابن عباس
(ولما نزل الحسين (عليه السلام) مكة كتب يزيد إلى ابن عباس : .. أمّا بعد فإن ابن عمّك حسيناً وعدو الله بن الزبير التويا ببيعتي ولحقا بمكّة مرصدين للفتنة معرّضين انفسهما للهلكة فأمّا ابن الزبير فإنّه صريع الفنا وقتيل السيف غداً وأما الحسين فقد أحببت الاعذار إليكم أهل البيت مما كان منه وقد بلغني أنّ رجالاً من شيعته من أهل العراق يكاتبونه ويكاتبهم ويمنونه الخلافة ويمنّيهم الأمرة وقد تعلمون ما بيني وبينكم من الوصلة وعظيم الحرمة ونتايج الأرحام وقد قطع ذلك الحسين وبتّه وأنت زعيم أهل بيتك ، وسيد أهل بلادك ، فالقه فاردده عن السعي في الفرقة وردّ هذه الأمة الى الفتنة فإن قبل منك ، وأناب إليك ، فله عندي الأمان والكرامة الواسعة وأجرى عليه ما كان أبي يجريه على أخيه وإن طلب الزيادة اضمن له ما أراد الله انفذ ضمانك ، وأقوم له بذلك وله عليّ الايمان المغلظة والمواثيق المؤكّدة بما تطمئن به نفسه ويعتمد في كل الاُمور عليه عجّل بجواب كتابي وبكل حاجة لك إلي وقبلي والسلام .
 جواب بن عباس له
فكتب ابن عباس له : أما بعد فقد ورد كتابك تذكر فيه لحاق الحسين وابن الزبير بمكّة فأمّا ابن الزبير فرجل منقطع عنا برأيه وهواه يكاتمنا مع ذلك اضغاناً يسرّها في صدره يوري علينا وري الزناد لا فكّ الله اسيرها فرَ في أمره ما أنت راء .
وأمّا الحسين فأنّه لما نزل مكة وترك حرم جدّه ومنازل آبائه سئلته عن مقدمه فأخبرني أن عمالك بالمدينة أسائوا إليه وعجلوا بالكلام الفاحش فأقبل إلى حرم الله مستجيراً به .
وسألقاه فيما أشرت إليه ولن ادع النصيحة فيما يجمع الله به الكلمة ويطفى به 

الصفحة 14 
النائرة ويخمد به الفتنة ويحقن به دماء الأمة فاتق الله في السر والعلانية ولا تبيتن ليلة وأنت تريد لمسلم غائلة ولا ترصده بمظلمة ولا تحفر له مهواة فكم من حافر لغيره حفراً وقع فيه وكم من مؤمل أملاً لم يؤت امله وخذ حظك من تلاوة القرآن ونشر السنّة وعليك بالصيام ولا تشغلك عنهما ملاهي الدنيا وأباطيلها فإن كل ما اشتغلت به عن الله يضرّ ويفنى وكلّ ما اشتغلت به من اسباب الآخرة ينفع ويبقى والسلام ...(1)
ولابن عمر موقف لا يختلف جوهراً عما حواه كتاب يزيد لعنه الله وتكرر ذلك منه فقد نهاه عن الخروج إلى مكّة يقول صاحب كتاب تذكرة خواص الاُمة .
.. ولما بلغ عبدالله بن عمر ما عزم عليه الحسين دخل عليه بنفر فلامه ووبّخه ونهاه عن المسير وقال له يا أبا عبدالله سمعت جدّك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول : مالي وللدنيا وما للدنيا ومالي وأنت بضعة منه وذكر له نحواً مما ذكر بن عباس فلمّا رآه مصرّاً على المسير قبّل مابين عينيه وبكى وقال :... استودعك الله من قتبل ..(2)
وكذلك اعترض طريقه وهو يؤم العراق خارجاً من مكّة وذلك حين بلغه وهو بماء له أن الحسين بن علي توجّه إلى العراق فلحقه على مسيرة يومين أو ثلاثة فقال له : إلى أين فقال له :
هذه كتب أهل العراق وبيعتهم فقال له : لا تفعل فأبى فقال له ابن عمر أنّ جبرئيل أتى النبي فخيّره بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة ولم يختر الدنيا وإنّكم بضعة من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كذلك يريد منكم . فأبى فاعتنقه ، وقال : استودعك الله والسلام(3) .
ما كان يدور بخلد ابن عمر سوى الدنيا .
إنّه يعتقد بخروج الحسين (عليه السلام) من أجل الدنيا وحدها وكأنّه لا يرى بام عينيه ما ينزل بنو اميّة بالأمة من الويل والدمار .
ــــــــــــــــــ
(1) راجع حول الكتابين ، تذكرة خواص الامة ، ص137 .
(2) تذكرة خواص الأمة ، ص137 .
(3) تذكرة خواص الأمة ، ص150 ، وأنساب الأشراف ، ج3 ص375 .

الصفحة 15
والمعروف عن المؤرخين تصنيفه في صفوف المعارضين لحكم يزيد ولكن الواقع يحكي لنا خلاف ذلك ، فقد استطاع معاوية تذليل صعبه وأخذ بيعته برضيخة من المال قليلة لا تعدل ثمن جارية من مغنيات يزيد .
يقول صاحب الكامل : فلما مات زياد عزم معاوية على البيعة لابنه يزيد فأرسل إلى عبدالله بن عمر مائة الف درهم فقبلها فلما ذكر البيعة ليزيد قال ابن عمر : هذا ما أراد إنّ ديني عندي اُذن لرخيص ، وامتنع .
أبهم المؤرخ فلم يُشر إلى وجه امتناعه هل امتنع من البيعة أو أخذ المال ؟!
واحسب أن الإيهام جاء لغرض في نفس المؤرخ أو الراوي إذا نزهنا ابن الأثير من التصرّف بالنص ليحمل القارئ أو السامع على فهم الامتناع عنهما معاً ولا استبعد أن تكون كلمة ( امتنع ) اضيفت إلى النص بآخرة بخاصة إذا عرفنا أن النصوص الأخرى تخلو منها فهذا ابن سعد لم يذكرها في روايته بل اقتصر على قول ابن عمر : أرى ذاك اراد إن ديني عندي اُذن لرخيص ..(1) .
والواقع إنّ ابن عمر فعل الاثنين أي أخذ المال وبايع وليس هذا أول مال يأخذه من معاويه بل تتابعت الرضائخ الماليّة والبدر السمينة من معاوية له ولغيره .
وذكر ابن الأثير أن ابن عمر بايع ليزيد سراً ولكنّه نسبه إلى القيل . قال : وقيل : إن ابن عمر قال لمعاوية : ابايعك على أني ادخل فيما يجتمع عليه الأمة فوالله لو اجتمعت على عبد حبشيّ لدخلت معها ثمّ عاد إلى منزله فاغلق بابه ولم يأذن لأحد(2) .
وهذا الموقف يقتضينا مسائلة ابن عمر عن مدلول الأمة عنده فهل هم أهل الشام وحدهم ؟ أو أنّها تنطبق على الجميع من دون استثناء فإن كان الثاني ، فما باله وقف في الطرف المضاد لأهل المدينة حين خلعوا يزيد في وقعة الحرة .. قال ابن سعد : إن ابن عمر لما ابتز أهل المدينة يزيد ابن معاوية وخلعوه دعا عبدالله بن عمر 
ــــــــــــــــــ
(1) ابن سعد ، الطبقات ، ج4 ص182 .
(2) ابن الأثير ، الكامل ، ج3 ص152 .

الصفحة 16
بنيه وجمعهم فقال : .. إنا بايعنا هذا الرجل على بيع الله ورسوله وإني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يقول : إن الغادر ينصب له لواء يوم القيامة فيقول : هذه غدرة فلان وإن من أعظم الغدر ألا أن يكون الشرك بالله أن يبايع رجل رجلاً على بيع الله ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) ثمّ ينكث بيعته ، فلا يخلعنّ أحد منكم يزيد ولا يُسرعنّ أحد منكم في هذا الأمر فتكون الصيلم بينني وبينه ..(1) .
لم يخذل ابن عمر الثائرين على يزيد فحسب بل نسبهم إلى الغدر وحمّلهم بعض ألويته يوم القيامة والأنكى من ذلك حقاً أنّه اعتبر الثورة على يزيد من اعظم الغدر وهو ثاني الشرك بالله سبحانه عنده وهذا الموقف يعتبر اعظم مساندة حظى بها يزيد من رجل كابن عمر .
وممّا يدعوا الباحث إلى الحيرة ان ابن عمر كان يعد نفسه رجلاً من أهل المدينة يورد إذا أوردوا ويصدر إذا أصدروا فما باله انفرد اليوم عنهم بهذا الموقف الغريب ؟!
بعث الإمام اميرالمؤمنين (عليه السلام) كميلاً النخعي إلى عبدالله بن عمر فجاء به فقال انهض معي فقال : انا مع أهل المدينة إنما أنا رجل منهم وقد دخلوا في هذا الأمر فدخلت معهم لا افارقهم فإن يخرجوا اخرج وان يقعدوا أقعد (2)
هذا أمس حين كان الداعي علياً اما اليوم فقد تغيّرت الحال حين انصبّت عليه البدر والرضائخ فلم يعد من أهل المدينة وراح يهدد من يخرج على يزيد بالصيلم وهي الداهية أو السيف .
وإذا كان ابن عمر بهذه المثابة أزاء حكم يزيد فكيف يحمل على المعارضة له ويعتبر احد رجالها والصحيح أن الرجل معارض للثائرين على يزيد وهو من الراضين بحكمه على كل حال أليس هو صاحب الشعار المعروف :
ـــــــــــــــــــــ
(1) ابن سعد ، الطبقات ، ج4 ص183 ، ابن كثير ، البداية والنهاية ، ج8 ص218 .
(2) محمد رضا ، الإمام علي بن أبي طالب ، ص87 .

الصفحة 17
إن كان خيراً رضينا وإن كان بلاء صبرنا(1) .
وعلى هذا الأساس جاءت معارضته للحسين (عليه السلام) وتكررت في مواقف كثيرة ومنها الموقف الحاسم الذي ذكره الخوارزمي فقال : اقبل ابن عمر على الحسين وقال له : مهلاً ابا عبدالله عما ازمعت عليه وارجع معنا إلى المدينة وادخل في صلح القوم ولا تغب عن وطنك وحرم جدك ولا تجعل لهؤلاء القوم الذين لا خلاق لهم على نفسك حجة وسبيلا وإن احببت أن لا تبايع فإنك متروك حتى ترى رأيك فإن يزيد بن معاوية عسى أن لا يعيش إلاّ قليلاً فيكفيك الله أمره .
فقال الحسين : اُف لهذا الكلام ابداً ما دامت السموات والارض أسألك بالله يا أبا عبدالرحمن اعندك أني على خطأ من أمري هذا فإن كنت على خطأ فردّني عنه فإنّي ارجع واسمع وأطيع فقال ابن عمر : اللهم لا ولم يكن الله تبارك وتعالى ليجعل ابن بنت رسوله على خطأ وليس مثلك في طهارته وموضعه من الرسول أن يسلّم على يزيد بن معاوية باسم الخلافة ولكن اخشى أن يضرب وجهك هذا الحسن الجميل بالسيوف وترى من هذه الاُمّة ما لا تحب فارجع معنا إلى المدينة وإن شئت أن لا تبايع فلا تبايع أبداً واقعد في منزلك فقال له الحسين :
هيهات يابن عمران القوم لا يتركوني إن أصابوني وإن لم يصيبوني فانّهم يطلبوني أبداً حتّى ابايع وانا كاره أو يقتلوني(2) .
وكل من اظهر النصح للإمام (عليه السلام) بالعدول عن عزمه على الهجرة كان يضمر في نفسه ما اضمره ابن عمر .
فهذا عبدالله بن مطيع العدوي يقول للحسين : جعلت فداك يابن رسول الله لا تخرج إلى العراق فإن حرمتك من الله حرمة وقرابتك من رسول الله قرابة وقد قتل ابن عمك بالكوفة وإن بني امية إن قتلوك لم يرتدعوا عن حرمة الله أن ينتهكوها ولم يهابوا أحداً بعدك أن يقتلوه فالله الله أن تفجعنا بنفسك فلم يلتفت الحسين (عليه السلام) إلى 
ــــــــــــــــــــــ
(1) ابن سعد ، الطبقات ، ج4 ص182 .
(2) مقتل الخوارزمي ، ص192 .

الصفحة 18
كلامه(1) . حتى أقرب الناس إليه ما كان يبتعد بظنه عن هاجس بن عمرو ابن مطيع .
فقد ساوى سيدنا محمد بن الحنفية ابن عمر وصاحبه في ظنه بنهضة الحسين وإنها لتغيير الحكم دلّ على ذلك كلامه الذي خاطب به الإمام اُبان رحيله من المدينة فقد قال له : يا أخي أنت أحبّ الناس إلي وأعزُّهم علي ولست ادخر النصيحة لأحد من الخلق إلاّ لك أنت أحق بها تنح ببيعتك عن يزيد بن معاوية وعن الأمصار ما استطعت ، ثمّ ابعث رسلك إلى الناس فادعهم إلى نفسك فإن تابعك الناس وبايعوا لك حمدت الله على ذلك وإن اجتمع الناس على غيرك لم ينقص الله بذلك دينك ولا عقلك ولا يذهب به مروّتك ولا فضلك إني أخاف عليك أن تدخل مصراً من هذه الأمصارفيختلف الناس بينهم فطائفة منهم معك واُخرى عليك فيقتتلون فتكون لأول الأسنة غرضاً فإذا خير هذه الاُمة كلها نفساً وأباً واُماً اضيعها دماً وأذلها أهلاً فقال له الحسين (عليه السلام) :
فأين أذهب يا أخي ؟ قال : أنزل مكة فإن اطمأنّت بك الدار بها فسبيل ذلك وفي رواية أخرى وإن تكن الاُخرى خرجت إلى بلد اليمن فإنّهم أنصار أبيك وجدّك وهم أرأف الناس وارقهم قلوباً وأوسع بلاداً وإن نبت بك لحقت بالرمال وشعف الجبال وخرجت من بلد إلى بلد حتى تنظر إلى ما يصير أمر الناس إليه وتعرف عند ذلك الرأي فإنّك أصوب ما تكون رأياً حين تستقبل الأمر استقبالاً ولا تكون الاُمور عليك أبداً اشكل منها حين تستدبرها استدباراً .
فقال يا أخي : قد نصحت وأشفقت وأرجوا أن يكون رايك سديداً(2) .
ولا أرى لوصيّة محمد كبير فائدة تعود على الحسين (عليه السلام) لو أنّه عمل بها .
فما أشار عليه إلاّ بالضياع في الأقاليم النائية هنا وهناك وما باعثه على ذلك إلاّ صيانة النفس من العطب وعليه أن ينأى عن الواقع المرهق الذي تعيشه الاُمّة من بطش بني اُميّة وجورهم لئلاّ تطاله يد يزيد أو يقع تحت جبروت سلطانه أن هذا 
ـــــــــــــــــــ
(1) السيد عبدالرزاق المقرّم ، مقتل المقرّم ، ص217 .
(2) قمقام زخار ، ص265 .

الصفحة 19
الرأي الفائل يُجلّ سمع الحسين عنه كما أجل أبا القاسم أن يتفوه به في حضرةالإمام مع علمه بالمسئوليّة الكبرى التي تحمّلها الحسين بصفته الإمام بعد أبيه وأخيه .
وكيف يشير محمد على الحسين بهذا الرأي وهو الذي وعى ما قاله أبوه على منبر الكوفة راسماً لأولى الأمر ما يجب عليهم اتّخاذه مع وجود الناصر : أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لو لا حضور الحاضر وقيام الحجة بوجود الناصر وما أخذه الله على العلماء أن لا يقارو على كظة ظالم ولا سغب مظلوم لألقيت حبلها على غاربها ولسقيت آخرها من كأس أولها ولا لفيتم ديناكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز ...
أيبقى بعد هذا الكلام عذر لمعتذر إذا آثر الدعة والسكينة على حياة الجهاد ؟! خشية أن يُساء إليه أو يتعرّض لطائلة السلطان الجائر .
وهل كان محمد (رحمه الله) جادّاً وهو يصور للحسين (عليه السلام) أنّ اجتماع الاُمّة على يزيد أو غيره لا ينقص بذلك دينه ولا يذهب به مروئته ولا فضله.
صحيح أنّ ذلك لا يضير الحسين (عليه السلام) فى شيء ولكنّ الصحيح أيضاً أنّه يضير الاُمّة وينقص بذلك دينها ومروئتها والإمام (عليه السلام) مسئول عنها .
فلابدّ من القيام بتضحية تصحو على صداها الاُمّة فتبصر واقعها السيّئ فتهب بثورة عارمة للتغيير وتحسين هذا الواقع .
ولقد اطلق الإمام على هذه التضحية اسم الفتح وكتب إلى محمد وسائر بني هاشم وهو يعيش حياة الجهاد الدامية .
بسم الله الرحمن الرحيم ، من الحسين بن علي بن أبي طالب إلى بني هاشم أما بعد فإنّه من لحق بي منكم استشهد ومن تخلّف لم يبلغ الفتح والسلام(1) .
وما كان موقف عمر بن الإمام أميرالمؤمنين يختلف عن المواقف السابقة . فقد دخل على الحسين (عليه السلام) ذات يوم حين عزم على الخروج من المدينة فوجده وحده فقال له :
ـــــــــــــــــــ
(1) قمقام زخار ، ص267 .

الصفحة 20
يا أبا عبدالله فداءك روحي روى المجتبى عن أبينا المرتضى حديثاً ثمّ اختنق عمر بعبرته فضمه الحسين (عليه السلام) إلى صدره وقال : حدثك على أني مقتول ! قلت : نعم حماك الله من القتل قال،: بحق رسول الله هل أخبرك أني استشهد قلت نعم واسئلك بالله أن تبايع يزيد بن معاوية فقال (عليه السلام) :
اعلم يا أخي إنّ أبي حدثني عن جدي وإننا نقتل ويكون قبري قريباً من قبره أثطن إني أجهل ما تعلم ؟ قسماً بالله إني لا أمد يداً بالبيعة ولا أرضى بالذل.(1).
وكان للفرزدق موقف مشابه لمواقف القوم من ثورة الحسين (عليه السلام) ففد ذكر المؤرخون إنّ الحسين (عليه السلام) لما وصل إلى بستان بني عامر لقي الفرزدق الشاعر وكان يوم التروية فقال له : يابن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ما أعجلك عن الموسم قال له : لو لم أعجل لأخذت أخذاً فأخبرني يا فرزدق عما وراءك فقال : تركت الناس بالعراق قلوبهم معك وسيوفهم مع بني اميّة، فاتّق الله في نفسك وارجع فقال له : يا فرزدق إنّ هؤلاء قوم لزموا طاعة الشيطان وتركوا طاعة الرحمن واظهروا الفساد في الأرض وابطلوا الحدود وشربوا الخمور واستأثروا في أموال الفقراء والمساكين وأنا أولى من قام بنصرة دين لله واعزاز شرعه والجهاد في سبيله لتكون كلمة الله هي العليا فاعرض عنه الفرزدق وسار(2) .
اختلف جوابه للفرزدق عن جوابه لابن عمرو اضرابه لأنه يتأول الحرام فيحله أو الحلال فيحرمه وهذا شأن المتعالم الذي يريد الحياة على كل حال وإن افضت به إلى الذل والعبودية .
ولابدّ من الأشارة إلى أنّ من الناهين للحسين عن الهجرة من كان باعثه الأشفاق لا الأعتراض كاُم سلمة رضوان الله عليها وغيرها من عقائل بني هاشم وقالت ام سلمة : لا تحزني بخروجك إلى العراق فإني سمعت جدك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يقول : يقتل ولدي الحسين بأرض العراق في أرض يقال لها كربلا وعندي تربتك في 
ـــــــــــــــــــ
(1) الصفحة 21
قارورة دفعها إليّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .
فقال الحسين (عليه السلام) : يا اماه وأنا أعلم إني مقتول مذبوح ظلماً وعدواناً وقد شاء الله عزوجل أن يرى حرمي ورهطي مشرّدين واطفالي مذبوحين مأسورين مقيّدين وهم يستغيثون فلا يجدون ناصراً .
قالت ام سلمة : واعجباً فأنّى تذهب وأنت مقتول ؟
قال (عليه السلام) : يا اماه إن لم أذهب اليوم ذهبت غداً وإن لم أذهب في غد ذهبت بعد غد وما من الموت والله بد وإني لأعرف اليوم الذي اقتل فيه والساعة التي اقتل فيها والحفرة التي ادفن فيها كما اعرفك وانظر إليها كما أنظر إليك وإن أحببت يا اماه أن أريك مضجعي ومكان أصحابي فطلبت منه ذلك فأراها تربته وتربة أصحابه وأمرها أن تحتفظ بها في قارورة فإذا رأتها تفور دماً تيقّنت قتله ....(1) وكبر خروجه على نساء بني عبدالمطلب فاجتمعن للنياحة فمشى فيهن الحسين وسكّتهن وقال : انشدكن الله أن تبدين هذا الأمر معصية لله ولرسوله فقلن : ولمن نستبقي النياحة والبكاء فهو عندنا كيوم مات فيه رسول الله وعلي وفاطمة والحسن وزينب واُم كلثوم فننشدك الله جعلنا الله فداءك من الموت يا حبيب الأبرار من أهل القبور واخبرته بعض عماته أنها سمعت هاتفاً يقول :
وإن قتيل الطف من آل هاشم     اذل رقاباً من قريش فذلّت
فصبّرها الحسين وعرفها أنّه أمر جار وقضاء محتوم(2) .
هؤلاء المعترضون والمشفقون ومثلهم معهم خفي عليهم الهدف الأساس من ثورة الحسين . فمن ثم راحوا يحاورونه في جدوى هذه النهضة عليه وعلى الاُمّة كما أنّهم بصّروه طبقاً لرؤيتهم للأحداث مقدمات ونتائج بما سوف يلاقيه من طغيان الجبابرة وعنتهم وأخذهم كل أحد بالقهر والشدّة وإن كان من أهل البيت للاحتفاظ بمقاليد الحكم بأيديهم .
وكان الحسين (عليه السلام) عالماً بخفاء الحقيقة على جلّهم ولم يفصح عن هدفه
ــــــــــــــــــــ
(1) المقرم ، مقتل المقرم ، ص151 .
(2) نفسه ، ص154 .

الصفحة 22
إلاّ لفئة قليلة من الناس عرف بهم صدق النيّة ومضاء العزيمة كما أنّه كشف لبعضهم جانباً مما يلحق به من الاذى في سبيل الله واخبرهم عن علمه بذلك كقوله السالف لأخيه عمرو لسيدتنا ام سلمة (عليها السلام) . وما زال المعترضون موقنين بأنّ خروج الحسين منحصر في المطالبة بحقه والهدف الاكبر منه قلب نظام الحكم الاُموي .
ولم يخرج الحسين لذلك على الأطلاق لأنه هدف غاية في التفاهة والصغر ولو كان الحسين أراده لتوخّى أسبابه ، ولسلك السبل المؤدية إليه .
خلا أننا بإمكاننا أجمال هدفه الأكبر بجملة واحدة هي بمثابة الكوّة التي تفتح على عالم فسيح وهي : (قلب نظام الأخلاق) .
ذلك أنّ الأمة اكتسبت جراء سلوك حكامها معها والرعية على دين ملوكها والناس بملوكهم أشبه منهم بآبائهم صفات مسترذلة واخلاقاً حقيرة وعادات سيئة تنافي ما بناه الاسلام لها من اخلاق وما شاده من مثل عليا وطلب من المسلم التحلي بها لتتم صياغة شخصيّته مطابقة لمضمونها .
وانساقت الأمة بدون وعي منها وراء هؤلاء الحكام حتّى أوشك أن يحل بها الذي حلّ بالأمم قبلها فاستحالت إلى كائنات ظاهرها الإسلام وباطنها أخلاق الحكام ...
والفرق بين الهدفين يمكن أن نصوّره بما يلي :
قلب نظام الحكم
لو أراد الإمام هذا الهدف لسعى سعيه إليه وحينئذ تنحصر الفائدة من هذا في تأسيس دولة إسلامية مشابهة لدولة أبيه هذا مع فرض النجاح وليس من المستبعد بل قريب جدّاً أن يواجه ما واجه أبوه من الناكثين والقاسطين والمارقين فما نفدت جنود إبليس بعد .
وحينئذ تثار في وجهه المتاعب ويكتض طريقه بالمصاعب وبملأ هؤلاء واولئك قلبه قيحاً ويُجرّع نغب التهمام انفاساً من أشباه الرجال ، وتكون الخاتمة معلومة شهادة في محراب أو موتاً على الفراش .

الصفحة 23
ويأتي خلفه فتجري الأحداث معه كجريها مع سلفه في حلقة مفرغة إلى ما شاء الله .
وتخرج الاُمّة من هذه التجارب بيد فارغة لم تكتسب إلاّ فوائد ليست بذات أثر في مقابل التضحيات وهي منوطة بالزمن وتنتهي بانتهائه .
قلب نظام الأخلاق
ويحتاج الإمام من أجل تحقيق هذا الهدف المنشود إلى إحداث زلزال في ضمير الاُمّة الباطن وعقلها الكامن يؤدي إلى تحريك ضميرها بنبض الحياة فيفجرها بالندم والحزن ويخرجها من واقعها الادبي المتداعي إلى واقع خلقي رفيع دعامته الجهاد وركائزه المواقف المدبّجة باللوامع الخلقية الشريفة من قبيل التضحية والفداء ونكران الذات وهكذا وحينئذ تكون هذه الهزّة التي حدثت على حين انسياق وغفلة من الاُمّة بمثابة قوّة الدفع لها ولن تقتصر على الجيل المعاصر أو التالي له بل تكون صالحة لكل الأجيال التي تأتي بعده تمدّها بالحركة النازعة صوب الكمال المطلوب على أن يكون هذا الزلزال من القوّة والتنوع بحيث يرادف الحياة فيجري في الأجيال خلفاً عن سلف وصاغراً عن كابر وهكذا دواليك وحينئذ يكون بيد الأجيال جذوة متقدة تضيء حوالك الزمن وأداة استنهاض واثارة إذا طرأت على الاُمّة ظروف ماثلت تلك الظروف التي عاصرت الزلزال الأوّل .
ويكون بالإمكان فيما إذا ايقضت الظروف الحرجة وعي الاُمّة صياغة دستور ثوري منه يكرر الثورات بتكرر الظروف الحالكة . شريطة أن تتعهد هذا التفاعل فئة من الناس كالمجاهدين مثلاً أو الخطباء فتسايره راعية وموجهة وشارحةً كما يفعل الزارع بزرعه .
ويتم شحن الاُمّة بطاقئة الخارقة عن طريق الشرح والتمثيل والصياغة الحيّة . ولا مانع من تمثيل بعض مشاهده بأدوار مسرحية تجسّد للأذهان جانباً مما حدث على الصعيد الواقعي .
وكان هدف الحسين إحداث هذا الزلزال في ضمير الأمة لفاعليّته وأثره الكبير وحيويته الخالدة فليس بالإمكان نسخ النهضة الحسينيّة بمواقف بشرية وإن كانت 

الصفحة 24
في قمة المأساويّة في مستقبل الزمان كما استحال ذلك في ماضيه .
والهدف الأول يفتقر إلى هذا الأثر وإن احتوى على أثر محدود ربما امتد إلى قرن أو قرنين بل أكثر ولكنه يضعف عن مواكبة الزمن الأسلامي من هنا عافه الحسين مع قدرته عليه ولو أراده لتحقّق على يديه وبلغه كما فعل الكثير من الثوار الذين قلبوا نظاماً وإقاموا آخر غيره .
اتضح لنا الفرق بينهما ونحن من أجل إيضاح الهدف الثاني وإقامة الدليل عليه لا مناص لنا من القاء نظرة شاملة على وضع الجزيرة العربية الخلقي قبل الإسلام كما يقتضينا ذلك أن نعرف الصيغة الخلقية التي جاء بها الإسلام ودعى الاُمّة إلى التحلي أو العمل بها ومن ثم نلم بالتغيير الشامل الذي أحدثته إنظمة الحكم في أخلاق الاُمّة بخاصة الحكم الاُموي وبعد هذه الجولة المضنية سوف نتعرف على النهضة الحسينية ونتصل بأهدافها اتصالاً مباشراً إن شاء الله .
نظرة على الوضع الخلقي العام
جاء الإسلام والوضع الخلقي في الجزيرة بين الأفراط والتفريط فهو يتذبذب بين حاتم الطائي وقيس بن عاصم وأمثالهما وبين رجل مثل مادر الذي يضرب به المثل في البخل فيقال : ابخل من مادر .
وقس عليهما عنترة العبسي في الشجاعة وأبا حية النميري(1) في الجبن وهلم جراً .
ويبدو للباحث في السلوك العام لسكان الجزيرة قبل الإسلام هذان الطرفان ماثلين بوضوح ولا يخلو جانب من جوانب الحياة فيها من وجودهما على نحو من 
ـــــــــــــــــــ
(1) أبو حية النميري : كان له سيف ليس بينه وبين الخشبة فرق وكان يسميه لعاب المنية فقال جار له : اشرفت عليه ليلة وقد انتضاه وشمّر وهو يقول : أيها المغتر بنا والمجترئ علينا بئس والله ما اخترت لنفسك خير قليل وسيف صقيل لعاب المنية الذي سمعت به مشهور ضربته لا تخاف نبوته اخرج بالعفو عنك وإلاّ دخلت بالعقوبة عليك إني والله أن ادعُ قيساً نملاً الأرض خيلاً ورجلاً يا سبحان الله ما أكثرها وأطيبها ! ثمّ فتح الباب فإذا كلب قد خرج فقال : الحمد لله الذي مسخك كلباً وكفاني حرباً . ابن قتيبة ، عيون الأخبار ، ج1 ص168 .

الصفحة 25
الأنحاء . فبينما تجد الناس فيها يتسابقون في اُمور تافهة مخزية وضيعة ويعامل الفائز فيها معاملة البطل فيرفع على الأكتاف ويهتف بحياته الناس .
تجد إلى جانب ذلك سباقاً تهتز مشاعر الانسان بالأريحية من تصوره وإليك هذين النموذجين للمتسابقين :
النموذج الأول : 
أبو عثمان حدثنا الأصمعي قال : تجاعر حيان من العرب أي خرئوا فاختار كل حي منهم رجلاً وكان سبقهم من ذلك جزوراً قال : فاطعما من الليل طعاماً كثيراً حتّى اندحّت بطونهما قال : ثم اصبحوا فاجتمع الناس قال : فجاء أحدهما فوضع أمراً عظيماً فهال ذلك أصحاب الآخر وجبنوا وخشوا أن يغلبوا فقال صاحبهم :
لا تعجلوا ابشروا قال : فجاء صاحبهم إلى ما وضع صاحبه ثمّ جلله ثمّ تنحّى ناحية فوضع مثله قال : فغلب فاخذه أصحابه فحملوه على أعناقهم فقال : بأبي أنتم أما إذا كان الظفر لنا فأشبعوني من أطايبها يعني من أطايب الجزور(1) .
النموذج الثاني :
قالت الخنساء وقد قيل لها : ما مدحت أخاك حتّى هجّنت أباك فقالت :
جـارى  أبـاه فـاقبلا وهما      يـتعاوران مُـلاءة الـحضر
حـتى إذا نـزت القلوب وقد      لـزّت هـناك الـعذر بالعذر
وعـلا  هـتاف الناس أيهما      قـال  المجيب هناك لا أدري
بـرزت صـفيحة وجه والده      ومـضى على غلوانُه يجري
أولـى  فـأولى أن يـساويه      لـو  لا جـلال السن والكبر
وهـما كـأنهما وقـد بـرزا      صقران قد حطّا على وكر(2)
والناظر إلى جلال هذا السباق حيث يأبى الولد أن يساوي والده لجلال السن والكبر وحمق ذلك السباق يخيّل له أنّهما من اُمّتين وليسا لأمة واحدة وكذلك تجد طرفي الإفراط والتفريط ماثلين في نظرتهم الخاصة إلى الاُنثى من الأولاد فبينما تجد 
ــــــــــــــــــــــ
(1) أبو عبيدة التيمي ، النقائض ، ج1 ص11 .
(2) أمالي المرتضى ، ج1 ص98 .

الصفحة 26
صعصعة جدّ الفرزدق يحيى الوئيدات وأحيا قبل مبعث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مائة وأربع جوار وكان من حديث صعصعة أنّه كلما ولدت أمرأة جارية يكفل ابنتها لئلا توئد(1) .
ونجد حطان بن المعلّى يقول :
انـزلني  الـدهر عـلى حـكمه      مـن  شـامخ عـال إلى خفض
وغـالني  الـدهر بـوفر الـغنا      فـليس  لـي مال سوى عرضي
لـولا  بـنيّات كـزغب الـقطا      رددن مـن بـعض إلـى بعض
لـكان لـي مـضطرب واسـع      في الارض ذات الطول والعرض
وإنــمـا أولادنـــا بـيـننا      أكـبادنا  تـمشي عـلى الأرض
لـو هـبّت الـريح عـلى واحد      لامـتنعت عـيني مـن الغمض
نجد بأزاء هذين المثلين قيساً بن عاصم نزع الله الرحمة من قلبه فما ولدت له بنت إلاّ وأدها ...(2) . وإليك نماذج لهذين الطرفين لتقف على واقع الحال .
صعصعة بن ناجية
كان يشتري البنت ممن يريد وأدّها خشية الإملاق فاحيا ستاً وتسعين موءوده إلى زمن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وفي ذلك يقول الفرزدق مفتخراً :
ومنا الذي اختير الرجال سماحة      وخيراً  إذا هبّ الرياح الزعازع
ومنا الذي قاد الجياد على الوجى      لـنجران حتّى صبّحتها النجائع
ومنا الذي اعطى الرسول عطيّة      أسـارى  تـميم والعيون دوامع
ومـنا  خطيب لا يعاب وحامل      اغـرّ إذا الـتفت عليه المجامع
ومـنا  الذي أحيا الوئيد وغالب      وعـمرو  ومنا حاجب والأقارع
اولـئك آبـائي فـجئني بمثلهم      إذا جـمعتنا يـا جرير المجامع
...(3)
روى أبو عبيده عن عقال بن شبّه قال : قال صعصعة : خرجت باغياً ناقتين لي 
ــــــــــــــــــــ
(1) أبو عبيدة ، النقائض ، ج1 ص264 .
(2) الأغاني ، ج14 ص69 .
(3) الآلوسي ، بلوغ الارب ، ج3 ص45 .

الصفحة 27
فرفعت لي نار فسرت نحوها وهممت بالنزول فجعلت النار تضيء مرة وتخبو اُخرى فلم تزل تفعل ذلك حتّى قلت : اللهم لك علي إن بلغتني هذه النار أن لا أجد أهلها يوقدونها لكربة إلاّ فرجتها عنهم ، قال : فلم أسر إلاّ قليلاً حتى أتيتها ، فإذا حي من بني أنمار وإذا بشيخ يوقدها في مقدم بيته والنساء قد اجتمعن إلى إمرأة ما خض قد حبستهن ثلاث ليال ، فسلمت فقال الشيخ : من أنت ؟ فقلت : أنا صعصعة بن ناجية فقال : مرحباً بسيدنا ، فيم أنت با ابن أخي ؟ قلت : في بغاء ناقتين لي ، قال : قد وجدتهما ، بعد أن أحيا الله بهما أهل بيت من قومك وقد تجنّاهما وعطفت أحداهما على الاُخرى وهما شأنك في أدنى الإبل ، قال : فيم توقد نارك منذو الليلة قال : أوقدتها لأمرأة ماخض قد حبستنا منذ وثلاث ليال قال : فقال النساء : قد جاء الولد فقال الشيخ : إن كان غلاماً فوالله ما أدرى ما أصنع به ، وإن كانت جارية فلا اسمعن صوتها إلاّ قتلتها فقلت يا هذا ذرها فإنّها بنتك ورزقها على الله ، فقال : اقتلها فقلت : انشدك الله ، فقال : إني أراك بها حفيّاً فاشترها مني ، قلت إني اشتريتها منك فقال : ما تعطيني ؟ قلت : اعطيك احدى ناقتي قال : لا قلت : ازيدك الاُخرى فنظر إلى جملي الذي تحتي فقال : لا إلاّ أن تزيدني جملك هذا فإني أراه حسن اللون شاب السن ، فقلت : هو لك على أن تبلغني أهلي ، قال : قد فعلت فابتعتها منه واخذت عليه عهدالله وميثاقه ليحسنن برها وصلتها ما عاشت حتى تبين عنه أو يدركها الموت فلما برزت من عنده قلت : اللهم هذه مكرمة ما سبقني إليها أحد من العرب ، ثمّ قلت : اللهم إنّ لك على أن لا أسمع برجل من العرب يريدان يئد بنتاً له إلاّ اشتريتها بلقوحه وجمل فبعث الله عزوجل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد احييت مائة موءودة إلاّ أربعاً لم يشاركني في ذلك أحد حتّى أنزل الله عزوجل تحريمه في القرآن وفي رواية أخرى : إنّه جاء الإسلام وقد أحيا ثلاثمائة وستين مؤودة ...(1) .
وأخرج الطبراني عن صعصعة بن ناجية المجاشعي قال : قلت يا رسول الله إني عملت أعمالاً في الجاهليّة فهل فيها من أجر ؟! احييت ثلاثمائة وستين من الموئودة اشتري كل واحدة منهن بناقتين عشراوين وجمل فهل لي من ذلك من أجر ؟
ــــــــــــــــــــــــ
(1) ابن الجوزي ، المنتظم ، ج5 ص264 .

الصفحة 28
فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : لك أجره إذ منّ الله تعالى عليك بالإسلام ...
وقد ذكر الفرزدق إحياء جده الموءودة في كثير من شعره . كما قال :
ومنا الذي منع الوائدات     وأحيا الوأيد فلم يوأد
....(1)
وما أشد الفرق والإختلاف بين صعصعة وقيس بن عاصم هذا في إحيائه ثلاثمائة وستين موءودة وهدا في وأده لبناته ...
قيس بن عاصم
ذكر أخباره أبوالفرج في الأغاني وقال : هو شاعر فارس شجاع حليم ، كثير الغارات ، مظفر في غزواته ، أدرك الجاهليّة والإسلام فساد فيهما وهو أحد من وأد بناته في الجاهليّة .
وفد قيس بن عاصم على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فسأله بعض الأنصار عما يتحدّث به عنه من الموءودات التي وأدهن من بناته فأخبر أنّه ما ولدت له بنت قط الاوأدها ثمّ أقبل على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يحدثه فقال له :
كنت أخاف سوء الأحدوثة والفضيحة في البنات فما ولدت لي بنت قط الاوأدتها وما رحمت منهن موءودة قط الابنية لي ولدتها أمها وأنا في سفر فدفعتها أمها إلى أخوالها فكانت فيهم وقدمت فسألت عن الحمل ، فأخبرتني المرأة أنّها ولدت ولداً ميّتاً ، ومضت على ذلك سنون حتى كبرت الصبيّة ونفعت فزارت أمها ذات يوم ، فدخلت فرأيتها وقد ضفرت شعرها وجعلت في قرونها شيئاً من خلوق ونظمت عليها ودعاً وألبستها قلادة جزع وجعلت في عنقها مخنقة بلح ، فقلت من هذه الصبية فقد أعجبني جمالها وكيسها فبكت ثم قالت :
هذه ابنتك كنت خبّرتك أني ولدت ولداً ميتاً وجعلتها عند أخوالها حتى بلغت هذا المبلغ فأمسكت عنها حتى اشتغلت عنها ، ثمّ أخرجتها يوماً فحفرت لها حفيرة فجعلتها فيها وهي تقول : يا أبت ما تصنع بي ؟! وجعلت اقذف عليها التراب 
ــــــــــــــــ
(1) الآلوسي ، بلوغ الارب ، ج3 ص46 .

الصفحة 29
وهي تقول : يا أبت امفطي أنت بالتراب ؟! أتاركي أنت وحدي ومنصرف عني ؟ وجعلت اقذف عليها التراب ذلك حتى واريتها وانقطع صوتها فما رحمت أحداً ممن واريته غيرها .
فدمعت عينا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ثمّ قال : إن هذه لقسوة وأن من لا يرحم لا يرحم أو كما قال (صلى الله عليه وآله وسلم)(1) .
ومن عجيب أمرهم وتناقض حالهم أن يجبر أحدهم الجراد لأنه نزل بساحته ويقري الضبع ويحميها لأنها لجئت إلى خيمته على حين يقتل بعضهم الآخر الطفل الصغير بوحشيه متناهية تؤذي القلب والضمير .
رهن الأسلع بن عبدالله العبسي بني ذببان ثلاثة من بنيه وأربعة من بني أخيه حين مشى في الصلح حتى يصطلحوا وجعلهم على يدي سبيع بن عمرو من بني ثعلبة بن سعد بن ذبيان فمات سبيع وهم عنده : فلما حضرته الوفاة قال لابنه مالك بن سبيع إن عندك مكرمة لا تبيد إن احتفظت بهؤلاء الأغيلمه وكأني بك لو قد متُّ قد اتاك خالك حذيفة فعصر عينيه وقال : هلك سيدنا ثمّ خدعك عنهم حتى تدفعهم إليه فيقتلهم فلا شرف بعدها فإن خفت ذلك فاذهب بهم إلى قومهم فلما ثقل جعل حذيفة يبكي ويقول : هلك سيدنا فوقع ذلك له في قلب مالك فلما هلك سبيع أطاف بابنه مالك واعظمه فقال له : يا مالك إني خالك وأنا أسنّ منك فادفع إلي هؤلاء الصبيان ليكونوا عندي إلى أن ننظر في أمرنا ولم يزل به حتى دفعهم إلى حذيفة باليعمرية (واليعمرية ماء بواد من بطن نخل من الشربة لبني ثعلبة) .
فلما دفع مالك إلى حذيفة الرهن جعل يبرز كل يوم غلاماً فينصبه غرضاً ثم يرمي ويقول : ناد أباك فينادي أباه حتى يخرقه النبل وقال لواقد بن جنيدب ناد أباك فجعل ينادي يا عماه خلافاً عليهم أن يأبس أباه والأبس القهر والتحمل على المكروه وقال لابن جنيدب بن عمر بن الأسلع ناد حُبينه فجعل ينادي يا عمراه باسم أبيه 
ـــــــــــــــــــ
(1) ابوالفرج الاصفهاني ، الأغاني ، ج14 ص69 .

الصفحة 30
حتى قتل وقتل عتبة بن قيس بن زهير(1) .
وهذه القسوة إن حققت لا تجامع ذلك الرفق بالجراد والضبع .
ولا يعدم الباحث في مجتمع الجزيرة قبل الإسلام عشرات النماذج المتذبذبة بين طرفي الإفراط والتفريط مما طبع الجزيرة بطابع خاص حمل الأمم على ازدراء سكانها وتجريدهم من محاسنهم لغلبة القسوة البالغة على حياتهم وربما الصقوا بهم إحياناً مساوئ غيرهم .
فهذا الجيهاني(2) يقول عنهم : يأكلون اليرابيع ويتعاورون ويتساورون ويتهاجون ويتفاحشون وكأنهم قد سلخوا من فضائل البشر لبسوا أهب الخنازير قال : ولهذا كان كسرى يسمّي ملك العرب : سگان شاه أي ملك الكلاب قال : وهذا لشدّة شبههم بالكلاب وإجرائها والذئاب وإطلائها .
ولقد ابدع ابو حيّان التوحيدي وأتى بالقول الفصل والحق الذي لا غبار عليه في ردّه المفحم على الجيهاني فقال : أتراه لا يعلم لو نزل ذلك القفر وتلك الجزيرة وذلك المكان الخاوي وتلك الفيافي والموامي كل كسرى كان في الفرس وكل قيصر كان في الروم وكل يَلهُور كان في الهند(3) .
وكل يقفور كان بخراسان وكل خاقان كان بالترك وكل اخشاد(4) كان بفرغانه وكل صبهبذ من اسكندر واردوان ما كانوا يعدون هذه الأحوال لأن من جاع أكل ما وجد وطعم ما لحق وشرب ما قدر عليه حباً وطلباً للبقاء وجزعاً من الموت وهرباً من الفناء ، أترى أنوشروان إذا وقع إلى فيافي بني أسد وبرّ وبار(5) .
ــــــــــــــــــــ
(1) أبو عبيدة ، النقائض ، ج1 ص93 بتصرف .
(2) محمد بن أحمد وزير السامانيين قال عنه ابن النديم : أنه من رؤساء المتكلمين الذين يظهرون الإسلام ويبطنون الزندقة ويصنّفون في نصرة الاثنينية .
(3) لقب لكل عظيم من ملوك الهند .
(4) اخشاد واخشيد لقب كان لملوك فرغانه .
(5) وبار أرض واسعة ببلاد اليمن .

الصفحة 31
وسفوح طيبة(1) ورمل يبرين وساحة هبير(2) وجاع وعطش وعري اما كان يأكل اليربوع والجرذان ! وما كان يشرب بول الجمل وماء البئر وما أسن في تلك الوهدات ؟ أو ما كان يلبس البرجد(3) والخميصة والسمل من الثياب وما هو دونه واخش بلى والله ويأكل حشرات الأرض وبنات الجبال وكل ما حمض ومر وخبث وضر(4) .
وهذا كلام متين منتزع من واقع الحال إذ كل من قطن تلك الديار وعاش في تلك الربوع فلا مناص له من التكيف وفقاً لما تمليه الحياة المادية فيها فما تلك الطباع براجعة إلى حقيقة الجنس بل إلى الوضع الاقتصادي والحياة المادية لتلك البلاد .
وبمثل ما نبزهم به الجيهاني من خشونة المطعم وبؤس العيش نبزهم استاذه كسرى انوشروان فقد قال للنعمان : (.... قد خرجوا من مطاعم الدنيا وملابسها ومشاربها ولهوها ولذّاتها فافضل طعام ظفريه ناعمهم لحوم الأبل التي يعافها كثير من السباع لثقلها وسوء طعمها وخوف دائها ....(5)
نـظرت بـعين الـحقد قـوماً فعبتهم      بـاكلهم  إذ لـم تـجد فـيهم وصـما
أجل نحن قوم نحسن الطعن في الوغى      وأنـتم فـريق يحسن القضم والهضما
ومــن عــاد لا يـهتم إلاّ بـبطنه      فـقـد قـلد الانـعام واتـبع الـبهما
وهـل تـورث الـعلياء يـوماً مآكل      أجـاد بـها الـطاهي وروّقـها طعما
فـهل  أنـت في فالوذج تحكم الورى      وهـل  أنت في لوزينج تقهر الخصما
أتـجعل كاس الأكل طاسك في الوغى      وتـشحذ مـن لوزينج للعدى سهما(6)
ــــــــــــــــــ
(1) بلد عند زرود .
(2) رمل قرب زرود بطريق مكة .
(3) البرجد كساء غليظ صوف أحمر والخميصة كساء أسود مربع له علمان والسمل من الثياب الخلق البالي .
(4) أبو حيان التوحيدي ، الأمتاع والموانسة ، ص79 .
(5) أحمد الهاشمي ، جواهر الأدب ، ج1 ص224 .
(6) أحمد الصافي النجفي ، الديوان الامواج ، ص95 .

الصفحة 32
لقد عمّت هؤلاء رحمة الله وشملتهم عنايته حين بعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين . يقول الإمام أميرالمؤمنين (عليه السلام) :
.. تأملوا في حال نشتتهم وتفرقهم ليالي كانت الأكاسرة والقيا صره أرباباً لهم يحتازونهم عن ريف الآفاق وبحر العراق وخضرة الدنيا إلى منابت الشيح ومهافي الريح ونكد المعاش فتركوهم عالة مساكين أخوان دبر ودبر أذل الامم داراً واجد بهم قراراً لا يأوون إلى جناح دعوة .
يعتصمون بها ولا إلى ظل ألفة يعتمدون على عزّها فالأحوال مضطربة والأيدي مختلفة والكثرة متفرقة في بلاء أزل وإطباق جهل ! من بنات مؤودة وأصنام معبودة وأرحام مقطوعة وغارات مشنونة فانظروا إلى مواقع نعم الله عليهم حيث بعث إليهم رسولاً فعقد بملته طاعتهم وجمع على دعوته الفتهم كيف نشرت النعمة عليهم جناح كرامتها وأسالت لهم جداول نعيمها والتفتّ الملة بهم في عوائد بركتها فاصبحوا في نعمتها غرقين ، وعن خضرة عيشها فكهين ...(1) .
أشار الإمام (عليه السلام) إلى حقيقة ما كانوا عليه قبل الإسلام وما صاروا اليه بعده فقد اشرق في جزيرتهم وهم عاكفون على أخلاقهم عكوفهم على أصنامهم لا يلقون بالاً لنصيحة ناصح ولا يصيخون السمع لصوت مصلح .
وكان فيهم قوم حكماء من قبيل ذي الأصبع العدواني وقس بن ساعدة وأمثالهما عملوا على إصلاح أوضاعهم فما تسنّى لهم ذلك حتى جاء الإسلام وانطلقت دعوة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) تسري في محيطهم سريان الجذوة المتقدة في الحطب الجزل أو البرق اللامع في معتكر الظلام .
وقطعت الدعوة أشواطها في خطين متوازيين أحدهما بمنزلة الأساس للآخر . عقيدة التوحيد وما يتفرع عنها من الاُصول وما يتبعها من الشرايع والأحوال .
والمناهج الأخلاقية المرتكزة عليها والتي تستمد مادتها الاُولى من ذلك الوهج الساطع المتمثل في نور الوحدانيّة .
ــــــــــــــــــــ
(1) الشيخ محمد جواد مغنية ، في ظلال نهج البلاغة ، ج3 ص140 .

الصفحة 33
واضحت جزيرة العرب من أقصاها إلى أقصاها مغمورة به يضيء لها ما أدلهم من حياتها .
فكانت بمنزلة المريض وكانت الرسالة المحمدية هي الطبيب الذي أقام العلاج لوضع الجزيرة على دعامتين الأولى الوقاية من الأخلاق القديمة وطرحها من حياة الناس والعمل على محوها من عرصة الوجود لأنها السبب الاكبر في مئآسي الجزيرة وسقوط شأنها وتفاهة قدرها عند سكانها وعند الناس .
والثانية كيفية العلاج وذلك بوضع صيغة معتدلة للأخلاق الواجب اتخاذها والصفات التي يجب على الاُمة الالتزام بها .
وإنما الأمم الأخلاق مابقيت     فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا
ورب خلق كريم يعدل عند الناس فتحاً من الفتوح بخاصة إذا كان من قائد مقتدر كما جرى لسيف الدولة بن حمدان فقد :
خرج الأمير سيف الدولة في طلب بني كلاب ومن انضاف إليها فلحق حلة من بني نمير رئيسها مماغث فاحتوى عليها فخرجت إليه ابنة مماغث مسفرة حافية كالشمس الطالعة وابو فراس يسايره فصفح لها عن الحلة وأمر برد ما أخذ منها فكتب إليه أبو فراس يداعبه :
ومـا انس لا انس يوم المغار      مـحـجبة لـفظتها الـحجب
دعـاك ذووهـا بسوء الفعال      لـما لا تـشاء ومـا لا تحب
فـوافتك تـعثر فـي مرطها      وقد رأت الموت من عن كثب
وقـد خلط الخوف لما طلعت      دلّ  الـجمال بـذل الـرعب
تـسارع  فـي الخطو لا خفة      وتهتز  في المشي لامن طرب
فـلما بـدت لك دون البيوت      بـدالك مـنهن جـيش لحب
فـكـنت أخـاهـن إذ لا أخ      وكـنت  أبـاهن إذ ليس أب
ومازلت مذ كنت تأتي الجميل      وتحمي الحريم وترعى النسب
فـولـين  عـنـك يـفدينها      ويرفض  من ذيلها ما أنسحب
يـنادين  بـين خلال البيوت      لا  يـقطع الله نـسل العرب
أمـرت  وأنت المطاع الكريم      بـبذل الأمـان ورد الـسلب

الصفحة 34
وقد رحن من مهجات القلوب     بـأوفـرغنم واغلى نشـب
فإن هن يا ابن السراة الكرام       رددن القلوب رددنا النهب(1)
هكذا يكون ظفر القائد الشريف إذا شاهد النساء وقد خلاهن الأهل والحماة أمّا ظفر النذن الذليل المهان فهو كظفر ابن سعد وجنوده بخيام الحسين (عليه السلام) .
وعلى العيس من بنات على      نـوح  كـل لـفظها تعديد
سلبتها  ايدي الجفات حلالها      فـخلا  معصم وعطل جيد
وعـليها  السياط لما تلوّت      اخـلفتها  اساور وعقود(2)
قال أميرالمؤمنين (عليه السلام) : بعثه والناس ضلال في حيرة وخابطون في فتنة قد استهوتهم الأهواء واستزلّتهم الكبرياء واستخفتهم الجاهلية الجهلاء حيارى في زلزال من الأمر وبلاء من الجهل فبالغ (صلى الله عليه وآله وسلم) في النصيحة ومضى على الطريقة ودعا إلى الحكمة والموعظة الحسنة(3).
بعثه (صلى الله عليه وآله وسلم) حال كون الناس ضالين عن طريق الحق في جهرة من أمر الدين وكانت حركاتهم على غير نظام وكانوا في فتنة وضلال جذبتهم الأهواء الباطلة والآراء العاطلة إلى مهاوي الهلاك وقادهم التكبر والتجبر إلى الخطأ والخطل والهفوة والزلل وجعلتهم الجاهلية الجهلأ أخفّاء العقول سفهاء الحلوم حالكونهم حائرين تائهين مغمورين لا يهتدون إلى وجوه مصالحهم وبلاء من الجهل أي ابتلاء بالقتل والعادات ناشئاً عن جهالتهم لعواقب الاُمورات فبالغ صلّى الله عليه في النصيحة للأمة ومضى على الطريقة المستقيمة ودعا إلى الحكمة والموعظة الحسنة التي دعا إلى سبيل الله بهما امتثالاً لأمر الله وهو قوله تعالى : ادعوا إلى سبيل ربّك بالحكمة والموعظة الحسنة الآية(4) .
رسم الإمام أميرالمؤمنين الملامح الظاهرة للوضع الأخلافي العام في الجزيرة 
ـــــــــــــــ
(1) أبو فراس الحمداني ، الديوان ، ص20 .
(2) شعر السيد جعفر الحلي ، الديوان ، ص145 .
(3) مغنية ، في ظلال نهج البلاغة ، ج2 ص66 .
(4) السيد الخوئي (رحمه الله) ، منهاج البراعة ، ج2 ص153 بتصرف .

الصفحة 35
العربية وما كانوا عليه من الاقتتال وتنازع البقاء لا يأوون إلى أدب ولا يستضيئون بنور حكمه حتى بعث الله سبحانه ذلك النور المتوهج منهم وتفجر في جزيرتهم فعلمهم بعد جهل واعزهم بعد ذل ورفعهم بعد ضعة وارشدهم بعد ضلال وجمعهم بعد فرقة واقتتال .
( وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناًً ) الآية .
عمد الإسلام في خطته الإصلاحية لتهذيب الأخلاق في الجزيرة العربية مهد انطلاقه وفي العالم إلى انتهاج الطريق الوسط فشنّ حملة شعواء لا هوادة فيها على أخلاق الجاهلية الاُولى من قبيل الوأد والقتل والعصبيّة العمياء والتفاخر بالأعراق وهتك الاعراض وسبي النساء واتخاذهن سلعة للمزايدة وقضاء الوطر وعضلهن وغير ذلك ثم شرع في سن القوانين الأخلاقية وإقامة القواعد السلوكيّة لابنائه وأمر بالسير عليها واعتمادها في الحياة العامة والخاصه .
على أنّه لم يهمل من السلوك السائد في الجزيرة ما كان حسناً سليماً بل وضع له خطة حكيمة تردّه إلى الوسطية القائمة بين طرفي الأفراط والتفريط علماً منه بأنّ الفضائل ليست تحصل لأصحابها إلاّ بعد أن تطهر النفوس من الرذائل التي هي أضدادها أعنى شهواتها الرديئة الجسمانيّة ونزواتها الفاحشة البهيمية فإن الإسلام إذا علم أنّ هذه الأشياء ليست فضائل بل هي رذائل تجنبها وكره أن يوصف بها وإذا ظن أنها فضائل لزمها وصارت له عادة وبحسب التباسة وتدنسه بها يكون بعده من قبول الفضائل(1) .
والإسلام اختلف مع الفلاسفة فنظر إلى الإنسان نظرة مجردة فلم ينظره ملحوظاً من زاوية الخير ولا زاوية الشر وعلى هذا الأساس شرع في تهذيبه ... ذلك إن العلماء اختلفوا في الطبايع فزعم قوم وهم الرواقيون إن الناس كلهم يخلقون اخياراً 
ــــــــــــــــــ
(1) مسكويه ، تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق ، ص33 .
الصفحة 36
بالطبع ثم بعد ذلك يصيرون اشراراً بمجالسة أهل الشر والميل إلى الشهوات الردينة التي لا تقمع بالتأديب .
وقال قوم آخرون : إنّ الناس خلقوا من الطينة السفلى وهي كدر العالم فهم لأجل ذلك أشرار بالطبع وإنما يصيرون اخياراً بالتأديب والتعليم إلاّ أنّ منهم من هو في غاية الشر لا يصلحه التأديب ومنهم من ليس في غاية الشر فيمكن أن ينتقل من الشر إلى الخير بالتأديب من الصبا ثم بمجالسة الأخيار والإسلام تجاوز هذين القولين واعتبرهما خطأً محضاً لأنه يرى بنور الوحي الذي صاغه أن ليس شيء من الأخلاق طبيعياً للإنسان ولا نقول أنّه غير طبيعي وذلك إنّا مطبوعون على قبول الخلق بل ننقل بالتأديب والمواعظ أما سريعاً وأما بطيئاً(1) .
واعتبر الإسلام الإنسان ساعة يولد مجرّداً عن كل نعت وصفة سواءاً كانت إلى الخير أم الشر وعبّر عن ذلك بالفطرة وعلى هديها عالج الإنسان فيما له أو عليه . والحديث الشريف يثبت لنا ذلك واليكَه : .. كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه .
وهذا الحديث اختلفت سياقاته وهو مستفيض مشهور فمن جملة هذه السياقات مضافاً إلى ما تقدم : كل إنسان تلده امه على الفطرة أبواه يهودانه أو ينصرّانه أو يمجسانه فإن كانا مسلمين فمسلم .
ومنها أيضاً : ما من مولود يولد على الفطرة وابواه يهودانه أو ينصرّانه كما تنتجون الأبل فهل تجدون منها جدعاء حتى تكونوا أنتم تجدعونها قالوا : يا رسول الله أرأيت من يموت صغيراً قال : الله أعلم بما كانوا عاملين(2) .
ـــــــــــــــــــ
(1) راجع مسكوية ، تهذيب الأخلاق ، ص51 و52 بتصرف .
(2) راجع الكتب التالية : صحيح البخاري ، ج2 ص125 ، سنن أبي داود ، 4714 و4717 ، مجمع الزوائد ، ج7 ص218 ، مسند أحمد بن حنبل ، ج2 ص233 وص275 وص282 وج3 ص353 ، مسند الحميدي ، رقم 1113 ، تجريد التمهيد ، ص258 ، مسند أبي حنيفة ، ص6 وغيرها .

الصفحة 37
وجاء عن طريق أئمة أهل البيت (عليهم السلام) عن الحسين بن نعيم الصحّاف قال : قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) : أيكون الرجل مؤمناً قد ثبت له الإيمان ثم ينقله الله بعد الإيمان إلى الكفر .
قال : إنّ الله هو العدل وإنما بعث الرسول ليدعو الناس إلى الإيمان بالله ولا يدعو أحداً إلى الكفر .
قلت : فيكون الرجل كافراً قد ثبت له الكفر فينقله الله بعد ذلك من الكفر إلى الإيمان .
قال : إنّ الله عزوجل خلق الناس على الفطرة التي فطرهم الله عليها لا يعرفون ايماناً بشريعة ولا كفراً بجحود ثم بعث الله الرسل إليهم يدعونهم إلى الإيمان بالله حجة لله عليهم فمنهم من هداه الله ومنهم من لم يهده(1) .
وعلى أساس من الفطرة النقيّة الواردة في الأحاديث السالفة أقام الإسلام قواعده الخلقية في تهذيب الإنسان فاعتبر الفضيلة وسطاً بين رذيلتين ومن هذه النظرة الواقعية أخذ الفلاسفة فكرتهم عن الفضائل والرذائل .
وينبغي علينا أن نلم بمعنى هذه الوسطية فقد أبان العلماء حقيقتها وأماطوا الستار عنها .
يقول الفيلسوف مسكوية : وينبغي أن تفهم من قولنا أن كل فضيلة فهي وسط بين رذائل ما أنا واصفه . إنّ الأرض لما كانت في غاية البعد من السماء قيل إنها وسط وبالجملة المركز من الدائرة هو على غاية البعد من المحيط وإذا كان الشيء على غاية البعد من الشيء فهو من هذه الجهة على القطر .
فعلى هذا الوجه ينبغي أن يفهم معنى الوسط من الفضيلة إذ كانت بين رذائل بعدها منها أقصى البعد ولهذا إذا انحرفت الفضيلة عن موضعها الخاص بها أدنى انحراف قربت من رذيلة أخرى ولم تسلم من العيب بحسب قربها من تلك الرذيلة التي تميل إليها ولهذا صعب جداً وجود هذا الوسط ثم التمسك به بعد وجوده أصعب(2) .
ــــــــــــــــــ
(1) هاشم البحراني ، البرهان ، ج3 ص263 .
(2) مسكويه ، تهذيب الأخلاق ، ص45 .

الصفحة 38
وهذا الذي يقوله الفيلسوف صحيح وإليه يعزى التغيّر الذي يطرأ على أكثر الناس بعد تغيير ظروفهم ويمكننا على ضوء هذه الفكرة الواقعية أن نفهم العصمة لأنها الثبات على هذا الوسط الصعب الذي قل من ثبت عليه كما قلّ من وفق إليه . ثمّ شرع الفيلسوف في بيان امهات الأخلاق وكيفية توسطها بين أضدادها فقال : أما الحكمة فهي وسط بين السفه والبله وأعني بالسفه هاهنا استعمال القوة الفكرية فيما لا ينبغي وكما لا ينبغي وسماه القوم الجربزة . واعني بالبله تعطيل هذه القوة واطراحها وليس ينبغي أن يفهم أن البله ههنا نقصان الحلقة بل ما ذكرته من تعطيل القوة الفكرية بالإرادة .
وأما الذكاء فهو وسط بين الخبث والبلاده فإن أحد طرفي كل وسط افراط والآخر تفريط أعني الزيادة عليه والنقصان منه فالخبث والدهاء والحيل الردئبة هي كلها إلى جانب الزيادة في ما ينبغي أن يكون الذكاء فيه وأما البلادة والبله والعجز عن إدراك المعارف فهي كلها إلى جانب النقصان من الذكاء إلى أن يقول :
وأما العفّة فهي وسط بين رذيلتين وهما الشره وخمود الشهوة وأعني بالشرة الأنهماك في اللذات والخروج فيها عما لا ينبغي وأعني بخمود الشهوة السكون عن الحركة التي تسلك نحو اللذة الجميلة التي يحتاج إليها البدن في ضروراته وهي ما رخص فيه صاحب الشريعة والعقل .
وأما الفضائل التي تحت العفة فإن الحياء وسط بين رذيلتين أحداهما الوقاحة والاُخرى الخرق وأنت تقدر على أن تلحظ أطراف الفضائل الاُخرى التي هي رذائل ......
وأما الشجاعة فهي وسط بين رذيلتين أحداهما الجبن والاُخرى التهور ، وأما الجبن فهو الخوف في ما لا ينبغي أن يقدم عليه وأما السخاء فهو وسط بين رذيلتين أحداهما السرف والتبذير والاُخرى البخل والتقتير ، أما التبذير فهو بذل ما لا ينبغي لمن لا يستحق وأما التقتير فهو منع ما ينبغي عن من يستحق .
أما العدالة فهي وسط بين الظلم والانظلام أما الظلم فهو التوصل إلى كثرة المقتنيات من حيث لا ينبغي وكما لا ينبغي ولذلك يكون للجائر أموال كثيرة لأنه يتوصل إليها من حيث لا يجب ووجوه التوصل إليها كثيرة أما المتظلم فمقتنياته 

الصفحة 39
وأمواله يسيره جداً لأنه يتركها من حيث يجب وأما العدل فهو في الوسط لأنه يقتني الأموال من حيث يجب ويتركها من حيث لا يجب . فالعدالة فضيلة يتصف بها الإنسان من نفسه ومن غيره من غير أن يعطي نفسه من النافع أكثر وغيره أقل . وأما في الضار فبالعكس وهي أن لا يعطي نفسه أقل وغيره أكثر لكن يستعمل المساواة التي هي تناسب مابين الأشياء ومن هذا المعنى اشتق اسمه أعني العدل(1) .
تبين لنا مما سبق أن الأصل الذي قامت عليه نظرية (وسطية الأخلاق والفضائل) سبق إليها الإسلام ، وجاء الفلاسفة بعده شارحين باسهاب كيفيّة ذلك .
والناظر في تاريخ الإسلام وسيرة النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) يدرك إدراكاً تاماً أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) اتخذ هذا المنهج مطبقاً إياه على الحياة الإسلامية في كل شأن من شئونها لكي تستقر شخصيّة الإنسان المسلم على الصيغة الادبية المطلوبة ديناً وفقهاً وشريعة .
خذ على سبيل المثال وقعة مؤتة فقد تحمل منها المسلمون خسائر جسيمة واهمها استشهاد قادتهم الثلاثة ورجوعهم القهقري من غير أن يصيبوا من عدوّهم مقتلاً واعتبر بعض المؤرخين هذه العودة هزيمة بل المجاهدون أنفسهم كانوا يعدّون أنفسهم منهزمين لأن الواجب فعله أنئذ الاقتداء بالقادة حتى الشهادة للجيش كله .
ولما رجعوا إلى المدينة صار المسلمون يحثون في وجوههم التراب ويقولون لهم يا فرارون فررتم في سبيل الله فصار رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول : بل هم الكرارون وفي لفظ أنهم قالوا : يا رسول الله نحن الفارّون فقال لهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بل أنتم الكارّون أي الكرارون(2) .
كان هؤلاء يرون حالتهم تدور بين أمرين لا ثالث لهما فأما التهور بمهاجمة العدو وإن فاقهم عدداً وعدة وأما الفرار من الزحف كما جرى لهم ولكن النبي ردّهم إلى الحق وإلى الوسطية المرغوب فيها خلقاً وديناً وأوضح لهم أنّ ما اعتبروه انهزاماً ما هو به وإنما هو فعل الحكيم الشجاع الذي آثر الرجوع إلى الفئة ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)
ـــــــــــــــــــــ
(1) مسكوية ، تهذيب الأخلاق ، ص45 وما بعدها .
(2) راجع الكتب التالية ، سيرة ابن هشام الحلبية ، عيون الأثر ، زاد المعاد ، و السيرة النبوية لابن كثير وغيرها .

الصفحة 40
تلكم الفئة ولم يعرض الجيش كله للتلف لأن في ذلك غنماً للعدو واي غنم وغرماً فادحاً على الإسلام وأهله ومن ثم مدحهم (صلى الله عليه وآله وسلم) على فعلهم وقال لهم : ما صنعتم إلاّ ما ينبغي أن يصنعه أمثالكم وسماهم الكرار أو كما قال .
وهذه هي الوسيطة المطلوب تحققها في حياة المسلمين كافة وقد عبّر عنها القرآن الكريم خير تعبير فقال تعالى : ( وَكَذلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النّاسِ وَيَكُونَ الرّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً )(1) .
والوسط مأخوذ من التوسط بين المقصر والغالى فالحق معه(2) فالمقصر هو المفرّط والغالي هو المفرط وكلاهما مذموم والحق مع الوسط ولما كان الوسط مجانباً للغلو والتقصير كان محموداً أي هذه الاُمة لم تغل غلو النصارى في أنبيائهم ولا قصّروا تقصير اليهود وفي الحديث خير الاُمور أوسطها وفيه عن علي (عليه السلام) : عليكم بالنمط الاوسط فإليه ينزل الغالي وإليه يرتفع النازل(3) .
وجاء عن طريق أئمة أهل البيت (عليهم السلام) عن أبي بصير قال : سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول : نحن نمط الحجاز فقلت وما نمط الحجاز ؟ قال : أوسط الأنماط إن الله يقول : وكذلك جعلناكم امة وسطاً ثم قال : إلينا يرجع الغالي وبنا يلحق المقصر(4) .
والتمثيل بالحجاز في غاية الدقة والمتانة لأنها سمّيت بذلك من الحجز بين الشيئين لأنها حجزت بين نجد وتهامة أو بين الغور والشام والبادية(5) .
فهي حينئذ وسط بين طرفين وهذا ما رمى إليه الإمام (عليه السلام) وفسّره برجوع الغالي ولحوق المقصر بهما وهما الطرفان المحيطان بالوسط .
وهكذا ما يزال الباحث يعثر على آية أو رواية أو خبر يؤكذ هذا الإتجاه التهذيبي للإسلام في حمل الأمة على الاتصاف بالصفات الشريفة التي توسطت بين طرفين يضادانها .
ـــــــــــــــــــ
(1) البقرة : 143 .
(2) الشيخ الطوسي ، التبيان ، ج2 ص6 . والضمير في (معه) يرجع إلى الوسط لأنه ليس بالمقصر ولا ....
(3) القرطبي ، الجامع لأحكام القرآن ، ج2 ص154 .
(4) تفسير البرهان ، ج1 ص160 .
(5) تاج العروس ، مادة حجز .

الصفحة 41
وعلى هذا المنوال المفيد والنهج الصحيح قطع الإسلام شوطاً بعيداً في تحرير الإنسان من قيود الجاهلية وأخلاقها المرفوضة .
وتم له في مدة قياسيّه بناء مجتمع ليس له نظير في مجتمعات العالم التي بنتها الاديان السابقة أو المدارس النظرية .
ولعل من المفيد أن نشير إلى نقطة الارتكاز التي استند إليها الإسلام في تحرير الإنسان وساعدته على تحقيق هدفه الاسمى في الإصلاح تلكم هي العناية القصوى بالكرامة البشرية . فقد اهتم الإسلام اهتماماً بالغاً بتكريم الإنسان يقول سبحانه وتعالى : ( وَلَقَدْ كَرّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِنَ الطّيّبَاتِ وَفَضّلْنَاهُمْ عَلَى‏ كَثِيرٍ مِمّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً )(1) .
كرّمهم بالعقل والنطق وحسن الصورة وتعديل القامة وامتدادها وسخر لهم سائر الأشياء وفضلهم على الخلق حتى الملائكة وإن كان في تفضيلهم على الملائكة اختلاف بين العلماء .
وفي الحديث عن جابر يرفعه قال : لما خلق الله آدم وذريّته قال الملائكة : يا رب خلقتهم يأكلون ويشربون وينكحون فاجعل لهم الدنيا ولنا الآخرة .
فقال تعالى : لا أجعل من خلقته بيدي ونفخت فيه من روحي كمن قلت له كن فكان .
وفي المسئلة رأي وجيه ذهب إليه البغوي قال : والأولى أن يقال : عوام المؤمنين أفضل من عوام الملائكة وخواص المؤمنين أفضل من خواص الملائكة .
قال الله تعالى : ( إِنّ الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيّةِ ) . وروى عن أبي هريرة أنه قال : المؤمن من أفضل وأكرم على الله من الملائكة الذين عنده(2) .
وبهذا التكريم يحمل الإسلام الإنسان على الشعور بالكرامة فينزع إلى معالي الاُمور وعمل الخير وفعل الطيبات ويترفع عن الدنابا وخسائس الأخلاق والصفات .
لأنّ التحلي بالفضائل والتخلي عن الرذائل فرع الأحساس بالذات وهو مفقود 
ــــــــــــــــــ
(1) الاسراء : 70 .
(2) البغوي ، معالم التنزيل ، ج3 ص125 .

الصفحة 42
عند الإنسان حال كونه يشعر بالضعة والمهانة .
ومن جهلت نفسه قدره     رأي غيره منه ما لا يرى
وإذا لم يستهن بنفسه وصاحبه شعور بتكريم ذاته ارتفع عن حضيض الهوان إلى مصاف العوالم النورانيّة المكرمة .
ومن هذا المنطق الحر الكريم ساوى الإسلام بين أفراد النوع الإنساني مساواة مطلقة فلا تمييز بين أفراده كافة كما لا عبرة بالفروق الطبيعيّة من اللون والجنس والأصل واللغات .
ومثلها الفروق المصطنعة كالحسب والنسب والمكانة الاجتماعيّة وغير ذلك . وجعل التمايز حاصلاً في التقوى «إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم» وهي مجموع ما يكسبه الإنسان من الصفات الفاضلة ويتحلّى به من الأخلاق النبيلة .
وأقام مبادئة الإنسانيّة على هذا الأساس المتين (كلكم لآدم وآدم من تراب) ودستور ذلك كلّه يتقوم بالآية الكريمة :
يقول الدكتور الشكعة : أما وقد سوّى الإسلام بين الناس كافة وقضى على العرفية والمفاضلة بالأحساب والأنساب بين الناس وجعل الفضل لصاحب الفضل أياً كان نسبه أو عرقه أو لونه ، فإن فلسفة التوحيد التي جاء بها الإسلام كانت في حد ذاتها ذات أثر خطير في تحرير الإنسان ، كل الإنسان من الخوف والجبن والطفاة والظلمة وأصحاب النفوذ وأرباب المال تحرراً كاملاً أنّه تحرّر في القول والعمل والفكر والطعام واللباس والتحرك ولكن في نطاق الالتزام بروح الإسلام .....
وينقل كلمة العالم الأنجليزي الأستاذ يورك القائل : (القانون المحمدي ـ يقصد الإسلامي ـ ملزم للجميع ، من صاحب التاج إلى أحط فرد في الرعية أنّه قانون يقوم على أساس من أحكم شريعة وجدت في العالم .....(1)
وظل علم المساواة بين الناس كافة خفّاقاً على الرؤوس طيلة العهد النبوي وشطراً من خلافة الأول .
وأول من حرف البناء عن أسّه وأحدث شرخاً في هيكله عو عمر بن الخطاب 
ـــــــــــــــ
(1) الدكتور ، الشكعة ، معالم الحضارة الإسلامية ، ص31 .

الصفحة 43
وذلك بما اتخذ من سياسة التفريق بين فئأت المسلمين وتفضيل بعضهم على بعض في العطاء .
وهذا الوضع الجديد ارسى دعائم المجتمع الطبقي حيث فضل قريشاً على الناس كافة والعرب على غيرهم والمهاجرين على الانصار والأوس على الخزرج والصريح على المولى وهكذا .
وما ينسب إليه من المواقف الدالّة على المساواة فليست تعبر عن سياسته العامة بل هي مواقف فردية أفرزتها ساعة من ساعات النخوة عنده .
نظير موقفه من عمرو بن العاص وابنه حين شكاه ذلك القبطي في مسئلة السباق الذي جرى بينهما فقد ضرب ابن عمرو القبطي حين سبقه قائلاً أنا إبن الأكرمين فشكاه إلى عمر فما كان من عمر إلاّ إحضار الأطراف جميعاً وأمر القبطي بالقصاص وقال قولته المشهورة متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم امهاتهم احراراً ؟!
وهذا موقف ممتاز حقاً ولكنه إلى جانب نظائر له كان فيها عمر عوناً للقوي على الضعيف . والرجل نفسه يعتبر الواجهة التي تختفي ورائه مراكز القوى في ذلك العهد .
وبسلطانه صال معاوية وجال ومثله فعل الاشعث ابن قيس وغيرهما . ومن الاُمور العجيبة التي عزيت إليه ذلك الموقف الغريب فقد قال له أحد مستمعيه بعد خطاب لعمر : والله لو رأينا فيك أعوجاجاً لفوّمناه بسيوفنا(1) .
وهذا القول مناقض تماماً لوجوب الطاعة لولاة الأمر عند القوم برهم وفاجرهم وحرمة القيام عليهم بالسيف وعلى هذا الأساس منع عبدالله بن عمر أولاده ومواليه من نقض بيعة يزيد وهددهم بالصيلم(2) .
وروى راويهم أبو هريرة : أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال : سيليكم بعدي ولاة فيليكم البر ببرّه ، ويليكم الفاجر بفجوره فاسمعوا لهم وأطيعوا في كل ما وافق الحق فإن أحسنوا فلكم ولهم وإن أساءوا فلكم وعليهم(3) .
ـــــــــــــــــ
(1) الشكعة ، معالم الحضارة الإسلامية ، ص31 .
(2) البداية والنهاية ، ج8 ص218 ، الطبقات ، ج4 ص183 .
(3) الشكعة ، معالم الحضارة الإسلامية ، ص46 .

الصفحة 44
وفي رواية المجمع زيادة قوله : وصلوا وراءهم ..(1) .
وفي رواية اُخرى : أنقاتلهم يا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال : لا ما أقاموا الصلاة(2) .
فكيف يرفع هذا الرجل عقيرته بالسيف في وجه عمر وهو أبو حفص الذي لا يقعقع له بالشنان الرواية لا شك واهية .
وحينئذ لا مناص من نبذ أحد القولين .
أما روايه السيف أو حديث أبي هريرة والواقع أنّ سياقات هذا الحديث كثيرة ولكنها غير ثابتة وللعلماء فيها رأي مشهور وهو وضعها في العهد الأموي لصالحه ولتخدير الاُمة والاستحواذ عليها وللحيولة بينها وبين ممارسة حقها الطبيعي في الإنكار والثورة على الطغاة ولو صحت هذه الأحاديث لبطل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولأقتصر على فئة خاصة من الناس ولكان حكم الجهاد منسوخاً أو مقصوراً على الكفار وحدهم .
أجل أقام الإسلام مجتمع المساواة التامة بين أفراد النوع الإنساني وساعدت عقيدة التوحيد على تحرير الإنسان من العبودية والذل لغير الله سواء كان خليفة أو ملكاً مهما كانت صفته . لا إله إلاّ الله .
وفي هذا المجتمع المتكافئ أشاع الإسلام مبادئه الأخلاقية المؤلفة من قسمين فضائل ورذائل ودعا إلى التحلي بالاولى والتخلي عن الثانية وإليك قائمة بأسمائها نقلاً عن كتاب : روح الدين الأسلامي للأستاذ عفيف طبّاره .
الفضائل
الاول : الاستقامة وإصلاح النفس وتزكيتها .
قال سبحانه وتعالى : ( إِنّ الّذِينَ قَالُوا رَبّنَا اللّهُ ثُمّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةُ أَلاّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنّةِ الّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ )(3) .
ــــــــــــــ
(1) الهيثمي ، مجمع الزوائد ، ج5 ص18 .
(2) مجمع الزوائد : ج5 ص218 .
(3) فصلت : 30 .

الصفحة 45
( إِنّ الّذِينَ قَالُوا رَبّنَا اللّهُ ثُمّ اسْتَقَامُوا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ )(1) .
وجاء رجل إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال : اوصني يا رسول الله فأجابه الرسول بهذه الجملة الموجزة الرائعة : (قل آمنت بالله ثمّ استقم)(2) .
اصلاح النفس
قال الله تعالى : ( فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنّ اللّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ )(3) .
( يَا بَنِي آدَمَ إِمّا يَأْتِيَنّكُمْ رُسُلٌ مِنكُمْ يَقُصّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتّقَى‏ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ )(4) .
تزكية النفس
قال الله تعالى : ( قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكّى )(5) .
وقال سبحانه : ( قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسّاهَا )(6) .
وقال تعالى : ( ومن يتزكّى فإنّما يتزكّى لنفسه وإلى الله المصير )(7) .
الإحسان
قال الله تعالى : ( وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللّهُ إِلَيْكَ )(8) .
ـــــــــــــــــــ
(1) الاحقاف : 13 .
(2) صحيح مسلم ، كتاب الايمان رقم 62 ، مسند أحمد ، ج3 ص413 ، وج4 ص385 ، تفسير البغوي ، ج3 ص355 ، والدر المنثور ، ج2 ص220 وغيرهم .
(3) المائدة : 39 .
(4) الاعراف : 35 .
(5) الاعلى : 14 .
(6) الشمس : 9 و10 .
(7) فاطر : 18 .
(8) القصص : 77 .

الصفحة 46
وقال سبحانه : ( إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا )(1) .
وقال عزوجل : ( إِنّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى‏ وَيَنْهَى‏ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ )(2) .
وقال تعالى : ( وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للّهِ‏ِ وَهُوَ مُحْسِنٌ )(3) .
ويقول سبحانه : ( وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى )(4) .
وقال تعالى : ( مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا )(5) .
وقال جلت عظمته : ( مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ )(6) .
التقوى
قال الله تعالى : ( يَاأَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا اتّقُوا اللّهَ حَقّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنّ إِلاّ وَأَنْتُم مُسْلِمُونَ )(7) .
وقال سبحانه : ( لَيْسَ الْبِرّ أَنْ تُوَلّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنّ الْبِرّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَومِ الآخِرِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنّبِيّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى‏ حُبّهِ ذَوي الْقُرْبَى‏ وَالْيَتَامَى‏ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ الْسّبِيلِ وَالسّائِلِينَ وَفِي الرّقابِ وَأَقَامَ الصّلاَةَ وَآتَى الزّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضّرّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولئِكَ الّذِينَ صَدَقُوْا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتّقُونَ )(8) .
وقال سبحانه : ( أَلاَ إِنّ أَوْلِيَاءَ اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * الّذِينَ آمَنُوا ِ
ـــــــــــــــــــ
(1) الاسراء : 7 .
(2) النحل : 90 .
(3) النساء : 125 .
(4) لقمان : 22 .
(5) الانعام : 160 .
(6) النحل : 89 .
(7) آل عمران : 102 .
(8) البقرة : 177 .

الصفحة 47
وَكَانُوا يَتّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى‏ فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَفِي الآخِرَة )(1) .
وقال تبارك وتعالى : ( وَمَن يَتّقِ اللّهَ يَجْعَل لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ )(2) .
وقال تعالى : ( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا إِن تَتّقُوا اللّهَ يَجْعَل لَكُمْ فُرْقَاناً )(3) .
وقال تعالى : ( وَتَزَوّدُوا فَإِنّ خَيْرَ الزّادِ التّقْوَى )(4) .
الصبر
قال تعالى : ( إِنّمَا يُوَفّي الصّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ )(5) .
وقال سبحانه أيضاً : ( وَلَنَجْزِيَنّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ )(6) .
وقال سبحانه : ( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ )(7) .
وقال تعالى : ( وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتّقُوا فَإِنّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الأمُورِ )(8) .
وقال تعالى : ( وَلَنَبْلُوَنّكُمْ حَتّى‏ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبَارَكُمْ )(9) .
وقال سبحانه : ( وَلَنَبْلُوَنّكُمْ بِشَيْ‏ءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالّثمَرَاتِ وَبَشّرِ الصّابِرِينَ * الّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنّا للّهِ‏ِ وإِنّا إِلَيهِ رَاجِعُونَ * أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِن رَبّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ )(10) .
ـــــــــــــــــــــ
(1) يونس : 63 ـ 64 .
(2) الطلاق : 2 ـ 3 .
(3) الانفال : 29 .
(4) البقرة : 197 .
(5) الزمر : 10 .
(6) النحل : 96 .
(7) السجدة : 24 .
(8) آل عمران : 186 .
(9) محمد : 31 .
(10) البقرة : 155 ـ 157 .

الصفحة 48
العفو
قال تعالى : ( وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ )(1) .
وقال سبحانه : ( وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السّيّئَةَ )(2) .
وقال عز اسمه : ( وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ الْسّيّئَةُ ادْفَعْ بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنّهُ وَلِيّ حَمِيمٌ )(3) .
وقال تعالى : ( وَجَزاءُ سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللّهِ إِنّهُ لاَ يُحِبّ الظّالِمِينَ * وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ مَا عَلَيْهِم مِن سَبِيلٍ * إِنّمَا السّبِيلُ عَلَى الّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقّ أُولئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُور )(4) .
وقال تبارك وتعالى : ( وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النّاسِ وَاللّهُ يُحِبّ الْمُحْسِنِينَ ) .
الصدق
قال تعالى : ( يا أيّها الذين آمنوا اتّقوا الله وكونوا مع الصادقين )(5) .
وقال سبحانه : (يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا اتّقُوا اللّهَ وَقُولُوا قَوْلاَ سَدِيداً )(6) .
ويقول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) : (عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة وما يزال الرجل يصدق ويتحرّى الصدق حتّى يكتب عندالله صديقاً واياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار وما يزال الرجل يكذب ويتحرّى الكذب حتّى يكتب عندالله كذّاباً) .
ــــــــــــــــــــ
(1) التغابن : 14 .
(2) الرعد : 22 .
(3) فصّلت : 34 .
(4) الشورى : 40 ـ 43 .
(5) التوبة : 199 .
(6) الاحزاب : 70 .

الصفحة 49
ومن أنواع الصدق الأمانة التي هي من ارفع الصفات في الإنسان .
قال تعالى : ( وَالّذِينَ هُمْ لأمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ )(1) .
ومن أنواع الصدق أيضاً صدق الوعد الذي هو من الصفات الحميدة التي يتحلّى بها الانسان .
قال تعالى : ( وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْماعِيلَ إِنّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نّبِيّاً )(2) .
 الاصلاح بين الناس
قال تعالى : ( إِنّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ )(3) .
وقال تعالى : ( وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا )(4) .
وقال سبحانه : ( وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحاً يُوَفّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا )(5) .
وقال عزّ اسمائه : ( لاَ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِن نَجْوَاهُمْ إِلّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً )(6) .
 التعاون
قال تعالى : ( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرّ وَالتّقْوَى‏ وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ )(7) .
ـــــــــــــــــــ
(1) المؤمنون : 8 .
(2) مريم : 54 .
(3) الحجرات : 10 .
(4) الحجرات : 9 .
(5) النساء : 35 .
(6) النساء : 114 .
(7) المائدة : 2 .

الصفحة 50
 الايثار
قال تعالى : ( وَيُؤْثِرُونَ عَلَى‏ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ )(1) .
 الكلام الحسن
قال تعالى : ( وَقُل لِعِبَادِي يَقُولُوا الّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنّ الشّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ )(2) .
وقال تعالى : ( وَقُولُوا لِلنّاسِ حُسْناً )(3) .
وقال تعالى : ( وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ )(4) .
وقال تعالى : ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لإِنفَضّوا مِنْ حَوْلِكَ  )(5) .
 معاشرة الأخيار
قال الله تعالى : ( وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً )(6) .
وقال تعالى : ( فَأَعْرِضْ عَن مَن تَوَلّى‏ عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلاّ الْحَيَاةَ الدّنْيَا )(7) .
وقال سبحانه : ( لاَ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادّونَ مَنْ حَادّ اللّهَ 
ــــــــــــــــــــ
(1) الحشر : 9 .
(2) الاسراء : 53 .
(3) لقمان : 19 .
(4) لقمان : 19 .
(5) آل عمران : 159 .
(6) الكهف : 28 .
(7) النجم : 29 .
الصفحة 51
وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ  )(1) .
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : ( مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير فحامل المسك أما إن يحذيك وأما إن تبتاع منه وأما إن تجد منه ريحاً طيبه ، ونافخ الكير إما إن يحرق ثوبك وأما إن تجد منه ريحاً خبيثة ) .
 الاستئذان والتحية
قال تعالى : ( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتّى‏ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلّمُوا عَلَى‏ أَهْلِهَا ذلِكُمْ خَيْرٌ لّكُمْ لَعَلّكُمْ تَذَكّرُونَ * فَإِن لّمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَداً فَلاَ تَدْخُلُوهَا حَتّى‏ يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى‏ لَكُمْ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ )(2) .
وقال تعالى : ( وَإِذَا حُيّيتُم بِتَحِيّةٍ فَحَيّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدّوهَا )(3) .
وهذه هي الفضائل الخلقية التي أمر الله عباده الصالحين بالتحلي بها وحثهم على التمسك بها بل هي إن حققت روح الدين وجوهر الشريعة لأنها ترفع المسلم العامل بها من حضيض التراب إلى مصاف الملائكة ومدارج منازلها ومحالّ رتبها ....
وقد اسعف المسلمين الحظ في حياة النبي فكان لهذه الفضائل سوق رائجة بينهم ولكن تضائل العمل بها بل أوشكت على الدثور بعد وفاته وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله .
ــــــــــــــــــــــ
(1) المجادلة : 22 .
(2) النور : 27 ـ 28 .
(3) النساء : 86 .

الصفحة 52
الرذائل
وأولها بل اضرّها على الانسان واشدّها فتكاً بحياته الأخلاقية الانقياد لهوى النفس .
 الانقياد لهوى النفس
قال الله تعالى : ( وَلَوِ اتّبَعَ الْحَقّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السّماوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنّ )(1) .
وقال تعالى لداود : ( يَا دَاوُدُ إِنّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النّاسِ بِالْحَقّ وَلاَ تَتّبِعِ الْهَوَى‏ فَيُضِلّكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِنّ الّذِينَ يَضِلّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ )(2) .
وقال تعالى : ( فَإِن لّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنّمَا يَتّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلّ مِمّنِ اتّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللّهِ إِنّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ )(3) .
وقال سبحانه : ( وَإِنّ كَثِيراً لَيُضِلّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ )(4) .
وقال تعالى : ( وَأَمّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ وَنَهَى النّفْسَ عَنِ الْهَوَى‏ * فَإِنّ الْجَنّةَ هِيَ الْمَأْوَى )(5) .
 الكبرياء
قال تعالى : ( سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي الّذِينَ يَتَكَبّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقّ وَإِن يَرَوْا كُلّ آيَةٍ لاَيُؤْمِنُوا بِهَا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرّشْدِ لاَيَتّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيّ 
ــــــــــــــــــ
(1) المؤمنون : 71 .
(2) ص : 26 .
(3) القصص : 50 .
(4) الروم : 29 .
(5) النازعات : 41 .

الصفحة 53
يَتّخِذُوهُ سَبِيلاً )(1) .
وقال تعالى : ( قَالَ الْمَلأ الّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لِلّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنّ صَالِحاً مُرْسَلٌ مِن رَبّهِ قَالُوا إِنّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ * قَالَ الّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنّا بِالّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ )(2) .
وقال تعالى : ( قَالَ الْمَلأَ الّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنّكَ يَاشُعَيْبُ وَالّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنّ فِي مِلّتِنَا )(3) .
وقال تعالى : ( أَلَيْسَ فِي جَهَنّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبّرِينَ )(4) .
وقال تعالى : ( فَأَمّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدّ مِنّا قُوّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّ اللّهَ الّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدّ مِنْهُمْ قُوّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ«15» فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى‏ وَهُمْ لاَ يُنصَرُونَ )(5) .
وقال تعالى : ( وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً إِنّكَ لَن تَخْرِقَ الأََرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً )(6) .
وقال تعالى : ( وَلاَ تُصَعّرْ خَدّكَ لِلنّاسِ وَلاَ تَمْشِ في الأَرْضِ مَرَحاً إِنّ اللّهَ لاَ يُحِبّ كُلّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ )(7) .
 الخمر والقمار
قال الله تعالى في تحريم الخمر والقمار : ( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا إِنّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالأََزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنّمَا يُرِيدُ الشّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدّكُمْ عَن ذِكْرِ
ــــــــــــــ
(1) الاعراف : 146 .
(2) الاعراف : 75 ـ 77 .
(3) الأعراف : 88 .
(4) الزمر : 60 .
(5) فصلت : 15 ـ 16 .
(6) الاسراء : 37 .
(7) لقمان : 18 .

الصفحة 54
ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصّلاَةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ )(1) .
 الكذب والخيانة وخلف الوعد
وهذه الأشياء الثلاثة من فصيلة واحدة . قال الله تعالى عن الكذب : ( إِنّ اللّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذّابٌ )(2) .
ومثله : ( إِنّ اللّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفّارٌ )(3) .
وقال تعالى : ( وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذا حَلاَلٌ وَهَذا حَرَامٌ لّتَفْتَرُوا عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنّ الّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ قَليلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ )(4) .
 الخيانة
قال تعالى : ( يَاأَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا لاَتَخُونُوا اللّهَ وَالرّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ )(5) .
وقال تعالى : ( إِنّ اللّهَ لاَ يُحِبّ مَن كَانَ خَوّاناً أَثِيماً )(6) .
 خلف الوعد
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : ( آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذ وعد أخلف وإذا اؤتمن خان )(7) .
ــــــــــــــــــــ
(1) المائدة : 80 ـ 81 .
(2) غافر : 28 .
(3) الزمر : 3 .
(4) النحل : 116 ـ 117 .
(5) الانفال : 27 .
(6) النساء : 107 .
(7) اخرجت الحديث الكتب التالية : صحيح البخاري ومسلم وسنن البيهقي الكبرى وشرح السنة للبغوي ، تاريخ الخطيب البغدادي ، مسند أحمد ، تفسير ابن كثير وغيرها كثير .

الصفحة 55
 شهادة الزور
وهي من أنواع الكذب أيضاً قال الله تعالى : ( فَاجْتَنِبُوا الرّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزّورِ )(1) .
وقال تعالى : ( وَالّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزّورَ )(2) .
 البهتان
ومن ضروب الكذب التي حرّمها القرآن البهتان قال الله تعالى : ( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى‏ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ )(3) .
 النميمة
والنميمة من ضروب الكذب أيضاً قال الله سبحانه : ( وَلاَ تُطِعْ كُلّ حَلاّفٍ مَهِينٍ * هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ )(4) .
 الهزء بالآخرين والسخرية منهم
وسماها المؤلف احترام الغير ولكن آثرت العنوان اعلاه لأنّ احترام الغير يدخل في قسم الفضائل .
قال الله تعالى : ( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِن قَوْمٍ عَسَى‏ أَن يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلاَ نِسَاءٌ مِن نِسَاءٍ عَسَى‏ أَن يَكُنّ خَيْراً مِنْهُنّ وَلاَ تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الأسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيَمانِ وَمَن لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ )(5) .
ــــــــــــــــــ
(1) الحج : 30 .
(2) الفرقان : 72 .
(3) الحجرات : 6 .
(4) القلم : 10 ـ 11 .
(5) الحجرات : 11 .

الصفحة 56
 الظن السيّئ والتجسس والغيبة
قال الله تعالى : ( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظّنّ إِنّ بَعْضَ الظّنّ إِثْمٌ وَلاَ تَجَسّسُوا وَلاَ يَغْتَب بَعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتّقُوا اللّهَ إِنّ اللّهَ تَوّابٌ رَحِيمٌ )(1) .
 الزنا
قال الله تعالى : ( وَلاَ تَقْرَبُوا الزّنَى‏ إِنّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً )(2) .
 الغضب
قال الله تعالى : ( وَالضّرّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النّاسِ وَاللّهُ يُحِبّ الْمُحْسِنِينَ )(3) .
وقال تعالى : ( وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ )(4) .
 الحسد
قال الله تعالى : ( وَلاَ تَتَمَنّوْا مَا فَضّلَ اللّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى‏ بَعْضٍ لِلرّجَالِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبُوا وَلِلنّسَاءِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبْنَ وَسْأَلُوا اللّهَ مِن فَضْلِهِ )(5) .
وقال تعالى : ( وَمِن شَرّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ )(6) .
وقال عزوجل : ( وَدّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفّاراً حَسَداً مِنْ عِندِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيّنَ لَهُمُ الْحَقّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتّى‏ يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ )(7) .
ــــــــــــــ
(1) الحجرات : 12 .
(2) اسراء : 32 .
(3) آل عمران : 134 .
(4) الشورى : 37 .
(5) النساء : 32 .
(6) الفلق .
(7) البقرة : 109 .

الصفحة 57
 اللغو
ويدخل فيه الثرثرة والهزل والباطل من القول والفعل وكل ما توجب المروءة الغاءه وهو ما سماه الله لغواً ، قال الله تعالى : ( قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالّذِينَ هُمْ عَنِ اللّغْوِ مُعْرِضُونَ )(1) .
وقال عزوجل : ( وَإِذَا سَمِعُوا اللّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ )(2) .
وقال تعالى : ( وَإِذَا مَرّوا بِاللّغْوِ مَرّوا كِرَاماً )(3) .
 الشراهة
قال سبحانه وتعالى : ( وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا إِنّهُ لاَيُحِبّ الْمُسْرِفِينَ )(4) .
وقال تعالى : ( وَالّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنّارُ مَثْوىً لَهُمْ )(5) .
هذه هي امهات الأخلاق مابين فضائل يجب التحلي بها أو رذائل يجب التخلي عنها رفع منارها الإسلام وأنزلها الله آيات تتلى على سيد البشر ذي الخلق العظيم والقائل : بعثت لأتمم مكارم الأخلاق . وقد ذكرنا لكل واحدة منها الآيات الدالّة عليها والمرشدة إليها هذا مع العلم بأن حشداً كريماً من الآيات لم نذكرها روماً للإختصار .
أما السنة الشريفة فقد زخرت بذلك وامتلأت الصحاح والمسانيد وكتب الحديث عند الطوائف الإسلامية كافة بفيض غامر منها بلغ عشرات الألوف .
وفي كل ذلك دعوة قويمة لأمة الإسلام إن تجعل منها دستوراً لحياتها 
ـــــــــــــــ
(1) المؤمنون : 1 ـ 3 .
(2) القصص : 55 .
(3) الفرقان : 72 .
(4) الأعراف : 31 .
(5) محمد : 12 .

الصفحة 58
ومدرسة تقوّم بها ذاتها وتبني شخصيتها على هداها .
وفعلاً تم لها ذلك على يد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وصحابته الكرام وعاشت الاُمة تحت كنف نبيها وبفضل رعايته وكريم إرشاده أفضل مراحل حياتها وما هي الادورة من دورات الزمن وإذا بذلك الضوء يخبو وتلك الشمس تغيب وذلك الكون المنير من الأدب والخلق الرفيع الذي أقامه النبي يختفي معه تحت الرغام وصحّت كلمة انس ابن مالك : ما كدنا ننفض ايدينا من تراب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى أنكرنا قلوبنا وبدأ من هذه القلوب الانقلاب على الاعقاب .
 الانقلاب على الأعقاب
فارق النبي المسلمين إلى الرفيق الأعلى وفريق منهم يتربص بالخلاف تلك الساعة المشومة ولقد كانت تبدر بوادر من هؤلاء والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ما يزال على قيد الحياة لذلك نجده مبادراً إلى درء هذا الخطر والوقوف بوجه المتربصين بالإسلام ساعة الوفاة .
فاستقبل (صلى الله عليه وآله وسلم) خطة الانقلاب المزمع اجرائه من القوم بعد وفاته بإجراء فعال لوانه اطيع ولكن المهاجرين وفي مقدمتهم عمر حالوا بينه وبين التنفيذ . من ذلك تسريح جيش اسامة بن زيد .
عمد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى توجيهه خارج المدينة وضم إليه جل الذين تحدثهم أنفسهم بالانقلاب ومنهم الشيخان أبوبكر وعمر وهما القطبان الذان اتّجهت اليهما الانظار لقربهما من النبي أولاً ولمسئلة الصهر التي ربطت بينهما وبين النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بعلقة قوية جداً فكانت احداث الانقلاب تدور عليهما .
ولا بديل عن بني هاشم بغيرهما وكان النبي يعلم ذلك تارة بالوحي وأخرى بالنظر الحكيم الفاحص من ثم راح (صلى الله عليه وآله وسلم) يلح على تجهيز جيش اسامة ولعن من تخلف عنه والعبارة النبوية رويت هكذا : جهّزوا جيش اسامة لعن الله من تخلف عن جيش اسامة(1) .
ــــــــــــــ
(1) تحاشى الرواة ذكر هذه الجملة وفيها لعن من تخلف وقد اعياني الفحص عنها حتى وجدتها في هامش محي الدين على مقالات الإسلاميين ، ج1 ص35 .

الصفحة 59
والمدافعون عن الشيخين انكروا وجود أبي بكر في الجيش ويزعمون أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) استبقاه . ولكن البلاذري نص على وجودهما في جيش اسامة قال : وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قد رأى توجيه اسامة بن زيد في سرية إلى الذين حاربهم أبوه يوم مؤتة ، وأمره أن يوطئهم الخيل وعقد له لواءاً وضم إليه أبابكر وعمر فيمن ضم فمرض رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قبل أن ينقّذ الجيش فأوصى بانفاذه فقال : انفذوا جيش اسامة(1) .
ومن الرواة الذين نصّوا على وجود أبي بكر وصاحبه عروة ابن الزبير ذكر صاحب الكنز عن عروة أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد قطع بعثاً قبل مؤتة وأمر عليهم اسامة بن زيد وفي ذلك البعث أبو بكر وعمر فكان اناس من الناس يطعنون في ذلك لتأمير رسول الله اسامة عليهم ... الحديث(2) .
واخفق البعث الاُسامي لأن القوم اعلنوا العناد والعصيان لعلمهم بالغاية من هذا البعث ولتبيتهم نبة الانقلاب وتربصهم بذلك وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) واجراء آخر وهو كتاب يوم الخميس فقد أراد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يضع بيد الوصي حجة لا تمكن مناقشتها أو الارتياب بها حيث قال قبل وفاته بساعات واللفظ للبخاري : اُئتوني أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً فتنازعوا ....(3)
رزية يوم الخميس!!
وسماها ابن عباس رزية وبالغ فيها فقال : كل الرزية وبكى حتى بل دمعه الحصى في رواية صحيح مسلم وفي أخرى بسنده أيضاً ثم جعل تسيل دموعه حتى رأيت على خديه كأنها نظام اللؤلؤ(4) .
وحيّرت دموع ابن عباس الحافظ ابن حجر فراح يستخرج الاحتمالات قائلاً : 
ــــــــــــ
(1) البلاذري ، انساب الاشراف ، ج1 ص493 . والقضية مشهورة ذكرها كل من كتب في السيرة وحورها الرواة بالحذف والاضافة .
(2) المتقى الهندي ، كنز العمال ، ج10 ص570 رقم الحديث 30264 .
(3) راجع صحيح البخاري ، ج6 ص11 مطابع الشعب 1378 .
(4) صحيح مسلم بشرح النووي ، ج11 ص89 وص94 .

الصفحة 60
يحتمل لكونه تذكر وفاة رسول الله فتجدد له الحزن عليه ويحتمل أن يكون انضاف إلى ذلك ما فات في معتقده من الخير الذي كان يحصل لو كتب ذلك الكتاب ولهذا اطلق في الرواية الثانية أنّ ذلك رزية ثم بالغ فيها فقال : كل الرزية(1) .
أجل أنها لرزية عظمى وفاجعة كبرى ومصيبة لا تعدلها مصيبة وهي التي أدت إلى ضلال الأمة بعد نبيّها وانقلابها على أعقابلها فقتلت نفسها وخرّبت ديارها وازهقت نفوسها واحربت أموالها وصيّرتها شيعاً وأحزاباً وقسمتها إلى ثلاث وسبعين فرقة بعد نبيّها كل فرقة تلعن اختها وتتبرء منها وقد حذرهم النبي من ذلك .
وصار المسلم يستبيح دم المسلم ويصون دم الذمي والمعاهد بل يعتبر قتل الخنزير افساداً في الأرض ودم المسلم جائزاً سفكه مباحاً إهراقه .
وهدمت الكعبة ورميت بالعذرة وابيحت المدينة ثلاثة أيام لغربان الشام فجرى ما جرى من القتل والنهب والفساد مما يطول شرحه .
ألا يحق لابن عباس أن يبلّ بدموعه الحصى وقد شاهد بام عينيه شطراً من هذه المآسي وماله لا يعدها رزية ويبالغ فيها وقد اعربت عن التدبير المبيّت للأنقضاض على حق أهل البيت كما افصحت عن النوايا وكشفت عن خطة الإنقلاب التي كان القوم قد بيّنوها .
وكان الكتاب اجراءاً مضاداً لما يضمرون ولكن حيل بينه وبين كتابته وتولّى كبر ذلك عمر .
وليته اكتفى بالمنع ولم ينسب إلى ساحة قدس النبي الهذيان والهجر . فأحدث بذلك صدعاً لا يراب في الصف الإسلامي إلى اليوم .
ويعتبر موقفه هذا ردّاً على رسول الله وجرأة على مقامه الشريف حين جعل من نفسه وصياً على الاُمة ادعاءاً وتبرعاً .
وفتح عمر بهذه الكلمة الباب على مصراعيه لهم فاقتحموا مقام النبوة المنيع فجوزوا على النبي الخطأ والهذيان والهجر والإجتهاد قال الخطابي : ومعلوم 
ـــــــــــــــ
(1) فتح الباري ، ج7 ص739 .

الصفحة 61
أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) وإن كان قد رفع درجته فوق الخلق كلهم فلم ينزّه عن العوارض البشرية(1) ، وهذا عين ما قاله عمر ولكن باسلوب اقرب إلى التهذيب ولابد لنا قبل بيان واقع الحال من ذكر أحدى سياقات الرواية مع ذكر الكتب التي وردت فيها واخترنا من بين هذه السياقات أحديها بلفظ مسلم فقد أخرجها مسلم في كتابه بثلاث طرق الثالث منها أكثر تفصيلاً قال : حدثني محمد بن رافع وعبد بن حميد قال عبد أخبرنا وقال ابن رافع حدثنا عبدالرزاق معمر عن الزهري عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة عن ابن عباس قال : لما حضر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : هلمّ اكتب لكم كتاباً لا تضلّون بعده فقال عمر : إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله فاختلف أهل البيت فاختصموا فمنهم من يقول قرّبوا يكتب لكم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كتاباً لن تضلوا بعده ومنهم من يقول ما قال عمر فلما أكثروا اللغو والاختلاف عند رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) .
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قوموا قال عبيد فكان ابن عباس يقول : ان الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم .
ولم يذكر في هذه بكاء ابن عباس وفي الأولى : ثم بكى حتى بل دمعه الحصى وفي الثانية : ثم جعل تسيل دموعه حتى رأيت على خديه كأنها نظام اللؤلؤ ... ولم يصرح فيهما باسم عمر بل ابهمه واسند القول إلى جماعة الحاضرين عند النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولكنه صرح بلفظ : ما شأنه أهجر ؟ في الاُولى ، وبلفظ : فقالوا : إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يهجر .
وفي الثالثة صرّح باسم عمر ولكنه بدل لفظ يهجر بآخر من سنخه وهو غلبه الوجع صيانة لماء وجه عمر ولا أرى فرقاً بين اللفظين إلاّ مابين اللازم والملزوم فقد اكتفى بالاول عن الثاني(2) .
أمّا البخاري فقد أخرجها في صحيحه في كتاب العلم بطريق واحد عن الزهري عن عبيدالله عن ابن عباس : وفي كتاب المغازي بطريقين الأول منهما عن 
ـــــــــــــــ
(1) بدر الدين العيني ، عمدة القارئ ، ج2 ص171 .
(2) صحيح مسلم ، بشرح النووي ، ج11 ص89 وص94 وص95 .

الصفحة 62
ابن عينية عن الأحول عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ، والثاني عن عبدالرزاق عن معمر عن الزهري عن عبيدالله عن ابن عباس وأخرجه في كتاب المرضى بطريق واحد مثله . كما أخرجه في كتاب الاعتصام بنفس السند أيضاً فيكون مجموع رواياته خمس روايات .
أما الاُولى فقد صرح فيها باسم عمر القائل ولكنه حرّف كلمة يهجر إلى غلبه الوجع ولم يذكره في الثانية وصرح بكلمة يهجر ولكن جعلها جملة استفهامية وفي الثالثة لم يصرح باسمه كذلك وسماه بعضهم ونقل نفس العبارة (غلبة الوجع) وصرّح باسم عمر في الرابعة والخامسة إلى جانب الكلمة المحرفة(1) .
وظهر من هذا أنّهم متى صرّحوا باسم عمر لم يذكروا لقط يهجر أو أهجر ومتى ابهموا اسمه ذكروا هذا اللفظ صيانة له وحرصاً على مركزيته في الإسلام ومقامه عندهم .
وتحاشى البخاري أن يذكر في رواياته الخمسة بكاء ابن عباس مع أن سنده مع مسلم واحد ، وهذا يدلّ على أن البخاري تصرّف بالنص كما يحلو له .
وأخرجها سوى صاحبي الصحيح أحمد بن حنبل في مسنده(2) وسلك ذات الطريق في إبهام اسم عمر وجعل الكلمة الخبيثة استفهاماً وزاد على ذلك قول سفيان بن عينيه بعد قوله : فقالوا : ما شأنه أهجر ؟ قال سفيان : يعني هذى استفهموه فذهبوا يعيدون عليه .
إذن هي محاولة لتخفيف أجواء الكلمة القاسية بنسبتها إلى الجميع (قالو) وجعلها استفهاماً وليست خبراً والقاء التبعة في ترك الكتاب على النبي لأنهم ذهبوا يعيدون عليه ليحصل عندهم تمييز حالتيه من الهجر أو الصحة فطردهم بقوله دعوني بعد أن أغراهم بالكتاب وفائدته .
وأخرجها البيهقي في سننه الكبرى ولكنه تجنّى على الحق بعلم حين ابهم اسم عمر واثبت التنازع وحذف كلمة يهجر أو غلبه الوجع من رأس ولم يشر إلى 
ــــــــــــــ
(1) راجع ابن حجر : فتح الباري ، ج1 و7 و10 و13 ص251 وص738 وص131 وص347 .
(2) المسند ، ج1 ص222 .

الصفحة 63
طبيعة هذا التنازع فقال : فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع(1) على أن الرجل في كتاب دلائل النبوة وافق أصحابه فأخرج الرواية مصرحاً فيها تارة بلفظ هجر بهمزة الاستفهام واُخرى باسم عمر مع تحريف اللفظ إلى غلبه الوجع ثم شرع في الاعتذار عن عمر بما هو قريب من الهجر والهذيان(2) .
وقد اتّفق القوم على لون الاعتذار عن عمر فأخذ اللاحق عن السابق بببغائيّة غريبة ولم يكلف أحدهم نفسه نقداً لهذه الأفكار البائسة فمن هؤلاء الى جانب البيهقي ولعله السابق إلى هذه الأعذار الباردة لتقدمه عليهم في الحياة الكرماني في شرحه على صحيح البخاري والعيني في عمدة القارئ وابن حجر العسقلاني في فتح الباري والنووي في شرحه على مسلم والسيوطي والسندي في حاشيتيهما على سنن النسائي الذي أخرجها في كتابي العلم والطب من سننه .
ومن الذين أخرجوا الرواية أيضاً الزيلعي في نصب الراية وابهم اسم عمر ونسب القول إلى الحاضرين قائلاً فتنازعوا وقالوا ما شأنه أهجر ؟! استفهموه(3) .
وفعل عبدالرزاق الصنعاني فعل إخوانه فابهم اسم القائل وعزى القول إلى جماعة الحاضرين بنفس الجملة الاستفهامية(4) .
الاعتذار عن عمر
لطف الله بنا وبالحق أن الرواية أخرجها الشيخان ولذا تكلف القوم المشاق والأهوال التي أخرجتهم احياناً إلى الهجر والسخافات في توجيهها وتأويلها وتحويرها وتحريف كلمها عن مواضعه وابدالهم كلمة بأخرى مثل كلمة يهجر بغلبه الوجع ولن تضلوا بلا تضلوا مع حذف النون وهكذا .
ولو كانت مروية في كتاب آخر لسارع القوم إلى تكذيبها وإن كانت ثابتة صحيحة بل متواترة كائناً ما كان ذلك الكتاب كما فعلوا مع روايات كثيرة من هذا 
ـــــــــــــ
(1) السنن الكبرى ، ج9 ص107 .
(2) البيهقي ، دلائل النبوة ، ج7 ص181 .
(3) نصب الراية ، ج3 ص455 .
(4) مصنف عبدالرزاق ، ج6 ص57 رقم الحديث 9992 .

الصفحة 64
النوع . والذي حملهم على هذا الاهتمام بالعذر عن عمر فلإنّ ذلك يؤدي إلى كفره باعتباره .
أوّلاً : ردّاً على النبي والراد عليه راد على الله .
ثانياً : نسبة الهجر ومعناه الهذيان إليه (صلى الله عليه وآله وسلم) تكذيباً لقول الله : (لا ينطق عن الهوى) وردّاً لتعزيره وتوقيره الذين أمر الله بهما .
ثالثاً : يعتبر موقف عمر هذا ردّاً للسنة الثابتة القطعية وراد السنة كافر بحكم جميع الفرق الإسلامية .
نقل صاحب كتاب (حجية السنة) عن ابن عبدالبر : أنّه قد حكم على من ردّ السنة المتواترة بالارتداد(1) وهل أكثر تواتراً مما يراه المسلم من نبيه بعينيه ويسمعه بأذنيه .
وقال ابن حزم : وقال الله تعالى : ( وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ) فوجدنا الله تعالى يردنا إلى كلام نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم) على ما قررناه آنفاً .
فلم يسع مسلماً يقر بالتوحيد أن يرجع ـ عند التنازع ـ إلى غير القرآن والخبر عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا أن يأبى عمّا وجد فيهما .
فإن فعل ذلك بعد قيام الحجة عليه فهو فاسق وأما من فعله مستحلاً للخروج عن أمرهما وموجباً لطاعة أحد دونهما فهو كافر ولا شك عندنا في ذلك .
وقد ذكر محمد بن نصر المروزي أن اسحاق بن راهوية كان يقول : من بلغه عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) خبر يقر بصحته ، ثمّ ردّه بغير تقيّة فهو كافر ولم تحتج في هذا باسحق ، وإنما أوردناه لئلا يظن جاهل أننا منفردون بهذا القول وإنما احتججنا ـ في تكفيرنا ـ من استحل خلاف ما صح عنده عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بقول الله تعالى مخاطباً لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليم) .
هذه الآية كافية لمن عقل وحذر وآمن بالله واليوم الآخر وأيقن أن هذا العهد عهد ربه تعالى إليه ووصيّته عزوجل الواردة عليه .
ـــــــــــــــــ
(1) العلاّمة الدكتور عبدالغني عبدالخالق ، حجية السنة ، نقلاً عن كتاب جامع بيان العلم ، ج2 ص32 .

الصفحة 65
فليفتن الإنسان نفسه ، فإن وجد في نفسه مما قضاه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في كل خير يصححه مما قد بلغه أو وجد نفسه غير مسلمة لما جاءه عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ووجد نفسه مائلة عن قول فلان وفلان أو إلى قياسه واستحسانه أو وجد نفسه تحكم فيما نازعت فيه أحداً دون رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من صاحب فمن دونه فليعلم أنّ الله قد اقسم وقوله الحق أنّه ليس مؤمناً وصدق الله تعالى وإذا لم يكن مؤمناً فهو كافر ولا سبيل إلى قسم ثالث ، إلى أن يقول : ولو أنّ امرأً قال : لا نأخذ إلاّ ما وجدنا في القرآن لكان كافراً بإجماع الاُمة ولكان لا يلزمه إلاّ ركعة مابين دلوك الشمس إلى غسق الليل وأخرى عند الفجر لأن ذلك هو أقل ما يقع عليه اسم صلاة ، ولاحد للأكثر في ذلك .
وقائل هذا كافر مشرك ، حلال الدم والمال وإنما ذهب إلى هذا بعض غالية الرافضة مما قد اجتمعت الاُمة على كفرهم ، وبالله التوفيق(1) وما قاله ينطبق تماماً على ما نحن فيه فإن عمر ردّ السنة وقال حسبنا كتاب ربنا وقد تواتر الخبر عنه بذلك ولم يُكفَّر بل مدح على هذا القول وهذا الرد ونسب إلى الفقه والورع والعلم والاشفاق على النبي والحرص على الاجتهاد وتفضيل العلماء على غيرهم كما ستطّلع عليه إن شاء الله . وكُفّر غيره بل عصب الكفر في جبين الرافضة ولست اعرف عن هذه الغالية شيئاً .
والذي أعرفه أنّ عمر صاحب هذا القول وموقفه من السنة طيلة خلافته معلوم فقد حضر على الصحابة أن يرووا حديثاً عن رسول الله .
قال قرطة بن كعب خرجنا نريد العراق فمشى معنا عمر إلى صرار ثم قال لنا : اتدرون لم مشيت معكم ؟ قلنا أردت أن تشيّعنا وتكرمنا ؟ قال : إن مع ذلك لحاجة خرجت لها إنكم لتأتون بلدة لأهلها دوي كدوي النحل فلا تصدوهم بالأحاديث عن رسول الله وأنا شريككم .
وفي رواية اُخرى : إنكم لتأتون أهل قرية لها دوي بالقرآن كدوي النحل فلا تصدّوهم بالأحاديث ، لتشغلوهم جوّدوا القرآن واقلوا الرواية عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)
ــــــــــــــــ
(1) العلاّمة الدكتور عبدالغني عبدالخالق حجيّة السنة ، ص252 وص253 وص254 نقلاً عن كتاب ابن حزم الأحكام في اصول الأحكام ، ج1 ص99 .
الصفحة 66
وأنا شريككم فلما قدم قرظة قالوا : حدثنا قال : نهانا عمر(1) .
إنّ هذا فعل من يريد اماتة القرآن حيث أنّ السنة ما هي إلاّ بيان وشرح وتفسير للقرآن فإذا أُميتت فمن الذي يتكفل بتفسيره وبيان معناه وإذا بقي القرآن بلا بيان وتفسير فما الفائدة منه حينئذ .
بل ذهب عمر بعدائه للسنة ابعد من هذا الشوط حين امر بتحريقها .
عبدالله بن العلاء قال : سألت القاسم بن محمد أن يملي عليّ أحاديث فقال : إنّ الأحاديث كثرت على عهد عمر بن الخطاب فأنشد الناس أن يأتوه بها فلما أتوه بها أمر بتحريقها ثم قال : مثناة كمثناة أهل الكتاب قال : فمنعني الناس القاسم بن محمد يومئذ أن اكتب حديثاً(2) .
وبناء على ما تقدم فإن الغاية القصوى لهذا الرجل هي محو السنة . وقد دلّ ما تأخّر من عمله على ماتقدم .
وشيء آخر من هذا الرجل يعرب بما لا يدع مجالاً للشك عن عدانه الصريح للسنة النبوية هو تشبيهها بالمشنأة .
والمشنأة هي نص التلمود اليهودي ذلك أن التلمود وهو مجموع الشرايع اليهودية التي نقلت شفوياً مقرونة بتفاسير رجال الدين ينقسم إلى قسمين : المشنة وهي النص والجمارة وهي التفسير من هنا(3) لجأ عاشقوه إلى توجيه فعله وتخفيف شدته ودرء خطر الكفر عنه بخاصة ردّه الكتاب يوم الخميس .
قال النووي : خشي عمر أن يكتب أموراً فيعجزوا عنها فيستحقوا العقوبة عليها لأنها منصوصة لا مجال للإجتهاد فيها .
أقول : لو رزق الله النووي السلامة من هذا العذر لكان خيراً له لأنّه بناءاً عليه يكون عمر أرأف بالاُمة وأحنى عليها وانظر لها من نبيها فقد أراد لها نبيها العقوبة بكتابة ما تعجز عنه ولكنّ عمر تفضل فرفع عن الامة هذا التكليف وهذا ليس عذراً بل هو الكفر بعينه .
ـــــــــــــــــ
(1) اضواء على السنة المحمدية ، ص55 .
(2) نفسه ، ص47 .
(3) العلاّمة الكبير الدكتور الشيخ عبدالهادي الفضلي حفظه الله ، اصول الحديث ، ص41 .

الصفحة 67
ولو ألقى النووي بالاً للرواية لوجد في قول النبي : لن تضلوا بعده قرينة صارفة عما توهم جنابه ، فكيف يعِدُهم بعدم الضلال بعد كتابته ثم يكون سبباً في عجزهم وعقوبتهم وهل هذا إلاّ عين الضلال والأضلال وهل قول النووي إلاّ تكذيب لقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فلقد أدّى بهم الاعتذار عن صاحبهم بالباطل إلى كفرهم وياللأسف .
وقال البيهقي : قصد عمر التخفيف على النبي عليه الصلاة والسلام حين غلبه الوجع ولوكان ما يريد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يكتب لهم شيئاً مفروضاً لا يستغنون عنه لم يتركه باختلافهم ولغطهم لقول الله عزوجل بلغ ما أنزل إليك من ربك كما لم يترك تبليغ غيره بمخالفة من خالفه ومعاداة من عاداه(1) .
أقول له : هذا عذر مضحك فأين التخفيف عنه من رميه بالهجر والهذيان والحيلولة بينه وبين نفاذ أمره واحداث صدع في صفوف المجتمعين . ظهرت آثاره على حياتهم إلى اليوم .
وآثارة الفتنة والخصومة يبنهم بحيث ارتفعت أصواتهم عند من أمروا بان لا يرفعوا أصواتهم فوق صوته وسماه بعضهم لغطاً .
فآلم النبي ذلك وهو في السياق حتى طردهم من حضرته غاضباً عليهم آيساً من صلاحهم .
وأما قوله الثاني فنجيبه عليه : بأن هذا ليس أمراً جديداً ولا حكماً حادثاً ليبلغه على كل حال بل هو تأكيد لحكم وتحقيق لأمر متقدم سبق وأن أعلنه وبيّنه على رؤوس الأشهاد في أكثر من مناسبة وآخرها يوم غدير خم حين قال لهم : من كنت مولاه فهذا علي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه .
ومع هذا فإنّ النبي لم يسكت عن تبليغه آنئذ حين أوصاهم بثلاث ذكروا اثنين وزعموا نسيان الثالثة ولو عقل البيهقي الدين عقل رعاية لا عقل رواية لعرف هذه الثالثة أنها ولاية علي وعرف لماذا طرحت ونسيت من حياة المسلمين .
وفي البخاري : وأوصاهم بثلاث قال : أخرجوا المشركين من جزيرة العرب 
ــــــــــــــــ
(1) البيهقي ، دلائل النبوة ، ج7 ص181 .

الصفحة 68
واجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم وسكت عن الثالثة أو قال : فنسيتها(1) وفي أكثر الروايات ذكر هذه الثلاث .
اعتذار الخطابي
أما اعتذاره الثاني عن عمر فهو الطامة الكبرى والمصيبة العظمى ولقد أصابه الهوى العمري وهو كالهوى العذري بحيث أخّر عقله وقدّم هواه ، فراح يعتذر باعذار مهلهلة لا تستر عورة ولا تصون جسماً والقصد من ذلك توجيه عمل الشيخ وتبرئة ساحته من الكفر والضلال .
تسائل العيني في العمدة قائلاً : فإن قيل : كيف جاز لعمر أن يعترض على ما أمر به النبي عليه الصلاة والسلام قيل له : قال الخطابي(2) : لا يجوز أن يحمل قوله أنه توهم الغلط عليه أو ظن به غير ذلك مما لا يليق به بحاله لكنه رأى ما غلب عليه من الوجع وقرب الوفاة خاف أن يكون ذلك القول مما يقوله المريض مما لا عزيمة له فيه فيجد المنافقون بذلك سبيلاً إلى الكلام في الدين ....
ونقول له : برّئها من العيوب وعقر ولو لا جلال العلم واحترامنا لمن تزيّا بزيّه لقلنا في حقه من الكلام ما هو أهل له واسمع واعلم وافهم يا خطابي وانت يا من لف لفه لا توجد كلمة في العربية أوقع في الهجو وأجمع للذم من كلمة (يهجر) فإن معناها يهذي فكيف يعتقد في عمر أنّه لم يتوهّم الغلط وليته توهمه وأحسن القول لأن الإنسان قد يغلط من غير قصد ثم يتلافاه ولا غضاضة عليه به أما الهذيان ففيه ذهاب العقل وغياب حسّ الإدراك . وكيف يحسن الخطابي الظن في عمر بأنّه لم يظن في النبي ما لا يليق وهل عند الشيخ أن الهجر والهذيان مما يليق به (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا يليق في عمر .
واسئل لو انني قلت اليوم في مسجد من مساجد الرياض أو جده أو مكة ، أن عمر يهجر فما كنت ألاقي من شيعته ؟!
ـــــــــــــــــ
(1) محمد بن اسماعيل ، كتاب الصحيح ، ج6 ص11 .
(2) عمدة القاري ، ج2 ص171 .

الصفحة 69
وأمّا قوله عن عمر : لما رأى ما غلب عليه من الوجع الخ فهذا تكرار لما قاله عمر ولكن بصيغة ادنى الى التهذيب . فالخطابي كسيده الصحابي يعتقد بالنبي الهجر فإنّا لله وإنّا إليه راجعون .
وأما قوله عن المنافقين فمتى كانت لهم كلمة مرهوبة بين المسلمين ألم يكن نفاقهم دليلاً على ضعفهم وخذلانهم .
ولئن صحت كلمة الخطابي هذه فإن قول المنافقين بعد رد عمر للكتاب وقوله عن النبي أنّه يهجر أكثر من أي مناسبة اخرى .
بل أعطاهم عمر الذريعة بعد رميه النبي الكريم بالهجر أن يتطاولوا على قدس النبي بمثله وبأكثر منه وهل بإمكان المنافق أن يقول باعظم مما قاله عمر أو فعله وهل وجد المنافق الجرأة في يوم من الأيام ليقول عن النبي أنّه يهذي ولقد تعدّى عمر بقوله هذا نفاق كل منافق .
وقال الخطابي : وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يراجعون النبي عليه الصلاة والسلام في بعضى الاُمور قبل أن يحزم فيها كما راجعوه يوم الحديبية في الخلاف وفي الصلح بينه وبين قريش فإذا أمر بالشيء أمر عزيمة فلا يراجعه أحد....(1) .
أقول : أما المراجعة التي هي الاستفهام والاستيضاح كما فعل الحباب بن المنذر بن الجموح حين خرج رسول الله يريد بدراً فنزل أدنى ماء من بدر فقال له الحباب : يا رسول الله أرأيت هذا المنزل ، أمنزلاً أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه ، أم هو الرأي والحرب والمكيدة ؟ قال : بل هو الرأي والحرب والمكيدة فقال : يا رسول الله فإن هذا ليس بمنزل فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم فننزله ثمّ نغوّر ما ورائه من القلب ثمّ نبني عليه حوضاً فنملأه ماءاً ثمّ تقاتل القوم فنشرب ولا يشربون فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : لقد اشرت بالرأي(2) هذه هي المراجعة المقبولة المرضي عنها وعن صاحبها أما مراجعة الرد والعصيان والبذائة التي أغضبت النبي فطردهم من أجلها فهي مرفوضة من الاُمة قاطبة وهي مذمومة 
ـــــــــــــــــــ
(1) العيني ، عمدة القارئ ، ج2 ص171 .
(2) الروض الأنف ، ج3 ص26 .

الصفحة 70
ومذموم صاحبهاوإن تأوّل له المتأوّلون ونحتوا له الأعذار كائناً من كان ، ونسئل الخطابي عن هذه المراجعة التي قاس عليها مَن مِن صحابة النبي فعلها غير عمر وعصابته ؟؟!
أليس هو صاحب صلح الحديبية ، حين أنكره على النبي ؟
أليس هو الشاك وقد أخبر عن نفسه وما نزل به مما سمّاه أمراً عظيماً ؟ ولقد قال صاحبه له حين بدى الشك في نبوة رسول الله منه : الزم غرزه أنه لرسول الله حقاً .
أليس هو المنكر للفتح الوارد في الآية ؟ فما كان يسميه فتحاً ردّاً على الله ورسوله ؟
أليس هو المكذب للنبي في وعده لهم بدخول مكة حتى قال له النبي : أكنت قلت لك إنّنا ندخلها هذا العام ؟
وهذه المراجعة العمرية من قبيل ردّ الكتاب ورمي النبي بالهجر تحكي عن نفس لم يستقر فيها الإيمان وإلاّ لوسعه الصبر والسكوت كما وسع سائر المسلمين في تلك الفترة . ومثله صاحبه سعد بن أبي وقاص في غنائم بدر وطلحة ابن عبيدالله في قضيّة الحجاب فهل كانت هذه مراجعات صحيحة حتى يفيس عليها الخطابي واضرابه ؟!!
والعجب قوله : فإذا أمر بالشيء أمر عزيمه فلا يراجعه أحد : فاسئله أما كان صلح الحديبية أمر عزيمه لما اعترض عليه الفاروق واعلن شكه ؟! ثمّ إن عدم تنزيه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن العوارض البشرية من أجل عمر حاك عن ضحالة الدين وتفضيل عمر على سيد المرسلين واتحاذ سنة عمر مثالاً تقاس عليها النبوة والشريعة والدين .
ومضافاً إلى كون الخطابي الذي اجتمع القوم على نقل اعتذاره كالعيني وابن حجر والكرماني في شروحهم على البخاري والنووي في شرحه لمسلم أقول : مضافاً إلى كونه يرسل القول على عواهنه فقد أساء إلى قدسية المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم) حين أقر عمر على ما تجرأ به على هذه القدسية المصونة وأكدّ قوله للنبي «يهجر» فقال : ومعلوم أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وإن كان قد رفع درجته فوق الخلق كلهم فلم ينزّه عن العوارض 

الصفحة 71
البشرية .. الخ(1) .
وهذا عين ما قاله عمرو لكن بصيغة أخرى ويقول الخطابي : يجوز عليه الخطأ فيما لم ينزل عليه فيه الوحي واجمعوا كلهم أنّه لا يقر عليه .
أقول من أين علم هذا العاشق المتبول أن الوحي لم ينزل على النبي ساعة طلب الكتاب .
وإذا جاز عليه الخطأ فأين العصمة إذن وما الفرق بين النبي وبين من عداه بل يحمل هذا القول ضمناً تفضيل عمر عليه لأنهم اعتبروا النبي مخطئاً حين طلب الكتاب كما دلّ على ذلك فحوى اعتذارهم كما اعتبروا عمر مصيباً وهذا من مصائب الدهر وهو حاك عن رقة الدين عند هؤلاء القوم وإن ما عندهم مما يسمّى ايماناً بالله ورسوله لا يصب في مجرى الإسلام بل هو تعصب للباطل ودفاع عن الضلال وتيهٌ في مهاوي الزيغ . وهاهم يستدلون على صواب إمامهم بقضية مزعومة تصوروها بعقولهم ثم استنطبوا منها قضية أخرى وذلك أنّهم زعموا أن عمر لو لم يكن مصيباً لماترك النبي الإنكار عليه ونقول لهم ببساطة وهل يكون انكار أكبر من الغضب والطرد إنّ طردهم من حضرته دليل على غضبه عليهم وإنكاره .
ونقول للمازري ـ وهذا طامة اخرى ـ كما قلنا لصاحبه الخطابي : اخفقت يا شيخ في ترجيك بلعلّ فلو كانت هناك قرينة لما جرى من امامك من سوء الأدب ما جرى ولما انقسم الصحابة بين مؤيد ومفنّد ولو كانت قرينة لا تحد موقفهم أزاءها .
وقال القرطبي : (أئتوني) أمر وكان حق المأمور أن يبادر للأمتثال لكن ظهر لعمر وطائفة أنّه ليس على الوجوب وأنّه من باب الارشاد إلى الاصلح فكرهوا أن يكلفوه من ذلك ما يشق عليه في تلك الحالة مع استحضارهم قوله تعالى (مَا فَرّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْ‏ءٍ) وقوله تعالى : (تِبْيَاناً لِكُلّ شَيْ‏ءٍ) ولهذا قال عمر عنه : حسبنا كتاب ربنا وظهر لطائفة أخرى أنّ الأولى أن يكتب لما فيه من امتثال أمره ....(2) .
أقول للقرطبي : لا يبقى محل لهذا الكلام بعد قول عمر : (يهجر) أو قول 
ــــــــــــــــــــ
(1) العيني ، عمدة القارئ ، ج2 ص171 وانظر فتح الباري وشرح الكرماني والنووي على مسلم .
(2) العيني ، ج2 ص171 وص172 .

الصفحة 72
مرادفها (غلبه الوجع) فكلاهما من سنخ واحد .
والدليل على أنّه للوجوب ولم يكن ذلك ملحوظاً لعمر وعصابته قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لن تضلوا بعده ولقد جمع النبي بهذه الكلمة جوهر رسالته وهل ارسله الله إلاّ لنفي الضلال ولهداية الناس وإرشادهم .
ولو نظر عمر في مصلحة الاُمة دون مصلحته الشخصية لعرف الدلالة في قوله لن تضلوا ولكن غلبت عليه شهوة الحكم الذي يعد نفسه للوثوب عليه ولسارع بالإجابة ولم يحل بين النبي وبين الكتابة وتولّى كبر الرد على النبي وناء بثقل العصيان وتحمل كل ضلالة وفتنة ترتبت على ترك الكتابة فهي في عنقه وعنق من أعانه إلى يوم القيامة كما شاركه من اعتذر عنه .
وقفة قصيرة مع الحافظ بن حجر !!
حشد احبار المسلمين كل طاقاتهم العلمية للدفاع عن عمر فما وفقوا والحمد لله وجاء اعتذارهم اقبح من فعل عمر واستبان لنا مما سلف أن اعتذارهم أدّى إلى تخطئة النبي وإثبات العوارض البشرية أي يهجر عليه وتفضيل عمر عليه بالنقاط التالية :
أولاً : اخطأ في طلب الكتاب ـ وحاشاه من قول الجاهلين ـ وأصاب عمر .
ثانياً : أراد النبي أن يكلفهم ما يعجزون عن حمله فبادر عمر إلى رده فكان له الفضل على المسلمين حين حماهم من هذا التكليف الباهض .
ثالثاً : صار النبي في طلب الكتاب سبباً لتقول المنافقين على الإسلام ولكن عمر حماه منهم في رد الكتاب .
رابعاً : فضلوا عمر بالفقه على ابن عباس حين اكتفى بالقرآن ولم يكتف به ابن عباس ولازم هذا أن يكون عمر أفقه من رسول الله أيضاً لأنه لم يكتف بالقرآن وطلب منهم الكتاب .
ولا تكون نتيجة الاعتذار بالباطل أحط من هذه النتيجة وجاء دور ابن حجر العسقلاني فصب اهتمامه على قول عمر «يهجر» ولم يكن البادئ بذلك بل سبقه الرواة إليها حين اعيتهم الحيلة ولم يجدوا مخرجاً من هذا المازق وسدّت في 

الصفحة 73
وجوههم المسالك إلاّ مسلكين :
الأول : خسارة الفاروق وهي خسارة جسيمة بخاصة إذا عرفنا أنّه ثالث الدعائم الحاملة لمذاهبهم تاريخاً ومعتقداً وفقهاً .
الثاني : اللعب بالنص روحاً ولفظاً وتحريف الكلم عن مواضعها وتبديل لفظة ثقيلة بأخرى أخف منها وإن كان المؤدى واحداً . وحمل جريرة الواحد على الجميع وهكذا .
وفعلاً فقد اختاروا الثاني كما اتّضح لك مما سلف وأهم ما في الرواية امور ثلاثة النبي وفاروقهم ولفظ يهجر أمّا النبي فقد جوزوا عليه ما لا يجوز بل ما نقاه القرآن عنه من أجل الاحتفاظ بالثاني فاروقاً ومحدّثاً وسراجاً للجنة ويثيب الله على حبه كما يثيب على التوحيد أو أكثر .
وأمّا عمر فنحتوا له الأعذار وقلبوا القضيّة لصالحه فاصبح العجيبة التاسعة في الدنيا وصارت القضية التي يكفّر بها غيره لو قالها أو فعلها تستنبط له منها المقامات السامية فهو الفقيه وهو المشفق على الإسلام وعلى النبي وهو حامي حمى الفضيلة والإجتهاد وهو عون العلماء ونصيرهم لأن النبي لو كتب الكتاب لبطل الاجتهاد وتضاءل دور العلماء أرأيت من هاهنا دهينا(1) .
وأمّا لفظ (يهجر) فصيّروه هكذا : ما شأنه ؟ أهجر ؟ ونسبوا قول ذلك إلى جماعة الأصحاب الموجودين ساعتئذ بحضرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .
وأنت تعلم أنّه من المستحيل طبعاً أن يقولها الجميع دفعة واحدة دونما سابق تقدم ولاحق اقتفى آثره وهذا واضح لمن تدبره لا مرية فيه فالسابق إليها عمر واديرت دفة الكلمة صوب غيره لتخف الوطأة عليه وهذا الإهتمام بالرواية إلى هذا الحد كان من أجله كما هو واضح . ثمّ شرعوا في ترقيص كلمة يهجر لتكون بمثابة الزئبق لا تستقر على حالة .
قال الحافظ : بهمزة بجميع رواة البخاري ، وفي الرواية التي في الجهاد بلفظ (فقالوا هجر) بغير همزة ووقع للكشميهني هناك فقالوا : هجر هجر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)
ـــــــــــــــــــــ
(1) البيهقي ، دلائل النبوة ، ج7 ص184 .

الصفحة 74
أعادوا هجر مرّتين .
قال عيّاض معنى أهجر افحش يقال : هجر الرجل إذا هذى واهجر إذا أفحش الغرض من تغيير الفعل إلى الرباعي المهموز هو تغيير معناه إلى أفحش ونسبته إلى النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) أخف وطأة على عمر من نسبة الهجر .
ثم قال الحافظ بعد قبوله لتلخيص القرطبي وتقديمه على غيره وتسميته حسناً :
وحاصله أن قول هجر الراجح فيه إثبات همزة الاستفهام وبفتحات على أنّه فعل ماضي .
وبهذا التزويق للكلمة تبرد اللوعة على الحبيب إذا كان بنحو الاستفهام لا بنحو الخبر مع كونه منسوباً إلى الحاضرين جميعاً ومع حصول الشك بأن عمر ليس في القائلين ثمّ شرع الحافظ في تفسير الهجر بعد ضبطه بالضم ثم السكون قال والمراد به هنا : ما يقع من كلام المريض الذي لا يتنظم ولا يعتدّ به لعدم فائدته ووقوع ذلك من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مستحيل لأنّه معصوم في صحته ومرضه لقوله تعالى : (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى) ولقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : إني لا أقول في الغضب والرضا إلاّ حقاً وإذا عرف ذلك فانما قاله من قاله منكراً على من توقف في امتثال أمره بإحضار الكتف والدواة فكأنه قال : كيف تتوقف أتظن أنّه كغيره يقول الهذيان في مرضه ؟ امتثل أمره واُحضره ما طلب فإنّه لا يقول إلاّ الحق قال : هذا أحسن الاجوبة(1) .
وقال الحافظ أيضاً ملخصاً قول القرطبي : ويحتمل أن بعضهم قال ذلك عن شك عرض له ولكن يبعده أن لا ينكره الباقون عليه مع كونهم من كبار الصحابة ولو أنكروه عليه لنقل .
ويحتمل أن يكون الذي قال ذلك صدر عن دهش وحيرة كما أصاب كثيراً منهم عند موته وقال غيره ويحتمل أن يكون قائل ذلك أراد أنّه اشتدّ وجعه فاطلق اللازم وأراد الملزوم لأن الهذيان الذي يقع للمريض ينشأ عن شدّة وجعه(2) .
ــــــــــــــــــ
(1) ابن حجر ، فتح الباري ، ج7 ص739 وص740 .
(2) فتح الباري ، ج7 ص740 .

الصفحة 75
ونقول له : أولاً تمطيط العبارة إلى هذا الحد وتحميلها هذه الجمل الطويلة يرده قول عمر : غلبة الوجع وهي العبارة الملطفة بل المحرقة عن «يهجر» وقد جعل القرطبي أو غيره ذلك أحد الاحتمالات ولكنه عكس فقد استنبط أن القائل نطق باللازم وهو الهذيان وأراد الملزوم وهو غلبة الوجع .
والعبارة المنسوبة إلى عمر هي الملزوم وأرادة اللازم . وعلى أية حال فالمؤدّى واحد والمحذور حاصل وما فر منه الحافظ وأصحابه وقعوا فيه . ولا يجدي التطويل فتيلاً .
وثانياً : كيف لم ينكره الصحابة وقد اختلفوا إلى درجة الخصومة راجع رواية 7366 من فتح الباري وفيها : واختلف أهل البيت واختصموا(1) .
وفيم هذه الخصومة ليت شعري إن لم تكن في الإنكار على القائل . وأما قوله : لو أنكروا لنقل إلينا .
أقول الدواعي آنئذ متوفرة لكتمان كل شيء بخاصة والقائل هو الفاروق وقد أوتي وجماعته العصاة الحكم بعد رسول الله فكيف يبقون على أثر للحادثة وهل يظن عاقل أنهم يتركون ذيولهاعالقة بهم وهي حجة عليهم وواحدة من أسباب ادانتهم .
وأنت تعلم أن عمر حارب السنة واحرقها ونهى عنها وبعد هذا لا يبقى شك بأنّهم قضوا على كل أثر للحادثة . وهناك احتمالات باردة ركيكة اطلقها الحافظ ليس من داع لتحريرها هنا .
والواقع أن عمر هو قائل الكلمة الخبيثة وحده وساندته عصابته وقالوا : القول ما قاله عمر .
وكان هدفه من منع الكتاب أن لا ينص على علي (عليه السلام) ولو كتبه لردّه وحجّته أنه كتبه وهو يهجر فلا يعقل . وهذا الذي جعل النبي يعرض عن الكتابة لأنّ اختلافهم بعد طلبه أهون من اختلافهم بعد كتابته بل هو اختلاف لا يكاد يذكر بالقياس إلى ما يحدث من الشقاق العظيم والانقسام الشديد . وحينئذ تكفر الاُمة برمتها حال كتابة الكتاب وردّه .
ـــــــــــــــــــ
(1) فتح الباري ، ج13 ص347 .

الصفحة 76
ماذا أراد النبي أن يكتب !
لا يخالج ذا مسكة ريب أنّ موقف عمر الصلب وتحمسه الشديد لدفع الكتاب ليس عفو الخاطر أو هو وليد الارتجال أو الاندفاع الذي أملاه الدهش في تلك الساعة العصيبة والآونة الرهيبة من توديع نعمه واستقبال مصيبة ، بل دلّت قرائن الحال أن الرجل ومعه أصحابه ومراكز القوى القرشية كانوا يعلمون بما ينوي النبي كتابته من النص المكتوب على صاحب الأمر بعده وحينئذ تردم في وجوههم المسالك وتخفق الخطة التي اجمعوا على تنفيذها بعد وفاة النبي ، بخاصة وإن الكاتب للكتاب هو أميرالمؤمنين (عليه السلام)(1) . من هنا قامت قيامتهم وضحّوا بالدين من أجل دنياً يصطادونها وفعلاً عُجّلت لهم هذه اللذة وأجّل عنهم ما سوف يحاسبهم الله عليه .
وقد أشار المأرخون إلى طرف من ذلك ، قال الخطابي في الكتاب الذي هم النبي بكتابته يحتمل وجهين :
أحدهما أنّه أراد أن ينص على الإمامة بعده فترتفع تلك الفتن العظيمة كحرب الحمل وصفين وقيل أراد أن يبيّن كتاباً فيه مهمات الأحكام ، ليحصل الاتفاق على المنصوص عليه ثم ظهر للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إن المصلحة تركه أو أوحي إليه به(2) . ورجح هذا القول ابن حجر(3) .
وأنت إن جانبتك العصبيّة وأَصخت السمع لصوت العقل لتعلمن علم اليقين إن الصحيح هو الإحتمال الأول ولذا ثارت ثائرة الثاني وعصابته وإلاّ فما يضيره من كتابة الأحكام ولو ملأ بذلك رسول الله ألف طرس وطرس وهناك قول مضحك ذكره سفيان بن عينية وهو يدلّ على تخبط القوم في تيه بني السقيفة وهو كتيه بني اسرائيل .
وقال سفيان بن عينية : أراد أن ينص على اسامي الخلفاء بعده حتى لا يقع 
ــــــــــــــــ
(1) عمدة القارئ ، ج2 ص171 .
(2) عمدة القاري ، ج2 ص171 .
(3) فتح الباري ، ج1 ص252 .

الصفحة 77
منهم اختلاف ويؤيده أنّه (عليه السلام) قال في أوائل مرضه وهو عند عائشة أدعي لي أباك وأخاك حتى اكتب كتاباً فإني أخاف أن يتمنّى متمنّ ويقول قائل ويأبى الله والمؤمنون إلاّ أبابكر(1) .
وحرّف النووي قول سفيان فلم يذكر النص على الخلفاء بعده بل اقتصر على استخلاف أبي بكر فقال : وقد حكى سفيان بن عينية عن أهل العلم قبله أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)أراد أن يكتب استخلاف أبي بكر ثمّ ترك ذلك اعتماداً على ما علمه من تقدير الله تعالى ....(2) ونقول لهؤلاء المساكين : لو صحّ هذا أكان عمر يصاب بتلك اللوثة ؟ أليس ذلك مراداً له ولجماعته وهل يريد عمر أكثر من النص على صاحبه وعليه من بعده ؟ ولو علم ذلك لطار إليه مسرعاً ولم يتلكأ كيف وهو يستدلّ على تقديم أبي بكر بما يقال من تقديمه للصلاة ويبني من هذه الحبة قبة .
أكان يتراجع عن الكتاب لو علم بما فيه من تحقيق حلمه الذهبي بتولية صاحبه وبالنص عليه ؟! أجل استندوا إلى هذا القول الخائب بما روته عائشة من أنّ النبي قال لها : ادعي لي أباك وأخاك حتّى أكتب كتاباً فإني أخاف أن يتمنّى متمن ويقول قائل ويأبى الله والمؤمنون إلاّ أبابكر أخرجه مسلم وللبخاري معناه(3) .
وهذه الرواية موضوعه في مقابل رواية الكتاب ولولا أنها مروية في كتابي الشيخين لما ألقى أحد إليها بالاً لأنّها نحمل عناصر زيفها ويدلّ سياقها على وضعها .
ولو أنّ النبي أعدّ الصديق والد الصديقة لعروس الخلافة لما أخرجه مع أسامة بن زيد !!
ولو علم أبوبكر أو صاحبه بالكتاب لاحتج على أهل السقيفة به ولو صح الكتاب لما جاز له أن يقدم للبيعة عمر أو أبا عبيدة لأن ذلك يعتبر ردّاً لوصية النبي له ونصّه عليه .
ولو صحّ الكتاب لبطلت نظرية الاختيار والشورى ولكان شيعة علي وشيعة 
ـــــــــــــــ
(1) عمدة القارئ ، ج1 ص171 ، فتح الباري ، ج1 ص252 ، والقول الأول حذفه ابن حجر لأن فيه تأييداً لما تذهب إليه الشيعة .
(2) النووي على مسلم ، ج11 ص90 .
(3) راجع ! العيني عمدة القارئ ، ج2 ص171 .

الصفحة 78
عتيق متساويين في ادعاء النص وترى القوم وفيهم الصديقة أشد الناس انكاراً للنص .
ولو صحّ الكتاب لما أنكر عبدالله بن أبي أوفى الوصية فقال لمن سأله : هل أوصى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال : لا فقلت فلم كتب على المسلمين الوصية أو فلم أمروا بالوصية قال : أوصى بكتاب الله عزوجل(1) .
ولما أنكرت عائشة الوصية فقالت : ما ترك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ديناراً ولا درهماً ولا شاة ولا بعيراً ولا أوص بشيء(2) .
 خاتمة المطاف
علمت مما تقدم حقيقة هذا الكتاب المبتلى ولماذا ردّه عمر وجماعته وعارضوه .
وكان هذا الكتاب مسرحاً لاستنباطات كثيرة ، منها ما قاله النووي عن اتفاق العلماء المتكلمين على أنّه من دلائل فقه عمر وفضائله ودقيق نظره !!!(3)
ومنها ما قاله ابن بطال : وفيه شاهدٌ على بطلان ما يدعيه الشيعة من وصاية رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالإمامة لأنه لو كان عند علي (رضي الله عنه) عنه عهد من الرسول صلعم أو وصيه لأحال عليها ...(4)
ونقول لهذا المسكين الواله المتحيّر : إنّ الشيعة لا تدّعي بأن الوصية عبارة عن صك كتبه النبي واعطاه بيد الإمام (عليه السلام) وإنما هي أحاديث متواترة صرّح بها النبي بوصايته ووراثته وخلافته من بعده بلغت المئات كحديث يوم الدار وحديث الغدير والثقلين وما إلى ذلك .
ــــــــــــــــــ
(1) رواه البخاري في الوصايا والمغازي وفضائل القرآن ورواه مسلم في الوصايا والترمذي في الوصايا ، والنسائي في الوصايا وابن ماجة في الوصايا . راجع تحفة الاشراف ، ج4 ص284 .
(2) أخرجه مسلم في الوصايا وأبو داود في سننه كتاب الوصايا والنسائي في الوصايا الكبرى وابن ماجة في الوصايا راجع تحفة الاشراف ، ج12 ص308 .
(3) النووي على مسلم ، ج11 ص90 .
(4) الكرماني على صحيح البخاري ، ج2 ص128 .

الصفحة 79
والآن أراد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يقرن القول بالعمل لأن الحديث المسموع عرضة للزيادة والنقصان وهو معرض أيضاً للنسيان .
من ثم طلب الكتاب لينص عليه تحريراً كما نص عليه شفهياً وعلم عمر بذلك فمنعه واحدث فتنة أعانه عليها عصابة الانقلاب على الاعقاب ولو كتبه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لكانت المصيبة أكبر والرزية أعظم لأن القوم مجمعون على الخلاف ولو كتب ألف كتاب وكتاب وهم قد عارضوه في تأمير أسامة على سرية حتى لعنهم فكيف يرضون بتأمير علي على الاُمة واستخلافه .
وحينئذ ما الذي يحول بين عمر وبين أن يقول إنّ الكتاب كتب والنبي مشف على الموت وهو في حالة ..... فلا تقبله . وحينئذ تكفر الامة قاطبة برده والنبي إن ترك تبليغ ما أمره الله به تحريراً فما تركه قولاً حيث أوصاهم بثلاث وهذا تمام الحديث :
أخرجوا المشركين من جزيرة العرب وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم وسكت عن الثالثة أو قال فنسيتها .
وهذه الثالثة هي التي أراد النبي أن يكتبها وهي وصية الإمام أميرالمؤمنين (عليه السلام)وخلافته ولهذا نسيت فلم تذكر . وأخيراً نقول : إن جميع الفتن والمصائب والحروب والاقتتال وما جرى في خلافة عثمان وبعده من حروب الجمل وصفين والنهروان وحرب كربلاء وما كان بين بني امية وبني العباس وفتن الخلافة ومخالفات الأحكام والدماء التي سفكت والأموال التي نهبت والأعراض التي هتكت في حرب الحرة وغيرها . وكل ضلال اصيبت به الأمة الاسلامية امس واليوم في عنق اولئك الذين منعوا كتابة الكتاب وقد أخبرهم نبيهم (صلى الله عليه وآله وسلم) : لن تضلوا بعده . فقل لعشاق أبي حفص : قولوا ما تشائون واعتذروا عنه بما ترون وأوّلوا وغيّروا وبدّلوا فإن الحق أقوى من كل قوة والباطل زاهق والحمد لله .
وإنما أطلنا في التعليق على هذا الكتاب فلأنه فاتحة الانقلاب على الاعقاب . ومن دقق نظره فيه عرف ما بيّته القوم لأهل البيت (عليهم السلام) بعد وفات النبي الأعظم . وكانت المواقف من الصحابة بداية تلك المصائب التي حلت بأهل البيت .

الصفحة 80
وقامت عليهم بعد ما غاب أحمد      مصائب غيٍّ اظهرت كامن الحقد(1)
وقد نـقضت عهد النـبي بآلـه     الـهداة وقل الثابـتون على العهد
قال أميرالمؤمنين (عليه السلام) في خطبته المسماة : بالشقشقيّة :
إلى أن قام ثالث القوم نافجاً حضنية بين نثيله ومعتلفه وقام معه بنو أبيه يخضمون مال الله خضمة الإبل نبنة الربيع إلى أن انتكث فتله وأجهز عليه عمله وكتب به بطنته(2) .
يعد الاجراء الذي اتخذه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قبل وفاته من تسريح جيش اسامة وطلب الكتاب فرصة نادرة لم يمكن اهتبالها حتى سقط الحكم بأيد أقل ما يقال فيها إنها ليست معدة من الله لممارسته بل تم لها الانتزاء على دسته بمعونة ظروف خاصة ذكرها أكثر المؤرخين ليس هنا موضع ذكرها ونرشد بالرجوع إلى كتاب (السقيفة) للعلامة المظفر فقد أشبع الموضوع بحثاً دونما تطويل ممل رحمه الله رحمة واسعة . وبدأت من يومئذ معالم المجتمع الاسلامي بالتغيبر وتبدل وجهه الناصع بأشراقة الإسلام وتربية النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى وجه مظلمة سحناته عابسة قسماته كسته حروب ما يسمّى بالرده بلون داكن من البؤس والظلم والارهاق .
وتعتبر هذه الحرب اولى مراحل التغيير بل هي فاتحة العهد الجديد للسياسة التي صودر بها المسلم في دينه ودنياه .
فصار يهدر دمه بعقال البعير وتوضع أسراه بالمئات وفيهم النساء والاطفال والعجزة في الاخاديد وتضرم عليهم النار ويخرق بالنبال ويرمى به من رؤوس الجبال الشاهقات ويوضع رأسه أثفية للقدور ويدخل بنسائه ليلاً قبل أن تجف دماء أزواجهن أو تستبرء أرحامهن وعوملن بما لم يعامل به نساء أهل الشرك من القسوة والوحشيّة .
وراحت هذه البداية المزعجة تتأشب أغصانها على يد أبي حفص وتؤتي 
ــــــــــــــــــ
(1) شعر الشيخ حسن الدجيلي (رحمه الله) ، انظر : ادب الطف ، ج9 ص320 .
(2) مغنية ، في ظلال نهج البلاغة ، ج1 ص90 ، ثالث القوم عثمان ، نافجاً أي رافعاً نثيله يعني روثه والمعتلف من العلف يخضمون يأكلون وفتل الحبل لواه والبطنة التخمة .
الصفحة 81
أكلها على يد عثمان إلى أن أضفت عليها سياسة نعثل ووزيريه مروان والوليد وغيرهم من الشجرة الملعونة بشاعة السحنة الأموية .
الحكم الأموي
اعتبر مجيء عثمان إلى الحكم فرصة طيبة لأعداء الإسلام القدامى الذين سعروا الجزيرة العربية حرباً عليه وصيّروها سجالا إلى أن نصره الله عليهم ورد كيدهم في نحورهم على أن عثمان ليس بأفضل ممن جاء بعده لو لا ما كان يحذره من وجود المهاجرين والانصار ممن لا يرضيهم التغيير في سلوك الحكم المفاجئ .
لذلك نراه عمد إلى التغيير الحذر أي أنّه وبني أبيه راحوا يُغيّرون في سياستهم ببطئ فظلوا قرابة ست سنوات يتهادون في أحضان الشهوات والفساد وفي كل خطوة يخطوها حكمهم إلى الوراء يتم نقض جانب من معالم البناء الخلقي للمجتمع الإسلامي .
وأوشك البناء أن ينهار من القاعدة ولكن الثورة الشعبية على عثمان تداركته وخلصت الاُمة من عثمان وحزبه .
خلا أن هذا الخلاص ، لم يتمّ بالشكل المطلوب جماهيريّاً لوجود مواقع في بلاد الإسلام لم تنق من بُؤر الفساد الذين أعانوا عثمان ورتعوا معه . مما حُتم على الإمام أميرالمؤمنين (عليه السلام) أن يخوض حروب الناكثين والقاسطين والمارقين وكانت من أشد الحروف ضراوة .
بخاصة تلك التي خاضها الإمام ضد الحثالة الاُموية ولم يتسنّ للإمام على إثر هذه الحرب الشاغلة أن يطهر الإسلام مما علق به من أوضار الحكم العثماني الاُموي .
فرحل شهيداً وما تزال القوى المعادية للإسلام تعيث فساداً في بلاد الله وعباده .
وبدأت الحقبة الأموية التي استمدت شرعيتها من خلافة الثلاثة وهي امتداد طبيعي لتلك الفترة بخاصة فترة الحكم العثماني .
اعرب عن ذلك معاوية في كتابه إلى محمد بن أبي بكر (رضي الله عنه) جواباً على كتابه 

الصفحة 82
إليه فقد كتب إليه محمد عليه الرحمه يؤنبه ويقرعه تقريعاً شديداً ويقول له : بعد ذكره لفضل الإمام وسابقته ووجوب حقه على الاُمة أول من أجاب وأناب وآمن وصدق واسلم وسلم أخوه وابن عمه علي بن أبي طالب صدّقه بالغيب المكتوم وآثره على كل حميم ووقاة بنفسه كل هول وحارب حربه وسالم سلمه فلم يبرح مبتذلاً لنفسه في ساعات الليل والنهار والخوف والجوع والخضوع حتى برز سابقاً لا نظير له في فعله وقد رأيتك تساميه وأنت أنت وهو هو . اصدق الناس نية وأفضل الناس ذرية وخير الناس زوجة وافضل الناس ابن عم أخوه الشاري بنفسه يوم مؤته وعمه سيد الشهداء يوم أحد وأبوه الذاب عن رسول الله وعن حوزته وأنت اللعين ابن اللعين لم نزل أنت وأبوك تبغيان لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الغوائل وتجهدان في اطفاء نور الله تجمعان في ذلك الجموع وتبذلان فيه المال وتؤلبان عليه القبائل وعلى ذلك مات أبوك وعليه خلفنه(1)
فأجابه معاوية بكتاب طويل وفيه : فقد كنا وأبوك فينا نعرف فضل أبي طالب وحقه لازماً لنا مبروراً علينا فلما اختار الله لنبيّه عليه الصلاة والسلام ما عنده وأتم له ما وعده وأظهر دعوته وابلج حجته وقبضه الله إليه صلوات الله عليه فكان أبوك وفاروقه أول من ابتزه حقه وخالفه على أمره على ذلك اتفقا واتسقا ثمّ إنهما دعواه إلى بيعتهما فابطأ عنهما وتلكأ عليهما فهما به الهموم وأرادا به العظيم(2) ثم إنّه بايع لهما وسلّم لهما وأقاما لا يشركانه في أمرهما ولا يطلعانه على سرّهما حتى قبضهما .. الله إلى أن يقول : فإن يكُ ما نحن فيه صواباً فأبوك استبدّ به ونحن شركائه ولو لا ما فعل أبوك من قبل ما خالفنا ابن أبي طالب ولسلمنا إليه ولكنا رأينا أباك فعل ذلك به من قبلنا فاخذنا بمثله فعب أباك بما بدالك أودع .....(3) أجل كان معاوية فيما قاله عن أبي بكر وفاروقه محقاً فهما اللذان فتحا باب الشر على أهل البيت فاقتدى بهما من اقتدى .
اسس السابقون شر اساس     وبـنى اللاحقون شـر بناء
ـــــــــــــــــ
(1) المسعودي ، مروج الذهب ، ج3 ص11 .
(2) وهذا يدلّ على أنّهما اضمرا لعلي (عليه السلام) الاغتيال كفعلهما بسعد بن عبادة (رحمه الله) .
(3) المسعودي ، مروج الذهب ، ج3 ص12 وص13 .

الصفحة 83
فلا أرى لقول السيد ابن عقيل وجهاً مقبولاً حين قال تعقيباً على كتاب محمد لمعاويه : فما كان جواب معاوية إلاّ أن ادّعى أن الشيخين أبابكر وعمر سبقاه إلى ما اقترف وأنه متاس بهما وحاشاهما ممّا ادّعى فقد كذب عليهما ولعنة الله على الكاذبين(1) .
ولا أظن السيد (رحمه الله) ينكر ما جره القوم على علي وأهل بيته يوم السقيفة وليس بالإمكان إنكار ذلك ولا نلوم السيد على حسن ظنه بهما فله رأيه الخاص .
واستطاع معاوية أن يركز على هذا الجانب تركيزاً دعائياً ضخماً إلى أن أوجد له مباءة بين القوم فاضحى وكأنّه امتداد لخلافتهم ومن هذه القاعدة التي بناها لنفسه اندفع بكل ثقلة وورائه قريش والأموية لتغيير القيم الأخلاقية للجماعة الإسلامية وهي القيم التي نادى بها الإسلام وأقرّها كجزء لا ينفصل من رسالة الإسلام الكبرى وبما أن الرعية على دين ملوكها والناس بأمرائهم اشبه منهم بآبائهم فقد صار المجتمع بمثابة المرآة التي تعكس أخلاق وسلوكيّات الحكم والآن نحن على موعد للتعرف على طبيعة الحكم الأموي من خلال رمزيهِ معاوية ويزيد .
الحكم الاموي معاوية ويزيد وتدهور الأخلاق على أيديهما
طمع معاوية بالحكم بعد مجيء عثمان إليه واعتبره تمهيداً لحكمه القادم مع الأيام وكان يبوح احياناً ببعض ما دار بخلده حول هذا لمعنى فقد روى أبوبكر ابن أبي شيبة بسنده إلى معاوية أنّه قال ما زلت أطمع في الخلافة منذ وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : إذا ملكت فاحسن(2) .
فكان يعد نفسه للخلافة موجهاً بموجات هذا الطمع وأوقد له عمر تحت هذا الطمع بالتدبير الذي اتخذه لتنحية علي وضمان مجئ عثمان إلى الخلافة ألم معاوية بذلك حين نفذ إلى دخيلة عمر فعلم أنّ هواه أموي مع أنّه كان يقول لعبد الرحمن بن 
ـــــــــــــــــ
(1) محمد بن عقيل ، النصائح الكافية ، ص42 .
(2) ابن حجر الهيثمي ، تطهير الجنان واللسان ، ص15 ، المطالب العالية ، ج4 ص108 .

الصفحة 84
عوف : ألم يكن فيما نقرأ قاتلوا في الله في آخر مرة كما قاتلتم أول مرة قال : متى ذلك قال إذا كانت بنو امية الأمراء وبنو مخزوم الوزراء(1) يروي هذا عنهم ويمدّ لهم في الطغيان إنّ هذا لشيء عجيب ويراهم في الشرف تلو بني هاشم لأنّه ثنّى بهم بعد وضع الديوان فقد بدأ ببني هاشم والمطلب فاعطاهم جميعاً ثمّ اعطى بني عبد شمس(2) واعتقد أن هناك علاقة سرية بينه وبينهم تقدّمت اسلامه .
وقيل إن عمر تعلم القرائة والكتابة على يد أبي سفيان من هنا ما زال عمر يشعر بفضله وتقدمه عليه حتى بعد أن اسلم .
عن يحيى بن عبدالرحمن بن حاطب عن أبيه قال : قدمنا مكة مع عمر فأقبل أهل مكة يسعون يا أميرالمؤمنين أبو سفيان حبس مسيل الماء علينا ليهدم منازلنا فاقبل عمر ومعه الدرة فإذا أبوسفيان نصب أحجاراً فقال له : ارفع هذا فرفعه وهذا فرفعه ثم قال : وهذا وهذا حتى رفع احجاراً خمسة أو ستة ثم استقبل عمر الكعبة فقال : الحمدلله الذي جعل عمر يأمر أباسفيان فيطيعه وهذا يدلّ على تصاغر الرجل في نفسه أمام أبي سفيان ولم يكن أبو سفيان في الجاهلية بالمنزلة التي يهابه الناس أو يعظمونه ولكنّ حالة خاصة في نفس عمر تجاه الأمويين قد يفصح عنها الزمان على يد المحققين .
تعلقت سياسة عمر بالأمويين وأنّه ليعلم أن لاكفاء بغيرهم في عداء علي والهاشميين لذلك والاهم ووالوه ووراء هذا الولاء السياسي قوىً ضاربة من قريش واحلافها .
وكان رصيد معاوية في طمعه بالحكم هذا الولاء وكان بامكانه الركون إليه والاتكال عليه فيما إذا ساعدته الريح وأدار شراع سفينته تجاه الحكم والذي حمل معاوية على الأسراف في هذا الحلم الذهبي هو طول امارته على الشام .
البلد الخصب ذي الحضارة القديمة والرخاء العتيد فقد اعتبر ذلك مقدمة منتجة لنيل الخلافة بخاصة وقد أطمعه عمر فيها من خلال أقوال عزيت إليه وبلغ 
ـــــــــــــــــ
(1) محمد بن عقيل ، النصائح الكافية ، ص140 .
(2) ابن الجوزي ، تاريخ عمر بن الخطاب ، ص96 .

الصفحة 85
معاوية صداها وكان استشعرها في نفسه وعثمان ما يزال حياً .
وذلك حين قدم المدينة سنة أربع وثلاثين ووقف على مجريات الاحداث فعلم أن عثمان مقتول لا محالة .
ذكر ابن كثير نقلاً عن ابن جرير : أن معاوية استشعر الأمر لنفسه من قدمته هذه إلى المدينة وذلك أنه سمع حادياً يرتجز في أيام الموسم من هذا العام وهو يقول :
قد علمت ضوامر المطي     وضمّرات عوج العيني
أن الأمـير بـعده علي     وفي الزبير خلف رضي
وطلحة الحافي لها ولي
فلما سمعها معاوية لم يزل ذلك في نفسه حتى كان ما كان(1) وابن كثير هنا ذكر النص غامضاً بحذف شيء من تفصيله وذكره في الجزء الثامن تاماً قال وكيع عن الأعمش عن أبي صالح قال : كان الحادي يحدو بعثمان فيقول :
أن الأمير بعده علي     وفي الزبير خلف رضي
فقال كعب : بل هو صاحب البغلة الشهباء يعني معاوية فقال : يا ابا اسحاق تقول هذا وهاهنا علي والزبير وأصحاب محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال أنت صاحبها(2) . أترى أن كعباً اعلمه بعلم الغيب ولا يعلم الغيب إلاّ الله أم هي الأسرار العمرية التي رشحت إلى مستشاره كعب فاعلنها كبشارة تزف إلى معاوية .
وأحسب أن ابن كثير في روايته الناقصة يشير إلى أن معاوية ايقن بقتل عثمان فاضمر في نفسه العصيان على من يخلفه في الأمر ولكن الأمر أبعد من ذلك .
فقد عرف معاوية أن هوى الناس في علي (عليه السلام) وإن الحكم صائر إليه حتماً . من ثمّ راح يعيد حساباته مع الأحداث الماضية والمستجده .
واسترجع الأسرار المحوّلة إليه من ولي نعمه عمر ومنها تفويت الفرصة على علي إذا صار الأمر إليه وشن حرب على حكمه بأي ثمن كان ومن شديد عداء عمر لعلي أنّه كان يرتجف فرقاً إذا تصوّر البيعة تتم لعلي (عليه السلام) .
ــــــــــــــــــ
(1) ابن كثير ، البداية والنهاية ، ج7 ص177 .
(2) البداية والنهاية ، ج8 ص129 وص130 ، والذهبي سير أعلام النبلاء ، ج3 ص136 .

الصفحة 86
وكان يرضاها لكل أحد سالم مولى حذيفة بن اليمان ومعاوية وعثمان إلاّ لعلي (عليه السلام) . وإنه ليعد تفويت الفرصة على علي من أولى همومه . ولقد سمع كلمة في خلافته عن البيعة انخلع لها لبه وطاش صوابه .
عن ابن عباس قال : كنت عند عبدالرحمن بن عوف في خلافة عمر بن الخطاب فلما كان في آخر حجة حجّها عمر أتاني عبدالرحمن بن عوف في منزلي عشاءاً فقال : لو شهدت أميرالمؤمنين اليوم وجاءه رجل وقال : يا أميرالمؤمنين إني سمعت فلاناً يقول : لو مات اميرالمؤمنين لبايعت فلاناً ، فقال عمر إني لقائم العشيّة في الناس ومحذرهم هؤلاء الرهط الذين يريدون أن يغتصبوا المسلمين أمرهم فقلت : يا أميرالمؤمنين إن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغائهم وأنّهم الذين يغلبون على مجلسك وإني أخشى أن تقول اليوم مقالة لا يعونها ولا يضعونها مواضعها وأن يطيروا بها كل مطير ولكن أمهل يا أميرالمؤمنين حتى تقدم المدينة فإنّها دار السنة ودار الهجرة فتخلّص بالمهاجرين والأنصار وتقول ما قلت متمكناً فيعون مقالتك ويصغونها مواضعها قال عمر : أما والله لأقومن به في أول مقام أقومه بالمدينة قال ابن عباس : فلما قدمنا المدينة وجاء يوم الجمعة هجّرت لما حدثني به عبدالرحمن بن عوف فوجدت سعيد بن زيد ابن نفيل قد سبقني بالهجرة جالساً إلى جنب المنبر فجلست إلى جنبه تمس ركبتي ركبته فلما زالت الشمس خرج علينا عمر فقلت وهو مقبل أما والله ليقولنّ اليوم أميرالمؤمنين على هذا المنبر مقالة لم يقل عليه أحد قبله قال : فغضب سعيد بن زيد فقال : واي مقال لم يقل قبله فلما ارتقى عمر المنبر أخذ المؤذن في أذانه فلما فرغ من أذانه قام عمر فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال : أما بعد ! فإني أريد أن أقول مقالة قد قدّر لي أن أقولها لا أدري لعلها بين يدي أجلي فمن عقلها ووعاها فليحدث بها حيث تنتهي به راحلته ، ومن خشي أن لا يعيها فإني لا أحل لأحد أن يكذب علي إن الله بعث محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم) بالحق وأنزل عليه الكتاب وكان مما أنزل عليه آية الرجم فقرأناها ووعيناها فرجم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ورجمنا بعده وإني خائف أن يطول بالناس زمان فيقول قائل ما نجد الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله .
ألا وإنّ الرجم على من أحصن إذا زنى وقامت عليه البينة أو كان الحمل أو 

الصفحة 87
الاعتراف ثم إنا كنا نقرأ ولا ترغبوا عن اباكم ثم إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال : لا تطروني كما اطرت النصارى عيسى بن مريم فإنما أنا عبد فقولوا عبدالله ورسوله .
ثم إنّه قد بلغني أن فلاناً منكم يقول : لو قد مات أميرالمؤمنين لقد بايعت فلاناً فلا يغتر أن يقول : إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتتة فقد كانت كذلك ألا وإن الله وقى شرها ودفع عن الإسلام والمسلمين ضرّها ....(1) والذي يعنينا من هذا الكلام الذي نقلنا أكثره ذكر فلان وفلان فمن هما هذان الفلانان ؟! لقد أبهم ابن حبان اسمهما في الرواية التي أخرجها لكي يلبس على نفسه وعلى قومه . أما نحن فلابدّ لنا من البحث لنقع على الحقيقة فمن خلال معرفتها نعرف الكثير من الاُمور ونطل على واقع الحق الضائع ولئن كان ابن حبان كتم الحقيقة فإن البلاذري صرّح بها في الرواية التي أخرجها عن ابن عباس قال : بلغني أنّ عمر بن الخطاب أراد الخطبة يوم الجمعة فعجّلت الرواح حين صارت الشمس صكّة عمي فلما سكت المؤذنون خطب فقال : إني قائل مقالة لا أدري لعلها قدام اجلي فمن وعاها فليتحدث بها حيث انتهت به راحلته ومن خشي أن لا يعقلها شيء فإني لا أحل لأحد أن يكذب علي ثم قال : بلغني أن الزبير قال : لو قد مات عمر ، بايعنا علياً وإنما كانت بيعة أبي بكر فلتة ....(2)
عرفنا من رواية البلاذري الاسمين المبهمين فهما علي (عليه السلام) والزبير أجل علي والزبير . فما بال الشيخ تناولته الوساوس واستبدت به الهواجس وانتابه قلق وخوف شديدان ؟ إنّ علياً عدوه اللدود يلوح له بالخلافة التي يريد عمر تقويتها عليه لتفوت بني هاشم أيضاً الذين لا ينبغي جمع النبوة والإمامة في بيتهم وهذه إرادة حتمتها عليهم قريش وعبّر عنها عمر في أقواله وسيرته مرات عديدة .
وفي موطن آخر يشير عمر إشارة شبه صريحه إلى دفع علي عن حقه وترك بيعته وذلك في حادثة الشورى لما طعنه غلام المغيرة بن شعبة فقد قال لأهل الشورى لا تختلفوا فإنّ معاوية وعمراً بالشام(3) .
ومعنى قوله لا تختلفوا أي لا تبايعوا علياً لعلمه أن قريشاً لا ترضى ببيعته فلو 
ــــــــــــــــــــ
(1) ابن حبان ، كتاب الثقات ، ج2 ص152 .
(2) انساب الأشراف ، ج2 ص261 وص262 .
(3) نثر الدر ، ج2 ص37 .

الصفحة 88
بويع لاختلفوا عليه حتماً يشهد لما نقول : قوله لابن عباس : يابن عباس أنت ابن عم رسول الله ، وأبوك عم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال : نعم قال بخ بخ فما منع قومكم منكم ؟ قال : لا أدري فوالله ما كنا لهم إلاّ بالخير قال اللهم غفراً على كره قومكم أن تجتمع فيكم النبوة والخلافة فتذهبون في السماء شمخاً لعلكم تقولون إنّ أبابكر أول من فعل ذلك والله ما فعله ولكن حضر أمر لم يكن بحضرته أحزم مما فعل ولولا رأي أبي بكر فيّ لجعل لكم من الأمر نصيباً ولو فعل ما هنأكم مع قومكم أنهم ينظرون إليكم كما ينظر الثور إلى جازره(1) .
لعلّه لا يقصد بالثور غير بني امية لأنهم الذين جزرهم بنوهاشم في حروب الإسلام والشرك والعجيب في أمره أنّه يسمي الخلافة في رواية ألآبي حقاً لبني هاشم ويسميها في رواية ابن حبان اغتصاباً .
وعلى أية حال فإنّ الاختلاف في نظره ينشأ من بيعتهم علياً وليس من سبب يدعوهم إلى ذلك سوي البيعة لعلي وفي رواية اُخرى يقول : إياكم والفرقة بعدي فإن فعلتم فاعلموا أنّ معاوية بالشام وستعلمون إذا وكلتم إلى رأيكم كيف يستبرها دونكم .
وقال أيضاً لأهل الشورى : إن اختلفتم دخل عليكم معاوية بن أبي سفيان من الشام وبعده عبدالله بن أبي ربيعة من اليمن فلا يريان لكم فضلاً إلاّ سابقتكم(2) .
والحق أحق أن يتبع فنحن لا نتّهم الفاروق جزافاً لأنّ ذكره لمعاوية قرينة على طلبه اختيار عثمان فإن معاوية لا يدخل عليهم من الشام إذا ما بايعوه .
وأنّ الزمن اثبت صحة رأيه فقد دخل معاوية من الشام حين تمت لعلي (عليه السلام)البيعة وحاربه وفوّت عليه الفرصة وهذا ما توخاه عمر .
ـــــــــــــــــــــ
(1) الآلي ، نثر الدرر ، ج2 ص28 ، الهيئة المصرية للكتاب 1981 .
(2) ابن منظور مختصر تاريخ دمشق ، ج25 ص25 ، دارالفكر 1409 .

الصفحة 89
 عمر ومعاوية
كان معاوية في نفسه أذل وأقل من أن تحدثه بسلطان أوامره لولافعل عمر معه وتأييده إياه وقد وصفه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأنّه صعلوك لا مال له .....(1) وكان احياناً يتحدث عن هذه الصعلكة إذا ما خلا باصحابه .
قال ذات يوم قدم علقمة بن وائل الحضرمي على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأمرني رسول الله أن انطلق به إلى منزل رجل من الأنصار أنزله عليه وكان منزله في اقصى المدينة فانطلقت معه وهو على ناقة له وأنا أمشي في ساعة حارة وليس عليّ حذاء فقلت احملني يا عم من هذا الحر فإنه ليس عليّ حذاء فقال : لست من أرداف الملوك قلت : إني ابن أبي سفيان قال : سمعت رسول الله يذكر ذلك قال قلت : فألق إليّ نعلك قال : لا تقبلها قدماك ولكن امش في ظل ناقتي فكفاك بذلك شرفاً وإن الظل لك لكثير قال معاوية : فما مربى مثل ذلك اليوم قط .....(2)
وكان وائل هذا أحد أقيال حضر موت وكان أبوه من ملوكهم ويقال : إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بشر أصحابه قبل قدومه به وقال يأتيكم بقيّة ابناء الملوك فلما دخل رحب به وادناه من نفسه وقرب مجلسه وبسط له ردائه وقال اللهم بارك في وائل وولده وولد ولده واستعمله على الأقيال من حضر موت وكتب معه ثلاث كتب إلى أن قال ابن كثير : واقطعه ارضاً فليس كما يزعم معاوية أرسله لينزل وليس في رواية ابن كثير ذكر لأبي سفيان(3) وفي التذكرة الحمدونية مثل ذلك وفيها أن وائلاً قال لمعاوية حين طلب نعله : ما بخل يمنعني يابن أبي سفيان ولكن أكره أن يبلغ أقيال اليمن إنك لبست نعلي ولكن امش في ظل ناقتي فحسبك بها شرفاً .....(4) لم تكن لمعاوية مأثرة في الجاهلية يعتز بها وكان بهذه المثابة من الضعه والمهانة وتكفي في بيان حقيقته 
ـــــــــــــــــ
(1) الذهبي ، سير أعلام النبلاء ، ج3 ص122 ، الآبي نثر الدرر ، ج1 ص251 ، التوحيدي / البصائر والذخائر ، ج2 ص78 .
(2) ابن قتيبة ، عيون الأخبار ، ج1 ص271 .
(3) ابن كثير ، البداية والنهاية ، ج5 ص71 وص72 .
(4) ابن حمدون ، التذكرة الحمدونية ، ج3 ص97 ، راجع ابن سعد ، الطبقات ، ج1 ص349 .

الصفحة 90
صعلكته التي أخبر عنها الصادق المصدق (صلى الله عليه وآله وسلم) .
إلا أنّ بزّة الحكم التي ارتداها في الإسلام بتدبير عمر صيّرته يتحدث عن عزة وشرف كانت له قبل الإسلام وزادت به ذكر الطبري حواراً دار بينه وبين ابن عامر وكان ابن عامر قد قال : لقد هممت أنّ آتي بقسامة من قريش يحلفون أن أبا سفيان لم يرسميه فبلغت زياداً فأخبر معاوية فاغضبته فلما جائه ابن عامر حجبه وخرج معاوية ورآه مع ابنه يزيد وبيد معاوية قضيب يضرب به الابواب ويتمثل :
لنا سياق ولكم سياق    قد علمت ذلكم الرفاق
ثم قعد فقال : يا ابن عامر أنت القائل في زياد ما قلت ! أما والله لقد علمت العرب إني كنت أعزها في الجاهلية وإنّ الإسلام لم يزدني إلاّ عزاً وإني لم اتكثر بزياد من قلة ولم اتعزز به من ذلة ولكن عرفت حقاً له فوضعته موضعه ......(1)
وهذه العزّة التي تحدث عنها إلى إبن عامر عرفنا حقيقتها من خطاب وائل الحضرمي له .
وتعدّى معاوية بهذه العزة المدعاة حداً أن فخر بها ذات يوم على أميرالمؤمنين (عليه السلام) عن أبي عبيدة قال : كتب معاوية إلى علي (عليه السلام) يا أبا الحسن إنّ لي فضائل كثيرة وكان أبي سيداً في الجاهلية وصرت ملكاً في الإسلام وأنا صهر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وخال المؤمنين وكاتب الوحي فقال علي : أبا لفضائل يفخر على ابن آكلة الأكباد ؟ ثم قال : اكتب يا غلام :
مـحمد النبي أخي وصهري      وحـمزة سيد الشهداء عمي
وجعفر الذي يمسي ويضحي      يطير  مع الملائكة ابن امي
وبنت محمد سكنى وعرسي      مـنوط لحمها بدمي ولحمي
وسـبطا أحـمد ولداي منها      فـايكم  لـه سـهم كسهمي
سـبقتكم إلـى الإسلام طرّاً      صغيراً ما بلغت أوان حلمي
فقال معاوية اخفوا هذا الكتاب لا يقرأه أهل الشام(2) .
ـــــــــــــــــــ
(1) ابن جرير الطبري ، تاريخ الرسل والملوك ، ج5 ص215 ، وابن الاثير ، الكامل ، ج3 ص220 .
(2) ابن كثير ، البداية والنهاية ، ج8 ص9 .

الصفحة 91
والحق أنّ معاوية لا شأن له سواء في الجاهلية أو الإسلام وإن كانت له عزة في الإسلام فهي كعزّة فرعون التي اغتربها السحرة أي هي عزة الملك والطغيان أجل في العصر العباسي حيث بلغ ظلم العباسيين رقماً قياسياً إلى ما عرف من ظلم الاُمويين .
تغيّرت السحنة الأموية المقيته عند الناس لما ذاقوه من ظلم وحيف على يد العباسيين وصار معاوية قديساً في عهد المعتضد يترحم عليه من العامة حدث العلاء بن صاعد قال : لمّا حمل رأس صاحب البصرة ركب المعتضد في جيش لم يُر مثله فاشتقّ اسواق بغداد والرأس بين يديه فلما صرنا بباب الطاق صاح قوم من درب من تلك الدروب رحم الله معاوية وزاد حتى علت أصواتهم فتغبّر وجهه وقال : أما تسمع يا أبا عيسى ؟ ما أعجب هذا ! ما ذكر معاوية في هذا الأمر ؟ والله لقد بلغ أبي الموت وما أفلت أنا منه إلاّ بعد مشارفته ولقينا كل جهد وبلاء حتّى أرحناهم من عدوهم وحصّنا حرمهم وأموالهم تركوا أن يترحموا على العباس أو عبدالله بن العباس . أو من ولد من الخلفاء وتركوا الترحم على أميرالمؤمنين علي وحمزة وجعفر والحسن والحسين والله لا برحت أو أؤثّر في تأديب هؤلاء أثراً لا يعاودون بعده مثله .
ثم امر بجمع النفّاطين لتحريق الناحية فقلت أيها الأمير هذا من أشرف أيام الإسلام فلا تفسده بجهل غلمة لا خلاق لهم ولم أزل أداريه وارفق به حتى سار ....(1)
ونقول له والحقيقة معنا على أهلها جنت براقش إنّ ردّ الفعل هذا من أثر السياسة الخرقاء الظالمة التي ارتكبها العباسيون بحق الأمة .
دعوت على عمر فلما فقدته    وجاورت أقواماً بكيت على عمرو
ومهما كان الأمر فإن واقع معاوية لم يتغيّر من صعلوك إلى قدّيس وإن قذف الدهر الأمة بمثله أو بأدهى منه وأمر . بل لم تكسبه أمارته الطويلة العريضة معنىً أعظم مما هو فيه .
عن أبي سليم إنّ معاوية قال لأبي هريرة بن شماس الباهلي لقد هممت أن أحمل جمعاً من باهله في سفينة ثم أغرقهم ! فقال أبو هوذة : إذن لا ترضى باهله بعدّتهم من بني امية ! قال : اسكت أيها الغراب الابقع ! وكان به برص فقال أبو هوذة : 
ــــــــــــــــــ
(1) الآبي ، نثر الدر ، ج3 ص138 .

الصفحة 92
إن الغراب الابقع ربما درج إلى الرخمة حتى يفقر دماغها ويقلع عينيها فقال يزيد بن معاوية : ألا تقتله يا أميرالمؤمنين ؟ فقال مه ! ونهض معاوية ثمّ وجهه بعد في سريّة فقتل فقال معاوية ليزيد : هذا اخفى واصوب(1) .
نال معاوية الرفعة وهو المهان الوضيع على يد عمر بن الخطاب لغاية في نفس عمر فقد أمّره على الشام بعد هلاك يزيد أخيه(2) يقول ابن كثير : ولما فتحت الشام ولاه عمر نيابة دمشق بعد أخيه يزيد(3) وخالف عمر بهذا الفعل ما كان يقوله : هذا الأمر في أهل بدر ما بقي منهم أحد ثمّ في أهل أحد ما بقي منهم أحد وفي كذا وكذا وليس فيها لطليق ولا لولد طليق ولا لمسلمة الفتح شيء(4) .
والذي يظهر من ابن كثير أنّه استنابه على دمشق وحدها وعند غيره أنّه جمعها له يقول ابن الخياط : ثم جمع الشام كلها لمعاوية ابن أبي سفيان(5) بل ذكر ابن كثير في مكان آخر من بدايته أنّ معاوية ظل نائباً على الشام في الدولة العمرية وهذا يدلّ على أنّها كانت مجموعة له في عهد عمر(6) وقال عمر بن الوردي : استعمله عمر على الشام أربع سنين من خلافته(7) ولم يعز له طيلة خلافته بل كان لا يرى عزل معاوية يحل له لأنّه فيما زعم مصلح فقد عزّى أباه لما هلك يزيد وأمّر معاوية مكانه قائلاً له : ابناك مصلحان ولا يحل لنا أن ننزع مصلحاً(8) .
وعلّل ابن حجر الهيثمي ذلك بقوله : لم يشك أحد منه ولا اتّهمه بجور ولا مظلمة(9) وهذا مدفوع بعبادة بن الصامت فقد كثرت شكايته منه .
ــــــــــــــــــ
(1) الجاحظ ، كتاب الحيوان ، ج3 ص428 ، تحقيق عبدالسلام هارون ، دار الفكر 1408
(2) ابن حجر الهيثمي : تطهير اللسان : ص17 .
(3) البداية والنهاية : ج8 ص22 .
(4) مختصر تاريخ دمشق ، ج25 ص42 ، ابن الأثير ، اسد الغابة ، ج4 ص387 .
(5) تاريخ خليفة بن خياط ، ج1 ص129 ، ونقل محقق الكتاب عن تاريخ الإسلام وسير أعلام النبلاء مثله .
(6) ابن كثير البداية والنهاية ، ج8 ص22 .
(7) تاريخ ابن الوردي ، ج1 ص162 .
(8) ابن منظور ، مختصر تاريخ دمشق ، ج25 ص18 .
(9) تطهير الجنان واللسان ، ص16 .

الصفحة 93
ذكر ابو زرعة الدمشقي في تاريخه : إنّ عبادة أنكر على معاوية شيئاً فقال : لا أساكنك بارض فرحل إلى المدينة فقال له عمر ما أقدمك ؟ فأخبره فقال ارجع إلى مكانك ، فقبّح الله أرضاً لست فيها ولا أمثالك ولا إمرة عليك(1) .
فما حرك عمر ساكناً لمعاوية ولم يزد على ما قال لعبادة شيئاً ومورد الخلاف بين عبادة بن الصامت الذي سماه ابو زرعة شيئاً هو الربا وكان معاوية يستحله ولا يرى به بأساً ولمّا كلمه عباده يقول ابن الأثير في اسد الغابة ، اغلظه له معاوية(2) فإذا كانت هذه حال معاوية وعمر على قيد الحياة فكيف يكون إذا مات عمر .
ولكن ما الذي يخشاه من عمر وها هو لا يلقي بالاً لشكاية عبادة بن الصامت مع أنّه أخيره أن معاوية يأكل الربا أضعافاً مضاعفة ويوكله فما زاد على أن أمره بالرجوع إلى الشام ونفي أمرة معاوية عنه وبقي معاوية كما هو يعمل المنكرات علناً .
وشاهد عدل آخر هو أبو الدرداء فقد رأى معاوية باع سقاية من ذهب أو ورق بأكثر من وزنها فقال له أبو الدرداء سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ينهى عن مثل هذا إلاّ مثلاً بمثل فقال معاوية ما أرى بمثل هذا بأساً فقال أبو الدرداء من يعذرني من معاوية أنا أخبره عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ويخبرني عن رأيه لا اساكنك بأرض أنت بها ثمّ قدم أبو الدرداء على عمر بن الخطاب فذكر له ذلك فكتب عمر بن الخطاب إلى معاوية أن لا يبيع مثل ذلك إلاّ مثلاً بمثل وزناً بوزن(3) كان من حقه أن لا يعزله فحسب بل يقتله لأنه استحلّ الربا وردّ على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولست أدري كيف يستباح قتل بعض بعقال البعير ويترك لمعاوية الحبل على الغارب .
يفعل معاوية هذا كله ويلام على ضربه من أجل حلة خضرا ، كان قد دخل عليه بها فيقول : ما رأيت وما بلغني إلاّ خيراً ...!!!!(4)
وكأنّ الربا الذي يأكله معاوية ولا يرى به بأساً عناداً لله ورسوله هو من الخير عند عمر وكأن اتفاقاً ألف بينه وبين معاوية والناس تضرب في حديد بارد .
ــــــــــــــ
(1) ابو زرعة الدمشقي ، تاريخ أبي زرعة ، ص64 .
(2) اسد الغابة ، ج3 ص106 .
(3) النصائح الكافية ، ص120 .
(4) سير أعلام النبلاء ، ج3 ص134 وذكرها أكثر المؤرخين كالطبري وابن الأثير وغيرهما .

الصفحة 94
والباحث من أي باب دخل إلى هذين الرجلين وجد أمرهما مريباً ووضعهما غريباً .
وإلاّ فما هو سبب الرفق الذي اغدقه عمر على معاوية مع ما يبدو منه من الطامات ومن البدع والمنكرات ومن المحظورات العظيمة التي يرتكبها بمسمع ومشهد من عمر فلا ينكر عليه .
وإذا ما أنكر عليه فكالوالد الرؤوف بولده الوحيد المدلل وأمن معاوية جانب عمر فاطلق لنفسه العنان يفعل ما يشاء كان عمر إذا استناب الرجل على بلد لا يبقيه أكثر من سنة ولم يخرم هذه القاعدة إلاّ مع ابن هند وستأتيك انبائها إن شاء الله .
وكيف يُدّعى بأن أحداً لم يشكه ولا اتّهمه بجور ولا مظلمة وعمر نفسه يقول له :
أنت صاحب الموكب العظيم ؟ قال : نعم قال : مع ما بلغني عنك من طول وقوف ذوي الحاجات ببابك ....(1) . واسئل ما كان وقوفهم ببابه ؟ أكانوا يتمسحون باعتابه ؟! أم الحاجة الجئتهم والضرورة أوفقتهم أجل كل هذا ويقول القائل لم يشكّه أحد !!!
ولم توجه كلمة واحدة تجرح خاطر معاوية من ولي نعمته بل على العكس من ذلك طالما أطراه ومدحة على رؤوس الاشهاد وما فتىء يثني عليه ليشدّ أزره ويقويه . وجعل ابن حجر ثناء عمر عليه منقبة من مناقبه وسرح به الخيال المريض فراح يستنبط له المقامات الرفيعة والدرجات العالية قال : ومنها أنّ عمر مدحه واثنى عليه وولاه دمشق الشام مدة خلافة عمر وكذلك عثمان رضي الله عنه وناهيك بهذه منقبة عظيمة من مناقب معاوية ومن الذي كان عمر يرضى به لهذه الولاية الواسعة المستمرة (2) ويقول الذهبي متمدحاً به قلت : حسبك بمن يؤمره عمر ثم عثمان على اقليم ـ وهو ثغر ـ فيضبطه ويقوم به اتم قيام ويرضي الناس بسخائه وحلمه وإن كان بعضهم تألم منه مرّة (3)
ــــــــــــــــــ
(1) سير أعلام النبلاء ، ج3 ص133 .
(2) تطهير الجنان واللسان ، ص16 .
(3) سير أعلام النبلاء ، ج3 ص132 .

الصفحة 95
لقد أضل الله الذهبي وابن حجر على علم وثاها في بيداء الضلال في حب فرع الشجرة الملعونة عداوة لله ورسوله وأهل البيت . لقد سمّى الذهبي عبادة بن الصامت (بعضهم) ليهون الخطب على معاوية ويلبس على الأمة . وقد علم من يكون عبادة الذي قال عنه سفيان بن عيينة : بدري إحدي عقبي شجري وهو نقيب(1) وعبادة نقيب شهد بدراً والمشاهد كلها مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)(2) .
وأمّا الألم الذي ذكره فهو استباحة معاوية الربا ردّاً لحكم القرآن وما بيّنته السنة من حكم الربا وقد مرّ عليك قبلاً .
والبعض الثاني الذي تألم من معاوية هو أبو الدرداء الذي صرّح له معاوية بكفره بما أنزل على محمد وهو لا يقل فضلاً وهدىً عن سابقه .
ومالنا نلوم هذا وذاك على ولاء معاوية والملوم الاكبر هو عمر الذي أمدّ له في الضلال والطغيان وشاركه فيما قال وفعل ، فقد روى عمران بن سليم عنه أنّه قال :
من استعمل فاجراً وهو يعلم أنّه فاجر فهو مثله(3) . واقسم بالله أن عمر كان يعلم بما يجري من معاوية وإذا لم يكن يعلم فقد اعلمه عبادة وأبوالدرداء وهل يريد عمر شاهداً أعدل منهما ، ولم يهم من هام من القوم بمعاوية وزبانيّته من أجل معاوية نفسه بل من أجل من ولاه وأمرّه وهيأ له أسباب الطغيان ودواعي الهوى والعصيان لأنهم اعتبروه ستراً له فإذا زال الستر عن مساوي معاوية فقد انكشف عن مساوئ غيره لأن مساوئهما مشتركة هذا بفعله وذاك بتأميره وتأييده .
يقول ابو توبة الربيع بن نافع الحلبي : معاوية ستر لاصحاب محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فإذا كشف الرجل الستر اجترأ على ما ورائه(4) وهذا الستر يا أبا توبة خلق مهلهل لا يحتاج إلى من يكشفه بل الله سبحانه كشفه وهتك حجابه وأغرب ابن المبارك حين قال : معاوية عندنا محنة فمن رأيناه ينظر إليه شزراً اتّهمناه على القول يعني الصحابة(5) .
ـــــــــــــــــ
(1) المستدرك ، ج5 ص354 .
(2) نفسه ، ج5 ص355 .
(3) ابن الجوزي ، عمر بن الخطاب ، ص72 .
(4) البداية والنهاية ، ج8 ص142 .
(5) البداية والنهاية ، ج8 ص142 .
الصفحة 96
عفى الله عن هؤلاء إنهم يقولون الكلمة عفواً فتؤخذ عنهم وتصبح ديناً ، متى يا ابن المبارك امتحن الله المسلمين بالفاسقين لمعرفة المؤمنين وبالاشرار لمعرفة الأخيار إنّ هذا لقول غريب وهو من محن الإسلام حقاً .
والذي يحملنا على الشك في سلامة العلاقة بين عمر ومعاوية أنّ الأول طالما عوتب على تأمير ابن هنذ الفاجر فما اصاخ لأحد سمعاً ومضى على غلوائه يجري مع ابن هند .
قال عبدالعزيز ابن الوليد بن سليمان سمعت أبي يقول : إنّ عمر ولّى معاوية فقالوا : ولاّه حديث السن فقال : تلومونني وأنا سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول : اللهم اجعله هادياً مهدياً واهد به . قال الذهبي : هذا منقطع(1) .
مصيبة كبيرة أن يكذب الوضاعون على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فيضعون الأحاديث لمصلحة معاوية . وأكبر منها أن تكون من وضع الفاروق ليسدّ به عذراً عن نفسه ولكني أُبرّء عمر من جريرة الوضع إن شاء الله .
ولا زلنا نطلع على غريبة أثر غريبة من سلوك عمر مع معاوية لقد ولاه الشام وأقره عليها طيلة خلافته وجمعها له كما تقدم ولو أن عمر استبدل معاوية بمن هو شر منه لهانت المصيبة ولكنه عزل عميراً بن سعد وولاه مكانه مما أثار حنق الناس عليه .
عن أبي إدريس قال : لما عزل عمر عمير بن سعد عن حمص ، ولّى معاوية فقال الناس في ذلك ، فقال عمر : لا تذكروا معاوية إلاّ بخير فإنّي سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول : اللهم اهد به(2) .
يظهر من هذا أنّ في الناس نقمة مكبونة على عمر في توليته معاوية بخاصة وقد عزل به عميراً وكان عمر نفسه يسمي عميراً هذا نسيج وحده .... فما الذي بان له من حكم عمير حتى عزله بالفاجر المنافق المرابي اللاهي المتميّع .
أضف إلى ذلك أنّه اختار أكثر بقاع العالم خصباً ورخاءاً واقتطع له الشام هذا 
ـــــــــــــــ
(1) سير أعلام النبلاء ، ج3 ص126 .
(2) سير أعلام النبلاء ، ج3 ص126 .

الصفحة 97
الجزء الغالي من جسم البلاد الإسلامية فهل كان ذلك محض صدفة واتّفاق أو أنّها قضيّة منظورة لهم .
كلا فما كان عمر يخطو خطوة إلاّ ويعلم أين يضعها ، والشام بلد رخي ومن أغنى بلاد العالم وهو مطلٌ على الروم يتصل براً وبحراً بهم .
وسماه ابن حجر الهيثمي ولاية واسعة مستمرة(1) وسماها العقاد مملكة مستقلة(2) يضاف إلى رخاء البلد ما يتمتع به أهله من خلق (طاعة القائد) . يقول لمعاوية الحجاج بن خزيمة ابن الصمة واصفاً أهل الشام وطاعتهم : وإني اخبرك أنك تقوى بدون ما يقوى به علي لأن معك قوماً لا يقولون إذا سكت ويسكتون إذا نطقت ولا يسألون إذا اُمرت ......(3) .
وفي الشام بلد الرخاء والطاعة ، راح ابو حفص يبني لمعاوية دعائم الحكم ويشيد له الملك ويقوّي سلطانه بما يقول وما يفعل .
ويعتبر معاوية لعمر الرصيد المدخر والقوة العسكرية التي يهدد بها المنافسين ويخيف العدو .
وكان عمر في بعض فصول هذه المأساة ، يظهر محاسبته احياناً امام الرأي العام ولكنه سرعان ما يؤوب إلى جانبه ويظهر الحياء منه ومن صفات عمر البديهية أنّه لا يعرف ما هو الحياء حتى سماه اميرالمؤمنين (عليه السلام) حوزة خشناء بخشن مسها ويكثر العثار فيها والاعتذار منها(4) .
ولكنّ تلك التمثيلية جزء من خطة السياسة في ترجيح جانب ابن هند ورفع منزلته ولعل عمر وهو الحاكم المطلق يعد الحياء ضعفاً من هنا كان لا يريده لنفسه .
وبناءاً عليه فما كان يعبأ بأحد مهما كان مقامه .... رجل بحضرة عمر فلما حضرت الصلاة قال عمر : عزمت على من كانت هذه الريح منه إلاّ توضأ فقال جرير بن عبدالله : لو عزمت علينا جميعاً أن نتوضّأ كان استر للرجل وأكرم في الفعل فقال له 
ـــــــــــــــــ
(1) ابن حجر الهيثمي ، تطهير الجنان واللسان ، ص16 .
(2) عباس محمود القعاد ، معاوية ، ص215 .
(3) الدينوري ، الأخبار الطوال ، ص155 .
(4) راجع خطبته الشقشقية ، نهج البلاغة .

الصفحة 98
عمر : جزاك الله خيراً فلقد كنت سيداً في الجاهلية سيداً في الإسلام عزمت عليكم إلاّ توضأتم فقاموا جميعاً وسترت على الرجل(1) .
أقول هلاّ ستر عليه وما منعه أن يسلك سلوك جرير ؟ إنّ عمر لا يبالي بما قال لأنه حوزة حشناء .
يقول أبي قتيبة : بينا عمر بن الخطاب على المنبر إذا حسّ من نفسه بريح قد خرجت منه ، فقال : أيّها الناس إني قد ميلت بين أن اخافكم في الله وبين أن أخاف الله فيكم فكان أن أخاف الله فيكم أحب إلي ، ألا واني قد فسوت ـ هكذا لا يكنّي ـ وها أنا ذا أنزل لأعيد الوضوء(2) .
ومن البلية أن الرجل قالها وفعلها على منبر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهل حرمة منبره اكبر من حرمته أو هيبة المنبر في صدورهم أعظم من هيبته (صلى الله عليه وآله وسلم) روى البخاري أنّه كان يعظهم في الضرطة وقال : لم يضحك أحدكم مما يفعل(3) .
لا اهتدى إلى السر في رواية هذه الطامات من قوم يدلّون على من سواهم بموالات الصحابة وتعديلهم فكيف تجامع هذه الرواية عقيدتهم في الصحبة والصحابة اللهم إلاّ إذا قصد الراوي التندر والسخرية بهم .
على أنهم رووا في تفسير قوله تعالى عن عائشة : (وتأتون في ناديكم المنكر) عن عائشة قالت : الضراط(4) .
إنّ فعلاً عذّب الله عليه أمة خلت كيف تفعله الأمة المرحومة بلا اكترات منها ومن فاروقها وعلى منبر نبيّها أنّه فعل لا يستساغ على أنّه إن صح فهو حاك عن الطبيعة العمرية التي لا تدري ما الحياء ....
وهذا حاتم الأصم لا يزال يطنب في مدحه رواة سيرته لأنه ستر على امرأة ريحها وسمى الاصم من يومئذ ولم يكن كذلك . فما بال الصحابي لا يعبأ بمثل هذه الآداب ؟ قيل إنّ ذلك يعود إلى الشدة والجفاء المنسوبين إلى طباعه ولأول مرّة 
ــــــــــــــــــ
(1) الأبي نثر الدر ، ج6 ص551 .
(2) عيون الأخبار ، ج1 ص267 .
(3) المؤلف ، حجة الشيعة الكبرى ، ص324 وراجع الديلمي ، فردوس الأخبار ، ج1 ص480 .
(4) الطبري ، تاريخ الرسل والملوك ، ج5 ص294 .

الصفحة 99
تحدّث الأخباريون عن حيائه بين يدي ربيبه المدلل معاوية . عن اسلم مولى عمر قال : قدم معاوية وهو أبضّ الناس وأجملهم فخرج مع عمر إلى الحج وكان عمر ينظر إليه ويعجب ويضع اصبعه على متنه ثم يرفعها عن مثل الشراك فيقول : بخ بخ نحن اذن خير الناس إن جمع لنا خير الدنيا والآخرة .
قال : يا أميرالمؤمنين سأحدثك أنا بأرض الحمّا مات والريف . قال عمر : سأحدثك ما بك إلاّ إلطافك نفسك باطيب الطعام وتصبّحك حتّى تضرب الشمس متنيك وذوو الحاجات وراء الباب قال : فلما جئنا ذا طوى أخرج معاوية حلة فلبسها فوجد عمر منها طيباً فقال : يعمد أحدكم يخرج حاجاً ثفلاً حتى إذا جاء أعظم بلد لله حرمة أخرج ثوبيه كأنهما كانا في الطيب فلبسهما ، قال : إنما لبستهما لأدخل فيهما على عشيرتي والله لقد بلغني آذاك هنا وبالشام والله يعلم إني قد عرفت الحياء فيه ونزع معاوية الثوبين ولبس ثوبي احرامه(1) .
اغلب الظن أنّ هذا الحياء تصنع .. وكان على عمر أن يبالغ في تأديب معاوية ، لأنه خالف أبسط الشروط التي كان يشترطها عمر على العامل وهو : أن لا يغلق بايه دون ذوي الحاجات(2) فهل اشترط على معاوية أيضاً ؟! أوان معاوية وحده معفو من كل شرط .
ثم قل لي : ما وجه الحياء من رجل عصى الله وتطيب في الأحرام لا يبالي بنهي الله ورسوله عن ذلك(3) وكان على عمر أن يكون حياته من الله ورسوله لا من معاوية الخارج على شرع الله وسنن حبيبه ...
والذي يظهر من حال عمر أنّه قاطع بمصير الأمر إلى معاوية في يوم من الأيام بعد ذلك اليوم لثقته بالمقدمات التي حاكتها يداه فها هو يحث الناس على اتباع معاوية ويأمرهم بالهجرة إليه إذا وقعت فرقة .
يقول ابن حجر الهيثمي : ومنها أن عمر خص الناس على اتباع معاوية والهجرة 
ـــــــــــــــــ
(1) الذهبي ، سير أعلام النبلاء ، ج3 ص134 ، ابن حجر ، تطهير الجنان ، ص17 ، ابن كثير ، البداية والنهاية ، ج8 ص128 .
(2) البداية والنهاية ، ج7 ص138 .
(3) النصائح الكافية ، ص128 .

الصفحة 100
إليه(1) واعتبر بعد كلام طويل هذا من عمر كرامة باهرة لتضمنه الأخبار بأن الأمر سيصير إليه وأن مقاليد الاُمة لا يعول فيها إلاّ عليه(2) .
وهذه الكرامة ليست من كرامات الأولياء بل الأذكياء الذين يثقون بنتائج مقدماتهم المحبوكة . والفرقة التي يتحدث عمر عنها هي خلافة علي (عليه السلام) فقد اوتي الرجل ذكاءاً خارقاً كان ينظر للغيب من ستر رفيق فعلم بما يشبه اليقين أن عثمان مقتول وإن الأمر منتقل إلى علي وإن الفرقة قادمة مع هذه الفتنة وهنا يبرز الرصيد المعد لهذه الساعة اعنى أبا عبدالرحمن معاوية . وكان عمر يطلق عليه النعوت الناعمة فيسميه كسرى العرب .
ولست أدري ما الحاجة إلى كسرى عربي بعد أن هدمت جيوش الإسلام كسرى العجم ، وهل جاء الإسلام إلاّ لتحطيم هؤلاء الكسرات ، الذين هم أضر على الاُمة من هبل واللات والعزى ولكن عمر حارب كسرى وجنوده وبنى كسرى آخر أشر من الأول وأشد عتواً وتجبّراً .
يقول ابن الأثير : ولما دخل عمر بن الخطاب الشام ورأى معاوية قال : هذا كسرى العرب(3) . والظاهر أن ذلك تكرر من عمر .
عن محمد بن علي قال : كان عمر إذا نظر إلى معاوية قال : هذا كسرى العرب(4) ومثله قال المديني(5) وتباهى مرة به فقال : تذكرون كسرى وقيصر ودهائهما وعندكم معاوية(6) . وكانّ عمر أغرى معاوية بسلوك كسرى لكثرة ما كان يطريه فها هو يقبل على الخضم والقضم بشره لا مثيل له فيما يأكل البشر حتى استنفذ اللذات جميعاً .
يقول السمعودي : دخل عمروبن العاص يوماً على معاوية بعد ماكبر ودق 
ـــــــــــــــ
(1) الهيثمي تطهير الجنان ، ص19 .
(2) الهيثمي تطهير الجنان ، ص19 .
(3) اسد الغابة ، ج4 ص386 ، وراجع الاستيعاب ، ج3 ص471 .
(4) الأصابة ، ج3 ص434 .
(5) سير أعلام النبلاء ، ج3 ص134 ، والبداية والنهاية ، ج8 ص128 ، ومختصر تاريخ دمشق ، ج25 ص19 ، نثر الدر ، ج2 ص61 .
(6) تاريخ الطبري ، ج5 ص330 ، ابن الأثير ، الكامل ، ج3 ص262 .

الصفحة 101
ومعه مولاه وردان فأخذا في الحديث وليس عندهما غير وردان فقال عمرو : يا أميرالمؤمنين ما بقي مما تستلذه ؟ فقال : أما النساء فلا أرب لي فيهن وأما الثياب فقد لبست من لينها وجيّدها حتى وهى بها جلدي فما أدري أيها الين وأما الطعام فقد اكلت من لينه وطيبه حتى ما أدري أيها الذوا طيب وأما الطيب فقد دخل خياشيمي منه حتى ما أدري أيه أطيب(1) .
وبالطبع لابد أن تكون لكسرى حياته الخاصة وهذا ما عناه عمر إذ لم يعرف كسرى ولا عرف قيصر بالدهاء إنما عرف هذان بالنعيم الذي تأطّرابه .
وكان عمر يعرف ذلك منهما فقد دخل على رسول الله وهو في ساريته وبكى فيما يقال حين شاهد متاع بيته الذي هو عبارة عن شن بال وحفنه من الشعير قدّرها عمر بصاع وحصير خلق وهكذا دواليك .
فبكى وقال يا رسول الله إن كسرى وقيصر يجلسان على اسرة الذهب ويلبسان الديباج المزرر بالذهب وأنت سيد البشر وهذا متاع بينك أو كما قال فقال (صلى الله عليه وآله وسلم)اولئك قوم عجّلت لذاتهم لهم وهي وشيكة الانقطاع أو كما قال ...
ومن هذا الحديث ندرك أنّ عمر لم يقصد بتشبيه معاوية بكسرى وقيصر أن وجه الشبه بينهما السياسة الحكيمة أو الدهاء أو ما شاكل ذلك ولو ثبت للأمبراطورين الدهاء فما هو الدهاء الذي خرج به معاوية بين يدي عمر آنذاك إنما عرف معاوية بالغدر ولنسمه ذكاءاً على ذمة الفاروق ـ بعد احداث عثمان .
أما في عهد عمر فكان دهائه مخالفة الشرع والكفر به ومحاربة الله ورسوله وليس الحرير والأكل بأواني الذهب والفضة وأكل الربا وهلمّ جراً أكان عمر يريد بدهائه ما ذكرناه أجل فإن كسرى عرف بكثرة الأكل والتأنق فيه وهكذا كسرى أبي حفص سأل المهدي معبد بن خالد بن أنس بن مالك وكان منزله بشيراز عن بعض ما كان فيه ملوك فارس قال : كان لكسرى كل يوم عناق ـ الانثى من أولاد المعز إذا أتت عليها سنة ـ قيمتها أربعون ألفاً قال : كيف ؟ قال كان يلتمس له عناق حمراء زرقاء غذيت بالبان النعاج الفتيّة .
ـــــــــــــــــ
(1) المسعودي ، مروج الذهب ، ج3 ص22 .

الصفحة 102
فتشترى بما بلغت ثم تذبح بسكين من ذهب ثم تسمط بماء الورد ثم تغسل بالخمر والمسك ثم يسجر التنور بالعود الهندي وتجعل في سفود من ذهب ويضرب في تنورها المسك والعنبر وكان يؤتى كل يوم بدرة قيمتها عشرة آلاف فتسحق وتجعل في لون يتحذ له يقال أنه نافع من السل ....(1) وكان معاوية موغلاً في اللذائذ والمتع لا يرى الدنيا شيئاً بدونهما فقد قال يوماً : .. الدنيا بحذافيرها الخفص والدعة(2) .
ولعل هذه السياسة الكسروية القيصرية انعكست على سلوكه فرآها عمر بام عينيه بل ما في ذلك ريب أنّه رآه عليها أو بلغته أخبارها . والعجيب في معمّى عمر أنّه كان يحرم على نفسه القليل المباح من النعيم ويترك لمعاوية الحبل على الغارب .
عن محمد بن سعد يرفعه إلى العلاء بن أبي عائشة : أنّ عمر دعا الحلاق فحلقه بموسى ـ يعني جسده فاستشرف له الناس فقال إنّ هذا ليس من السنة ولكن النوره من النعيم فكرهتها(3) .
ليته انتور وتنعم لنفسه وحال بين معاوية وبين ما كان يرتكب من الدواهي ومخالفات الشرع الحنيف . وبلغ من تدليل عمر لمعاوية ، إنّه كان إذا كتب له رسالة اجملها وأبهمها فقد كتب إليه(4) :
أمّا بعد فالزم الحق ينزلك الحق منازل أهل الحق يوم لا يقضي إلاّ بالحق والسلام . فما هذا الإيجاز المخل ولو أنّه ملأ بطون الطروس نصماً لمعاوية لكان قليلاً فيما يرتكب من المحرّم .
 طعام عمر
هل يكفي أن يأخذ عمر نفسه بالشدة والتقشف في مطعمه ومشربه وملبسه ثم يترك الحبل لمعاوية دون سائر النواب والولاة على الغارب أليس مسؤلاً عنه ؟ ولو 
ــــــــــــــ
(1) الزمخشري ، ربيع الأبرار ، ج3 ص262 .
(2) ابن حمدون ، التذكرة الحمدونية ، ج1 ص249 .
(3) ابن الجوزي ، تاريخ عمر بن الخطاب ، ص130 .
(4) نفسه ، ص123 .

الصفحة 103
أراد تأديبه لفعل ولو فعل لارتدع ألم يقل له : إن نهيتني إنتهيت(1) .
فما باله لم ينهه بل على العكس من ذلك راح يطري أفعاله ويمده بالدعم المادي ليصنع ما شاء إذا وجد الاسناد من عمر بالقول والفعل .
فقد اغراه عمر بالشهوات حين جعل رزقه من بيت المال عشرة آلاف دينار(2) ويستكثر على الربيع بن زياد عطاء الألف درهم(3) وأنت حين تعرف شدّته على العمال وأخذه معاوية بالهويني تدرك السرّ المحجب وراء ذلك استعمل عمر عبدالله بن مسعود على القضاء وبيت المال وعثمان بن حنيف على سقي الفرات وعمار بن ياسر على الصلاة والجند ورزقهم كل يوم شاة فجعل نصفها وسقطها وكارعها لعمار لأنّه كان على الصلاة والجند . وجعل لعبدالله بن مسعود ربعها وجعل لعثمان بن حنيف ربعها ثم قال : إنّ مالاً يؤخذ منه كل يوم شاة إنّ ذلك فيه سريع(4) أو ما أرى قرية يؤخذ منها كل يوم شاة إلاّ سريعاً في خرابها(5) .
فأين هذا من ذاك ليت شعري . بل إنّ عمر نفسه كان يتقشف في مأكله إلى حد الحرمان والجوع يقول حذيفة : اقبلت فإذا الناس بين أيديهم القصاع فدعاني عمر فاتيته فدعى بخبز غليظ وزيت قال فقلت له : منعتني أن أكل من الخبز واللحم ودعوتني على هذا قال : إنما دعوتك على طعامي فإمّا هذا فطعام المسلمين .
عن أبي أمامة قال : بينا نحن مع عمر بن الخطاب وهو يجول في سكك المدينة ومعنا الاشعث بن قيس فادرك عمر الأعياء فقعد وقعد إلى جنبه الأشعث بن قيس وقد أُني عمر بمرجل فيه لحم فجعل يأخذ منه العرق فينهشه فينضح على الاشعث بن قيس فقال الاشعث يا أميرالمؤمنين : لو امرت بشيء من سمن فصب على هذا اللحم ثم طبخ حتى يبلغ أبانه كان ألين له فرفع عمر يده فضرب بها صدر الأشعث ثم قال له : أدمان كلا إني لقيت صاحباي ـ كذا ـ وصحبتهما فأخاف أن 
ــــــــــــــــ
(1) سير أعلام النبلاء ، ج3 ص133 .
(2) ابن عبدالبر ، الاستيعاب ، ج3 ص475 .
(3) أبو عبيد القاسم ، الأموال ، ص87 .
(4) ابن الجوزي ، عمر بن الخطاب ، ص105 .
(5) شرح ابن أبي الحديد ، ج1 ص176 .

الصفحة 104
أخالفهما فيخالف بي عنهما فلا أنزل معهما حيث نزلا .
عن ثابت قال : اشتهى عمر بن الخطاب الشراب فأتي بشربة من عسل فجعل يدير الإناء في كفه : اشربها وتذهب حلاوتها وتبقى مرارتها ثم دفعها إلى رجل من القوم فشربها .
عن الأحنف بن قيس قال : خرجنا مع أبي موسى الاشعري وفوداً إلى عمر بن الخطاب وكان لعمر ثلاث خبزات يأدمهنَّ يوماً بلبن وسمن ويوماً بلحم غريض ويوماً بزيت فجعل القوم يأكلون ويقدرون فقال عمر والله إني لأرى تقديركم وإني لأعلمكم بالعيش ولو شئت جعلت كراكر وأسنمه وصلاءاً وصنابق وصلائق ولكني استبقى حسناتي .
إنّ الله عزوجل ذكر قوماً فقال : اذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها ....
عن محمد بن قيس قال : دخل ناس على حفصة بنت عمر فقالوا : إنّ أميرالمؤمنين قد بدى علباء رقبته من الهزال فلو كلمته أن يأكل طعاماً هو الين من طعامه ويلبس ثياباً الين من ثيابه فقد رأينا إزاره مرقعاً برقع غير لون ثيابه ويتخذ فراشاً الين من فراشه فقد أوسع الله على المسلمين فيكون ذلك أقوى لهم على أمرهم فبعثوا إليه حفصة فذكرت ذلك له فقال : اخبريني بالين فراش فرشتيه لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قط قالت عباءة كنت ثنيتها له باثنتين فلما غلظت عليه جعلناها بأربعة قال : فأخبريني باجود ثوب لبسه قالت : نمرة صنعناها له فرآها انسان فقال : اكسنيها يا رسول الله فأعطاها إياه قال اخبريني باطيب طعام اكله قالت : كان عندنا تمر فقال ائتوني بقناع تمر فأمرهم فنزعوا نواه ثم قال : انزعوا تفاريقه ففعلوا فاكله كله فقال عمر : تروني لا اشتهي الطعام ، إني لآكل السمن وعندي اللحم وآكل الزيت وعندي السمن وآكل الملح وعندي الزيت وآكل بحتا وعندي ملح ولكنّ صاحبيَّ سلكا طريقاً فأخاف أن اخالفهما فيخالف بي كان سفيان يقول : كان عمر يشتهى الشيء لعله يكون بثمن درهم فيؤخره سنه ....(1) صاحب هذه الشدة مع نفسه والصبر على 
ـــــــــــــــــ
(1) ابن الجوزي ، تاريخ عمر بن الخطاب ، ص133 وص134 .

الصفحة 105
التقشف كيف يرضى لواحد من عماله أن يعوم بالنعيم عوماً ويفعل كل محرم ويرتكب كل مخطور ولم يوجه إليه كلمة لوم واحدة بل على العكس من ذلك يبالغ في الثناء عليه ولا يرضى بنقده أو توجيه اللوم إليه .
.. ذكر معاوية عند عمر بن الخطاب فقال : دعونا من ذم فتى قريش وابن سيّدها من يضحك في الغضب ولا يسأل عن الرضا ومن لا يأخذ ما فوق رأسه إلاّ تحت قدميه(1) .
ولو أنّ عمر قتل نفسه زهداً وتقشفاً وأمات هواه فقهاً وتعففاً لكان ذلك غير نافعه شيئاً ولا نجدية فتيلاً مادام معاوية يشرب الخمر ويلبس الحرير ويأكل الربا ويحرب أموال المسلمين ويعيث في الارض فساداً ويلتقم الموائد الدسمة والأطعمة الفاخرة بسبعة أمعاء وذلك كله في سلطان عمر . وتبلغه أنباء ذلك فلا يغيّر ولا يبدل ولو أراد ردعه عن غيّه لارتدع فهو والحال هذه شريكة في كل ما جنى وسهيمه في جميع ما اجترح .
كيف لا ولو لا عمر لكان معاوية أهون من ذبابة في مستحم قذر أليس هو القائل : عن ابن المسيب عن عمر قال : أيّما عامل لي ظلم أحداً فبلغتني مظلمته فلم أغيّرها فإنّا ظلمته(2) .
إن كان عمر جاداً فيما يقول : فهو شريك معاوية في ظلمه ومنكراته .
 شرب معاوية الخمر في عهد عمر
قال عبدالله بن بريدة : دخلت أنا وأبي على معاوية فاجلسنا على الفرش ثم أتينا بالطعام فاكلنا ثم آتينا بالشراب . فشرب معاوية ثمّ ناول أبي ثم قال ـ القائل هو والد الراوي ولكنّ ابن كثير يحاول تغيير العبارة ليشعر أن القائل معاوية ـ : ما شربته منذ وحرمه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ثمّ قال معاوية : كنت أجمل شباب قريش وأجوده ثغراً 
ــــــــــــــــــ
(1) ابن منظور ، مختصر تاريخ دمشق ، ج25 ص18 ، وسيأتيك في مستقبل البحث إن شاء الله ، إنّ هذه الأوصاف ذكرها عمر لمن يليق للحلافة .
(2) ابن الجوزي ، تاريخ عمر بن الخطاب ، ص110 .

الصفحة 106
التقشف كيف يرضى لواحد من عماله أن يعوم بالنعيم عوماً ويفعل كل محرم ويرتكب كل مخطور ولم يوجه إليه كلمة لوم واحدة بل على العكس من ذلك يبالغ في الثناء عليه ولا يرضى بنقده أو توجيه اللوم إليه .
.. ذكر معاوية عند عمر بن الخطاب فقال : دعونا من ذم فتى قريش وابن سيّدها من يضحك في الغضب ولا يسأل عن الرضا ومن لا يأخذ ما فوق رأسه إلاّ تحت قدميه(1) .
ولو أنّ عمر قتل نفسه زهداً وتقشفاً وأمات هواه فقهاً وتعففاً لكان ذلك غير نافعه شيئاً ولا نجدية فتيلاً مادام معاوية يشرب الخمر ويلبس الحرير ويأكل الربا ويحرب أموال المسلمين ويعيث في الارض فساداً ويلتقم الموائد الدسمة والأطعمة الفاخرة بسبعة أمعاء وذلك كله في سلطان عمر . وتبلغه أنباء ذلك فلا يغيّر ولا يبدل ولو أراد ردعه عن غيّه لارتدع فهو والحال هذه شريكة في كل ما جنى وسهيمه في جميع ما اجترح .
كيف لا ولو لا عمر لكان معاوية أهون من ذبابة في مستحم قذر أليس هو القائل : عن ابن المسيب عن عمر قال : أيّما عامل لي ظلم أحداً فبلغتني مظلمته فلم أغيّرها فإنّا ظلمته(2) .
إن كان عمر جاداً فيما يقول : فهو شريك معاوية في ظلمه ومنكراته .
 شرب معاوية الخمر في عهد عمر
قال عبدالله بن بريدة : دخلت أنا وأبي على معاوية فاجلسنا على الفرش ثم أتينا بالطعام فاكلنا ثم آتينا بالشراب . فشرب معاوية ثمّ ناول أبي ثم قال ـ القائل هو والد الراوي ولكنّ ابن كثير يحاول تغيير العبارة ليشعر أن القائل معاوية ـ : ما شربته منذ وحرمه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ثمّ قال معاوية : كنت أجمل شباب قريش وأجوده ثغراً 
ـــــــــــــــــ
(1) ابن منظور ، مختصر تاريخ دمشق ، ج25 ص18 ، وسيأتيك في مستقبل البحث إن شاء الله ، إنّ هذه الأوصاف ذكرها عمر لمن يليق للحلافة .
(2) ابن الجوزي ، تاريخ عمر بن الخطاب ، ص110 .

الصفحة 107
أنا بايعناه على السمع والطاعة في المنشط والكسل وعلى النفقة في اليسر والعسر وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعلى أن نقول في الله ولا نخاف لومة لائم وعلى أن ننصر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ...(1) .
وكان عبادة لا يكتم ما سمعه من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فلقد أخبره النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن واقع هذه الخمر التي يشربها معاوية عن شرحبيل بن السمط الكندي قال : دعاني عبادة بن الصامت حين حضر فقال إنّه لو ما حضرني لم أحدثكم حديثاً أريد أن أحدثكم ، إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال : يكون في آخر امتي شراب هو الخمر يستحلونه باسم يسمّونه غير الخمر(2) .
وشرحبيل بن السمط هذا أحد أركان معاوية في حرب صفين وهو الذي أشار به أخوه عتبة أن يوقفه مقابل جرير رسول الإمام أميرالمؤمنين إليه خطيباً ليحشد الناس له وقال عنه ابن عساكر له صحبة : وكتب معاوية إليه يسأله القدوم عليه وهيأ له رجالاً يخبرونه أن علياً قتل عثمان منهم يزيد بن اسد البجلي وبسز بن أرطاه وأبو الأعور السلمي(3) .
ولعل عبادة اختص شرحبيل بالحديث ليبلغه معاوية أو كان يشاطره في معاقرة الخمرة فأراد أن يعظه بأدب .
وعلى أية حال فمعاوية لم يترك شرب الخمر جاهلية ولا إسلاماً في زمن عمر وغيره وهكذا كان معاوية في زمن عمر الوالي المدلل الذي أغفى عمر عن كل ما يرتكب من المخالفات بما في ذلك شرب الخمر وبيع الربا وعمر صامت لا يحرك له ساكناً بل كان يتغاضى عن ذنوبه جميعاً ويدعمه بيده ولسانه .
وهنا تلجئنا هذه الحال أن نلقي سؤالاً بسيطاً على أخوتنا العميان فنقول لهم ما سرّ هذا الدعم ؟ ولسنا ننتظر حتى يجيبوا وإنما علينا أن نحقق حتى نستخرج السر من أعماق الأحداث التاريخية ونقول أيضاً : هل ينفع عمر زهده وتقشقه مع ما يحمله على الأمة من جرائم معاوية وتجبره أليس وال مثل معاوية وما يجري على 
ـــــــــــــ
(1) ابن كثير ، جامع المسانيد والسنن ، ج7 ص86 .
(2) جامع المسانيد والسنن ، ج7 ص121 .
(3) ابن منظور ، مختصر تاريخ دمشق ، ج25 ص33 .

الصفحة 108
يديه من المنكرات والجرائم قادحاً في عمر جملة وتفصيلاً ، أجل والله لأن معاوية بحول عمر وطوله فعل ما فعل .
افتح عينك عزيزي السامع والقارئ سترى معاوية في الشام هو عمر في المدينة بقضّة وقضيضه .
ولقد قاتل عمر على الدنيا ونازع على السلطان في سقيفة بني ساعدة ونال شطر الحلب الذي حلبه فلما حصل عليه سقى معاوية منه افاويق علاً بعد نهل واحتاز لنفسه الماء الأسن إن هذا لهو الخسران المبين .
 طعام معاوية
إنّ معاوية ابن أبي سفيان دعا بالطعام يوماً وقد أصلح له عجل مشوي فأكل معه دستاً من الخبز السميد وأربع فراني وجدياً حاراً وجدياً بارداً ووضع بين يديه مأة رطل من الباقلّى الرطب فأتى عليه(1) .
وكان يأكل أربع أكلات آخرهن اعضلهن واشدّهن يتعشى فيأكل ثريدة عظيمة عليها بصل كثير وكان فاحش الأكل يلطخ منديلين أوثلاثة قبل أن يفرغ وكان يأكل حتى يتسطح أي لا يقوى على القيام والنهوض ثم يقول : يا غلام ارفع فوالله ما شبعت ولكن سئمت ...(2) .
وقال الزمخشري : كان سليمان بن عبدالملك ثعباني الالتهام لقماني الالتقام على أن جميع المروانية كانوا امتالاً في الأكل امامهم في الأكل في سبعة امعاء معاوية(3) .
يشير إلى الحديث النبوي المشهور : الكافر يأكل في سبعة امعاء .
ــــــــــــــــ
(1) الآبي ، نثر الدرر ، ج2 ص245 ، وذكره الفخري في الآداب السلطانية ، ص150 ، والفراني جمع فرني وهو خبز يسوّى في الفرن ويروّى سمناً وسكّراً .
(2) نثر الدرر ، ج2 ص246 .
(3) الزمخشري ، ربيع الابرار ، ج3 ص253 .

الصفحة 109
دعاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عليه
دعى عليه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال : لا أشبع الله بطنه فاستجيب له ووقع هذا البثق العجيب في كرشه وصار يضرب به المثل في النهمة حتى قال القائل :
لي صاحب وبطنه كالهاويه    كأن في احشائـه معاويـه
روى مسلم في الصحيح عن ابن عباس قال : كنت العب مع الصبيان فجاء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فتواريت خلف باب قال : فجاء فحطأني حطأة(1) وقال : اذهب وادع لي معاوية قال : فجئت فقلت : هو يأكل قال : ثم قال لي : اذهب فادع لي معاوية قال فجئت فقلت : هو يأكل ، فقال لا أشبع الله بطنه ، قال ابن المثنّى قلت لأميه ما حطأني قال : قفدني قفدة(2) .
وكأنما آلم مسلم صاحب الصحيح هذا القول في سيده الأموي لذا قال ابن الأثير بعد اخراج الحديث : وأخرج مسلم هذا الحديث بعينه لمعاوية واتبعه بقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إني اشترطت على ربي فقلت : إنما أنا بشر ارضى كما يرضى البشر واغضب كما يغضب البشر فأيما أحد دعوت عليه من أمّتي بدعوه أن يجعلها له طهوراً وزكاة وقربة يقرّبه بها يوم القيامة .....(3)
يعتبر هذا من مسلم واضرابه صيغة منتهى الولاء لمعاوية بن أبي سفيان ..
ولما جعل الله معاوية في الطرف المناقض لما عليه الأبرار من الخير فلابدّ من الأسائة إلى الأبرار عند تزكيته !! ولا يهم القوم ذلك لأن تزكية معاوية وتعديله لابدّ منه لاستقامة القاعدة الصحابية التي قعّدت له ولأمثاله ، وإن أدّى ذلك إلى الأسائة إلى شخص النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بل وإن جرّهم ذلك إلى الكفر .
بعد الذي مر عليك من قول ابن الأثير عن مسلم هلم إلى قول النووي العجيب : قال النووي :
ـــــــــــــــ
(1) أي حفدني ، ومعناها حمله على الأسراع .
(2) صحيح مسلم بشرح النووي ، ج16 ص156 ، اسد الغابة ، ج4 ص386 ، البيهقي ، دلائل النبوة ، ج6 ص243 ، البداية والنهاية ، ج6 ص12 .
(3) صحيح مسلم بشرح النووي ، ج16 ص156 .

الصفحة 110
... وأما دعائه على معاوية ففيه الجوابان السابقان .
أحدهما أنّه جرى على اللسان بلا قصد ، والثاني أنّه عقوبة له لتأخره .
قال : وقد فهم مسلم من هذا الحديث أنّ معاوية لم يكن مستحقاً لهذا الدعاء عليه فلهذا أدخله في هذا الباب .
وجعله غيره من مناقب معاوية لأنه في الحقيقة يصير دعاءاً له(1) وصاحب هذا القول هو النووي نفسه . ذكر ذلك بن حجر الهيثمي قال : إنّ هذا الحديث من مناقب معاوية الجليلة وبه صرح الإمام النووي(2) لم يشتف بجعله منقبة حتى نعتها بكونها جليله .
ويقول ابن حزم عمن دعى عليهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : فياويح من اصابه دعاء المصطفى(3) .
ولكنّ شيعة أبن هند أبى لهم ولائهم له أن يفرّطوا فيه ولو على حساب ظلم الحق والاستهانة بأهله . وتعقب أبن حجر الهيثمي الحديث وراح يجري به في ميدان التأويل والتوجيه جرى الصبي بالكره . ولما رأى تباطأ ابن هند عن أمر النبي واعتذاره بالأكل يهدم مقامه المصطنع راح يلتمس له الوجوه بعد اعترافه بأن أمره (صلى الله عليه وآله وسلم)يقتضي الفورية . قال :
يحتمل أنّه ظن أن في الأمر سعة وأنّ هذا الأمر ليس فورياً . على أنّ الأصح عند الاُصوليين والفقهاء أنّ الأمر لا يقتضي الفورية إلاّ أمره (صلى الله عليه وآله وسلم) كان دعاه الله إليه ، فإنّه تجب أجابته فوراً وإن كان في صلاة الفرض . وكانّ معاوية لم يستحضر هذا الاستثناء أو لا يقول به(4) .
إن كان شر المصائب ما يضحك فإن هذه المصيبة لو مات الإنسان هماً منها ما عدّ ملوماً كيف لا وهؤلاء علماء الإسلام . لا يبالون من أين كفروا في سبيل الدفاع عن معاوية صنيعة سيدهم الفاروق عداء لعلي (عليه السلام) وأهل البيت .
ــــــــــــــــ
(1) النووي على مسلم ، ج16 ص156 .
(2) تطهير الجنان ، ص25 .
(3) شرح الزرقاني على موطأ مالك ، ج2 ص180 .
(4) تطهير الجنان ، ص29 .
الصفحة 111
وقد كفر ابن حجر ما في ذلك ريب حين جعل قول معاوية ثالث قول الله ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) . إنّ الله تعالى يقول : «يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله والرسول إذا دعاكم لما يحييكم » الآية ويقول ابن حجر : معاوية لا يقول به . اجل لأنه لا يؤمن به فبعداً للقوم الكافرين .
ويقول العلماء في وجوب طاعته على الأمة : .. فإذا وجب الإيمان به وتصديقه فيما جاء به وجبت طاعته لأنّ ذلك مما أتى به قال الله تعالى : (يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَرَسُولَهُ)(1) ، وقال : (أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرّسُولَ)(2) ، وقال تعالى : (وَأَطِيعُوا اللّهَ وَالرسُولَ لَعَلّكُمْ تُرْحَمُونَ)(3) ، وقال : (وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا)(4) ، وقال : (مَن يُطِعِ الرّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ)(5) .
فجعل تعالى طاعة رسوله طاعته وقرن طاعته بطاعته ووعد على ذلك بجزيل الثواب واوعد على مخالفته بسوء العقاب واوجب امتثال امره واجتناب نهيه(6) وفي حديث أبي هريرة : عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) :
كل امتي يدخلون الجنة إلاّ من أبى قالوا يا رسول الله ومن يأبى ؟ قال : من أطاعني دخل اجنة ومن عصاني فقد أبى(7) .
فأين يقع إمام المرجئة وصنيعة الفاروق من هذه الحقائق الناصعة .
ثم نقول لأمة معاوية : إنّ الله تعالى يقول : (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى‏ * إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحَى) .
فكيف يمكن أن يتبادر إلى ذهن مسلم ذاق حلاوة الإسلام أنّ النبي دعا على 
ـــــــــــــــــ
(1) النساء : 59 .
(2) التغابن : 12 .
(3) آل عمران : 132 .
(4) النور : 54 .
(5) النساء : 80 .
(6) القاضي عياض ، الشفا ، ج2 ص6 .
(7) نفسه ، ص7 .

الصفحة 112
معاوية من غير قصد إذا كان قرء هذه الآية وعرف معناها أليس هذا القول شعبة من قول عمر النبي يهجر .
ومن اتهم النبي بالكلام العابث الذي يرسله من غير تدبر ولا أمعان فقد باء بالكفر الصراح وكان وليه معاوية يوم يفد على الله تعالى في حشره .
وأمّا تأخر معاوية وما احتمله النووي من أنّ الحديث عقوبة له لتأخره فقد اعترف بذلك مرغماً بعد أن جعله أحد إحتمالين ونضيف عليه فنقول :
هذا الحديث يثبت كفر معاوية وضلاله وأنّه ما عرف للإيمان طعماً ولا خامر الإسلام عقله لأنّ الله تعالى يقول :
(يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للّهِ‏ِ وَلِلرّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ)(1) .
فلو كان معاوية من الذين آمنوا لأجاب نداء الداعي ولم تشغله البطنة والكظه عن أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأما الحديث الذي أخرجه مسلم عمن لعنهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حال الغضب أو آذاهم أو سبّهم أن يجعل ذلك كفارة وقربة ... الخ .
وهو الذي أخرجه الشيخان عن صنيعة الامويين أبي هريرة فقد تكلم عليه سيدنا الإمام شرف الدين (رحمه الله) في كتابه أبي هريرة وبالغ في تزييفه حتى تركه هباءاً منثوراً فليراجع هناك . فإنّه من أجل ما فاضت به يراعة سيدنا العظيم رحمه الله تعالى(2) .
ولا يمكن أن يزاد عليه أجل إن هذا المذهب الذي صار إليه القوم صيانةً لأبن هند وقومه الطلقاء يعفي على جميع المقاييس الصحيحة فلا يُهتدى حينئذ إلى التفريق بين مسلم ومنافق ولا برا وفاجر .
وإذا صح هذا المذهب فيمن يلعنهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فهو صحيح أيضاً فيمن يمدحهم ويشيد بهم لأنّه بشر يقول كما يقول البشر في الغضب والرضا ، هكذا زعم الراوي .
وشأن البشر على هذه الشاكلة سواء في المدح والذم فكما يذمون ويلعنون 
ــــــــــــــ
(1) الانفال : 24 .
(2) الأمام سيد شرف الدين ، ابو هريرة ، ص91 .

الصفحة 113
بداعي الهوى وسلطان الغضب فكذلك يمدحون بهذه الأسباب الحاكمة على البشر وهم منهم .
وحينئذ تتهاوى المقاييس ويختلط الحابل بالنابل ولا تبقى للأحاديث التي رواها رواتهم في حق أيمتهم أيّة مزية فهل هم مستعدون لهذه الخسارة الجسيمة ؟! وعليه فما الذي يبقى من فلان وفلان .
استجاب الله تعالى لبنيه في معاوية فاعطاه كرشاً كجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد . ولم يذكر التاريخ لمعاوية مشابهاً أو نظيراً . اللهم إلاّ ما كان يحكى عن أخيه يزيد بأنّه كان يأكل أنواع الطعام فقد بلغ عمران يزيد بن أبي سفيان يأكل أنواع الطعام فقال لمولى له يقال له يرفأ إذا حضر طعامه فاعلمني فلما حضر غذائه جاء فاعلمه فسلّم واستأذن فأذّن له فدخل فجاء بلحم فأكل عمر معه ثمّ قرّب شواءاً فبسط كفه وكفّ عمر يده ثم قال : الله يا يزيد بن ابي سفيان أطعام بعد طعام والذي نفس عمر بيده لئن خالفتم عن سنتهم ليخالفن بكم عن طريقهم(1) . ولا بدع أن يوحّد بينهما شبه الأكل فقد وحّد بينهما قبل ذلك الكفر .
اكل الكافر 
جاء في الحديث الشريف الكافر يأكل في سبعة امعاء .
أخرجه البخاري في طرق عدة ومنها هذان الطريقان عن نافع قال : كان ابن عمر لا يأكل حتى يؤتى بمسكين يأكل معه فادخلت رجلاً يأكل معه فأكل كثيراً فقال يا نافع لا تدخل هذا علي سمعت النبي يقول : المؤمن يأكل في معي واحد والكافر يأكل في سبعة امعاء .
عن أبي حازم عن أبي هريرة أنّ رجلاً كان يأكل أكلاً كثيراً فأسلم فكان يأكل اكلاً قليلاً . فذكر ذلك للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال : إنّ المؤمن يأكل في معي واحد والكافر يأكل في سبعة امعاء(2) .
ــــــــــــــــ
(1) ابن الجوزي ، عمر بن الخطاب ، ص164 .
(2) الجامع الصحيح للبخاري ، ج7 ص92 وص93 .

الصفحة 114
والحديث كما أخرجه البخاري أخرجه مسلم في كتاب الاشربة والترمذي وابن ماجه واحمد في مسنده في طرق وسياقات عديدة . وأخرجه الدارمي في سننه بطريقين عن جابر وأبي هريرة وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه . وأخرجه الطحاوي في مشكل الآثار ونقل عن أبي جعفر أنّه قال : فكانت هذه الآثار قد رويت عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مؤتلفة غير مختلفة .
فتأملنا فوجدنا المؤمن يسمي على طعامه فيكون فيه البركة ووجدنا الكافر لا يسمي على طعامه فلا يكون فيه بركة ...(1)
وأخرجه البخاري أيضاً في الكبير وأخرجه ابن حجر في فتح الباري والمتقى الهندي في كنز العمال والقرطبي في تفسيره وابو نعيم في حليته وفي تاريخ اصبهان وكذلك أخرجه ابن كثير في البداية والنهاية .
والحديث صحيح لا غبار عليه وقد عنى بأخراجه هؤلاء الأعلام وهو يتناول معاوية وأخاه يزيد ومن شاكله من بني امية وقد مرّ عليك قول الزمخشري : إمامهم في الأكل في سبعة امعاء معاوية(2) .
أشارة إلى كفره الذي دلّ عليه الحديث الشريف السالف . والآن هل يجد أوليائه مخرجاً من هذا الحديث ؟! أجل لقد حاول الطحاوي أن يحرف معناه بجعله في إنسان بعينه(3) ولكن لم يتيسر له ذلك والحمد لله رب العالمين .
 صفة طعامه 
قال الاحنف : دخلت على معاوية فقدّم إلي من الحلو والحامض ما كثر تعجبي منه ثمّ قدّم لوناً ما أدري ما هو ، فقلت ما هذا ؟ قال : مصارين البط محشوّة بالمخ قد قلي بدهن الفستق وذرّ عليه الطبرزد فبكيت فقال : ما يبكيك ؟ قلت : ذكرت علياً بينا أنا عنده فحضر وقت افطاره فسألني المقام إذ دعا بجراب مختوم قلت : ما في الجراب ؟ قال : سويق شعير قلت : خفت عليه أن يؤخذ أو بخلت به ؟ 
ــــــــــــــ
(1) الطحاوي ، مشكل الآثار ، ج2 ص280 .
(2) ربيع الابرار ، ج3 ص253 .
(3) راجع مشكل الآثار ، ج2 ص280 .

الصفحة 115
قال : لا ولا أحدهما ولكني خفت أن يلتّه الحسن والحسين بسمن أو زيت . قلت : محرم هو يا أميرالمؤمنين قال : لا ولكن يجب على أيمة الحق أن يعتدّوا أنفسهم من ضعفة الناس لئلا يطغى الفقير فقره قال : معاوية ذكرت من لا ينكر فضله ..(1)
قال ابن حمدون : وقد روي أنّ معاوية كان شحيحاً على الطعام ونسب إليه في ذلك ما ليس بمشهور فمن ذلك أنّه قال لرجل واكله : ارفق بيدك فقال له : وأنت فاغضض من طرفك وبصرك(2) .
وقال صعصعة : اكلت عند معاوية لقمة فقام بها خطيباً قيل وكيف ذاك ؟ قال : كنت آكل معه فهيّأ لقمة ليأكلها واغفلها فأخذتها فسمعته بعد ذلك .
يقول في خطبته : أيّها الناس اجملوا في الطلب فرب رافع لقمة إلى فيه تناولها غيره(3) .
ومن عجيب أمره أنّه كان يوصي عماله . بقلّة الأكل قال لعامل له : كل قليلاً تعمل طويلاً . والزم العفاف يلزمك العمل . وإياك والرشا يشتد ظهرك عند الخصام(4) . وكان يغار على الطعام كما يغار الرجل الغيور على عرضه .
دخل عبيدالله بن ابي بكره على معاوية ومعه ولد له فاكثر من الأكل فلحظه معاوية وفطن عبيدالله وأراد أن يغمز ابنه فلم يرفع رأسه حتى فرغ من الأكل ثمّ عاد عبيدالله وليس معه ابنه فقال معاوية : ما فعل ابنك التلقامه ؟ قال : اشتكى قال : قد علمت أنّ أكله سيورثه داءاً .....(5) وهذه الحكاية رواها المدائني بصورة أخرى تختلف عن سابقتها قال المدائني :
دخل اعرابي إلى معاوية ومعه ابنه فدعاهما إلى الغداء . فكان ابن الأعرابي لا يمرّ بشيء الاحطمه فأمر معاوية أن يحجب الأعرابي وابنه . فلم يزل الأعرابي يحتال حتى دخل فقال له معاوية : ما فعل التلقامة ؟! قال : كظّ به يا أميرالمؤمنين ساعة 
ـــــــــــــــــ
(1) التذكرة الحمدونية ، ج1 ص69 وص70 .
(2) التذكرة الحمدونية ، ج2 ص378 .
(3) التذكرة الحمدونيه ، ج2 ص331 ، وابو حيان التوحيدي ، البصائر والذخائر ، ج2 ص98 .
(4) التذكرة الحمدونية ، ج1 ص353 .
(5) ابن الاثير ، الكامل ، ج3 ص262 .

الصفحة 116
خروجه من عندك قال قد رأيت ذاك مما يصنع وعلمت أنّه لا ينجو وسهل إذن الاعرابي(1) .
وكان يعمل لمعاوية لونٌ من المخ لا يشاركه فيه أحد !! فأني به فضرب عبدالله ابن جعفر بيده فيه . وقال : إنّما أردت به أُنسَك يا أميرالمؤمنين قال : ما آنستني ! ثمّ استحيا فأرسل إليه عشرة آلاف ، فقال عبدالله : كم في هذه من لون مخ ؟!(2)
تغدّى اعرابي عند معاوية فنظر معاوية إلى شعرة في لقمته فقال : يا اعرابي خذ الشعرة من لقمتك ، قال : وإنك لتراعيني حتى تبصر في لقمتي ، والله لا أكلت معك أبداً(3) .
أطلق معاوية لبطنه العنان فكان يخضم مال الله خضم الابل نبتة الربيع واصبح الحكم عنده لقمة دسمة يزدردها أو جرعة خمر يشربها أو ساعة أنس يقضيها مع أصحابه ونظرائه من أهل الشام وعمر في المدينة يتحدّث عن المثل العليا ويأخذ نفسه بالشديد من العيش وقد اعفى معاوية من كل التزام أمام الله وأمام الناس .
وكان معاوية يروح في موكب ويغدو في موكب وأصحاب الحوائج ببابه كما قال له عمر .
ولما عاتبه بذلك العتاب اللين الرقيق وهو يراه بام عينيه في تلك الكوكبة الحسنة . اعتذر عند عمر بجواسيس العدو فما زاد عمر على أن قال له : والله إن كنت كاذباً إنّه لرأيُ اريب ولئن كنت صادقاً أنّه لتدبير اديب ما سألتك عن شيء قط إلاّ تركتني فيه اضبق من رواجب الضرس لا آمرك ولا أنهاك(4) .
ومن المؤكد أن عمر كان عالماً بمخادعة معاوية اياه ولكنّه يدجنّه لأمر هام سوف يظهر لنا جليا من خلال البحث إن شاء الله .
ولو صح ما إدّعاه معاوية أو صح ما أظهره عمر من تصديقه لما قدم إلى الشام 
ـــــــــــــــ
(1) التذكرة الحمدونية ، ج4 ص210 .
(2) الأبي ، نثر الدرر ، ج3 ص278 .
(3) الأبي ، نثر الدرر ، ج3 ص278 .
(4) نثر الدرر ، ج3 ص13 . وقوله : مثل رواجب الضرس أي تركتني في أمر يصعب على الخروج منه . الرواجب ، اصول الأصابع ، والضرس ، الرجل الداهية .

الصفحة 117
بموكب بسيط جداً حتّى عدّ ذلك من مناقب الرجل .
عن أبي العالية الشامي : قال : قدم عمر الحابية على جمل أورق تلوح صلعته للشمس ليس عليه قلنسوة ولا عمامه ، تصطفق رجلاه بين شعبتي رحله بلا ركاب ، وطاؤه كساء ابنجاني ذو صوف هو وطاؤه إذا ركب وفراشه إذا نزل ، حقيبته نمره أو شملة محشوّة ليفاً هي حقيبته إذا ركب ووسادته إذا نزل ، عليه قميص من كرابيس وقد دسم وتخرّق جيبه فقال : ادعوا لي رأس القربة فدعوا له 0(لجلومس) فقال :
اغسلوا قميصي وخيّطوه واعيروني قميصاً او ثوباً فأتي بقميص كتان . فقال : ما هذا ؟ قالوا : كتان قال : وما الكتان فاخبروه فنزع قميصه فغسل ورقع واني به فنزع قميصهم ولبس قميصه فقال له الجلومس :
أنت ملك العرب وهذه بلاد لا تصلح بها الابل فأتي ببرذون فطرح عليه قميص بلا سرج ولا رحل فركبه ، فقال : احبسوا احبسوا ما كنت أظن الناس يركبون الشيطان قبل هذا فأتي بجمله فركبه(1) .
وبالطبع لم تسلم هذه الحكاية من تلوين خيال الرواة . إذ ليس من المعقول أن يجهل عمر الكتان أو البردون وهو إن لم يكن رآهما قبل الملك فقد رآهما بعد أن صار ملكاً على أرض واسعة . ورآهما في الغنائم التي صبّت عليه من الأرض المفتوحة .
وعلى أية حال فصاحب هذا الموكب البسيط كيف سمح لمعاوية بموكبه الانيق الباذح وهو ملك العرب كما قال له الجلومس ومعاوية واحد من عماله ؟!!
والواقع أن عمر لم يخدع بمعاوية وأنّى لمعاوية بخديعة مثل أبي حفص ولكن هناك ظروف مستقبليه لابد من اعداد معاوية لها وإلاّ فلعمران يجيب معاوية بحياة من كان قبله من ولاة الشام كأبي عبيدة مثلاً فكيف استقامت لهم حياة البساطة وشظف العيش ولم تحلّ الكارثة بالاسلام وأهله بينما خاف معاوية من ترك حياة البذخ وخفض العيش أن يدخل ضرر على الإسلام من العدو المجاور المتربص ؟!! إنّ هذا لشيء غريب .
ــــــــــــــــ
(1) ابن الجوزي ، تاريخ عمر بن الخطاب ، ص137 .

الصفحة 118
وانظر حياة أبي عبيدة بالشام يرويها لنا عروة ابن الزبير قال : قدم عمر بن الخطاب الشام فتلقّاه أمراء الاجناد وعظماء أهل الأرض فقال عمر : أين أخي ؟ قالوا : من ؟ قال : أبو عبيدة قالوا : يأتيك الآن . فجاء على ناقة مخطومة بحبل فسلم عليه وسأله ثم قال للناس : انصرفوا عنا فسار معه حتى منزله فنزل عليه فلم ير في بيته إلاّ سيفه وترسه ورمحه فقال عمر : لو اتخذت متاعاً أو قال : شيئاً فقال أبو عبيدة : يا أميرالمؤمنين إنّ هذا سيبلغنا المقيل(1) .
كان معاوية يوحي لعمر أنّه يبتغي ببذخه وخفض عيشه عزة الإسلام لأنه مجاور قوماً أهل بذخ وبلهنية فإذا شاهدوا خشونة العيش باديةً لهم ابتعدوا عن قبول هذا الدين ونأوا بأنفسهم عنه أما حياة الخفض والسعة فتحدث عندهم نوع انعطاف نحو الإسلام وهذه الخدعة ربما تنطلي على جاهل مخرّف من عبّاد القواعد الباطلة أمس واليوم أمّا عمر فإنّ ذلك لا يخدعه حتماً ولكنه ينخدع له لأمور خاصة ما استعمل عمر معاوية إلاّ لأجلها وسوف تظهر خلال البحث إن شاء الله .
وكيف تخدع عمر هذه المظاهر البرّاقة التي قابله معاوية بها وهو القائل لأبي عبيدة كما روى طارق بن شهاب قال : لما قدم عمر الشام عرضت له مخاضة فنزل عن بعيره ونزع موقية فامسكها بيده فخاض الماء ومعه بعيره فقال له أبو عبيدة : قد صنعت اليوم صنيعاً عظيماً عند أهل الأرض صنعت كذا وكذا قال : فصكّ في صدره وقال : أوه لو غيرك يقولها يا أبا عبيدة ، إنّكم كنتم أذل الناس واحقر الناس وأقلّ الناس فأعزكم الله بالإسلام فمهما تطلبوا العزة بغيره يذلكم الله ...(2)
لقذ نطق عمر بالحق ليست عزة الاسلام فرعونيّة كالتي يريدها معاويه ولكنها عزة الحق والإيمان وهي من عزّة الله ورسوله فإنّ العزّة لله ولرسوله وللمؤمنين فكيف انخدع لمعاوية .
الحق ـ والحق يقال ـ إنّه تظاهر بذلك وما أكثر غرائب أبي حفص مع ابن هند .
ـــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ عمر بن الخطاب ، ص138 .
(2) تاريخ عمر بن الخطاب ، ص138 .

الصفحة 119
 جيش معاوية 
انفرد معاوية من بين عمال عمر ببناء جيش جرار بمسمع من عمرو مشهد بخاصة حين زار عمر الشام فقد استقبله به وشاهد عن كتب ما يحتوي عليه هذا الجيش من العدة والعدد فلمن اعده معاوية ؟! وهو لم يفتح به حتى قرية من قرى النمل والملفت للتظرانّ عمر ما سمّاه كسرى العرب الابعد مشاهدته تلك الأبهة التي لاقاه بها وذلك الجيش الضارب والعسكر المجري . ذكر طرفاً من هذا الجيش الطبري في الرواية التالية عن أبي محمد الأموي قال :
.. خرج عمر بن الخطاب إلى الشام فرأى معاوية في موكب يتلقّاه وراح إليه في موكب فقال عمر : يا معاوية تروح في موكب وتغدو في مثله وبلغني أنك تصبح في منزلك وذوو الحاجات ببابك ! قال : يا أميرالمؤمنين إنّ العدو بها قريب منا ولهم عيون وجواسيس فأردت يا أميرالمؤمنين أن يروا للإسلام عزّاً فقال له عمر : إنّ هذا لكيد رجل لبيب أو خدعة رجل أريب فقال معاوية : يا أميرالمؤمنين مرني بما شئت أصر إليه ، قال ويحك ما ناظرتك في أمر أعيب عليك فيه إلاّ تركتني ما أدري آمرك أم أنهاك(1) .
وأخرجه الذهبي بسياق آخر وقال تلقاه في موكب عظيم وهيئة فنعت الموكب وعطف عليه هيئة ويستشف من هذا أنّه استقبل عمر بعرض عسكري كالذي يستقبل به الزعماء اليوم(2) .
والذي يدلك على قوة هذا الجيش وكثرته هو وصف معاوية له حين أنبّه عمر في زيارته الشام فقال : يا أميرالمؤمنين أنا بأرض يكثر فيها حواسيس العدو فاحتاج أن أظهر لهم من ابهّة الملك والسلطان ما يزعهم(3) .
تبيّن من هذا القول أنّ الجيش معد لمقابلة الروم وطوارئهم كما يزعم معاوية واعتبر بقوة جيش مبنيّ لترهيب الروم وردعهم .
ـــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ الطبري : ج5 ص331 .
(2) الذهبي ، سير أعلام النبلاء ، ج3 ص133 .
(3) صبح الأعشى ، ج3 ص287 .

الصفحة 120
لقد أقبل هذا الجيش المؤلف من أعداد غفيرة وعدة حسنه من دمشق بين يدي عمر وله دوي هائل سمّاه ابن عساكر له رز(1) وهو الصوت الذي تسمعه من بعيد ولا تدري ما هو .
وكان على عمر أن يسئل معاوية لمن أعدّ هذا الجيش العظيم ولكنّه تغاضى عنه لعلمه أنّه قوّة له أيضاً كما هو قوّة لقريش في قبال أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .
وبلغ عدد المنتسبين إلى هذا الجيش في رواية ابن قتيبة مأة ألف(2) ولم يكن العدد وحده مطلوباً بل هناك عنصر آخر لابدّ من توفره بل لاغنىً عنه لأي جيش نظامي مهما بلغ من وفرة العدد وحس العدة تلكم هي روح الطاعة للقائد والإلتفاف حوله .
يقول ابن قتيبة أيضاً : لا يعرفون علياً ولا قرابته(3) .
ويقول الدكتور ماهر حماده : إنّ معاوية بن أبي سفيان مؤسس الأسرة الحاكمة في سوريا عمل دائباً منذو كان والياً على سوريه زمن عمر بن الخطاب وعثمان على إيجاد جيش مخلص له شخصياً يستطيع الإعتماد عليه(4) .
لقد كان هذا الجيش بعين عمر بن الخطاب فما كان ليؤسسه معاوية بهذه القوة والإقتدار دونما علم من الخليفة . ولقد كان عمر يعرف الغاية من تأسيسه ، بل ليس من نافلة القول أن نقول : إنّ الفكرة كانت من وضع عمر وكان المنفذ معاوية وكان عمر يعده جيشه ويعد قوته له . من ثمّ راح يهدد به وبمؤسسه .
 تهديد الناس بمعاوية وجيشه
اتخذ عمر من معاوية وجيشه (البعبع) الذي يهدد به الناس فقد قال ذات يوم : اياكم والفرقة فإن فعلتم فاعلموا أنّ معاوية بالشام وستعلمون إذا وكّلتم إلى رأيكم 
ـــــــــــــــــ
(1) مختصر تاريخ دمشق ، ج25 ص18 .
(2) ابن قتيبة ، الإمامة والسياسة ، ج1 ص32 .
(3) ابن قتيبة ، الإمامة والسياسة ، ص32 .
(4) الدكتور حماده ، دراسة وثقية ، ص23 .

الصفحة 121
كيف يستبرها دونكم(1) .
وقال لأهل الشورى : لا تختلفوا فإنّ معاوية وعمراً بالشام(2) .
ومعنى الاختلاف في عرف الرجل هو إنتخاب علي للخلافة ولا يقول هذا عمر جزافاً ولا بنحو الأغراء لمعاوية وإن كان يوحي لمعاوية زخرف هذا المعنى ولكن لعلمه بطموحه وأنّه كان يتصنع للخلافة وعمر على قيد الحياة وتوضع له الأحاديث المتنبئة بصيرورتها إليه على لسان الكهان روي عن ذي قربات قال : لما توفي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قيل يا ذا قربات من بعده ؟ قال : الأمين يعني أبابكر قيل فمن بعده ؟ قال : قرن من حديد ، يعني عمر قيل فمن بعده ؟ قال يعني عثمان قيل فمن بعده ؟ قال : الوضّاح الازهر المنصور يعني معاوية(3) .
لذلك قال الحسن : لقد تصنع معاوية للخلافة في ولاية عمر بن الخطاب ...(4)والواقع أنّه لم يتصنع هو بل صنعه عمر لها والحسن أما جاهل بحقيقة الحال أو كاتم للواقع .
وذو قربات هذا يهودي آخر وكاهن من كهان اليهود من فصيلة كعب الأحبار . وكان هذا الأخير ينوه باسمه ويزعم أنّه اعلم الناس فقد سأله معاوية قائلاً : دلني علي أعلم الناس قال : ما أعلمه إلاّ ذا قربات وهو باليمن فبعث إليه معاوية وهو بالغوطة فتلقّاه كعب فوضع رأسه له ووضع الآخر له رأسه فذكر قصة طويلة وفي ضمنها أنّه كان يهودياً ....(5)
وما من شك أن عمر إنما قربه لتصنعه هذا للخلافة وكان على علم يقين أنّ قوّة بني هاشم المعنوية لا يمكن أن يقف في وجهها إلاّ رجل من بني امية يحمل خصائص معاوية .
وكانت ثقته أولاً في يزيد أخيه ولكن الأجل اخترمه قبل أن تتم الحبكة 
ــــــــــــــــــ
(1) ابن منظور ، مختصر تاريخ دمشق ، ج25 ص25 والاصابة ، ج3 ص434 .
(2) ابو حيان التوحيدي ، ج7 ص65 ، البصائر والذخائر ، ج7 ص65 .
(3) مختصر تاريخ دمشق ، ج25 ص25 .
(4) مختصر تاريخ دمشق ، ج25 ص24 .
(5) ابن حجر ، الإصابة ، ج1 ص487 .

الصفحة 122
الخبيثة على يديه ولهذا أظهر عمر جزعاً شديداً على يزيد .
عن أبي إسماعيل محمد بن عبدالله البصري قال : جزع عمر على يزيد جزعاً شديداً(1) .
وليس من سبب يدعو أبا حفص إلى الجزع سوى ضياع الفرصة من يديه ولعل يزيد أكثر كفاءة من أخيه ووقع اختيار عمر بعد يزيد على أخيه معاوية فمن ثم اختصّه بالرعاية وأولاه عنايته الخاصة كما تقدم .
 لماذا اختار عمر معاوية؟!
من المقطوع به عند المؤرخين واعتبروه ضرورة تاريخية أنّ التنافس والحسد والبغضاء في المجتمع القبلي أمر لا محيد عنه لم تسلم منه قبيله في عصر من العصور .
وقد تخف هذه الاُمور في قوم دون قوم وربما ثقلت واشتدت عند آخرين . فالمجتمع البدوي الذي يتقلب بين السكون والرحيل والذي يفرض عليه انتجاع الكلأ هنا وهناك أن لا يقيم في مكان واحد إلاّ بقدر ما تتم نجعته ثم يغادر الموضع إلى آخر وهكذا دواليك قد يكون بمنأىً عن المنافسة والحسد إلاّ ما تمليه ضرورة العيش عليه .
أمّا المجتمع المستقر في مكان واحد فوجود هذه الظواهر فيه أشد بروزاً وأعظم ظهوراً وكانت قريش بطوناً وافخاذاً تنتمي إلى مجتمع شبه متحضر وهو بعد مجتمع تجاري تولف التجارة أهم موارده الأقتصادية بل ليس له سواها هذا إذا اعتبرنا وفود الحجيج أيضاً من الموارد التجارية والحياة على هذه الشاكلة نضطر ابنائها إلى التعايش السلمي ولكنه تعايش مشوب بالحذر وسلم مطعم بالحسد وكان الحسد داء قريش الدوي وهو الذي حتم عليهم محاربة الإسلام ومناصبة نبيّه العداء كما حتم عليهم إبعاد أهل بيته عن منصبه يقول أميرالمؤمنين (عليه السلام) مشيراً إلى هذه الحقيقة : أين الذين زعموا أنّهم الراسخون في العلم دوننا كذباً وبغياً علينا أن رفعنا 
ـــــــــــــــــ
(1) ابن عبدالبر ، الاستيعاب ، ج3 ص471 .

الصفحة 123
الله ووضعهم وأعطانا وحرمهم وأدخلنا وأخرجهم بنا يستعطى الهدى ويستجلى العمى أنّ الأيمة من قريش غرسوا في هذا البطن من هاشم لا تصلح على سواهم ولا تصلح الولاة من غيرهم(1) . وفي نهج البلاغة الكثير من هذا .
كانت بوادر من عداء قريش لأهل البيت تظهر على السطح والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)على قيد الحياة فقد صح أنّ العباس عمّه (عليه السلام) شكا إليه ما يلقون من قريش من تعبيسهم في وجوههم .
وقطعهم حديثهم عند لقائهم فغضب (صلى الله عليه وآله وسلم) غضباً شديداً حتى أحمر وجهه وعرق مابين عينيه وقال : والذي نفسي بيده لا يدخل قلب رجل الإيمان حتى يحبكم لله ولرسوله(2) .
وكانوا يعارضون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) سرّاً وجهراً فيما يظهر من فضل أهل بيته فقد نقل الثعلبي والبغوي عن ابن حنبل : أنّه لما نزل قوله تعالى : (قُل لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ الْمَوَدّةَ فِي الْقُرْبَى) قال قوم في نفوسهم ما يريد إلاّ أن يحثنا على قرابته من بعده فأخبر جبريل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه اتّهموه فأنزل : (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى‏ عَلَى اللّهِ كَذِباً) الآية فقال القوم يا رسول الله إنّك صادق فنزل وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ....(3)
وطالما بلغ النبي أذاهم له ولأهل بيته فاغضبه ذلك والجئه إلى ذمّهم ونهيهم عنه ولكنّ حسدهم له ولأهل بيته يحرق كلّ معنى جميل في نفوسهم بل صيّر جماعة منهم إلى النفاق فكانوا يضمرون لهم البغضاء ويظهرون الإيمان حتّى فضحهم الوحي فخفت شرّتهم ولكنّها لم تخمد والذي أجج النار في صدورهم أكثر هو اختيار النبي علياً أخاً ووصيّاً وخليفةً من بعده وكانوا يطمعون بانقراض الدعوة في وفاة صاحبها وعزائهم الوحيد أنّه لا نسل له وسمّاه العاص أبتر فنزل القرآن بتكذيبه ولعنه وسمّاه شانئاً أبتر .
واعتبروا علياً وأولاده التجديد المستمر لحياة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فلذلك صبّوا نقمتهم عليه وعلى أولاده وما قذفهم أم إبراهيم سرية النبي ونفيهم إبراهيم وإنكارهم 
ـــــــــــــــــــ
(1) الشيخ معنيه ، في ظلال نهج البلاغة ، ج2 ص320 .
(2) ابن حجر ، الصواعق المحرقة ، ص172 .
(3) الصواعق المحرقة ، ص170 .

الصفحة 124
أن يكون الحسنان ولديه بل حرمان الزهراء من الإرث إلاّ جزء من هذا المخطط الخبيث .
وعاكسوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في كل خطوة خطاها لإثبات فضل أهل بيته وتثبيت حقهم بخاصة تلك الساعة المشومة من يوم الخميس الذي أجرى دموع ابن عباس كعقد اللؤلؤ على خديه وسماها رزية وقد مرّ تفصيلها آنفاً وحصل لقريش ما أرادت من تقمص الخلافة وأعانت أوّلها بكل ما قدرت عليه .
والمهمّ الآن ليس غصب الخلافة بل العزم الذي تواطأ عليه القرشيون بعدم عودتها إلى بيت النبي مرّة أخرى .
وكانت خطتهم التي درجوا عليها أن يضعها السابق في حضن اللاحق قبل أن يغادر إلى معاده أو بحبك خطة تؤدي إلى حرمان علي منها كما فعل عمر في الشورى . وفوق هذا وذاك فقد رأوا من الأوفق بهم والأجدر بضمان مطالبهم أن يختاروا بيتاً من قريش ويختاروا من هذا البيت واحداً يقف في وجه على وأولاده وتلقى إليه تعاليم خاصة في كيفية صرف علي عن حقه أو التشويش عليه وتضييع الفرصة عليه إن أفلت الحكم منهم إليه بنحو من الأنحاء .
ولم يكن بيت في قريش يحمل خصائص العداء المطلوب لبيت علي أكثر من بني امية ولم يكن في بني امية أكثر خبثاً وعداءاً لعلي من آل أبي سفيان وليس فيهم أخبث من معاوية . وهو الموتور المغلوب مضافاً إلى عدائه التقليدي لبني هاشم عامة .
وكان الإمام (عليه السلام) قد وتر معاوية بأخيه حنظلة وهو شقيقه وجده عتبة وشيبة عم امه والوليد خاله وكان شبحُ هؤلاء القتلى يساقيه حقده الصاعق على علي وأولاده وما كانت ذكراهم تفارقه أو تفارق امه وهي القائلة تندبهم وتذكر قاتلهم :
أبي وعمي وشقيقي بكري   بهم قصمت يا علي ظهري
من هنا اعتبر الد اعداء علي (عليه السلام) وأولاده تضاف هذه مجتمعة إلى ما تحويه ذاته من الغدر والدهاء والنفاق والخسة والجشع والفسق وغير ذلك .
ولم ينفذ نور الإسلام إلى ظلمات ذاته فبقي على ما هو عليه في الجاهلية لأنه لم يؤمن بالإسلام ديناً بل وسيلة ينال بها مئآربه ويحقق اغراضه وكيف يكون معاوية 

الصفحة 125
مسلماً بعد عدائه السافر لعلي الذي جعله الله محكاً يميز به الخبيث من الطيب والصادق من الكاذب والمؤمن من المنافق وقد روى الحفاظ والأعلام عنه أنّه قال :
.. عهد عهده إلى رسول الله لا يحبني منافق ولا يبغضني مؤمن(1) .
وعلى من انتحل له الأعذار وحرر له الوجوه والتأويلات أن يرد على هذا الحديث بالقبول أو الرفض . وعلى كل حال فقد وقع اختيار عمر وهو ناطق قريش الرسمي وإن شئت مدره القوم على معاوية لشديد عدائه لعلي (عليه السلام) .
يقول السيد بن عقيل (رحمه الله) : وليس على ظهر الكرة الارضية اعدى لعلي من معاوية وقد صرح كرم الله وجهه بذلك في مواطن مذكورة في محالها من كتب السير(2) .
ولئن صحت كلمة أحمد بن حنبل وهي صحيحة لا ريب في ذلك القائل لولده عبدالله بعد أن سأله : ما تقول في علي ومعاوية . فأطرق ثمّ قال : ايش أقول فيهما . اعلم أنّ علياً كان كثير الأعداء ففتّش له أعدائه عيباً فلم يجدوا فجائوا برجل قد حاربه وقاتله فأطروه كياداً منهم له(3) .
أقول إن صحت هذه الكلمة في حق غير عمر فهي في حق عمر أصح لأنّه رفع معاوية من الحضيض الاوهد إلى عز الخلافة والملك وصيّره من الرفش إلى العرش وخوّله تلك القوة التي قهر بها خصومه وسفك بها دماء أولياء الله ودرج على منهاح أبيه كما درج ولده على نهجه .
آل حرب قد اضرموا لبني المختار    حرباً يشيب منها الوليد
فابن حرب للمصطفى وابن هـند     لعلي وللحسيـن يـزيد
ــــــــــــــ
(1) لهذا الحديث سياقات عده منها السياق المذكور أعلاه وبنها : لا يحبني إلاّ مؤمن ولا يبغضني إلاّ منافق وقد أخرجه جم غفير من الحفاظ : كمسلم في صحيحه وابن أبي شيبه في مسنده والترمذي في سننه والهيثمي في مجمع الزوائد والبغوي في شرح السنة والهندي في الكنز وهذا على سبيل المثال لا الحصر . والحمدلله رب العالمين .
(2) السيد محمد بن عقيل ، النصائح الكافية ، ص158 .
(3) علي بن محمد الكناني ، تنزيه الشريعة المرفوعة ، ص8 .
الصفحة 126
 الشجرة الملعونة
قال الله تعالى : (يزيدهم إلاّ طغياناً كبيراً)
اختلف علماء التفسير في الرؤيا التي اريها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وفي الشجرة الملعونة وكل ذهب إلى مذهب أمّا أهل البيت (عليهم السلام) فقد اجمعت كلمتهم التي نقلها عنهم شيعتهم أنّ الرؤيا هي ما رآه النبي من نزو بني امية على منبره ذات ليلة فاصبح مغموماً فعزّاه الله بما أنزل عليه من الذكر الحكيم واعلمه أنّ ذلك دنياً يلعقون منها ثم يذهبون إلى لعنة الله وأليم عذابه وأمّا الشجرة الملعونة فهم بنو امية ولم يختلف منهم أحد .
والذين اختلفوا هم مفسروا أهل السنة والجماعة ونحن نسبر القولين وننقد المذهبين .
 الرؤيا والشجرة الملعونة عند الشيعة
روي عن أبي جعفر وأبي عبدالله (عليهما السلام) : أنّ ذلك رؤيا رآها في منامه أنّ قروداً تصعد منبره وتنزل فسائه ذلك وروى مثل ذلك سهل بن سعد الساعدي عن أبيه أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) رآى ذلك ومثله عن سعد بن بشار فأنزل الله عليه جبرئيل وأخبره ما يكون من تغلب أمر بني امية على مقامه وصعودهم على منبره(1) .
ـــــــــــــــــ
(1) شيخ الطائفة ، التبيان ، ج6 ص494 .

الصفحة 127
 وروى سهل بن سعيد هذا عن أبيه :
أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) رأى ذلك وقال : أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يستجمع بعد ذلك ضاحكاً حتى مات وقالوا على هذا التأويل إنّ الشجرة الملعونة في القرآن هي بنو امية اخبره الله سبحانه بتغلبهم على مقامه وقتلهم ذريته روي عن المنهال بن عمرو قال :
.. دخلت على علي بن الحسين (عليه السلام) فقلت له : كيف أصبحت يا ابن رسول الله فقال : اصبحنا والله بمنزلة بني اسرائيل من آل فرعون يذبحون ابناءهم ويستحيون نساءهم واصبح خير البرية بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بلعن على المنابر واصبح من يحبنا منقوصاً حقه بحبه ايانا(1) .
عن القاسم عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : اصبح رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يوماً حاسراً حزيناً فقيل له مالك يا رسول الله ؟ فقال : اني رأيت صبيان بني امية يرقون على منبري هذا فقلت يا رب معي ؟ فقال لا ولكن بعدك .
والرواية التالية اشمل مضموناً لأنها تحصى عددهم وتحصره بأثني عشر رجلاً .
 عن يونس بن عبدالرحمن الأشل قال :
.. سئلته عن قول الله (وَمَا جَعَلْنَا الرّؤْيَا الّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاّ فِتْنَةً لّلنّاسِ) الآيات فقال : إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) نام فرأى أنّ بني امية يصعدون المنابر فكلما صعد منهم رجل رأى رسول الله الذلة والمسكنة !! فاستيقظ جزوعاً !! من ذلك وكان الذين رآهم اثني عشر رجلاً من بني امية فأتاه جبرئيل بهذه الآية ثمّ قال جبرئيل إنّ بني امية لا يملكون شيئاً إلاّ ملك أهل البيت ضعيفه ... وفي هذه الرواية التالية يراهم قروداً وعددهم اربعة عشر .
.. عن أبي عبدالله الصادق أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) رأى ذات ليلة وهو بالمدينة كان قروداً اربعة عشر قد علوا منبره واحداً بعد واحد فلما اصبح قصّ رؤياه على اصحابه فسئلوه عن ذلك فقال : يصعدون منبري هذا بعدي جماعة من قريش ليسوا لذلك اهلاً قال الصادق (عليه السلام) : هم بنو امية .
ــــــــــــــــــ
(1) الطبرسي ، مجمع البيان ، ج3 ص424 .

الصفحة 128
وهذه الروايات تدلّ على أنّ من سبقهم اسعد حظاً منهم حيث لم يره النبي في المنام إلاّ أن الرواية التالية تلحقهم ببني امية في مصير واحد .
عن عبدالرحيم القصير ، عن ابي جعفر (عليه السلام) في قوله : (وما جعلنا الرؤيا التي اريناك إلاّ فتنة للناس) قال : اري رجالاً من بني تيم وعدي على المنابر يردون الناس عن الصراط القهقرى قلت والشجرة الملعونة في القرآن قال : هم بنو امية يقول الله : (ونخوفهم فما يزيدهم إلاّ طغياناً كبيراً ..) .
ومقتضى هذه الرواية أنّ الرؤيا فيهم خاصة كما أن الشجرة الملعونة في بني امية .
العياشي عن حريز عن مسمع عن أبي جعفر (عليه السلام) : (وما جعلنا الرؤيا التي قد اريناك إلاّ فتنة لهم ليعمهوا فيها) والشجرة الملعونة في القرآن يعني بني امية(1) .
يقول شيخنا الجليل مغنيه (رحمه الله) : إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) رأى بني امية ينزون على منبره نزو القردة فسانه ذلك . واغتم به ولم ير ضاحكاً . وذهب إلى هذا التفسير جماعة من الصحابة منهم سعيد بن المسيب وابن عباس كما في تفسير الرازي وسهل بن سعد كما في تفسير البحر المحيط وفي صحيح البخاري ج9 كتاب الفتن ، أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال : (هلاك امتي على يد اغيلمه من قريش) وهذه الرواية تدعم تفسير الرؤيا ببني امية . وعليه يكون المراد بقوله تعالى : (والشجرة الملعونة في القرآن) هم بنوامية بالذات ....(2)
أقول ويدعمه أيضاً حديث رسول الله : إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين رجلاً اتخذوا مال الله دولاً ودين الله دغلاً وعباد الله خولاً . أخرجه الهيثمي عن أبي سعيد بلفظ فلان قال ورواه احمد والبزار إلاّ أنّه قال إذا بلغ بنو أبي العاصي .
وماأخرجه أيضاً عن عبيدة بن الجراح ، قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : لا يزال أمر امتي قائماً بالقسط حتى يكون أول من يثلمه رجل من بني امية يقال له يزيد...(3)
ـــــــــــــــــ
(1) راجع لهذا كله ، تفسير البحراني ، البرهان ، ج2 ص424 .
(2) الشيخ محمد جواد مغنيه ، الكاشف ، ج5 ص60 .
(3) الهيثمي ، مجمع الزوائد ، ج5 ص241 .

الصفحة 129
والرواية في جامع الشمل وليس فيها ذكر يزيد بن معاوية وقال مؤلفه : رواه أبو يعلى عن أبي ذر فقلنا نحن الأباضية : هو عثمان وقال غيرنا : إنّه يزيد بن معاوية لعنه الله(1) .
ويدعمه ما جاء في المطالب العالية : لا يزال هذا الأمر قائماً بالقسط حتى يثلمه رجل من بني امية(2) .
كما أنّ الاحداث التي صاحبت حكم عثمان وادت الى مصرعه وما جر قتله على الامة من الويلات والدواهي قرينة قوية جداً على إرادة عثمان بن عفان وكانت عائشة تقول وهي تخرج نعلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من كوة في المسجد : هذه نعل رسول الله لم تبل وابلى عثمان سنته وهذا هو معنى الثلم الوارد في الحديث الشريف .
الرأي الآخر 
حاول شيعة بني امية صرف الحديث عن معناه الحقيقي ففسروا الرؤيا على أنّها رؤيا العين وهي ما رأى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لما اُسري به من مكة إلى بيت المقدس ورووا ذلك عن عكرمة عن ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن وأبي مالك ومسروق وقتادة وابن جريح وهذه رواية الحسن البصري قال : اسري به عشاءاً إلى بيت المقدس فصلّى فيه وأراه الله ما أراه من الآيات ثم اصبح بمكة فأخبرهم أنّه اسري به إلى بيت المقدس فقالوا له : يا محمد ما شأنك امسيت فيه ثمّ أصبحت فينا تخبرنا أنك اتيت بيت المقدس فعجبوا من ذلك حتى ارتد بعضهم عن الإسلام .
وتروى عن ابن عباس عن الرؤيا رواية أخرى في دخول مكّة عن ابن عباس قال : وما جعلنا الرؤيا التي اريناك إلاّ فتنة للناس قال : يقال : إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أرى أنّه دخل مكة هو وأصحابه وهو يومئذ بالمدينة فعجل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) السير إلى مكة قبل الأجل فردّه المشركون فقالت اناس : قد ردّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد كان حدثنا أنّه سيدخلها فكانت رجعته فتنتهم .
ـــــــــــــــــــــ
(1) محمد بن الخفيش المغربي ، جامع الشمل ، ج1 ص536 .
(2) ابن حجر العسقلاني ، المطالب العالية ، ج4 ص332 .

الصفحة 130
وأما تفسيرها برؤيا المنام فعن سهل به سعد قال : رأى رسول الله بني فلان ينزون على منبره تزو القردة فسائه ذلك فما استجمع ضاحكاً حتى مات قال : وأنزل الله عزوجل في ذلك وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلاّ فتنة للناس الآية . ومال الطبري مع القول الأول فقال : وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال : عنى به رؤيا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ما رأى من الآيات والعبر في طريقه إلى بيت المقدس وفي بيت المقدس ليلة اسرى به وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب لإجماع الحجة من أهل التأويل على أنّ هذه الآية إنّما نزلت في ذلك(1) .
والإجماع الذي ادّعاه الطبري غير حاصل فإنّ سعيد بن المسيب وابن عباس وسهل ابن سعد فسّروا الرؤية والشجرة الملعونة ببني امية .
كما أنّ الإمام الحسن قال ذلك بعد صلحه مع معاوية في خطبته . قال القرطبي : وقرأ الحسن بن علي في خطبته في شأن بيعته لمعاوية (وإنّ أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين) (2) .
يشير الإمام (عليه السلام) إلى ما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه رأى بني امية في منامه يلون الناس فخرج الحكم من عنده فأخبر بني امية بذلك فقالوا له : ارجع فسله متى يكون ذلك .
فأنزل الله تعالى : وإن أدري اقريب ام بعيد ما توعدون وإن ادري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين يقول لبنيه (عليه السلام) قل لهم ذلك(3) .
وليس الإجماع الذي حمل الطبري على الجنوح عن هذا المذهب وإنما هو الخوف من شمول الآية لفروع كثيرة مقدسة عند القوم ولذا سارع ابن عطية فقال : وفي هذا التأويل نظر ولا يدخل في هذه الرؤيا عثمان ولا عمر بن عبدالعزيز ولا معاوية(4) .
ولو اننا تركنا مناقشته في عثمان وابن عبدالعزيز فكيف لا يدخل فيها معاوية 
ـــــــــــــــــ
(1) الطبري ، جامع البيان ، ج15 ص77 وص78 .
(2) القرطبي ، الجامع لأحكام القرآن ، ج10 ص283 .
(3) الجامع لأحكام القرآن ، ج11 ص51 وص350 .
(4) نفسه ، ج10 ص283 .

الصفحة 131
وهو اظهر مصاديق هذه الشجرة واخبث فروعها .
والشوكاني اشار إلى رؤيا المنام عرضاً وضعّف الرواية بصيغة التمريض وبعدم ذكر السند واختصار المتن اختصاراً مخلاً ثم قوله اخيراً وفيه ضعف وللإطلاع ننقل عبارته .
وقيل إنّ هذه الرؤيا المذكورة في هذه الآية هي أنّه رأى بني مروان ينزون على منبره نزو القردة فساءه ذلك فقيل إنما هي الدنيا اعطوها فسري عنه وفيه ضعف(1)ومما يدعو إلى التعجب قوله :
فإنّه لا فتنة للناس في هذه الرؤيا إلاّ أن يراد بالناس رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وحده ويراد بالفتنة ماحصل من المساءة لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أو يحمل على أنّه قد كان أخبر الناس بها فافتتنوا ....(2)
وأقول له وهل ابتلى الإسلام بفتنة أعظم من فتنة بني امية أمس واليوم ؟!!
وأقول : اليوم ! لأنّه تتحكم في حاضر المسلمين نفس العلاقات التي كانت سائدة قبلُ في حكم معاوية وعبدالملك بن مروان وهشام ولده بفارق واحد وهو أن الأخلاف ليست لهم سيطرة الأسلاف ولا قوتهم .
فلا أجد اليوم كبير فرق بين عبدالعزيز الباز الهالك وبلال بن أبي بردة وغيره من انياب الحكم الأموي وينفي الشوكاني الفتنة في رؤيا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولو أنّه تخلّى عن رواسب اللاّشعور لعلم أنّ الله تعالى لما أرى نبيّه بني امية كالقردة على منبره أخبره أنّ حكمهم على امته ما هو إلاّ الفتنة التي وردت في الآية التالية (أَحَسِبَ النّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ) فهي فتنة تاني بعد الإيمان واختبار بعد الإسلام ليميز الله الخبيث من الطيب والصادق من المنافق .
ولقد أجاب الإمام الحسين (عليه السلام) معاوية على كتابه إليه بكتاب واصفاً ولايته عليها فيه باعظم فتنة تصيب الإسلام والمسلمين . قال (عليه السلام) :
وقلت فيما قلت : لا تردن هذه الاُمة في فتنة وإني لا أعلم لها فتنة اعظم من 
ـــــــــــــــــــ
(1) الشوكاني ، فتح القدير ، ج3 ص238 .
(2) فتح القدير ، ج3 ص238 .

الصفحة 132
امارتك عليها وقلت فيما قلت : انظر لنفسك ولدينك ولأمة محمد وإني والله ما أعرف أفضل من جهادك فإن أفعل فإنّه قربة إلى ربي وإن لم أفعله فاستغفر الله لذنبي ....(1)
وقال الرازي في مفاتيح الغيب القول الثالث قال سعيد بن المسيّب :
رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بني امية ينزون على منبره نزو القردة فسائه ذلك ، وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء والأشكال المذكور(2) عائد فيه لأنّ هذه الآية مكية وما كان لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) منبر ، ويمكن أن يجاب عنه بأنّه لا يبعد أن يرى بمكة أن له بالمدينة منبراً يتداوله بنو امية(3) .
ويمكن أن يرد بهذا على الطبري الذي ادّعا اجماع الحجة في التفسير على مختاره .
لأنّ سعيد بن المسيب حجة عندهم لا يرد قوله وهو كما يقولون افقه الناس يقول ميمون بن مهران :
قدمت المدينة فسألت عن افقه أهلها فدفعت إلى سعيد بن المسيب .
وسئل الزهري ومكحول عن افقه من أدركتما ؟ فقالا : سعيد بن المسيب سليمان بن موسى : كان سعيد بن المسيب افقه التابعين .
وإذا أردت أن تعرف السرفي حصول بن المسيب على هذه الثقة وهذه المكانة العلمية فستجدها في قول مالك بن أنس .
ولد سعيد بن المسيّب في امارة عمر بن الخطاب وكان بن عمر يرسل إليه في أحاديث عمر لأنّ سعيداً كان قد نصب نفسه لقول عمر فلم يَجُزْهُ(4) . إذن هذا هو السبب الأول .
وأمّا الشجرة الملعونة قال ابن عباس رضي الله عنهما بنو امية يعني الحكم بن أبي العاص قال ورأى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في المنام أنّ ولد مروان يتداولون منبره فقص 
ـــــــــــــــــ
(1) جمهرة رسائل العرب ، ج2 ص66 .
(2) أي أنّ هذه السورة مكية وهاتان الواقعتان مدنيّتان .
(3) تفسير الرازي ، ج20 ص236 .
(4) تاريخ ابي زرعة الدمشقي ، ص182 وص183 .

الصفحة 133
رؤياه على أبي بكر وعمر وقد خلا في بيته معهما فلما تفرقوا سمع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)الحكم يخبر برؤيا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فاشتد ذلك عليه واتهم عمر في افشاء سره ثمّ ظهر أن الحكم يتسمع اليهم فنفاه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ....(1)
وإنّما خصصوا الرؤيا في الحكم بن أبي العاص فلكي يدرئوا خطر شمولها لعثمان ومعاوية بل هي في بني امية جميعاً وأما كونها سرّاً وإتهام عمر بافشائه فإنّ ذلك مردود بأن معاني القرآن لا يمكن أن تبقى سراً مكتوماً في القلوب إذ لابدّ من ظهوره في يوم من الأيام ثمّ ما وجه مراعاة اللعين الحكم ومداراته في هذا القول وهو تفسير آية من كتاب الله أمر الله نبيّه ببيانه على الحتم والوجوب وقد واجه النبي الحكم بأكثر من هذا كلعنه ومن في صلبه علناً على رؤوس الأشهاد وأمام كافة المسلمين ، وأمّا إتّهام عمر فليس من المستبعد أن يكون إتهمه على موالاته بني امية وتواطئه مع الحكم في مسئلة أخرى ولم ينف الحكم لهذا السبب بل لسبب آخر ذكره الرواة وقالوا : اطّلع على رسول الله وهو في احدى خلواته في بعض حجره ، فخرج النبي وبيده مشقص يريد أن يفقأ عينه فوجده قد هرب فقال من عذيري من هذا اللعين ثمّ نقاه عن المدينة بعد أن لعنه ومن في صلبه .
وقد مرّ عليك آنفاً أنّ الحكم كان عند النبي وسمعه يحدّث عن ملك بني امية وكل هذا يدلّ على أنّ إتّهام عمر مسئلة أخرى اجنبية عما نحن فيه .
وابن كثير تابع الطبري على قوله ونقل روايته عن الرؤيا والشجرة الملعونة وقال : وقيل المراد بالشجرة الملعونة بنو امية وهو غريب ضعيف(2) .
ويدلك على أن الشجرة اللعونة ليست هي شجرة الزقوم لعنُها لأن الله سبحانه لا يلعن خلقاً مسيّراً بأمره فاعلاً لما يراد منه بل يلعن المختار إذا عصى وترك فعل ما يراد منه .
ولذلك تراهم احتاروا في تأويل (الملعونة) فذهبوا إلى أقوال عدة لم يصب أي واحد منها وجه الحق وباعثهم على ذلك طلب التنزيه لبني امية لأنّ من هذه 
ــــــــــــــ
(1) مفاتيح الغيب ، ج20 ص237 .
(2) ابن كثير ، تفسير القرآن العظيم ، ج3 ص52 .

الصفحة 134
الشجرة فروعاً مقدسة عندهم يؤذيهم أنّ تطالهم اللعنة كذي النورين وخال المؤمنين معاوية وجدهم أبي سفيان وجدتهم هند وهكذا .
والمهم عند هؤلاء صيانة الأيمه وإن كان الحق خلافهم وإن ضحوا بالقرآن لا بتأويله وحده وأحسن قول عثرت عليه هو قول الألوسي في روح المعاني يقول :
وأخرج ابن جرير عن سهل بن سعد قال : رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بني امية ينزون على منبره نزو القردة فسائه ذلك فما استجمع ضاحكاً حتى مات عليه الصلاة والسلام وأنزل الله تعالى هذه الآية (وَمَا جَعَلْنَا الرّؤْيَا) الخ .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل وابن عساكر عن سعيد بن المسيب قال : رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بني امية على المنابر فسائه ذلك فأوحى الله تعالى إليه إنما هي دنيا اعطوها فقرّت عينه وذلك قوله تعالى : (وَمَا جَعَلْنَا) الخ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن يعلى بن مرة قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : رأيت بني امية على منابر الارض وسيملكونها فتجدونهم ارباب سوء واهتم عليه الصلاة والسلام لذلك فأنزل الله سبحانه (وَمَا جَعَلْنَا) الآية وأخرج عن ابن عمر أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال : رأيت ولد الحكم بن أبي العاص على المنابر كأنهم القردة وأنزل الله تعالى في ذلك : (وَمَا جَعَلْنَا) الخ والشجرة الملعونة الحكم وولده وفي عبارة بعض المفسرين هي بنو امية(1) .
وأخرج ابن مردويه عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت لمروان بن الحكم : سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول لابيك وجدك : أنكم الشجرة الملعونة في القرآن فعلى هذا معنى احاطته تعالى بالناس احاطة اقداره بهم ، إلى أن يقول : ومعنى جعل ذلك فتنة للناس جعله بلاءاً لهم ومختبراً وبذلك فسّره ابن المسيب وكان هذا بالنسبة إلى خلفائهم الذين فعلوا ما فعلوا وعدلوا عن سنن الحق وما عدلوا وما بعده بالنسبة إلى ما عدا خلفائهم ممن كان عندهم عاملاً وللخبائث عاملاً أو ممن كان من أعوانهم كيف ما كان .
ــــــــــــــــــ
(1) الألوسي ، روح المعاني ، ج15 ص107 .

الصفحة 135
ويحتمل أن يكون المراد ما جعلنا خلافتهم وما جعلناهم أنفسهم إلاّ فتنة وفيه من المبالغة في ذمهم ما فيه وجعل ضمير نخوفهم على هذا لما كان له أولاً أو للشجرة باعتبار أن المراد بها بنو امية ولعنهم لما صدر منهم من استباحة الدماء المعصومة والفروج المحصنة وأخذ الأموال من غير حلها ومنع الحقوق عن أهلها وتبديل الأحكام والحكم بغير ما أنزل الله تعالى على نبيّه عليه الصلاة والسلام إلى غير ذلك من القبائح العظام والمخازي الجسام التي لا تكاد تنسى ما دامت الليالي والأيام وجاء لعنهم في القرآن ، أما على الخصوص كما زعمته الشيعة أو على العموم كما نقول فقد قال سبحانه وتعالى : (إِنّ الّذِينَ يُؤْذُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللّهُ فِي الدّنْيَا وَالْآخِرَةِ) وقال عزوجل : (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولئِكَ الّذِينَ لَعَنَهُمُ اللّهُ فَأَصَمّهُمْ وَأَعْمَى‏ أَبْصَارَهُمْ) إلى آيات أخر ودخولهم في عموم ذلك يكاد يكون دخولاً اولياً .
لكن لا يخفى أنّ هذا لا يسوّغ عند أكثر أهل السنة لعن واحد منهم بخصوصه فقد صرّحوا أنّه لا يجوز لعن كافر بخصوصه ما لم يتحقق موته على الكفر كفرعون ونمرود فكيف من ليس كافراً وادّعى السراج البلقيني :
جواز لعن العاصي المعيّن ونورد دعواه بحديث الصحيحين إذا ما دعى الرجل امرأته إلى فراشه فأبت أن تجيء فبات غضبان لعنتها الملائكة حتى تصيح ...(1)
هذا هو كلام العالم الواعي الذي لا يهمه شيء سوى الظفر بالحقيقة من أي وجه كان لا ما يقوله الشوكاني كما مرّ عليك تواً فإنّه نفى أن تكون فتنة في ملك بني امية أو تكون الآية قد دلّت عليه بوجه من الوجوه ويمكن أن يقع هذا جواباً له ونسئل الله أن يعامل الألوسي بما يستحقّ من لطفه الخفي .
وأخرج بن مردويه عن الحسين به علي رضي الله عنهما : أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أصبح وهو مهموم فقيل مالك يا رسول الله ؟ فقال : إني أُريت في المنام بني امية يتعاورون منبري هذا فقيل يا رسول الله لا تهتم فإنّها دنيا تنالهم فأنزل الله وما جعلنا 
ـــــــــــــــــ
(1) الألوسي ، روح المعاني ، ج15 ص107 وص108 .

الصفحة 136
الرؤيا التي أريناك إلاّ فتنة للناس .
وقال السيوطي : والشجرة الملعونة يعني الحكم وولده(1) .
قال ابن حيان : وقيل بنو امية حتى أن من المفسرين من لا يعبر عنهم إلاّ بالشجرة الملعونة لما صدر منهم من استباحة الدماء المعصومة واخذ الأموال من غير حلها وتغيير قواعد الدين وتبديل الأحكام ولعنها في القرآن ألا لعنة الله على الظالمين إنّ الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة(2) .
وأمّا ما استشكلوا على تفسير الرؤيا بالمنام بأنّ رؤيا المنام لا فتنة فيها وما كان أحد لينكرها فقد ردّ عليهم ابن حبان بقوله :
وليس كما قال ابن عطيه فإنّ رؤيا الأنبياء حق ويخبر النبي بوقوع ذلك لا محالة فيصير اخباره بذلك فتنة لمن يريد الله به ذلك(3) .
والواقع أنّ كثيراً من الأقوال التي تفسر الآية بغير بني امية ذات سبب واحد وهو صيانة عثمان ومعاوية من الدخول في معناها لأنهما فرعان من الشجرة الملعونة . أما عثمان فلسنا الآن بصدد الكلام عنه .
وأما معاوية فهو اخبث فرع من فروع هذه الشجرة وتحضرني الآن حقيقة مرة من حقائق تنكره للدين وعدائه لسيد المرسلين وهي محاولة هدم منبر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : زاعماً أنه يريد نقله إلى الشام عقاباً لأهل المدينة على خذلانهم عثمان فلا ينبغي أن يبقى المنبر عندهم هذه حجته وهدفه هو هدم المنبر حقداً على صاحبه وعلى تلك الرؤيا التي مسخه الله فيها وأهل بيته قروداً ينزون عليه .
معاوية وعدوانه على منبر رسول الله
أراد معاوية هدم منبر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لتضييع معالم الروضة التي قال عنها (صلى الله عليه وآله وسلم) بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة(4) .
ـــــــــــــــــ
(1) السيوطي ، الدر المنثور ، ج4 ص191 .
(2) ابن حبان ، البحر المحيط ، ج6 ص55 وص56 .
(3) ابن حبان ، البحر المحيط ، ج6 ص55 وص56 .
(4) زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري ومسلم ، ج2 ص243 .

الصفحة 137
متذرعاً بحجة صبيانيه تافهة زاعماً أنّ أهل المدينة لا يستحقون وجوده بين ظهرانيهم لخذلانهم عثمان بن عفان والله يعلم أنّ هدفه الاكبر هدم المنبر ومحو آثاره ومعالمه ظاتاً يدافع من خبث سريرته أنّ زوال الآثار تدعوا إلى زوال صاحبها ولكن الله خذله حين أضله .
ذكر الطبري في تاريخه قال : قال محمد بن عمر : وفي هذه السنة أمر معاوية بمنبر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يحمل إلى الشام فحُرّك فكسفت الشمس حتى رئيت النجوم بادية يومئذ فاعظم الناس ذلك فقال : لم أرد حمله إنما خفت أن يكون أرض فنظرت إليه ثمّ كساه يومئذ .... وعن سعيد بن دينار قال : قال معاوية : إني رأيت أنّ منبر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وعصاه لا يتركان بالمدينة وهم قتلة أميرالمؤمنين عثمان وأعدائه فلما قدم طلب العصى وهي عند سعد القرض فجاءه أبو هريرة وجابر بن عبدالله فقالا : يا أميرالمؤمنين نذكّرك الله عزوجل أن تفعل هذا فإن هذا لا يصلح تخرج منبر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من موضع وضعه وتخرج عصاه إلى الشام فانقل المسجد فأقصر وزاد فيه ست درجات .
وهذه الزيادة تؤكد خبثه فما كان المنبر بحاجة إليها ولكن الغرض منها تغيير هيئته التي خلفه عليها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)(1) .
وزاد ابن الأثير في روايته مقطعاً آخر ينبيك عن حقد القرود على المنبر وصاحبه فقال بعد نقله رواية الكامل : فلما ولى عبدالملك بن مروان هم بالمنبر فقال له قبيصه بن ذؤيب : .. اذكرك الله أن تفعل أنّ معاوية حركه فكسفت الشمس وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : (من حلف على منبري فليتبوء مقعده من النار) وهو مقطع الحقوق عندهم بالمدينة فتركه عبدالملك فلما كان الوليد ابنه وحج هم بذلك فارسل سعيد بن المسيب إلى عمر بن عبدالعزيز فقال : كلّم صاحبك لا يتعرض للمنبر ولا لله والسخط له فكلمه عمر فتركه .
ولما حج سليمان بن عبدالملك أخبره عمر بما كان من الوليد فقال سليمان ما 
ــــــــــــــــــ
(1) محمد بن جرير ، الطبري ، تاريخ الرسل والملوك ، ج5 ص238 وص239 وانظر المسعودي ، مروج الذهب ، ج3 ص25 .

الصفحة 138
كنت أحب أن يذكر عن اميرالمؤمنين عبدالملك هذا ولا عن الوليد ما لنا ولهذا أخذنا الدنيا فهي في أيدينا ونريد أن نعمد إلى علم من أعلام الإسلام يوفد إليه فنحمله هذا ما لا يصلح(1) .
ويقول المسعودي في روايته فجزع من ذلك واعظمه ورده إلى موضعه .... وهذا يدلّ على أنّ المنبر اقتلع من مكانه فأحدث ردّ فعل شديد بين الناس ضرب قلب الطاغية بالخوف فردّه إلى مكانه وزاد فيه(2) وتصرّف ابن كثير في النص لصالح معاوية فحذف المؤاخذات عليه وصار يوحي بأن معاوية خضع لرأي الصحابيين أبي هريرة وجابر اللذين طلبا منه الكف عن ذلك قال : فترك ذلك معاوية ولكن زاد في المنبر ست درجات واعتذر الى الناس(3) .
ولم يهدأ حقد القرد الدفين على المنبر وصاحبه حتى صنع منبراً قدم به معه من الشام فوضعه عند باب البيت الحرام يريد أن يضاهي به منبر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) .
قال اليعقوبي : فكان أول من وضع المنبر في المسجد الحرام ..(4) لقد كان معاوية باقعة أصيب بها الإسلام ولا زالت آثاره وسننه في الدين والشريعة تحيا في حاضر الإسلام وتمزّق صفوفه وقد كان الخليفة اتخذه درعاً واقية تقي سلطان قريش من بني هاشم ومن علي خاصة وكان على علم بحقيقة معاوية وخطره على مجموع الدين وجميع المسلمين لأنّه كالنار تحرق الأخضر واليابس والضار والنافع فقواه على عمد واصطنعه على علم منه بما يجري على يديه .
 ولاية معاوية على الشام
لم يكن اختيار الشام لمعاوية اتفاقاً وصدفة بل هي خطة محبوكة وخطوة مدروسة أن يكون في هذا الجزء من البلاد ذي النظام المستقر والرخاء الدائم والحدود المصونة ثم هو بعد يتاخم حدود الروم وهي استراتيجيّة منظوره لعمر ذي 
ـــــــــــــــــ
(1) ابن الأثير ، الكامل ، ج3 ص230 وص229 .
(2) المسعودي ، مروج الذهب ، ج3 ص26 .
(3) ابن كثير ، البداية والنهاية ، ج8 ص46 وراجع ابن الجوزي المنتظم ، ج5 ص28 و227 .
(4) اليعقوبي ، تاريخ اليعقوبي ، ج2 ص222 .

الصفحة 139
الأهداف العميقة فما كان عمر وهو يضع هذا التصميم العظيم ليغفل بلاد الروم التي تشكل لمعاوية عمقاً استراتيجياً إذا شالت كفته في حربه مع على .
ولقد حدثنا التاريخ عن علاقة طيبه لمعاوية مع الروم طيلة حربه مع علي في صفين ولا تزال هذه الصفحة مغلقة لم يحاول المؤرخون كشفها إمّا لاعتقادهم عدم جدواها اليوم للحياة المعاصرة وأمّا لاقتضاء حُسْنِ الاعتقاد بمعاوية تركها طيّ الكتمان وكان معاوية يفزع إلى أخيه القيصر إذا حال بينه وبين إجراء خططه حائل .
كما فعل حين استعار السم النافع لقتل الإمام الحسن (عليه السلام) من ملك الروم .
اجل اختار عمر لمعاوية الشام وهو كما وصفه العقاد مملكة مستقلة(1) . ويصفها ابن حجر الهيثمي بأنّها : ولاية واسعة مستمرة(2) .
واختار له عمر هذه الولاية وجمعها له بعد أن عزل منها الصحابي الأمين عمير بن سعد وكان يسميه عمر (نسيج وحده) فما الذي حمله على عزله ولم تبدر منه بادرة تسئ إلى حكمه أو إلى رعيته . مع علمه بأنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال : من استعمل رجلاً من عصابة وفيهم من هوا رضى لله منه فقد خان الله ورسوله والمؤمنين(3) . وهو احد رواته وأخرجه الحاكم عن ابن عباس وقال حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ونسبه العقيلي إلى عمر بن الخطاب بعد أن اعله بحسين بن قيس واخرجه الطبراني في معجمه عن ابن عباس بسياق آخر .
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من تولّى من أمر المسلمين شيئاً فاستعمل عليهم رجلاً وهو يعلم أن فيهم من هو أولى بذلك وأعلم منه بكتاب الله وسنه رسوله فقد خان الله ورسوله وجماعة المسلمين وأخرجه الخطيب في تاريخ بغداد مرفوعاً بلفظ الطبراني(4) . فما الذي أنكر عمر من سياسة عمير بن سعد حتى يعز له ويزرع بن هند مكانه ؟
ـــــــــــــــــــ
(1) العقاد ، معاوية بن ابي سفيان ، ص215 .
(2) ابن حجر تطهير الجنان ، ص16 .
(3) راجع محمد بن يوسف بن عيسى اطفيش المغربي ، جامع الشمل ، ج2 ص134 .
(4) راجع الزيلعي ، نصب الراية ، ج4 ص62 .

الصفحة 140
 عمير بن سعد ...
لابد من احاطة أو المامة بحياة هذا الرجل الذي انتزعه عمر وأقام معاوية مقامه . كان يسمّى نسيج وحده يقال إنّ عمر لأعجابه به سماه بذلك قال ابن سيرين كان عمر من عجبه بعمير بن سعد يسميه نسيج وحده وبعثه مرة على جيش . وكان عمير صحابياً صحب النبي ولم يشهد شيئاً من المشاهد . واستعمله عمر على حمص وكان زاهداً(1) .
وكان عمير بن سعد يقول وهو امير على المنبر على حمص : ألا إنّ الإسلام حانط منيع وباب وثيق فحائط الإسلام العدل وبابه الحق فإذا نقض الحائط وحطم الباب استفتح الإسلام فلا يزال الإسلام منيعاً ، ما اشتدّ السلطان وليس شدّة السلطان قتلاً بالسيف ولا ضرباً بالسوط ولكن قضاءاً بالحق واخذاً بالعدل(2) .
ولا استبعد أن تكون هذه الكلمات صكّت مسامع عمر فآذته وحملته على انتزاعه كذلك لا استبعد أن يكون عمير عرّض بأبي بكر وعمر بالسيف والسوط . فإن سيف الأوّل لا تجهل آثاره في المسلمين فيما يسمّى بحرب الرده كما أن سوط الثاني وهي الدره معروفة للجميع يقول بعض اليهود الشعراء المعاصرين لعمر :
يـصول  ابـو حفص علينا بدرة      رويـدك  إن المرء يطفو ويرسب
كـأنك لـم تـتبع حـمولة ما قط      لـتشبع أن الـزاد شـيء محبب
فـلو كان موسى صادقاً ما ظهرتم      عـلينا ولـكن دولـة ثـم تذهب
ونـحن سبقناكم إلى المين فاعلموا      لـنا رتـبة البادي الذي هو اكذب
مـشيتم  عـلى آثارنا في طريقنا      وبغيّكم في ان تسودوا وتُرهبوا(3)
وهذا تعريض ثقيل جداً على خليفة يحمل بين جانحيه نفساً لا تتخلى عن احقادها بحال من الأحوال .
يقال : أنّ سبب العداوة بين عمر وخالد بن الوليد أنّهما اصطرعا وهما غلامان 
ـــــــــــــــــــــ
(1) الذهبي ، سير أعلام النبلاء ، ج2 ص103 وص104 وص105 .
(2) ابن سعد ، الطبقات ، ج4 ص375 .
(3) المهدي والمهدوية ، ص9 .
الصفحة 141
وكان خالد ابن خال عمر فكسر خالد ساق عمر فعولجت وجبّرت وكان ذلك سبب العداوة بينهما(1) .
وإذا كان عمر لا ينسى ما جرى عليه من خالد وهو غلام وقد غيّر الإسلام في جزيرة العرب كل شيء وآتاه الله الدنيا بحذافيرها وملكه عروش كسرى وقيصر وهو ما زال يحقد على خالد من اجل مصارعة قضت بكسر ساقه فكيف ينسى تعريض عمير به على رؤوس الأشهاد ومن رعيته وسنطلعك إن شاء الله على اُمور محيّره للعقول .. من ثم عزله يقول ادريس الخولاني : لما عزل عمر بن الخطاب عميراً بن سعد عن الشام وولّى معاوية قال الناس : عزل عمر عميراً وولّى معاوية فقال عمر : لا تذكروا معاوية إلاّ بخير ، فإني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول : اللهم إهد به(2) .
وهذه الرواية تدلّ على أنّ النقمة كانت عارمة على عمر لهذا اضطرته إلى الاعتذار وما كان عمر ليعتذر لأحد من الناس لولا ما شعر به من شدة الاعتراض هذا وإن المصيبة على عمرو على أهل الاسلام عظيمة في انتزاع صحابي زاهد نسيج وحده عن ولاية الشام وتوليه معاوية فرع الشجرة الملعونة المنافق . لذلك عمد الرواة والمؤخورون إلى صناعتهم المعروفة الوضع والدس والتبديل فزعموا أنّ عمر مات وعمير بن سعد على ولايته .
والزهري صاحب هذه المزعمة والذي يبد ولي من خلال هذا التضارب أنّ عزل عمير عن الشام أخذ مأخذه من سخط الناس ونقمتهم وقد مرّ تواً أنّ الناس لاموه فلم يعبأ بهم وبالغ في اطراء معاوية ومن المعقول جداً أن لا تنتهي هذه النقمة مادام معاوية على الشام يرتكب المحاذير ويفعل المنكرات ويخالف الشريعة الغراء .
من ثم انبرى أنصار عمر للدفاع عنه فعصبوا التهمة في جبين عثمان ليكون كبش فداء لعمر ومن قديم قال الحكيم : بجبهة العير يفدى حافر الفرس . ومن أولى من الزهري خصم بني هاشم ومبغضهم بعمر لذا راح يشيع بين الناس أن عثمان هو 
ـــــــــــــــــــ
(1) مختصر تاريخ دمشق ، ج8 ص22 .
(2) الذهبي ، سير أعلام النبلاء ، ج3 ص126 ، وابن كثير البداية والنهاية ، ج8 ص125

الصفحة 142
الذي نزع عمير وجمع الشام لمعاوية(1) . والزهري هو صاحب الزعم الثاني : أنّ معاوية لم ينفرد بالشام حتى استخلف عثمان(2) .
وهذا ينافي ما اثبته خليفة من أنّ عمر جمع الشام كلها لمعاوية واقره عثمان(3)ومثله قال اسماعيل بن اميه(4) .
ومن هذه الأمارة التي سوّدت وجه المأمور واتّهم بها الآمر استنبط الذهبي لمعاوية فضلاً وتقدماً فقال : وحسبك بمن يؤمره عمر ثم عثمان على اقليم هو ثغر فيضبطه ويقوم به اتم قيام ....(5) ونقل الذهبي في ترجمة عمير قول الزهري كانه من المسلمات فقال : فكان على الشام هو ومعاوية حتى قتل عمر(6) .
ولو ذهبنا نبحث عن السبب في ولاء الناس لعمير لوجدناه في نزاهته وامانته وفضله حتى قال ابن عمر لولده عبدالرحمن : ما كان من المسلمين رجل من أصحاب النبي افضل من أبيك(7) . واستمع إلى هذه الحكاية الغريبة التي تدلّ على نزاهة عمير وعلى تحين عمر الفرص لتخوينه تمهيداً لعزله عبدالملك بن هارون بن عنترة . حدثنا أبي عن جدي أن عميراً بن سعد بعثه عمر على حمص ، فمكث حولاً لا يأتيه خبره فكتب إليه : أقبل بما جبيت من الفيء فأخذ جرابه وقصعته وعلق إداوته وأخذ عنزته ـ عصاه ـ واقبل راجلاً فدخل المدينة وقد شحب واغبرّ وطال شعره فقال :
السلام عليك يا اميرالمؤمنين فقال ما شأنك ؟ قال : ألست صحيح البدن معي الدنيا فظن عمر أنّه جاء بمال فقال : جئت تمشي ؟ قال : نعم قال : أما كان أحد يتبرع لك بدابة ؟ قال : ما فعلوا ولا سألتهم قال : بئس المسلمون ! قال : يا عمر إنّ الله قد نهاك عن الغيبة فقال : ما صنعتَ ؟ قال : الذي جبيته وضعته مواضعه ولو نالك منه 
ــــــــــــــ
(1) الذهبي سير أعلام النبلاء ، ج3 ص135 .
(2) الذهبي سير أعلام النبلاء ، ج3 ص135 .
(3) نفسه ، ج3 ص32 وص33 .
(4) نفسه ، ج3 ص32 وص33 .
(5) سير أعلام النبلاء ، ج3 ص132 .
(6) سير أعلام النبلاء ، ج2 ص105 .
(7) نفسه ، ج2 ص559 .

الصفحة 143
شيء لايتيتك به قال : جدّدوا لعمير عهداً قال : لا عملت لك ولا لأحد فلست لنصراني اخزاك الله وذهب إلى منزله على أميال من المدينة فقال عمر : أراه خائناً فبعث رجلاً بمئة دينار وقال : أنزل بعمير كأنك ضيف فإن رأيت حالاً شديدة فادفع إليه هذه المئة .
فانطلق فرآه يغلي قميصه فسلّم فقال له عمير : أنزل فنزل فساءله وقال : كيف أميرالمؤمنين ؟ قال : ضرب ابناً له على فاحشة فمات .
فنزل به ثلاثاً ، ليس الاقرص شعير يخصونه به وبطوون ثم قال : إنّك قد اجعتنا فأخرج الدنانير ، فدفعها إليه ، فصاح وقال : لا حاجة لي بها ردّها عليه قالت المرأة : إن احتجت إليها وإلاّ ضعها مواضعها فقال : مالى شيء اجعلها فيه فشقّت المرأة من درعها فاعطته خرقة فجعلها فيها ، ثمّ خرج يقسمها بين ابناء الشهداء .
وأتى الرجل عمر ، فقال : ما فعل بالذهب ؟ قال : قال : لا أدري فكتب إليه عمر يطلبه فجاء فقال : ما صنعت الدنانير ؟ قال : وما سؤالك ؟ قدمتها لنفسي فأمر له بطعام وثوبين فقال لا حاجة لي في الطعام وأما الثوبان فإن ام فلان عارية فأخذها ورجع فلم يلبث أن مات .....(1)
ولو امتدبه العمر لذاق الأمرّين من أبي حفص وهذه الحكاية تدلّ على أنّ العلاقة بينهما بلغت حد القطيعة ولهذا اغلظ له عمير قائلاً : اخزاك الله وما كان وهو الزاهد التقي يدعو عليه بالخزي عبثاً لو لم يبلغ سكين عمر عظمه .
ولست أدري ما علة هذه الرقابة الشديدة على عمير مع ما عرف عنه من الزهد إلأنه لابليس الحرير ؟ ولا يرابي ولا يشرب الخمر كما كان يفعل معاوية أم أنّ وراء الأكمه ما ورائها أجل إنّ عمر يترصد هذا الصحابي النزيه لعله يقع منه على هفوة ليعزله ويغرس صنيعته معاوية في أرض الشام والحكاية التالية تثبت ما ذهبنا إليه .
بعثه مرّه على جيش من قبل الشام ، فوفد فقال : يا أميرالمؤمنين إنّ بيننا وبين عدونا مدينة يقال لها : عربسوس تطلع عدونا على عوراتنا ويفعلون ويفعلون فقال 
ــــــــــــــ
(1) سير أعلام النبلاء ، ج2 ص563 .

الصفحة 144
عمر : خيّرهم بين أن ينتقلوا من مدينتهم ونعطيهم مكان كل شاة شاتين ومكان كل بقرة بقرتين ومكان كل شيء شيئين فإن فعلوا فاعطهم ذلك وإن أبوا فانبذ إليهم على سواء ثم أجّلهم سنة .
فقال : اُكتب لي يا أميرالمؤمنين عهدك بذلك فعرض عمير عليهم فأبوا فأجلّهم سنة ثمّ نابذهم فقيل لعمر : أنّ عميراً قد خرّب عربسوس وفعل فتغيّظ عليه فلما قدم علاه بالدره وقال : خرّبت عرب السوس وهو ساكت فلما دخل عمر بيته ، استأذن عليه فدخل ، وأقرأه عهده ، فقال عمر ، غفر الله لك(1) .
أترى نسي عمر عهده أم هو اختلاق الأسباب لأزاحة هذا الزاهد النزيه عن درب الحكم والأتيان بالفرع الملعون لتتم الحبكة الخبيثة ضد ابناء هاشم وليت عمر واجه معاوية ببعض هذه الغلظة أو حاسبه ولو مرّة في عمره لكان معاوية نزع أوتاب عن كثير مما كان يمارس من آثام وجرائم ولكنّ عمر أحاط معاوية بعناية خاصة فلم يحاسبه ولم يعزله بل لم يعاتبه ولم يكتب إليه بكلمة نقد أو عتاب طيلة المدة التي ولاه بها على الشام وكان عمر لا يبقى عاملاً أكثر من سنة .
 عمر والعمال !!
اتخذ عمر مع عمال الولايات والأقاليم سباسة صارمه في العزل والمحاسبة فكان لا يبقى العامل أكثر من سنة فإذا عزله حاسبه حساباً عسيراً وقاسمه ماله .
حتى بعد وفاته فقد كتب في وصيته أن لا يقر له عامل أكثر من سنة إلاّ أبا موسى أربع سنين(2) .
وكان يعزل العامل بأتفه الأسباب فقد استعمل النعمان بن عدي بن نضلة على ميسان وكان يقول الشعر فقال :
ألا هل أتى الخنساء إن خليلها       بميسان يسقى في زجاج وحنتم
إذا شئت غنتني دهاقين قرية        ورقاصة تحبو على كل منسم
ـــــــــــــــــــ
(1) الذهبي ، سير أعلام النبلاء ، ج2 ص560 .
(2) ابن الجوزي ، تاريخ عمر ، ص202 ، البداية والنهاية ، ج8 ص62 ، المنتظم ج5 ص252 .

الصفحة 145
فإن كنت ندماني فبالأكبر اسقني      ولا تسقـني بالأصـغر المتثـلم
لعل امـيرالمؤمنـين يسـوئه        تـناد منـا بالجوسـق المتهـدم
فلما بلغ عمر بن الخطاب قوله قال : نعم والله إنّه يسوئني من لقيه فليخبره أني عزلته فقدم عليه رجل من قومه فأخبره بعزله فقدم على عمر فقال : والله ما صنعت شيئاً مما قلت ولكن كنت امرأً شاعراً وجدت فضلاً من قول فقلت فيه الشعر . فقال عمر : أيم الله لا تعمل لي على عمل ما بقيت وقد قلت ما قلت(1) .
وليته إذ عزل هذا المسكين على هوس الخيال ووسوسة الشعر عزل معاوية على حقيقة الشرب بالكأس الأكبر وبالروايا تنقل إليه على البغال وعمر يعلم ذلك فلا يحرك ساكناً حتى شفتيه بكلمة أمر بمعروف أو نهي عن منكر أن أمره مع معاوية لمريب وستطلع على كل غريب إن شاء الله . بل كان عمر يعزل الوالي بعد اختباره والرضاعنه باضغاث الأحلام .
عن محارب بن دثار عن عمر بن الخطاب أنّه قال لرجل قاض من أنت قال : أنا قاضي أهل دمشق ، قال : فكيف تقضي قال : أقضي بكتاب الله قال : فإذا جاءك ما ليس في كتاب الله قال : اقضي بسنة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال : فإذا جاءك ما ليس في سنة رسول الله قال : اجتهد رأيي وأوامر جلسائي قال عمر : احسنت وقال له : إذا جلست فقل : (اللهم إني أسألك أن أفتى بعلم ، اقضي بحكم ، وأسألك العدل في الغضب والرضا) قال : فسار الرجل ما شاء الله أن يسير ثم رجع إلى عمر فقال : ما ارجعك قال : رأيت الشمس والقمر تقتتلان ومع كل واحد منهما جنود من الكواكب فقال : مع أيّهما كنت قال : كنت مع القمر قال : يقول عزوجل : (وَجَعَلْنَا اللّيْلَ وَالنّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النّهَارِ مُبْصِرَةً) لا تلي لي عملاً ابداً ...(2)
وأقول : لو كان عمر مع القمر أكان يعزل نفسه ؟! ثمّ ما باله لم يستنبط مساواة القمر بالشمس من قوله تعالى : والشمس والقمر بحسبان .. فيقر المسكين على عمله . وما هذه الأبدية التي نفى بها الرجل عن كل عمل أبداً .
ـــــــــــــــــ
(1) الطبقات ، ج4 ص140 .
(2) ابن الجوزي ، عمر بن الخطاب ، ص111 وهذا الرجل يدعى حابس بن سعد الطائي الحمصى شهد صفين مع معاوية على الرجالة وقتل يومئذ ، انظر جامع المسانيد والسنن ، ج3 ص175 .

الصفحة 146
والواقع أنّ عمر يمثل الدكتاتورية المطلقة في ذلك العهد وليته استدرك بعض ما لهذا الحالم من مزايا ومنها مزية علمه بالفضاء الذي امتحنه عليه عمر فاعجبه واستعمله ولم يعزله هذا العزل المهين والرد الشين وطالما استدرك عمر على نفسه فلم يعاقب بعد أن يقضي بالعقاب .
عن محمد بن عبدالغفار قال : استعمل عمر بن الخطاب رجلاً من قريش على عمله فبلغه أنّه قال :
اسقني شربة ألذّ عليها     واسق بالله مثلها ابن هشام
فأشخصه إليه وذكر أنّه إنما اشخصه من أجل البيت فضم إليه آخر فلما قدم عليه قال ألست القائل :
اسقني شربة ألـذ عليها      واسق بالله مثلها ابن هشام
فقال نعم يا اميرالمؤمنين :
عسلاً بارداً بـماء سحاب     اننى ما أحب شرب المدام
فقال : الله قال : الله قال : ارجع إلى عملك ...(1) وكان بامكان النعمان بن عدي أن يقسم لعمر أنّه لم يشرب الخمر وأنّه قول نفث على لسانه لو أنّ عمر أراد منه ذلك خلا أنّه لم يرده لماذا ؟ لأنه لم يكن من قريش كصاحب ابن هشام ولعلّ هذا القرشي من الشجرة الملعونة التي يجد عمر لزاماً عليه غرسها في ضلوع الإسلام هذا كله يظهره عمر ويضرب ولده الحد وهو وقيذ بيده حتى الموت على شرب مزعوم ويترك لمعاوية وبني امية الحبل على الغارب بل يغريه في الشهوات حين يرضخ له ولأمه وأبيه وأهله الرضائخ من بيت المال .. لشد ما اختلف موقفاه وتباينت حالتاه .
مالان عمر مع عامل مالان مع معاوية فهذا خالد بن الوليد وهو من هو في شجاعته وجهوده العظيمة في تدعيم سرير الخلافة لعمرو من كان قبله فجرعه الأمرين ومرّغ انفه بالرغام وكانت عباراته إليه تحمل الحقد والضغينة والهزء كلما كتب إليه في شيء وكتب إليه بالسباب المقذع حين بلغه خبر دخوله الحمام وتدليكه فيه . مما استنفر الرأي العام ضده وعلم الناس أن عمر ينطوي على بغض متأصل 
ـــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ عمر ، ص10 وص109 .

الصفحة 147
لخالد ولم تقنعهم الذرائع التي نمسك بها عمر في ثلمه حتى اضطر ذات يوم إلى الإعتذار فقال : وإني اعتذر اليكم من خالد بن الوليد اني أمرته أن يحبس هذا المال على ضعفة المهاجرين فاعطاه ذا البأس وذا الشرف وذا اللسان فنزعته وأمّرت ابا عبيدة بن الجراح(1) .
ومن المعلوم أنّ الأسائة إلى خالد بلغت حداً من نفوس الناس أوجبت على عمر الاعتذار إليهم وما كان عمر يبالي بأحد فيما يقول أو يفعل لكي يعتذر إلاّ أنّ الموقف من خالد يختلف فقد أثار سخط الناس بخاصة أوليائه ومن يمت إليه بصلة فقد قام إليه حفص بن المغيرة وعمر آخذ بالاعتذار مما فعله بخالد وقال : والله اعتذرت يا عمر لقد نزعت عاملاً استعمله رسول الله واغمدت سيفاً سلّه رسول الله ووضعت لواءاً نصبه رسول الله وقطعت الرحم وحسدت ابن العم فقال عمر : إنّك قريب القرابة حديث السن مغضب في ابن عمك(2) .
ولنا أن نتسائل ما بال موقفه مع معاوية اختلف عن موقفه مع خالد مع مابين الرجلين من البون الشامع والفرق البعيد . ومن أعجب عجائبه وأغرب غرايبه وأدق مصائبه أنّه عزل عاملاً لأنه قد تعجب من تقبيل عمر بعض ولده فقال : والله ما قبلت ولداً لي قط فقال عمر فأنت والله بالناس أقل رحمة لا تعمل لي عملاً فردّ عهده(3) وكان لعمر عامل بمصر يسلك سلوك معاوية فانظر بماذا عامله عمر .
عن عاصم بن بهدله قال : كان عمر بن الخطاب جالساً مع أصحابه فمرّ به رجل فقال له : ويلاً لك يا عمر من النار فقال رجل : يا عمر ألا ضربته فقال له رجل أظنه عليًّ (رضي الله عنه) ألا سألته فقال : عليّ بالرجل فقال له : ولم ؟ قال : تستعمل العامل وتشترط عليه شروطاً فلا تنظر في شروطه قال : وما ذاك ؟ قال : عاملك على مصر اشترطت عليه شروطاً فترك ما أمرته به وانتهك ما نهيته عنه .
وكان عمر إذا استعمل عاملاً اشترط عليه أن لا يركب دابة ولا يلبس رقيقاً ولا يأكل نقياً ولا يغلق بابه عن حوائج الناس وما يصلحهم قال : فأرسل إليه رجلين ، 
ــــــــــــــــــ
(1) تاريخ عمر ، ص101 .
(2) تاريخ عمر ، ص142 .
(3) تاريخ عمر ، ص113 .

الصفحة 148
فقال : سلا عنه فإن كان كذب عليه فاعلماني وإن كان صدق فلا تملكا من أمره شيئاً حتى تأتياني به فسألا عنه فوجداه قد صدق عليه فاستأذنا ببابه فقال : إنّه ليس عليه إذن فقالا ليخرجن إلينا أو لنحرقنّ بابه وجاء أحدهما بشعلة من نار فلما رأى ذلك آذنه اخبره فخرج اليهما فقالا : أنا رسولا عمر لتأتيه ، فقال : إنّ لنا حاجة نتزود قالا ما أنت بالذي تأتي أهلك فاحتملاه فأتيا به عمر فسلّم عليه فقال : من أنت ويلك ؟ قال : عاملك على مصر وكان رجلاً بدوياً فلما أصاب من ريف مصر ابيضّ وسمن .
فقال : استعملتك وشرطت عليك شروطاً فتركت ما أمرت به وانتهكت ما نهيتك عنه أما والله لأعاقبنّك عقوبة ابلغ إليك فيها إأتوني بدرّاعه من كساء وعصا وثلثمائة شاة من شياه الصدقة فقال : أليس هذه الدراعة فقد رأيت أباك وهذه خير من درّاعته وهذه خير من عصاه إذهب بهذه الشاة فارعها في مكان كذا وكذا وذلك في يوم صائف ولا تمنع السابلة من البانها شيئاً واعلم أنّ آل عمر لم تصب من شياه الصدقة ومن البانها ولحومها شيئاً فلما أمعن ردّه فقال : افهمت ما قلت لك ؟ وردد عليه الكلام ثلاثاً فلما كان في الثالثة ضرب بنفسه الأرض بين يديه وقال : ما استطيع ذلك فإن شئت فاضرب عنقي قال : فإن رددتك فأيّ رجل تكون قال : لا ترى إلاّ ما تحب فكان خير عامل(1) .
أكان من حق هذا أن يرد ؟ بعد أن ثبتت خيانته ؟ أو كان من حقه أن ينقل من دار الأمارة إلى المرعى مع الشياه ؟
ويترك لمعاوية الشام يفعل فيه ما يشاء وقد مرّ عليك أنّ عمر شاهد نعيم معاوية وغضاضة جلده وبضاضة جسمه بام عينيه فما زاد على أن بخ بخ له وقال نحن إذن خير الناس إن جمعت لنا الدنيا والآخرة فما هو السر في معاوية الذي على اساس منه اُعفي من كل تكليف واُبيح له كل محظور . وعزل عمر زياداً لا لذنب جناه بل لكبر عقله ودهائه .
روي في الحديث أنّ زياداً بن ابي سفيان كان كاتباً لأبي موسى الأشعري فعزله عمر عن ذلك فقال له زياد : أعن عجز عزلتني يا اميرالمؤمنين أم عن خيانة ؟ فقال : لا 
ــــــــــــــ
(1) تاريخ عمر ، ص112 وص113 .

الصفحة 149
عن ذاك ولا عن هذا ولكني كرهت أن أحمل على العامة فضل عقلك(1) .
هذا ولو قيس عقل زياد إلى عقل معاوية وخبث هذا إلى خبث ذاك لكان لا شيء مقيساً إلى شيء . واحياناً تكون محاسبة عمر لعماله من النوادر المضحكة .
عن يزيد بن حبيب : أنّ كاتب عمرو بن العاص كتب إلى عمر : فكتب بسم الله ولم يكتب فيها سيناً فكتب عمر إلى عمرو : أن أضربه سوطاً فقيل له في أي شيء ضربك قال : في سيناً (كذا)......(2)
وكان الشيخ يأخذ عماله باجتناب امور حضرها الشرع على المسلم ويشدد في ذلك عليهم وتأتيه الانباء عن معاوية أنّه يفعلها بحرية تامة وعلى مسمع ومشهد من أصحاب رسول الله فلا يلقي سمعاً لذلك ويغضي عنه عامداً فما هو السر ؟
عن أبي عثمان الهدي عن عمر بن الخطاب أنّه قال : إترزوا وارتدوا وانتعلوا والقوا الخفاف والسراويلات والقوا الركب وانزو نزواً وعليكم بالمعدية والزموا الأغراض وذروا التنعم وزي العجم واياكم والحرير فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) نهى عنه ولا تلبسوا من الحرير إلاّ ما كان هكذا وأشار رسول الله باصبعيه .
ويقول لعتبة بن فرقد : اياكم والتنعم وزيّ أهل الشرك ولبوس الحرير فإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) نهانها عن لبوس الحرير إلاّ هكذا ورفع لنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أصبعيه(3).
وكان يشدد على نفسه فلا يأخذ من بيت المال إلاّ حلتين حلة في الشتاء وحلة في القيظ وما احج عليه واعتمر من الظهر وقوتي وقوت أهلي كقوت رجل من قريش ليس باغناهم ولا بافقرهم(4) كما أنّه منع قوت بعض أهله حتى كاد يهلكهم من الجوع والمخمصة .
قال الحسن : بينا عمر يمشي في سكة المدينة إذا هو بصبية تطيش على وجه الأرض تقوم مرة وتقع اُخرى فقال عمر يا ويحها يا بؤسها من يعرف هذه منكم فقال عبدالله بن عمر أو ما تعرفها يا اميرالمؤمنين قال : لا ومن هي قال : هذه احدى بناتك 
ـــــــــــــــ
(1) ابن قتيبة ، عيون الأخبار ، ج1 ص329 .
(2) تاريخ عمر بن الخطاب ، ص121 .
(3) تاريخ عمر بن الخطاب ، ص119 وص120 .
(4) نفسه ، ص96 .

الصفحة 150
قال : وأيّ بناتي قال : هذه فلانة ابنة عبدالله بن عمر قال : ويحك ما صيّرها إلى ما أرى ؟! قال : منعك ما عندك قال : ومنعي ما عندي منعك أن تطلب لبناتك ما تكسب الأقوياء لبناتهم أنّه والله مالك عندي غبر سهمك في المسلمين وسعك أو عجز عنك هذا كتاب الله بيني وبينك(1) .
هذه الحكاية إن سلمت من خيال الرواة ولا أراها تسلم لأن عمر وتاريخه مسرح لخيال الرواة عظيم فالمقصود منها التبائس دلّ على ذلك حركاتها التمثيلية وإلاّ فان نصيب عبدالله ليس نزراً إلى الدرجة التي يتهاوى عياله جوعاً وخواءاً على الثرى في المشهد العام .
اضف إلى ذلك لو كانت في بيته مجاعة لأصابت عبدالله قبل أن تصيب ابنته فلما رأيناها اجنازته علمنا أنّها إلى التمثيل اقرب . وافرض معي صحتها جدلاً وهي محمدة من محامد عمر وإنما سجلها ابن الجوزي في تاريخه للتمدح في زهده وورعه !! أجل
لكن اجدني مضطراً لنفي ذلك عنه لا لعداء شخصي او عقيدي مع الفاروق ولكن للأمانة العلمية أن الباحث أي باحث يتسائل وهو يجوب هذه الدهاليز المعتمة ما بال شدّة عمر في ذات الحكم وذات العدل طالت حتى نفسه وأهله وأسباطه وأحفاده وقصّرت عن ابن هند ما باله يحرم نفسه وأهله من الحلال الطيب ، ويمد معاوية وبني امية بالشام بالقوة والسلطان ليملأوا الكروش من كل خبث وحرام ؟!!
وما هذا العدل الغريب الذي ضاق عن رغيف خبز وقطعة شحم تعطى لابنة ولده عبدالله لكي لا تطيش على وجه الأرض واتسع لعشرة آلاف دينار(2) تدفع لمعاوية لتستحيل بعد زمان قصير إلى حرير وروايا خمر تحمل على البغال له لست أدري ؟!!!
إنّ هذا الموقف المتناقض حملني كباحث على الحياد وآلافاً مثلي على الشك في صحة رويته وسلامه نيّته ونبل مقصده !!
ــــــــــــــــــ
(1) تاريخ عمر بن الخطاب ، ص99 .
(2) ابن عبدالبر ، الاستيعاب ، ج3 ص475 .

الصفحة 151
 كتبه إلى معاوية
اعفى عمر معاوية من كل مسئولية لذلك لم تبق حاجة تدعو إلى الكتابة إليه وقد مرّ في اثناء هذا البحث كتابه المجمل بل المبهم والموجز ايجازاً متناهياً وفيه يقول : أما بعد فالزم الحق ينزلك الحق منازل أهل الحق يوم لا يقضى إلاّ بالحق والسلام(1) .
كتاب لا يتجاوز الأربعة عشر كلمة اشدّ الكتب بعداً عن المطابقة لمقتضى الحال لأن الدواعي في الكتابة المسهبة إلى معاوية متوفره لعله ينزع أو يتوب والاختصار مضر بحال المرسل والمرسل إليه كتب عمر إلى أبي موسى الأشعري :
أما بعد فإنّ للناس نفرة عن سلطانهم فاعوذ بالله أن تدركني واياك عمياء مجهولة وضفائن محمولة اقم الحدود ولو ساعة من نهار وإذا عرض لك أمران : أحدهما لله والآخر للدنيا فآثر نصيبك من الله فإن الدنيا تنفد والآخرة تبقى واخيفوا الفساق واجعلوهم يداً يداً ورجلاً رجلاً وعدّ مرضى المسلمين واشهد جنائزهم وافتح لهم بابك وباشر امورهم بنفسك فانما أنت رجل منهم غير أن الله جعلك أثقلهم حملاً وقد بلغني أنّه قد فشا لك ولأهل بيتك هيئة في لباسك ومطعمك ومركبك ليس للمسلمين مثلها فأياك يا عبدالله أن تكون بمنزلة البهيمة مرّت بواد خصيب فلم يكن لها هم إلاّ السمن وإنما حتفها في السمن واعلم أنّ العامل إذا أزاغ زاغت رعيته واشقى الناس من شقي الناس به ، والسلام(2) .
ليت هذا الكتاب أو بعضه كتبه عمر إلى معاوية لعله يصادف من ضميره ساعة صحو فيعود إلى حضيرة الحق ولكن لم يقرء ولم يسمع معاوية من عمر إلاّ لتناء والأطراء بل والأغراء في البقاء على ما هو عليه ليزداد قوة إلى قوته ترقباً لليوم الموعود .
لقد كان بعض الأشرار في خلافة الأمام اميرالمؤمنين (عليه السلام) ينالون ولاية أو 
ـــــــــــــــــ
(1) تاريخ عمر ، ص123 .
(2) ابن قيبة ، عيون الأخبار ، ج1 ص11 .

الصفحة 152
منصباً ادارياً أمثال زياد بن ابيه إلاّ أنّه أبعد ما يكونون عن الظلم وهم في أوج أمارتهم وعز سلطانهم لماذا ؟
لأن عين الأمام أميرالمؤمنين ترقبهم من عل وترصد من أفعالهم كل صغيرة وكبيرة فإذا بدرت منهم بادرة تسئ إلى الرعية اسرع الأمام إلى ردعم ومنعهم بالكتابة إليهم واعظاً أو منتزعاً أياهم من عملهم فقد كتب إلى زياد هذه الموعظة العجيبة : فدع الأسراف مقتصداً واذكر في اليوم غداً وأمسك من المال بقدر ضرورتك وقدّم الفضل ليوم حاجتك أتزجو أن يعطيك الله أجر المتواضعين وأنت عنده من المتكبّرين وتطمع وأنت متمرغ في النعيم تمنعه الضعيف والارملة أن يوجب لك ثواب المتصدقين وإنما المرء يجزي بما اسلف وقادم على ما قدّم والسلام(1) . والوعظ لا يردع زياداً ولا ينقي خبثه فكان لابد من التهديد والوعيد ، وإنّي أقسم بالله قسماً صادقاً لئن بلغني أنّك خنت من فيء المسلمين شيئاً صغيراً أو كبيراً لأشدّنّ عليك شدّة تدعك قليل الوفر ثقيل الظهر .
هكذا ينبغي أن يسلك ولي الأمر مع الوالي إذا كانت نزعاته خبيثة فهل كتب خليفة المسلمين إلى معاوية وهو أشد خبثاً من زياد شيئاً من هذا .
وإنما نقلت إليك هذه النماذج من الكتب لتزداد بصيرة في الأمر وتعرف هوادة عمر مع معاوية وسيرته الهوينى معه .
لا يقال لعل بعد المسافة بين الشام والمدينة حجبت أخبار معاوية عن عمر فما كان يعلم بها والقلم مرفوع عن الجاهل والجواب أنّ كلمة المؤرخين عن عمر واحدة بأن علمه بمن نأى كعلمه بمن بات معه على وسادة واحدة واقتفى معاوية أثره وكذلك زياد(2) بعد الذي مر بك ليكن في علمك أن الكتب التي توجّهت من عمر نادرة جداً وأكثرها لا تتجاوز بضع كلمات وجل ما فيها مواعظ كلية تصلح لكل انسان حتى السوقة وما يخص معاوية منها لا يتعدّى الأوامر الخاصة التي تعالج وضعاً من أوضاع الخلافة أو الولاية .
ـــــــــــــــــ
(1) الشيخ مغنية (رحمه الله) ، في ظلال نهج البلاغة ، ج3 ص433 وص435 .
(2) ابن حمدون ، التذكرة الحمدونية ، ج1 ص315 .

الصفحة 153
ولما كان معاوية بمعزل عن هذا وذاك طالت يده بالظلم والغشم وقد قيل في المثل من آمن العقوبة اسأ الأدب .
 محاسبة العمال
من سياسة عمر الثابتة محاسبة العمال ومقاسمتهم مالهم فقد حاسب عماله قاطبة بدءاً من أبي هريرة ومروراً بعمرو بن العاص وختاماً بسعد بن أبي وقاص يقول ابن الجوزي : وقد قاسم عمر غير واحد ماله إذ عزله منهم سعد بن أبي وقاص وأبوهريرة(1)
وكانت محاسبته أبا هريرة شديدةً قاسية ... لما قدم أبو هريرة من البحرين قال له عمر : يا عدو الله وعدو كتابه أسرقت مال الله ؟ قال ابو هريرة لست بعدو الله ولا عدو كتابه ولكني عدو من عاداهما ولم اسرق مال الله . قال : فمن اين اجتمعت لك عشرة آلاف درهم ؟ قال : خيلي تناسلت وعطائي تلاحق وسهامي تتابعت فقبضتها منه قال أبو هريرة : فلما صليت الصبح استغفرت لأمير المؤمنين ....(2)
وابن قتيبة حذف كلمات جمة من الرواية وفيها كلمات نابية كما أنّ الدرة هبطت على رأس أبي هريرة ومتنيه وانتزع منه المال انتزاعاً . وعذر أبي هريرة مضحك عن جمع المال لأنّه لم يبق على البحرين الاسنة أو أقل من ذلك فمتى تتابعت عطاياه وتناتجت افراسه ؟!؟!
لما عزل عمر خالداً وأمرّ على الجيوش أبا عبيده كتب إليه أن أنزع عمامته عن رأسه(3) وقاسمه ماله نصفين فلما قال ابو عبيدة ذلك لخالد قال له خالد : امهلني حتى استشير اُختي فذهب إلى أخته فاطمة وكانت تحت الحارث بن هشام فاستشارها في ذلك فقالت له إنّ عمر لا يحبك أبداً وأنّه سيعزلك وإن كذبت نفسك فقال لها : صدقت والله فقاسمه أبو عبيدة حتى اخذ أحدى نعليه وترك له الآخرة 
ـــــــــــــــ
(1) تاريخ عمر ، ص58 .
(2) ابن قتيبة ، عيون الأخبار ، ج1 ص54 .
(3) كان عمر و من بعده من الولاة إذا أخذوا العصاة نزعوا عمائمهم وأقاموهم للناس . شرح النهج الحديدي ، ج12 ص45 .

الصفحة 154
وخالد يقول سمعاً وطاعة لأميرالمؤمنين(1) .
هذا وحديثه مع ابن العاص حين قاسمه طريف فقد لعن عمرو زمناً صارفيه والياً لابن الخطاب قال ابن ابي الحديد : كتب عمر إلى عمرو بن العاص بعد مراجعة بينهما قد وجهت اليك محمداً بن مسلمه ليشاطرك على ما في يديك والسلام .
فلما قدم إليه محمد اتخذ له طعاماً وقدّمه إليه فأبى أن يأكل فقال : مالك لا تأكل طعامنا ؟ قال : إنّك عملت لي طعاماً هو تقدمة للشر ، ولو كنت عملت لي طعام الضيف لأكلته فابعد عني طعامك واحضر لي مالك .
فلما كان الغد وأحضر ماله جعل محمد يأخذ شطراً ويعطي عمرو شطراً فلما رأى عمرو وما حاز محمد من المال قال : يا محمد أقول : قال : قل ما تشاء قال : لعن الله يوماً كنت فيه والياً لابن الخطاب والله لقد رأيته ورأيت أباه وإنّ على كل واحد منهما .
عباءة قطوانية مؤتزراً بها ما تبلغ مأبض ركبتيه وعلى عنق كل واحد منهما حزمة من الحطب وإن العاص ابن وائل لفي مزررات الديباج(2) .
ولعل ابن العاص حمل لعمر بين دفتيه لاعج الضغينة من يومئذ فقد قدم عليه وكان والياً عى مصر فقال له : في كم سرت ؟ قال : في عشرين قال عمر : لقد سرت سير عاشق ! فقال عمرو : إني والله ما تأبطتني الأماء ، ولا حملتني في غُبّرات المآلي فقال عمر والله ما هذا بجواب الكلام الذي سألتك عنه ! وإن الدجاجة لتفحص في الرماد فتضع لغير الفحل ، وإنما تنسب البيضة إلى طرقها فقام عمرو مربّد الوجه يقول ابن ابي الحديد : وسألت النقيب أبا جعفر عن هذا الحديث في عمر فقال : إنّ عمراً فخر على عمر لأن ام الخطاب زنجيّة وتعرف بباطحلي . تسمّى صهاك فقلت له وام عمرو النابغة امة من سبايا العرب فقال : امه عربية من عنزة سبيت في بعض الغارات فليس يلحقها من النقص عندهم ما يلحق الأماء الزنجيات ....(3)
وصادر الحارث بن وهب أحد بني ليث بن بكر بن كنانة وقال له : ما قلاص 
ـــــــــــــــــــــ
(1) البداية والنهاية ، ج7 ص18 .
(2) ابن ابي الحديد ، شرح نهج البلاغة ، ج12 ص44 .
(3) شرح نهج البلاغة ، ج12 ص39 .

الصفحة 155
واعبد بعتها بمائة دينار ؟ قال : خرجت بنفقة لي فاتجرت فيها ، قال : وأنا والله بعثناك للتجارة ادّها قال : أما والله لا أعمل لك بعدها قال : أنا والله لا استعملك بعدها ...(1)قاسم هؤلاء جميعاً الفاروق وترك واحداً لم يقاسمه(2) ذلك هو معاوية لأن بين الرجلين قاسماً مشتركاً هو الخصومة الحادة والعداوة الشديدة لعلي وأهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ليس هذا فحسب بل كان يرضخ له ولأمه وأبيه من بيت المال الرضائخ الكبيرة فقد رسم له عشرة آلاف دينار في كل شهر .
وقامت إليه هند بنت عتبة بن ربيعة فسألته أن يقرضها من بيت المال أربعة آلاف درهم تتجر فيها وتضمنها فخرجت بها إلى بلاد كلب ، فباعت واشترت وبلغها أن أبا سفيان قد أتى معاوية ..... يستميحه ومعه ابنه عمر بن ابي سفيان فعدلت إليه من بلاد كلب وكان ابو سفيان قد طلقها فقال معاوية : ما أقدمك يا اماه ؟ قالت : النظر إليك يابني إنه عمر وإنما يعمل لله وقد أتاك أبوك فخشيت أن تخرج إليه من كل شيء وأهل ذلك هو ! ولكن لا يعلم عمر من أين اعطيته فيؤنبوك ويؤنبك ولا تستقيلها ابداً فبعث معاوية إلى أبيه وأخيه مأة دينار وكساهما وحمّلهما فسخطها عمر ، فقال أبو سفيان : لا تسخطها فإنّه عطاء لم تغب عنه هند ورجع هو وابنه إلى المدينة .
فساله عمر : بكم أجازك معاوية ؟ فقال : بمائة دينار فسكت عمر(3) . أما لو كان الحارث بن وهب لأوجعه ضرباً بالدرة وأخذ منه المائة . وقد عرفت قيمة مائة الدينار هذه فقد جمعها الحارث هذا من بيع فلائص واعبد !!!
ترك معاوية من دون محاسبة ولا مقاسمه فاتخذ معاوية ذلك ذريعة إلى الدعوة لنفسه وأوحى للناس أن عمر لم يتركه إلاّ لفضله على غيره . من ثم قاسم هو نفسه وأوصى بنصف ماله أن يرد إلى بيت المال .
نقل ابن كثير في كتابه (البداية والنهاية) أنّ معاوية لما احتضر أوصى بنصف ماله أن يردّ إلى بيت المال كأنه أراد أن يطيب له لأن عمر بن الخطاب قاسم 
ـــــــــــــــــ
(1) نفسه ، ج12 ص42 .
(2) نفسه ، ج12 ص42 .
(3) شرح النهج الحديدي ، ج12 ص98 .
الصفحة 156
عماله ...(1) واتفقت كلمة المؤرخين على أنّه فعل ذلك لأنّ عمر قاسم عماله واستدعت هذه العبارة عبارة أخرى لم يحررها المؤرخون وهي (ولم يقاسم معاوية) لماذا ؟ لأنّ لمعاوية وضعاً خاصاً لابد من معاوية للسياسة المستقبلية .. ولن يقف في وجه المد العلوي عند ما يكتسح هذه النفايات في طريق الخير غير معاوية . فهو العدو المعول عليه ويشارك عمر بجامع العداء لعلي من هنا عمل عمر على تثبيت جذوره الخائرة في أرض الإسلام واتخذ عدة مقدمات تؤدي حتماً إلى نتيجة واحدة هي مجيء معاوية إلى ملك الإسلام ومن أولى هذه المقدمات استخلاف عثمان أولاً ومن الأدلة التاريخية الثابتة على أن عمر يعد العدة لاستخلاف عثمان ومن بعده معاوية هذه الرواية التي رواها صاحب الطبقات .. ذكر ابن سعد أن سعيد بن العاص أتى عمر يستزيده في داره التي بالبلاط وخطط أعمامه مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال عمر : صلّ معي الغداة وغبش ثم اذكرني حاجتك قال : ففعلت حتى إذا هو انصرف قلت يا اميرالمؤمنين حاجتي التي امرتني أن اذكرها لك قال فوثب معي ثمّ قال : .. امض نحو دارك حتى انتهيت اليها فزادني وخط لي برجله فقلت : يا أميرالمؤمنين زدني فإنّه نبتت لي نابتة من ولد واهل فقال حسبك واختبئ عندك أن سيلي الأمر بعدي من يصل رحمك ويقضي حاجتك قال فمكثت خلافة عمر حتى استخلف عثمان واخذها عن شورى ورضى فوصلني وأحسن وقضى حاجتي واشركني في امانته(2) .
وقول عمر سيلي الأمر بعدي تصريح باستخلاف عثمان وفي كتب الرواية والتاريخ والسير قرائن كثيرة تدلّ على تدبير عمر لخلافة عثمان من بعده وأوصاه باستعمال معاوية(3) .
ولو لم يكن عمر جازماً بمصير الأمر إلى عثمان لما أوصاه باستعمال معاوية 
ــــــــــــــــــ
(1) البداية والنهاية ، ج8 ص14 ، مختصر تاريخ دمشق ، ج25 ص18 ، ابن الأثير ، الكامل ، ج3 ص260 ، الطبري ، ج5 ص327 .
(2) ابن سعد ، الطبقات ، ج5 ص31 . وفي كتابي «جهاد كربلاء والإنسان» عرضت عدداً من الشواهد على ذلك .
(3) ابن قتيبة ، الإمامة والسياسة ، ج1 ص113 .

الصفحة 157
بل أن سيرة عمر تدلّ على أنّه كان يمهد لعثمان في السفر والحضر عن حارثه قال : حججت مع عمر ، فسمعت حادي عمر يحدو : أنّ الأمير بعده ابن عفان(1) .
وابتدء الغرس العمري تتأشب أغصانه ، وتتكاثف فروعه ويؤتي أكله وما أكله إلاّ عثمان فهو البوابة التي تدلف منه الاموية إلى خلافة الإسلام .
وما من ريب أن خطة عمرية موضوعة في عهد أبي حفص عهد بها إلى عثمان لكي يجريها بعد حياته مضارعة لخطة الشوري . وهذه الخطة هي سبيل معاوية إلى الحكم والباحث في هذه الدهاليز المعتمة لا يزال يعثر على عبارة أو حكاية أو أثر تفصح عن نوايا القوم تجاه الحكم وحرمان أهل البيت منه كان أبن عوف وهو ورقة عثمان الرابحة موكل إليه الأيتان بعثمان إلى الحكم ثم يكون الحكم له بعد عثمان وهذا ما كشفه أميرالمؤمنين بعد البيعة حين خاطب عبدالرحمن قائلاً : نفعت الختونة ياابن عوف! ليس هذا أول يوم تظاهرتم فيه علينا! فصبرجميل والله المستعان على ما تصفون والله ما ولّيت عثمان إلاّ ليرد الأمر إليك والله كل يوم هو في شأن .
وفي غير رواية الطبري أنّ عبدالرحمن قال له : لقد قلت ذلك لعمر ، فقال (عليه السلام) : أو لم يكن ذلك كما قلت ! وفي رواية أخرى إنّ عبدالرحمن قال له : بايع وإلاّ ضربت عنقك !(2) وفي أخرى أنّ الإمام قال لعبد الرحمن : والله ما رجوت منه إلاّ ما رحى صاحبك من صاحبه دق الله بينكما عطر منشم.
والخنونة التي عناها الإمام (عليه السلام) أن عبدالرحمن زوج ام كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط وأمها أروى بنت كريز وأروى أم عثمان(3) .
وظن عبدالرحمن أنّه الفارس الرابع إذا خلّى السرج نعثل ولكن خاب تدبيره وطاش سهمه فقد استجيب للإمام فيه فدق بينه وبين عثمان عطر منشم وهي إمرأة عطاره في الجاهلية كان العرب إذا أرادوا الحرب تطيبوا من عطرها ولم يعلم أنّ السرج بعد عثمان معد للفارس المعلم (معاوية) ولم يتضح له ذلك إلاّ بعد فوات الأوان .
ــــــــــــــــ
(1) البلاذري ، أنساب الأشراف ، ج3 ص15 .
(2) شرح ابن أبي الحديد ، ج12 ص265 وص263 .
(3) شرح ابن الحديد ، ج12 ص265 وص263 .

الصفحة 158
روى اليعقوبي في تاريخه أنّ عثمان اعتل علة اشتدت به فدعا حمران بن أبان وكتب عهداً لمن بعده !! وترك موضع الأسم ثم كتب بيده عبدالرحمن بن عوف وربطه وبعث به إلى أم حبيبه بنت أبي سفيان فقرأه حمران في الطريق فأتى عبدالرحمن فأخبره فقال عبدالرحمن وغضب غضباً شديداً استعمله علانية ويستعملني سراً ونمى الخبر وانتشر بذلك في المدينة وغضب بنو امية فدعا عثمان بحمران مولاه فضربه مأة سوط وسيّره إلى البصرة فكان سبب العداوة بينه وبين عبدالرحمن بن عوف(1) .
وفي وضع الكتاب عند ام حبيبه مع وجود غيرها من امهات المؤمنين على قيد الحياة كعائشة مثلاً قرينة قوية على إرادة معاوية خلفاً في الحكم لابن عمه وهي نزعة عمريه .
لأنّ عمر أوصى عثمان باستعماله(2) ليس عاملاً فحسب بل فارساً للخلافة أيضاً وفي نثر الدرر : ثمّ استعمله عثمان برأي عمر(3) وكان معاوية يتباهى بذلك عند أهل الشام فيقول : أيها الناس قد علمتم أني خليفة أميرالمؤمنين عمر بن الخطاب(4) .
وما قال هذه العبارة إلاّ ليقول شقيقتها فقد صعد المنبر فقال : يا أيها الناس ومن كان أحق بهذا الأمر مني ؟ وهل بقي أحق بهذا الأمر مني ؟(5) صدق الرجل فلن يكون أحد لا في بني هاشم ولا في قريش أحق من صنيعة عمر وخليفته . لقد كان عمر يصف معاوية بأوصاف تحببه إلى السامع يقول : احذروا آدم قريش وابن كريمها من لا ينام إلاّ على الرضا ويضحك في الغضب ويأخذ ما فوقه من تحته(6) ورواية ابن كثير هكذا : دعوا فتى قريش وابن سيدها أنّه لمن يضحك في الغضب ولا ينال منه إلاّ 
ـــــــــــــــــــ
(1) تاريخ اليعقوبي ، ج2 ص169 .
(2) الإمامة والسياسة ، ج1 ص113 .
(3) الإمامة والسياسة ، ج1 ص421 .
(4) مختصر تاريخ دمشق ، ج25 ص30 .
(5) مختصر تاريخ دمشق ، ج25 ص42 .
(6) ابن قتيبة ، عيون الأخبار ، ج1 ص9 والبلاذري ، أنساب الأشراف ، ج5 ص55 .

الصفحة 159
على الرضا ومن لا يأخذ من فوق رأسه إلاّ من تحت قدميه(1) .
وفي رواية ابن كثير دلالة على أنّ الناس نقموا منه ولاية معاوية بعد عمير بن سعد لذلك قال لهم : دعوا فتى قريش . وحمل عمر أوصاف معاوية على كفؤ الخلافة المستحق لها بقوله : إنّ هذا الأمر لا يصلح له إلاّ اللين في غير ضعف والقوي في غير عنف(2) .
وهاتان الصفتان يرادفان صفتى معاوية يضحك في الغضب ولا ينال منه إلاّ على الرضا هذه القرائن تقنع الباحث بأن عمر يعمل تصريحاً وتلميحاً لوصول معاوية إلى عرش الخلافة بدافع الغيرة من بني هاشم والبغضاء لعلي فتاهم وسيدهم بعد رسول الله وقد ثبت بغض عمر ونصبه لعلي وهو غير خاف على أحد .
ورحم الله الشريف الرضي حين سأله معلمه ما علامة النصب في عمر قال : بغضه علي بن أبي طالب (عليه السلام)(3) .
ونقف من كلام عمر عن الإمام (عليه السلام) على أنّه بغض شديد فقد كان يتهمه بالعجب وهي صفة مذمومة لأنّها شعبة من شعب التكبر وهي لا تجامع صفة الإيمان في المؤمن يقول لابن عباس : إنّ صاحبكم إن ولي هذا الأمر أخشى عجبه بنفسه أن يذهب به ....(4)
وقال لابن عباس في حديث آخر: اتدري مامنع الناس منكم ؟ قال ـ ابن عباس ـ لا يا أميرالمؤمنين قال : لكني أدري قال : ما هو ؟ يا أميرالمؤمنين ؟ قال : كرهت قريش أن تجتمع لكم النبوة والخلافة فيجخفوا جخفاً ..(5) وإنما كان يدري لأنّه منهم بل هو صاحب هذا المذهب دون من عداه وقال له ابن عباس ذات يوم واصفاً الإمام بعد حوار بينهما : أنّ صاحبنا ما قد علمت ، أنّه ما غيّر ولا بدل ولا أسخط رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أيام صحبته له .
ــــــــــــــــــ
(1) البداية والنهاية ، ج8 ص127 .
(2) عيون الأخبار ، ج1 ص9 .
(3) شرح ابن ابي الحديد ، ج12 ص50 .
(4) شرح ابن ابي الحديد ، ج12 ص50 .
(5) شرح ابن ابي الحديد ، ج12 ص53 .

الصفحة 160
فقال عمر : ولا في ابنة أبي جهل لما أراد أن يخطبها على فاطمة ....(1) ولعل ابن عباس كان يعني عمر بقوله غير وبدل واسخط الخ . من هنا نجد عمر غاص في الحوادث ماضيها وحاضرها فلم يجد غير ابنة أبي جهل وهي قضية وضعها العدو بعد أن ماتت سيدتنا الصديقة غاضبة على عمر ولا استبعد أن تكون بايعاز منه .
والمزاج العمري من الأمزجة التي لا تتخلى عن احقادها حتى تتخلى عنها الحياة وهو حاقد على أميرالمؤمنين بل على بني هاشم أن بعث الله رسوله منهم لذلك ابت نفسه أن يجمع هذا البيت النبوة والإمامة وأباها معه قرشيون كثيرون ومنهم البيت الأموي العدو التقليدي لبني هاشم ، لذلك استنفر كل قواه العقلية وقدراته السياسية وطاقاته الخلاقة مشوبة هذه كلها بانحراف باطني قبلي عن بني هاشم حتى ادخل الأموية على الإسلام من بابه الواسع ومكّن لعثمان ليمكن لمعاوية وتتسلسل في بيته حتى نالها يزيد .. واعتقد أن شعر القاضي أبي بكر بن أبي فريعه (رحمه الله) يشير إلى هذا المعنى :
يـا مـن يـسائل دائـباً      عـن كل معضلة سخيفه
لا تـكـشـفن مـغـطأً      فـلربما كـشفت جـيفه
ولــرب مـستور بـدا      كالطبل من تحت القطيعه
إن الـجـواب لـحاضر      لـكـنني أخـفيه خـيفه
لـو  لا اعـتداد رعـية      الـفى  سـياستها الخليفه
وسـيوف  أعـداء بـها      هـامـاتنا  أبـداً نـقيفه
لـنشرت  مـن اسـرار      آل مـحمد نـكتاً طريفه
تـغـنيكم  عـمـا رواه      مـالـك  وأبـو حـنيفه
وأريـكـم  أن الـحسين      اُصـيب  في يوم السقيفه
ولأي  حــال الـحدت      بـالليل فـاطمة الشريفه
ولـما حـمت شـيخيكم      عن وطئ حجرتها المنيفه
ـــــــــــــــــــــ
(1) شرح ابن ابي الحديد ، ج12 ص51 .

الصفحة 161
آه لبنـت محمـد    ماتت يقصتها أسيفه(1)
أجل اُصيب الحسين في يوم السقيفة .
 معاوية في الحكم ..
أثر التدبير العمري ثمرة مرة كانت للمسلمين والإسلام شجىً في الحلق وقذىً في العين وانجلت غمرة السياسة العمرية التي غطت طبقاتها عالم الإسلام كله شامه وعراقه وحجازه ومصره وهكذا انجلت عن حكم معاوية بعد احداث دامية مريعة صبغت وجه البلاد بالحمرة القاتمة .
وما تناول معاوية الحكم إلاّ بعد سياسات وحروب نقض بها ومن أعانه أحكام الإسلام نقضاً بل أبدلها بأحكام من لدنه يمكن اعتبارها مسوخاً للأحكام الصحيحة .
وأول مفاجئة استقبل بها الاُمة المشرأبة إلى حكمه والمتجمهرة حول منبره وفي أول جمعة صلاها بالنخيلة قوله : ما قاتلتكم لتصوموا ولا لتصلّوا ولا لتحجوا ولا لتزكّوا قد عرفت أنّكم تفعلون ذلك ولكن إنما قاتلتكم لأتأمر عليكم فقد أعطاني الله ذلك وأنتم له كارهون(2) .
واتبع هذه الكلمات ذات الدلالات الواسعة بمثلها في أول خطبة خطبها بالمدينة . لما قدم معاوية المدينة عام الجماعة تلفته رجال من وجوه قريش فقالوا : الحمد لله الذي اعز نصرك وأعلى أمرك فما ردّ عليهم جواباً حتى دخل المدينة ، فقصد المسجد وعلا المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أما بعد فأني والله ما وليت أمركم حين وليته إلا وأنا أعلم أنّكم لا تسرون بولايتي ولا تحبونها وأني لعالم بما في نفوسكم ولكني خالستكم بسيفي هذا مخالسة ولقد رمت نفسي على عمل ابن أبي قحافة فلم أجدها تقوم بذلك وأردتها على عمل ابن الخطاب فكانت عنه أشدّ نفوراً وحاولتها على مثل سنيّات عثمان فابت على ....(3) لقد أخبر الصادق الأمين (صلى الله عليه وآله وسلم)
ـــــــــــــــــــ
(1) الاربلي ، كشف الغمة ، ج2 ترجمة الصديقة الطاهرة .
(2) مختصر تاريخ دمشق ، ج25 ص43 ، سير أعلام النبلاء ، ج3 ص147 ، البداية والنهاية ، ج8 ص134 .
(3) مختصر تاريخ دمشق ، ج25 ص45 ، سير أعلام النبلاء ، ج3 ص148 ، البداية والنهاية ، ج8 ص135 .

الصفحة 162
امته أن معاوية سيلي أمرهم ويعتلي منابرهم وينزو على منبره هو والقردة من بني امية ثمّ طلب منهم قتله إذا رأوه على منبره .
.. عن أبي سعيد مرفوعاً إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه(1) وعن أبي سعيد أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال : إذا رأيتم معاوية على هذه الأعواد فاقتلوه فقام إليه رجل من الأنصار وهو يخطب بالسيف فقال أبو سعيد : ما تصنع ؟ قال سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول : إذا رأيتم معاوية يخطب على الأعواد فاقتلوه فقال له أبو سعيد : إنا قد سمعنا ما سمعت ولكنا نكره أن يسل السيف على عهد عمر حتى نستأمره فكتبوا إلى عمر في ذلك فجاء موته قبل أن يجيء جوابه(2) .
وعنه أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال : إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه(3) .
وهذا الحديث من أعلام النبوة وهو صحيح لا ريب في ذلك ولكنّ شيعة ابن آكلة الأكباد من قبيل ابن كثير والذهبي وابن عساكر وغيرهم ضعفوه بأقوال واهية كبيوت العنكوبت كقول ابن كثير : .. وهذا الحديث كذب بلا شك ولو كان صحيحاً لبادر الصحابة إلى فعل ذلك لأنهم كانوا لا تأخذهم في الله لومة لائم(4) .
وأقول لابن كثير إنّ الصحابة الذين عصوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في جيش اسامة حتى لعنهم وخالفوه في كتاب يوم الخميس حتى غضب عليهم وطردهم شرّ طرده والذين خفوا للقافلة يوم الجمعة والنبي يخطبهم حتى ذكرهم الله في السورة وذكر انصرافهم إلى اللهو والتجارة .
فإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضّوا إليها وتركوك قائماً هم أنفسهم الذين خالفوه في قتل معاوية بل هم إلى المخالفة والعصيان بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أقرب منهم إليها والنبي على قيد الحياة .
وخيالك يابن كثير في الصحابة فج وهو أقرب إلى خيال المرضى والمرهّقين .
وما قنع القوم برد الحديث حتى اختلقوا صحابياً لم يخلقه الله سبحانه ليكون 
ــــــــــــــــــــ
(1) الذهبي ، سير أعلام النبلاء ، ج3 ص149 .
(2) مختصر تاريخ دمشق ، ج25 ص46 .
(3) مختصر تاريخ دمشق ، ج25 ص46 .
(4) البداية والنهاية ، ج8 ص133 .

الصفحة 163
ستراً لمعاوية قال المسكين الذهبي : ويقال هو معاوية بن تابوه المنافق !!! وأنت أخي القارئ إذا لم يستبد بك الضحك الذي هو شر من البكاء وشر البلية ما يضحك فاعلم بأن معاوية بن تابوه هذا لم تر عيناه النور ولم يخلقه الله لحد الآن ولست أدري إن كان سيخلفه أو لا ولابد من أن يسبق خلقه والدٌ اسمه تابوه وأخيراً نقول لهم : هذا الحرير كثير على الرمة البالية .
ولم يكفهم هذا حتّى وضعوا حديثاً لتحريفه وتصحيفه كذبوا به على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ونسبوه إلى جابر وقال عنه الذهبي اسناده مظلم .
عن جابر مرفوعاً : إذا رأيتم معاوية يخطب على منبري فاقبلوه فإنّه أمين مأمون(1) .
وكما صارت الباغية الطالبة ولا أشبع الله بطنه فسره بعض المحبين قال : لا أشبع الله بطنه حتّى لا يكون ممن يجوع يوم القيامة لأن الخبر عنه أنّه قال : أطول الناس شبعاً في الدنيا أطولهم جوعاً يوم القيامة ..(2)
أقول : كما غيّرت دار ضرب الحديث وتحريفه وتصحيفه هذه الأحاديث الشريفة من القدح إلى المدح فقد ضُربت مسكوكةٌ حديثية وفيها بدل اقتلوه اقبلوه ولكنها راجت في سوق المغفلين ، أما نحن فنقول لهذه الدار وأربابها تبوءوا مقعدكم من النار .
ومن أجل هذا الحديث الذي أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيه بقتل معاوية من رآه على منبره عادى معاوية منبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فأراد انتزاعه ولكن الله صانه من عبث اليد الحائية وظل مرشداً إلى الروضة المباركة المتدفقة بالسناء والسنا بينه وبين القبر اجيالاً بعد أجيال وحقباً بعد أخرى وهكذا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وقد مرّ جانب من ذلك طيّ هذا البحث .
غرس ابن هند رجليه في الحكم وزالت عن وجهه العراقيل وتوطدت اركان دولته وابتدأ حكمه بشراء الذمم وأول ذمة اشتراها ذمة ام المؤمنين عائشة فقد 
ـــــــــــــــــــ
(1) الذهبي ، سير أعلام النبلاء ، ج3 ص150 .
(2) الذهبي ، سير أعلام النبلاء ، ج3 ص123 .

الصفحة 164
أرسل إليها ثمانية عشر ألف دينار(1) وقال عروة : بعث معاوية مرّة إلى عائشة بمئة ألف ....(2)
ولما استتب الأمر إليه أوعز إلى عماله على الأمصار والولايات أن يأخذوا الناس بالشدة ويرهبوهم بالعنف والقسوة ولا يتركوا لشخص حرمة مهما كانت مكانته في الإسلام الامن والاه وأهل بيته وأن يشددوا النكير على شيعة أهل البيت ولا تأخذهم فيهم هواده وأوصاهم بقتلهم وتشريدهم في البلاد وأقل ما يسلكه الوالي معهم هو حرمانهم من أدنى مستويات العيش وأبسط الحقوق .
وسار حكام اقاليمه وعماله وامراء ولاياته على النهج الذي اختطه لهم لا يخرمون منه حرفاً واحداً وزادوا عليه بما املته عليهم طبائعهم الإجرامية ونشروا الظلم في البلاد حتى ضرب كل حي بأعصاره بل طال حتى الأموات .
وكانت حصة العراق من هذا وذاك أوفر الحصص لانه بلد التشيع الأول وفيه أنصار أميرالمؤمنين عليه الصلاة والسلام .
وهو منطلق الفيالق الضاربة التي الحقت بمعاوية هزيمة فاضحة لو لا أن تداركهابحيلة رفع المصاحف يوم صفين . وتركّزت عدوانية معاوية وعماله على الكوفة خاصة فكانت تعيش في خلافة معاوية وتحت ظل الأمراء الموفدين إليها كالمغيرة بن شعبة وزياد أتعس أيامها وأقسى ظروف عيشها .
وحباها معاوية بزياد ابن ابية فولغ في الدم وخوّض فيه حتى الحزام ويمكن للباحث أن يتميز الحكم زمن معاوية في السمات التالية .
سماة حكم معاوية العامة
1 ـ المكايده ..
بدء معاوية حكمه بالمكايده وجعلها السمة البارزة له .
قدم المدينة فدخل المسجد وسعد بن أبي وقاص جالس إلى ركن المنبر 
ــــــــــــــــــــ
(1) سير أعلام النبلاء ، ج3 ص154 .
(2) سير أعلام النبلاء ، ج3 ص154 .

الصفحة 165
فصعد معاوية المنبر فجلس في مجلس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال له سعد : يا معاوية اجهلت فنعلمك أم جننت فنداويك ؟ فقال : يا أبا اسحاق إني قدمت على قوم على غير تأهب لهم وأنا باعث إليهم باعطياتهم إن شاء الله فسمع الناس كلام معاوية ولم يسمعوا كلام سعد وانصرف الناس وهم يقولون كلمه سعد في العطاء فأجابه إليه(1) .
في هذه الرواية أكثر من تسائل يحملنا على التوقف في قبولها وأوله إن كان سعد عاتبه على جلوسه في مجلس النبي فقد سبقه عثمان إليه اللهم إلاّ أن نقول بأن معاوية فعل على المنبر فعلاً مستهجناً أوجب عتاب سعد له وهذا أدنى إلى القناعة والرضا .
والكيد سمةٌ غالية على طباع معاوية في السلم والحرب كان حريث مولاه يلبس بزّة معاوية ويستلئم سلاحه ويركب فرسه ويحمل متشابهاً بمعاوية فإذا حمل قال الناس : هذا معاوية(2) .
وانتهج حياته كلها سياسة الكيد وكان نصب عينيه لبلوغ اغراضه لا يتحاشى من فعل يبلّغه مرامه وإن كان فيه منقصة عليه وكأنه يعمل بسياسة اليهود الغاية تبرر الواسطة وهذه مواقف له تعرب عن عظيم كيده والكيد شرخصال ابليس وقد انخذه معاوية دأباً وديدنا .
مكايدة ابن عمر
كتب إلى ابن عمر : أما بعد فإنه لم يكن أحد من قريش أحب إلي أن يجتمع الناس عليه منك بعد عثمان فذكرت خذلك اياه وطعنك على انصاره فتغيّرت لك وقد هوّن ذلك عليّ خلافك على علي وطعنك عليه وردّني إليك بعض ما كان منك فاعنا يرحمك الله على حق هذا الخليفة المظلوم فإني لست أريد الإمارة عليك ولكني اريدها لك فإن ابيت كانت شورى بين المسلمين .
فعلم عبدالله ابن عمر أنّها مكيدة من معاوية فكتب جوابه ، أمّا بعد ، فإن الرأي 
ـــــــــــــــــ
(1) الأبي ، نثر الدر ، ج4 ص134 .
(2) الدينوري ، الأخبار الطوال ، ص176 .

الصفحة 166
الذي اطمعك فيّ هو الذي صيّرك إلى ما صيّرك تركت علياً في المهاجرين والأنصار وتركت طلحة والزبير وعائشة واتبعك فيمن اتبعك وأمّا قولك إني طعنت على علي فلعمري ما أنا كعلي في الإسلام والهجرة ومكانه من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولكن أحدث أمراً لم يكن الينا فيه من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عهد ففزعت إلى الوقوف وقلت إن كان هذا فضلاً تركته وإن كان ضلالة فشر منه نجوت فأغن عني نفسك(1) .
أحسن ابن عمر في الرد إلى نفسه وأساء إلى الحق لأنّه إن كان التوقف في الاُمور المحدثة قد اتخذه منهجاً له فكان عليه أن يتوقّف في حروب الردة وفي بيعة ابيه وفي الشورى التي احدثها أبوه وهكذا حيث أنّها اُمور أحدثت بعد النبي ولم يكن إليهم فيها من رسول الله عهد .
والواقع إنّ الذي حمل ابن عمر على ترك البيعة هو الحلم الذهبي الذي راود أجفانه أن يزف على عروس الخلافة بعد عثمان كغيره من الحاملين فلما فتح عينيه على الخيبة وتبخرت أحلامه اسرحسواً في ارتغاء وأعلن ترك البيعة للإمام (عليه السلام) .
مكايدة ابن عباس
وكتب إلى إبن عباس كما كتب إلى ابن عمر كيداً منه أما بعد فإنّكم معشر بني هاشم لستم إلى أحد أسرع منكم بالمسائة إلى أنصار عثمان فإن يكُ ذلك لسلطان بني امية فقد ورثها عدي وتيم وقد وقع من الأمر ما قد ترى وأدالت هذه الحرب بعضنا من بعض حتى استوينا فيها فما اطمعنا فيكم وما ايأسكم منا أياسنا منكم وقد رجونا غير الذي كان وخشينا دون ما وقع ولستم ملاقينا اليوم بأحد من حدكم أمس وقد منعنا بما كان منا الشام وقد منعتم بما كان منكم العراق فاتقوا الله في قريش فما بقي من رجالها إلاّ ستة : رجلان بالشام ورجلان بالعراق ورجلان بالحجاز فأما اللذان بالحجاز فسعد وعبدالله بن عمر وأما اللذان بالشام فأنا وعمرو وأما اللذان بالعراق فعلي وأنت .
ومن الستة رجلان ناصبان لك وآخران واقفان عليك وأنت رأس هذا الجمع 
ـــــــــــــــــــ
(1) الإمامة والسياسة ، ج1 ص89 .

الصفحة 167
اليوم وغداً ولو بايع الناس لك بعد عثمان كنا اسرع إليك منا إلى علي .
قال وذكروا أنّه لما أتى كتاب معاوية إلى ابن عباس ضحك ثم قال : حتى متى يخطب إلي معاوية عقلي ؟ وحتى متى اجمجم له عما في نفسي ؟ فكتب إليه :
أما بعد فقد جائني كتابك فأما ما ذكرت من سرعتنا بالمساءة إلى أنصار عثمان . لسلطان بني امية فلعمري لقد أدركت في عثمان حاجتك لقد استنصرك فلم تنصره حتى صرت إلى ما صرت إليه وبيني وبينك في ذلك ابن عمك وأخو عثمان الوليد بن عقبة وأما قولك : إنّه لم يبق من رجال قريش غير ستة فما أكثر رجالها وأحسن بقيّتها وقد قاتلك من خيارها من قاتلك ولم يخذلنا إلاّ من خذلك وأما أغراءك إيّانا بعدي وتيم فأبوبكر وعمر كانا خيراً منك ومن عثمان كما أنّ علياً خير منك وأما قولك : إنّا لا نلقاك إلاّ بما لقيناك به فقد بقي لك منا يوم ينسيك ما قبله وتخاف له مابعده وأما قولك : إنّه لو بايعني الناس استقمت فقد بايعوا علياً وهو خير مني فلم تستقم له وإن الخلافة لا تصلح إلاّ لمن كان في الشورى فما أنت والخلافة ؟ وأنت طليق الإسلام وابن رأس الأحزاب وابن آكلة الأكباد من قتلى بدر (كذا) ....(1) وحيث أنه جبل على الكيد والحيلة فقد كان يكايد في كل صغيرة وكبيرة .
وقد كان في حجج معاوية في اتخاذ المقصورة بعد ضرب البرك اياه بالسيف أنّه ابصر كلباً على منبره(2) .
مكايدة ابن العاص
وكايد عمراً بن العاص بعد ما أعطاه مصر طعمة فكتب إليه وهو على مصر : أما بعد فإن سؤال أهل الحجاز وزوار أهل العراق قد كثروا علي وليس عندي فضل من أعطيات الجنود فاعنّى بخراج مصر هذه السنة .
فكتب إليه عمرو :
معاويَ إن تدركك نفس شحيحة     فما ورّثتني مصر امي ولا أبي
ــــــــــــــــ
(1) ابن قتيبة ، الإمامة والسياسة ، ج1 ص100 .
(2) الجاحظ ، كتاب الحيوان ، ج2 ص161 .

الصفحة 168
وما نلته عفواً ولـكن شرطتها       وقد دارت الحرب العوان على قطب
ولولا دفاعي الأشعري وصحبه      لألفـيتها تـرغو كراغيـة السقـب
فلما رجع الجواب إلى معاوية تذمم فلم يعاوده في شيء من أمرها(1) .
ومن أجل هذا الطبع المكايد في معاوية ظل ابن العاص الذي لا يقصر عنه كيداً على حذر منه يعرّض به إذا اجتمعا وعلى رؤوس الأشهاد احياناً .
قال معاوية يوماً لجلسائه وعنده الضحاك بن قيس الفهري وسعيد بن العاص وعمرو بن العاص ويزيد ابنه : ما أعجب الأشياء ؟ فقال الضحاك : إكداء العاقل وخفض الجاهل وقال سعيد : أعجب الأشياء ما لم يُر مثله وقال عمرو : أعجب الأشياء غلبة من لاحق له ذا الحق .
فقال معاوية : اعجب من ذلك أن تعطي من لاحق له ما ليس له بحق من غير غلبة .
قال يزيد : أعجب الأشياء هذا السحاب الراكد بين السماء والأرض لا يدعمه شيء(2) .
ولم تطب العلاقة بين الرجلين لتكافىء الخبث في نفسيهما فكان كل واحد منهما يريد الغلبة على صاحبه ويعلم ما عنده فيخشاه لذلك قال معاوية لعمرو بن العاس : هل غششتني منذ وتصحتني ؟ قال : لا قال : بلى يوم اشرت علي بمبارزة علي وأنت تعلم من هو ! فقال عمرو : دعاك رجل عظيم الخطر إلى المبارزة فكنت من مبارزته على احدى الحسنيين إما أن قتلته فقد قتلت قتّال الأقران وازددت شرفاً إلى شرفك وخلوت بملكك ، وأما إن قتلك فتتعجل مرافقة الشهداء والصديقين والصالحين قال معاوية : .. لهذه اشدّ علي من الأولى فقال عمرو : أفكنت من جهادك في شك فتكون منه الساعة قال : دعني منك الآن(3) .
ــــــــــــــــــــ
(1) الأخبار الطوال ، ص222 .
(2) أبو حيان التوحيدي ، البصائر الذخائر ، ج1 ص33 .
(3) السيد المرتضى ، الأمالي ، ج1 ص291 .

الصفحة 169
 مكايدته مروان بن الحكم ..
وذكروا أنّ معاوية دعى مروان فقال : يا مروان إنّ الأشتر قد غمني فأخرج بهذه الخيل فقاتله بها غداً فقال مروان : ادع لها عمراً فإنّه شعارك دون دثارك قال معاوية : وأنت نفسي دون وزيري قال مروان : لو كنت كذلك الحقتني به في العطاء والحقته بي في الحرمان ولكنك اعطيته ما في يدك ومنيّتني ما في يد غيرك فإن غلبت طاب المقام وإن غُلبت خف عليك الهرب قال معاوية يعني الله عنك قال : أما اليوم فلا ....(1)
علم مروان بنية معاوية فامتنع لأن معاوية أراد أن يتخلص منه بالقائه بين فكي الأسد وكان مروان شديد المعارضة له مدلاً عليه بقربه من عثمان .
ولما طلب معاوية مبايعة عمرو له أجابه عمرو لا والله لا اعطيك من ديني حتى آخذ من دنياك قال معاوية : صدقت ، سل تُعطه قال عمرو : مصر طعمة فغضب مروان بن الحكم وقال : مالي لا اشترى ، فقال معاوية : اسكت يا ابن عم فانما يشترى لك الرجال فكتب معاوية لعمرو : مصر طعمة ..(2)
ولم تفارق معاوية الموجدة على مروان فقد حج بالناس مروان سنة ثمان واربعين وهو يتوقع العزل لموجدة كانت من معاوية عليه وارتجع معاوية منه فدك وكان وهبها له(3) ، فما هذه الموجدة ؟
لا استبعد أن تكون على أثر إبائة البيعة ليزيد فقد كان مروان عامله على المدينة فكتب إليه يذكر الذي قضى الله به على لسانه من بيعة يزيد ويأمره أن يجمع من قبله من قريش وغيرهم من أهل المدينة ثم يبايعوا ليزيد .
فلما قرأ مروان كتاب معاوية أبى من ذلك ، وأبته قريش فكتب لمعاوية : إنّ قومك قد أبوا اجابتك إلى بيعة ابنك فارأ رأيك فلما بلغ معاوية كتاب مروان عرف أنّ ذلك من قبله فكتب إليه يأمره أن يعتزل عمله ويخبره أن قد ولّى المدينة سعيد بن 
ــــــــــــــــــ
(1) الإمامة والسياسة ، ج1 ص99 .
(2) الإمامة والسياسة ، ج1 ص88 .
(3) ابن الأثير ، الكامل ، ج 3 ص227 .

الصفحة 170
العاص فلما بلغ مروان كتاب معاوية أقبل مغاضباً في أهل بيته وناس كثير من قومه حتى نزل بأخواله بني كنانة فشكا إليهم وأخبرهم بالذي كان من رأيه في أمر معاوية وفي عزله واستخلافة يزيد ابنه من غبر مشوره مبادرة له فقالوا : نحن نبلك في يدك وسيفك في قرابك فمن رميته بنا اصبناه ومن ضربته بنا قطعناه الرأي رأيك ونحن طوع يمينك ثمّ اقبل مروان في وفد منهم كثير ممن كان معه من قومه وأهل بيته حتى نزل دمشق فخرج فيهم حتى أتى سدّة معاوية وقد اذن للناس فلما نظر الحاجب إلى كثرة من معه من قومه وأهل بيته منعه من الدخول فوثبوا إليه فضربوا وجهه حتى خلّى عن الباب ثم دخل مروان ودخلو معه(1) ودار بينه وبين معاوية كلام اغضب معاوية فنافقه وقال له في آخر كلامه :
فأنت نظير أميرالمؤمنين بعده وفي كل شدّة عضده وإليك عهد عهده فقد ولينك قومك واعظمنا في الخراج سهمك وأنا مجيز وفدك ومحسن رفدك وعلى أميرالمؤمنين غناك والنزول عند رضاك فكان أول ما رزق الف دينار في كل هلال وفرض له في أهل بيته مئة منه ...(2) .
وكان معاوية ينافق مروان احياناً لعلمه بما تنطوي عليه دخيلته من الخبث والذي اطمع مروان بالخلافة هي معاريض معاوية فيه نفاقاً ودهاءاً عن قبيصه بن جابر قال : بعثني زياد في شغل إلى معاوية فلما فرغت من أموري قلت : يا اميرالمؤمنين لمن يكون الأمر بعدك ؟ فسكت ساعة ثم قال : يكون بين جماعة أما كريم قريش سعيد ابن العاص واما فتى قريش حياءاً ودهاء وسخاءاً عبدالله بن عامر وأما الحسن بن علي فرجل كريم وأما القارئ لكتاب الله الفقيه في دين الله .. الشديد في حدود الله مروان بن الحكم وأما رجل فقيه عبدالله بن عمر وأما رجل يتردد الشريعة مع الدواهي السباع ويروغ روغان الثعلب فعبدالله بن الزبير(3) .
قال عبدالله بن الزبير يوماً لمعاوية بشأن مروان : يا معاوية ، لا تدع مروان يرمي الجماهير بمشاقصة ويضرب صفاتهم بمعوله لو لا مكانك لكان أخف على رقابنا من 
ــــــــــــــــــــــ
(1) الإمامة والسياسة ، ج1 ص152 وص151 .
(2) الإمامة والسياسة ، ج1 ص151 وص152 .
(3) البداية والنهاية ، ج8 ص88 .
الصفحة 171
فراشه وأقل على أنفسنا من خشاشة وأيم الله لئن ملك أعنّة الخيل تنقاد له ليركبنّ منك طبقاً تخافه .
فقال معاوية : إن يطلب هذا الأمر فقذ طمع فيه من هو دونه وإن يتركه يتركه لمن فوقه(1) .
ولقد صدق ابن الزبير فإن مروان يضمر لمعاوية الشر ، ويخافه معاوية ، فهو يدار به ويراوغه ويطمعه بالأمر بعده بالمعاريض التي لا تجدي فتيلاً ومروان معها كالقابض على الماء .
أما الفقه الذي نعت به معاوية مروان فلا أحد يعرفه اللهم إلاّ ما أخرجه بن قتيبة عن أبي بكر بن حفص بن عمر قال : كان مروان بن الحكم امير المدينة فقضى في رجل فزّع رجلاً فضرط بأربعين درهماً(2) . ولا أدري لمن قضى بالدراهم له أو للمفزّع .
مكايدة الزبير ..
أظهر معاوية بالشام أنّ الزبير بن العوام قادم عليهم وأنه يبايع له فلما بلغه خروج الزبير وطلحة إلى الجمل أمسك عن ذكره فلما بلغه قتل الزبير قال : يرحم الله أبا عبدالله أما أنه لو قدم علينا لبايعنا له وكان أهلاً أن نقدّمه لها(3) .
مكايدة أهل الشام
ما آمن معاوية برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) طرفة عين كان الحقد عليه والحسد له ولأهل بيته يمزقان احشائه صباح مساء وطالما اطلق عليه الكنية التي كانت تطلقها امه (ابن ابي كبشة)(4) ولكنه أمام أهل الشام يقوم لرجل منهم وكان شيخاً مسناً قد بلغ التسعين 
ـــــــــــــــــــ
(1) الأبي ، نثر الدرر ، ج3 ص177 .
(2) ابن قتيبة ، عيون الأخبار ، ج1 ص73 .
(3) مختصر تاريخ دمشق ، ج25 ص21 .
(4) انظر شرح ابن ابي الحديد ، ج5 ص130 .

الصفحة 172
فقيل له : اتقوم لهذا ؟ فقال : إنّ فيه شبهاً من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأنا أقوم للنبي(1) .
وكان يظهر في أسواق دمشق على بغلة خلفه وصيف قد اردفه عليه قميص مرفوع الجيب(2) يظهر للناس بمظهر الزاهد المنقشف .
مكايدة شرجيل بن السمط الكندي
وشرجيل هذا من رجال اليمن شجاعة ونجدة وهو ذو تأثير واضح على رجال كنده وهم رجال الحرب في الشام ولما أراد معاوية أن يحمله على الطلب بدم عثمان معه أرسل إليه ليأتيه . ثمّ وطّن له الرجال على طريقه كله يخبرونه بأن علياً قتل عثمان وكانوا من أهل الرضا عنده .
مثل يزيد بن اسد وبسر بن ارطاه وسفيان بن عمرو وخارق بن الحارث وحمزة بن مالك وحابس بن سعد وغير هؤلاء من أهل الرضا عند شرجيل بن السمط فوطّنهم له على طريقه فكان يلقى الرجل بعد الرجل من هؤلاء في طريقه فيخبرونه أنّ علياً ما لأعلى قتل عثمان ثم اشربوا قلبه ذلك فلما دنى من دمشق أمر معاوية أشراف الشام باستقباله فاستقبلوه وأظهروا تعظيمه فكان كلما خلا برجل منهم ألقى إليه هذه الكلمة فأقبل على معاوية مغضباً فقال :
أبى الناس إلاّ أن ابن ابي طالب قتل عثمان والله لئن بايعته لنخرجنك من الشام . فقال معاوية : ما كنت لأخالف أمركم وإنما أنا واحد منكم ....(3) (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) .
مكايدة قتل عمار ..
تواتر عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قوله لعمار بن ياسر (تقتلك الفئة الباغية) وآخر شربه تشربها ضباع من لبن وقد كان ذوالكلاع سمع ذلك من عمرو بن العاص فكان ذوالكلاع يقول لعمرو : ويحك ! ما هذا يا عمرو ؟! فيقول له عمرو : إنه سيرجع إلينا 
ـــــــــــــــ
(1) ابو حيان التوحيدي ، البصائر والذخائر ، ج3 ص147 .
(2) سير أعلام النبلاء ، ج3 ص152 ، مختصر تاريخ دمشق ، ج25 ص53 .
(3) الأخبار الطوال ، ص159 بتصرف .

الصفحة 173
قال : فلما اُصيب عمار بعد ذي الكلاع قال عمرو لمعاوية : ما أدري بقتل أيهما أنا . أشدّ فرحاً بقتل عمار أو ذي الكلاع والله لو بقي ذوالكلاع بعد قتل عمار لمال بعامة أهل الشام ولأفسد علينا جندنا عن يعقوب بن راهط قال : اختصم رجلان في سلب عمار وفي قتله فأتيا عبدالله بن عمرو بن العاص ليتحاكما إليه فقال لهما : ويحكما أخرجا عني فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال ولعت قريش بعمار مالهم ولعمار ؟ عمار يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار قاتله وسالبه في النار قال : فبلغني أنّ معاوية قال : إنما قتله من أخرجه يخدع بذلك أهل الشام(1) ويظهر من هذا أنّ أهل الشام على جانب عظيم من البلة فهلاّ قالوا له إذا صحّت دعواك هذه فإن دماء أهل الشام في عنقك لأنك أنت الذي اخرجتهم .
والحديث الشريف متواتر ما في ذلك ريب ولكنّ بعض أولياء معاوية انكروا تواتره واعترفوا باستفاضته وشهرته وهو من أعلى أنواع الصحيح عندهم وما أكثر من رواه من العدو والصديق .
عن حنظلة بن خويلد قال : بينا هو عند معاوية إذ جاءه رجلان يختصمان في قتل عمار فقال لهما عبدالله بن عمرو : ليطب كل واحد منكما نفساً لصاحبه بقتل عمار فأني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول : تقتله الفئة الباغية فقال معاوية لعمرو :
ألا تنهى عنا مجنونك هذا ؟ ثم أقبل معاوية على عبدالله فقال له : فلم تقاتل معنا ؟ فقال : إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أمرني بطاعة والدي ما كان حياً وأنا معكم ولست أقاتل(2) .
لقد بث معاوية الكيد والمكر والحيلة في شيعته فهاهم ينسجون على منواله ويسخرون بالأمة بتلاعبهم بالعبارات وتصحيفهم الكلمات ليعفوّا على عقولها اسناداً لمعاوية وتعذيراً له . وأول من فتح لهم هذا الباب إمامهم ابن آكلة الأكباد فقال لما سمع الحديث عن الفئة الباغية : إنما نحن الفئة الباغية ! التي تبغي دم عثمان(3) .
ـــــــــــــــــ
(1) البداية والنهاية ، ج7 ص279 .
(2) البداية والنهاية ، ج7 ص280 .
(3) الإمامة والسياسة ، ج1 ص110 .

الصفحة 174
وجاء بعده المغفلون ينزهّون القاتل ويزعمون أنّه صحابي بدري(1) ليحظى برفع التكليف ويذهب دم عمار هدراً ويأبى الله إلاّ أن يدخل قاتله ومن أعانه ورضي بقتله في نار جهنم وبئس المصير .
ولابد من كلمة أخيرة نقولها للصحابي المتنطع عبدالله بن عمرو الذي الجئه على حضور القتال طاعة أبيه لو صدق الرجل والله يعلم أنّه الكاذب الطامع بالسحت الذي يصيبه من ابن هند أقول لوكان صادقاً فلم لم يطع أباه حين دعاه إلى الأكل في أيام متى قال :
إني صائم ثم الثانية فكذلك ثم الثالثة فقال : لا إلا أن تكون سمعته من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال : فأني سمعته من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)(2) .
ايطيع أباه في قتال المسلمين وقتل عمار ولا يطيعه في افطار يوم حرام صومه لأنه من أيام التشريق ؟!!
مكايدة عبيدالله بن عمر قاتل الهرمزان ..
خاف عبيدالله بن عمر من القصاص في خلافة الإمام (عليه السلام) لأنه قاتل الهرمزان وهو أمرئ مسلم وكان الإمام (عليه السلام) قد تهدده بالقصاص ففرّ إلى معاوية .
فكان معاوية يتمنّى قتله لخوفه من التفات أهل الشام عليه لأنه ابن عمر من هنا أعمل الحيلة في هلاكه فدعاه ذات يوم فقال : إنّ علياً كما ترى في بكر بن وائل قد حامت عليه فهل لك أن تسير في الشهباء ؟ قال : نعم .
فرجع عبيدالله إلى خبائه فليس سلاحه ثم أنّه فكّر وخاف أن يقتل مع معاوية على حاله فقال له مولىً له : فداك أبي ! إنّ معاوية إنّما يقدّمك للموت إن كان لك الظفر فهو يلي وإن قتلت استراح منك ومن ذكرك فاطعني واعتل قال : ويحك قد عرفت ما قلت فقالت له امرأته بحريه بنت هانئ مالي أراك مشمراً ؟ قال : أمرني اميري أن اسير في الشهباء قالت : هو والله مثل التابوت لم يحمله أحد قط إلاّ قتل 
ـــــــــــــــــــ
(1) البداية والنهاية ، ج6 ص220 .
(2) ابن سعد ، الطبقات ، ج4 ص264 .

الصفحة 175
أنت تقتل وهو الذي يريد معاوية قال :
اسكتي والله لأكثرنّ القتل في قومك اليوم فقالت : لا يقتل هذا خدعك معاوية وغرك من نفسك وثقل عليه مكانك قد ابرم هذا الأمر هو وعمرو ابن العاص قبل اليوم فيك لو كنت مع علي أو جلست في بيتك كان خيراً لك قد فعل ذلك أخوك وهو خير منك قال اسكتي وهو يتبسم ضاحكاً لترينّ الأسارى من قومك حول خباءك هذا قالت : والله لكأني راكبة دابتي إلى قومي اطلب جسدك أواريه إنك مخدوع إنما تمارس قوماً غلب الرقاب فيهم الحرون ينظرونه نظر القوم إلى الهلاك .
لو أمرهم بترك الطعام والشراب ما ذاقوه قال : اقصري من العذل فليس لك عندنا طاعة .
فرجع عبيدالله إلى معاوية فضم إليه الشهباء وهم إثنا عشر الفاً وضمّ إليه ثمانية آلاف من أهل الشام فيهم ذوالكلاع في حمير .
فقصدوا يؤمون علياً فلما رأتهم ربيعة جثوا على الركب وشرعوا الرماح حتى إذا غشوهم ثاروا إليهم واقتتلوا اشد القتال ليس فيهم إلاّ الأسل والسيوف وقتل عبيدالله وقتل ذوالكلاع والذي قتل عبيدالله زياد بن خصفة التيمي وقال معاوية لأمرأة عبيدالله : لو أتيت قومك فكلمتهم في جسد عبيدالله بن عمر فركبت اليهم ومعها من يجيرها فأتتهم فانتسبت فقالوا : قد عرفناك مرحباً بك فما حاجتك ؟ قالت : هذا الجسد الذي قتلتموه فأذنوا لي في حمله فوثب شباب من بكبر بن وائل فوضعوه على بغل وشدّوه واقبلت امرأته إلى عسكر معاوية فتلقّاها معاوية بسرير فحمله عليه وحفر له وصلّى عليه ودفنه ثمّ جعل يبكي ويقول : قتل ابن الفاروق في طاعة خليفتكم حيّاً وميّتاً فترحموا عليه وإن كان الله قد رحمه ووفقه للخير قال : تقول بحريه وهي تبكي عليه وبلغها ما يقول معاوية فقالت : أما أنت فقد عجلت له يتم ولده وذهاب نفسه ثم الخوف عليه لما بعد اعظم ....(1)
ـــــــــــــــــ
(1) الطبقات ، ج5 ص17 وص18 .

الصفحة 176
 مكايدة الجوهره ..
بعث زياد إلى معاوية بهدايا مع عبيدالله أخي الأشتر النخعي وفي الهدايا سفط فيه جوهرة لم يُر مثلها فقدم عبيدالله بالهدايا ثم قال : يا أميرالمؤمنين إنّ زياداً بعث معي بسفط ما أدري ما فيه وأمرني أن أدفعه إليك في خلاء فقال : أحضره فلما فتحه قال : ما أظن رجلاً آثر هذا على نفسه إلاّ سيؤثره الله تعالى بالجنة ارجع به إليه فإن من قبله من المسلمين أحق بهذا من معاوية ثم كتب إلى زياد : إنك رفعت عليّ راية الاشتر حين وضعها الله بعثت مع أخيه بسفط يشهد به علىّ عند أهل العراق فاردده إلي مع رجل لا يفقه عني ولا أفقه عنه فردّه إليه زياد مع غلام من غلمانه(1) .
 مكايدة رفع المصاحف ..
يقال إنها مكيده عمرو والواقع أنها ليست عفو الساعة منهم بل هي مكيدة دبّرت من أول القتال وبقيت طيّ الكتمان حتى آن أوانها بعد أن لاحت إرهاصات الهزيمة في جند الشام قال الطبري :
فلما رأى عمرو بن العاص أن أمر أهل العراق قد اشتد وخاف في ذلك الهلاك قال لمعاوية : هل لك في امر اعرضه عليك لا يزيدنا إلاّ اجتماعاً ولا يزيدهم إلاّ فرقة ؟ قال : نعم قال : نرفع المصاحف ثم نقول ما فيها حكم بيننا وبينكم فإن أبى بعضهم أن يقبلها وجدت فيهم من يقول : بلى ينبغي أن نقبل فتكون فرقة تقع بينهم وإن قالوا : بلى نقبل ما فيها رفعنا هذا القتال عنا وهذه الحرب إلى أجل أوالي حين فرفعوا المصاحف بالرماح وقالوا : هذا كتاب الله عزوجل بيننا وبينكم من لثغور اهل الشام من بعد أهل الشام ومن لثغور أهل العراق من بعد أهل العراق ! فلما رأى الناس المصاحف قد رفعت قالوا نجيب إلى كتاب الله عزوجل وننيب إليه(2) .
وللقضية تفصيل مهم ولطالب المزيد الرجوع إلى المسعودي في تاريخه وابن 
ـــــــــــــــــــ
(1) التذكرة الحمدونية ، ج1 ص416 .
(2) الطبري ، تاريخ الرسل والملوك ، ج5 ص48 .

الصفحة 177
الأعثم في فتوحه وابن الأثير في كامله وابن خلدون في العبر واليعقوبي والبدء والتاريخ والبداية والنهاية وغيرها من كتب التاريخ واستطاع ابن هند أن يخدع المغفلين بهذا الكيد ولكنّ الإمام (عليه السلام) كشف كيده للناس وقال :
عباد الله امضوا إلى حقكم وصدقكم وقتال عدوكم فإن معاوية وعمراً ابن العاص وابن ابي معيط وحبيب بن مسلمة وابن أبي سرح والضحاك بن قيس ليسوا باصحاب دين ولا قرآن أنا أعرف بهم منكم صحبتهم أطفالاً وصحبتهم رجالاً فكانوا شر اطفال وشر رجال ويحكم والله إنهم ما رفعوها إنهم يقرأونها ولا يعملون بما فيها وما رفعوها إلاّ خديعة ودهاءاً ومكيده ....(1)
مكايدة أهل مكة في بيعة يزيد
حشد معاوية كل مخزون كيدي في ذاته . موصولاً بالغدر والكذب وشراء الذمم وكان لا يبخل على ذمة يريد شراءها في البيعة ليزيد بشيء وسل التاريخ ما هي حكاية الطوق الذي ارسله معاوية إلى عائشة يقول عطاء : قدمت عائشة مكة ، فأرسل إليها معاوية بطوق قيمته مئة ألف فقبلته ..(2)
إنّ هذا الطوق شفيع مشفّع عند ام المؤمنين لكن ألا يحق للمرء أن يسأل من لا يجيب لماذا هذا الطوق ؟ ولست واجداً مجيباً بسهولة اللهم إلاّ إذا امعنت نفشاً في التاريخ وفليت مفاوزه واحدة أثر أخرى فستعثر على السبب المباشر لهذا الطوق في بيعة يزيد إنّ ابن هند يريد من يضمن له رضا عائشة بهذه البيعة أو سكوتها على أقل تقدير عنها فماوجد أصحّ ضماناً من الذهب الأبريز بخاصة إذا كان طوقاً على الاعناق.
وخطب معاوية بالمدينة فذكر يزيد فمدحه وقال : من أحق منه بالخلافة في فضله وعقله وموضعه وما أظن قوماً بمنتهين حتى تصيبهم بوائق تجتث أصولهم وقد أنذرت إن أغنت النذر ثم أنشد متمثلاً :
ـــــــــــــــ
(1) ابن كثير ، البداية والنهاية ، ج7 ص284 .
(2) مختصر تاريخ دمشق ، ج25 ص64 .

الصفحة 178
قد كنت حذرتك آل المصطلق      وقلت يا عمرو اطعني وانطلق
إنك قد كلفـتني ما لم اطـق       ساءك ما سرّك مني من خلق
دونك ما استسقيته فاحس وذق
ثم دخل على عائشة وقد بلغها أنه ذكر الحسين وأصحابه فقال : لأقتلنهم إن لم يبايعوا فشكاهم إليها فوعظته وقالت : بلغني إنك تتهددهم بالقتل فقال : يا أم المؤمنين هم أعز من ذلك ولكني بايعت ليزيد وبايعه غيرهم افترين أن أنقض بيعة قد تمت ؟! قالت فارفق بهم فإنّهم يصيرون إلى ما تحب إن شاء الله ، قال : افعل(1) .
ولا تفوتنك الدلالة في قولها يصيرون إلى ما تحب !! يعني بيعة يزيد . فهي من الراضين بها وتعد معاوية برضا اشد الناس إنكاراً ونقمة عليه وترشده إلى سياسة الهوينى واللين ليصل إلى الغاية من البيعة وهذا كله بشفاعة الطوق طبعاً .
اكـرم  به اصفر راقت صفرته      جـوّاب  آفـاق ترامت سفرته
مـأثـورة  سـمعته وشـهرته      قـد اودعـت سرّ الغنى اسرته
وقارنت  نحج المساعي خطرته      وحـببت الـى الأنـام غُـرته
كـأنما  مـن الـقلوب نـقرته      بـه يـصول من حوته صرته
......................      يـا  حـبذ انـصاره ونضرته
كـم  أمـر بـه استنبت امرته      ومـترف لـولاه دامت حسرته
وجـيش هـم هـزمته كـرته      وبـدرتـم  أنـزلـته بـدرته
وكـم اسـير اسـلمته اسـرته      انـفذه  حـتى صـفت مسرته
وحـق مـولىً ابـدعته فطرته      لولا التقى القلت جلّت قدرته(2)
بعد محاولات جرت من معاوية عمادها الترغيب والترهيب لم يصل من المعارضين إلى غايته فأعيته الحيلة وعرف أن لا سبيل إلى استقطابهم فعمد إلى تجاوزهم وأخذ البيعة من الناس ولكن بما أن للمعارضين وفيهم الإمام الحسين (عليه السلام)تأثيراً كبيراً على سواد الأمة الأعظم هُرع إلى الحيلة والكيد كما هي عادته .
ـــــــــــــــــــ
(1) الكامل في التاريخ ، ج3 ص251 .
(2) مقامات الحريري ، ص28 .

الصفحة 179
بعد أن كلمهم وكلّموه وأشار عليه ابن الزبير بثلاث لكي يأخذ بأحدها فردّها جميعاً ثم قال : فأني قد أحببت أن اتقدم اليكم أنه قد أعذر من انذر إني كنت اخطب فيكم فيقوم اليّ القائم منكم . فيكذبني على رؤوس الناس فاحمل ذلك واصفح واني قائم بمقالة فاقسم بالله لئن رد علي أحدكم كلمة في مقامي هذا لا ترجع إليه كلمة غيرها حتى يسبقها السيف إلى رأسه فلا يبقين رجل إلاّ على نفسه ثمّ دعى صاحب حرسه بحضرتهم فقال :
اقم على رأس كل رجل من هؤلاء رجلين ومع كل واحد سيف فإن ذهب رجل منهم يرد على كلمة بتصديق أو تكذيب فلبضرباه بسيفهما ثمّ خرج وخرجوا معه حتى رقى المنبر فحمد الله واثنى عليه ثمّ قال :
إنّ هؤلاء الرهط سادة المسلمين وخيارهم لا يُبتز أمر دونهم ولا يقضى إلاّ عن مشورتهم وانهم رضوا وبايعوا ليزيد فبايعوا على اسم الله فبايع الناس وكانوا يتربصون بيعة هؤلاء النفر ثم ركب رواحله وانصرف إلى المدينة فلقى الناس اولئك النفر فقالوا لهم زعمتم أنكم لا تبايعون فلم رضيتم واعطيتم وبايعتم ؟ قالوا والله ما فعلنا فقالوا : ما منعكم أن تردّوا على الرجل ؟ قالوا : كادنا وخفنا القتل(1) .
وهذه ليست بيعة بل هي داهية دهماء من دواهي الكيد بالإمامة ولنا أن نسئل عبدالله بن عمر وهو أحد المعارضين واحد من كادهم معاوية وسلط عليهم السيف في حرم الله .
أهذه البيعة التي سمّاها بيع الله ورسوله أم أن بينه وبين معاوية صفقة خاصة لا نعلمها ويذكر عنه أنّه دعا بنيه وجمعهم لما ابتز أهل المدينة يزيد وخلعوه فقال : إنا بايعنا هذا الرجل على بيع الله ورسوله وإني سمعت رسول الله يقول : إنّ الغادر ينصب له لواء يوم القيامة ...(2)
ــــــــــــــــــــ
(1) ابن الأثير ، الكامل ، ج3 ص252 والقضية لشهرتها ذكرها جل المؤرخين .
(2) ابن سعد ، الطبقات ، ج4 ص183 .

الصفحة 180
وكاد ربه في يزيد أيضاً
فقد كان يخطب ويقول في خطبته : أللهم إن كنت تعلم أني وليته ـ يزيد ـ لأنه فيما أراه أهل لذلك فأتمم له ما وليته وإن كنت وليته لأني أحبه فلا تتمم له ما وليته(1) .
وهذا كيد عظيم يفوق كيد ابليس إذ يخال السامع أنّ الرجل لحسن نيته ونقاء حقيقته وعظيم نصحه للمسلمين أو كل الأمر إلى الله ، فإذا تمت البيعة ليزيد كان الله سبحانه هو الذي تولّى عقدها لعلمه بصلاحه وإن لم تتم فالله دفعها عنه لعدمه .
وهذا الذي ذكرناه غيض من فيض وقطرة من مياه معاوية الأسنة وهناك نماذج كثيرة أعرضنا عنها لاقتضائها منا جهوداً اضافية منها قصة أرينب بنت اسحاق ولو لا اني مرتاب بها لذكرتها وقد عبّرت عن رأيي فيها في كتابي (حجة الشيعة الكبرى) فالتمسها هناك .
بهذا الكيد الرخيص حكم معاوية الاُمة وعاشت تحت ظله فكانت تعبّ من هذه الأخلاق الردئية ما شائت وتتلون شخصيتها بهذه الألوان القاتمة المقيتة لأن الرعية على دين ملوكها ولقد عاش معاوية عمره كله على هذا النمط المسترذل .
يقول اليعقوبي : وكان أكثر فعله المكر والحيلة(2) .
السمة الثانية الغدر ..
اعتبر اولياء ابن هند سمة الغدر صفة فاضله فيه فقد تمدّحوا بها ونعتوه من أجلها بالدهاء وصيّروه أحد دهاة العرب الخمسة(3) . وأول من مدحه وسمّى غدره دهاءاً عمر بن الخطاب حيث يقول : تذكرون كسرى وقيصر ودهائهما وعندكم معاوية . وقد مرّ هذا القول في أثناء الكتاب وهذا الدهاء الذي أعجب الخليفة وباهى به كسرى وقيصر هو الغدر الذي قال عنه أميرالمؤمنين (عليه السلام) :
ــــــــــــــــــــــ
(1) البداية والنهاية ، ج8 ص83 .
(2) تاريخ اليعقوبي ، ج2 ص238 .
(3) ابن كثير ، البداية والنهاية ، ج8 ص105 .

الصفحة 181
والله ما معاوية بادهى مني ولكنه يغدر ويفجر ولو لا كراهة الغدر لكنت من أدهى الناس ولكن لكل غدرة فجرة وكل فجرة كفرة ولكل غادر لواء يعرف به يوم القيامة والله ما استغفل بالمكيدة ولا استغمز بالشديدة(1) .
ويقول عن المكر والغدر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كما روى عنه قيس بن سعد فقال : لولا اني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول : المكر والخديعة في النار لكنت من أمكر هذه الأمة(2) .
أول غدر دشّن به ملكه هو غدره بالإمام الحسن بعد أن أعطاه شروط الصلح التي ذكر بعضها الدينوري في الأخبار الطوال : وهي أن لا يأخذ من أهل العراق بأحنه وأن يؤمن الأسود والأحمر ويحتمل ما يكون من هفواتهم ويجعل له خراج الأهواز مسلماً كل عام ويحمل إلى أخيه الحسين بن علي في كل عام الفي ألف ويفضل بني هاشم في العطاء والصلات على بني امية .
فكتب عبدالله بن عامر بذلك إلى معاوية فكتب معاوية جميع ذلك بخطه وختمه بخاتمه وبذل عليه العهود المركبة والإيمان المغلظة واشهد على ذلك جميع رؤساء الشام ووجه به إلى عبدالله بن عامر فأوصله إلى الحسن (رضي الله عنه) فرضي به وكتب إلى قيس بن سعد بالصلح ....(3)
والسيد ابن عقيل (رحمه الله) نقل شروط الصلح باوسع مما ذكره الدينوري وقال : أخذها من فتح الباري شرح صحيح البخاري ومن تاريخ أبي جعفر الطبري ومن الكامل لإبن الأثير وغيرها لتعلم ما الجأ الإمام الحسن (عليه السلام) إلى ذلك الصلح وما نكث معاوية من عهوده إلى أن يقول :
وعلم الحسن أنّه لن تغلب احدى الفئتين حتى يذهب أكثر الاُخرى فكتب إلى معاوية يخبره أنّه يصيّر الأمر إليه على شروط يشترطها فرضي معاوية بعد مراجعة في بعضها ثم تصالحا على أن تسلّم إلى معاوية ولاية المسلمين على أن يعمل فيها 
ـــــــــــــــــــــ
(1) ابن عقيل ، النصائح الكافية لمن يتولىّ معاوية ، ص205 .
(2) البداية والنهاية ، ج8 ص105 .
(3) الأخبار الطوال ، ص218 .

الصفحة 182
بكتاب وسنّة نبيّه وسيرة الخلفاء الراشدين المهديين(1) .
وليس لمعاوية أن يعهد إلى أحد من بعده عهداً بل يكون الأمر من بعده شورى بين المسلمين وعلى أن الناس آمنون حيث كانوا من أرض الله تعالى في شامهم ويمنهم وعراقهم وحجازهم وعلى أن أصحاب علي وشيعته آمنون على أنفسهم وأموالهم وأولادهم ونسائهم حيث كانوا لا يطلب أحد منهم بشيء كان في أيام علي وأن لا يبتغي للحسن ابن علي ولا لأخيه الحسين ولا لأحد من أهل بيت رسول الله غائلة سراً ولا جهراً ولا يخيف أحداً منهم في افق من الآفاق على معاوية بذلك عهد الله وميثاقه وكفى به شهيداً وزاد ابن الأثير أنّه يعطيه ما في بيت المال الكوفة وخراج دارا بجرد من فارس ليرضى بذلك من لا يرضيه إلاّ المال وأن لا يشتم علياً (عليه السلام) فأجابه إلى ذلك كله إلاّ شتم علي فإنّه التزم أن لا يشتمه والحسن يسمع وإلاّ أنّه قال أمّا عشرة أنفس فلا أومنهم فراجعه الحسن فيهم فكتب إليه يقول :
إني قد آليت أني متى ظفرت بقيس ابن سعد أن اقطع لسانه ويده فراجعه الحسن أني لا ابايعك أبداً وأنت تطلب قيساً أو غيره بتبعة قلّت أو كثرت فبعث إليه معاوية برق أبيض وقال اكتب ما شئت وأنا التزمه ثمّ اعطاه معاوية عهداً بذلك واصطلحا ثمّ قال السيد ابن عقيل (رحمه الله) :
وتحقق بذلك الصلح قوله عليه وآله الصلاة والسلام مما أخرجه الحاكم : ما اختلفت أُمة بعد نبيها إلاّ ظهر باطلها على حقها ( قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا ) ثم لم يف معاوية بالعمل بكتاب الله وسنة رسوله ونقض الميثاق بأنه لا يعهد إلى أحد من بعده فعهد بالخلافة لابنه السكير الخمير ولم يترك شتم علي حتى والحسن والحسين حاضران وسلط عليهما عامله مروان بالمدينة يجرعهما ما يجرّعهما من الاذى وحتى قتل الحسن بالسم كما مر ذكره ولم يف له بخراج دارا بجرد فإنّ أهل البصرة منعوه عنه وقالوا : فيئنا لا نعطيه أحداً وكان منعهم بأمر معاوية أيضاً قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من اثناء حديث أخرجه الطبراني في الكبير عن ابن 
ــــــــــــــ
(1) أقول : وهل أوصل معاوية إلى سدّة الحكم الاسيرة الخلفاء ولكن الإمام يعني سيرة أبيه ولذا وصفهم بالمهديين .

الصفحة 183
عباس (رضي الله عنه) ألا إنّه لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له ومن نكث ذمة الله طلبه ومن نكث ذمتي خاصمته ومن خاصمته فلجث عليه ومن نكث ذمتي لم ينل شفاعتي ولم يرد عليّ الحوض .
خطب معاوية أهل الكوفة : يا أهل الكوفة اتروني قاتلتكم على الصلاة والزكاة والحج وقد علمت أنكم تصلون وتزكون وتحجون ولكني قاتلتكم لأتأمر عليكم وألي رقابكم وقد آتاني الله ذلك وأنتم كارهون ألا إنّ كل مال أو دم اصبت في هذه الفتنة مطلول وكل شرط شرطته فتحت قدمي هاتين ....(1)
يقول ابن قتيبة وكان سليمان ابن صرد قد عاتب الإمام الحسن على رضاه بالصلح واشار إلى غدر معاوية بقوله :
وزعم على رؤوس الناس ما قد سمعت ، إني كنت شرطت لقوم شروطاً ووعدتهم عدات ومنيّتهم اماني ارادة اطفاء نار الحرب ومداراة لهذه الفتنة إذ جمع الله لنا كلمتنا والفتنا فإن كل ما هنالك تحت قدمي هاتين ووالله ما عنى بذلك إلاّ نقض ما بينك وبينه ....(2)
غدره بمروان ...
كتب معاوية إلى مروان بن الحكم وكان عامله على المدينة يعلمه باختيار يزيد ومبايعته اياه بولاية العهد ويأمره بمبايعته واخذ البيعة له على من قبله فلما قرأ مروان ذلك خرج مغضباً في أهل بيته وأخواله من بني كنانة حتى أتى دمشق فنزلها ودخل على معاوية يمشي بين السماطين حتى إذا كان منه بقدر ما يسمعه صوته سلّم وتكلم بكلام كثير يوبخ به معاوية منه :
أقم الأمور يا ابن ابي سفيان واعدل عن تأميرك الصبيان واعلم أنّ لك من قومك نظراء وإن لك على مناواتهم وزراء فقال له معاوية : أنت نظير أميرالمؤمنين وعدته في كل شديدة وعضده والثاني بعد ولي عهده وجعله وليّ عهد يزيد وردّ
ــــــــــــــ
(1) انظر ، النصائح الكافية ، ص193 وص194 .
(2) الإمامة والسياسة ، ج1 ص141 ويقول الطبري في حوادث السنة احدى وأربعين : فلم ينفذ للحسن (عليه السلام) من الشروط شيئاً ، الطبري ، ج5 ص163 .

الصفحة 184
إلى المدينة ثم أنّه عزله عنها وولاها الوليد بن عتبة بن ابي سفيان ولم يف لمروان ما جعله له من ولاية عهد يزيد بن معاوية(1) .
غدره بعاشق ..
ربما وجد معاوية من يعتذر عنه بأن السياسة من مقوّماتها خلو علاقاتها من وجود القيم والمثل العليا فلا غرابة في غدر السياسي إذا وجد من الاصلح بتوجيه الاُمور وتقويم الرعية أن يغدر ولكن ما معنى الغدر على المستوى الأخلاقي المجرّد فهذا معاوية لتأصل صفة الغدر فيه يغدر حتى على المستوى الأخلاقي .
ذكر ابن كثير قصة غريبة وقال : ذكرها ابن الجوزي في كتابه المنتظم بسنده وهو أنّ شاباً من بني عذرة جرت له قصة مع ابن ام الحكم وملخصها :
أنّ معاوية بينما هو يوماً على السماط إذا شاب من بني عذرة قد تمثل بين يديه فانشده شعراً مضمونه التشوّق إلى زوجته سعاد فاستدناه معاوية واستحكاه عن أمره فقال :
يا أميرالمؤمنين إني كنت مزوجاً بابنة عم لي وكان لي ابل وغنم وانفقت ذلك عليها فلما قل ما بيدي رغب عني ابوها وشكاني الى عاملك بالكوفة ابن ام الحكم وبلغه جمالها فحبسني في الحديد وحملني على أن اطلقها فلما انقضت عدتها اعطاها عاملك عشرة آلاف درهم فزوجه اباها وقد اتيتك يا اميرالمؤمنين وأنت غياث المحزون الملهوف المكروب وسند المسلوب فهل من فرج ! ثم بكى وانشأ يقول :
في  القلب مني نار      والـنار فيها شرار
والحسم  مني نحيل      واللون فيه اصفرار
والعين تبكي بشجو      فـدمـعها مـدرار
والحب  ذا عبر فيـ      ـه الـطبيب يـحار
حـملت فيه عظيماً      فما  عليه اصطبار
فـليس لـيلي بليل      ولا  نـهاري نهار
ــــــــــــــــــ
(1) مروج الذهب ، ج3 ص28 .
الصفحة 185
قال : فرق له معاوية وكتب إلى ابن ام الحكم يؤنبه على ذلك ويعيبه عليه ويأمره بطلاقها قولاً واحداً فلما جاءه كتاب معاوية تنفّس الصعداء وقال : وددت أنّ أميرالمؤمنين خلّى بيني وبينها سنة ثم عرضني على السيف وجعل يؤامر نفسه على طلاقها فلا يقدر على ذلك ولا تجيبه نفسه وجعل البريد الذي ورد عليه بالكتاب يستحثه فطلقها وأخرجها عنه وسيّرها مع الوفد إلى معاوية فلما وقفت بين يديه رأى منظراً جميلاً فلما استنطقها فإذا افصح الناس واحلاهم كلاماً واكملهم جمالاً ودلالا فقال لابن عمها يا اعرابي هل من سلو عنها بافضل الرغبة ؟ قال : نعم إذا فرّقت بين رأسي وجسدي ثم أنشأ يقول :
لا تجعلني والأمثال تضرب بي      كالمستغيث من الرمضاء بالنار
اردد  سعاد على حيران مكتنب      يـمسي ويصبح في هم وتذكار
قـد  شـفّه قـلق ما مثله قلق      واسـعر  القلب منه ايّ اسعار
والله  والله لا أنـسى مـحبتها      حتى اغيب في رمسي واحجار
كـيف السلو وقد هام الفؤاد بها      واصبح القلب منها غير صبار
فقال معاوية : فأنا نخيّرها بيني وبينك وبين ابن ام الحكم فانشأت تقول :
هذا وإن اصـبح في اطـار     وكان في نقص من اليسار
احب عندي من ابي وجاري     وصاحب الدرهم والدينار
اخشى إذا غدرت حر النار
قال : فضحك معاوية وأمر له بعشرة آلاف درهم ومركب ووطاء ولما انقضت عدتها زوجه لها وسلمها إليه ..(1)
أمّا معاوية فلا يخشى كهذه البدوية إذا غدر حرّ النار لأنه طبع على الغدر . ولئن وجد من يعتذر عنه في غدراته السياسية فما عذره هنا ..
ــــــــــــــــــ
(1) ابن كثير ، البداية والنهاية ، ج8 ص86 .
الصفحة 186
 السمة الثالثة اغتيال الأشراف ومن يخشاهم على ملكه من الناس !!
كان وجود الإمام الحسن على قيد الحياة ثقيلاً على معاوية لا لأنه يخشى أحداً من أجل الإمام الحسن أو لأنه اقتطع على نفسه شروطاً ويطلب الخلاص منها بوفاته فالرجل ليست له ذمة تحمله على الوفاء ولا هو ذو خلق ليستفضع الغدر والنكث .
ولكن شاءت ارادة الله أن يسعد الحسن بالشهادة على يد شر خلقه ويشقي ابن آكلة الأكباد بأكل كبد الحسن (عليه السلام) كما شقيت أمه بأكل كبد الحمزة (عليه السلام) .
فأوعز إلى ابنة الأشعث جعيدة زوجة الإمام الحسن أن تدسّ إليه السم واغراها بالوعود الجذّابة ولم يف لها بشيء إلاّ المال ولو لم يرسله إليها قبل أن ترتكب جريمتها لما وفى به أيضاً ...
وغدر معاوية لعنه الله بالإمام الحسن (عليه السلام) من الشهرة بحيث لم ينكره أكثر القوم ولاءاً له فهذا الذهبي ينقل في سير أعلام النبلاء الرواية التالية فيقول :
عن عمير بن اسحاق ، قال : دخلنا على الحسن بن علي نعوده فقال لصاحبي : يا فلان سلني ثم قام من عندنا فدخل كنيفاً ثمّ خرج فقال : إني والله قد لفظت طائفة من كبدي قلبتها بعود وأني قد سقيت السم مراراً فلم اسق مثل هذا فلما كان الغد آتيته وهو يسوق فجاء الحسين فقال : اي أخي ! انبئني من سقاك ؟ قال : لم لتقتله ؟ قال : نعم قال : ما أنا محدثك شيئاً إن يكن صاحبي الذي أظن فالله اشد نقمة وإلاّ فوالله لا بقتل بي برييء .
ونقل رواية ثانية عن الواقدي عن عبدالله بن حسن قال : كان الحسن كثير النكاح وقل من حظبت عنده وقل من تزوجها إلاّ احبته وصبت به فيقال : إنه كان سقي ثم افلت ثم سقي فأفلت ثم كانت الآخرة وحضرته الوفاة فقال الطبيب هذا رجل قد قطع السم امعائه وقد سمعت بعض من يقول : كان معاوية قد تلطف لبعض خدمه أن يسقيه سماً .
وروى عن أبي عوانة عن منير عن ام موسى : أنّ جعدة بنت الاشعث بن قيس 

الصفحة 187
سقت الحسن السم فاشتكى فكان توضع تحته طشت وترفع أخرى نحواً من أربعين يوماً(1) .
وابن كثير نقل ما رواه الذهبي ولكنه اعقبها بقوله وروى بعضهم أن يزيد بن معاوية بعث إلى جعدة بنت الاشعث أن سمّي الحسن وأنا اتزوجك بعده ففعلت فلما مات الحسن بعثت إليه فقال : أنا والله لم نرضك للحسن افنرضاك لانفسنا ؟!
يقول ابن كثير : وعندي أن هذا ليس بصحيح وعدم صحته عن أبيه معاوية بطريق الأولى والأحرى(2) .
ولم يثبت عدم صحته بدليل منفصل عن الذات لنعرف صلته بالحق من أين ؟!
والدليل الوحيد هو ياء المتكلم حيث يقول : (عندي) وعنديته هي الأموية التي رسبت في اعماقه وأعماق سلفه من قبل وخلفه من بعد ..
وحسن ظن هؤلاء بمعاوية ويزيد حاك عن نزارة الدين في نفوسهم وأنهم بمنزلة اليهود الذين يظهرون الإيمان بموسى ولكنهم يخالفونه في الصغير والكبير ويعفون باعمالهم وأقوالهم على الدين والشريعة .
ولو كان الذهبي أو ابن كثير أو ابن حجر الهيثمي في زمن معاوية لما سبقهم بسر بن ارطاة ولا زياد ولا الضحاك ابن قيس أو معاوية بن خديج على دنيا معاوية ولفتكوا بالامة اشد من فتك هؤلاء بها وسم معاوية الحسن ذكره جل المؤرخين . قال البلاذري : وقد قيل إنّ معاوية دس إلى جعدة بنت الاشعث بن قيس امرأة الحسن وارغبها حتى سمته وكانت شانئة له ..
وقال الهيثم بن عدي : دس معاوية إلى ابنة سهيل بن عمرو امرأة الحسن مأة ألف دينار على أن تسقيه شربة بعث بها إليها ففعلت ..(3)
ــــــــــــــــــــ
(1) انظر ترجمة الإمام الحسن في سير أعلام النبلاء ، ج3 ص274 وص275 .
(2) البداية والنهاية ، ج8 ص44 وقال ابن الأثير : سمته زوجته جعدة وسكت عن الباقي ، الكامل ج3 ص228 .
(3) البلاذري انساب الاشراف ، ج3 ص295 .

الصفحة 188
 إغتيال الأشتر (رضي الله عنه) عنه بالسم
كان مالك بن الحارث النخعي الأشتر كما وصفه اميرالمؤمنين في كتابه إلى أهل مصر حين استعمله عليهم :
وإني قد بعثت اليكم عبداً من عباد الله لا ينام أيام الخوف ولا ينكل عن الأعداء حذر الدوائر من أشد عبيدالله بأساً وأكرمهم حسباً أضر على الفجار من حريق النار وأبعد الناس من دنس أو عار وهو مالك بن الحارث الأشتر لا نابي الضريبة ولا كليل الحد حليم في الحذر رزين في الحرب ذو رأي أصيل وصبر جميل فاسمعوا له وأطيعوا أمره ...
 وقال ابن ابي الحديد في وصفه :
كان شديد البأس جواداً رئيساً حليماً فصيحاً شاعراً وكان يجمع بين اللين والعنف فيسطو في موضع السطوه ويرفق في موضع الرفق وقال أيضاً :
كان حارساً شجاعاً رئيساً من اكابر الشيعة وعظمائها شديد التحقيق بولاء أميرالمؤمنين (عليه السلام) ونصره ثم ذكر بعض ما يتعلق به ثم قال : وقد روى المحدثون حديثاً يدل على فضيلة عظيمة للأشتر وهي شهادة فاطمة من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأنه مؤتمن وهو قوله لنفر من أصحابه فيهم أبوذر ليموتن أحدكم بفلاة من الارض تشهده عصابة من المؤمنين وكان الذي أشار إليه النبي أبوذر (رضي الله عنه) وكان ممن شهد موته حجر بن عدي والأشتر(1) وهو القائل يتهدد معاوية :
بقيت وفري وانحرفت عن العلى      ولـقيت اضـيافي بوجه عبوس
ان لـم اشنّ على ابن هند غارة      لـم  تخل يوماً من نهاب نفوس
خـيلاً كـامثال الـسعالى شزباً      تـغدو ببيض في الكريهة شوس
حـمي الـحديد عـليهم فـكأنه      ومـضان برق أو شعاع شموس
وقال ابن ابي الحديد : لله أم قامت عن الأشتر لو أن انساناً يقسم أن الله تعالى ما خلق في العرب ولا في العجم اشجع منه إلاّ استاذه علي بن ابي طالب (عليه السلام) لما 
ــــــــــــ
(1) الشيخ عباس القمي ، الكنى والألقاب ، ج2ص34 ، ط مطبعة العرفان صيدا 1358 .

الصفحة 189
خشيت عليه الاثم ولله در القائل وقد سئل عن الاشتر :
ما أقول في رجل هزمت حياته أهل الشام وهزم موته أهل العراق وبحق ما قال أميرالمؤمنين فيه كان الاشتر لي كما كنت لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) .
 خبر شهادته (رحمه الله)
إنّ الأشتر مرّ بأبله متوجهاً إلى مصر فصحبه نافع مولى عثمان فخدمه والطفه حتى اعجبه واطمأن إليه فلما نزل القلزم حاضر له شربة من عسل بسم فسقاها له فمات(1) .
ونقل الطبري خبر شهادته بسياق آخر لما تهيأ الاشتر للخروج إلى مصر وأتت معاوية عيونه واخبره بولاية الاشتر فعظم ذلك عليه وقد كان طمع في مصر فعلم أنّ الأشتر إن قدمها كان أشد عليه من محمد بن أبي بكر فبعث معاوية إلى الجايستار ـ رجل من أهل الخراج ـ فقال له : إن الاشتر قد ولى مصر فإن أنت كفيتنيه لم أخذ منك خراجاً ما بقيت فاحتل له بما قدرت عليه فخرج الجايستار حتى أتى القلزم وأقام به وخرج الأشتر من العراق إلى مصر فلما انتهى إلى القلزم استقبله الجايستار فقال هذا منزل وهذا طعام وعلف وأنا رجل من أهل الخراج فنزل به الأشتر فأتاه الدهقان بعلف وطعام حتى إذا طعم أتاه بشربة من عسل قد جعل فيها سماً فسقاه اياه فلما شربها مات .
وأقبل معاوية يقول لأهل الشام إنّ علياً وجه الأشتر إلى مصر فادعوا الله أن يكفيكموه قال : فكانوا كل يوم يدعون الله على الأشتر وأقبل الذي سقاه إلى معاوية فأخبره بمهلك الأشتر فقام في الناس خطيباً فحمد الله واثنى عليه وقال : أما بعد فإنّه كانت لعلي بن ابي طالب يدان يمينان قطعت أحداهما يوم صفين ـ يعني عمار بن ياسر ـ وقطعت الأخرى اليوم(2) . إنّ معاوية طالب ملك وطالب دنيا كل همه أن يبلغ غايته ولو بمحق دينه بل جعل معاوية دينه في خدمة دنياه وكيف يلام مثل هذا ؟!
ــــــــــــــ
(1) القمي ، الكنى والألقاب ، ج2 ص26 .
(2) الطبري ، تاريخ الرسل والملوك ، ج5 ص95 وص96 .

الصفحة 190
لكن اللوم على شيعته الذي يعتنقون الإسلام فيما يزعمون بما تجنوا على هذا الرجل العظيم والصحابي الجليل فنفوا عنه الصحبة ووافقوا عليه الأموية وعبّروا فيما كتبوا عن قول الأموية فيه فضل سعيهم وخاب فألهم وطاش سهمهم إن شاء الله تعالى .
 اغتيال عبدالرحمن بن خالد بن الوليد
وعبدالرحمن هذا أول من بايع معاوية بعد شهادة الإمام اميرالمؤمنين (عليه السلام)يقول ابن قتيبة :
فلما قتل علي تداعى أهل الشام إلى بيعة معاوية وقال له : عبد الرحمن بن خالد بن الوليد نحن المؤمنون وأنت أميرنا فبايعوه وهو بايلياء لخمس ليال خلون من شوال سنة أربعين(1) .
وكان في صفين يحمل راية أهل الشام العظمى وكان يحمل بها فلا يلقاه شيء إلاّ هدّه وكان من فرسان العرب(2) .
يقول ابن كثير : وكان من الشجعان المعروفين والابطال المشهورين كأبيه وكان قد عظم ببلاد الشام لذلك حتّى خاف منه معاوية ومات وهو مسموم رحمه الله وأكرم مثواه ....
وقد ذكر ابن جرير وغيره أن رجلاً يقال له : ابن أثال وكان رئيس الذمة بارض حمص سقاه شربة فيها سم فمات وزعم بعضهم أن ذلك عن أمر معاوية له في ذلك ولا يصح .
وقد ذكروا أنّ خالد بن عبدالرحمن بن خالد قدم المدينة فقال له عروة بن الزبير ما فعل ابن أثال ؟ فسكت ثمّ رجع إلى حمص فثار على ابن أثال فقتله فقال : قد كفيتك اياه ولكن ما فعل ابن جرموز ؟ فسكت عروة(3) ! وابن كثير من ارخص 
ــــــــــــــ
(1) الإمامة والسياسة ، ج1 ص139 .
(2) الدينوري ، الأخبار الطوّال ، ص1850 ، الإمامة والسياسة ، ج1 ص93 .
(3) ابن كثير ، البداية والنهاية ، ج8 ص32 ، وراجع ابن جرير الطبري ، تاريخ الرسل والملوك ، ج5 ص227 .

الصفحة 191
المؤرخين ذمة واسكتهم عن حق وأقولهم بباطل غراماً بابن آكلة الأكباد ...
والرجل يرسل القول على عواهنه راض بتمريغ عقله بوحل التقول بالباطل يقول عن سم معاوية لابن خالد لا يصح ولا يكلف نفسه أن يأتي بعذر ولو من اغدار أبي العبر القائل : أما قبل : فإنّا وجدنا في حكمة أهل الشام أنّه لا يأكل انسان الفاكهة إلا شرىً أو صدقة أو هدية أو سرقه ومن كان في البيت لم ير الناس ولم يروه إلاّ أن يدخلوا إليه أو يخرج اليهم وما أقل ما تجد في مائة يهودي واحداً مسلماً .
ويروى عن أبي الزنبور بأنّ أول من يدخل الجنة من البهائم الطنبور قال : وكيف ذاك يرحمك الله ؟ قال لأنه في دار الدنيا يعصر حلقه ويعرك اذناه ويضرب بطنه فيقال له يوم القيامة : خذو برجله ألقوه في الجنة فإنّه متعوب .
وقيل له : لم صارت دجلة أكبر من الفرات ؟ قال : لأنّ القلم يكون في الدواة(1) .
وأقول : هل يريد ابن كثير والذهبي واضرابهما اضحاكنا بما يكتبون عن معاوية وحزبه أو يخادعون أنفسهم ويلبسون عليها على عمد لست أدري .
ويقول اليعقوبي عن قتل عبدالرحمن : واستعمل معاوية ابن اثال النصراني على خراج حمص ولم يستعمل أحد من الخلفاء قبله فاعترضه خالد بن عبدالرحمن بن خالد بالسيف فقتله ...... وكان ابن اثال قتل عبدالرحمن بن خالد بن الوليد دس إليه شربة سم(2) .
 وفي قتل عبد الرحمن بن خالد والأخذ بثأره يقول ابن حمدون :
مرّ خالد بن المهاجر بن خالد بن الوليد بعروة بن الزبير وكان بينهما تباعد فقال له يا خالد اتدع ابن اثال وقد تفصّى اوصال عمك بالشام وأنت بمكة مسبل أزارك تجره وتخطر فيه متخابلاً وكان عبدالرحمن بن خالد عند معاوية بالشام فخافه معاوية على الأمر فدس إليه ابن اثال الطبيب فسقاه شربة فمات منها فحمي خالد بن المهاجر ودعى مولى له يدعى نافعاً فاعلمه الخبر وقال له : لابد من قتل ابن اثال 
ـــــــــــــــــ
(1) الأبي ، نثر الدر ، ج7 ص294 .
(2) اليعقوبي ، ص223 ح2 .

الصفحة 192
وكان نافع جلداً شهماً فخرجا حتى قدما دمشق وكان ابن اثال يمسي عند معاوية فجلس له في مسجد دمشق إلى اسطوانة وجلس غلامه إلى أخرى حتى خرج فقال خالد لنافع : إياك أن تعرض له أنت ولكن احفظ ظهري واكفني من ورائي فإن رابك شيء من خلفي يريدني فشأنك فلما حاذاه وثب إليه خالد فقتله وثار إليه من كان معه فصاح بهم نافع فانفرجوا ومضى خالد ونافع وتبعهما من كان معه فلما غشاهما الليل حملا عليهم فتفرّقوا حتى دخل خالد ونافع زقاقاً ضيقاً ففاتا القوم فبلغ معاوية الخبر فقال : هذا خالد بن المهاجر اقلبوا الزقاق ..... عليه فأتي به فقال : لا جزاك الله من زائر خيراً قتلت طبيبي قال : فتلت المأمور وبقي الآمر فقال : أمَ والله لو كان تشهد مرّة واحدة لقتلتك به وحبسه وضرب نافعاً مئة سوط وألزم بني مخزوم اثني عشر ألف درهم . أدخل بيت المال منها ستة آلاف وأخذ هو ستة آلاف فلم يزل ذلك يجري دية المعاهد حتى جاء عمر بن عبدالعزيز فابطل الذي يأخذه السلطان لنفسه واثبت الذي يدخل بيت المال (1)
 اغتيال معاوية 
ولقد حاول قوم القضاء على معاوية بنفس المبدء الذي يقضى به على خصومه ولكن الله أراد استدراجه فلم يُقض عليه بعد أن تمكن مغتالوه من ضربه عن الزهري عن أنس قال : تعاهد ثلاثة من أهل العراق على قتل معاوية وعمرو بن العاص وحبيب بن مسلمه واقبلوا بعد بيعة معاوية بالخلافة حتى قدموا ايلياء فصلّوا من السحر في المسجد فلما خرج معاوية لصلاة الفجر كبّر فلما سجد انبطح أحدهم على ظهر الحرسي الساجد بينه وبين معاوية حتى طعن معاوية في مأكمته فانصرف معاوية وقال : أتموا صلاتكم وامسك الرجل فقال الطبيب : إن لم يكن الخنجر مسموماً فلا بأس عليك فاعد الطبيب عقاقيره ثم لحس الخنجر فلم يجده مسموماً فكبّر وكبّر من عنده وقيل ليس بأميرالمؤمنين بأس قلت ـ الذهبي ـ : هذه المرة غير المرة التي جرح فيها وقتما قتل علي (رضي الله عنه) فإن تلك فلق اليته وسقي ادوية خلصته من 
ــــــــــــــ
(1) ابن حمدون ، التذكرة الحمدونية ، ج2 ص454 .

الصفحة 193
السم لكن قطع نسله(1) .
 اغتيال سعد بن ابي وقّاص
كان سعد بن ابي وقاص مغموزاً في نسبه ليس له في الإسلام سابقة تذكر اللهم إلاّ ما كان يتحدث به عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأنّه جمع له أبويه في احدى معارك الإسلام وقال له : ارم فداك أبي وامي وطالما تباهى بذلك امام الناس .
وجعله عمر أحد الستة الذين سماهم عمر للخلافة وهم رجال الشورى ومن يومئذ تنامت اطماعه في نيل الخلافة ولم يكن لذلك أهلاً وهو يعلم من نفسه ذلك فلم يشارك في الأحداث التي صنعها الطامعون ومن رآه ظن ذلك فقهاً منه وسمّى الأحداث التي صاحبت خلافة الإمام (عليه السلام) فتنة واعتزلها بل لم يبايع الإمام وولاّه ظهره فتركه الإمام (عليه السلام) لعلمه بتفاهة شأنه ونزارة قدره وقلة خطره وبقي معتزلاً الدنيا في تلك الأيام حتى انتهت حرب صفّين واجتمعوا على التحكيم أراد ابنه عمر بن سعد لعنه الله أن يحركه لأطماعه الأشعبية وحمله على الحضور في دومة الجندن آملاً أن يكون لأبيه وجه مقبول عند القوم . وخسرت صفقة الداعي والمدعو والحمدلله هناك أيضاً .
وفي ملك معاويه جرت مشادة عنيفة بينه وبين معاوية ذكرها المسعودي في مروج الذهب وهي كما يلي : لما حج معاوية طاف في البيت ومعه سعد فلما فرغ انصرف معاوية إلى دار الندوة فاجلسه معه على سريره ووقع معاوية في علي وشرع في سبه فزحف سعد ثم قال : أجلستني معك على سريرك ، ثمّ شرعت في سب علي والله لأن يكون فيّ خصلة واحدة من خصال كانت لعلي أحب إلي من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس ، والله لأن أكون صهراً لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وإن لي من الولد ما لعلي أحب إلي من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس والله ، لأن يكون رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لي ما قال : يوم خيبر : (لأعطين الراية غداً رجلاً يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله ليس بفرار ، يفتح الله على يديه) أحب إليّ من أن يكون لي 
ـــــــــــــــ
(1) الذهبي ، سير أعلام النبلاء ، ج3 ص143 .

الصفحة 194
ماطلعت عليه الشمس والله لأن يكون رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لي ما قال له في غزوة تبوك : ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي بعدي أحب إليّ من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس وأيم الله ، لا دخلت لك داراً ما بقيت ثم نهض ...
قال المسعودي : ووجدت في وجه آخر من الروايات وذلك في كتاب علي بن محمد بن سليمان النوفلي في الأخبار عن ابن عائشة وغيره ، أن سعداً لما قال هذه المقالة لمعاوية ونهض ليقوم ضرط له معاوية وقال له : اقعد حتى تسمع جواب ما قلت ما كنت عندي قط الأم منك الآن فهلاّ نصرته ؟ ولم قعدت عن بيعته ؟ فأني لو سمعت من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مثل الذي سمعت فيه ، لكنت خادماً لعلي ما عشت ، فقال سعد : والله اني لأحق بموضعك منك فقال معاوية : يأبى عليك ذلك بنو عذرة وكان سعد فيما يقال لرجل من بني عذره(1) .
وادعاء سعد الأولوية بالحكم حمل معاوية على قتله قال ابوالفرج :
مات الحسن (عليه السلام) بالسم شهيداً مسموماً دس معاوية اليه وإلى سعد بن ابي وقاص حين أراد أن يعهد إلى يزيد ابنه بالأمر سماً فماتا في أيام متقاربة(2) .
وهكذا تجد سلاح معاوية الصامت مسلطاً على الشخصيات البارزة في الأمة ولم يسلم من كيده أحد وما كان ليحول بين معاوية وبين لعبة الاغتيال شيء لا في الدين ولا في الدنيا وعلى هذا المنوال درج حتى هلك فكان الناس في مصيبة من فتك هذا السلاح الموجّه بالأطواق والأكياس وقناطير الذهب المقنطرة عليهم .
 السمة الرابعة لعن الأبرار والبرائة منهم وحمل الناس بالقهر على ذلك :
ولما استثب له الأمر واطاعته الدنيا وخضعت له البلاد واطاعه العباد وجه اهتمامه إلى الرصيد المعنوي الهائل لعلي وأهل بيته في نفوس الناس وكان على علم يقين بأنّ الفضاء على الإسلام بمحوه من عرصة الوجود لا يتم لأحد ولكن بالإمكان 
ــــــــــــــــــ
(1) المسعودي ، مروج الذهب ، ج3 ص14 .
(2) النصائح الكافية ، ص86 .

الصفحة 195
مسخه وتشويه صورته وتبديل أهم معالمه .
وذلك بالفضاء على قواعده الأولى وهم أهل البيت وسيد أهل البيت عليّ (عليه السلام) ثم خلط الصحيح منه بالموضوع والصادق بالكاذب والجوهر بالبهرج وهذه خطة فاعلة اعانه على وضعها ابليس وساعده ابالسة الجن والإنس عليها ثمّ سار على هذا النهج الاعوج حتى أدال الله منه وقضى عليه وعلى خططه وهو وان ورثه من جاء بعده واتبع خطاه وسار على طريقه إلاّ أن ذلك كله لا يتعدى الفقاعة من فقاعات الحياة فما هي إلاّ أيام قلائل حتى حل به ما أراده لأهل البيت فصار لعيناً مبغضاً إلى الناس تتقرب الأمة بلعنه وبغضه إلى الله إلاّ من شذ ممن لا دين له ولا إيمان بالإسلام إنما إيمانه برجال بعينهم وجد تعديلهم لا يتم إلاّ بتعديل صنائعهم فكان تعديله لمعاوية لا لوجود العدل والصلاح في ذاته ولكنّ طرحه مؤد إلى طرح من صنعه وتكفيره يصيب من أيده بشيء من الشرر .
فلذلك عمد إلى الدس والتأويل والوضع والتبديل والتغيير لا من أجل معاوية وحزبه ولكن من أجل من أيدهم وأوصلهم إلى ما صاروا إليه .
وبناءاً على هذا فإنّ آية الشيطان انعكست عليه واصبح لعنة الأجيال بعد أن أراد أن تكون هذه اللعنة على غيره وتحل بمن عداه عداوة لله ورسوله وانظر حديث المغيرة التالي عنه تعرف أنّ معاوية كان يخطط لمحو الدين .
قال المطرف بن المغيرة بن شعبة دخلت مع أبي على معاوية فكان أبي يأتيه فيتحدث معه ثم ينصرف إلي فيذكر معاوية وعقله ويعجب بما يرى منه إذ جاء ذات ليله فامسك عن العشاء ورأيته مغنماً فانتظرته ساعة فظننت أنه لأمر حدث فينا فقلت : مالي أراك مغتماً منذو الليلة ؟ فقال : يا بني جئت من عند أكفر الناس واخبثهم قلت : وما ذاك ؟ قال : قلت له وقد خلوت به إنك قد بلغت ستاً يا أميرالمؤمنين فلو اظهرت عدلاً وبسطت خيراً فإنّك قد كبرت ، ولو نظرت إلى اخوتك من بني هاشم فوصلت ارحامهم فوالله ما عندهم اليوم شيء تخافه وإن ذلك مما يبقى لك ذكره وثوابه فقال : هيهات هيهات ! أي ذكر أرجو بقائه ! ملك أخو تيم فعدل وفعل ما فعل فما عدى أن هلك حتى هلك ذكره إلاّ أن يقول قائل أبوبكر ثم ملك أخو عدي فاجتهد وشمّر عشر سنين فما عدا أن هلك حتى هلك ذكره إلا أن 

الصفحة 196
يقول قائل : عمر وإنّ ابن ابي كبشة ليصاح به كل يوم خمس مرّات اشهد أنّ محمّداً رسول الله فأي عمل يبقى وأي ذكر يدوم بعد هذا لا أبالك ! لا والله إلاّ دفناً دفناً(1) .
هذا ويروي الرواة الحمقى عنه أنه كان يقوم لرجل من أهل الشام لشبهه من رسول الله وقد مر ذلك آنفاً . وبدأ الخبيث حكمه بالكذب على رسول الله ، ولعن أهل بيته نقل ابن أبي الحديد عن الواقدي :
أنّ معاوية لما عاد من العراق إلى الشام بعد بيعة الحسن (عليه السلام) واجتماع الناس إليه خطب فقال : أيها الناس ، إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لي : إنّك ستلي الخلافة من بعدي فاختر الأرض المقدسة فإنّ فيها الابدال وقد اخترتكم فالعنوا ابا تراب فلعنوه فلما كان من الغد كتب كتاباً ثم جمعهم فقرأه عليهم وفيه هذا كتاب كتبه أميرالمؤمنين معاوية صاحب وحي الله الذي بعث محمداً نبياً وكان امياً لا يقرأ ولا يكتب فاصطفى له من أهله وزيراً كان كاتباً اميناً فكان الوحي ينزل على محمد وأنا اكتبه وهو لا يعلم ما اكتب فلم يكن بيني وبين الله أحد من خلقه فقال له الحاضرون كلهم صدقت يا أميرالمؤمنين .....(2) وكان اميرالمؤمنين (عليه السلام) قد اخبرهم عن ذلك في احدى خطبه فقال :
أما إنّه سيظهر عليكم بعدي رجل رحب البلغوم مندحق البطن يأكل ما يجد ويطلب ما لا يجد فاقتلوه ولن تقتلوه ألا وإنّه سيأمركم بسبّي والبراءة مني فأما السب فسبّوني فإنّه لي زكاة ولكم نجاة وأما البرائة فلا تتبرئوا مني فإني ولدت على الفطرة وسبقت إلى الإيمان والهجرة(3) .
والمعني بهذا الكلام معاوية لعنه الله بقرينة قوله (عليه السلام) مندحق البطن لقول الرواة : كان بطن معاوية كبيراً(4) وقد مرّ عليك كثرة أكله بدعاء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)المستلزم لاندحاق بطنه يقول الشارح ان ابي الحديد :
إنّ معاوية أمر الناس بالعراق والشام وغيرهما بسب علي (عليه السلام) والبرائة منه .
ـــــــــــــــــ
(1) شرح ابن ابي الحديد ، ج5 ص129 وص130 .
(2) شرح ابن ابي الحديد ، ج4 ص72 .
(3) انظر خطبة 57 من شرح بن ابي الحديد ، ج4 ص54 .
(4) شيخنا مغنيه في ظلال نهج البلاغة ، ج1 ص307 .

الصفحة 197
وخطب بذلك على منابر الإسلام وصار ذلك سنة في أيام بني امية إلى أن قام عمر بن عبدالعزيز (رضي الله عنه) فأزاله وذكر شيخنا ابو عثمان الجاحظ أنّ معاوية كان يقول في آخر خطبة الجمعة : اللهم إنّ أبا تراب الحد في دينك وصد عن سبيلك فالعنه لعناًوبيلاً وعذبه عذاباً أليما وكتب بذلك إلى الآفاق فكانت هذه الكلمات يشاربها على المنابر إلى خلافة عمر بن عبدالعزيز(1) .
وروى ابوالحسن المدائني في كتاب الأحداث قال : كتب معاوية نسخة واحدة إلى عماله بعد عام الجماعة أن برئت الذمة ممن روى شيئاً من فضل أبي تراب وأهل بيته فقامت الخطباء في كل كوره وعلى كل منبر يلعنون علياً ويبرئون منه ويقعون فيه وفي أهل بيته .....(2)
وأمر عماله وولاة الأقاليم بأخذ الناس بالشدة بخاصة اولئك الذين لهم هوىً في أميرالمؤمنين وأمر المغيرة بن شعبة وهو يومئذ امير الكوفة من قبل معاوية حجر بن عدي أن يقوم في الناس فيلعن علياً (عليه السلام) فأبى ذلك فتوعده فقام فقال : أيها الناس ، إنّ أميركم أمرني أن العن علياً فالعنوه فقال أهل الكوفة : لعنه الله ! وأعاد الضمير إلى المغيرة بالنية والقصد .
وأراد زياد أن يعرض أهل الكوفة أجمعين على البراءة من علي (عليه السلام) ولعنه وأن يقتل كل من امتنع من ذلك ويخرب منزله فضربه الله ذلك اليوم بالطاعون فمات لا رحمه الله بعد ثلاثة أيام وذلك في خلافة معاوية لعنه الله(3) .
وكان هدف معاوية من هذا اللعن تربية اجيال تأتي بعده تتبرء من علي وأهل بيته ومن ثم يسئ إلى ابن عمه وإلى دينه .
إنّ قوماً من بني امية قالوا لمعاوية يا أميرالمؤمنين إنك قد بلغت ما أملت فلو كففت عن هذا الرجل فقال : لا والله حتى يربو عليه الصغير ويهرم عليه الكبير ولا يذكر له ذاكر فضلاً(4) .
ــــــــــــــــ
(1) شرح ابن ابي الحديد ، ج4 ص56 وص57 .
(2) النصائح الكافية ، ص97 .
(3) شرح النهج الحديدي ، ج4 ص58 .
(4) النصائح الكافية ، ص97 .

الصفحة 198
والسؤال الملح هنا هل بلغ معاوية ما أمل في علي وأهل بيته أو أنّ الأمر انعكس عليه فحلت اللعنة به وانقلبت سياسته عليه فصارو من اعانه أكثر لعنا من ابليس لعنه الله ؟!!
شاءوا لعلياء كم حصداً فما قدروا    إذالأله تولّى زرع ما حصدوا
(وَاللّهُ مُتِمّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ)
وتم لمعاوية ما أراد فترة من الزمن حتى اتخذ قوم من اولياءه ذلك سنة ولما تركها عمر بن عبدالعزيز (رحمه الله) نودي من جوانب المسجد السنة السنة تركت السنة وحتى أجمع أهل حمص في زمن ما على أن الجمعة لا تصح بغير لعن أبي تراب (عليه السلام)(1) ولمعاوية نجاح آخر في هذا الزمان وهو وجود قوم بين المسلمين يرون الصفات التي ذكرها لنفسه في كتابه إلى أهل الشام صحيحة ويوالونه على أساس منها ومنهم وهابية اليوم كما أن نجاحه في إطلاق هذا الإسم (السنة)على شطر الأمة الأكبر والسنة التي قصدها معاوية هي (لعن علي وأهل بيته) .
يقول سالم بن حمد العماني : فمن ثمّ ترى أصحابنا لا يتسمّون بذلك وإنما يتسمون بأهل الاستقامة في الديانة وعكس هذا الإسم تسمية أهل السنة فإنّه كان في الزمان الأول قبيحاً يكون المراد بالسنة التي سنها معاوية في سب علي وشتمه على المنابر فصار ذلك سنة ينشأ عليها الصغير ويموت عليها حتى غيرها عمر بن عبدالعزيز في خلافته فأهل ذلك الحال هم أهل السنة في ذلك الزمان ثم اندرس هذا السبب واختفى وظنوا أنّ السنة سنة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وتمدّحوا بذلك وجمعوا بين المتضادين في الولاية وهم يعلمون أنّ الحق مع فريق منهم وخالفوا سنتهم الأولى حين صارت الدولة لبني العباس من بني هاشم قلت : روى هذا كله المسعودي والحاكم في تسميتهم بالسنية(2) .
ـــــــــــــــــــ
(1) النصائح الكافية ، ص116 .
(2) العقود الفضية في اصول الاباضية ، تأليف ابي عبدالله سالم بن حمد بن سليمان بن حميد الحارثي العماني الأباضي المضيري ، ص70 وص71 .

الصفحة 199
 بمن اقتدى معاوية ..
إن كان ابن ابي الحديد حمّل معاوية وزر من جاء بعده لأن سياسته افضت بالأمة إلى ذلك .
فإنّ وزر معاوية يحمله أيضاً من مهد له واعانه حتى بلغ الحكم وناله وقد مر بك هذا الفصل باسهاب فيما تقدم من الكتاب يقول ابن ابي الحديد بعد طعنه في عقيدته بقوله لأبي الدرداء وهو يكلمه في الشرب بآنية الذهب والفضة وبخيره عن قول النبي : (إن الشارب فيهما ليجرجر في جوفه نار جهنم) . فيجيبه معاوية : أما أنا فلا أرى بذلك بأساً .
يقول المعتزلي : وهذا الخبر يقدح في عدالته كما يقدح أيضاً في عقيدته لأن من قال في مقابلة خبر قد روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أما أنا فلا أرى بأساً فيما حرمه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ليس بصحيح العقيدة ومن المعلوم أيضاً من حالة استئثاره بمال الفئ وضربه من لا حد عليه واسقاط الحد عمن يستحق إقامة الحد عليه وحكمه برأيه في الرعية وفي دين الله واستلحاقه زياداً وهو يعلم قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «الولد للفراش وللماهر الحجر» وقتله حجر بن عدي وأصحابه ولم يجب عليه القتل ومهانته لأبي ذر الغفاري وجبهه وشتمه واشخاصه إلى المدينة على قتب بغير وطاء لأنكاره عليه ولعنه علياً وحسناً وحسيناً وعبدالله بن عباس على منابر الإسلام وعهده بالخلافة إلى ابنه يزيد مع ظهور فسقه وشربه المسكر جهاراً ولعبه بالنرد ونومه بين القيان والمغنيات واصطباحه معهن ولعبه بالطنبور بينهن ، وتطريقه بني امية للوثوب على مقام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وخلافته حتى افضت إلى يزيد بن عبدالملك والوليد بن يزيد المفتضحين الفاسقين صاحب حبابه وسلاّمه والآخر رامي المصحف بالسهام وصاحب الأشعار في الزندقة والألحاد .....(1)
أقول : إنّ هذا التطريق أول من فعله مع بني امية عمر بن الخطاب وهو الذي بنى عش معاوية المنهار حتى تمكن من الخلافة ونالها بتمهيد من ابن الخطاب فإن 
ـــــــــــــــــ
(1) شرح ابن ابي الحديد ، ج5 ص31 وص130 .

الصفحة 200
كان معاوية متحملاً من أصر من جاء بعده بشطر فليحمل معه صاحبه من أصره واصرهم لأن المقياس واحد والا فلا عبرة بالقواعد التي تسيّرنا على ضوئها إذا كنا نحمّل من نشاء ونعفى من نشاء نزولاً عند مقتضيات الهوى ووسوسات العاطفة وأخيراً أقول إنّ الرجل اقتدى بمن كان قبله من اخوانه في سب أهل البيت وهو القائل لمحمد عن أبيه :
فإن يكن ما نحن فيه صواباً : فأبوك أوله وإن يكن جوراً فأبوك اسه ونحن شركائه فبهديه أخذنا وبفعله اقتدينا رأينا أباك فعل ما فعل فاحتذينا مثاله واقتدينا بفعاله وكشف معاوية عن قدوته فيما جنى على أهل البيت إنه أبوبكر فقد كان أبوبكر أول من سبّهم ووصفهم بالنعوت المنكرة والأوصاف المستشبعة .
لما خطبت الصديقة خطبتها المعروفة والقوم حضور وفيهم ابوبكر شق عليه مقالتها فصعد المنبر وقال : أيها الناس ما هذه الرعة إلى كل قاله ؟!
أين كانت هذه الأماني في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ألا من سمع فليقل ومن شهد فليتكلم إنما هو تعاله شهيده ذنبه مرب لكل فتنة هو الذي يقول : كرّوها جذعة بعد ما هرمت يستعينون بالضعفه ويستنصرون بالنساء كام طحال احب أهلها إليها البغي ألا إني لو أشاء أن أقول لقلت ولو قلت لبحث اني ساكت ما تركت ..(1)
إنّ هذا الذي قاله أبوبكر من مقذع الشتم ولم يشتم أحد في جاهلية ولا في اسلام بمثله اللهم إلا إذا كان شاعراً ليس على لسانه رقيب أو عتيد ولك أن تنظر الجزء السادس عشر من شرح ابن ابي الحديد لتعرف ما يعني بام طحال .. فإني لا اجرء على تسطير ذلك في كتابي والمعني بالكلام اميرالمؤمنين (عليه السلام) .. والقضية التي ثارت ثائرة الشيخ من أجلها هي فدك وكان قد عزم على ابتلاعها .
عن ابي الطفيل قال لما قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ارسلت فاطمة إلى أبي بكر : أنت ورثت رسول الله أم أهله ؟ فقال بل أهله قالت : فأين سهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟ قال : فقال أبوبكر : إني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول : إنّ الله عزوجل إذا أطعم نبيّاً طعمة ثم قبضه جعلها للذي يقوم من بعده فرأيت ان أرد على المسلمين . فقالت : 
ـــــــــــــــ
(1) شرح ابن ابي الحديد ، ج16 ص215 .
الصفحة 201
فأنت وما سمعت من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)(1) .
ولو كان الخليفة صادقاً فيما يدعيه لكان أهل بيت النبي أولى من غيرهم في ردّ فدك عليهم لصدق العنوان عليهم ولوجود الفضل فيهم .
ولكنّ الحقيقة أن الرجل يريدها لنفسه .
عن عروة ابن الزبير : إنّ أزواج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أرسلن عثمان بن عفان إلى أبي بكر يسألنه مواريثهنّ من سهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بخيبر وفدك فقالت لهن عائشة : أما نتقين الله ؟ أما سمعتن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول : لا نورث ما تركنا صدقة ، إنما هذا المال لآل محمد لنائبتهم وضيقهم فإذا مت فهو إلى والي الأمر من بعدي(2) فالشيخ يريد فدكاً أن تعود إليه وشهيده ابنته فمن من علي وأبي بكر أولى بثعاله؟؟!
وأخيراً نقول إنّ معاوية أصاب من الحقيقة مقتلاً حين اعترف بقدوته في سب أهل البيت أنّه الشيخ الأول الذي ردّ الجميل على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ظلماً لابنته واحراقاً لبابها وغصباً لنحلتها وهدرا لكرامتها وسبّاً لبعلها فإنّا لله وإنّا إليه راجعون .
وهذا السب هو الذي كرهه الإمام ونهى أصحابه عنه حين سمعهم يشتمون أهل الشام أي يذكرونهم بالقبيح من القول لا كما زعمه الدينوري حيث قال : بلغ علياً أن حجراً بن عدي وعمرو بن الحمق . يظهران شتم معاوية ولعن أهل الشام فأرسل إليهما أن كفا عما يبلغني عنكما فاتياه فقالا : يا اميرالمؤمنين السنا على الحق وهم على الباطل ؟ قال : بلى ورب الكعبة المسدّنه ، قالوا : فلم تمنعنا من شتمهم ولعنهم ؟ قال : .. كرهت لكم أن تكونوا شتّامين لعانين ولكن قولوا : اللهم احقن دمائنا ودماءهم واصلح ذات بيننا وذات بينهم واهدهم من ضلالتهم حتى يعرف الحق من جهله ويرعوى عن الفي من لهج به(3) .
وقد وهم الدينوري لأن السب لا يشمل اللعن بل هو الشتم والنهي عن السب الذي نقله الدينوري هو كلام للإمام ورد في نهج البلاغة : إني اكره لكم أن تكونوا سبّابين ولكنكم لو وصفتم اعمالهم وذكرتم حالهم كان أصوب في القول وابلغ في العذر.
ـــــــــــــــــ
(1) المسند الجامع ، ج9 ص630 .
(2) البلاذري ، انساب الأشراب ، ج2 ص173 .
(3) الدينوري ، الأخبار الطوال ، ص165 .

الصفحة 202
قال الشارح المعتزلي : والذي كرهه الإمام (عليه السلام) منهم أنهم كانوا يشتمون أهل الشام ولم يكن يكره منهم لعنهم اياهم والبذاءة منهم لا كما يتوهمه قوم من الحشويه فيقولون : لا يجوز لعن أحد ممن عليه اسم الإسلام وينكرون على من يلعن ، ومنهم من يغالي في ذلك فيقول : لا العن الكافر ، ولا العن ابليس ، وإنّ الله تعالى لا يقول لأحد يوم القيامة لم لم تلعن ؟ وإنما يقول : لم لعنت ؟!
قال ابن ابي الحديد : واعلم أنّ هذا خلاف نص الكتاب ، لأنّه تعالى قال :(إِنّ اللّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدّ لَهُمْ سَعِيراً)(1) وقال : (أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاّعِنُونَ)(2) وقال في ابليس : (وَإِنّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى‏ يَوْمِ الدّينِ)(3) وقال : (مّلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا)(4)
وفي الكتاب العزيز من ذلك الكثير الواسع(5) . والناظر في معاني اللعن يدرك لأول وهلة أن لاصلة بينه وبين الشتم مطلقاً فقد ذكر له المفسرون عدداً من المعاني .
المسخ ، ضرب الجزية ، السخط عذاب القبر الحد الدعاء والطرد والنار الفرق(6) .
واللاعن لا يتصور هذه المعاني كلها حين يلعن بل لا يقصد بعضها كضرب الجزية والحد والعرف .
وإنما يدعو على مستحق اللعن أن يحل به سخط الله أو يعذب في قبره أو يطرد من رحمته سبحانه أو يقذف في ناره جزاءاً لما استحل من محارم الله فأين هذه المعاني من السب والشتمية واللعن في الواقع دعاء وداخل في مفهومه ويثاب الداعي عليه إن طلبه لمستحق وإلاّ فهو من الكبائر ويحل بالداعي إن كان في غير المستحق .
ــــــــــــــــــ
(1) سورة الاحزاب : 64 .
(2) سورة البقرة : 159 .
(3) سورة ص : 78 .
(4) سورة الاحزاب : 61 .
(5) شرح ابن ابي الحديد ، ج11 ص21 وص22 .
(6) الحسين بن أحمد الدامغاني ، قاموس القرآن ، ص415 .

الصفحة 203
من ثم نجد بني امية وصاحبهم معاوية لعنوا أولياء الله أياماً قليلة أعقبتهم هذه اللعنة الطويلة . وسوف تبقى عالقة بهم لا تفارقهم إن شاء الله .
 السمة الخامسة حمل الناس على الكذب وبذل المال على ذلك
كانت أيام معاوية لأهل الإسلام بمنزلة النفق المظلم الذي لا يلجه الضيائ ولا الهواء .. فتخبط الناس فيه ذات اليمين وذات الشمال على غير هدى ولا دلالة هاد .
وبدء معاوية عهده بالكذب على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ووظف ميزانية دولته للإنفاق على ذلك فقد كتب إلى عماله في جميع الآفاق أن لا يجيزوا لأحد من شيعة علي شهادة وكتب إليهم أن انظروا من قبلكم من شيعة عثمان ومحبيه وأهل ولايته الذين يروون فضائله ومناقبه فأدنوا مجالسهم وقرّبوهم وأكرموهم واكتبوا الي بكل ما يروي كل رجل منهم واسمه واسم ابيه وعشيرته ففعلوا ذلك حتى أكثروا في فضائل عثمان ومناقبه لما كان يبعثه إليهم معاوية من الصلاة والكساء والحباء والقطائع ويفيضه في العرب منهم والموالي فكثر ذلك في كل مصر وتنافسوا في المنازل والدنيا فليس يجد امرىءٌ من الناس عاملاً من عمال معاوية فيروي في عثمان منقبة أو فضيلة إلاّ كتب اسمه وقرّبه وشفعه فليثوا بذلك حيناً .
ثمّ كتب إلى عماله : أنّ الحديث في عثمان قد جهر وفشافي كل مصر وفي كل وجه وناحية فإذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء الأولين ولا تتركوا خبراً يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب إلاّ وأتوني بمناقض له في الصحابة فإنّ هذا أحب إلي واقر لعيني وأدحض لحجة أبي تراب وشيعته واشد عليهم من مناقب عثمان وفضله(1) . ونعرض بعد هذا الكلام لثلاث مسائل لم يولّها العقاد والمؤرخون عنابتهم .
الأولى : أنّ مناقب عثمان التي ملأت الطروس وفاضت لو كانت في زمانه لما احتاج إلى إثبات فضيلة لنفسه لا يدعيها إلاّ مغفل غبي أو آخر لا يملك من المناقب كبيرة أو صغيرة لذلك يفزع إلى مثل هذه التُرهات التي هي إلى المذمة أقرب منها إلى 
ــــــــــــــــ
(1) انظر السيد ابن عقيل ، النصائح الكافية ، ص97 وص98 .

الصفحة 204
المحمدة وهي قوله : إنّه لم يمسّ عضوه بيمينه منذ وبايع رسول الله بها وتكرر منه هذا القول في غير مناسبة وصاح به على المنابر وأذاعه على محاصريه قبل مصرعه .
ولو رزق عثمان السلامة من هذه الفضيلة لكان خيراً له وابقى وإلاّ فما وجه المدح في مثل هذا وهل مسّ العضو باليمين أو باليسار عيب ليتجنبه المسلم تفقهاً ؟؟!
وهل اصاب عثمان وحده واخطأ المسلمون أمس واليوم والصحابة باجمعهم آنذاك لأنهم لم يهجروا هذه الفعلة الشنعاء ؟!
مما لا ريب فيه أنّ عثمان لم يعلنها على الناس وهو يملك خيراً منها هذا مع فرض صدقه وصحتها أمّا إذا أردنا الدقة في الحكم فعلينا أن نطالبه بشاهد يشهد له وحينئذ ليس بوسعه إلاّ الإقتداء بثعاله في مثل هذه الحالة .
الثانية : ذكر العلماء أمر معاوية الرواة بالوضع في مناقب الثلاثة ونادراً ما اشاروا إلى امره الرواة بالوضع لصالحه .. فهناك روايات موضوعه في مناقب معاوية تصحك الثكلى وهذا من فضل الله على الحق وأهله أن جرّد الكذبة والوضاعين من العقل ساعة الوضع أو مطلقاً فاعماهم عن التبصر واصمهم عن التدبر واسوق لك مهزلة واحدة لتتبصر وتتدبر .
قال ابن حجر الهيثمي وهو من اشد الناس دفاعاً عن معاوية واثباتاً لمناقبه الموضوعة : ومنها ـ أي ومن مناقب معاوية ـ ما جاء بسند ليس فيه علة إلاّ اختلاط حصل لبعض رواته أن عوف بن مالك كان قائلاً نائماً بمسجد بأريحاء فانتبه فإذا هو اسد يمشي إليه فأخذ سلاحه فقال له الأسد : صه إنما ارسلت اليك برسالة لتبلغها قلت : من أرسلك ؟ قال : الله أرسلني إليك لتعلم أنّ معاوية من أهل الجنة قلت : من معاوية ؟ قال : ابن ابي سفيان ..
وهنا يعقب ابن حجر على هذه المنقبة فيقول : ولا يستبعد ذلك لأنّ كلام الأسد له كرامه وهي جائزة الوقوع خلافاً للمعتزلة وكونه من أهل الجنة شهدت به أدلة كثيرة(1) .
ــــــــــــــ
(1) ابن حجر الهيثمي ، تطهيرالجنان ، ص12 .

الصفحة 205
وتداعى إلى ذهني نادرة تنسب إلى بعض المجانين لما سئل عن مغاويه بالغين بن ابي طالب من هو ؟ قال : ذاك نبي ارسله الله إلى بني اسرائيل ليخبرهم أنّ عصى موسى كانت من شجر التوت !! ولا فرق من حيث المعنى بين هذه النادرة وعقل صاحبها وبين هذه المنقبة ومن يرويها أو يخرجه في كتاب لمعاوية .
الثالثة : أنت تقرء كتب الحديث فتعثر على العجائب في ما وضع الرواة المرتزقة من المناقضات للروايات الواردة في فضل ابي تراب وأهل بيته (عليهم السلام) .
ولكني ارشد القارئ إلى ظاهرة عجيبة في كل مكذوبة على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وذلك أنّ فيها دلالةً ذاتية على وضعها بدون حاجة إلى بذل الجهد لتكذيبها من خارجها خذ على سبيل المثال حديث سدّ الأبواب إلاّ باب علي ثم انظر مناقضه وهو إلاّ باب ابي بكر أو إلاّ باب عثمان ودقق النظر في الموضوعين لمناقضته ولكي تزداد يقيناً بما أقول انقلها جميعاً لك .
 حديث سدّ الأبواب
وحديث (سدوا الأبواب التي في المسجد إلاّ باب علي ..) أخرجه الأيمه والحفاظ بصيغ وسياقات مختلفة وأكثر السياقات اختصاراً فيما اعلم رواية أبي نعيم عن عمرو بن ميمون عن ابن عباس : إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أمر بالابواب فسدّت كلها إلاّ باب علي .
والحديث متواتر عند الفريقين اما تواتره عند الشيعة فثابت لا ريب فيه وأما تواتره عند أهل السنة والجماعة فإنّه يستفاد من لازم خلافه(1) .
وهو ما رووه في باب ابي بكر وخوخته فقد زعموا له التواتر ولم ينقل بالطرق المعتبرة والأسانيد الصحيحة والحسنة التي نقل بها الحديث الأول .
بل الحكم له بالتواتر فيه مسامحة فإنّه لم يرو إلاّ من طريقهم وحدهم وحديث باب علي (عليه السلام) روي من طريق الفريقين فأين هذا من ذاك .
ومع وروده مخرّجاً بهذه الطرق فقد ادّعى بعضهم كابن الجوزي ومن لف لفّه 
ــــــــــــــــ
(1) السيوطي ، الحادي للفناويى ، ج1 ص145 .

الصفحة 206
الوضع له وقد كفانا ابن حجر العسقلاني عناء الرد عليه وعلى نظراته في القول المسدد قال ابن حجر :
قول ابن الجوزي : أنّه باطل وأنّه موضوع دعوى لم يستدل عليها إلاّ بمخالفة الحديث الذي في الصحيحين وهذا اقدام على رد الأحاديث الصحيحة بمجرد التوهم ولا ينبغي الأقدام على الحكم بالوضع إلاّ عند عدم إمكان الجمع ولا يلزم من تعذر الجمع في الحال أن لا يمكن بعد ذلك إذ فوق كل ذي علم عليم(1) .
ولم يشر هذا الحافظ مع استحالة الجمع بين الحديثين الى أيّ واحد منهما يكون الرد أو القبول ؟ أباب علي أم باب أبي بكر ؟!
وطامة أخرى لأبن الجوزي يزعم أنّ حديث سدوا الأبواب إلاّ باب علي (عليه السلام) من وضع الرافضة قابلوا بها الحديث المتفق على صحته في : سدو الأبواب إلاّ باب أبي بكر(2) .
وهذا من باب «رمتني بدائها وانسلت» . وهي كارثة على الأمة لأنّ الأحاديث الموضوعة في مناقب القوم ما وضعت إلاّ مناقضة لمناقب أهل البيت (عليهم السلام) الثابتة بأمر معاوية ولما بعد الزمان وتطاولت السنون بيننا وبين عصر الإسلام الأول صعب علينا وربما استحال التفريق بين الحديثين الأصيل والدخيل الصحيح والموضوع ومن ثم سهل على المدّعين نعت أي واحد منهما بما شاءوا من النعوت .
ولهذا تمت لابن الجوزي مزعمته عن حديث باب علي أن ينبزه بالوضع للمناقضة والحال أنّ الحديث الذي اعتبره صحيحاً هو حامل هذه الصفة وستعرف ذلك قريباً إن شاء الله .
ــــــــــــــــ
(1) القول المسدد في الذب عن مسند أحمد المطبوع بذيل المسند ، ص491 .
(2) ابن الجوزي ، الموضوعات ، ج1 ص366 .

الصفحة 207
 اثبات ابن حجر للحديث
قال : هوحديث مشهور له طرق متعددة ، كل طريق منها على انفراده لا تقصر عن رتبة الحسن ومجموعها مما يقطع بصحته على طريقة كثير من أهل الحديث وإمّا كونه معارضاً لما في الصحيحين فغير مسلم ليس بينهما معارضة وبعد كلام رد به على البزار قال : فمن طرقه ما رواه الإمام أحمد في مسنده أيضاً في مسند زيد بن أرقم قال : حدثنا محمد بن جعفر ثناعون عن ميمون عن زيد بن ارقم قال كان لنفر من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أبواب شارعة في المسجد قال : فقال يوماً (سدوا هذه الأبواب إلاّ باب علي) قال : فتكلم في ذلك أناس قال : فقام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أما بعد فاني أمرت بسد هذه الأبواب غير باب علي فقال فيه قائلكم وإني والله ما سددت شيئاً ولا فتحته ولكن أمرت بشيء فاتبعته(1) .
وشرع الحافظ في بيان طرقه الكثيرة والجفاظ الذين أخرجوه ومنهم النسائي والحاكم عن أحمد بن حنبل وقول الحاكم : صحيح الإسناد والحافظ المقدسي في الأحاديث (المختارة) مما ليس في الصحيحين ، قال : ومن طرقه أيضاً ما رواه النسائي في السنن الكبرى والكلايذي في معاني الأخبار والترمذي بسنده عن ابن عباس قال : امر رسول الله بسد الأبواب فسدّت إلاّ باب علي .
قال : وروى الإمام أحمد والنسائي أيضاً من طريق أبي عوانه الوضّاح عن ابي بلج يحيى عن عمر بن ميمون قال قال ابن عباس في أثناء حديث : .. وسدّوا أبواب المسجد غيرباب علي فكان يدخل المسجد وهوجنب وهوطريقه ليس له طريق غيره قال : وأخرج النسائي والطبراني في الأوسط حديث سعد بن ابي وقاص عن مصعب بن سعد عنه قال : أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بسد الأبواب إلاّ باب علي فقالوا يا رسول الله ! سددت أبوابنا كلها إلاّ باب علي ! فقال : ما أنا سددت أبوابكم ولكن الله سدّها .
وأخرجه الكلابذي في معاني الأخبار عن عبدالله بن عمر(2) إلى أن قال 
ــــــــــــــ
(1) ابن حجر ، القول المسدد ، ص492 ذيل المسند .
(2) القول المسدد ، ص492 بتصرف .

الصفحة 208
الحافظ ابن حجر : فهذه الطرق المتظاهرة من روايات الثقات تدلّ على أن الحديث صحيح دلالة قوية وهذا غاية نظر المحدث(1) .
أقول أنا لم ينسبه إلى الوضع إلاّ ابن الجوزي في كتابه الموضوعات وقد رد عليه الحافظ ابن حجر بما فيه مقنع كما رد عليه الحافظ السيوطي في اللئالي المصنوعة وبالغ في الرد عليه ولم تكن لابن الجوزي حجة إلاّ أنّه معارض بالحديث الوارد في الصحيحين كما مر من قول ابن حجر وقد بذل القوم جهداً عجيباً أدخلهم في حيص بيص في سبيل الجمع بين الحديثين ولم يوفقوا والحمد لله وقد ارتكبوا المخالفات وتأول الأقوال المضحكة حول ذلك من أجل الجمع والذي حملهم على هذا الجهد هو القاعدة التي لا يمكن تجاوزها وهي : اعتبار (ما اتفق عليه الشيخان) من المتواتر الذي لا يجوز ردّه قال في طلعة الأنوار :
أعلى الصحيح ما عليه اتفقا     وما روى الجعفي فرداً ينتقى
والجعفي هو محمد بن اسماعيل البخاري . وما اتفق عليه الشيخان (البخاري ومسلم) لا شك عند السنة في صحته بل عده بعضهم كابن الصلاح مثل المتواتر حكماً كما أشرت إليه في دليل الناسك بقولي : وابن الصلاح قال : إن ما جرى بوفق ذين مثل ما تواتر ...(2)
وهذا الذي حمل ابن الجوزي على رد الصحيح الثابت من أجل الباطل الموضوع .
بعد أن سفّه ابن حجر قول ابن الجوزي وأثبت جهله شرع في عمليه الجمع بين البابين فارتكب لذلك مخالفات عجيبة فتارة يسميه أي باب أبي بكر باباً وأخرى يسميه خوخة وثالثة ورابعة وهكذا ولم يصل إلى قعر المأساة بل ظل عقله معلقاً في فراغ هائل كالريشة في الفراغ يستبد بها الهواء وكان عليه أن يقول الحقيقة ويخترق الطريقة ويزيّف القاعدة صيانة للعقل وكرامة للعلم ودفعاً للهوى هلاّ القى نظرة على واقع الأمر فيعلم أن باب أبي بكر وضعه الواضع في مقابل باب علي (عليه السلام) .
ــــــــــــــــــ
(1) القول المسدد ، ص492 بتصرف .
(2) محمد حبيب الله الجكني ، زاد المسلم ، ج1 ص5 وص6 .

الصفحة 209
لأنّ بيوت أبي بكر ليست ملاصقة للمسجد ليكون له باب شارعاً فيه وإنما بينه وبين المسجد بيوت ممتدة تحجز بينه وبين جدار المسجد يقول محمد حبيب الله الجكنى : يشير به أي بسدّ الباب ـ إلى قطع المنازعة مع أبي بكر في أمر الخلافة على الاستعارة التصريحية بأن شبّه طريق النزاع فيه بالابواب وقرينته ذكر المسجد الذي كان عامة جلوس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأحكامه فيه ولم يكن بيت أبي بكر متصلاً به وهذا الحديث قاله عليه السلام والصلاة في مرض موته في آخر خطبه خطبها ولا ينافيه قوله : في حق علي كرّم الله وجهه : (سدّوا أبواب المسجد كلها إلاّ باب علي) لأنّه محمول على حقيقته لأن بيت علي ثبت أنّه كان في جنب المسجد النبوي فلم يقصد به الإشارة إلى خلافته أولاً قبل الصديق رضي الله عنهما جميعاً(1) .
أما أنا فاعذر هؤلاء المساكين الذين كمموا عقولهم وهي عقول علماء فحول بقواعد كانت لها بمنزلة القيود الثقيلة فهي ما فثئت ترسف بها فماذا يصنع الجكنى أو ابن حجر والسيوطي إزاء الطامة الكبرى (ما أنفق عليه الشيخان) .
أيضربون به عرض الجدار ويستعدون للبلاء النازل وأخفه الإتهام بالرفض أم يضحون بعقولهم على مذبح اتفاق الشيخين وكان اخف المصيبتين الأخيرة وهكذا فعلوا قلبوا الباب أولاً إلى خوخه ثم صيروره رمزاً وأشارة على الاستعارة التصريحية وهم يعلمون أنّ الواقع لا هذا ولا ذاك بل الحديث موضوع ليقابل حديث (إلاّ باب علي (عليه السلام)) والحديث سكته دار معاوية لضرب الأحاديث الموضوعة ولابد بعد الذي مرّ من مناقشة خفيفة وإن طال المقام .
 مناقشة لابد منها ولا محيص عنها
إنّ القوم لما اعيتهم الحيلة في الجمع بين الثابت الصحيح الذي تسالم الحفاظ على نقله وتصحيح سنده ومتنه وبين ما وضع معارضة له وليس له ما يدعمه من الثبوت إلاّ إخراج الشيخين البخاري ومسلم له في صحيحهما حاروا في أمرهم ودخلوا في طخية عمياء من رواتهم من ثم عمدوا إلى هذا الجمع العجيب الذي هو 
ـــــــــــــــ
(1) محمد حبيب الله الجكني ، زاد المسلم ، فيما اتفق عليه البخاري ومسلم ، ج1 ص86 .

الصفحة 210
أشد استحالة من الجمع بين الضب والنون .
والذي يبطل هذا الجمع ويرده ويجرده من الوزن والقيمة ..!!
أولاً : أكثر الروايات تنص على أنّه بابٌ وليس خوخة أبي بكر فماذا يصنعون بهذه الروايات فإن جوزوا عليها الوضع جاز أيضاً على روايات الخوخة إذ لا ترجيح في المسئلة وإذا رجحوا روايات الخوخة بداعي الجمع دفعاً للمعارضة رجحنا روايات الباب وحينئذ تتعارض مع الثابت الصحيح فتسقط وترد .
ثانياً : ليس لروايات باب أبي بكر من الإعتبار إلاّ كونها مما اتفق عليه الشيخان وهي قاعدة فولاذية قعّدوها لأمور خاصة واملتها مرحلة من الزمن معيّنة وما زالت فاعلة فينا .
وهذه القواعد عندنا هي بمنزلة الآلهة في العصر الجاهلي أسماء سُميت وما أنزل الله بها من سلطان صنعها الجاهلي بيديه ثم راح يعبدها كما يعبد المؤمن ربه ...
والمسئلة التي نحن فيها تقوقع في ظلام القاعدة (متفق عليه) ولا تدع مجالاً لبصيص من نور العقل ينفذ إليها ... ولو حكّموا العقل لأمكن ردّها بأقل اعتبار وعلينا كباحثين قبل أن نتمهذب لأحد النظر في هذه القاعدة بل الآلة !!
فإن رأيناها جارية في الجميع لم تُهمل من أفرادها واحداً بل استوعبت الكل فهذه مسئلة أخرى يختلف موقفنا معهم فيها .
ومع عدم جريانها في الجميع بل أجريت في البعض وأهملت في البعض الآخر من قبل واضعيها جاز حينئذ إهمالها ولم يبق لها الإعتبار المدعى وكان شأنها شأن القواعد الدستورية فلو أنّ قاعدة رفع الفاعل أو نصب المفعول لم تكن عامة في الجميع بل جاز أن ينصب بها الفاعل ويرفع المفعول لكانت مهملة غير معتبرة عند أحد .
وهكذا الحال بالنسبة إلى هذه القاعدة فقد اضطر عبّادها إلى الحكم برد بعض أفرادها . وهي رواية الابتر ابن الابتر عمرو بن العاص عن النبي : آل أبي طالب ليسوا لي بأولياء فحكموا بعدم صحتها بل بوضعها نظراً للخطأ المترتب على إثباتها لأن لفظ 

الصفحة 211
(آل) معناها لغة الأهل والعيال والإتباع(1) وبناءاً على هذا المعنى يكون بنو هاشم جميعاً بمن فيهم جعفر وحمزة والحسن والحسين ليسوا لرسول الله بأولياء وهذا أولاً مدفوع بالقرآن الكريم ، وفيه قوله تعالى : (وأُولُوا الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى‏ بِبَعْضٍ) وثانياً في السنة النبوية عشرات الأحاديث تصادم موضوعة ابن العاص وتردها وكلها اظهار لفضل آل ابي طالب وبيان لمناقبهم واشادة بهم وفيها أحاديث تتناقض مع موضوعة ابن العاص لفظاً ومعنىً كقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) لأمير المؤمنين (عليه السلام) في غدير خم (من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم والي من والاه وعاد من عاداه)(2) فكيف والحال هذه يقول من أوتي جوامع الكلم (ليسوا لي بأولياء) ليشمل حتى بضعته الزهراء لأنها آل لأبي طالب (عليه السلام) .
من هنا اضطرتهم الحال إلى الإيهام أولاً فصيّروها آل فلان ثم صرفوها إلى ابن العاص وممن نقل ذلك القاضي عياض والرجل على فضله ووفور علمه لم يسلم من الغفلة والغفلات تعرض للأريب فإذا جاز اعتبار هذا الحديث موضوعاً أو متناهياً في الضعف على أقل تقدير مع كونه متفقاً عليه جاز ردّ رواية باب أبي بكر بانخرام القاعدة التي صححوه وقبلوه بها .
ثالثاً إنّ بيت أبي بكر لم يكن ملاصقاً للمسجد حتى يكون بابه أو خوخته شارعة فيه بل يفصل بينه وبين المسجد خوخات وبيوت وأبواب ولذا الجئتهم ضرورة الحال إلى التأويل بحمل ذلك على إشارة الإستخلاف وهنا ينبغي عليهم الإقرار بالنص كالشيعة وحينئذ يسهل الجدل معهم بتفييم النصين الواردين عن النبي في الإمام (عليه السلام) وأولهم .
وعرض كل واحد من النصين على الموازين العلمية والقواعد الثابتة المقررة في أصل الشرع لإختيار الحق منهما واعتماده في تأسيس الإعتقاد مع أنّهم لا يقولون بالنص : فكيف يمكن الجمع بين هذا وذاك رابعاً أنّ المتتبع لروايات الباب والخوخة 
ــــــــــــــ
(1) صحاح الجوهري ، مادة أول .
(2) الحديث الشريف أكثر من متواتر ويكون ذكرنا للمصادر التي اخرجته كمن يوقد شمعه للإستضاءة في ضوء الشمس ولك أن تنظر محمد السعيد زغلول ، موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف ، حرف الميم .

الصفحة 112
البكريين يقع على اضطراب في سياق الرواية فضيع لا يمكن أن يصدر من إنسان سوي فضلاً عن سيد البلغاء والفصحاء والأنبياء ألا تراه بينا هو ينعى نفسه على رؤوس المئات من أفاضل الصحابة وفيهم الخطباء والشعراء وأهل الحل والعقد وفيهم من تحل له الحبى من بني عبدالمطلف الادنين فاكدت الأذهان ونضبت القرائح وغاضت الفهوم ولم يبق ذهن فاعل منها إلاّ ذهن أبي بكر فعرف ما يرمي إليه النبي فبكى ولم تكتف الرواية برمي الصحابة بقلة الادراك بل قذفتهم بالبلادة والبلاهة حيث عجبوا من بكاء نابغتهم أبي بكر من قول قاله النبي ولا موجب للبكاء .
فما كان من النبي إلاّ أن يتباهى بأبي بكر وصحبته ويخلع عليه فضيلة الخوخة الوهمية الرمزية التي يعجز عن فهمها حتى الملائكة المقربون فما هو الرابط بين صدر الرواية وعجزها ومقدّمها وتاليها يا امة القرآن .
ولكي تطّلع على واقع الحال وتسلم من قيل وقال وتستغنى عن السؤال انقل لك سياقاً واحداً من باب ابي بكر بلفظ البخاري الذي أخرجه في المناقب باب قول النبي سدّوا الأبواب إلاّ باب أبي بكر ....
عن أبي سعيد الخدري (رضي الله عنه) قال : خطب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الناس وقال : إنّ الله خيّر عبداً بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ذلك العبد ما عند الله قال : فبكى ابوبكر فعجبنا لبكائه أن يخبر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن عبد خيّر فكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) هو المخيّر وكان أبوبكر اعلمنا فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إنّ من أمن الناس علي في صحبته وماله ابابكر ولو كنت متخذاً خليلاً غير ربي لاتخذت ابابكر ولكن اخوة الإسلام ومردّته لا يبقين في المسجد باب الاسد إلاّ باب أبي بكر(1) .
وأخرجه البخاري أيضاً في باب الهجرة ومسلم في كتاب فضائل الصحابة في باب أبي بكر .
وهذه الرواية تنص على أنّه باب وليس خوخة وبعد هذا نقول لأهل الجمع بين الضب والنون وعباد القواعد كيف تكون لأبي بكر المنة على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)والله تعالى يقول : يمنون عليك أن أسلموا بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان ..
ــــــــــــــــ
(1) محمد بن اسماعيل البخاري ، الجامع الصحيح ، ج5 ص4 ، ط مطابع الشعب ، مصر .

الصفحة 213
هذا من جهة ومن جهة أخرى إذا صح سد الأبواب قبل هذا باعوام كما تقرر في باب أميرالمؤمنين (عليه السلام) فكيف بقيت هذه الأبواب وهذه الخوخات مفتوحة ولو أنّ القوم نبذوا هذه القواعد الباطلة ظهر يا وضربوا بها عرض الجدار لعلموا أنّ باب أبي بكر ما هو إلاّ من وضع السياسة الأموية التي أقرّها معاوية بن أبي سفيان ليقابلوا به باب علي الذي هو باب حطة وباب الرحمة الواسعة ومن دخله كان آمناً من عذاب الله لقد كان من التواتر والشهرة بين المسلمين بحيث أقر به العدو والولي والدني والقصي .
يقول عبدالله بن عمر : كنا نقول في زمن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : رسول الله خير الناس ثمّ أبوبكر ثم عمر ولقد اوتي ابن ابي طالب ثلاث خصال لأن تكون لي واحدة منهن أحب إلي من حمر النعم زوجه رسول الله ابنته وولدت له وسد الأبواب إلاّ بابه في المسجد وأعطاه الراية يوم خيبر(1) .
أخرج ابن مردويه عن أبي الحمراء وحبه العرني قالا : أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن تسد الأبواب التي في المسجد فشق عليهم قال : حبه إني لانظر إلى حمزة بن عبدالمطلب وهو تحت قطيفة حمراء وعيناه تذرفان وهو يقول : أخرجت عمك وأبابكر وعمر والعباس واسكنت ابن عمك فقال رجل !!(2) يومئذ : ما يألو يرفع ابن عمه قال : فعلم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قد شق عليهم فدعا الصلاة جامعة فلما اجتمعوا صعد المنبر فلم يسمع لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) خطبة قط كان ابلغ منها تمجيداً وتوحيداً فلما فرغ قال : أيها الناس ما أنا سددتها ولا أنا فتحتها ولا أنا اخرجتكم واسكنته ثم قرء والنجم إذا هوى ، إلى يوحى(3) .
نكتفي بهذا المقدار في اعطاء صورة لنموذج ما كان يفعله ابن هند من الوضع والدس حيث كتب إلى مرتزقته مثل أبي هريرة وعروة بن الزبير وغيرهما ... : ولا تتركوا خبراً يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب إلاّ وائتوني بمناقض له في 
ــــــــــــــــــ
(1) أحمد بن حنبل ، المسند ج2 ص26 .
(2) لا أشك أنّه عمر .
(3) السيوطي ، الدر المنثور ، ج6 ص122 ، ط دار المعرفة ، بيروت .

الصفحة 214
الصحابة فإن هذا أحب إلي واقر لعيني وأدحض لحجة أبي تراب وشيعته ....(1)
وما درى أن حجة أبي تراب وشيعته هي حجة الله ولله الحجة البالغة والواقع أنّ باب علي هو ذلك الباب الذي يفضي إلى مدينة العلم رسول الله وليس تلك الألواح المسمّرة إلى بعضها البعض ولو كان الثاني لكان استاذه عمر قد انتصر على علي منذودهر بعيد حين أحرقه بالنار .
لو لا احتراق الباب ما احترقت لهم      فـي الـغاضرية اربـع وسـتور
لـو لـم تـسير الطهر فاطم خلفه      مـا  زيـنب خـلف العليل تسير
لـو لـم يـقاد المرتضى من داره      مـا قـيد الـسجاد وهـو اسـير
ومن أبواب الشر والكذب التي فتحها معاوية وما زالت اعاصير الشر والفتن تهب على الأمة منها أمس واليوم هي القصص .
أخرج الزبير بن بكار في أخبار المدينة عن نافع وغيره من أهل العلم قالوا: لم يقص في زمن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا في زمان أبي بكر ولا زمان عمر و إنّما القصص محدّث أحدثه معاويه حين كانت الفتنة(2).
وهذا باب في الكذب واسع طالما سال منه الصديد والنتن حتى ملأ بطون الكتب والمعاجم.
أخرج السلفي من طريق الفضل بن زياد قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: اكذب الناس السؤال والقصاص وعن أبى قلابة: ما أمات العلم إلا القصاص.
وأخرج العقيلي عن عاصم قال: كان أبو عبد الرحمن يقول: اتّقوا القصاص(3).
وباب الكذب الذى فتحه ابن آكلة الأكباد وصنيعة ابن الخطاب واسع جدّاً ولكنّنا نعرض عنه ونقفله ونلعن من فتحه. وحسبه انّه الآن تبوّأ مقعده من النار.
ـــــــــــــــــ
(1) النصائح الكافية ، ص97 .
(2) أبو رية (رحمه الله) ، أضواء على السنة المحمدية ، ص124.
(3) أبوريه ، اضواء على السنة المحمدية ، ص124. والواقع إنّ أوّل من قصّ تميم الداري بإذن عمر . انظر . مناهج التأليف عند العلماء العرب ، ص29 .

الصفحة 215
 السمة السادسة تخويف الناس وتطميعهم
اعتمد معاوية فى علاقته بالرعية على الإرهاب وسلّط عليهم سلاحين أحدهما أشد فتكاً من صاحبه السلاح الأول السيف. سله لعمّال قساة لايعرفون الرحمة وأمرهم بالقتل على الظنة والشبهة وأن لايتقاعسوا فى أخذ الشاهد بالغائب والحي بالميّت والبريء بالسقيم. وقد أنعمه هؤلاء الطغاة السفّاحون عيناً وقتلوا في الاُمّة قتلاً ذريعاً حتّى أصبح من ليس على دين معاوية أو مذهبه. لايدري أيصبح فيقتل أم يمسي فيقتل ناهيك بمن يتشيّع لأهل البيت (عليهم السلام).
السلاح الثاني. هو السلاح الصامت وقد سلّط هذا السلاح على أوليائه أكثر ممّا سلّطه على أعدائه وراح يحصد به الرؤوس والأعيان. حتّى ذلّ له الجميع وأطاعه القاصي والداني. فكان من لم ينله سلاح السيف. فإنّ سلاح السم له بالمرصاد. وكتب الى عمّاله نسخة واحدة الى جميع البلدان انظروا من قامت عليه البيّنة أنّه يحبّ عليّاً وأهل بيته فامحوه من الديوان واسقطوا عطاءه ورزقه وشفع ذلك بنسخة اُخرى:
من اتهمتموه بموالاة هؤلاء القوم فنكّلوا به واهدموا داره...(1).
واستعمل معاويه زياداً فكان اشد العمال حرصاً ودعوة الى لعن علي (عليه السلام)وسبّه. قال أبى الأثير: بعث زياد بن أبيه في طلب صيفي بن فسيل الشيباني فأتي به فقال له: يا عبدالله ما تقول في أبي تراب فقال: لا أعرفه فقال ما أعرفك به أتعرف عليّاً بن أبى طالب فذاك أبو تراب قال: كلاّ ذاك أبو الحسن والحسين فقال له صاحب الشرطة: يقول الأمير هو أبو تراب وتقول: لا. قال: فان كذب الأمير أكذب أنا وأشهد على باطل كما شهد؟ فقال له زياد: وهذا أيضاً علي بالعصى فأتي بها قال: ماتقول في علي قال: أحسن قول. قال: أضربوه فضربوه حتّى لصق بالأرض ثمّ قال: اقلعوا عنه ماقولك في علي قال: قال: والله لو شرحتني بالمواسي ما قلت فيه إلاّ ماسمعت مني قال: لتلعننه أو لأضربن عنقك قال: لا أفعل فأوثقوه حديداً وحبسوه قال الحافظ 
ـــــــــــــــــ
(1) النصائح الكافية ، ص98.
الصفحة 216
الذهبي في التذكرة قتل زياد رشيداً الهجري لتشيّعه فقطع لسانه وصلبه(1).
وقد ساعده على ظلمه وتجبّره قوم مرتزقة. هم عبيد الدنيا. والدين لعق على ألسنتهم:
قال معاوية لعمرو بن العاص: قدّم عك والأشعريين فأنهم كانوا أوّل من انهزم في هذه الجولة. فأتاهم عمرو، فبلغهم قول معاويه فقال رئيسهم مسروق العكّي: انتظروني حتى آتي معاوية. فأتاه فقال: افرض لقومي في الفين الفين. ومن هلك منهم فابن عمّه مكانه قال: ذلك لك. فانصرف الى قومه فاعلمهم ذلك. فتقدّموا فاضطربوا هم وهمدان بالسيوف اضطراباً شديداً فاقسمت عك لاترجع حتى ترجع همدان واقسمت همدان على مثل ذلك فقال عمرو لمعاويه، لقيت أسدٌ أسداً لم أرَ كاليوم قط فقال معاوية: لو ان معك حياً آخر كعكٍّ. ومع علي كهمدان لكان الفناء(2). فكانت مسألة عك هي من أجل دراهم الفين تصيّدوها من معاوية. بالطبع ماكانوا ليقبضونها بدون مقابل بل لابد من أن تطير الرؤوس وتطيح الأيدى وتقطع الأرجل فانظر الى وضع هؤلاء المرتزقين العجيب. رضوا بأن يبذلوا أغلى شيء عندهم. وهي الحياة بالثمن البخس دراهم معدودة.
واتّخذ معاوية سياسة الترغيب والترهيب شعاراً يرفعه في دولته... علماً منه أن النّاس ليسوا على شاكلة واحدة. فمنهم من يحركه المال كالشراع يتحرّك بإتّجاه الريح. ومنهم من لاتصبيه المادّة ولاتقع من نفسه موقعاً حسناً. لذلك جرّد في هؤلاء السيف وبالغ في سفك دمائهم حتّى لاثت فنائهم له كأهل الكوفة وأهل اليمن. وممّن ساقه بعض الترغيب سعيد بن عثمان بن عفان. وهذا يعطيك نموذجاً آخر لمن استسلم للمادّة فلان لمعاوية بعد أن كان عصياً مشمخراً. يقول ابن قتيبة:
لما قدم معاوية الشام أتاه سعيد بن عثمان بن عفان وكان شيطان قريش ولسانها قال: يا أمير المؤمنين علام تبايع ليزيد وتتركني فوالله لتعلم أن أبي خير من أبيه واُمّي خير من اُمّه وأنا خير منه.
ـــــــــــــــــ
(1) السيد بن عقيل ، النصائح الكافية ، ص103.
(2) الدينوري ، الأخبار الطوال ، ص186.

الصفحة 217
وانّك انّما نلت ما أنت فيه بأبي. فضحك معاوية وقال: يا أبي أخي. أما قولك: انّ أباك خير من أبيه. فيوم من عثمان خير من معاوية وأما قولك: انّ اُمّك خير من امّه ففضل قرشية على كلبيّه فضل بيّن وأمّا أن أكون نلث ماأنا فيه بأبيك فإنّما هو الملك يؤتيه الله من يشاء قتل أبوك رحمه الله. فتواكلته بنو العاصي(1) وقامت فيه بنو حرب فنحن أعظم بذلك منةً عليك وأمّا أن تكون خيراً من يزيد فوالله ما أحب أن داري مملوءة رجالاً مثلت بيزيد ولكن دعني من هذا القول. وسلني أعطك فقال سعيد بن عثمان: يا أمير المؤمنين، لايعدم يزيد مركباً مادمت له وماكنت لأرضى ببعض حقّي دون بعض. فأذا أبيت فاعطني ممّا أعطاك الله فقال معاوية لك خراسان قال سعيد ماخراسان؟ قال: إنها لك طعمة وصلة رحم. فخرج راضياً وهو يقول:
ذكـرت أمير المؤمنين وفضله      فقلت جزاه الله خيراً بما وصل
وقـد سـبقت منّى إليه بوادر      من القول فيه آفة العقل والزلل
فـعاد أمـير المؤمنين بفضله      وقـد كان فيه قبل عودته ميل
وقال  خراسان لك اليوم طعمة      فجوزي أمير المؤمنين بما فعل
فـلو  كان عثمان الغداة مكانه      لما  نالني من ملكه فوق مابذل
فلمّا انتهى قوله الى معاوية، أمر يزيد أن يزوّده وأمر إليه بخلعه(2) وهذه الطعمة الخراسانية هي والطعمة المصرية التي رضخها لإبن العاص سواء. فقد اشترى من هذا وذاك. ذمتهما ودينهما. ان كان لهما ذلك واستطاع معاوية بما بذل وما أرهب ترويض الأمة فلانت لحكمه ولولا ذلك لكان أبعد الناس عن الحكم.
ــــــــــــــــــــ
(1) تواكلته بنو العاص : تركت القصاص من قتلته.
(2) ابن قتيبة ، الأمامة والسياسة ، ج1 ص5/164.

الصفحة 218
 السمة السابعة: اختيار الجناة والقساة والطغاة والفسّاق لتوليتهم على الاُمّة
فخوّضوا في الدماء وأظهروا فيها الفساد
اختلفت سياسة الحكّام في اختيار الولاة. فقد كان عمر يختارهم من المغمورين الذين لاشأن لهم ليكونوا أطوع له وأسهل عليه وتكون الاُمّة أقل احتفاءاً بهم والتفافاً عليهم. امثال أبى هريرة والأشعري وابن مسعود وغيرهم.
وكان الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) وشعاره في التولية الأمانة والدين. وقد قال لطلحة والزبير (نحن لانولي إلاّ من ارتضينا امانته ودينه) ولم يأت الزمان بمثل أمير المؤمنين. فلم بمتد بهذا المبدأ العمر الا ريثما انتقل الإمام الى الرفيق الأعلى فكانت الولايات تقدم الى الرجل طبقاً لمواصفات خاصة في الوالي أو الموليّ وتحضرني الآن نكتة غريبة عن مزاج المأمون العباسي في التولية وربّما تكون غريبة عن الباب ولكن لها نسب جدُّ قريب فيما نحن فيه وهي طريفة ممتعة.
عن محمّد بن الجهم البرمكي قال: قال لي المأمون يوماً: يامحمّد انشدني بيتاً في المديح جيداً فاخراً عربياً لمحدث حتى أوليك كورة تختارها قال: قلت. قول علي بن خليل:
فمع السماء فروع نبتهم    ومع الحضيض منابت الغرس
متهلـلين على أسرتهم     ولدى الهياج مصاعب شمس
فقال احسنت. قد وليتك الدينور.
فانشدني بيت هجاء على هذه الصفة حتى أوليك كورة اُخرى. فقلت:
قبحت مناظرهم فحين خبرتهم     حسنت مناظرهم لقبح المخبر
فقال قد أحسنت قد وليتك همذان فانشدني مرثية على هذا حتّى اوليك. حتى أزيدك كورة اُخرى فقلت قول الذي يقول:
أرادوا ليخفوا قبره عن عدوه     فطيب تراب القبر دل على القبر
فقال: قد أحسنت قد وليتك نهاوند فانشدني بيتاً من الغزل على هذا الشرط حتّى اوليك كورة اخرى. فقلت قول الذي يقول:
تعالى نجدد دارس العلم بيننا     كلانا على طول الجفاء ملوم

الصفحة 219
فقال قد أحسنت قد جعلت الخيار إليك فاختر فاخترت السوس من كور الأهواز فولاني ذلك أجمع ووجهت الى السوس بعض أهلي(1).
ولا أعلم سياسة في العالم تضارع سياسة التولية بالشعر غير ناظرة الى الكفائة والأمانة والدين. وأمّا معاوية فقد انتهج في التولية خطة اُخرى. هي اختيار الوالي. إذا كان اشد اجراماً وأعظم فتكاً وأكثر ارهاباً من غيره. فمن هؤلاء زياد بن سميّة.
وقد مرّ عليك في أثناء هذا الكتاب أنّ زياداً استعمل في زمن الإمام (عليه السلام) . فلم يرق محجمة دم واحدة ولم يحتقب مالاً لنفسه ولم يشكه أحدٌ من رعيته وكان الإمام (عليه السلام) قد فرض رقابة عتيدة على الولاة. وقلب نظام الجاسوسية من الرعية فجعلها على الولاة ومنهم زياد. جاء في عهده لمالك الأشتر:
ليكن أبعد رعيتك منك واشنؤهم عندك أطلبهم لمعائب الناس. فأنّ في الناس عيوباً الوالي أحق من سترها. فلا تكشفنّ عمّا غاب عنك منها فإنّما عليك تطهير ماظهرلك. والله يحكم على ما غاب عنك فاستر العورة ما استطعت يستُر الله منك ماتحب ستره من رعيّتك.
ويقول (عليه السلام): ثمّ انظر في امور عمّالك. فاستعملهم اختباراً ولا تولهم محاباة وأثره. فإنّهما جماع من شعب الحور والخيانة الى أن يقول (عليه السلام): ثمّ تفقدّ أعمالهم وابعث العيون من أهل الصّدق والوفاء عليهم فإنّ تعاهدك في السر لاُمورهم. حدوة لهم على استعمال الأمانة والرفق بالرّعية(2).
وهذا النظام البديع من الرصد والمراقبة. هو الذى حمل زياداً واضرابه على احترام العدل والكف عن ظلم الرعية.
اما ابن هند فقد كان يبيح للعامل فعل كلّ ذنب وإتيان كلّ جرم إذا كان يجلب له الذهب ويمده به متدفقاً في الليل والنهار.
افتتح معاوية عهده بخطبة تنذر بالشر وتفصح عمّا كان قد اضمر للاُمّه وما ينوي ايقاعه بها من النكال. فقد قال:
ـــــــــــــــــ
(1) الأغاني ، ج14 ص178.
(2) في ظلال نهج البلاغة ، ج4 ص52 وص79.

الصفحة 220
ايها الناس! إنّ الحرب صعبة وانّ السلم من ومبره ألا وقد زبنتنا الحرب وزبنّاها. ـ كرهتنا وكرهناها ـ والفتنا والفناها فنحن بنوها وهي امّنا أيّها الناس! استقيموا على سبيل الهدى ودعوا الأهواء المضلّه والبدع المردية ولست أراكم تزدادون بعد الوصاة الا استجراءاً ولن ازداد بعد الأعذار والحجة عليكم الا عقوبة وقد التقينا نحن وأنتم عند حد السيف فمن شاء فليتحرّك أو يتقهقر ومثلي ومثلكم الا كما قال ابن قيس بن رفاعة الأنصاري:
من يصل ناري بلا ذنب ولاترة     يصلى بنار كريـم غـير غدّار
انا النـذير لكم منّي مجاهـرة     كي لا ألام على نهيي وانذاري(1)
فهذه الخطبة تدل دلالة قاطعة على مايخبئ عدوّ الله للنّاس من عتو وطغيان وقد أتبع القول بالعمل فسلّط على العراق زياداً. وما هي إلاّ أيّام قلائل حتّى صرّح عن محضه وكشف عن حقيقته بتلك الخطبة البتراء. والواقع انّ حقيقة معاوية ايضاً كامنة تحت ظلّ الفاظة وجمله الجائرة يقول الطبري:
انّ معاوية استعمل زياداً على البصرة وخراسان وسجستان ثمّ جمع له الهند والبحرين وعمّان وقدم البصرة في آخر شهر ربيع الآخر أو غرّة جمادى الاُولى سنة خمس والفسق بالبصرة ظاهر فاش. فخطب خطبة بتراء.
أما بعد فانّ الجهالة الجهلاء والضلالة العمياء والفجر الموقد لأهله النار الباقي عليهم سعيرها مايأتي سفهاءكم ويشتمل عليه حلماؤكم من الاُمور العظام. ينبت فيها الصغير. ولايتحاشى منها الكبير. كأن لم تسمعوا بآي الله ولم تقرءوا كتاب الله ولم تسمعوا ما أعدّ الله من الثواب الكريم. لأهل طاعته والعذاب الأليم لأهل معصيته الى أن يقول:
انّي رأيت آخر هذا الأمر لايصلح إلاّ بما صلح به أوّله. لين في غير ضعف وشدّة في غير جبرية وعنف واني أقسم بالله لأخذن الولي بالولي والمقيم بالظاعن. والمقبل بالمدبر والصحيح منكم بالسقيم حتّى يلقى الرجل منكم أخاه فيقول: انج سعد فقد هلك سعيد. او تستقيم لي قناتكم. ان كذبة المنبر تبقى مشهورة. فاذا 
ـــــــــــــــــ
(1) القلقشندي ، صبح الأعشى ، ح1 ص259.

الصفحة 221
تعلقتم عليّ بكذبة فقد حلّت لكم معصيتي...(1). والخطبة طويلة وبهذا المقدار الكفاية ولقد وفّى زياد بما قطع على نفسه. فقتل الآلاف من الأبرياء في العراق والمدن التي تحت ولايته.
واستعمل زياد على شرطته عبدالله بن حصن فامهل الناس حتّى بلغ الخبر الكوفة وعاد إليه وصول الخبر الى الكوفة وكان يؤخر العشاء حتّى يكون آخر من يصلي ثمّ يصلي، يأمر رجلاً فيقرأ سورة البقرة ومثلها يرتل القرآن. فإذا فرغ أمهل بقدر مايرى أن انساناً يبلغ الخريبة ثمّ يأمر صاحب شرطته بالخروج. فيخرج ولا يرى انساناً الا قتله، قال: فأخذ ليلة اعرابياً فأتي به زياداً فقال: هل سمعت النداء؟ قال: لا والله. قد مت بحلوبة لي وغشيني الليل.
فاضطررتها الى موضع. فاقمت لأصبح ولا علم لي بما كان من الأمير. قال: اظنّك والله صادقاً ولكن في قتلك صلاح هذه الاُمّة ثمّ أمر به فضربت عنقه.
ولا يحل دم هذا المسكين في أي مذهب من مذاهب طغاة العالم قديماً وحديثاً الا في مذهب معاوية وزياد بن أبيه. وقال الطبري أيضاً:
وكان زياد أوّل من شدّ أمر السلطان واكدّ الملك لمعاوية. وألزم الناس الطاعة. وتقدّم في العقوبة وجرّد السيف، وأخذ بالظنة وعاقب على الشبهة وخافه الناس في سلطانه خوفاً شديداً ...(2) ومن عمال معاوية سمرة بن جندب ..
عن محمد سليم قال : سألت أنس بن سيرين هل كان سمرة قتل أحداً ؟ قال : وهل يحصى من قتل سمرة بن جندب ! استخلفه زياد على البصرة وأتى الكوفة فجاء وقد قتل ثمانية آلاف من الناس فقال له : هل تخاف أن تكون قد قتلت أحداً بريئاً ؟ قال : لو قتلت إليهم مثلهم ما خشيت أو كما قال(3) .
عن أبي سوار العدوي ، قال : قتل سمرة من قومي في غداة واحدة سبعة وأربعين رجلاً قد جمع القرآن(4) .
ــــــــــــــــــــ
(1) الطبري ، تاريخ الرسل والملوك ، ج5 ص219.
(2) الطبري ، تاريخ الرسل والملوك ، ج5 ص221 وص222.
(3) نفسه ، ج5 ص236 والبلاذري ، أنساب الأشراف ، ج5 ص220 .
(4) تاريخ الطبري ، ج5 ص237 .

الصفحة 222
وكان القتل عند سمره وأصحابه لمجرد التشهي والمتعة عن عوف ، قال : اقبل سُمرة من المدينة فلما كان عند دور بني اسد خرج رجل من بعض ازقّتهم ففجأ أوائل الخيل فحمل عليه رجل من القوم فأوجره الحربة قال : ثم مضت الخيل فأتى عليه سمرة بن جندب وهو متشحط في دمه فقال : ما هذا ؟ قيل : اصابته أوائل خيل الأمير قال : إذا سمعتم قد ركبنا فاتقوا اسنتنا .
إنّ زياداً اشتد في أمر الحرورية بعد قريب وزحّاف فقتلهم وأمر سُمره بذلك وكان يستخلفه على البصرة إذا خرج إلى الكوفة فقتل سمره منهم بشراً كثيراً كل هذا فعله وهو لم يبق في الإمارة أكثر من ستة أشهر فقد أقرّه معاوية بعد زياد ستة أشهر ثم عزله فقال سمره : لعن الله معاوية ! وألله لو اطعت الله كما اطعت معاوية ما عذبني ابداً(1) .
ونقول له لعن الله كليكما ، فهذه حسرة الدنيا وأما الآخرة فإنّ الله أشد انتقاماً وأعظم تنكيلاً .
وكان الناس في زمن هؤلاء الطغاة يأمنون الوحوش والسباع ويخافونهم لأن الوحش أكثر رفقاً بالإنسان من زياد وسمره . يقول الفرزدق وقد خرج هارباً من زياد مع دليله مقاعس : فخرجنا إلى بانقيا حتى انتهينا إلى بعض القصور التي تنزل فلم يفتح لنا الباب فالقينا رحالنا إلى جنب الحائط والليلة مقمرة فقلت يا مقاعس أرأيت إن بعث زياد بعد ما تصبح إلى العتيق رجالاً ، أيقدرون علينا ؟ قال : نعم يرصدوننا ولم يكونوا جاوزوا العتيق وهو خندق كان للعجم قال : فقلت : ما تقول العرب ؟ قال : يقولون امهله يوماً وليلة ثم خذه فارتحل فقال : إني أخاف السباع فقلت : السباع أهون من زياد فارتحلنا لا نرى شيئاً إلاّ خلفناه ولزمنا شخص لا يفارقنا فقلت : يا مقاعس أترى شخصاً ! لم نمرر بشيء إلاّ جاوزناه غيره فإنه يسايرنا منذ والليلة قال : هذا السبع قال : فكأنه فهم كلامنا .
فتقدم حتى ربض على متن الطريف فلما رأينا ذلك نزلنا فشددنا أيدي ناقتينا 
ـــــــــــــــــــ
(1) تاريخ الطبري ، ج5 ص291 ، الكامل ، ج3 ص245 ، المنتظم ، ج5 ص267 ولم يذكر ابن الجوزي لعن سمره معاوية .

الصفحة 223
بثنايين وأخذت قوسي وقال مقاعس : يا ثعلب أتدري ممن فررنا إليك ؟ من زياد فأحصب بذنبه حتى غشينا غباره وغشى نافثينا قال: فقلت: أرميه فقال: لا تهجه. فأنّه إذا أصبح ذهب. قال: فجعل يرعد ويُبرق ويزئر ومقاعس بتوعّده حتى انشقّ الصبح فلما رآهُ ولىّ وأنشأ الفرزدق. يقول:
مـا  كـنتُ احـسبنى جباناً بعدما      لاقـيـت لـيلة جـانب الأنـهارِ
لـيثاً كـان عـلى يـديه رحـالة      شـثن الـبراثن مـؤجد الأظـفار
لـما سـمعت لـه زمازم أجهشت      نـفسى  إلـيّ وقـلت أين فرارى
وربطت جروتها وقلت لها اصبرى      وشـددت  في ضيق المقام ازارى
فـلأنتَ  أهـون مـن زياد جانباً      أذهـب  إلـيكَ مخرِّم الأسفار(1)
واعتبر أنتَ أيّها القارىء بوال يكون السبع الضاري أهون جانباً منه..
ملأ زياد الأسلام بأمر معاوية دماً وإجراماً ولا يحصى من قتلهم بالسيف أو ما توافي سجنه تحت وطأة التعذيب فهلك ولمعاويه من اجرامه النصيب الأكبر.
وقرّب معاوية إلى سدّة حكمه كلّ من استشعر من نفسه حبّ الجريمة والولع بسفك الدم فأدناه وبذل له ما شاء من الدنيا الزائلة.
فهذا مسرف. مجرم الحرّة ومستبيح المدينة وقاتل الأبرار من صحابة وتابعين. كان من أقرب الناس إليه وآثرهم عليه واتّخذ منه مستشاراً له. ذكر ابن حمدون في تذكرته قال:
مرض سعيد بن العاص بالشام فعاده معاوية ومعه شرحبيل بن السمط ومسلم بن عقبة المري ويزيد بن شجرة الرهاوي فلمّا نظر سعيد إلى معاوية وثب عن صدر مجلسه إعظاماً له فقال له معاوية: أقسمت عليك أبا عثمان. فإنّك ضعفت للعلّة فسقط فبادر معاوية نحوه حتّى حنا عليه وأخذ بيده فأقعده معه على فراشه وجعل يسائله عن علّته ومنامه وغذائه ويصف له ما ينبغى أن يتوقّاه وأطال القعود عنده فلمّا خرج التفت إلى شرحبيل ويزيد بن شجرة فقال:
هل رأيتما خللا في حال أبي عثمان؟!
ــــــــــــــــــ
(1) الطبرى ، تاريخ الرسل والملوك ، ج5 ص247 .

الصفحة 224
فقالا: لا ما رأينا شيئاً ننكره فقال لمسلم: ما تقول أنت؟ قال: رأيت خللا قال: وما ذاك؟ قال: رأيت على حشمه ومواليه ثياباً وسخة ورأيت صحن داره غير مكنوس ورأيت التجّار يخاصمون قهرمانه.
قال: صدقت. كلّ ذلك قد رأيت. فوجّه إليه مع مسلم بثلاثمائة ألف. فسبق رسول مسلم إلى سعيد يبشّره بتوجيهها ويخبره بما كان فغضب سعيد وقال للرسول: إنّ صاحبك ظنّ أنّه أحسن فأساء وتأوّل فأخطأ. فأمّا وسخ ثياب الحشم فمن كثرت حركته اتّسخَ ثوبه وأما كنس الدار. فلست من جعل داره مرآته وبهاءه لبسته ومعروفه عطره ثمّ لا يُبالي من مات هزلا من ذوي رحمه أو لحمته. وأمّا منازعة التجّار قهرماني فمن كثرت حوائجه وبيعه وشرائه لم يجد بدّاً من أن يكون طالباً أو مطلوباً وأمّا المال الّذي أمر لنا به أمير المؤمنين فوصلته به كلّ رحم قاطعه وهناه كرامة المنعم بها وقد قبلناه وأمرنا لصاحبك منه بمأة ألف ولشرحبيل بن السمط بمثلها وليزيد بن شجرة بمثلها وفي سعة الله وبسط يد أمير المؤمنين ما عليه معوّلنا. فركب مسلم إلى معاوية فأعلمه فقال: صدقَ ابن عمّي فيما قال وأخطأت فيما أنهيت إليه فاجعل نصيبك من المال لروح بن زنباع عقوبة لك فإنّه من جنى جناية عُوقب بمثلها. كما أنّه من فعل خيراً كوفىء عليه...(1)
فأنت ترى أنّ مسرفاً أحد ثُقاته وهو مستشاره. وكان لثقته بمسلم يعدّه للوقائع الجسام والاُمور العظام حتّى أنّه لما حضرته الوفاة دعا يزيد فقال له: إنّ لك من أهل المدينة يوماً فإنّ فعلوها فارمهم بمسلم بن عقبة فإنّه رجل قد عرفنا نصيحته. فلمّا صنع أهل المدينة ما صنعوا وجه إليهم مسلم بن عقبة وقد بعث أهل المدينة إلى كلّ ماء بينهم وبين أهل الشام فصبّوا فيه زفاً من قطران وغوّروه فأرسل الله عليم السماء فلم يستقوا بدلو حتّى وردوا المدينة(2) .
وهنا لابدّ أن يذهب معاوية إلى ربّه وفي عنقه دماء شهداء الحرّة. كما أنّ من نصّبه وأعانه ذهب بشطر من هذه الدماء كبير. وأعجب من هؤلاء المجرمين. الرواة 
ــــــــــــــ
(1) التذكرة الحمدونية ، ج2 ص290 .
(2) تاريخ خليفة بين خياط ، ص229 ج1 ، تحقيق أكرم العمرى ، ط المجمع العراقي 1368 ، مطبعة الآداب النجف .

الصفحة 225
والمؤرّخون الّذين ينحازون إلى جانبهم. بخيوط وهمية من الاعتقادات الباطلة فهذا ابن الخيّاط. يرى أنّ الله أعان مسرفاً على أهل المدينة بالمطر. أرسله على جيشه لئلا يظمىء وحتى يكون أقدر على القتل واستباحة حمى مدينة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم).
وأعجب منه ابن تغري بردي. ذكر جرائم مسرف في الحرّة وكثرة من قتل من الصحابة والتابعين وأغمار الناس ثمّ أمسك عنه. لأنّه فيما يزعم من الصحابة. قال: وفيها أي سنة ثلاث وستين.
كانت وقعة الحرّة على باب طيبة. وهو أنّ يزيد بن معاوية بعث إليها جيشاً عليهم مسلم بن عقبة حين خالفوا عليه وأمره بهتك حرمة المدينة وكان مع مسلم اثنا عشر ألفاً فوصل مسلم المذكور إلى المدينة وفعل فيها ما لا يفعله مسلم فإنّه قتل في هذه الواقعة خلقاً من المهاجرين والأنصار وانتهكت حرمة المدينة وانتهبت وافتضّت فيها ألف عذراء واستشهد فيها عبدالله بن حنظلة الغسيل في ثمانية من بيته وله صحبة وروايةوقتل فيها أيضاً معقل بن سنان الأشجعي صبراً واستشهد أيضاً عبدالله بن زيد بن عاصم المازني النجاري وله صحبة ورواية واستشهد فيها أيضاً أفلح مولى أبي أيّوب. ومحمّد بن عمرو بن حزم الأنصاري ولد في حياة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ومحمّد بن ثابت بن قيس بن شماس حنَّكه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بريقه ومعاذ بن الحارث الأنصاري أبو حليمة القارىء الّذي أقامه عمر يصلي التراويح وتوفّي رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وله ستّ سنين ومحمّد بن الجهم بن حذيفة ومحمّد بن أبي حذيفة العدوي كلّ هؤلاء قتلوا يومئذ وهذا ممَّا اختصرته من مقالة الذهبي.
وقد ذكر هذه الواقعة أيضاً أبو المظفّر وساق فيها اموراً شنيعة إلى الغاية وفيما ذكرناه كفاية يعرف منها حال مسلم بن عقبة المذكور ويكفيك أنّه من يومئذ سمي مسلم المذكور (مسرف بن عقبة) وقيل: انّه أدرك النبىّ......
إلى أن يقول بعد كلام:
وذكر الذهبي رحمه الله: أنّ مسلماً هذا أدرك النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قلت ولهذا أمسكنا عن الكلام في أمره...(1)
ـــــــــــــــــــــ
(1) ابن تغري بردي ، النجوم الزاهرة ، ج1 ص160 وص161 .

الصفحة 226
وهذا ان حقّقت. هو دين القوم. الذهبي وابن كثير وابن تغري بردي وغيرهم. يذكر جرايم مسرف ثم يلقي عليه حصانة هي كالدرع المجفف . انّها الصحبة. فمسلم أو مسرف لا يرقى إليه الذم لأنّه أدرك النبي. أي لأنّه صحابي. فكيف والحال هذه لا يؤلّهون معاوية وصاحبه.
ونحن نقول لهم إنّ معاوية شريك في هذه الدماء الّتي أراقها مسلم والأعراض الّتي انتهكها. كما أنّ صاحبة الّذي ولاّهُ وجرّأه على الإسلام وسمّاه فتى قريش وأصمّ اُذنيه عن سماع كلّ كلمة تسيىء إليه وأمدّ له بالطغيان وقوّاه بالدعم المادي والمعنوي والعسكري أيضاً يتحمّل معه، التبعة الكبرى كذلك بشهادته على نفسه. حين قال له ابنه عبدالله عن علي(عليه السلام) لم لا تستخلفه؟! قال: أكره أن أتحمّلها حياً وميّتاً وبناءاً على هذا فالميت يتحمّل شطراً من تبعات الحيّ إذاكان شريكه في العمل وعونه عليه..
بسر بن أرطاة لعنه الله
وهذا نموذج ارهابي آخر من أعوان معاويه على الشرّ والجريمة. «بسر بن أرطاة» أحد بنى عامر بن لؤي بعثه معاوية بعد تحكيم الحكمين لقتل شيعة عليّ فمرّ في البلاد يشن الغارات ولا يكفُّون أيديهم عن النساء والصبيان!! ففعل ذلك بالمدينة ومكّة والسراة ونجران واليمن وكان عبيدالله بن العباس عاملا لعلي على اليمن وكان غائباً وقيل بل هرب من بسر ووجد صبيَّين له فذبحهما بمدية واسمهما عبدالرحمن وقثم وأصاب ام الصبيين وهي ام حكيم بنت فارط على ابنيها كالجنون فكانت لا تعقل ولا تصغى إلى قول من أعلمها أنّهما قد قتلا ولا تزال تطوف في الموسم تنشد الناس أبياتاً:
يـا  مـن أحسَّ بأبني الّذين هما      كـالدرّتين تشظى عنهما الصدف
يـا مـن أحسن بابني اللّذين هما      سمعي وقلبي فقلبي اليوم مختطف
نبثت بسراً وما صدّقت ما زعموا      من قولهم ومن الإفك الّذي اقترفوا
أنـحى  على ودجي ابنى مرهفة      مـشحوذة  وكـذاك الاثم يقترف
حـتّى  لـقيت رجالا من أرومته      شمّ  الاُنوف لهم في قومهم شرف

الصفحة 227
فالآن إلعن بسراً حقّ لعنته     هذا لعمر أبي بسر هو السرف
ولمّا بلغ عليّاً قتل الصبيَّين جزع ودعا على بسر فقال: اللهمّ اسلبه دينه ولا تخرجه من الدُّنيا حتّى تسلبه عقله. فأصابه ذلك وفقد عقله فكان يهذي بالسيف ويطلبه فيؤتى بسيف من خشب ويجعل بين يديه زق منفوخ فلا يزال يضربه ما شاء حتّى مات.
ولمّا كانت الجماعة واستقرّ الأمر على معاويه دخل عليه عبيدالله بن العبّاس وعنده بسر بن أرطاة فقال له عبيدالله: أنت القاتل للصبيَّين أيّها الشيخ؟ فقال بسر: نعم أنا قاتلهما فقال عبيدالله:
لوددت أنّ الأرض أنبتتني عندك فقال له بسر:
فقد انبتتك الآن عندي فقال عبيدالله:
ألا سيف؟ فقال بسر: هاك سيفى فلمّا أهوى عبيدالله إلى السيف ليتناوله أخذه معاوية ثمّ قال لبسر: أخزاك الله شيخاً قد كبرت وذهب عقلك تعمد إلى رجل من بني هاشم قد وترته وقتلت ابنيه تدفع إليه سيفك؟ أنّك لغافل عن قلوب بني هاشم والله لو تمكن منه لبدأ بى قبلك فقال عبيدالله أجل والله ثمّ لثنيتُ به(1) .
وذكر الطبري هذه الواقعة بإيجاز وقال:
ولقي بسر ثقل ابن العبّاس وفيه ابنان له صغيران فذبحهما وقد قال بعض الناس انّه وجد ابني عبيدالله عند رجل من بني كنانه من أهل البادية فلمّا أراد قتلهما قال الكناني علامَ تقتل هذين ولا ذنب لهما! فإن كنت قاتلهما فاقتلني قال: أفعل فبدأ بالكناني فقتله. ثمّ قتلهما ثمّ رجع بسر إلى الشام وقد قيل أنّ الكناني قاتَل عن الطفلين حتّى قتل وكان اسم أحد الطفلين اللّذين قتلهما بسر عبدالرحمن والآخر قثم. وقتل بسر في مسيره ذلك جماعة كثيرة من شيعة علي ...(2)
وقال اليعقوبي:
وخرجت نسوة من بني كنانة فقلن: يا بسر هذا الرجال يقتلون فما بال الولدان 
ــــــــــــــــــــ
(1) التذكرة الحمدونيّة ،. ج4 ص276 وص277 .
(2) تاريخ الطبري ، ج5 ص140 .

الصفحة 228
والله ما كانت الجاهلية تقتلهم والله إنّ سلطاناً لا يشتد إلاّ بقتل الصبيان ورفع الرحمة لسلطان سوء فقال بسر: والله لقد هممت أن أضع فيكن السيف وقدّم الطفلين فدبحهما(1) .
أجل ، إنّ سلطان معاويه سلطان سوء وبهذه النفس المريضة حكم المسلمين خليفة بل ملكاً عشرين عاماً. ملأ بها دنيا الإسلام جرائم ومئاسي ودماء حتّى هلك بعد أن وصل ماضيه الأسود بحاضر ولده. فتمّ لفلان ما أراد من دخول الإسلام في هذا النفق المظلم.
السمة الثامنة : المتاجرة بعرضه
وهذه السمة من أحطّ السمات. فقد ألف الناس من سيرة الحاكم. الترفّع عن هذه الدنايا بخاصّة. إذا كان أساس حكمه الدّين. وهو يدعى أمير المؤمنين. ولكنّ معاوية. رفع شعار المتاجرة بالعرض. في حكمه حتّى رُميَ بقلّة الغيرة(2) .
ولعلّ من شواهد قلّة الغيرة عنده إرسال جاريته إلى يزيد ولده ليحيي سنة اُميّة جدّه حين تنازل عن امرئته وزوّجها ولده أبا عمر.
قال خديج الخصي مولى معاوية:
اشترى معاوية جارية بيضاء جميلة فأدخلتها عليه مجردة وبيده قضيب. فجعل يهوي به إلى متاعها يعني فرجها ويقول: هذا المتاع لو كان لي متاع..
اذهب بها إلى يزيد بن معاويه. ثمّ قال: لا!
ادع لي ربيعة بن عمرو الجرشي وكان فقيهاً فلما دخل عليه قال: إنّ هذه أتيت بها مجردة فرأيت منها ذاك وذاك. وإنّي أردت أن أبعث بها إلى يزيد قال لا تفعل يا أمير المؤمنين فإنّها لا تصلح له فقال: نعم ما رأيت(3) .
والّذي أعتقده أنّ هذه الحكاية أكملت بعد معاوية وربيعة الّذي استفتاه 
ــــــــــــــــــ
(1) تاريخ اليعقوبي ، ج2 ص199 .
(2) الآبي ، نثر الدر ، ج3 ص18 .
(3) البداية والنهاية ، ج8 ص143 .

الصفحة 229
معاوية نسب إلى الفقه وكان يقصّ في زمن معاوية(1) ويقول أحمد بن حنبل عن هؤلاء القصاص أنّهم أكذب الناس.
وعن أبي قلابة: ما أمات العلم إلاّ القصاص(2) .
ونسب الجريش إلى الصحبة ولم تثبت. وكل من ترجم له أشار إلى ذلك. وقالوا عنه: كان زبيريّاً.
ولو أنّنا تابعنا الحكاية وصحّحنا مقدمها وتاليها. وقُلنا بما قاله شيعة ابن هند إنّ في ذلك دلالة على فقهه أما كان في تجريد الجارية من ثيابها بين يدي الخصي دلالة على فقدان الغيرة عنده. وليس الخصي لأنّه مجبوب بعد عن النساء أو اجتواهن. بل الخصي ينكح ويتّخذ الجواري ويشتد شغفة بالنساء وشغفهنّ به وهو وإن كان مجبوب العضو فإنّه قد بقي له ما عسى أن يكون فيه من ذلك ما هو أعجب إليهنّ. وقد يحتلم ويخرج منه عند الوطىء ماء ولكنّه قليل متغيّر الريح. رقيق ضعيف وهو يباشر بمشقّة ثمّ لا يمنعه من المعاودة الماء الّذي يخرج منه إذ كان قليل المقدار. لا يخرجه من القوّة إلى الضعف مثل الّذي يعتري من يخرج منه شيء يكون من إنسان وهو أخثر وأكثر. واجد ريحاً. وأصح جوهراً(3) .
وهذا كلام عالم بحقيقة وضع الخصي الجنسي. فكيف طابت نفس ابن هند أن يجرّد جاريته الجميلة بين يديه لو كان في رأسه قيراط غيرة.
وكما هانت عليه جاريته هانت عليه امّه فقد كانت تذكر بعض مزاياها النسائيّة بين يديه فلا يثير ذلك في نفسه شيئاً من الغيرة أو المروئة وينسبه من رآه إلى الحلم بل هو إلى فقدان الغيرة أقرب.
ذكر ابن كثير عن الأعمش أنّه قال:
طاف الحسن مع معاوية فكان معاوية يمشي بين يديه فقال الحسن ما أشبه إليتيه بإليتي هند؟.
ــــــــــــــــــ
(1) الحافظ المزي ، تهذيب الكمال ، ج6 ص172 ، ط دارالفكر ، بيروت 1414 هجري .
(2) محمود أبو ريّة (رحمه الله) ، أضواء على السنّة المحمديّة ، ص134 .
(3) الجاحظ كتاب الحيوان ، ج1 ص166 ، ط دارالفكر ، بيروت 1408 هجري .

الصفحة 230
فالتفت إليه معاوية فقال: أما إنّ ذلك كان يعجب أبا سفيان. (1)
وكذب بذلك الأعمش على الإمام الحسن(عليه السلام) لأنّه لا ينطق العوراء ولا يفحش بشهادة صاحب الإليتين.
قال معاوية: ما تكلّم عندي أحد كان أحب إلي إذا تكلّم أن لا يسكت من الحسن بن علي وما سمعت منه كلمة فحش قط إلاّ مرّة فإنّه كان بين الحسن بن علي وبين عمرو بن عثمان بن عفّان خصومة في أرض فعرض الحسن بن علي أمراً لم يرضه عمرو فقال الحسن: ليس له عندنا إلاّ ما رغم أنفه فهذه أشدّ كلمة فحش سمعتها منه قط(2) .
وشهادة معاوية شهادة عدو بفضل عدوّه ولا أستبعد أن يكون غُلمته أذاع عن الإمام الحسن حكاية العجيزة حسداً منهم لما عرف به الإمام الحسن(عليه السلام) من نزاهة المنطق وحُسن القول. ويدلّ على ذلك حكاية أخرى عن عجيزة هند وابنها جاءت في صبح الأعشى بسياق آخر يقول القلقشندى:
ومن غريب ما يُحكى في ذلك أنّ رجلا أخذَ خطراً من قوم على أن يُغضب معاوية ابن أبي سفيان مع غلبة حلمه فعمد إلى معاوية وهو ساجد في الصلاة فوضع يده على عجيزته وقال: ما أشبه هذه العجيزة بعجيزة هند!
يعني ام معاوية فلمّا سلّم من صلاته. التفت إلى ذلك الرجل وقال: يا هذا إنّ أبا سفيان كان محتاجاً من هند إلى ذلك وإن كان أحد جعل لك شيئاً على ذلك فخذه.
وهذه الحكاية تغلب عليها الصنعة ولا يخالجني ريب في وضعها لأثبات حلم ابن هند .
لأنّ هذا الرجل إن كان معهم في الصلاة فكيف جازَ له الكلام ولو فعل لأنبه من حضر. وأوّلهم معاوية. ثمّ كيف ينفذ إلى المقصورة الّتي هي أمنع من عقاب الجو ومعاويه أوّل من أحدثها بعد محاولة اغتياله الفاشلة وكيف يتركه الحرس يتقدّم دون 
ــــــــــــــــــ
(1) البداية والنهاية ، ج8 ص138 ، مختصر تاريخ دمشق ، ج25 ص59 .
(2) اليعقوبي ، ج2 ص227 .
الصفحة 231
أن تمتدّ إلى لبطنة الحراب لتوجرها مع أنّ معاوية تقدّم إليهم أن لا يدخل عليه مجهول وكان جباناً في نفسه إلى حدّ الهلع والفزع.
لما دخل معاوية الكوفة أتاه شبيب كالمتقرّب إليه فقال: أنا وابن ملجم قتلنا علياً فوثب معاوية من مجلسه مذعوراً حتّى دخل منزله وبعث إلى أشجع وقال لئن رأيت شبيباً أو بلغني أنّه ببابي لأهلكنكم أخرجوه عن بلدكم(1) .
جبنت من الرومي وهو مقيّد     فكيف إذا لاقيته وهو مطلق
وحكاية عجيزة جدّة المؤمنين «هند» أوّل من تغزّل بها شيخ مضير تهم أبو هر
             الحكم والأخلاق في منطق الثورة الحسينية    
         
     الصفحة 1
 
الحكم والأخلاق في منطق الثورة الحسينية 
 
تأليف
محمد شعاع فاخر

الصفحة 2

الصفحة 3
الحمد لله رب العالمين والصلاة على محمد وآله الطاهرين .
المقدمة
وامتدت واقعة كربلاء هذا الزمن الطويل واستغرقت الحقب والآباد وشاخت الدهور ونضبت العصور وما زالت كما وقعت غضة جديدة .
بل زادت رنة اسىً وعبرة عين وعِبْرة عقل على يوم وقوعها اضعافاً مضاعفة فما كانت في العام الواحد والستين تخرق الدنيا مواكبها ويكتض الفضاء على اتساعه بحناجر الهاتفين بحياة شهدائها ودمار أعدائهم .
وما كانت تكسو الدنيا بلون السواد وثياب الحداد إذا بدا هلال محرمها .. وما كانت عواصم العالم ومنها عواصم ما كانت موجودة ابان وقوعها تفتح ذراعيها لكتائب عزائها .
لقد كانت آنذاك عبارة عن أنّه مكلوم ودمعة أسير وآهة يتيم ورنة اسىً هنا وهناك . وصوت نادم على فوات الفرصة تتردد حسراته مابين جنبه والطباق أن لا يكون شارك وفاز فوزاً عظيماً معهم .
وكانت أيضاً قطعة شعر يقولها ثائر مستنهضاً الهمم ومستثيراً العزائم على بني امية .
تبيت النشاوى من امية نوماً     وفي الطف قتلى ماينام حميمها
وأمثال ذلك .
فما الذي فجّر العالم بها وشغل البشر عن كل شيء إلاّ عنها وتهافت الناس على أيامها يستعيدون ذكراها بمختلف الأساليب وهنا تستوقف الباحث هذه البؤرة التي تجتمع الحقائق عندها كاجتماع الأشعة في العدسة الزجاجيّة .
يقف متسائلاً وضارباً العلل والاسباب بعضها بالبعض الآخر ليستخرج السبب الحقيقي الذي تطمئن إليه النفس ويرتاح الضمير ويخلد العقل إلى بلوغ الحقيقة ولن يعرف السبب الواقعي إلاّ برد المسئلة إلى المشيئة الربانية .

الصفحة 4
لأن الأسباب جميعها تعقم وتعلن الافلاس أمام هذا الامتداد الغريب ولا يصمد أمام البحث إلاّ السبب الرباني إن واقعة كربلاء مشيئة ربانيّة اقتضتها حكمة الله أن تكون بأزاء القرآن والشريعة فاعلة في الاُمة فعلهما باعثة الأمة من كبوتها حاملة لها على التنكر لواقعها المفروض عليها من القوى المتعالية ومراكز الانظمة المستبدة .
وما كانت هذه الواقعة حالاً تحول ولا قوة تزول إذ أنّها ارتبطت بديموميّة الكتاب وخلود الشريعة وبقاء الدين ممتداً على الزمن كله .
وما دامت هذه العناصر خالدة ومادام الإنسان بحاجة إليها ومادام النسخ لا يأتي عليها فالواقعة الكربلائية أو الثورة الحسينية باقية أبداً أو تزول العناصر المتقدّمة وفي عثورنا على السبب الواقعي نكون وقفنا على أصل الواقعة وحقيقتها الجوهرية ولم نقنع بالعوارض كبعض الباحثين الذي عرفوا شيئاً وغابت عنهم أشياء .
إنّ حقيقة هذه الثورة ليست الحرب وإن كانت شرسة غير متكافئة ففي طرف سبعون وفي الطرف الآخر سبعون ألفاً .
واحتضنت ساعات الحرب على أديم كربلاء كل خُلق فاضل ارتفع بالانسان إلي مصاف الملائكة ويعزى إلى طرف السبعين ونقيضه كل خلق سافل هبط بالانسان إلى حضيض البهيمية ويعزى إلى السبعين ألفاً .
فكانت بطرفيها المتجادلين جدال المادة والمعنى جدال النورانيّة والظلمانيّة جدال التراب والروح اختصاراً للحياة البشرية ماضيها وحاضرها ومستقبلها أجل كما ينجم عن تنازع الزوجيّة في الكون ولادة حياة جديدة ليستمر بها الوجود نجم عن تنازع التضاد بين الفاضل والسافل لهيب الشهادة الحسينية ليستمر فاعلاً في الثورات ممداً كل نهضة وكل حركة بزخمها الجهادي الفاعل وقوام بقائها وسر انتصارها .
خلا أن الغاية من هذه الواقعة الخالدة ليست في حربها التي جمعت اسرار حروب الارض على قصر مدتها ولا في حوارها التاريخي بين أطرافها ولا في مردودها النفسي من الأسى واللوعة عند الاُمة ولكن حقيقة هذه الثورة شهادة شهدائها فهي المطلوبة على التحقيق .
لقد تركبت العلل وامتزجت الأسباب واطّردت الاحداث وتعلقت حدثاً بعد حدث لتخرج للوجود شهادة الحسين وأهل بيته وأنصاره وإذا اردت عمق النظرة فإنّ 

الصفحة 5
الحسين شأنه شأن المقدسين من اسلافه الأنبياء والأئمة خلق لا ليقاتل بل ليقتل .
مطلوب من الحسين (عليه السلام) شهادته بالكيفيّة المعهودة والطريقة الممهدة في كربلاء ولو أنّه عمل على اقتطاف النصر وترك ميدان الشهادة كما اُشير عليه من قبل الأهل والغرباء لكان عاملاً بغير ما أعد له .
مهما حاول ومهما فعل فإن أمانة الله عنده هي شهادته ومطلوب منه تأديتها على أديم كربلاء وحيئنذ لا يبقى وجه لقول القائل لم فعل ولم لم يفعل لقد فعل ما أراد الله منه وترك ما أراده الناس اراد منه الناس أن يبايع أن يسالم كأخيه أن يبقى في البلد الحرام أن يذهب إلى اليمن أن يلتحق بالثغور أن .. أن .. أن .. إلى غير ذلك وأراد الله منه أن يستشهد فعمل بإرادة الله وترك إرادة الناس وهذا العمل جزء من برنامج امامته ولولاه لبطلت وكان كغيره من سائر الناس .
وكان قول من قال : خرج ليعيد دولتهم وخلافتهم ويستل حقهم من ايدي الاُمويين كالهبائة في عصف الريح إنّ هذا الرأي تكبيل للثورة الحسينية وتحديد لانطلاقتها الانسانية الكبرى وقصر لها على المفهوم المذهبي ثمّ هو بعد مطمح يتدنّى إلى مستويات العباقرة العاديين والزعماء ذوي الاطماع المحدودة .
على أن هذا الرأي لا يسيء إلى الثورة بقدر ما يحدد عوالمها وربما ذهب إليه الأولياء أيضاً بحكم أن استرداد الحق أمر مرغوب فيه شرعاً وأدباً وخلقاً وعرفاً بل السكوت عنه مع القدرة على التغيير بوجه من الوجوه مخلٌ بالشخصية ناسب إليها الوهن والإهتزاز .
ومهما كانت الحال فإن قصر الثورة الحسينية على هذا الهدف بمنزلة وضع الشمس في لسان شمعة كلا لم يثر أبو الاحرار لأهداف في النفس محدودة وغايات شخصيّة صغيرة .. أنّه ثار من أجل الإنسانيّة لكي يحميها من الظلم والأثرة والاستبداد وانانيات الحكام وتعسفهم واسائتهم إلى الجنس البشري بأحالة وطنه عليه إلى حضائر كالمواشي والدواجن .
الحسين (عليه السلام) ثار لئلاّ يكون الإنسان داجناً وليظل طليقاً في عالم انسانيّته يستلهم من ملكانة وقابليّاته مقومات حضارته .
وأخيراً ثار الحسين لتغيير نظام الأخلاق الدولية الأخلاق التي صنعتها له 

الصفحة 6
الدولة بسلوكيّات الحكم وطرائق الحكام لا بالقصد لذلك .
الإنسان في الثورة الحسينية بمنزلة القالب الذي تتقولب فيه ظروف حياته فلابدّ من تحسين هذه الظروف لتحسين وضعه النفسي وضميره الأدبي ومن ثم بسري الحسن والكمال إلى ساير أجزاء حياته .
وفي مسير الإسلام منذ والبدء إلى اعلان الثورة الحسينية عايش الإنسان المسلم فترات صعبة احدثت فيه انقلابات داخلية ففي فترة الإسلام بلغ الغاية من سموا الأخلاق حتى ضارع المخلوقات النورانيّة وفي فترة الخلافة تدنّى مستواه الأخلاقي حتّى تجاوز خطوط الجاهليّة الاُولى والمشكلة في الإنسان المسلم أنّه ليس لنفسه فحسب بل هو لغيره أيضاً (خير أمة أخرجت للناس) فإذا تدنّى مستواه الأدبي تدنّى مستوى الدعوة كذلك .
والإنسان المسلم هو التربة المخصّبة الذي ينمو به غراس الإسلام فإذا لم يكن خصباً أو سائت ظروفه أو تغيّرت أحكام المناخ عنده لم يؤتِ غراسه المأمول منه ولم ينتج ثمرته المطلوبة وكان الإنسان المسلم في ظل الحكم غير الصالح مصادراً بكل معنى الكلمة يشعر بالتبعية للحكم حتّى فيما يعود إليه من سلوكيّات يفعلها مختاراً أو الإفعال التي خلّى له الحكم الحريّة في ممارستها وفي حالة استيلاء هذا الشعور عليه ينسى ذاته وما أعد له ويسرح في دوّامة التبعية ويلغي الكلفة عن نفسه ليرمي بها في عاتق الدولة وحجّته أن ما يجوز فعله للدولة وضرره عام كيف يحضر عليه وضرره خاص به وعملية التغيير هذه جرت داخلياً للإنسان المسلم بعد وفاة النبي وعبر القران عنها بالإنقلاب على الأعقاب وأول صدمة تغيير ناء بها الإنسان المسلم هي حروب الردة فقد تجاوزت اعراف الحروف وخرجت على قوانين الأحكام العرفية قاطبة فلم يعط الإنسان المسلم مجال التفكير فيها فقد حدثت بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعشرة أيام وهي مدّة لا يمكن تمييز الارتداد فيها عن الاستقامة وارتكبت فيها مجازر رهيبة إلى حد الأحراق في الأخاديد .
وفي هذه الحرب بدأت عملية الانفصال بين المسلم وبين القيم الإسلامية واستمر التدهور إلاّ أنّه بصورة بطيئة لا تكاد تلحظ إلاّ بشيء من الأمعان والتدقيق حتى آل الأمر بفعل السابقين وتمهيدهم إلى أن يستولي معاوية على الحكم .

الصفحة 7
وبدأ الإنقلاب الحقيقي وتمت غيبوبة الإسلام في نفس الفرد المسلم تحت ذلك الحكم ، حتّى عدّ ضمن المسوخ الذين جرّدوا من خصائص الإنسانيّة ، ولم يكن تغيير هذا الوضع المستبد والحالة العامة الراهنة إلاّ بعودة الإسلام ونبيه وعودة أعوانه في رجعة كاملة لا تدع من فصول الملحمة الاُولى فصلاً إلاّ رجع سيرته الاُولى . ثمّ يبدأ الحذر من تسرب الحكم الأناني الجاهل إلى عالم الإسلام وتفويت الفرصة عليه . وهذا مستحيل طبعاً وعادة .
أو الاُخرى وهي تصدي شخصية كبرى من شخصيّات الوحي لأحداث هزّة ضمير عنيفة كالزلزال ليستيقض الإنسان المسلم من غفوته الاصطناعية ثم صنع مشاعر فاضلة له من خلال عملية جهاد مختومة بشهادة فاجعة ذات وجهين الأول : تحمل الشهيد اقسى الآلام التي يستطيع أن يتفاداها بميل بسيط مع السلطان كالبيعة مثلاً .
الثاني عدوانيّة السلطة وجنودها وتناهيهم في خسة الطباع وروح العار والضعة والقسوة والدنانة .
وكان لابدّ من هذا الزلزال كبديل عما أحال الطبع والعادة جريانه .
واختار الحسين ذلك البديل بأمر الله وبطلب وأعداد منه سبحانه فكانت شهادته بالكيفيّة التي رسمتها خارطة كربلاء .
وهذا الكتاب يتناول المعنى المتقدم باسهاب ويجلو كثيراً من الغوامض ويحيط بالثورة الحسينية من أطرافها كافة ويصطحب الاحداث بدءاً من عملية الإنقلاب على الاعقاب ومروراً بالحكم الأموي المتعسف وختاماً بالمنشور الأخلاقي الحسيني لصنع الثورات المستقبلية .
واحسبني وفقت في اختيار منهج الكتاب وسيطلع عليه القارئ خلال مطالعته إن شاء الله .
لولا أني لم اقتصر على موضع الشاهد في الرواية أو الحكاية أو الخبر والحادثة التاريخية والنكتة الادبية وإنما تجاوزت ذلك بسردها كاملة . والسبب يعود أولاً إلى أني اعددت الكتاب لأخواني الخطباء والخطيب بحاجة إلى إثراء موضوعه بكل شهي ممتع تام ثم هو يعد يوفر للقارئ متعة المطالعة ويعطيه فسحة في الوقت حيث 

الصفحة 8 
يوفر عليه عناء الرجوع إلى المصادر .
ولا أراني بحاجة إلى تذكير القارئ العزيز بالعفو عما يصادف في الكتاب من أقوال تدعو إلى تركها من قبيل نماذج السياق أو قول أبي حمزة الشاري عن يزيد ومثله قول عبدالملك عنه وما تبع ذلك من أقوال تكشف عن المستوى الأخلاقي الضحل للأمويين أقول : إن ذلك لابدّ منه لأننا بصدد رسم صورة حقيقية لمجتمع ذلك العصر الذي كانت ثورة الحسين (عليه السلام) عليه .
وبصدد وضع خطوط مائزة بين ما حدث من مجانبة للخلق الإسلامي القويم وبعد عن تعاليمه الكريمة وما ينبغي أن يكون عليه المسلم من التحلي بآداب الإسلام وأخلاقه ولا يتم ذلك إلاّ برفع الستار عن الواقع وهذا ما جرى منا .
بقيت مسئلة أخرى مهمة أشار إليها غير واحد من اخوتنا أهل الولاء وفيها لوم كثير عليّ بأني اعرض عن المصادر الشيعية مع توفرها وتوسعها في ميادين المعرفة بمختلف آفاقها وأكثر الاستدلال بغيرها من مصادر الخصوم . وأقول لهم شاكراً حسن إرشادهم وعظيم توجههم وعنايتهم بالمراجع الخاصة بنا : إني في مقام الإحتجاج للشيعة على غيرهم ولا موضع هنا لذكر مصادرهم إذ الحجّة لا تكون بها على الخصم إنما نذكرها فيما يتعلق بها من المواضيع الخاصة لنكون بمنأىً عن اتهام ابن حزم لقومه بقوله: إننافي مقام الإحتجاج على الشيعة نحتج بكتبنا وهذا مجانب للإنصاف(1) .
اجل نحن لا نجانب الانصاف في احتجاجنا عليهم بمراجعنا بل نحتج بمراجعهم وكتبهم الموثقة عندهم فما قولهم بعد ذلك وما تقوّلهم علينا ؟! وتبقى لكتبنا ومراجعنا مكانتها الخاصة وقيمتها العلمية وهي باستثناء الإخراج الفني أتم وأفضل من كتب الخصم وما تركناها إلاّ لأتمام الحجة وأخيراً لا آخراً أقول :
إنّ كتابي هذا إمتداد لسابقة الحسين مأتم الإسلام الذي هو بمثابة المقدّمة له ولما يأتي بعده إن شاء الله تعالى . ولكنّه إمتداد مستقلّ وآثرت الإسم : (الحكم والأخلاق في منطق الثورة الحسينية) لأن الإسم تبع للموضوع وهذا الإسم أكثر 
ـــــــــــــــــــ
(1) يقول ابن حزم في الفصل : لا معنى لاحتجاجنا عليهم برواياتنا (الفصل ج4 ص159) .

الصفحة 9
إنطباقاً على موضوع الكتاب من ذاك وسواء غيرنا الإسم أو لا فاته لا يعدو حبة الرمل على المحيط الحسيني الزاخر بالخير والمعرفة وهو كمؤلفه يمديد الضراعة لله أن يتقبله بأحسن القبول ويبلغه مولانا سيد الشهداء ولي النعم لعلّه يكون سبباً اكيداً لتأصيل العلقة المنبرية بسيّد الشهداء وتقدمة بين يدي المؤلف لحصول الشفاعة لنا منه (عليه السلام) وأود قبل الختام أن انوه بجهود أخي الناشر أبي زينب صاحب الرحلة الطويلة الموفقة مع التأليف والمؤلفين شاكراً له جزيل الشكر وفقه الله وسدده . والحمد لله أولاً وآخراً .
محمد شعاع فاخر

الصفحة 10
الامام الحسين (عليه السلام) وقلب نظام الأخلاق
تميزت واقعة كربلاء بظاهرة فريدة من نوعها ليس لها مثيل في حوادث الزمان الاخرى من قبل ومن بعد .
ذلك أنّها اصبحت بعد حدوثها مضماراً للعقول ، تتسابق فيه . مستنبطة لها العلل والاسباب .
فمن سابق بلغ الحق او كاد ومن مصلّ جاء على الأثر ومن كاب في شوطه فاتته الغاية . ومن متكهن آثر الظنون والاوهام على الحقائق الناصعة .
ويبقى الحق في الحادثة حيث هو متلألأً في رائعة العقول تلالأ الشمس في رائعة الضحى والبشرية باجمعها امس واليوم . تحوم حول الواقعة العظمى بحثاً عن الحق المنشود ..
وقل من وفق لنيله من ابنائها ...
لأن هناك حجباً كثيفة تحول بين الحق وطالبه . فما لم يتمّ تجاوزها لن تكحل مقلة برؤيته ابداً .
وحديث هذه الحجب شجون .
فمنها حجب تعود إلى الوراثات العقائديّة أو الوراثات الجنسية . أو الأخوى المتلبسة بلباس العلم .
ورب باحث يضطرب في اغلال هذه الوراثات ويتقلب في شراكها . ويحسب نفسه طليقاً يجوس خلال ديار الحق بحريّة موهومة .
ومن هذا المنطلق تباينت آراء العلماء والباحثين في الحادثة تبايناً كبيراً .
ولن يستطيع باحث مهما أُوتي من قوّة العلم التوفيق بين هذه الآراء المتباينة .
... ومن الثابت عند العلماء ، أنّ تباين الآراء في البشر أمر طبيعي تمليه الجبلة عليهم . وخلق فطري مركوز في طباعهم .

الصفحة 11 
وما كان بهذا المستوى من طبايع البشر . يستحيل علاجه وان خفّف التحضر من غلوائه .
ما اتّفق اثنان من البشر اتفاقاً كلّياً حقيقياً حذو النعل بالنعل . في يوم من الأيام . وما يشاهد من الاتفاق عند هؤلاء أو اولئك . فليس اتفاقاً على نحو الحقيقة بل لابدّ من حمل أحد طرفيه التسليم والخضوع للطرف الآخر .
ويعود ذلك لأسباب تفرضه فرضاً لا يدع للأختيار مجالاً .
وقد يكون من هذه الأسباب ما يعود للقوة المسيطرة أو العقيدة الموروثة أو غيرهما . ويكون الرأي في مثل هذا المناخ منسوباً إلى طرف والاتباع والتسليم إلى الطرف الآخر . على أنّ الحق في مثل هذه الحالات من نصيب قوم تجرّدوا من القيود الموروثة واستطالوا على الحدود المصطنعة وانعتقوا من الحجب المفتعلة . فبلغوا شطئانه بثقة واطمئنان وفازوا فوزاً عظيماً بالراحة الكبرى والنعيم المقيم . أعنى بلوغ الحق والركون البه .
وبقي اولئك المحجوبون يتلدّدون في المسالك المظلمة والدروب الضالّة .. يرون اتّفاقهم على رأي ما هو الحق المبين ولو لا انحياز الحق إلى جماعتهم لما تمّ لهم هذا الاتفاق ولما حصل الاجماع بينهم ..!!؟ هكذا يُخيّل لهم .
ونحن تحملنا قضيّة تباين الآراء على الارتياب بما نرى من شبه الاتفاق الذي تعلنه بعض الطوائف والجماعات حول بعض القضايا ...
وينبغي على من أراد اكتشاف ما وراء الاتفاق المدّعى أن لا يقنع بالظاهر المعلن حتّى يستجلى الحقيقة بسبر جميع الآراء والأسباب التي أوجدتها وسوف يعثر على آراء مضادّة لهذا الاتّفاق حتماً وإنما بقيت طيّ الكتمان ولم يعلن عنها لوجود قوّة قاهرة ظلّت إلى جانب الاتّفاق المعلن ترعاه وتقيم أوده . ونقول عوداً على بدء إنّ الاتفاق الحقيقي مستحيل بين البشر قاطبة .
فإذا ثبت لنا ذلك ، عرفنا السبب في تفرق الآراء عند المؤرخين والرواة والعلماء حول النهضة الحسينية المباركة .
فقد توزّعت الآراء على مساحة كبيرة من الزمن واختلفت من العدو والصديق.
والغريب حقاً أن نعثر على أقوال تافهة من الأولياء باعثها الجهل أو الحكم 

الصفحة 12 
المتسرع ممّا يحز في النفس ويبعث على الأسى والدهشة ومن هذه الآراء رأي فج ردّده أمس واليوم كثيرمن الناس وجرت به الأقلام وتلوّثت الطروس. وهو الرأي القائل: ان غرض الحسين من نهضته وباعثه على ثورته . هو استعادة حقّه المغتصب وليس في ذلك غضاضة عليه وان ادّى إلى قتله واستباحة حرمه لأن سكوت المرىء عن حقّه لا تقرّه شريعة من الشرايع . بُلة شريعة الإسلام وإن جرّ ذلك إلى تلف النفس وحرب المال .
والحسين (عليه السلام) عمل بالمشروع المباح وهذا الرأي وإن كانت له نسبة بالحق إلاّ أنّه صغير جدّاً يضيق مداه عن استيعاب حقيقة النهضة الحسينية وهو سطحي أيضاً يدلّ على جهل ذوبة بالاهداف الحسينية عند معاصريه أو من جاء بعدهم والواقع إن إستعادة الحق السليب امرٌ مرغوب فيه خلا إنّ ثورة الحسين (عليه السلام) لم تكن من أجله إطلاقاً ونحن بعون الله سوف نحاول في البحوث القادمة الألمام بالهدف الأكبر الذي ثار من أجله الحسين (عليه السلام) .
الحقيقة ورأي الناس
في أول حركة وضع فيها الأمام قدمه خارج دائرة الوضع العام أخذ الناس يتكهنون بما يضمر الإمام (عليه السلام) من أهداف ولم تتعدّ نظرتهم ساعئذ نطاق (المطالبة بالحق السليب) واسترجاع الخلافة المغصبة وأنّ هذه الحركة التي بدأت بالهجرة من المدينة ليومين بقيا من رجب(1) إن هي الاثورة معلنة على الملك الأموي لاسترجاع الحق العلوي ومن منطلق هذا التخرص راح الناهوون يحاورونه من أمثال عبدالله بن عمرو عبدالله بن مطيع العدوي والفرزدق الشاعر وغيرهم .
وربما بدى جانب من هذا على لسان عبدالله ابن عباس واخيه محمد أيضاً وهما يحاورانه في وجوب الانصراف عن عزمه على هذا السفر وممّا يؤكّد هذا الجانب فقرات الكتاب الذي ارسله يزيد إلى ابن عباس وفيه اتهام للحسين باعداد العدّة لقلب نظام الملك الأموي (يمنونه الخلافة ويمنيهم الأمره) .
ــــــــــــــــــ
(1) محمد السماوي ، تواريخ المعصومين ، ط مطبعة الزمان بغداد 1366 ، ص43 .

الصفحة 13 
ولم ينف ابن عباس (رضي الله عنه) هذا الاتهام ممّا يدلّ على قبوله وتصديقه به وانظر الكتاب وجواب ابن عباس عليه .
 كتاب يزيد إلى ابن عباس
(ولما نزل الحسين (عليه السلام) مكة كتب يزيد إلى ابن عباس : .. أمّا بعد فإن ابن عمّك حسيناً وعدو الله بن الزبير التويا ببيعتي ولحقا بمكّة مرصدين للفتنة معرّضين انفسهما للهلكة فأمّا ابن الزبير فإنّه صريع الفنا وقتيل السيف غداً وأما الحسين فقد أحببت الاعذار إليكم أهل البيت مما كان منه وقد بلغني أنّ رجالاً من شيعته من أهل العراق يكاتبونه ويكاتبهم ويمنونه الخلافة ويمنّيهم الأمرة وقد تعلمون ما بيني وبينكم من الوصلة وعظيم الحرمة ونتايج الأرحام وقد قطع ذلك الحسين وبتّه وأنت زعيم أهل بيتك ، وسيد أهل بلادك ، فالقه فاردده عن السعي في الفرقة وردّ هذه الأمة الى الفتنة فإن قبل منك ، وأناب إليك ، فله عندي الأمان والكرامة الواسعة وأجرى عليه ما كان أبي يجريه على أخيه وإن طلب الزيادة اضمن له ما أراد الله انفذ ضمانك ، وأقوم له بذلك وله عليّ الايمان المغلظة والمواثيق المؤكّدة بما تطمئن به نفسه ويعتمد في كل الاُمور عليه عجّل بجواب كتابي وبكل حاجة لك إلي وقبلي والسلام .
 جواب بن عباس له
فكتب ابن عباس له : أما بعد فقد ورد كتابك تذكر فيه لحاق الحسين وابن الزبير بمكّة فأمّا ابن الزبير فرجل منقطع عنا برأيه وهواه يكاتمنا مع ذلك اضغاناً يسرّها في صدره يوري علينا وري الزناد لا فكّ الله اسيرها فرَ في أمره ما أنت راء .
وأمّا الحسين فأنّه لما نزل مكة وترك حرم جدّه ومنازل آبائه سئلته عن مقدمه فأخبرني أن عمالك بالمدينة أسائوا إليه وعجلوا بالكلام الفاحش فأقبل إلى حرم الله مستجيراً به .
وسألقاه فيما أشرت إليه ولن ادع النصيحة فيما يجمع الله به الكلمة ويطفى به 

الصفحة 14 
النائرة ويخمد به الفتنة ويحقن به دماء الأمة فاتق الله في السر والعلانية ولا تبيتن ليلة وأنت تريد لمسلم غائلة ولا ترصده بمظلمة ولا تحفر له مهواة فكم من حافر لغيره حفراً وقع فيه وكم من مؤمل أملاً لم يؤت امله وخذ حظك من تلاوة القرآن ونشر السنّة وعليك بالصيام ولا تشغلك عنهما ملاهي الدنيا وأباطيلها فإن كل ما اشتغلت به عن الله يضرّ ويفنى وكلّ ما اشتغلت به من اسباب الآخرة ينفع ويبقى والسلام ...(1)
ولابن عمر موقف لا يختلف جوهراً عما حواه كتاب يزيد لعنه الله وتكرر ذلك منه فقد نهاه عن الخروج إلى مكّة يقول صاحب كتاب تذكرة خواص الاُمة .
.. ولما بلغ عبدالله بن عمر ما عزم عليه الحسين دخل عليه بنفر فلامه ووبّخه ونهاه عن المسير وقال له يا أبا عبدالله سمعت جدّك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول : مالي وللدنيا وما للدنيا ومالي وأنت بضعة منه وذكر له نحواً مما ذكر بن عباس فلمّا رآه مصرّاً على المسير قبّل مابين عينيه وبكى وقال :... استودعك الله من قتبل ..(2)
وكذلك اعترض طريقه وهو يؤم العراق خارجاً من مكّة وذلك حين بلغه وهو بماء له أن الحسين بن علي توجّه إلى العراق فلحقه على مسيرة يومين أو ثلاثة فقال له : إلى أين فقال له :
هذه كتب أهل العراق وبيعتهم فقال له : لا تفعل فأبى فقال له ابن عمر أنّ جبرئيل أتى النبي فخيّره بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة ولم يختر الدنيا وإنّكم بضعة من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كذلك يريد منكم . فأبى فاعتنقه ، وقال : استودعك الله والسلام(3) .
ما كان يدور بخلد ابن عمر سوى الدنيا .
إنّه يعتقد بخروج الحسين (عليه السلام) من أجل الدنيا وحدها وكأنّه لا يرى بام عينيه ما ينزل بنو اميّة بالأمة من الويل والدمار .
ــــــــــــــــــ
(1) راجع حول الكتابين ، تذكرة خواص الامة ، ص137 .
(2) تذكرة خواص الأمة ، ص137 .
(3) تذكرة خواص الأمة ، ص150 ، وأنساب الأشراف ، ج3 ص375 .

الصفحة 15
والمعروف عن المؤرخين تصنيفه في صفوف المعارضين لحكم يزيد ولكن الواقع يحكي لنا خلاف ذلك ، فقد استطاع معاوية تذليل صعبه وأخذ بيعته برضيخة من المال قليلة لا تعدل ثمن جارية من مغنيات يزيد .
يقول صاحب الكامل : فلما مات زياد عزم معاوية على البيعة لابنه يزيد فأرسل إلى عبدالله بن عمر مائة الف درهم فقبلها فلما ذكر البيعة ليزيد قال ابن عمر : هذا ما أراد إنّ ديني عندي اُذن لرخيص ، وامتنع .
أبهم المؤرخ فلم يُشر إلى وجه امتناعه هل امتنع من البيعة أو أخذ المال ؟!
واحسب أن الإيهام جاء لغرض في نفس المؤرخ أو الراوي إذا نزهنا ابن الأثير من التصرّف بالنص ليحمل القارئ أو السامع على فهم الامتناع عنهما معاً ولا استبعد أن تكون كلمة ( امتنع ) اضيفت إلى النص بآخرة بخاصة إذا عرفنا أن النصوص الأخرى تخلو منها فهذا ابن سعد لم يذكرها في روايته بل اقتصر على قول ابن عمر : أرى ذاك اراد إن ديني عندي اُذن لرخيص ..(1) .
والواقع إنّ ابن عمر فعل الاثنين أي أخذ المال وبايع وليس هذا أول مال يأخذه من معاويه بل تتابعت الرضائخ الماليّة والبدر السمينة من معاوية له ولغيره .
وذكر ابن الأثير أن ابن عمر بايع ليزيد سراً ولكنّه نسبه إلى القيل . قال : وقيل : إن ابن عمر قال لمعاوية : ابايعك على أني ادخل فيما يجتمع عليه الأمة فوالله لو اجتمعت على عبد حبشيّ لدخلت معها ثمّ عاد إلى منزله فاغلق بابه ولم يأذن لأحد(2) .
وهذا الموقف يقتضينا مسائلة ابن عمر عن مدلول الأمة عنده فهل هم أهل الشام وحدهم ؟ أو أنّها تنطبق على الجميع من دون استثناء فإن كان الثاني ، فما باله وقف في الطرف المضاد لأهل المدينة حين خلعوا يزيد في وقعة الحرة .. قال ابن سعد : إن ابن عمر لما ابتز أهل المدينة يزيد ابن معاوية وخلعوه دعا عبدالله بن عمر 
ــــــــــــــــــ
(1) ابن سعد ، الطبقات ، ج4 ص182 .
(2) ابن الأثير ، الكامل ، ج3 ص152 .

الصفحة 16
بنيه وجمعهم فقال : .. إنا بايعنا هذا الرجل على بيع الله ورسوله وإني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يقول : إن الغادر ينصب له لواء يوم القيامة فيقول : هذه غدرة فلان وإن من أعظم الغدر ألا أن يكون الشرك بالله أن يبايع رجل رجلاً على بيع الله ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) ثمّ ينكث بيعته ، فلا يخلعنّ أحد منكم يزيد ولا يُسرعنّ أحد منكم في هذا الأمر فتكون الصيلم بينني وبينه ..(1) .
لم يخذل ابن عمر الثائرين على يزيد فحسب بل نسبهم إلى الغدر وحمّلهم بعض ألويته يوم القيامة والأنكى من ذلك حقاً أنّه اعتبر الثورة على يزيد من اعظم الغدر وهو ثاني الشرك بالله سبحانه عنده وهذا الموقف يعتبر اعظم مساندة حظى بها يزيد من رجل كابن عمر .
وممّا يدعوا الباحث إلى الحيرة ان ابن عمر كان يعد نفسه رجلاً من أهل المدينة يورد إذا أوردوا ويصدر إذا أصدروا فما باله انفرد اليوم عنهم بهذا الموقف الغريب ؟!
بعث الإمام اميرالمؤمنين (عليه السلام) كميلاً النخعي إلى عبدالله بن عمر فجاء به فقال انهض معي فقال : انا مع أهل المدينة إنما أنا رجل منهم وقد دخلوا في هذا الأمر فدخلت معهم لا افارقهم فإن يخرجوا اخرج وان يقعدوا أقعد (2)
هذا أمس حين كان الداعي علياً اما اليوم فقد تغيّرت الحال حين انصبّت عليه البدر والرضائخ فلم يعد من أهل المدينة وراح يهدد من يخرج على يزيد بالصيلم وهي الداهية أو السيف .
وإذا كان ابن عمر بهذه المثابة أزاء حكم يزيد فكيف يحمل على المعارضة له ويعتبر احد رجالها والصحيح أن الرجل معارض للثائرين على يزيد وهو من الراضين بحكمه على كل حال أليس هو صاحب الشعار المعروف :
ـــــــــــــــــــــ
(1) ابن سعد ، الطبقات ، ج4 ص183 ، ابن كثير ، البداية والنهاية ، ج8 ص218 .
(2) محمد رضا ، الإمام علي بن أبي طالب ، ص87 .

الصفحة 17
إن كان خيراً رضينا وإن كان بلاء صبرنا(1) .
وعلى هذا الأساس جاءت معارضته للحسين (عليه السلام) وتكررت في مواقف كثيرة ومنها الموقف الحاسم الذي ذكره الخوارزمي فقال : اقبل ابن عمر على الحسين وقال له : مهلاً ابا عبدالله عما ازمعت عليه وارجع معنا إلى المدينة وادخل في صلح القوم ولا تغب عن وطنك وحرم جدك ولا تجعل لهؤلاء القوم الذين لا خلاق لهم على نفسك حجة وسبيلا وإن احببت أن لا تبايع فإنك متروك حتى ترى رأيك فإن يزيد بن معاوية عسى أن لا يعيش إلاّ قليلاً فيكفيك الله أمره .
فقال الحسين : اُف لهذا الكلام ابداً ما دامت السموات والارض أسألك بالله يا أبا عبدالرحمن اعندك أني على خطأ من أمري هذا فإن كنت على خطأ فردّني عنه فإنّي ارجع واسمع وأطيع فقال ابن عمر : اللهم لا ولم يكن الله تبارك وتعالى ليجعل ابن بنت رسوله على خطأ وليس مثلك في طهارته وموضعه من الرسول أن يسلّم على يزيد بن معاوية باسم الخلافة ولكن اخشى أن يضرب وجهك هذا الحسن الجميل بالسيوف وترى من هذه الاُمّة ما لا تحب فارجع معنا إلى المدينة وإن شئت أن لا تبايع فلا تبايع أبداً واقعد في منزلك فقال له الحسين :
هيهات يابن عمران القوم لا يتركوني إن أصابوني وإن لم يصيبوني فانّهم يطلبوني أبداً حتّى ابايع وانا كاره أو يقتلوني(2) .
وكل من اظهر النصح للإمام (عليه السلام) بالعدول عن عزمه على الهجرة كان يضمر في نفسه ما اضمره ابن عمر .
فهذا عبدالله بن مطيع العدوي يقول للحسين : جعلت فداك يابن رسول الله لا تخرج إلى العراق فإن حرمتك من الله حرمة وقرابتك من رسول الله قرابة وقد قتل ابن عمك بالكوفة وإن بني امية إن قتلوك لم يرتدعوا عن حرمة الله أن ينتهكوها ولم يهابوا أحداً بعدك أن يقتلوه فالله الله أن تفجعنا بنفسك فلم يلتفت الحسين (عليه السلام) إلى 
ــــــــــــــــــــــ
(1) ابن سعد ، الطبقات ، ج4 ص182 .
(2) مقتل الخوارزمي ، ص192 .

الصفحة 18
كلامه(1) . حتى أقرب الناس إليه ما كان يبتعد بظنه عن هاجس بن عمرو ابن مطيع .
فقد ساوى سيدنا محمد بن الحنفية ابن عمر وصاحبه في ظنه بنهضة الحسين وإنها لتغيير الحكم دلّ على ذلك كلامه الذي خاطب به الإمام اُبان رحيله من المدينة فقد قال له : يا أخي أنت أحبّ الناس إلي وأعزُّهم علي ولست ادخر النصيحة لأحد من الخلق إلاّ لك أنت أحق بها تنح ببيعتك عن يزيد بن معاوية وعن الأمصار ما استطعت ، ثمّ ابعث رسلك إلى الناس فادعهم إلى نفسك فإن تابعك الناس وبايعوا لك حمدت الله على ذلك وإن اجتمع الناس على غيرك لم ينقص الله بذلك دينك ولا عقلك ولا يذهب به مروّتك ولا فضلك إني أخاف عليك أن تدخل مصراً من هذه الأمصارفيختلف الناس بينهم فطائفة منهم معك واُخرى عليك فيقتتلون فتكون لأول الأسنة غرضاً فإذا خير هذه الاُمة كلها نفساً وأباً واُماً اضيعها دماً وأذلها أهلاً فقال له الحسين (عليه السلام) :
فأين أذهب يا أخي ؟ قال : أنزل مكة فإن اطمأنّت بك الدار بها فسبيل ذلك وفي رواية أخرى وإن تكن الاُخرى خرجت إلى بلد اليمن فإنّهم أنصار أبيك وجدّك وهم أرأف الناس وارقهم قلوباً وأوسع بلاداً وإن نبت بك لحقت بالرمال وشعف الجبال وخرجت من بلد إلى بلد حتى تنظر إلى ما يصير أمر الناس إليه وتعرف عند ذلك الرأي فإنّك أصوب ما تكون رأياً حين تستقبل الأمر استقبالاً ولا تكون الاُمور عليك أبداً اشكل منها حين تستدبرها استدباراً .
فقال يا أخي : قد نصحت وأشفقت وأرجوا أن يكون رايك سديداً(2) .
ولا أرى لوصيّة محمد كبير فائدة تعود على الحسين (عليه السلام) لو أنّه عمل بها .
فما أشار عليه إلاّ بالضياع في الأقاليم النائية هنا وهناك وما باعثه على ذلك إلاّ صيانة النفس من العطب وعليه أن ينأى عن الواقع المرهق الذي تعيشه الاُمّة من بطش بني اُميّة وجورهم لئلاّ تطاله يد يزيد أو يقع تحت جبروت سلطانه أن هذا 
ـــــــــــــــــــ
(1) السيد عبدالرزاق المقرّم ، مقتل المقرّم ، ص217 .
(2) قمقام زخار ، ص265 .

الصفحة 19
الرأي الفائل يُجلّ سمع الحسين عنه كما أجل أبا القاسم أن يتفوه به في حضرةالإمام مع علمه بالمسئوليّة الكبرى التي تحمّلها الحسين بصفته الإمام بعد أبيه وأخيه .
وكيف يشير محمد على الحسين بهذا الرأي وهو الذي وعى ما قاله أبوه على منبر الكوفة راسماً لأولى الأمر ما يجب عليهم اتّخاذه مع وجود الناصر : أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لو لا حضور الحاضر وقيام الحجة بوجود الناصر وما أخذه الله على العلماء أن لا يقارو على كظة ظالم ولا سغب مظلوم لألقيت حبلها على غاربها ولسقيت آخرها من كأس أولها ولا لفيتم ديناكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز ...
أيبقى بعد هذا الكلام عذر لمعتذر إذا آثر الدعة والسكينة على حياة الجهاد ؟! خشية أن يُساء إليه أو يتعرّض لطائلة السلطان الجائر .
وهل كان محمد (رحمه الله) جادّاً وهو يصور للحسين (عليه السلام) أنّ اجتماع الاُمّة على يزيد أو غيره لا ينقص بذلك دينه ولا يذهب به مروئته ولا فضله.
صحيح أنّ ذلك لا يضير الحسين (عليه السلام) فى شيء ولكنّ الصحيح أيضاً أنّه يضير الاُمّة وينقص بذلك دينها ومروئتها والإمام (عليه السلام) مسئول عنها .
فلابدّ من القيام بتضحية تصحو على صداها الاُمّة فتبصر واقعها السيّئ فتهب بثورة عارمة للتغيير وتحسين هذا الواقع .
ولقد اطلق الإمام على هذه التضحية اسم الفتح وكتب إلى محمد وسائر بني هاشم وهو يعيش حياة الجهاد الدامية .
بسم الله الرحمن الرحيم ، من الحسين بن علي بن أبي طالب إلى بني هاشم أما بعد فإنّه من لحق بي منكم استشهد ومن تخلّف لم يبلغ الفتح والسلام(1) .
وما كان موقف عمر بن الإمام أميرالمؤمنين يختلف عن المواقف السابقة . فقد دخل على الحسين (عليه السلام) ذات يوم حين عزم على الخروج من المدينة فوجده وحده فقال له :
ـــــــــــــــــــ
(1) قمقام زخار ، ص267 .

الصفحة 20
يا أبا عبدالله فداءك روحي روى المجتبى عن أبينا المرتضى حديثاً ثمّ اختنق عمر بعبرته فضمه الحسين (عليه السلام) إلى صدره وقال : حدثك على أني مقتول ! قلت : نعم حماك الله من القتل قال،: بحق رسول الله هل أخبرك أني استشهد قلت نعم واسئلك بالله أن تبايع يزيد بن معاوية فقال (عليه السلام) :
اعلم يا أخي إنّ أبي حدثني عن جدي وإننا نقتل ويكون قبري قريباً من قبره أثطن إني أجهل ما تعلم ؟ قسماً بالله إني لا أمد يداً بالبيعة ولا أرضى بالذل.(1).
وكان للفرزدق موقف مشابه لمواقف القوم من ثورة الحسين (عليه السلام) ففد ذكر المؤرخون إنّ الحسين (عليه السلام) لما وصل إلى بستان بني عامر لقي الفرزدق الشاعر وكان يوم التروية فقال له : يابن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ما أعجلك عن الموسم قال له : لو لم أعجل لأخذت أخذاً فأخبرني يا فرزدق عما وراءك فقال : تركت الناس بالعراق قلوبهم معك وسيوفهم مع بني اميّة، فاتّق الله في نفسك وارجع فقال له : يا فرزدق إنّ هؤلاء قوم لزموا طاعة الشيطان وتركوا طاعة الرحمن واظهروا الفساد في الأرض وابطلوا الحدود وشربوا الخمور واستأثروا في أموال الفقراء والمساكين وأنا أولى من قام بنصرة دين لله واعزاز شرعه والجهاد في سبيله لتكون كلمة الله هي العليا فاعرض عنه الفرزدق وسار(2) .
اختلف جوابه للفرزدق عن جوابه لابن عمرو اضرابه لأنه يتأول الحرام فيحله أو الحلال فيحرمه وهذا شأن المتعالم الذي يريد الحياة على كل حال وإن افضت به إلى الذل والعبودية .
ولابدّ من الأشارة إلى أنّ من الناهين للحسين عن الهجرة من كان باعثه الأشفاق لا الأعتراض كاُم سلمة رضوان الله عليها وغيرها من عقائل بني هاشم وقالت ام سلمة : لا تحزني بخروجك إلى العراق فإني سمعت جدك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يقول : يقتل ولدي الحسين بأرض العراق في أرض يقال لها كربلا وعندي تربتك في 
ـــــــــــــــــــ
(1) قمقام زخار ، ص268 .
(2) تذكرة خواص الأمة ، ص138 .     
         

     
يرة ليرفع من قدر ولدها (خال المؤمنين) قال أبو هريرة:
رأيت هنداً بمكّة جالسة وكأنّ وجهها فلقة قمر وخلفها من عجيزتها مثل الرجل الجالس....(2)
ولا يهمّنها من هند هذا ولا ذاك ولكن يهمنا أن نتميّز الأجواء الّتي علقت فيها بمعاوية وولدته وقضى سنيّ طفولته فيها.
لأنّها أجواء تعتبر بمثابة مفتاح السر الّذي يفتح لنا المغلق من شأن معاوية في غيرته على حرمه وكيف بلغ بها إلى درجة يأنف منها حتّى الإنسان الجاهلي بل يأباها حتّى القرد.
وأذكر من بعض مشاهداتي وما سجلته في سجل ذكرياتي إنّني في عهد الشبيبة وزميلا لي زرنا طهران وقصدنا حديقة الحيوان فيها. وسحنا في أطرافها وأكنافها وشاهدنا ضمن ما شاهدناه فيها أقفاص القرود وهي في الواقع خير ما فيها آنذاك ومررنا بقفص منها وفيه قردان و ما كنا نعلم أنّهما زوجان. وشاهدنا قرداً منهما نائماً إلى جانب السياج ممسكاً بإحدى يديه بطرف منه فعمد صاحبي إلى راحة يد القرد وأخذ يحكها بسبابتهِ بلطف وكأنه استطاب حمرتها ونعومتها وفجئة انقضَّ علينا القرد الراقد في أعلى القفص وقد ملأه صراخاً وزعيقاً وهبط إلى أسفل القفص وأوسع القدر النائم صراخاً وهمهمة فعللمنا حينئذ إنّها اُنثاه وقد غار عليها من سبابة 
ـــــــــــــــــــ
(1) ابن الأثير الكامل ، ج3 ص206 .
(2) ابن الأثير الكامل ، ج3 ص206 .

الصفحة 232
زميلي وساعتها اكتشفنا لأوّل مرّة أنّ القرد يغار أيضاً على عرضه من الإنسان فما بالك به لو شاهد قرداً معها وأعتقد أنّ هذا القرد خير من معاوية ابن أبي سفيان الّذي وضع عرضه في مهبّ السياسة كالريشة في مهب الريح..
وأعتقد أنّ أجواء الإنفلات في بيت هند الّتي قضى فيها معاوية طفولته وصباه بل وفتوّته أيضاً هي الّتي أكسبته هذه اللامبالاة.
وصيّرته يستخدم العرض للأغراض السياسيّة فيهب البنت والاُخت وبنت الأخ والولد تارة لهذا واخرى لذاك. ليجذبهم إلى حضيرة سياسته. ويسخّرهم لمآربه ولقضاء أوطاره السياسيّة يقول الزمخشري:
وكان معاوية يعزى إلى أربعة إلى مسافر بن أبي عمرو وإلى عمارة بن الوليد وإلى العباس بن عبدالمطّلب وإلى الصبّاح مغن أسود كان لعمارة قالوا: كان أبو سفيان دميماً قصيراً وكان الصباح عسيفاً لأبي سفيان شاباً وسيماً فدعته هند إلى نفسها.
وقالوا: إنّ عتبة بن أبي سفيان من الصبّاح أيضاً وأنّها كرهت أن تضعه في منزلها فخرجت إلى أجياد فوضعته هناك وفي ذلك قال حسان:
لمن الصبي بجانب البطحاء     ملقـى غـير ذي سـهـد
نجلت به بيـضاء آنـسة      من عبد شمس صلتة الخد(1)
والبيت الأوّل كنا نقرءه كالتالي :
لمن الصبي بجانب البطحاء    في الأرض ملقىً غير ذي مهد
وهو الصواب أمّا «غير ذي سهد» فلا معنى لها ولكني نقلته كما وجدته في المصدر.
في هذه الأجواء الأباحية ولد معاوية وترعرع فيها وهي أجواء الزنا الرسمي تقارفه هند على رؤوس الأشهاد لا تحذر أحداً.
وتأثير هذا على الولد أشدّ من تأثيره إذا كان خلسة مع الحذر والخوف.
ففي الأوّل يتفتّح وعي الناشىء في أحضانه على ممارسته بشكل علني وبإصرار فتهون عليه الأخلاق والمُثُل الشريفة. أمّا الثاني فيدرك أنّه إثم مذموم حين 
ــــــــــــــــــ
(1) الزمخشري ، ربيع الأبرار ، ج4 ص275 وص276 .

الصفحة 233
يمارس مع الخوف والحذر.
فلا يبعد عن العلاقة الطيّبة مع الخلق الشريف والقيم المحترمة..
ومن المعقول أن تكون هذه الأجواء المنفلتة والمجانبة للآداب هي علّة خروج معاوية على المألوف من الغيرة واحترام العرض.
وإذا شئت فجزء علّة على أقلّ تقدير. والواقع أنّ الوسط الجاهلي بصورة عامّة يعيش مثل هذه الأجواء الداعرة وكان معاوية في بيته يعيش في أعماق ذلك الوسط الجاهلي .
من ثمّ أصبح في عزّ ملكه وليس يُبالي ما أنزل بعرضه والّذي يستنبطه الباحث من حياة معاوية السياسيّة انّه اتّخذ من شهوة الحكم غايته القصوى وصارت الوسائط عنده سواءٌ منها العرض أو الدين تبرّرها تلكم الغاية .
ولما استلحق معاوية زياداً بشهادة أبي مريم السلولي أرسلت إليه جويريّة بنت أبي سفيان عن أمر أخيها معاوية فأتاها فأذنت له و كشفت عن شعرها بين يديه وقالت أنت أخي أخبرني بذلك أبو مريم(1) .
وأبو مريم هذا خمّار في الجاهلية شهد على أبي سفيان بالزنا بسميّة ولو كان لهذه الشهادة واقع صحيح فإنّ تمييز علوق سمية من أبي سفيان من بين عشرات الزائرين أمر مستحيل وكان على جويريّة لو لم تكن كأخيها الامتناع عن ذلك نظراً لهذه الحقيقة.
أمّا معاوية فقد تمادى في إدّعائه إلى حدّ توظيف العرض له.
وزوّجَ إحدى بناته من أحد أبناء زياد ليدلّ بذلك على صحّة هذا الإدّعاء.
فافتخرت يوماً على زوجها وتطاولت، فشكاها إلى أبيه زياد. فدخل عليهابالدرّة يضربها ويقول لها أشفراً وفخراً.....(2)
وحكاية معاوية مع عبدالله بن سلام بشأن امرأته اُرينب بنت اسحاق وكيف أغراه معاوية بابنته وزواجه منها ليطلّقها ويقضى واحدة من أماني ابنه يزيد في 
ـــــــــــــ
(1) مروج الذهب ، ج3 ص7 .
(2) أمالي المرتضى ، ج1 ص80 .

الصفحة 234
الزواج منها وكان انعكاس هذه الحكاية على الرأي العام شديداً على معاوية. حتّى قال الناس فيه:
كما نقل ذلك ابن قتيبة بالتفصيل فقال:
.. وذاع أمره في الناس وشاع ونقلوه إلى الأمصار وتحدّثوا به في الأسحار وفي اللّيل والنّهار وشاع في ذلك قولهم وعظم لمعاوية عليه لومهم وقالوا:
خدعه معاوية حتّى طلّق امرأته وإنّما أرادها لإبنه فبئسَ من استرعاه الله أمر عباده ومكّنه في بلاده وأشركه في سلطانه يطلب أمراً بخدعة من جعل الله إليه أمره ويحيّره ويصرعه جرأة على الله(1) .
وأحسب أنّ معاوية كان يحسب بناته بمثابة الذهب يوجّهه إلى من يُريد اكتسابه أو شراء ذمّته..
وطالما أنفقهنّ كمرادفهنّ الذهب في تمرير سياسته الباطلة. ولست واجداً في جاهلية أو اسلام أباً كمعاوية في جعل بناته بل عرضه بضاعة وَوَضْعِها في سوقه الخاصّة بالغدر والخديعة والكذب والدجل السياسي.
بلغ معاوية أنّ ابنته امتنعت على ابن عامر في الافتضاض فخرج إليها يتوذف في مشيته وفي يده مخصرة فجلس وجعل ينكث في الأرض ويقول:
من الخفرات البيض أما حرامها    فصعـب وأما حلّها فـذلول
وخرج فدخل ابن عامر فلم تمتنع عليه(2) .
وهذه حالة من غرائب الحالات لا تواتي إلاّ من كان مثل معاوية وما اختط لنفسه من السياسة العرضية ووضعها في مزاد سياسة الحكم.
وحكاية ابنته مع أبي دهبل تكشف عن هذه السياسة الوقاح بشكل سافر. نقل أبو الفرج الاصبهاني عن عاتكة ابنة معاوية أنّها حجّت فنزلت من مكّة بذي طوى فبينا هي ذات يوم جالسة وقد اشتد الحر وانقطع الطريق وذلك في وقت الهاجرة إذ أمرت جواريها فرفعن الستر وهي جالسة في مجلسها عليها شفوف لها تنظر إلى 
ــــــــــــــــــــ
(1) الإمامة والسياسة ، ج1 ص170 وقد نقل ابن قتيبة حكاية اُرينب بنت اسحاق بتفصيل واف.
(2) التذكرة الحمدونية ، ج1 ص459 .

الصفحة 235
الطريق إذ مرّ بها أبو دهيل الجمحي وكان من أجمل الناس وأحسنهم منظراً. فوقف طويلا ينطر إليها وإلى جمالها وهي غافلة عنه فلما فطنت له سترت وجهها وأمرت بطرح الستر وشتمته فقال أبو دهبل:
إنّي  دعاني الحين فاقتادني      حـتّى رأيت الظبي بالباب
يـا  حسنه إذ سبّنى مدبراً      مـستتراً عـني بـجلبابِ
سـبحان  من وقّفها حسرة      صبّت على القلب بأوصاب
يـذود عـنها إن تـطليتها      اب  لـها لـيس بـوهّاب
أحـلّها  قصراً منيع الذرى      يـحمى بـأبواب وحجاب
قال وأنشد أبو دهبل هذه الأبيات بعض اخوانه.
فشاعت بمكّة وشهرت وغنى فيها المغنون حتّى سمعتها عاتكة انشاداً وغناءاً فضحكت وأعجبتها وبعثت إليه بكسوة وجرت الرسل بينهما فلما صدرت عن مكّة خرج معها إلى الشام ونزل قريباً منها فكانت تعاهده بالبر واللطف حتّى وردت دمشق وورد معها فانقطعت عن لقائه وبعد من أن يراهاومرض بدمشق مرضاً طويلا فقال في ذلك:
طـال  لـيلي وبـت كالمحزون      ومـللت الـثواء فـي حـيرون
وأطـلت الـمقام بـالشام حـتّى      ظـن أهـلي مـرجمات الظنون
فـبكت خـشية الـتفرّق جـمل      كـبكاء  الـقرين إثـر الـقرين
وهي  زهراء مثل لؤلؤة الفواص      مـيزت  فـي جـوهر مـكنون
ثمّ  خاصرتها إلى القبّة الخضراء      تـمشي  فـي مـرمر مـسنون
قـبّة مـن مـراجل ضـربوها      عـند بـرد الـشتاء في قيطون
عـن يـساري إذا دخلت من البا      ب وان كـنت خارجاً عن يميني
ولـقد  قـلت إذ تـطاول سقمي      وتـقـلبت لـيلتي فـي فـنون
ليت شعري أمن هوىً طار نومي      أم بـراني الباري قصير الجفون
قال: وشاع هذا الشعر حتّى بلغ معاويه فأمسك عنه حتّى إذا كان يوم الجمعة دخل عليه الناس وفيهم أبو دهبل فقال معاويه لحاجبه إذا أراد أبو دهبل الخروج فامنعه وأردده إليَّ وجعل الناس يسلّمون وينصرفون فقام أبو دهبل لينصرف فناداه 

الصفحة 236
معاوية يا أبا دهيل إليَّ فلما دنا إليه أجلسه حتّى خلا به ثمّ قال له: ما كنت أظن أنّ في قريش أشعر منك حيث تقول:
ولـقد قـلت إذ تطـاول سقـمي      وتقلبـت ليـلتى فـي فنـون
ليت شعري أمن هوىً طار نومي       أم يراني الباري قصير الجفون
غير أنّك قلت:
وهي زهراء مثل لؤلؤة الغوّاص       ميزت من جوهر مكنون
وإذا ما نسبـتـها لـم تـجدها        في سناء من المكارم دون
وواللله إنّ فتاةً أبوهامعاوية وجدها أبو سفيان وجدّتها هند بنت عتبة لكما ذكرت وأي شيء زدت في قدرها ولقد أسأت في قولك:
ثمّ خاصرتها إلى القبة الخضراء      تمـشي في مـرمـر مسنـون
فقال والله يا أمير المؤمنين ما قلت هذا وإنّما قيل على لساني فقال له: أمّا من جهتي فلا خوف عليك لأنّي أعلم صيانة ابنتي نفسها وأعرف أنّ فتيان الشعر لم يتركوا أن يقولو النسيب في كلّ من جاز أن يقولوه فيه وكلّ من لم يجز وإنّما أكره لك جوار يزيد وأخاف عليك وثباته فإنّ له سورة الشباب و أَنَفَة الملوك ...(1)
والحكاية طويلة ذكرها أبو الفرج بطولها وفي ختامها أنّ أبا دهبل لم يزل يطارد عاتكة فرأى معاوية أن يزوّجه ليتخلّص من قالة السوء فزوّجه وكفّ عنها.
فهل هذا حُلُم أو دياثة ادع ذلك لفطنة القارىء واحسب ان عرض معاوية كان مثار حديث أهل الشام ودهشتهم. لذلك نرى معاوية في احدى خطبه ينهى عن ذلك من طرف خفي فيقول على المنبر:
إيايّ وقذف المحصنات وان يقول الرجل سمعت وبلغني فلو قذفت إمرأة على عهد نوح لسئل عنها يوم القيامة...(2)
ولعلّ توغّله في الزمن صعوداً إلى عهد نوح قرينة على أنّ القوم كانوا يخوضون في سيرة امّه وما ورّثتهُ اياهُ من عدم الاهتمام بالعرض من ثم سارع إلى بيان 
ــــــــــــــــــــ
(1) الأغاني ، ج7 ص121 .
(2) مختصر تاريخ دمشق ، ج25 ص49 .

الصفحة 237
ذلك ليكون أوقع في الردع.
وإلاّ فلا أجد مناسبة تدعوه إلى ذكر ذلك سوى تلك المناسبة.
وربّما بدرت من معاوية بادرة صغيرة دلّت على ما يتّصف به من قلّة الغيرة.
ذكر الجاحظ: إنّ معاوية خرج ذات يوم يمشي ومعه خصي له. إذ دخل على ميسون ابنة بجدل وهي ام يزيد فاستترت منه فقال:
أتستترين منه وإنّما هو مثل المرأة؟ قالت أترى إنّ المثلة به تُحلّ ما حرّم الله(1) .
وإن تعجب من هؤلاء فإنّ أمرهم عجب وأيّ عجب ولكن أعجب من شيعتهم أمثال ابن كثير والذهبي وابن تيميّة وغيرهم.
فهذا ابن كثير يعدّ خلافة يزيد مكافئة لأمّه على احتجابها من الخصي قال:
وكانت حازمة عظيمة الشان جمالا ورياسة وعقلا وديناً دخل عليها معاوية يوماً ومعه خادم خصي فاستترت منه وقالت: ما هذا الرجل معك؟ فقال: إنّه خصي فاظهري عليه.
فقالت: ما كانت المثلة لتحلّ ما حرّم الله عليه وحجبته عنها. وفي رواية إنّها قالت له:
إنّ مجرّد مثلتك له(2) لن تحلّ ما حرّم الله عليه فلهذا أولى الله ابنها يزيد الخلافة بعد أبيه(3) وأقول لهذا العاشق المفلس:
ما أعزّ ميسون على الله وما أهون امّة محمّد يكافىء هذه المرأة على احتجابها من خصي بكارثة كبرى ينزلها في الإسلام والمسلمين وهي ولاية يزيد لعنه الله فيقتل أهل البيت ويستبيح المدينة ويقتل أهلها وفيهم سبعون بدرياً ويجري من غربان الشام ما يجري على نسائها وعواتقها. ويهدم الكعبة بنصب المجانيق على أسوارها لقتل ابن الزبير كلّ هذا مكافئة لميسون لأنّها استترت من خصي. بعداً وسحقاً لعقلك يا ابن كثير وعقل اشباهك.
ــــــــــــــــــــ
(1) الجاحظ ، كتاب الحيوان ، ج1 ص177 .
(2) وقولها هذا يدلّ على أنّ معاوية هو الذّي خصاه..
(3) البداية والنهاية ، ج8 ص148 .

الصفحة 238
وقد تكون هذه المرأة على شيء من الحزم حين عرقت عن معاوية ودنياه وعرفت طبيعة ذاته.
لما زفت ميسون بنت بجدل الطلبية إلى معاوية تشوّقت إلى البادية فقالت:
لـبيت  تخفق الأرواح فيه      أحبّ  إليّ من قصر منيف
وأصـوات الرياح بكلّ فج      أحـبّ إليّ من نقر الدفوف
وكـلب ينبح الطراق عني      أحـبّ إلـيّ من هر ألوف
وبكر يتبع الأضعان صعب      أحـب إليّ من بغل زفوف
ولـبس  عباءة وتقرّ عيني      أحبّ إليّ من لبس الشغوف
وخرق  من بني عمي كريم      أحـبّ إليّ من علج عليف
فلمّا بلغت الأبيات معاوية قال: والله ما رضيت بنت بجدل حتى جعلتني علجاً عليفاً...(1)
ولا أعتقد أنّ مجرّد الحياة الحضرية المغايرة لطبيعة البادية حملتها على هذا الحنين وطلب العودة من حيث أتت بل من الممكن أن تكون قَلَت حياة الابتذال في القصر وما كانت تشاهده من غياب الضوابط الأخلاقية ونقر الدفوف!! وما يتبع ذلك من هزّ الأعطاف في قصر معاوية.
والواقع أنّ أكثر الكلمات استيعاباً لحقيقة معاوية قول عبدالملك بن مروان فيه:
قال أبو عاصم عن ابن جريج عن أبيه قال:
حجّ علينا عبدالملك بن مروان سنة خمس وسبعين بعد مقتل ابن الزبير بعامين فخطبنا فقال:
أمّا بعد فإنّه كان قبلي من الخلفاء يأكلون من هذا المال ويوكلون واني والله لا أداوي أدواء هذه الأمّة إلاّ بالسيف ولست بالخليفة المستضعف يعني عثمان ولا الخليفة المداهن يعني معاوية(2) .
ــــــــــــــــــ
(1) التذكرة الحمدونية ، ج7 ص416 .
(2) تاريخ خليفة بن خياط ، ج1 ص270 .

الصفحة 239
أجل والله صدق هذا الخبيث فلن تجد مداهناً في دينه وعرضه مثل معاوية بن أبي سفيان.
 السمة التاسعة : أفقار الناس بنهب أموالهم وحيازة أراضيهم واستصفاء الذهب 
والفضة وجمعها في خزائنه ليحوك المؤامرات ويشتري الذمم
وأعتقد أنّ هذه السمة أشدّ السمات فتكاً وأعمّها أثراً في الاُمّة فقد تنبهت في معاوية بعد أن ذاق حلاوة الحكم حاسّة الجشع الفاجر واستفحلت فيه طبيعة الطمع بعد أن وجد سبيل النهب والجمع والادّخار معداً له في إمارته وخلافته. بخاصة وقد جعل له عمر عطاءه من بيت المال عشرة آلاف دينار وهو مبلغ خيالي في ذلك الزمان...
والدينار يساوي المثقال وهو احدى وسبعون شعيرة تقريباً بناءاً على أنّ الدانق ثماني حباب وخمسمائة حبّة..(1)
وباستطاعتك أن تلمّ بالمبلغ الكبير الّذي كان يهبه عمرلمعاوية ثمناً لكيده الإسلام ومخالفته شرائعه.
ولقد إسر حبّ المال معاوية وملك عليه شغاف قلبه فأعشى بريق الذهب عينيه وأصم أذنيه أذنيه. وجعله قاعدةً رفع عليها. دعائم ملكه. واستعبد به عبّاده مثل ابن العاص فقد قال له ذات يوم:
ما أشدّ حبّك للمال قال ولِمَ لا اُحبّه وأنا استعبد به مثلك وابتاع دينك ومروءتك....(2) وصدق ابن هند لقد ابتاع به دين الكثير من نظراء ابن العاص في الطمع والخسّة.
وفد الأحنف بن قيس وجارية بن قدامة من بني ربيعة بن كعب بن سعد والجون بن قتادة العبشمي والحتات بن يزيد أبو منازل أحد بني حُويّ بن سفيان بن مجاشع إلى معاوية بن أبي سفيان.
ــــــــــــــــــ
(1) حسين يوسف موسى وعبدالفتاح الصعيدي ، فقه اللغة ، ج2 ص1230 .
(2) التذكرة الحمدونية ، ج7 ص191 .

الصفحة 240
فأعطى كلّ رجلّ منهم مائة ألف وأعطى الحتات سبعين ألفاً فلما كانوا في الطريق سأل بعضهم بعضاً فأخبروه بجوائزهم. فكان الحتات أخذ سبعين ألفاً فرجع إلى معاوية فقال: ما ردّك يا أبا منازل؟ قال: فضحتني في بني تميم أما حسبي بصحيح أولست ذا سن! أولست مطاعاً في عشيرتي! فقال معاوية: بلى قال: ما بالك خسست بي دون القوم! فقال: اني اشتريت من القوم دينهم ووكلتك إلى دينك ورأيك في عثمان بن عفّان وكان عثمانياً فقال: وأنا فاشتري منّي ديني فأمر له بتمام جائزة القوم وطُعن في جائزته فحبسها معاوية......(1)
والمال عند معوية سبب مهم لبلوغ غايات ومنها شراء الذمم والأديان وما من أحد ممّن اشترى معاوية منهم دينهم يجهل حقيقة الصفقة أو خطة معاوية في ذلك.. فهذا عمرو بن العاس يعلم انّه باع دينه بدنانير مصر. عن ابن عباس:
.. إنّ عمرو بن العاص قال لمعاوية بن أبي سفيان: رأيت فيما يرى النائم أبا بكر كئيباً حزيناً قد أخذ بضبعيه رجلان قلت: بأبي أنت وأمي يا خليفة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ما شأنك؟ أراك كييباً حزيناً! قال وكّل بي هذان الرجلان ليُحاسباني بماترى. وإذا صحف ليس بالكثيرة ورأيت عمر بن الخطّاب كئيباً حزيناً وقد أخذ بضبعيه رجلان فقلت بأبي وأمي انت يا أمير المؤمنين مالى أراك كئيباً حزيناً! قال: وكّل بي هذان الرجلان ليُحاسباني بما ترى وإذا صحف مثل الحزورة جبيل ليس بالضخم. ثمّ رأيت عثمان بن عفّان كئيباً حزيناً فقال وكّل بي هذان يُحاسباني بما ترى وإذا صحف مثل الخذمة.
ـ جبل إذا دخلت البطحاء عن يسارك ـ ورأيتك يا معاوية كئيباً حزيناًقد أخذ بضبعيك رجلان قد ألجمك العرق فقلت: بأبي واُمي يا أمير المؤمنين! مالى أراك كئيباً حزيناً؟ فقلت: وكلّ بي هذان ليُحاسباني بما ترى وإذا صحف مثل أُحد وثبير. فقال معاوية: أما رأيت ثمّ دنانير مصر(2) .
وهذه الدنانير هي الّتي جعلت عمراً كالكلب يتبع الضرغام كما وصفه الإمام 
ـــــــــــــــــــــ
(1) الطبري ، ج5 ص242 ، والكامل ، ج3 ص231 .
(2) مختصر تاريخ دمشق ، ج25 ص69 ، والبداية والنهاية ، ج8 ص148 .

الصفحة 241
عليه السلام بذلك قال في إحدى رسائله إليه:
فإنّك جعلت دينك تبعاً لدنيا امرىء ظاهر غيّهِ مهتوك ستره يشين الكريم بمجلسه ويُسَفِّهُ الحليم بخلطته فأتبعت اثره وطلبت فضله إتّباع الكلب للضرغام يلوذ إلى مخالبه وينتظر ما يلقى إليه من فضل فريسته فأذهبت دنياك وأخرتك(1) .
وهذه الصفات الّتي أطلقها الإمام على ابن العاص تشمل كلّ من هو على شاكلته في إتّباع معاوية وطلبه فضله وما أكثرهم.
وبما أنّ سلاح الذهب سلاح فتّاك فقد جرّبه معاوية مع كلّ أحد فاقتنع بفاعليّته قال مالك بن هبيرة السكوني حين أبى معاوية أن يهب له حجراً وقد اجتمع إليه قومه من كندة والسكون وناس من اليمن كثير. فقال: والله لنحن أغنى عن معاوية من معاوية عنا وإنّا لنجد في قومه منه بدلا ولا يجد منا في الناس خلفاً. سيروا إلى هذا الرجل فلنخله من أيديهم فأقبلوا يسيرون ولم يشكّوا أنّهم بعذراء لم يقتلوا فاستقبلتهم قتلتهم قد خرجوا منها فلمّا رأوه في الناس ظنوا أنّما جاءهم ليخلّص حجراً من أيديم فقال لهم: ما وراءكم؟ قال: تاب القوم وجئنا لنخبر معاوية فسكت عنهم ومضى نحو عذراء فاستقبله بعض من جاء منها فأخبره أنّ القوم قد قتلوا فقال: عليَّ بالقوم! وتبعتهم الخيل وسبقوهم حتّى دخلوا على معاوية فأخبروه خبر ما أتى له مالك بن هبيرة ومن معه من الناس فقال لهم معاوية: اسكنوا فإنّما هي حرارة يجدها في نفسه وكأنّها قد طفئت ورجع مالك حتّى نزل في منزله ولم يأت معاوية فأرسل إليه معاوية فأبى أن يأتيه فلمّا كان الليل بعث إليه بمأة ألف درهم وقال: له: إنّ أمير المؤمنين لم يمنعه أن يشفّعك في ابن عمّك. إلاّ شفقة عليك وعلى أصحابك أن يُعيدوا لكم حرباً اُخرى وإنّ حجر بن عدي لو قد بقي خشيتُ أن يكلّفك وأصحابك الشخوص إليه وأن يكون ذلك من البلاء على المسلمين ما هو أعظم من قتل حجر فقبلها وطابت نفسه واُقبل إليه من غده في جموع قومه حتّى دخل عليه ورضي عنه(2) .
ـــــــــــــــــــــ
(1) مغنية ، في ظلال نهج البلاغة ، ج3 ص553 .
(2) تاريخ الطبري ، ج5 ص9/278 ، وتاريخ ابن خلدون ، ج3 ص13 ، والبلاذري ، أنساب الأشراف ، ج5 ص270 .

الصفحة 242
ولولا هذه الدراهم الساحرة لطال جداله مع ابن هبيرة أو تحوّل الجدال إلى جلاد.
واستطاع معاوية أن يروّض كلّ عصي بالمال الّذي انتهبه واغتصبه حتّى عائشة تشفّع إليها بالأطواق وأكياس الذهب ومئات الاُلوف الّتى تتواتر عليها من لدنه تواتر الغيث وهو يعلم أنّ عائشة وإن بدت امرأة حبيسة دارها. ولكنّها قوّة في المسلمين خارقة أليست هي المجلبة على عثمان أو نعثل كما سمته؟ وصاحبة الجمل الّتي لا تزال آثاره تعيش معنا في القرن العشرين.
عن سعيد بن عبدالعزيزى قال: قضى معاوية عن عائشة ثمانية عشر ألف دينار(1) .
وقال عروة:
بعث معاوية مرّة إلى عائشة بمئة ألف فوالله ما أمست حتى فرّقتها(2) .
وأرضت معاوية الصفقة مع عائشة كما نقلت صفقة اُخرى عبدالله بن عمر من صفوف المعارضين إلى صفوف الراضين بل الأعوان الّذين يهددون بالصيلم وقد مرّ بعض ذلك في هذا الكتاب فما بقيت سلعة من هؤلاء لم يشترها معاوية بكيس أو أكياس وطوق أو أطواق وهكذا دواليك.
وصار الذهب لسلطان معاوية بمنزلة الهواء للنفس إذا أمسك عنه هلك. من ثمّ راح يكتب إلى عمّاله أن يمدّوه به.
أخرج ابن عبدالبر في الاستيعاب قال: حدّثنا أحمد بن أبي عبدالله قال: حدّثنا بقي (كذا) قال: حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدّثنا ابن عليه عن هشام عن الحسن البصري قال: كتب زياد إلى الحكم بن عمروا الغفاري وهو على خراسان. إنّ أمير المؤمنين كتب إليَّ أن تصفي له البيضاء والصفراء فلا تقسّم بين الناس ذهباً ولا فضّة فكتب إليه الحكم بلغني أنّ أمير المؤمنين كتب إنّ تصفَّي له البيضاء والصفراء وإنّي وجدت كتاب الله قبل كتاب أمير المؤمنين وإنّه والله لو أنّ السموات والأرض 
ـــــــــــــــ
(1) سير أعلام النبلاء ، ج3 ص154 .
(2) سير أعلام النبلاء ج3 ص154 .

الصفحة 243
كانتا رتقاً على عبد ثمّ اتّقى الله جعل له مخرجاً والسلام عليكم ثمّ قال للناس اغدوا على ما لكم فقسّمه بينهم وقال الحكم: اللهمّ إنّ كان عندك لي خير فاقبضني إليك فمات بخراسان بمرو......(1)
لابدّ من ضخّ الذهب والفضّة كي تجري في شرايين حكمه ليمتد به العمر وإلاّ فإنّ الفناء له بالمرصاد أن توقّف هذا الضخّ.
وذكر يونس ابن عبيد أنّ معاوية كتب إلى المُغيرة يستمد بمال يبعثه. من بيت المال فبعث عِيراً تحمل مالا. فاعترض لها حجر فأمسك بزمام أوّلها وقال: لا والله حتّى يوفّى كلّ ذي حقّ حقّه.......(2)
ولقد استأثر معاوية بالفيء واحتازه لنفسه ولأقربائه ولِذي ودّه ومن يُريد شرائه من المُرتزقة وتركت عامّة الناس في فقر مدقع وخصاصة متناهية وحضر علي الوجهاء والأعيان أن يبلغوه شيئاً من هذا وإذا أسعف أحدهم الحظ وحظي بزيارته فعليه أن لا يتكلّم إلاّ لنفسه.
قدم وفد العراق على معاوية وفيهم الأحنف فقام الآذن وقال: إنّ أمير المؤمنين يعزم عليكم أن يتكلّم أحد إلاّ لنفسه فلمّا وصلوا إليه قال الأحنف لولا عزمة أمير المؤمنين لأخبرته أنّ رادفة ردفت ونازلة نزلت. ونائبة نابت والكلّ بهم الحاجة إلى معروف أمير المؤمنين وبرّه فقال:
حسبك يا أبا بحر فقد كفيت الغائب والشاهد(3) .
وقوله حسبك ليس لا عجابه وقناعته بما قال ولكن كفاً لما يريد بيانه.
وتمادى بذلك معاوية ومنع أن يسئل أحد لغيره وإنّما فعل ذلك لأنّ الّذين يصلون إليه هم عادة الرؤساء والأعيان وأهل النفوذ وأمّا السواد الأعظم وهم أهل الحاجات وعليهم تدور دوائر الجوع والغرم الفادح هم حاملوه كحملهم البؤس والحرمان وأولئك لا يمكَّنون من المثول بين يديه فأراد أن لا يسمعه أحد من أهل النفوذ صوتهم.
ــــــــــــــــــ
(1) النصائح الكافية ، ص131 .
(2) البداية والنهاية ، ج8 ص52 .
(3) التذكرة الحمدونية ، ج2 ص20 .

الصفحة 244
وقد يحدث أحياناً أن يحتك معاوية بواقعهم بفعل الصدفة كما حدث أن خرج متنزّهاً فمر بحواء ضخم فقصد لبيت منه فإذا بفنائه امرأة برزة فقال لها هل من غداء؟ قالت: نعم حاضر قال: وما غداءك؟ قالت خبز خمير وماء نمير وحيس فطير ولبن هجير فثنى وركه ونزل فلمّا تغدى قال: هل لك من حاجة؟ فذكرت حاجة أهل الحواء قال: هاتي حاجتك في خاصة نفسك قالت: يا أمير المؤمنين إنّي أكره أن تنزل وادياً فيرفّ أوّله ويقف آخره.
والحكايات هذه دائماً تسكت عن فعل معاوية وتوليه السكوت. فهل استجاب للأحنف أو المرأة. لا نعلم؟! والأرجح أنّه لم يفعل.
وما فتىء العمّال يجلبون الذهب والفضّة لمعاوية فتدرّ عليهم أخلاف الولايات الكثير الكثير منه فيحمل إليه موفّراً دون أن ينفق قيراط منه في البلد الّذي حمله إليه. وكلّ بلد يجرد من بيت المال يسقط عطاء أبنائه فتعمّهم الخصاصات وتحلّ بهم المجاعات ولمّا بلغ السيل الزبى والسكين العظم عمد الناس إلى الأعتراض ومنع ذلك فمنهم من يوفّق إلى حفظ المال ومنهم من يواجه بالعنف والقسوة فيبوء بالخيبة والخسران.
قال العقبي: حمل زياد من البصرة مالا إلى معاوية. ففزعت بنو تميم والأزد إلى مالك بن مسمع وكانت ربيعة مجتمعة عليه كاجتماعها على كليب في حياته واستغاثوا به وقالوا: يحمل المال ونبقى بلا عطاء فركب مالك في ربيعة واجتمع إليه الناس فلحق بالمال فردّه وضرب الفسطاط بالمربد وأنفق المال في الناس حتّى وفّاهم عطائهم وقال: إن شئتم الآن أن تحملوا فاحملوا فما راجعه زياد في ذلك بحرف(1) .
وإنّما لم يراجعه لقوّته والتفاف قومه عليه ولو وجده ضعيفاًخائراً لأذاقه الموت الزؤام وليس الناس في سياسة معاوية سواءً تحت حد الفقر بل قصد جماعة بعينهم فأفقرهم إلى حدّ الادقاع وذلك لعدائه القديم لهم يُضاف إليه إنحرافهم عن حكمه أو ولائهم لأهل البيت منهم جابر بن عبدالله الأنصاري .
ـــــــــــــــــ
(1) التذكرة الحمدونية ، ج2 ص152 .

الصفحة 245
روي أنّ جابر بن عبدالله استأذن على معاوية فلم يأذن له أيّاماً ثمّ دخل فمُثِّلَ بين يديه فقال يا معاوية اشهد انّي سمعت المُبارك يقول: ما من أمير احتجب عن الفقراء إلاّ احتجب الله عنه يوم يفتقر إليه فغضب معاويه وقال: يا جابر ألست ذكرت عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: يا معشر الأنصار سيصيبكم بعدي أثرة فاصبروا حتّى تلقوني على الحوض؟ قال: قد سمعت الطيب المُبارك(صلى الله عليه وآله وسلم) يقوله. قال معاوية: فألاّ صبرت؟ قال: إذن والله اصبر كما صبرت حين ضربت أنفك وأنف أبيك حتّى دخلتما في الإسلام كارهين ثمّ انصرف وهو يقول:
إنّي لأختار البـلاء على الغِـنى      وأجزأ بالماء القراح عن المحض
وأدّرع الأملاق صبراً وقد أرى       مكان الغنى أن لو اُهين له عرضي
فناشده معاوية أن يأخذ صلته وبعث في أثره يزيد بن معاوية فقال: والله لا يجمعني وإيّاه بلد أبداً.
فلمّا خرج لقى عبدالله بن عباس وعبدالرحمن بن سليط فقال له ابن عباس:
قد بلغني ما كان من ابن آكلة الأكباد وكهف النفاق ورأس الأحزاب. هلمّ إليَّ اُشاطرك مالي كما قاسمتني مالك ولك نصف داري كما أسكنتني دارك فقال جابر ثمر الله مالك وبارك لك في دارك فقد أثبت ما أنت أهله وقال معاوية ما كان يشبهه(1) وحبس العطاء عن سيّد الشهداء(عليه السلام) حتّى اضطرّ إلى الاقتراض من ابن عمّه عبدالله بن عباس يقول ابن حمدون.
.. وحبس معاوية عن الحسين بن علي(عليهما السلام) صلاته فقيل له: لو وجهت إلى ابن عمّك عبيدالله فإنّه قدم بنحو ألف ألف فقال الحسين(عليه السلام): وأين تقع ألف ألف من عبيدالله فوالله لهو أجود من الريح إذا عصفت وأسخى من البحر إذا زخر ثم وجّه إليه مع رسوله بكتاب ذكر فيه حبس معاويه عنه صلاته وضيق حاله وإنّه يحتاج إلى مأة ألف درهم فلمّا قرء عبيد الله كتابه وكان أرقّ الناس قلباً وألينهم عطفاً انهملت عيناه ثمّ قال:
ويلك يا معاوية مما اجترحت يداك من الاثم حتّى أصبحت لين المهاد رفيع 
ــــــــــــــــ
(1) التذكرة الحمدونية ، ج4 ص301 .
الصفحة 246
العماد والحسين يشكو ضيق الحال وكثرة العيال؟! ثمّ قال لقهرمانة احمل إلى الحسين نصف ما نملكه من فضّة وذهب ودابّة. وأخبره أنّي شاطرته مالي فإن أقنعه ذلك وإلاّ فارجع إليه واحمل إليه الشطر الآخر فقال له القهرمان: وهذه المؤن الّتي عليك من أين تقوم بها؟ قال: إذا بلغ ذلك دللتك على أمر تقيم به حالك فلمّا أتاه الرسول قال: إنّا لله حملت والله على ابن عمي وما حسبت أنّه يتّسع لنا هذا كله وأخذاالشطر من ماله(1) .
وكان يوحي للناس إنّ ما يأخذه وما يجمعه من البلاد وليس لأحد فيه حقّ وان من حقّ معاوية أن يعطي من يشاء ويحرم من يشاء وان خزائن الله عنده وهو مخوّلٌ من قِبله في العطاء والحِرمان.
في ربيع الأبرار قال: خطب معاوية فقال إنّ الله تعالى يقول:
وإن من شيء إلاّ عندنا خزائنه وما ننزله إلاّ بقدر معلوم فعلامَ تلومونني إذا قصّرت في إعطائكم فقال الأحنف: إنّا والله ما نلومك على ما في خزائن الله ولكن على ما أنزله لنا من خزائنه فجعلته أنت في خزائنك وحلت بيننا وبينه(2) .
ولكن كيف جعلها في خزائنه إنّه أرسل على الاُمّه زياداً والمغيرة ومعاوية ابن خديج والضحاك بن قيس وأمثال هولاء، فجبوا الدنيا له وجمعوها حتى أقفرت ربوعها وعصفت فيها المجاعات ولم ينفق من هذه الأموال حتّى أقل القليل على إعمار هذه البلاد المنكوبة به وبعمّاله قال العتبي:
وفد زياد على معاويه فأتاه بهدايا وأموال عظام وسفط مملوء جوهراً لم يُرَ مثله فسرّ سروراً شديداً فلمّا رأى زياد ذلك صعد المنبر وقال:
انا والله يا أمير المؤمنين أقمت صعر العراق وجبيت لك مالها وألفظت إليك بحرها فقام يزيد بن معاوية فقال:
إن تفعل ذلك يا زياد فنحن نقلناك من ولاء ثقيف إلى ولاء قريش ومن القلم إلى المنابر ومن زياد بن عبيد إلى حرب بن اميّة فقال معاوية: اجلس فداك أبي واُمّي(3) .
ــــــــــــــــ
(1) التذكرة الحمدونية ، ج2 ص287 .
(2) النصائح الكافية ، ص133 .
(3) التذكرة الحمدونية ، ج7 ص172 .

الصفحة 247
وما فتىء جشعه يزداد كلّما تقدّم به العمر فإذا وافته من المال دفعة اشتاق إلى اختها وهكذا دواليك حتّى بلغ جشعه درجة تمنّى أن يزدرد الدنيا معها روي عن معاوية انّه قال لجلسائه مرّة وددت لو أنّ الدنيا في يدي بيضة نيمبرشت واحسوها كما هي(1) .
وحارَ ابن حمدون في هذا الجشع النادر فقال: وهذا خبر غريب بعيد اورده الزمخشري اللغوى في كتابه المعروف بربيع الأبرار وبهذه السياسة الطامعة والجشع الجهنّمي هجم على أموال الناس اقتناءاً واحتواءاً ومصادرةً لنفسه وترك الاُمّه للجوع والخواء وصبّت نقمته على بنى هاشم والأنصار خاصّة.
حجّ معاوية سنة 44....... ولمّا وصل إلى المدينة أتاه جماعة من بني هاشم، وكلّموه في اُمورهم فقال: أما ترضون يا بني هاشم أن نقرّ عليكم دمائكم وقد قتلتم عثمان حتّى تقولوا ما تقولون؟ فوالله لا أنتم أجلّ دماً من كذا وكذا وأعظم في القول فقال له ابن عباس: كلّما قلت لنا يا معاويه بين دفّتيك أنت والله أولى بذلك منّا أنت قتلت عثمان ثمّ قمت تغمص على الناس أنّك تطلب بدمه فانكسر معاوية فقال ابن عباس: والله ما رأيتك صدقت إلاّ فزعت وانكسرت قال: فضحك معاوية وقال والله ما أحب أنّكم لم تكونوا كلّمتموني ثمّ كلّمه الأنصار فأغلظ لهم في القول وقال لهم ما فعلت نواضحكم؟ قالوا أفنيناها يوم بدر كما قتلنا أخاك وجدّك وخالك ولكنّا نفعل ما أوصانا به رسول الله قال: ما أوصاكم به؟ قالوا: أوصانا بالصبر قال: فاصبروا ثمّ أدلج معاوية ولم يقضِ لهم حاجة(2) .
وكان معاوية يعزل العامل شرّ عزل إذا حاول الخروج على سياسته فأطعمَ جائعاً أو كسى عرياناً أو حمل راجلا.
عن سعيد بن حنظلة إنّ معاوية بن أبي سفيان أمّر عمرو بن العقيلي على الصائفة فلمّا قدم سأله عمّا بلغ الخمس فأخبره فقال أين هو؟ قال عمرو تسألني عن الخمس وأرى رجلا من المهاجرين يمشي على قدميه لا أحمله! فقال معاوية: لا 
ــــــــــــــ
(1) التذكرة الحمدونية ، ج3 ص142 .
(2) تاريخ اليعقوبي ، ج2 ص222 .

الصفحة 248
جرم لاتنالها ما بقيت. قال إذن لا اُبالي وأنشأ يقول:
تـهادي  قريش في دمشق غنيمتي      واتـرك  أصحابي فما ذاك بالعدل
ولـست  اسيراً أجمع المال تاجراً      ولا أبـتغي طـول الإمارة بالبخل
فـإن يـمسك الشيخ الدمشقي ماله      فلست على مالى بمستغلق قفلي(1)
وبهذه السياسة الجائرة بلغ معاوية منتهى التعسّف حين يعزل العامل لأنّه أنفق المال الّذي جباه في الوجوه الصحيحة الّتي أمر الله بها.
مصادرة الأرض والاستيلاء عليها وشراء الدور بالثمن البخس من أهلها ونهب الثروات
في أوّل عهده بالحكم وفي زمن عمر بن الخطاب بدء معاوية بمصادرة الأرض والاستيلاء عليها بحجة وبغير حجة.
وقيل إنّ استيلائه على الأرض بدء في عهد عثمان وبطلب ترخيص منه في زرع الأرض الّتي تركها أصحابها وهاجروا إلى بلاد الروم(2) .
والّذي أعتقده أنّ غرام معاوية بأخذ الأرض بدء في عهد عمر حين أمره بإحراق الزرع وقد ابيض(3) ومن المعقول أن تكون شهيته لابتلاع الأرض بدئت من يومئذ وهو يشاهد الثروة الزراعية الهائلة الّتي أمره بإحراقها.
ومن المعقول أيضاً أن يخلي الأرض صاحبها بعد احراق زرعه فتتنبه شهية معاوية من ساعتئذ لسلبها.
كما إنّ عمر مهّد لمعاوية طريق سلب الأرض حين حضر على المسلمين الزراعة بأي وجه من الوجوه فقد قال لقيس بن عبدالفوت المرادي:
لا آذن لك بالزرع إلاّ أن تُقر بالذل وأمحو إسمك من العطاء...(4)
وتمادى عمر في الاستهانة بالزراعة إلى أبعد حدّ حين عامل الفلاح معاملة 
ـــــــــــــــــــ
(1) تاريخ خليفة بن خياط ، ج1 ص219 .
(2) معاوية بن أبي سفيان ، ص215 .
(3) مجلة العربي ، العدد 140 ربيع الثاني 1390 يوليو تموز 1970 ص25 .
(4) العربي ، عدد 140 ربيع الثاني 1390 يوليو تموز 1970 ص25 .

الصفحة 249
المشرك الكتابي فكتب إلى أهل الشام: من زرع واتبع أذناب البقر حلّت عليه الجزية(1) .
ومن الطبيعى أن يكون حاصل هذا الموقف هجر الأرض وترك زراعتها وبوارها وحينئذ يجد معاوية الذريعة حاضرة لسلبها.
سواء في زمن عمر أو زمن عثمان وفي عهد هذا الأخير كتب إليه أن يقطعه الأرض الّتي قتل أصحابها من الروم أو تركوها وهاجروا إلى بلاد غير البلاد المفتوحة من أرض الدولة البيزنطية وتعلّل له بكثرة وفود الأمصار والرسل وان هذه الضياع المتروكة لا يؤخذ عليها الخراج ولا تحسب من أهل الذمّة كما جاء في تاريخ ابن عساكر وكانت هذه الضياع تلحق ببيت المال وينفق منها على المصالح العامّة ومعونة المعوزين وذوي الحاجات فلمّا أذن لمعاوية بزرعها والانتفاع بثمراتها حبسها على نفسه وعلى آل بيته وخدّامه وأعوانه في سياسته. وعمد إلى كلّ معترض عليه وعلى انفاقه لهذه الأموال في غير وجهها فأقصاه عن الشام وأرسله إلى حيث يشاء من البلاد الاسلامية الاُخرى لا يعنيه أن يصنع الشاغبون ما يصنعون في غير ولايته(2) .
 خراج الأرض يصب في خزائن بن هند
كان خراج السواد مائة ألف ألف وعشرين ألف ألف درهم وخراج فارس سبعين ألف ألف وخراج الأهواز وما يضاف إليها أربعين ألف ألف وخراج اليمامة والبحرين خمسة عشر ألف ألف درهم وخراج كور دجلة عشرة آلاف ألف درهم وخراج نهاوند وماه الكوفة وهو الدينور وماه البصرة وهو همذان وما يضاف إلى ذلك من أرض الجبل أربعين ألف ألف درهم وخراج الري وما يضاف إليها ثلاثين ألف ألف درهم وخراج حلوان عشرين ألف ألف درهم وخراج الموصل وما يضاف إليها ويتصل بها خمسة وأربعين ألف ألف درهم وخراج أذربيجان ثلاثين ألف ألف درهم بعد أن أخرج معاوية من كلّ بلد ما كانت ملوك فارس تستصفيه لأنفسها من الضياع 
ــــــــــــــــــــ
(1) العربي ، عدد 140 ربيع الثاني 1390 يوليو تموز 1970 ص25 .
(2) العقاد معاويه بن أبي سفيان ، ص287 .

الصفحة 250
العامرة وجعله صافية لنفسه فأقطعه جماعة من أهل بيته .
وكان صاحب العراق يحمل إليه من مال صوافيه في هذه النواحي مائة ألف ألف درهم . فمنها كانت صلاته وجوائزه ، واستقر خراج مصر في أيّام معاوية على ثلاثة آلاف ألف دينار وكان عمرو بن العاص يحمل منها إليه الشيء اليسير . فلمّا مات عمرو حُمل المال إلى معاوية فكان يفرق في الناس أعطياتهم(1) ويحمل إليه ألف ألف دينار ، واستقر خراج فلسطين على أربعمائة وخمسين ألف دينار ، واستقر خراج الاُردن على مائة وثمانين ألف دينار ، وخراج دمشق على أربعمائة ألف وخمسين ألف دينار ، وخراج قنّسرين والعواصم على أربعمائة ألف وخمسين ألف دينار ، وخراج الجزيرة وهي ديار مضر وديار ربيعة على خمسة وخمسين ألف ألف درهم ، وخراج اليمن على ألف ألف ومائتي ألف دينار وقيل تسعمائة ألف دينار ...(2) ذكر ذلك كلّه اليعقوبي في تاريخه ثمّ قال :
وفعل معاوية بالشام والجزيرة واليمن مثل ما فعل بالعراق من استصفاء ما كان للملوك من الضياع وتصييرها لنفسه خالصة وأقطعها أهل بيته وخاصته . وكان أوّل من كانت له الصوافي في جميع الدنيا حتّى بمكة والمدينة فإنّه كان فيها شيء يحمل في كلّ سنة من أوساق التمر والحنطة .(3)
فهذه المبالغ الخيالية المنهوبة من القرى والدساكر والمدن الإسلاميّة ما كان لينال أحداً من الفقراء والمساكين والمحتاجين منها شيء ولو كان أقلّ القليل ، وكانت تنفق على ملاذ معاوية وأبنائه وبناته وأهل بيته وشهواتهم كما أنّ القسم الأكبر منها يصرف على شراء الذمم والضمائر وقسم منها يستحيل إلى أطواق من الذهب فيعطى للصديقات ثمناً لسكوتهنّ . وكانت غالبية الاُمّة تكاد تهلك جوعاً كما عرفت في حكاية جابر رضوان الله عليه مع معاوية . وتطوق كلاب معاوية ويزيد بأطواق الذهب .
ــــــــــــــــــــ
(1) والناس الذين لهم أعطيات هم الاُمويون ومواليهم وشيعتهم ، وجلّ أفراد الاُمّة لا عطاء لهم .
(2) تاريخ اليعقوبي ، ج2 ص233 و234 .
(3) تاريخ اليعقوبي ، ج2 ص234 .

الصفحة 251
لمّا استعمل ابن زياد عبدالرحمن بن اُم برثن(1) ثمّ عزله وأغرمه مائتي ألف درهم ، فخرج إلى يزيد ابن معاوية ، فلمّا كان على مرحلة من دمشق نزل وضرب له خباء وحجرة فإنّه لجالس إذا كلبة من كلاب الصيد قد دخلت عليه وفي عنقها طوق من ذهب وهي تلهث ، فأخذها وطلع يزيد على فرس له ، فلمّا رأى هيئته أدخله الحجرة وأمر بفرسه أن تقاد ، فلم يلبث أن توافت الخيل فقال له يزيد : من أنت وما قصّتك ؟ فأخبره فكتب له من ساعته إلى عبيدالله في ردّ المائتي ألف عليه ...(2)
وماذا لو كان طوق الكلبة نحاساً . ويدفع هذا الذهب إلى البطون الجائعة والبيوت التي تعاني شظف العيش ؟!! بالطبع لا يتغيّر شيء من ملاذ أبناء هند ولكنّهم أمعاناً منهم في السخرية بالاُمّة يصنعون هذا الصنيع .
ولقد كان معاوية يعبث بالذهب عبثاً وينفقه في موارد غير ضرورية بل لا داعي لها اطلاقاً ولا حاجة تدعو إليها ولكنّه العبث ووفرة الذهب التي لا يدري أين يضعها معاوية .
بنى معاوية الخضراء بدمشق من لبن وطين فقدم عليه وفد صاحب الروم فقال لهم : كيف ترون بنائي هذا ؟ قالوا : ما أحسنه إلاّ أنّك تبنيه لنفسك وللعصافير يريدون أنّ العصافير تحفره وتنقره ولم تبنه ليبقى لمن بعدك فهدمها وبناها بالحجارة(3) . هكذا تتدفق القناطير الذهبية في عبث معاوية كتدفق العذب في الأجاج وغالبيّة الاُمّة تكاد تهلك هزالاً وجوعاً .
صعد معاوية المنبر فحمد الله وأثنى عليه ، فلمّا أراد الكلام قطع عليه غلام من الأنصار قام فقال : يا معاوية ما جعلك وأهل بيتك أحقّ بهذا المال منّا ؟ وإنّما أفاءها الله على المسلمين بسيوفنا ورماحنا ومالنا عندك ذنب نعلمه إلاّ أنّا قتلنا خالك وليداً وجدّك عتبة وأخاك حنظلة . فقال معاوية : لا والله يابن أخي ما أنتم قتلتموهم ولكنّ الله قتلهم بملائكة بعد ملائكة على يدي بني أبيهم وما ذاك بعار ولا منقصة ، قال الأنصاري : فأين العار والمنقصة إذن ؟ قال : صدقت . أفلك حاجة ؟ 
ـــــــــــــــــــ
(1) كان منبوذاً فأخذته اُم برثن وربته وتبنّته حتّى أدرك وصار رجلاً جزلاً له نبل وفضل وتألّه .
(2) البلاذري ، أنساب الأشراف ، ج5 ص309 .
(3) أنساب الأشراف ، ج5 ص155 .

الصفحة 252
قال : نعم ، لي عجوز كبيرة وأخوات عواتق وقد عضنا الدهر وحلّ بنا الحدثان . فقال معاوية : خذ المال ما استطعت وكان مالاً ورد من بعض النواحي فحمل الغلام وقره ومضى معاوية في خطبته حتّى فرغ(1) .
وما من ريب أنّ الغلام رأى المال يحمل إلى معاوية فثارت ثائرته ولو خاطبه على انفراد لما أعطاه شيئاً . ولو كلّمه بضعف واستخذاء لما أعتنى به ولكن عرف معاوية فيه ذرباً فهابه وهكذا هو لا تندمنه قطرة حتّى يجلد بالسنة حداد ويخاف ممّا يُعدّ له أصحابها .
قال معاوية لشداد بن أوس : قم فاذكر عليّاً وتنقّصه ، فقام شداد فقال : الحمد لله الذي افترض طاعته وجعل في التقوى رضاه ، على ذلك مضى أوّل الاُمّة وعليه يمضي آخرهم . أيّها الناس ، إنّ الآخرة وعد صادق يحكم فيه ملك قادر وإنّ الدنيا أجل حاضر يأكل فيها البرّ والفاجر ، وإنّ السامع المطيع لا حجّة عليه ، وإنّ السامع مع العاصي لا حجّة له ، وإنّ الله إذا أراد بالناس صلاحاً عمل عليهم صلحائهم وقضى بينهم فقهائهم وجعل المال في سمحائهم ، وإذا أراد بالعباد شرّاً عمل عليهم سفهائهم وقضى بينهم جهلائهم وجعل المال عند بخلائهم ، وإنّ من صلاح الولاة أن تصلح قرابينها ووزرائها ، نصحك يا معاوية من أسخطك بالحق وغشّك من أرضاك بالباطل .
فكره معاوية أن يجيء بشيء يكرهه فقال : اجلس رحمك الله وأمر له بمال . فقال معاوية : الست من السمحاء ؟ قال : إن كان من مالك دون مال المسلمين ممّا تعهّدته عند جمعه مخافة تبعته تعهده لك من محضك النصح وآثر الحق وإن كنت أصبته اقترافاً وأنفقته إسرافاً فإنّ الله يقول : ( إنّ المبذّرين كانوا إخوان الشياطين )(2) ...(3)
هذا ومن مفارقات الدهر أن يأمر هذا السارق الكبير بقطع يد سارق صغير ثمّ يدرء ذلك عنه ويتصدّق بمائة ألف عن ذلك وهذه سخرية اُخرى من الدين وأهله . 
ـــــــــــــــــ
(1) أنساب الأشراف ، ج5 ص123 .
(2) سورة الإسراء آية 27 .
(3) أنساب الأشراف ، ج5 ص105 و106 .

الصفحة 253
اُتي معاوية بشابّ قد سرق فأمر بقطع يده فقال :
يـدي  يـا أميرالمؤمنين أعيذها      بـعفوك  أن تُـلقى مكاناً يشينها
ولا خير في الدنيا وكانت حبيسة      إذا مـا شـمال فـارقتها يمينها
ولو قدأتى الأخبار قومي لقلّصت      إليك المطايا وهي خوص عيونها
ودنت اُمّه وهي تبكي فقالت : يا أميرالمؤمنين واحدي اعفُ عنه عفى الله عنك . فقال : ويحك إنّ هذا حدّ من حدود الله . فقالت : اجعل تركه يا أميرالمؤمنين من ذنوبك التي تستغفر الله منها ، فخلّى سبيله وتصدّق بمائة ألف(1) .
أقول : لا أعرف كفّارة بهذا المبلغ ، ولكنّها الوفرة التي لا يريد أن يسدّ بها معاوية حاجة الناس ولا يدري أين يضعها . هذا من جانب ومن جانب آخر إذا كان درء الحد ذنباً وكفّر عنه معاوية بهذا المبلغ فبم يكفّر عن سمّ الحسن وقتل حجر واستلحاق زياد وغيرها من جرائمه وموبقاته .
 سلب الأرض من أهلها بالمصادرة والإحتيال
لم يكن نظير لمعاوية في الطغاة والجبابرة في ولعه بالإستيلاء على الأرض أينما تكون ولأيّ إنسان تكون ، وما فتىء يحتال على الأراضي التي تستحوذ على قلبه حتّى يأخذها . وأحياناً تعوزه الحيلة فيفزع إلى القوّة والإرهاب والتهديد وهذا مرض سلطاني عجيب . يقول له عقيبة الأسدي :
أكلتم أرصنا فجرّدتموها      فهل من قائم أو من حصـيد
فهبها اُمّه هلكت ضياعاً      يزيد يسوسها وأبو يزيد...(2)
والظاهر أنّ أحلامه في كلّ شيء تحقّقت إلاّ في أخذ الأرض وامتلاكها ، لأنّه وإن ملك أكثر الأراضي في بلاد الشام والعراق ومصر والجزيرة إلاّ أنّ حلمه الذهبي أن تكون الكرة الأرضيّة بمياهها ووديانها وجبالها وقيعانها له لا يشركه بها غيره . كان معاوية يقول : ما شيء أحبّ إليّ من عين خرّارة في أرض خوّارة ...(3) كما أنّ بيوت 
ــــــــــــــــــ
(1) أنساب الأشراف ، ج5 ص131 و132 .
(2) أنساب الأشراف ، ج5 ص64 .
(3) أنساب الأشراف ، ج5 ص65 .

الصفحة 254
الناس جزء من هذه الأرض التي يريد امتلاكها . فقد راح يبذل المال الطائل لتكون بيوت الناس سكناهم ومأواهم وأرض زراعتهم له وله وحده ، والناس أجراء عنده إن شاء أبقى وإن شاء طرد . اشترى معاوية من حويطب بن عبدالعزّى داره بخمسة وأربعين ألف دينار فهنّأه قوم فقال : وما خمسة وأربعون ألف دينار بالحجاز مع سبعة من العيال(1) .
وتبدو لي في هذه الحكاية ظاهرة غريبة وهي تهنئة الناس له هل هي لحويطب وحده ؟ بناءاً على ظروف خاصة أو هي عامة لكلّ من يبيع داره أو أرضه ؟ وما هو السبب ؟ لعلّ الحاجة بلغت بالناس حداً أن فضّل معها الناس بيع دور السكنى على الجوع والحاجة وأحسب أنّ قول حويطب مع سبعة من العيال قرينة على وقوع ذلك .
ولقد بلغ ولع معاوية بالأرض حدّ الجنون ، فقد أراد ابتياع ضيعة من بعض اليهود وذكرت له فبعث إلى صاحبها فاُتي به وهو شارب نبيذ ، فلمّا رآه معاوية طمع في غبّته ، فقال له : بعني ضيعتك ، فضحك اليهودي وقال : ليس هذا وقت بيع ولا شراء ولكن إن شئت غنّيتك صوتاً ، فضحك معاوية وقال : اللهمّ اخزه فما أشدّ عقدته وأثبت عكدته(2) .
وعمرو نفسه وقد عرف معاوية تهالكه على الطمع راوده ذات يوم عن أرض له تسمّى «الوهط» وقال له : أحب أن تصفح لي عن الوهط ضيعتك . فقال : يا أميرالمؤمنين أحبّ أن تعرض لي عنها . قال : لا . فأبى عمرو أن يفعل ، فقال معاوية : مثلك يا عمرو مثل ثور في روضة إن ترك رتع وإن هيّج نطح . فقال عمرو : ومثلك يا أميرالمؤمنين مثل بعير في روضة يصيب من اخلاط الشجر فيها فرأى شجرة على صخرة زلاّء فرغب عمّا هو فيه وتعاطى الشجر فتكسّر(3) .
وبقيت ذكرى الوهط تعتاده حتّى إذا هلك عمرو أراد أن يصادرها من ورثته ومنهم عبدالله ولده . عن سعد بن إبراهيم أنّه سمع رجلاً من بني مخزوم يحدّث عن 
ـــــــــــــــــــ
(1) أنساب الأشراف ، ج5 ص67 ، والبداية والنهاية ، ج8 ص72 ، والمنتظم ، ج5 ص275 .
(2) أنساب الأشراف ، ج5 ص72 . والعكدة العصعص والقوّة .
(3) أنساب الأشراف ، ج5 ص75 .

الصفحة 255
عمّه : إنّ معاوية أراد أن يأخذ أرضاً لعبدالله بن عمرو يقال لها (الوهط) فأمر مواليه فلبسوا آلتهم وأرادوا القتال ، قال : فأتيته فقلت : ماذا ؟ فقال : إنّي سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول : ما من مسلم يظلم بمظلمة فيقاتل فيقتل إلاّ قتل شهيداً(1) .
وكان عهد إلى وكلائه أن يأخذوا كلّ أرض تمتدّ إليها أيديهم . قال الواقدي : حدّثني أصحابنا عن ابن جعدية وغيره قالوا : كان لعبدالرحمن بن زيد بن الخطّاب أرض إلى جانب أرض لمعاوية ، وكان وكيل معاوية بالمدينة النضير مولاه فعمد إلى أرض عبدالرحمن فضمّها إلى أرض معاوية وقال : هذه لأميرالمؤمنين . فقال عبدالرحمن : عندي البيّنة ، إنّ أبابكر بن أبي قحافة قطعها لي مقتل أبي باليمامة . فقال النضير : هذه قطيعة أميرالمؤمنين ، فخاصمه إلى مروان بن الحكم . فقال : اصطلحا وكره أن يجزم القضاء على معاوية .
فأتى عبدالرحمن بن زيد الشام فلمّا صار إلى باب معاوية ألقاه جالساً بالخضراء بدمشق ، فقال لأبي يوسف : استأذن لي على أميرالمؤمنين ، فاعتلّ عليه ، فرفع صوته فقال : مالي بدّ من الوصول إليه ، فأنا إلى أن توصل أرحامنا وتُثمر لنا أموالنا أحوج منّا إلى أن يؤخذ منّا ما في أيدينا . فسمعه معاويه فقال : ادخله ، فدخل فسلّم وقال : إنّ وكيلك بالمدينة تعدّى عليّ وعمد إلى ما قطع لي خليفة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأجازه لي عمر فألجأه إلى أرضك وزعم أنّ عنده كتاباً من عثمان بأنّه قطعه لك ، وكيف يقطع لك عثمان حقّاً هو لي ؟ 
فقال معاوية : تركت أرضك لم تعمرها حتّى عملتها ، فلمّا غرست فيها خمسة آلاف وديّة قلت قطعية أبي بكر وقد روي عن عمر أنّه بلغه أنّ قوماً يتحجّرون الأرض ثمّ يدعونها عطلاً فيجيء آخرون فيزرعونها أنّها لمن زرعها . فقال : والله ما قلت الحق يا معاوية فأنصفتني . فقال معاوية : عليّ بالقاضي ...(2) ويقال : إنّ القاضي حكم عليه .
لقد صادر معاوية حتّى أولياء نعمته ، فهذا المتظلم منه هو ابن أخي ولي 
ــــــــــــــــــــ
(1) ابن كثير ، جامع المسانيد والسنن ، ج26 ص456 .
(2) أنساب الأشراف ، ج5 ص139 .

الصفحة 256
نعمته وغارس شجرته عمر بن الخطّاب ، ولكنّ ابن هند لا يبالي بصاحب الأرض إذا حاز أرضه له وإن كان ولي نعمه أو صاحب يد سلفت إليه . بنى معاوية استيلائه على الأرضين وحيازته لها على دعامة عجيبة من أوهام الحكم واستبداده في رأس صاحبه ، فقد كان يرى ذلك مباحاً له ، بل حتّى الأرض التي يتركها فإنّه يفعل ذلك ممتناً على صاحبها أي إنّ له في عنقه منه في قبال تركه أرضه دونما مصادره . قال يوماً لجلسائه : الأرض لله وأنا خليفته فما أخذت فلي حلال وما تركت للناس فلي عليهم فيه منّة . فقال صعصعة : ما أنت وأقصى الاُمّة فيه إلاّ سواء ، ولكن من ملك استأثر . فغضب معاوية وقال : لقد هممت . قال صعصعة : ما كلّ من همّ فعل . قال : ومن يحول بيني وبين ذلك ؟ قال : الذي يحول بين المرء وقلبه(1) .
وحين نستنطق النص ندرك أنّ معاوية لم يقل ذلك ابتداءاً بل لابدّ من سبق اعتراض عليه من جلسائه أو من غيرهم ، والحقيقة أنّ الاُمّة لم تتلق جشع معاوية بالرضا والقبول ، ولكن لم تنقل نقمتها على معاوية إلاّ موجهة أو معدلة أو مخففة إلى أن انقرضت دولة الشجرة الملعونة وما نقل إليها فقد نقله كائناتٌ مدّجنة ونعني بهم اولئك المؤرخين الذين نقلوا التاريخ وكتبوه بروح اُمويّة صرفه .
وبلغ معاوية هوس الإستيلاء على الأرض وحيازتها إلى درجة غير معقولة ، فما وصفت إليه أرض ذات تربة صالحة إلاّ وأسرع لأخذها ما لم يحل بينه وبينها حائل ، وكان يتحرّى إلحاح الحاجة على صاحب الأرض فيأخذها منه بالثمن البخس أو غصباً إن قدر على ذلك . وكان يُدل على خاصته بيد له عليهم أو معروف سالف أسداه لهم أو حتّى صلة القربى بينه وبينهم فيأخذ أرضهم ويجردهم منها فلم يسلم منه حتّى خاصته .
حج معاوية فرأى شخصاً يصلّي في المسجد الحرام عليه ثوبان أبيضان ، فقال : من هذا ؟ قالوا : شعبة بن غريض ، وكان من اليهود ، فأرسل إليه يدعوه ، فأتاه رسوله فقال : أجب أميرالمؤمنين . قال : أوليس قد مات أميرالمؤمنين ؟ قيل : فأجب معاوية ، فأتاه فلم يسلّم عليه بالخلافة . فقال له معاوية : ما فعلت أرضك التي 
ـــــــــــــــــ
(1) التذكرة الحمدونية ، ج7 ص169 .

الصفحة 257
بتيماء ؟ قال : يكسى منها العاري ويردّ فضلها على الجار . قال : أفتبيعها ؟ قال : نعم . قال : بكم ؟ قال : بستّين ألف دينار ولولا خلّة أصابت الحي لم أبعها . قال : لقد أغليت . قال : أمّا لو كانت لبعض أصحابك لأخذتها بستّمائة ألف دينار . قال : أجل ، وإذا بخلت بأرضك فأنشدني شعر أبيك يرثي نفسه . فقال : قال أبي :
يا ليت شعري حين أندب هالكاً      مـاذا تـؤبنني بـه أنـواحي
أيـقلن  لا يـبعد فربّ كريهة      فـرّجـتها بـبشارة وسـماح
ولقد  ضربت بفضل مالي حقّه      عـند الـشتاء وهبّت الأرواح
ولقد أخذت الحقّ غير مخاصم      ولقد  رددت الحقّ غير ملاحي
وإذا  دعـيت لـصعبة سهّلتها      اُدعـى  بـأفلح مـرّة ونجاح
فقال : أنا كنت بهذا الشعر أولى من أبيك . قال : كذبت ولؤمت . قال : أمّا كذبت فنعم وأمّا لؤمت فلم ؟ قال : لأنّك كنت ميت الحق في الجاهلية وميتة في الإسلام ; أمّا في الجاهلية فقاتلت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والوحي حتّى جعل الله كيدك المردود ، وأمّا في الإسلام فمنعت ولد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الخلافة وما أنت وهي وأنت طليق بن الطليق . فقال معاوية : قد خرف الشيخ فأقيموه . فأخذ بيده فاُقيم(1) .
ولم يسلم على أرضه وماله حتّى أهله وخاصّته ، وفد الوليد بن عقبة إلى معاوية ، فقيل له : هذا الوليد بالباب . فقال : والله ليرجعنّ مغيظاً غير معطىً فإنّه قد أتانا يقول : عَلَيّ دين وعليّ كذا وكذا ، يا غلام إأْذن له ، فأذن له ، فساءله معاوية وتحدّث معه فقال له : أما والله إن كنّا لنحبّ إتيان مالك بالوادي وقد أعجب أميرالمؤمنين فإن رأيت أن تهبه ليزيد فعلت . قال الوليد : هو ليزيد . اُنظر يا أميرالمؤمنين في شأني فإنّ عَلَيّ مؤونةً وقد أرهقني دين . فقال له معاوية : ألا تستحي بحسبك ونسبك تأخذ ما تأخذه فتبذّره ثمّ لا تنفكّ تشكو ديناً ؟! فقال الوليد : أفعل ثمّ انطلق من مكانه وصار إلى الجزيرة وقال :
تأبى فعال الخير لا     تروى وأنت على الفرات
فإذا سُئلت تقول لا     وإذا سئلت تـقول هات
ــــــــــــــــــ
(1) النصائح الكافية ، ص133 .

الصفحة 258
أفلا تميل إلى نعم     أو ترك لا حتّى الممات ؟
وبلغ معاوية مقدمه إلى الجزيرة فخافه وكتب إليه أن اقبل إليّ فكتب إليه من الطويل .
اعـف واستغني كما قد أمرتني      فـأعط سواي ما بدا لك وانحل
سأحدو ركابي عنك إنّ عزيمتي      إذا  نـابني أمـر كسلّة منصل
وإنّي امرىء للرأي منّي تطرب      ولـيس  شـبا قفل عَلَيّ بمقفل
ورحل إلى الحجاز فبعث إليه معاوية بصلته وجائزته ...(1)
واشترى معاوية الدور من أصحابها ليكون الناس جياعاً في العراء ، ويكون معاوية وحده صاحب الدار والمال ومن يحب من الخاصة ، باع حكيم بن حزام داره من معاوية بستّين ألف دينار فقيل له : غبنك معاوية . فقال : والله ما أخذتها في الجاهلية إلاّ بزق خمر أشهدكم أنّها في سبيل الله فانظروا أيّنا المغبون(2) .
وما باع أحد داره أو أرضه إلاّ اضطراراً أو من شدّة الخصاصة أو المخمصة فهذا قيس بن سعد وهو الكريم ابن الكريم والشهم ابن الشهم ، لمّا رأى ما على جيرانه وإخوانه وقومه من أثر الحاجة المروّع ، عمد إلى بيع أرضه من معاوية بتسعين ألفاً فقدم المدينة فنادى مناديه : من أراد القرض فليأت ، فأقرض منها خمسين ألفاً وأطلق الباقي ، ثمّ مرض بعد ذلك فقلّ عوّاده ، فقال لزوجته قريبة بنت أبي عتيق أخت أبي بكر : إنّي أرى قلّه من عادني في مرضي هذا وإنّي لأرى ذلك من أجل مالي على الناس من القرض ، فبعث إلى كلّ رجل ممّن كان له عليه دين بصكّه المكتوب عليه فوهبهم ماله عليهم . وقيل إنّه أمر مناديه فنادى : من كان لقيس بن سعد عليه دين فهو منه في حلّ ، فما أمسى حتّى كسرت عتبة بابه من كثرة العوّاد ...(3)
وعمّ البلاء حتّى الأموات ، فقد مات سعيد بن العاص وهو اُموي صليبة من شجرة معاوية ، ولمّا دفن بالبقيع ركب ابنه عمرو إلى معاوية فعزّاه فيه واسترجع 
ــــــــــــــــ
(1) التذكرة الحمدونية ، ج3 ص121 .
(2) نفسه ، ج2 ص98 ، والبداية والنهاية ، ج8 ص71 .
(3) البداية والنهاية ، ج8 ص103 .

الصفحة 259
معاوية وحزن عليه وقال : هل ترك من دين عليه ؟ قال : نعم ! قال : وكم هو ؟ قال : ثلاثمائة ألف درهم وفي رواية ثلاثة آلاف درهم . فقال معاوية : هي عليّ . فقال ابنه : يا أميرالمؤمنين إنّه أوصاني أن لا أقضي دينه إلاّ من ثمن أراضيه ، فاشترى منه معاوية الأراضي بملغ الدين وسأل منه عمرو أن يحملها إلى المدينة فحملها له ...(1)
ولم تكن الأرض وحدها مورد نُهمته ومجال نُهزته بل همّه الأكبرنهب الثروات الشعبيّه والأموال العامّة بأيّة وسيلة كانت ومن أيّ جهة أتت . لمّا ألزم بني مخزوم اثنى عشر ألف درهم دية ابن أثال أدخل بيت المال منها ستة آلاف وأخذ هو ستّة آلاف ، فلم يزل ذلك بجري دية المعاهد حتّى جاء عمر بن عبدالعزيز فأبطل الذي يأخذه السلطان لنفسه ، وأثبت الذي يدخل بيت المال(2) .
ومعاوية أوّل من سنّ هذه السنّة الخبيثة ، فقد كانت السنّة الاُولى أنّ دية المعاهد كدية المسلم ، فكان معاوية أوّل من قصرها إلى نصف الدية ، وأخذ نصف الدية لنفسه(3) ، وليس معنى ذلك أنّه حطّ الدية إلى النصف من دية المسلم ، بل معناه أنّه قسّمها نصفين ، أخذ نصفاً لنفسه ودفع الباقي إلى أصحابها ، فكان الذي يدفع ديةً النصف ، فقيل قصّرها على النصف . وما أكثر السنن المبتدعة التي وضعها معاوية في الناس ، فسار عليها من جاء بعده من طواغيت اُميّة . يقول اليعقوبي :
وكان معاوية أوّل من أقام الحرس والشرط والبوّابين في الإسلام ، وأرخى الستور ، واستكتب النصارى ، ومشي بين يديه بالحراب ، وأخذ الزكاة من الأعطية ، وجلس على السرير والناس تحته ، وجعل ديوان الخاتم ، وبنى وشيّد البناء ، وسخّر الناس في بنائه ولم يسخر أحد قبله ، واستصفى أموال الناس فأخذها لنفسه(4)واقتدى به من جاء بعده .
كان العجير السلولي دلّ عبدالملك بن مروان على ماء يقال له مطلوب ، وكان لناس من خثعم فأنشأ يقول :
ــــــــــــــــ
(1) البداية والنهاية ، ج8 ص90 ، وراجع المنتظم ، ج5 ص297 ، والحكاية فيه أكثر تفصيلاً .
(2) التذكرة الحمدونية ، ج2 ص454 .
(3) مختصر تاريخ دمشق ، ج25 ص72 .
(4) اليعقوبي ، ج2 ص232 .

الصفحة 260
لا نـوم إلاّ غرار العين ساهرة      إن  لم اودع بغيظ أهل مطلوب
إن  تـشتموني فقد بدّلت أيكتكم      ذرق  الـدجاج بحفان اليعاقيب
وكنت اُخبركم أنّ سوف يعمرها      بـنو اُمـيّة وعداً غير مكذوب
قال : فركب رجل من خثعم يقال له اُميّة إلى عبدالملك حتّى دخل عليه فقال : يا أميرالمؤمنين إنّما أراد العجيران يصل إليك وهو شويعر سأّل وحرّبه عليه(1)فكتب إلى عامله بأن يشدّ يد العجير إلى عنقه ثمّ يبعثه في الحديد فبلغ العجير الخبر فركب في الليل حتّى أتى عبدالملك فقال له : يا أميرالمؤمنين أنا عندك فاحتبسني وابعث من يبصر الأرضين والضياع فإن لم يكن الأمر على ما أخبرتك فلك دمي حلّ وبل . فبعث فاتّخذ ذلك المال فهو اليوم من خيار ضياع بني اُميّة ...(2)
وتكاملت سنن ابن هند على يد ابن الزرقاء ، فكان له جواسيس يصفون له الأرضين فما راق له أخذه لا يردعه عن ذلك رادع ولا يمنعه مانع ، ومعاوية شريكه في ظلمه ، كما أنّ من نصب معاوية حتّى بلغ هذا الحد شريكه في ظلمه أيضاً هذه الجرائم والمنكرات التي تأباها الإنسانيّة ، وكان معاوية يقترفها باسم الدين والقرآن وخلافة سيّد المرسلين (صلى الله عليه وآله وسلم) . وتتبرّء منها ذووا الضمائر الحرّة ، تبعّد معاوية حتّى من حضيرة الملوك والجبابرة ، لأنّ لأولئك نفوساً عالية تترفّع عن دنايا معاوية وموبقاته ، كان الذي ولي حفر خليج سردوس لفرعون عدوّ الله هامان فلمّا ابتدء في حفره أتاه أهل القرى يسئلونه أن يجري الخليج تحت قراهم ويعطون على ذلك ما أراد من المال ، فكان يعمل ذلك حتّى اجتمعت له أموال عظيمة فحمل تلك الأموال إلى فرعون فسأله فرعون عنها فأخبره الخبر ، فقال فرعون : إنّه ينبغي للسيّد أن يعطف على عبيده ويفيض عليهم معروفه ولا يرغب فيما في أيديهم ، ونحن أحقّ بمن يفعل هذا بعبيده ، فاردد على أهل كلّ قرية ما أخذته منهم ، ففعل هامان ذلك(3) .
ـــــــــــــــــ
(1) سأّل : الملحاح في السؤال . حربه : حرّضه عليه .
(2) أبوالفرج الإصفهاني ، الأغاني ، ج13 ص59 . ومعنى قوله : حلّ وبل أي حلال ومباح مطلق . وبل من برد الماء أي دمي يبرد صدرك .
(3) ابن تغري بردي ، النجوم الزاهرة ، ج1 ص56 .
الصفحة 261
حتّى فرعون سمى بفعله عن دنائة معاوية ، وظهر من هذا أنّ عائشة لم تصب له نعتاً يساوي حقيقته غير فرعون وإن جلّ عنه ونأى بترفّعه عن ظلم بن هند . عن الأسود بن يزيد قال : قلت لعائشة(1) : ألا تعجبين لرجل من الطلقاء ينازع أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في الخلافة ؟ فقالت : وما تعجب من ذلك ؟ هو سلطان الله يؤتيه البرّ والفاجر ، وقد ملك فرعون أهل مصر أربعمائة سنة وكذلك غيره من الكفّار .
واستنبط صاحب النصائح الكافية ثلاثة اُمور من كلام عائشة : الأوّل : دلالة مفهوم الصفة مخالفة إنّ معاوية ليس من أصحاب محمّد . الثاني : الإشارة بالمثال إلى فجور معاوية . الثالث : تشبيهها معاوية بفرعون الذي بيّن الله حاله بقوله تعالى : (وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ * يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ * وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرّفْدُ الْمَرْفُودُ)(2) .
والحقيقة إنّ استنباط سيّدنا ابن عقيل جميل ، ولكن لم تعرف ذلك عائشة ومن ثمّ لم تقله قصداً ولو علمت لما قالت .. وما كانت اُمّ المؤمنين لتفرط في عدوّ عدوّها ، وقد أنسى الناس جملها بصفينه وكان دائماً عند حسن ظنّها .
روي أنّ عائشة بعثت إلى معاوية وهو بالمدينة تذكر حاجة من آل أبي بكر .. فأرسل إليها بثلاثين ألف درهم صلة لها وبمثلها لآل أبي بكر ، وبعث إلى اُم حبيبة اُخته عشرين ألف درهم ، فقالت : أتفضّل عليّ وأنا اُختك وحقّي ما تعلم ؟ فقال : إنّي آثرت هوى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) واقتديت به فيكما . فقالت : فإن كنت صادقاً فاعتزل ما أنت فيه وخلّ بينه وبين من أدخلك في الإسلام ، فوالله لهوى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فيه كان فوق هواه فيك . فقال معاوية : لله درّ الحق ما اقمعه(3) .
لقد ملأ معاوية دنيا الإسلام جرائم ومنكرات ، قال الحسن البصري : أربع خصال في معاوية لو لم تكن فيه إلاّ واحدة منها لكانت موبقة : انتزائه على هذه الاُمّه بالسيف حتّى أخذ الأمر من غير مشورة وفيهم بقايا الصحابة وذووا الفضيلة ، واستخلافه من بعده سكّيراً خمّيراً يلبس الحرير ويضرب بالطنابير ، وادّعائه زياداً 
ــــــــــــــــــ
(1) البداية والنهاية ، ج8 ص134 ، والنصائح الكافية ، ص28 نقلاً عن الدرّ المنثور .
(2) الهود 97ـ99
(3) التذكرة الحمدونية ، ج7 ص169 و170 .

الصفحة 262
وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : الولد للفراش وللعاهر الحجر ، وقتله حجراً وأصحاب حجر ويا ويلاً له من حجر وأصحاب حجر(1) .
يقول هذا الحسن البصري ويقول غيره مراعاةً للسلطان وسكوتاً عن المنكر وأهله . قال الأوزاعي : سأل رجل الحسن البصري عن علي وعثمان فقال : كانت لهذا سابقة ولهذا سابقة ولهذا قرابة وابتلي هذا وعوفي هذا . فسأله عن علي ومعاوية ، فقال : كان لهذا قرابة ولهذا قرابة ولهذا سابقة وليس لهذا سابقة وابتليا جميعاً(2) .
وأقول لهذا الضالّ المرائي : أقرابةُ عثمان كقرابة علي وسابقته كسابقته ، وابتلاء المحق كابتلاء المبطل ، فما لكم كيف تحكمون ، وقول الحسن شعبة من قول عمر بن عبدالعزيز . قال ميمون بن مهران : كنت اُفضّل عليّاً على عثمان رحمة الله عليهما فقال لي عمر بن عبدالعزيز : أيّهما أحبّ إليك ؟ رجل أسرع في كذا أو رجل أسرع في المال ؟ قال : فرجعت وقلت : لا أعود(3) .
ولا أرتاب أنّ الاُموي الحاقد ميمون بن مهران كذب على عمر بن عبدالعزيز فيما قال ، والرجل على خلاف ما نقل عنه وقد ثبت ولائه لأميرالمؤمنين عندي وتفضيله على كلّ أحد بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأعلم بأنّ تصحيفاً وستراً جريا على الخبر نفاقاً من أنصار بني اُميّة ولست أدري من أيّ منافق منهم كان ذلك أمن أبي زرعة وثبت نفاقه ببغضه الإمام (عليه السلام) أم من غيره ، فقد صحّف لفظ أسرف إلى أسرع وأبهم لفظ الدماء بلفظ كذا ، وتكون العبارة الصحيحة هكذا : رجل أسرف في الدماء ويعني بذلك أميرالمؤمنين ، أو رجل أسرف في المال يعني عثمان .
وأقول : أوّلاً : لا أملك لهؤلاء المنافقين إلاّ أن أردّد مع الإمام أميرالمؤمنين قول النبي له : لا يحبّني منافق ولا يبغضني مؤمن . وأقول ثانياً : اللهمّ أوقر ظهري وعنقي من هذه الدماء التي سفكها علي (عليه السلام) واجعلني ووالديّ ومن أحبّ شركاء في سفكها . اللهمّ فإن رأيتني لا أستحقّ هذا الثواب العظيم فاجعل في صحيفتي ولو قطرة منها . آمين .
ـــــــــــــــــــ
(1) النصائح الكافية ، ص35 نقلاً عن الكامل ، وانظر أبا الفداء ، ج1 ص259 .
(2) سير أعلام النبلاء ، ج3 ص142 .
(3) أبو زرعة ، تاريخ أبي زرعة ، ص145 .

الصفحة 263
وقول ميمون بن مهران هذا عن الإمام وأنّه أسرع في كذا جزء من كل ، فإنّ شيعة ابن هند المنافقين يرونه محقّاً في حربه بصفّين لعلي (عليه السلام) . يقول ابن تيميّة : ولم يكن معاوية ممّن يختار الحرب ابتداءاً بل كان من أشدّ الناس حرصاً على أن لا يكون قتال ، وكان غيره أحرص على القتال منه(1) . ويعني (بغيره) الإمام أميرالمؤمنين ، فانظر كيف أضلّه الله على علم ...
ولست أهتدي إلى السرّ الذي يحملهم على تعديل معاوية مع تواتر هذه الجرائم والمنكرات عنه اللهمّ إلاّ سرّاً واحداً هو النفاق الذي يشعرون به ، ثمّ هو بعد صنيعة عمر بن الخطّاب فلابدّ من تعديله حرصاً على صانعه . يقول أبوبكر بن العربي : وأمّا معاوية فعمر ولاّه وجمع له الشامات كلّها وأقرّه عثمان عليها ، بل إنّما ولاّه أبوبكر الصدّيق رضى عنه (كذا) لأنّه ولّى أخاه يزيد واستخلفه يزيد فأقرّه عمر لتعلّقه بولاية أبي بكر لأجل استخلاف واليه له فتعلّق عثمان بعمر وأقرّه فانظروا إلى هذه السلسلة ما أوثق عراها ، ولن يأتي أحد مثلها أبداً بعدها(2) .
لقد صدق إنّ حلقات هذه السلسلة آخذ بعضها برقاب بعض ، وهم جميعاً من معدن واحد ولن يخالجني شك أنّ معدن معاوية وعثمان من معدن صاحبيهما . ولن يضارع أحدٌ من يدافع عن معاوية ويطري سيرته بالعدل والخير في الصلف قط . فهذا ابن تيمية في منهاج السنّة يقول : وكانت سيرة معاوية مع رعيّته من خيار سير الولاة وكان رعيّته يحبّونه وقد ثبت في الصحيحين عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال : خيار أيمّتكم الذين تحبّونهم ويحبّونكم وتصلون عليهم ويصلون عليكم وشرار أيمّتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم ...(3)
وقد رسمنا لك صورةً واضحةً مدعومة بالشواهد من سيرة معاوية ، فقل عنها ما تشاء ، واعلم بأنّنا لا نلوم المنافقين في دفاعهم عن ابن هند ، ولكن ينبغي على أصحاب الضمائر أن يتحرّروا من هذه التركات الثقيلة وينظروا بعين الحقّ والواقع ، ليعرفوا موقع ابن هند من الإسلام . يقول الخطيب وهو منافق عصري : بل إنّ معاوية 
ــــــــــــــــ
(1) العواصم من القواصم ، ص171 ، انظر حاشية الخطيب عليه .
(2) العواصم من القواصم ، ص81 ، ط بيروت ، مكتبة اسامة بن زيد ، 1399 هجري .
(3) العواصم من القواصم ، ص83 ، هامش الخطيب عليه .

الصفحة 264
نفسه حاول السير على طريقة عمر كما نقل ذلك الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية : عن محمّد بن سعد قال : حدّثنا عارم حدّثنا حمّاد بن زيد عن معمر عن الزهري : إنّ معاوية عمل سنتين على عمل عمر ما يخرم فيه ثمّ إنّه بعد عن ذلك(1) .
وقوله هذا سند إدانة لعمر قبل أن يكون برائة لمعاوية ، ثمّ من يكون عمر هذا حتّى تكون سيرته مثالاً يحتذى وهل هو إلاّ حاكم كسائر الحكّام ، اقتضت الفترة التي قضاها في أوج إنتصارات الإسلام وبين خيار الصحابة أن يكون أكثر التزاماً من غيره وهذه سيرته تنطق بما وضع من البدع والإضافات في الدين وما حذف منه ، ولو رحنا نحذف ونأوّل ونُكذِّب ونبطل ما دلّ على ذلك منها ، فهل باستطاعتنا أن نردّ تأييده وتوليته لمعاوية ؟! فهو إحدى صنايع ابن الخطّاب وهذا الذي حمل القوم على إنكار المسلّمات بل الضرورات التاريخية دفاعاً عن ابن آكلة الأكباد ، حتّى عدّوا جرائمه وموبقاته التي جلّت عن الحصر (هنات) .
يقول الذهبي : ومعاوية من خيار الملوك الذين غلب عدلهم على ظلمهم وما هو ببريء من الهنات ، والله يعفو عنه(2) . إن كان الذهبي وابن تيميّة من قبله وابن كثير من بعده ظلموا الحقّ ولم ينصفوا وغضّوا الطرف عن موبقات ابن هند الكبار المخزية وسمّوها (هنات) مبالغة في تقليلها وتصغيرها ، فمن العلماء من نصر الحق وعرف حقيقة معاوية وشيعته وأنصاره والحمد لله ، فهذا الشافعي كان لا يقبل شهادة أربعة من الصحابة وهم معاوية وعمرو بن العاص والمغيرة وزياد(3) ، ولم يكن هؤلاء في زمن الشافعي حتّى لا يقبل شهادتهم ولكنّه كان يفسّقهم ، فكبر على شيعتهم ذلك ، فقالوا : لا يقبل شهادتهم .
من جهة اُخرى كيف يطلق لفظ صحابي على زياد وقد جزم ابن عساكر : بأنّه أدرك النبي ولم يره . قال ذلك ابن حجر . وقال شيعة زياد ابوبكر بن العربي المالكي : والذي ندريه حقّاً ونقطع عليه علماً أنّ زياداً من الصحابة بالمولد والرؤية لا بالتفقه والمعرفة ...(4)
ــــــــــــــــــــ
(1) العواصم من القواصم ، ص77 ، حاشية الخطيب عليه .
(2) سير أعلام النبلاء ، ج3 ص159 ، والبداية والنهاية ، ج8 ص123 .
(3) أبوالفداء ، المختصر في أخبار البشر ، ج1 ص259 .
(4) العواصم من القواصم ، ص238 ، وانظر حاشية الخطيب عليه نفس الصفحة .

الصفحة 265
وأعجب ما رأيت من خداع العقل الذكي الذي قارب أن يكون بلهاً ما وصف به العقّاد معاوية بالغيرة الدينيّة ، وكنت أحسبها لأوّل وهلة غيرة على ما كان يعبد أبو سفيان وهند الهنود حتّى رأيته شفعها بأحكام المروئة والعرف المتّبع في الأخلاق وأكّد ذلك ببرهان مضحك حين جعل اِسلامه على يد النبي وصحبته إيّاه وعمله على أيدي الجلّة من صحابته باعثاً على عدم الغفلة عن هذه الغيرة المدّعاة وأحكام الفرائض وواجبات المروئة في عرف زمنه(1) .
وأظنّ الرجل لم يقرء تاريخ معاوية ليعرف أنّه لم يؤمن بهذا الدين لكي يغار عليه وإنّما تقلّب في النفاق عمره كلّه وجناياته وأقواله وأفعاله شاهد على ذلك ، فمتى تدخل الغيرة قلباً لم يدخل الإيمان فيه طرفة عين . وأصدق كلمة نقولها فيه وفي أمثاله قول أميرالمؤمنين (عليه السلام) : دخلت في الإسلام كرهاً وخرجت منه طوعاً . ونقل ابن الأثير عن الإمام علي (عليه السلام) من كلام له : لم يرعني إلاّ انشقاق رجلين قد بايعاني وخلاف معاوية الذي لم يجعل له سابقة في الدين ولا سلف صدق في الإسلام الطليق بن الطليق حزب من الأحزاب لم يزل حرباً لله ولرسوله هو وأبوه حتّى دخلا في الإسلام كارهين .
وقال (عليه السلام) وهو يحرّض أصحابه على الجهاد : سيروا إلى قتلة المهاجرين والأنصار قد طالما سعوا في إطفاء نور الله وحرّضوا على قتل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ومن معه ، ألا إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أمرني بقتال القاسطين وهم هؤلاء الذين سرنا إليهم والناكثين وهم هؤلاء الذين فرغنا منهم والمارقين ولم نلقهم بعد ...(2) هذه حقيقة معاوية نجدها واضحةً من غير أصباغ ومساحيق في أقوال أيمّة الدين وخيار المسلمين . ولم يحملهم على كشف حقيقته عداء شخصي له ، بل لكونهم عرفوا الدين حلاله وحرامه فعرفوا من ثمّ أتباعه ، من التزم بضوابطه وقيوده ومن اتّخذه هزواً ولعباً .
أمّا ابن تيميّة وابن كثير وابن العربي والذهبي وفي زماننا محبّ الدين الخطيب 
ـــــــــــــــــــ
(1) العقاد ، معاوية بن أبي سفيان ، ص210 ، ط دارالكتاب اللبناني ، بيروت .
(2) النصائح الكافية ، ص46 .

الصفحة 266
الذين تحتوا الأعذار لمعاوية وأوّلوا مخالفاته الشرع ، وسخّروا الدين لتعديله بل سخروا منه لأجله ، فأولئك لم يُقرّوا بالإسلام الموحى به إلى سيّد الرسل ، بل الإسلام المصنّع الذي ابتدعته مخيلة الحكام وأنصارهم ، وهؤلاء أشدّ خسراً وأعظم هلكاً من زياد وسمرة بن جندب وبسر بن أرطاة ومعاوية بن خديج والضحّاك بن قيس والحجّاج ، فهؤلاء خسروا دينهم وربحوا دنياهم وأولئك خسروا الدين والدنيا ولو أدركوا زمن معاوية لكانوا شرّاً ممّن ذكرنا .
ونختم هذا الفصل بواقعة جرت بين مولانا سيّد الشهداء أبي عبدالله الحسين (عليه السلام) وابن هند : مرّ بنا في أثناء هذا الفصل أنّ الخبيث حبس عن الإمام الحسين (عليه السلام) عطائه حتّى شاطره عبيدالله بن العباس ماله . ذكر الرواة أنّ مالاً حمل من اليمن إلى معاوية فلمّا مرّ بالمدينة وثب عليه الحسين بن علي (عليه السلام) فأخذه وقسّمه في أهل بيته ومواليه وكتب إلى معاوية :
من الحسين بن علي إلى معاوية بن أبي سفيان . أمّا بعد ، فإنّ عيراً مرّت بنا من اليمن تحمل مالاً وحللاً وعنبراً وطيباً إليك لتودعها خزائن دمشق وتُعلُّ بها بعد النهل بني أبيك وإنّي احتجت إليها فأخذته والسلام(1) .
الإمام لم يبدأ كلامه بالسلام على معاوية لأنّه لا يستحقّ ذلك ، وأمّا الختام فقد أطلقه الإمام ولم يخصّ به أحداً .
مالي اُسالم قوماً عندهم ترقي     لا سالمتني يد الأيّام إن سلموا
وكيف يسلّم عليه وهو إن ينسى كلّ شيء فلن ينسى كبد الحسن في الطست ...
 السمة العاشرة : إذلال الناس والإستهانة بهم
لم يكن حكم معاوية مرغوباً فيه من قبل الاُمّة بل فرض على الاُمّة بالبطش والإرهاب وقوّة السلاح وما تسنّم معاوية غارب الحكم إلاّ بخوض الغمرات وشنّ الحروب والقسوة المتناهية حتّى قال القائل في سلطانه : والله إنّ سلطاناً لا يشتدّ إلاّ 
ــــــــــــــــــ
(1) جمهرة رسائل العرب ، ج2 ص22 ، ط مصر ، مصطفى البابي الحلبي ، 1356 هجري .

الصفحة 267
بقتل الصبيان ورفع الرحمة لسلطان سوء(1) .
وبعد أن استتب له الأمر وأطاعته الاُمّة مرغمة قرّب إليه أعوانه ومن يهابهم أو يخشاهم من وجوه الاُمّة وأقصى الكثرة الكاثرة إلى حيث أعدّ لهم من الجوع والبؤس والذلّ والحرمان ، وبالغ في إذلال أعدائه القدامي من الأنصار والمهاجرين وأمعن في أقصائهم ، وأعظم القول في بني هاشم . ومن سخريّته بالاُمّة أن رتّب لرفع الحوائج امرأة تدعى (منّة) وهي مولاته .
وقف عبدالله بن الزبير على باب منّة مولاة لمعاوية كانت ترفع حوائج الناس إليه فقيل له : يا أبابكر تقف على باب منّة ؟! قال : نعم إذا أعيتك الاُمور من رؤوسها فأتها من أذنابها ...(2)
هل يا ترى قلّ مواليه ليحتاج إلى (منّة) وحجابئها أو قلّ المتزلفون إلى حكمه الطامعون في سحته ؟ كلاّ ولكنّه يمعن في الإستهانة بالناس شأن المغمورين الأذلاّء المصابين بالعاهات الخلقية المولودين في البيوت السافلة الذين ربّتهم الدعارة في أحضانها ، وهذه حقيقة نفسية لا محيد من الإعتراف بها بل لابدّ من تحليل شخصيّة معاوية على ضوئها وهي أنّ خلفيّات بيته الاُموي ورصيده النفسي من أبي سفيان وهند وولادته بين زانيين في وسط مشحون بالإباحية والتحرر من الإلتزامات الأدبيّه ، هذا كلّه حكم على سلوكه في حكمه بالتعاظم في غير عظمة والتكابر دونما كبر .
كما أنّه وجّه تصرّفه مع الناس شطر الإستهانة بهم والحقد عليهم أعداءاً وأولياء ، ولعلّ من أولى شواهد وضعه النفسي استلحاقه زياداً مع اعترافه على أبيه بالزنا حتّى قال له الشاعر :
أتغضب إذ يقال أبوك عف      وترضى إذ يقال أبوك زاني
وأقسم أن رحمك من زياد        كرحم الفيل من ولد الأتان
وما كانت ضرورة أخلاقية ولا ضرورة سياسية تدعو إلى استلحاقه ، وما كان 
ـــــــــــــــــ
(1) تاريخ اليعقوبي ، ج2 ص199 .
(2) التذكرة الحمدونية ، ج1 ص461 .

الصفحة 268
زياد بحاجة إلى أب يعزى إليه ، بل هو بحاجة إلى حكم يسند إليه وولاية توضع بين يديه ، ولو فعل معاوية ذلك لما فقد من طاعة زياد شيئاً ولكنّها صفة معاوية الخلقيّة ، وسقوط اُسرته في حمأة الصغار والقمائة وصغر نفسه سوّل له ذلك . ولقد كان ضرر استلحاق زياد على معاوية أكثر من نفعه ، بان ذلك حين أراد معاوية البيعة ليزيد ، فكان زياد من أشدّ المعارضين لهذه البيعة حتّى أثار حفيظة معاوية وهدّده بردّه إلى وضعه البيتي القديم .
ولقد كان زياد يطمع بولاية العهد لنفسه بعد معاوية . المدائني عن مسلمة قال : وفد زياد على معاوية فحدا به الحادي :
قد علمته الضمر الجياد      أنّ الأمير بعده زياد
فبلغ ذلك معاوية فغضب ولم يذكر لزياد شيئاً ، فقال يوماً لحضين بن المنذر الرقاشي بحضرة زياد : يا أبا ساسان إنّ لك رأياً وعقلاً فما فرّق أمر هذه الاُمّة حتّى سفكت دمائها واختلف ملأها وسفهت أحلامها ؟ فقال : قتل أميرالمؤمنين عثمان . فقال : صدقت والخلافة لا تصلح لمنافق ولا ذي دعابة يعرض بعلي ، وإنّ زياداً كان من أعوانه ففطن زياد فقال : راجز رجز بشيء لم يكن عن أمري ولقد زجرته ونهرته فقبل ذلك معاوية(1) .
ولابدّ لي قبل المرور إلى صلب الموضوع من وقفة فاحصة لتعريض معاوية بالإمام علي (عليه السلام) في الدعابة . فاعلم أنّها كلمة خبيثة قالها اُستاذه الأوّل ابن الخطّاب في حقّ الإمام للحطّ من شخصيّته الزعاميّة ، وأنّه بمثابة (بطّال) وحاشاه ذلك لا يصلح للزعامة ، فقد قال له في قصّة الشورى : لله أنت لولا دعابة فيك ! أما والله لئن ولّيتهم لتحملنّهم على الحقّ الواضح والمحجّة البيضاء ...(2) وشرقت هذه الكلمة وغربت حتّى استلمها ابن النابغة . يقول الإمام (عليه السلام) : عجباً لابن النابغة يزعم لأهل الشام أنّ فيّ دعابة وأنّي امرىء تلعابة ... إل آخر كلامه في النهج ، والعجب من ابن النابغة أوّل من قالها أكثر ...
ـــــــــــــــــ
(1) أنساب الأشراف ، ج5 ص34 .
(2) شرح ابن أبي الحديد ، ج1 ص186 .

الصفحة 269
وبقيت الكلمة تتموج في الزمن حتّى قالها محمّد بن عيسى الأعشى حين أراده الأمير الحكم على القضاء لمّا مات القاضي محمّد بن بشير . ذكر الأمير الحكم القضاء ومن يصلح أن يولّيه ، فقال : ما أرى غير فقيه البلد : محمّد بن عيسى الأعشى ، وما يغمّني منه غير إفراط الدعابة التي فيه وعزم على ذلك من أمره . فقال له بعض الوزراء : لو أمتحنت أمره قبل المشافهة كان ذلك رأياً حسناً . فأرسل إليه بعض وزرائه فنزل عليه وذاكره الأمر وأعلمه بما عابه به الأمير من افراط دعابته ، فقال : أمّا القضاء ، فإنّي والله لا أقبله ألبتة ولو فعل بي وفعل فلا يحتاج الأمير أبقاه الله أن يكشف إليّ وجهه في ذلك ، وأمّا الدعابة فعلي بن أبي طالب (رضي الله عنه) لم يدعها للخلافة أأدعها للقضاء(1) .
وأقول لهم وكلّي ألم وحسرة كما قال الله تعالى :(جَعَلْنَا لِكُلّ نَبِيّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى‏ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً)(2) .
بهذه النفسية الوضيعة حكم معاوية اُمّة حديثة ناهضة رائده فسلك سبلاً مروعة في إدخال الذلّ عليها . قال ابن الأثير : قيل : وكان الناس يقولون : أوّل ذلّ دخل الكوفة موت الحسن بن علي وقتل حجر ودعوة زياد ...(3) ولا داعي لتخصيص الكوفة بالذل دون سائر البلاد ، إلاّ لكونها متمحّضة للتشيّع .
وكان سبب موت الربيع بن زياد أنّه سخط قتل حجر بن عدي حتّى أنّه قال : لا تزال العرب تقتل صبراً بعده ولو نفرت عند قتله لم يقتل رجل منهم صبراً ولكنّها أقرّت فذلّت(4) .
وربّما عبّر بعض شرائح المجتمع البائس المصاب بالذلّ من حكم معاوية بالعبارات ذات الدلالات العميقة . وفدت سودة بنت عمارة الهمدانية على معاوية فقال لها : ما حاجتك ؟ قالت : إنّك أصبحت للناس سيّداً ولأمورهم متقلّداً والله مسائلك عن أمرنا وما افترض عليك من حقّنا ولا يزال يقدم علينا من ينوء بعزّك 
ـــــــــــــــــ
(1) الخشني القروي ، قضاة قرطبة ، ص29 ، دارالكتابين المصري واللبناني ، ط ثانية ، 1410 هجري .
(2) سورة الإنعام الآية 112 .
(3) ابن الأثير ، الكامل ، ج3 ص242 .
(4) نفسه ، ج3 ص245 .

الصفحة 270
ويبطش بسلطانك فيحصدنا حصد السنبل ، ويدوسنا دوس البقر ، ويسومنا الخسيسة ، ويسلبنا الجليلة ، وهذا بسر بن أرطاة قدم علينا من قبلك فقتل رجالي ، يقول لي فوهي بما استعصم الله تعالى منه وألجأ إليه منه ، ولولا الطاعة لكان فينا عزّ ومنعه ، فإمّا عزلته عنّا فشكرناك وإمّا لا فعرفناك .
فقال معاوية : أتهدّديني بقومك ؟ لقد هممت أن أحملك على قتب أشرس فأردك إليه ينفذ فيك حكمه ، فأطرقت تبكي ثمّ أنشأت تقول :
صلّى الإله على جـسم تضمّنه     قبر فأصبح فيه العدل مدفونا
قد حالف الحق لا يبغي به بدلاً     فصار بالحق والإيمان مقرونا
فقال لها : ومن ذاك ؟ قالت : علي بن أبي طالب رضوان الله عليه . قال : وما صنع بك حتّى صار عندك كذا ؟ قالت : قدمت عليه في مُصدِّق قدم علينا من قبله والله ما كان بيني وبينه إلاّ ما بين الغث والسمين ، فأتيت علياً لأشكو إليه ما صنع بنا فوجدته قائماً يصلّي ، فلمّا نظر إليّ انفتل من صلاته ثمّ قال لي برأفة وتعطّف : ألك حاجة ؟! فأخبرته فبكى ثمّ قال : اللهمّ أنت الشاهد عليّ وعليهم أنّي لم آمرهم بظلم خلقك ولا بترك حقّك ، ثمّ أخرج من جيبه قطعة جلد كهيئة طرف الحراب فكتب فيها : (بسم الله الرحمن الرحيم * أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُوا النّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ * بَقِيّتُ اللّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ...)(1) إذا قرأت كتابي هذا فاحتفظ بما في يديك من عملنا حتّى يقدم عليك من يقبضه منك والسلام ، فأخذته منه والله ما ختمه بطين ، ولا حزمه بحزام ، فقرأته .
فقال لها معاوية : لقد لمّظكم ابن أبي طالب الجرأة على السلطان ، فبطيئاً ما تفطمون ، ثمّ قال : اكتبوا لها بردّ مالها والعدل عليها . قالت : ألي خاصة أم لقومي عامّة ؟! قال : ما أنت وقومك ؟ قالت : هي إذن والله الفحشاء واللؤم ، إن كان عدلاً شاملاً وإلاّ أنا كسائر قومي قال : اكتبوا لها ولقومها(2) .
ــــــــــــــــــ
(1) سورة هود الآيات 85 ـ 86 .
(2) التذكرة الحمدونية ، ج2 ص20 .

الصفحة 271
فقولها واصفةً حال قومها تحت وطأة بسر : (يدوسنا دوس البقر ويسومنا الخسيسة) غنيٌ عن التعليق لدلالته الواضحة على نصيب الذلّ الذي ساقه معاوية لهم على يد بسر بن أرطاة ، وأحياناً يستيقظ الضمير عند بعض عمّال معاوية فيعترف بشدّته على الاُمّة كما فعل أخوه عتبة . رقي عتبة في مرض موته فقال : يا أهل مصر قد تقدّمت لي فيكم عقوبات كنت يومئذ أرجو الأجر فيها ، وأنا اليوم أخاف الوزر عليّ منها ، فليتني لم أكن اخترت دنياي على معادي ، ولم أصلحكم بفسادي ، وأنا أستغفر الله منكم وأتوب إليه فيكم ، ولقد هلك من شقي بين عفو الله ورحمته ...(1)
وتوبة الذئب هذا على وزن (حَتّى‏ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنّي تُبْتُ الآنَ...) لأنّه عاد بعد أن عوفي إلى أشدّ ممّا كان عليه من ذي قبل . وهذه الصفحة المعتمة من سياسة معاوية للاُمّة هي التي أوقفت حركة الجهاد والفتح ، وتركت الاُمّة منشغلة بنفسها عمّا أعدّت له من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
أجل ، هناك فتح بسيط جدّاً جرى على يد معاوية وهو فتح قبرص والواقع أنّ قبرص هانت على الروم بعد ضياع سوريا من أيديهم فتركوها من غير حامية وانحازوا عنها إلى مواقع أكثر استراتيجية منها من ثمّ كانت لمعاوية لقمة سائغة فانقضّ عليها واستولى على أراضيها دونما أدنى مقاومة . وأمّا ما قيل من غزوة عاصمة الروم الشرقيّة فإنّها كانت مناورة منه لشغل ولي عهده المرتقب (يزيد) عمّا انغمس فيه من اللعب والقصف والفساد ، وليظهر للاُمّة قدراته الحربية ، فكان بحمد الله غير موفّق ، ولم يكن من رأيه ذلك ، ولكن أشار عليه زياد به ليخفي يزيد في أعماق الثغور عن عيون منتقديه .
وكان بعض الفتوح قام به جملة من عمّاله على الحدود الشرقيّة من البلاد ، ولم تكن فتحاً بالمعنى المألوف للفتح ، بل هي في الواقع دفاعات لابدّ منها لصدّ حملات المغيرين من أهل البلاد المفتوحة أو ثورات أبنائها التي نائت بثقل ما حملت من حكم معاوية . وهذا كلّه حاك عن ضعف الاُمّة ، حيث أنّ الاُمّة الذليلة المرهقة والخانعة لحكّامها والخائفة من قسوتهم وإرهابهم ليست من الجهاد ولا الجهاد منها .
ـــــــــــــــــ
(1) التذكرة الحمدونية ، ج4 ص125 .

الصفحة 272
السمة الحادية عشرة : تأصيل العقد بين الناس
جاء في عهد الإمام أميرالمؤمنين (عليه السلام) لمالك الأشتر (رضي الله عنه) : اطلق عن الناس عقدة كلّ حقد ، واقطع عنهم سبب كلّ وتر ...(1)
من البديهي لنجاح الحكم أن يترفع الحاكم فيه عن صفات العامة والسوقة بخاصة بعد انتصاره في معارك الحكم . أمّا معاوية فجهاز آخر من الناس فما كاد يضع رجله في ركاب الحكم حتّى أغرق الناس في لجّة عارمة من الحقد والثار والعقد . وصارت قضايا وقعت في الجاهليّة تستحضر في ملكه ويُعامل أطرافها على أساس أخذ الثأر . وأقلّ ما كان يفعله مع هؤلاء تذكيرهم بمواقفهم ثمّ حرمانهم من حقوقهم المشروعة وعزلهم عن فئات الشعب لأنّهم ثأره ومرتع حقده وموبىء عقده .
كتب معاوية إلى زياد : اعزل حريث بن جابر فإنّي ما أذكر فتنة صفّين إلاّ كانت حزازة في صدري . فكتب إليه : خفّض عليك يا أميرالمؤمنين فقد بسق حريث بسوقاً لا يرفعه عمل ولا يضرّه عزل(2) . وهو إن وجد لحرب صفّين حزازة في صدره فما أيّامها ببعيدة عنه ولا عارها ممّا ينسىء ولكن ما بال ثأر الجاهلية لا زال يعاوده ويلحّ عليه .
المدائني عن محمّد بن علي بن الحكم قال : حضر ناجذ بن شمرة ووائلة بن الأسقع الكناني باب معاوية فقال معاوية لآذنه وهو أبو أيّوب يزيد مولاه : ايذن لناجذ فأذن له فمنعه وائلة ووائلة أحد بني ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة ، وناجذ أحد بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة . فدخل الآذن فأعلم معاوية فأمره أن يدخلهما معاً ، فقال وائلة : يا أميرالمؤمنين لم أذنت لهذا قبلي ولي صحبة برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولي سنّ عليه ؟ قال معاوية : إنّي وجدت برد أسنانك بين ثديي ووجدت كفّ هذا تدفع ذلك البرد يعني يوم الفجار الذي كان بسبب البرّاض وهو يوم نخلة . فقال : يا معاوية أبثأر الجاهلية تطالبني ؟! أفلا أخذت الذي قال :
ــــــــــــــــ
(1) مغنيه ، في ظلال نهج البلاغة ، ج4 ص53 .
(2) التذكرة الحمدونية ، ج2 ص26 .
الصفحة 273
أغرّك أن كانت لبطنك عكنة       وإنّك مكـفي بـمكة طـاعم
فقال معاوية :
إذا جاءك البكري يحمل قُصبة     فقل قُصب كلب صاده وهو نائم
فقال وائلة :
فما منع العير الضروط ذماره      ولا منعت مخزاة والدها هند
فقال معاوية : سوءة أجهلتنا وأجهلناك وأسأنا إليك ولنا المقدرة عليك . ارفع إلينا حوائجك فقضاها ووصله(1) .
وما فتىء يحمل لرجالات الاُمّة وأعيانها قلباً مشيحاً ونفساً مريضة جرّاء مواقف كانت منهم تجاه معاوية لم يرضها في حرب أو سلم ، ولكنّه إذا خلى إليهم نافقهم وأظهر رضاه عنهم وأعجابه بهم .
كتب إلى زياد : انظر رجلاً يصلح لثغر الهند نولّهِ . فكتب إليه زياد : إنّ قبلي رجلين يصلحان لذلك الأحنف بن قيس وسنان بن سلمة ، فكتب معاوية بأيّ يومي الأحنف نكافئه : ألخذلان اُمّ المؤمنين أم بسعيه علينا يوم صفّين ؟ فوجّه سناناً فكتب إليه زياد : إنّ الأحنف قد بلغ من الشرف والسؤدد ما لا ترفعه الولاية ولا بضعه الغرل(2) .
وكان قد ذكر الأحنف ذات يوم مقامه بصفّين فأغلظ له الأحنف فقال : والله إنّ القلوب التي أبغضناك بها لبين جوانحنا وإنّ السيوف التي قاتلناك بها لعلى عواتقنا ، ولئن مددت بشبر من غدر لنحدّن بباع من محتد ولئن شئت لتستصفينَّ كدر قلوبنا بصفو حلمك قال : فأنّي أفعل(3) .
ولكنّه لم يفعل بل ظلّ يحمل بين جوانحه حقداً أسود ما برح يعتاده كلّما تذكّر موقفاً من مواقفهم يوم صفّين أو غيره ولم تصفو نفسه الجاهليّة على أحد وما إصراره على لعن الإمام (عليه السلام) إلاّ جزء من هذا التأصيل الذي حاول معاوية أن يجعله سائداً في زمانه وما بعده وهو بهذا يهدف إلى غايتين : الأولى حمل الاُمّة على 
ــــــــــــــــــ
(1) أنساب الأشراف ، ج5 ص82 ـ 83 .
(2) التذكرة الحمدونية ، ج2 ص27 .
(3) الآبي ، نثر الدر ، ج5 ص64 .

الصفحة 274
التنكر لقيمها الفاضلة المجسّدة في أهل الفضل من رجالها لتتمَّ له السيطرة عليها وذلك حين تضعف عندها حاسة التمييز بين الخير والشر ومن ثمّ تختلط الصور في ذهنها فتضع كلّ واحدة من هاتين القيمتين مكان الاُخرى .
الثانية : التشفّي وإدراك الثأر الذي تنزع إليه نفسة تأثراً برواسب جاهليته الاُولى من أعدائه القدامى الذين قتلوا أسلافه ، وهزموه في معارك أدّت إلى قلع جذور جاهليّته وخضد شجرته الملعونة ، فهو وإن اكتفأ الإناء وحده واحتاش الثمرة لنفسه إلاّ أنّ لاعج الضغينة لا يهدأ من روحه الخبيثة حتّى يستأصل عدوّه وجوداً ويمحو ذكره الحسن الذي تستلزمه المثل العليا الدائرة في المجتمع المسلم آنذاك . ويمكن أن تشكّل هذه الغاية جزء العلّة الأكبر في إصراره الجنوني على لعن الإمام أميرالمؤمنين وأنصاره وخلّص أصحابه وأولاده .
جلس معاوية يوماً وعنده وجوه الناس وفيهم الأحنف إذ دخل رجل من أهل الشام فقام خطيباً وكان آخر كلامه أن لعن عليّاً (عليه السلام) ، فأطرق الناس وتكلّم الأحنف فقال : يا أميرالمؤمنين إنّ هذا القائل آنفاً ما قال لو علم أنّ رضاك في لعن المرسلين للعنهم فاتّق الله ودع عليّاً ، فلقد لقي الله وأفرد في حفرته وخلا بعمله وكان والله ما علمنا المبرّز بسيفه ، الطاهر في خلقه ، الميمون النقيبة ، العظيم المصيبة .
فقال معاوية : يا أحنف لقد أغضيت العين على القذى ، وقلت بغير ما ترى ، وأيم الله لتصعدنّ المنبر فتلعننّه طائعاً أو كارهاً . قال الأحنف : إن تُعفني فهو خير ، وإن تجبرني على ذلك فوالله لا تجري به شفتاي . قال : قم فاصعد . قال : أما والله لأنصفنّك في القول والفعل . قال معاوية : وما أنت قائل إن أنصفتني ؟ قال : أصعد فأحمد الله بما هو أهله واُصلّي على نبيّه ثمّ أقول :
أيها الناس ، إنّ معاوية أمرني أن ألعن عليّاً ألا وإنّ عليّاً ومعاوية اختلفا واقتتلا وادّعى كلّ واحد منهما أنّه مبغي عليه وعلى فئته فإذا دعوت فأمّنوا يرحمكم الله ، ثمّ أقول : اللهمّ العن أنت وملائكتك وأنبياءك ورسلك وجميع خلقك الباغي منهما على صاحبه والعن الفئة الباغية على الفئة المبغي عليها آمين ربّ العالمين . فقال 

الصفحة 275
معاوية : إذن نعفيك يا أبا بحر(1) .
وطبع معاوية أخبث طبع عرف لحدّ الآن وما كان الله سبحانه ليجعل عدوّ الحق والخير على شيء من الصفات الحسنة . ولا يمكن أن يكون صاحب هذا الطبع إلاّ حسوداً حقوداً .. وما نسب إليه من خلّة الحلم لا تعدو أن تكون تصنّعاً ، أو كظمأ لحالة التفريغ بناءاً على ظرف خاص زامن تلكم الحالة ... وسوف نتحدّث بشيء من التفصيل عن هذا الحلم الموهوم المنسوب إليه وهو أبعد خلائق الله عنه .
وفد ابن أبي محجن على معاوية فقام خطيباً فأحسن فحسده فأراد أن يكسره فقال : أأنت الذي أوصاك أبوك بقوله :
إذا متُّ فادفنّي إلى أصل كرمة      تروّي عظامي بعد موتي عروقها
ولا تدفننّي في الفـلاة فإنّـني      أخاف إذا ما متُّ أن لا أذوقـها
فقال : بل أنا الذي يقول أبي :
لا تـسأل الـناس ما مالي وكثرته      وسائل  الناس ما جودي وما خلقي
أعطي  الحسام غداة الروع حصّته      وعـامل الـرمح أرويه من العلق
ويـعلم الـناس أنّـي من سراتهم      إذا  سـما بـصر الرعديدة الفرق
وأطعن الطعنة النجلاء عن عُرُص      وأكـتم الـسرّ فـيه ضربة العنق(2)
وكان يناصب الأحنف ابن قيس العداء في السرّ وإنّ تملّقه في العلانية . كتب عبيدالله بن زياد إلى معاوية يستشيره في تولية الأحنف بن قيس السند ، فأجابه معاوية : بأيّ أيّامه يستحقّ ذلك ؟ أبخذلانه أميرالمؤمنين يوم الجمل ـ كذا هي والصحيح اُمّ المؤمنين ـ ؟ أم بقتاله يوم صفّين ؟ أم بمشورته على علي يوم صفين بأمر الحكمين ؟ اضرب عنه(3) .
وكان يوصي ابن زياد والأحنف حاضر به وسعى لإصلاح ما فسد بينه وبين ابن زياد وهذا نفاق رخيص كان معاوية يجيده ، وما ضمّه واحد أعدائه القدامى 
ـــــــــــــــــ
(1) الآبي ، نثر الدر ، ج5 ص55 .
(2) التذكرة الحمدونية ، ج2 ص468 .
(3) البصائر والذخائر ، ج1 ص235 .
الصفحة 276
مجلس إلاّ وأثار في وجهه دفائن الماضي .
دخل أبوالطفيل عامر بن وائلة الكناني على معاوية فقال له : أنت من قتلة عثمان ؟ قال : لا ولكنّي ممن حضره فلم ينصره . قال : وما منعك من نصره ؟ قال : لم ينصره المهاجرون والأنصار . قال معاوية : لقد كان حقّه واجباً ، وكان يجب عليهم أن ينصروه . قال : فما منعك من نصرته يا أميرالمؤمنين ومعك أهل الشام ؟ قال : أو ما طلبي بدمه نصرة له ؟ فضحك عامر فقال : أنت والله وعثمان كقوله :
لا أعرفنّك بعد الموت تندبني     وفي حياتي ما زوّدتني زادي
فقال معاوية : دع هذا عنك وقل لي : ما بقّاه الدهر من ثكلك على علي بن أبي طالب ؟ فقال : ثكل العجوز المقلاة والشيخ الرقوب . قال : فكيف حبّك له ؟ فقال : حبّ اُمّ موسى لموسى وإلى الله أشكو التقصير .
ولما أخذ أهل الكوفة بالبيعة لم يرضها منهم إلاّ بإضافة بند جديد وهو البرائة من الإمام (عليه السلام) لعلمه بهوى أهل الكوفة فيه . ذكر الآبي أنّ معاوية جلس بالكوفة يبايع على البرائة من علي (عليه السلام) ، فجاء رجل من بني تميم فأراده على ذلك ، فقال : يا أميرالمؤمنين نطيع أحياءكم ولا نتبرّء من موتاكم ، فالتفت إلى المغيرة فقال : إنّ هذا رجل فاستوص به خيراً(1) .
وتدنى حقده على الناس والأشراف منهم خاصة حتّى بلغ حدّ الدنائة فبينما هو يحرق الأرم حقداً على مخاطبه إذ سرعان ما هان واستكان وما عهد هذا الخلق الوضيع عن أحد ممّن آتاهم الله الملك إذ كانوا بين موقفين : العفو والصفح ، أو الأخذ بالذنب وإنزال العقاب .
قال عبدالرزاق عن ابن عيينة : قال : قدم قيس بن سعد على معاوية فقال له معاوية : وأنت يا قيس تلجم عليّ مع من ألجم ؟ أما والله لقد كنت أحبّ أن لا تأتيني هذا اليوم إلاّ وقد ظفر بك ظفر من أظافري موجع فقال له قيس : وأنا والله قد كنت كارهاً أن أقوم في هذا المقام فأحيبك بهذه التحية . فقال له معاوية : ولم ؟ وهل أنت الأحبر من أحبار اليهود ؟ فقال له قيس : وأنت يا معاوية كنت صنماً من أصنام 
ـــــــــــــــــ
(1) الآبي ، نثر الدر ، ج5 ص205 .

الصفحة 277
الجاهليّة دخلت في الإسلام كارهاً وخرجت منه طائعاً . فقال معاوية : اللهمّ غفراً مدّ يدك ، فقال له قيس : إن شئت زدت وزدت(1) .
وكان حقده يحرق القريب والبعيد ، حتّى سعيد بن العاص وهو اموي من أرومته وجذمه ولكن تميّزت في شخصه صفات الأداري القدير المطاع فعاداه معاوية . دخل المسور على معاوية فقال له : كيف تركت سعيداً ؟ فقال : عليلاً . قال : لليدين وللفم به لا بظبي بالصريمة اعفرا . قال : وعمرو بن سعيد صبيٌ يسمع قوله من ورائه فقال : إذن والله لايسد حفرتك ولا يزيد في رزقك ولا يدفع حتفاً عليك بل يفت في عضدك ويهيض ظهرك وينشر أمرك ، فتدعو فلا تجاب وتتوعّد فلا تهاب .
فقال معاوية : أبا اُميّة أراك هاهنا إنّ أباك جارانا إلى غاية الشرف فلم نعلق بآثاره ولم نقم لمحضاره ولم نلحق بمضماره ولم ندن من غباره ، هذا مع قوّة إمكان وعزّة سلطان وإنّ أثقل قومنا علينا من سبقنا إلى غاية شرف ...(2)
ومن عجيب أمره أنّه كان يتفوّه بكلمات تنطبق عليه أضدادها ويدّعي مقامات أثبتت سيرته نقائضها ، من قبيل قوله لابنه وقد رآه ضرب غلاماً له : إيّاك يا بني والتشفّي ممّن لا يمتنع منك فوالله لقد حالت القدرة بين أبيك وبين ذوي تراثه ولهذا قيل : القدرة تذهب الحفيظة(3) .
وإن صحّ شيء من هذا القول في معاوية فهو قوله : حالت القدرة إلى آخره والواقع أنّها قدرتهم لا قدرته فما كان يسلم الضعيف من شرّه ونكاله حتّى ربّات الحجال اللواتي يأنف ذوو الهمم الشماء أن يتعرّضوا لهنّ بالإسائة وإن بدرت منهن بوادر مؤذيه أو حالات مؤسية ، ولكن ابن هند انحى على من اشتركت في صفّين منهنّ باللائمه وقطع لهامن ذات نفسه تهديداً ووعيداً بخاصة الثابتة منهنّ على الولاء والمحبّة .
وأوفد معاوية الزرقاء بنت عدي بن غالب فقال لها : ألست راكبة الجمل الأحمر يوم صفين بين صفّين توقدين الحرب وتحضّين على القتال ؟ فما حملك 
ـــــــــــــــ
(1) ابن كثير ، البداية والنهاية ، ج8 ص103 .
(2) التذكرة الحمدونية ، ج2 ص42 و138 .
(3) التذكرة الحمدونية ، ج2 ص42 و138 .

الصفحة 278
على ذلك ؟ قالت : يا أميرالمؤمنين إنّه قد مات الرأس وبقي الذنب والدهر ذو غير ومن تفكّر أبصر والأمر يحدث بعده الأمر .
قال : صدقت فهل تحفظين كلامك يوم صفّين ؟ قالت : ما أحفظه . قال : ولكنّي والله أحفظه لله أبوك سمعتك تقولين : أيها الناس ، إنّكم في فتنة غشتكم جلابيب الظلم وجارت بكم عن قصد المحجة فيا لها من فتنة صمّاء ، لا يسمع لقائلها ولا ينقاد لسائها . أيها الناس ، إنّ المصباح لا يضيء في الشمس ، وإنّ الكواكب لا تَقِدُ في القمر ، وإنّ البغل لا يسبق الفرس ، وإنّ الزفّ ـ صفير الريش ـ لا يوازن الهجر ولا يقطع الحديد إلاّ الحديد ، ألا من استرشدنا أرشدناه ، ومن استخبر أخبرناه ، إنّ الحقّ كان يطلب ضالّته فصبراً يا معشر المهاجرين والأنصار ، فكأنّ قد اندمل شعب الشتات والتأمت كلمة العدل وغلب الحقّ باطله فلا يعجلنّ أحد فيقول كيف وأنّى وليقض الله أمراً كان مفعولا . ألا إنّ خضاب النساء الحناء وخضاب الرجال الدماء ، والصبر خير في الأمور عواقباً ، إلى الحرب قدماً غير ناكصين فهذا يوم له ما بعده .
ثمّ قال معاوية : والله يا زرقاء لقد شركت علياً في كلّ دم سفكه . فقالت : أحسن الله بشارتك يا أميرالمؤمنين وأدام سلامتك مثلك من بشّر بخير وسرّ جليسه . قال لها : وقد سرّك ذاك ؟ قالت : نعم والله ، لقد سرّني قولك ، فأنّى بتصديق الفعل ؟ فقال معاوية : والله لوفاءكم له بعد موته أحبّ إليّ من حبّكم له في حياته(1) .
وأعتقد أنّ في العبارة تغييراً في قوله : أحبّ ، فما كان معاوية ليحبّ شيئاً يعزى إلى أميرالمؤمنين (عليه السلام) وأغلب الظنّ أنّها أعجب .
وأوفد اُمّ الخير بنت الحريش البارقيّة ومعنى أوفد هنا أي استقدمها للإعتقال والمحاكمة ، فما كان ليعف عن النساء بعد أن استئصل الرجال واُوتي الحكم لمشيئة ربّانية الله أعلم بالغاية منها ، فقال لها : كيف كان كلامك يوم قتل عمّار بن ياسر ؟ قالت : لم أكن والله روّيته قبل ولا دوّنته وإنّما كانت كلمات نفثهنّ لساني حينالصدمة فإن شئت أن أحدث لك مقالاً غير ذلك فعلت . قال : لا أشاء ذلك ، ثمّ التفت إلى أصحابه فقال : أيّكم حفظ كلام اُمّ الخير ؟ قال رجل من القوم : أنا أحفظه يا 
ــــــــــــــــــ
(1) الآبي ، نثر الدر ، ج4 ص79 و80 .

الصفحة 279
أميرالمؤمنين كحفظي سورة الحمد . قال : هاته .
قال : نعم ، كأنّي بها يا أميرالمؤمنين في ذلك اليوم وعليها برد زبيدي كثيف الحاشية وهي على جمل أرمك وقد اُحيط حولها وبيدها سوط منتشر الضفيرة وهي كالفحل يهدر في شقشقته تقول : يا أيها الناس اتّقوا ربّكم إنّ زلزلة الساعة شيء عظيم ، إنّ الله قد أوضح الحقّ وأبان الدليل ونور السبيل ورفع العلم ، فلم يَدَعْكم في عمياء مبهمة ولا سوداء مدلهمّة ، فإلى أين تريدون رحمكم الله ؟ أفراراً عن أميرالمؤمنين أم فراراً من الزحف أم رغبة عن الإسلام أم ارتداداً عن الحق ؟ أما سمعتم الله عزّوجل يقول : (وَلَنَبْلُوَنّكُمْ حَتّى‏ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبَارَكُمْ)(1) ؟ ثمّ رفعت رأسها إلى السماء وهي تقول : اللهمّ قد عيل الصبر وضعف اليقين وانتشرت الرعيّة وبيدك يا ربّ أزمّة القلوب فاجمع إليه كلمة التقوى وألّف القلوب على الهدى ، وأردد الحقّ إلى أهله ، هلمّوا رحمكم الله إلى الإمام العادل والوصي الوفي والصدّيق الأكبر ، إنّها أحن بدريّة وأحقاد جاهليّة وضغائن أحديّة وثب بها معاوية حين الغفلة ليدرك بها ثارات بني عبد شمس .
ثمّ قالت : (فَقَاتِلُوا أَئِمّةَ الْكُفْرِ إِنّهُمْ لاَأَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلّهُمْ يَنتَهُونَ)(2) صبراً معشر المهاجرين والأنصار ، قاتلوا على بصيرة من ربّكم وثبات من دينكم ، فكأنّي بكم غداً قد لقيتم أهل الشام كحمر مستنفرة فرّت من قسورة لا تدري أين يسلك بها من فجاج الأرض ، باعوا الآخرة بالدنيا واشتروا الضلالة بالهدى وباعوا البصيرة بالعمى وعمّا قليل ليصبحنّ نادمين ، تحلّ بهم الندامة فيطلبون الإقالة ، إنّه والله من ضلّ عن الحقّ وقع في الباطل ومن لم يسكن الجنّة نزل النار .
أيها الناس ، إنّ الأكياس استقصروا عمر الدنيا فرفضوها ، واستبطئوا الآخرة فسعوا لها ، والله أيّها الناس لولا أن تبطل الحقوق ، وتعطّل الحدود ، ويظهر الظالمون ، وتقوى كلمة الشيطان ، لما اخترنا ورد المنايا على خفض العيش وطيبه ، فإلى أين تريدون رحمكم الله عن ابن عمّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وزوج ابنته وأبي ابنيه ؟ 
ـــــــــــــــــــــ
(1) سورة محمّد الآية 31 .
(2) سورة التوبة الآية 12 .

الصفحة 280
خلق من طينته وتفرّع من نبعته وخصّه بسرّه وجعله باب مدينته وعلم المسلمين وأبان ببغضه المنافقين ، فلم يزل كذلك يؤيّده الله عزّوجل بمعونته ويمضي على سنن استقامته لا يعرج لراحة الدار ، ها هو مغلق الهام ومكسّر الأصنام إذ صلّى والناس مشركون وأطاع والناس مرتابون ، فلم يزل كذلك حتّى قتل مبارزي بدر وأفنى أهل اُحد ، وفرّق جمع هوازن فيا لها من وقايع زرعت في قلوب قوم نفاقاً وردّة وشقاقاً ، قد اجتهدت في القول وبالغت في النصيحة وبالله التوفيق ، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته .
فقال معاويه : يا اُمّ الخير ما أردت بهذا الكلام إلاّ قتلي ووالله لو قتلتك ما حرجت في ذلك . قالت : والله ما يسوءني يابن هند أن يجري الله ذلك على يدي من يسعدني بشقائه . قال : هيهات يا كثيرة الفضول .. ما تقولين في عثمان بن عفّان ؟ وقالت :وما عسيت أن أقول فيه ؟ استخلفه الناس وهم كارهون ، وقتلوه وهم راضون. فقال معاوية : إيهاً يا اُمّ الخير ، هذا والله أصلك الذي تبنين عليه . قالت : (لكِنِ اللّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلاَئِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى‏ بِاللّهِ شَهِيداً)(1) ما أردت لعثمان نقصاً ، ولقد كان سبّاقاً إلى الخيرات وإنّه لرفيع الدرجات . قال : فما تقولين في طلحة بن عبيدالله ؟ قالت : وما عسى أن أقول في طلحة ؟ اُغتيل من مأمنه ، وأُتي من حيث يحذر ، وقد وعده رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الجنّة .
قال : فما تقولين في الزبير ؟ قالت : يا هذا ، لا تدعني كرجيع الضبع ، يُعرك في المركن . قال : لتقولين ذلك وقد عزمت عليك . قالت : وما عسيت أن أقول في الزبير ابن عمّة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وحواريه ؟ وقد شهد له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالجنّة ، ولقد كان سبّاقاً إلى كلّ مكرمة من الإسلام وإنّي أسألك بحقّ الله يا معاوية فإنّ قريشاً تحدث إنّك من أحلمها ، فأنا أسألك بأن تسعني بفضلك وأن تعفيني من هذه المسائل وامض لما شئت من غيرها . قال : نعم وكرامة قد أعفيتك وردّها مكرمة إلى بلدها(2) .
بهذه السياسة الحاقدة والأساليب المرتكزة على عقد الضغائن حكم الاُمّة 
ـــــــــــــــــــ
(1) سورة النساء الآية 166 .
(2) الآبي ، نثر الدر ، ج4 ص79 إلى آخره .

الصفحة 281
معاوية وما كانت الاُمّة لتخرج من أتونها دون أن تحترق وتكون رماداً ، فقد خسرت الاُمّة قيمها الفاضلة ، وأتت أساليب ابن هند الجاهليّة في الحكم على أخلاقها الجميلة ومحامد صفاتها واكتسحت أخلاقه الآجنة وأصحابه وذويه وخاصته آدابها التي بناها الإسلام وأرسى قواعدها على الحبّ والأخاء ، وهذه تعتبر من أقسى الضربات التي تلقتها الاُمّة من سياسة معاوية والاُمويين .
السمة الثانية عشرة : التأثير على العامة وأوشاب الناس
انتهت أيّام معاوية في سنة ستّين للهجرة ولكن لم تنته آثار حكمه ، بل بقيت عالقة في الجماعة الإسلاميّة ، وتحوّلت من اُروقه السياسة إلى مذاهب الفرق والطوائف ، وانقسمت إلى مسائل فقهيّة واُخرى كلاميّة ، واختفى الواضع الأوّل أعني معاوية في العدم ، وبقيت أقواله أو جلّها على أحسن تقدير معمولاً بها عند أكثر المذاهب الإسلاميّة ، خذ على سبيل المثال مسألة التفضيل بين الصحابة فما كان أحد يعتريه الشك في تقديم الإمام أميرالمؤمنين (عليه السلام) على المسلمين بأجمعهم ، حتّى جاء معاوية وراح يوسوس في صدور الناس ومعه مرتزقة من رواة وعلماء وفقهاء حول أفضليّة الإمام فأنكر كلّ خاصة له وبذر بذور الشك في كلّ فضيلة ثبتت بالتواتر له ، وقدّم عليه في الفضل من تقدّمه في الحكم ، فقد كتب إلى الإمام أميرالمؤمنين (عليه السلام) :
أمّا بعد ، فإنّ الله اصطفى محمّداً بعلمه وجعله الأمين على وحيه والرسول إلى خلقه ، واجتبى من المسلمين أعواناً أيّده بهم وكانوا في منازلهم عنده على قدر فضائلهم في الإسلام ، فكان أفضلهم في الإسلام وأنصحهم لله ولرسوله الخليفة من بعده ، ثمّ خليفة الخليفة ، ثمّ الخليفة الثالث المظلوم عثمان ، فكلّهم حسدت وعلى كلّهم بغيت ، عرفنا ذلك في نظرك الشزر وقولك الهجر وتنفّسك الصعداء وإبطاءك عن الخلفاء ، وأنت في كلّ ذلك تقاد كما يقاد البعير المخشوش حتّى تبايع وأنت كاره ...(1)
ـــــــــــــ
(1) جمهرة رسائل العرب ، ج1 ص437 .

الصفحة 282
وها أنت عزيزي القارىء ترى أنّ مسئلة التفضيل بن الخلفاء الأربعة وتفضيل الثلاثة على الإمام أميرالمؤمنين (عليه السلام) بدأت من معاوية ولم تكن معهودة في المسلمين قبل ذلك ، بل لم يكن المسلمون يعرفون لهؤلاء الثلاثة شيئاً من التقدم على بلال وخباب بن الأرت وخوات ابن جبير بله عليّاً (عليه السلام) ، ولكن معاوية أطلقها وأشاعها بين المسلمين لأغراضه السياسية وتلقفها من بعده الاُمويون ثمّ شاعت في العباسيين بعد ثورة بني الحسن (عليهم السلام) ، وتجذّرت في عصر المتوكل وهو المعبّر عنه بيزيد بني العباس وكان نصبه ممّا لا يكاد ينكر وما زالت هذه المسئلة معمولاً بها اليوم بخاصة بين نابتة الاُموية .
وتكرّرت هذه المقولة الباطلة على لسان معاوية بصيغ شتّى وعبارات مختلفة ، فقد كتب إلى الإمام (عليه السلام) ثانية يقول : ثمّ إنّ الله سبحانه اختصّ محمّداً عليه الصلاة والسلام بأصحاب أيّدوه ونصروه وكانوا كما قال الله سبحانه لهم أشدّاء على الكفّار رحماء بينهم ، فكان أفضلهم مرتبة وأعلاهم عند الله والمسلمين منزلة الخليفة الأوّل الذي جمع الكلمة ولمّ الدعوة وقاتل أهل الردّة ، ثمّ الخليفة الثاني الذي فتح الفتوح ومصّر الأمصار وأذلّ رقاب المشركين ، ثمّ الخليفة الثالث المظلوم الذي نشر الملّة وطبّق الآفاق بالكلمة الحنيفيّة(1) .
والباحث النزيه حين يحتك بهذه الأحداث ويتناولها بعقل القاضي الحصيف يدرك حتماً أنّ واضع بذرة التفضيل معاوية ليحط من قدر أهل بيت النبي بزعمه وأتبعه القوم أمس واليوم ، وما كان المسلمون حتّى من أفردوهم بالتقدم يجهلون فضل أهل البيت على الناس قاطبة ولقد سئل الإمام الصادق (عليه السلام) علن أفضلية علي ، فقال : سبق الأبعدين بالقرابة والأقربين بالسبق إلى الإسلام ، وهذه كلمة قيّمة تغني المسلم عن تجشّم البحث والفحص وفيها مقنع للعقول السليمة من أسر الهوى .
وكان أميرالمؤمنين (عليه السلام) يقول للناس على المنبر : يا لله وللشورى ، متى اعترض فيّ الريب مع الأوّل منهم حتّى صرت أقرن إلى هذه النظائر ، لكنّي اسففت إذ أسّفوا وطرت إذ طاروا .
ــــــــــــــــــــــــ
(1) جمهرة رسائل العرب ، ج1 ص444 .

الصفحة 283
وكان معاوية نفسه يعترف بسبق الإمام وتقدّمه وفضله وذلك في كتابه إلى محمّد بن أبي بكر يقول فيه : فقد كنّا وأبوك معنا في حياة نبيّنا نعرف حقّ ابن أبي طالب لازماً لنا وفضله مبرزاً علينا ، فلمّا اختار الله لنبيّه عليه الصلاة والسلام ما عنده وأتمّ له ما وعده وأظهر دعوته وأفلج حجّته وقبضه الله إليه صلوات الله عليه كان أبوك وفاروقه أوّل من ابتزّه حقّه وخالفه على أمره على ذلك اتّفقا واتّسقا(1) .
وفي هذه الرسالة يعترف بفضل الإمام على من تقدّمه لأنّه يريد بذلك أن يخصم ابن أبي بكر وتعلّقت سياسته فيما عدا ذلك بتفضيل فلان وفلان على أميرالمؤمنين وسار القوم على نهجه ونسجوا على نوله ولم يفيئوا إلى حجة صحيحة مقبولة ولا إلى ميزان سليم يتمّ الفضل به لواحد ويسلب عن آخر ، اللهمّ إلاّ هذه النزغات المطعمة بالحقد والأغراض الشخصيّة .
وأشهر ما في باب التفضيل أقوال تعزى إلى أصحابها وليس فيها خبر يقين عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن عمر بن أسيد عن عبدالله بن عمر قال : كنّا نقول في زمن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)رسول الله خير الناس ثمّ أبوبكر ثمّ عمر ، ولقد اُوتي ابن أبي طالب ثلاث خصال لأن تكون لي واحدة منهنّ أحبّ إليّ من حمر النعم : زوّجه رسول الله ابنته وولدت له ، وسدّت الأبواب إلاّ بابه في المسجد ، وأعطاه الراية يوم خيبر(2) .
وابن عمر حجّ نفسه بنفسه ، لأنّ صاحب هذه الخصال التي تمنّى واحدة منها هل لأبيه وصاحبيه شيء منها ، فكيف يفضّلهما عليه ، وهل هذا إلاّ الهجر والهذيان ، ثمّ هو يقول : كنّا نقول ...!! إن كان القائلون هم الأولاد والأحفاد والزوجات والبنات ومن لفّ لفّهم فنجيبهم بمثل واحد ونكسب النجاة من وجع القلب : القرد في عين اُمّه غزال ، وإن كان غيرهم فكان على ابن عمر أن يسمّيهم ولو كانوا من طراز سيّدنا هيان بن بيان .
ويقول أحمد بن حنبل اقتفاءاً لقول معاوية وسئل عن التفضيل : من قدّم عليّاً على أبي بكر فقد طعن على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ومن قدّمه على عمر فقد طعن على 
ــــــــــــــــــــ
(1) جمهرة رسائل العرب ، ج1 ص545 .
(2) مسند أحمد ، ج2 ص26 .

الصفحة 284
رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلى أبي بكر ، ومن قدّمه على عثمان فقد طعن على أبي بكر وعمر وعثمان وعلى أهل الشورى والمهاجرين والأنصار(1) .
ولو سئلنا سلالة حرقوص(2) ذي الثدية ابن حنبل ما سبب الطعن على رسوله في تقديم ابن عمّه وابن اُمّه قاطمة وزوج ابنته وأبي سبطيه على ابن أبي قحافة وابن صهّاك الزنجيّة المعروفة بباطحلي وتاريخها معروف مشهور ، ماذا يكون جوابه ؟ قلنا سابقاً إنّ الذين اتّبعوا ابن هند في نزغاته هم أوشاب الناس وأوباشهم ، ومن علامتهم أنّهم لا يحتكمون إلى العقل فيما يقولون أو يفعلون أو يعتقدون .
حجّ خراساني من أهل السنّة ، فلمّا حضر الموسم أخذ دليلاً يدلّه على المناسك ، فلمّا فرغ أعطاه شيئاً يسيراً لا يرضيه ، فأخذه منه ثمّ جاء به إلى بعض الأركان فنطح الركن برأسه فقال له الخراساني : ما هذا ؟ قال : كان معاوية يأتي هذا الركن فينطحه برأسه ، وكلّما كانت النطحة أشدّ كان الأجر أعظم ، فشدّ الخراساني على الركن ونطحه نطحةً سالت الدماء منها على وجهه وسقط مغشيّاً عليه فتركه الرجل ومرّ(3) .
وهذا منتهى البلاهة والحمق ولا تظنّنّ أنّ ذلك من أحاديث التسلية والترفيه عن النفس وأكثره موضوع من الظرفاء لا أصل له كلاّ ثمّ كلاّ .. فإنّ جلّ من اتّبع معاوية فيما وضع وابتدع بمنزلة هذا الخراساني أو أشدّ حمقاً . كان بعضهم يتشدّد في خلق القرآن فسئل عن معاوية أمخلوق هو ؟ قال : كان إذا كتب الوحي غير مخلوق وإذا لم يكتبه كان مخلوقاً ...(4)
ومسئلة اُخرى اتّبعوا فيها معاوية وخالفوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهي استلحاقه زياداً ، وسوف نطلعك فيما يأتي على اتّباعهم معاوية وتركهم قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ورائهم ظهريّاً .
ـــــــــــــــــت
(1) ابن العماد الحنبلي ، شذرات الذهب ، ج3 ص45 .
(2) يقال : إنّ أحمد بن حنبل من سلالة حرقوص بن زهير ذي الثدية الخارجي الذي قتله الإمام بالنهروان .
(3) التذكرة الحمدونية ، ج3 ص275 .
(4) التذكرة الحمدونية ، ج3 ص278 .

الصفحة 285
 للعاهر الحجر
لمّا كان الوسط الجاهلي منغمساً في الإباحية الجنسيّة حتّى شحمة اُذنيه ، ولم تقتصر هذه الإباحية على أهل الجاهلية وحدهم ، وإنّما امتدّت لها ذيول هنا وهناك بين من أسلموا حديثاً ، وما زالت أخلاق الجاهلية تعتادهم كما يعتاد المرض الناقه ، لذلك كثرت فيهم حالات القذف والولادات غير الشرعية كما كثر فيهم الأدعياء ، وهذه بالطبع مسألة حادة جدّاً تؤدّي إلى انقسام المجتمع الوليد على نفسه ، وتجرّ إلى فتن عمياء بها ينفى الصميم ويقصى الحميم ويلحق الدعي لهذا اقتضت المشيئة الربانية تحقيقاً للرحمة التي لازمت شرعه وتجسّدت بسيّد أنبيائه أن يكون لها حلّ شرعي ، بعيداً عن مؤثّرات العاطفة واختلاجات النفس الأمّارة بالسوء وبمنأىً كذلك عن الروح الجاهليّة المدمّرة .
وهذا الحلّ الشرعي كسائر الحلول للقضايا الحادة لا يأخذ بعين الإعتبار إلاّ المصلحة العامة بغضّ النظر عن رضا الراضين وغضب الغاضبين ، وليس من وكده أن ينال القبول عند فئة معيّنة ، بل الغاية القصوى له أن يكون حلاًّ جذريّاً عام المنفعة يتمّ تنفيذه بيسر وسهولة ، وجاء الحلّ على لسان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد طرو حالة معيّنة على المجتمع الجديد الناهض .
أخرج البخاري في جامعه عن عائشة قالت : كان عتبة عهد إلى أخيه سعد أنّ ابن وليدة زمعة منّي فاقبضه إليك ، فلمّا كان عام الفتح أخذه سعد ، فقال : ابن أخي عهد إليّ فيه . فقام عبد بن زمعة فقال : أخي وابن وليدة أبي ولد على فراشه فتساوقا إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال سعد : يا رسول الله ابن أخي قد كان عهد إليّ فيه ، فقال عبد بن زمعة : أخي وابن وليدة أبي ولد على فراشه . فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : هو لك يا عبد بن زمعة ، الولد للفراش وللعاهر الحجر ، ثمّ قال لسودة بنت زمعة : احتجبي منه لما رأى من شبهة بعتبة ، فما رآها حتّى لقي الله ...(1)
ــــــــــــــــــ
(1) صحيح البخاري ، ج8 ص191 .

الصفحة 286
وأخرج البخاري أيضاً عن أبي هريرة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال : الولد للفراش(1) .
وأخرج البخاري أيضاً بسياق آخر مثل : الولد للفراش وفي فم العاهر الحجر(2) .
وأخرجه مسلم في كتاب الرضاع والترمذي رقم 2120 ، 2121 وأخرجه أبو داود في كتاب الطلاق والنسائي في المجتبى كتاب الطلاق وللحديث سياق آخر عند البخاري وهو : الولد للفراش وللعاهر الحجر وهي الصيغة المشهورة للحديث وله سياقات اُخرى أخرجتها كتب جمّة بأسانيد كثيرة لا تحصى ، ومن أهمّ هذه الكتب على سبيل المثال لا الحصر : مسند أحمد ، فتح الباري ، مصنّف عبدالرزاق ، مصنّف ابن أبي شيبة ، جامع مسانيد أبي حنيفة ، الطبقات الكبرى لابن سعد ، شرح معاني الآثار ، تاريخ إصبهان لأبي نعيم ، البداية والنهاية لابن كثير ، ومجمع الزوائد ، كنز العمال ، تاريخ بغداد للخطيب ، سنن البيهقي ، موطأ مالك ، شرح السنة للبغوي ، وغير هذه كتب ليست في حوزتي فلم يتيسّر لي الإطلاع عليها .
وقال العلماء تعليقاً على هذا الحديث الشريف كأبي جعفر فقد قال : ذهب قوم إلى أنّ الأمة إذا وطئها مولاها فقد لزمه كلّ ولد يجيء به بعد ذلك ادّعاه أو لم يدّعه ، واحتجّوا في ذلك بهذا الحديث لأنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال : هو لك يا عبد بن زمعة ، ثمّ قال : الولد للفراش وللعاهر الحجر ، فألحقه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بزمعة لا لدعوة ابنه لأنّ دعوة الإبن للنسب لغيره من أبيه غير مقبولة ، ولكن لأنّ اُمّه كانت فراشاً لزمعة بوطئه إيّاها(3) .
وبهذا يظهر زيف ادّعاء معاوية نسب زياد من أبي سفيان ، لأنّها دعوة ابن لنسب غيره من أبيه ، وكانت اُمّ زياد فراشاً لغيره ، وكان عمر بن الخطّاب يفتي بهذا طيلة خلافته . عن عبدالله بن عمر أنّ عمر بن الخطّاب قال : ما بال رجال يطئون ولائدهم ثمّ يعزلونهنّ ، لا تأتيني وليدة يعترف سيّدها أن قد ألم بها إلاّ قد ألحقت به 
ــــــــــــــــــ
(1) صحيح البخاري ، ج8 ص191 .
(2) راجع من البخاري : ج3 ص70 و106 و161 وج4 ص40 وج5 ص192 وج8 ص140 و205 .
(3) الطحاوي ، معاني الآثار ، ج3 ص114 ، ط دار الكتب العلمية ، 1416 هجري .

الصفحة 287
ولدها ، فاعزلوا أو أتركوا(1) .
واتّبع عبدالله أباه في فتواه ، عن نافع عن ابن عمر قال : من وطىء امة ثمّ ضيّعها فأرسلها تخرج ثمّ ولدت فالولد منه والضيعة عليه(2) .
وخالفهما زيد بن ثابت ، فقد روى عنه خارجة ابنه أنّ أباه كان يعزل عن جارية فارسية ، فحملت فأنكره وقال : إنّي لم أكن اُريد ولدك وإنّما استطيب نفسك فجلدها وأعتقها وأعتق الولد(3) .
وفتوى عمر وابنه جائت موافقة للحديث الشريف وأمّا ابن ثابت فمن المحتمل أن يكون ثبت عنده أنّ الولد من غيره بالقطع واليقين لأنّه لم يمارس العمل بحيث تصب النطفة في الرحم أو بعضها ، ليحتمل نسبة الولد إليه ، وبهذا صحّ انكار الولد واعتبره من غيره واعتبر الجارية مقارفةً إثماً لذلك عمد إلى جلدها .
ومهما تكون الحال ، فإنّ الشريعة وعمل الصحابة جاء بخلاف ما عمل به معاوية من استلحاقه زياداً بنسبه وما كانت ضرورة تدعوه إلى ذلك ولكن أراد مخالفة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) . أجل مجرّد مخالفته والردّ عليه ، وهو معذور طبعاً لما ينطوي عليه من العداء الساخن للشريعة وصاحبها ولكن ما بال من انتسب إلى الدين والعلم وتقدم المسلمين إماماً يقتدى به ويعمل برأيه ويقلّد في الحلال والحرام أمثال مالك بن أنس وأبي بكر بن العربي وابن خلدون وابن كثير وابن تيميّة وأمثالهم كثير ردّوا سنّة المصطفى بأقوال واهية وآراء فجة واتّبعوا سنّة ابن هند ؟
يقول أبوبكر بن العربي : فإن قيل : أحدث معاوية في الإسلام الحكم بالباطل والقضاء بما لا يحلّ من استلحاق زياد ! قلنا : قد بيّنا في غير موضع أنّ استلحاق زياد إنّما كان لأشياء صحيحة وعمل مستقيم . ثمّ شرع ابن العربي يناقش أقوال المؤرخين بشأن زياد فقال : قالوا : كان زياد ينتسب إلى عبيد الثقفي من سمية جارية الحارث بن كلدة واشترى زياد عبيداً أباه بألف درهم فأعتقه . قال أبو عثمان النهدي : فكنّا نغبطه . إلى أن يقول :
ـــــــــــــــ
(1) نفسه ، ج2 ص14 .
(2) معاني الآثار ، ج3 ص14 و16 .
(3) معاني الآثار ، ج3 ص14 و16 .

الصفحة 288
ورووا أنّ عمر أرسله إلى اليمن في إصلاح فساد ، فرجع وخطب خطبة لم يسمع مثلها ، فقال عمرو بن العاص : أما والله لو كان هذا الغلام قرشياً لساق الناس بعصاه . فقال أبو سفيان : والله إنّي لأعرف الذي وضعه في رحم اُمّه . فقال له علي : ومن ؟ قال : أنا . قال : مهلاً يا أبا سفيان . فقال أبو سفيان أبياتاً من الشعر :
أما  والله لولا خوف شخص      يـراني يا علي من الأعادي
لأظهر أمره صخر بن حرب      ولـم تـكن المقالة عن زياد
وقـد طـالت مخالفتي ثقيفاً      وتـركي فـيهم ثـمر الفؤاد
فذلك الذي حمل معاوية واستعمله علي على فارس ، وحمى وجبى وأصلح وكاتبه معاوية يروم إفساده فوجّه زياد بكتابه إلى علي بشعر فكتب إليه علي : إنّي ولّيتك ما ولّيتك وأنت أهل لذلك عندي ولن يدرك ما تريد بما أنت فيه إلاّ بالصبر واليقين ، وإنّما كانت من أبي سفيان فلتة زمن عمر لا تستحق بها نسباً ولا ميراثاً ، وإنّ معاوية يأتي المؤمن من بين يديه ومن خلفه .
فلمّا قرأ زياد الكتاب قال : «شهد لي أبوالحسن وربّ الكعبة» فذلك الذي جرّأ زياداً ومعاوية بما صنعا ، ثمّ ادّعاه معاوية سنة أربع وأربعين وزوّج معاوية ابنته من ابنه محمّد . وبلغ الخبر أبا بكره أخاه لاُمّه فآلى يميناً أن لا يكلّمه أبداً وقال : هذا زني اُمّه وانتفى من أبيه والله ما رأت سمية أبا سفيان قط ، وكيف يفعل باُم حبيبة أيراها فيهتك حرمة رسول الله وإن حجبته فضحته . فقال زياد : جزى الله أبابكرة خيراً فإنّه لم يدع النصيحة في حال ، وتكلّم فيه الشعراء ورووا عن سعيد بن المسيّب أنّه قال : أوّل قضاء كان في الإسلام بالباطل استلحاق زياد .
قال القاضي أبوبكر (رضي الله عنه) : قد بينّا في غير موضع هذا الخبر وتكلّمنا عليه بما يغنى عن إعادته ولكن لابدّ في هذه الحالة من بيان المقصود منه فنقول : كلّ ما ذكرتم لا ننفيه ولا نثبته لأنّه لا يحتاج إليه ، والذي ندريه حقّاً ونقطع عليه علماً أنّ زياداً من الصحابة بالمولد والرؤية ، لا بالتفقه والمعرفة ، وأمّا أبوه فما علمنا له أباً قبل الدعوة على التحقيق وإنّما هي أقوال غائرة من المؤرخين وأمّا شرائه له فمراعاة للحضانة فإنّه حضنه عنده إذ دخل عليه فله نسب بالحضانة إليه ، إن كان ذلك . 

الصفحة 289
وشرع ابن العربي يرد ما تقدم بحجج واهية يستحي أهل العلم من نسبتها إليهم فمنها قوله :
وأمّا بعث معاوية إليه ليكون معه فصحيح في الجملة ، وأمّا تفصيل ما كتب معاوية أو كتب زياد به إلى علي أو جاوب به علي زياداً فهذا كلّه مصنوع .
وأظنّه استراح من عناء الرد والبحث وتأليف الحجج بقوله : كلّه مصنوع . وذكّرني ابن عربي بأيّام طفولتنا يوم كنّا نسرح ونمرح على ضفاف شطّ العرب لاهين وادعين ... وقد يحدث أحياناً أن ننقسم إلى كتلتين كتلة تقاتل كتلة وتغار منها ، فإذا انجلت المعركة الوهمية عنّا وجلسنا للعتاب أخذ الرواة ينقلون ما قاله بعضنا في البعض الآخر ، وما من كلمة إلاّ ولها صلة بالحقيقة وإن أضاف النقل إليها أو حذف منها إليها أو حذفت منها تبعاً لمشاعر الناقل أو أمانته أو سلامة ذاكرته ... وما كنت تسمع من الأقران إلاّ عجيج التكذيب ، وأكبر حجة يعتمدها الجميع هي قول : كذب ، صنعه ، أو وضعه ، أو لم أقله ، أو افترى عليّ ونحو ذلك ، وتنتهي اللعبة بالإرهاق والنعاس فنغادر الطرقات والحارات إلى الأسرة أو السطوح ... وهذه هي روح الطفولة فهل يريد ابن العربي أن يتعامل مع تاريخنا بمثل هذه الروح ؟ لست أدري !!
ويقول ابن العربي مثبتاً قول معاوية ناسياً أباه إلى الإجتهاد : وأمّا قول علي : إنّما كانت من أبي سفيان فلتة زمن عمر لا تستحقّ بها نسباً ، فلو صحّ لكان ذلك شهادة كما روى عن زياد ، ولم يكن ذلك بمبطل لما فعل معاوية لأنّها مسئلة اجتهاديّة بين العلماء فرأى علي شيئاً ورأى معاوية وغيره غيره . وأمّا نكتة الكلام وهو القول في استلحاق معاوية زياداً وأخذ الناس عليه في ذلك ، فأيّ أخذ عليه فيه إن كان سمع ذلك من أبيه ؟ وأيّ عار على أبي سفيان في أن يليط بنفسه ولد زناً كان في الجاهليّة ، فمعلوم أنّ سميّة لم تكن لأبي سفيان كما لم تكن وليدة زمعة ـ أشار إلى الحديث النبوي الذي مرّ ـ لعتبة ، لكن كان لعتبة منازع تعيّن القضاء له ولم يكن لمعاوية منازع في زياد .
وهذا تلبيس من ابن العربي ، لأنّه لم يشترط بالفراش أن يكون صاحبه على قيد الحياة حتّى ينازع في أمر الإدعاء ، بل يكفي أن يكون له وجود قبل الإدّعاء في 

الصفحة 290
مقابل الدعوة ، وهذا عين ما نحن فيه ، فإنّ منازع معاوية في زياد هو واقع الحال الذي كان عليه انتساب زياد إلى غير أبي سفيان الذي كانت اُمّه تضاجعه في فراش واحد وهو عبيد الثقفي ولا يشترط في صاحب الفراش أن يبقى حيّاً أو يبعث من جديد لكي ينازع معاوية في زياد وإلى هذه المسئلة نظر الحديث الشريف فأثبت الولد للفراش .
ولو دقّقنا النظر في مسئلة زمعة فسوف نرى المنازع وهو زمعة غير موجود ساعة ادعاء سعد الولد ، بل هو في الموتى وإنّما نازع سعد عبد بن زمعة أخو المنازع فيه ، وهذا لا حقّ له في المنازعة لما مرّ من أنّ دعوة الإبن للنسب لغيره من أبيه غير مقبولة ، فشابهت حكاية زمعة استلحاق معاوية زياداً وابن العربي يعرف ذلك ولكنّه على عمد لبّس على نفسه .
ويقول ابن العربي في الردّ على ابن المسيّب : وأمّا ما روي عن سعيد بن المسيّب فأخبر عن مذهبه في أنّ هذا الإستلحاق ليس بصحيح وكذلك رأي غيره من الصحابة والتابعين ، وقد صارت المسئلة إلى الخلاف بين الاُمّه وفقهاء الأمصار ، فخرجت من حدّ الإنتقاد إلى حدّ الإعتقاد ، وقد صرّح مالك في كتاب الإسلام وهو الموطأ بنسبه فقال : في دولة بني العباس : زياد بن أبي سفيان ولم يقل كما يقول المجادل : زياد بن أبيه . هذا على أنّه لا يرى النسب يثبت بقول واحد(1) .
وليس هذا قول ابن العربي أو مالك وحدهما ، وإنّما عليه أهل السنّة والجماعة برمّتهم إلاّ من عصم الله وقليل ما هم ، مع علمهم بأنّ استلحاق زياد جرّ على الإسلام والمسلمين الويلات . يقول ابن الأثير : وكان استلحاقه أوّل ما ردّت به أحكام الشريعة علانية فإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قضى بالولد للفراش وللعاهر الحجر . وقال ابن الأثير أيضاً : ومن اعتذر لمعاوية قال : إنّما استلحق زياداً لأنّ أنكحة الجاهلية كانت أنواعاً لا حاجة إلى ذكرها جميعاً وكان منها أنّ جماعة يجامعون البغي فإذا حملت وولدت ألحقت الولد بمن شاءت منهم فيلحقه ، فلمّا جاء الإسلام حرّم هذا النكاح إلاّ أنّه أقرّ كلّ ولد كان ينسب إلى أب من أيّ نكاح كان من أنكحتهم 
ــــــــــــــــــ
(1) راجع حول أقوال أبي بكر بن العربي وردوده كتابه «العواصم من القواصم» من الصفحة 236 ـ 242 .
الصفحة 291
على نسبه ولم يفرق بين شيء منها فتوهّم معاوية أنّ ذلك جائز له ولم يفرق بين استلحاق في الجاهليّة والإسلام ، وهذا مردود لاتّفاق المسلمين على إنكاره ولأنّه لم يستلحق أحد في الإسلام مثله ليكون به حجة ...(1)
وابن الأثير فاتته الإشارة إلى أنّ هذا الإستلحاق لم ينطبق عليه ولا نكاح واحد من أنكحة الجاهلية والنكاح الذي استشهد به المعتذرون يعتمد على شهادة البغي الاُم وإلحاقها الولد بواحد من زوّارها . أمّا مسئلة استلحاق زياد فنعتمد على دعوة معاوية بنسبة ذلك إلى أبيه وشهادة أبي مريم السلولي الخمّار : فأين هذه من تلك . يقول ابن الأثير :
قال معاوية لأبي مريم : بم تشهد يا أبا مريم ؟ فقال : أنا أشهد أنّ أبا سفيان حضر عندي وطلب منّي بغيّاً فقلت له : ليس عندي إلاّ سميّة . فقال : ائتني بها على قذرها ووضرها فأتيته بها فخلا معها ، ثمّ خرجت من عنده وإنّ اسكتيها لتقطران منيّاً ، فقال له زياد : مهلاً يا أبا مريم إنّما بعثت شاهداً ولم تبعث شائماً ، فاستلحقه معاوية(2) .
ولم يأنف زياد إلاّ من اسكتيها ، ولم يعتبر زناها شنيعة ، والحمد لله الذي جعل عدوّ أهل البيت على شاكلة هؤلاء نسباً وعقلاً وديناً ، ولو ذهبنا نلتمس العذر لهم في اعتذارهم عن معاوية وفي طلب الوجوه لاستلحاقه زياداً بنسبه فما عذرهم في اتّباع معاوية في صدقة رمضان وتركهم قول رسول الله الذي أمروا باتّباعه وبهذا ثبت لنا أنّهم الغوغاء وليس العلماء لأنّ العالم لا يحيد عن الحقّ ولا يجنح مع الهوى واعتبر بمن يجعل من نزغات معاوية وأهوائه الشيطانيّة ديناً يقابل بها أقوال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)كيف يصنع مع عمر .. وإليك فصلاً نافعاً عن صدقة الفطر ... وما فعل معاوية ليميل بها إلى هواه عن حقيقتها وموقف الأوباش منها .
أخرج مسلم عن ابن عمر قال : فرض النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) صدقة رمضان على الحرّ والعبد والذكر والاُنثى صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير . قال : فعدل الناس به نصف 
ـــــــــــــــــ
(1) ابن الأثير ، الكامل ، ج3 ص221 .
(2) الكامل في التاريخ ، ج3 ص221 .

الصفحة 292
صاع من بر .. وعنه أيضاً أنّه قال : إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أمر بزكاة الفطرة صاع من تمر أو صاع من شعير . قال ابن عمر : فجعل الناس عدله مدّين من حنطة(1) .
وهنا أبهم الأمر مسلم على جاري عادته فلم يقل جعل معاوية بل نسب ذلك إلى الناس ، ونعثر على الرواية التالية في مسند الإمام الشافعي تجلي الإبهام : عن داود بن قيس أنّه سمع عيّاض بن عبدالله بن سعد يقول : إنّ أبا سعيد الخدري قال : كنّا نخرج في زمان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) صاعاً من طعام أو صاعاً من زبيب أو صاعاً من أقط أو صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير ، فلم نزل نخرجه كذلك حتّى قدم معاوية حاجّاً أو معتمراً فخطب الناس فكان فيما كلّم الناس به أن قال : إنّي أرى مدّين من سمراء الشام تعدل صاعاً من تمر فأخذ الناس بذلك(2) .
وفي ابن ماجة : إذا كان فينا رسول الله بدل قوله في زمن رسول الله . وفيه قول أبي سعيد : لا أزال أخرجه كما كنت أخرجه على عهد رسول ا (صلى الله عليه وآله وسلم) أبداً ما عشت(3) .
وأخرج النسائي عن ابن عمر قال : فرض رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) صدقة الفطر على الذكر والاُنثى والحر والمملوك صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير . قال : فعدل الناس إلى نصف صاع من بر(4) .
وركّز السندي في حاشيته على النسائي على قوله : فعدل . وصب اعتذاره عن معاوية بهذا القالب العلمي فقال : أي قاسوه به وظاهر الحديث أنّهم إنّما قاسوه لعدم النص منه (صلى الله عليه وآله وسلم) في البر بصاع أو نصفه وإلاّ فلو كان عندهم حديث بالصاع لما خالفوه أو بنصفه لما احتاجوا إلى القياس بل حكموا بذلك(5) . ويريد إمام السند أن يبعد الإبتداع عن إمامه ابن هند ، وبذلك يسلم أتباعه من الضلال .
ــــــــــــــــــ
(1) صحيح مسلم بشرح النووي ، ج7 ص60 .
(2) مسند الإمام الشافعي المطبوع بهامش «الاُم» ، ص125 ، ط الدار المصريّة للتأليف والترجمة مصوّرة عن بولاق 1321 .
(3) سنن ابن ماجة ، ج1 كتاب الزكاة ، ص585 .
(4) سنن النسائي ، ج5 ص47 .
(5) حاشية السندي على النسائي ، ج5 ص47 .

الصفحة 293
ويرده رواية الشافعي وفيها : كنّا نخرج صاعاً من طعام ، والطعام عند أهل الحجاز اسم للحنطة خاصة ، ويرده قول النووي أيضاً : وليس للقائلين بنصف صاع حجة إلاّ حديث معاوية(1) .
وقول معاوية على المنبر : إنّي أرى أنّ مدّين من سمراء الشام يعدل صاعاً من تمر فأخذ الناس بذلك ، وهذا تصريح من معاوية بأنّه رأي رآه في مقابل سنّة المصطفى فاتّبعه الدهماء ، وتركوا السنّة وممّن اتّبعه أبو حنيفة وأحمد بن حنبل ، ومن بقي من العامة لم يأخذ بذلك فلأنّه اعتبره قول صحابي وقد خالفه أبو سعيد وغيره ممّن هو أطول صحبة وأعلم بأحوال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وإذا اختلفت الصحابة لم يكن قول بعضهم أولى من بعض .
أقول : وهذا القول يحاولون به الإعتذار عن معاوية ، وإلاّ فليس في المسئلة قولان لصحابيين أو أقوال لأكثر من ذلك ، وإنّما هي سنّة المصطفى وبدعة معاوية ، والقوم اتّبعوا البدعة وخلّفوا السنّة ورائهم ، وليس ما ذهب إليه أبو سعيد رأي رآه أو قول ذهب إليه ، بل هو الثبات على السنّة ، ولذا قال كأنّه يتحدّاهم بذلك : لا زال أخرجه كما كنت أخرجه على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أبداً ما عشت .
وسنّة المصطفى هي القول والفعل والتقرير وهذه منه والقوم جرياً على سالف عاداتهم صوّروا المسئلة وكأنّها خلاف بين الأصحاب وليست كذلك وبعد الذي مرّ عليك وسقناه لك على سبيل المثال لا الحصر هل بقي في النفس شكّ على أنّ القوم اُمّة معاوية وليسوا لمحمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) باُمّة ؟ بخاصّة إذا عرفنا أنّه الواضع لإسمهم أهل السنّة والجماعة ، والسنّة هي لعن أميرالمؤمنين والجماعة هي اجتماع الناس عليه كما يزعم بعد صلح الإمام الحسن (عليه السلام) وقد مرّ ذلك في ما تقدّم من الكتاب .
وإذا ثبت كونهم اُمّة معاوية ، فلا غرابة فيما جنوه على أهل البيت من فجايع وفضايع ولا يستغرب حينئذ قول يزيد بعد مجيء السبايا ومعهنّ الرؤوس إليه وقوله مستشهداً بشعر ابن الزبعري :
ليت أشياخي ببدر شهدوا      جزع الخزرج من وقع الأسل
لأهلّوا واستـهلّوا فرحاً        ثمّ قـالوا يا يـزيد لا تـشل
ـــــــــــــــــــــ
(1) النووي ، على مسلم ، ج7 ص60 .

الصفحة 294
 صفات ابن هند الممدوحة وحقيقتها
بقي علينا بعد البحث في سمات حكم معاوية أن نلم بحقيقة اُخرى طالما أثارها الرواة والمؤرخون على سبيل التمدّح بابن هند معاوية وهي صفات ممدوحة رواها الرواة له ، ومنها الحلم الذي طالما تغنّى به شيعته وذكروه بكثير من الزهو والخيلاء وذكروا له نبوءات نسبت إلى اُمّه وإلى غيرها بأنّه سيسود العالم من قبيل ما روى الذهبي عن أبان بن أبي عثمان قال : كان معاوية وهو غلام يمشي مع اُمّه فعثر فقالت : قم لا رفعك الله ، وأعرابي ينظر فقال : لم تقولين له ؟ فوالله إنّي لأظنّه سيسود قومه . قالت : لا رفعه إن لم يسد إلاّ قومه(1) .
وبالطبع ليس لهذه الرواية أساس من الصحّة وآثار الصنع بادية عليها ، ولو صحّ من هذا شيء لظهر عليه قبل الإسلام أو بعده قبل أن يسلم ولما نجم قرنه في عهد عمر لا غير . والقوم بالغوا في حلم معاوية ولكنّه كما قال الأحنف حين سمع رجلاً يذكره بالحلم فيقول : ما أحلم معاوية ! فقال : لو كان حليماً ما سفه الحق ، والأحنف يعرف حقيقة الحلم لأنّه حليم ووصفه رجل عند الشعبى بالحلم فقال : ويحك ، وهل أغمد سيفه وفي قلبه على أحد شيء(2) . والشعبي أخذ قوله هذا من ابن عباس ، قال ابن حمدون : وكان معاوية مذكوراً بالحلم وأخباره فيه كثيرة وقد دفعه قومه عن ذلك ذكر عند ابن عباس بالحلم فقال : وهل أغمد سيفه وفي قلبه على أحد إحنه(3) .
وقال شريك بن عبدالله : لو كان معاوية حليماً ما سفه الحق ولا قاتل علياً(4)(5)وقال : لو كان حليماً لما حمل أبناء العبيد على حرمه ولما أنكح إلاّ الأكفاء(6) . وقال 
ــــــــــــــــــــ
(1) سير أعلام النبلاء ، الذهبي ، ج3 ص121 .
(2) أمالي المرتضى ، ج1 ص298 .
(3) التذكرة الحمدونية ، ج2 ص126 ، وراجع نثر الدر عن قول شريك ، ج5 ص139 .
(4) التذكرة الحمدونية ، ج2 ص126 ، وراجع نثر الدر عن قول شريك ، ج5 ص139 .
(5) البداية والنهاية ، ج8 ص132 ، ومختصر تاريخ دمشق ، ج25 ص38 .
(6) التذكرة الحمدونية ، ج2 ص126 ، وراجع نثر الدر ، ج5 ص139 .

الصفحة 295
الآخر : كان معاوية يتعرض ويحلم إذا سمع ومن تعرّض للسفيه فهو سفيه(1) . وقال آخر : كان يحب أن يظهر حلمه وقد كان طار اسمه بذلك فأحب أن يزداد فيه(2) .
وشهد أعرابي عند معاوية بشهادة فقال له معاوية : كذبت . فقال : الكاذب والله المتزمّل بثيابك . فقال معاوية : هذا جزاء من عجل(3) .
وهذا مصدق قول من قال : كان معاوية يتعرض الخ . ومعاوية بنفسه نفى عن نفسه الحلم بعد قتل حجر بن عدي . قالت عائشة لمعاوية حين حج ودخل إليها : يا معاوية ! قتلت حجراً وأصحابه فأين غرب حلمك عنهم ؟ أمّا إنّي سمعت رسول الله يقول : يقتل بمرج عذراء نفر يغضب لهم أهل السماوات . قال : لم يحضرني رجل رشيد يا اُمّ المؤمنين .
وروي أنّ معاوية كان يقول : ما أعدّ نفسي حليماً بعد قتلي حجراً وأصحاب حجر(4) . وإن اتّصف معاوية بصفة الحلم يوماًما فإنّه حلم عن الأقوياء والرواية التالية توضح لنا ذلك . قال عيسى بن يزيد المدني : قالت فاختة بنت قرظة امرأة معاوية : يا أميرالمؤمنين لم تصانع الناس وترى أنّهم منصفون منك ؟! فلو أخذتهم من عل كانوا الأذلّين وكنت لهم قاهراً . فقال : ويحك إنّ في العرب بقيّة بعد ، ولولا ذلك لجعلت عاليها سافلها . فقالت : والله ما بقي أحد إلاّ وأنت عليه قادر .
قال : فهل لك في أن أريك بعض ذلك منهم ؟ قالت : نعم ، فأدخلها بيتاً وأسبل عليها ستره ، ثمّ أمر حاجبه أن يدخل عليه رجلاً من أشراف من بالباب ، فأدخل عليه رجلاً من قيس يقال له الحارث ، فقال له معاوية : يا حويرث ، إيه أنت الذي طعنت بالخلافة وتنقّصت أهلها ؟ والله لقد هممت أن أجعلك نكالاً . فقال : يا معاوية إنّما دعوتني لهذا ؟ والله إنّ ساعدي لشديد ، وإنّ رمحي لمديد ، وإنّ سيفي لحديد ، وإنّ جوابي لعتيد ، ولئن لم تأخذ ما أعطيت بشكر لتُنزَعنّ عمّا نكره بصغر . فقال : أخرجوه عنّي فاُخرج . فقالت فاختة : ما أجرأ هذا وأقوى قلبه ؟! فقال معاوية : 
ـــــــــــــــــــ
(1) التذكرة الحمدونية ، ج2 ص126 ، وراجع نثر الدر ، ج5 ص139 .
(2) التذكرة الحمدونية ، ج2 ص126 ، وراجع نثر الدر ، ج5 ص139 .
(3) التذكرة الحمدونية ، ج2 ص126 ، وراجع نثر الدر ، ج5 ص139 .
(4) تاريخ اليعقوبي ، ج2 ص231 .

الصفحة 296
ما ذاك إلاّ لإدلاله بطاعة قومه له .
ثمّ أمر الحاجب فأدخل عليه رجلاً من ربيعة يقال له : جاريه ، فقال له معاوية : إيه يا جويرية أنت الذي بلغني عنك تجنيب للجند وقلّة من الشكر ؟ فقال : وعلام نشكر ؟ ما تعطي إلاّ مداراة ولا تحلم إلاّ مصانعة ، فاجهد جهدك ، فإنّ ورائي من ربيعة ركناً شديداً لم تصدع أدرعهم مذ جلوها ، ولا كلّت سيوفها مذ شحذوها . فقال : أخرجوه .
ثمّ أمر معاوية حاجبه فأدخل إليه رجلاً من أهل اليمن يقال له عبدالله ، فقال له : إيه يا عبيد السوء ، الحقتك بالأقوام واطلقت لسانك بالكلام ، ثمّ يبلغني عنك ما يبلغني من سوء الأرجاف ؟! لقد هممت أن أخرجك وأنت عبرة لأهل الشام . فقال : أيا معاوية ألهذا دعوتني ثمّ صغّرت اسمي ولم تنسبني إلى أبي ؟ وإنّما سمّيت معاوية باسم كلبه عاوت الكلاب فأربع على ظلعك فذلك خير لك . فقال لحاجبه : أخرجه . فقالت فاختة : صانع الناس بجهدك وسعهم برفقك وحلمك فأخزى الله من لامك ...(1)
وهذا النص جمع حقيقة حلم ابن آكلة الأكباد ، إنّه ليس حلماً في طبعه ، بل هو تحالم عن أولئك الذين يهابهم ويخاف قبائلهم لأنّها مطيعة لهم تحوطهم بالحماية من كلّ أحد ولو كان في سلطان معاوية ، أمّا من كان بمثابة حجر وأصحابه وعمرو بن الحمق وزوجته وإخوانه في الجهاد فلا يسعهم حلم معاوية .
وأمّا ما نسب إليه من العقل فقد أحسن الحسن البصري التعبير عنه ، حين سئل عن العاقل فقال : العاقل من اتّقى الله تعالى وتمسّك بطاعته . قال له رجل : فمعاوية ؟ قال : تلك الشيطنة ، تلك الفرعنة . ثمّ قال : ذلك شبيه بالعقل(2) .
ولم يكن قول الحسن البصري في عقل معاوية اكتشافاً جديداً ، فقد كشف ذلك قبله إمام المتقين أميرالمؤمنين (عليه السلام) فكتب إلى زياد بن أبيه : وقد عرفتُ أنّ معاوية كتب إليك يستزلّ لبّك ويستفلّ غربك فأحذره ، فإنّما هو الشيطان يأتي 
ــــــــــــــــــ
(1) البلاذري ، أنساب الأشراف ، ج5 ص115 .
(2) التذكرة الحمدونية ، ج1 ص362 .

الصفحة 297
المؤمن من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ليقتحم غفلته ويستلب غرّته ...(1)
وأحسن سفيان الثوري أيضاً حين سمع رجلاً في مجلسه يقول : كان معاوية عاقلاً ، فقال : العقل لزوم الحق وقول الصدق(2) .
وقال الإمام زين العابدين (عليه السلام) في معاوية كلمة جامعة حين بلغه قول نافع بن جبير في معاوية : كان يسكته الحلم وينطقه العلم فقال : كذب ، بل كان يسكته الحصر وينطقه البطر(3) .
وأوّل من وصف معاوية بالعقل والحلم عمر بن الخطّاب ، فقد ذكر معاوية عنده فقال : دعونا من ذمّ فتى قريش وابن سيّدها ، من يضحك في الغضب ولا ينال على الرضا ، ومن لا يأخذ ما فوق رأسه إلاّ من تحت قدميه .
وقد مرّ في أثناء الكتاب وهذه الجمل العمرية تعطي معاوية العقل والحلم والصبر والحكمة ، وتفرغ عليه هذه الصفات الفضفاضة ، ومن عجب أنّ عمر يرمي أميرالمؤمنين بالدعابة وما قصد مدحه ! بل قصد القدح بشخصيّته ، لأنّه قالها في ظرف تستعدّ الاُمّة فيه لاختيار زعيمها السياسي خلفاً لعمر ، فأراد أن يصيب الهدف وهو العزوف عن اختيار الإمام لقصور صفاته الخلقية عن صفات الزعيم الجدير بقيادة الاُمّة بحكم الدعابة التي تثلم شخصيّة البقّال فما بالك بزعيم القوم . يقول هذا عن فتى الإسلام وأخي المصطفى وباب مدينة علم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ثمّ هو يفرغ الصفات الطنّانة والنعوت الرنّانة على ابن آكلة الأكباد ويعطي أباه صفات السيادة على قريش بأجمعها لا يستثنى حتّى اُسرة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) .
ولا تعرف هذه السيادة لأبي سفيان إلاّ في خيال عمر بن الخطّاب ، بل الواقع يحكي عكس ذلك : كانت بين أبي الأزيهر وبين الوليد بن المغيرة محاكمة في مصاهرة ، كانت بين الوليد وبينه ، فجاءه هشام وأبو الأزيهر قاعد في مقعد أبي سفيان بذي المجاز فضرب عنقه فلم يدرك به أبو سفيان عقلاً ولا قوداً في بني المغيرة ، 
ـــــــــــــــــــــ
(1) في ظلال نهج البلاغة ، ج4 ص8 .
(2) التذكرة الحمدونية ، ج1 ص362 .
(3) الآبي ، نثر الدر ، ج1 ص239 .

الصفحة 298
وقال حسان بن ثابت يذكر ذلك :
غدا أهل حصني ذي المجاز بسُحرة    وحار ابن حرب لا يروح ولا يغدو
كساك هـشام ابـن الوليـد ثيابـه    فأبـل وأخلق مثـلها جـدداً بعد(1)
وأبو الأزيهر هذا هو ابن أنيس بن الحبس بن مالك بن سعد بن كعب بن الحارث الأزدي وكان أخواله من دوس فنسب إليهم ، وكان حليفاً لأبي سفيان بن حرب ، وكان يقعد هو وأبو سفيان في أيّامهما فيصلحان بين من حضر ذلك المكان الذي هما به وكانت ابنته تحت أبي سفيان ، ثمّ تزوّج ابنة له اُخرى الوليد بن المغيرة بن عبدالله بن مخزوم وأخذ ابو الأزيهر من الوليد المهر فبلغه بعد أنّه غليظ على النساء فأمسكها ولم يردّ المهر وقال بعض : إنّها اُهديت إليه . فقال الوليد لها ليلة أن دخل عليها : أنا أشرف أم أبوك ؟ فقالت له : إنّ أبي سيّد قومه وفي قومك من يساويك ويفوقك . فغضب ولطمها على خدّها فهربت فرجعت إلى أبيها فأمسكها ولم يردّها عليه وكان مقتله لأجل هذا(2)
وقالت صفية بنت عبدالمطّلب تعير أبا سفيان وبني اُميّة بذلك :
ألا أبـلغ بني عمّي رسولاً      فـفيم الـكيد فـينا والأمار
وسائل في جموع بني علي      إذا كـثر الـتناشد والفخار
بـأنّا لا نـقرّ الـضيم فينا      ونـحن  لمن توسّمنا نضار
متى  نقرع بمروتكم نسؤكم      وتـظعن مـن أماثلكم ديار
ويظعن أهل مكة وهي شكر      هم  الأخيار إن ذكر الخيار
مـجازيل العطاء إذا وهبنا      وأيـسار إذا جـبّ الـقتار
ونـحن  الغافرون إذا قدرنا      وفـينا عند غدوتنا انتصار
ولـم  نبدأ بذي رحم عقوقاً      ولـم  تـوقد لنا بالغدر نار
وإنّـا والـسوابح يوم جمع      بـأيديها وقـد سطع الغبار
لـنصطبرن لامر الله حتّى      يـبيّن  ربّـنا أيـن الفرار
ـــــــــــــــــــــ
(1) شرح ابن أبي الحديد ، ج15 ص208 .
(2) نوادر المخطوطات ، أسماء المغتالين ، ص149 .

الصفحة 299
قال المؤلف : وإنّما قالت ذلك في قتل أبي أزيهر تعيّر به أبا سفيان بن حرب(1) . فأين سيادته وما استطاع صون حليفه من سيف ابن المغيرة ؟ وهذا الفرزدق يسخر من معاوية نفساً وجدّاً ووالداً بشعره فيقول :
أنـا ابـن الجبال الشمّ في عدد الحصى      وعـرق الـثرى عرقي فمن ذا يحاسبه
أنـا ابـن الـذي أحـيا الوئيد وضامن      عـلى الـدهر إذ عـزّت لدهر مكاسبه
وكـم  مـن أب لـي يا معاوي لم يزل      أغـرّ  يـباري الـريح ما أزورّ جانبه
نـمته  فـروع الـمالكين ولـم يـكن      أبوك الذي من عبد شمس يقاربه ...(2)
ويظهر قدر أبي سفيان عند قريش في كلامهم له حين عاد بخفي حنين قبل فتح مكة لم يتمكن من تجديد الحلف أووقف الزحف على مكة فقد قالوا له : تالله ما رأينا أحمق منك ما جئتنا بحرب فنحذر ولا بسلم فنأمن(3) .
ويظهر قدره أيضاً عند هند حين أخذت بشاربه بعد عودته ينذر أهل مكة بأن يضعوا السلاح ويستسلموا(4) . وقال الواقدي : أخذت برأسه(5) لئلاّ يهين شارب أبي سفيان ، وهند هذه كانت تذكر بمكة بفجور وعهر(6) فأين السيادة في أبيه أو في اُمّه وكيف صار فتى قريش من أبوه بمكانة أبي سفيان واُمّه في عهر هند وفجورها ؟!
لم يقل عمر ذلك إلاّ لغاية في نفسه ، وهي جدّ واضحة لمن تدبّر أو ألقى السمع وهو شهيد ، وما كان طموح عمر ومن ورائه قريش بقضها وقضيضها لتحصر في تسنّم غارب الحكم ، وإلاّ فقد أوتي سؤله ونال غايته وبلغ مبتغاه ، ولكن الهدف الأكبر يومئذ تمثّل في إقصاء علي وبني هاشم عامة عن الخلافة والحكم لئلاّ تجتمع لهم النبوّة والإمامة .
وبحثوا عن شخص يقف في وجه علي وأبنائه ، يحشونه بالعداوة عليه ، كما 
ـــــــــــ
(1) مختصر تاريخ دمشق ، ج17 ص17 .
(2) النقائض ، ج2 ص609 .
(3) البلاذري ، فتوح البلدان ، ص50 .
(4) ابن هشام ، السيرة النبوية ، ح4 ص47 .
(5) مغازي الواقدي ، ج2 ص822 .
(6) شرح ابن أبي الحديد ، ج1 ص338 .

الصفحة 300
تصنع النحل يعسوبها فوقع اختيارهم على العباس وأبنائه أوّلاً وذلك بمشورة المغيرة بن شعبة ، لما يعلمونه من المنافسة الكائنة بين الأعمام ، فلم يجدوا عندهم ما ابتغوه من عداوة علي ، فحولوا اتّجاههم حينئذ إلى معاوية وهو اختيار ناجع ودواء نافع لما يتبطّنه معاوية من عداوة الإمام لأنّه موتور بأهله الذين قتلهم أميرالمؤمنين (عليه السلام) في وقعة بدر وبسيفه كان النصر عليهم ، ولأنّه من الشجرة الملعونة الذين ينزون على منبر النبي نزو القردة ، أي يأتيهم الحكم من بعده ، وكان يعلم هذا عمر بن الخطّاب كما يزعمون بأخبار كعب الأحبار له ، فقد استشاره عمر فيمن يولّيه إن نزلت به نازلة قائلاً :
إنّي أحببت أن أعهد إلى من يقوم بهذا الأمر وأظنّ وفاتي قد دنت ، فما تقول في علي ؟ أشر علي في رأيك واذكرني ما تجدونه عندكم فإنّكم تزعمون أنّ أمرنا مسطور في كتبكم . فقال : أمّا من طريق الرأي فإنّه لا يصلح ، إنّه رجل متين الدين لا يغضي على عورة ولا يحلم عن زلة ولا يعمل باجتهاد رأيه وليس هذا من سياسة الرعية في شيء ، وأمّا ما نجده في كتبنا فنجده لا يلي الأمر ولا ولده وإن وليه كان هرج شديد . قال : وكيف ذاك ؟ قال : لأنّه أراق الدماء ، فحرمه الله الملك ، إنّ داود لمّا أراد أن يبني حيطان بيت المقدس أوحى الله إليه : إنّك لا تبنيه لأنّك أرقت الدماء ، وإنّما يبنيه سليمان .
فقال عمر : أليس بحقّ أراقها ؟ قال كعب : وداود بحقّ أراقها يا أميرالمؤمنين . قال : فإلى من يفضي الأمر تجدونه عندكم ؟ قال : نجده ينتقل بعد صاحب الشريعة والإثنين من أصحابه إلى اعدائه الذين حاربهم وحاربوه وحاربهم على الدين . فاسترجع عمر مراراً وقال : أتستمع يابن عباس ! أما والله لقد سمعت من رسول الله ما يشابه هذا ، سمعته يقول : ليصعدنّ بنو اُميّة على منبري ولقد أريتهم في منامي ينزون عليه نزو القردة ، وفيهم أنزل : (وَمَا جَعَلْنَا الرّؤْيَا الّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاّ فِتْنَةً لّلنّاسِ وَالشّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ)(1) .
ولسنا بصدد الردّ على هذا الخبيث اليهودي الذي اتّهم أميرالمؤمنين بإراقة 
ــــــــــــــــ
(1) شرح ابن أبي الحديد ، ج12 ص81 .

الصفحة 301
الدم ونفى عنه الحلم وفي الأولى يتوجّه الإتّهام إلى ابن عمّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قبل توجّهه إليه ، لأنّه بأمر الله ومن أجل نصر رسالته سفك الدم ، وفي الثانية يكذب هذا اليهودي عفوه عن أهل البصرة بعد يوم الجمل .
والواقع أنّ هذه ليست نبوءة بل هي مؤامرة على إقصاء بني هاشم وإلاّ فما باله لم يشر إلى تملّك بني العباس وقد كان عبدالله حاضراً ولو كانت نبوءةً أو علماً من الكتب التي سبقت القرآن لما أغفل ذلك ، ولكنّه يشير على عمر باستعمال أعداء بني هاشم القدامي ليصير الأمر إليهم ويقع بأيديهم ، وبهذا يظهر جليّاً أنّ عمر ما أقدم على مجهول حين استخلف عثمان واستعمل معاوية على الشام ، وقد ذكر حمد الله مستوفي في كتابه (تاريخ گزيده) : أنّ عمر أدنى أبا سفيان إليه وقرّبه منه ورفع مجلسه وسمّاه سيّد قريش ولمّا أبى البيعة لهم رشوه رشوة عظيمة ما كان يتوقّعها الرجل أبداً ، وتلك هي حباء معاوية بجزء عزير رخي من أجزاء البلاد الإسلامية ألا وهو الشام(1) . وعند ذلك خمدت شرته ولانت شكيمته وراح يتملّقهم بعد أن كان يسخر منهم ويراهم أضعف بيت في قريش وأذلّه(2) .
ولم ينظر هذا المؤرخ إلى المسألة بعمق ، فما كان تأمير يزيد على الشام أوّلاً ثمّ معاوية من بعده لمجرّد كبح جماح أبي سفيان أو دفع شرّه وكفّ عاديته ولكن الهدف الأكبر من ذلك إعداد العدوّ الموكل إليه ، الوقوف في وجه علي والهاشميين ، ولم يكن أجدر بمعاوية من هذه المأثمة ولا أولى منه بهذا الشقاء واللعنة الأبديّة ، بخاصة وقد رجّح كعب الأحبار اختيارهم هذا بما أشار من أهليّة معاوية لعداوته لهم ، ومن نفرة قريش من علي لأنّه أراق الدم وليس الدفع عن الحكم والخلافة ، إرادة من الله بل هي إرادة قريش لأنّها الناقمة الوحيدة على إراقة دمائها ، وأمّا الله سبحانه فهو الآذن بإراقتها وما كان الله سبحانه ليأذن بذلك ثمّ يعاقب عليه بوجه من وجوه العقاب اباً كان .
وأعجب من كلّ هذا عمر بن الخطّاب الذي أعرض عن استشارة المهاجرين 
ــــــــــــــــ
(1) حمدالله مستوفي ، تاريخ گزيده ، ص168 .
(2) حمدالله مستوفي ، تاريخ گزيده ، ص168 .

الصفحة 302
والأنصار وفيهم بنو هاشم ، ثمّ راح يستشير كعب الأحبار وقد حشى هذا الأخير رأس عمر بالأساطير وملأه بالإسرائيليات فكان الأحرى بهذا أن يسمّى ابن سبأ لا ذاك الموهوم الذي لم يخلق بعد . والواقع أنّ كعب الأحبار هو ابن سبأ حقّاً وصدقاً لا من اختلقته مخيلة سيف بن عمر والوضّاعين من الرواة ، ولقيت كلمة كعب ابن سبأ الأحبار عن الإمام أميرالمؤمنين وعدم استتباب الأمر له في خلافته واتساقه مع بني اُميّة أذاناً صاغية تلقفتها وآمنت بها ، فهذا الدكتور حسين مؤنس المثقف العصري يقول في حاشيته على جرجي زيدان تاريخ التمدن الإسلامي :
وتزعم ذلك النفر ـ أي الثائرون على عثمان ـ علي بن أبي طالب وضاق الخناق على عثمان واشتدّ النقد عليه وثقلت عليه وطأة علي ومن معه واحتاج لمن ينصره فتصدّى لذلك أهله بنو اُميّة ، وأصبح النزاع شيئاً فشيئاً بين بني هاشم من ناحية وبني اُميّة في ناحية اُخرى . بنو هاشم ينادون بالسيرة الاُولى وبنو اُميّة يجارون التيار العام ويتألفون الناس بالجري وراء نزعاتهم ومطامعهم فكثر جمعهم وضعفت جبهة علي ومن معه لا عن قلّة إيمان به ، بل لأنّه كان ينادي بشيء شديد على الطبيعة البشريّة ويريد أن يوقف السير الطبيعي للعمران ، فأخذوا يتقاعسون عن نصرته وينفضون عنه وانتهى الأمر بانتصار معاوية لا بالمال وحده بل لأنّه كان يمثّل الإتّجاه الأسهل الأكثر اتّفاقاً مع الطبيعة البشرية(1) .
وهذا القول وإن كان من دكتور عصري ، ما هو إلاّ ترديد وشرح لما قاله كعب الأحبار لعمر عن أميرالمؤمنين (عليه السلام) . ولو أنّي ذهبت ألتمس الوجوه لكلّ ما قاله كعب وشارحه فلا أجد وجهاً صحيحاً للمقارنة بين علي ومعاوية ، وإنّ الأوّل أخفقت سياسته لأنّه يريد أن يوقف السير الطبيعي للعمران ونجح الثاني لأنّه اتّفق مع الطبيعة البشرية .
وباليقين أقطع أنّ مؤنساً الشارح هذا لا يخلوا من إحدى حالين : الاُولى أنّه يناصب عليّاً العداء كفاروقه وصنيعته ، وفي هذه الحال لا كلام لنا معه فيما وصف به الإمام ولو زاد على افترائه هذا أضعافاً ، والثانية : أنّه لم يقرء التاريخ ولا ألم بجنايات 
ـــــــــــــــــ
(1) جرجي زيدان ، تاريخ التمدن الإسلامي ، ج 2 ص21 الهامش .

الصفحة 303
معاوية وعمّاله وولاة أقاليمه ليعرف كم كان هؤلاء على طرف النقيض من الطبيعة البشرية بالقتل والنهب والعسف والظلم والتجبّر والتكبّر ، وإنّ هؤلاء عمّالاً وولاة واُمراء بمن فيهم ولي أمرهم معاوية لم يؤثر عنهم عمران في أرض ولا في سماء في سهل ولا في جبل ، في زراعة ولا في صناعة حتّى انقرضوا .
وله إن كان على قيد الحياة وإلاّ فلإخوانه تلاميذ كعب الأحبار أن يرجعوا إلى نهج البلاغة ويقيِّموا نظريات العمران العجيبة السابقة لأوانها التي أودعها سيّد المسلمين وإمام المتّقين أميرالمؤمنين (عليه السلام) في عهده لمالك الأشتر حين ولاّه على مصر بلد الدكتور مؤنس ، ثمّ لينظروا أين يكون العمران وأين يحلّ الخراب .
وبعد هذا كلّه نرجع عودنا على بدءنا إلى الصلة الجامعة بين عمر ابن الخطّاب وبين معاوية فسنراها كامنة في اجتماع قلبيهما على بغض وعداء علي وأهل بيته ، وكان عمر أبعد غوراً من معاوية ولذلك لم يترك دليلاً على هذه البغضاء إلاّ إشارات وعبارات تغني الحصيف اللبيب وتعين الباحث الأديب وتكفي للحكم عليه ...
ولا تخلو المسئلة من أيد غير مسئولة لعبت في التاريخ ، فحذفت منه ما شائت وأضافت إليه لأنّ التاريخ عند هؤلاء مقاطعة ورثها الأخلاف من الأسلاف ، لا أنّه أمانة قوميّة هي في الواقع بمنزلة الوطن وفي قداسته . وإنّ أي مساس به يؤدّي إلى تغييره أو تشويهه يعتبر خيانة عظمى عند الاُمّة ، وعلى كلّ حال فإنّ بغض عمر لعلي لا يكاد يجهل كما لا يكاد يخفى بغض معاوية له .
فمن دلائل بغضه له أنّه كان يتّهمه بالرياء في عبادته . روي عن ابن عباس قال : دخلت على عمر بن الخطّاب يوماً فقال : يابن عباس لقد أجهد هذا الرجل نفسه في العبادة حتّى نحلته رياءاً . قلت : من هو ؟ فقال : هذا ابن عمّك ـ يعني عليّاً ـ . قلت : وما يقصد بالرياء يا أميرالمؤمنين ؟ قال : يرشّح نفسه بين الناس للخلافة . قلت : وما يصنع بالترشيح ! وقد رشّحه لها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فصرفت عنه . قال : إنّه كان شابّاً حدثاً فاستصغرت العرب سنّه وقد كمل الآن ، ألم تعلم أنّ الله تعالى لم يبعث نبيّاً إلاّ بعد الأربعين ! قلت : يا أميرالمؤمنين ، أمّا أهل الحجى والنهى فإنّهم ما زالوا يعدّونه كاملاً منذو رفع الله منار الإسلام ، ولكنّهم يعدّونه محروماً مجدوداً . فقال : أمّا إنّه 

الصفحة 304
سيليها بعد هياط ومياط ، ثمّ تزلّ فيها قدمه ولا يقضي منها إربه ..(1)
أقول : إنّ تعاليم ابن اليهودية أو ابن سبأ أو كعب الأحبار وإيحاءاته تكاملت في أبي حفص بقوله : لم يبعث نبيّاً إلاّ في الأربعين ، وهذا الذي قاله عمر ، اعتقاد يهودي محض ، فإنّهم اعتبروا النبي لا يكون نبيّاً إلاّ إذا بلغ الأربعين ، ولذا صبّ الصليبيّون والمستشرقون أقصى جهودهم للتشكيك في ولادة النبي عام الفيل ، ومنهم المستشرق الخبيث لامنس مؤلف كتاب (خلافة يزيد الأول) وهو من خمسمائة صفحة يقول بروكلمان في كتابه تاريخ الشعوب الإسلامية قال : لسنا نعلم علم اليقين السنة التي ولد فيه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمشهور أنّ ولادته كانت حوالي سنة 570 ، ولكن الذي لا شكّ فيه أنّها متأخرة بعض الشيء .
اُنظر لامنس وهذا الأخير قد حاول أن يؤخر ذلك عشر سنوات حتّى ينقض القول الشرعي الذي يقول : إنّ النبي بعث على رأس الأربعين من عمره ويخرج إلى القول : إنّه مادام الأنبياء يبعثون على رأس الأربعين ومحمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) قد صدع بالدعوة على رأس الثلاثين ، فحمّد ليس نبياً(2) .
ولامنس هذا انطلق من منظور يهودي فحاول تطبيق الإسرائيلية التي لا تبيح للأحبار المجتهدين الجلوس للتفسير والإفتاء في مسائل الفقه الكبرى حتّى يبلغوا الخمسين من العمر . وعمر ابن الخطّاب تلقى قوله هذا من مستشاره الحبر اليهودي كعب الأحبار ، وكأنّه لم يسمع قوله تعالى عن المسيح ابن مريم وعن يحيى بن زكريا : ( وآتيناه الحكم صبيا ) ، فهل هي غفلة من الرجل أو تقديم لقول الأستاذ على قول الله ؟!!
ومن دلائل بغضه الإمام أميرالمؤمنين (عليه السلام) ما كان يقوله لابن عباس عنه (عليه السلام) : إنّ صاحبكم إن ولي هذا الأمر أخشى عجبه بنفسه أن يذهب به فليتني أراكم بعدي ! قال ابن عباس : قلت : إنّ صاحبنا ما قد علمت ، إنّه ما غيّر ولا بدّل ولا أسخط رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أيّام صحبته له . قال : فقطع عليّ الكلام فقال : ولا في ابنة أبي جهل ، 
ـــــــــــــــــ
(1) شرح ابن أبي الحديد ، ج12 ص80 .
(2) بروكلمان ، تاريخ الشعوب الإسلامية ، ص31 إلى آخره .

الصفحة 305
لمّا أراد أن يخطبها على فاطمة ! قلت : قال الله تعالى : ( ولم تجد له عزما )وصاحبنا لم يعزم على سخط رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولكن الخواطر التي لا يقدر أحد على دفعها عن نفسه وربّما كان من الفقيه في دين الله العالم العامل بأمر الله ...(1)
فأنت ترى أنّ عمر مدفوعاً بلا عج داخلي ومرارة نفسية يلتمس لعلي (عليه السلام)العثرات ويرميه بالفواغر ، أمّا رميه بالعجب وهي صفة مذمومة شرعاً وخلقاً ، فإنّ واقع الإمام (عليه السلام) بعد نيل الخلافة يكذبه ، ولو كان ما زعمه عمر حاصلاً في الإمام لكان ظهور ذلك منه وهو خليفة الناس وقائدهم وإمامهم أولى وأجلى ... وهذا صاحب الإمام ضرار بن ضمرة يصفه فيقول : كان فينا كأحدنا ، يجيبنا إذا دعوناه ويعطينا إذا سألناه ونحن لا نكلّمه لهيبته ولا نرفع أعيننا لعظمته .
وأمّا خطبة ابنة أبي جهل فهي فرية ظالمة أراد القوم بها تخفيف الوزر عنهم ودفع الأمر عن كواهلهم فيما جنوا بحقّ الصدّيقة الطاهرة التي قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيها : من آذاها فقد آذاني ، وهم آذوها حتّى ماتت غاضبة عليهم ودفنت سرّاً عنهم ولم تأذن لهم بحضور جنازتها ، فأرادوا صرف ذلك إلى علي (عليه السلام) تخفيفاً من ثقل الذنب الذي أوقر ظهورهم بالحمل الثقيل ولو كان شيء ممّا ادّعاه عمر فلم يكن له ذلك الصدى القوي ، وها هو الإمام يمتثل أمر النبي ويعرض عن ابنة عدوّ الله ، ولو أنّه تزوّجها لما كان فاعلاً حراماً بل ولا مرتكباً مكروهاً ...
وحاشاه أن يسيء إلى سيّدة نساء العالمين وحاشا النبي أن يغضب من إجراء حكم الله في الزواج من النساء مثنى وثلاث ورباع . وحكاية الجارية التي أخذها الإمام من الخمس توضح لنا أنّ النبي ما كان ليغضب من فعل عمل أباحه الله سبحانه . عن بريدة بن الخصيب قال : أبغضت عليّاً بغضاً لم أبغضه أحداً قط . قال : وأحببت رجلاً من قريش لم أحبّه إلاّ على بغضه عليّاً (رضي الله عنه) ـ الرجل هو خالد بن الوليد  ـ قال : فبعث ذلك الرجل على جيش فصحبته ما صحبته إلاّ ببغضه عليّاً (رضي الله عنه) . قال : فأصبنا سبايا فكتب إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ابعث إلينا من يخمسه . قال : فبعث عليّاً (رضي الله عنه) وفي السبي وصيفة هي أفضل السبي . قال : فخمس وقسم فخرج ورأسه 
ـــــــــــــ
(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ، ج12 ص50 .
الصفحة 306
يقطر ، فقلنا : يا أباالحسن ما هذا ؟! قال : ألم تروا إلى الوصيفة في الخمس ثمّ صارت في أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ثمّ صارت في آل علي فوقعت بها . قال : فكتب الرجل إلى نبي الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقلت : ابعثني مصدقاً ، فجئت أقرء الكتاب واقول : صدق ، قال : فأمسك يدي والكتاب وقال : أتبغض علياً ؟ قال : قلت : نعم . قال : فلا تبغضه وإن كنت تحبّه فازدد له حبّاً فوالذي نفس محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) بيده لنصيب آل علي في الخمس أفضل من وصيفة . قال : فما كان أحد من الناس بعد قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أحبّ إليّ من علي . قال عبدالله يعني ابن بريدة : فوالذي لا إله غيره ما بيني وبين النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في هذا الحديث إلاّ أبو بريدة .
قلت : القول للهيثمي في الصحيح بعضه رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير عبدالجليل بن عطية وهو ثقة وقد صرّح بالسماع وفيه لين(1) .
وفي طريق آخر يقول بريدة : فجئت لأخبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالوا : فأخبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فإنّه يسقط من عين النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يسمع الكلام فخرج مغضباً فقال : ما بال أقوام ينتقصون عليّاً ، من تنقّص عليّاً فقد تنقّصني ومن فارق عليّاً فقد فارقني ، إنّ عليّاً منّي وأنا منه ، خلق من طينتي وخلقت من طينة إبراهيم وأنا أفضل من إبراهيم ذريّة بعضها من بعض والله سميع عليم . يا بريدة أما علمت أنّ لعلي أكثر من الجارية التي أُخذت وإنّه وليّكم بعدي . فقلت : يا رسول الله بالصحبة ألا بسطت يدك فبايعتني على الإسلام جديدا ؟ قال : فما فارقته حتّى بايعته على الإسلام(2) .
وللحديث طرق اُخرى وفيها إضافات مفيدة أخرجها الهيثمي في مجمع الزوائد . فماذا يقول عمر وقد تنقّص الإمام بالرياء والعجب وأمثالهما ، وأخيراً نقول لمبغض علي (عليه السلام) : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي (عليه السلام) : من أحبّه فقد أحبّني ومن أحبّني فقد أحبّه الله ، ومن أبغضه فقد أبغضني ومن أبغضني فقد أبغضه الله عزّوجلّ(3) والحمد لله ربّ العالمين ، وما أكثر الأحاديث الصحاح والحسان حول هذا المعنى .
ــــــــــــــــ
(1) الهيثمي ، مجمع الزوائد ، ج9 ص127 .
(2) مجمع الزوائد ، ج9 ص128 .
(3) مجمع الزوائد ، ج9 ص131 .

الصفحة 307
وأمّا معاوية فلا اعتقد في العقلاء من يشكّ ببغضه أميرالمؤمنين (عليه السلام) ، وقد حاول شيعته وأوليائه دفع ذلك عنه برواية أحاديث موضوعة تنافي الضرورات التاريخية من قبيل ما رواه ابن كثير عن مغيرة قال : لمّا جاء خبر قتل علي إلى معاوية جعل يبكي فقالت له امرأته : أتبكيه وقد قاتلته ؟! فقال : ويحك إنّك لا تدرين ما فقد الناس من الفضل والفقه والعلم ...(1)
وواقع معاوية وما جناه بحقّ الإمام واتّخاذ لعنه شعاراً لدولته ، وسمه الإمام الحسن وعدائه الصريح لأهل البيت ينافي هذا الإدّعاء المردود . يقول ابن أبي الحديد : كان معاوية على أسّ الدهر مبغضاً لعلي (عليه السلام) شديد الإنحراف عنه ، وكيف لا يبغضه وقد قتل أخاه حنظلة يوم بدر ، وخاله الوليد بن عتبة ، وشرك عمّه في حدّه وهو عتبة أو في عمّه وهو شيبة على اختلاف الرواية ، وقتل من بني عبد شمس نفراً كثيراً من أعيانهم وأماثلهم ، ثمّ جائت الطامّة الكبرى واقعة عثمان فنسبها كلّها إليه بشبهة إمساكه عنه وانضواء كثير من قتلته إليه (عليه السلام) ، فتأكّدت البغضة وثارت الأحقاد ، وتذكّرت تلك الترات الاُولى حتّى أفضى الأمر إلى ما أفضى إليه(2) .
أجل ، من أجل هذا اختاره عمر ليقف في وجهه ويحول بينه وبين الخلافة بحكم على أهل الإسلام أربعة عقود من الزمن قضاها أميراً على الشام وخليفة على الإسلام عمل فيهم ما اقتضته طبائعه الجافية وتنشأته الجاهلية ، وعلى يديه توقّفت نهضة الاُمّه المتفاعلة مع حركتها الثورية ، وكادت تخمد فيها الجذوة المقدسة التي اقتبستها من آخر الرسالات وختام النبوات ، واشتغلت الاُمّة بمئاسيها عمّا أعدّت له من إصلاح الدنيا وأهلها ، وكان حكمه المفروض على الاُمّة بسماته التي قدّمناها يتضمّن سياسته تجاه الرعيّة ، وهي التجويع والترويع والتحقير والتكفير .
انحاز إليه جملة من شذّاذ الآفاق أمثال كعب الأحبار وأبي مسلم الخولاني وعبيد الدنيا أمثال أبي هريرة وسمرة بن جندب والنعمان بن بشير الأنصاري ومعاوية بن خديج وأعداء الإسلام القدامى من اُمويين وجاهلين ، فأغدق عليهم 
ـــــــــــــ
(1) ابن كثير ، البداية والنهاية ، ج8 ص133 .
(2) شرح ابن أبي الحديد ، ج1 ص338 .

الصفحة 308
هباته وعطاياه فأعزّهم واعترّ بهم ومن اعترّ بغير الله ذلّ ، وترك الاُمّة بجميع فئاتها تعوم في البؤس والحرمان ، فمن لم يرجه وأمن جانبه منهم تركه للتجويع والترويع وأعني به الإرهاب والخوف . ومن خافه فقد سلّط عليه سيفين قاطعين يقيمانه له وهما التحقير والتكفير .
فطالما أفتى مفتوه بإباحة دم وحرمة دم آخر وعلى أساس من هذا حارب أميرالمؤمنين (عليه السلام) حربه الضروس المعروفة بصفين ، وعلى أساس من هذا المنطلق الخبيث راح وزمرته يلعنون الإمام وأهل بيته وأصحابه لعنهم الله ، ولم يكد يشعر بدنوّ أجله وقرب الحمام منه حتّى وصل الشرّ بالشر والضلال بمثله ، فعقدها لابنه يزيد في ظروف اصطنع أجوائها هو وأعوانه وأنفق في هذا السبيل خزانة دولته وأوقف له عرضه ، فكان يهب المال لعشاقه ويلوّح بواحدة من بناته أو قريباته للفجّار .
ومن عرف منه عدم الطاعة فقد سارع إلى اغتياله ، وهكذا دواليك حتّى أطاعه القاصي والداني وتمّت البيعة المشئومة لابنه يزيد ، فمن هو يزيد هذا ؟؟!
 يزيد بن معاوية حقيقته وحكمه
ما استطاعت قصور الشام وقلاعها أن تخفي يزيد بن معاوية عن عيون الاُمّة ، وما حال بعد المسافة بين الشام وبين حواضر الإسلام عن أن تمثّل حقيقة يزيد اللاهيّة اللاعبة العابثة الداعرة لأعين الاُمّة المتطلّعة إلى خلف معاوية وإلى إمامها الجديد الذي تسند إليه إمامة الاُمّة ويقوم بأدوار من تقدّمه من الخلفاء الماضين ...
وكان يزيد قبل ولاية العهد وبعدها معروفاً طبعه مشهورة جبلته وضاحة سريرته معلومة سيرته ، ومن العجيب أن يشتهر يزيد بالشرّ والفساد مع أنّ أباه أراد إخفاء حقيقته على الناس بالدعاوة المضللة وإقامة الحواجز بينه وبين السواد الأعظم ظنّاً منه أنّ ذلك يبعده ولو إلى حين عن موارد التهم وأجواء الفساد ، ولكن سيرته تعدّت الحدّ حتّى لا يكاد يمكن سترها .
وهنا ينبغي أن نشكر الله على أن تكون شهادة الحسين (عليه السلام) على يد مثله ، ولو كان يزيد لعنه الله على شيء من الأدب أو التظاهر بالدين لرأيت رأي شيعته في 

الصفحة 309
الإمام الحسين وشهادته اليوم على خلاف ما هو عليه ، ولله في خلقه شئون ، فهلمّ معي نتعرّف على هذه الصيغة الخبيثة التي تنكر لها كلّ مسلم ، حتّى أبوه نفسه ولنبدأ بكتابه إليه . يقول القلقشندي : ومن ذلك ما كتب به معاوية بن أبي سفيان في خلافته إلى ابنه يزيد وقد بلغه مقارفته اللذات وانهماكه على الشهوات وهو :
من معاوية بن أبي سفيان أميرالمؤمنين إلى يزيد بن معاوية : أمّا بعد ، فقد أدّت ألسِنةُ التصريح إلى إذن العناية بك ، ما فجع الأمل فيك وباعد الرجاء منك إذ مَلأت العيون بهجةً ، والقلوب هيبة ، وترامت إليك آمال الراغبين ، وهمم المتنافسين ، وشحّت بك فتيان قريش ، وكهول أهلك فما يسوغ لهم ذكرك إلاّ على الجرّة المهوّعة والكظة الجشئة ، اقتحمت البوائق ، وأنقدت للمعاير ، واعتضتها من سموّ الفضل ورفيع القدر ، فليتك يزيد إذ كنت لم تكن ، سررت يافعاً ناشئاً وأثكلت كهلاً ضالعاً ، فواحزناه عليك يا يزيد ويا حرّ صدر المثكل بك ، ما أشمت فتيان بني هاشم ! وأذلّ فتيان بنى عبد شمس عند تفاوض المفاخر ودراسة المناقب ، فمن لصلاح ما أفسدت ورتق ما فتقت ؟
هيهات خمشت الدربة وجه التصبّر بك ، وأبت الجناية إلاّ تحدّراً على الألسن وحلاوة على المناطق ! ما أربح فائدة نالوها وفرصةً انتهزوها ، انتبه يزيد للفظه ، وشاور الفكرة ولا تكن إلى سمعك أسرع من معناها إلى عقلك ، واعلم أنّ الذي وطأك وسوسة الشيطان وزخرفة السلطان ممّا حسّن عندك قبحه واحلولى عندك مرُّه أمر شركه فيك السواد ونافسكه الأعبد لا لأثرة تدّعيها أو جبتها لك الأمرة وأضعت بها قدرك فأمكنت بها من نفسك فكأنّك شانىء نفسك فمن لهذا كلّه ؟ اعلم يا يزيد أنّك طريد الموت وأسير الحياة ، بلغني أنّك اتّخذت المصانع والمجالس للملاهي والمزامير كما قال تعالى : (أَتَبْنُونَ بِكُلّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلّكُمْ تَخْلُدُونَ)(1) ،وأجهرت الفاحشة حتى اتّخذت سريرتها عندك جهراً .
اعلم يا يزيد أنّ أوّل ما سلبكه السكر معرفة مواطن الشكر لله على نعمه المتظاهرة وآلائه المتواترة وهي الجرحة العظمى والفجعة الكبرى ترك الصلوات 
ــــــــــــــ
(1) سورة الشعراء الآيات 128 ـ 129 .

الصفحة 310
المفروضات في أوقاتها وهنّ من أعظم ما يحدث من آفاتها ، ثمّ استحسان العيوب وركوب الذنوب وإظهار العورة وإباحة السرّ ، فلا تأمن نفسك على سرّك ولا تعقد على فعلك ، فما خير لذّة تعقب الندم وتعفي الكرم ! وقد توقف أميرالمؤمنين بين شطرين من أمرك لما يتوقعه من غلبة الآفة واستهلاك الشهوة ، فكن الحاكم على نفسك واجعل المحكوم عليه ذهنك ترشد إن شاء الله تعالى ، وليبلغ أميرالمؤمنين ما يردُّ شارداً من نومه فقد أصبح نصب الإعتزال من كلّ مؤانس ودرأة الألسن الشامتة ، وفّقك الله فأحسن(1) .
وقد استجاب الله دعاءه فيه فوفقه في أول سنة من حكمه لقتل أهل البيت (عليهم السلام) ، وفي السنة الثانية لوقعة الحرة ، وفي الثالثة لهدم الكعبة ، فما ترك الكتاب شيئاً من حقيقة يزيد وهو شاهد عيان فقد وقف على أفعاله بنفسه ورآها عن كثب والذي يؤخذ عليه إنّ ما قاله هو بطريق النصح ولا علاج لمثل هذه الحالات إلاّ بالثورة التي تهدم جهازه وتعفي عليه . ولقد صدق الأحنف بن قيس بما أجاب به معاوية وذلك لمّا أجمع على البيعة ليزيد جمع الخطباء فتكلّموا والأحنف ساكت فقال : يا أبا بحر ما منعك من الكلام ؟ فقال :
أنت أعلمنا بليله ونهاره وسرّه وعلانتيته فإن كنت تعلم أنّها شرّ له فلا تولّه الدنيا وأنت تذهب إلى الآخرة ، فإنّما لك ما طاب وعلينا أن نقول سمعنا وأطعنا ...(2)
وذكر ابن قتيبة ذلك بتفصيل أدق ، قال : ثمّ قام الأحنف بن قيس فقال : يا أميرالمؤمنين أنت أعلمنا بليله ونهاره وسرّه وعلانيته ، فإن كنت تعلم أنّه خير لك فولّه واستخلفه وإن كنت تعلم أنّه شرّ لك فلا تزوده الدنيا وأنت صائر إلى الآخرة ، فإنّه ليس لك من الآخرة إلاّ ما طاب ، واعلم أنّه لا حجّة لك عند الله إن قدمت يزيد على الحسن والحسين وأنت تعلم من هما وإلى ما هما وإنّما علينا أن نقول : سمعنا وأطعنا غفرانك ربّنا وإليك المصير(3) .
ــــــــــــــــــ
(1) صبح الأعشى ، ج6 ص373 .
(2) التذكرة الحمدونية ، ج3 ص190 .
(3) ابن قتيبة ، الإمامة والسياسة ، ج1 ص148 ، أمالي المرتضى ج ص275 .

الصفحة 311
وقول الأحنف يلزم معاوية الحجة حيث أنّه يعرف من هو يزيد ، ثمّ يرمي به الاُمّه ويحمله عليها ، ولقد قال معاوية فيه قولة اُخرى كشف به عن ذاته أكثر وأكثر فقد قال له ذات يوم عندما علم عتبه عليه فقال معاوية : يا يزيد ما الذي أضعنا من أمرك وتركنا من الحيطة عليك وحسن النظر لك حيث قلت ما قلت !؟ وقد تعرف رحمتي بك ونظري في الأشياء التي تصلحك قبل أن تخطر على وهمك فكنت أظنّك على تلك النعماء شاكراً ، فأصبحت بها كافراً ، إذ فرط من قولك ما ألزمتني فيه إضاعتي إيّاك وأوجبت عليّ منه التقصير لم يزجرك عن ذلك تخوّف سخطي ولم يحجزك دون ذكره سالف نعمتي ولم يردعك عنه حقّ أبوّتي ، أيّ ولد أعقّ منك وأكيد وقد علمت أنّي تخطّأت الناس كلّهم في تقديمك ونزلتهم لتوليتي إيّاك ونصبتك إماماًعلى أصحاب رسول الله وفيهم من عرفت وحاولت منهم ما علمت !! ...(1)
وفي هذه الكلمات المعبّرة دلالة على ما يتصف به يزيد من مستوىً أخلاقي هابط ... لا يرعى حرمةً حتّى لولي نعمته ومن أغضب الله من أجله وباع دينه لدنياه ، وهذا ما توسمته فيه زوجة أبيه فاختة لما تعرفه من أخلاق يزيد ، وقد كان بلغها ما قال المغيرة وما أشار به عليه من البيعة ليزيد ، فقالت فاختة : ما أشار به عليك المغيرة ؟ أراد أن يجعل لك عدوّاً من نفسك يتمنّى هلاكك كلّ يوم ، فشقّ ذلك على معاوية ثمّ بدا له أن يأخذ بما أشار عليه المغيرة بن شعبة(2) .
حتّى يزيد نفسه كان يعرف من نفسه الفساد والأخلاق الساقطة ، فقد كان يعجب من الذين يقرظونه فما يدري من المخدوع منهما المادح أم الممدوح ؟ ولمّا أمضى معاوية بيعة يزيد جعل الناس يقرظونه فقال يزيد لأبيه : ما ندري أنخدع الناس أم يخدعوننا ؟ فقال معاوية : يا بني من خدعته فتخادع لك فقد خدعته(3) .
ورواية الآبي كالتالي : يروى أنّ يزيد بن معاوية قال لمعاوية في اليوم الذي بويع له بالعهد فجلس الناس يمدحونه ويقرظونه : يا أميرالمؤمنين والله ما ندري 
ـــــــــــــــــ
(1) الإمامة والسياسة ، ج1 ص167 .
(2) الإمامة والسياسة ، ج1 ص142 .
(3) أمالي المرتضى ، ج1 ص286 .

الصفحة 312
أتخدع الناس أم يخدعوننا ؟! فقال له معاوية : كلّ من أردت خديعته فتخادع لكحتّى تبلغ حاجتك فقد خدعته(1) .
وما كان معاوية يجهل حقيقة يزيد وهو يراه عاكفاً على الشهوات بعيداً عن هموم الدولة وقيادة الاُمّة ، ولا يتجاوز بججمه ما وصفه به الإمام (عليه السلام) من كونه صبياً يشرب الشراب ويلعب بالكلاب(2) وإن كان في سنّ الكهولة كما قال عنه أبوه في كتابه إليه : سررت يافعاً ناشئاً وأثكلت كهلاً ضايعاً ، إلاّ أنّ معاوية يصفه أحياناً بأضداد أخلاقه نفاقاً ومكابرة ، من ذلك ما روي أنّ سعيد بن عثمان دخل على معاوية وابنه يزيد إلى جانبه فقال له : إأتمنك أبي واصطنعك حتّى بلغت باصطناعه إيّاك المدى الذي لا يجارى والغاية التي لا تسامى فما جازيت أبي بآلائه حتّى قدّمت هذا عليّ وجعلت له الأمر دوني ، وأومأ إلى يزيد ، والله لأبي خير من أبيه واُمّي خير من اُمّه ولأنا خير منه !
فقال له معاوية : أمّا ما ذكرت يابن أخي من تواتر آلائكم علي وتظاهر نعمائكم لدي فقد كان ذلك ووجب عليّ المكافأة والمجازاة وكان من شكري إيّاه أن طلبت بدمه حتّى كابدت أهوال البلاء وغشيت عساكر المنايا إلى أن شفيت حزازات الصدور وتجلّت تلك الأمور ولست لنفسي باللائم في التشمير ولا الزاري عليها في التقصير ، وذكرت أنّ أباك خير من أب هذا ، وأشار بيده إلى يزيد ، فصدقت لعمر الله لعثمان خير من معاوية أكرم كريماً وأفضل قديماً وأقرب إلى محمّد رحماً ، وذكرت أنّ اُمّك خير من اُمّه ، فلعمري إنّ امرأة من قريش خير من امرأة من بني كلب ، وذكرت أنّك خير من يزيد ، فوالله يابن أخي ما يسرّني أنّ الغوطة عليها رجال مثل يزيد ...(3)
وفي الكامل : وأمّا فضلك عليه فوالله ما أحبّ أنّ الغوطة ملئت رجالاً مثلك(4) . وقال في الهامش على الكامل(5) : وفي الطبري : ما أحبّ أنّ الغوطة 
ـــــــــــــــ
(1) نثر الدر ، ج3 ص27 .
(2) الإمامة والسياسة ، ج1 ص157 .
(3) صبح الأعشى ، ج1 ص303 .
(4) الكامل في التاريخ ، ج3 ص253 .
(5) الكامل في التاريخ ، ج3 ص253 .

الصفحة 313
دحست ليزيد رجالاً مثلك ... ودحست ملئت يعني أنّ الفوطة لو ملئت رجالاً مثل سعيد بن عثمان كان يزيد خيراً وأحب إليّ منهم . وفي بداية ابن كثير نحو من ذلك(1) .
وكأن معاوية نسي ما قال عن يزيد وما كتبه إليه ، أو أنّه عمل بالمثل القائل : القرد في عين اُمّه غزال ، من هنا لم ير لغير يزيد أهلية لقيادة الاُمّة . يقول ذكوان مولى عائشة : لمّا أجمع أن يبايع لابنه يزيد حج فقدم مكة في نحو من ألف رجل ، فلمّا دنى من المدينة صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثمّ ذكر ابنه يزيد فقال : من أحقّ بهذا الأمر منه ... ثمّ ارتحل فقدم مكة ...(2) يقول هذا عن يزيد مع وجود الإمامين الحسنين (عليهما السلام) في المسلمين .
ولا يزال الباحث وهو يجوس خلال هذه النفوس الغريبة يقع على مواقف وأقوال منهم تدينهم وتكون حجة عليهم ، فهذا معاوية يعلن عن مبدا لنا أن نسمّيه (حقّ الإستخلاف) فيزعم أنّه لبني عبد مناف . قال : وإنّما كان هذا الأمر لبني عبد مناف ، لأنّهم أهل رسول الله ...(3)
انظر التعليل جيّداً ، وهذا عين ما ذهبت إليه قريش لمّا بايعوا الأوّل وهو مبدأ عمري ، كان عمر يقول : من ينازعنا سلطان محمّد ونحن أهله وعشيرته ، ونصّ عبارته في ابن أبي الحديد هكذا : من ذا يخاصمنا في سلطان محمّد وميراثه ونحن أوليائه وعشيرته ، إلا مُدل بباطل أو متجانف لإثم(4) .
وهذه حجة لهم على الأنصار ومن عداهم وهي عليهم أيضاً ، وذلك أنّ استحقاق الخلافة إذا كان بقرب النسب من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فمن يا ترى أدنى نسباً منه : أهله أم عشيرته ؟؟! وعلى هذا الأساس احتج عليهم أميرالمؤمنين (عليه السلام) فقال : فماذا قالت قريش ؟ قالوا : احتجت بأنّها شجرة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) . فقال (عليه السلام) : احتجوا بالشجرة 
ـــــــــــــــــــــ
(1) البداية والنهاية ، ج8 ص82 .
(2) تاريخ خليفة ابن خياط ، ج1 ص199 .
(3) الإمامة والسياسة ، ج1 ص150 .
(4) شرح ابن أبي الحديد ، ج6 ص9 .

الصفحة 314
وأضاعوا الثمرة(1) .
وهي حجة ملزمة لقريش بما ألزموا به غيرهم وقال لهم أميرالمؤمنين لمّا اعتقلوه إلى المسجد : يا معشر المهاجرين الله الله لا تخرجوا سلطان محمّد عن داره وبيته إلى بيوتكم ودوركم ولا تدفعوا أهله عن مقامه في الناس وحقّه ، فوالله يا معشر المهاجرين لنحن ـ أهل البيت ـ أحقّ بهذا الأمر منكم ، ما كان منّا القارىء لكتاب الله الفقيه في دين الله العالم بالسنّة المضطلع بأمر الرعية ! والله إنّه لفينا فلا تتّبعوا الهوى فتزدادوا من الحقّ بعداً ...(2)
ولا تعرف كلمة أكثر دلالة على النص من قوله (عليه السلام) : إنّه لفينا حيث أكّده بأنّ واللام والجملة الإسميّة ، ولكن الشارح ينكر ذلك . ويقول سلام الله عليه واصفاً معاوية ومن تقدّمه : زرعوا الفجور وسقوه الغرور وحصدوا الثبور ، لا يقاس بآل محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) من هذه الاُمّة أحد ، ولا يسوّى بهم من جرت نعمتهم عليه أبداً ، هم أساس الدين وعماد اليقين ، إليهم يفيء الغالي وبهم يلحق التالي ولهم خصائص حقّ الولاية وفيهم الوصيّة والوراثة ، الآن إذ رجع الحقّ إلى أهله ونقل إلى منتقله ...(3)
أقول : ما الذي حال بين ابن أبي الحديد وبين الرجوع إلى هذا الكلام ليعلم أنّه صريح في النص وما معنى الوصية إن لم تكن هي النص ؟ فكيف يقول قبل هذا الكلام : قلت : هذا الحديث يدلّ على بطلان ما يدّعى من النص على أميرالمؤمنين وغيره لأنّه لو كان هناك نصّ صريح لاحتجّ به ولم يجر للنص ذكر(4) .
ولو ألقى ابن أبي الحديد على هذه الفقرة من كلام الإمام (عليه السلام) نظرةً لرآها تنطق بالنص بصورة جليّة ، ولكنّه انساق وراء المذهب ولذلك قال بعد تمام الكلام : وهذا هو نص مذهب المعتزلة . وعلى كلّ حال ، فإنّ قول معاوية : إنّما كان هذا الأمر لبني عبد مناف لأنّهم أهل رسول الله سند إدانة لهم وحجة عليهم ، ولو كان معاوية يجنح مع الدليل في كلّ ما يأخذ ويدع لعرف أنّ الحسنين (عليهما السلام) أحقّ من كلّ أحد بالإمامة ، 
ـــــــــــــ
(1) شرح ابن أبي الحديد ، ج6 ص3 .
(2) شرح ابن أبي الحديد ، ج6 ص12 .
(3) شرح ابن أبي الحديد ، ج6 ص138 .
(4) شرح ابن أبي الحديد ، ج6 ص12 .

الصفحة 315
أمّا على مذهب الشيعة فبيّن ، وأمّا على مذهب قريش فبما ألزمت به غيرها من القرب النسبي به (صلى الله عليه وآله وسلم) ، إلاّ أنّ معاوية يخادع الاُمّة بأمثال هذا الكلام ممّا لا يقرّه ولا يعترف به .
أضف إلى ذلك أنّ ادّعائه هذا يبطل إمامة صاحبيه لأنّهما ليسا من بني عبد مناف ، والواقع أنّ معاوية اتّبع هواه وانقاد له وجانب البصيرة ، وتخلّى عن الحكمة وقد عرف المأزق الذي وقع فيه من اختياره يزيد لولاية العهد مع وجود الحسين (عليه السلام) . عن الشعبي قال : لمّا أصاب معاوية اللقوة بكى ، فقال له مروان : ما يبكيك ؟ قال : راجعت ما كنت عنه عزوفاً ، كبرت سنّي ورقّ عظمي وكثر دمعي ورميت في أحسني وما يبدو منّي ولولا هواي في يزيد لاأبصرت قصدي(1) .
وروى ذلك بن كثير بوجه آخر قال : وقد أصابته لوقة (كذا) في آخر عمره فكان يستر وجهه ويقول : رحم الله عبداً دعا لي بالعافية فقد رميت في أحسني وما يبدو منّي ، ولولا هواي في يزيد لأبصرت رشدي(2) .
وحتّى الذين بايعوا يزيد ورضوا به وانقادوا لمعاوية ما كانوا ليعتقدون فيهما عقيدة صالحة وإنّما انقادوا بالرُشى أو بالطمع المرتقب ... يذكر لنا التاريخ هذه الحقيقة الناصعة حول ذلك . لمّا نصب معاوية ابنه يزيد لولاية العهد ، أقعده في قبّة حمراء وجعل الناس يسلّمون على معاوية ثمّ يميلون إلى يزيد ، حتّى جاء رجل ففعل ذلك ثمّ رجع إلى معاوية فقال : يا أميرالمؤمنين ، اعلم أنّك لو لم تولِّ هذا أمور المسلمين لأضعتها ، والأحنف جالس ، فقال معاوية : ما بالك لا تقول يا أبا بحر ؟! فقال : أخاف الله إن كذبت وأخافكم إن صدقت . فقال : جزاك الله عن الطاعة خيراً ، وأمر له باُلوف ، فلمّا خرج الأحنف لقيه الرجل بالباب فقال : يا أبا بحر ، إنّي لأعلم أنّ شرّ ما خلق الله تعالى هذا وابنه ولكنّهم قد استوثقوا من هذه الأموال بالأبواب والأقفال ، فلسنا نطمع في استخراجها إلاّ بما سمعت . قال له الأحنف : يا هذا أمسك 
ـــــــــــــ
(1) سير أعلام النبلاء ، ج3 ص155 ، والبداية والنهاية ، ج8 ص121 ، وأنساب الأسراف ، ج4 ص28 ، وعيون الأخبار ، ج3 ص46 ، وابن عساكر ، ج16 ص357 .
(2) نفسه ، ج8 ص121 .

الصفحة 316
فإنّ ذا الوجهين لا يكون عند الله وجيهاً(1) .
ومشى على هذا غيره ممّن تملّقوا معاوية بالخطب الرنانة وهم يضمرون تكذيب أنفسهم شأن المنافق الطامع . عن العتبي قال : أقام معاوية ـ رحمه الله ـ !!!! الخطباء لبيعة يزيد ، فقامت المعدّيّة فشقّقوا الكلام ثمّ قام رجل من حمير فقال : لسنا إلى رعاء هذه الجمال ، عليهم تشقيق المقال وعلينا صدق الصيال ، أما والله إنّا لصبر تحت البوارق مرافيل في ظل الخوانق لا نسأم الضراس ولا نشمئز من المراس ، وإنّ واحدنا لألف ، وألفنا كهف ، فمن أبدى لنا صفحته حططنا عداوته ثمّ قام رجل من ذي الكلاع فأشار إلى معاوية فقال :
هذا أميرالمؤمنين فإن مات فهذا وأشار إلى يزيد ، فمن أبى فهذا وأشار إلى السيف(2) ، وهناك إشارة رابعة أغفلها هذا الخبيث وهي التي أنطقته أعني الأكياس والأطواق والألوف المؤلفة ، ثمّ قال :
معاوية الخلـيفة لا تمـارى    فإن تهلك فسائسنـا يـزيد
فمن غلب الشقاء عليه جهلاً    يحكّم في مفارقه الحديد(3)
 رأي زياد فيه
لمّا قوى عزم معاوية على البيعة ليزيد فأرسل إلى زياد يستشيره فأحضر زياد عبيد بن كعب النميري وقال له : إنّ لكلّ مستشير ثقة ولكلّ سرّ مستودع ، وإنّ الناس قد أبدع بهم خصلتان : إذاعة السرّ وإخراج النصيحة إلى غير أهلها ، وليس موضوع السرّ إلاّ أحد رجلين : رجل آخرة يرجو ثوابها ، ورجل دنيا له شرف في نفسه وعقل يصون حسبه قد خبرتهما منك وقد دعوتك لأمر اتهمت عليه بطون الصحف ، إنّ أميرالمؤمنين كتب يستشيرني في كذا وكذا ، وإنّه يتخوّف نفرة الناس ويرجو طاعتهم وعلاقة امر الإسلام وضمانه عظيم ، ويزيد صاحب رسلة وتهاون مع ما قد أولع به من الصيد ، فألق أميرالمؤمنين وأدّ إليه فعلات يزيد وقل له : رويدك بالأمر فأحرى 
ــــــــــــــــ
(1) التذكرة الحمدونية ، ج3 ص50 ، ونثر الدر ، ج5 ص60 .
(2) أمالي القالي ، ج1 ص200 ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، ط 1975 .
(3) أمالي القالي ، ج1 ص200 ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، ط 1975 .

الصفحة 317
لك أن يتمّ لك لا تعجل فإن دركاً في تأخير خير من فوت في عجلة .
فقال له عبيد : أفلا غير هذا ؟ قال : وما هو ؟ قال : لا تفسد على معاوية رأيه ، ولا تبغض إليه إبنه ، وألقى أنا يزيد فأخبره أنّ أميرال