1438 / ذي الحجه / 28  |  2017 / 09 / 20         الزيارات : 421328         صلاة الصبح |         صلاة الظهر والعصر |         صلاة المغرب والعشاء |

شهداء الطف.. أسماءٌ وقع الاختلاف في صحبتها للنبي صلى الله عليه وآله وسلم

{ الشيخ عبد الرزاق النداوي }
شهداء الطف.. أسماءٌ وقع الاختلاف في صحبتها للنبي صلى الله عليه وآله وسلم

هناك مجموعة من أصحاب الإمام الحسين(عليه السلام)، ومن الذين استُشهدوا معه في معركة الطفّ، أو قبلها، أو بعدها، وقع فيهم الاختلاف، وهذا الاختلاف ـ في الحقيقة ـ ناشئ من جهتين، أو من إحدى هاتين الجهتين، وهما:

الجهة الأُولى: هل هذا الشخص صحابي أم لا؟

الجهة الثانية: هل استُشهد هذا الشخص في كربلاء أم لا؟

فهم  ـ على هذا الأساس ـ على ثلاثة أقسام:

الأول: قد يكون الشخص مقطوعاً بكونه صحابياً، ولكن وقع الخلاف في كونه قد استُشهد في كربلاء، ومثاله: عون ومحمد ولدا جعفر الطيار، وسيأتي تفصيل الكلام فيهما.

الثاني: وقد يكون الشخص مقطوعاً بكونه من شهداء النهضة الحسينية، ولكن الكلام في كونه صحابياً، ومثاله: مسلم بن عقيل(عليه السلام)، وهذا ما سنبسط فيه القول.  

الثالث: وقد يكون الشك قد تطرّق إليه من كلتا الجهتين المزبورتين.

و يمكننا حصر الجميع باثني عشر شخصاً، وهم:

1 ـ مسلم بن عقيل(عليه السلام).

2 ـ المختار بن أبي عبيد الثقفي.

3 ـ زيد بن معقل المذحجي الجعفي.

4 ـ عون بن جعفر الطيّار.

5 ـ محمد بن جعفر الطيّار.

6 ـ جنادة بن الحرث السلماني.

7 ـ جابر بن عروة الغفاري.

8 ـ كنانة بن عتيق التغلبي.

9 ـ سعد بن الحرث الخزاعي مولى علي بن أبي طالب(عليه السلام).

10 ـ زاهر بن عمر الأسلمي.

11 ـ عبد الله بن عفيف الأزدي.

12 ـ شبيب بن عبد الله النهشلي.

تفصيل الكلام

وسنذكر هاهنا ما قيل في هذه الشخصيات بشيء من الإيجاز، سوى مسلم بن عقيل(عليه السلام)، فسنؤجّل الكلام عنه إلى نهاية البحث؛ لأنّ فيه شيئاً من التفصيل: 

1 ـ المختار بن أبي عبيد الثقفي

قد يقال: لماذا ذُكِرَ المختار، والحديث منصبّ على شهداء النهضة الحسينية، في حين أنّ المختار قُتل بعد استشهاد الحسين(عليه السلام) بما يقرب من خمس سنوات؟

وجواب ذلك: أنّنا إنّما ذكرناه لعدّة أسباب:

الأوّل: أنّ المختار كان في طليعة الدّاعين لنصرة الحسين(عليه السلام) في الكوفة.

الثاني: أنّ سفير الحسين(عليه السلام) ـ أعني: مسلم بن عقيل(عليه السلام) ـ عندما نزل الكوفة أقام في دار المختار.

الثالث: أنّه كان من قيادات جيش مسلم(عليه السلام)، إلّا أنّه أُلقي القبض عليه وأُودع السجن.

الرابع: أنّه كان في السجن عند وقوع الواقعة، واستشهاد الحسين(عليه السلام)، فهو معذور من هذه الناحية.

الخامس: أنّه خرج للطلب بثأر الحسين(عليه السلام)، وتتبّع قتلته.   

السادس: أنّه خُتم له بالشهادة والسعادة.

موجز عن سيرته الذاتية

هو أبو إسحاق المختار بن أبي عبيد بن مسعود الثقفي.

كانت ولادة المختار في العام الأوّل الهجري، فأدرك ما يقرب من عشـر سنوات من أواخر حياة النبي(صلى الله عليه وآله)، إلّا أنّ بعض الذين كتبوا في تراجم الصحابة ذكروا أنّه لم يرَ النبي(صلى الله عليه وآله)، ولم يسمع حديثه، ولم يروِ عنه بالمباشرة.

قال ابن حجر: «وُلِد المختار عام الهجرة، وليست له صحبة ولا رؤية، وكان أبوه من جلّة الصحابة»([1])، وهو ـ أي: والده ـ صاحب المنبر الذي استُشهد في جماعة من المسلمين يوم الجسر([2])، واستُشهد معه ـ في ذات الواقعة ـ ابنه جبر بن أبي عبيد([3])، أي: أخو المختار.

وقال ابن قتيبة: «يقال: إنّ (مسعوداً) جدّه هو: عظيم القريتين»([4]).

وكأنّه يريد ما حكاه الله سبحانه عن مشركي قريش بقوله: (لَوْلَا نُزِّلَ هَـٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ)([5]). 

وأُمّه دومة بنت وهب بن عمر بن معتب، ويقال: إنّها لمّا حملت بالمختار قالت: رأيت في النوم قائلاً يقول:

 

استبشري بذا الولد

 

أشبه شيءٍ بالأسد

إذا الرجال في كبد

 

تقاتلوا على بلد

 

كـان لـه الحـظ الأشـــدّ([6])

وعلى كل حال، فإنّنا لا نستبعد أن يكون المختار قد رأى النبي(صلى الله عليه وآله) وسمع حديثه، خصوصاً بعد الالتفات إلى ما قاله ابن حجر في الإصابة من أنّه: «لم يبقَ بمكّة ولا الطائف أحد من قريش وثقيف إلّا شهد حجّة الوداع؛ فمن ثَمَّ يكون المختار من هذا القسم»([7]). إلّا أنّ الحاقدين على المختار والمبغضين له من الحزب الأُموي، بعد أن نسبوا إليه المثالب وألصقوا به الرذائل، نفوا عنه كلّ المناقب والفضائل، فإن كانت الصحبة فضيلة، فلا ينبغي أن يوصف بها المختار من وجهة نظرهم.

مع أنّ أهل التراجم والسير وصفوه بأنّه من أهل الفضل والخير والدين، قال ابن عبد البر: «والمختار معدود في أهل الفضل والدين إلى أن طلب الإمارة»([8]). وقال ابن حجر: «وكان قد طلب الإمارة، وغلب على الكوفة، حتى قتله مصعب بن الزبير بالكوفة سنة سبع وستين، وكان قبل ذلك معدوداً في أهل الفضل والخير إلى أن فارق ابن الزبير»([9]).

وقال ابن الأثير: «وكان المختار قد خرج يطلب بثأر الحسين بن علي رضي الله عنهما، واجتمع عليه كثير من الشيعة بالكوفة، فغلب عليها، وطلب قتلة الحسين فقتلهم، قتل شمر بن ذي الجوشن الضبابي، وخولي بن زيد الأصبحي ـ وهو الذي أخذ رأس الحسين، ثمّ حمله إلى الكوفة ـ وقتل عمر بن سعد بن أبي وقاص أمير الجيش الذين قتلوا الحسين، وقتل ابنه حفصاً، وقتل عبيد الله بن زياد، وكان ابن زياد بالشام، فأقبل في جيش إلى العراق، فسيّر إليه المختار إبراهيم بن الأشتر في جيش، فلقيه في أعمال الموصل، فقتل ابن زياد وغيره؛ فلذلك أحبّه كثير من المسلمين، وأبلى في ذلك بلاءً حسناً»([10]).

وبحسب هذه النصوص؛ فإنّ الجزء الأكبر من الجرح في شخص المختار يكمن في اتهامه بطلب الإمرة، وظاهر الحال أنّه طلبها للقصاص من قتلة الإمام الحسين(عليه السلام)، فالرجل لم يدّع الخلافة ولا الإمامة، وإنّما قاد انتفاضة لتطهير المجتمع من سرطان الإرهاب الأُموي.

2 ـ زيد بن معقل المذحجي الجعفي

ذكره ابن حجر تحت التسلسل (9436)، وقال: «يزيد بن مغفل بن عوف بن عمير بن كلب العامري، تقدّم نسبه في ترجمة أخيه زهير، ولهما إدراك، واستُشهدا جميعاً بالقادسية، ذكر ذلك ابن الكلبي، وذكر المرزباني في معجم الشعراء: يزيد بن مغفل الكوفي، وأنشد له قوله، وهو يقاتل مع الحسين بن علي، وقُتل حينئذٍ:

 

إن تنكروني فأنا ابن المغفل

 

شاكٍ لدى الهيجاء غير أعزلِ

(وفي يميني نصف سيف معصل) ([11])

 

أعلو  به الفارس وسط القسطلِ

 

فإمّا أن يكونا اثنين، أو أحد القولين في مكان قتله خطأ»([12]).

ولكن صاحب (أنصار الحسين) قال: «زيد بن معقل الجعفي: هكذا ذُكر في الزيارة في الإقبال [أي: كتاب إقبال الأعمال للسيد ابن طاووس]، وبهذا الاسم ذكره سيدنا الأُستاذ [أي: السيد الخوئي]» ([13]).

ولكن فاته(رحمه الله) أنّ السيد الخوئي(قدس سره) ذكر أيضاً زيد بن معقل في نفس المعجم قائلاً: «من أصحاب الحسين(عليه السلام)، رجال الشيخ [أي: نقلاً عن رجال الشيخ الطوسي]»([14]).

لذلك قال صاحب المستدركات في ترجمة (يزيد بن معقل): «... أقول: لم أجده [أي: يزيد بن معقل] في زيارة الناحية المقدّسة، وإنّما الموجود زيد بن معقل الجعفي، وعن بعض النسخ: بدر بن معقل الجعفي»([15]).

وممّا يُؤيّد أنّ الراجح في اسمه هو(زيد بن معقل) أُمور، منها:

1ـ إنّ أغلب مَن أرّخ لواقعة الطفّ ذكر (يزيد بن معقل) في معسكر أعداء الحسين(عليه السلام)، وهو الذي بارز برير بن خضير وقتله برير مبارزة([16]).

2ـ إنّ أغلب مَن يُعتمد عليهم من الرجاليين ذكروا (زيد بن معقل) في أصحاب الحسين(عليه السلام)، منهم: ابن شهر آشوب([17])، والسيد ابن طاووس([18])، والمجلسـي في البحار([19])، والطوسي في رجاله([20])، ولم يذكروا يزيد بن معقل.

كما ذكره صاحب خزانة الأدب في سرده وشرحه لأبيات عبيد الله بن الحر الجعفي قائلاً: «فلمّا قدِم الحسينEقصر بني مقاتل ونزل، رأى فسطاطاً مضروباً، فقال: لـمَن هذا الفسطاط؟ فقيل: لعبيد الله بن الحر الجعفي. ومع الحسين يومئذٍ الحجاج بن مسروق، وزيد بن معقل الجعفيان...»([21]).

لذا؛ فالراجح أنّ اسمه (زيد بن معقل).

3 و 4 ـ عون ومحمد ولدا جعفر الطيار

وُلِدا في الحبشة أوائل سنيِّ الهجرة، وعادا مع أبيهما إلى المدينة، ذكرهما ابن عنبة قائلاً: «وأمّا عون ومحمد الأصغر، فقُتلا مع ابن عمّهما الحسين(عليه السلام) يوم الطفّ...»([22]).

وقال ابن الأثير: «عون بن جعفر بن أبي طالب بن عبد المطلب القرشي الهاشمي، والده جعفر ذو الجناحين، وُلِد على عهد رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم)، أُمّه وأُمّ أخويه ـ عبد الله ومحمد ـ أسماء بنت عميس الخثعمية، استُشهد بتُستَر، ولا عقب له...»([23]). 

وقال ابن حجر: «عون بن جعفر بن أبي طالب الهاشمي، ابن عمّ النبي (صلّى الله عليه وسلّم)، وُلد بأرض الحبشة، وقدِم به أبوه في غزوة خيبر... واختُلف في أيّ ولدي جعفر محمد وعون كان أسنّ، فأمّا عبد الله فكان أسنّ منهما، وذكر موسى بن عقبة أنّ عبد الله وُلد سنة اثنتين. وقيل: غير ذلك، كما سبق في ترجمته، وقال أبو عمر: استُشهد عون بن جعفر في تُستَر، وذلك في خلافة عمر، وما له عقب»([24]).

وقال البلاذري: «ويقال: إنّ عون بن جعفر بن أبي طالب وأخاه محمداً قُتلا مع علي ابن أبي طالب بصفّين. ويقال: إنّهما قُتلا مع الحسين(عليهم السلام). وبعض البصريين يزعم أنّهما قُتلا بتُستَر من الأهواز حين فُتحت»([25]).

والذي يبدو للباحث والمتتبع في الكلمات المتقدّمة وغيرها أنّه وقع خلط عند المؤرّخين بين عون ومحمد ولدَي جعفر الطيار، وعون ومحمد ولدَي عبد الله بن جعفر الطيار الشهيدين مع الحسين(عليه السلام) في الطّف([26])، ويؤيد ذلك أُمور:

الأوّل: تشابه الأسماء.

الثاني: أنّ الجميع شهداء، سواء أكانا ابني جعفر أم ابني عبد الله بن جعفر.

الثالث: ما قاله عبد الله بن جعفر الطيّار ردّاً على مولاه أبي اللسلاس، بعد رجوع عائلة الحسين(عليه السلام)، ووصول نبأ مقتل جميع الرجال، إذ قال أبو اللسلاس آنذاك: «هذا ما لقينا ودخل علينا من الحسين. قال [الرواي:] فخذفه عبد الله بن جعفر بنعله، ثمّ قال: يا بن اللخناء! أللحسين تقول هذا؟! والله، لو شهدته لأحببت أن لا أُفارقه حتى أُقتل معه، والله، إنّه لممّا يسخي بنفسي عنهما، ويهوّن عليّ المصاب بهما أنّهما أُصيبا مع أخي وابن عمّي مواسيين له، صابرين معه. [قال الرواي:] ثمّ أقبل على جلسائه، فقال: الحمد لله عزوجل على مصرع الحسين، إن لا يكن آست حسيناً يدي فقد آساه ولْدي...»([27]).

فلو كان أخواه قد استُشهدا مع الحسين(عليه السلام) أيضاً، لقال ـ مثلاً ـ: فقد واساه ولداي وأخواي.

5 ـ جنادة بن الحرث السلماني

قال شمس الدين في ترجمة جابر بن الحرث السلماني: «جابر بن الحارث السلماني، هكذا ورد اسمه عند الطبري، وذكره الشيخ الطوسي مصحفاً: (جنادة بن الحرث السلماني)، وكذلك عند السيد الأمين. وعدّه سيدنا الأُستاذ [أي: السيد الخوئي(قدس سره)] بعنوان جنادة تبعاً للشيخ... وذَكر (حيان بن الحارث السلماني الأزدي) بعنوان مستقل... وذُكر اسمه في الزيارة مصحفاً بـ(حبّاب بن الحارث السلماني الأزدي)، وفي النسخة الأُخرى (حيّان...). وفي الرجبية نسخة البحار (حيّان بن الحارث) وفي نسخة الإقبال (حسّان بن الحارث)، ولعلّ الجميع واحد. وعند ابن شهر آشوب: (حبّاب بن الحارث) في عداد قتلى الحملة الأُولى.

من شخصيات الشيعة في الكوفة، اشترك في حركة مسلم بن عقيل، وتوجّه إلى الحسين بعد فشل الثورة في الكوفة...»([28]).

وقال النمازي: «جنادة بن الحارث الأنصاري، من شهداء الطفّ... والظاهر اتّحاده مع جنادة بن كعب بن الحارث الأنصاري الذي عدّه المامقاني من شهداء الطفّ، وكذا ابنه عمرو بن جنادة([29]). ولعلّه غير جنادة بن الحارث السلماني الأزدي الذي عدّه المامقاني من أصحاب الرسول وأمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليهما وآلهما)، ثمّ تشرّف بالشهادة يوم الطفّ»([30]).

ذكره ابن حجر تحت التسلسل (1211)، وأنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) بعث إليه بكتاب، قال ابن حجر: «جنادة غير منسوب، روى ابن مندة بالإسناد المتقدّم في ترجمة جميل بن ردّام بن عمرو بن حزم أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) كتب لجنادة هذا كتاب: من محمد رسول الله لجنادة وقومه ومَن اتبعه بإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، ومَن أطاع الله ورسوله، فإنّ له ذمّة الله وذمّة محمد»([31]).

وقال المامقاني(قدس سره) فيه: «جنادة بن الحارث السلماني الأزدي، السلماني:... نسبة إلى سلمان، بطن من مراد، ومراد بطن من مذحج؛ ولذا وُصِف الرجل بـالمذحجي، المرادي، السلماني... وقد ذكر أهل السيَر أنّه كان من أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله)، ثمّ من أصحاب أمير المؤمنين(عليه السلام)، ومن المقاتلين بصفّين، ومن مشاهير الشيعة. بايع مسلماً، فلمّا نظر إلى خذلان أهل الكوفة، فرّ واختفى عند قومه، فلمّا سمع بمجيء الحسين(عليه السلام) خرج إليه مع عمرو بن خالد الصيداوي وجماعة من الشيعة، ولحق به(عليه السلام) ولازمه إلى أن استُشهد (رضوان الله عليه)»([32]).

وعلى هذا؛ يمكن عدّ الرجل من صحابة النبي(صلى الله عليه وآله) المستشهدين بالطفّ بين يدي سبطه الحسين(عليه السلام).

6 ـ  جابر بن عروة الغفاري

قال النمازي: «جابر بن عروة الغفاري: لم يذكروه، وهو من أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله)، شهد بدراً وغيرها، وكان شيخاً كبيراً، تعصّب بعصابة ترفع حاجبيه عن عينيه، فلمّا رأى غربة مولانا الحسين(صلوات الله عليه) استأذن، فقال له الحسين: شكر الله سعيك يا شيخ. فقاتل وقتل جمعاً حتّى استُشهد بين يديه. نقل ذلك كلّه في الناسخ عن أبي مخنف، وكذا في فرسان الهيجاء...»([33]).

والسؤال الذي يثار في المقام هو: كيف يكون رجل بهذا المقام والمنزلة، ولم تذكره كتب الرجال والمعاجم؟! فلم يذكره صاحب الإصابة، ولا صاحب أُسد الغابة، ولا الشيخ الطوسي، ولا السيد الخوئي، ولا غيرهم... هذا شيء غريب حقاً!!

نعم، ورد ذكره في كتاب (فرسان الهيجاء)، إذ قال: «في شرح الشافية عن مقتل الخوارزمي، بهذه الألفاظ: ثمّ برز جابر بن عروة الغفاري، وكان شيخاً...»([34])، ثمّ ذكر نزوله إلى الميدان، وارتجازه بأبيات، ثمّ قال: «نسب الخوارزمي في مقتله... هذا الرجز إلى عبد الرحمن بن عروة الغفاري مع اختلاف في الألفاظ، ولم يرد ذكر لجابر بن عروة فيه!»([35]).

حقاً هذا شيء عجيب، والأعجب منه اعتماد الشيخ النمازي عليه في كلامه المتقدّم.

7 ـ كنانة بن عتيق التغلبي

ذكر النمازي أنّه من شهداء واقعة الطف بعد أن صرّح بصحبته للنبي(صلى الله عليه وآله)، فقال: «كنانة بن عتيق: صحابي تشرّف بشرف الشهادة يوم الطفّ، وتشرّف بسلام الناحية المقدّسة»([36]).

وذكره السيد الخوئي(قدس سره) في جملة أصحاب الحسين المستشهَدين في الحملة الأُولى، إلّا أنّه لم ينصّ على أنّه صحابي([37])، كما أنّه لم يُذكر في الكتب التي عُنيت بذكر أصحاب النبي(صلى الله عليه وآله) كالإصابة، وأُسد الغابة، والاستيعاب.

8 ـ سعد بن الحرث الخزاعي مولى علي بن أبي طالب(عليه السلام)

ذكره المحلاتي، ونسب إلى المامقاني وابن حجر أنّهما عدّاه من أصحاب النبي(صلى الله عليه وآله)([38]).

وقال الأمين: «سعد بن الحارث الخزاعي مولى أمير المؤمنين علي(عليه السلام)، قال بعض المعاصرين ممّن لا يوثق بنقله في كتاب له: إنّ له إدراكاً لصحبة النبي(صلى الله عليه وآله)، وكان على شرطة أمير المؤمنين علي(عليه السلام) بالكوفة، وولّاه أذربيجان وانضمّ بعده إلى الحسن، ثمّ إلى الحسين(عليه السلام)، وخرج معه إلى مكّة ثمّ إلى كربلاء، ونال درجة الشهادة بين يديه. وليس له ذكر في الاستيعاب، وأُسد الغابة، والإصابة، ولو كان له إدراك للصحبة لذكره أحدهم، وإنّما ذكروا سعد بن الحارث بن الصمّة...»([39]).

ومن المحتمل جداً أن يكون المحلاتي قد أراد سعيداً الخزاعي الذي ذكره ابن حجر تحت التسلسل (3695)، إذ قال: «سعيد بن سارية بن مرّة بن عمران بن رباح ابن سالم بن غاضرة بن حبشية بن كعب الخزاعي، له إدراك وكان على شرطة علي، وولاه أذربيجان، ذكره بن الكلبي»([40]).

وهذا الاحتمال في غاية البعد؛ لأنّ هذا هو سعيد بن سارية، وصاحب الترجمة هو سعد بن الحارث.

9 ـ زاهر بن عمرو الأسلمي

قال العلّامة المامقاني: «هو زاهر بن عمر الأسلمي الكندي، من أصحاب الشجرة، وروى عن النبي(صلى الله عليه وآله)، وشهد الحديبية وخيبر، وكان من أصحاب عمرو بن الحمق الخزاعي، كما نصّ على ذلك أهل السيرَ، وقالوا: إنّه كان بطلاً مجرّباً، شجاعاً مشهوراً، محبّاً لأهل البيت، معروفاً. وحجّ سنة ستين، فالتقى مع الحسين(عليه السلام)، فصحبه وكان ملازماً له حتى حضر معه كربلاء، واستُشهد بين يديه»([41]).

وقال السيد محسن الأمين: «زاهر صاحب عمرو بن الحمق استُشهد بكربلاء سنة (61هـ). ذكره الشيخ في رجاله في أصحاب الحسين(عليه السلام)، وقال النجاشي وغيره في ترجمة محمد بن سنان الزاهري: إنّه من ولْد زاهر مولى عمرو بن الحمق الخزاعي... وفي كتاب لبعض المعاصرين لا يوثق بضبطه، زاهر صاحب عمرو بن الحمق عدّه الشيخ في رجاله من أصحاب الحسين(عليه السلام)، وهو زاهر بن عمرو الأسلمي الكندي، من أصحاب الشجرة، روى عن النبي(صلى الله عليه وآله) وشهد الحديبية وخيبر»([42]).

وقد ناقش السيد الأمين دعوى كونه من الصحابة بوجوه، منها: «إذا كان زاهر ابن عمرو من أصحاب بيعة الشجرة، وروى عنه(صلى الله عليه وآله)، وشهد الحديبية وخيبر، يكون من مشاهير الصحابة، مع أنّ صاحب أُسد الغابة وغيره لم يذكروا فيمَن اسمه زاهر من الصحابة إلّا زاهر بن الأسود... وزاهر بن حرام»([43]).

10 ـ عبد الله بن عفيف الأزدي

ذكره بعض المعاصرين، قائلاً: «عن أبي مخنف: أنّ عبد الله بن عفيف الأزدي كانت له صحبة مع رسول الله(صلى الله عليه وآله)، ويؤكّد صحبته قوله: سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله) يقول: مَن سبّ عليّاً فقد سبّني، ومَن سبّني فقد سبّ الله، ومَن سبّ الله أكبّه الله على منخريه في النار»([44]). 

أقول: ولم يذكروه في عداد الصحابة لا في الإصابة، ولا في أُسد الغابة، ولا في الاستيعاب.

وذكره الشيخ المفيد، فقال: «... ثمّ قام [عبيد الله ابن زياد] من مجلسه حتى خرج من القصر ودخل المسجد، فصعد المنبر، فقال: الحمد لله الذي أظهر الحقّ وأهله، ونصر أمير المؤمنين يزيد وحزبه، وقتل الكذّاب ابن الكذّاب وشيعته. فقام إليه عبد الله بن عفيف الأزدي، وكان من شيعة أمير المؤمنين(عليه السلام)، فقال له: يا عدّو الله، إنّ الكذّاب أنت وأبوك، والذي ولّاك وأبوه، يا بن مرجانة، تقتل أولاد النبيّين، وتقوم على المنبر مقام الصدّيقين؟! فقال ابن زياد: عليَّ به. فأخذته الجلاوزة، فنادى بشعار الأزد، فاجتمع منهم سبعمائة رجل، فانتزعوه من الجلاوزة، فلمّا كان اللّيل أرسل إليه ابن زياد مَن أخرجه من بيته، فضرب عنقه وصلبه في السبخة(رحمه الله)»([45]).

أقول: ذكره السيد الخوئي في معجمه، ولم يُشر في ترجمته إلى أنّه صحابي([46]).

11 ـ شبيب بن عبد الله مولى الحرث بن سريع

قال النمازي: «شبيب بن عبد الله مولى حارث بن سريع الهمداني الجابري: من أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وشهد مشاهد أمير المؤمنين(عليه السلام)، وكان من شجعان الكوفة، ثمّ لحق بالحسين(عليه السلام)، واستُشهد بين يديه»([47]).

وقال الأمين: «شبيب بن عبد الله مولى الحارث بن سريع الهمداني الجابري، ذكره بعض المعاصرين فيما كتبه في مجلة الرضوان الهندية، ولم نجده في الاستيعاب، ولا أُسد الغابة، ولا الإصابة»([48]).

وذكر بعض المعاصرين أنّ ابن حجر ذكر شبيب. وقال عنه: إنّ له إدراكاً، وشهد مع علي مشاهده كلّها([49]). 

وما قاله ابن حجر نصاً هو: «شبيب بن عبد الله بن شكل بن حيّ بن جدية (بفتح الجيم وسكون الدال بعدها تحتانية) المذحجي، له إدراك، وشهد مع علي مشاهده، ثمّ غضب عليه، وأمره بالخروج من الكوفة، وأجّله ثلاثاً، فقال: ثلاث كثلاث ثمود، لا والله، لا يكون ذلك، فأجّله عشراً، ذكر ذلك بن الكلبي»([50]).

ولا يبدو أنّه هو، فصاحب الترجمة مولى، والذي ذكره ابن حجر مذحجي، كما لم يذكر أنّه من شهداء الطف.

12 ـ مسلم بن عقيل سفير الحسين(عليه السلام)

أهمل التاريخ ذكر السنة التي وُلد فيها مسلم بن عقيل(عليه السلام)، شأنه في ذلك شأن الكثير من الحقائق التي كان ينبغي أن لا تُهمل، فكثير من حقائق التاريخ نالها التحريف أو التزوير، أو الترديد، أو الإخفاء.

 ومن أبرز أمثلة ذلك تاريخ وفاة النبي(صلى الله عليه وآله)، وإنّما مثّلنا بوفاته(صلى الله عليه وآله) دون ولادته بالرغم من أنّ الترديد وقع في ولادته أيضاً؛ لأنّه قد يرد تبرير لخفاء تاريخ ميلاده، بحجّة أنّه(صلى الله عليه وآله) لم يكن لحظة ميلاده يُعرف شأنه وأهمّيته ومستقبل حاله، ولكن ممّا
لا ريب فيه أنّ وفاته(صلى الله عليه وآله) قد وقعت في أوجّ عظمته(صلى الله عليه وآله)، وبعد أن أذعنت له العرب، وارتعدت منه فرائص الروم والفرس، وكان حدث وفاته(صلى الله عليه وآله) بمحضر عشرات الآلاف ـ إن لم نقل: مئات الآلاف ـ من المهاجرين والأنصار، فكيف يمكننا فهم ضياع تاريخ وفاته(صلى الله عليه وآله) إلى حد أنّ كل فرقة من المسلمين اليوم لها تاريخ لذلك، مغاير لما عليه الفرق الأُخرى؟!

 ولا يمكننا تفسير ذلك إلّا بالإشارة إلى أنّ يدَ التخريب والتحريف قد فعلت فعلتها، وامتدّت لتصل إلى تاريخ وفاة النبي(صلى الله عليه وآله) لتحرّفه (لأمرٍ دبّر بليل).

على أنّ الأُمّة الإسلامية كان بإمكانها الوقوف على التاريخ الدقيق لوفاته(صلى الله عليه وآله)، بل حتى ولادته، فيما لو رجعت لأهل البيت(عليهم السلام) وسألتهم؛ فأهل البيت أدرى بالذي فيه، خصوصاً مع ملاحظة أنّ عصر الأئمّة الاثني عشر(عليهم السلام) قد امتدّ إلى ما يقرب من (250) سنة بعد وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله).

وعلى أيّة حال، فإذا كان التاريخ قد تردّد وتأرجح في تحديد ولادة ووفاة النبي(صلى الله عليه وآله)، فلا عجب في أن يُغفل أو يُجهل أو يتجاهل تاريخ ولادة أولاده وذراريه وعترته، أمثال مسلم بن عقيل(عليه السلام).

فإذا انسدّ أمامنا الطريق لتحصيل التاريخ الدقيق لمثل هكذا حوادث، فلا يبقى أمامنا إلّا جمع القرائن، ومحاولة تحديد تاريخ تقريبي لذلك، وهو ما سعى له عدد من المحقّقين والباحثين كما سوف نقرأ.

أقوال المحقّقين في المسألة:

الشهيد الصدر الثاني(قدس سره)

فقد ذكر(قدس سره) أنّ من المرجّحات التي دعت الإمام الحسين(عليه السلام) للإعراض عن بعض بني هاشم واختيار مسلم، هو عمره المناسب(عليه السلام) لهذه المهمّة، قال: «كان هناك جماعة لا يناسبهم العمر اجتماعياً للقيام بهذه المهمّة، مهما كانوا علماء وحكماء؛ لأنّهم كانوا شبّاناً صغاراً: كالقاسم بن الحسن، والإمام السجاد(عليه السلام)، وكذلك علي بن الحسين الأكبر...»([51]). وقد جاء في هامش النص المذكور: «كان عمر علي الأكبر على ما هو مشهور بين المؤرّخين وأرباب المقاتل والنسب نحو (27) سنة، كما عن الطريحي في المنتخب، وعمر السجاد يوم الطفّ (23) سنة كما في الإيقاد للعظيمي، وكان عمر القاسم يوم الطفّ لا يتجاوز الحلم كما في مقتل الخوارزمي»([52]).

فالسيد الشهيد هنا يرجّح أنّ عمر مسلم(عليه السلام) كبير نسبياً، وإن لم يكن بصدد تحديد عمره(عليه السلام) على وجه الدقّة، ولم يذكر له تقديراً تقريبياً.

المحقّق السيّد عبد الرزاق الموسوي المقرّم

ذهب السيّد المقرّم إلى أنّ مسلماً(عليه السلام) جاوز الخمسين يوم شهادته؛ إذ نقل عن ابن شهر آشوب قوله: «جعل أمير المؤمنين(عليه السلام) على ميمنته في صفّين الحسن والحسين، وعبد الله بن جعفر، ومسلم بن عقيل، وعلى الميسرة محمد بن الحنفيّة، ومحمد بن أبي بكر، وهاشم بن عتبة المرقال»([53]).

ثمّ علّق على ذلك بقوله: «ومن المعلوم أنّ مَن يجعله أمير المؤمنين(عليه السلام) في صفّ أولاد عميّه البالغين نحواً من خمس وثلاثين سنة لا بدّ وأن يقاربهم في السن، كما قرن بين ابن الحنفيّة ومحمد بن أبي بكر، وهما متقاربان في السن، فإنّ محمد بن الحنفية وُلد سنة (16هـ)، وله يوم صفّين إحدى وعشـرون سنة، ومحمد بن أبي بكر وُلد عام حجّة الوداع بذي الحليفة أو بالشجرة، حين توجّه رسول الله(صلى الله عليه وآله) للحج، وقُتل سنة (38 هـ)، وله يوم صفّين(27) سنة؛ وحينئذٍ([54]) لا أقل أن يُقدّر عمر مسلم بن عقيل بالثلاثين أو الثمان وعشرين سنة؛ وتكون ولادته إمّا سنة سبع أو تسع [للهجرة]، وله يوم شهادته أكثر من خمسين سنة...»([55]).

وللتوضيح نقول: كانت وقعة صفّين سنة (37هـ)، فإذا كان عمر مسلم يومها (30) سنة، والفاصل بين صفّين وكربلاء (23) سنة؛ إذن يصبح مجموع عمره(عليه السلام) (53) سنة تقريباً، فإذا كانت وفاة النبي(صلى الله عليه وآله) قبل يوم كربلاء بخمسين عاماً، كانت ولادة مسلم قبل وفاة النبي بثلاث سنوات، أعني حوالي (8هـ) تقريباً، أي: في فتح مكّة.

 وذهب السيّد المقرّم إلى أبعد من ذلك، فقال: «وإذا أخذنا بنصّ الواقدي كانت المسافة أبعد؛ قال: لمّا دخل المسلمون مدينة (البهنسا)([56]) بعد حصار طويل دخل مسلم ابن عقيل في جملة الهاشميين وهو يقول:

 

ضناني الحرب والسهر الطويل

فوا ثارات جعفر مع عليٍّ
سأقتل بالمهنّد كلّ كلب

 

وأقلقني التسهّد والعويل
وما أبدى جوابك يا عقيل
عسى في الحرب أن يشفى الغليل

 

وكان فتح البهنسا في أيام عمر بن الخطاب([57]). فإنّ مَن يخرج في صفّ المجاهدين أيام ابن الخطاب لا بدّ وأن يبلغ ـ على الأقل ـ عشـرين سنة؛ وحينئذٍ تكون ولادته في أوائل الهجرة»([58]).

الشيخ محمد صادق الكرباسي

رجّح الشيخ الكرباسي أن تكون ولادة مسلم بن عقيل(عليه السلام) في السنة الثانية من الهجرة ـ أي: قبل ولادة الحسين(عليه السلام) بعامين تقريباً ـ بناءً على اشتراكه في حروب البهنسا وصفّين، وأنّ أقرانه في صفّين كانوا من هذا القبيل([59]).

الأُستاذ محمد علي عابدين

ذكر أربع قرائن تدلّ على أنّ مولد مسلم بن عقيل(عليه السلام) كان في عهد النبي(صلى الله عليه وآله)، وهو لا يبتعد كثيراً عن السيّد المقرّم، والقرائن التي ذكرها كالآتي:

«أوّلاً: اشترك في أيام خلافة عمر بن الخطاب في الفتوحات الإسلامية، كفتح (البهنسا) بنصّ الواقدي.

ثانياً: اشترك في صفّين، وهو بمستوى القادة الآخرين ضمن جيش الإمام علي(عليه السلام)، نصّ على ذلك ابن شهر آشوب.

ثالثاً: اختاره الإمام الحسين ريحانة رسول الله(صلى الله عليه وآله) ليمثّله شخصيّاً بشتى الشؤون في الكوفة أحد أهم الأمصار الإسلامية وأكثرها  تعقيداً، فالإمام اختاره؛ لكبره ولما في وعيه وعلمه وتصرفاته من الكفاءة.

رابعاً: اشتراك بعض أولاد مسلم في ساحة القتال بكربلاء يصوّر لنا سنّه الكبير([60])... هذه الدعائم الأربع التي تعكس صورة رجل رسالي مسلّح ناهز الخمسين عاماً حين دخوله الكوفة، إنّ حضوره في فرسان (البهنسا) في زمن عمر بن الخطاب لا يسوّغ لنا غير اعتماد رأي مولده الأغرّ في حياة سيّد المرسلين(صلى الله عليه وآله)، أو في أواخر حياته.. ونعتقد بنحو راسخ أنّ الفارق الزمني بين عمر الإمام الحسين(عليه السلام) وعمر ابن عمّه مسلم لا يتجاوز البضع سنين، الأمر الذي يفسّر نوعية تعلّق أحدهما بالآخر؛ لما بينهما من المحبّة الرحمية، والصداقة القديمة الحميمة، حتّى أنّ الحسين(عليه السلام) كان يعتمد عليه اعتماداً رسالياً تامّاً، كرجل جليل القدر سديد الرأي»([61]).

ويمكن إضافة قرينتين إلى هذه القرائن تؤيّد كونه قد وُلِد في عهد النبي(صلى الله عليه وآله):

الأُولى: أنّ عقيل بن أبي طالب(عليه السلام) أكبر من أمير المؤمنين(عليه السلام) بعشرين سنة([62])، وهذا يقتضي ـ في الحالات الطبيعية ـ أن يكون بعض أبناء عقيل أكبر سنّاً من أبناء أمير المؤمنين(عليه السلام)، فإذا كان الحسن والحسين عليهما السلام قد عاصرا النبي(صلى الله عليه وآله)، ويُعدّان من الصحابة؛ فإنّه من المحتمل جدّاً أن يكون بعض أبناء عقيل قد عاصروا النبي(صلى الله عليه وآله)، وبالتالي فليكن مسلم أحد المعاصرين له(صلى الله عليه وآله).

الثانية: روى الصدوق في أماليه عن ابن عباس، قال: قال علي لرسول الله(صلى الله عليه وآله): «يا رسول الله، إنّك لتحبُّ عقيلاً؟ قال(صلى الله عليه وآله): إي والله، إنّي لأُحبّه حبّين: حبّاً له، وحبّاً لأبي طالب له، وإنّ وَلَدَه لمقتول في محبّة وَلَدك، فتدمع عليه عيون المؤمنين، وتصلّي عليه الملائكة المقربون. ثمّ بكى رسول الله(صلى الله عليه وآله) حتّى جرت دموعه على صدره، ثمّ قال: إلى الله أشكو ما تلقى عترتي من بعدي»([63]).

ويمكن أن نستفيد من هذه الرواية نقاطاً عدّة في غاية الأهمية:

الأُولى: أنّ هذا الحديث قد روي بطرق أُخرى وبألفاظ قريبة في مصادر جمهور المسلمين، ولفظه: «يا أبا يزيد، إنّي أُحبّك حبّين: حبّاً لقرابتك منّي، وحبّاً لما كنت أعلم من حُبّ عمّي إيّاك»([64])، كما تقدّم.

أخرجه الطبري في (ذخائر العقبى)، والحاكم في (المستدرك)، والهيثمي في (مجمع الزوائد)، والطبراني في (المعجم الكبير)، وابن عبد البر في (الاستيعاب)، وابن أبي الحديد المعتزلي في (شرح النهج)، والمتقي الهندي في (كنز العمال)، وابن سعد في (الطبقات)، وابن عساكر في (تاريخ مدينة دمشق)، وابن الأثير في (أُسد الغابة)، والذهبي في (سير أعلام النبلاء)، والصفدي في (الوافي بالوفيات)، وابن الصباغ في (الفصول المهمّة)، والحلبي في (السيرة الحلبية)، والقندوزي في (ينابيع المودّة).

الثانية: يمكننا أن ندّعي أنّ النبي(صلى الله عليه وآله) إنّما يتحدّث عن شخص موجود ومولود فعلاً في زمن الحديث عندما قال: وإنّ وَلده لمقتول... لسبب وجيه جدّاً، وهو أنّ عقيلاً(عليه السلام) له عدّة أولاد استُشهدوا في كربلاء مع الإمام الحسين(عليه السلام)، فلماذا انصرف الحديث إلى مسلم دون غيره.

زيادة في البيان نذكر هنا أبناء عقيل، ثمّ نعرّج على المقتولين منهم خاصّة:

قال ابن سعد في الطبقات: «وكان لعقيل بن أبي طالب من الولد: يزيد وبه يُكنى، وسعيد، وأُمّهما أُمّ سعيد بنت عمر بن يزيد بن مدلج، من بني عامر بن صعصعة، وجعفر الأكبر، وأبو سعيد الأحول ـ وهو اسمه ـ وأُمّهما أُمّ البنين بنت الثغر... ومسلم بن عقيل ـ وهو الذي بعثه الحسين ـ وعبد الله بن عقيل، وعبد الرحمن، وعبد الله الأصغر، وأُمّهم خليلة أُم وَلد، وعلي لا بقيّة له، وأُمّه أُمّ وَلد، وجعفر الأصغر، وحمزة، وعثمان، لأُمهات أولاد، ومحمد، ورملة، وأُمّهما أُمّ وَلد، وأُمّ هانئ، وأسماء، وفاطمة، وأُمّ القاسم، وزينب، وأُمّ النعمان لأُمهات أولاد شتّى»([65]).

الشهداء من أبناء عقيل:

أمّا الذين استُشهدوا من أبناء عقيل في نهضة الإمام الحسين(عليه السلام) فهم:

1 ـ مسلم بن عقيل(عليه السلام).

2 ـ جعفر الأكبر بن عقيل.

3 ـ عبد الرحمن بن عقيل.

4 ـ محمد بن عقيل.

5 ـ علي الأكبر بن عقيل.

6 ـ عبد الله الأكبر بن عقيل.

7 ـ عبد الله الأصغر بن عقيل.

8 ـ عون بن عقيل.

9 ـ محمد بن عقيل.

فهؤلاء الشهداء من أبناء عقيل، فضلاً عن أحفاده، ولسنا هنا بحاجة إلى ذكرهم، وإليهم أشار الشاعر:

 

يا عين ابكي بعبرة وعويل
تسعة منهم لصلب عليٍّ

 

واندبي إن ندبت آل الرسولِ
قد أُبيدوا وتسعة لعقيلِ
([66])

 

الثالثة: من الغريب حقّاً أنّ معاجم الرجال لم تذكر أيّ واحد من أبناء عقيل بصفة الصحبة لرسول الله(صلى الله عليه وآله)! فكيف يكون جعفر الطيار(عليه السلام) ـ الذي هو أصغر من عقيل بعشـر سنوات ـ له أولاد يعدّون من الصحابة، ومنهم: عبد الله بن جعفر، ولا يكون لعقيل مثل هؤلاء الأولاد؟! بل كيف يكون لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) ـ
الذي هو أصغر من عقيل بعشرين سنة ـ وَلَدَان من الصحابة ، وهما الحسن والحسين(عليهما السلام)، وعقيل ليس له وَلد في عداد الصحابة؟!

اللهمّ إلّا أن يقال: إنّ عقيلاً لم يتزوج في عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله)، أو أنّه متزوج وكان يلد البنات دون الأولاد، أو أنّه متزوج ولكنه لم يعقب في حياة رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وهذه المحتملات كلّها بعيدة غاية البعد، ومن ثمّ فإنّنا نستطيع أن نقول وبضرس قاطع: إنّ أبناء عقيل أُهملوا من هذه الناحية.

وعلى أية حال، فإنّ هذه القرائن التي أصبح مجموعها ستّة تنتهي إلى أنّ مسلماً قد وُلد في عهد النبي المصطفى(صلى الله عليه وآله)؛ فهو لذلك ممّن نال شرف الصحبة، ولو في أوليات حياته، شأنه في ذلك شأن الحسن والحسين(عليهما السلام).

وبهذه النتيجة يُضمّ اسمه إلى شهداء النهضة الحسينية من القسم الأوّل، أي: الذين استُشهدوا قبل الواقعة.

 وبهذا نصل إلى نهاية المطاف... والحمد لله على لطائف برّه، وله الشكر على تواتر نعمه.

 


([1]) ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي، الإصابة: ج6، ص275.

([2])  اُنظر: المصدر السابق: ج7، ص223.

([3])  اُنظر: المصدر السابق.

([4]) ابن قتيبة الدينوري، عبد الله بن مسلم، المعارف: ص400.

([5]) الزخرف: آية31.

([6]) اُنظر: المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج45، ص350.

([7]) ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي، الإصابة: ج6، ص276.

([8]) ابن عبد البر، يوسف بن عبد الله، الاستيعاب: ج4، ص1465.

([9]) ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي، الإصابة: ج6، ص275.

([10]) ابن الأثير، علي بن أبي الكرم، أُسد الغابة: ج4، ص336.

([11]) وروي هكذا: «وفي يميني نصل سيف منصل»، والظاهر أنّه أصح. اُنظر: السماوي، محمد بن طاهر، إبصار العين في أنصار الحسين(عليه السلام): ص154.

([12]) ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي، الإصابة: ج6، ص554.

([13]) شمس الدين، محمد مهدي، أنصار الحسين(عليه السلام): ص88.

([14]) الخوئي، أبو القاسم، معجم رجال الحديث: ج8، ص372.

([15]) النمازي، علي، مستدركات علم رجال الحديث: ج8، ص263.

([16]) اُنظر: البلاذري، أحمد بن يحيى، أنساب الأشراف: ج3، ص191. المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج45، ص15. أبو مخنف، لوط بن يحيى، مقتل الحسين(عليه السلام): ص127.

([17]) اُنظر: ابن شهر آشوب، محمد بن علي، مناقب آل أبي طالب: ج3، ص232.

([18]) اُنظر: ابن طاووس، علي بن موسى، إقبال الأعمال: ج3، ص78.

([19]) اُنظر: المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج44، ص199.

([20]) اُنظر: الطوسي، محمد بن الحسن، رجال الطوسي: ص101.

([21]) البغدادي، عبد القادر عمر، خزانة الأدب: ج2، ص158.

([22]) ابن عنبة الحسيني، أحمد بن علي، عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب: ص36.

([23]) ابن الأثير، علي بن أبي الكرم، أُسد الغابة: ج4، ص157.

([24]) ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي، الإصابة: ج4، ص618.

([25]) البلاذري، أحمد بن يحيى، أنساب الأشراف: ج2، ص323.

([26]) أُمّ عون: هي العقيلة زينب(صلى الله عليه وآله)، وأُمّ محمد:  هي الخوصاء. اُنظر: المقرّم، عبد الرزاق، مقتل الحسين(عليه السلام): ص318.

([27]) الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج4، ص357.

([28]) شمس الدين، محمد مهدي، أنصار الحسين(عليه السلام): ص78 ـ 79.

([29]) وهو الصبي الذي استُشهد مع الإمام الحسين(عليه السلام)، صاحب الرجز المعروف:

أميري حسين ونعم الأمير

 

سرور فؤاد البشير النذير

علي وفاطمة والداه

 

فهل تعلمون له من نظـير

 

 

([30]) الشاهرودي، علي النمازي، مستدركات علم رجال الحديث: ج2، ص239.

([31]) ابن حجرالعسقلاني، أحمد بن علي، الإصابة: ج1، ص611.

([32]) المامقاني، عبد الله، تنقيح المقال في علم الرجال: ج16، ص235 ـ 238.

([33]) النمازي، علي، مستدركات علم رجال الحديث: ج2، ص103.

([34]) المحلاتي، ذبيح الله، فرسان الهيجاء في تراجم أصحاب سيد الشهداء: ج1، ص78.

([35]) المصدر السابق: ص79.

([36]) النمازي، علي، مستدركات علم رجال الحديث: ج6، ص315.

([37]) اُنظر: الخوئي، أبو القاسم، معجم رجال الحديث: ج15، ص133.

([38]) اُنظر: المحلاتي، ذبيح الله، فرسان الهيجاء في تراجم أصحاب سيد الشهداء: ج1، ص206.

([39]) الأمين، محسن، أعيان الشيعة: ج7، ص221.

([40]) ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي، الإصابة: ج3، ص211.

([41]) المامقاني، عبد الله، تنقيح المقال في علم الرجال: ج28، ص30.

([42]) الأمين، محسن، أعيان الشيعة: ج7، ص41.

([43]) المصدر السابق.

([44]) الزيدي، هاشم، أصحاب الرسول أنصار ابن البتول: ص165.

([45]) المفيد، محمد بن محمد، الإرشاد: ج2، ص117.

([46]) اُنظر: الخوئي، أبو القاسم، معجم رجال الحديث: ج11، ص277.

([47]) النمازي، علي، مستدركات علم رجال الحديث: ج4، ص199.

([48]) اُنظر: الأمين، محسن، أعيان الشيعة: ج7، ص331.

([49]) اُنظر: الزيدي، هاشم، أصحاب الرسول أنصار ابن البتول: ص209.

([50]) ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي، الإصابة: ج3، ص305.

([51]) الصدر، محمد محمد صادق، أضواء على ثورة الحسين: ص200.

([52]) المصدر السابق: الهامش. الظاهر أنّ الهامش المذكور للمحقق الشيخ كاظم العبادي.

([53]) المقرّم، عبد الرزاق، الشهيد مسلم بن عقيل: ص64.

([54]) يعني يوم صفّين.

([55]) المصدر السابق: ص65.

([56]) قال الحموي: «البهنسا: بالفتح ثمّ السكون وسين مهملة مقصورة: مدينة بمصر من الصعيد الأدنى غربي النيل، وتُضاف إليها كورة كبيرة، وليست على ضفاف النيل، وهي عامرة كبيرة كثيرة الدخل، وبظاهرها مشهد يُزار، يزعمون أنّ المسيح وأُمّه أقاما به سبع سنين، وبها برابي عجيبة [مفردها برباة: أي: المعبد، أو بيت الحكمة]، يُنسب إليها جماعة من أهل العلم..». اُنظر: الحموي، ياقوت بن عبد الله، معجم البلدان: ج1، ص516.

([57]) اُنظر: الواقدي، محمد بن عمر، فتوح الشام: ج2، ص304. أقول: ولا يفوتنك أنّ هذا الشعر قاله مسلم(عليه السلام) في عهد عمر، أي: في حياة الإمام علي(عليه السلام)، فليس مراده بثارات (جعفر مع علي) أعمامه، بل المقصود أخواه، رآهما جريحين، فقال هذه الأبيات، وكأنّه يريد أن يقول: بماذا سوف أعتذر لأبي عقيل لو سألني عنكما؟!

([58]) اُنظر: المقرّم، عبد الرزاق، الشهيد مسلم بن عقيل: ص65.

([59]) اُنظر: الكرباسي، محمد صادق محمد، دائرة المعارف الحسينية، معجم أنصار الحسين، الهاشميون: ج3، ص234.

([60]) ذكر الإصفهاني اثنين من أبناء مسلم بن عقيل استُشهدا مع الإمام الحسين(عليه السلام)، وهما: محمد بن مسلم ابن عقيل وأُمّه أُمّ ولد، وعبد الله بن مسلم ن عقيل وأُمّه رقيّة بنت علي بن أبي طالب(عليه السلام). اُنظر: أبو الفرج الإصفهاني، علي بن الحسين، مقاتل الطالبيين: ص97 ـ 98.

([61]) عابدين، محمد علي، مبعوث الحسين: ص47ـ 48.

([62]) اُنظر: الخوئي، أبو القاسم، معجم رجال الحديث: ج12، ص175.

([63]) الصدوق، محمد بن علي، الأمالي: ص191.

([64]) الحاكم النيسابوري، محمد بن عبد الله، المستدرك على الصحيحين: ج3، ص576. الهيثمي، علي بن أبي بكر، مجمع الزوائد: ج9، ص273.

([65]) ابن سعد، محمد، الطبقات الكبرى: ج4، ص42.

([66]) اُنظر: أبو الفرج الإصفهاني، علي بن الحسين، مقاتل الطالبيين: ص96، وما بعدها. القرشي، باقر شريف، حياة الشهيد الخالد مسلم بن عقيل: ص56.

 
 
البرمجة والتصميم بواسطة : MWD