1439 / ربیع‌الاول / 5  |  2017 / 11 / 24         الزيارات : 483719         صلاة الصبح |         صلاة الظهر والعصر |         صلاة المغرب والعشاء |

الشعائر الحسينية عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام.. التأسيس والتأصيل (قراءة تأريخية)

{ د. الشيخ محمد الحلفي }
الشعائر الحسينية عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم  وأهل بيته عليهم السلام.. التأسيس والتأصيل (قراءة تأريخية)

مقدِّمة ([1])

على الرغم من الطابع التاريخي الذي اتسمت به هذه الدراسة، يصعب تخصيصها بالزاوية التاريخية؛ لما سيتخللها من قضايا تحليلية، تأخذ بأيدينا إلى معطيات ثرية بالفوائد، فهذه المقالة _ وكما هو ظاهر من عنوانها _ تتناول ظاهرة الشعائر الحسينية، إلّا أنّ البعد الأساسي من أبعادها ينصب على مستوى إحياء النبي(صلى الله عليه وآله) وأهل البيت(عليهم السلام) لهذه الظاهرة، وتجسيدهم لها، بغض النظر عن البحث وراء الأسباب الداعية لتأصيل الشعائر، حتى صارت من أقوى الدعائم التي يرتكز عليها الفكر الإسلامي الواقعي الذي خطّه الثقلان مجتمعين؛ فليس لي بعد ذلك أن أبتعد كثيراً عن الجنبة التاريخية في الموضوع، باعتبارها تشكّل العمود الفقري لما نحن فيه، لا سيما وأنّ القضية الحسينية قد تعدّدت جوانبها، واختلفت أبعادها، واتّسعت آفاقها.

ومن القضايا التي لا يمكن الإنسان المسلم والحر ـ فضلاً عن الباحث، أيّاً كان دينه ومذهبه ـ أن يتغافل عنها، هو ذلك الكمّ الهائل من الروايات التي ملأت كتب الحديث والتاريخ، والتي أحاطت بالقضية الحسينية، ورسمت لنا الكثير من المعالم قبل واقعة كربلاء وبعدها، ونظراً إلى صعوبة تحصيل اليقين بتلك الأحداث، نتيجة لبعدها الزمني، فإننا سننظر بعين التأمل والبحث العلمي إلى تلك النصوص الروائية والتاريخية؛ لما لها من قيمة وأهمية كبرى في القيام بمهمة كشف الحقائق وبلوغها.

فمتى ما أردنا القيام بدراسة تاريخية لدور النبي(صلى الله عليه وآله) وأهل البيت(عليهم السلام) فيما يخص الشعائر الحسينية، فسيلوح في الأُفق مسألة زرع بذورها وتجسيدها في المجتمع، وحينئذٍ يُفترض بنا أوّل الأمر أن نسلّط الضوء على معنى الشعائر وما تتضمنه؛ لتتجلّى لنا أبعادها وأُطرها، وما تصدق عليه، فيتسنّى من خلال ذلك وضع النقاط على الحروف في بيان ومعرفة مستوى إحياء المعصومين(عليهم السلام) للشعائر الحسينية، وما رافق العملية تلك، إذ يمثّل ذلك المنطلق لتحديد عناصر المعادلة الإلهية في القضية الحسينية.

مفهوم الشعائر في المصادر اللّغوية

بادئ ذي بدء ينبغي أن نتصفّح المعاجم اللغوية للوقوف على معنى هذه اللفظة، لنجدها رغم الاختلاف في بيان معناها ترجع إلى معنى مستحصل واحد، وهي: العلامة. قال الفيروزآبادي: «أشعر القوم: نادوا بشعارهم، أو جعلوا لأنفسهم شعاراً، وأشعر البدنة: أعلمها»([2]). وفي الصحاح: «الشـعائر: أعمال الحج، وكلّ ما جُعـل عَلَمـاً لطاعـة الله تعالى»([3]).

وشعار القوم في سفر القوافل والحرب: علامتهم التي يعرف فيها بعضهم بعضاً، فالعرب كانوا يتّخذون شعاراً لقوافلهم يُعرفون به أثناء المسير، ولذا يقال: أشعر القوم، أي جعلوا لأنفسهم شعاراً، وشعار العسكر: أن يُسمّوا لهم علامة ينصبونها؛ ليعرف الرجل بها رفقته([4]).

ولكي لا أطيل الكلام يمكننا الخروج بمعنى عام في معنى الشعائر من وجهة نظر لغوية، وهي: أنها الأفعال التي تكتنه بعداً إعلامياً، وحينئذٍ تمثّل شعائر الله المعالم التي ندب الله إليها وأمر بالقيام بها، ولما كانت تتعلق بالحقّ تعالى، فلا بدّ من إحاطتها بالنظرة الفقهية التي ترى أنّ شعائر الله هي أعلام طاعته، وكلّ شيء جُعل علماً من أعلام طاعة الله فهو من شعائر الله، وقد يُعمّم هذا المعنى لجميع التكاليف، وتعني حينها لفظة شعائر الله: دين الله، فشعائر الله جميع ما أمر الله به أو نهى عنه، وهذا المعنى هو ما أكّدته القواميس الفقهية، وذلك عندما عرّفت الشعيرة بأنها: «ما ندب الشرع إليه وأمر بالقيام به»([5]).

هذه الأقوال والآراء جميعاً تنتهي إلى نتيجة جامعة، وهي أن حقيقة الشعائر تكمن في كونها ممارسات ذات جنبة إعلامية، وعندما تكون مرتبطة بالله تعالى، يتحتّم أن تعود إلى أمر الشارع وندبه، وبهذا النحو ستكون الشعائر الحسينية محتملة لنفس المعنى؛ لارتباطها بالحقّ تعالى، وتعني حينئذٍ كلّ فعل تضمّن بُعداً إعلامياً للقضية الحسينية، ولم يخلُ من حثّ أو دعوة سماوية من الباري(عزوجل).

وبعد هذا البيان الموجز علينا أن نُطل باختصار على الممارسات التي قام بها النبي(صلى الله عليه وآله) وأهل البيت(عليهم السلام) تجاه الحسين(عليه السلام)، ممّا يندرج تحت عنوان الشعائر الحسينية، باعتبارها تمثّل الجانب المقصود والمصداق المنشود.

الممارسات الشعائرية في التراث الروائي لأهل البيت(عليهم السلام)

لو ألقينا نظرة أولية فاحصة على الروايات المتعلّقة بالقضية الحسينية، يُمكننا أن نقسّمها وفق عدّة لحاظات:

1ـ لحاظ الموضوع، فإنّ موضوع بعض الروايات هو شخص الإمام الحسين(عليه السلام)، وموضوع بعضها الآخر هو النهضة الحسينية، وأهدافها، وغاياتها، ودواعيها.

2ـ لحاظ زمن الصدور، فمن الروايات ما كان قبل واقعة كربلاء، ومنها ما كان بعد الواقعة، ولكلّ منها ميزاته الخاصة.

 وسنقصر بحثنا على اللحاظ الثاني؛ إذ إنه يتوفّر على الزاوية التاريخية في الموضوع، وهذا بدوره يضعنا أمام صورة تشكّل مواقف الرسول(صلى الله عليه وآله) وأهل بيته(عليهم السلام)، وهم يجسّدون الشعائر الحسينية.

الفترة الأُولى: تجسيد الشعائر الحسينية قبل الواقعة

يمكن أن تمثّل هذه الفترة المرحلة الأُولى لتجسيد الشعائر الحسينية، وهي تشمل الروايات والأخبار الصادرة عن المعصومين(عليهم السلام) ـ أصحاب الكساء(عليهم السلام) ـ ممّا يكشف عمّا قاموا به تجاه الحسين(عليه السلام)، وما بدر منهم من ممارسات موحية ومعبّرة قبل أن يكون لتلك الفاجعة أثر على الأرض، ولعلنا لا نجانب الواقع عندما نسجّل بدايتها منذ ولادة الحسين(عليه السلام)، وتمتد حتى شهادته، بعيداً عمّا نقلته بعض الروايات من مواقف للأنبياء والمرسلين(عليهم السلام) ممّن سبق النبي الخاتم(صلى الله عليه وآله) تجاه مصيبة الحسين(عليه السلام)، من قبيل بكائهم وحزنهم و... لأنّها لا تنضوي بشكل من الأشكال تحت المقال.

مواقف النبي(صلى الله عليه وآله) المجسِّدة للشعائر الحسينية

لقد كانت مواقف وأقوال الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله) في مقتل الحسين(عليه السلام) كثيرة، ذائعة الصيت، حتى روتها الصحابيات من النساء، فضلاً عن زوجاته(صلى الله عليه وآله)، وبعض الصحابة؛ ليؤكّد ذلك إخبار السماء بمقتله(عليه السلام)، وصارت تلك الإخبارات تعدّ من أعلام النبوة من جهة الإخبار بالغيبيات.

 وعند التأمّل فيها نتبيّن مجموعة من العلامات والشعائر، مثل: شعيرة البكاء على الحسين(عليه السلام)، التي احتلّت حيّزاً واسعاً من الروايات الصادرة عن الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله)، وحالة الغم والهم التي تعتري الرسول الكريم(صلى الله عليه وآله) نتيجة إخباره من قِبَل الوحي بمقتل ريحانته(عليه السلام)، بل إقامة مجالس العزاء، حيث تصدّى النبي(صلى الله عليه وآله) للخطابة فيها.

 وممّا يلفت النظر أنّ ردود الأفعال (الشعائر) هذه صدرت من النبي الكريم(صلى الله عليه وآله) بحسب الترتيب التاريخي المتناسب مع تدرّج ريحانته في العمر، فكان البكاء ـ والذي هيمن على أغلب مضامين تلك الروايات، إن لم نقل: جميعها ـ أوّل ما صدر من النبي(صلى الله عليه وآله)، ولمّا يتجاوز عمر الحسين(عليه السلام) الساعات، واشتد الأمر ليتحوّل بكاءً وغمّاً، ولمّا بلغ الحسين من العمر سنة أو أكثر، حصل تحوّل جديد في تجسيد الشعائر، حينما اختلط البكاء والهم بإقامة المجلس عليه.

ولعلنا بحاجة هنا إلى بعض النماذج الروائية؛ لتعود بنا إلى عصر الرسالة، عسى أن نتلمّس فيها ضالّتنا يوم كان الحسين(عليه السلام) يعيش في كنف جدّه المصطفى(صلى الله عليه وآله). وسنقسّم الروايات التالية بحسب المتصدّي لروايتها تنظيماً للبحث.

أولاً: ما روته الصحابيات من تجسيد النبي(صلى الله عليه وآله) للشعائر

 لعلّ أوّل موقف يجسّد فيه الرسول(صلى الله عليه وآله) الشعائر الحسينية، ويقيمها على أرض الواقع خارجاً، هو ما صدر عنه(صلى الله عليه وآله) حين ولادة ريحانته الحسين(عليه السلام)، فقد ورد عن الإمام زين العابدين(عليه السلام) قال: «حدّثتني أسماء بنت عميس، قالت: قبّلتُ جدتك فاطمة(صلى الله عليه وآله) بالحسن والحسين(عليهما السلام)... فلما كان بعد حول من مولد الحسن وُلِدَ الحسين(عليه السلام)، فجاءني فقال: يا أسماء، هاتي ابني. فدفعته إليه في خرقة بيضاء، فأذّن في أُذنه اليُمنى، وأقام في اليُسرى، ووضعه في حجره وبكى، قالت أسماء: قلت: فداك أبي وأمي! ممّ بكاؤك؟ قال: من ابني هذا. قلت: إنّه وُلِد الساعة! قال: يا أسماء، تقتله الفئة الباغية من بعدي، لا أنالهم الله شفاعتي! ثمّ قال: يا أسماء، لا تخبري فاطمة، فإنّها حديث عهد بولادة»([6]).

ثم يلي ذلك أوّل ترقٍّ في المسألة، وهو بكاء النبي(صلى الله عليه وآله)، وبيده تربة الحسين(عليه السلام) قبل مقتله، إذ جاء هذا في خبر نقلته أُم الفضل بنت الحارث حول مقتل الإمام الحسين(عليه السلام)، حيث قالت: «... فدخلت يوماً إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله)، فوضعته [أي: الإمام الحسين(عليه السلام)] في حجره، ثم حانت مني التفاتة، فإذا عينا رسول الله(صلى الله عليه وآله) تهريقان من الدموع، قالت: فقلت: يا نبي الله، بأبي أنت وأُمي! ما لك؟ قال: أتاني جبرئيل (عليه الصلاة والسلام)، فأخبرني أنّ أُمتي ستقتل ابني هذا. فقلت: هذا؟ فقال: نعم، وأتاني بتربة من تربته حمراء»([7]).

ثانياً: ما روته نساء النبي(صلى الله عليه وآله) من تجسيده(صلى الله عليه وآله) للشعائر

عند ملاحظة الروايات التي نقلتها زوجات النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) نجدها جميعاً تحكي لنا حال الرسول الكريم(صلى الله عليه وآله) مع الحسين(عليه السلام) بعدما أخذ الحسين(عليه السلام) يدرج ويلعب، ونحوها من التصرّفات التي توحي بأنّه(عليه السلام) قد تجاوز على أقلّ تقدير سنته الأُولى، ومن خلال النماذج التي سننقلها سنلاحظ مدى تجسيد النبي(صلى الله عليه وآله) لتلكم الشعائر، ونظراً لكثرة هذه الروايات سنأتي على مقدار الحاجة منها:

1ـ عن زينب بنت جحش([8])، قالت: «بينا رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) في بيتي وحسين(رضي الله تبارك وتعالى عنه) عندي حين درج، فغفلت عنه، فدخل على رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم)، فجلس على بطنه، فبال فانطلق([9]) لآخذه، فاستيقظ رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم)، فقال: دعيه... فقام فصلّى، فلما قام احتضنه إليه، فإذا ركع أو جلس وضعه، ثم جلس فشكا، ثم مدّ يده، فقلت حين قضى الصلاة: يا رسول الله، إنّي رأيتك اليوم صنعت شيئاً ما رأيتك تصنعه؟ قال: إنّ جبرئيل أتاني فأخبرني أنّ ابني هذا تقتله أُمتي. فقلت: أرني تربته، فأراني تربة حمراء»([10]).

فشعيرة البكاء على الحسين(عليه السلام) ظلت مستمرة مع النبي(صلى الله عليه وآله) حتى بعدما ناهز عمر الحسين(عليه السلام) السنة أو تجاوزها.

2ـ رواية أبي أُمامة: «قال رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) لنسائه: لا تُبكوا هذا الصبي: يعني حسيناً، قال: فكان يوم أُم سلمة، فنزل جبرائيل، فدخل رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) الداخل، وقال لأُم سلمة: لا تَدَعي أحداً يدخل عليّ، فجاء الحسين، فلما نظر إلى النبي(صلّى الله عليه وسلّم) في البيت أراد أن يدخل، فأخذته أُم سلمة، فاحتضنته، وجعلت تناغيه وتسكته، فلما اشتد في البكاء خلّت عنه، فدخل حتى جلس في حجر رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم)، فقال جبريل للنبي(صلّى الله عليه وسلّم): إنّ أُمتك ستقتل ابنك هذا. فقال النبي(صلّى الله عليه وسلّم)، يقتلونه وهم قوم مؤمنون بي؟ قال: نعم يقتلونه. فتناول جبرائيل تربة، فقال: بمكان كذا وكذا، فخرج رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) قد احتضن حسيناً، كاسف البال مهموماً، فظنت أُم سلمة أنه غضب من دخول الصبي عليه، فقالت: يا نبي الله، جُعلت لك الفداء! إنك قلت لنا: لا تُبكوا هذا الصبي، وأمرتني أن لا أدع أحداً يدخل عليك، فجاء فخلّيت عنه، فلم يردّ عليها، فخرج إلى أصحابه، وهم جلوس، فقال: إنّ أُمتي يقتلون هذا. وفي القوم أبو بكر وعمر، وكانا أجرأ القوم عليه، فقالا: يا نبي الله، يقتلونه وهم مؤمنون؟ قال: نعم، هذه تربته. فأراهم إياها»([11]).

وقد تضمّن هذا الموقف هذه المرّة البكاء والهمّ على مصيبة الحسين(عليه السلام)، بل تجاوز الأمر ذلك وتحوّل إلى إخبار للقوم وإعلامهم بأنّ ولده الحسين(عليه السلام) سيُقتل على يد هذه الأُمّة، وأكثر من ذلك أنّه(صلى الله عليه وآله) يريهم التربة التي ستكون شهادة الحسين(عليه السلام) عليها.

3ـ عن أُمّ سلمة أنّها قالت: «كان الحسن والحسينGيلعبان بين يدي النبي(صلّى الله عليه وسلّم) في بيتي، فنزل جبريل(عليه السلام)، فقال: يا محمد، إنّ أُمّتك تقتل ابنك هذا من بعدك. فأومأ بيده إلى الحسين، فبكى رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم)، وضمّه إلى صدره، ثم قال رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم): وديعة عندكِ هذه التربة. فشمّها رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم)، وقال: ويح كرب وبلاء. قالت: وقال رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم): يا أُم سلمة، إذا تحوّلت هذه التربة دماً، فاعلمي أنّ ابني قد قُتل...»([12]).

وفي هذا تجسيد يضاف إلى ما تقدّم، فهنا النبي(صلى الله عليه وآله)، فضلاً عن بكائه، يشمّ تربة الحسين(عليه السلام)، ممّا يكشف عن قداسة خاصة لتربته(عليه السلام).

4ـ وعن أُمّ سلمة: «كان النبي(صلّى الله عليه وسلّم) نائماً في بيتي، فجاء حسين يتدرّج، قالت فقعدت على الباب، فسبقته مخافة أن يدخل فيوقظه، ثمّ غفلت في شيء، فدبّ فدخل فقعد على بطنه. قالت: فسمعت نحيب رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم)، فجئت فقلت: يا رسول الله، والله، ما علمت به. فقال: إنّما جاءني جبريل(عليه السلام)، وهو على بطني قاعد، فقال لي: أتحبّه؟ فقلت: نعم. قال: إنّ أُمّتك ستقتله...»([13]).

وهنا برزت حالة جديدة من تجسيد شعائر الحسين(عليه السلام) من قِبَل النبي الكريم(صلى الله عليه وآله)، وهي البكاء بشدّة، وهو ما يستفاد من عبارة أُم سلمة: سمعت نحيب رسول الله(صلى الله عليه وآله)، فلم يكن بكاءً عادياً، هذا والحسين(عليه السلام) جالس على بطنه، ولم يُصب بعدُ بأيّ أذى.

ثالثاً: ما رواه الصحابة من تجسيد النبي(صلى الله عليه وآله) للشعائر

 لم تكن مواقف النبي(صلى الله عليه وآله) تجاه سبطه الحسين(عليه السلام) خفيّة عن الصحابة، فلقد روى الكثير منهم بكاء النبي(صلى الله عليه وآله) وتفجّعه وحزنه وألمه عليه، ومن تلك الأخبار: ما رواه معاذ بن جبل، قـال: «خرج علينا رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) متغيّر اللّون، فقال: أنا محمد، أُوتيت فواتح الكلام وخواتمه، فأطيعوني ما دمت بين أظهركم... قال: يزيد لا يبارك الله في يزيد. ثمّ ذرفت عيناه (صلّى الله عليه وسلّم)، ثمّ قال: نعي إليّ حسين، وأُتيت بتربته، وأُخبرت بقاتله، والذي نفسي بيده لا يُقتل بين ظهراني قوم لا يمنعوه إلّا خالف الله بين صدورهم وقلوبهم، وسلّط عليهم شرارهم، وألبسهم شيعاً. ثمّ قال: واهاً لفراخ آل محمد(صلّى الله عليه وسلّم) من خليفة مُستخلف مُترف، يقتل خلفي وخلف الخلف»([14]).

وهذه الرواية لا تعبّر عن حالة حزن طبيعي عاشه النبي(صلى الله عليه وآله)، بل كانت الحالة أشدّ، فقد اتّخذت طابعاً تصاعدياً، من تغيّر اللّون، وهذا يعني درجة عالية من الحزن، حتى ذرف الدموع، ثمّ نعيه(عليه السلام) للصحابة.

ولعلّ الموقف تزايد واشتدّ في بعض الحالات، فقد ارتقى إلى إقامة المجالس بنحو يشابه إلى درجة ما مجالس العصر الحاضر، إذ يقوم الخطيب بوعظ الناس، وبعدها يذكر مصيبة الحسين(عليه السلام)، وذلك بحسب ما رواه عبد الله بن يحيى في النص التالي:  «فلما أتت عليه سنتان، خرج النبي(صلى الله عليه وآله) مع سفر إلى سفر، فوقف في بعض الطريق، واسترجع ودمعت عيناه، فسُئل عن ذلك، فقال: هذا جبرائيل يخبرني عن أرض بشط الفرات يقال لها: كربلاء. يُقتل فيها ولدي الحسين. فقيل: ومَن يقتله؟ قال: رجل يقال له: يزيد، وكأنّي أنظر إلى مصرعه ومدفنه. فرجع عن سفره حزيناً، وصعد وخطب ووعظ والحسن والحسين بين يديه، فلمّا فرغ وضع يده اليمنى على رأس الحسن، واليسرى على رأس الحسين، ورفع رأسه إلى السماء، وقال: اللّهم، إنّ محمداً عبدك ورسولك ونبيك، وهذان أطائب عترتي، وخيار ذرّيتي وأرومتي، ومَن أخلفهما في أُمّتي، وقد أخبرني جبرئيل أنّ ولدي هذا مقتول مخذول، اللّهم فبارك له في قتله، واجعله من سادات الشهداء، اللّهم ولا تبارك في قاتله، وخاذله. فضجّ الناس بالبكاء في المسجد، فقال النبي(صلى الله عليه وآله): أتبكون ولا تنصرونه؟! ثمّ رجع وهو متغيّر اللّون، محمرّ الوجه، فخطب خطبة ثانية موجزة، وعيناه تهملان دموعاً»([15]).

وفي رواية أُخرى يرويها سعيد بن جبير عن ابن عباس نلاحظ فيها إقامة النبي(صلى الله عليه وآله) لمجلس عزاء، ولكن هذه المرّة حضره إضافة لابن عباس وبعض الصحابة، أصحاب الكساء(عليهم السلام)، وفيه يعرض النبي(صلى الله عليه وآله) بعض أحداث كربلاء بلوعة وألم على ما سيجري على سبطه وريحانته الحسين(عليه السلام)، فتشتد حالة البكاء، لتصل إلى درجة النحيب والضجيج من قبل الحاضرين وأهل البيت(عليهم السلام)، قال ابن عباس: «كنت عند رسول الله(صلى الله عليه وآله) جالساً إذ أقبل الحسن، فلمّا رآه بكى وقال: إليّ إليّ. فأجلسه على فخذه اليمنى، ثم أقبل الحسين، فلمّا رآه بكى، وقال مثل ذلك، فأجلسه على فخذه اليسرى، ثم أقبلت فاطمة فرآها، فبكى، وقال مثل ذلك، فأجلسها بين يديه، ثم أقبل علي فرآه، فبكى، وقال مثل ذلك، وأجلسه إلى جانبه الأيمن، فقال له أصحابه: يا رسول الله، ما ترى واحداً من هؤلاء إلّا بكيت، أو ما فيهم من تُسرّ برؤيته؟ فقال: والذي بعثني بالنبوّة، واصطفاني على جميع البريّة، ما على وجه الأرض نسمة أحبّ إليّ منهم، وإنّما بكيت لما يحلّ بهم من بعدي، وذكرت ما يصنع بهذا ولدي الحسين، كأنّي به وقد استجار بحرمي وقبري فلا يجار، ويرتحل إلى أرض مقتله ومصرعه، أرض كرب وبلاء، تنصره عصابة من المسلمين، أُولئك سادة شهداء أُمتي يوم القيامة، فكأنّي أنظر إليه وقد رُمي بسهم، فخرّ عن فرسه صريعاً، ثم يُذبح كما يُذبح الكبش مظلوماً. ثم انتحب وبكى، وأبكى مَن حوله، وارتفعت أصواتهم بالضجيج، ثم قام وهو يقول: اللّهم إنّي أشكو إليك ما يلقى أهل بيتي بعدي»([16]).

ولعلّ الرواية الأخيرة بلغت حدّاً في بيان تجسيد النبي(صلى الله عليه وآله) لشعائر الحسين(عليه السلام) بصورة تشبه ما دأب عليه أتباع أهل البيت(عليهم السلام) في مجالسهم.

مواقف أمير المؤمنين والزهراء والإمام الحسن(عليهم السلام) المجسِّدة لشعائر الحسين(عليه السلام)

حينما راجعنا الروايات في هذا المقام، لم نجدها بالكثرة التي لاحظناها في مواقف الرسول(صلى الله عليه وآله) تجاه سبطه وريحانته الحسين(عليه السلام).

إنّ ما ظفرنا به ـ إضافة لما جاء في خبر سعيد بن جبير ـ بخصوص تجسيد الزهراء(صلى الله عليه وآله)، لشعيرة البكاء على فلذّة كبدها، هو خبر طويل يلتقي فيه الرسول(صلى الله عليه وآله) بالزهراء(صلى الله عليه وآله)، وهي تحمل ولدها الحسين(عليه السلام)، فيقول النبي(صلى الله عليه وآله): «لعن الله قاتليك، ولعن الله سالبيك، وأهلك الله المتوازرين عليك...»([17])، حتى تسأله الزهراء(صلى الله عليه وآله) عن غاية وسبب ذلك، فيجيبها النبي(صلى الله عليه وآله) بما سيجري على الحسين(عليه السلام)، فتسترجع وتبكي، ويخبرها النبي(صلى الله عليه وآله) بمن سيبكي عليه من الناس ويذكره ولا ينساه([18]).

أما فيما يخصّ أمير المؤمنين(عليه السلام)، فلقد جاءت روايات عديدة وبطرق متعدّدة، وفي أماكن مختلفة، يخبر فيها بمقتل الإمام الحسين(عليه السلام)، ويحيي في بعضها شعائره، فيبكيه تارةً، وينعاه بألم تارةً أُخرى، وهو يذكر ما يجري عليه، هذا والحادثة لم تقع بعدُ، ومن هذه الروايات:

1ـ عن عبد الله بن نجي عن أبيه «أنه سار مع علي رضي الله عنه، وكان صاحب مطهرته، فلمّا حاذى نينوى، وهو منطلق إلى صفِّين، فنادى علي(رضي الله عنه): اصبر أبا عبد الله، اصبر أبا عبد الله بشط الفرات. قلت: وماذا؟ قال: دخلت على النبي(صلّى الله عليه وسلّم) ذات يـوم وعيناه تفيضان. قلت: يا نبي الله، أغضبك أحد؟ ما شأن عينيك تفيضان؟ قال: بل قام من عندي جبريل قبل، فحدّثني أنّ الحسين يُقتل بشط الفرات. قال: فقال: هل لك إلى أن أُشمك من تربته؟ قال: قلت: نعم. فمدّ يده، فقبض قبضة من تراب فأعطانيها، فلم أملك عينيّ أن فاضتا»([19]).

2ـ وهنا يجسّد الإمام(عليه السلام) شعيرة البكاء على ولده الحسين(عليه السلام)، فقد روى ابن أعثم الكوفي عن ابن عباس، في ذكر خروج أمير المؤمنين(عليه السلام) إلى صفّين لمحاربة معاوية، وقد أورده في حديث طويل يقول فيه: «... حتى نزل بكربلاء، ثم نظر إلى شاطئ الفرات، وأبصر هنالك نخيلاً، فقال: يا بن عباس، أتعرف هذا الموضع؟ فقال: لا يا أمير المؤمنين ما أعرفه. قال: أما إنّك لو عرفته كمعرفتي لم تكن تجاوزه حتى تبكي لبكائي. قال: ثمّ بكى عليEبكاءً شديداً، حتى اخضلّت لحيته بدموعه، وسالت دموعه على صدره، ثم جعل يقول: أواه مالي ولآل أبي سفيان. ثمّ التفت إلى الحسينE، فقال: اصبر أبا عبد الله، فقد لقي أبوك منهم مثل الذي تلقى بعدي...»([20]).

ومن تلك المواقف بكاء ريحانة الرسول(صلى الله عليه وآله) الحسن المجتبى(عليه السلام) حسب ما جاء في رواية عن الإمام الصادق(عليه السلام)، عن أبيه(عليه السلام)، عن جدّه(صلى الله عليه وآله): «أنّ الحسين بن علي بن أبي طالب(عليه السلام) دخل يوماً إلى الحسن(عليه السلام)، فلمّا نظر إليه بكى، فقال له: ما يبكيك يا
أبا عبد الله؟ قال: أبكي لما يُصنع بك. فقال له الحسن(عليه السلام): إنّ الذي يؤتى إليّ سمّ يدسّ إليّ فأُقتل به، ولكن لا يوم كيومك يا أبا عبد الله، يزدلف إليك ثلاثون ألف رجل، يدّعون أنّهم من أُمّة جدّنا محمد(صلى الله عليه وآله)، وينتحلون دين الإسلام، فيجتمعون على قتلك، وسفك دمك، وانتهاك حرمتك، وسبي ذراريك ونسائك، وانتهاب ثقلك، فعندها تحلّ ببني أُمية اللعنة، وتمطر السماء رماداً ودماً، ويبكي عليك كلّ شيء، حتى الوحوش في الفلوات، والحيتان في البحار»
([21]).

استنتاجات

من الأجدر هنا أن نلقي ـ بعد هذا العرض الروائي ـ نظرة أُخرى؛ لنتبيّن مجموعة دلالات تتضح من خلال قراءتنا لها، ويمكن إجمالها فيما يلي:

أوّلاً: إنّ جميع تلك الروايات التي نُقلت عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) لم تصدر في عام واحد، وقد جسّد الرسول(صلى الله عليه وآله) الشعائرية بأبلغ صورها في فترات متراوحة؛ ممّا يكشف عن عملية تأسيس وتجذير لها في نفوس المسلمين آنذاك، وممّا يؤيّد ما ذهبنا إليه عدّة أُمور منها:

أ ـ مجيء الروايات على لسان عدّة أشخاص وبطرق مختلفة.

ب ـ االقرائن الزمنية التي تظهر من خلال دلالات الألفاظ، خصوصاً في الأحاديث النبوية، فمنها ما يشير إلى زمن ولادة الإمام الحسين بن علي(عليهما السلام)، ومنها ما يشير إلى صدورها في السنة الأُولى من ولادته، ودلالة بعض الألفاظ على مراحل من عمر الإمام(عليه السلام) ونشأته، ومن تلك الألفاظ: «يدرج»، أو «جاء فاقتحم الدار»، و«إنّ الحسن والحسين كانا يلعبان بين يدي رسول الله(صلى الله عليه وآله)»، وغيرها مما ورد في روايات أُخرى تركناها للاختصار.

فإنّ من الملاحظ من تلك العبارات التنوّع الزمني الذي يكشف عن تدرّج مراحل عمر الإمام(عليه السلام) وترعرعه، والتي اقترنت بنزول جبرائيل والملائكة، وإخبار النبي(صلى الله عليه وآله) بمقتل الحسين(عليه السلام)، وتقديم العزاء لرسول الله(صلى الله عليه وآله)، مضافاً إلى تطور الموقف من قبل الرسول(صلى الله عليه وآله)، فمن بكاء وهمّ وغمّ، إلى إقامة مجلس ووعظ وخطبة وذكر لمصيبة الحسين(عليه السلام).

ثانياً: أشارت بعض الألفاظ إلى ما يرتبط بالحالة الوجدانية والنفسية لرسول الله(صلى الله عليه وآله) والزهراء وأمير المؤمنين(عليهما السلام)، وما كان ينتابهم من الحزن والأسى، وبالإمكان أن نرصد تلك الحالة من خلال العبارات الواردة في تلك الأخبار، ونذكر منها على سبيل المثال:

1ـ بكاء النبي(صلى الله عليه وآله) ونحيبه حين ولادة الإمام الحسين(عليه السلام)، حينما أُخبر بمقتله، وهو ما أوضحته بعض الروايات.

2 ـ ظهور علائم الحزن على وجه رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وأنّه كان مغتمّـاً كاسف البال، فضلاً عن بعض الألفاظ ذات المداليل الأكثر حزناً، ومنها: ما جاء في رواية الإمام علي(عليه السلام) حيث يقول: «دخلت على رسول الله وعيناه تفيضان من الدموع»، ومنها: بكاء أمير المؤمنين(عليه السلام) بكاءً شديداً، حتى اخضلّت لحيته بدموعه، وسالت دموعه على صدره.

ثالثاً: بعدما حدّدت بعض تلك الروايات قاتل الإمام الحسين(عليه السلام)، بيّنت موقف النبي(صلى الله عليه وآله) منه، إذ أخذ النبي(صلى الله عليه وآله) يدعو عليه ويلعنه، وبيّن للأُمّة الإسلامية شدّة غضب الله عليه، وهو ما اتّضح من بعض الروايات التي نقلناها سابقاً، وفي ذلك تجسيد عملي للّعن والدعاء على قتلة ريحانة الرسول(صلى الله عليه وآله).

رابعاً: التأكيد على التربة المطهّرة، ولعلّ أكثر الروايات أشارت إلى أنّ جبرائيل(عليه السلام) والملائكة الذين زاروا رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وقدّموا له العزاء، أروه تربة الإمام الحسين(عليه السلام) وحملوها إليه، ووصفوا تربته بأنّها حمراء، وأنّها ذات رائحة زكية. والظاهر من الاهتمام هذا عظمتها وفضلها؛ إذ جعل الله الشفاء فيها واحدة من خصائصها التي خصّها الله تعالى بها([22]).

يتداعى للخاطر بعدما وصلنا إلى هذا المقام، أنّ هذه الأخبار التي أخبر بها رسول الله(صلى الله عليه وآله) أكثر من مرّة، تعلن عن غاية تتبع ذلك، وهي أنّها، في الوقت الذي تُعتبر تجسيداً من قبل النبي(صلى الله عليه وآله) لتلك الشعائر، تؤسّس لشعائرية مراسم العزاء الحسيني أوّلاً، وتجذّرها ثانياً، ولعلّ في نزول الملائكة المتكرّر وتقديمهم العزاء لرسول الله(صلى الله عليه وآله) تأكيداً على إقامة تلك الشعائر.

خامساً:لو ألقينا نظرة إجمالية على تلك المواقف، وردود أفعال النبي(صلى الله عليه وآله) على إخبارات جبرائيل(عليه السلام)، نخرج بالنتائج التالية:

1ـ الدعوة لنصرة الإمام الحسين(عليه السلام).

2ـ الاقتصار على قيام النبي(صلى الله عليه وآله) والزهراء(صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين(عليه السلام) بتجسيد بعض تلك الشعائر، وعدم اقترانها بالدعوة للزيارة أو ما شابه ذلك من الأُمور التي نجدها في المرحلة التالية، وهذا ما يميّز روايات المرحلة الأُولى التي سبقت الواقعة عما تلاها في المرحلة الثانية.

وبعبارة أُخرى: نستطيع القول: إنّ أدبيات الرواية اختلفت وتبدّلت بما ينسجم مع الأوضاع والظروف المحدقة بها، وبما يؤدّي إلى تحقيق الأهداف المرجوّة من الثورة.

الفترة الثانية: تجسيد الشعائر الحسينيّة بعد حدوث واقعة كربلاء

جاءت مرحلة تجذير الشعائر من قبل الأئمة(عليهم السلام)؛ استمراراً لمرحلة التأسيس والتنصيص والتجسيد الذي صدر عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) والأئمة(عليهم السلام) في المرحلة الأُولى التي سبقت شهادة الإمام الحسين(عليه السلام) على شكل مرويّات وممارسات.

وقد برزت الشعائر كممارسات على نطاق أوسع بعد شهادة الإمام الحسين(عليه السلام) سنة (61هـ/681م) في كربلاء؛ إذ كان طريق الحفاظ على نتائج الثورة ومعطياتها يمرّ عبر استمرار تلك الشعائر، والحيلولة دون القضاء عليها، وهذا ما يبرزه ويوضّحه الإمام زين العابدين(عليه السلام) لمّا سأله إبراهيم بن طلحة بن عبيد الله حينما استقبله بقوله: «يا علي بن الحسين، مَن غلب؟... فقال له علي بن الحسين(عليه السلام):
إذا أردت أن تعلم مَن غلب، ودخل وقت الصلاة، فأذّن ثمّ أقم»
([23]). فقد عدّ الإمام زين العابدين(عليه السلام) استمرار شعائر الله علناً، وعلى رؤوس الأشهاد دليلاً حسّياً على انتصار نهضة الإمام الحسين(عليه السلام).

وهنا لا بدّ أن يسجّل التاريخ الإسلامي دور الإمام علي بن الحسين(عليه السلام) في كشف الزيف الأُموي، وبيان مظلومية الإمام الحسين وأهل بيته(عليهم السلام)، سواء في الكوفة أم في الشام، فلقد استمر الإمام(عليه السلام) على نهجه في ترسيخ الشعائر في وجدان الأُمة، وتعميق العاطفة في نفوس المسلمين، وتوجيههم من خلالها، وقد اغتنم الإمام(عليه السلام) جميع الفرص للقيام بذلك، حتى أصبحت تلك المواقف منطلقاً لجميع الأحرار، ولربما كان من أروع ما يمثّل تلك الحالة خطبته(عليه السلام) في الشام، إذ قال: «... أنا ابن المرمّل بالدماء، أنا ابن مَن بكى عليه الجنّ في الظلماء، أنا ابن مَن ناحت عليه الطيور في الهواء. فلما بلغ كلامه(عليه السلام) إلى هذا الموضع، ضجّ الناس بالبكاء والنحيب، وخشي يزيد أن تكون فتنة، فأمر المؤذّن أن يؤذّن للصلاة...»([24]).

فقد أراد الإمام السجاد(عليه السلام) إلفات نظر المسلمين إلى أهداف النهضة الحسينية عبر التأثير في الرأي العام، وذلك من خلال أمرين:

أحدهما: تعريف الناس بنفسه وبأهل بيته(عليهم السلام)، وكيف اقتادتهم السلطة كأُسارى، وهم أهل بيت النبي(صلى الله عليه وآله).

ثانيهما: تعريف الناس بمظلومية الإمـام الحسين(عليه السلام)، ممّا حرك في النفوس ازدراء فعل الحاكم، والاحتجاج عليه، الأمر الذي برز بعدّة أنحاء كان أوضحها تفاعل الناس وجدانياً بالبكاء.

وسنحاول تسليط الضوء في هذه المرحلة على ما جسّده أهل البيت(عليهم السلام) من الشعائر، وما أسّسوا له بعد الواقعة، وبيان تحوّل حالة التجسيد إلى صور لا تفارق المخيلة مهما تباعد الزمن، وتعاقبت الدهور، وقد تمثّل ذلك في الشعائر التالية:

الشعيرة الأُولى: البكاء على الحسين(عليه السلام)

 ليست شعيرة البكاء على أبي الأحرار(عليه السلام) أمراً يحتاج إلى بيان، فهي تمثّل الذروة التي يصبو إليها قارئ المقتل والذاكر لمصيبة الحسين(عليه السلام)، ولقد رسّخ الإمام زين العابدين(عليه السلام) الشعائر الحسينية برفعه شعار البكاء طيلة عمره الشريف، واستمرّ ذلك الفعل في زمن جميع الأئمة(عليهم السلام) من بعده، فلم يزل الإمام باكياً ليله ونهاره، حتى أشرف مولى لعلي بن الحسين(عليهما السلام)، وهو في سقيفة له ساجد يبكي، فقال له: «يا مولاي، يا علي بن الحسين، أما آنَ لحزنك أن ينقضي؟ فرفع رأسه إليه، وقـال: ويلك أو ثكلتك أُمك والله، شكا يعقوب إلى ربّه في أقل مما رأيت حتى قال: (يَا أَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ)([25])، إنّه فقد ابناً واحداً، وأنا رأيت أبي وجماعة أهل بيتي يُذبحون حولي»([26]).

وليس أبلغ من وصف الإمام الصادق(عليه السلام) للحالة التي كان عليها الإمام علي بن الحسين(عليه السلام) حيث قال: «بكى علي بن حسين(عليهما السلام) على أبيه الحسين عشرين سنة، أو أربعين سنة([27])، وما وضع بين يديه طعاماً إلّا بكى على الحسين(عليه السلام)، حتى قال له مولى له: جعلت فداك يا ابن رسول الله، إني أخاف عليك أن تكون من الهالكين، قال: (إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّـهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّـهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ )([28])، إني لم أذكر مصرع بني فاطمة إلّا خنقتني العبرة لذلك»([29]).

ويذكر أنّ الكميت أتى الإمام الباقر(عليه السلام)، فأذن له ليلاً وأنشده، فبكى الإمام الباقر(عليه السلام)، ثم قـال: «يا كميت، لو كان عندنا مال لأعطيناك، ولكن لك ما قال رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) لحسان بن ثابت: لا زلت مؤيّداً بروح القدس ما ذببت عنّا أهل البيت»([30]).

وهكذا كانت حالة البكاء الشديد التي يعيشها أئمة أهل البيت(عليهم السلام)، وخصوصاً عندما يحلّ يوم العاشر، ولعلّ أوضح صورة لها هي ما جاء في رواية عبد الله بن سنان، التي يصوّر فيها الحالة المؤلمة التي كان يعيشها الإمام الصادق(عليه السلام) حيث قال: «دخلت على سيـدي أبي عبد الله جعفر بن محمد(عليهما السلام) في يوم عاشوراء، فألفيته كاسف اللّون، ظاهر الحزن، ودموعه تنحدر من عينيه كاللؤلؤ المتساقط. فقلت: يا بن رسول الله، ممّ بكاؤك؟ لا أبكى الله عينيك! فقال لي: أوَ في غفلة أنت؟ أما علمت أنّ الحسين ابن علي أُصيب في مثل هذا اليوم؟ فقلت: يا سيدي، فما قولك في صومه؟ فقال لي: صمه من غير تبييت، وافطره من غير تشميت، ولا تجعله يوم صوم كملاً، وليكن إفطارك بعد صلاة العصر بساعة على شربة من ماء، فإنّه في مثل ذلك الوقت من ذلك اليوم تجلّت الهيجاء على آل رسول الله، وانكشفت الملحمة عنهم، وفي الأرض منهم ثلاثونَ صريعاً في مواليهم، يعزّ على رسول الله(صلى الله عليه وآله) مصرعهم، ولو كان في الدنيا يومئذٍ حيّاً، لكان(صلوات الله عليه) هو المعزّى بهم. قال: وبكى أبو عبد الله حتى اخضلّت لحيته بدموعه...»([31]).

أما الإمام موسى بن جعفر(عليهما السلام)، فخير مَن يصور شدّة حزنه وبكائه على جدّه الإمام الحسين بن علي(عليهما السلام)، وما جرى عليه في يوم عاشوراء، هو ما رواه الإمام الرضا(عليه السلام) بقوله: «كان أبي إذا دخل شهر محرم، لا يُرى ضاحكاً، وكانت الكآبة تغلب عليه حتى يمضي منه عشرة أيام، فإذا كان يوم العاشر كان ذلك اليوم يوم مصيبته وحزنه وبكائه، ويقول: هو اليوم الذي قتل فيه الحسين(صلوات الله عليه)»([32]).

هذا النص يبيّن لنا أنّ حزن وحداد الإمام موسى بن جعفر(عليه السلام) كان يمتدّ لعشرة أيام، ابتداءً من أوّل شهر محرّم حتى العاشر منه، وكان أشدّها عليه يوم العاشر من محرّم، فمن الطبيعي أن ينتقل هذا التطوّر إلى جموع الشيعة؛ إذ هي تقتدي بفعل الإمام(عليه السلام) وتتأسّى به.

 ولقد استمرّت هذه العادة باتخاذ العشرة الأُولى من المحرم أيّام حداد وحزن وبكاء بعد ذلك، وهذا ما أكّده الريّان بن شبيب عن الإمام الرضا(عليه السلام) بقوله: «... يا بن شبيب، إنّ المحرّم هو الشهر الذي كان أهل الجاهلية يحرّمون فيه الظلم والقتال لحرمته، فما عرفت هذه الأُمة حرمة شهرها، ولا حرمة نبيها، لقد قتلوا في هذا الشهر ذرّيته، وسبوا نساءه، وانتهبوا ثقله، فلا غفر الله لهم ذلك أبداً! يا بن شبيب، إنّ كنت باكياً لشيء فابك للحسين بن علي بن أبي طالب(عليهم السلام)، فإنّه ذُبح كما يُذبح الكبش، وقُتل معه من أهل بيته ثمانية عشر رجلاً، ما لهم في الأرض شبيهون، ولقد بكت السماوات السبع والأرضون لقتله... إن بكيت على الحسين حتى تصير دموعك على خدّيك، غفر الله لك كلّ ذنب أذنبته، صغيراً كان أو كبيراً، قليلاً كان أو كثيراً. يا بن شبيب، إن سرّك أن تلقى الله} ولا ذنب عليك، فزر الحسين(عليه السلام)... يا بن شبيب، إن سرّك أن تكون معنا في الدرجات العلى من الجنان، فاحزن لحزننا، وافرح لفرحنا، وعليك بولايتنا، فلو أنّ رجلاً أحبّ حجراً لحشره الله} معه يوم القيامة»([33]).

وهكذا الحال عند صاحب العصر الحجة بن الحسن(عجل الله تعالى فرجه الشريف)، فقد بكى جدّه الإمام الحسين(عليه السلام) كما يشهد له قوله(عجل الله تعالى فرجه الشريف): «... فلأندبنك صباحاً ومساءً، ولأبكين عليك بدل الدموع دماً، حسرة عليك، وتأسّفاً على ما دهاك وتلّهفاً، حتى أموت بلوعة المصاب، وغصّة الاكتياب...»([34]).

الشعيرة الثانية: ذكر مصيبة الحسين(عليه السلام) ونشرها

تشتمل هذه الشعيرة على ذكر أهل البيت(عليهم السلام) لمظلومية الإمام الحسين(عليه السلام)، وما جرى عليه، وبيانها للقريب والبعيد، وحثّ المسلمين ـ لا سيّما أتباعهم ـ على ذلك، مضافاً إلى دعوتهم للبكاء عليه، حيث روي عن إمامنا الباقر(عليه السلام): «(إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ)([35]) [فقال الإمام الباقر(عليه السلام)]: الحسين بن علي منهم، ووالله إنّ بكاءكم عليه، وحديثكم بما جرى عليه، وزيارتكم قبره، نصرة لكم في الدنيا، فأبشروا فإنّكم معه في جوار رسول الله(صلى الله عليه وآله)»([36]). وإنّه أجر الرسالة لقوله تعالى: (قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّـهَ غَفُورٌ شَكُورٌ)([37]).

 ويظهر تأكيد هذه الشعيرة جليّاً من خلال توجيه الإمام الباقر(عليه السلام) لأحد أتباعه ممّن لم يتمكّن من إقامة العزاء عند قبر الإمام الحسين(عليه السلام) حينما أرشده بقوله: «ثم ليندب الحسين(عليه السلام) ويبكيه، ويأمر مَن في داره بالبكاء عليه، ويقيم فـي داره مصيبته بإظهار الجزع، ويتلاقون بالبكاء»([38]).

الشعيرة الثالثة: رثاء الحسين(عليه السلام) بالشعر

يعدّ شعر الرثاء الحسيني وسيلة من وسائل الإعلام المتحرّك، وعنصراً من عناصر تصوير الحدث، ونقل المأساة الحسينية من خلال تمثيل تلك المعاني بالشعر الرثائي. ويُعتبر هذا الشعر أحد أركان المجالس الحسينية، إن لم يكن هو الأساس فيها؛ إذ يعمل على نقل المأساة وتصويرها بما يثير الحزن في النفوس، ويهيج العواطف، ويستدر الدموع، وهو يؤدّي ما أراده أئمة أهل البيت(عليهم السلام) من ربط الأُمة وجدانياً بمأساة الإمام الحسين(عليه السلام)، وجعلها حيّة في النفوس، هذا الإحياء الذي يمثّل في حدّ ذاته عملية تجديد الولاء مع أهل البيت(عليهم السلام)، والتعبير عن التعاطف الوجداني مع حقوقهم المسلوبة.

 ولم يألُ أهل البيت(عليهم السلام) جهداً بغية ترسيخ الشعائر الحسينية في وجدان الأُمة، متّخذين سُبلاً مختلفة لإحياء تلك الشعائر التي من شأنها أن تجعل ذكرى الإمام الحسين(عليه السلام) ماثلة للعيان، ومتجدّدة في كلّ حين، وهذا من شأنه أن يرسّخ لدى الأُمة أهداف حركة الإمام الحسين(عليه السلام) ومبادئها الإصلاحية، وما يستلزمه ذلك من سلب لمشروعية الأعداء.

ولعل أوّل شعر رثائي حسيني هو ما قاله الإمام علي بن الحسين(عليه السلام) بعد مقتل الإمام الحسين(عليه السلام) من مقاطع شعرية يرثي فيها أباه الإمام الحسين(عليه السلام)، موبّخاً أهل الكوفة على ما كان منهم من نكث للعهود، والخروج على الإمام وقتله، يقول(عليه السلام):

 

لا غروَ إنْ قُتِلَ الحسينُ وشيخُهُ
 

 

قَدْ كانَ خيراً مِنْ حسينٍ وأكرما
 

فلا تفرحوا يا أهلَ كوفةَ بالذي
 

 

أُصيبَ حسين كانَ ذلك أعظما
 

قتيلٌ بشطِّ النهرِ نفسي فداؤهُ
 

 

جزاءُ الذي أرداهُ نارُ جهنَّما([39])
 

 

 

يبدي الإمام زين العابدين(عليه السلام) من خلال هذه المقطوعة مشاعر حزنه تجاه أبيه الإمام الحسين(عليه السلام) الذي قتل بجنب شط الفرات، وعلى جدّه أمير المؤمنين(عليه السلام) الذي كان أفضل من الإمام الحسين(عليه السلام)، والذي قُتل بالكوفة أيضاً، ويؤاخذ الإمام(عليه السلام) أهل الكوفة بفعلتهم، وباستعماله لتركيب (شط الفرات) يؤسّس لرمزية عطش الإمام الحسين(عليه السلام)، الأمر الذي يضيف بطبيعة الحال للرثاء لوعة وألماً وحرقة.

كذلك رثت السيدة زينب(صلى الله عليه وآله) أخاها الإمام الحسين(عليه السلام) لمّا رأت رأسه مرفوعاً على القنا، فأومأت إليه بحرقة، وهي تقول:

يا هلالاً لما استتمَّ كمالا

 

غالَهُ خَسْفُهُ فأبدَى غروبا

ما تَوَهَّمتُ يا شقيقَ فؤادي

 

كانَ هذا مُقدَّراً مكتُوبا

يا أخي فاطمُ الصغيرةُ كلِّمها

 

فقدْ كادَ قلبُها أنْ يَذُوبا([40])

 

 

وهنا راحت تبثّ لرأس المولى الشكوى بعاطفة مشبوبة، تصوّر بذلك حسرتها وحسرت بنات الإمام(عليه السلام) على فقدانه، وما لحقهم من اليتم بمقتله.

وممّن رثى الإمام الحسين(عليه السلام) من أهل البيت أُم كلثوم بنت أمير المؤمنين(عليه السلام) عندما عاد الركب الحسيني إلى مدينة رسول الله(صلى الله عليه وآله)، فأنشدت قصيدة مطلعُها:

 

مدينةَ جدِّنا لا تقبلينا

 

فبالحسراتِ والأحزانِ جِينا([41])

 

وهي قصيدة طويلة تربوا على الثلاثين بيتاً مشبعة بعاطفة الحزن والشكوى لجدّها رسول الله(صلى الله عليه وآله) ولأُمها الزهراء(صلى الله عليه وآله)، تشكو خلالها غدر الأُمّة وبطش الظالمين، وما لاقاه الإمام الحسين(عليه السلام)، وما عانته السبايا من عنت وقسوة في رحلة السبي.

وقد ثمّن أهل البيت(عليهم السلام) مواقف الشعراء، ونصرتهم الحقيقية لقضية الإمام الحسين(عليه السلام)، وولائهم لآل بيت النبوة، فقد كرّم الإمام الباقر(عليه السلام) مَن يفد عليه من الشعراء الذين يرثون الإمام الحسين(عليه السلام) بوعده إيّاهم بثواب الآخرة، والدعاء لهم، ومنحهم جزيل العطاء، ويُذكر أنّ الكميت أتى الإمام الباقر(عليه السلام)، فأذن له ليلاً، وأنشده قصديته الميمية التي يقول فيها:

مَنْ لقلبٍ مُتيَّمٍ مُستهامِ

 

غيرَ ما صبوةٍ ولا أحكامِ

بَلْ هوايَ الذي أُجنُّ وأُبدي

 

لبني هاشمٍ أجَلِّ الأنام([42])

 

 

فلمّا بلغ قوله:

وقتيلٍ بالطفِّ غُودرَ مِنهُمْ

 

بينَ غوغاءِ أُمَّةٍ وطَغامِ

 

 

بكى الإمام الباقـر(عليه السلام)، ثمّ قـال: «يا كميت، لو كان عندنا مال لأعطيناك، ولكن لك ما قال رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) لحسان بن ثابت: لا زلت مؤيّداً بروح القدس ما ذببت عنّا أهل البيت»([43]). وفي رواية أُخرى قال الإمام الباقر(عليه السلام): «اللّهم اغفر للكميت! اللّهم اغفر للكميت... فأعطاه الإمام(عليه السلام) ألف دينار وكسوة، فقال له الكميت: والله، ما أحببتكم للدنيا، ولو أردت الدنيا لأتيت مَن هي في يديه، ولكنّي أحببتكم للآخرة، فأمّا الثياب التي أصابت أجسامكم، فأنا أقبلها لبركاتها، وأمّا المال فلا أقبله، فردّه وقَبِل الثياب»([44]).

وقد احتفى سائر أئمة أهل البيت(عليهم السلام) بالشعراء، فكانوا يستقبلونهم في بيوتهم، ولقد ارتبط رثاء أولئك الشعراء بمجالس عقدها الأئمة(عليهم السلام) من أجل البكاء فيها على الإمام الحسين(عليه السلام)، ونرى تلك الظاهرة تبرز على أوجها في زمن الإمام الصادق(عليه السلام)؛ لوفرة الشعراء الذين كانوا يقولون الشعر في الحسين(عليه السلام)، أو ظهور المنشدين الذين ينشدون قصائد قد رثى بها الشعراء الإمام الحسين(عليه السلام).

 وهنالك جملة من المجالس الحسينية التي عقدها أئمة أهل البيت(عليهم السلام) بحضور الشعراء، وقد أشرك أئمة أهل البيت(عليهم السلام) النساء في سماع تلك المجالس والحضور فيها، وكان حضورهن بمعزل عن الرجال، يسمعن من وراء حجاب، ومنها تلك المجالس التي عقدت بحضور الشاعر السيّد الحميري، فقد روى علي بن إسماعيل عن أبيه قال: «كنت عند أبي عبد الله جعفر بن محمد إذ استأذن آذنه للسيّد، فأمره بإيصاله، وأقعد حرمه خلف ستر، ودخل فسلّم وجلس، فاستنشده فأنشده قوله:

 

اُمرُرْ على جَدَثِ الحسينِ

 

فقُلْ لأعظُمِهِ الزَّكِيَّه

يا أعظُمـــاً لا زلـــتِ مِـــنْ

 

وطفاءَ ساكبةٍ رويَّه

وإذا مرَرْتَ بقبـــرِهِ

 

فأطِلْ بِهِ وقفَ المَطِيَّه

وابكِ المُطهَّــرَ للمُطَــهَّرِ

 

والمُطَـهَّـرةِ النَّـــــقِيَّـه

كبكاءِ مُعولةٍ أتَتْ

 

يوماً لواحدِها المَنِيَّه

 

قال: فرأيت دموع جعفر بن محمد تتحدّر على خدّيه، وارتفع الصراخ والبكاء من داره، حتى أمره بالإمساك فأمسك»([45]).

وهنالك مجالس أُخرى عقدت بحضور شـعراء آخرين، منهم: الشاعر أبو هارون المكفوف، وسفيان بن مصعب العبدي، وأبو الرميح الخزاعي، وأبو عمارة، وغيرهم.

وفي عهد الإمام الرضا(عليه السلام) واصل الإمام(عليه السلام) إقامة مجالس العزاء بحضور الشعراء، فقد روي عن الشاعر دعبل بن علي قوله: «دخلت على سيدي ومولاي علي بن موسى الرضا(عليه السلام) في مثل هذه الأيام، فرأيته جالساً جلسة الحزين الكئيب، وأصحابه من حوله، فلما رآني مقبلاً قال لي: مرحباً بك يا دعبل! مرحباً بناصرنا بيده ولسانه! ثم إنّه وسّع لي في مجلسه، وأجلسني إلى جانبه... ثم التفت إليّ وقال لي: يا دعبل، ارثِ الحسين، فأنت ناصرنا ومادحنا، ما دمت حيّاً فلا تقصر عن نصرنا ما استطعت. قال دعبل: فاستعبرت وسالت عبرتي، وأنشأت أقول:

 

أفاطمُ لو خِلْتِ الحسينَ مُجدَّلاً

 

وقَدْ ماتَ عطشاناً بشطِّ فراتِ

إذاً للطمتِ الخدَّ فاطمُ عندَهُ

 

وأجريتِ دمعَ العينِ في الوجناتِ»([46]) .

 

 

الشعيرة الرابعة: إقامة مجالس العزاء والنوح بواسطة الشعراء

ممّا يثبت هذا الأمر، وهو الإتيان بالشعر على نمط النياحة وبطريقته الخاصة، ما روي عن أبي عبد الله الصادق(عليه السلام)، لمّا أراد أبو هارون إنشاده، إذ طلب منه الإمام(عليه السلام) أن ينشده أبو هارون إنشاداً شجيّاً حزيناً، فقال(عليه السلام): «أنشدني كما تنشدون [يعني بالرقة]»([47]).

وبلغ من اهتمام الإمام الصادق(عليه السلام) بالنوح أن أمر الشاعر العبدي أن ينظم للنائحات ما ينحن به في المآتم النسائية([48])، كما حثّ الشيعة بقوله: «يا معشر الشيعة، علّموا أولادكم شعر العبدي؛ فإنّه على دين الله»([49])، وبذلك يؤكّد الإمام الصادق(عليه السلام) إحياء الشعائر الحسينية، وتخليد ذكرى مقتله متجدّدة حاضرة كلّ عام، وفي كلّ مكان، ومن هنا يُذكر أنّ الكميت وفد أيام الحج على الإمام الصادق(عليه السلام) واستأذنه بالإنشاد، قائلاً له: «جعلت فداك ألا أنشدك؟ قال: إنها أيّام عظام. قال الكميت: إنها فيكم، قال: هات [وبعث أبو عبد الله إلى بعض أهله فقرب] فأنشده، فكثر البكاء، وحين أتى على هذا البيت:

 

يُصيبُ بهِ الرّامونَ عن قوسِ غَيرِهِمْ

 

فيا آخراً سدَّى لهُ الغيَّ أوّلُ

 

 

فرفع أبو عبد الله(عليه السلام) يديه فقال: اللهم اغفر للكميت ما قدّم وأخّر، وما أسرّ وما أعلن، وأعطه حتى يرضى»([50]).

 ما يلاحظ في هذا النص أنّ الكميت هو الذي بادر الإمام الصادق(عليه السلام) واستأذنه في الإنشاد، فذكّره الإمام(عليه السلام) أنّ تلك الأيّام هي أيام الحج التي يُكره فيها قول الشعر، ولما كانت القصيدة في الحسين(عليه السلام) لم يكتفِ الإمام الصادق(عليه السلام) بالاستماع إليها منفرداً، بل دعا بعض أهله؛ ليكون هناك تجمع ومأتم يستمع إلى قصيدة رثاء بحقّ الإمام الحسين(عليه السلام)، حتى لو كانت الأيّام أيّام الحج.

الشعيرة الخامسة: إقامة المجالس لذكر واقعة كربلاء وما جرى فيها

قد تُذكر لفظة المجالس ويراد بها: تلك التجمعات التي تُعقد في أيّام عاشوراء، أو الأيّام الأُخرى لتخليد ذكرى الحسين(عليه السلام)، وإحياء واقعة عاشوراء، حيث صار أتباع أهل البيت(عليهم السلام) يعقدون المجالس عملاً بسيرة أئمتهم، ويتداولون فيها أحداث كربلاء، وما جرى فيها من مصيبة على الحسين(عليه السلام) وأهـل بيته(عليهم السلام)، حتى أصبحت تلك المجالس نواة ثقافيـة يتعاطى فيها شيعة أهل البيت(عليهم السلام) مختلف علوم آل محمد(صلى الله عليه وآله)، من خلال وكلاء الأئمة من الفقهاء والشعراء والخطباء وغيرهم.

قد بدأ أهل البيت(عليهم السلام) بإقامة مجالس العزاء منذ الوهلة الأُولى لفاجعة الطف، ويمكن عدّها المآتم الأُولى التي أعقبت المصيبة، والتي تضفي شرعية لانعقادها؛ لأنّها كانت تحت إشراف الإمام زين العابدين علي بن الحسين(عليه السلام).

ولعلّ أوّل تلك المجالس هي مجالس النساء العلويّات، ومَن كان معهن من نساء الأنصار لمّا وقفن على مصارع الشهداء، «فلطمن النسوة، وصحن حين مررن بالحسين، وجعلت زينب بنت علي تقول: يا محمداه، صلّى عليك مليك السماء، هذا حسين بالعراء، مرمّل بالدماء، مقطع الأعضاء، يا محمداه، وبناتك سبايا، وذرّيتك مقتلة، تسفي عليها الصبا. فأبكت كلّ عدو وولي»([51]).

أمّا مجلس العزاء الثاني، فقد انعقد بالكوفة، وذلك عند وصول سبايا آل محمد(صلى الله عليه وآله) إليها، وهو ما يصوّره ابن طيفور عن لسان حذام الأسدي حيث قال: «فقدمت الكوفة سنة إحدى وستين، وهي السنة التي قُتل فيها الحسين(عليه السلام)، فرأيت نساء أهل الكوفة يومئذٍ يلتدمن([52])... ورأيت علي بن الحسين(عليه السلام)، وهو يقول ـ بصوت ضئيل، وقد نحل من المرض ـ: يا أهل الكوفة، إنّكم تبكون علينا! فمن قتلنا غيركم؟!»([53]).

وقد أقام سبايا آل محمد(صلى الله عليه وآله) مجالس العزاء طيلة فترة وجودهم في بلاد الشام، حيث يُذكر أنّه لما سار أهل البيت إلى الشام أمر يزيد بإيوائهم في خربة لا تقيهم من حرّ ولا برد، فأقاموا بها حتى تقشّرت وجوههم، وكانوا مدّة إقامتهم ينوحون الحسين ويبكون عليه([54]).

 وتشير المصادر التاريخية إلى أنّ نساء آل البيت(عليهم السلام) أقمن المأتم على الإمام الحسين(عليه السلام) في دمشق لعدّة أيّام، بعد أن أذن لهنّ يزيد بذلك، وهذا ما أشار اليه البلاذري بقوله: «وصيح نساء من نساء يزيد بن معاوية، وولولن حين أُدخل نساء الحسين عليهنّ، وأقمن على الحسين مأتماً، ويقال: إنّ يزيد أذن لهنّ في ذلك»([55]).

والمستفاد من بعض النصوص التاريخية، أنّ مأتم الحسين(عليه السلام) استمر أكثر من ذلك، وهو ما أشار إليه ابن أعثم الكوفي بقوله: «وأقاموا أياماً يبكون وينوحون على الحسين(عليه السلام)»([56]).

وقد أشار الذهبي إلى أنّ مأتم الإمام الحسين(عليه السلام) أُقيم ثلاثة أيام بقوله: «وأمر [يزيد] نساء آل أبي سفيان، فأقمن المأتم على الحسين ثلاثة أيام»([57])، وروي أنّ العزاء استمرّ سبعة أيام: «... ثم أُخليت لهن الحُجر والبيوت في دمشق، فلم تبقَ هاشمية ولا قرشية إلّا ولبست السواد على الحسين(عليه السلام)، وندبوه ـ على ما نقل ـ سبعة أيام...»([58]).

بينما ذكر ابن نما أنّ عزاء الهاشميات على الحسين(عليه السلام) استمرّ طيلة مدّة إقامتهن في بلاد الشام بقوله: «وكانت النساء مدّة إقامتهن بدمشق ينحن عليه بشجو وأنّة، ويندبن بعويل ورنّة»([59])، وما أكّده كذلك ابن طاووس بقوله: «وكانوا مدّة إقامتهم في البلد المشار إليه ينوحون على الحسين(عليه السلام)»([60]).

كما أقام أهل البيت(عليهم السلام) مجالس العزاء والمأتم على الإمام الحسين(عليه السلام) في كربلاء لما عاد ركب السبايا إلى مدينة رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وهو ما ذكـره السيد ابن طاووس بقوله: «فوصلوا إلى موضع المصرع، فوجدوا جابر بن عبد الله الأنصاري، وجماعـة من بني هاشم، ورجالاً من آل الرسول(صلى الله عليه وآله)، قد وردوا لزيارة قبر الحسين(عليه السلام)، فوافوا في وقت واحد، وتلاقوا بالبكاء والحزن واللطم، وأقاموا المآتم المقرحة للأكباد، واجتمع إليهم نساء ذلك السواد، فأقاموا على ذلك أيّاماً»([61])، وهو ما أكّده القنـدوزي الحنفي قائلاً: «فأخـذوا بإقامـة المآتم إلى ثلاثـة أيـّام»([62]).

 ثم إنّ أهل بيت رسول الله(صلى الله عليه وآله) غادروا كربلاء قاصدين مدينة رسول الله(صلى الله عليه وآله)، بعدما أقاموا مأتم العزاء فيها([63])، وشاركهم فيها أهل تلك الديار؛ وبذلك أُسِّست النواة الأُولى لإقامة المجالس الحسينية التي أصبحت سنّة استمرّت من ذلك اليوم إلى وقتنا هذا، وتواصلت إقامة المآتم ومجالس العزاء على الإمام الحسين(عليه السلام) في المدينة المنوّرة بعـد عودة أهل البيت(عليهم السلام) مـن سبي الشام، فقد ذكر ابن نما: «فلما وصل زين العابدين(عليه السلام) إلى المدينة، نزل وضرب فسطاطه، وأنزل نساءه، وأرسل بشير بن حذلم لإشعار أهل المدينة بإيابه مع أهله وأصحابه، فدخل وقال:

 

 

يا أهلَ يثربَ لا مُقامَ لَكُمْ بها

 

قُتلَ الحسينُ فأدمعي مِدرَارُ

الجسمُ منهُ بكربلاءَ مُضرَّجٌ

 

والرأسُ منهُ على القناةِ يُدارُ

 

 

ثم قال: هذا علي بن الحسين(عليه السلام) قد نزل بساحتكم، وحلّ بعقوتكم، وأنا رسوله أعرفكم مكانه. فلم يبقَ في المدينة مخدّرة ولا محجّبة إلا برزت، وهنّ بين باكية ونائحة ولاطمة، فلم يُرَ يوم أمرّ على أهل المدينة منه، وخرج الناس إلى لقائه، وأخذوا المواضع والطرق، قال بشير: فعدت إلى باب الفسطاط، وإذا هو قد خرج، وبيده خرقة يمسح بها دموعه، وخادم معه كرسي، فوضعه وجلس، وهو مغلوب على لوعته، فعزّاه الناس، فأومى إليهم أن اسكتوا، فسكنت فورتهم، فقال: الحمد لله ربّ العالمين، مالك يوم الدين، بارئ الخلائق أجمعين، الذي بَعُد فارتفع في السماوات العلى، وقرب فشهد النجوى، نحمده على عظائم الأُمور، وفجائع الدهور، وجليل الرزء، وعظيم المصائب. أيّها القوم، إنّ الله ـ وله الحمد ـ ابتلانا بمصيبة جليلة، وثلمة في الإسلام عظيمة، قُتل أبو عبد الله وعترته، وسُبي نساؤه وصبيته، وداروا برأسه في البلدان من فوق عالي السنان، أيّها الناس، فأيُّ رجالات منكم يسرّون بعد قتله؟! أم أيُّ عين تحبس دمعها وتضنّ عن انهمالها؟! فلقد بكت السبع الشداد لقتله، وبكت البحار والسماوات والأرض والأشجار والحيتان والملائكة المقرّبون وأهل السماوات أجمعون...»([64]).

لقد أعطى الإمام زين العابدين(عليه السلام) الخطوط العامة لإقامة المجالس بهذه المضامين التي تضمّنها خطابه، هذا من جانب، ومن جانب آخر وجّه أهل المدينة خاصّة والناس عامّة إلى عمق الجراح والمصيبة والثلمة التي ثُلمت من الإسلام، وقبح الجريمة التي ارتكبها بنو أُمية، وقد حثّ(عليه السلام) على اتّخاذ المواقف بشأن ما فعله الأُمويّون، وذلك عندما أشار إلى تصدّع القلب والسمع لقوله: «أيها الناس، أيُّ قلب لا ينصدع لقتله؟! أم أيُّ فؤادّ لا يحنّ إليه؟! أم أيُّ سمع يسمع هذه الثلمة التي ثُلمت في الإسلام»([65]).

ولما دخل رحل الحسين(عليه السلام) المدينة كان أوّل عمل قاموا به هو زيارة قبر رسول الله(صلى الله عليه وآله)، يشكون إليه ما أصابهم، ويبثّونه حزنهم وما رأوه من ظلم وسفك للدماء، «وأمّا زينب فأخذت بعضادتي باب المسجد، ونادت يا جدّاه، إني ناعية إليك أخي الحسين»([66]).

وأقامت الهاشميات مجالس العزاء والنياحة على الإمام الحسين(عليه السلام)، وما برحت حرائر آل محمد(صلى الله عليه وآله) يداومن على النياحة والحزن على الإمام الحسين(عليه السلام)، وكان علي بن الحسين(عليهما السلام) يتعهّدهنّ بالطعام، فعن عمر بن علي بن الحسين([67]) قال: «لما قُتل الحسين ابن علي(عليه السلام) لبسن نساء بني هاشم السواد والمسوح([68])، وكنّ لا يشتكين من حرٍّ ولا برد، وكان علي بن الحسين(عليه السلام) يعمل لهنّ الطعام للمأتم»([69])، ويصف الإمام الصادق(عليه السلام) ما كان عليه حال نساء بني هاشم من حزن ووجد على مقتل الحسين(عليه السلام) بقوله:
«... ما اختضبت منّا امرأة ولا أدهنت، ولا اكتحلت ولا رجّلت حتى أتانا رأس عبيد الله بن زياد، وما زلنا في عبرة بعده، وكان جدّي إذا ذكره بكى حتى تملأ عيناه لحيته، وحتى يبكي لبكائه رحمة له مَن رآه»([70]).

إنّ ما يُميّز مجالس العزاء الأُولى التي أُقيمت في المدينة المنوّرة هو البكاء وحرارة العاطفة المشحونة بألم المصاب؛ لأنّ أغلب أفرادها قد عاينوا المأساة التي جرت على أهل البيت(عليهم السلام)، وعاشوا ظروف السبي وتحسّسوها، وبطبيعة الحال فقد نقلوا وقائع المقتل، وصوّروا ما جرى على أهل البيت(عليهم السلام) في كربلاء، وما لاقوه من معاناة السبي وآلامه، ولقد شهد أهل المدينة تلك المجالس.

 وقد امتازت مآتم الرجال عن مآتم النساء كلاً بصفته، فمآتم الرجال كانت تبدأ بعبارات العزاء، وكانت تدور بعد ذلك الأحاديث عن الواقعة وملابساتها، وكانت هذه الأحاديث تعجّ بالنقمة على الأُمويين وأشياعهم([71])، وقد حفظ لنا التاريخ صورة عن أحد هذه المآتم الرجالية، وهو مأتم عبد الله بن جعفر الطيار([72])، وأمّا مآتم النساء، فقد كانت أكثر حرارة وعاطفة بطبيعة الحال، وصار بعضها يُعقد في المنازل، وقد يُعقد بعضها الآخر في البقيع، وكان نساء أهل المدينة يحضرن هذه المآتم، وبعض الرجال كانوا يحضرون في البقيع أيضاً، كما تشير إليه بعض الروايات التاريخية([73]).

وفيما يخصّ مجالس النساء الطالبيات كانت تشتمل على بيان الواقعة بعبارة عاطفية، وبيان مناقب الشهداء، يتخلّل ذلك شعر النوح، وربّما رافق ذلك لطم على الوجوه، ولطم على الصدور([74]).

إنّ الأئمة(عليهم السلام)، واستمراراً لعملية التأسيس التي كانت بداياتها منذ العصر الأوّل للإسلام، نجدهم يحثّون على الشعائر مرّة من خلال التجسيد الذي يتضمّن دلالات في منتهى الوضوح، ومرّة أُخرى يلجأون إلى الأُسلوب المباشر للحثّ على إقامة الشعائر، ولا سيّما المجالس الحسينية، بعيداً عن دلالة التنبيه أو الإشارة ونحوهما، فقد شهد عهد الإمام الباقر(عليه السلام) الذي كان حاضراً في فاجعة كربلاء مع جدّه وأبيه، وعمره إذ ذاك أربع سنوات، توجّهاً جديداً في إقامة المأتم الحسيني، حيث أخذ الإمام الباقر(عليه السلام) يوجّه أتباع آل البيت(عليهم السلام) إلى ضرورة إقامة المآتم الحسينية في بيوتهم، وكيفية إقامتها كما في الحديث الذي يرويه مالك الجهني: «ثم ليندب الحسين(عليه السلام) ويبكيه، ويأمر مَن في داره بالبكاء عليه، ويقيم في داره مصيبته بإظهار الجزع عليه، ويتلاقون بالبكاء بعضهم بعضاً بمصاب الحسين(عليه السلام)... قلت: فكيف يُعزّي بعضهم بعضاً؟ قال: يقولون: عظم الله أُجورنا بمصابنا بالحسين(عليه السلام)، وجعلنا وإيّاكم من المطالبين بثأره مع وليّه الإمام المهدي من آل محمد(صلى الله عليه وآله)...»([75]).

وما دعوة الإمام الباقر(عليه السلام) أصحابه لإقامة هذه المآتم في البيوت إلّا كاشف عن الحالة السياسية العامّة التي كانت تمنع وتحارب مثل هكذا تجمعات، وتعتبرها تحريضاً ضد السلطة الحاكمة، كما تنقل المصادر توجيهاً آخر من قبل الإمام الباقر(عليه السلام) أيضاً لإقامة المجالس من دون تخصيص تلك المجالس بزمان معيّن، وذلك بقوله(عليه السلام): «رحم الله عبداً اجتمع مع آخر، فتذاكرا أمرنا، فإنّ ثالثهما مَلَك يستغفر لهما، وما اجتمع اثنان على ذكرنا إلّا باهى الله بهما الملائكة، فإذا اجتمعتم فاشتغلوا بالذكر، فإنّ في اجتماعكم ومذاكرتكم إحياءنا، وخير الناس من بعدنا مَن ذاكر بأمرنا، ودعا إلى ذكرنا»([76]).

فكان هذا التأكيد ناشئاً من مدى أهمية إقامة المجالس التي تعتبر المحور البنائي لشخصية الجماعة الصالحة المرتبطـة بالخط الولائي لأهل البيت(عليهم السلام)، والتي تُبنى وفق الأفكار والتوجيهات الصادرة منهم(عليه السلام)، وصار الالتزام بإحيائها، يُمثّل نصرة للإمام الحسين(عليه السلام).

وهكذا الحال في عهد الإمام الصادق(عليه السلام)؛ إذ أصبحت التجمّعات المخصّصة لذكر أهل البيت(عليهم السلام) ومصيبة الإمام الحسين(عليه السلام) أمراً مألوفاً في أوساط الشيعة، فقد روي أنّ الإمام الصادق(عليه السلام) قال للفضيل بن يسار: «تجلسون وتتحدّثون؟ فقال: نعم.فقال: إنّ تلك المجالس أحبّها، فأحيوا أمرنا، فرحم الله مَن أحيى أمرنا»([77]).

وقد تطوّرت المجالـس في عهـد الإمام الصادق(عليه السلام)، ولم تقتصر على إلقاء الشعر الرثائي بحقّ الإمام الحسين(عليه السلام) كما ذكرنا، بل تطوّر الأمر أكثر حينما اعتمدت تلك المجالس الحسينية نمطاً آخر في إلقاء الشعر الرثائي والبكاء، واستخدام الرقّة بالصوت الذي من شأنه أن يُحدِث التفاعل العاطفي مع مصيبة كربلاء، وما حلّ بالإمام الحسين(عليه السلام)، ممّا أدّى إلى بروز طبقة عُرفت بالمنشدين، ولم يتوقّف الأمر عند ذلك، بل امتدّ ليشمل النساء أيضاً، وإن لم تظهر لنا النصوص التاريخية أسماء بعينها للنساء في ذلك العصر، بل دلّ عليه الخبر المنقول عن الإمام الصادق(عليه السلام) حينما أمر العبدي بنظم ما تنوح بـه النساء في المآتم([78]).

 وبرز في الوقت ذاته ـ أي: في عهد الإمام الصادق(عليه السلام) ـ (القُصّاص)، وهم طبقة أُخرى من المتخصصين في سيرة الإمام الحسين(عليه السلام) ومقتله، وجاءت رواية الإمام الصادق(عليه السلام) لتكشف ما لحق المجالس الحسينية من تطوّر، سواء من حيث السعة والانتشار، أو من حيث الأساليب التي قام بها الشيعة طلباً للثواب والأجر الأُخروي.

وقد أوضح ذلك الإمام الصادق(عليه السلام) بقوله: «بلغني أنّ قوماً يأتونه [يعني مشهد الحسين(عليه السلام)] من نواحي الكوفة، وناساً من غيرهم، ونساء يندبنه، وذلك في النصف من شعبان، فمن بين قارئ يقرأ، وقاصٍّ يقصّ، ونادب يندب، وقائل يقول المراثي. فقلت: نعم جعلت فداك، قد شهدت بعض ما تصف. فقال: الحمد لله الذي جعل في الناس مَن يفد إلينا، ويمدحنا ويرثي لنا، وجعل عدونا مَن يطعن عليهم من قرابتنا وغيرهم، يهدرونهم ويقبّحون ما يصنعون»([79]).

ولم تتوقف عجلة تطوّر المجالس الحسينية عند هذا، بل طرأ عليها تطوّر ملحوظ برعاية الإمام موسى بن جعفر(عليه السلام) بعد تصدّيه لشؤون الإمامة، حيث شهد مع أبيه الإمام الصادق(عليه السلام) ذلك الزخم الكبير من إقامة مجالس العزاء بشتى أشكالها، وعاش معه إقامة تلك المآتم في بيته كلّ عام، لكن الشعائر الحسينية في تجسيده أخذت تبدأ من غرّة شهر محرّم الحرام ولمدّة عشرة أيّام، وهذا ما دلّت عليه الرواية المنقولة عن الإمام الرضا(عليه السلام): «...كان أبي (صلوات الله عليه) إذا دخل شهر المحرّم لا يُرى ضاحكاً، وكانت الكآبة تغلب عليه حتى يمضي منه عشرة أيّام، فإذا كان يوم العاشر كان ذلك اليوم يوم مصيبته وحزنه وبكائه، ويقول: هو اليوم الذي قُتل فيه الحسين (صلوات الله عليه)»([80]).

واستمرّ جميع أهل البيت(عليهم السلام) على هذا المنوال؛ ليبنوا صرح الشعائر الحسينية، فيمتدّ ويتّسع، ولا يقف عند حدود أتباع أهل البيت (عليهم السلام)، بل يشمل غير الشيعة([81])، وما كان ليصبح كذلك لولا العناية الإلهية، بالشريعة المحمدية، ورمز بقائها الذي عبّر عنه الرسول الكريم(صلى الله عليه وآله) بقوله: «حسين منّي وأنا من حسين»([82])، فأخذت وصايا أهل البيت(عليهم السلام)، وإحياؤهم للشعائر بأنفسهم، تترك أثرها البالغ في النفوس المؤمنة، الأمر الذي جعل الكثيرين يجتهدون في الحفاظ على الشعائر الحسينية، حتى غدت اليوم وكأنّها مؤسسة ثقافية عالمية، تحوي جميع الاختصاصات الاجتماعية وصنوفها، وتُرعِب كلّ طاغٍ وباغٍ أينما حلّ، ما دام الشعار الحسيني الذي تصدح به الحناجر الحرّة: «هيهات منّا الذلة».

 

 

 

 


([1])* دكتوراه في التفسير وعلوم القرآن، أُستاذ في جامعة المصطفى العالمية، من العراق.

([2]) الفيروزآبادي، محمد بن يعقوب، القاموس المحيط: ج2، ص59.

([3]) الجوهري، إسماعيل بن حماد، الصحاح: ج2، ص698.

([4]) اُنظر: المصدر السابق. ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب: ج 3، ص413.

([5]) أبو جيب، سعدي، القاموس الفقهي: ص197. فتح الله، أحمد، معجم ألفاظ الفقه الجعفري: ص245.

([6]) النوري، حسين، مستدرك الوسائل: ج15، ص144 ـ 145.

([7]) الحاكم النيسابوري، محمد بن عبد الله، المستدرك على الصحيحين: ج3، ص176. واُنظر: الحلي، ابن نما، مثير الأحزان: ص7.

([8]) زينب بنت جحش الأسدية، أُم المؤمنين زوج النبي(صلى الله عليه وآله)، أُمّها أُميمة عمّة النبي(صلى الله عليه وآله)، تزوجها النبي(صلى الله عليه وآله) سنة (3 هـ /624 م)، وقيل: (5 هـ/626 م)، وتوفيت سنة (20 هـ/641 م)، وكانت أوّل نساء النبي(صلى الله عليه وآله) لحوقاً به. اُنظر: ابن سعد، محمد، الطبقات الكبرى: ج8، ص101.

([9]) في مصادر أُخرى: فانطلقت.

([10]) المقريزي، أحمد بن علي، إمتاع الأسماع: ج14، ص143.

([11]) ابن عساكر، علي بن الحسن، تاريخ مدينة دمشق: ج14، ص190 ـ 191. الطبراني، سليمان بن أحمد، المعجم الكبير: ج8، ص285.

([12]) الطبراني، سليمان بن أحمد، المعجم الكبير: ج3، ص108.

([13]) ابن عساكر، علي بن الحسن، تاريخ مدينة دمشق: ج14، ص194.

([14]) الطبراني، سليمان بن أحمد، المعجم الكبير: ج3، ص120، وج 20، ص38. المتقي الهندي، علي بن عبد الملك، كنز العمال: ج11، ص166.

([15]) الحلي، ابن نما، مثير الأحزان: ص9. ابن طاووس، علي بن موسى، اللهوف على قتلى الطفوف: ص14.

([16]) الحلي، ابن نما، مثير الأحزان: ص12 ـ 13.

([17]) ابن قولويه، جعفر بن محمد، كامل الزيارات: ص144.

([18]) اُنظر: المصدر السابق: ص144ـ 145.

([19]) ابن حنبل، أحمد: المسند: ج1، ص85. ابن كثير، إسماعيل بن عمر، البداية والنهاية: ج8، ص217.

([20]) ابن أعثم، أحمد، الفتوح: ج2، ص551-552.

([21]) الصدوق، محمد بن علي، الأمالي: ص177ـ 178.

([22]) اُنظر: الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي: ج4، ص588. الصدوق، محمد بن علي، مَن لا يحضره الفقيه: ج2، ص599ـ600. الفتال النيسابوري، محمد بن الفتال، روضة الواعظين: ص411ـ412. ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي، لسان الميزان: ج2، ص237.

([23]) الطوسي، محمد بن الحسن، الأمالي: ص677. المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج45، ص177.

([24]) الحائري، جعفر عباس، بلاغة الإمام علي بن الحسين(عليه السلام): ص103.

([25]) يوسف: آية84.

([26]) ابن قولويه، جعفر بن محمد، كامل الزيارات: ص214. البروجردي، حسين، جامع أحاديث الشيعة: ج3، ص478.

([27]) الترديد من الرواي.

([28]) يوسف: آية86.

([29]) ابن قولويه، جعفر بن محمد، كامل الزيارات: ص213. واُنظر: الصدوق، محمّد بن عليّ، الخصال: ص273.

([30]) المسعودي، علي بن الحسين، مروج الذهب: ج3، ص229.

([31]) الطوسي، محمد بن الحسن، مصباح المتهجد: ص782.

([32]) الصدوق، محمد بن علي، الأمالي: ص191.

([33]) الصدوق، محمّد بن علي، عيون أخبار الرضا(عليه السلام): ج2، ص268 ـ 269.

([34]) المشهدي، محمد بن جعفر، المزار: ص501. المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج98، ص238.

([35]) غافر: آية 51.

([36]) الثمالي، أبو حمزة، تفسير أبي حمزة الثمالي: ص290.

([37]) الشورى: آية23.

([38]) ابن قولويه، جعفر بن محمد، كامل الزيارات: ص326.

([39]) الطبرسي، أحمد بن علي، الاحتجاج: ج2، ص32.

([40]) المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج45، ص115. القندوزي الحنفي، سليمان بن إبراهيم، ينابيع المودة لذوي القربى: ج3، ص87.

([41]) اُنظر: القندوزي الحنفي، سليمان بن إبراهيم، ينابيع المودة لذوي القربى: ج 3، ص94. المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج45، ص197.

([42]) المرزباني الخراساني، محمد بن عمران، مختصر أخبار شعراء الشيعة: ص74.

([43]) المسعودي، علي بن الحسين، مروج الذهب: ج3، ص229.

([44]) أبو الفرج الإصفهاني، علي بن الحسين، الأغاني: ج17، ص20.

([45]) المصدر السابق: ج7، ص175.

([46]) المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج45، ص257.

([47]) ابن قولويه، جعفر بن محمد، كامل الزيارات: ص208.

([48]) اُنظر: المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج76، ص263.

([49]) المصدر السابق: ج76، ص293.

([50]) أبو الفرج الإصفهاني، علي بن الحسين، الأغاني: ج17، ص20.

([51]) البلاذري، أحمد بن يحيى، أنساب الأشراف: ج3، ص411.

([52]) يلتدمن: لدمت المرأة وجهها: ضربته، والالتدام: الاضطراب، والتدام النساء: ضربهن صدورهن في النياحة. اُنظر: الجوهري، إسماعيل بن حماد، الصحاح: ج5، ص2028.

([53]) ابن طيفور، أحمد بن أبي طاهر، بلاغات النساء: ص23.

([54]) اُنظر: أبو حنيفة، النعمان بن أحمد، شرح الأخبار: ج3، ص268ـ 269. الصدوق، محمد بن علي، الأمالي: ص231.

([55]) البلاذري، أحمد بن يحيى، أنساب الأشراف: ج3، ص217.

([56]) ابن أعثم، أحمد، الفتوح: ج5، ص133.

([57]) الذهبي، محمد بن أحمد، سير أعلام النبلاء: ج3، ص303 ـ 304.

([58]) البروجردي، حسين، جامع أحاديث الشيعة: ج16، ص699.

([59]) الحلي، ابن نما، مثير الأحزان: ص81.

([60]) ابن طاووس، علي بن موسى، اللهوف على قتلى الطفوف: ص109.

([61]) المصدر السابق: ص114.

([62]) القندوزي، سليمان بن إبراهيم، ينابيع المودة: ج3، ص92.

([63]) اُنظر: ابن طاووس، علي بن موسى، اللهوف على قتلى الطفوف: ص115. الأمين: محسن، أعيان الشيعة: ج1، ص617.

([64]) الحلي، ابن نما، مثير الأحزان: ص90 ـ 91.

([65]) المصدر السابق: ص91.

([66]) المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج45، ص198.

([67]) «عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي المدني صدوق فاضل». ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي، تقريب التهذيب: ج1، ص724.

([68]) المسوح: جمع مسح، وهو كساء من الشعر الأسود. اُنظر، البغدادي، عبد القادر، خزانة الأدب: ج5، ص19.

([69]) البرقي، أحمد بن محمد، المحاسن: ج2، ص420.

([70]) ابن قولويه، جعفر بن محمد، كامل الزيارات: ص167 ـ 168.

([71]) اُنظر: شمس الدين، محمد مهدي، واقعة كربلاء في الوجدان الشيعي: ص327.   

([72]) اُنظر: ابن الأثير، علي بن أبي الكرم، الكامل في التاريخ: ج4، ص89. الإربلي، علي بن عيسى، كشف الغمة: ج2، ص280.

([73]) اُنظر: أبو مخنف الأزدي، لوط بن يحيى، مقتل الحسين(عليه السلام): ص181.

([74]) اُنظر: شمس الدين، محمد مهدي، واقعة كربلاء في الوجدان الشيعي: ص327.

([75]) ابن قولويه، جعفر بن محمد، كامل الزيارات: ص326.

([76]) الطوسي، محمد بن الحسن، الأمالي: ص224.

([77]) الحر العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة: ج14، ص501.

([78]) اُنظر: ابن شهر آشوب، محمّد، معالم العلماء: ص182.

([79]) ابن قولويه، جعفر بن محمد، كامل الزيارات: ص539.

([80]) الصدوق، محمّد بن علي، الأمالي: ص191.

([81]) اُنظر: الطوسي، محمد بن الحسن، الأمالي: ص321.

([82]) الطبراني، سليمان بن أحمد، المعجم الكبير: ج3، ص33.

 
 
البرمجة والتصميم بواسطة : MWD